المقالة8 ج1 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – ق. صموئيل وهبه

المقالة8 ج1 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – ق. صموئيل وهبه

المقالة8 ج1 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – ق. صموئيل وهبه

 

السجود والعبادة بالروح والحق

المقالة الثامنة

“موضوعات أخرى عن المحبة نحو الإخوة وعن الذي يسرق ثور أو شاه”

 

كيرلس: في كل موضع إذًا يا بلاديوس تستطيع أن تدرك بأي قدر يأمر الناموس القديم أن تكون أقوال التعليم مستقيمة ودقيقة، واضعين في الاعتبار أن الأمر لا يخلو من ضرر لأولئك الذين اعتادوا أن يخدعوا بعضًا من البسطاء. يقول أيضًا: ” إذا سرق إنسان ثورًا أو شاه فذبحه أو باعه يعوض عن الثور بخمسة ثيران وعن الشاه بأربعة من الغنم. إن وُجد السارق وهو ينقب فضُرب ومات فليس له دم. ولكن إن أشرقت عليه الشمس فله دم إنه يُعوّض. إن لم يكن له يُبتع بسرقته. إن وُجدت السرقة في يده حية ثورًا كانت أم حمارًا أم شاه يُعوض باثنين” (خر22: 1ـ4).

بلاديوس: القول غير واضح تمامًا أرجو أن تشرح لى ماذا تعنى هذه الوصية التي أُعطيت بطريقة غامضة.

كيرلس: الناموس يحدد عقاب مفيد لذلك الذي يريد أن يمارس العنف، ويوقف بطريقة ما شهوة الامتلاك غير المنضبطة للأشياء التي لدى الجار أو الأخ لدرجة أنه يقول في حالة السرقة، يُقتل الذي أُمسك بالسرقة في ساعتها، لا تُلقي أية تُهمة على أولئك الذين قتلوه. وفي حالة إذا لم تكن للسارق إمكانية أن يدفع الفدية يحاكمه في خزى إذ يقول إنه يجب أن يُباع كعبد. وذلك بهدف أن يؤدبه الخوف، لكي يعيش باستقامة، والمعنى الخفي للوحى هو بالطبع مختلف جدًا عن هذا، ويجب أن أعرضه على أفضل ما يكون.

الثور والشاة هذان (الحيوانان) الاثنان الطاهران والمقدسان يُقدمان إلى الله لكي يًسر برائحتهما. الثور يتميز بالقوة وكبر حجم جسمه. بينما الآخر (الشاه) ليس بالمثل إذ أنه هو أصغر في الحجم جدًا من الثور. ثيران إذًا وخراف كحيوانات طاهرة جدًا ومقدسة (لله) هي (روحيًا) القطيع المقدس الذين تبرروا ببر الإيمان. (وكلاهما) اللذان بالحافر المزدوج وبالاجترار صارا ـ وفقًا للناموس ـ عاملين للثمار، الثور يحرث الأرض وأيضًا الشاة تعطى ثمار أي القطيع المدعو من الله، وهما محفوظان في الحظائر الإلهية أي في الكنائس، والسارقون الذين يحومون حول القطيع هم كثيرون، حيث ينقبون الحوائط ويتسللون خفية إلى الداخل وبأنواع كثيرة من الخداع يحاولون أن يقتلعوا نفوس البسطاء، وأن يبيعوها، بطريقة ما، إلى الشيطان الذي يهلكها. لكن كما يقول الكتاب إن الذي يفعل شيء مثل هذا، سوف يدفع عن الثور الواحد خمسة ثيران، وعن الخروف الواحد أربعة خراف، أي أن العقاب يكون خمسة أضعاف عن الثور الواحد وأربعة أضعاف عن الخروف الواحد. وهكذا يفرض عقوبة تتناسب مع قيمة الشيء المسروق، والتطبيق الروحي لهذا أن مَن يفقد شيئًا قليلاً لأجل الرب يُعوض بعطايا روحية مضاعفة.

ويمكن أن نجد مثالاً لدرجات الفضيلة في أعضاء الجسم، فهناك درجات كبيرة جدًا من الصلاح ودرجات صغيرة وذلك في المؤمنين لأن ليس الجميع لهم نفس القدر من المواهب. لأن كل واحد له موهبته الخاصة من الله. الواحد هكذا والآخر هكذا (انظر 1كو7:7).

يقول (الناموس) إذا قُبض على السارق وهو متلبس بالجريمة ساعة الظلمة ليلاً أي في الساعة التي يسرق فيها ويدمر ويُتمم أعمال السرقة، فإنه يُقتل حينئذ وسوف لا يُعتبر هذا الفعل جريمة قتل، وسوف لا توجه لمرتكب هذا الفعل أي تهمة. فالذي قُتل هو السارق ورجل العنف، وقد طبق عليه قانون الحرب. لكن إذا انقضى وقت السرقة وأشرقت الشمس، يعيق الناموس يد المعاقب، ويحدد أنه في حالة قتله توجه تهمة القتل إلى مرتكب هذا الفعل. (هكذا بالنسبة) للسارق في التطبيق الروحي الذي يريد أت يُهلِك نفس ذاك الذي آمن بالمسيح، وأن يُبعده عن محبة الله، لن يكون ظلمًا أن يُعاقب هذا بالموت. فهو يريد أن يقتل النفس التي هي أسمى من الجسد. أما إذا أشرقت الشمس، أي عندما تسطع في عقله الخاص المعرفة الحقيقية مثل النور والنهار، فلا يبقى مُعرّضًا للخطر بعد. فهو يُعاقب على أعمال الليل والظلمة وليس على الأعمال التي تصير في النور. والله يحكم بعدل إذ يُمنح العفو عن الجرائم الأولى، أي كل التي اُرتكبت في ظلمة الجهل، ليقال من ثم عن كل الذين انتقلوا من الخطية إلى النور: ” لأنكم كنتم قبلاً ظلمة أما الآن فنور في الرب” (أف5: 8) هكذا برّر الرب بولس الرسول الذي كان أولاً مجدفًا ومضطهدًا ومعتديًا إذ اضطهد بإفراط كنيسة الله محاولاً إتلافها (انظر 1تي1: 13).

بلاديوس: حديثك رائعًا.

كيرلس: لكن إن لم يستطع أن يعطى عن الثور الواحد خمسة (ثيران) وعن الخروف الواحد أربعة (خراف) يُباع كعبد بسبب ما سرقه. أترى كيف أن الناموس يحكم بالخزي ـ خزي البيع كعبد ـ على أولئك الذين لم يتطهروا بعد من الخطية ـ لكي أقول هكذا ـ لا يستطيعون ولو بالفدية أن يمنعوا إجرامهم، حيث من ضعف المعرفة لا يستطيعون أن يحتملوا أتعاب التوبة وبهذه الأتعاب يعفو الله عنهم؟ يقول الناموس بصواب جدًا أن هؤلاء يُباعون. ولا يسمح أن يحصى كل الذين تلوثوا بهذه الطريقة، مع أولئك الذين تحرروا بالنعمة. وبذلك يبتعدون هؤلاء عن الكرامات التي تناسب الأحرار، وسوف يسمعون القول: ” إنما آثامكم باعتكم” (إش50: 1الترجمة اليسوعية).

يقول إذا قُبض على السارق وهو يسرق ولكن لم يقتل، إنه إذا ضبط وهذا يقابل في التطبيق الرمزي على شخص ما من أولئك الذين لديهم آراء هرطوقية، وهو يغش ويخدع الآخرين، ولكنه لم يفلح في قيادة أحد إلى الهلاك، فهذا سوف يدفع مضاعفًا. إذ سيأخذ سيد القطيع كل ما يحق، بينما يدعى الهرطوقي للمحاكمة، وسوف يتحمل عقوبة الموت. لأن هذا الذي أراد أن يفعله في الآخرين، سوف يعانيه هو نفسه وهذا هو العدل بعينه.

بلاديوس: إنها حقًا مرعبة ومدمرة جريمة أولئك الذين يخدعون الآخرين، والذين يحذر المسيح منهم قائلاً: ” احترزا من الأنبياء الكذبة الذين يأتونكم بثياب الحملان ولكنهم من الداخل ذئاب خاطفة” (مت7: 15).

كيرلس: هذا صواب، إذ يحكم عليهم الناموس كحيوانات متوحشة ويقول إن كل واحد من هؤلاء يجب أن يموت إذ أنه مكتوب في سفر الخروج: ” ومن سرق إنسانًا وباعه أو وُجد في يده يُقتل قتلاً” (خر21: 16). وأيضًا في سفر التثنية: ” إذا وُجد رجلٌ قد سرق نفسًا من أخوته بنى إسرائيل واسترقه وباعه يموت ذلك السارق فتنزع الشر من وسطك” (24:7). أي لا يُسمح للجنس المقدس الذي للمسيح أن يُهلك وأن يُقاد إلى عبودية قاسية بواسطة أولئك الذين اعتادوا أن يفعلوا هكذا. وكذلك أيضًا كل الذين يخدعون الأولاد الأحداث، ويبعدونهم عن وطنهم وعن مسكنهم، ويجردونهم من كرامات الأحرار ويضعونهم تحت نير العبودية الثقيل. وهذا ينطبق على الذين يضلون الآخرين بأنواع كثيرة من الخداعات التي تؤثر على العقل. فالهراطقة يحاولون أن يقودوا الذين يحبون الاستقامة، والذين يمارسون الحياة اللائقة بالأحرار، لكي يخدعوهم بمعرفتهم الغبية جدًا. هؤلاء سيكابدون بعدلٍ تهمة سرقة النفوس البشرية، وجزاؤهم هو الموت. لهؤلاء لا تقولوا حتى ” سلام” (انظر 2يو:10) كما يقول تلميذ المخلص، وهو لا يعلمنا طرق التعامل المتوحشة، لكنه يحذرنا كحملان من مخالطة الذئاب. فالمستقيمو الإيمان لا يتفقون مع الهراطقة، إذ يقول: ” وأي نصيب للمؤمن مع غير المؤمن؟” (2كو15:6) وفيما عدا ذلك يكتب بولس الطوباوى: ” أنه لا يجب أن نختلط بزناة هذا العالم” (انظر 1كو5: 9ـ10).

          ولكي لا يصير البعض ضحايا للخطف من كنيسة الله، التي هي بيت أبيهم، ويُقادون إلى كنائس الأشرار، إذ تخدع عقولهم بانحرافات في اتجاه الدناءة والشر لذلك يقول: ” المعاشرات الرديئة تفسد الأخلاق الجيدة” (1كو15: 33). يحدد الناموس أن يكون الموت هو جزاء هؤلاء الذين يصرون على فعل هذا الأمر. وسوف ترى أن الناموس يعلن لنا في وصايا أخرى ووفقًا لكل ما قلناه فهو يرتب أمور العالم نحو الاستقامة برؤية واضحة جدًا وسهلة الفهم بالنسبة لمَن يريد. لأننا لن نلغي النص المكتوب كأمر قديم وذلك في الأمور النافعة. ففي بعض المرات حتى حرف الناموس سوف يفيد السامعين له، الذي في عمقه هو يحمل الروحيات، ويخفي القوة داخل ظلال الحروف. إذ يقول في سفر الخروج أيضًا: ” وإذا راود رجل عذراء لم تُخطب فاضطجع معها يمهرها لنفسه زوجة. إن أبى أبوها أن يعطيه إياها يزن له فضة كمهر العذارى“(خر22: 16ـ17). وإذ يوضح لنا موسى الوصية الإلهية، يكتب في سفر التثنية: ” إذا وُجد رجلٌ مضطجعًا مع امرأة زوجة بعل يُقتل الاثنان الرجل المضطجع مع المرأة والمرأة. فتنزع الشر من إسرائيل. إذا كانت فتاة عذراء مخطوبة لرجل فوجدها رجل في المدينة واضطجع معها فأخرجوهما كليهما إلى باب تلك المدينة وارجموهما بالحجارة حتى يموتا الفتاة من أجل أنها لم تصرخ في المدينة والرجل من أجل أنه أذل امرأة صاحبه. فتنزع الشر من وسطك. ولكن إن وجد الرجل الفتاة المخطوبة في الحقل وأمسكها الرجل واضطجع معها يموت الرجل الذي اضطجع معها وحده. وأما الفتاه فلن تفعل بها شيئًا ليس على الفتاة خطية للموت بل كما يقوم رجل على صاحبه ويقتله قتلاً هكذا هذا الأمر. إنه في الحقل وجدها فصرخت الفتاة المخطوبة فلم يكن من يخلصها” (تث22:22ـ27). وكل ما يخص الرواية الكتابية لا أظن أنه يحتاج لشرح لأجل فهمها. إذ أنها واضحة جدًا وصافية. لكن يجب، كما يبدو، عندما أنقل هذا إلى الحاضر، أن نسلك الطريق الداخلى والخفي (أي الروحي).

بلاديوس: أجل.

كيرلس: أقول إذًا إنه مثلما الزنى هو من الجرائم الأكثر خطورة من الكل على المرأة، إذ يبطل الزواج، ويسبب الانفصال بين المتحدين بالفعل برباط الزواج، هكذا بنفس الطريقة، أعتقد أن الفساد الذي يسببه أي شخص للنفس البشرية هو من الشرور الأكثر فظاعة من الكل، وليس ببساطة في أية نفس، بل في تلك النفس التي صارت متحدة بالعريس السماوي. لأننا بالإيمان وأيضًا بنوال الروح نتحد به، كما هو مكتوب: “وأما من التصق بالرب فهو روح واحد” (1كو6: 17).

لهذا إذًا يفرض الناموس وبعدل جزاء الموت على الزانى وعلى تلك التي زنت، الواحد لأنه يبذر بذور كفره أي هرطقته وتلك النفس لأنها قد أهانت ناموس الأمانة وذهبت مع معلّم آخر، وأسلمت عقلها إلى أقوال ذاك الفاسد، وقبلت التلوث بالخداعات البشرية.

بلاديوس: قولك مقنع

 

كيرلس: إذًا، التي تسكن، حسب الناموس، مع رجل تشبه (روحيًا) تلك النفس التي تسكن، بالإيمان ونعمة الروح، مع المسيح وهي متحدة به. والعذراء المخطوبة تشير إلى النفس التي دُعيت لأن تبدأ المعرفة الحقيقية وقبلت كعربون كلمة الوعظ، ومازالت تنتظر الزواج الحقيقي بالنعمة بواسطة المعمودية المقدسة والإتحاد بالروح القدس. هكذا قدم بولس إلى المسيح الكنيسة التي من الأمم إذ يكتب الآتى: ” لأنى خطبتكم لرجل واحد لأقدم عذراء عفيفة للمسيح” (2كو12: 2). والعريس نفسه يقول في موضع ما بصوت الأنبياء: ” وأخطبك لنفسى إلى الأبد وأخطبك لنفسى بالعدل والحق والإحسان والمراحم أخطبك لنفسى بالأمانة فتعرفين الرب” (هو2: 19ـ20). يقول إذا حدث من ثم، جريمة الفساد في نفس مثل هذه، سوف يُحسب الفعل هكذا كزنا، لأن المخطوبة عليها التزام وهي مازالت بعد تحت يد ذاك الذي سوف يصير بعد قليل زوجًا لها. لكن يقول إذا حدثت الجريمة في المدينة، أي في كنيسة المسيح، وفي مدينة الله الحى التي سكانها ملائكة ورجال قديسون، أساتذة ومعلمون، الذين لديهم القوة أن يدافعوا عن أولئك الذين يتعرضون للخطر وللتضليل، تموت العذراء التي أصابتها الجريمة مع المخادع. لأنه كان في استطاعتها وبسهولة أن تتجنب الفساد، إذا أخبرت بالأمر المعلمين الذين يعرفون أن ينقذوها، وهكذا تكون قد تعرضت للفساد بإرادتها، واختطافها إلى الدناءة لم يكن بالإكراه. لكن يقول إذا لم يحدث هذا داخل الكنيسة ولا في مدينة الله بل كما لو في سهل وحقول، حيث لا يوجد المعلم المدافع وكان المكان مقفرًا وخالى تمامًا من هؤلاء الذين يحولون الأمور إلى الأفضل، وبسبب غياب المعلّمين نشطت البدعة، عندئذ سيكون الحكم على فاعل الفساد فقط. لأن الفعل في هذه الحالة هو اغتصاب، وإكراه، صعب جدًا على النفس أن تتجنبه. لهذا سوف تعتق (الفتاة) من التهمة. ولا يمكن أن ننكر أن التأنيب لشخص ما على كل ما يعانيه بالإجبار هو أمر زائد عن الحاجة، إذ أن هذا الشخص مجبر وليس حرًا.

بلاديوس: زائد عن الحاجة تمامًا لأن الناموس عادل.

كيرلس: تتكلم بالصواب فالناموس لا يكتفي بالفحص السطحى بل يجعل تناسبًا بين الغضب، والجريمة، فهو لا يعتق تمامًا الجريمة الصغيرة جدًا من حتمية العقاب، كما أنه لا يساوى الجرائم الصغيرة بالكبيرة، لكنه يفرض العقوبة المتناسبة مع الجريمة. إذ يقول أيضًا: ” إذا وجد رجل فتاة عذراء غير مخطوبة فأمسكها واضطجع معها فوُجدا يعطى الرجل الذي اضطجع معها لأبى الفتاة خمسين من الفضة وتكون هي له زوجة من أجل أنه أذلها. لا يقدر أن يطلقها كل أيام حياته” (تث22: 28ـ29). جعل من ذاك الذي وُجد مع مخطوبة مذنب زنا، بالطبع بالطرق التي ذكرناها. وهنا العذراء تشير إلى النفس التي لم تُخطب بعد للمسيح عن طريق الإيمان، ثم نجسها شخص ما بكلمات الكفر، وأمسكها في شبكته وأخذ يجذبها من ضلالة إلى ضلالة، مثلما يفعل الهراطقة، خاطفين المؤمنين الذين يقدمون من الأمم ومن اليهود مقنعين إياهم أن يتبعوهم. فعملهم هذا لن يخلو من خطورة. لأنه سوف يضع أمام أب الأرواح، أي أمام الله، الأسباب التي من أجلها تمت الجريمة، والتي صيغ العقاب عليها حسنًا جدًا بالجزاء المالى. العبارة ” وتكون هي زوجة له” هي مفيدة للرؤية الروحية للأمم.

بلاديوس: أفهم ما تقوله. لأن الناموس هو ثنائى جسدى وروحى.

كيرلس: لاحظ إذًا أن الوصية القديمة لم تجهل هذا الذي قاله المسيح عن الرجل والمرأة: ” فالذي جمعه الله لا يفرقه إنسان” (مر10: 19).

يقول: ” أن تكون زوجة له“، لأنه أذلها، إذ لن يستطيع أن يطلقها قط. ومع هذا فَكِر في كم هي سامية زينة البتولية الطاهرة جدًا. إذ أن الكتاب الموحى به يُسمى الاغتصاب وضاعة.

بلاديوس: تحدثت باستقامة.

 

المقالة8 ج1 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – ق. صموئيل وهبه

المقالة7 ج4 – السجود والعبادة بالروح والحق ج4 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة7 ج4 – السجود والعبادة بالروح والحق ج4 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة7 ج4 – السجود والعبادة بالروح والحق ج4 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

 

السجود والعبادة بالروح والحق

تابع المقالة السابعة

في المحبة الواجبة نحو الاخوة

كيرلس: ويمكن أن يرى المرء وبسهولة جدًا أن هناك فترة زمنية طويلة تفصل بين هؤلاء الذين خلصوا بإيمانهم بالمسيح وأولئك الذين كان الناموس مؤدبًا لهم. لأن القدماء يرون أن هناك عقاب ينتظر الذي ينشأ بين أناس وثنيين ويشاكل الناس الغرباء. أما نحن فينصحنا بولس بأنه يجب علينا أن نحيا حياة أفضل وأكثر شجاعة قائلاً: ” لأنه كما أن الجسد هو واحد وله أعضاء كثيرة وكل أعضاء الجسد الواحد إذا كانت كثيرة هي جسد واحد كذلك المسيح أيضًا. لأننا جميعًا بروح واحد أيضًا اعتمدنا إلى جسد واحد يهودًا كنا أم يونانيين عبيدًا أم أحرارًا وجميعنا سقينا روحًا واحدًا. فإن الجسد أيضًا ليس عضوًا واحد بل أعضاء كثيرة[1]، إذن بأي طريقة يطبق هنا هذا التدبير؟ لأن واضع الناموس كان يخشى على الناس قديمًا من الاختلاط بأناس يعتنقون دينًا آخر والآن لا يخشى عليهم. لأن أولئك الذين دُعوا إلي المسيح ولديهم محبة لا تتزعزع نحو الله يجعلهم الروح القدس الساكن فيهم مؤسسين بواسطته حتى ” نصرخ يا أبا الآب[2]. لكن أولئك القدماء لم تكن لديهم هذه العطية العظيمة وكما يقول يوحنا العظيم: ” لأن الروح القدس لم يكن قد أُعطى بعد لأن يسوع لم يكن قد مُجد بعد[3]. إذًا فالكمال التام يصير بالمسيح، بينما الناموس لا يستطيع إطلاقًا أن يقود إلي الكمال كما هو مكتوب.

بلاديوس: أرغب بشدة أن تخبرني كيف يكون الناموس غير كامل؟

كيرلس: بالتأكيد. لكن حديثنا سوف يتناول الأمور التي نثبتها الآن، وسوف نفحص بالتفصيل طرق المحبة نحو القريب بعمق أكثر مما كتبه موسى للقدماء.

بلاديوس: سر إذن إلي ما تتحدث عنه.

كيرلس: يقول الناموس ” تحب قريبك كنفسك[4]، بينما ربنا يسوع المسيح يعلّمنا بآلاف الأقوال أن نحب بعضنا بعضًا معضدًا ـ بطريقة ما ـ ناموس المعرفة الغريزي وإرادة كل واحد، فيقول ” فكل ما تريدون أن يفعل الناس بكم افعلوا هكذا انتم أيضًا بهم[5]. إذن ما يتمنى المرء أن يفعله الآخرون به، فليفعله هو بالآخرين، وسوف لا يحيد عن هدفه، لكن بالأحرى سوف يسلك مباشرةً في المحبة وسوف يُتوّج بتاج محبة الآخرين.

بلاديوس: حسنًا قلت هذا.

كيرلس : المحبة إذًا هي كمال الناموس وهي أسمى من الإيمان والرجاء لأن هذا ما كتبه لنا بولس العظيم[6]. لذلك وإذ هو يصنع منها تاجًا من ورود الربيع المتعددة الألوان قال أيضًا ” إن أطعمت كل أموالي وإن سلّمت جسدي حتى احتِرق ولكن ليس لي محبة فلا أنتفع شيئا. المحبة تتأنى وترفق. المحبة لا تتفاخر، ولا تنتفخ، ولا تُقَبّح، ولا تطلب ما لنفسها، ولا تحتد، ولا تظن السوء، ولا تفرح بالإثم بل تفرح بالحق. وتحتمل وتُصدِّق كل شئ، وترجو كل شئ، وتصبر علي كل شئ، المحبة لا تسقط أبدًا. وأما النبوات فستبطل والألسنة فستنتهي والعلم فسيبطل[7]. هذه الأقوال واضحة للجميع والحديث عنها سيكون طويلاً، وخاصة إذا أراد المرء أن يجمع بالتفصيل كل ما قيل عنها في العهد الجديد لكن ليتنا نركز حديثنا الآن عن ظلال الناموس وعن كل ما شُرِّع أيضًا للقدماء بنماذج أو أمثلة.

بلاديوس: فكرك صائب جدًا

كيرلس: بمعنى أن الناموس كان معنيًا بالبر ـ وبطريقة ما ـ كان ممهدًا للنعم الإنجيلية لأنه مكتوب ” بداية الطريق الصالح أن تفعل الحق[8]. أى أن الناموس يقود إلى المسيح وأن حياة المجد تعتبر مضمونة إذا فهمنا الناموس روحيًا، فأنواع البر هي، أولاً، التقوي والمحبة تجاه الله الواحد الحقيقي، وبعد ذلك مباشرة المحبة نحو الإخوة والآخرين، خاصة تقديم الاحترام للوالدين. فبالترتيب اللائق يستمر الكتاب في تعليمنا بأنه، بعد التوقير لله واحترام الوالدين، علينا أن نُظهر محبتنا نحو الكل. لأن فى كل الحالات يتعهد الناموس بالمساواة، ويشرِّع بأنه يجب أن تُمتحن الأمور بدقة. إذ أنه مكتوب فى سفر التثنية: ” لا يكن لك فى كيسك أوزان مختلفة كبيرة وصغيرة. لا يكن لك فى بيتك مكاييل مختلفة كبيرة وصغيرة. وزن صحيح وحق يكون لك، ومكيال صحيح وحق يكون لك، لكى تطول أيامك على الأرض التي يعطيك الرب إلهك. لأن كل من عمل ذلك كل من عمل غشًا مكروه لدى الرب إلهك[9]. مكتوب أيضًا فى سفر اللاويين: ” لا ترتكبوا جورًا فى القضاء لا فى القياس ولا فى الوزن ولا فى الكيل. ميزان حق ووزنات حق وإيفة وهين حق تكون لكم. أنا الرب إلهكم الذي أخرجكم من أرض  مصر[10]. إذن، حَرِص (الناموس) بكافة الطرق أن يعادل بالقياسات والمكاييل والأوزان، طرق العدل. لأنه العقل الصادق والبار، يوازِن ويقيس طبائع الأشياء ويفحص بالتفصيل وبدقه أكثر من هؤلاء الذين يراقبون الموازين والأثقال التي توضع فوق الميزان، ويقيس كل شىء من الأشياء التي يفحصها بدون أن يدمر بالنافل جمال المساواة الدقيقة، ولا يسمح بالتأكيد بالخطأ لكى يفتعل هذه المساواة، ها هي إذن ـ يقول ـ مقاييس الأطوال، والأوزان، والسوائل صحيحة. وأعتقد أن هذه هي بعض النماذج والأمثله الواضحة، والتي تعلن لنا الطرق التي بها نستطيع أن نفسر الكلام الدقيق عن المساواة وتصير معرفة البر واضحة. ولاحظ أن كل ما يتضمنه الناموس يهدف إلى البر، لكن يكسب الأعظم (نعمة العهد الجديد)، وكل ما علّمه المسيح يمضى أبعد جدًا عن ما يقدمه الناموس. لأن الصلاح أسمى من الناموس، أى مجد التوافق مع إراده الحياة بحسب المسيح.

بلاديوس: تتحدث بالصواب. بالتأكيد سأتذكر أولئك الذين تبرروا بالإيمان، وفق ما قاله المسيح: ” إن لم يزد بركم على الكتبة والفريسيين لن تدخلوا ملكوت السموات[11].

كيرلس: وهذا أكيد. لكن دعنا ننشغل بالتفصيل إذا أردت، بمقياس الاستفادة الموسوية ومجد بر الناموس. لأن من يحب الحق (الله)، ويعتبره أمرًا ضروريًا أن يحب إخوته ينبغى عليه أن يبدو واثقًا وثابتًا. إن الإنسان غير المخادع عليه أن يهتم بكل حرية بسلوكه الأخلاقى ليكون مكشوفًا وبلا لوم، ذلك بدون أن يتزعزع وبلا سطحية ولا بإظهار وداعة كاذبة تجعله يخفى وراء فروة الحمل حقيقة أنه ذئب، لذلك يقول الناموس: “ لا تسعَ فى الوشاية بين شعبك. لا تقف على دم قريبك. أنا الرب. لا تبغض أخاك في قلبك. إنذارًا تنذر صاحبك ولا تحمل لأجله خطية[12]. وهذا الأمر صاغه برؤية أخرى، لأنه يقول: ” لا يكن عليك ثوب مصنف من صنفين[13]، وأيضًا: ” لا تلبس ثوبًا مختلطًا صوفًا وكتانًا معًا[14].

          إن خداع وجبن هؤلاء الذين نعتبرهم صالحين، يُعتبّر شرًا مخيفًا ويستحق التأنيب. الخداع يُعَدّ من الأشياء التي يمقتها الله جدًا، والذي يصاحبه دائمًا الازدواجيه والتقلب فى الرأى. بسبب هذه الأمور يستفز ويغضب العقل الإلهي النقى الطاهر. لأنه يقول للبعض: ” لسانهم سهم  قتّال يتكلم بالغش. بفمه يكلم صاحبه بسلام وفى قلبه يضع له كمينًا[15]. سوف يصعد إلى جبل الرب، يقول داود، العامل بالحق والطاهر فى القلب “ الذي لا يشى بلسانه ولا يصنع شرًا بصاحبه ولا يحمل تعييرًا على قريبه[16]. اذن، فإن السلوك بخداع، أى المرء الذي يحيا بالمكر ويلبس قناع البر، وفى نفس الوقت يؤذى إخوته غير مبالٍ بنواميس المحبة فهذا ما حرمه الناموس كشىء بذئ، ويوصينا ألاّ نلبس ثوبًا مصنفًا من صنفين مستخدمًا هذا الثوب كرمز، وهو يعنى أنه من البذاءة أن نخفى إزدواجيه فى نفوسنا، إزدواجيه داخلية وذهنية، إنه الرياء البشرى الملعون الذي يُنسج من الانشغال برأيين يجعل تصرفات الواحد تجاه الآخر سيئة وفاسدة. نتساءل ماذا تكون حياة  المنافقين؟ هي طبعًا مثل هؤلاء الذين يراهم الناس كصالحين ويعتبرونهم صالحين، لكن فى الحقيقه هم غير صالحين.

بلاديوس: بالتاكيد.

كيرلس: إذن، طريق المنافقين طريق مزدوج مغلّف بإرادتين مختلفتين، لكن داود العظيم يمتدح الإنسان ذا الطريق الواحد ويقول إنه جدير بنظر السماء لأنه يقول: “ الله مُسْكِن المتوحدين فى بيت[17]، أيضًا يُقال إن الله يشتت عظام الذين يفرحون باستحسان البشر لهم. وهذه الشهوه يمقتها بولس قائلا ” أفأستعطف الآن الناس أم الله. أم أطلب أن أرضى الناس. فلو كنت بعد أرضى الناس لم أكن عبدًا للمسيح[18].

بلاديوس: هل يوجد أحد لم يكن واضحًا له أن الرياء هو بالحق سخيف وبعيد جدًا عن التقدير الصحيح ؟

كيرلس: إذن ثمرة المحبة التي بلا لوم والتي تتمشى مع الرجل البار والصالح هي أن يكون متحررًا من الخداع. وهذا ما يحتاجه الدارس الحقيقي للبر وعاشق المحبة تجاه الإخوة أن يعتبر هذا الرأى مستقيمًا ليس فقط إذا توقف عن هذا الخداع، لكن أن يصير معلمًا لأهله أو للذين يسكنون معه. والقديس بولس يتحدث عن الشخص الذي سوف يأخذ على عاتقه الاهتمام بكنيسة الله أن يكون له أولاد مطيعين، وجعل هذا الأمر برهانًا على صلاحه أو عدم صلاحه قائلاً: ” إن كان أحد لا يعرف أن يدبر بيته فكيف يعتنى بكنيسة الله[19].

لذلك يقول الناموس بمثال وصورة حية ” وإذا نطح ثورًا رجلاً أو امرأة فمات يُرجم الثور ولا يؤكل لحمه وأما صاحب الثور فيكون بريئًا ولكن إن كان ثورًا ناطحًا من قبل وقد أُشهد علي صاحبه ولم يضبطه فقتل رجل أو امرأة فالثور يٍُرجم وصاحبه أيضًا يُقتل. وإن وضعتَ عليه فدية يدفع فداء نفسه كل ما يوضع عليه. أو إذا نطح ابنًا أو ابنةً فبحسب هذا الحكم يُفعل به. إن نطح الثور عبدًا أو أمةً يُعطي سيده ثلاثين شاقل فضة والثور يُرجم[20]، إذن تشريع الله واضح ؟

بلاديوس: ليس واضحًا تمامًا.

كيرلس: انتبه إلي ما أقوله وليكن في ذهنك ما كتبه القديس بولس ” ألعل الله تهمه الثيران أم يقول مطلقًا من أجلنا[21] يُشبَّه الشتّام والحسود بالثور الذي عنده قوة هجومية. لأن هذا الحيوان منتفخ ومتغطرس ورهيب في قوته ومن الصعب مواجهة هجومه. إذن يُشرح هذا الكلام روحيًا هكذا، إذا كان لإنسان صديق يعرفه معرفة جيدة وتقابلا معًا مع رجل صالح آخر يعرفه وحدث أن قام هذا الإنسان بفعلٍ مشين تجاه هذا الرجل الصالح الذي كان يجهل حقيقة شخصية الصديق وكانت النتيجة أن شُلّت حركة هذا الرجل أو الأفضل قُتِل من جراء هذه السلطة الظالمة لصديق هذا الإنسان، عندئذٍ أمر الناموس بأن يُفرض على هذا الإنسان (إذا كان على عِلم بوحشية صديقه هذا) جزاء الموت إذ قال يجب أن يموت بالرجم. لكن يتحرر هذا الإنسان من الغضب إن كان لا يعرف طريقته الناطحة ولم يدرك أنه يشارك في دناءة ذلك (الثور). لأن جرائم الآخرين لا تؤذينا إذا حدثت بدون أن نعرف حقيقتهم. لذلك لا يسمح أن يؤكل لحم الثور، لأنه لا يجب أن نشترك في نجاسة الآخرين، التي يشير إليها بمثال الأكل والمشاركة. إذن، ألاّ يشير هذا بواضح إلى القول بأنه: ” لا تشترك في خطايا الآخرين. احفظ نفسك طاهرًا[22].

بلاديوس: واضحًا جدًا.

كيرلس: الناموس شرّع بالحق أن صاحب الثور مع الثور يُدان، إذا كان يعرف خطره، وقد أقرّ بأنه يعرف إنه شرس، لأنه في إمكانه أن يمنع وقوع الظلم وارتكاب الخطأ. لكن كونه لم يفعل هذا الأمر مع سبق الإصرار يكون هذا الإنسان مشاركًا في فعل هذا الأمر بالإرادة والفكر، هكذا مع من اختار أن يعمل ويتعاون مع أولئك الذين يريدون أن يرتكبوا جرائم. هذا الإنسان ـ كما يقول الناموس ـ فليمت إذا كان القضاة لم يفرضوا تعويضًا وجزاءات خاصة بهذه الأمور. الناموس يهدف إلي الرحمة لأنه يقول: “يعاقب باعتدال إذا أراد القضاة”. ذلك ينقل الآن المثال إلي الحقيقة، بمعنى أن القاضي يدين الكل بالموت لكنه يقبل هؤلاء الذين أخطأوا ويقدمون فدية لإبطال الخطيئة، أى دموع التوبة وألم التوبة وطرق الإحسان المختلفة، لأن حسب الكتاب: ” الرحمة تفتخر علي الحكم[23]. الناموس يُميّز بين أولئك الذين وقع عليهم الضرر. فإذا كان الثور قد قتل ابنًا أو ابنةً، فليمت الثور وصاحبه بلا رحمة أما إذا قتل عبدًا أو عبدةً فليدفع فدية. ألاَ يستحق إذن أن نرى ما هو السبب؟ بالرغم من أن وجود أحرار وعبيد ينتج عن سوء استخدام السلطة وليس نتيجة لخطأ ما، مثل المرض مثلاً لأنه حسب كلام النبي: ” أليس أب واحد لكلنا أليس إله واحد خلقنا[24]. هل نستنتج إذن أن الخالق يسلم البعض إلي الجريمة والعبودية؟ هل الله هو الذي وضع العبيد في مكان مهين والأحرار في المجد؟ بالتأكيد لا، لأنه مكتوب: ” ليس عبد ولا حر.. لأنكم جميعًا واحد في المسيح يسوع[25]. بناءً علي ذلك، فالناموس هو ظل، والابن والابنة يعني الجيل الحر للقديسين، بينما العبد أو العبدة الجنس المستعبَد الموجود تحت ثقل الخطيئة. وارتكاب الأخطاء ضد القديسين وضد الخطاة ليس له نفس الثقل ونفس العقاب. وبالتأكيد إن كون هؤلاء وأولئك هم إخوة من جهة الطبيعة فهذا واضح لكل واحد: لكن القديس موجود في سمو روحي وعلي مرتفعات الفضيلة. ومن جانب الله فإنه وضع القديسين في رتبة الأبناء والبنات، الأمر الذي يتخطى قياس البشر والعبيد. الناموس أوصي بطرق أخرى أن نفعل أعمال صالحة ونمارس المحبة تجاه الإخوة. سوف نستعرض هذه الطرق وسوف نتحدث عن كل ما هو في حدود طاقتنا. قال أيضًا: ” وإذا فتح إنسان بئرًا أو حفر إنسان بئرًا ولم يغطه فوقع فيه ثور أو حمار فصاحب البئر يعوّض ويرد فضة لصاحبه والميت يكون له[26]. هذه الوصية تشير إلي أنه لا يصنع أحد عائقًا أو عثرةً لأخيه ولا يجعل الأمور التي هي ضرورية للحياة لنا وللآخرين وسيلة للموت. هل من يحفر بئرًا لا يفعل شيئًا مفيدًا وضروريًا لنفسه وللآخرين؟ لكن لا يجب أن يكون ما تفعله أنت يُسبب خطرًا للآخرين، لأنه كما يقول بولس العظيم ” المحبة لا تطلب ما لنفسها[27].

بلاديوس: ومن هو هذا الذي يحفر بئرًا؟ وما الذي يشير إليه البئر لأنني أريد أن أعرف هذه الأمور بوضوح.

كيرلس: ما يشير إليه النص المقدس واضح بالطبع، لأنه يقول ينبغي أن يُغطى البئر حتى لا تحدث حادثة للآخرين، لأنه يقول ليت من لا يغطى البئر يعرف أنه إذا انزلق حيوان في البئر فسوف يدفع أموالاً لصاحبه، لكن هذا الذي قُتِل سيكون ملكه. وسوف نقول ونحن نفسر الأمر وفق المفهوم الروحي: الناموس يدعو البئر معرفة الكتاب الموحى به من الله، وأيضًا الكلام عن الثالوث المقدس والمساوي وعن سر المسيح  كمال كل هذا كان موجودًا في العمق وفيه القوة المحيية وهذا ما سوف يؤكده لنا المخلص نفسه ” وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته[28]. إذن، كل مَنْ يدرس الكتابات القديمة ويتحقق بجهد وفير من أقوال الكتاب الموحي به من الله مفتشًا عن المعرفة الدقيقة والصحيحة، يُشبه إلى حد كبير من يحفر بئرًا لأنه يفتش عن الماء الذي يعطي الحياة[29]، والنبع الذي يحتوى علي البهجة والسرور. فالذي وصل الي هذه الدرجة من الفهم، يستطيع أن يُسلَّم ما فتش عنه كمن يحفر بئرًا ولن يصنع شيئًا جديدًا بعرق الآخرين ولكن يفيد ذاته والآخرين بأتعابه. لكن محبي المعرفة الكاذبة بحسب قول النبي يحفرون آبارًا. حسنًا يقول النبي إذا حفر شخص بئرًا عليه أن يؤَمنه لكى لا يصير لآخرين سببًا للهلاك، في حين أنه يظن أنه صنعه حسنًا، لأنه ينبغي أن نكرز بكلام الله بطريقة مستقيمة وبدقة حتى لا يصير هذا الكلام سببًا للعثرة. وهذا ما يعنيه الغطاء علي البئر، بمعنى أن لا يغيب عن الكرازة الأمان الواجب، لأنه يقول إذا وقع في البئر حمار أو ثور فصاحب البئر يعوّض. الثور أيضًا والحمار لم يذكرهما بالصدفة لكن الإشارة لهما لها معنى عميق. ذَكَرَ الثور لكي يحضر إلي ذهنك الجنس المقدس والطاهر، بينما الحمار لكي تتذكر الجنس الدنس وغير الطاهر، لأنه حسب الناموس لا تُقدم إلي الله ذبيحة غير طاهرة. بالتأكيد فإن الجنس المقدس والطاهر هو كل الذين تطهروا بالمعمودية المقدسة، لكن ما زال البعض بداخلهم دنس الخطية. فهو كأنه يقول: “إذا حدث ضرر لشخص من أولئك الذين تعمدوا وقبلوا ختم النعمة من جهة الشركة مع الله، أو لشخص تصادف أنه لم يعتمد بعد سوف يعاقب مسببًا العثرة وسوف يبقى في هذا الموت بمعنى سيصير الموت موت ذاك الذي أصابه الموت. بالتأكيد المخلص نفسه قد حذرنا قائلاً: “ومن أعثر أحد هؤلاء الصغار المؤمنين بِى فخير له أن يُعلَّق في عنقه حجر الرحى ويغرق في لجة البحر[30].

بلاديوس: تتحدث بالصواب.

كيرلس: يمكنك أن تتحقق بسهولة أن الناموس يعلن بطرق رمزية أنه ليس من الصواب أن يخطئ المرء إلى الإخوة. لأنه كون أن أحد يجرح ضميرهم الضعيف روحيًا فيكون كمن يخطئ إلى المسيح[31]، يقول إذن     ” إذا خرجت نار وأصابت شوكًا فاحترقت أكداس أو زرع أو حقل فالذي أوقد الوقيد يُعوِّض[32]. لأنه لا يجب أن يُهلك الأشياء المفيدة مع الأشياء الضارة ولا تهلك الحيوانات الأليفة مع الحيوانات المفترسة.

بلاديوس: كيف تفهم هذا ؟

كيرلس: هل لا يوجد تشابه بين كتابات الهراطقة الفجار والمعلمين الثرثاريين اليونانيين وبين الشوك الذي علي الجبال وفي الحقول؟ بمعنى أي فائدة يمكن أن تكون لنفوس البشر من هذه الأمور أو بمعنى آخر أي ضرر سوف لا يصيب كل الذين لا يريدون أن يضعوا هذه الأمور في عقولهم؟ الأشواك تغذى النار وتمثل فقط غذاءً لألسنة النار. هكذا العقائد المظلمة التي لأولئك الذين هم في الضلال وحكايات العجائز الوثنية فهي توقد ألسنة النار الأبدية. السنابل والقمح هي طعام لذيذ للبشر وضروري لفائدتنا إذ بها نستمر في الحياة، وهي مثال لعقائد الحق والتي بها يتغذى كل الذين يؤمنون بالخبز الحقيقي أي بالمسيح. الكتب المقدسة هي وادي سهل وبدون وعورة لأولئك الذين يعرفون أن يحيوا بطريقة صحيحة ومستقيمة. لأنه حسب ما هو مكتوب: ” كلها واضحة لدى الفهيم ومستقيمة لدى الذين يحبون المعرفة[33]. إذن، فالشوك هو ثرثرة المنحرفين الدنسة والمملوءة فُجرًا بينما القمح والسنابل هي كلمة الحق التي تفيد وتغذي النفس إذ أن الكتاب المقدس هو وادي سهل. وذلك عندما نقول إن أقوال القديسين تنقَضّ كألسنة النار على ضلال الهراطقة واليونانيين، إذ أن القديسين يدافعون عن عقائد الحق ويهاجمون تلك الأشواك حتى تحترق كتابات أولئك مثل الأشياء المادية غير المفيدة بدون أن تسبب أي ضرر للسنابل ولا القمح الذي تحمله، ليت المعلمون يحترسون كى لا يلحقون الأذى بأى عقيدة من عقائد الحق. والمعلم الذي لا يحترس ولا يؤدى واجبه على ما يُرام وأحرق شيئًا من الأشياء المفيدة (أى حرَّف عقيدة من العقائد) فإنه سيدفع ثمن إهماله هذا. هل أدركت إذًا كم يريد المشرِّع بما  يأمر به أن يُنهِض انتباهنا لكى ينقذ فى كل الحالات نقاوة وصراحة المحبة نحو إخوتنا؟

بلاديوس: بالتأكيد أدركت.

 

[1] 1كو12:12ـ14.

[2] رو15:8.

[3] يو39:7.

[4] لا18:19.

[5] متى12:7.

[6] 1كو13:13.

[7] 1كو3:13ـ8.

[8] أمثال7:16س.

[9] تث25 :13ـ26.

[10] لا35:19ـ36.

[11] مت20:5.

[12] لا 16:19ـ17.

[13] لا19:19.

[14] تث11:22.

[15] إر8:9.

[16] مز3:15.

[17] مز6:68.

[18] غلا10:1.

[19] 1تى5:3.

[20] خر28:21ـ32.

[21] 1كو9:9ـ10.

[22] 1تي22:5.

[23] يع13:2.

[24] ملا10:2.

[25] غل28:3.

[26] خر33:21ـ34.

[27] 1كو5:13.

[28] يو3:17.

[29] انظر يو14:4.

[30] مت 6:18.

[31] انظر 1كو12:8.

[32] خر6:22.

[33] أمثال9:8.

 

المقالة7 ج4 – السجود والعبادة بالروح والحق ج4 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة7 ج3 – السجود والعبادة بالروح والحق ج4 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة7 ج3 – السجود والعبادة بالروح والحق ج4 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة7 ج3 – السجود والعبادة بالروح والحق ج4 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

 

السجود والعبادة بالروح والحق

تابع المقالة السابعة

في المحبة الواجبة نحو الاخوة

بلاديوس: كلامك حق لأن حياة القديسين ستكون هي الحياة التي سيكون فيها كل شئ مُعدًا لهم، وستكون الخيرات في متناول أيديهم. وليتنا نقول نحن أنفسنا لكل قديس: ” لأنك تأكل تعب يدك. طوباك وخيرًا لك[1].

كيرلس: إذن ونحن نسرع إلي هدفنا، فلنرجع إلي حديثنا ونقول: يقودنا الناموس بقوة وبصلاة عقلية إلي الإله الواحد الحقيقي ولا يتركنا نجهل الكلمة الأزلي المولود منه. لأنه قد أُعطى لنا من قِبَل الوصية وأُعلِنَ لنا:   ” تحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل قوتك[2]، وأيضًا   ” الرب هو الإله. ليس آخر سواه[3]، وربط سر المسيح  بكل هذا ارتباطًا مباشرًا مضيفًا: ” احفظ يوم السبت لتقدسه كما أوصاك الرب إلهك[4]، لأنه هو الطريق، وهو الصالح، والمبدع الأعظم، والذي يغدق بالخير الكامل علي الذين يريدون أن يعرفوه. لذلك قال مخلصنا إلي أبيه السماوي: ” هذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته[5]، هنا يربط ربطًا وثيقًا الكلام عن الآب بالكلام عن الابن، لأن المعرفة هي واحدة للاثنين. حسنا وبخ الذين أخفقوا في معرفة الحق وظنوا أنهم يعرفون الله، قائلاً: “ لو كنتم قد عرفتموني لعرفتم أبي أيضًا. ومن الآن تعرفونه وقد رأيتموه[6]، لأن معرفة الواحد والآخر مشتركة في الاثنين. إذ بعدما وضع أساسًا دقيقا للمعرفة الإلهية كشيء ملزِم وبعدما زرع داخلهم معرفة المشرِّع، نزل إلي البشريات، وإلي جانب إكرام الله وضع مباشرةً وصية إكرام الأب والأم مرتبطين معًا، فمن خلالهما أتينا إلي الوجود بإرداة الله، لذلك فإن لهم مكانه ثانية بعد الخالق. فالطبيعة البشرية تنشئ داخلها الكائن الحي الذي يقبل مجد الخالق وذلك بالقدرة الإلهية. وكما أن الله هو بداية الكل حيث هو مبدع وخالق، هكذا كل واحد من الوالدين هو بالنسبة لطفله يكون أصل ولادته ومصدر مجيئه إلي الوجود. إذن، فحسب مثال خالق الكل يتمثل العمل المشترك بين الأب والأم في قدوم كل البشر إلي الوجود. لهذا بالتأكيد أمر الناموس أن تُعطي كرامة عظيمة لهما، وأكد علي أن الذين يكرمونهما سوف ينالون كرامة عظيمة، وبالعكس الذين لا يكرمونهما سوف ينالون جزاءً مؤلمًا، فالتصرف المهذب والموقر يتوّج صاحبه بالكرامات بينما التصرف غير الحسن يحمِّله بآلام ومشقات ومصاعب أخرى فى الحياة، لأنه يقول ” أكرم أباك وأمك لكي تطول أيامك علي الأرض[7]. إذن، فهناك مكافأة عظيمة للذين يكرمون الوالدين في هذه الحياة وتمتد لأزمنة طويلة، وحكم الناموس بالموت علي الشتامين مخيفًا إياهم كمربى يقودهم نحو الصواب. لأنه يقول أيضًا: ” ومن ضرب أباه أو أمه يُقتل قتلاً[8].

انتبه إذًا علي أي حال، فإن من يرتكب الخطيئة تجاه الوالدين يعاقب بنفس جزاء من يرتكب خطية ضد الله وهنا يضع حقوق الوالدين بجوار حقوق الله، بمعنى كما أن اللسان الخاطئ ضد الله يُعاقَب بالموت بغضب شديد، هكذا نفس الأمر يصير مع الوالدين. وإن نقض أحد الوصية الإلهية وأحزن المُربِّى بمخالفته فإنه يموت.

هكذا إذن إن لم يضع الإنسان في حسابه وصايا أبيه أو أمه، يموت بالرجم، كما أمر الناموس الإلهي، حقًا يقول سفر التثنية: ” إذا كان لرجل ابن معاند ومارد لا يسمع لقول أبيه ولا لقول أمه ويؤدبانه فلا يسمع لهما يمسكه أبوه وأمه ويأتيان به إلي شيوخ مدينته وإلي باب مكانه ويقولان لشيوخ مدينته ابننا هذا معاند ومارد لا يسمع لقولنا وهو مسرفٌ وسكيرٌ. فيرجمه جميع رجال مدينته بحجارة حتى يموت. فتنزع الشر من بينكم ويسمع كل إسرائيل ويخافون[9] إذًا هل تستطيع بعد هذا أن تتردد في أن تعتبر أن كرامة الأب والأم تقترب من كرامة الله؟

بلاديوس: إطلاقًا لأن الناموس أقنعنا بأنه يجب أن نكرمهما والسبب الذي قاله شخصي بحكمة ” ُأذكر أنك بهما كُونتَ[10]. ويعقوب البطريرك أب الآباء يقول بالصواب: ” لولا أن إله أبي إله إبراهيم وهيبة اسحق كان معي لكنت الآن قد صرفتني فارغًا[11].

كيرلس : أخبرني إذن، كوننا نقول إننا قد وُلدنا منهما ألاَ يبرهن بوضوح أن هذه هي أيقونة الخالق الذي يدعو غير الموجود إلي الوجود؟ وأنه  يجب أن نكرمهما ونهابهما، ألاَ يبدو أنه وضع لهما نفس مكانة ومنزلة الرتبة الربانية؟

بلاديوس: بالتأكيد. لذلك كان سفر الأمثال يلعن البعض قائلاً: ” العين المستهزئة بأبيها والمحتقرة إطاعة أمها تقورها غربان الوادي وتأكلها فراخ النسر[12]، لكن وَضِّح ليّ من فضلك ذلك، كيف يفهم المرء قول المخلص: ” من أحب أبًا أو أمًا أكثر مني فلا يستحقني“؟[13]، وأيضًا القول الآخر أي عندما ترجاه تلميذه أن يذهب ويدفن أباه قال له ” اتبعني ودع الموتى يدفنون موتاهم[14].

كيرلس: وما هو غير المعقول في هذه الأمور؟ فيمكن معرفة هذه الأمور بكل بساطة ـ كما أعتقد ـ وبسهولة يستطيع أن يدركها من يريد أن يفكر بالصواب.

بلاديوس: لكن الكلام ليس واضحًا تمامًا، لأن يبدو أنه يبعدنا عن توقير الوالدين.

كيرلس: يا عزيزي الكلام بعيد عن مثل هذه الشبهة، وعن هذه الأفكار الرديئة. لأن كلام المخلص لا يبعدنا إطلاقًا عن احترام الوالدين لكن يعلمنا أن احترام الله يسبق ويفوق احترام الوالدين، ونحن نعتبر احترام الوالدين مرتبطًا بالاحترام اللائق بالله، وهو الأمر الذي حفظه المسيح نفسه إذ أنه لم يَدِن الذين يحبون الوالدين، ولا حتى أنَّب وأدان الذين يحترمون الوالدين. لكن ببساطة شرَّع بطريقة لائقة أن تأتى الأمور البشرية في الترتيب الثاني بعد الأمور الإلهية. لأنه لم يقل فقط ” من أحب أبًا أو أمًا” لكن أضاف عبارة ” أكثر مني“. هل تعتقد أنه لا ينبغي أن تكون الأولوية للمحبة نحو الله ثم بعد ذلك المحبة نحو البشر؟

بلاديوس:  لا بالتأكيد.

كيرلس: حسنًا، فهو لم يترك التلميذ يمضي في فكرة اعتبار المحبة نحو الإنسان أفضل من المحبة نحو الله، حتى إن كانت نواميس الطبيعة تنادي بالاحترام والمحبة نحو الوالدين. وببساطة فقد وضع ما يخصه في مرتبة أعظم مما يخصنا. لأن الله هو أعلا من الكل وفوق الكل. لكنه لم يأمر مطلقًا بأن نعتبر توقير أو احترام الوالدين شيئًا تافهًا، فهو أوصى بأن نقول إن كل ما يتعلق بالله فهو في المرتبة الأعظم والأحسن لأن هذا الأمر قاله المسيح إلي معلمي اليهود: ” لماذا تتعدون وصية الله بسبب تقليدكم فإن الله أوصى قائلاً أكرم  أباك و أمك. ومن يشتم أبًا أو أمًا فليمت موتًا. وأما أنتم فتقولون من قال لأبيه أو أمه قربان هو الذي تنتفع به مني. فلا يكرم أباه أو أمه فقد أبطلتم وصية الله بسبب تقليدكم[15].

بلاديوس: أليس تكون بذلك معرفة هذه الأشياء مفهومة جدًا. وهكذا يتضح ما هو جرم الفريسيين في هذه الحالة؟

كيرلس: مكتوب في سفر اللاويين: ” إذا أفرز إنسان نذرًا حسب تقويمك نفوسًا للرب. فإن كان تقويمك لذكر من ابن عشرين سنة إلي ابن ستين سنة يكون تقويمك خمسين شاقل فضة علي شاقل المقدس[16]، ومن حيث إنه قال قليلاً عن المرأة والأولاد أضاف: ” وإن كان فقيرًا عن تقويمك يوقفه أمام الكاهن فيقوّمه الكاهن علي قدر ما تنال يد الناذر يقوّمه الكاهن[17] الكلام سري وعميق وسوف نفحصه بالتفصيل حينما يحين الوقت. الآن ليتنا  نأتي إلي موضوعنا، أتى بعض الإسرائيليين وطلبوا أن يكرسوا نفوسهم لله. بالطبع في فترة المثال والظل وحسب الناموس كانوا يكرمون هؤلاء الذين نالوا رتبة الكهنوت وخدموا المذبح الإلهي، لكن بعض الذين اشتهوا هذا المجد (أي الكهنوت) وأرادوا أن يحققوا رغبتهم في أن يصيروا كهنة كان عدم توافر الأموال بالنسبة لهم يمثل عائقًا منيعًا. فالكتبة والفريسيون حثوهم علي أن يدفعوا، لأن هؤلاء الكتبة والفريسيين كانوا محبين للمال والرشوة الدنسة. وكانوا يحاولون أن يظهروا احترامًا للوالدين وكانوا يقولون لهم نحن بالكاد نستطيع أن نجد الأمور الضرورية للحياة لأنفسنا ولأولئك الذين يكرسون أنفسهم للرب بأن نؤمِّن لهم ملبسهم وكانوا يقنعون المكرسين بأن مساعدة الوالدين هو أمر عديم النفع عند الله حتى أنه عندما يأتي الوالدون ليطلبوا مساعدتهم المنتظمة لقنوهم بأن يخبروهم: “ما تريدونه هو عطية من الله” أي ما سوف تأخذونه منا هو مخصَّص لله فلا تمد يدك إلي الأموال الإلهية إذ أنني كرست ذاتي إلي الله وقدمتها إليه كعطية له. هكذا يدفعوهم أن يتصرفوا ضد الوصية الإلهية لدرجة أن الخوف أصبح ينتابهم من إمكانية تعرضهم للضرر بسبب انتهاك الحرمات المقدسة، كما أنهم أصبحوا يرتعبون بشدة من الناموس وكل هذا بزعم توقير الله. لذلك يقول لهم المسيح: ” قد أبطلتم الوصية الإلهية بسبب تقليدكم“، فكان يجب أن يتم تكريم الوالدين وليس بادِّعاء توقير الله ندوس علي وصية الناموس الخاصة بإكرام الوالدين. وبالتالي لا يجب أن نهمل كل ما يليق بالله بحجة الأمور البشرية، ومن أجل الله يجب أن لا نبالي بالأمور البشرية. بل بالعكس علينا أن نحب أب الكل محبة شديدة وفي المرتبة الثانية مباشرة نقدم للوالدين ـ الذين اشتركوا مع الله في خلقنا ـ الكرامات اللائقة. وبجانب هذا الذي قلته يجب أن نأخذ في اعتبارنا أمرًا آخر.

بلاديوس: ما الذي تريد أن تقوله؟

كيرلس: أظهر ربنا يسوع المسيح بأنه ينبغي علينا أن نحترم والدينا، وأعتبر أمه جديرة بالاحترام والرعاية. حقًا لقد كان معلقًا فوق الصليب المقدس ومُسمرًا علي الخشبة وسلم العذراء القديسة إلي تلميذه المحبوب الأصيل جاعلاً تلميذه المحبوب عائلاً لها، إذ قال: ” يا امرأة هوذا ابنك ثم قال للتلميذ هوذا أمك ومن تلك الساعة أخذها التلميذ إلي خاصته[18] ومكتوب ” من تلك الساعة أخذها التلميذ إلي خاصته [19].

بلاديوس: يبدو لي أن توسعك في هذا الموضوع كان ممتازًا.

كيرلس: وحيث إنه وضع الأولاد تحت نير والديهم ووضعهم تحت نير الناموس، فهو وضع بذلك شريعة خاصة بتصرف الوالدين تجاه أولادهم إن كانوا لا يريدون أن يحيدوا عن إرادة الله. لقد أخبر بولس الحكيم، بإيجاز وبإعلان جيد، الأولاد أنه ينبغي عليهم أن يخضعوا لآبائهم وأيضًا قال      “وأنتم أيها الآباء لا تغيظوا أولادكم بل ربوهم بتأديب الرب وإنذاره[20]، بمعنى أن يصيروا لهم معلمين ويقودوهم إلي حياة محبة الله وفق الناموس. والناموس يعطي وصية للوالدين بشكل متكامل أن يعتنوا علي قدر استطاعتهم بكل ما يفيد أولادهم لأنه يقول: “ لا تدنس ابنتك بتعريضها للزنى لئلا تزني الأرض وتمتلئ الأرض رذيلة[21]، أي أن الخالق يطلب منا قبل كل الأمور الأخرى الطهارة الجسدية كمثال أولى لحياة القداسة. لأن الطهارة الجسدية هي مدخل للبهاء الروحي، وذلك إذا هربنا من ارتكاب التصرفات الدنيئة. إذًا يجب علي الآباء أن يقدموا لنا نصائح حسنةً ولكن إذا وصل المربون إلى الانحراف أو تغير الهدف ولا يبالون وبالأحرى يصيرون هم أنفسهم مبتعدين عن التعقل في قيادتهم لأولادهم وإذا أصبحوا محترفين في فعل الأمور المتدنية، فإنهم سيخضعوا لجزاء قاسي لأن الوالدين يدمرون ثمارهم ويلقونهم في الهلاك حيث يكون الموت بالنسبة لهم هو الأفضل لأن (الغريزة) الطبيعية لديها هذا الناموس عند الآباء، فمن يعرض بدناءة ظاهرة ابنته إلي هؤلاء المريدين فلن يكون هو قط المسئول عنها، ولن يعاقبه ديَّان الجميع بمفرده بل يعاقب كل واحد انزلق إلي هذه الدناءة. لأنه يعتبره كما لو كان قد أقام مصيدة وشبكة موت وأوقع الجميع. لأنه لا يدين بحسب النتيجة ولكن بحسب بشاعة هذه الأعمال الخاطئة. ويكتب سليمان الحكيم عن هذا النوع من النساء، الآتي:  ” فوجدت أَمرَّ من الموت المرأة التي هي شباك وقلبها إشراك ويداها قيود[22]. اذن، فهناك ضرورة لأن يقول المشرِّع: ” لا تدنس ابنتك بتعريضها للزنى لئلا تزني الأرض وتمتلئ الأرض رذيلة[23]. لأنه إن لم يوجد هناك تلك التي ترتكب جريمة الزنا، فسوف لا يكون من الصعب أن يهرب المرء من هذا الشر. حتى لو كان هناك شخص ما زال ينجذب بسهولة إلي اللذة ويسيطر الضعف علي عقله بالكامل، كما أنه لن تكون هناك صعوبة في حفظ اللياقة الجسدية. وهو يعطي الآباء هذه الوصايا الخاصة بأولادهم، ويعتبر أن الذي يصل إلي مرحلة طرد أولاده بعيدًا عن الله يستحق الموت. مكتوب في سفر اللاويين الآتي: ” وكلم الرب موسى قائلاً: وتقول لبني إسرائيل إن كل إنسان من بني إسرائيل ومن الغرباء النازلين في إسرائيل أعطى من زرعه لمولك فإنه يُقتل. يرجمه شعب الأرض بالحجارة. وأجعل أنا وجهي ضد ذلك الإنسان وأقطعه من شعبه لأنه أعطى من زرعه لمولك لكي ينجس مقدسى ويدنس اسمي القدوس[24].

بلاديوس: الناموس غير واضح، لأنه ليس واضحًا ماذا يريد أن يقول، ليتك توضِّح أقواله.

كيرلس : إن الموآبين والمديانيين والجرجسيين وقبائل بربرية أخرى كانت تسكن في بلاد اليهود ويُعاَملون وفق الأعراف اليونانية، كل واحد له الديانة التي يريدها، وقد سجدوا وعبدوا ما يخطر علي بالهم. وبسبب أن الإسرائيليين لم يكن لديهم بعد فكر ثابت في محبة الله، كان من السهل جدًا أن يعصوا الله ويبتعدوا عنه، لدرجة أنهم لا يرون أن هناك أي خطية إذا سجدوا لآلهة جيرانهم، أو إذا أسلموا أنفسهم مع جيرانهم إلي مرض الضلال المصرى القديم. هكذا استولت عليهم الشهوة تجاه فتيات المديانيين وصاروا مهووسين بجمال النساء مما جعلهم يسجدون مع المديانيين لبعل فغور، بسبب هذا حرّم المشرّع تمامًا الاختلاط بالغرباء بعدما عبّر جيدًا عن أفكارهم الطائشة وغير المترابطة، وقال بوضوح: ” ولا تصاهرهم ابنتك لا تعطه لابنه وبنته لا تأخذ اأبنك لأنه يردّ ابنك من ورائي فيعبد آلهة أخرى فيحمي غضب الرب عليكم ويهلككم سريعًا[25]. إذن بسبب أنه حدث وهذا كان طبيعيًا جدًا أن بعض الإسرائيليين أرادوا أن يتزوجوا بنات الغرباء من قبائل أخرى غير مكترثين لمسألة العصيان، حدَّد المشرِّع لهذا التهور الغضب الإلهي والحكم بالموت، وأدانهم بجزاءات قاسية. حسنًا إن العهد الجديد المقدس يطلب من الوالدين أن يعتنوا بأولادهم ويغذونهم بنصائح الرب، بينما الناموس ثقيل اللسان يتبع هذا الطريق ولكن يستخدم حيلاً مراوغة. لأنه حسنًا يأمر أن لا يسمح للآباء أن يدفعوا بناتهم إلى الرذيلة والانحلال، وقال أيضًا إنه يجب عليهم بعد ذلك أن يحفظوا بثبات كل ما يخص معرفة الله، ولا يتركوهم أن يسلموا أنفسهم إلي عبادة الأصنام الدنسة، حتى لو كان الدافع وراء ذلك الثروة العظيمة. لأن الزواج برجل غريب من أمة أخرى، حتى لو كان غنيًا تعبّر عنه هذه الآية: “ ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه[26].

بلاديوس: تتحدث بالصواب

[1] مز 2:128.

[2] تث 5:6.

[3] تث 35:4.

[4] تث 12:5.

[5] يو3:17.

[6] يو7:14.

[7] خر12:20.

[8] خر15:21.

[9] تث18:21ـ21.

[10] حكمة30:7.

[11] تك31: 42.

[12] أمثال30: 17.

[13] مت10: 37.

[14] متى 8 :22.

[15] مت 3:15ـ6.

[16] لا2:27ـ3.

[17] لا8:27.

[18] يو26:19ـ27.

[19] يو19: 27.

[20] أف5:6

[21] لا29:19.

[22] جامعة26:7.

[23] لا19:29.

[24] لا1:20ـ3.

[25] تث3:7ـ4.

[26] متى26:16.

 

المقالة7 ج3 – السجود والعبادة بالروح والحق ج4 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة7 ج2 – السجود والعبادة بالروح والحق ج4 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة7 ج2 – السجود والعبادة بالروح والحق ج4 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة7 ج2 – السجود والعبادة بالروح والحق ج4 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

 

السجود والعبادة بالروح والحق

تابع المقالة السابعة

في المحبة الواجبة نحو الاخوة

كيرلس: بالصواب تتكلم فبعدما أمر الرب بعدم السجود لآلهة أخرى وعدم صناعة أي صنم منحوت أو منقوش، وأن لا يتجرأ أحد وينسب صفة الألوهية إلى المصنوعات والتماثيل، وبعدما فرض عقوبات شديدة، أخذ ينظم العلاقات البشرية لأنه يقول: ” لا تنطق باسم الرب إلهك باطلا، ولأن الرب لا يُبرئ من نطق باسمه باطلاً[1]، وهو بذلك وضع الناموس كقانون للسلوك الصحيح لحياة الجميع. فهو يخلصنا من كل خطية مشيرًا قبل أى أمور أخرى إلى الوقت الذي سيظهر فيه بر يسوع المسيح، حيث يتم الخلاص الكامل والقضاء علي الشر، وإعادتنا إلي الجمال الأول وتجديد الحياة بفعل قداسة الله ومحبته .

ويقول: ” أُذكر يوم السبت لتقدسه ستة أيام تعمل وتصنع جميع أعمالك وأما اليوم السابع ففيه سبت الرب إلهك. لا تصنع عملاً ما أنت وابنك وابنتك وعبدك وأمتك وبهيمتك ونزيلك الذي داخل أبوابك. لأنه في ستة أيام صنع الرب السماء والأرض والبحر وكل ما فيها واستراح في اليوم السابع. لذلك بارك الرب يوم السبت وقدسه. أكرم أباك وأمك لكي تطول أيامك علي الأرض التي يعطيك الرب إلهك. لا تقتل. لا تزن. لا تسرق. لا تشهد علي قريبك شهادة زور[2].

بلاديوس: وماذا يعني هذا؟ لأني لا أفهم بوضوح ماذا يقصد، وبأي طريقة نستطيع أن نقدس يوم الرب؟

كيرلس: أتريد أن نقول بعض الأمور عن يوم السبت والراحة التي هي مكرمة فى هذا اليوم؟ لأنه هكذا سيتضح بالأفضل كل ما شرَّعه الله.

بلاديوس: أريد جدًا أن أسمع منك عن هذا الأمر.

كيرلس: يا بلاديوس، السبت الذي هو اليوم الأخير يمكن أن يشير إلي وقت قدوم المخلص علي الأرض في أواخر الأيام وتقريبًا في نهاية الزمان الحاضر، وصار لنا بداية وباب وطريق لمحو الخطيئة، حتى أنه أعطانا الحرية والغفران وعدم الفساد والحياة والرجاء في الأمور العتيدة. وبطرق كثيرة يشير الإيمان بالكتب المقدسة إلي مفهوم السبت حسب المسيح. فمرة يشير إليه مشددًا علي الراحة بالمسيح من الخطايا ومحددًا عقابًا شديدًا وقاسيًا للمخالفة، ومرة أخرى أيضًا يعلن الفداء والغفران بالمسيح وما نناله في الحياة الآتية.

بلاديوس: أخبرني ماذا تعنى بهذا ؟ لأني سأكون مسرورًا جدًا لسماع هذا الأمر.

كيرلس: نحن نحتفل بالسبت يا بلاديوس بطريقة روحية بالإيمان بالمسيح، اذ نستريح من الانشغال بهذا العالم ونتوقف عن التجول بلا هدف ونترفع عن الدناءة ونتجنب نير الخطية، ثم أخيرًا نصعد إلي القداسة الاختبارية. لذلك يكتب بولس العظيم إلي الذين لهم إيمان تام: ” ومَنْ مَقَتَ أربعين سنة. أليس الذين أخطأوا الذين جثثهم سقطت في القفر، ولمن أقسم لن يدخلوا راحته إلا الذين لم يطيعوا، فنرى أنهم لم يقدروا أن يدخلوا لعدم الإيمان. فلنخف أنه مع بقاء وعد الدخول إلي راحته يُرى أحد منكم أنه قد خاب منه[3]. ولهذا يكتب بولس المطوب إلي كل من لديهم الإيمان الكامل قائلاً: ” إذًا بقيت راحة لشعب الله لأن الذي دخل راحته استراح هو أيضًا من أعماله كما الله من أعماله[4].

وكيف لا يكون هذا هو الحق؟ إنه لو كان حفظ السبت معناه التمسك بعدم القيام بعمل فيه، كيف إذًا يكون الإسرائيليين لم يقدروا أن يدخلوا إلي موضع الراحة رغم أنهم تمسكوا بعدم العمل في يوم السبت؟ إن الأمر كان يشير مسبقًا إلى الراحة بالمسيح، وأن المرء سيتبرر بالإيمان عندما يتوقف عن فعل الخطيئة.

لذلك أَمَرَ الله أن من يجمع الخشب يوم السبت يموت بالرجم[5]، بينما العقاب لأجل هذا الأمر هو صورة مسبقة لأمر ذهني وحتمي. أليس النبات الذي ذبل من الجذر وصار ناشفًا يابسًا مثل الخشب يرمز إلي الموت ويمكن أن يكون غذاءً للنار؟

بلاديوس: هذا حق

كيرلس: هكذا الخطية الشنيعة هي مميتة وكمثل وقود نار مهلكة لأولئك الذين يحبونها. إذًا أثناء وقت الراحة أقصد التوقف عن فعل الخطايا نرى البعض يعملون أعمالاً ميتة وعقيمة ويفضلون هذه الأعمال على الفضيلة، فهذه الأعمال هي التي سوف تشعل اللهيب الأبدي والعقوبات الأبدية، حسنًا سيقضي عليهم بحكم الموت، لأنه بينما هو غير مسموح لهم أن يحيوا برخاوة إلاَّ أنهم يسيرون بإرادتهم إلي العقاب الحتمي. إذن نحن الذين نؤمن ندخل إلي الراحة حسب كلام بولس الطوباوي[6]. لكن بحسب كلام إرميا فإن الله يدين أولئك الذين أخطأوا ولم يمتثلوا للحق الإلهي، قائلاً: ” اذهب وقف في باب بني الشعب الذي دخل منه ملوك يهوذا ويخرجون منه وفي كل أبواب أورشليم. وقل لهم اسمعوا كلمة الرب يا ملوك يهوذا وكل يهوذا وكل سكان أورشليم الداخلين من هذه الأبواب. هكذا قال الرب تحفظوا بأنفسكم ولا تحملوا حملاً يوم السبت ولا تدخلوا في أبواب أورشليم فلم يسمعوا ولم يميلوا أذنهم بل قسوا أعناقهم لئلا يسمعوا ولئلا يقبلوا تأديبًا[7]. لم يأمر إذًا بأن يتوقف أى عمل يوم السبت فقط بل أقر بألاّ تنقل الأشياء ولا  تخرج من أبواب أورشليم .

بلاديوس: وما هو مفهوم كل هذه الأمور؟

كيرلس: هذا الأمر هو عقلى وروحي وأبعد من الصور والرموز وأسمى جدًا من الظلال القديمة. لأنه أَمَرَ كل الذين يُعيِّدون بالسبت بحسب المسيح بأن يستمروا في الراحة من كل عمل يؤدى إلي الدناءة وأن لا يحملوا شيئًا علي أكتافهم لأن الذين تحرروا بالحقيقة مرة واحدة بالإيمان من ثقل الخطيئة، كيف لا يكون منتهي الغباء أن يُجبروا على حمل أشياء مرة أخرى ويقعوا ثانيةً بإرادتهم تحت أثقال الدناءة؟ البقاء داخل أبواب أورشليم يشير إلي أنه يجب ألاّ نبتعد عن المدينة المقدسة ولا نخرج خارجًا ونسقط هكذا في خطية بانحرافنا إلي شئ آخر. والمدينة المقدسة بالطبع نقصد بها الكنيسة. لأنه فعلاً فإن بعض المتألقين بإيمانهم بالمسيح كلما ألقوا عن كاهلهم الخطية ودخلوا إلي الأبواب المقدسة لمسكن الله وبعد ذلك انقادوا إلي العصيان ـ حتى لو لم يُظهروا ذلك، وطالما قفزوا خارج الباب المقدس فيكونون عندئذ قد كرموا العادات والتقاليد الوثنية. لقد شرَّع الله  بأنه يجب علي الذين يُعيِّدون السبت ذهنيًا أن يجلسوا داخل الأبواب قاصدًا بهذا المثال الواضح والثابت أن يرفضوا تمامًا هذا الانحراف عن الإيمان الأصيل بالمسيح. وبكل تأكيد  قصد أن الكنيسة هي مدينة الله، إذ كرز بها داود قائلاً: “ قد قيل بك أمجاد يا مدينة الله[8]، أيضًا يخبرنا عنها المخلص نفسه، قائلاً عنها: ” لأن الرب قد اختار صهيون اشتهاها مسكنًا له[9].

بلاديوس: بناء علي ذلك سوف نتوقف عن أي عمل يوم السبت وفق قرار المشرّع.    

كيرلس: ليس كل عمل بشكل مطلق يا بلاديوس لأنه ينبغي فعل الأمور التي تُفرِّح الله، وهذه الأمور تجلب فائدة ليست بقليلة، ولا يجب أن نوقفها طالما إن الكتاب المقدس أضاف إضافة لا أعتقد أنها بلا هدف، إذ أخبرنا أنه ينبغي  أن نُقدِّس يوم السبت لأنه قال: ” اذكر يوم السبت لتقدسه[10]، وهذا الأمر واضح جدًا. فعلى الرغم من أنه يوم السبت فإن الكهنة يخالفونه وهم أبرياء، ويؤدون واجباتهم المقدسة ويقدمون الحيوانات المذبوحة، ويفعلون كل شئ بلا عائق لأجل مجد الله هذا هو بالضبط الذي يندرج في إطار الشكليات اليهودية والذي خالفه السيد المسيح عندما اتهموه  بمخالفة السبت لأنه شفى المشلول يوم السبت[11].

بلاديوس: أتذكَّرُ هذا.

كيرلس: ختان إنسان ما يمكن أن يتم يوم السبت بحسب كلام المخلص بدون أن يوبخه الناموس. لأن المثال يؤكد بوضوح أن الختان الروحي في اليوم الثامن أى يوم القيامة يتمشى مع الذين يحتفلون بالسبت حسب المسيح. بمعنى أن يتمشى مع الذين يتوقفون عن فعل الخطية ويتقدسون بالإيمان، لأنه هكذا صارت قيامة المسيح. ولأنه قام ثانية إذ أبطل مملكة الموت وأعطى للتو الذين يعرفونه ختم الروح القدس وهذا هو الختان الحقيقي. لأنه نفخ فيهم وقال: “ خذوا الروح القدس[12]. ألم يقل بولس إنه يجب أن يتم هكذا الختان القلبى؟ لأنه نادى بأنه يجب أن يختتن المؤمنون بختان ليس مصنوع بيد، أي روحي[13] وسوف أضيف أنه علينا أن نحتفل بالسبت روحيًا، ولا نتوقف إطلاقًا عن كل ما يُتمم ـ بشجاعة روحية ـ لكي نسحق الأعداء وننتصر بقوة المسيح علي أولئك الذين يقاوموننا، وأيضًا سوف أذكر لكم مثالاً في هذا الأمر وهو يشوع بن نون الذي استولى هو والإسرائيليون علي مدينة أريحا في اليوم السابع أي السبت.

بلاديوس: إذن، السبت يعني بالنسبة لنا أن نكف عن فعل الدناءة والخطية ـ إذا أردنا أن نقول الحق ـ وهذا الأمر نجد ظلاله مكتوبة في الأمثلة أو فى رموز العهد القديم.

كيرلس: هذا ما أقوله. لكن يمكن أن يظهر لنا سر المسيح بوضوح جدًا، وذلك بطريقة أخرى.

بلاديوس: بأي طريقة؟

كيرلس: يقول الناموس أيضًا ” إذا اشتريت عبدًا عبرانيًا فست سنين يخدم وفي السابعة يخرج حرًا مجانًا[14]. وهذا بالتأكيد في سفر الخروج لكن في سفر التثنية أيضًا يقول الآتي: ” إذا بيع لك أخوك العبراني أو أختك العبرانية وخدمك ست سنين ففي السنة السابعة تُطلِقهُ حرًا من عندك. وحين تطلقه حرًا من عندك لا تطلقه فارغًا تُزوِّده من غنمك ومن بيدرك  ومن معصرتك، كما باركك الرب إلهك تعطيه[15]. أي أن الإسرائيليين قد استُعبِدوا تحت عقاب الناموس مثقلين بروح العبودية قبل مجيء المخلص. لكن  عندما أشرق عمانوئيل في أواخر الدهر (والسبت يشير إلى أواخر الدهور) عندئذ طرح روح العبودية ودعاهم إلي الحرية وإلي مجد التبني من فرط إحسانه ومحبته بدون أن يدفع المؤمنين شيئًا مطلقًا إلي السيد كفدية. لأنهم لم يتبرروا بواسطة الأعمال التي حددها الناموس لكن بالإيمان حسب الكتاب المقدس. وهذا ما يعنيه بقوله ” يَخْرُج حُرًا مجانًا[16]. أيضًا يقول: ” وحين تطلقه حرًا من عندك لا تطلقه فارغًا، تزوده من غنمك ومن بيدرك ومن معصرتك كما باركك الرب إلهك تعطيه[17]. أرأيت كم تتلألأ قوة السيد المسيح بوضوح في هذه الأمور؟ إذًا نحن لم نكن مشاركين لإحسان الله الفائق بأعمال البر التي فعلناها، لكن، كما هو مكتوب، حسب رحمته الجزيلة علينا، أطلقنا أحرارًا بمعنى أنه حررنا من الخطايا، وطالما أنه زَّيننا بمواهب التبنى أغدق علينا بالمؤن الحسنة أي ذاته، كذبيح كامل وحمل اقتيد إلي الذبح لأجلنا ومنح لنا إمكانية أن نشترك في البركة المحيية التي هي التناول من جسده المقدس ودمه المقدس. وهذا ما أراد أن يشير إليه المؤن من خراف وقمح وخمر ونبيذ لأولئك الذين في اليوم السابع، أي في السبت الروحي، وقد دعوا إلي الحرية بسبب إحسان السيد وهذا هو بالطبع الناموس. لكن بسبب أن الخمول استولي علي اليهود ولم يريدوا أن يحفظوا الوصايا اتهمهم الله بأنهم فعلوا هذا العصيان بإرادتهم. لأنه مكتوب         ” فصارت كلمة الرب إلي إرميا من قِبَل الرب قائلة: لقد قال الرب إله إسرائيل أنا قطعت عهدًا مع آبائكم يوم أخرجتكم من أرض مصر من بيت العبيد قائلاً في نهاية سبع سنين تُطلِقون كل واحدٍ أخاه العبراني الذي بيع لك وخدمك ست سنين فتطلقه حرًا من عندك ولكن لم يسمع آباؤكم لي ولا أمالوا أذنهم وقد رجعتم أنتم اليوم وفعلتم ما هو مستقيم في عيني منادين بالعتق كل واحد إلي صاحبه وقطعتم عهدًا أمامي في البيت الذي دعي باسمي ثم عدتم ودنستم اسمي وأرجعتم كل واحد عبده وكل واحد أمته الذين أطلقتموهم أحرارًا لأنفسهم وأخضعتموهم ليكونوا عبيدًا وإماءً[18]. أرأيت كيف أن الأمثلة والنماذج لا تقبل التناقض أو بالأحرى إن الحقيقة نفسها لا تُسَّب بسبب أنها توجد أيضًا في الظلال التي ترمز إليها؟ إنه وفق المكتوب: ” فإن هبات الله ودعوته هي بلا ندامة[19]. لكن اليهود إذ طرحوا نير العبودية على أولئك الذين سبق وحرروهم فقد اعتُبِروا أنهم لم يحفظوا العهد الثابت لذلك اصطدموا مع قوة السر واستهانوا  به بينما هو لا يزال موجودًا في الأمثلة أو الرموز .

بلاديوس: بالصواب تتحدث.

كيرلس: وقد خلصنا مجانًا بنعمة الله بدون أن نعطي أي مقابل لحياتنا واشترينا مجد الحرية لكننا نلنا البر بسبب إحسان السيد ومحبته وهذا ما عبّر عنه فى سفر التثنية قائلاً: ” في آخر سبعة سنين تعمل إبراءً. وهذا هو حُكم الإبراء. يُبْرِئ كل صاحب دين يده مما أقرض صاحبه. لا يطالب صاحبه ولا أخاه لأنه قد نودى بإبراء للرب. الأجنبي تُطالب وأما ما كان عند أخيك فتبرئه يدك منه. إلاّ إن لم يكن فيك فقير لأن الرب إنما يباركك  في الأرض التي يعطيك الرب إلهك نصيبًا لتمتلكها[20]، هل رأيت كيف تشرق الحقيقة داخل الظلال؟ وبوضوح تام سوف يظهر تدبير المخلص لأجلنا؛ بمعنى أنه حرّر الذين اقتربوا إليه من ديونهم بواسطة الإيمان وصاروا إخوة بمشاركة الروح القدس؛ ولكي يصيروا شركاء الطبيعة الإلهية حررهم بدون أن يدفعوا شيئًا. حقًا لم يفرض عليهم عقابًا بسبب عصيانهم مع أنهم مديونون بإعطاء جواب عن أعمالهم. ومن ناحية أخرى فأولئك الذين ما زالوا غرباء مذنبين مدانين بسبب عدم إيمانهم وبسبب أنهم أبعد من أن يكونوا ضمن خاصته ولأنهم لم يغتسلوا بعد من الخطيئة؛ فبعدل جعلهم مذنبين ومستحقين للإدانة والعقاب. فقد قال لهؤلاء الذين آمنوا ” إن ثبتم في كلامي فبالحقيقة تكونون تلاميذي وتعرفون الحق والحق يحرركم[21] لكن لكل الذين يحتقرون التعليم الحقيقي والإنجيلي يقول ” إن لم تؤمنوا أنى أنا هو تموتون في خطاياكم[22]. أرأيت إذًا أن القريبين له من جهة الإيمان يعدهم بأنه سوف يحررهم، بينما أولئك الذين هم غرباء وأجنبين سوف يدفعون للدَّيان ثمن خطاياهم طالما ماتوا وهم في خطاياهم ؟

بلاديوس: هذا حق.

كيرلس: راحة السبت تمنح بطرق حسنة التمتعات المقدسة اللائقة للدهر العتيد والاشتراك في الخيرات السماوية.

بلاديوس: أريد أن أسمع كيف يكون ذلك ؟ أخبرني.

كيرلس: حسنًا لقد سبَّح داود العظيم الله كلى القدرة قائلاً: “ وأمطر عليهم منًا للأكل وَبُرَّ السماء أعطاهم. أكل الإنسان خبز الملائكة[23]. إن المن غذاء السماء والملائكة، وقد فتح داود النبي ذهننا علي شئ أبعد من المحسوسات والمنظورات لكي نرى العطية الروحية والإلهية التي يضعها الله في نفوس القديسين، والخبز الذي يغذي الملائكة ويُحيى البشر جاعلاً الكلمة أي اللوغوس يسكن في نفوس المؤمنين. لأن المسيح يسكن في قلوبنا بقوة الروح القدس ونتغذى بالخبز الحي والسماوي لكي يكون لدينا عافية وقوة روحية. المن هو مثال واضح وغير مشكوك فيه لهذا الأمر. لقد أمر الناموس أن يجمعه الإسرائيليون بدون أن يتجاوزا الكمية التي تكفيهم لأن الكتاب يقول: ” فكان في المساء أن السلوى صعدت وغطت المحلة وفي الصباح كان سقيط الندى حوالي المحلة. ولما ارتفع سقيط الندى إذا علي وجه البرية شئ دقيق مثل قشور دقيق كالجليد علي الأرض. فلما رأي بنو إسرائيل قالوا بعضهم لبعض مَنْ هو لأنهم لم يعرفوا مَنْ هو فقال لهم موسى هو الخبز الذي أعطاكم الرب لتأكلوا هذا هو الشيء الذي أمر به الرب، التقطوا منه كل واحد علي حسب أكله عُمرًا للرأس علي عدد نفوسكم تأخذون كل واحد للذين في خيمته[24]، وبعد ذلك يقول: ” ثم كان في اليوم السادس أنهم التقطوا خبزًا مضاعفًا للواحد فجاء كل رؤساء الجماعة وأخبروا موسى فقال لهم هذا ما قال الرب غدًا عطلة سبت مقدس للرب. اخبزوا ما تخبزون واطبخوا ما تطبخون وكل ما فضل ضعوه عندكم ليُحفظ للغد[25]. بجانب كل هذا يوضح موسى لهؤلاء الناموس الإلهي مضيفًا علي الفور: “ كلوه اليوم لأن للرب اليوم سبتًا. اليوم لا تجدونه في الحقل. ستة أيام تلتقطونه وأما اليوم السابع ففيه سبت. لا يوجد فيه. وحدث في اليوم السابع أن بعض الشعب خرجوا ليلتقطوا فلم يجدوا[26]. بالتالي يا يا بلاديوس، بعد كل هذا أليس واضحًا أنهم لن يفعلوا شيئًا يوم السبت وهذا يمثل صورة واضحة ومسبقة للحياة التي سوف توجد في الدهر الآتي، وأنهم سيجنون ما قد جمعوه، لذا سوف لا يُعطى هذا المن من السماء لأنهم سوف يتغذون بما جمعوه بالفعل؟ أي أننا سوف نحتفل بتحررنا التام من الخطية، وسوف نستمتع  بالخيرات السماوية بدون ألم يزعجنا وبدون تعب ومشقة إذ نجد بوفرة كل ما هو لخيرنا.

[1] خر7:20 .

[2] خر8:20ـ16.

[3] عب17:3ـ19، 1:4.

[4] عب9:4ـ10.

[5] انظر عدد 32:15.

[6] انظر عب3:4.

[7] إر19:17ـ23.

[8] مز3:87.

[9] مز13:132.

[10] خر8:20.

[11] انظر مت5:12و12.

[12] يو22:20.

[13] انظر كو11:2، أى ختان القلب بالروح انظر رو29:2.

[14] خر2:21.

[15] تث12:15ـ14.

[16] خر2:21.

[17] تث13:15ـ14 .

[18] إر12:34–16.

[19] رو29:11.

[20] تث1:15ـ4.

[21] يو31:8ـ32.

[22] يو24:8.

[23] مز24:78ـ 25.

[24] خر13:16ـ 16.

[25] خر22:16ـ23.

[26] خر25:16ـ27.

 

المقالة7 ج2 – السجود والعبادة بالروح والحق ج4 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة7 ج1 – السجود والعبادة بالروح والحق ج4 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة7 ج1 – السجود والعبادة بالروح والحق ج4 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة7 ج1 – السجود والعبادة بالروح والحق ج4 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

 

السجود والعبادة بالروح والحق

المقالة السابعة

في المحبة الواجبة نحو الاخوة

 

كيرلس: ﺇن الناموس يا بلاديوس، يمتدح كثيرًا جدًا الوصية الأولى والفائقة من بين الوصايا والتي تقول: ” تحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل قدرتك[1]، ويضيف: ” تحب قريبك كنفسك[2] والمسيح نفسه كان يقول، إن كل ما جاء فى الناموس والأنبياء يستند على هاتين الوصيتين. كما أن بولس العظيم يدعو المحبة تكميل الناموس[3]، لأن من المؤكد إن هذه المحبة لا تسبب أى شر لقريبنا.

وأظن أنى قد استفضت بما فيه الكفاية فى شرح معنى الوصية الأولى من كل الجوانب. واستعرضت بشكلِ وافٍ: كيف أننا نستطيع أن نعبّر عن محبتنا الكاملة والتي بلا لوم تجاه الله.

إذن، هيا بنا ننشغل بالوصية الثانية التي تتعلق بالأخ والقريب، وليتنا نفحص بالتفصيل عن المحبة نحو القريب، منقبين بتدقيق عن الأعمال التي بها يستطيع المرء أن يصل إلى الفضيلة، وعندما يكتسب الإنسان المجد المرتبط بقبول الألم، فإنه يتقدم فى علاقة صالحة مع الله والناس، وذلك طبقًا لما قيل عن صموئيل ” وأما الصبي صموئيل فتزايد نموًا وصلاحًا لدى الرب والناس[4]، فإنى اعتقد أنه بجانب محبتنا لله ينبغى أن نتصرف أيضًا بالمحبة تجاه إخوتنا، وذلك لأن التقصير فى أى من فِعلَي المحبة يؤثر بالسلب على الفعل اﻵخر.

وكما يقول يوحنا: ” إن قال أحد إنى أحب الله وأبغض أخاه فهو كاذب لأن من لا يحب أخاه الذي يبصره كيف يقدر أن يحب الله الذي لم يبصره. ولنا هذه الوصيه منه أن من يحب الله يحب أخاه أيضًا[5].

إذن ينقص الواحد مع اﻵخر، كما ينضج وينمو الواحد مع اﻵخر. لأن أبواب الفضائل هي أبواب مزدوجه ذات ضلفتين غير منفصلتين تقود إلى الجمال الباهر والكامل للفضيلة، تقود إلى الله ضابط الكل.

بلاديوس: بالصواب تتكلم، وطالما أن هدفنا هو أن نجتهد من أجل بحث هذا الأمر، هيا إذن نستخرج براهين من الكتاب المقدس لكل جوانب البحث، راجيًا أن تُعرِّفنى كيف يمكن تحقيق المحبة الكاملة نحو القريب.

كيرلس: هذا البحث يفتح أمامنا طريقًا واسعًا، لأنه مكتوب ” أما وصيتك فواسعه جدًا“. ومنهجنا هو الاقتراب من كل جزء من البحث بواسطة الناموس نفسه. لأن النبى يقول إن الناموس قد أعطى لنا لكى يساعدنا[6]. والمشرِّع يحفزنا دائمًا عندما يذكِّرنا باستمرار بالوصية قائلاً: ” لكى تتقى الرب إلهك وتحفظ جميع فرائضه ووصاياه التي أنا أوصيك بها أنت وابنك وابن ابنك كل أيام حياتك ولكى تطول أيامك فاسمع يا إسرائيل واحترز لتعمل لكى يكون لك خير وتكثر جدًا كما كلَّمك الرب إله آبائك فى أرض تفيض لبنًا وعسلاً.

اسمع يا إسرائيل. الرب إلهنا رب واحد. فتحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل قوتك. ولتكن هذه الكلمات التي أنا أوصيك بها اليوم على قلبك وقصها على أولادك وتكلم بها حين تجلس فى بيتك وحين تمشى فى الطريق وحين تنام وحين تقوم واربطها علامة على يدك ولتكن عصائب بين عينيك واكتبها على قوائم أبواب بيتك وعلى أبوابك[7].

وماذا يعنى ” اربطها علامة على يدك“؟ هذا ما عبّر عنه فى سفر العدد، لأنه مكتوب: ” وكلِّم الرب موسى قائلاً كلِّم بنى إسرائيل وقل لهم أن يصنعوا لهم أهدابًا فى أذيال ثيابهم فى أجيالهم ويجعلوا على هدب الذيل عصابة من أسمانجونى. فتكون لكم هدبًا فترونها وتذكرون كل وصايا الرب وتعملونها ولا تطوفون وراء قلوبكم وأعينكم التي أنتم فاسقون وراءها لكى تذكروا وتعملوا كل وصاياى وتكونوا مقدسين لإلهكم. أنا الرب إلهكم الذي أخرجكم من أرض مصر ليكون لكم إلهًا. أنا الرب إلهكم[8].

وبهذا فهو يعطينا مقدمًا وبطريقة واضحة بأن نكتب الوصية داخل قلوبنا. و إذ هو يعرف أن النسيان هو مرض خطير يصيب العقل فهو يأمر بأن تُكتب الوصايا ـ كأنها فى قوائم ـ ويعلقونها فى أيديهم اليمنى كأنها منشور يحمل الناموس، وأيضًا ليس بدون فائدة يقول أن تُعلق فى أذيال الثياب أهدابًا وعصابة من الإسمانجونى.

بلاديوس: وكيف تشير هذه الأهداب والعصابة الأسمانجونى إلى النواميس اﻹلهية ؟

كيرلس: ألا تعتقد أن ناموس العهد القديم فيه رموز وظلال ؟

بلاديوس: بالفعل أعتقد هذا .

كيرلس : إن ما ترمز إليه هذه الأهداب فى أذيال الملابس وهذا الرباط الأزرق على اليد، هو أنه يجب علينا أن نحفظ ونفهم وننفذ وصايا السماء وأن نتذكر باستمرار الناموس الذي أُعطى لنا من السماء. ولون الحجر الهندى يشبه على ما أعتقد المادة اﻹثيرية (السحابة)، والتي يختلط فيها النور بالظلام، ويبدو فى عمقها شئ مائى.

لقد أمر الناموس أن توضع هذه الأهداب والرباط الأزرق على اليد بتدقيق وعناية، وكأنه يريد أن يقول وبطريقة ما إن الكلام السمائى يجب أن يكون رداءً للفكر وللعقل، كما يجب أن تُكافأ عن كل أعمال صالحة بحسب الناموس. فاليد ترمز إلى العمل وكل ما نفعل نحن وفقًا للناموس لا نوَّبخ عليه ولا يجلب علينا الشر البشع .

لقد كان الفريسيون يعرضون عصائبهم على أيديهم اليمنى ويكبرون أهداب ثيابهم، لكن المسيح استهزأ بهم قائلاً إن كل أعمالهم يعملونها لكى ينظرهم الناس[9]، وليس لكى يتذكروا الناموس. إذن من لا يتبع الناموس بطريقة صحيحة يمكن أن يخطئ. وأعتقد أن هذا ما قصده سليمان بقوله    ” قد يكون بار يبيد فى برّه[10]، فلتُكتب إذن الوصية الإلهية فى الذهن وفى القلب. ولقد عبّر داود النبى بدقة عن فائدة هذا الأمر بالنسبه للبار عندما قال ” فم الصديق يلهج بالحكمة ولسانه ينطق بالحق شريعة الله فى قلبه لا تتقلقل خطواته[11]. فالأمر واضح إذن أنه عندما توجد الوصية الإلهية داخل النفس، فإنها تكون سندًا للإنسان وثباتا فى فعل الفضيلة.

بلاديوس: هذا صحيح.

كيرلس: إن الدراسة والتعمق بلا توقف فى فهم الوصيه يقود إلى الاستقامه، وهذا يُسرّ به الله ، كما أنه يطرد النسيان بعيدًا عن ذهن اﻹنسان مثلما تبتعد السحابة أو الضباب. غير أن واضع الناموس لا يكتفى بهذا. بل يقصد فوق هذا شيئًا آخر أفضل كالحافز الذي يجلب الرجاء فى كل ما نتطلع إليه. لأنه يقول أيضًا: ” إذا سلكتم فى فرائضى وحفظتم وصاياى وعملتم بها. أُعطى مطركم فى صيفه وتُعطى الأرض غلتها وتُعطى أشجار الحقل أثمارها. ويلحق دراسكم بالقطاف ويلحق القطاف بالزرع فتأكلون خبزكم للشبع وتسكنون فى أرضكم آمنين[12].

أرأيت مقدار العناية التي يغدقها على من يعمل ويحترم الناموس؟ أمطار فى حينها وأثمار متعاقبة للأرض، وبالتأكيد غلال وشبع واستخدام وفير للأغذية، وفوق كل هذا وَعد بأن يمنحهم السلام. فالذي يحفظ الوصايا بفهم والذي لديه وَلَع شديد ومستمر تجاه كل ما يريده الرب، من الطبيعى أن يغدق عليه بالخيرات السماوية الوفيرة. لأنه مثلما تروى الأمطار الأرض الجيدة والخصبة، هكذا نفس الإنسان ترويها التعزيات السمائية كمطر سمائى يغمرها بالفرح والابتهاج، إذ هي تقدم باستمرار كل أنواع ثمر التقوى لله، ثم يأتى السلام كتاجٍ فوق كل هذا، وهكذا فإن المطر السمائى يقدِّم لنفس البار إمكانية البقاء فى حياة الغبطة. وبولس يقول:       ” وسلام الله الذي يفوق كل عقل يحفظ قلوبكم وعقولكم[13].

ومن ينال مثل هذا الجود والكرم من الله، سوف يقضى حياة سلامية بغير حروب، وسوف يتقهقر العدو، ومن يقف فى وجهه سيسقط ويختفى، وكل هجوم شيطانى سيتلاشى، وسوف يبتعد عنه أى خوف بسهولة. نفس هذا الناموس نجده مكتوبًا فى سفر التثنية مع قليل من التغيير: ” فإذا سمعتم لوصاياى التي أنا أوصيكم بها اليوم لتحبوا إلهكم وتعبدوه من كل قلوبكم ومن كل أنفسكم. أعطى مطر أرضكم فى حينه المبكر والمتأخر. فتجمع حنطتك وخمرك وزيتك. وأعطى لبهائمك عشبًا فى حقلك فتأكل زيتًا وتشبع[14].

إذن فإن تعاليم ووصايا الناموس ستسكن داخل نفوسنا وكذلك الطريقة التي نسلك بها والسعى المفرح لكى نشبع اشتياقاتنا ونتمم كل ما يرضى الله. والرغبة فى حياة القداسة التي وعدنا الله بها تحثنا أن نبذل العرق فى سبيل الوصول إلى الفضيلة.

بلاديوس: بالفعل، وسأوافق بالطبع مع كل ما سبق قوله. غير أنه قد حان الوقت يا صديقى لكى توضح لى كيف يمكن تحقيق وصية المحبة تجاه القريب.

كيرلس: إذن ليتنا نمضى فى حديثنا هذا. وفيما نحن نتبع الكتاب المقدس نقول إن السيد الرب إله الكل قد أمر موسى أن يدعو الشعب لكى يتطهروا ويجتمعوا أسفل جبل سيناء. لأنهم كان يجب عليهم أن يغسلوا ثيابهم كما أمرهم بأن يبتعدوا عن النساء لمدة ثلاثة أيام وفى هذا يستخدم الأشياء المرئية والمحسوسة للتعبير عن الأمور الذهنية.

وهكذا يجب علينا أن نصل إلى معاينة الله ونحن متحلين بالفضائل كأننا نلبس ملابس لامعة، وذهننا مستضئ بالفرح ومتخلين عن كل محبة للأمور الجسدية والنجاسات الأرضية، وفى هذا كله تكون الوصايا هي مرشدنا ومهذبنا، كما كان موسى مرشدًا ومهذبًا للشعب قديمًا. لأن تهذيب الشعب الذي تم بواسطة موسى كلى الحكمة كان رمزًا للتهذيب بالوصايا عن طريق المسيح. وجدير أن نلاحظ أمرًا آخر وهو أن العمل الذي قام به موسى – كمهذب للشعب – لم يتجاوز حدوده. إذ أن موسى لم يقد الشعب إلى ذاته شخصيًا بل إلى الله كالمشرِّع والآمر بالترتيبات التعبديه. وهكذا بالنسبة لنا، فالناموس كان مهذبنا بالوصايا ومرشدنا إلى الله الكلمة الذي لأجلنا نزل من السماء. والآن ألا ترى أن حديثنا يتعمق فى فهم معانى الحقيقة؟

بلاديوس: بالتأكيد

كيرلس: حسنًا، مكتوب: ” وأخرج موسى الشعب من المحلة لملاقاة الله. فوقفوا في أسفل الجبل. وكان جبل سيناء كله يدخن من أجل أن الرب نزل عليه بالنار. وصعد دخانه كدخان الأتون وارتجف كل الجبل جدًا. فكان صوت البوق يزداد اشتدادًا جدًا وموسى يتكلم والله يجيبه بصوتٍ[15].

إن نزول الرب على الجبل يمكن أن يكون علامة واضحة على أن الله لا يحل فى الأذهان الوضيعة ولا يسكن فى أولئك الذين يتصرفون بدناءة، بل فى أولئك الذين يرتفع ذهنهم إلى السماء، كالذي يجلس على القمة وينظر ﺇلى الأمور الجسدية باعتبارها أمور سفلية واضعًا في اعتباره فقط إنه قريب من الله. ويمكننا أن نفهم بطريقة أخرى معنى نزول الله على قمة الجبل، بمعنى أن معرفة الله هي أمر يفوق عقولنا، وهي متاحة فقط للبعض ممن يريدون أن يحلقوا عاليًا، كما هو مكتوب ” صغار العقاب تطير عاليًا[16].

لاحظ بجانب هذا أن الله نزل محددًا للأقدمين الناموس القديم، ولكن ليس في الموضع الذي كان الشعب فيه واقفًا، بل عاليًا وبعيدًا. لقد كان بعيدًا جدًا – حسب كلمات المزمور ـ لأنه لم يكن بعد قد وُجد بيننا بالجسد ولم يكن الابن الوحيد قد أخلى ذاته، فلقد كان يحفظ هذا السر (سر التجسد) لنا وليس للقدماء. فلقد وُجد بيننا بمجدٍ بمقدار ما تستطيع عيوننا أن تنظر، فلقد أخلى ذاته (من مجد الألوهية) وحل بيننا كواحد منا، هكذا نزل الله على الجبل بنار.

لذا كان يجب على الذين كانوا مستعدين للتهذيب بواسطه الناموس أن يفهموا بكل وضوح أنهم لو فضلوا التكاسل لكانت كلمات الرب لهم كمثل النار. لقد كان الأقدمون يفعلون ما يرضى الله ليس بدافع المحبة الطوعية والاختيار العقلى الحر، لكن عن اضطرار وخوف. لأنهم لم يكونوا قد نالوا بعد روح الحرية والتبنى بل كان فيهم روح العبودية للخوف. تَغطَّى الجبل بالدخان لأن الله نزل عليه بشكل نار. لقد كان هذا الأمر على ما أعتقد هو ما أشار ﺇليه المزمور: “ جعل الظلمة ستره حوله[17].

ويمكن أيضًا أن يشير الدخان ﺇلى الدموع ـ لأن دخول الدخان ﺇلى الأعين يجعلها تدمع ـ التي تأتى بالضرورة من الشعور بالازدراء. ولو أراد أحد أن يتعمق فى تفسير هذه الأمور، فإنه يمكن اعتبار النار تشير ﺇلى الاستفادة التي تتم عن طريق الناموس لكن يصاحبها ضباب. لأن الناموس قاتم اللون وحروفه لها ظلال كثيفة غير واضحة، قادرة على تشويش الرؤية أمام أعين الذهن.

لكن أصوات الأبواق تتعالى دائمًا.

ففى البداية كان صوت الناموس يُسمع بصعوبة. غير أنه عندما أتى ﺇلينا “الكلمة” ليهذبنا بالإنجيل بعدما نشر عمانوئيل ضياءه وبعدما صارت هذه الأصوات أكثر قوة ـ لأن المسيح جعل كلمة اﻹنجيل متألقة ومسموعة من بعيد فأصبحت الآن منتشرة فى كل المسكونة فإننا نستطيع أن نسمعه هو بنفسه يقول لنا بفم داود: ” اسمعوا هذا يا جميع الشعوب اصغوا يا جميع سكان الأرض[18].

وعلى الرغم من أن صوت الناموس لم يكن يُسمع آنذاك فى كل مكان ولم تكن جميع الأمم تهتدى ﺇذ أنه كان يُسمع فى اليهودية فقط وتهذَّب به الشعب اليهودى فقط لكن موسى كان “يتكلم”، و” الله يجيب بصوت[19].

كان موسى يطلب الناموس كخادم وشارح للوصايا اﻹلهية. والله كان يجيبه بصوته، أى بالابن. لأن الابن هو كلمة الآب، ومنه يأتى الناموس، حتى لو قيل بواسطة ملائكة. ويستطيع المرء أن يسمعه بوضوح عندما يقول: ” إنى أنا هو المتكلم. هأنذا[20] وأيضًا: ” لا تظنوا أنى جئت لأنقض الناموس والأنبياء ما جئت لأنقض بل لأكمل. فإنى الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل[21].

لقد دعا كلماته ناموسًا لأن صوت الله أى الابن نطق بها كما قلت من قبل. وبعد ذلك يقول: ” ونزل الرب على جبل سيناء إلى رأس الجبل. فصعد موسى. فقال الرب لموسى انحدر حذِّر الشعب لئلا يقتحموا إلى الرب لينظروا فيسقط منهم كثيرون ولتقدس أيضًا الكهنة الذين يقتربون إلى الرب لئلا يبطش بهم الرب[22].

لقد نزل الله، الذي هو فوق الكل، على الجبل وبعد ذلك دعا موسى وصعد إلى الجبل. لأنه ليس من الممكن أن تصعد إلى سمو الرؤية الإلهية الحقيقية إن لم ينزل الله ويجعل ذاته قريبًا لأذهاننا ويدعونا للتو لنصعد إلى القمة المرتفعة والعالية، إلى معرفته الحقيقية، الأمر الذي أتمَّه لنا المسيح كاشفًا لنا الله الآب. ومن المؤكد أن قمة الجبل لم تداس من الجموع الكثيرة (لأن نعمة معرفة الأمور السامية ليست فى متناول الكثيرين)، بل يقترب إليها فقط الذين يعرفون أن يسلكوا بهذه النعمة أو الذين دُعوا لهذا بواسطة الله كما دُعِىَ موسى. إذن من هو صادق وأمين فى بيت الله  سيكون مثل موسى مع الله ومستحقًا للوجود بالقرب منه عن طريق النقاوة والمعرفة. لأننا سنكون معه عندما يقول لنا: ” أمَّا أنت فقف هنا معى لأكلمك[23].

وهو يقول عن الذين يحملون حِمل الكهنوت ” لئلا يبطش بهم الرب“. إن طريق الكهنوت إن لم تصاحبه حياة النقاوة، ليس بمنأى عن الخطر أو بالحرى هو طريق قريب جدًا من الخطر، لأنه ينبغى على القائمين على خدمه الله كلى القداسة أن يكونوا قديسين.

ثم يقول بعد ذلك اذهب انحدر ثم اصعد أنت وهرون معك. وأما الكهنة والشعب فلا يقتحموا ليصعدوا إلى الرب لئلا يبطش بهم[24]. صعد موسى إذن وبالطبع مع هارون الذي كان مثالاً للمسيح. لأن المسيح يكرم الناموس، وكقدوس هو بالقرب من الله ومع الله. سبق وأعلن الناموس عن رئيس كهنتنا ورسول اعترافنا المسيح بحسب الكتب[25].

إذًا دعونا نربط الناموس بالمسيح بواسطة التفسير الروحي. بمعنى أن موسى سمع القول: ” اصعد أنت مع هارون“، هكذا ما يجمعه الله (فى هذه الحالة موسى وهارون) لا يفرقه إنسان[26]. فالناموس (أى موسى)، أما هارون فيشير إلى الرؤية في المسيح.  لأن موسى كان خادمًا للظلال فقط ولم يقبل الحق الذي في الصور والظلال. حسنًا قيل إنه صعد إلي الجبل مع الجنس الكهنوتي المقدس (هارون) لأن الله لم يسمح لهؤلاء الذين يتهذبون بالناموس ولا للذين يتممون عبادة الظلال أن يصعدوا إلى التعاليم السامية والعالية التي تشير إلى المسيح. هذا مسموح به على الأغلب للذين تبرروا بالإيمان ودُعوا من المسيح ليطيعوه ويعرفوه بمعرفة أعظم من المعرفة القديمة. هذه المعرفة الفائقة التي للمسيح قد أُعجب بها بولس العظيم، وهذا ما يؤكده المخلص نفسه لنا ولإخوته الإسرائيليين قائلاً بلا تحفظ: ” أُعطي لكم أن تعرفوا أسرار ملكوت السماوات وأما لأولئك فلم تُعطَ[27]. وقال للتلاميذ عن اليهود: ” اتركوهم هم عميان قادة عميان[28]، بينما قال أيضًا للذين عرفوه: ” طوبى لأعينكم لأنها تبصر ولآذانكم لأنها تسمع[29]. وعندما أنهي إله الجميع كلامه عن هذه الأمور، بدأ يُشرِّع ويحدد النواميس لكل الشعب. وقال الآتي: ” إنى أنا الرب الذي أصعدكم من أرض مصر ليكون لكم إلهًا[30] لقد بدأ بداية حسنة لتشريعه، قائلاً إنه هو الرب الذي صنع المعجزات مع شعبه فى مصر، وهو الذي أقام الخليقة كلها في وجه الطغاة، وهو الذي أسقط الأمطار والرعود، وغيَّر عناصر الطبيعة، وهو الذي قتل أبكار المصريين، وهو الذي أحاطهم بظلام لمدة ثلاثة أيام، وهو الذي وهب لمن يريد طريقًا في وسط الأمواج، وسحق الأعداء بدون عناء. لأنه كان يجب علي الذين كانوا تحت نير الوصية أن لا يجهلوا مدى عظمة قوة واضع الناموس، وأنه من الخطر أن يصطدموا به إذ لديه القوة أن يفعل كل شئ بسهولة.

بلاديوس: إنه أمر صالح من جهة واضع الناموس أن يهتم بنا بطريقة تليق بالله. لأن الخوف ينشئ طاعة ويجعل القاسى والعنيد  كأنه طفل مطيع.

[1] تث6: 5، مت22: 37

[2] مت39:22

[3] رو13: 8

[4] 1صم2: 26

[5] 1يو4: 20ـ21

[6] إش8 : 16

[7] انظر تث6: 3ـ9.

[8] عدد37:15ـ41.

[9] انظر مت23: 5.

[10] جامعة7: 15

[11] مز37: 31.

[12] لا26: 3ـ5.

[13] فيلبى4: 7.

[14] تث11: 13–15.

[15] خر19: 17 – 19.

[16] أيوب 5: 11س.

[17] مز18: 11

[18] مز49: 1.

[19] خر19:19.

[20] إش52: 6

[21] مت5: 17–18.

[22] خر19: 20ـ22.

[23] تث5: 31.

[24] خر24:19.

[25] انظر عب 5:3ـ6.

[26] مر9:10.

[27] مت11:13 .

[28] مت 14:15.

[29] مت16:13.

[30] لا45:11 .

 

المقالة7 ج1 – السجود والعبادة بالروح والحق ج4 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة6 ج6 – السجود والعبادة بالروح والحق ج4 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة6 ج6 – السجود والعبادة بالروح والحق ج4 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة6 ج6 – السجود والعبادة بالروح والحق ج4 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

 

السجود والعبادة بالروح والحق

تابع المقالة السادسة

“ينبغى أن نكرس حياتنا لذاك الذي هو وحده الإله بطبيعته، ونحبه من كل النفس والقلب.”

 

كيرلس: أريدك أن تعرف بالتأكيد أن الأمور ليست مختلفة عما اتضح من فحصنا لها. لذا يجب أن نمقت تمامًا اللجوء إلى معرفة الغيب التي لا فائدة لها، وكذلك أعمال السحر والشعوذة. لأن بعض اليونانيين ينزلقون إلى شطحات العقل، حتى أنهم يعتقدون بأن معرفة أمورنا الخاصة توجد في الطيور التي تشق الهواء. لذلك يلاحظون طيرانها نحو الشرق والغرب، ونحو اليمين والشمال. وإن ظهر غراب ينعق ينصتون جيدًا بآذانهم ويعتبرون صراخ الغراب كأنه شئ من الحقائق المنقطعة النظير فيتفاءلون ويرجعون فرحين. ولا يخجلون هؤلاء التعساء أبدًا إذ ينسبون قوة التنبؤ إلى الطيور. ويزعمون أن الآلهة تنقل لنا رسائل بواسطة الطيور. أمَّا نحن فلا نقول إن الملائكة الذين تمردوا أو سقطوا هم آلهة، وهذا هو تعليم الأنبياء الأبرار. يقول اليونانيون إن الغراب الثرثار والصقر السريع والحمائم الشقراء وطيور أخرى تعرف الأمور المستقبلة وأنهم بمثابة أنبياء بالنسبة لأولئك السذج الذين يلهمونهم ويصدقونهم. أيها اليونانيون، هل أنتم سعداء ومحظوظون بأن لديكم مثل هؤلاء المعلمين!! قد نسيتم، كما يبدو، ما يقوله شعرائكم، فهؤلاء كان لديهم رأى مختلف ويهزأون بهذه الأمور ويعتقدون أنها خرافة ولا فائدة بتاتًا. فهوميروس يقول:

          أيها الغبى اترك الطيور

          سواء ذهبت يمينًا نحو الشرق والشمس

          أو شمالاً نحو الظلمة الكثيفة[1].

كما أن إفريبديس EÙrip…dhj [2] حدّد بوضوح كم هو عبث أن يراقب المرء طيران الطيور. لأنه يقول إن ثيسياس qhsšaj استولى عليه الجنون ضد أبوليتوس ابنه وحسنًا شرع أن يطرده من وطنه. وعندما يقول (أبوليتوس) له:

                                                          ولا قسم ولا دليل ولا فحصت كلام العرافين

                                                          ولكنك تطردنى من البلاد بتهور

يجيب عليه ثيسياس:

                                                إن كلام التنجيم ليس هو المخرج

                                                إنه يدينك بالحق،

                                                أنا أرسل تحياتى

                                                للطيور التي تحلق فوق رؤسنا!!

          إن صوت الحق في هذا الكلام هو جدير بالتصديق، بالرغم من أنه ليس مناسبًا لنا أن نقتفى من هؤلاء الشعراء إذ أن الإيمان بالله هو أسمى. فالله لا يُخطئ ويحب الحق كثيرًا جدًا. لقد عرف ثيسياس بطريقة ما، أن الطيور التي كانت تحلق فوق رأسه ليس لها أى قيمة مطلقًا. فعلينا أن لا ننسب معرفة الأمور المستقبلة إلى الشياطين، لكن دعونا ننسبها بالحرى إلى الله الذي له وحده معرفة كل الأمور المستقبلة قبل أن تحدث. أما القول بأن الطيور تعرف الأمور المستقبلة فهذا ضلال مبين، والإيمان بهذا الرأى هو دليل على ظلام الذهن. يقول الناموس: ” لا تجعلوا أنفسكم أنبياء بواسطة الطيور[3]، إذ أن هذا الأمر ممقوت وأن الله ضابط الكل يمقته بالحرى.

بلاديوس: إنى أرى نفس الرأى.

كيرلس: وأيضًا إن الأمور الخفية والمجهولة تجعل العجائز يميلون إلى الافتتان بالسحر. لذلك نجد أن موسى العظيم مُفسر النواميس السماوية، يذكر انحرافات السحر والشعوذة ويحذر منها. إذ يقول: ” لا يوجد فيك مَن يُجيز ابنه أو ابنته في النار ولا مَن يعرف عرافة ولا عائف ولا متفائل ولا ساحر ولا مَن يرقى رقية ولا مَن يسأل جانًا أو تابعة ولا مَن يستشير الموتى لأن كل مَن يفعل ذلك مكروه عند الرب. وبسبب هذه الأرجاس الرب إلهك طاردهم من أمامك[4]. في السحرة شئ مقزز جدًا وخطأ كبير جدًا، ولا أعرف لماذا يُعجب به البعض، بزعم أن الذين يشتغلون بهذه الأمور يقولون هذه التعاويذ للمرضى بغرض استدعاء رب “الصباؤوت” (أى رب القوات). هكذا يحاولون أن يبرهنوا على أن هذا العمل ليس سيئًا. لكن يبدو أن اعتقادًا كاذبًا قد ورطهم وضللهم. هذا هو الجانب الذي لا يطاق لهذا الأمر. نحن ندعو الله “رب الصاباؤوت” عندما نريد أن نمجده، وغير مسموح أن ندعو أى كائن آخر بهذا اللقب، فرب القوات هو واحد فقط. لكن هؤلاء يستعملون اللقب الممجد والفائق للطبيعة عن الشياطين التي يتعاملون معها وهي التي تعمل في أسحارهم. وهؤلاء السحرة يتملقون الشياطين ويمنحونهم فرصة للسيطرة عليهم مقابل القوة التي ينالونها من الشياطين. ولأن حشد الشياطين هم معادون جدًا لله، لذلك لا ينبغى أن ننخدع بتلك الأفكار المنحرفة، بل علينا أن نهرب تمامًا منها، ولا نعطى أى اهتمام للأطباء الأشرار أو السحرة، وللشياطين الذين يطلبون ـ كمكافأة لهم لأجل صنيعهم معنا ـ أن نجدف على الله. وعندما يتألم جسدك فإنك إذا آمنت بالحقيقة أن الله هو “رب الصاباؤوت” وآمنت أيضًا بالألقاب الأخرى التي يعطيها الكتاب المقدس للإله الحقيقي، وصليت ومجدته ولم تنسب المجد إلى الأرواح النجسة، عندئذٍ سوف يتلاشى الألم الذي يعذبك، وهذا أفضل من اللجوء إلى أولئك الأشرار. وتذكَّر أن الكتاب يقول: ” أمريض أحد بينكم فليدعُ شيوخ الكنيسة فيصلُّوا عليه ويدهنوه بزيت باسم الرب. وصلاة الإيمان تشفى المريض والرب يقيمه. وإن كان قد فعل خطية تُغفر له[5].

بلاديوس: إذًا ليتنا نعتبر قراءة الفأل والتعزيم من ضمن الأخطاء التي يدينها الناموس ويعتبرها الله من الأمور القبيحة والدنسة.

كيرلس: حسنًا جدًا، وسوف أضيف بأن هناك أساليب كثيرة يتطاول بها الإنسان على الله. فالمرء الذي يقسم بالله هو مذنب ويستحق العقاب، لأنه يحلف كذبًا ويجدف ويقول شيئًا لا يليق بالمجد الفائق والأسمى. فهو يُعاقب بغضب شديد وصارم. حيث المنجل ـ كما هو مكتوب ـ يحطم بيت مَن حلف كذبًا ويزعزع أساساته، لأنه مكتوب: ” فتدخل بيت السارق وبيت الحالف باسمى زورًا وتبيت في وسط بيته وتفنيه مع خشبه وحجارته[6]. وهكذا يُحكم عليه بالموت الذي لا مفر منه.

          إذن لا يجب أن نحلف زورًا، أو الأفضل أن لا نحلف البتة. لأن هذا ما علمنا به المخلّص قائلاً: ” ليكن كلامكم نعم نعم لا لا. وما زاد على ذلك فهو من الشرير[7]. ليس هناك أية ضرورة للقسم بالنسبة للأتقياء الذين جعلوا الفضيلة نهجهم. لأن المحبين للتقوى يحترمون حياة الناس جدًا ويعرفون مدى كراهيتهم للكذب، وإذا أعرب أحدهم عن فكره، فالذين يسمعونه يصدقونه في الحال.

          إذن ليت حياتنا تكون مقدسة وعندئذٍ لن نحتاج للقسم. وإذا حدث أن اضطر البعض أن يقسموا، فليكن ضامن القسم هو الله ولا يُستَخدَم اسم آخر للقسم. لأن البعض يخطئون بحماقة وفجور حين يقسموا بأشياء مختلفة: “بحق السماء”، “بحق أدراستيا” Adr£steia[8] (إله ثراكيا وفريجية) “بحق النور”، “بحق السراج”. هؤلاء يعتقدون في أنفسهم أنهم أتقياء، إذ يتجنبون استخدام الاسم الإلهي، ولكنهم ـ في الحقيقة ـ يسيئون إليه، عندما ينسبون المجد الذي يليق بالله للمخلوقات التي دُعِيَت للوجود بأمر منه. والإسرائيليون قد مرضوا لفترة ما بهذا الضلال. فهم عندما بنوا لله هيكلاً في أورشليم افتخروا بهذا الحدث وظنوا أنهم يملكون صورة التقوى والمجد، لكنهم لم يهتموا كما يجب بما نالوا من وعود بواسطة موسى الحكيم ولم يكونوا مبالين بها. وهم فعلوا هذا رغم أن البناء لم يكن لمجدهم، إذ أن الله لا يُسر بالمبانى الحجرية، علَّمنا قائلاً: ” السموات كرسيَّي والأرض موطئُ قدميَّ. أين البيت الذي تبنون لى وأين مكان راحتي[9]. الله يملأ كل شئ، وموضع راحته في السماء لكنه يأتى ويحضر إلى الأرض، فإنه لا يُقاس بالأبعاد المادية، وهو فائق جدًا فوق العقل، هكذا نعتقد أنه أسمى من المكان والقياس.

          ولأن اليهود سمعوه مرة يقول ” السموات كرسيِّى والأرض موطئ قدميَّ” فإنهم انحرفوا إلى مفاهيم ساقطة، مقسِمِين بالسماء وسمَّوها عرش إلهي، ومقسِمِين بالأرض، لأنها كانت تحت أرجل الله. ومقسِمِين بأورشليم على أنها مدينة الله التي فوق الكل. وأيضًا يستخدمون في قسمهم “بحياة رب” القديسين القدماء. لكن المخلّص أظهر مدى زيف فكر اليهود الأحمق قائلاً ” لا تحلفوا البتة. لا بالسماء لأنها كرسسُّ الله. ولا بالأرض لأنها موطئ قدميه. ولا بأورشليم لأنها مدينة الملك العظيم[10]. أى أن ما قالوه هم خطأ، تحدث عنه المخلّص موضحًا زيف تقواهم من كل الوجوه. فلنهرب إذًا من الضلال. لأننا تعلّمنا في استخدام القَسَم أن لا ندعو أي اسم آخر بتاتًا بل بالحري نستخدم كلمات صادقة وجديرة بالتصديق: نعم نعم لا لا. قال الناموس: ” إذا أعطى إنسان صاحبه حمارًا أو ثورًا أو شاة أو بهيمة ما للحفظ فمات أو انكسر أو نهب وليس ناظر فيمين الرب تكون بينهما هل يمد يده إلى ملك صاحبه. فيقبل صاحبه. فلا يُعوض[11]. والناس يقسمون بالأعظم كما يقول بولس الحكيم[12]. والأعظم من الإنسان ليس هو الذي يمتاز عنه من ناحية الحجم أو الفهم والحكمة والمجد، لكن مَن هو أعظم من كيانه نفسه.

بلاديوس: لا أفهم هذا الذي تقوله.

كيرلس: الأمر واضح يا بلاديوس، أعتقد أن كلامى واضح. ربما لا نقول إن مخلوقات كثيرة تختلف فيما بينها من ناحية الحجم عن الأجسام البشرية؟

بلاديوس: نعم تختلف كثيرًا.

كيرلس: لكن من ناحية الفهم والحكمة والرقة أليست الملائكة أعظم؟

بلاديوس: إنها الأعظم بالتأكيد في الكرامة.

كيرلس: بالنسبة للّمعان والتألق، وأقصد اللمعان والتألق المادى أليست طبيعة الشمس أسمى بلا مقارنة؟

بلاديوس: نعم.

كيرلس: إذًا فبسبب أن كل واحد من هذه المخلوقات له ميزة يتفوق بها علينا، فهل نقسم بأسماء هذه المخلوقات ونترك اسم الله؟

بلاديوس: حاشا.

كيرلس: إذًا فهذا الذي هو أسمى من الكل ويفوق كل الكائنات، أى الله، هو الذي نقول عنه إنه الأعظم من الإنسان.

بلاديوس: تتكلم بالصواب.

كيرلس: إذًا ليت الذين يُفضِّلون حياة التقوى يقولون نعم ولا، وليكن هذا القول مساويًا للقسم. وليت الذين يقولون هذا القول يقولونه بصدق حتى يصدقهم الآخرون. وإذا احتقر أحد كلمة نعم ولا، عندئذٍ يكون الاحتكام إلى هذا الذي هو أعظم منا أو بالحرى أعظم من كل الخليقة. بالنسبة للتجديف ماذا أقول وإلى أي شر يقود الذين يستخدمونه؟ فالناموس القديم عاقب بالموت مَن يجدف على الله؟ والمسيح نفسه قد أدان مَن يرتكب هذه الخطية بعقاب لا مفر منه ولا نهاية له. لأنه يقول ” ومَن قال كلمة على ابن الإنسان يُغفر له. وأما مَن قال على الروح القدس فلن يُغفر له لا في هذا العالم ولا في الآتى[13]. والروح هنا يقصد به الله، لذا مَن يتجرأ أن يتكلم ضده بدون لجام، سوف يحصد ثمار فمه المفتوح. لأنه كما هو مكتوب     ” شفتا الجاهل تدخلان في الخصومة وفمه يدعو بضربات، فم الجاهل مهلكة له وشفتاه شرك لنفسه[14]. لذلك قال صاحب المزمور: ” اجعل يارب حارسًا لفمي. احفظ باب شفتيَّ. لا تُمل قلبي إلى أمر ردئ[15]. فالأقوال الشريرة هي تمرد قبيح ضد الله الأبدى.

بلاديوس: إذًا فالذين يهتمون بالسير في الطريق المستقيم ولا يطيقوا أن يقاوموا إرادة الله يجب أن يكونوا مؤَّسسين جيدًا.

كيرلس: هذا ما أقوله. يقول النبى لهؤلاء الذين يقتربون من الله بقلب متردد فاسد يعانى من الجُبن ويتزعزع بسهولة: “حتى متى تعرجون بين الفرقتين. إن كان الرب هو الله فاتبعوه وإن كان البعل فاتبعوه[16]. لأن المرء عندما لا يكون صحيحًا تمامًا في الإيمان وفي نفس الوقت لا يريد أن يبقى في الضلال، هذا يعنى أنه يعرج برجليه الاثنين. إن الدافع لهذا الرأى الفاسد والهش، على ما أظن، يمكن أن يكون نتيجة للسلوك المزيف الحالى من المحبة الحقيقية نحو الله. ونتيجة للتملق بالنسبة للذين يريدون أن يحيوا مسيحيًا وفي نفس الوقت لا يفعلون هذا من كل القلب. واختيارهم للحياة المسيحية ليس لأنهم يحبون الحق ويريدون الاستقامة، بل لأنهم يريدون أن يأتوا إلى الإيمان طمعًا في السعادة أو خوفًا من خطر معين، فإنهم يكونون أرضًا خصبةً لحَمْلة الشرير الشرسة، ويوقعون كثيرين معهم في هموم الحياة المعيشية. هؤلاء الناس سيكون نصيبهم بين الوضيعين والمحتَقَرين والمنبوذين، وكل ما يحصلون عليه هو أنهم مازالوا على قيد الحياة وإن كانوا بلا كرامة.

          مثل هؤلاء الناس كان الجعبونيون، إذ مضوا مرة إلى يشوع بن نون وتوسلوا إليه أن يُقبلوا بين شعب الله. لكن انضمامهم لم يتم بدون خداع ولم يكن ببساطة ومحبة صريحة نحو الله، لكن كان انضمامًا مخادعًا ومظهريًا. وفي البداية لم يُدرَك هذا الأمر. لكن عندما أُمسكوا وهم يفعلون أعمالاً عدوانية ضد شعب الله، وظهر خبثهم وسوء نيتهم فإنهم وُضعوا في المرتبة الأخيرة، فصاروا حطَّابين وسقاة لكل العبرانيين.

          هل رأيت سقوط غير الأصيل الذي لا يُقدَر المحبة الروحية نحو القديسين بقلب سليم. إنهم يخدعون أحيانًا بعض الناس، ولكن لا يخدعون  المسيح طبعًا فهو يعرف كل شئ، لكن قد يخدعون الذين يتبعونه، أى رعاة الشعوب، مثل أولئك الذين خدعوا يشوع الذي كان صورةً ورمزًا للمسيح، وأتوا بمكر وبأفكار خفية وبخبث وتملق. لكن عندما كُشفوا وُضعوا في المكانة الأخيرة التي تليق بالعبيد. إذًا، فنحن الذين نهدف إلى السلوك الصحيح في كل ما يتعلق بالله، نضع الأمور الأخرى خارج اهتمامنا، ساجدين لربنا إله الكل بقلب بسيط وأفكار مستقيمة، وبمحبة كاملة هذه التي تلغى مرض انقسام النفس، وتبعد تمامًا عن الأخلاقيات والسلوكيات الوثنية، ونسير سريعًا جدًا مبتعدين عن ما يدينه الناموس. وهكذا نكون بلا لوم أمام ربنا وإلهنا ونتمتع مع القديسين الآخرين بإيمانهم بالمسيح واختبارهم له، هذا الذي له مع الآب والروح القدس المجد إلى أبد الآبدين آمين.

[1] هوميروس “الإلياذة” 322:12ـ324.

[2] إفريبديس، إبوليتوس 1055ـ1059.

[3] لا26:19س

[4] تث10:18ـ12

[5] يع14:5ـ15

[6] زك4:5.

[7] مت37:5

[8] هو إله ثراكيا وفريجية.

[9] إش1:66

[10] مت34:5ـ35

[11] خر10:22ـ11.

[12] انظر عب16:6

[13] مت32:12.

[14] أم6:18ـ7.

[15] مز3:141ـ4.

[16] 1مل21:18.

 

المقالة6 ج6 – السجود والعبادة بالروح والحق ج4 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة6 ج5 – السجود والعبادة بالروح والحق ج4 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة6 ج5 – السجود والعبادة بالروح والحق ج4 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة6 ج5 – السجود والعبادة بالروح والحق ج4 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

السجود والعبادة بالروح والحق

تابع المقالة السادسة

“ينبغى أن نكرس حياتنا لذاك الذي هو وحده الإله بطبيعته، ونحبه من كل النفس والقلب.”

 

كيرلس: يا بلاديوس، من الصعب جدًا أن نتناول هذا الأمر، لأن فحص هذا الأمر بالتفصيل يتجاوز المقاييس البشرية. لذلك من الضروري أن نتركه لحكم الله، لأن معرفة أسرار المسكونة هي قاصرة على عقل الله الفوقانى الخالد، فنحن بالجهد ندرك الأمور التي أمامنا (على الأرض)  وبالكاد نعثر على تفسير لها، كما يقول الكتاب[1]. أبرزنا منذ قليل عبث رأى الملحدين ليس فقط لأسباب دفاعية، بل أوضحنا حقائق أساسية بأن تاريخ الميلاد لا يملك القدرة على توجيه الذهن البشرى، كما أن نير القَدَر القاسى لا يستطيع أن يثقل عجلتنا ولا نحن نعجز عن الهروب منه، لكن الأساس في اختيار ما يجب فعله هو إرادة كل واحد منا، وفي استطاعتنا أن نختار ما نريد أن نفعله، سواء كان صالحًا أم شريرًا.

والآن أريد أن أتحدث عن طُرق الكمال كما هي في الكتب المقدسة، تلك الطُرق التي تحذرنا من الإسراف في الأمور الجسدية والأرضية، والتي بها تستطيع النفس أن تنجح في الوصول إلى الحياة الأبدية. وهذه الطرق تحثنا للسعى نحو الفضيلة ونحو المجد اللامع الذي للإيمان والأعمال.          فالذين يرغبون في حياة العفة يمكنهم إن أرادوا أن يصيروا صالحين في سلوكهم، وإن لم يرغبوا فيمكنهم أن يصيروا أشرارًا. فالمرء يمكنه أن يختار بحرية ما يريد، والكل يستطيعون أن يختاروا الغنى الروحى وأن ينالوا المجد السماوي بالتساوي. وهناك آخرون يتفوقون في إقتناء الغنى العالمى، إلاّ أن هذا الأمر لا يخدعنا ويجذبنا إلى أفكار ملحدة، ولا يفصلنا عن المعرفة الحقيقية، لدرجة أن نعتقد أننا مربوطون بنير القَدَر والحظ. هناك مَن يعتبرون الغنى المادى ملك خاص لهم وحدهم، بينما في الحقيقة هو ملك مشترك للجميع. فإذا غاب عن الإنسان الهدف الذي أُعطى الغنى من أجله، فينبغى عليه أن يرجع لكي يعرف ما هي إرادة خالقنا من جهة إعطاء الغنى. فإرادة الله تدعوا الأغنياء أن يبيعوا ما جمعوه ويوزعوه على الفقراء، ولا يُرضى الله أن يحيوا بزهو وافتخار. والله ينظر للبشر بمساواة وهذا من السهل أن يدركه مَن وضع طبيعتنا البشرية. لأن الطبيعة لا تعترف بالفقير والغني، المخفي والظاهر، الوضيع والممجد في هذه الحياة، لكن تتعامل مع الكل على السواء، بدون تمييز، وبنفس الذرات تخلق في كل واحد كماله وشكله وجماله. فهناك حياة واحدة للجميع تبدأ بالولادة وتنتهي بالموت والرحيل من الحياة، فلا يفلت أحد من شبكتها، فلكل مخلوق يحمل نهايته التي لا مفر منها. إذًا أخبرنى، هل من الصعب أن يتحقق المرء بأن هدف الإرادة الإلهية أن يعيش البشر متساويون فيما بينهم؟ إذا أردت، اسمع ماذا يقول بفم أحد الأنبياء ” أليس أب واحد لكلنا. أليس إله واحد خلقنا. فلم نغدر الرجل بأخيه[2].

          فلو خالف البعض إرادة الخالق باختيارهم وفعلوا ما يفضلونه، (لأن الخالق قد كرّم الطبيعة بالحرية)، فهذا ليس بغريب، إذ أن البعض يخالفون القوانين البشرية. لكن، لن يلوم أولئك الذين يشرعون القوانين، بل بالحرى سيُعنف الذين يخالفونها. البعض عندما يفعلون يقولون: ” هكذا أراد الحظ، وهذا من جراء القدر”. يا لها من ثرثرة؟! لماذا تلقون المسئولية على القدر ولا تحكموا على طيش عقولكم؟ أمَّا الكتاب المقدس فقد أعلن الحقيقة عن أولئك الذين لا يسلكون بالحق: ” غباوة الإنسان تفسد طريقه، وفي داخله يشتكى على الله[3]. بالتالى قد أخطأ ـ من جهة المعرفة الحقيقية ـ كل الذين وضعوا الميلاد، والقدر، والحظ كقُوَى مسيطرة في حياتهم، ولم يسلموا قيادة أمورهم إلى الله، بالرغم من أن المسيح قد قال: ” أليس عصفوران يباعان بفلس. وواحد لا يسقط على الأرض بدون أبيكم. وأما أنتم فحتى شعور رؤوسكم جميعها محصاة. فلا تخافوا. أنتم أفضل من عصافير كثيرة[4]. لأن الخالق يعتنى بكل المخلوقات الأرضية، ويسمح لكل واحد أن يفعل ما يريد ويسلك في الطريق الذي يروق له. لكن بسبب أن الجنس البشرى قد سقط وانحرف، أُعطى له الناموس عونًا بحسب الكتب المقدسة[5]. كل مَن يقبل الإيمان بالمسيح وقد تخطى ذلك الضلال القديم لا يجب أن ينخدع بالأمثال العجائزية في أمور تختلف عن الاعتقاد المستقيم، لدرجة أنه يعتقد أن الكون، والإنسان يُسيِّرهما بالحظ والقدر اللذين لا وجود لهما.

بلاديوس: إنه لخطر عظيم. أن الإنسان يستثير الديان ضده.

كيرلس: لكن ماذا؟ ألا تعتبر أن مراقبة المرء للأيام والفصول والأوقات والسنين ونقصان الدورة القمرية بهدف معرفة نصيبه ومصيره هو أسوأ نوع من أنواع الشرور؟

بلاديوس: نعم أعتبره قمة الشرور. لأن بولس يعتبر هذا الأمر جرمًا كبيرًا في حديثه إلى الأمم الذين خلصوا عندما يقول: ” إذا كنتم لا تعرفون الله استُعبِدتم للذين ليسوا بالطبيعة آلهة. وأما الآن إذ عرفتم الله بل بالحرى عُرفتم من الله فكيف ترجعون أيضًا إلى الأركان الضعيفة التي تريدون أن تُستَعبدوا لها من جديد. أتحفظون أيامًا وشهورًا وأوقاتًا وسنين. أخاف عليكم أن أكون قد تعبتُ فيكم باطلاً[6].

كيرلس: إذًا فالاهتمام بحفظ الساعات والأيام والأوقات (يقصد الاعتقاد بالتفاؤل والتشاؤم من أوقات مُعيَّنة) لا يليق  بالمرة بهؤلاء الذين يعرفون الإله الحقيقي، أو بالحرى بهؤلاء الذين قد عُرفوا منه بواسطة الإيمان دُعوا ليكونوا خاصته بالنعمة. لأن مَن يهتم بحفظ هذه الأمور يتخلى عن افتخاره باسم المسيح ويرجع إلى الأمور العتيقة، ولم يحفظ ذهنه حُرًا، لكنه يسرع للدخول في نير الضلال القديم، معطيًا الكرامة التي تخص الله لأركان العالم، ومتوجًا تلك المخلوقات التي خلقها الخالق بأمجاد عظيمة. يقصد بأركان العالم الأوقات والأيام والشهور وتعدادهما التي بها تحصى السنين. لأنه، بالرغم من أن الزمن مستمر ويسير إلى الأمام بلا انقطاع، إلاّ أن الله أخضعه لمقاييس الفصول والأيام ودورانها بالقياس والعدد. وطالما لا يشير الزمن بالنسبة للبشر بالأوقات والفصول والأيام بشيء آخر بخلاف الحركة الدائرية والتعداد الدقيق، فلماذا ابتدع البعض خرافات يعتبر التفكير إليها هزل وسخرية، إذ يقولون إن دورات زمنية تجلب الخير وأخرى تجلب الشر، ويميزون هذه الدورات بدقة ناسبين إليها قوة تجلب السعادة، وقوة أخرى معاكسة تجلب التعاسة؟ أليست هذه الأمور هي ثرثرة وجنون رهيب وخداع شيطانى؟

بلاديوس: أوافق. وهذا واضح جدًا.

كيرلس: لأنه كما قلنا إنهم حاولوا أن يقنعونا بأن نُسلّم حياتنا إلى آلهة الأقدار وإلى الحظ وإلى الأرواح الغريبة، وهكذا اعتبروا حريتنا  أنها بلا جدوى، وأرادوا أن يمنعونا من الاهتمام بذواتنا. إنهم يقولون إن سريان الأيام والفصول هو نير إجبارى فُرض على البشر، وإنه من الصعب جدًا على البشر أن يتجنبوه. هذا الكلام غريب جدًا (لأنه يتمشى مع حكايات العجائز)، والذين يؤمنون بهذه الخرافات يتعرضون لإخفاقات لا تحصى، ولا يتقدمون ناحية خبرة إمكانية كشف الضلال، فهم ينسبون الدناءة إلى الدورات والأيام قائلين نفس الأمر عن نقصان الدورة القمرية واختفاء القمر. فلو أراد شخص في ساعة ما ويوم ما أن يعمل إحصاء عن الذين يفرحون والذين يسقطون في كوارث رهيبة، فلماذا يكون الضرر الناتج من هذه الأمور غير موزع بالتساوى على الكل، إذ نجد أن البعض سعداء وآخرون أشقياء وممتلئين بالشرور وصاروا أسطورة وعبرة درامية للجميع؟ لكن الذين يرون الأمور بدقة يستطيعون بسهولة أن يتحققوا من أنه نفس اليوم والساعة قد يُمسك أحدهم في الزنا والقتل ويُحكَم عليه بعقاب قاس، وآخر يأخذ مدائح لتعقله وتهذبه وكماله. هكذا فاليوم والساعة لا يستطيعان أن يمنعا الشرير من التعقل، ولا أن يُحرِضَا المستقيم والمهذب على فعل السوء والتمتع باللذات الشريرة. الإرادة الحرة هي التي تُهئ الشخص لفعل هذه الأمور أو تلك. وهكذا فإن أفعالنا ليست نتاج الظواهر الطبيعية، إذ سعادتنا وتعاستنا تعتمدان علينا.

بلاديوس: يبدو هذا الكلام صحيحًا.

كيرلس: الكل يخاف بالأخص من اليوم الخامس والثامن من الشهر ويتعللون بحجج عندما يفعلون الخطية، وينسون أن من يفكرون باستقامة لا يستريحون لهذه الأفكار العجائزية. إذ أن الذين يؤمنون بهذه الأفكار يبتدعون آلهة للانتقام من المجرمين مثل ErinÚwn “إيرينيون” وشياطين عديدين بعضهم أشرس من الآخرين، وأيضًا ابتدعوا جزاءات ومحاكم، وأشياء متنوعة مثل هذه، ألا يخجل هؤلاء التعساء! هؤلاء عندما يبدأ القمر في الاختفاء تدريجيًا (وهذا ما يحدده الفنى المتخصص في علم الفلك) يوقفون أى عمل، ويؤجلون رحلاتهم معتقدين أن الأمور البشرية تضعف وتنحل مع انزواء القمر. هذه سخافات، لأنه بالرغم من أن القمر يتناقص، فإن الإنسان المتعقل والمتزن سوف لا يتوقف إطلاقًا أن يكون متعقلاً وتألُّق عقله لن يتأثر بالقمر. كما أن طبيعة الأشياء لن تصير إلى الأسوأ، ولن يكون الإنسان مُسَّيرًا بواسطة الأجرام السماوية. وأتعجب كيف أنه عندما يبدأ القمر في الاختفاء ويستمر في الاختفاء حتى نهاية الشهر، تزداد فوائد الدائنين وتمتلئ خزائن محبى الأموال كثيرًا. أنا لا أفهم، كيف يعتقدون أن الأمور تزيد أو تنقص إجباريًا بتأثير النجوم. ألا توافقنى أن هذه الاعتقادات سخيفة ومضحكة؟

بلاديوس: طبعًا هي مضحكة جدًا.

كيرلس: إن الرد بكلمات مطوَّلة على مثل هذه الآراء الحمقاء هو عبث، لأن هذه الآراء هي بذاتها سخيفة دون أن يقول أحد شيئًا عنها. دعنا الآن ننتقل إلى شئ آخر.

بلاديوس: ما هو؟

كيرلس: الشيطان يمقت ـ على ما أظن ـ اليوم الخامس والثامن ووصول القمر إلى امتلائه الكامل في اليوم الرابع عشر، هذا اليوم الذي انعقد فيه المجمع اليهودى لمحاكمة يسوع، والشيطان مازال ـ في الحقيقة ـ هو مبتدع الشرور، ويخترع لها أسبابًا مختلفة. لأن الأحداث التي حدثت في الأيام التي فيها فقد سلطته الطاغية علينا، عندما أشرق وحيد الجنس علينا بمحبته بالجسد، لم يستطيع الشيطان أن يدركها (بسبب عظمة ما حدث فيها).

بلاديوس: ماذا تقصد؟

كيرلس: ألا نحسب، يا بلاديوس أن اليوم الخامس هو الذي جاء فيه مخلّصنا إلى العالم؟

بلاديوس: أفهم ما تقوله من المثل الإنجيلى. لأن المسيح يقول، إن الذي استأجر عمالاً في كرمه خرج في الساعة الأولى، وفي الثالثة، وفي السادسة، وفي التاسعة، وفي الحادية عشر (الساعة الخامسة) أى الوقت الأخير الذي فيه ظهر مخلّصنا وأشرق علينا.

 

كيرلس: تتحدث بالصواب. لكن ماذا؟ ألم نقل أنه سُلم في اليوم الخامس من الأسبوع وتمَّم أساس كل التدبير لأجلنا وهو الذي صار إنسانًا وتحمل الصليب لأجل خلاصنا؟

بلاديوس: بالتأكيد.

كيرلس: ألم يُبطل الموت ثم قام مرة ثانية سابيًا الجحيم في اليوم الثامن، أى اليوم الأول من الاسبوع؟

بلاديوس: لا شك في ذلك.

كيرلس: حسنًا فإن الناموس القديم حدّد الختان الجسدي في اليوم الثامن الذي هو صورة للختان الروحي والحقيقي. والختان الأهم أى الروحي هو شركة في الروح القدس، والنعمة الأولى (عند الخلق) منحها لنا المسيح مرة أخرى داخلنا بعد أن قام من بين الأموات قائلاً: ” اقبلوا الروح القدس[7]. قال بولس الرسول: ” لأن فصحنا أيضًا المسيح قد ذبح لأجلنا[8]. اليوم العاشر من الشهر القمرى هو بداية الخلاص وتقديم الذبيحة الذي ننظره بإشتياق. فالناموس أشار مرارًا إلى وقت صلب مخلّصنا لأجل حياة العالم فنحن نعلم أن آلامه ابتدأت من “اليوم العاشر”. جاء في سفر الخروج: ” كلّما كل جماعة إسرائيل قائلين في العاشر من هذا الشهر يأخذون لهم كل واحد شاة بحسب بيوت الآباء شاه للبيت. وإن كان البيت صغيرًا عن أن يكون كفوًا لشاة يأخذ هو وجاره القريب من بيته بحسب عدد النفوس. كل واحد على حسب أكله تحسبون للشاة. تكون لكم شاة صحيحة ذكرًا ابن سنة تأخذونه من الخرفان أو المواعز[9]. ها أنت ترى أن القدماء يأخذون الشاة من اليوم العاشر ويحفظونها إلى اليوم الرابع عشر، لكى تفهم فترة خمسة الأيام التي فيها صار إنسانًا وعانى الموت لأجلنا، بينما كالقمر آخذًا في الاختفاء في بداية الليل؟ الأمر هو مثال للسر. ويبدو أنه يعلن المسيرة التراجعية لسلطة الشيطان الطاغية التي تضمحل أكثر فأكثر. والقمر هو بطريقة رمزية مثال للشيطان. لأن القمر يحكم الليل أى يحكم على هؤلاء الذين في الظلمة وهم يغطون في نوم عميق دون أن يكون لهم نور المعرفة. وقد اعتاد الكتاب المقدس أن يُشبِّه الذين ضلوا بالليل. اسمع ماذا قال رب الجميع لليهود عندما رجعت أورشليم إلى عبادة الأوثان: ” ولكن لا يحاكم أحد ولا يعاتب أحد وشعبك كمن يخاصم كاهنًا. فتتعثر في النهار ويتعثر أيضًا النبى معك في الليل وأنا أضرب أمك. قد هلك شعبى من عدم المعرفة[10] هل أدركتَ أن هؤلاء الذين ليس لديهم معرفة الله الحقيقي يُدعَون ليلاً؟ هكذا فإن عدو الجميع يكره الأوقات والأيام التي حُكم عليه فيها بالهلاك والتي فيها خَلُصنا نحن. ومن يكره الأوقات والأيام معه سيكون من نصيب الشيطان وسيرث معه الجحيم الأبدى.

بلاديوس: إذن سوف نضع هذه الأمور جنبًا لجنب مع عبادة الأوثان الدنسة، ومع الخرافات المدعوة آلهة القدر.

[1] انظر حكمة سليمان 16:9

[2] ملا10:2.

[3] أم3:19.

[4] متى29:10ـ31.

[5] انظر إش20:8

[6] غلا8:4ـ11

[7] يو22:20

[8] 1كو7:5.

[9] خر3:12ـ5.

[10] هو4:4ـ6.

 

المقالة6 ج5 – السجود والعبادة بالروح والحق ج4 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة6 ج4 – السجود والعبادة بالروح والحق ج4 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة6 ج4 – السجود والعبادة بالروح والحق ج4 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة6 ج4 – السجود والعبادة بالروح والحق ج4 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

 

السجود والعبادة بالروح والحق

تابع المقالة السادسة

“ينبغى أن نكرس حياتنا لذاك الذي هو وحده الإله بطبيعته، ونحبه من كل النفس والقلب.”

 

كيرلس: سوف أتغافل بالتأكيد عن الحماقة التي لهذا الأمر، تاركين خدام التطهير في صمتهم، وسوف آتى أيضًا لنفس الأمر وسأقول إنه يمكن للمرء أن يدرك أن الذين يسجدون للشياطين إنما يعيشون كمثل الحمقى والجهلاء، ولا يفكرون في طريقة التطهير، ولا يدققون في حقيقة ما هو الرجس والدنس. لأن الزنى والشهوات التابعة له: علاقات مع ذكور والقتل والنميمة والحسد والتنجيم الكاذب والجُبن والخداع واليمين الباطل، كل هذه هي البقع والأدناس التي تلوث النفس والجسد والتي تُمحى بصعوبة جدًا. لكن هذه الأدناس لا النار ولا منابع المياه تستطيع أن تغسلها. متجاهلين أيضًا أنهم يلوثون النفس ويملأون العقل بالنتانة وهم يوّصون بالابتعاد عن الأجساد الميتة ويعرضون بذلك عن كل ما يخضع للفساد غير محترمين قوانين الطبيعة. وأيضًا المأكولات التي يشتهونها عن وعى، هم أنفسهم يتشككون إذا تصادف أن لمسوها بدون إرادتهم ويسرعون فورًا ليتطهروا بالنار والماء، كما لو كانوا مخلوقين ليصيروا قديسين ويكفى فقط الابتعاد عنها. هكذا ضلوا عن المعرفة وفقدوا عقلهم، وعن حق يُقال عنهم: “ويل لكم.. أيها القادة العميان الذين يصفّون عن البعوضة ويبلعون الجمل[1]. وبينما يعتبرون الذي يسبب التلوث الحقيقي عديم القيمة والنفع، يشعرون بالرعب الزائد من أجل الأمور التي لا تسبب أى أذى. لدرجة أنه، لو أن شخصًا منهم دخل قبور الأموات، يخلع ثيابه ويحلق رأسه ظانًا أن شعره ملوث، وهذه من الأمور التي يعلّمنا الناموس الإلهي أن نبتعد عنها ونهرب من تقليدهم. لأنه مكتوب أيضًا: ” لا تخمشوا أجسادكم ولا تجعلوا قرعة بين أعينكم لأجل ميت[2]. لأن الأدباء اليونانيون يرون أسطورة الإله أبولونوس والذي يسمونه فيفوfo‹bo أى النظيف والطاهر ويقولون إنه هو نفسه الشمس. هكذا يستخدمون كلمة فيفو من الفعل فيفازوfoib£zw بمعنى أُطهِّر. وأيضًا فيفازيستى foib£sqai بمعنى أتطهر بحسب نواميسهم وعاداتهم اليونانية.

          لكن الناموس الإلهي يمنعنا من ممارسة هذه العادات السيئة والكريهة. ليس من الصواب أن يُعتبر موت الأجساد دنس للنفس، ولا نعتقد أن القلوب تتدنس بمجرد رؤيتها مشهد ميت، ولا يليق لأجل هذا الحدث أن نقص الشعر. لأن هذا الأمر عبث وملىء بالفكر الوضيع. إذن بالصواب يقول الناموس الإلهي: ” لا تخمشوا أجسادكم”. هذا التطهير لن يفيد النفس، لكن بالحرى يؤذيها إذ يضلها عن معرفة الطريق المفيد ويبعدها عن ما هو لخيرها. دعونا نفكر بالآتى: توجد لدينا قوانين موضوعة من سادة الأرض (أى القوانين المدنية) تسمح بما يليق وتحرم ما لا يليق فعله. لكن لا أحد يستطيع أن يفلت من العقاب لارتكابه مخالفات، إن لم يسمح إحسان الملك بالعفو عنه ويغفر ذنبه. بنفس الطريقة إذن، مَن يخالف النواميس الإلهية، لا يمكن أن يصير طاهرًا، إن لم ينل هذا الطهر بالإحسان الإلهي. لأنه، إذا خالفنا نواميس النار والماء، إذ الخطية تنطلق (بحسب زعمهم) من هذه المخالفات، فدعونا نغسل الإدانة بالماء ولندع النار تأكل الدنس ومِن حق الذين ارتكبوا جرائم أن يُغفر لهم. لكن إذا صدقنا ما قيل إلى الله ” إليك وحدك أخطأت والشر قدام عينيك صنعت[3]، لأن واحد هو المشرع والديان، عندئذٍ، فإنه بسبب أنهم رفضوا رب الجزاء والغفران يكونون قد سقطوا في أفكار العجائز ظانين أن في الماء والنار قوة لتخلّصهم من الدينونة. فلتبتعد ـ أيها الإنسان ـ عن هذا الإنحراف واقترب فقط إلى الإله الحقيقي وسوف تسمعه يقول: ” أنا أنا هو الماحى ذنوبك لأجل نفسى وخطاياك لا أذكرها[4]. هذا هو التطهير الحقيقي وهذا هو المجد الروحى. لأننا قد تطهرنا نائلين بالإيمان بالمسيح غفران خطايانا، وتقدسنا بحميم الميلاد الثانى واغتنينا بغنى النعمة الإلهية، نعمة الروح القدس الذي كمثل النار يمحو الدنس الذي كان مثل كومة من القبح فوق أفكارنا. لذلك يقول الكتاب المقدس، أن تعتمد بالروح القدس وماء.

بلاديوس: هل سنصنف ضلالنا بهذه الأمور ضمن إطار عبادة الأوثان؟

كيرلس: بالتأكيد. لأن الأمر مليء بعدم الإيمان. ويمكن أن ينضم ويُحصى مع هذه الأمور، أي الاعتقاد بأن الأمور البشرية تُنظم بواسطة إرادة الآخرين ونحن ليس لدينا سلطة على حياتنا، لكن مبتدعي هذه التعاليم الذين يضعون خرافاتهم هم المتسلطون علينا. إني لا أعرف كيف يضعون القدر والحظ ويوم الميلاد كدفة تقود حياتنا، ويُعلِّمون بأن ليس أى أحد منا له الحق أن يريد ويحدد ما الذي ينبغي أن يفعله، لكن يسير كمثل المربوط بقيد مُلزم بإرادة المتسلطين. وبعد ذلك ما هو الأكثر سخافة مِن هذا؟ أي شر أعظم يستطيع أن يفعله الشيطان بالبشر من أن يقنعهم بأن يتصرفوا ويفكروا هكذا؟ لأنه، كيف يستطيع المرء أن يفكر في الأمور المفيدة ويفعلها بإرادته؟ وطالما هو قد عاش في هذه الأمور السيئة وهو راضٍ عن فعل الأمور التي لا تليق، فكيف يستطيع أن يدين ذاته وهو غارق في الحزن، وكيف يمكنه تغيير رأيه وفعله؟ مثل هؤلاء الذين يريدون أن يجوبوا ويبحروا في البحر، من الضروري أن يذهبوا في اتجاه الريح التي تهب عليهم من مؤخر السفينة، ويتوجهون بثبات نحو الاتجاه الذي يدفعهم الريح ناحيته. هكذا أيضًا من الضروري لهم أن يلتزموا بالأمور التي تقودهم إليها الحظ وإلى رياح المُقدَّر والمكتوب التي لا يمكن لهؤلاء أن يتجنبوه. أم تظن أنني لم أقُل الصواب؟

بلاديوس: كيف لا يكون كلامك هذا صواب؟

كيرلس: بناء على اعتقاد هؤلاء فإنه من الحماقة أن يُتوّج الإنسان الصالح بمدائح وأن يُعتبر جديرًا بالكرامة، بينما في نفس الوقت يُعتبر الشر والفُجر شيء سيئ.

بلاديوس: ماذا تقصد؟

كيرلس: يا بلاديوس، إن الميلاد والحظ ـ بحسب اعتقاد هؤلاء ـ يَسُودَان على الجنس البشرى التعيس في كل الأمور رغمًا عن إرادتهم، ولا يوجد شيء يتم بإرادتهم. إذًا ألا يكون الميلاد والحظ هما اللذان يتحكمان في كل الأشياء؟

بلاديوس: بالتأكيد.

كيرلس: تأمل بنفس الطريقة في الأمور البشرية، وسوف تتحقق جيدًا إلى أي حد نكون مستعبدين للشر، إن لم نتقدم ونسلك بإرادتنا إذ أننا ممسوكون ومربوطون تحت نير قُوى أُخرى في أي اتجاه، تُحرِّكنا كما تشاء في كل الأمور. وهكذا لن يكون لنا أي ثقة في أنفسنا بل سوف نُلِقي بالمسئولية على أولئك الذين يُوجِّهوننا وفق رأيهم. وهكذا لن يكون للبار أي ثناء، ولن يكون عقاب للظالم.

بلاديوس: تفكيرك صحيح جدًا.

كيرلس: إذًا عبثًا يُعجب مُبدعو هذه الأفكار بأثينيوس، سولونا، ودراكونداس، وليكورغوس لأنهم أدخلوا أفكارًا جميلة في اليونان ووضعوا قوانين مدنِيَّة حسنة. وأي فائدة من هذه الأمور، إن كانت كل الأمور تعتمد على الآخرين وليس علينا نحن؟ ويكون حالنا هو حال الذين يعترفون بالقوانين، الذين لا يستطيعون أن يفعلوا بحرية الأمور التي يختارونها بإرادتهم، وأظن ـ في هذه الحالة ـ أن واضعي القوانين المدنية يُعتَبَرون ظالمين بالرغم من أنهم نالوا منكم مجدًا عظيمًا بسبب قوانينهم العادلة. لأنهم شرعوا بوجوب معاقبة الكسالى وأن يُفرض عليهم ضربات مؤلمة بسبب عصيانهم، ووضعوا للشباب قوانين وطرق تربوية عظيمة مما يدل على أن الشباب يمكن أن يختاروا الظروف المعيشية الفاضلة بإرادتهم. وقد يقول أحدهم لسولون (الشاعر): كان من الواجب وأنت تُشرِّع للشباب أن تُقنِع إله القدر ليسمح للناس أن يفكروا وأن يفعلوا الأمور التي يريدونها. لكن أنت تُشرِّع بدون أن تُقنِع. وربما أنت (يا سولون) تستهزء بالأسطورة والحظ إذ أنك تعترف بأنه يمكننا أن نفعل كل الأشياء ونستبعد إله الحظ الظالم والقدر الأعمى من الأمور البشرية. إنك لا تعتقد أن المواطن الصالح هو الإنسان التقى والحافظ للقوانين الذي قد سما إلى قمة الصلاح، وكذلك فإن الخسيس والدنئ هو الذي يبتعد دائمًا عن حفظ القوانين باستقامة؟

بلاديوس:  قولك هذا حسن جدًا ومقنع جدًا.

كيرلس: ماذا إذًا، يا عزيزى، ألا نقول إن التعاليم التربوية والوصايا والتحريضات نحو الفضيلة التي يمارسها الآباء نحو أولادهم والمعلمون نحو تلاميذهم، هي بلا جدوى، لو أن الأولاد والتلاميذ سلكوا الطريق إجباريًا وليس بحسب إرادتهم، إذ يحيون بطريقة حياة لا يريدونها.

بلاديوس: بالتأكيد.

كيرلس: وإذا حدث أن شخصًا تشاجر مع أولاده بسبب أنهم أخطأوا، وقام بتوبيخهم، أسوف تمدحه أنت، أم ستعتبر هذا ظلمًا، لأنك تريد أن تتركهم بدون توبيخ على شرورهم؟

بلاديوس: يبدو لى أن كلامك مقنع.

كيرلس: هذا الاعتقاد (بالقدر والمكتوب والحظ) هو جحود عظيم وسوف ترى ذلك، إذ أنه يُزعزِع الإيمان بالله، مدبر الكون، إذ يصل المؤمنون به إلى درجة من الوقاحة تجعلهم يجردون الله من قدرته ويسلمون حياتهم لسيادة الحظ عليها، بالرغم من أنهم يرون بوضوح أن كل الخليقة تسير بمسارات منضبطة. أيوجد شئ في العالم يسير بدون نظام؟ وأي مخلوق من المخلوقات لا يسير بحسب النظام الموضوع له ولا يعترف بأنه يخضع للقوانين والنُظم التي وضعها مدبر الكون، وضابط الكل أي الله؟ لذلك فإن بولس العظيم يقول: ” لأن أموره غير المنظورة تُرى منذ خلق العالم مدركة بالمصنوعات قدرته السرمدية ولاهوته حتى إنهم بلا عذر لأنهم لما عرفوا الله لم يمجدوه أو يشكروه كإله بل حمقوا في أفكارهم وأظلم قلبهم الغبي وبينما هم يزعمون أنهم حكماء صاروا جهلاء[5]. فكيف لا يكونون حمقى وأغبياء عندما ينصحوا الآخرين بأن يعتقدوا بخلاف الحق. قد يقول لهم أحد ما فائدة أن يعتقدوا بالمعتقدات المخالفة للحق وهي نفسها لا ترضى حتى شعراءكم؟ إذ أن هؤلاء الشعراء يعتبرون أن تنظيم الأمور الواجبة الحدوث هو في سلطاننا وليس في سلطان الآخرين. لذلك فإن هوميروس في أشعاره يقول إن الإله ذياس Dίaj يتحدث مع آلهة أخرى عن زنى “إيجيستوس” (Aigistoj) وعن الجزاء الذي يستحقه. وياللأسف، كيف يتهم البشر الزائلون الآلهة باتهامات ثقيلة ويقول إن الشرور تأتى من الآلهة، وهكذا فإن أولئك يتألمون بعصيانهم وليس من القدر[6]. فلأى سبب ينسب البعض للآلهة متاعبهم ولا ينسبونها إلى أخطائهم التي تُسبب لهم النكبات؟ فإذا اختار المرء أن يعيش حياة مستقيمة وتكون حياته مملوءة بالحكمة واللياقة، فإن عليه أن يسلك بثبات متخطيًا الصعاب، وذلك بناء على قراره الصحيح والمشورة المستقيمة، ولا يترك نفسه أسيرة للأعمال الشريرة. لأن في مقدورنا أن نرى الاتجاهين، أقصد الخير والشر. والذين يقدّرون الطريق الصحيح سيصلون إلى جمال الفضيلة، أما الذين يحبسون أنفسهم في الشر ويفضلون الظلم، هؤلاء يفسدون الحياة نفسها ويكونون هم سبب هلاك لأنفسهم. وكما قُلت، فإنه باستطاعتنا أن نرى الاتجاهين، ونخفق في الحصول على كل ما يعود علينا بالنفع بسبب سقوطنا في اللذات. وقد صاح إفريبيدس Eurίpidhj أحد شعرائهم متحدثًا عن دور امرأة تفعل المعصية على المسرح، ثم بعد ذلك أظهرها تتفلسف وتقول:

يا نساء تريزيناس اللواتى تتطلّعن من شرفة بلاد بيلوباس أمام البحر

ذات ليلة تأملتُ بدون سبب

ما الذي يفسد حياة البشر الفانيين

وأعتقد أنه ليس قدرهم الذي جذبهم إلى الأسوأ

لأن كثيرون يستطيعون أن يجدوا الصواب

لكن ينبغى علينا أن نفكر هكذا:

بالتأكيد نحن نعرف الخير

لكن نهرب من فعله

البعض يحبون الرخاوة

وآخرون يفضلون اللذة

والحياة مليئة باللذات الكثيرة والثرثرة والبطالة، شر رهيب[7].

هل أدركتَ أن القدماء لم يلقوا المسئولية على الحظ أو تاريخ الميلاد أو القدر، وأن هؤلاء (المعتقدون بالقدر والحظ والمكتوب) يخرجوننا إجباريًا بعيدًا عن المشورة الصحيحة وبعيدًا عن الأمور التي نعرف أنها صحيحة؟ لأنه يقول إن حياة البشر تسوء ليس بسبب طبيعة فكرهم، أى ليس لأنهم بالطبيعة ذوو فكر شرير، لكن لأنهم لا يريدون أن يفعلوا الأمور التي يعرفون أنها صحيحة. وما هو السبب؟ الكسل هو الذي أوقفهم وطرحهم في البطالة، أو أن لذة من اللذات قد استولت عليهم وخدعت عقولهم وأبعدتهم عن طلب الضروريات، عارضة طريق الرخاوة الذي يغرى بالراحة. وسوف نستطيع أن نجمع هذه الأمور وكثير غيرها من كتاباتهم بسهولة جدًا. ولا أظن أن أحدًا لديه شك في أن الكلام الذي قيل هو كافٍ للسامعين؟ لذلك سوف نتجنب الاسترسال في الكلام.

بلاديوس: حسنًا. لكن فكر كيف سيكون الجواب إذا سألك البعض عن السبب في عدم المساواة، والصعود والهبوط في المكانة بين البشر. فيمكن أن نرى الشرير يترفه ويغتنى، بينما الصالح يتعرض مرات كثيرة لأمور عكس ذلك.

[1] مت24:23.

[2] تث1:14.

[3] مز4:51.

[4] إش25:43.

[5] رو20:1ـ22.

[6] هوميروس، أوديسا32:1ـ35.

[7] إفريبيدس: أبوليتوس المتَّوج: 373ـ385.

 Eurip…dh, IppÒlutoj StefanhfÒroj st.373-385

 

المقالة6 ج4 – السجود والعبادة بالروح والحق ج4 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة6 ج3 – السجود والعبادة بالروح والحق ج4 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة6 ج3 – السجود والعبادة بالروح والحق ج4 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة6 ج3 – السجود والعبادة بالروح والحق ج4 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

 

السجود والعبادة بالروح والحق

تابع المقالة السادسة

“ينبغى أن نكرس حياتنا لذاك الذي هو وحده الإله بطبيعته، ونحبه من كل النفس والقلب.”

 

كيرلس: تفكر بطريقة فائقة. أي سوف نقبل أن نفوس القديسين، قد تخلّصت من الجسد، تطير بدون حساب، وقد وصلت إلى هذا المستوى من التعذيب، حتى أنها تخضع للأرواح الشريرة والدنسة ويتبعونها بدون إرادتهم حيث تريد هذه الأرواح، بالرغم من أن في سفر الرؤيا الذي كتبه يوحنا الحكيم، وقد وضعوا الآباء هذا السفر من ضمن قانون العهد الجديد ـ ما يؤكد لنا بوضوح أنه رأى نفوس القديسين تحت مذبح الله نفسه[1]. إذن إذا سحبوهم من المساكن السماوية، وأنزلوهم من الأماكن المقدسة بدون أن يعيقهم أحد، فالسماء هي عندئذٍ مفتوحة للكل، وباب الفردوس يفتح لهؤلاء. والسيف النارى ينسحب لكى يدخلوا ويخرجوا، ويكون عندهم تصريح بأن يُخِرجوا البعض ـ بعد أن دخلوا ـ من السماء خارجًا. ألا يظهر هذا خيبة رجاؤنا في المسيح وألا يُعلِن أن حياة الرجال الذين أُعجبنا بها هي بائسة تمامًا؟

بلاديوس: هكذا يبدو.

كيرلس: الأمر بالتأكيد يصير واضحًا من جهة أخرى أي كيف كان من الأفضل لبولس العجيب أن يرحل من هذا العالم ويكون مع المسيح[2]؟ لأنه إذا رحلنا من الأمور الأرضية، وبينما نحن مع المسيح، نكون في قبضة الأرواح المعادية لنا، فإن الإيمان يفقد محتواه وفق المكتوب، ويكون مِن الأفضل أن يوجد المرء في الجسد من أن يكون مع المسيح، كل واحد، على ما أظن، سوف يقبل الرأي فكيف يختلف (هذا الأمر) ـ بلا مقارنة ـ عن الأفضل. وهذا الذي لا يمكن لأحد أن يتحمله بعد بالأكثر، عندما نكون في هذه الحياة لسنا مقيدين (مربوطين) في إرادة الشيطان وحسنًا ندوس الحيات والعقارب وكل قوة العدو وفق كلمة المخلّص[3]. ثم بعد ذلك، عندما نكون مع المسيح، كيف نوجد في حالة أسوأ؟ وكيف أنه يقول الحقيقة، قائلاً: ” خرافى تسمع صوتى وأنا أعرفها فتتبعنى. وأنا أعطيها حياة أبدية ولن تهلك إلى الأبد ولا يخطفها أحد من يدى. أبى الذي أعطانى إياها هو أعظم من الكل ولا يقدر أحد أن يخطف من يد أبى[4].

          هل خدع بطرس رجال التقوى في المسيح وهو يكتب الآتى:” فإذًا الذين يتألمون بحسب مشيئة الله فليستودعوا أنفسهم كما لخالق أمين في عمل الخير[5]؟

          وإن كان الشيطان يمارس القهر على النفس التي تثق في ذاته وهي في يد الله، وتذهب وتجئ بحسب ما يريد (الشيطان)، كيف سوف نعتبره جديرًا بالثقة هذا الذي يقف بجانب المؤمنين وقد أخذ روح كل واحد كوديعة؟ إذ هذه الأمور ثرثرة وحماقة رهيبة، أن يعتقد المرء حقيقة بأن نفس النبى قد نزلت من الأماكن التي ذهبت إليها وذلك بنداءات وتعويذات لامرأة كريهة.

بلاديوس: لأى سبب إذن صيغت هذه الاعتبارات؟ هذه الأمور السخيفة، على ما أظن، لا ينبغى أن نتحدث فيها، حتى لو بها أى شئ بسيط جدًا من المعنى.

كيرلس: عندما نعرض كلام الكتاب المقدس، عندئذٍ سوف نوضح كل ما خطر في ذهننا، إذ سندرك من كل الجوانب هذا الذي ينبغى أن نفهمه. هذا الكلام هو الآتى ” ومات صموئيل وندبه كل إسرائيل ودفنوه في الرامة مدينته وكان شاول قد نفى أصحاب الجان والتوابع من الأرض فاجتمع الفلسطينيون وجاءوا ونزلوا في شونم وجمع شاول جميع اسرائيل ونزل في جلبوع و لما راى شاول جيش الفلسطينيين خاف واضطرب قلبه جدًا فسأل شاول من الرب فلم يجبه الرب لا بالأحلام ولا بالأوريم ولا بالأنبياء فقال شاول لعبيده فتشوا لي على امرأة صاحبة جان فأذهب إليها واسالها فقال له عبيده هوذا امرأة صاحبة جان في عين دور. فتنكر شاول ولبس ثيابًا أخرى وذهب هو ورجلان معه وجاءوا الى المرأة ليلاً وقال اعرفي لي بالجان واصعدي لي من أقول لك فقالت له المرأة هوذا أنت تعلم ما فعل شاول كيف قطع أصحاب الجان والتوابع من الأرض فلماذا تضع شركًا لنفسي لتميتها فحلف لها شاول بالرب قائلاً حي هو الرب أنه لا يلحقك إثم في هذا الأمر فقالت المرأة من أُصعد لك فقال أصعدي لي صموئيل فلما رأت المرأة صموئيل صرخت بصوت عظيم وكلمت المرأة شاول قائلة لماذا خدعتني وأنت شاول فقال لها الملك لا تخافي فماذا رأيتِ فقالت المرأة لشاول رأيت آلهة يصعدون من الأرض فقال لها ما هي صورته فقالت رجل شيخ صاعد وهو مغطي بجبة فعلم شاول أنه صموئيل فخر على وجهه إلى الأرض وسجد فقال صموئيل لشاول لماذا أقلقتني بإصعادك إياي فقال شاول قد ضاق بي الأمر جدًا الفلسطينيون يحاربونني والرب فارقني ولم يعد يجيبني لا بالأنبياء ولا بالأحلام فدعوتك لكي تعلمني ماذا أصنع. فقال صموئيل و لماذا تسألنى والرب قد فارقك و صار عدوك وقد فعل الرب لنفسه كما تكلم عن يدي وقد شق الرب المملكة من يدك وأعطاها لقريبك داود لأنك لم تسمع لصوت الرب ولم تفعل حمو غضبه في عماليق لذلك قد فعل الرب بك هذا الأمر اليوم ويدفع الرب إسرائيل أيضًا معك ليد الفلسطينيين وغدًا أنت وبنوك تكونون معي ويدفع الرب جيش إسرائيل أيضًا ليد الفلسطينيين[6]. إذن هل بقى لك شيئًا لم نوضحه لكى تتحقق بأن شاول أُدين وهلك بمشورته الخاصة؟ بسبب أنه خاف معركة أولئك الذين احتشدوا ضده، طلب من الرب ليعلَم ما الذي سوف يحدث له؛ ولأن الله صمت ولم يعلن شيئًا، قرر أن يزعج ذلك الذي فضَّل الصمت. هكذا ذهب للعرافة والمنجمين الذين يعتقدون أنهم يعرفون الأمور المستقبلية. وهناك يقول ” أصعدى لى صموئيل“، ليس بسبب أن فن السحرة استطاع أن يحضر نفس القديس، لكن العرافون هم الذين يستخدمون دائمًا هذا الكلام. أى كان عنده علم بأن بكلمات مكتوبة (غير مفهومة) يسحرون الجان، وبينما هم يغنون ويرشون بالماء يرون صور وظلال وأشكال كما في مرآة من إبداع الشياطين، وذلك لكى يصعدوا أشكال أولئك الذين يحضرونهم. قالت المرأة العرافة بالتأكيد في البداية ” رأيت آلهة يصعدون من الأرض”. ثم بعد ذلك “رأت صموئيل”. لا يكون إطلاقًا صعبًا أن يظهر بشكل مشابه لصموئيل الطوباوى بل ظِل وشكل مشابه بفعل شيطانى. إذن حتى لو ظن أحد أن نفس النبى قد استُعلنت عمليًا ويعطى لكلام المرأة الحق، بسبب أنها قالت قد رأيتُ آلهة يصعدون من الأرض، فعليه أن ينعت أعمال التنجيم بالكذب، وإلاّ فعليه أن يعتقد بأنه توجد بعض الآلهة يصعدون من الأرض بالرغم من أنه بالتأكيد نؤمن بأنه يوجد إله واحد فقط.

بلاديوس: تتكلم بالصواب. لكن لم نبذل محاولات ولو لوقت قليل لنبرهن بأن الحقيقة لا توجد عند الأرواح الدنسة.

كيرلس: بالتأكيد لا. لأنه لا يتفق النور مع الظلمة ولا المسيح مع بليعال. ولأولئك الذين يُغضبون الله ويسببون له حزنًا، يُعلن الله الأمور التي سوف تحدث أحيانًا وبُطرق ملائمه على الأقل، برسالة الملائكة إلى العقل البشرى، وعندما يعلمون بها أولئك، يتركون الحزن، ويصير التنبؤ بالنسبة لهم كبداية للغضب والعقاب الذي يتهددهم. ولأنه يستريح في الأنبياء القديسين ومرات كثيرة يعلن لهم، ليس فقط الأمور المحزنة والأمور التي سوف يضايقون بها شخص لتجعله يجلس ويبكي، لكن أيضًا يذكر لهم الأمور المفرحة حقًا لرفاهية البعض، أما الفجار وأتباع المنجمين فيكشف لهم الأمور الشريرة التي سوف تحدث لهم.

بلاديوس: وكيف ومن أين يمكننا أن نؤمن بهذا الكلام؟

كيرلس: بالطبع من الكتب المقدسة. لأن المثال ومنهج التعليم يمثلان لنا كل ما صار للقدماء. ألا تعرف أن بالاق بن بعور طاغية الموآبيين والمديانيين، إذ كان مرتعبًا من جمع الإسرائيليين الذي لا يُقهَر اعتقد أنه سوف يهلك فورًا هو والأمم الأخرى، قد دفع لبلعام قائلاً له ” تعال والعن لى إسرائيل. ولما ذهب الشيوخ إليه قال لهم: بيتوا هنا الليلة فأرد عليكم جوابًا كما يكلمنى الرب[7]، طالبًا أحلامًا شيطانية منتظرًا أن تحدث بواسطة التعويذات والأمور السحرية، لقد قال (بلعام) إن الله سوف يكلمه، لأنه قدم عذرًا بأنه يسمع الرب. لكن بالرغم من أن الكتب المقدسة تستخدم اللغة المعتادة للسحرة، سوف لا نستطيع أن نصدق ـ إذا فكرنا باستقامة ـ أن الإله الحقيقي يضع الحق داخل نفوس الدنسين، وأنه يتحدث مع إنسان بغيض وساحر عابد للأوثان. لكن مكتوب: ” أتى الله إلى بلعام وقال مَن هم هؤلاء الرجال الذين عندك[8]. وعندما قال له بلعام سبب قدومهم، ” قال الله لبلعام لا تذهب معهم ولا تلعن الشعب لأنه مُبَارَك[9]. ولذلك يمنع الملاك ـ القادم من عند الله ـ الساحر المحتال والمُضل ويطلب منه ألا يلعن المبارك من الله، ولا يضاهي الابتداعات البشرية الشريرة بقرارات السماء، ليس لأن اللعنة سوف يكون لها قوة أن تفعل الشر، لكن أراد وبكل وضوح أن يعرف بنفسه هذه الحقيقة لذاك الذي عنده الرجاء الكاذب. هذه الحقيقة هي أن بنى إسرائيل لن يسقطوا بتاتًا في أيدى الموآبيين والمديانيين، آخذين الله حامي لهم ومحاربٌ عنهم، الله الذي أحاط بعطفه على شعبه كأنه سور، لأن هذا الشعب هو خاصته ومبارك منه. وهذا بالتأكيد ما قاله الملاك وأعلن بأنه يفعله. لكن بسبب الهدايا الموعودة التي أغرت العراف فقد استمر في تنجيمه معتقدًا أنه قد يقوم الحق. وتركه الملاك يمضى في اعتقاده هذا، لكن ظهر له في منتصف الطريق وهدده بسيف لكى يدرك جيدًا أن الملائكة هم الذين سوف يحاربونه إذا أراد أن يلعن المباركين. لكن عندما وصل إلى المديانيين بنى المذابح وأمر بذبح الثيران. لكن لم يكن النبى الكاذب قد تغير، إنما القوة الإلهية هي التي غيّرته إلى العكس. فهو لم يلعن بتاتًا، لكن بالحرى بارك الإسرائيليين وجلب على بالاق حزنًا رهيبًا. مكتوب: ” فاشتعل غضب بالاق على بلعام وصفق بيديه وقال لبلعام لتشتِم أعدائى دعوتك وهوذا أنت قد باركتهم الآن ثلاث دفعات، فقال بلعام لبالاق ألم أكلم أيضًا رسلك الذين أرسلت إلىّ قائلاً ولو أعطانى بالاق ملء بيته فضة وذهبًا لا أقدر أن أتجاوز قول الرب لأعمل خيرًا أو شرًا من نفسى. الذي يتكلمه الرب إياه أتكلم[10].

          إن العرافين الكذبة اعتادوا أن يستخدموا مثل هذا الكلام الخادع، لأنهم يدّعون أمام الذين يلجأون إليهم بأنهم على أى حال يقولون الحق. لكن التعبير عن الحق هو شئ غريب عن فن السحرة والمنجمين، لكن في بعض المرات يُترك لهم الحق من الله، بهدف إلقاء الفزع في نفوس المدنسين بإعلانهم بالأمور المستقبلية.

بلاديوس: أوافقك.

كيرلس: وكون الله يكره مثل هذه الأعمال السحرية والمشعوِذة يصير واضحًا بذلك ما قاله هو نفسه: ” أنا الرب صانع كل شئ ناشر السموات وحدى باسط الأرض. مَن معى. مبطل آيات المخادعين ومحمق العرافين. مرجع الحكماء إلى الوراء ومجهل معرفتهم. مقيم كلمة عبده ومتمم رأي رسله[11]. يبرهن على أن التنجيم هو غير مصدق وكاذب، بينما يعضد كل كلمة قالها ابنه أى يسوع المسيح، وأيضًا مشورة ملائكته، أى كل ما يقوله الكارزين بالإيمان به (بالمسيح)، كل هذا يظهره بالحق ويؤكده بالعلامات والأعمال المعجزية وبأعمال الروح القدس. يقول أيضًا للذين يسيئون استخدام الناموس ” قفى في رقاك وفي كثرة سحورك التي فيها تعبتِ منذ صباكِ. ربما يمكنك أن تنفعى. ربما تُرعبين. قد ضعفتِ من كثرة مشوراتك ليقف قاسموا السماء الراصدون النجوم المعروفون عند رؤوس الشهور ويخلصوك مما يأتى عليك[12].

          أرأيت أن الله يبرهن على أن التنجيم الملعون هو تافه تمامًا ويستحق السخرية. وأن الذي يتمشى معه هو الحق، وبسهولة يقول الأمور التي لا تقبل الخطأ ونأمل تحقيقها، اسمع ماذا يقول لنا بفم إشعياء: ” اذكروا هذا وكونوا رجالاً. رددوه في قلوبكم أيها العصاة. اذكروا الأوليات منذ القديم لأنى أنى الله وليس آخر، الإله وليس مثلى. مخبر منذ البدء بالأخير ومنذ القديم بما لم يُفعل قائلاً رأيي يقوم وأفعل كل مسرتى[13]. إذن من جانبنا سوف ننسب إلى الله وحده فوق الكل قدرة التنبؤ تمامًا، ويستطيع أن يعلن بدون أدنى خطأ الأمور التي سوف تحدث. إنما كل ما يقوله الآخرون فهو ثرثرة وخرافات العجائز وبذاءات وضلال، الذين بعقل فاسد يقولون كل ما في قلوبهم، ويجعلون الكذب دافعًا لكسب المال.

بلاديوس: إنه حقًا هكذا، وليس شيئًا آخر.

كيرلس: هيا بنا نترك الطريق المعوج ولنسلك الطريق المستقيم باقين بالقرب من الله مختبرين حقيقة أقوال القديسين.

بلاديوس: بالتأكيد.

كيرلس: لكن ماذا؟ ألا نعتبر بجانب كل هذا، أنه مكروه أن يتطهر المرء بالنار والماء وطرق أخرى مشابهة والموجودة عند الوثنية اليونانية؟

بلاديوس: نعم. لذلك يقول الناموس الإلهي بوضوح: ” لا يوجد فيك مَن يجيز ابنه أو ابنته في النار[14].

كيرلس: حسنًا فالناموس قد سبق وتكلم عن هذه الأمور وحرّمها. لأن الأمر مملوء بالحماقة وينقصه التفكير الذكى والحكيم. فبأى طريقة يمكن أن تفيدنا النار؟ وكيف تحرر مشاعل نارية إنسان خاطى عندما تحبط به؟ لأن السقوط في النار يطهر وساخة النحاس أو أي مادة مشابهة. لكن بأي طريقة يمحي دنس العقل والنفس؟ ألا تستحق هذه الأمور ـ والتي هي نتاج الأفكار الباطلة ـ السخرية والتهكم؟

بلاديوس: نعم هي كذلك.

كيرلس: أود أن أقول ـ بكل سعادة ـ للمفكرين الوثنيين الذين يبتدعون هذه الحيل القذرة والتي ينقلونها إلى الآخرين، ماذا تفعلون إذن، أنتم البسلاء والحكماء والذين تقولون عن تيتوس إنه نبت من الأرض، وتعاقبونه في الجحيم واضعين حوله نسور ليلتهموا كبده، لأنه بينما أُعجِبَ بجمال امرأة قد استولت عليه الرغبة في اشتهائها؟ أيضًا تخدعون الشباب وتقولون إن صخرة عُلقت فوق تاندالوس لعقابه من أجل لسانه الفاسق؟ وأيضًا ربطتم أكسيوناس فوق عجلة تدور بلفات سريعة لا تتوقف، وتقولون إنه صار هذا لأنه لابد أن يعاقب، ألم يعارض الآلهة بسبب ضلالكم، بينما ذواتكم التي أُسرت في الشرور الرهيبة والبذيئة تخلصونها من النار وفق ما تعتقدونه، وتمنحون البراءة لأولئك الذين هم مدانون بأبشع الجرائم؟ لكن أخبرونى، ربما لأنه لا توجد نار، حكمتم على تيتوس والآخرين الذين ذكرناهم بالعقاب الصارم والقاسى. ولكن أعظم لص عندكم وحامل النار للبشر، أقصد بروثيميوس، لو هو موجود فعلاً، لكان قد منح استخدام النار قبل الآخرين. هذا أيضًاـ كما تنسب أساطيركم إليه ـ ربطتموه بأربطة لا تنحل، ويقولون كانت تحوم حوله نسور جارحة ـ كما في حالة تيتوس ـ إنها عقابات رهيبة ووحشية. إذن فاجعلوا التطهير بالنار، ليس فقط لأولئك لكن للذين هم منكم، للعاشقين لبنات ونساء الآخرين، اللذين فعلوا أمورًا محرمة وهؤلاء يخلصون من الإدانة طالما تطهروا بواسطة النار من الذنب. أما الآخرون فتقيمون لهم المحاكم والدعاوى ويتحرك نحوهم حقد القوانين ضد الشر، إنما أنتم الذين تتمرغون بلا تمييز في الحياة القذرة، تعتقدون أنكم متخلصون من أي دنس، وأنتم مخدوعون من ألعاب كاذبة صبيانية، وتقعون في تصرفات أنثوية غير لائقة. بأى طريقة إذن يحدث التطهير؟ أنتم الموجودون في هذه الحالة تظنون أن الإنسان الذي يوجد معكم كمن هو يتعطر بعطر، بينما هو يُدهن بأوحال نتنه، وبعد ذلك يصل لأن يعتقد أنه نجح في ما فكر فيه.

بلاديوس: هذا صحيح، وأوافقك لأنك تقول الحقيقة؟

[1] انظر رؤ9:6.

[2] انظر في3:1.

[3] انظر لو19:10.

[4] يو27:10ـ29.

[5] 1بط19:4.

[6] 1صم3:28ـ19.

[7] عد6:22ـ8.

[8] عد9:22.

[9] عد12:22.

[10] عد10:24، 12ـ13.

[11] إش24:44ـ26.

[12] إش12:47ـ13.

[13] إش8:46ـ10.

[14] تث10:18.

 

المقالة6 ج3 – السجود والعبادة بالروح والحق ج4 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة6 ج2 – السجود والعبادة بالروح والحق ج4 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة6 ج2 – السجود والعبادة بالروح والحق ج4 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة6 ج2 – السجود والعبادة بالروح والحق ج4 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

 

السجود والعبادة بالروح والحق

تابع المقالة السادسة

“ينبغى أن نكرس حياتنا لذاك الذي هو وحده الإله بطبيعته، ونحبه من كل النفس والقلب.”

 

بلاديوس: إنه ينبغي، كيف لا يكون هذا؟

كيرلس: سوف أذكر الأقوال التي قالها للأقدمين: “ماذا وجد فىّ آباؤكم من جور حتى ابتعدوا عنى وساروا وراء الباطل وصاروا باطلاً[1]. وقال، مندهشًا من غباء الإسرائيليين الذي لا حد له، ما يلى:” ابهتى أيتها السموات من هذا واقشعرى وتحيرى جدًا يقول الرب. لأن شعبى عمل شرّين. تركونى أنا ينبوع المياه الحية لينقروا لأنفسهم آبارًا آبارًا مشققة لا تضبط ماء[2]. فالذين ابتعدوا عن عبادة الله ويعبدون المخلوق وليس الخالق، فقدوا عقلهم إذ انزلقوا إلى الضلال وراحوا يسجدون لأعمال أيديهم، بالرغم من أنه كان من السهل أن يتعقلوا ـ إن أرادوا ـ برؤية جمال الطبيعة الذي لا يوصف وأيضًا نظام وتناسق المخلوقات ليصلوا إلى أن هناك مدبر وخالق لهذا الكون. لكن بعض الأقدمين احتقروا هذا الرأى الرصين والقويم واستبدلوه بعبادة المشغولات الذهبية والنحاسية وفق ما قاله الشعراء اليونانيون[3]. وبتركهم الله وعبادتهم للطبيعة، بطريقة صبيانية، التفوا حول عبادة نافلة جالبين على أنفسهم العار والخزى واختاروا بإرادتهم السقوط من المعونة السماوية. وحقًا قال الله: ” افهموا أيها البلداء في الشعب ويا جُهَلاَءُ متى تعقلون. الغارس الأذن ألاّ يسمع. الصانع العين ألاّ يبصر[4].

بلاديوس: إنه خطأ فظيع يا صديقى.

كيرلس: لكن مرات كثيرة، لا يكون للواحد منا ثبات في الإيمان، بل قد تكون لديه محبة زائفة للمسيح ويعتقد في ذاته أنه محب لله فيصير وحشًا مفترسًا وشريرًا، ماكرًا ومتقلبًا دائمًا، لدرجة أنه في بيته ليلاً، أقصد في الخفاء سرًا، يُسلم نفسه إلى عبادة الشياطين معتقدًا أنه، يمكن أن يهرب من الله نفسه ويخدع منطق ناموس الطبيعة الذي لا يوصف. ويمكن أن يبيّن المرء ـ بدون أى تعب إطلاقًا ـ أن الذي يتصرف هكذا يُفكر أسوأ من غباء اليونانيين. لأن الحكماء اليونانيين اعتقدوا بأن الشمس ذلك الكوكب العظيم والمنير[5] خُلقت لترى كل شئ وتسمع كل شئ، ولذلك فهي خُلِقت من الله. لأنهم اعتقدوا أن ما يدخل ضمن نظام الله يجب أن يكون ممتلئًا من ملامح الطبيعة الإلهية ـ وملمح الطبيعة السامية هو معرفة ورؤية كل شئ. وأولئك (اليونانيون) هكذا رأوا واعتقدوا. أما بالنسبة لنا، فإن الله نادى قديمًا ” ألعلى إله من قريب يقول الرب ولست إلهًا من بعيد، إذا اختبأ إنسان في أماكن مستترة أفما أراه أنا يقول الرب[6]. لا شئ بالتأكيد يمكن أن يهرب ويختبئ من الإله الحقيقي. داود الطوباوى يعلّمنا بطريقة سرية حين يقول: “افهموا أيها البلداء في الشعب ويا جهلاء متى تعقلون. الغارس الأذن ألا يسمع. الصانع العين ألا يبصر[7]. ولأن البعض لم يستطيعوا أن يفهموا، قالوا: ” الرب لا يبصر وإله يعقوب لا يلاحظ[8]. أليس من الحماقة أن يقول المرء أن مانح المعرفة لا يعرف، ومُعطى السمع لأولئك الذين خلقهم لا يسمع؟

بلاديوس: هذا مستحيل تمامًا.

كيرلس: بناء على ذلك ينبغى أن نسجد فقط للرب الإله بكافة الطرق وفق الكتب المقدسة، وليس أحد آخر سواه. لأنه مكتوب: ” تكون كاملاً لدى الرب إلهك[9]. والكمال الروحى هو الثبات في الإيمان، والعبادة التي بلا لوم وجمال المحبة النقية لله.

بلاديوس: هكذا أعتقد.

كيرلس: لكن، يا بلاديوس، أولئك الذين لا يريدون بالتأكيد السجود لآلهة أخرى، أى للمخلوقات، يقتنعون ـ ولا أدرى كيف ـ بأقوال المنجمين الذين يعبدون الأصنام، هل سوف نعتبرهم بلا إدانة وبلا لوم، أو أنهم أبرياء من تهمة العصيان، لأنه ـ مَن يعرف ـ هل حقًا أُصلاء؟

بلاديوس: إطلاقًا لا يمكن أن يكونوا بلا خطر.

كيرلس: إنَّ تَتَبُّع ومراقبة النجوم والتنجيم ومعرفة الغيب والأمور الشيطانية المُضلة تتمشى فقط مع الذين لديهم استعداد لأن يضعوا في عقولهم عبادة الأصنام المرذولة والملعونة.

بلاديوس: تتكلم بالصواب. لأن الكلمة الإلهية تخبرنا بأنه ينبغى أن نتأفف من رجس هؤلاء الناس. وهذه هي الكلمة الإلهية: “متى دخلتَ الأرض التي يعطيك الرب إلهك لا تتعلم أن تفعل مثل رجس أولئك الأمم. لا يوجد فيك من يجيز ابنه أو ابنته في النار ولا مَن يعرف عرافة ولا عائف ولا متفائل ولا ساحر ولا مَن يرقى رقية ولا مَن يسأل جانًا أو تابعة ولا مَن يستشير الموتى. لأن كل مَن يفعل ذلك مكروه عند الرب. وبسبب هذه الأرجاس الرب إلهك طاردهم من أمامك.. تكون كاملاً لدى الرب إلهك. إن هؤلاء الأمم الذين تخلفهم يسمعون للعائفين والعرافين وأما أنت فلم يسمح لك الرب إلهك هكذا. يقيم لك الرب إلهك نبيًا من وسطك من إخوتك مثلى. له تسمعون. حسب كل ما طلبتَ من الرب إلهك في حوريب يوم الاجتماع[10].

كيرلس: حسنًا، يا صديقى. وبالتأكيد سوف لا نتبع المنجمين والعرافين، ولا سوف نُسلم بأن طيران الطيور، سواء كانوا يطيرون يمينًا أو يسارًا[11]، أو كان هذا الطيران مساءً أو فجرًا هو شئ حقيقي، لا يوجد جهل أسوأ من هذا. لكننا فلنجعل المسيح رئيسنا، والذي لأجلنا صار شبيهًا لنا ومعلّمًا لنا نستمد منه معرفة احتياجاتنا، وبالقرب منه نبقى دائمًا بعيدًا عن الأكاذيب الشيطانية. لأن القوة التي تُحيي كل شئ توجد فقط عند الله، وهو سيد ورب على الكل بطبيعته وبخصائصه الأقنومية. وهكذا فهو يعرف الكل. فمن خصائصه أنه يعرف بوضوح كل ما يحدث إذ يعرف كل شئ. أليس هذا الكلام حقيقيًا؟

بلاديوس: هذا صحيح تمامًا.

كيرلس: لذلك سنخطئ إلى الله ونهين المجد الفائق، لو آمنا بأن الأرواح الدنسة لها الصفات الصالحة التي يتحلى بها الله ويتميز بها. لنا الآن عدة ساعات في هذه الثرثرة، لدرجة أنه قد يُفهم خطأ من هذه الثرثرة أننا نُلّمِح بأنه يمكن للشيطان أن يعطى حياة ويكون خالقًا، هذا إذا نسبنا للشيطان خصائص الطبيعة الإلهية وقلنا إنها مغروسة فيه. لكن الصلاح المميز للطبيعة السامية (الإلهية) هو معرفة أمور المستقبل، أم أن هذا الذي أقوله ليس صحيحًا؟

بلاديوس: صحيح تمامًا. لأنه يقول على فم إشعياء لبعض الذين أعطوا للطبيعة (المخلوقة) كل ما يُنسب إلى الله:” اذكروا هذا وكونوا رجالاً رددوه في قلوبكم أيها العصاة. اذكروا الأوليات منذ القديم لأنى أنا الله وليس آخَر. الإله وليس مثلى. مخبر منذ البدء بالأخير ومنذ القديم بما لم يُفعل قائلاً رأيي يقوم وأفعل كل مسرتى[12].

          إن تصريحه بأنه يمكن أن يفعل “بالأخير” قبل أن يصير، يكشف للسامعين، أنه لا يوجد آخر فيما عدا الإله الحقيقي.

كيرلس: حسنًا جدًا، يا بلاديوس، أريد أن نفحص من كل الجوانب الآتى: طالما نحن موجودون بين هؤلاء الذين يحيون باستقامة وبحسب تعاليم الإنجيل، أي عذر لنا حتى نصدق الوعود الكاذبة للمنجمين، ربما تحتوى هذه الوعود الكاذبة على قول حقيقى؟ أليس عندئذٍ نُكذّب كلام المخلّص! لأنه يقول لليهود الحاسدين والشاتمين ” أنتم من أب هو إبليس وشهوات أبيكم تريدون أن تعملوا. ذاك كان قتَّالاً للناس من البدء ولم يثبت في الحق لأنه ليس فيه حق. متى تكلم بالكذب فإنما يتكلم مما له لأنه كذاب وأبو الكذاب[13]. إذن كيف يكون الكذاب صادقًا؟ وكيف لا يكون كاذبًا مَن لم يثبت في الحق؟!

          إذن من الواضح، يا بلاديوس، أننا حين ننسب الحق إلى كلام الشياطين نتهم المسيح بأنه يقول كلامًا كاذبًا، وكأننا نقول بذلك أن الحق يقول الكذب.

بلاديوس: إن قلنا هذا نكون في خطر.

كيرلس: على الجانب الآخر أستطيع أن أُضيف إلى كل ما قلته، لقد تعلمنا من المسيح أن لا نقبل أقوال الأرواح النجسة، حتى لو أرادت أحيانًا أن تقدم الحقيقة، رغم أن هذا الأمر غير معتاد تمامًا بالنسبة لهم.

بلاديوس: ماذا تقصد بهذا؟

كيرلس: ألم تسمع الإنجيليين القديسين الذين كتبوا، أن الشياطين كانوا يصرخون بشدة، ويقتربون بتخوف من المسيح قائلين: ” آه مالنا ولك يا يسوع الناصرى أتيت لتهلكنا. أنا أعرفك مَن أنت قدوس الله[14]. ” ولم يدع الشياطين يتكلمون لأنهم عرفوه[15]. وإنه طبيعى أن يتساءل المرء، لماذا ينتهر المسيح الشياطين، طالما أنهم ينطقون بالحقيقة؟ إطلاقًا هذا الذي صار (اعتراف الشياطين) كان مفيد لنا. بل علينا أن نتعلم (من انتهار المسيح لهم) أنه لا ينبغى أن نؤمن بأقوالهم، حتى لو أرادوا أن ينادوا بالحق ويقولوا الأمور الحقيقية الواضحة. لأنهم يخلطون أحيانًا الكذب بالحقيقة، ويؤذون مستمعيهم، ليس بطريقة أخرى بخلاف ما سوف يراهم المرء، يحاولون خلط العسل في المُر لكى يُخففوا طعم المرارة.

بلاديوس: عمومًا إنه خطر تمامًا أن ينشغل المرء بأقوال الدجالين.

كيرلس: الله يعاقب مَن يرتكب هذه الخطية بالموت ويضع هذه الخطية في قائمة الخطايا الفظيعة. لنرى ماذا يقول في سفر اللاويين: “والنفس التي تلتفت إلى الجان وإلى التوابع لتزنى وراءهم أجعل وجهي ضد تلك النفس وأقطعها من شعبها. فتتقدسون وتكونون قديسين لأنى أنا الرب إلهكم[16]. وأيضًا يقول: “وإذا كان في رجل أو امرأة جان أو تابعة فإنه يُقتل بالحجارة يرجمونه. دمه عليه[17]. إنه يُحرّم أولاً التجاء البعض إلى المنجمين أو العرافين، قائلاً إن هذه العادة هي بعيدة جدًا عن الحياة التي تليق بالقديسين ولا تنسجم تمامًا مع القريبين من الله، ثم بعد ذلك حكم بالموت ضدهم وقال إنهم مذنبون. لا يسمح أن نُظهر رحمة إلى الذين وصلوا إلى هذه الدرجة من الشر، حتى أنهم صاروا مصيدة للموت وشبكة للنفوس البريئة وباب للهلاك ومصيدة للهاوية، وأى شئ آخر يكون من مثل هذه الشرور؟ لكن أظن أنه سنعتبر (هذا الإجراء) معيار للحكمة، لأن الله كان لا يفرض هذا الجزاء القاسى جدًا، والذي يفوق أى شر على هؤلاء الذين لديهم قوة (مثل الأنبياء الحقيقيون) ليعرفوا إعلان وكشف هذه الأمور التي تحدث، وقد قالوا شيئًا من هذه الأمور التي حقًا ستحدث. لأن كلمة الحق لا تجلب عقابًا. لكن كلمة الكذب هي دنسة وإذا قصد شخص أن يتفوَّه بها بادعاء الاستنارة من الله فإنه يسئ إلى هذه الطبيعة الإلهية فائقة الوصف، إذ ينسب الكذب إلى الحق، وطالما يخضع لعقاب معادل لمن ارتكب جريمة، فإنه يذهب كلية إلى الدمار. لأن الكتاب لم يحدد عقابًا للذين يتحدثون نيابة عن الله، لكن الذين ينقلون الكلمة ـ مدعين بالكذب ـ كما لو كانت في نفس الوقت كلمة الله، لأن نبوتهم لم تكن نقية تمامًا من الكذب. وبسبب أنهم لا ينهلون من الحق، لكن يقولون كل ما يريدونه وما تقوله لهم ذواتهم يرتكبون بسبب هذا خطأ.

بلاديوس: بالتالى مِن هنا سوف نفهم أن أولئك يقولون كلامًا من عندياتهم.

كيرلس: بالضبط.  سوف يقنعنا الناموس الإلهي مباشرةً لأنه يقول الله في سفر التثنية الآتى: ” وإن قلتَ في قلبك كيف نعرف الكلام الذي يتكلم به الرب. فما تكلم به النبى باسم الرب ولم يحدث ولم يصر فهو الكلام الذي لم يتكلم به الرب بل بطغيان تكلم به النبى فلا تخف منه[18]. أسمعتَ ما يقول؟ الإخفاقات التي ذكرت سابقًا هي برهان واضح أن الكلام ليس من الله، لأن الحق يحب الحق. ومثل هذا قاله على فم إرميا: ” ألعلى إله من قريب. يقول الرب ولستُ إلهًا بعيدًا. إذا اختبأ إنسان في أماكن مستترة أفما أراه أنا يقول الرب. أما أملأ أنا السموات والأرض يقول الرب. قد سمعتُ ما قالته الأنبياء الذين تنبأوا باسمى بالكذب[19]. ثم بعد ذلك، طالما أدان المحتقرين للنواميس الإلهية، يعطى دليل واضح لكل النبوات التي هي من الله والتي ليست منه. لأنه يقول أيضًا: ” النبى الذي معه حلم. فليقص حلمًا والذي معه كلمتى فليتكلم بكلمتى بالحق[20]. لأنه إن بدا أنه لم يقل الحق، فهذا سوف يظهره مباشرةً أنه مبتدع الكلام الكاذب الذي أعلنه، وأنه يتكلم من نفسه وليس من فم الله كما هو مكتوب.

بلاديوس: أتريد أن نضع شيئًا من الأمور الضرورية تحت الفحص الدقيق، أم نتركه ونمضى حيث يقودنا كلامك؟

كيرلس: الكلام، يا بلاديوس، عن الضروريات للاستفادة ليس ثقيل علىّ. ولأننى أحب التعبير الحُر عن الرأى، أخبرنى إذن ولا تتردد أبدًا.

بلاديوس: إن لم يتحدث البعض من فم الرب، لكن يُعبِّرون، كما تقول، بكل ما في داخلهم، بأى طريقة أحضرت تلك المرأة التي عليها الجن إلى شاول صموئيل النبى، بالرغم من أنه كان قد مات، ولقد وضّح له نهاية الأمور التي سوف تحدث؟ لأن البعض يعتقد أنه هكذا حدث ما قيل وليس شيئًا آخر.

كيرلس: أنت تعتقد أنه لا يكون هكذا الأمر، وتعتبر هذا أفضل، أم تقول إنه بمثابة ثرثرة أن نفس البار اُغتُصِبت في الواقع وأتت طائعة لدعوة إمرأة؟.

بلاديوس: لا أستطيع أن أرد بحسم. الفحص الدقيق، على ما أظن، سوف يستطيع أن يُظهر الحق.

كيرلس: حسنًا تقول. دعنا نفحص الأمر بدقة. أي بأي من الاثنين؟ أمِن خلال الله يعطون هذه الأمور المفيدة ويقولون هذه الأمور الفائقة للطبيعة ويحضرونها، أم مِن الأرواح الشريرة التي تهتم بهذه الأمور؟.

بلاديوس: ومن سوف يمكن له أن يصل إلى هذه الأفكار غير المعقولة، حتى يعتقد أنه من خلال الله يعمل العرافون والسحرة والذين عليهم الجان هذه الأمور فوق الطبيعة؟ لأنه سوف أذكر الناموس الذي يحدد عقابًا كبيرًا لكل واحد يريد أن يفعل هذا الأمر. ثم بعد ذلك، كيف لا يجلب اندهاشًا أن نفكر بأن المُدان بالموت ليس هو مضاد لله؟ ألا يكون بالتأكيد محاربًا للنواميس الإلهية.

[1] إر5:2.

[2] إر12:2ـ13.

[3] انظر هوميروس، اللإلياذة: Z236.

[4] مز8:94ـ9.

[5] هوميروس إلياذة: Δ

[6] إر23:23ـ24.

[7] مز8:94ـ9.

[8] مز7:94.

[9] تث13:18.

[10] تث9:18ـ16.

[11]  هوميروس، الإلياذة M, 237-240.

[12] إش8:46ـ10.

[13] يو44:8.

[14] مر24:1ـ25.

[15] مر34:1.

[16] لاو6:20ـ7.

[17] لا27:20.

[18] تث21:18ـ22.

[19] إر23:23ـ25.

[20] إر28:23.

 

المقالة6 ج2 – السجود والعبادة بالروح والحق ج4 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

Exit mobile version