جمعة ختام الصوم – ق. كيرلس الأسكندرى – د. نصحي عبد الشهيد

جمعة ختام الصوم – ق. كيرلس الأسكندرى – د. نصحي عبد الشهيد

 

جمعة ختام الصوم – ق. كيرلس الأسكندرى – د. نصحي عبد الشهيد

 

جمعة ختام الصوم

 

للقديس كيرلس الأسكندرى

(العظة 100 من تفسير إنجيل لوقا)

الرب يفضح الفريسيين

لوقا 30:13ـ35

   ” في ذلك اليوم تقدم بعض الفريسيين قائلين له ، أخرج وأذهب من ههنا لأن هيرودس يريد أن يقتلك ، فقال لهم امضوا وقولوا لهذا الثعلب ، هاأنا أخرج شياطين وأشفى اليوم وغدًا وفى اليوم الثالث أًكمَّل ، بل ينبغي أن أسير اليوم وغدًا وما يليه لأنه لا يمكن أن يهلك نبي خارجًا عن أورشليم . يا أورشليم يا أورشليم يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها ، كم مرة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها ولم تريدوا ، هوذا بيتكم يُترك لكم خرابًا ، والحق أقول لكم إنكم لا ترونني حتى يأتي وقت تقولون فيه مبارك الآتي باسم الرب ” .

         إن جماعة الفريسيين كانوا أشرارًا ومصممين ومتلهفين إلى الخداع والغش، ويصرون بأسنانهم على المسيح وتشتعل قلوبهم بنيران الحسد حينما يرون الناس يبدون إعجابهم به، مع أن واجبهم كان بالأولى ـ بصفتهم قادة للشعب ويرأسون جموع العامة ـ هو أن يقودوهم إلى الاعتراف بمجد المسيح، لأن هذا كان هو الغرض من سن الشريعة وكرازة الأنبياء القديسين، ولكنهم في شرهم العظيم لم يتصرفوا هكذا، بل بالعكس فإنهم بكل طريقة، أثاروا سخطه باستمرار، ولذلك قال المسيح لهم: ” ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون لأنكم أخذتم مفتاح المعرفة، ما دخلتم أنتم والداخلون منعتموهم” (انظر لو52:11). لأنه يمكن للمرء أن يرى أنهم قد سقطوا في حالة الخبث هذه، وفى وضع مُضاد تمامًا لمحبة الله، حتى أنهم لم يكونوا يرغبون أن يقيم في أورشليم خوفًا من أن يفيد الناس، سواء بملئهم بالدهشة بسبب معجزاته الإلهية أو بإنارتهم بنور الرؤية الصحيحة لله بواسطة تعليم الحقائق التي هي أعلى من تعاليم الناموس. هذه هي الأفكار التي تقودنا إليها الدروس الموضوعة أمامنا الآن إذ يقول النص: ” في ذلك اليوم تقدم بعض الفريسيين قائلين له: اخرج واذهب من ههنا لأن هيرودس يريد أن يقتلك” .

          تعالوا لنثبّت عين الذهن الفاحصة على ما قالوه هنا، لنفحص بتدقيق لكي نرى هل الذين قالوا هذا الكلام هم من بين الذين يحبونه أم هم ضمن من يقاومونه. ولكن كما هو واضح فمن السهل أن ندرك أنهم كانوا يقاومونه بشدة. فمثلاً أقام المسيح الميت من القبر مستخدمًا في ذلك قوة هي قوة الله، لأنه صرخ: ” لعازر هلم خارجًا” (يو43:11)، وقال لابن الأرملة: ” أيها الشاب لك أقول قم” (لو14:7)، أما هم فقد جعلوا المعجزة وقودًا لحسدهم، بل إنهم قالوا حين اجتمعوا معًا: ” ماذا نصنع فإن هذا الإنسان يعمل آيات كثيرة، إن تركناه هكذا يؤمن الجميع به فيأتي الرومانيون ويأخذون موضعنا وأمتنا. فقال لهم واحد وهو قيافا ـ الذي كان يخطط لقتله ـ أنتم لستم تعرفون شيئًا، ولا تفكرون أنه خيرٌ لنا أن يموت إنسان واحد ولا تهلك الأمة كلها ” (أنظر يو47:11ـ50).

          وهم قاوموه أيضًا بطرق أخرى، أحيانًا بمعاملته بازدراء والاستهزاء بقوته المعجزية، بل والتجاسر على سلطانه الإلهي قائلين إن كل ما يعمله هو بواسطة بعلزبول، بل وسعوا في مرة أخرى إلى تسليمه إلى سلطات القيصر، فلكي يتهموه أنه يمنع الإسرائيليين من دفع الجزية لقيصر، اقتربوا منه بخبث ومكر قائلين: ” أيجوز أن تُعطى جزية لقيصر أم لا ؟” (لو22:20). فهل يمكن إذًا لكل من وضعوا له أنواع الفخاخ هذه، الذين في وقاحتهم وقساوتهم لم يتورعوا حتى عن القتل، الذين لكونهم بارعين في الشر، هاجموه بعنف شديد القسوة، ومارسوا باجتهاد كل هذه الحيل لأنهم يكرهونه كراهية  مُطلقة، هل يمكن أن نعتبرهم ضمن من أحبوه ؟

          فلماذا إذًا تقدموا إليه قائلين: ” اخرج واذهب من ههنا لأن هيرودس يريد أن يقتلك؟”، وما هو غرضهم من هذا الكلام ؟

          إن البشير يخبرنا عن هذا بقوله: “ في ذلك اليوم (تلك الساعة) تقدم إليه“، وما معنى هذه اللهجة المدققة ؟ لماذا كان هذا الإتقان (في التحديد)؟ أو أي يوم (حرفيًا ساعة) يقصد أن الفريسيين قالوا فيه هذا الكلام ليسوع؟ كان يسوع مُنشغلاً في تعليم جموع اليهود، عندما سأله أحدهم إن كان كثيرون هم الذين يخلصون، ولكنه عبر على السؤال كأمر غير مفيد، واتجه إلى ما كان مناسبًا أن يخبرهم به إذ أخبرهم عن الطريق الذي ينبغي للناس أن يسيروا فيه ليصيروا ورثة لملكوت السموات إذ قال: ” اجتهدوا أن تدخلوا من الباب الضيق” وأخبرهم أنهم لو رفضوا أن يفعلوا هذا، فإنهم “سيرون إبراهيم واسحق ويعقوب وجميع الأنبياء في ملكوت الله وهم يُطرحون خارجًا” وأضاف بعد ذلك قوله: ” حيث إنهم كانوا أولين، فسيصيرون آخرين” بسبب دعوة الوثنيين .

          أثارت هذه الملاحظات غضب الفريسيين إذ رأوا الجموع تتوب بالفعل، وتقبل الإيمان به بحماس، وأنهم لم يعودوا يحتاجون سوى قليل من التعليم أيضًا ليعرفوا مجده وعظمة سر تجسده الذيٍ يستحق السجود، لذلك إذ كان من المحتمل أن يفقد (الفريسيون) وظيفتهم كرؤساء للشعب، بل وإذ كانوا قد سقطوا بالفعل وطُردوا من سلطانهم على الشعب، وحُرموا من المنافع التي يجنونها منه، لأنهم كانوا محبين للمال وجشعين وباعوا أنفسهم للربح الحرام ـ نراهم وقد تظاهروا بالمحبة له، فتقدموا إليه قائلين: ” اخرج واذهب من ههنا لأن هيرودس يريد أن يقتلك” .

 

          لكن أيها الفريسي صاحب القلب الحجري، لو كنت حكيمًا، لو كنت على دراية حسنة بشريعة موسى الحكيم جدًا، لو أنك ثبّت ذهنك على إعلانات الأنبياء القديسين، لمَا غاب عنك أنه مادام ذهنك مملوءًا مرارةً وحقدًا، فلابد أن تنكشف مشاعرك الكاذبة. إنه لم يكن مجرد إنسان وواحد من الذين يشبهوننا حتى يكون بذلك مُعرضًا للخداع، بل هو الله في شبهنا، هو الله الذي يفهم كل شئ، كما هو مكتوب: ” يعرف الأسرار وفاحص القلوب والكلى” (مز21:43س، مز 1:7)، وهو الذي ” كل شئ عريان ومكشوف له” (عب13:4)، والذي لا يُخفى عليه شئ، لكنك لم تعرف هذا السر الثمين والعظيم، وظننت أنه يُمكنك أن تخدع حتى ذلك الذي قال:” من الذي يُخفى عنى فكره ويُغلق على الكلمات في قلبه ويظن أنه أخفاها عنى؟” (أي 2:38س).

          فكيف أجاب المسيح عن هذه الأشياء ؟

          إنه أجابهم برفق وبمعنى خفي كما هي عادته، إذ قال: ” امضوا وقولوا لهذا الثعلب“.

         

          أصغوا بانتباه إلى قوة التعبير، لأنه يبدو أن الكلمات المستخدمة كانت موجهة لشخص هيرودس، لكنها بالحرى تشير أيضًا إلى دهاء الفريسيين، لأنه بينما كان من الطبيعي أن يقول: ” قولوا لذلك  الثعلب“، فإنه لم يفعل هكذا، بل استخدم بمهارة فائقة نوعًا وسيطًا من التعبير، وأشار إلى الفريسي الذي كان بالقرب منه وقال: ” هذا الثعلب“، وهو يقارن الإنسان بثعلب، لأنه من الثابت أنه حيوان ماكر جدًا، ولو كان لي أن أقول، فهو خبيث تمامًا كما كان الفريسيون، لكن ماذا أوصاهم أن يقولوا (لهيرودس)؟: ” هاأنا أخرج شياطين وأشفى اليوم وغدًا وفى اليوم الثالث أُكمَّل“. أنتم ترون أنه يُعلن قصده في أن يعمل ما يعرف أنه سيُحزن معشر الفريسيين، الذين يريدون طرده من أورشليم لئلا بعمل الآيات يربح كثيرين إلى الإيمان به، لكن حيث إن هدفهم هنا لم يُخفَ عليه لكونه الله، فإنه يعلن قصده في عمل ما يبغضونه ويقول إنه: ” سينتهر الأرواح النجسة ويخلص المرضى من أتعابهم وأنه سيُكمَّل، والتي تعنى أنه بمشيئته سوف يحتمل الآلام على الصليب لأجل خلاص العالم. لذلك كما يبدو، فإنه عرف كيف ومتى سيحتمل الموت بالجسد .

 

          لكن الفريسيين تخيلوا أن سلطان هيرودس سيرعبه، وسوف يخضعه للمخاوف رغم أنه رب القوات الذي يولد فينا شجاعة روحية بكلماته التي تقول:” لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد ولكن النفس لا يقدرون أن يقتلوها” (مت28:10)، وأوضح أنه لا يضع اعتبارًا لعنف الناس، بقوله: ” بل ينبغي أن أسير اليوم وغدًا وما يليه“. وبقوله: ” ينبغي لي” فإنه لا يعني بأنها ضرورة حتمية ـ قد وُضعت عليه، بل بالحرى تعنى أنه بسلطان مشيئته الخاصة، وبحرية وبدون تعرض للخطر فإنه سيمضى إلى حيث أراد أن يمضى ويجتاز اليهودية دون أن يقاومه أحد أو يتآمر ضده، إلى أن يقبل نهايته بإرادته الخاصة بالموت على الصليب الثمين.

          لذلك فليمتنع قتلة الرب هؤلاء عن التباهي بأنفسهم أو أن يتشامخوا بعجرفة عليه. أنت أيها الفريسي، لم تحرز النصرة على شخص هارب من الألم، أنت لم تمسكه رغمًا عنه، ولم تبسط سيطرتك على من رفض أن يُضبط في شِباك مكرك، بل هو الذي بمحض إرادته ارتضى أن يتألم لأنه متيقن جدًا أنه بموت جسده سيلاشى الموت ويعود ثانية إلى الحياة، فإنه قام من الأموات وقد أقام معه الطبيعة الإنسانية كلها وأعاد صياغتها من جديد إلى حياة لا تفسد.

          لكنه يُظهِر أن أورشليم ملوثة بدماء كثير من القديسين فيقول: ” لأنه لا يمكن أن يهلك نبي خارجًا عن أورشليم” وما الذي ينتج من هذا؟ ينتج من هذا أنهم كانوا على وشك أن يسقطوا من عضويتهم في عائلة الله الروحية، وأنهم كانوا على وشك أن يُرفضوا من رجاء القديسين ويُحرَموا تمامًا من ميراث تلك البركات المُذخرة لمن قد خَلصوا بالإيمان. أما عن كونهم كانوا ناسين تمامًا لعطايا الله وجامحين ومتكاسلين من جهة كل شئ يمكن أن ينفعهم، فهذا أظهره بقوله: “ يا أورشليم يا أورشليم يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها ، كم مرة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها ولم تريدوا، هوذا بيتكم يُترك لكم خرابًا” (لو34:13ـ35). لأن الله علّمهم بواسطة موسى الحكيم جدًا ورتب لهم ناموسًا ليوجههم في سلوكهم ويكون قائدهم ومرشدهم في حياة جديرة بالإعجاب، والذي رغم أنه ليس سوى ظلال لكنه كان يحوى رمز العبادة الحقيقية. فالله قد نصحهم بواسطة الأنبياء القديسين، وكان سيجعلهم تحت الحماية أي تحت سلطانه، لكنهم فقدوا هذه البركات الثمينة بكونهم أردياء في دوافعهم وغير شاكرين ومستهزئين.

          ثم يقول الرب: ” إنكم لا ترونني حتى يأتي وقت تقولون فيه مبارك الآتي باسم الرب” (تابع لو35:13) .

          فماذا يعنى هذا أيضًا ؟ الرب ينسحب من أورشليم، ويترك أولئك الذين قالوا له اخرج واذهب من ههنا، لأنهم غير مستحقين لحضوره بينهم. وبعد ذلك إذ اجتاز اليهودية وخلّص كثيرين، وأجرى معجزات كثيرة يعجز الكلام عن وصفها بدقة، عاد ثانية إلى أورشليم، هذا حدث عندما دخل جالسًا على أتان وجحش ابن أتان، بينما الجموع المحتشدة والأطفال يحملون في أيديهم سعف النخيل وساروا أمامه وهم يسبحونه قائلين:       ” أوصانا لابن داود، مبارك الآتي باسم الرب” (مت9:21). لذلك إذ قد تركهم بسبب أنهم غير مستحقين، يقول إنهم لن يروه إلاّ حينما يكون وقت آلامه قد حل، لأنه مضى أيضًا إلى أورشليم ودخلها وسط التهليل، وفى تلك المرة ذاتها كابد آلامه المُخلِّصة نيابة عنا، لكي بالآلام يُخلص ويجدد ـ إلى عدم فساد ـ سكان الأرض. لأن الله قد خلصنا بالمسيح، الذي به وله مع الآب والروح القدس التسبيح والسلطان إلى دهر الدهور. آمين .

 

جمعة ختام الصوم – ق. كيرلس الأسكندرى – د. نصحي عبد الشهيد

دخول المسيح أورشليم – ق. كيرلس الأسكندرى – د. نصحي عبد الشهيد

دخول المسيح أورشليم – ق. كيرلس الأسكندرى – د. نصحي عبد الشهيد

 

دخول المسيح أورشليم – ق. كيرلس الأسكندرى – د. نصحي عبد الشهيد

 

دخول المسيح أورشليم

(أحد الشعانين)

للقديس كيرلس الأسكندرى

 

 

دخول المسيح أورشليم

عظة 130

 

لوقا28:19ـ40

وَلَمَّا قَالَ هذَا تَقَدَّمَ صَاعِدًا إِلَى أُورُشَلِيمَ. وَإِذْ قَرُبَ مِنْ بَيْتِ فَاجِي وَبَيْتِ عَنْيَا، عِنْدَ الْجَبَلِ الَّذِي يُدْعَى جَبَلَ الزَّيْتُونِ، أَرْسَلَ اثْنَيْنِ مِنْ تَلاَمِيذِهِ قَائِلاً: اِذْهَبَا إِلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أَمَامَكُمَا، وَحِينَ تَدْخُلاَنِهَا تَجِدَانِ جَحْشًا مَرْبُوطًا لَمْ يَجْلِسْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ قَطُّ. فَحُّلاَهُ وَأْتِيَا بِهِ. وَإِنْ سَأَلَكُمَا أَحَدٌ: لِمَاذَا تَحُّلاَنِهِ؟ فَقُولاَ لَهُ هكَذَا: إِنَّ الرَّبَّ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ. فَمَضَى الْمُرْسَلاَنِ وَوَجَدَا كَمَا قَالَ لَهُمَا. وَفِيمَا هُمَا يَحُّلاَنِ الْجَحْشَ قَالَ لَهُمَا أَصْحَابُهُ: لِمَاذَا تَحُّلاَنِ الْجَحْشَ؟ فَقَالاَ: الرَّبُّ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ. وَأَتَيَا بِهِ إِلَى يَسُوعَ، وَطَرَحَا ثِيَابَهُمَا عَلَى الْجَحْشِ، وَأَرْكَبَا يَسُوعَ. وَفِيمَا هُوَ سَائِرٌ فَرَشُوا ثِيَابَهُمْ فِي الطَّرِيقِ. وَلَمَّا قَرُبَ عِنْدَ مُنْحَدَرِ جَبَلِ الزَّيْتُونِ، ابْتَدَأَ كُلُّ جُمْهُورِ التَّلاَمِيذِ يَفْرَحُونَ وَيُسَبِّحُونَ اللهَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ، لأَجْلِ جَمِيعِ الْقُوَّاتِ الَّتِي نَظَرُوا، قَائِلِينَ: مُبَارَكٌ الْمَلِكُ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ! سَلاَمٌ فِي السَّمَاءِ وَمَجْدٌ فِي الأَعَالِي!. وَأَمَّا بَعْضُ الْفَرِّيسِيِّينَ مِنَ الْجَمْعِ فَقَالُوا لَهُ: يَا مُعَلِّمُ، انْتَهِرْ تَلاَمِيذَكَ!. فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُمْ: أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ إِنْ سَكَتَ هؤُلاَءِ فَالْحِجَارَةُ تَصْرُخُ! ” .

 

          يسبّح التلاميذ المسيح مخلص الكل ويدعونه باسم الملك، والرب، وأنه سلام السماء والأرض . ولنسبّحه نحن أيضًا آخذين قيثارة المرنم ونقول: ” ما أعظم أعمالك يارب، بحكمة صنعتها ” (مز24:103س)، لأنه لا يوجد شئ من كل الأعمال التي صنعها إلاّ (وصنعها) بحكمة، فهو يوجه كل ما هو نافع، بالأسلوب المناسب له، ويُحدِّد لأفعاله الأوقات التي تناسبها. وطالما كان من المناسب أن يجتاز بلاد اليهود ساعيًا أن يكتسب كثيرين إلى النعمة التي بالإيمان عن طريق الدروس والنصائح الفائقة على الناموس، فإنه لم يتوقف عن فعل هذا. أما وقد دعاه الوقت أخيرًا إلى تلك الآلام التي هي لخلاص العالم كله، ليحرر سكان الأرض من طغيان العدو، ويبطل الموت، ويبيد خطية العالم، فإنه يصعد إلى أورشليم وهو يكشف للإسرائيليين أولاً حقيقة واضحة، ألاّ وهي أن شعبًا جديدًا من بين الوثنيين سوف يخضع له، بينما هم أنفسهم يصيرون مرفوضين كقتلة للرب .

          وماذا كانت العلامة إذن؟ إنه جلس على جحش كما سمعنا بوضوح منذ قليل من الإنجيلي المبارك. لكن ربما يقول قائل: ” عندما كان يجتاز في اليهودية كلها فإنه لم يطلب دابة ليركبها ” حينما كان يُعلّم في مجامعهم، وكان يصنع المعجزات أيضًا. وبينما كان يمكنه أن يشتري دابة فإنه لم يفعل مع أنه كان كثيرًا ما يتعب في الطريق من رحلاته الطويلة، كما هو مكتوب فإنه تعب من السفر عند اجتيازه السامرة (يو6:4). من يمكنه (إذن) أن يجعلنا نصدق أنه عندما كان ذاهبًا من جبل الزيتون إلى أورشليم ـ وهما مكانان يفصلهما مسافة قصيرة جدًا ـ سوف يحتاج إلى جحش؟ وعندما كان الجحش مصحوبًا بأمه فلماذا لم يأخذ المسيح الأم بدلاً من الجحش؟ فنحن نعلم من كلمات متى البشير أنهم قد أحضروا إليه الأتان التي ولدت الجحش، كما يقول ” إنه أرسل تلميذيه إلى القرية التي أمامهما قائلاً لهما ستجدان أتانًا مربوطة وجحشًا معها، فحلاّهما وأتياني بهما ” ـ ولذلك (يقول النص) إنهما أتيا بالأتان والجحش (متى 1:21،2،7) لذلك علينا أن ننظر ما هو التفسير وما المنفعة التي نستخلصها من هذا الحدث، وكيف نجعل من ركوب المسيح على جحش مثالاً لدعوة الأمم .

          خلق إله الكل الإنسان على الأرض بذهن يتميز بالحكمة والقدرة على الفهم، لكن الشيطان خدعه رغم أنه مخلوق على صورة الله، وأضله حتى لا يعرف خالق الكل وصانعهم، فأذل سكان الأرض إلى أدني مستوى من عدم التعقل والجهل. وإذ يعرف النبي الطوباوي داود هذا، ويبكى بمرارة لأجله، فإنه يقول: “إنسان في كرامة ولا يفهمها، هو مثل البهائم التي لا تفهم وقد صار شبيهًا بها”(مز12:48س). لذلك فمن المحتمل أن الأتان الأكبر تشير إلى مجمع اليهود والذي ـ لو جاز القول ـ صار بهيميًا لأنه لم يعطِ سوى اهتمامًا قليلاً لناموس موسى واحتقر الأنبياء القديسين، وأضاف إلى هذا أيضًا عصيانه للمسيح، الذي كان يدعوه إلى الإيمان وإلى انفتاح عينيه. لأنه قال: ” أنا هو نور العالم، من يؤمن بي فلا يمشي في الظلمة بل يكون له نور الحياة ” (يو12:8). لكن الظلمة التي يتحدث عنها هي بلا شك ظلمة الذهن أي الجهل والعمى ومرض عدم التعقل الشديد .

          أما الجحش الذي (لم يكن قد جلس عليه أحد)، فهو يمثل الشعب الجديد المدعو من بين الوثنيين، لأنه كان أيضًا بالطبيعة عديم الفهم، تائهًا في الضلال، لكن المسيح صار حكمة له، لأن ” فيه مذّخر جميع كنوز الحكمة وأسرار المعرفة ” (كو3:2) .

          إذن فقد أُحضر الجحش، إذ أرسل المسيح اثنين من تلاميذه لأجل هذا الغرض. وماذا يعني هذا؟ إنه يعني أن المسيح يدعو الوثنيين بأن يجعل نور الحق يشرق عليهم، وتخدمه مجموعتان من خدامه لأجل هذا الغرض، أعني الأنبياء والرسل. لأنه تم ربح الأمم إلى الإيمان بواسطة تعاليم كرازة الرسل الذين كانوا يضيفون دائمًا إلى كلامهم شهادات مستمدة من الناموس والأنبياء. فإن واحدًا منهم قال لهؤلاء الذين دعوا بالإيمان للاعتراف بمجد المسيح: ” وعندنا الكلمة النبوية وهي أثبت التي تفعلون حسنًا إن انتبهتم إليها كما إلى سراج منير في موضع مظلم إلى أن ينفجر النهار ويطلع كوكب الصبح في قلوبكم” (2بط19:1). لأنه قبل مجيء المخلص كانت نبوات الناموس والأنبياء المختصة بالمسيح، بمثابة سراج منير في موضع مظلم. لأن ذهن اليهود كان بليدًا دائمًا، مملوءًا بظلمة كثيفة. لأنهم لم يفهموا ولو قليلاً، ما قيل عن المسيح. لكن عندما طلع النهار وأشرق نور الحق، لم تعد الكلمة النبوية سراج صغير بل صارت بالحرى مثل أشعة كوكب الصبح اللامعة .

          لقد أتوا بالجحش من القرية، لكي يشير به أيضًا إلى حالة الهمجية التي كان عليها ذهن الوثنيين، الذين ـ إن جاز القول ـ لم يتعلموا في المدينة ولا تعلموا العادات الشرعية، بل على العكس عاشوا بخشونة وفظاظة، لأن الذين يقيمون في القرى عادة ما يعيشون بهذه الطريقة. لكنهم لم يستمروا في هذه الذهنية الهمجية، بل على العكس تغيروا إلى ملء السلام والحكمة، لأنهم صاروا خاضعين للمسيح الذي علمهم هذه الأشياء .

          وهكذا فإن الأتان قد رُفضِت، لأن السيد المسيح لم يركب عليها مع أنها قد تروضّت من قبل، وتدربت أن تخضع لراكبيها، ولكنه ركب الجحش مع أنه غير مُدَّرب ولم يُختبر من جهة حمله لأي راكب، ولا في خضوعه للجام، لأنه كما قلت فإن المسيح رفض مجمع اليهود مع أن الناموس كان عندهم، كما أن الطاعة لم تكن شيئًا غريبًا عنه، لكن السيد رفضه كشيء قد شاخ وفسد، ولكون هذا المجمع قد ضل بعيدًا في عصيان متعمد لإله الكل، واستحسن الجحش الذي يرمز إلى الشعب الذي من بين الوثنيين .

          وهذا هو معنى المديح المقدم بصوت المرنم إلى المسيح مخلص الكل، حيث يقول عن أولئك الذين كانوا في ضلال: ” بلجام وزمام تكبح فكهم أولئك الذين لا يقتربون إليك ” (مز9:31س). ومن السهل أن نري من الكتاب المقدس أن جمع الوثنيين كان مدعوًا أيضًا إلى التوبة والطاعة بواسطة الأنبياء القديسين، لأن الله تكلم هكذا في موضع ما: ” اجتمعوا وتعالوا تشاوروا معًا أيها الناجون من الأمم ” (إش20:45س).

          لذلك جلس المسيح على الجحش، ولما جاء إلى منحدر جبل الزيتون بالقرب من أورشليم مضي التلاميذ أمامه يسبحونه، لأنهم كانوا مدعوين لأن يشهدوا لأعماله العجيبة التي صنعها، وأيضًا ليشهدوا لمجده وسلطانه الإلهيين. وبنفس الطريقة التي صنعها يجب علينا أيضًا أن نسبحه معتبرين كم هو عظيم ذاك الذي نمجده.

ولكن أحد الإنجيليين القديسين الآخرين ذكر أن الأطفال أيضًا كانوا يرفعون إلى فوق أغصانًا من النخيل وكانوا يركضون أمامه، وكانوا مع بقية التلاميذ يهتفون بمجده (انظر مت8:21، مر8:11، يو13:12)، لكيما بواسطتهم أيضًا نري الشعب الجديد الذي جُمع من بين الوثنيين ممثلاً كما في رسم. لأنه مكتوب ” أن شعبًا سوف يُخلق سوف يسبح الرب” (مز18:101س).

          وقد تذمر الفريسيون، لأن المسيح كان يُسبَّح (من الجموع)، فاقتربوا منه وقالوا: ” اِنتهر تلاميذك“. لكن أيها الفريسي أي خطأ عملوه؟ أي تهمة توجهها للتلاميذ؟ كيف تريدهم أن يُوَّبخوا ؟ لأنهم لم يخطئوا بأي طريقة بل بالأحرى فعلوا ما هو جدير بالمديح. لأنهم إنما قد مجدوا من قد أشار إليه الناموس من قبل برموز وصور كثيرة ـ كملك ورب ـ وقد كرز به جماعة الأنبياء القديسين منذ القديم، لكن أنتم احتقرتموه وأحزنتموه بحسدكم الذي لا حدود له. كان من واجبكم بالأولى أن تنضموا إلى الباقين في تمجيدهم له، كان من واجبكم أن تتراجعوا عن خبثكم الفطري وتغيروا سلوككم نحو الأفضل، وكان من واجبكم أن تتبعوا الأسفار المقدسة وأن تعطشوا إلى معرفة الحق. لكن هذا لم تفعلوه، بل حولتم كلامكم إلى العكس تمامًا إذ أردتم توبيخ المنادين بالحق. فبماذا أجاب المسيح على هذه الأشياء؟ (أجاب) ” أقول لكم: إن سكت هؤلاء فالحجارة تصرخ “.

          لأنه من المستحيل ألاّ يُمجد الله حتى لو رفض أبناء جنس إسرائيل أن يفعلوا هذا، لأن الوثنيين كانوا سابقًا مثل حجارة أي قساة، لكنهم نالوا الخلاص من ضلالهم السابق، ونجوا من يد العدو وأفلتوا من الظلمة الشيطانية، وقد دُعوا إلى نور الحق، واستفاقوا كما من سكر، وعرفوا الخالق، وهم سبحوه ليس سرًا ولا في خفية، لا بطريقة مستورة أي في صمت، بل بمجاهرة الكلام وبصوتٍ عالٍ، وباجتهاد داعين بعضهم البعض وقائلين: ” هلموا نسبح الرب ونرتل مزامير لله مخلصنا “، لأنهم قد اعترفوا كما قلت بالمسيح مخلص الكل، الذي به ومعه لله الآب التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى أبد الأبدين . آمين.

 

عظة 131

لوقا41:19ـ44

وَفِيمَا هُوَ يَقْتَرِبُ نَظَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَبَكَى عَلَيْهَا قَائِلاً: إِنَّكِ لَوْ عَلِمْتِ أَنْتِ أَيْضًا، حَتَّى فِي يَوْمِكِ هذَا، مَا هُوَ لِسَلاَمِكِ! وَلكِنِ الآنَ قَدْ أُخْفِيَ عَنْ عَيْنَيْكِ. فَإِنَّهُ سَتَأْتِي أَيَّامٌ وَيُحِيطُ بِكِ أَعْدَاؤُكِ بِمِتْرَسَةٍ، وَيُحْدِقُونَ بِكِ وَيُحَاصِرُونَكِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، وَيَهْدِمُونَكِ وَبَنِيكِ فِيكِ، وَلاَ يَتْرُكُونَ فِيكِ حَجَرًا عَلَى حَجَرٍ، لأَنَّكِ لَمْ تَعْرِفِي زَمَانَ افْتِقَادِكِ ” .

 

         أدان إرميا النبي الطوباوي بصوت عال جهل اليهود وكبريائهم بآن واحد موبخًا إياهم بهذه الكلمات:” كيف تقولون نحن حكماء وكلمة الرب معنا؟ باطل هو قَلَم الكتبة الكاذب، خزي الحكماء ارتاعوا وأُخذوا، أية حكمة وها قد رفضوا كلمة الرب ” (إر8:8،9س)، لأنهم ليسوا حكماء ولا على دراية بالأسفار المقدسة. ومع أن الكتبة والفريسيين ينسبون لأنفسهم زورًا سمعة أنهم متعلمون في الناموس، فإنهم رفضوا كلمة الله، لأنه عندما صار الابن الوحيد إنسانًا، فإنهم لم يقبلوه، ولا أحنوا رقابهم طواعية لدعوته التي وجهها إليهم بالإنجيل. ولأنهم قد رفضوا كلمة الله بسلوكهم الشرير، فهم أنفسهم قد رُفضوا، وتمت إدانتهم بالقرار الإلهي العادل، لأنه يقول بفم إرميا: ” فضة مرفوضة يدعون لأن الرب رفضهم ” (إر30:6)، وقال أيضًا: ” جزى شعرك واطرحيه بعيدًا وخذي مرثاة على شفاك، لأن الرب قد رفض ورذل الجيل الذي فعل تلك الأشياء” (إر29:7س). وقد أعلن لنا إله الجميع ما هي تلك الأشياء بقوله: ” اسمعي أيتها  الأرض، هأنذا جالب شرورًا على هذا الشعب ثمر انحرافهم، لأنهم لم يصغوا لكلمتي ورفضوا شريعتي ” (إر19:6س)، لأنهم لم يحفظوا الوصية التي أعطاها لهم موسى بل ” يعلمون تعاليم هي وصايا الناس ” (مت9:15)، وبالإضافة إلى هذا فقد رفضوا أيضًا كلمة الله الآب برفضهم أن يؤمنوا بالمسيح، حينما دعاهم إلى ذلك. لذلك فإن ثمار انحرافهم كانت واضحة في الكوارث التي حلت بهم ، لأنهم عانوا من كل شقاء كجزاء على قتلهم الرب .

          أما (بخصوص) سقوطهم في هذه البلية[1]، فهذا لم يكن أمرًا يتوافق مع مشيئة الله الصالحة، لأنه كان يريد لهم بالأحرى أن يبلغوا السعادة عن طريق الإيمان والطاعة. أما هم فكانوا غير مطيعين ومتغطرسين، وبالرغم من هذا ـ ومع أن هذه كانت حالة ذهنهم ـ فإن المسيح أشفق عليهم، لأنه ” يريد أن جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون ” (1تي4:2)، إذ يقول (الكتاب) أيضًا أنه ” نظر إلى المدينة وبكي “، لكيما نعرف بهذا أنه يحزن، إن جاز لنا أن نتكلم هكذا عن الله، الذي يعلو على الكل. ولكننا، ما كنا نستطيع أن نعرف أنه أشفق رغم شرهم، لو لم يكن قد أظهر بفعل بشري ذلك الحزن الذي لا يمكننا أن نراه، لأن الدمعة التي تسقط من العين هي تعبير عن الحزن، أو بالأحرى هي إظهار واضح له. وهكذا بكى أيضًا على  لعازر حتى يمكننا مرة أخرى أن نفهم أنه حزن على طبيعة الإنسان التي سقطت تحت سطوة الموت، لأنه ” خلق كل الأشياء لعدم الفساد (للخلود)، ولكن بحسد إبليس دخل الموت إلى العالم[2] (حكمة بن سيراخ23:2). ليس لأن حسد إبليس أقوى من إرادة الخالق، بل بسبب أنه كان من الضروري أن تعدِّي الوصية الإلهية ينتج عنه عقاب يجعل كل من يحتقر ناموس الحياة ينحدر إلى الفساد .

          لذلك نحن نقول إنه بكى على أورشليم لسبب مشابه، لأنه أراد أن يراها في سعادة بقبولها الإيمان به، ونوال السلام مع الله، فإنه إلى هذا (السلام) دعاهم إشعياء النبي أيضًا قائلاً: ” لنصنع سلامًا معه، لنصنع نحن القادمون سلامًا معه” (إش5:27س). أما عن أنه بالإيمان نصنع سلامًا مع الله، فهذا ما يعلمنا إياه الحكيم بولس حيث يكتب: ” إذ قد تبررنا بالإيمان لنا سلام مع الله بربنا يسوع المسيح ” (رو1:5). أما هم، فكما قلت، أسرعوا بعنف جامح إلى الغطرسة والازدراء وأصروا على احتقار خلاص المسيح؛ لذلك فالمسيح يلومهم على نفس هذا الأمر قائلاً : ” لو علمت أنتِ أيضًا ما هو لسلامك“، أي (لم تعرفي) تلك الأشياء المفيدة والضرورية لك لتصنعي سلامًا مع الله، وهذه الأشياء هي الإيمان، الطاعة، التخلي عن الظلال، التوقف عن العبادة الناموسية؛ وبدلاً عن ذلك تفضيل العبادة التي بالروح والحق، تلك العبادة التي بالمسيح تكون رائحتها طيبة وجديرة بالإعجاب وثمينة أمام الله لأنه يقول: ” الله روح والذين يسجدون له فبالروح والحق ينبغي أن يسجدوا ” (يو24:4) .

          ويقول الرب: ” ولكن قد أُخفى عن عينيك “. لأنهم لم يكونوا مستحقين أن يعرفوا أو بالأحرى أن يفهموا الكتب الموحى بها من الله، والتي تتكلم عن سر المسيح، لأن بولس يقول: ” فإذ لنا رجاء مثل هذا نستعمل مجاهرة كثيرة، وليس كما كان موسى يضع برقعًا على وجهه لكي لا ينظر بني إسرائيل إلى مجد وجهه الزائل، بل أُغلظت أذهانهم لأنه حتى اليوم ذلك البرقع نفسه عند قراءة العهد العتيق باق غير منكشف، لكن حينما يُقرأ موسى فالبرقع موضوع على قلوبهم، لأنه يُبطل في المسيح ” (2كو12:3ـ15) لكن بأي طريقة يُبطل البرقع في المسيح ؟ لأنه حيث إن المسيح هو الحقيقة، فإنه يجعل الظل يُبطل، ولكن بخصوص أن سر المسيح يُشار إليه بواسطة ظل الناموس، فإن المسيح يؤكد لنا ذلك بقوله لليهود: “ لو كنتم تصدقون موسى لكنتم تصدقونني أيضًا لأنه هو كتب عنى” (يو46:5) ولأنهم لم يفحصوا ظلال الناموس بعناية، لذلك فإنهم لم يروا الحقيقة . كما يخبرنا بولس المتعلم حقيقة في الناموس أن ” القساوة قد حصلت جزئيًا لإسرائيل ” (رو25:11)، أما القساوة فهي السبب المؤكد للجهل والظلمة؛ فالمسيح قال مرة: ” ليس ما يدخل الفم ينجس الإنسان ” (مت11:15) وفي ذلك الوقت، فإن الفريسيين لاموه على كلامه هكذا بخصوص كسر الناموس وطرح الوصية التي أعطاهم لها موسى[3]. ” وبعد ذلك تقدم التلاميذ وقالوا له أتعلم أن الفريسيين لما سمعوا القول نفروا ؟ فأجاب وقال لهم: كل غرس لم يغرسه أبي السماوي يُقلع، اتركوهم هم عميان قادة عميان ” (مت12:15ـ14). لذلك فالغرس الذي لم يغرسه الآب يُقلع لأنه (الآب) يدعو الذين سيحسبون أهلاً لخلاصه إلى الاعتراف بالابن .

          أما حالة أولئك المؤمنون به فهي مختلفة تمامًا ، وكيف يمكن أن تكون بخلاف ذلك ؟ لأنهم كما يقول المرنم بخصوصهم: ” مغروسين في بيت الرب، ويزهرون في ديار إلهنا” (مز13:91س)، لأنهم أبناء الله وصنعته، كما تعلن الأسفار المقدسة ، لأنه قيل بفم داود: ” بنوك مثل غروس الزيتون الجدد حول مائدتك ” (مز3:127س) .

          أما الإسرائيليون وحتى قبل التجسد، فقد برهنوا أنهم غير جديرين بخلاص المسيح إذ رفضوا الشركة مع الله وأقاموا لأنفسهم آلهة كاذبة وذبحوا الأنبياء، مع أن الأنبياء حذروهم من أن يحيدوا عن الإله الحي، بل أن يتمسكوا بوصاياه المقدسة. أما هم فلم يقبلوا أن يفعلوا هكذا، بل أحزنوه بطرق كثيرة، وحتى حينما دعاهم إلى الخلاص (بعد ذلك).

          هذا يعلِّمه لنا المخلص نفسه بقوله: ” يا أورشليم يا أورشليم يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها كم مرة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها ولم تريدوا ” (مت37:23). وها أنت ترى أنه أراد مرات كثيرة أن يسبغ عليهم رحمته، ولكنهم رفضوها، ولذلك فقد أُدينوا بحكم إلهي مقدس، واستُبعدوا عن أن يكونوا أعضاء في بيته الروحي. لأنه قال لشعب اليهود بواسطة أحد الأنبياء القديسين: ” أنا أشبه أمك (أورشليم) بالليل، شعبي هو مثل من ليس له معرفة، لأنك أنت رفضت المعرفة أرفضك أنا حتى لا تكهن لي، ولأنك نسيت شريعة إلهك أنسى أنا أيضًا بنيك ” (هو5:4،6س). لاحظوا أنه يقارن أورشليم بالليل، لأن ظلمة الجهل قد غطت قلب اليهود وأعمت عيونهم؛ ولهذا السبب سُلّموا إلى الهلاك والذبح، لأن إله الكل تكلم بفم حزقيال وقال: ” حي أنا يقول الرب، من أجل أنكِ قد نجستِ مقادسي بنجاستكِ ، سأرفضك أنا أيضًا، ولن تشفق عيني وأنا لا أعفو” (حز11:5س). وأيضًا ” الذين هم في الحقل يموتون بالسيف، والذين هم في المدينة يأكلهم الجوع والوبأ، والذين منهم ينفلتون سيخلصون، وسيكونون على الجبال كحمام الوديان ” (حز15:7، 16س). لأن إسرائيل لم يُستأصل من أصل جذوره، ولا من الجذع والفرع، لكن خلصت بقية، والتي منها كان بكورها وطليعتها الرسل المباركين الذين يقول حزقيال عنهم أنهم كانوا على الجبال كحمام الوديان (أي الذين يتأملون) لأنهم كانوا كسفراء في العالم كله مخبرين بسر المسيح، وكان عملهم هو التسبيح والترتيل، وكأنهم يهتفون عاليًا بالمزامير: “ لساني يلهج ببرك واليوم كله بتسبيحك ” (مز28:34س) .

          لذلك فالوسائل المؤدية لسلام أورشليم مع الله كانت مخفية عنها، ومن بين هذه الوسائل، بل أولها وأهمها هو الإيمان الذي يبرر الخاطئ، وهو الإيمان الذي يُوحِّد بالقداسة والتبرير أولئك الحاصلين عليه، بالله الكلى النقاوة .

          أما عن أن المدينة التي كانت سابقًا مقدسة وشهيرة، أي أورشليم، تسقط في ضيقات الحرب، فهذا يمكن أن نراه من التاريخ، بل إن إشعياء النبي يؤكد هذا لنا، حيث يهتف عاليًا إلى جموع اليهود ويقول : ” بلادكم خربة، مدنكم محرقة بالنار، أرضكم يأكلها الغرباء قدامكم وهي خربة كأنها انقلبت بواسطة أمم غريبة” (إش7:1س). كان هذا هو أجر الافتخار الباطل لليهود، وعقوبة عصيانهم، والعذاب الذي هو العقاب العادل لكبريائهم، أما نحن فقد ربحنا رجاء القديسين، ونحن في سعادة كاملة، لأننا أكرمنا المسيح بالإيمان، هذا الذي به ومعه لله الآب التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى أبد الآبدين. آمين .

 

من عظة 132
لوقا45:19ـ48[4]

وَلَمَّا دَخَلَ الْهَيْكَلَ ابْتَدَأَ يُخْرِجُ الَّذِينَ كَانُوا يَبِيعُونَ وَيَشْتَرُونَ فِيهِ قَائِلاً لَهُمْ: مَكْتُوبٌ: إِنَّ بَيْتِي بَيْتُ الصَّلاَةِ. وَأَنْتُمْ جَعَلْتُمُوهُ مَغَارَةَ لُصُوصٍ!. وَكَانَ يُعَلِّمُ كُلَّ يَوْمٍ فِي الْهَيْكَلِ، وَكَانَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةُ مَعَ وُجُوهِ الشَّعْبِ يَطْلُبُونَ أَنْ يُهْلِكُوهُ، وَلَمْ يَجِدُوا مَا يَفْعَلُونَ، لأَنَّ الشَّعْبَ كُلَّهُ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِهِ يَسْمَعُ مِنْهُ.

 

          مكتوب أنه ” يوجد دائمًا نور للبار، أما نور الأشرار فينطفئ” (أم9:13 س)، لأن الله الآب يمنح نور المعرفة الحقيقية غير المنطفئ الخاص بالرؤيا الحقيقية لله لأولئك الذين يقبلون بر المسيح فهو يكشف لهم الابن، كما قال أيضًا المخلص نفسه فى موضع ما لليهود: ” لا تتذمروا فيما بينكم، لا يقدر أحد أن يقبل إلىَّ إن لم يجتذبه الآب الذى أرسلنى ” (يو43:6،44) لكنه ـ طبعًا ـ يجذب بالنور والمعرفة، وبرُبط المحبة (انظر هو4:11). أما بالنسبة لأولئك الذين لا تميل إرادتهم إليه، وعن شر يرفضون وصايا المسيح فحتى ذلك النور الذى لهم فى أذهانهم من وصية موسى، يتلاشى وينطفئ، وتغتصب ظلمة الجهل مكانه .

          أما كون هذا الأمر حقيقى، وأنه هو الوضع الحقيقى للحالة، فهذا ما يثبته لنا عمى اليهود. لأنهم كانوا فى ظلمة وغير قادرين على رؤية مجد الكلمة ـ الذي صار إنسانًا لأجلنا ـ رغم أنه كشف نفسه لهم بعمل معجزات كثيرة وبسلطان إلهى، وأحد الأمثلة على ذلك هو ما حدث فى الهيكل. فقد كان فى الهيكل جمع كثير من التجار وآخرون أيضًا من المُستعبدين لمحبة الربح القبيح وأعنى الصيارفة والعاملين على موائدهم، وبائعى الثيران وتجار الخراف وبائعى الحمام واليمام، وهذه كلها كانت تستخدم فى الذبائح بحسب المراسيم الشرعية. لكن قد آن الأوان لانتهاء الظل ولكى يلمع الحق، ويظهر الجمال البديع للطريق المسيحي، وأمجاد الحياة النقية، والرائحة العقلية الحلوة التى للعبادة بالروح والحق .

          ولهذا السبب فإن الحق ـ أى المسيح تصرف بمنتهى الصواب ـ إذ هو مُكرّم أيضًا مع أبيه فى هيكلهم ـ فأمر أن تُحمل تلك الأشياء ـ التى هى من الناموس، خارجًا، حتى ولو كانت تختص بالذبائح ومحرقة البخور، وأنه يجب أن يظهر الهيكل بوضوح أنه بيت للصلاة. فهذا بالتأكيد هو معنى انتهار (المسيح) للباعة وطردهم من الأروقة المقدسة حينما كانوا يبيعون ما كان لازمًا للذبائح. كما يلزمنا أن نلاحظ أن واحدًا آخر من الإنجيليين الأطهار يذكر أن الرب لم ينتهر الباعة بالكلام فقط بل وصنع أيضًا سوطًا من حبال وهددهم بالضربات (يو15:2). لأنه يليق بالذين أكرموا العبادة الشرعية أن يعرفوا بعد ظهور الحق، أنهم باحتفاظهم بروح العبودية وبرفضهم أن يصيروا أحرارًا، فإنهم يصيرون عُرضة لضربات ومعرضون للعذاب المرتبط بالعبودية، لذلك فإن مخلص ورب الكل أظهر مجده لمنفعتهم حتى يؤمنوا به، فبسبب أنه يملك سلطانًا على الهيكل فهو يعتنى به، وأيضًا يدعو الله أباه. وكما كتب ذلك الإنجيلى الآخر، فإنه قال للباعة: ” لا تجعلوا بيت أبى بيت تجارة ” (يو16:2). ومكتوب أيضًا ” بيتى بيت صلاة يدعى وأنتم جعلتموه مغارة لصوص ” (مر17:11). لذلك كان من واجبهم، وأقول أيضًا: كان من واجبهم، بالأحرى أن يعبدوه على أنه هو مع الله الآب، رب الهيكل. ولكنهم فى حماقتهم العظيمة لم يفعلوا هذا بل إذ كانوا بالأحرى متلهفين للبغضة بطريقة وحشية، فإنهم أقاموا ضده شوكة الحسد الحادة وأسرعوا إلى القتل الذى هو قريب الحسد وشقيقه. لأنه (يقول) ” إنهم طلبوا أن يهلكوه ولم يجدوا ما يفعلون لأن الشعب كله كان متعلقًا به يسمع منه“. ألا يجعل هذا الكتبة والفريسيين وكل رؤساء اليهود يستحقون عقوبة ثقيلة جدًا؟ إن كل الشعب وهم غير متعلمين كانوا يتعلقون بالتعاليم المقدسة ويشربون كلمة الخلاص كالمطر، كما كانوا أيضًا مستعدين أن يثمروا ثمار الإيمان وأن يحنوا أعناقهم لوصاياه، أما الذين كانت وظيفتهم أن يستحثوا شعبهم على هذا الشيء عينه، فقد تمردوا بطريقة وحشية وبخبث يطلبون فرصة ليقتلوه، ويركضون على الصخور بعنف غير مكبوح، رافضين الإيمان به بل وبشّرٍ يمنعون الآخرين أيضًا عن الإيمان به…

          لقد آن الأوان لدعوة الناس إلى حياة أفضل من الحياة التى كانت تحت الظلال، وإلى نوال التبرير الحقيقى بالإيمان بالمسيح، الذي هو الحق … والذي به ومعه لله الآب التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى أبد الآبدين. آمين .

[1] ربما يقصد خراب أورشليم سنة 70م (المترجم).

[2] القداس الباسيلي، صلاة الصلح (المترجم) .

[3] بخصوص وصية إكرام الوالدين وتعدي اليهود لهذه الوصية بسبب تمسكهم بتقليد الشيوخ (مت1:15ـ9) (المترجم).

 4جزء من عظة 132 من تفسير القديس كيرلس الأسكندرى لإنجيل القديس لوقا.

 

دخول المسيح أورشليم – ق. كيرلس الأسكندرى – د. نصحي عبد الشهيد

شفاء المولود أعمى – ق. كيرلس الأسكندرى – د. نصحي عبد الشهيد

شفاء المولود أعمى – ق. كيرلس الأسكندرى – د. نصحي عبد الشهيد

 

شفاء المولود أعمى – ق. كيرلس الأسكندرى – د. نصحي عبد الشهيد

 

الأحد السادس

 

شفاء المولود أعمى

للقديس كيرلس الأسكندرى

 

(جزء من شرح الإصحاح التاسع من إنجيل يوحنا)

 

شفاء المولود أعمى[1]

 

يو1:9 ،4،3 ” وفيما هو مجتاز رأى إنسانًا أعمى منذ ولادته.. أجاب يسوع.. لتظهر أعمال الله فيه. ينبغى أن أعمل أعمال الذى أرسلنى مادام نهار. يأتى ليل حين لا يستطيع أحد أن يعمل” .

         … ولكى يعطى جوابًا للتلاميذ وكأنه يفسر سبب ولادته أعمى، فإنه يقول ” لكى تظهر أعمال الله فيه“. وهذا يعنى بعبارة أخرى بسيطة: الرجل لم يولد أعمى بسبب خطاياه الشخصية أو بسبب خطايا والديه؛ ولكن حيث إنه قد حدث أنه وُلد أعمى، فمن الممكن أن يتمجد الله فيه. لأنه حينما يتحرر ويُشفى من المرض المزعج الذى حلّ به ـ بقوة من فوق ـ فمن الذى لا يعجب بذلك الطبيب الذى شفاه؟ ومن هو الذى لا يعترف بسلطان الشفاء الذى أظهره المسيح؟ ينبغى أن أعمل أعمال الذى أرسلنى مادام نهار، يأتى ليل حين لا يستطيع أحد أن يعمل. فى هذه الكلمات، يسمى الرب زمن الحياة فى الجسد “نهارًا”، وزمن وجودنا فى الموت يسميه “ليلاً”. لأنه حيث إن النهار جُعل لتتميم الأعمال والليل جُعل للراحة والنوم، لذلك فإن زمن الحياة الذى ينبغى أن نعمل فيه ما هو صالح، يسميه الناس “نهار” ووقت النوم ـ الذى لا يمكن أن يُعمل فيه أى عمل ـ يسمونه “ليل”. لأن الذى مات قد تبرأ من الخطية، كما يقول القديس بولس، إذ أنه عاجز عن فعل أى شئ، ولذلك فهو عاجز عن فعل الخطية. وهكذا فالكتاب المقدس فى الواقع يعترف بوجود فكرة “نهار مجازى” وكذلك بفكرة “ليل مجازى” فى المقابل. وإذا أخذنا فى الاعتبار هذه التفسيرات المجازية ـ كل منها فى الوقت الصحيح ـ فإنها تكشف لنا عن معنى هذه الكلمات التى أمامنا بطريقة خالية من الخطأ …

 

يو 5:9 ” مادمت فى العالم فأنا نور العالم ” .

         هل سنفتكر إذن (بسبب هذا الكلام) أن المسيح لم يعد موجودًا الآن “فى العالم”، وهل سيُظْن أنه بصعوده إلى السماء بعد قيامته من الأموات لم يعد يسكن وسط الذين يحيون فى الحياة الحاضرة؟ (بل بالحرى نقول) إنه لكونه إله، فهو يملأ ليس فقط السماء وما وراء السماء ويعتنى بها، بل أيضًا يملأ العالم الذى نسكنه ويعتنى به. وكما أنه حينما عاش مع الناس بالجسد، لم يكن غائبًا عن السماء، هكذا أيضًا حينما نفكر تفكيرًا صائبًا ـ فإننا سنؤمن أنه حتى حينما يكون خارج العالم بالجسد، فإن طبيعته الإلهية التى لا يُنطق بها، لا تزال حاضرة وسط الذين يعيشون فى العالم. وتهيمن على الكون، وهى لا تغيب عن أى موجود من الموجودات، ولا تتخلى عن أى كائن، بل هى حاضرة فى كل مكان وفى كل الأشياء؛ وهى تملأ كل الكون المنظور وكل ما يمكن تصوره أنه وراء الكون المنظور.

         ولذلك يجب أن نفهم معنى ما يقوله الرب فى هذه الكلمات. فالرب بعد أن طرح جانبًا شكوك اليهود كشئ فاسد، وأوضح أنهم كانوا متورطين بحماقة فى تعاليم غير صحيحة؛ ولما كان قد أعطى النصيحة لتلاميذه أنه يليق بهم بالأحرى أن يجاهدوا حبًا فى الأمور التى ترضى الله، وأن يكفوا عن البحث فى الأمور التى تفوق أفهامهم؛ وبعد أن حذرهم ـ بطريقة ما ـ ان وقت العمل سوف يفلت من أيدى أولئك الذين لا يعملون شيئًا ـ إن لم يكرسوا كل حماسهم للرغبة فى عمل الصالحات أثناء وجودهم بالجسد فى العالم؛ فإنه يضع نفسه كمثال (لهم) فى هذا الأمر.

         لأنه يقول، ها أنا أيضًا أعمل فى العمل الخاص بى، وحيث إنى أتيت لأعطى النور لأولئك الذين يحتاجون إلى النور، لذلك ينبغى أن أجعل النور يحل أيضًأ حتى فى عيون الجسد ـ إن كانت هذه العيون مريضة بمرض العمى المريع، وذلك حينما ألتقى بأى واحد من هؤلاء العميان.

         ولذلك سوف نفهم ما قاله الرب على أنه يشير بمعنى بسيط إلى هذه المناسبة. لأنه لا ينبغى ان يشك أحد فى أن الابن الوحيد هو بالفعل نور حقيقى، وأنه يملك المعرفة والسلطان لكى ينير ليس فقط الكائنات التى فى  هذا العالم بل أيضًا كل المخلوقات الأخرى العلوية. وإذا طبقنا معنى هذه الكلمات (التى قالها الرب) على المولود أعمى، فأظن أننا سنقدم شرحًا جديرًا بالتصديق.

 

يو6:9 ،7 ” قال هذا وتفل على الأرض وصنع من التفل طينًا وطلى عينى الأعمى. وقال له أذهب واغتسل فى بركة سلوام، الذى تفسيره مرسل، فمضى واغتسل وأتى بصيرًا ” .

         نحن نعتبر أن الشفاء الذى حصل لهذا الرجل المولود أعمى هو مثال لدعوة الأمم إلى الإيمان ولذلك فإننا سنوضح معنى السر ملخصًا فى كلمات قليلة.

         أولاً، لأن المخلص رأى الرجل الأعمى أثناء عبوره “وفيما هو مجتاز”، فقد رآه بعد أن خرج من الهيكل اليهودى، وأيضًا لأن المخلص قرر أن يشفى هذا الرجل دون توسل أو طلب من أحد، بل بالأحرى من تلقاء ذاته ومن رغبته الداخلية الصالحة، لذلك فمن المفيد أن ننظر إلى هذه المعجزة باعتبارها معجزة رمزية.

         فهذه المعجزة ترينا بالرمز أن جموع الأمم لم تقدم أى توسل لكى يحصلوا على الخلاص، فإنهم كانوا جميعًا فى الضلال. ولذلك فإن الله، إذ هو صالح بطبيعته فقد أتى بإرادته الذاتية لكى ينعم عليهم برحمته. لأنه كيف يمكن أو بأى طريقة يستطيع العدد الضخم من اليونانيين ومن شعوب الأمم، أن يطلبوا الرحمة من الله بينما ذهنهم كان مظلمًا بالجهل الفظيع حتى أنهم كانوا غير قادرين بالمرة أن ينظروا واهب النور. فكما أن الرجل الذى شُفى، لكونه كان أعمى لم يكن يعرف يسوع ومع هذا فإنه قد حصل على منفعة وفائدة لم يكن يتوقعها بواسطة عمل المخلص الرحيم ومحبته، هذا ما حدث أيضًا للأمم بواسطة المسيح.

         لقد حدث شفاء للأعمى فى السبت، والسبت يمكن أن يقدم لنا مثالاً ورمزًا للعصر الأخير من العالم الحاضر الذى فيه أشرق المخلص بالنور على الأمم. فالسبت هو آخر الأسبوع، والابن الوحيد أتى فى الجسد وظهر لنا جميعًا فى الزمن الأخير وفى العصور النهائية لهذا العالم .

         أما عن طريقة الشفاء فإنه يليق بنا حقيقة أن نُدهش ونقول: “ ما أعظم أعمالك يارب، كلها قد صنعتها بحكمة ” (مز24:103س).

         فربما يقول أحد: لماذا رغم أن الرب يستطيع بسهولة أن يجعل كل شئ صحيحًا، بكلمة، لماذا يصنع من التفل طينًا، ويطلى عينى الأعمى ويبدو كأنه يصف له عملية من نوع ما، بقوله له: ” أذهب اغتسل فى بركة سلوام“؟.

         إننى أعتقد أن هناك بالتأكيد معنى عميق مختبئ وراء هذه الكلمات، لأن المخلص لا يفعل شيئًا بدون هدف. فبطلاء الطين يكمل ما كان ناقصًا أو عاطلاً فى طبيعة العين، وبذلك يبين أنه هو بذاته الذى صورنا فى البداية، وهو خالق ومصّور الكون. وقوة عمل الشفاء هذه تحوى معنى سريًا بشكلٍ ما، لأن ما قلناه حالاً فيما يخص هذا العمل وما نعتبر أنه يمكن أن يُفهم منه سوف نذكره مرة أخرى.

         لم يكن الأمم يستطيعون أن يتحرروا من العمى الذى أصابهم وأن ينظروا النور الإلهى القدوس، أى أن ينالوا معرفة الثالوث القدوس الواحد فى الجوهر، إلاّ بأن يُعطَى لهم أن يصيروا شركاء جسده المقدس وأن يغسلوا خطيتهم التى هى مصدر الظلام والغم، وأن يجحدوا سلطان الشيطان، أى فى المعمودية المقدسة.

         وحينما طبع المخلص على الرجل الأعمى العلامة الرمزية التى كانت إشارة مسبقة للسر، فإنه فى نفس الوقت أظهر تمامًا قوة مثل هذه المشاركة بأن طلى عينيه بتفله.

         وكصورة للمعمودية المقدسة فقد أمر الرجل أن يسرع ويغتسل فى سلوام وهو اسم، شعر الإنجيلى بسبب حكمته وبالإلهام الإلهى أنه من الضرورى أن يعطى تفسيره. فإننا نعرف من هذا التفسير أن “المُرسَل” ليس هو أحد آخر سوى الله الابن الوحيد آتيًا ومرسلاً من فوق، أى من الآب، لكى يحطم الخطية وضراوة الشيطان: ونحن إذ نتعرف على الابن الوحيد عائمًا بطريقة غير منظورة فوق مياه المعمودية المقدسة، فإننا بالإيمان نغتسل، لا لأجل ” إزالة وسخ الجسد“، كما هو مكتوب (أنظر 1بط21:3)، ولكن لغسل وإزالة نوع من التلوث والنجاسة التى فى عيون الذهن، حتى عن طريق التطهير يمكننا فى المستقبل أن ننظر الجمال الإلهى بنقاوة.

         ولأننا نؤمن أن جسد المسيح هو واهب للحياة، حيث إنه هو هيكل ومسكن كلمة الإله الحى، وفيه توجد كل قوته، ولذلك نحن نعلن أن جسده هو أيضًا “مصدر للنور”، لأنه هو جسد ذلك الذى هو النور الحقيقى بطبيعته. وكما أنه حينما أقام وحيد الأرملة من الموت، فإنه لم يكتف بمجرد أن يأمره قائلاً: ” أيها الشاب لك أقول قم“، رغم أنه معتاد أن يتمم كل الأشياء التى يريدها بواسطة كلمة، لكنه أيضًا لمس النعش بيده، مبينًا أن جسده أيضًا فيه قوة واهبة للحياة. هكذا أيضًا فى هذه الحالة (المولود أعمى) فإنه يطلى بتفله كاشفًا أن جسده أيضًا هو مصدر للنور حتى إن كان بمثل هذه اللمسة البسيطة. لأنه جسد النور الحقيقى، كما سبق وقلنا.

         وهكذا يذهب الرجل الأعمى بأقصى سرعة ممكنة ويغتسل، ويتمم كل ما طُلب منه بدون تلكؤ مظهرًا فى شخصه استعداد الأمم للطاعة، أولئك الذين كتب بخصوصهم ” تميل أذنك لاستعداد قلوبهم” (مز38:9س). لقد كان اليهود البؤساء قساة القلب حينئذٍ، أما الأمم فكانوا خاضعين تمامًا فى طاعتهم وشهدوا لذلك عمليًا باختبارهم.

         والرجل الأعمى إذ قد نزع عنه عماه، غاسلاً إياه من الطين فإنه يرجع الآن “بصيرًا”. وهكذا كانت مسرة المسيح أن يتم هذا.

         لذلك فما أعظم الإيمان، الذى يجعل نعمة الله المعطاة لنا، أن تصير قوية فينا.

         وما أكثر ضرر الشك والتردد لأن ” رجل ذو رأيين هو متقلقل فى جميع طرقه ” كما هو مكتوب ” ولن ينال شيئًا من عند الرب ” (أنظر يع7:1و8).

 

يو35:9 : ” وسمع يسوع أنهم أخرجوه خارجًا ” .

         البشير المُوحى إليه يقول إن ربنا يسوع المسيح “سمع”، وهو لا يقصد بالضرورة أو بصورة أكيدة أن أحدًا أخبره بأنهم أخرجوه ـ بل ـ كما يقول أحد الحكماء فى موضع ما: ” روح الرب يملأ المسكونة وأذن السمع تسمع كل الأشياء” (حكمة7:1 ،10)، بالتأكيد هو يسمع كما يقول المرنم :  ” الذى غرس الأذن ألاّ يسمع؟ الذى صنع العين ألاّ يبصر؟” (مز9:93س). لذلك حينما نهان من أجله، أو نحتمل أى شئ مؤلم من أولئك الذين اعتادوا أن يحاربوا الله، فيجب أن نؤمن أن الله ينظر ويراقب، وأنه يسمع كلام المحاكمة ضدنا، لأن طبيعة الحدث نفسها، وإخلاص الذين يُهانون لأجله يصرخان بصوت عالٍ فى الأذان الإلهية.

 

يو35:9 ” فوجده وقال له أتؤمن بابن الله ” ؟ .

الرجل الذى وُلد اعمى طرده الفريسيون خارجًا، وبعد قليل من طرده، بحث عنه المسيح، وحينما وجده أدخله إلى الأسرار. إذن فهذا أيضًا يكون علامة لنا أن الله يحفظ فى فكره الذين يشهدون عنه والذين بسبب ثقتهم فيه لا يتحاشون الأخطار. فها أنت تسمع كيف يظهر نفسه وكأنه يعطى مكافأة حسنة، ويسرع لكى يغرس فيه الكمال الأعلى لتعاليم الإيمان. وهو يقترح عليه السؤال لكى يحصل منه على الموافقة (على الإيمان به). وهذه هى طريقة إظهار الإيمان. وهكذا أيضًا فالذين يأتون إلى المعمودية الإلهية، فإنهم قبل المعمودية وأثناء فترة الاستعداد يُسألون بخصوص إيمانهم، وحينما يوافقون ويعترفون بالإيمان، فإننا نُدخلهم فى الحال كأُناس مستعدين لنوال النعمة. لذلك، فمن هنا تبرز دلالة هذا الحدث بالنسبة لنا، وقد تعلمنا من مخلصنا المسيح نفسه كيف أنه أمر صائب أن إقرار الإيمان هذا ينبغى أن يتم. وهكذا أكد بولس المُوحى إليه، أيضًا، أن تيموثاوس ” اعترف الاعتراف الحسن أمام شهود كثيرين“، ويقصد بهم الملائكة القديسين: وإن كان أمرًا مرعبًا أن يزيف الإنسان الكلام الذى يُقال أمام الملائكة، فكم يكون مرعبًا بالأكثر امام المسيح نفسه؟

         هو (المسيح) يسأل الرجل الذى كان أعمى ليس فقط إن كان يرغب أن يؤمن بل أيضًا يحدد بمن يؤمن. لأن الإيمان (ينبغى) أن يكون ” بابن الله”، وليس إيمانًا بإنسان مثلنا، بل بالله المتجسد. ويقينًا فإن هذا هو ملء السر الخاص بالمسيح. وبقوله “أتؤمن”؟ فكما لو كان يقول “هل تظهر نفسك متفوقًا على جنون أولئك الناس؟ هل تبتعد عن شكوك أولئك الناس، وتقبل الإيمان؟”، فإن التشديد على ضمير المخاطب (أنت) يتضمن بطريقة ما مثل هذا التمييز بين المولود أعمى وبين الأشخاص الآخرين.

 

يو36:9 : ” من هو يا سيد لأؤمن به ؟” .

         النفس التى تملك ذهنًا سليمًا وتبحث باجتهاد عن كلمة الحق وعيون فهمها حرة، فإنها تمضى باستقامة إلى كلمة الحق بدون ارتباك مثل باخرة تدخل الميناء، وتحصل دون تعب على منافع الميناء من منافذه. وهكذا أيضًا الرجل الذى كان أعمى هو نفسه برهان على ما نقول. لأنه ـ بواسطة المناقشات الكثيرة والتأملات قد وصل إلى الإعجاب بالسر الخاص بالمسيح، كما أنه قد ذُهل بدهشة عظيمة من قدرته التى لا يُعبر عنها، والتى تم اختبارها ليس بواسطة أشخاص آخرين بل بواسطة نفسه وفى نفسه، ولذلك فقد صار مستعدًا أن يؤمن، وهو يفعل هذا بدون أى تأخير. فها هو ـ أنظر، أنظر، يسأل باجتهاد من هو الشخص الذى يعلق به ذلك الإيمان الذى كان قد ارتفع بناؤه داخل نفسه. لأنه هذا فقط هو ما كان ينقصه ـ وهو كان مهيأً مسبقًا لهذا الإيمان.

 

يو37:9 ” فقال له يسوع قد رأيته والذى يتكلم معك هو هو ” .

         عندما سأل الرجل، يسوع، من هو الذى ينبغى الإيمان به، فإنه يجيب بالإشارة إلى نفسه، ولم يقل ببساطة “هو أنا”، بل بقوله إن الشخص الذى كان ينظر إليه المولود أعمى، أى الشخص كان يتكلم معه، هو ابن الله؛ فهو يفكر مقدمًا فى ما هو لمنفعتنا، وهو يؤسس لنا ـ بطرق متنوعة ـ ما يساعد على الوصول إلى إيمان سليم من أى خطأ، إيمان غير منحرف ـ لئلا ـ بينما نحن نظن فى أنفسنا أننا أتقياء، فإننا قد نسقط فى شباك الشيطان، بالتحول بحماقة بعيدًا عن حقيقة السر. فيوجد الآن بعضًا من أولئك الذين يظنون أنفسهم مسيحيين ـ وهم لا يفهمون حدود التجسد بدقة ـ قد تجاسروا أن يفصلوا ذلك الهيكل المأخوذ من امرأة لأجلنا، عن الله الكلمة، وقد قسموا ذاك الذى هو بالحقيقة والواقع ابن واحد إلى ابنين، وذلك بسبب أنه صار إنسانًا. لأنهم بغباء شديد ينفرون من الاعتراف بما لم ينفر الابن الوحيد نفسه من أن يفعله من أجلنا. لأنه، كما هو مكتوب: ” إذ كان فى صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون مساويًا لله، بل أخلى نفسه آخذًا صورة عبد” (فى7،6:2)، لكى يصير إنسانًا مثلنا، بلا خطية طبعًا: ولكنهم فى آرائهم الغريبة يعيبون بطريقة ما على خطته الإلهية المملوءة حبًا للبشر، وإذ يطرحون الهيكل المأخوذ من امرأة ـ بعيدًا عن البنوة الحقيقية بأقصى ما يستطيعون، فى أفكارهم، فإنهم لا يقبلون تواضعه وإخلاءه لذاته، ويفكرون تفكيرًا بعيدًا تمامًا عن الحق؛ فهم يقولون إن الابن الوحيد لله الآب ـ أى الكلمة المولود من جوهره، هو واحد، وأن الابن المولود من امرأة هو واحد آخر، ألا يكونون مملوئين بكل عدم تقوى ـ أولئك الذين يقسمون ذاك الذى هو بالحق والفعل ابن واحد، إلى اثنين؟ لأن من جهة كونه الله الكلمة، فإننا نفكر فيه على أنه متميز عن الجسد؛ ومن جهة كونه جسد، فإننا نفكر فيه على أنه متميز عن الكلمة: ولكن من جهة أن الكلمة الذى من الله الآب صار جسدًا، فإن الاثنين يكفان عن أن يكونا متميزين وذلك بسبب الاتحاد والارتباط اللذين لا يُدركان (يفوقان الفهم): لأن الابن هو واحد وواحد فقط، قبل اتحاده بالجسد وحينما أتى بالجسد؛ ونعنى بالجسد الإنسان بكليته، أعنى الإنسان المكون من نفس وجسد. وبالتأكيد، فإنه بسبب هذا الاعتقاد، فإن الرب ـ بسبق رؤيته الفائق ـ حينما سُئل هنا أيضًا: “من هو ابن الله”؟ لم يقل “هو أنا”، فربما كان من المحتمل حينئذٍ أن يفترض البعض بجهل أنه يشير بذلك إلى الكلمة وحده الذى أشرق من الله الآب؛ ولكنه أظهر ذاته بنفس الطريقة ـ التى تبدو بالنسبة للبعض موضع شك كبير ـ بقوله “قد رأيته”، وأيضًا أوضح أن الكلمة نفسه كان حالاًّ فى الجسد بأن أضاف قائلاً: “والذى يتكلم معك هو هو”. إذن، ها أنت ترى ما أعظم الوحدة التى للكلمة؛ لأنه لا يجعل أى تمييز بل يقول إنه هو نفسه ذلك الذى يقدّم نفسه للعيون الجسدية كما أنه هو نفسه الذى يُعرف بواسطة الكلام. لذلك، فبالتأكيد أنه من الجهل التام ومن عدم التقوى أن يُقال كما يقول البعض بدون تروى: “يا إنسان المسيح”، فلكونه الله فهو قد صار إنسانًا دون أن ينفصل عن ألوهيته؛ وهو الابن أيضًا بالجسد: لأنه بهذه الأمور يكون أعظم وأكمل اعتراف، وأكمل معرفة للإيمان به (بابن الله).

 

يو38:9 ” فقال أومن يا سيد . وسجد له ” .

         الإنسان الذى كان أعمى يسرع ليقدم إقراره (بالإيمان) ، أعنى من جهة إيمانه، وهو حار فى تقواه. لأنه حينما عرف أن الشخص الذى كان حاضرًا معه والذى يراه بعينيه هو بالحقيقة الابن الوحيد، فإنه سجد له كإله، رغم أنه يراه بالجسد بدون المجد الذى يليق بالله فعلاً. ولكن لأن قلبه قد استنار بحلول قوة المسيح وسلطانه، فإنه ينمو نحو الأفكار الحكيمة والصالحة بتفكير حسن، وينظر جمال طبيعته الإلهية التى لا يُنطق بها؛ لأنه لو لم يكن قد آمن أنه الله لما كان قد سجد له، لأنه قد تهيأ واستعد ونال الإرشاد أن يفكر هكذا بتأثير ما قد حدث له، أى العمل العجيب الذى تم بمعجزة.

         وحيث إننا نقلنا كل الظروف المتصلة بالرجل الأعمى إلى تاريخ الأمم، هيا بنا الآن نتحدث مرة أخرى عن هذا الأمر. فأرجو أن تلاحظوا كيف يحقق (المولود أعمى) بمثاله بأن يسبق ويصوّر مقدمًا السجود بالروح الذى كان الأمم مدعوين إليه بإيمانهم (بالمسيح). لأنه كان من عادة إسرائيل أن يخدموا رب الكل بحسب أوامر الناموس ـ بذبائح عجول وبخور، وبتقدمات حيوانات أخرى؛ ولكن المؤمنين من الأمم لا يعرفون هذا الأسلوب فى العبادة بل تحولوا إلى الطريق الآخر، أى الأسلوب الروحانى، الذى يقول الله إنه حقًا عزيز عنده وحلو لديه بنوع خاص. لأنه يقول: “ لن آكل لحم الثيران، ولن أشرب دم التيوس” (مز13:50). وهو يحثنا على ما هو أفضل أى أن ” نقدم ذبيحة الشكر ” أى العبادة بالترنم أى نحتفل بما يرى المرتل أن كل الأمم سوف تفعله بواسطة الإيمان وفى الروح القدس وستقول كأنها توجه الحديث لربنا ومخلصنا: ” كل الأرض ستسجد لك، وسترنم لك، وسيرنمون لاسمك” (مز4:65س). بل إن ربنا يسوع المسيح نفسه يبين أن العبادة الروحية أفضل من العبادة الناموسية، حينما يقول للمرأة السامرية: ” يا امرأة صدقينى، تأتى ساعة، لا فى هذا الجبل ولا فى أورشليم تسجدون للآب… ولكن تأتى ساعة وهى الآن حين الساجدون الحقيقيون يسجدون للآب بالروح والحق لأن الآب طالب مثل هؤلاء الساجدين له . الله روح والذين يسجدون له فبالروح والحق ينبغى أن يسجدوا” (يو24،23،21:4) .

         وإذا نحن فكرنا بطريقة صائبة، فسوف نعرف أن الملائكة القديسين أيضًا يتميزون بهذا النوع (من الخدمة)، مقدمين لله مثل هذه العبادة كنوع من التقدمة الروحية. فمثلاً، حينما أعطى الروح أمرًا للساكنين فى الأعالى أن يقدموا التكريم اللائق بالله للبكر والابن الوحيد، يقول: ” ولتسجد له كل ملائكة الله ” (تث43:32 سبعينية، عب6:1) والمرنم الإلهى دعانا أيضًأ أن نفعل هذا قائلاً: “هلم نسجد ونجثو أمامه” (مز6:94س). وليس من الصعب أن نعالج هذا الأمر باستفاضة، ولكننا إذ نضع نهاية مناسبة لكلماتنا، فإننا سنتوقف حاليًا عن تقديم أية مناقشات أخرى، سوى أننا سنكرر مرة أخرى أن الرجل الذى كان أعمى يتمم بطريقة تستحق الإعجاب، مثال عبادة الأمم، جاعلاً سجوده تعبيرًا ملازمًا لاعترافه بالإيمان.

 

 

يو39:9 ” فقال يسوع لدينونة أتيت أنا إلى هذا العالم حتى يبصر الذين لا يبصرون ويعمى الذين يبصرون ” .

         حينما يشرح المسيح ـ بصوت إشعياء سبب ظهوره فى هذا العالم، يقول ” روح الرب علىّ لأنه مسحنى: أرسلنى لأبشر المساكين لأنادى للمأسورين بالإطلاق وللعمى بالبصر” (إش1:61). وأيضًا يقول فى موضع آخر ” أيها الصم اسمعوا أيها العمى أنظروا لتبصروا” (إش18:42). فإن كان يقول إنه لهذا اختاره الله الآب لكى ينادى للعمى بالبصر، فكيف يقول هنا: ” لدينونة أتيت أنا إلى هذا، لكى يبصر الذين لا يبصرون ويعمى الذين يبصرون“؟ فربما يقول أحدهم ” إذن، هل المسيح خادم للخطية ” بحسب لغة بولس؟ حاشا، لأنه جاء ليتمم القصد المسبق لصلاحه من نحونا، أى لينير كل الناس بمصباح الروح. ولكن اليهود ـ بسبب أصرارهم على عدم الإيمان لم يقبلوا النعمة المشرقة عليهم، فحكموا على أنفسهم بظلمة من اختيارهم. لأنه ـ إذ كان ينبغى أن يأتى بحسب إعلان الناموس ـ فإن اليهود كانوا ينتظرون إشراق النور أى المسيح… ولكنهم بسبب عدم إيمانهم ساروا فى ظلمة عميقة. فهو يقول: إنى جئت لأعطى البصر للعميان عن طريق إيمانهم بى، ولكن عناد وقساوة (الفريسيين) وعدم إيمانهم جعلت مجيء الذى يعطى النور إن يصير بالنسبة لهم مجيء للدينونة. فلأنهم لم يؤمنوا لذلك دينوا. وهذا ما قاله المخلص بوضوح أكثر بكلمات أخرى: ” الحق الحق أقول لكم، الذى يؤمن بالابن لا يُدان، والذى لا يؤمن قد دين لأنه لم يؤمن باسم ابن الله الوحيد” (يو18:3). ومن المناسب أن يعلن المسيح عن أهمية الإيمان به فى هذه المناسبة التى أمامنا (فتح عينى المولود أعمى) لأنه يعلن أن هذا الرجل قد نال البصر ليس بالجسد فقط بل من جهة الذهن والروح ايضًا، لأنه قبل الإيمان، أما الفريسيون فقد أصابهم العكس تمامًا، لأنهم لم يروا مجده رغم أن مجده كان مضيئًا بأشد وضوح، أى فى ذلك العمل العجيب الذى كان عظيمًا جدًا وجديدًا تمامًا.

1  أجزاء من شرح إنجيل يوحنا الإصحاح التاسع ، للقديس كيرلس الأسكندرى.

 

شفاء المولود أعمى – ق. كيرلس الأسكندرى – د. نصحي عبد الشهيد

شفاء مريض بركة بيت حسدا – ق. كيرلس الأسكندرى – د. نصحي عبد الشهيد

شفاء مريض بركة بيت حسدا – ق. كيرلس الأسكندرى – د. نصحي عبد الشهيد

 

شفاء مريض بركة بيت حسدا – ق. كيرلس الأسكندرى – د. نصحي عبد الشهيد

 

 

شفاء مريض بركة بيت حسدا

(المفلوج)

(الأحد الخامس من الصوم الكبير)

للقديس كيرلس الأسكندرى

 

(جزء من شرح الإصحاح الخامس من إنجيل يوحنا)

 

الأحد الخامس

شفاء مريض بركة بيت حسدا

(المفــلوج[1])

 

يو1:5ـ4 ” وبعد هذا كان عيد لليهود فصعد إلى أورشليم. وفي أورشليم عند باب الضأن بركة يُقال لها بالعبرانية بيت حسدا لها خمسة أروقة. في هذه كان مضطجعًا جمهور كثير من مرضى وعمي وعرج وعسم يتوقعون تحريك الماء. لأن ملاكًا كان ينزل أحيانًا في البركة ويحرك الماء فمن نزل أولاً بعد تحريك الماء كان يبرأ من أي مرض اعتراه “.

          لم يكن بلا سبب أن يربط الإنجيلى المبارك مباشرة بين ما قيل وبين عودة المخلص إلى أورشليم. لكن ربما كانت غايته أن يوضح كم كان الغرباء متفوقين فى الطاعة على اليهود، كيف كان الفارق كبيرًا بينهم فى العادات والأخلاق، لأنه هكذا نتعلم نحن وليس من طريق آخر، أنه بواسطة حكم الله العادل الذى يربط كل الأشياء معًا ولا يحابى الوجوه، يسقط إسرائيل بحق عن الرجاء، ويدخل محله ملء الأمم. وليس من الصعب أن نصل إلى ذلك بمقارنة الإصحاحات. إذ كشف [الرب] أنه بمعجزة واحدة قد خلّص مدينة السامريين، كما بمعجزة شفاء ابن خادم الملك، نفع بشكل كبير كل الذين كانوا هناك آنذاك. وإذ يشهد الإنجيلى بتلك الأمور لمدى استعداد الغرباء للطاعة، فإنه يعود بصانع العجائب إلى أورشليم، ويقدمه لنا وقد أنجز عملاً من أعمال الله. لأنه يحرر المشلول بشكل عجيب من مرض عُضال يصعب شفاؤه، تمامًا كما أقام ابن خادم الملك من الموت. لكن بينما الواحد ” آمن هو وأهل بيته ” واعترف أن يسوع هو الله، نرى الآخرين والذين من المفروض أن يتعجبوا، نراهم يريدون قتله ويضطهدونه، الأمر الذى يثير دهشتنا، بل ويجدفون متعدين على المحسن إليهم، كما أنهم قد نطقوا فيما بينهم بإدانات أكثر خزيًا لهم، فُوجِدُوا وقد عجزوا عن بلوغ الفهم الذى كان عند الغرباء وميلهم نحو المسيح. وهذا ما قيل عنهم فى المزامير، ” لأنك تجعلهم كتفًا[2] (مز12:21س). لأنهم إذ جلسوا فى المصاف الأولى بسبب اختيار الآباء، سوف يأتون إلى المرتبة الأخيرة بعد دعوة الأمم. لأنه ” إلى أن يدخل ملء الأمم ” (رو26،25:11).

 

يو5:5 ، 6 ” وكان هناك إنسان به مرض منذ ثمان وثلاثين سنة . هذا رآه يسوع مضطجعًا وعلم أن له زمانًا كثيرًا “.

          إذ كان اليهود يحتفلون بعيدهم عيد الفطير، الذى من عادتهم فيه أن يذبحوا الخراف فى زمان الفصح، رحل المسيح من أورشليم واختلط بالسامريين والغرباء وعلَّم بينهم حزينًا على عناد اليهود. وإذ عاد أثناء عيد الخمسين المقدس، شفى عند مياه البركة ذلك المفلوج الذى كان قد مضى وقت طويل على مرضه، [إذ مضى عليه ثمان وثلاثين عامًا] لكنه لم يكن قد بلغ بعد العدد الكامل للناموس، أعنى أربعة أضعاف العشرة أى أربعين.

          هكذا ينتهى سير القصة، لكن واجبنا أن نحوّل الحرف إلى تفسيره الروحى. فكون يسوع يحزن ويرحل من أورشليم بعد ذبح الخراف، ويأتى إلى السامريين والجليليين، كارزًا وسطهم بكلمة الخلاص، فما معنى ذلك، سوى انسحابه الفعلى من بين اليهود، بعد ذبيحته وموته فى أورشليم على الصليب الثمين، حين بدأ فى النهاية يبذل ذاته بإرادته لأجل الأمم والغرباء، وراح يكشف عن ذلك لتلاميذه بعد القيامة، ” إنه سيسبقهم إلى الجليل” (مت28:7). لكن عودته مرة أخرى إلى أورشليم عند تمام أسابيع الخماسين المقدسة، إنما تشير كما فى رموز وغموض، إلى أن هناك ـ بسبب رحمة مخلصنا ومحبته ـ عودة له إلى اليهود فى أواخر عصور هذا العالم الحاضر، وحينئذٍ فإن الذين سيخلصون بالإيمان به، سيحتفلون بأعياد الآلام المخلّصة المقدسة جدًا. لكن كون المفلوج قد شُفى قبل تمام زمان الناموس، إنما يشير بالرمز، إلى أن إسرائيل وقد غضب وجدف على المسيح، سوف يصبح عاجزًا ومفلوجًا يقضى زمانًا طويلاً دون أن يفعل شيئًا ما، ومع هذا لن تكمل عليه العقوبة، بل سوف يتمتع ببعض الافتقاد من المخلص، وسوف يُشفى هو نفسه عند البركة بالطاعة والإيمان.

 

يو6:5 ” فقال له يسوع أتريد أن تبرا ؟ … ” .

          كان الدليل الساطع على منتهى صلاح المسيح أنه لم يكن ينتظر توسّلاً من المرضى، بل كان يُلبى طلباتهم بحنوه ومحبته. لأنه، كما ترون، قد أسرع نحوه حيث يرقد، وتعاطف مع المُتعب. لكن سؤاله عمّا إذا كان المريض يريد شفاءًا، لم يكن من قبيل الجهل بشيء معروف وظاهر للعيان بل سؤال من يريد أن يُحرّك الرغبة الجادة فى الشفاء، ليثير فيه توسلاً باجتهاد أكثر. إن السؤال ما إذا كان المريض يريد أن ينال ما اشتاق إليه كان سؤالاً عظيمًا فى طرحه وقوة تعبيره، إذ للمسيح السلطان على إعطاء الشفاء، وها هوذا مستعد أن يقدم الشفاء، إنما ينتظر فقط طلبة الذى يريد أن ينال النعمة.

 

يو7:5 ” أجابه المريض يا سيد ليس لي إنسان يلقيني في البركة متى تحرك الماء بل بينما أنا آتٍ ينزل قدامي آخر “.

          حوالى عيد الخمسين، كان الملائكة ينزلون من السماء ويحركون الماء فى البركة. وكانت حركة الماء تلك إعلانًا عن حضورهم. وكانت المياه تتقدس بواسطة الأرواح المقدسة، ومن ينزل أولاً من جموع المرضى هناك، كان يصعد وقد شُفى من مرضه الذى كان يزعجه، وكان الشفاء من نصيب واحد فقط، هو من يقتنص الفرصة أولاً، فتتحقق فيه قوة الشفاء. لكن ذلك أيضًا علامة على نفع الناموس بواسطة أيدى الملائكة الذى امتد إلى جنس اليهود وحدهم، ولم يخلّص أحدًا آخر سواهم. لأنه من “دان” وحتى “بئر سبع”، نُطِقَ بالوصايا التى أُعطيت بواسطة موسى، والتى خدمتها ملائكة على جبل سيناء فى تلك الأيام التى عُرفت بأنها الخمسون المقدسة. لهذا السبب فإن المياه أيضًا التى فى البركة والتى لم تكن تتحرك فى أى وقت آخر، كانت تشير إلى نزول الملائكة القديسين فى وقت ما، وإذ ليس للمفلوج أحد يلقيه فى الماء بسبب المرض الذى كان يقعده عن الحركة، كان يتوسل إلى من يشفيه، قائلاً: ليس لى أحد يلقينى فى المياه، لأنه كان يظن أن يسوع سيخبره وينصحه بذلك.

 

يو8:5، 9 ” قال له يسوع قم احمل سريرك وامشِ. فحالاً برئ الإنسان وحمل سريره ومشى وكان في ذلك اليوم سبت ” .

          لله الأمر، وهو يملك أجلّ برهان على القوة والسلطان على الإنسان. لأن “يسوع” لا يصلى لأجل أن يتحرر المريض من سقمه، وإلاّ ظهر كأنه واحد من الأنبياء القديسين، بل هو كرب القوات يأمر بسلطان أن يكون هكذا. مخبرًا المريض أن يذهب إلى بيته متهللاً، وأن يحمل سريره على كتفه، لتتجلى أمام الناظرين قدرته التى شفت المريض. وهكذا فعل المريض ما أُمِر به، وبطاعة وإيمان ربح لنفسه النعمة التى اشتاق إليها طويلاً.

          لكن مادمنا نسير قدما لنقدمه كصورة ورمز لجموع اليهود، الذين سينالون شفاءً فى أواخر الدهور: فلنفكر معًا فى شئ يتناسق مرة أخرى مع الأفكار المعروضةهنا، والمماثلة لتلك التى فحصناها من قبل.

          فى يوم السبت يشفى المسيح الإنسان، وإذ يُشفى نرى [المسيح] يفرض على المريض أن يكسر الناموس، إذ يأمره أن يمشى يوم السبت، حاملاً سريره، بالرغم من أن الله يعلن بجلاء على فم أحد الأنبياء القديسين ” ولا تحملوا حملاً خارج بيوتكم يوم السبت” (إر22:17). وما من أحد بحسب ظنى يتمتع برجاحة العقل يقول إن المسيح كان محتقِرًا للوصايا الإلهية أو مستخفًا بها، لكن كما فى رمز، كان المسيح يريد أن يعرّف اليهود أنهم سيُشفون بالطاعة والإيمان فى الأزمنة الأخيرة لهذا العالم. لأن هذا بحسب ظنى هو ما يشير إليه “السبت”، إذ هو آخر أيام الأسبوع: وإذ ينالون الشفاء بالإيمان، وإذ تُعاد خلقتهم إلى جدة الحياة، كان من الضرورى أن يصير حرف الناموس القديم بلا تأثير، وأن العبادة الرمزية، كما كانت فى ظلال، والحفظ الباطل للعادات اليهودية، كل هذا لا بد من رفضه. لهذا ـ كما اعتقد ـ فإن الطوباوى بولس قد انتهز فرصة الحديث، فراح يكتب لأولئك بعد الإيمان كانوا يعودون ثانية إلى الناموس: ” أقول لكم إن اختتنتم لا ينفعكم المسيح شيئًا” (غل2:5) ومرة أخرى يقول ” قد تبطلتم عن المسيح، [انفصلتم] أيها الذين تتبررون بالناموس. سقطتم من النعمة” (غل4:5).

 

    يو10:5 ” فقال اليهود للذي شُفي: إنه سبت لا يحل لك أن تحمل سريرك “.

          اعتقد أنه من المناسب جدًا أن يصرخ النبى فيهم قائلاً: ” اسمع هذا الشعب الجاهل والعديم الفهم، الذين لهم أعين ولا يبصرون” (إر21:5).

          لأنه أى شعب أكثر جهلاً من هذا الشعب؟ أو أشد بلادة منهم؟ لأنهم لم يتطرق إلى ذهنهم حتى مجرد التعجب بقوة الشافى: لكن إذ هم موبخون ويتسمون بالمرارة، وحاذقون فى ذلك وحده، فإنهم يُلقون باتهام كسر الناموس على الذى قد تعافى لتوه بصعوبة من مرض عُضال ظل معه طويلاً وبحماقة يأمرونه أن يقبع مكانه مرة أخرى، وكأن كرامة السبت تُحفظ بأن يبقى الإنسان مريضًا!.

 

يو11:5 ” أجابهم إن الذي أبرأني هو قال لي احمل سريرك وامشِ “.

          تزخر العبارة بأعمق معنى، وتنفر من عناد اليهود. إذ  بقولهم إنه ليس شرعيًا أن يحمل المرء سريره يوم السبت إلى بيته، مبتكرين اتهامًا بكسر الناموس ضد الذى شُفى، مما جعله يأتى أمامهم بدفاع أكثر إصرارًا، قائلاً إنه قد صدر له الأمر أن يمشى بواسطة ذاك، الذى استُعلن له بأنه واهب الصحة، وهو يذكر شيئًا من هذا القبيل، عن المستحق كل كرامة. وإنى أقول يا سادة إنه هو كذلك، حتى إن أمرنى أن أخالف السبت، فهو صاحب القوة العظيمة وصاحب النعمة، الذى خلّصنى من مرضى. لأنه إن كان الامتياز فى تلك الأمور لا يخص أى عابر بالصدفة بل يليق بالله الذى له القوة والقدرة، فكيف يخطئ فاعل تلك الأمور؟ أو إن الذى له القوة الإلهية، كيف يمكن أن يشير علىَّ بشيء لا يسر الله؟ إن للحديث فى ذاته معنى ما لاذعًا.

 

يو12:5، 13 ” فسألوه من هو الإنسان الذي قال لك احمل سريرك وامش.  أما الذي شُفي فلم يكن يعلم من هو لأن يسوع اعتزل إذ كان في الموضع جمع”

          ذهن متعطش إلى سفك الدماء، هو ذهن اليهود. لأنهم راحوا يتقصون من ذا الذى أمر بذلك، فى تصميم أن يشركوه مع الذى شُفى إعجازيًا [إذ على ما يبدو، كان الرجل الذى تعافى على وشك أن يغيظهم بخصوص السبت، ذاك الذى قد تخلص الآن من أتعاب لا تُحتمل ومن فخاخ صعبة، ونجا من أبواب الموت] لكنه لم يستطع إخبار طبيبه، بالرغم من أنهم استفسروا باجتهاد، إذ كان المسيح قد دبر عن قصد أن يحجب نفسه، حتى يتجنب ثورة غضبهم، وليس كما لو كان يتحمل أى ألم اضطرارى، فلو لم يرد أن يتألم لكان قد هرب، ولكنه اعتزل لكى يقدم مثالاً لنا فى هذا الأمر أيضًا.

 

يو14:5 ” بعد ذلك وجده يسوع في الهيكل وقال له ها أنت قد برئت. فلا تخطئ أيضًا لئلا يكون لك أشر”.

          وكما دبر اعتزاله فى بادئ الأمر، فإنه قد دبّر ظهوره أيضًا، إذ يحدد الزمن المناسب لكل من الأمرين. لأنه لا يليق بمن هو بلا خطية أن يفعل شيئًا دون أن يكون له سبب مناسب. إذن كان السبب فى حديثه إليه أن يقدم رسالة لشفاء نفسه، قائلاً إنه لا يليق به أن يخطئ مرة أخرى، وإلاّ تعذب عذابًا أشد بشرورٍ أعظم من الماضى. فهو هنا يعلّم أن الله ليس فقط يدخر تعديات الإنسان ليوم الدينونة (قابل رو5:2) بل بالأكثر ينذر الذين يعيشون فى الجسد، حتى ” قبل اليوم العظيم الشهير” (انظر أع20:2) يوم ذاك الذى سيدين الجميع. فنحن حينما نعثر ونحزن الله، فإننا كثيرًا ما نُصاب بأذى شديد، وهذا ما يشهد له الحكيم بولس صارخًا: ” من أجل هذا فيكم كثيرون ضعفاء ومرضى وكثيرون يرقدون. لأننا لو حكمنا على أنفسنا لما حُكم علينا ولكن إذ قد حُكم علينا نُؤدب من الرب لكى لا نُدان مع العالم ”  (1كو30:11ـ31).

 

يو15:5 ” فمضى الإنسان وأخبر اليهود أن يسوع هو الذي أبرأه “.

          ها هو الرجل يجعل يسوع معروفًا لليهود، لا لكى إذا فعلوا شيئًا ضده يُحسبون مجدفين، بل لكى إذا ما أرادوا هم أيضًا شفاءًا بواسطته أن يعرفوا هذا الطبيب العجيب. تأملوا كيف كان هذا هو هدفه. لأنه لم يأتِ كأحد الساعين لاصطياد خطأ، فراح يقول: ” إن يسوع هو الذى أمره أن يمشى يوم السبت”، بل قال ” هو الذى أبرأه“. لكن كان هذا جزءًا من عمل واحد، هو أن يعرّف الآخرون من هو طبيبه.

 

 

يو16:5 ” لهذا كان اليهود يطردون يسوع ويطلبون أن يقتلوه لأنه عمل هذا في سبت “.

          لا تحوى الرواية هنا علاقتها البسيطة بجنون اليهود، لأن الإنجيلى لم يكشف فقط أنهم يضطهدونه، بل لماذا احمروا خجلاً لعدم إتمامهم هذا الفعل، قائلاً بتأكيد واضح جدًا ” لأنه كان قد عمل هذا فى سبت“، لأنهم اضطهدوه بحماقة وتجديف، وكأن الناموس حرَّم عمل الخير يوم السبت، وكأنه لم يكن من الناموس أن تعطف على المريض وترأف به، وكأنه تحتم أن تهمل شريعة المحبة والشفقة الأخوية الممدوحة، ونعمة اللطف بطرق شتى. وأى من الأعمال الأخرى الصالحة التى يمكن للمرء أن يبين كيف منعها اليهود بطرق شتى، غير عالمين بقصد واضع الناموس بخصوص السبت. جاعلين حفظه فارغًا للغاية؟ لأنه كما قال المسيح نفسه فى موضع آخر ” ألاّ يحل كل واحد منكم فى السبت ثوره أو حماره من المزود ويمضى به ويسقيه؟ ” (لو15:13). ” وفى السبت تختنون الإنسان، فإن كان الإنسان يقبل الختان فى السبت لئلا يُنقض ناموس موسى: أفتسخطون علىَّ لأننى شفيت إنسانًا كله فى السبت” (يو23:7). وهم بسبب شدة عنادهم وارتباك عاداتهم، يفضّلون البهيمة على الإنسان المخلوق على صورة الله ظانين أن على المرء أن يشفق على خروف يوم السبت، ولا يُلام إذ هو خلصه من جوع أو عطش، بينما يتهمون بتعدى الناموس إلى أقصى درجة، من كان وديعًا صانعًا خيرًا لجاره فى يوم السبت.

          لكن لكى نرى أنهم فاقوا الحد فى انعدام الحس، حتى استحقوا بعدل سماع الصوت القائل: ” تخطئون إذ لا تعرفون الكتب ” (مت29:22) فلنفحص الأسفار الإلهية لنرى بوضوح، ان يسوع قد سبق التنبؤ عنه منذ زمان طويل كما فى مثال، أنه لا يحسب للسبت حسابًا. إذ أن الحكيم موسى [كما هو مكتوب] بعد أن طعن فى السن، قد رحل من بين البشر وانتقل إلى المساكن العلوية، بقضاء وحكم الله الذى يضبط الجميع، وورّث يشوع ابن نون أمر قيادة إسرائيل. ولما صنف (يشوع) جيشًا قويًا قوامه عشرة آلاف جندى حول أريحا، مخططًا أن يستولى على البلاد ويهزمها، فإنه قد رتب مع اللاويين (يشوع6) أن يطوفوا بالتابوت حول أريحا ستة أيام كاملة، لكن فى اليوم السابع، أى فى يوم السبت أمر حشود جيشه الكثيرة أن يضربوا بالبوق، فسقطت أسوار المدينة، واندفعوا إليها واقتحموها واستولوا عليها دون الالتفات إلى أمر الراحة يوم السبت، ولم يرفضوا قبول النصر آنذاك، بسبب منع الناموس لهم، بل ولم يرفضوا قيادة يشوع لهم، بل دون ملامة حفظوا أمر الإنسان. وها هو الرمز: أنه حين يأتى الحق، أى المسيح، الذى حطم وقهر الفساد الذى أحاق بطبيعة الإنسان بسبب الشيطان، وإذ يُرى وهو يفعل ذلك فى يوم سبت، كما فيما سبق من بدء الفعل، فى حالة المفلوج، فإنهم قد استاءوا لذلك، وأدانوا طاعة آبائهم، غير محتملين أن تنتصر الطبيعة يوم السبت رغم أنها قُهرت بالمرض، وإلى هذا الحد بلغت غيرتهم فى اضطهاد يسوع الذى كان يصنع خيرًا فى يوم سبت.

 

يو17:5 ” فأجابهم يسوع: أبي يعمل حتى الآن وأنا أعمل “.

          يتحدث المسيح فى يوم سبت لأن معنى الكلمة حتى الآن تشير إلى ذلك، حتى يصبح لقوة الفكرة معناها اللائق، لكن اليهود غير المتعلمين، والذين لم يعرفوا من هو “الابن الوحيد” بالطبيعة، بل كانوا ينسبون إلى الله الآب وحده تسليم الناموس بموسى، مؤكدين أننا ينبغى أن نطيعه وحده، هؤلاء اليهود أراد أن يقنعهم بوضوح أنه يعمل كل الأشياء مع الآب وأن له، فى ذاته، طبيعة ذاك الذى ولده لأنه ليس مختلفًا عنه. وإذ أن له الجوهر نفسه، فإنه لن يفكر أبدًا إلاّ فيما يكون صالحًا لذلك الذى وَلَده. وإذ هو من ذات الجوهر فإنه يفعل الأشياء نفسها، إذ هو نفسه بالحرى مشورة الآب الحية وقوته، وهو مع الآب يعمل الكل فى الكل.

          إذن فلكى يطرح جانبًا ثرثرة اليهود الباطلة ولكى يخجل الذين يضطهدونه على هذه الأسس، ظانين أنهم فعلوا صالحًا إذ غضبوا، وكأنه قد ازدرى بكرامة السبت، لذا يقول لهم ” أبى يعمل حتى الآن وأنا أعمل” لأنه أراد تمامًا أن يشير إلى هذا الأمر: إن كنت تعتقد أيها الإنسان أن الله قد خلق كل الأشياء وضبطها بأمره ومشيئته ويأمر الخليقة يوم السبت أيضًا، إذ تشرق الشمس، وتتفجر الينابيع بالمطر، وتعطى الأرض ثمرها، فلا تأبى الإثمار بسبب السبت وتؤدى النيران دورها، وتخدم احتياجات الإنسان بلا مانع، معترفة ومُقرة أن الآب يعمل أعماله الإلهية فى يوم سبت أيضًا. [لهذا يقول لهم] لماذا إذن ودونما تأدب تتهمون الذى لا يزال الله الآب يعمل به كل الأشياء؟ لأن الله الآب لا يعمل بطريق آخر سوى بواسطة قوته وحكمته أى الابن: لهذا يقول ” وأنا أعمل” فهو إذن يخزى مجادلاتهم السخيفة الصادرة عن عقل مضطهديه الطائش، موضحًا أنهم لا يعارضونه هو نفسه هكذا بشدة، بل بالأحرى يتكلمون ضد الآب، الذى كانوا يغارون له وحده، بأن ينسبوا له كرامة الناموس، إذ لم يكونوا بعد يعرفون الابن الذى هو منه وبه بالطبيعة. لهذا السبب هو يدعو الله بشكل خاص أباه الذاتى، ليقودهم إلى هذا الدرس السامى والعظيم جدًا بمهارة فائقة.

 

يو18:5 ” فمن أجل هذا كان اليهود يطلبون أكثر أن يقتلوه لأنه لم ينقض السبت فقط بل قال أيضًا إن الله أبوه معادلاً نفسه بالله “.

          إن ذهن اليهود مختوم عليه بالقساوة، لهذا احتاجوا إلى الشفاء، وهم مرضى جدًا، حتى يسمعوا بعدل الصوت القائل: ” كيف تقولون نحن حكماء” (إر8:8). لأنه كان يجب تلطيف ميولهم ليتحوّلوا بتعقل مناسب إلى التقوى، فإنهم رغم ذلك يخططون لقتل الذى يثبت بأعماله، أنه لم يتعدَ الناموس الإلهى أبدًا، بشفائه إنسانًا فى يوم السبت. واهتاجوا فى غضب بسبب السبت، ووصموه بتهمة التجديف، فأسقطوا أنفسهم فى شباك تعدياتهم ليقعوا فى الغضب الأبدى (قابل أم22:5). إذ كانوا يبدون أتقياء فى انزعاجهم من أنه وهو إنسان يقول إن الله أبوه. لأنهم لم يعرفوا أن الذى أخذ شكل العبد لأجلنا هو الله الكلمة، هو الحياة النابع من الله الآب، أى الابن الوحيد، الذى هو وحده ابن الآب بالطبيعة بحق وبعدل، أما بالنسبة لنا فهو ليس هكذا بأى حال لأننا نحن أبناءٌ بالتبنى. وقد أصعدنا إلى سمو فوق طبيعتنا بمشيئة ذلك الذى كرَّمنا. ونلنا لقب آلهة وأبناء بسبب المسيح الذى يسكن فينا بالروح القدس. وإذ حصروا نظرهم فى الجسد فقط ولم يعرفوا الله الساكن فى الجسد، لم يتحملوا أن تكون قامته فوق طبيعة الإنسان، بقوله إن الله أبوه [لأنه بقوله، أبى، (آية17)، قد أوحى بتلك الفكرة بشكلٍ معقول]، لكنهم يعرفون أن الذى يكون أبوه هو الله، لابد أن يكون معادلاً له بالطبيعة، وفى هذا وحده كان إدراكهم صائبًا: لأن الأمر هو كذلك وليس سواه. وحيث إن الكلمة تحمل هذا المعنى تمامًا، فإنهم يسمعون كلام الحق المستقيم وهم أشد غضبًا.

 

+++++++

 

1 من تفسير القديس كيرلس للإصحاح الخامس من الإنجيل حسب القديس يوحنا من آية 1 ـ 18.

2  أى تجعلهم يتولون أى يعطون القفا لا الوجه، فلا يبصرون.

 

شفاء مريض بركة بيت حسدا – ق. كيرلس الأسكندرى – د. نصحي عبد الشهيد

لقاء المسيح مع السامرية – ق. كيرلس الأسكندرى – د. نصحي عبد الشهيد

لقاء المسيح مع السامرية – ق. كيرلس الأسكندرى – د. نصحي عبد الشهيد

لقاء المسيح مع السامرية – ق. كيرلس الأسكندرى – د. نصحي عبد الشهيد

 

 

الأحد الرابع

لقاء المسيح مع السامرية[1]

 

يو 4:4ـ 6 : ” وكان لابد أن يجتاز السامرة، فأتى إلى مدينة من السامرة يُقال لها سوخار بقرب الضيعة التي وهبها يعقوب ليوسف ابنه . وكانت هناك بئر يعقوب، فإذ كان يسوع قد تعب من السفر جلس هكذا على البئر وكان نحو الساعة السادسة” .

          عبر يسوع حدود اليهودية، وصار الآن وسط الغرباء، ثم استراح المُخلّص على “بئر يعقوب”: موضحًا لنا أيضًا في مثال غامض، أنه حتى إن انتقلت الكرازة بالإنجيل من أورشليم، وأسرع الكلمة الإلهى الخطى إلى الأمم، فإن إسرائيل لن يفقد حبه لآبائه، لكن سوف يلتصق بهم مرة أخرى، وسوف ينتعش أيضًا ويستريح، كما في قديسيه، حافظًا لهم النعمة الأولى بلا نقصان تلك التي لهم منذ القدم. لأنه يُحب أن يذكر قديسيه، ليجعل نفسه مثالاً لنا في هذا أيضًا، ويصبح بداية باب الكرامة المُعطاة للآباء. ولكن ” إذ قد تعب من السفر ” كما هو مكتوب، جلس، لكن بهذا أيضًا فهو يدين عدم قبول أولئك الذين طردوه. لأنهم بدلاً من أن يربحوا صداقته بالتكريم العطوف السخى، وبتوقيره ومخافته، كواهب للبركات، فإنهم أساءوا معاملته، وراحوا يرهقونه ويدفعونه إلى بذل جهدٍ شاق، ليصدق قوله عنهم في سفر المزامير ” يجازوننى عن الخير شرًا ” (مز12:35).

يو8،7:4 :” فجاءت إمرأة من السامرة لتستقى ماءًا: فقال لها يسوع، أعطينى لأشرب، لأن تلاميذه كانوا قد مضوا إلى المدينة ليبتاعوا طعامًا “.

          لم يكن المخلّص يجهل أمر مجىء المرأة، لأنه عرف ذلك تمامًا لكونه الله ذاته، أنها ستأتى هناك لتستقى الماء البارد من البئر. وإذ قد جاءت، بدأ يتهيأ لاقتناص فريسته وسط متاعبه، وبدأ مباشرةً بكلمة التعليم، فقد جعل حديثه من واقع الأمر الذي أمامه. لقد عيّن الناموس لليهود ألاّ يتدنسوا بأية طريقة، ولهذا أمرهم بالابتعاد عن كل شئ نجس وألا يختلطوا بالغرباء أو غير المختونين (لا2:5 ،3). لكنهم حمَّلوا الوصية فوق طاقتها، واتبعوا فرائض فارغة جدًا، أكثر من إتمام الناموس بدقة، فجاهدوا ألاّ يلمسوا جسد غريب، ودأبوا على الاعتقاد بأنهم سيتنجسون أكبر نجاسة، إن تقابلوا مع السامريين في أى شئ. وهكذا كان اختلافهم قد بلغ هذا الحد، حتى أنهم امتنعوا حتى عن تذوق الماء أو الطعام الذي يجلبه لهم الغرباء. إذن فلكى تتعجب المرأة وتندهش، ومن ثم يدفعها مسلكه الغريب إلى سؤاله مَن أنت، ومن أين أتيت، وكيف أنه يزدرى بالعادات اليهودية، وفي النهاية يبلغ الحديث مقصده ـ لكى يحدث كل هذا ـ تكلم الرب كعطشان قائلاً:  ” أعطينى لأشرب ” لكنها قالت …

 

يو9:4 : ” فقالت له المرأة السامرية كيف تطلب منى لتشرب، وأنت يهودى وأنا إمرأة سامرية؟ لأن اليهود لا يعاملون السامريين” .

          التساؤل بدء التعلم، والشك بالنسبة لمَن يجهلون أى موضوع، هو أصل الفهم، وكانت تلك البداية هى قصد الحديث: حيث يلمح المخلص بحكمة إلى أنه لا يحسب أية قيمة لعادات اليهود.

 

يو10:4 : ” أجاب يسوع وقال لها: لو كنتِ تعلمين عطية الله ومَن هو الذي يقول لك أعطينى لأشرب لطلبتِ أنت منه، فأعطاكِ ماءًا حيًا” .

          إذ لا تدرك المرأة جوهر الابن الوحيد، الذي يفوق السماء والأرض، وإذ تجهل تمامًا مَن هو الكلمة المتجسد، فإنها تدعوه يهوديًا. أما هو فقد صمت حيال ذلك لأجل منفعتها، حتى يمسك بأطراف الحديث معها. لكن هل رفعها إلى إدراك أسمى عن نفسه، بقوله لها أنها لا تعرف مَن يكون هذا الذي يسألها أن يشرب، أو عظم النعمة التي تنجم عن العطايا الإلهية، لأنها لو كانت تعرف، ما احتملت أن تتخلف عن خدمته، لأنها كانت ستمنع الرب من السؤال. إذن فقد أثار هو فيها بذلك، الرغبة القوية في التعلم. تأملوه الآن كيف يدير دفة حديثه بمهارة ودونما أى تفاخر، فهو يقول انه الله، لكن رغم هذا كانت المرأة بطيئة في الفهم. ولكى يجعلها تتعجب لعطية الله، قدّم نفسه لها بأنه هو واهب النعمة. لأنه إن كان يقول: ” لو تعلمين عطية الله ومَن هو هذا الذي يكلمك، لطلبتِ أنت منه ” فلمن يليق بنا أن نقدم ما يناسب الله؟ أليس للذي هو بالطبيعة الله؟

          لكنه يُسّمى الموهبة المحيية التي للروح القدس ” الماء الحى”، ويخبرنا الله بشئ مثل هذا بلسان إشعياء النبى أيضًا ” يمجدنى حيوان الحق. الذئاب وبنات النعام لأنى جعلتُ في البرية ماءًا أنهارًا في القفر، لأسقى شعبى مختارى، الذي جبلته لنفسى ليحّدث برفعتى ” (إش20:43، 21). ونص آخر عن القديسين يقول إن نفس البار ستكون ” كشجرة مثمرة وتنبت كالعشب في وسط المياه، وتغدوا كالصفصاف. بجانب المياه الجارية ” (إر12:31س).

          وفوق ذلك يمكننا أن نحشد العديد من الشهادات أيضًا من الكتاب المقدس حيث يكون من السهل جدًا إيضاح، أنه تحت اسم الماء، يُذكر الروح الإلهى دائمًا، لكن لا وقت لدينا للتباطؤ هنا. بل سنبحر إلى مواضع أخرى، منطلقين إلى بحر التأملات الإلهية الواسع.

 

يو11:4 : ” قالت له المرأة: يا سيد، لا دلو لك، والبئر عميقة، فمن أين لك الماء الحى؟”.

          لا تتخيل السامرية شيئًا أكثر، تلك التي اعتادت ممارسة أعمال السحر والخداع الشيطانى، أنه سيسحب لها الماء من اعماق البئر دون دلو أو شئٍ من هذا القبيل، لكنها دعت ذلك ” بالماء الحى ” بحسب فهمها هى، أى الماء العذب المتدفق حديثًا من عيون النبع.

 

يو12:4 : ” ألعلك أعظم من أبينا يعقوب الذي أعطانا البئر وشرب منها هو وبنوه ومواشيه؟ ” .

          وهنا كفّت المرأة من نفسها، إذ سرعان ما أدركت أنها قد كوّنت عنه أفكارًا لم تكن مقدسة ولا حقيقية بالمرة. لأنه كان من المستحيل أن لا تبلغ الفهم، وهى تتمتع تمامًا بالكلمات الإلهية، ولأنه لم يكن من المحتمل أن يكون المتكلم ساحرًا، بل بالحرى هو نبى، وأحد الفائقين في القداسة، وقد وعد أن يمدها بالماء الحى، من دون إحدى الوسائل العادية كالدلو، أو لأنها وجدت ماءًا أفضل لتستعمله من مصدر آخر، فقد غيرت حديثها على الفور إلى مَن هو أكثر وقارًا، وكما لو كانت استبدلت قديسًا بقديس قائلة: ” ألعلك أعظم من أبينا يعقوب الذي أعطانا تلك البئر؟” وبسبب ذكاء فكرها، لم تعد تتعجب من وعده لها بأن يحضر الماء من دون حبل، بل راحت تتحدث عن خواص هذا الماء من حيث المذاق.

 

يو13:4 ،14:” أجاب يسوع وقال لها: كل من يشرب من هذا الماء يعطش أيضًا، ولكن مَن يشرب من الماء الذي أعطيه انا فلن يعطش إلى الأبد. بل الماء الذي أعطيه يصير فيه ينبوع ماء ينبع إلى حياة أبدية”.

          تقترح المرأة السامرية، كسؤال يصعب إجابته، ” ألعلك أعظم من أبينا يعقوب” أما المخلص فبكل حكمة، يتجنب أى تباه، فلا يقول إنه أعظم من يعقوب، لكنه يحثها من خلال طبيعة الأشياء أن تقبله هو الذي يفوق الجميع. لهذا يكشف عن الفارق الذي لا يُقارن بين المياه الروحية، والمياه المادية الملموسة، قائلاً: ” كل مَن يشرب من هذا الماء يعطش أيضًا ” لكن الذي يمتلئ بمائى، لن يكف فقط عن العطش، بل يملك في داخله ” ينبوع ماء يرويه إلى ” حياة أبدية ” لهذا فإن من يعطى ما هو أكثر، هو أعظم من الذي يعطى ما هو أقل، ولا يمكن للمغلوب أن يحمل نفس مجد الغالب.

          ويجب أن نعرف أيضًا، أن المخلّص هنا يُسَّمى نعمة الروح القدس بالماء، الذي إذا اشترك فيه أحد، تصير له موهبة التعليم الإلهى التي تفيض على الدوام في داخله، فلا يعود يصبح بحاجة إلى أن يعلّمه الآخرون، بل بالحرى يتوفر لديه ما يحث هو به المتعطشين إلى الكلمة الإلهى السماوى، مثلما كان البعض الذين لايزالون في هذه الحياة الحاضرة على الأرض، كالأنبياء والرسل، وورثتهم في الخدمة الرسولية، الذين كُتب عنهم،” فتستقون مياهًا بفرحٍ من ينابيع الخلاص ” (إش3:2).

 

يو15:4 : ” قالت له المرأة: يا سيد أعطنى هذا الماء لكى لا أعطش ولا آتى إلى هنا لأستقى” .

          للمرة الثانية لا تزال تتكلم وتتخيل أمورًا عادية فقط، ولم تدرك شيئًا مما قيل، لكنها تفترض أن التحرر من متاعب ومشقة (الاستقاء بالقدور وآنية الماء)، يشّكل كل قصد مخلصنا، وأنها لن تعطش أبدًا وهكذا تصورت قياس نعمة الله، دون أن ترتفع بالفكر لتنال الأمور التى هى فوق العالم.

 

يو16:4 : ” قال لها يسوع : اذهبى وادعى زوجك وتعالى إلى ههنا “.

أظن أن الرب طلب من المرأة أن تدعو زوجها، لأنه وجد أن قلبها بطئ جدًا في التعلّم، ولم يتمرس بكلمات الحكمة، كما أن الرب فى نفس الوقت يهدف إلى شئ آخر جميل جدًا.

 

يو18،17:4 : ” أجابت المرأة وقالت ليس لى زوج. قال لها يسوع: حسنًا قلتِ ليس لى زوج. لأنه كان لك خمسة أزواج والذي لك الآن ليس هو زوجك. هذا قلتِ بالصدق “.

          لمَن من الناس لا يتضح الآن أن المخلّص كان لا يجهل أن المرأة محرومة من زوج شرعى، وأنه لما سألها عن زوج غير موجود، أراد أن يكشف أمورًا خفية؟ لأنه بذلك استطاع أن يجعلها تتعجب منه، ليس كواحدٍ منا، بل كمَن هو فوق الإنسان، ذلك بسبب معرفته العجيبة بأحوالها ولكى ينفعها وافق على قولها إنها بغير زوج، بالرغم من أن لها كثيرين، فالذي يجعل الزواج بلا لوم، ليس الاجتماع معًا لأجل اللذة، بل هو موافقة الشريعة ورابطة الحب الطاهر.

 

يو19:4 : ” قالت له المرأة : يا سيد، أرى أنك نبى “

          كان من الصعب عليها أن تبلغ حد الفهم، كما أن إدراكها لم يكن كاملاً، لأنها لا تزال تدعو رب الأنبياء، نبيًا. لكنها بدأت تتحسن تدريجيًا أكثر من ذى قبل، وإذ لم تخجل من التوبيخ، اقتنصت قوة الآية لمنفعتها وهكذا راحت تنتقل من فهمها الأنثوى، لتبلغ ذهنًا قويًا إلى حدٍ ما …، فتمتد بعين قلبها إلى رؤية للأمور أفضل. ونحن أيضًا ينبغى أن يزداد اعجابنا بمخلّصنا لحكمته وطول أناته وقوته، إذ يحوّل بسهولة فهمنا العاجز غير المُدّرب إلى حالة جديرة الاعجاب.

 

يو20:4 : ” آباؤنا سجدوا في هذا الجبل وأنتم تقولون إن في أورشليم الموضع الذي ينبغى أن يُسجد فيه”.

          إذ تدرك السامرية أن الرب هو في الحقيقة نبى ويهودى، فإنها تفتخر بالأكثر بعادات بلدها وتؤكد أن السامريين أسمى في الحكمة من اليهود. لأن اليهود إذ يعرفون مفاهيم بدائية عن الطبيعة الإلهية غير الجسدانية يقولون إنه في أورشليم وحدها، أو فى جارتها، صهيون، ينبغى أن يُعبد الله الكائن فوق الكل، وكأن الطبيعة الكاملة غير المنطوق بها وغير المدركة قد اتخذت لنفسها موضعًا هناك فقط وظلت فيه، وحُبست في الهياكل المصنوعة بالأيدى. لهذا حُكم عليهم بصوت الأنبياء أنهم عديمو الفهم تمامًا، إذ يقول الله ” السماء كرسى لى والأرض موطئ لقدمى، أى بيت تبنون لى يقول الرب وأى هو مكان راحتى؟ ” (أع49:7ـ من إش1:46)، وقد كان السامريون بعيدين قليلاً عن حماقة اليهود، مع بقائهم قريبين من حدود بلادهم، ومثلهم أيضًا بلا استنارة، مفترضين أنهم ينبغى أن يصلوا لله ويعبدوه في جبل جرزيم، وهكذا لا يفلتون من السخرية بهم! لكن حجتهم في انعدام حسهم أن البركة قد مُنحت في جبل جرزيم، كما نقرأ في التثنية (تث12:27). وتعرض المرأة تلك المسألة على المخلّص، وكأنها معضلة خطيرة وصعبة بعض الشئ قائلة ” آبائنا سجدوا في هذا الجبل “.

 

يو21:4 : ” قال لها يسوع: يا إمرأة صدقينى أنه تأتى ساعة لا في هذا الجبل ولا في أورشليم تسجدون للآب “.

          ويلوم الرب حماقة الجميع على السواء، قائلاً إن أسلوب العبادة في كلا الحالين سوف يتغير وينتقل إلى ما هو حقيقى. إذ يقول لا يكون البحث منصبًا بعد على مكان ما، يتصورون أن الله يسكن فيه، بل إذ هو يملأ الكل ويحوى الكل ” يسجد له الناس كل واحد في مكانه” كما يقول أحد الأنبياء القديسين (صف11:2س). ويقول الرب إن حلوله في العالم بالجسد هو الوقت والزمن المناسب لتغيير تلك العادات.

          تأملوا كيف كان حديثه لطيفًا رقيقًا للغاية، يرشد ذهن المرأة إلى المفاهيم الصحيحة بخصوص الابن، إذ يدعو الله بالآب؛ لأنه لو لم يكن الابن موجودًا لما أمكن معرفة الآب على الاطلاق.

 

يو22:4 : ” أنتم تسجدون لما لستم تعلمون، أما نحن فنسجد لما نعلم، لأن الخلاص هو من اليهود “

          يتحدث المسيح مرة أخرى كيهودى وكإنسان [ولأن المسيح لم يكن يترك الفرصة السانحة دونما نفع للآخرين]، لكنه مع هذا يوضح شيئًا آخر أكثر بخصوص مفهوم عبادة اليهود. لأن السامريين يعبدون الله بسذاجة ودون فحص. بينما اليهود قد استلموا بالناموس والأنبياء معرفة ذاك الذي هو الكائن بقدر استطاعتهم. لهذا يقول الرب إن السامريين ” لا يعلمون ” لكن اليهود لهم معرفة طيبة، وهذا ما يؤكد أن الخلاص سوف يظهر منهم، أى هو نفسه الخلاص، لأن المسيح هو من نسل داود حسب الجسد، وداود من سبط يهوذا. فالذي يُعبد مع الآب بواسطتنا نحن والملائكة والقديسين قد وضع نفسه كإنسان في عداد الساجدين، لأنه إذ لبس ثوب العبد، لذلك فقد تمم الخدمة اللائقة بعبد، دون أن يفقد كونه الله والرب الذي تحق له العبادة، لأنه يظل كما هو لا يتغير، رغم أنه صار إنسانًا مبقيًا على تدبير خطة الخلاص بالجسد على الدوام.

فهو لا يسجد بصفته الكلمة والإله، لكنه إذ قد صار مثلنا، فقد أخذ على عاتقه أن يفعل هذا كما يناسب الإنسان، بسبب تدبير تجسده؛ ولن نبحث عن البرهان من الخارج، لكننا سنعرفه من كلماته هو نفسه، لأنه ماذا يقول للمرأة السامرية؟ ” أنتم تسجدون  لما لستم  تعلمون، أما نحن  فنسجد  لما نعلم ” (22) أليس من الواضح جدًا إذن، ولكل أحد أنه باستخدامه صيغة الجمع حاسبًا نفسه مع أولئك الذين يسجدون عن ضرورة وعن عبودية قد فعل هذا وهو في الطبيعة البشرية التي هى فى وضع العبودية، ولهذا فهو يقول هذا الكلام؟ وإلاّ فأخبرنى ما الذي كان يمنعه من أن ينسب السجود إلى أقنومه الذاتى “لاهوته”، لو أنه كان يرغب في أن نعرفه كعابد. لأنه كان ينبغى أن يقول بالحرى “أنا أعرف لمن أسجد”. فعندما لا يكون معدودًا مع الباقين، تكون له قوة الكلام قاصرة على نفسه وحده، لكنه الآن وبتعبير فائق الروعة وكامل الدقة يقول “نحن” إذ قد صار ضمن رتبة العبودية بسبب إنسانيته، كمعدود بين الساجدين وكيهودى بحسب الوطن.

يو23:4ـ25 : ” ولكن تأتى ساعة وهى الآن حين الساجدون الحقيقيون يسجدون للآب بالروح والحق. لأن الآب طالب مثل هؤلاء الساجدين له. الله روح. والذين يسجدون له فبالروح والحق ينبغى أن يسجدوا “.

          هو الآن يتحدث عن حضوره الشخصى فى الزمان الحاضر، ويقول إن المثال قد تحول إلى الحق، وإن ظل الناموس قد انتقل إلى العبادة الروحية: ويخبرنا أنه من خلال تعليم الإنجيل، فإن الساجد الحقيقى أى الإنسان الروحانى، سوف ينجذب إلى الرعية التى تُسَّر قلب الآب، مسرعًا إلى الانضمام إلى أهل بيت الله (oikeityti) لأن الله يُعرف بأنه روح، بالمقارنة بالطبيعة الجسدانية. لهذا هو يقبل بحق الساجد بالروح،الذي لا يحمل في الشكل أو المثال صورة التقوى اليهودية، لكنه بطريقة الإنجيل، إذ يصير مضيئًا بممارسات الفضيلة وباستقامة التعاليم الإلهية، فإنه يتمم العبادة الحقة الصادقة.

 

يو25:4 ” قالت له المرأة: أنا أعلم أن مسَّيا الذي يقال له المسيح يأتى. فمتى جاء ذاك يخبرنا بكل شئ “

          بحسب تعليم المسيح فإن الساعة والوقت سوف يأتيان، بل بالحرى قد حضرت الآن الساعة التي فيها سيقدم الساجدون الحقيقيون العبادة لله الآب بالروح. وعلى الفور حلّقت المرأة إلى أفكار فوق ما اعتادت عليه، إلى الرجاء الموجود منذ القديم عند اليهود. فهى تقول إنها تعرف أن المسيا سوف يأتى في وقته الخاص، ولكنها لم تقل بالضبط لمَن سيأتى، هى قد قبلت المعلومات الشائعة دون أى فحص، فهى إمرأة محبة للهو وذات فكر جسدانى، ومع ذلك فهى لا تجهل تمامًا أنه سيظهر لإسرائيل كمن سيأتى بتعليم أفضل، إذ أنها بالتأكيد قد وجدت هذه المعلومات أيضًا في الأخبار التي قيلت عنه.

 

يو26:4 : ” قال لها يسوع: أنا الذي أكلمك هو ” .

          لا يعلن المسيح ذاته للنفوس غير المتعلمة أو الجاهلة جهلاً مطبقًا، بل يشرق بالحرى ويظهر لأولئك الذين هم أكثر استعدادًا واشتياقًا للتعلم، ولكنهم إذ يتمخضون في بداية إيمانهم بكلماتٍ بسيطة، ينطلقون إلى الأمام، إلى معرفة ما هو أكثر كمالاً. والمرأة السامرية هى مثال لهذا النوع من الأشخاص التي كشف لنا (الإنجيل) عنها، والتي كان لها عقل بطئ الفهم من جهة الأفكار الحقيقية، لكنها مع هذا لم تكن بعيدة بعدًا تامًا عن الرغبة في الفهم. لأنها أولاً، وحين طلب المسيح منها أن يشرب، لم تعطه الماء في الحال، بل إذ رأته يكسر العادات القومية لليهود، راحت أولاً تبحث عن السبب في هذا، وإذ بدأت تذكر ذلك، طلبت من الرب أن يشرح لها، إذ تقول ” كيف تطلب منى لتشرب، وأنت يهودى وأنا إمرأة سامرية؟ ” لكن مع الاستطراد في الأسئلة، بدأت تنتقل إلى الاعتراف بأنه كان نبيًا، إذ تلقت توبيخه دواء للخلاص، ثم أضافت استفهامًا آخر قائلة في غيرة من أجل التعلم: ” آباؤنا سجدوا في هذا الجبل وأنتم تقولون إن في أورشليم الموضع الذي ينبغى أن يُسجد فيه“، لكنه كان يعلم للمرة الثانية، أن الزمان سيحل، بل وقد أتى الآن فعلاً، حين الساجدون الحقيقيون، وقد رفضوا السجود على جبال الأرض، سوف يقدمون العبادة السامية والروحية لله الآب. وهى إذ تنسب أفضل الأشياء على أنها تحق للمسيح وحده، فإنها تحتفظ بالمعرفة الكاملة جدًا لأزمنة المسَّيا، فتقول،   ” نحن نعلم أن مسَّيا الذي يُقال له المسيح يأتى، فمتى جاء ذاك يخبرنا بكل شئ ” (25). أرأيت كيف كانت المرأة مستعدة للإيمان، وتبدو كأنها ترتقى سُلّمًا، وهى تقفز من أسئلة صغيرة إلى حالة أعلى بكثير، لهذا كان من الصواب أن يكشف لها الآن ما كانت تتوق إليه بكلام أكثر وضوحًا، فراح يخبرها بما كان محفوظًا كرجاء صالح، وها هو قد صار الآن أمام ناظريها: ” أنا الذي أكلمك هو“.

 

يو27:4 : ” وعند ذلك جاء تلاميذه ” .

          جاء التلاميذ عند ختام حديثه مع المرأة. لأن المخلص كان قد صمت عن الكلام، وإذ قد وضع شرارة الإيمان المتوهجة بين السامريين، فإنه قد أودعها في أعضائهم الداخلية لتشتعل وتصير لهبًا عظيمًا، وهكذا يمكنكم أن تفهموا ما قاله ” جئت لألقى نارًا على الأرض فماذا  أريد لو  اضطرمت ” (لو49:12).

 

” وكانوا يتعجبون أنه يتكلم مع إمرأة “

          اندهش التلاميذ مرة أخرى من لطف المخلص، وتعجبوا لأسلوبه الوديع. بعكس أسلوب البعض الذين في تدينهم الصارم يتسمون بالقسوة، لأنه لم يرَ من المناسب أن يتجنب الحديث مع المرأة، لكنه كشف عن محبته الرؤوفة للجميع، وبذلك يُظهر، أنه إذ هو الواحد الخالق الكل، لا يعطى للرجال فقط حياة بالإيمان، بل يجتذب أيضًا جنس النساء إلى هذه الحياة.

          وعلى مَن يعلّم في الكنيسة أن يتخذ هذا أيضًا كنموذج، ولا يرفض مساعدة النساء. لأنه ينبغى على المرء في كل الأمور ألا يتبع ارادته الخاصة، بل يعمل لخدمة الكرازة.

 

” ولكن لم يقل احد ماذا تطلب؟ أو لماذا تتكلم معها؟ “

          كان عمل التلاميذ الحكماء، والذين يعرفون كيف يحفظون كرامة معلمهم أن لا يظهروا بأسئلتهم التافهة أنهم قد انخرطوا في ظنون غريبة، لأنه كان يتكلم مع إمرأة، بل بالحرى ألجموا ألسنتهم في أفواههم في وقار ومخافة، منتظرين ربهم أن يتكلم من ذاته، ليعطيهم باختياره شرحًا مناسبًا. وهكذا فإننا نتعجب للطف المسيح، ونتعجب أيضًا لحكمة التلاميذ وفهمهم ومعرفتهم بما يليق.

 

يو28:4 : ” فتركت المرأة جرتها ومضت إلى المدينة  وقالت للناس”.

          بدت المرأة الآن وقد ارتفعت بنفسها فوق اهتمامات الجسد، تلك التي كانت منذ يومين أو ثلاثة زوجة لكثيرين، والذين كان من السهل أن تأسرهم اللذات الباطلة، والآن هى تعلو فوق الجسد وفوق احتياجاته الضرورية، فتهمل حتى العطش والشرب، ويُعاد تشكيلها إلى حالة أخرى بواسطة الإيمان. وفي الحال إذ قد مارست المحبة تاج الفضائل، وإذ كانت لها عاطفة مُحبة للقريب، ذهبت بكل اجتهادها واشتياقها إلى الآخرين أيضًا لتكرز لهم بالصلاح الذي ظهر لها، ولهذا أسرعت إلى المدينة، فربما أخبرها المخلص وهمس في ذهنها سرًا: ” مجانًا أخذتم، مجانًا أعطوا ” (مت8:10). فلنتعلم نحن إذن ألا نحاكى الخادم محب الكسل والذي أخفى وزنته (مت18:15) في الأرض، بل بالحرى فلنكن مجتهدين في المتاجرة بها. هذا الصنيع الحسن هو ما فعلته أيضًا تلك المرأة التي شاع ذكرها؛ إذ نقلت للآخرين الخير الذي حصلت عليه، دون أن تأخذ معها الماء الذي جاءت لتسحبه من أعماق البئر، ولم تحمل جرتها التي من الطين معها إلى بيتها، بل بالحرى حملت النعمة الإلهية السماوية، والتعليم المملوء حكمة الذي للمخلّص، والذي ملأ كل مكامن ذهنها وادراكها.

          علينا نحن إذن أن نتعلّم، كما في مثال وإطار، أننا باحتقارنا للأشياء الجسدية والتافهة احتقارًا كاملاً، فإننا ننال من الله أمورًا عديدة أكثر وأحسن. لأن ما هو الماء الأرضى إذا ما قورن بالحكمة السماوية؟

 

يو29:4 : ” هلموا انظروا إنسانًا قال لى كل ما فعلت، أليس هذا هو المسيح؟”.

          ياللتحول العجيب! يالقدرة الله العظيمة حقًا، التي تكشف عجائب لا يُنطق بها! إن المرأة الحاذقة في العمل بالتعليم، بادرت وهى تلك التي لم تفهم أيًا من الأمور التى قيلت أولاً، ولهذا سمعت بصواب ” اذهبى وادعى زوجك وتعالى إلى ههنا “، فانظروا كيف تحدثت بمهارة مع السامريين. فلم تقل إنها وجدت المسيح، كما أنها لم تُدخل يسوع في روايتها في بادئ الأمر. لأنها كانت ستُرفض حتمًا، وعن حق، لو أنها تكلمت بكلام يفوق قياس الكلمات المناسبة لها. إذ أن سامعيها لا يجهلون عاداتها، لهذا فهى تمهد الطريق لهذه الأعجوبة، وإذ قد أدهشتهم بالمعجزة أولاً، فإنها تجعل الطريق أيسر إلى الإيمان، إن جاز التعبير. وقالت بحكمة: ” هلموا انظروا ” صارخة بصوت عال وبجدية عظيمة. ويكفى النظر فقط للإيمان، إذ يؤكد للحاضرين أعاجيبه الجديرة بالإلتفات. لأن الذي يعلم الخفايا، وله هذه الكرامة العظيمة، كيف لا يسرع بسخائه ليحقق تلك الأمور التي يشاءها؟

 

يو30:4 : ” فخرجوا من المدينة وأتوا إليه “.

أظهر السامريين أنفسهم مرتفعين فوق حماقة اليهود، وبالطاعة انتصروا على جهل اليهود المتأصل فيهم. إذ أصغوا إلى معجزة واحدة فقط، فأسرعوا مهرولين إلى يسوع، دون أن يكون الأنبياء القديسون قد سبقوا قبلاً وأقنعوهم بأصواتهم، أو بإعلانات موسى ولا حتى بشهادات يوحنا الفعلية، بل أخبرتهم عنه إمرأة واحدة فقط، كانت خاطئة.

 

يو31:4 : ” وفي أثناء ذلك سأله تلاميذه قائلين: يا معلم كُلْ “

          نجح الإنجيلى الإلهى بشكل فائق للغاية في وضع هذا الكتاب، ولم يحذف شيئًا يعتقد أنه يمكنه أن ينفع القراء. اسمع إذن كيف يقدم يسوع مرة أخرى كمثال لفعل جدير بانتباهنا جدًا. لأنى لا أظن أن شيئًا ما قد وُضع هكذا عبثًا في الكتب المقدسة، لكن ما يحسبه أى أحد أنه ذو شأن قليل، يجده أحيانًا مملوءًا بنفع لا يمكن ازدراؤه. وإذ قد بدأ السامريون يتحولون ويبحثون عنه: لهذا قصد قصدًا كاملاً ومطلقًا خلاص أولئك المدعوين، فلم يولِ الطعام الجسدانى اهتمامًا، بالرغم من أنه ” قد تعب من السفر” (آية6) كما هو مكتوب: وبهذا أيضًا ينفع المعلّمين في الكنائس، أن يستخفوا بكل تعب، وأن تكون لهم غيرة عظيمة لأجل خلاص الآخرين، أكثر من اهتمامهم بأجسادهم. إذن لكى نعرف نحن أيضًا أن الرب كان قد اعتاد أن يجول دون طعام في مثل تلك الأوقات، نرى الإنجيلى يقدم لنا التلاميذ وهم يترجون الرب، أن يأخذ ولو قليلاً من الطعام الذي أحضروه، كطعام ضرورى لا غنى عنه، لأنهم كانوا ” قد مضوا إلى المدينة ليبتاعوا طعامًا” (آية 8)، وكانوا قد أتوا به الآن فعلاً. فقال لهم ” أنا لى طعام لآكل، لستم تعرفونه أنتم“. صاغ المخلّص إجابته بحذق مما كان أمامه. إذ كان يتكلم بشكل سرى. فلو كانوا قد عرفوا أن تحول السامريين أوشك أن يتم، لكانوا قد طلبوا إليه بالحرى أن يتمسك بأمر أكثر رفعة من طعام الجسد. ومن هذا أيضًا نعرف مقدار حبه العظيم نحو الإنسان: لأنه يعتبر رجوع الضال إلى الخلاص هو طعامه ولذته.

 

يو33:4 : ” فقال التلاميذ بعضهم لبعض: ألعل أحدًا أتاه بشئ ليأكل؟ “.

          وإذ لم يفهم التلاميذ بعد، الكلام الذي بدا غامضًا لهم، كانوا يفكرون فيما كان يحدث بينهم أحيانًا كثيرة، وانحدروا إلى درك الأفكار، متخيلين أن أحدًا قد أحضر طعامًا، وربما كان هذا الطعام أغلى وأحلى مما جلبوه معهم!

 

يو34:4 : ” فقال لهم يسوع طعامى أن أعمل مشيئة الذي أرسلنى وأتمم عمله”.

يقدّم يسوع نفسه كمثال لمعلّمى العالم مستقبلاً، بغيرة متفاضلة وفائقة كثيرًا، ليتبصروا من جهة إيثار واجب التعليم، وعلى هذا الأساس يليق بهم أن يعتبروا حاجات الجسد في المرتبة الثانية. إذ بقوله إن طعامه الذي يسره هو أن يفعل مشيئة ذاك الذي أرسله وأن يتمم عمله فإنه يرسم ملامح الخدمة الرسولية ويوضح بجلاء أى نوع من الرجال ينبغى أن يكونوا في سلوكهم. كان من الضرورى أن يهتموا بالتعليم فقط، ويليق بهم أن ينصرفوا تمامًا عن ملذات الجسد، وفي بعض الأحيان والأوقات قد يضطرون للاستغناء حتى عن الخدمة الضرورية للجسد لحفظه من الموت!

          ولنقل هذا لأجل الوقت الراهن، لما هو لائق بخصوص نموذج ومثال الجماعة الرسولية. لكن إن كان ينبغى بالإضافة إلى ما سبق أن قيل، أن نشغل أنفسنا بالحديث أكثر عن التعليم، فإنه يقول بوضوح، إنه أُرسل بواسطة الله الآب، أما من جهة التجسد، الذي به أشرق على العالم جسديًا، بمسرة الآب الصالحة، أو كالكلمة الصادر من العقل الوالد، بكيفية ما، والمُرسَل والمُتمّم لأمره، لا باعتباره خادمًا لإرادات الآخرين. ولكونه هو ذاته الكلمة الحى وفي نفس الوقت مشيئة الآب فائقة الوضوح، فإنه يُخلّص حالاً أولئك الذين هلكوا . لذلك فإن القول ” إنه عمل الذي أرسله ” يبين أنه هو نفسه المتمم لهذا العمل: لأن كل الأشياء هى من الآب بالابن في الروح القدس.

 

يو35:4 : ” أما تقولون إنه يكون أربعة أشهر ثم يأتى الحصاد؟ “.

               ها هو يتخذ من مناسبات حديثة من جهة الزمن والحدث، ومن أشياء محسوسة بالفعل، وسيلة بها يشكّل اعلانه للأفكار الروحية. إذ كان الوقت لا يزال شتاءً بعد، ولا تزال سيقان القمح الهشة الرقيقة تبرز من سطح التربة، لكن بعد انقضاء أربعة أشهر، تنتظر أن تحصدها أيدى الحاصدين. [لهذا يصرح] ألا تقولون أيها الناس، هناك أربعة شهور لا تزال ويأتى الحصاد؟.

 

   “ها أنا أقول لكم ارفعوا أعينكم وانظروا الحقول. إنها قد ابيضت للحصاد”

          أى ارفعوا قليلاً أعين فهمكم عن شئون الأرض، واهتموا بالبذر الروحى، الذي نما فعلاً، وابيض في الأرض، وفي النهاية يطلب منجل الحصاد لنفسه. لكن من المشابهة بالأمور في الحياة الفعلية، سترون ما يعنيه هذا الأمر. لأنكم ستدركون أن البذر الروحى وحشود السنابل الروحية، هم أولئك الذين، إذ حُرِثوا قبلاً بصوت الأنبياء، يأتون إلى الإيمان بالمسيح. لكن البذر أبيض، إذ نضج فعلاً وصار جاهزًا للإيمان، وثابتًا للتقوى، لكن منجل الحصاد هو كلمة الكرازة المضيئة، تقطع سامعيها عن العبادة حسب الناموس، وتنقلهم إلى الأرض، أى إلى كنيسة الله، هناك يُعصرون ويُضغطون بالأتعاب الصالحة ليعطوا قمحًا نقيًا جديرًا بجرن ذلك الذي يجمعه إليه.

 

يو37،36:4 : ” والحاصد يأخذ أجرة ويجمع ثمرًا للحياة الأبدية لكى يفرح الزارع والحاصد معًا. لأنه في هذا يصدق القول أن واحدًا يزرع وآخر يحصد”.

          يقول إنه وقت الكلمة اللوغوس الذي يدعو إلى الإيمان، ويكشف للسامعين تحقيق غاية كرازة الناموس والأنبياء. لأن الناموس بخدمات رمزية، كما في ظلال قد ألمح إلى ذلك الذي يجب أن يأتى، أى المسيح، والأنبياء بعد الناموس، يفسرون كلمات الروح: ” لأنه بعد قليل جدًا” (عب37:10 قابل إش20:26). من هنا يشيرون إلى أنه أوشك على المجىء والحضور. لكنه إذ دلف إلى الأبواب، فإن كلمة الرسل لن تجعل ما كان منتظرًا، رجاءً بعيد المدى جدًا، بل سوف تستعلنه حاضرًا فعلاً بيننا وسوف “تحصد” من العبادة الناموسية أولئك الذين لا يزالون بعد تحت عبودية الناموس، والذين يقبعون في الحرف فقط، وسوف تنقلهم تلك الكرازة كحزم إلى النهج الإنجيلى ورعويته وسوف تقطع كذلك عبدة الأوثان من ضلال تعدد الآلهة، وتنقلهم إلى معرفة ذاك الذي هو بالحق، الله، ولكن نوجز الأمر كله بإحكام، فإنها ستنقل أولئك الذين يفتكرون في “ الأمور التي على الأرض” (كو2:3) إلى حياة الملائكة بواسطة الإيمان بالمسيح. ويقول هذا ما ستفعله كلمة الحاصدين، ومع هذا فلن تكون بلا “أجرة” لأنها سوف تجمع لهم فعلاً (ثمرًا) يزدهر إلى “حياة أبدية”، وهؤلاء الذين يقبلون هذا الثمر لن يفرحوا هم وحدهم فقط، بل لأنهم قد دخلوا على أتعاب وخدمات الأنبياء، وقد حصدوا البذار التي سبق وحرثها قبلهم (الأنبياء)، لذلك سوف يصبحون شركاء معهم، لكننى أظن أن الحكيم بولس، وقد تعلّم جيدًا أمثلة الأشياء العتيدة، يقول عن الآباء القديسين والأنبياء إنهم: ” كلهم مشهودًا لهم بالإيمان، لم ينالوا الموعد، إذ سبق الله فنظر لنا شيئًا أفضل لكى لا يكملوا بدوننا” (عب39:11،40). لأن المخلّص قصد صالحًا، أن الحاصد “سوف يفرح” مع مَن كان قد بذر قبله.

 

يو38:4 : ” أنا أرسلتكم لتحصدوا ما لم تتعبوا فيه. آخرون تعبوا وأنتم قد دخلتم على تعبهم “.

          ها هو في النهاية، يكشف لهم عن السر كله، وإذ قد أزال غطاء الكلمات المعتمة، جعل المعنى جليًا للغاية. لأن المخلّص وهو محب الأنبياء، ومحب الرسل، لم يجعل تعب أولئك منفصلاً عن أيدى الرسل، ولا نسب إلى الرسل القديسين على الاطلاق المجد الخاص بأولئك الذين يخلصون بالإيمان به، بل إذ خلط تعب كل منهم مع تعب الآخر في شركة العمل الواحد، يقول إن كرامة الواحد هى كرامة للاثنين معًا. فهو يؤكد أن الرسل قد دخلوا على تعب الأنبياء القديسين، فلم يجعلهم يقفزون فوق صيت الذين سبقوهم، بل يحثهم بالحرى أن يكرموهم، إذ سبقوهم في التعب والزمان. وهذا أيضًا درس نافع وجميل لنا.

 

يو39:4 : ” فآمن به من تلك المدينة كثيرون من السامريين بسبب كلام المرأة التي كانت تشهد أنه قال لى كل ما فعلت “.

          ها هو إسرائيل قد دين هنا مرة أخرى، وبسبب طاعة السامريين واستعدادهم للإيمان، يُوبخ بأنه غير راغب في المعرفة وقاسى القلب، لأن الإنجيلى يتعجب جدًا بسبب كثرة الذين آمنوا بالمسيح، قائلين ” بسبب كلام المرأة ” على الرغم من أن الذين تهذبوا بناموس المعرفة قبلاً، لم يقبلوا لا كلمات موسى، ولا أقروا أن عليهم أن يؤمنوا بأقوال الأنبياء، وهو بتلك الكلمات يمهد الطريق مقدمًا، أو بالحرى بحكمة يدافع مسبقًا، أن إسرائيل يجب وبحق أن تُطرح بعيدًا عن النعمة والرجاء الذي في المسيح وعوضًا عن ذلك يأتى ملء الأمم أو الغرباء الذين هم أكثر طاعة.

 

يو40:4 : ” فآمن به أكثر جدًا بسبب كلامه ” .

          يشرح الإنجيلى ما حدث في كلمات بسيطة، ومرة أخرى يعطى برهانًا آخر، أن إسرائيل بعدل يجب أن يطرح من رجائه، وأن يُطعِّم الغرباء في هذا الرجاء. لأن اليهود بظنونهم المُرّة والغير محتملة، كانوا يقاومون يسوع بالرغم من صنعه العديد من المعجزات أمامهم وقد سطع بمجده، بل ولم يخجلوا من أن يندفعوا في غضب شديد ليطردوه، وفي غيرة جامحة يخرجونه خارج مدينتهم. وهو الذي يهبهم كل الفرح. بينما يقتنع السامريون بسبب كلام المرأة، ويرجونه أن يأتى إليهم على وجه السرعة. وعندما أتوا إليه، بدأوا في غيرة يتوسلون إليه أن يأتى إلى مدينتهم، وأن يهبهم كلمة الخلاص، وسرعان ما استجاب المسيح لهم، عالمًا أن النعمة ستثمر فيهم. لأن ” كثيرين آمنوا بسبب كلامه ” فليعرف إذن مَن يحب الله ويتقيه، أن المسيح يرحل عن الذين يحزنونه، لكنه يسكن في قلوب الذين يفرّحونه بالطاعة والإيمان الصالح.

 

يو42:4 : ” وقالوا للمرأة إننا لسنا بعد بسبب كلامك نؤمن. لأننا نحن قد سمعنا ونعلم أن هذا هو بالحقيقة المسيح مخلّص العالم ” .

          ها هو إيمان السامريين ينبع من عظائم الأمور، وليس مما تعلموه من آخرين، بل مما تعجبوا هم أنفسهم بسماعه بأذانهم، لأنهم يقولون إنهم “يعرفون إنه هو مخلّص العالم حقًا”، جاعلين من الاعتراف برجائهم فيه عربون إيمانهم.

 

+++++++

1 من شرح القديس كيرلس للإصحاح الرابع من الإنجيل حسب القديس يوحنا.

 

لقاء المسيح مع السامرية – ق. كيرلس الأسكندرى – د. نصحي عبد الشهيد

مثل الابن الضال – ق. كيرلس الأسكندرى – د. نصحي عبد الشهيد

مثل الابن الضال – ق. كيرلس الأسكندرى – د. نصحي عبد الشهيد

 

مثل الابن الضال – ق. كيرلس الأسكندرى – د. نصحي عبد الشهيد

 

مثل الابن الضال

(الأحد الثالث من الصوم الكبير)

 

للقديس كيرلس الأسكندرى

 

مثل الابن الضال

 

للقديس كيرلس الأسكندرى

لوقا 15 : 11- 32

          ” وقال : إنسان كان له ابنان. فقال أصغرهما لأبيه يا أبى أعطني القسم الذي يصيبني من المال. فقسم لهما معيشته. وبعد أيام ليست بكثيرة جمع الابن الأصغر كل شئ وسافر إلى كورة بعيدة وهناك بذر ماله بعيش مُسرف. فلما أنفق كل شئ حدث جوع شديد في تلك الكورة فابتدأ يحتاج . فمضى والتصق بواحد من أهل تلك الكورة . فأرسله إلى حقوله ليرعى خنازير. وكان يشتهى أن يملأ بطنه من الخرنوب الذي كانت الخنازير تأكله. فلم يعطه أحد. فرجع إلى نفسه وقال: كم من أجير لأبى يفضل عنه الخبز وأنا أهلك جوعًا. أقوم وأذهب إلى أبى وأقول له يا أبى أخطأت إلى السماء وقدامك. ولست مستحقًا أن أدعى  لك ابنًا. اجعلني كأحد أجراك. فقام وجاء إلى أبيه. وإذ كان لم يزل بعيدًا رآه أبوه فتحنن ورقد ووقع على عنقه وقبله . فقال له الابن يا أبى أخطأت إلى السماء وقدامك ولست مستحقًا بعد أن أدعى لك ابنًا . فقال الأب لعبيده أخرجوا الحُلة الأولى وألبسوه واجعلوا خاتمًا في يده وحذاء في رجليه. وقدموا العجل المسمن واذبحوه فنأكل ونفرح. لأن ابني هذا كان ميتًا فعاش وكان ضالاً فوجد. فابتدأوا يفرحون. وكان ابنه الأكبر في الحقل فلما جاء وقرب من البيت سمع آلات طرب ورقصًا. فدعا واحدًا من الغلمان وسأله ما عسى أن يكون هذا. فقال له: أخوك جاء فذبح أبوك له العجل المسمن لأنه قبله سالمًا. فغضب ولم يرد أن يدخل. فخرج أبوه يطلب إليه. فأجاب وقال لأبيه: ها أنا أخدمك سنين هذا عددها وقط لم أتجاوز وصيتك. وجديًا لم تعطني قط لأفرح مع أصدقائي. ولكن لما جاء ابنك هذا الذي أكل معيشتك مع الزوانى ذبحت له العجل المسمن. فقال له يا بنى أنت معي في كل حين وكل ما لي فهو لك ولكن كان ينبغي أن تفرح وتسر لأن أخاك هذا كان ميتًا فعاش وكان ضالاً فوجد “.

 

مقدمة عن مثل الابن الضال:

محبة الأب : يوضح الرب فى المثل محبة الأب للابن الأصغر إذ يذكر أن الابن بعد رجوعه بدأ يقول ” أخطأت إلى السماء وقدامك ولست مستحقًا أن أدعى لك ابنًا ” وهنا لم يعطه الأب فرصة لكى يكمل بقية قوله الذى كان عازمًا أن يقوله “اجعلنى كأحد أجراءك” !! بل قال لعبيده بسرعة “أخرجوا الحلة الأولى وألبسوه …” هذه صورة لمحبة المسيح العجيبة للخطاة وحنانه الفائق نحوهم. فإن المسيح الذى يقابل الأب فى المثل يغمر الإنسان التائب بمحبته ولايقبل أن يعامله كأحد الأجراء رغم أنه قد أخطأ . فعندما نتوب ونرجع إلى حضن محبته يفرح بنا ويدعونا أبناء رغم شعورنا بعدم استحقاقنا أن نكون أبناء .

الحلة الأولى: الحلة الأولى هى حلة البنوة أى هى الحلة الأصلية التى كانت للابن الأصغر وفقدها بالابتعاد عن أبيه. هكذا كل من اعتمد باسم المسيح هو ابن لله بالمعمودية وحتى إن ضيع الإنسان كل ما ناله من الله فإنه عند رجوعه يظل فى نظر الله المحب ابنًا. لذلك يقول الأب ” ألبسوه الحلة الأولى “، ألبسوه اللباس الخاص بالابن. ولأن الابن الوحيد الحقيقى لله هو المسيح نفسه فإن الإنسان يصير ابنًا لله بأن يلبس المسيح كما يقول الرسول ” لأنكم جميعًا أبناء الله بالإيمان بالمسيح يسوع. لأن كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح(غلا 26:3،27). فالإنسان إذًا يلبس المسيح بالمعمودية باسمه وعندما يتوب الابن عائدًا إلى حضن الأب فإنه يستعيد جمال طبيعة المسيح الذى اتحد به فى المعمودية رغم أنه كان قد ضيع هذا الجمال عندما تغرب عن أبيه.

        التوبة الحقيقية: فى الواقع أن التوبة الحقيقية ليست مجرد شعور الإنسان ببعض الأخطاء الصغيرة أو السطحية، بل هى شعور عميق جدًا يصاحبه إدراك الإنسان أن كيانه الداخلى قد فسد، وأن طبيعته قد تشوهت، وأنه حرم نفسه من محبة الله، وأضاع الغنى الإلهى الذى كان له. وهكذا تكون توبته هى أحساس عميق جدًا وإنكسار للقلب عند قدمى المسيح وفى نفس الوقت يكون هناك رجاء شديد جدًا يملأ قلبه أن المسيح المحب لايمكن أن يرفض قبوله. التوبة الحقيقية حبً جارف يتحرك فى قلب الإنسان . ومصدر هذا الحب هو الله الذى يحب الإنسان قبل أن يتوب الإنسان ويستيقظ من غفلته، ومحبة المسيح التى أظهرها للخطاة بمجيئه وتعامله معهم وموته من أجل الجميع هى التى تحرك قلب الإنسان فيرجع إلى المسيح.

        وليمة الفرح السماوى: وبعد ذلك يقول الأب فى المثل: ” قدموا العجل المسمن واذبحوه فنأكل ونفرح “. هذه إشارة إلى فرح الله وملائكته القديسين برجوع الخطاة التائبين. فإن الله يشبع ويفرح وهكذا تفرح ملائكته بتوبتهم. وهذا يكشف لنا قوة المحبة الإلهية فى ترحيبها بالإنسان الراجع إليها. وهذه المحبة تجعل الإنسان الراجع يشترك فى هذا الفرح السماوى الذى تعبر عنه الوليمة.

        ابنى هذا: ثم بعد ذلك يذكر الأب كلمة مُلفته فيقول ” لأن ابنى هذا” وهذا يعنى أنه رغم ضلال الابن الأصغر وابتعاده لكنه يظل ابنًا عند أبيه وإن كان ابنًا ميتًا ثم عاد إلى الحياة ” ابنى هذا كان ميتًا فعاش وكان ضالاً فوُجد “. فكأنه يقول هذا هو ابنى وهو أحشائى حتى إن كان قد ضل. ومهما قال هو عن نفسه أنه لايستحق أن يكون ابنى لكنى أقول ” هو ابنى “.

          هذه هى النعمة العظيمة التى وهبها لنا المسيح ـ بموته عنا وقيامته وبسكب روحه القدوس علينا ـ أى أن يجعلنا أبناء وهو يريدنا دائمًا أن نكون أبناء نحيا فى حضن محبته الإلهية.

        الابن الأكبر: يخبرنا مثل الابنين أن الابن الأكبر لما رجع من الحقل وقرب من البيت سمع صوت آلات طرب ورقص. ولما سأل واحدًا من الغلمان عما حدث عرف أن أباه عمل وليمة فرحًا بعودة ابنه الأصغر. فغضب الابن الأكبر ولم يرد أن يدخل. فلما خرج أبوه يطلب إليه أن يدخل قال الابن الأكبر لأبيه ” ها أنا أخدمك سنين هذا عددها وقط لم أتجاوز وصيتك وجديًا لم تعطنى قط لأفرح مع أصدقائى ولكن لما جاء ابنك هذا الذى أكل معيشتك مع الزوانى ذبحت له العجل المسمن “.

          موقف الابن الأكبر هذا يُشبه موقف الكتبة والفريسيين فى تذمرهم على المسيح لأنه كان يقبل الخطاة ويأكل معهم. ويظهر من كلامه أنه لم يكن متمتعًا بمحبة أبيه التى كان يحبه بها رغم أنه كان فى البيت ولم يغادره. والأب يؤكد له هذه المحبة بقوله له ” يا  ابنى أنت معى فى كل حين وكل مالىّ فهو لك “، ولكن الابن الأكبر لم يكن عنده اليقين بمحبة أبيه ونصيبه عند أبيه. لأنه يقول ” وجديًا لم تعطنى قط لأفرح مع أصدقائى “. ورغم أن أباه يؤكد أن كل ما للأب فهو له إلا أنه بسبب نقص المحبة فى داخله والثقة فى محبة أبيه لم يأخذ شيئًا من أبيه رغم أن الأب يقدم له كل شئ. فلأن الابن الأكبر لم يأخذ طبيعة المحبة من أبيه ، لذلك ليس عنده قلب مُحب مثل أبيه يحب به أخاه ويفرح بعودته مثل فرح الأب. وحالة الابن الأكبر هى أيضًا ابتعاد عن محبة الله وإن كانت صورة أخرى للابتعاد غير صورة الابن الأصغر. ولكن أى ابتعاد عن محبة الله يحتاج إلى توبة ورجوع إلى ينبوع المحبة الذى هو الله .  

 

 تفسير مثل الابن الضال للقديس كيرلس الأسكندري[1]:

          إني أسمع أحد الأنبياء القديسين وهو يحاول أن يربح البعيدين عن الله إلى التوبة. فيقول ” أرجع يا إسرائيل إلى الرب إلهك لأنك قد تعثرت بإثمك خذوا معكم كلامًا وأرجعوا إلى الرب ” (هو2،1:14). لذلك فأي نوع من الكلام يأمرهم بإرشاد الروح، أن يأخذوه معهم ؟ ألا يكون لائقًا بالذين يرغبون أن يتوبوا، أن يرضوا الله، الذي هو شفوق ويحب الرحمة؟ لأنه قد قال بواسطة أحد الأنبياء القديسين، ” ارجعوا أيها البنون العصاة لأشفى عصيانكم” (إر22:3). وأيضًا يقول بصوت حزقيال ” ارجعوا، توبوا وارجعوا عن كل معاصيكم يا بيت إسرائيل، اطرحوا عنكم كل معاصيكم التي عصيتم بها، لكي لا تصير لكم مهلكة .. لأني لا أسر بموت الخاطئ. بل أن يرجع ويحيا ” (حز31،30:18). ونفس هذا الحق يعلمه لنا المسيح هنا في هذا المثل الجميل، الذي سأحاول أن أبحثه بأقصى طاقة ممكنة عندي، وسأجمع نقاطه الهامة باختصار وسأشرح وأدافع عن الأفكار التي يحويها.

          يرى البعض أن الابنين في المثل يشيران إلى الملائكة القديسين، من ناحية وإلينا نحن سكان الأرض من الناحية الأخرى. وأن الابن الأكبر، الذي عاش بتعقل، يمثل مجموع الملائكة القديسين، بينما الابن الأصغر المنحرف يمثل الجنس البشرى. وهناك آخرون بيننا يعطون المثل تفسيرًا مختلفًا، قائلين إن الابن الأكبر السالك حسنًا يشير إلى إسرائيل حسب الجسد، بينما الابن الأصغر الذي اختار أن يعيش في الشهوات والملذات والذي ابتعد بعيدًا عن أبيه، إنما يشير إلى جمهور الأمم الوثنيين. هذه الشروحات أنا لا أوافق عليها وأرجو ممن يحب التعلم، أن يبحث ما هو حقيقي وما ليس عليه اعتراضات.

          لأن ما أقوله هو كما يأتي “ أعط فرصًا للحكيم، وقدم معرفة للأبرار ” (أم9:9) كما يوصى الكتاب، لأنهم من الشروحات التي تعطى لهم سوف يفحصون عن المعنى المناسب، فإن كنا، نشير بالابن المستقيم إلى الملائكة، فإننا لا نجده يتكلم الكلمات التي تليق بالملائكة، ولا نجده يشارك الملائكة فرحهم بالخطاة التائبين الذين يرجعون من حياة دنسة إلى حياة وإلى سلوك جدير بالإعجاب. لأن مخلص الجميع يقول ” إنه يكون فرح في السماء قدام ملائكة الله بخاطئ واحد يتوب” (لو7:15)، بينما الابن الموصوف لنا في هذا المثل، باعتباره مقبولاً من أبيه، ويسلك حياة بلا لوم، يظهر أنه غاضب، بل ويصل في مشاعره غير الحبية إلى درجة أنه ينسب اللوم إلى أبيه بسبب محبته الطبيعية لابنه الذي خلص. فالمثل يقول ” إنه لم يرد أن يدخل البيت“. لأنه أغتاظ بسبب قبول الابن التائب ومن ذبح العجل المسمن ولأن أباه صنع له وليمة. ولكن هذا كما قلت ، يختلف عن مشاعر الملائكة القديسين. لأنهم يفرحون ويسبحون الله حينما يرون سكان الأرض يخلصون. لأنه حينما أخضع الابن نفسه ليولد بالجسد من امرأة في بيت لحم، حمل الملاك عندئذ الأخبار السارة إلى الرعاة قائلاً: ” لا تخافوا فها أنا أبشركم بفرح عظيم يكون لجميع الشعب ، لأنه ولد لكم اليوم في مدينة داود مخلص هو المسيح الرب“، والملائكة يتوجون الذي ولد بالتمجيد والتسابيح قائلين ” المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وفى الناس المسرة” (لو10:2،11،14) .

          ولكن إن كان أي أحد يقول، إن إسرائيل حسب الجسد هو المقصود بالابن الأكبر في المثل الذي كان متمسكًا بوصية أبيه فإننا أيضًا لا نستطيع أن نوافق على هذا الرأي، ذلك لأنه من غير المناسب على الإطلاق أن نقول عن إسرائيل أنه عاش حياة بلا لوم. ففي كل الأسرار الموحى بها نجد شعب إسرائيل متهمين بأنهم متمردون وعصاة؛ لأنهم قد أُخبروا بصوت إرميا ” ماذا وجد فيَّ آباؤكم من جور حتى ابتعدوا وساروا وراء الباطل وصاروا باطلاً؟” (إر5:2). وتكلم الله أيضًا بعبارات مشابهة بصوت إشعياء: “ هذا الشعب قد اقترب بفمه، وأكرمني بشفتيه، وأما قلبه فأبعده عنى، وهم يعلّمون تعاليم هي وصايا الناس” (إش13:29). فكيف يستطيع أحد أن يطبق على أولئك الذين يُوجه إليهم اللوم هكذا، الكلمات المستعملة فى المثل عن الابن الأكبر المتمسك بوصية أبيه؟ لأنه قال ” هاأنا أخدمك سنين هذا عددها، وقط لم أتجاوز وصيتك“، لأنهم لم يكونوا ليلاموا على طريقة حياتهم لو لم يتعدوا الوصايا الإلهية، وبذلك أدوا بأنفسهم إلى حياة مستهترة مدنسة.

          وأيضًا يقول البعض إن العجل المسمن الذي ذبحه الأب حينما رجع ابنه إنما يشير إلى مخلصنا. ولكن كيف يمكن للابن الأكبر الذي يوصف أنه حكيم وفطين ومتمسك بواجبه والذي يشير به البعض إلى الملائكة القديسين ـ كيف يمكن لذلك الابن أن يعتبر ذبح العجل سببًا للغضب والغيظ؟ كما أننا لا نستطيع أن نجد برهانًا على أن القوات السماوية قد حزنت حينما احتمل المسيح الموت بالجسد أي حينما ذُبح المسيح لأجلنا. إنهم بالحرى فرحوا، كما قلت عندما رأوا العالم يخلص بدمه المقدس، وأيضًا ما هو السبب الذي جعل الابن الأكبر يقول ” جديًا لم تعطني قط“. فأي بركة كانت تنقص الملائكة القديسين، إذ أن رب الكل قد أنعم عليهم ـ بيد سخية بفيض من المواهب الروحية؟ وهل كانوا يحتاجون إلى أية ذبيحة فيما يخص حالتهم؟ لأنه لم يكن هناك احتياج أن يتألم عمانوئيل أيضًا نيابة عنهم. ولكن إن تخيل أحد كما سبق أن قلت، إن المقصود بالابن الأكبر هو إسرائيل حسب الجسد، فكيف يستطيع أن يقول بالحق “جديًا لم تعطني قط؟“، لأنه، سواء دعوناه عجلاً أم جديًا فالمسيح هو الذي يجب أن يُفهم أنه هو الذبيحة المقدمة لأجل الخطية. ولكنه قُدِمَ ذبيحة ليس لأجل الأمم فقط، بل أيضًا لكي يفدى إسرائيل، الذي بسبب تعدياته الكثيرة للناموس، قد جلب على نفسه لومًا عظيمًا، وبولس الحكيم يشهد لهذا الأمر قائلاً: ” لذلك يسوع أيضًا لكي يقدس الشعب بدم نفسه تألم خارج الباب ” (عب12:13).

          فما هو موضوع المثل إذن؟ دعونا نفحص المناسبة التي قادت إليه، فإننا بذلك سنتعلم الحقيقة. لذلك فإن لوقا المبارك نفسه قد تكلم قليلاً عن المسيح مخلصنا قبل هذا المثل فقال: “ وكان جميع العشارين والخطاة يدنون منه ليسمعوه. فتذمر الفريسيون والكتبة قائلين هذا الإنسان يقبل الخطاة ويأكل معهم ” (لو2،1:15). لذلك فلأن الفريسيين والكتبة اعترضوا على رحمته ومحبته للإنسان، وبشرٍ وبعدم تقوى لاموه على قبول وتعليم الناس الذين كانت حياتهم مدنّسة، فكان من الضروري أن يضع المسيح أمامهم هذا المثل، ليريهم هذا الأمر ذاته بوضوح: إن إله الكل يريد من الإنسان الثابت والراسخ، والذي يعرف أن يعيش حياة مقدسة وقد وصل إلى ما يستحق أعلى مديح لأجل تعقله في السلوك، يريد من هذا الإنسان أن يكون مخلصًا في اتباع مشيئته، لكن حينما يرى أي واحد قد دُعِيَ إلى التوبة حتى إن كان من الذين يعيشون حياة ملومة جدًا، فإنه ينبغي بالحرى أن يفرح ولا يكون عنده غيظ مضاد للمحبة من جهة التائبين.

          لأننا نحن أحيانًا نختبر شيئًا من هذا النوع لأنه يوجد البعض الذين يعيشون حياة كاملة مكرمة ثابتة، ويمارسون كل نوع من أعمال الفضيلة، ويمتنعون عن كل شئ مخالف لشريعة الله، ويتوجون بمديح كامل في نظر الله والناس. بينما البعض الآخر ربما يكونون ضعفاء عاثرين، ومنحطين إلى كل نوع من الشر ومذنبين بأفعال رديئة، محبين للدنس والطمع وملوثين بكل اثم، ومع ذلك يحدث كثيرًا أن يرجع هؤلاء إلى الله في سن متقدم ويطلبون غفران خطاياهم السابقة: إنهم يصلون لأجل الرحمة، ويتركون جانبًا استعدادهم للسقوط في الخطية، وتشتعل فيهم الرغبة للحياة الفاضلة، أو ربما حينما يوشك بعضهم على الاقتراب من نهاية حياته، فإنه يطلب المعمودية الإلهية ويغتسل من خطاياه تاركًا شروره، فإن الله عندئذٍ يكون رحيمًا بهم. وقد يحدث أحيانًا أن يتذمر بعض الأشخاص من هذا، بل ويقولون ” هذا الإنسان الذي كان مذنبًا بكذا وكذا من الأعمال الشريرة، وقد تكلم بكذا وكذا من الكلمات، هذا الإنسان لم يفِ دين سلوكه الرديء أمام قاضى العدل، بل إنه حُسب أهلاً لنعمة سامية وعجيبة وقد حُسب بين أبناء الله، وكُرم بمجد القديسين ” مثل هذه الشكوى ينطق بها الناس أحيانًا نتيجة ضيق العقل الفارغ. وشكواهم لا تتفق مع غرض أب الجميع. لأن الآب يفرح فرحًا عظيمًا حينما يرى الذين كانوا ضالين يحصلون على الخلاص، وهو يرفعهم ثانية إلى ما كانوا عليه في البداية، معطيًا لهم ثياب الحرية مزينًا إياهم بالحُلة الأولى، ويضع خاتمًا في يدهم، ويعطيهم السلوك المرتب الذي يرضى الله ويناسب الأحرار .

          لذلك فإن واجبنا أن نخضع أنفسنا لما يريده الله، لأنه يشفى الذين هم مرضى، وهو يرفع الساقطين، ويمد يده بالمعونة للذين يعثرون، ويرد إليه الذين ابتعدوا عنه، وهو يُشكَّل من جديد في شكل حياة ممدوحة وبلا لوم أولئك الذين كانوا يتمرغون في وحل الخطية، إنه يفتش عن أولئك الذين ضلوا، وهو يقيم من الموت الذين كانوا يعانون من الموت الروحي.

          دعونا نفرح أيضًا، هيا نفرح، مع الملائكة القديسين ونسبح الله لأنه صالح ومحب للبشر، ولأنه رحيم ولا يذكر الشر، لأنه إن كنا نفكر هكذا فالمسيح سوف يقبلنا، الذي به ومعه لله الآب كل تسبيح وسيادة مع الروح القدس إلى دهر الدهور. آمين.

 

1  عظة 107 من تفسير إنجيل لوقا ـ للقديس كيرلس الأسكندرى

 

مثل الابن الضال – ق. كيرلس الأسكندرى – د. نصحي عبد الشهيد

صوم المسيح – ق. كيرلس الأسكندرى – د. نصحي عبد الشهيد

صوم المسيح – ق. كيرلس الأسكندرى – د. نصحي عبد الشهيد

 

صوم المسيح – ق. كيرلس الأسكندرى – د. نصحي عبد الشهيد

 

 

صوم المسيح

وتجربته فى البرية

(أحد التجربة: الأحد الثانى من الصوم الكبير)

 

للقديس كيرلس الأسكندرى

 

صوم المسيح وتجربته فى البرية[1]

 

للقديس كيرلس الأسكندرى

 

لوقا4: 1و2: ” أما يسوع فرجع من الأردن ممتلئًا من الروح القدس. وكان يُقتاد بالروح فى البرية. أربعين يومًا يُجرب من إبليس. ولم يأكل شيئًا فى تلك الأيام. ولما تمت جاع أخيرًا ” .

 

          حينما يتكلم الأنبياء المباركون عن كلمة الله الوحيد ـ الذى هو مساوٍ لله فى المجد، وشريك عرشه، الذى يضيء معه بمساواة كاملة ـ فإنهم أى الأنبياء يقودوننا إلى الاقتناع أنه أُظهر كمخلَّص ومحرَّر لأولئك الذين على الأرض، وذلك بقولهم: “قم يارب، أعنى” (مز26:44). لذلك قام وأعان، وذلك باتخاذه صورة عبد، إذ قد صار فى شبه الناس، فإنه كواحد منا قد أقام نفسه كمنتقم بدلاً منا، منتقم من تلك الحية القاتلة والمتمردة، التى أدخلت الخطية إلينا. وبذلك جعلت الفساد والموت يملكان الأرض، لكى بواسطة المسيح وفيه نحصل على النصرة بينما كنا فى القديم مهزومين وساقطين فى آدم.

          لذلك تعالوا بنا لنسبح الرب ونرتل مزامير لله مخلصنا، هلموا لندوس الشيطان تحت أقدامنا، لنرفع صوت النصر على الذى هو الآن مطروح وساقط، هيا لنرتفع فوق الزحاف الخبيث الذى أُمسك فى فخ لا فكاك منه، ولنقل عنه نحن أيضًا بكلمات إرميا النبى: ” كيف كسرت مطرقة الأرض كلها وضربت فقد وُجدت وأُخذت، لأنك وقفت ضد الرب” (إر23:1س). لأنه منذ القدم، أى قبل زمن مجيء المسيح مخلص الكل، فإن عدو الجميع كانت له تصورات كبيرة ومخيفة عن نفسه. لأنه كان يفتخر متعظمًا على ضعف سكان الأرض قائلاً: ” سأمسك العالم فى يدى كعش وكبيض مهجور آخذه، ولن يهرب أحد منى أو يتكلم ضدى” (إش14:10س). وفى الحقيقة لم يكن أحد من أولئك الذين على الأرض يستطيع أن يقوم ضد قوته، ولكن الابن قام ضده وتصارع معه إذ قد صار مثلنا. لذلك كما قلت فإن الطبيعة البشرية بسبب انتصارها في المسيح تربح الإكليل. وهذا ما أنبأ به الابن نفسه فى الزمن القديم حينما خاطب الشيطان بواسطة أحد الأنبياء القديسين هكذا ” هاأنذا عليك أيها الجبل المهلك ـ الملك كل الأرض ” (إر25:51).

          تعالوا إذن وهيا بنا لنرى ماذا يقول الإنجيلي المبارك، حينما كان المسيح ذاهبًا ليحارب لحسابنا ضد ذلك  الذى أهلك الأرض كلها:      ” أما يسوع فرجع ممتلئًا من الروح القدس“. انظروا هنا، أرجوكم، طبيعة الإنسان ممسوحة بنعمة الروح القدس فى المسيح كباكورة، ومتوجة بأعلى الكرامات. لأنه منذ القديم قد وعد إله الكل قائلاً:    ” ويكون فى تلك الأيام إنى سأسكب من روحى على كل جسد” (يؤ28:2). وقد تحقق الوعد لأجلنا فى المسيح أولاً. وبينما يقول الله عن أولئك الذين فى القديم، الذين استسلموا لشهوة الجسد بلا ضوابط،  ” لا يسكن روحى فى هؤلاء الناس لأنهم جسد ” (تك3:4س). أما الآن فلأن كل الأشياء قد صارت جديدة فى المسيح وقد اغتنينا بالميلاد الجديد الذى بواسطة الماء والروح ـ لأننا لم نعد أولاد اللحم والدم، بل بالحرى ندعو الله أبًا لنا ـ لذلك إذ صرنا الآن فى كرامة بحق، وإذ نمتلك امتياز التبنى المجيد، فقد صرنا شركاء الطبيعة الإلهية بواسطة حصولنا على الروح القدس. ولكن الذى هو البكر فى وسطنا، حينما صار هكذا بكرًا بين اخوة كثيرين وأعطى نفسه للإخلاء فإنه كان أول من حصل على الروح، رغم أنه هو نفسه معطى الروح، لكى تصل إلينا بواسطته هذه الكرامة ونعمة الشركة مع الروح القدس. والرسول بولس يعلمنا مثل هذا حينما يتحدث عنه وعنا ويقول ” لأن المقدس والمقدَسين جميعهم من واحد، فلهذا السبب لا يستحي أن يدعوهم اخوة قائلاً: أخبر باسمك اخوتى” (عب11:2 ،12). ولأنه لم يستحِ بالمرة أن يدعونا اخوة نحن الذين أخذ شكلنا لذلك إذ قد نقل فقرنا إلى نفسه، فإنه يتقدس معنا رغم أنه هو نفسه مقدِّس الخليقة كلها. وذلك لكى لا تراه أنت رافضًا لمستوى الطبيعة البشرية، هو الذى رضى من أجل خلاص وحياة الكل أن يصير إنسانًا.

          لذلك، حينما يقول الإنجيلى الحكيم عنه ” أما يسوع فرجع من الأردن ممتلئًا من الروح“، فلا تعثروا ولا تخطئوا فى أفكاركم الداخلية وتحيدوا عن تعليم الحق، فيما يخص الطريقة والكيفية التى بها تقدس الكلمة ذلك الذى هو الله، بل بالحرى افهموا حكمة التدبير التى بسببها، صار هو موضوع إعجابنا. لأنه قد صار جسدًا وأصبح إنسانًا، لا لكى يتحاشى كل ما يختص بحالة الإنسان ويحتقر فقرنا، بل لكى ما نغتنى نحن بما هو له، وذلك بأنه قد صار مثلنا فى كل شئ ما خلا الخطية. لذلك فهو يتقدَّس كإنسان، ولكنه يُقَدِّس كإله، لأنه إذ هو بالطبيعة إله صار إنسانًا. لذلك يقول الإنجيلى: “وكان يُقتاد بالروح فى البرية أربعين يومًا يُجرب من إبليس“. فما هو إذن معنى كلمة “يُقتاد”؟ إنها لا تعنى توصيله إلى هناك. لأننا نحن أنفسنا أيضًا اعتدنا أن نقول عن أى واحد يحيا بالتقوى، إن فلانًا أو فلانًا أيًا كان الشخص إنما يحيا حياة صالحة. ونحن نعطى لقب مربى لا لنشير به بحسب معناه الحرفى إلى أولئك الذين يقودون الأطفال فعلاً، بل نعنى أنهم يعتنون بهم ويدربونهم بطريقة حسنة جديرة بالثناء، مربين إياهم ومعلمين لهم أن يسلكوا بطريقة لائقة.

          إذن فهو قد أقام فى البرية بالروح، أى روحيًا، فإنه صام، ولم يمنح أى طعام إطلاقًا لحاجات الجسد. ولكنى أتخيل أن البعض قد يعترضون على هذا قائلين:

          وما هو الضرر الذى يلحق يسوع من الإقامة الدائمة فى المدن؟ وما هو الذى يفيده حتى يختار الإقامة فى البرية؟ فليس هناك شئ حسن يحتاج إليه. وأيضًا لماذا هو يصوم؟ وما الذى كان يلزمه لكى يتعب وهو الذى لا يعرف أى إحساس بتحرك أى رغبة منحرفة؟ فنحن نمارس الصوم كوسيلة نافعة جدًا لكي نميت اللذات بواسطته ونقاوم قانون الخطية الذى فى أعضائنا، ونقتلع تلك العواطف التى تؤدى إلى الشهوة الجسدية. أما المسيح فأى حاجة له إلى الصوم؟ فهو الذى بواسطته يبيد الآب الخطية فى الجسد. وبولس الإلهى إذ عرف هذا كتب: ” لأن الناموس فيما كان عاجزًا عنه بسبب ضعفه بواسطة الجسد فإن الله إذ أرسل ابنه فى شبه جسد الخطية ولأجل الخطية، دان الخطية فى الجسد لكى يتم حكم الناموس فينا نحن السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح ” (رو3:8و4). لذلك فهو الذى يميت حركات الجسد فينا نحن أنفسنا الكائنات البائسة، وقد أباد الخطية، فأى صوم يمكن أن يحتاجه فيما يخصه هو نفسه؟ إنه قدوس وغير مدنّس بالطبيعة، وهو نقى تمامًا وبلا عيب. وهو لا يمكن أن يحدث له ولا ظل تغيير. فلماذا إذن جعل إقامته فى البرية وصام وجُرِّبَ ؟

          يا أحبائى إن المسيح كمثال لنا يهتم بنا، فهو يضع أعماله أمامنا كنموذج لنا، ويؤسس مثالاً للحياة الفضلى والعجيبة التى يمكن أن تُمارس فى وسطنا، وأنا أعنى حياة الرهبان القديسين. لأنه منذ متى كان ممكنًا للناس على الأرض أن يعرفوا أن عادة السكن فى الصحارى هى نافعة لهم ومفيدة جدًا للخلاص؟ لأنهم يعتزلون من أمام الأمواج والعواصف ومن الاضطراب الشديد وارتباكات هذا العالم الباطلة، وهكذا كما لو كانوا مثل يوسف المبارك، فإنهم يتجردون ويتركون للعالم كل ما هو خاص به. وبولس الحكيم يقول شئ مثل هذا أيضًا عن أولئك الذين يريدون أن يعيشوا هكذا: “ ولكن الذين هم للمسيح قد صلبوا الجسد مع الأهواء والشهوات ” (غل24:5). وهو يبين لأولئك الذين يختارون هذه الطريقة للحياة أن الإمساك ضرورى، الذى ثمرته الصوم وقوة الاحتمال، والإمساك عن الطعام أو أخذ القليل منه. فإنه عندئذ حينما يجربهم الشيطان فإنه سينهزم.

          لاحظوا هذا بنوع خاص أن الرب اعتمد أولاً وامتلأ من الروح القدس، وبعد ذلك ذهب إلى البرية، ومارس الإمساك، أى الصوم كما لو كان سلاحًا له. وهكذا إذ كان مستعدًا فحينما اقترب منه الشيطان انتصر عليه، وبذلك فقد وضع نفسه أمامنا كنموذج.

          فأنت، لذلك ينبغى أيضًا أن تلبس سلاح الله، وترس الإيمان، وخوذة الخلاص. ينبغى أولاً أن تلبس قوة من الأعالى، أى ينبغى أن تصير مشتركًا فى الروح القدس بواسطة المعمودية الثمينة، وحينئذ يمكن أن تسلك الحياة المحبوبة والمكرمة لدى الله، وحينئذ يمكنك ـ بشجاعة روحية ـ أن تسكن فى الصحارى، وحينئذ تحفظ الصوم المقدس وتميت الأهواء وتهزم الشيطان حينما يجربك. لذلك، فإننا فى المسيح قد حصلنا على كل الأشياء.

          ياللعجب فإنه يظهر بين المصارعين وهو نفسه كإله يمنح الجائزة، يظهر بين أولئك الذين يلبسون إكليل النصر، وهو الذى يكلل هامات القديسين، لذلك فلننظر ولنلاحظ مهارته فى مصارعته وكيف هزم خبث الشيطان وشره. فحينما قضى أربعين يومًا صائمًا فإنه جاع أخيرًا ولكنه هو نفسه يعطى الجياع طعاما؛ وهو نفسه الخبز النازل من السماء الواهب حياة للعالم وهو الذى به تقوم كل الأشياء. ولكن من الجهة الأخرى، بسبب أنه كان من الضرورى لذاك الذى لم يرفض فقرنا، أن لا ينسحب من أى شئ يخص حالة الإنسان، لذلك فقد وافق أن يحتاج للمؤونة الطبيعية. وهذا هو سبب القول ” إنه جاع “. ولكنه مع ذلك لم يجع إلاّ بعد أن صام مدة كافية، وبقوته الإلهية قد حفظ جسده من الخوار، رغم امتناعه عن الطعام والشراب، لكى يسمح لجسده أن يشعر بالإحساسات الطبيعية كما هو مكتوب: ” إنه جاع“. ولأى سبب هذا؟ لكى بمهارة بواسطة الاثنين[2]، فإن ذلك الذى هو إله وإنسان معًا فى نفس الوقت يمكن أن يُعرف بهاتين الصفتين فى نفس الشخص الواحد: أى أعلى منا بطبيعته الإلهية، ومساوٍ لنا فى بشريته.

 

تجربة الخبز :

لوقا4:4  ” وقال إبليس: إن كنت ابن الله فقل لهذا الحجر أن يصير خبزًا ” .

          حينئذٍ يقترب الشيطان لكى يجربه، متوقعًا أن إحساس الجوع سيساعده فى خطته الخبيثة: فإن الشيطان كثيرًا ما ينتصر علينا باتخاذه ضعفاتنا كمساعد لمكائده ومغامراته. لقد تصور الشيطان أن الرب يسوع سيقفز حالاً نحو الرغبة فى رؤية الخبز جاهزًا للأكل، ولذلك قال: ” إن كنت ابن الله، فقل لهذا الحجر أن يصير خبزًا“. إذن فهو يقترب منه، كإنسان عادى وكواحد من القديسين: ومع ذلك فهو لا يزال متشككًا فى أمره، إنه ربما يكون هو المسيح. فبأى طريقة أراد أن يعرف هذا؟ لقد اعتبر الشيطان أن تغيير طبيعة شئ إلى طبيعة أخرى إنما هو فعل قوة إلهية وعملها، لأن الله هو الذى يصنع هذه الأشياء وهو الذى يحوّلها. لذلك، قال فى نفسه إن فعل هذا، فإنه يكون هو بالتأكيد ذلك الشخص المنتظر الذى سيبطل قوتى، ولكن إن رفض أن يعمل هذا التغيير، فإنى بذلك أتعامل مع إنسان وأطرح الخوف بعيدًا، وأنجو من الخطر. لذلك فإن المسيح، لمعرفته بحيلة الشيطان، فإنه رفض أن يحوّل الحجر خبزًا، كما أنه لم يقل إنه غير قادر أو غير راغب أن يعمل هذا التغيير، بل بالحرى يصده بسبب إلحاحه وتداخله فيما ليس له، قائلاً: ” إن الإنسان لا يحيا بالخبز وحده“، وهو يعنى بهذا، أنه إن أعطى الله قوة للإنسان، فإنه يمكن أن يصمد بدون طعام، ويحيا مثل موسى وإيليا اللذان بقوة كلمة الرب صرفا أربعين يومًا دون أن يأكلا شيئًا، لذلك، فإذا كان ممكنًا للإنسان أن يحيا بدون خبز، فلماذا أحوّل الحجر خبزًا؟ ولكن الرب تعمَّد ألاّ يقول، إنى لا أستطيع وذلك لكى لا ينكر قوته الخاصة، كما أنه لم يقل، إنى أستطيع لئلا عندما يعرف المجرب بذلك إنه هو الله الذى عنده وحده كل شئ مستطاع، فإنه يتركه ويهرب.

          وأرجوكم أن تلاحظوا، كيف أن طبيعة الإنسان فى المسيح هى حرة من أخطاء شراهة آدم، فعن طريق الأكل انهزمنا فى آدم وبواسطة الصوم انتصرنا فى المسيح.

          بواسطة الطعام الذى يخرج من الأرض، يتقوى جسدنا الأرضى، ويسعى إلى الحصول على غذائه مما هو مجانس له، أما النفس العاقلة فإنها تتغذى وتنمو إلى الصحة الروحانية بواسطة كلمة الله. لأن الطعام الذى تقدمه الأرض يغذى الجسد الذى هو قريب لها، أما الطعام الذى من فوق ومن السماء فيقوى الروح ويشددها. طعام النفس هو الكلمة الآتية من الله، أى الخبز الروحانى الذى يقوى قلب الإنسان كما يُرنم فى كتاب المزمور. وإننا نؤكد أن طبيعة خبز الملائكة القديسين هى أيضًا الكلمة الإلهية.

 

تجربة ممالك العالم:

لوقا5:4 ” ثم أصعده إبليس إلى جبل عال وأراه جميع ممالك العالم فى لحظة من الزمان ” .

          وأنت أيها الكائن الخبيث الشرير الملعون، كيف تتجاسر أن تُرى الرب ممالك الخليقة كلها وتقول: ” إنها لى؟ فإن سجدت أمامى سأعطيها لك“. فكيف تعد بشيء ليس هو لك؟ من جعلك وارثًا لمملكة الله؟ من جعلك سيدًا على كل ما تحت السماء؟ إنك حصلت على هذه الأشياء بالخداع والاحتيال، لذلك إرجعها، للابن المتجسد، رب الكل. واسمع ما يقوله إشعياء النبى عنك : ” هل قد أعد لك أيضًا أن تملك؟ هى هوة عميقة، ونار، وكبريت، وحطب مرتب، وغضب الرب كهوة مشتعلة بكبريت“. (إش33:30س) فكيف إذن وأنت نصيبك هو اللهيب الذى لا ينطفئ تعد ملك الكل بما هو ليس لك؟ هل تظن أنك تجعله يسجد له وهو الذى ترتعد أمامه كل الكائنات والسارافيم وكل القوات الملائكية تسبحه بمجد؟ إنه مكتوب: ” للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد“. لقد ذكر الرب هذه الوصية فى الوقت المناسب ووجهها إليه فى الصميم. فقبل مجيء الرب، كان الشيطان قد خدع كل من تحت السماء، وكان يُعبد فى كل مكان. أما وصية الله هذه فإنها تطرده من السيادة التى اغتصبها بالخداع، وتوصى الناس أن يعبدوا الذى هو الإله بالطبيعة وبالحق، وأن يقدموا الخدمة والسجود له وحده.

 

تجربة جناح الهيكل:

لوقا9:4 : ” ثم جاء به إلى أورشليم وأقامه على جناح الهيكل وقال له: إن كنت ابن الله فاطرح نفسك من هنا إلى أسفل” .

          التجربة الثالثة التى يستخدمها الشيطان هى المجد الباطل قائلاً: ” ألقِ نفسك إلى أسفل“، كبرهان على ألوهيتك. ولكنه لم يستطع أن يسقطه بواسطة الغرور، بل إن سهم الشيطان أخطأ الهدف. فقد أجابه الرب: ” إنه قيل لا تجرب الرب إلهك“. فإن الله لا يمنح معونته لأولئك الذين يجربونه، بل لأولئك الذين يثقون به، ولا ينبغى بسبب تلطفه ورحمته علينا أن نتباهى ونغتر. ولنلاحظ أيضًا أن المسيح لم يعطِ آية لأولئك الذين كانوا يجربونه فيقول: ” جيل شرير يطلب آية ولا تُعطى له آية“. فلنسمع الشيطان وهو يجرب هذه الكلمات. لذلك فنحن قد نلنا الانتصار فى المسيح، أما الذى انتصر على آدم فمضى الآن خجلاً لكيما نستطيع أن نضعه تحت أقدامنا، لأن المسيح كمنتصر قد سلمنا أيضًا القوة أن ننتصر، قائلاً: ” ها أنا أعطيكم سلطانًا لتدوسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو“.

 

 

لوقا10:4  ” لأنه يوصى ملائكته بك لكى يحفظوك” .

          انظروا كيف يحاول بخبث أن يستخدم الكتاب المقدس لكى يحط من مجد الرب، كما لو كان الرب محتاجًا لمساعدة الملائكة، وكما لو كان سيعثر لو لم تساعده الملائكة. لأن هذا المزمور لا يشير إلى المسيح، والرب العالى لا يحتاج للملائكة. أما جناح الهيكل، فقد كان مبنى مرتفع جدًا مُقام إلى جانب الهيكل.

          والبعض يشير بهذا المزمور خطأ إلى شخص الرب، ويأخذون عباراته معًا التى تقول هكذا “ لأنك، يارب أنت رجائى جعلت العلى ملجأك” (مز9:91) ولذلك، يقولون إن له ملجأ هو العلى، أى الآب الذى فى السماء. وحجتهم فى مثل هذه الطريقة فى الفهم، أن الشيطان فهمها هكذا فقال: ” إن كنت ابن الله فالقِ نفسك إلى أسفل: لأنه مكتوب أنه يوصى ملائكته بك لكى يحفظوك“، فالشيطان لأنه كذاب ومخادع، يطبق ما هو مكتوب عنا نحن على شخص المسيح مخلصنا جميعًا. ولكننا نحن لا نفهمها بطريقة الشيطان، حتى إن كان الآريوسيون قد فهموها هكذا، فليس هناك ما يدعو للدهشة فى موقفهم هذا، لأنهم يتبعون أباهم، الذى هو كذاب، وليس فيه حق، بحسب كلمات المخلّص. فإن كان الحق هو كما يقولون هم، ونحن قد جعلنا المسيح عوننا، وهو قد جعل الآب ملجأه، فعندئذ نكون نحن قد التجأنا إلى واحد هو نفسه محتاج إلى المساعدة ودعونا ذلك الذى يخلص بواسطة آخر مخلّصًا لنا. هذا لا يمكن أن يكون، حاشا لله. لذلك فنحن نقول لأولئك الذين يريدون أن يفكروا هكذا، أنتم تسيرون خارج الطريق الملكى المستقيم، أنتم تسقطون وسط الأشواك والفخاخ، لقد ضللتم بعيدًا عن الحق. فالابن مساوٍ للآب فى كل الأشياء، فهو صورة ورسم جوهره، وهو العلى كما أن الآب أيضًا هو العلى.

          فالشيطان إذن استخدم هذه العبارات كما لو كان المخلّص إنسانًا عاديًا. فلأنه ظلام بكليته، وقد أعمى عقله، فإنه لم يفهم قوة المكتوب فى المزمور أنه يقصد به شخص كل إنسان بار ينال عونًا من السماء. وإلى جانب ذلك، لم يعرف أن الكلمة، الذي هو الله، قد صار إنسانًا، والآن هو نفسه يُجرّب بحسب خطة الخلاص وكما سبق أن قلت، فقد افترض (الشيطان) أن كلمات المزمور قد قيلت كما عن إنسان عادى أو عن واحد من الأنبياء القديسين.

          ولكن بالنسبة لنا نحن الذين نعرف السر تمامًا، والذين نؤمن أنه هو الله وابن الله، وأنه صار من أجلنا إنسانًا مثلنا، فإنه أمرٌ بشع جدًا أن نتصور أن عبارات المزمور هذه تتحدث عنه. إذن فنحن نقول، إن عبارة  ” جعلت العلى ملجأك” لا تناسب شخص المخلّص، فإنه هو نفسه العلى، ملجأ الكل, ورجاء الكل، وهو عن يمين الآب الكلى القدرة، وكل من يجعله حصنا له، فلن يقترب منه شر لأنه يأمر الملائكة، الذين هم أرواح خادمة، أن يحرسوا الأبرار.

          فكما أن آبائنا الجسديين حينما يرون الطريق خشنًا ويصعب عبوره، فإنهم يمسكون أطفالهم فى أيديهم، لكى لا تصاب أقدامهم الضعيفة بأذى، لكونهم لا يزالون غير قادرين أن يسيروا على الطرق الصعبة، هكذا أيضاً قوات الملائكة لا يسمحون لأولئك الذين لا يزالون غير قادرين على الجهاد بعد، والذين لا يزال ذهنهم طفوليًا، أن يتعبوا بما يفوق طاقتهم، بل يختطفوهم بعيداً عن كل تجربة.

 

1 عظة 12 من تفسير إنجيل لوقا ـ للقديس كيرلس الأسكندرى.

1 الاثنين أى بصومه أربعين يومًا دون أن يخور الجسد من ناحية، وبسماحه للجسد أن يشعر بالجوع من ناحية أخرى.

صوم المسيح – ق. كيرلس الأسكندرى – د. نصحي عبد الشهيد

المقالة11 ج4 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة11 ج4 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة11 ج4 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

 

السجود والعبادة بالروح والحق

تابع المقالة الحادية عشر

“عن الكهنوت، وإن الكهنوت بحسب الناموس كان ظلاً للكهنوت بحسب المسيح”

 

بلاديوس: بأية طريقة؟

كيرلس: توقف موسى في اليوم الثامن عن ممارسة رتبته الكهنوتية. وإنْ كان هرون قد بدأ الخدمة بالتأكيد، إلاَّ أنَّ موسى لم يصمت، بالرغم من أنَّ هارون أخذ على عاتقه واجبات الكهنوت. لأنَّ زمن كهنوت المسيح يُعتبر ـ قانونيًا ـ هو زمن ما بعد الناموس، أي ما يُرمز إليه باليوم الثامن الذي بمقتضاه صارت قيامة المسيح وبداية العهد الجديد وفق المكتوب: ” إِذًا إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَة ” (2كو5: 17)، فبظهور المسيح في اليوم الثامن انتهت أعمال موسى. لأننا لا نعبد بعدُ برموزٍ وظلال. لكن التربية من خلال الناموس لم تتوقف، لأنَّ الناموس هو روحيٌ للروحيين، وهو يكرز دائمًا بسر المسيح.

 

إذن، وعد موسى بأنهم سيرون مجد الرب في اليوم الثامن. بمعنى أنَّ الناموس قد أعلن زمن قدوم الرب على الأرض. ويعطي أيضًا أمرًا آخرًا، أنْ يقدم هرون أولاً ذبيحة لأجل ذاته ثم ذبيحة لكل الشعب. هذا الأمر يعتبر مثالاً للأمور الخاصة بنا، وتُعلِن بوضوح ونقاء أنَّ الذين أُختيروا للكهنوت وقبلوا التطهير بالإيمان، يجب بسهولة أنْ يكونوا قديسين وأطهار، أمَّا بخصوص كيف ستصبح الآن طريقة التقديم، فسوف نوضح هذا الأمر بقدر المستطاع.

 

          إذن، فقد ذُبح الثور من أجل تطهير القائمين على الخدمة الكهنوتية، وسُكب دمه على المذبح المقدس، والأحشاء قُدِّمت كرائحة بخور، وحُرقت بقية الذبيحة بالنيران. وقُدِِّم الكبش أيضًا ذبيحة محرقة وفق الناموس. أمَّا الذبيحة التي قُدِّمت من أجل الشعب للتطهير فكانت تيسًا، كلاً من العجل والخروف كانا ذبيحة محرقة، بينما الكبش والثور ذبيحة شكر عن الخلاص (أى ذبيحة سلامة). قُدِّم أيضًا على المذبح دقيقٌ مقدار قبضة اليد على جانب المذبح. ثم قال: ” ثُمَّ رَفَعَ هَارُونُ يَدَهُ نَحْوَ الشَّعْبِ وَبَارَكَهُمْ، وَانْحَدَرَ مِنْ عَمَلِ ذَبِيحَةِ الْخَطِيَّةِ وَالْمُحْرَقَةِ وَذَبِيحَةِ السَّلاَمَةِ. وَدَخَلَ مُوسَى وَهَارُونُ إِلَى خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ، ثُمَّ خَرَجَا وَبَارَكَا الشَّعْبَ، فَتَرَاءَى مَجْدُ الرَّبِّ لِكُلِّ الشَّعْبِ 24 وَخَرَجَتْ نَارٌ مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ وَأَحْرَقَتْ عَلَى الْمَذْبَحِ الْمُحْرَقَةَ وَالشَّحْمَ. فَرَأَى جَمِيعُ الشَّعْبِ وَهَتَفُوا وَسَقَطُوا عَلَى وُجُوهِهِم ْ” (لا9: 22 ـ 24).

بلاديوس: ما الذي لديك لتقوله عن هذه الأمور؟

كيرلس: حسنًا، لقد ظهر مجد الرب في اليوم الثامن، بمعنى أن الابن، مجد الله الآب قد ظهر. لأنه هكذا دعاه حين قال لموسى:      ” حَيٌّ أَنَا فَتُمْلأُ كُلُّ الأَرْضِ مِنْ مَجْدِ الرَّبِّ ” (عد14: 21). هذا هو نفسه المذبوح لأجلنا، قد برهن لنا على أننا مقدسين، كأنه حررنا بذبيحة الثور من الخطية غافرًا لنا ما ارتكبناه، غاسلاً إيانا من دنس الإدانة، إنه مثل كبش الملء الذي انبعثت منه رائحةً دهنيةً كريمةً، وهو صار لنا ذبيحة خلاص مقدِّسًا إيانا بدم نفسه. وهو صار دقيقًا ملتوتًا بزيت مقدِّمًا حياته المقدسة، أي ذاته لأجلنا إلى الله الآب.

بلاديوس: إنني أفهم ما تقوله.

كيرلس: أعتقد أنَّ تقديم الذبيحة لأجل هرون ولأجل الشعب يشير ـ جيدًا ـ إلى تكريس القديسين لله. والآن حيث أظهَرَ عمانوئيل ذاته بوضوح، وبواسطته دُعينا إلى القداسة، فنحن مقبولون وقديسون وصرنا كرائحة ذكية مقدَّمة إلى الآب. لاحظ أنني قلت للتو إنَّ رسامة الكهنة قد تُممت وفقًا للناموس، وكانوا بواسطته هو نفسه (أي بواسطة المسيح) وبطرقٍ كثيرة مقدسين. لقد سُلِّم ـ مثل الثور ـ إلى النيران خارج المحلة من أجل غفران الخطايا، ذبحوه مثل الكبش الذي صار ذبيحة محرقة وقُسِّم بالكامل لأجل كل واحد وللجميع، وقدَّسهم ماسحًا إياهم بدمه مثل الكبش أثناء ذبيحة الشكر لأجل الخلاص. وأخيرًا عندما أتى اليوم الثامن والذي فيه لمع بالأكثر مجد المسيح حيث بَطُل الموت وأُبيد الفساد، قدَّم الكهنة والشعوب الثمار إلى الله مكرمين إياه ليس بتقدمات وثنية، بل جاعلين ذواتهم ذبيحة رائحة ذكية، إذ لا يُسّر رب الكل بتقدمات خارجية مثل إسرائيل الجسدي. لأنَّ بهذه الذبائح المقدسة نُقدِّس نفوسنا روحيًا ونقدمها إلى الله مائتين عن العالم وعن السلوك الجسدي متحملين إماتة الأهواء ونحن مصلوبون مع المسيح. وهكذا ننتقل إلى الحياة المقدسة وغير الملومة ونحيا وفق إرادته. مثل هذا الأمر كتبه بولس الرسول قائلاً: ” حَامِلِينَ فِي الْجَسَدِ كُلَّ حِينٍ إِمَاتَةَ الرَّبِّ يَسُوعَ، لِكَيْ تُظْهَرَ حَيَاةُ يَسُوعَ أَيْضًا فِي جَسَدِنَا ” (2كو4: 10). وفي موضع آخر قال: ” إِنْ كُنَّا نَصْبِرُ فَسَنَمْلِكُ أَيْضًا مَعَهُ ” (2تيمو2: 12). لو تمثلنا بموته وآلامه كما هو مكتوب (انظر رو8: 29)، سنصير شركاء قيامته ومجده.

          هكذا مات المسيح لأجلنا خارج المحلة ـ كما كتب بولس الطوباوي (انظر عب13: 12). إذن، دعنا نخرج نحن حاملين عاره خارج المحلة مذبوحين بنفس الطريقة مثل الثور ونصير محرقة مثل الكبش وسوف ينبعث منا تعليم المسيح كرائحة ذكية إلى الله.

 

          وهذه الذبائح المقدسة كانت تُقدَّم لأجل هارون والذين معه وكل الذين انحدروا منه، بينما كان التيس (ذكر الماعز) هو ذبيحة عن الخطية لأجل الشعب.

 

ولكن ما هو السبب في تقديم الثور ذبيحة عن الخطية لأجل تطهير الكهنة؟ الأمور الخاصة بالكهنة ومنها تقدمات الذبائح والتطهير والتقديس تحتل المكانة الأولى. فالثور هو أكبر جسمًا من التيس، ويشير بذلك إلى عظمة الأمور الروحية.

 

الثور وكبش المحرقة يشيران إلى قوة وعنفوان المؤمنين المقدسين في اسم المسيح. كذلك الثور والكبش يشيران إلى الصبر وشدة الاحتمال، وكذلك إلى ثمار الوداعة، فالثور هو مثال للصبر بينما الكبش مثال للقوة.

 

والدقيق الملتوت بالزيت يُظهر بوضوح وبطريقة رمزية بهاء رجاء الحياة وفق روح المسيح. لأننا لا ينبغي أنْ نحزن أو نبكي في حضرة المسيح، بل نكون مبتهجين وسعداء. لأنَّ هذا ما أراد أنْ يعلنه المرنم بنصيحته حين قال: ” هَلُمَّ نُرَنِّمُ لِلرَّبِّ، نَهْتِفُ لِصَخْرَةِ خَلاَصِنَا” (مز95: 1).

 

          هكذا ينبعث من مجد المسيح نوره النقي واللامع، وسوف يقبل بفرح عظيم ثمار القديسين مثلما نزل الله بكل مجده مثل نار وأكل الذبائح. إنَّ طعامه ولذته هو نجاح أولئك الذين تقدَّسوا بالإيمان حينذاك (أي في العهد القديم) أرسل الله شعلة نار لتسقط فوق الذبائح المشقوقة وتلمس التقدمات، وذلك لأنَّ العنصر الإلهي يحضر دائمًا على شكل طبيعة النار. أمَّا الآن حيث نُقدِّم الذبيحة العقلية لا يلمس تقدماتنا على شكل نارٍ، لكنه يعمل بالروح القدس ويظهر المسيح حيًا لأولئك الذين يريدون أن يصيروا شركاؤه. ونحن نقبل هذا الأمر كحقيقة.

بلاديوس: أنت تتحدث بالصواب.

كيرلس: وعندما يرفع هارون يديه يتبارك الشعب. ولاحظ كيف يفرد هارون يديه ويضعها لتكون على الشعب. وهذا يعني أنَّ هارون الحقيقي بارك الجميع كهنةً وشعبًا، صغارًا وكبارًا وفق المكتوب[1]  واضعًا يديه فوقهم. إن وضع الأيدي يمثل علامةً واضحةً تشير إلى حلول الروح القدس علينا. ولا يوجد وضع الأيدي (وحلول الروح القدس) قبل كهنوت هارون. لأنه وفق كلام يوحنا: ” لأَنَّ الرُّوحَ الْقُدُسَ لَمْ يَكُنْ قَدْ أُعْطِيَ بَعْدُ، لأَنَّ يَسُوعَ لَمْ يَكُنْ قَدْ مُجِّدَ بَعْدُ ” (يو7: 39).

بلاديوس: كلامك مقنع.

كيرلس: وقد حدد أيضًا الطريقة التي بها يجب أنْ يصلي الكهنة مستخدمًا في كلامه طريقة متماشية مع نبوّات مسبقة عن آلام المسيح، قائلاً: ” كَلِّمْ هَارُونَ وَبَنِيهِ قَائِلاً: هكَذَا تُبَارِكُونَ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَائِلِينَ لَهُمْ: يُبَارِكُكَ الرَّبُّ وَيَحْرُسُكَ. يُضِيءُ الرَّبُّ بِوَجْهِهِ عَلَيْكَ وَيَرْحَمُكَ. يَرْفَعُ الرَّبُّ وَجْهَهُ عَلَيْكَ وَيَمْنَحُكَ سَلاَمًا. فَيَجْعَلُونَ اسْمِي عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَأَنَا أُبَارِكُهُمْ ” (عد6: 23 ـ 27).

 

          إذن، فقد أمر أولئك الذين نالوا رتبة الكهنوت أنْ يباركوا الشعب، لكنه أراد أنْ يبعدهم بطريقةٍ مناسبةٍ عن الأفكار الباطلة مُظهرًا لهم أنه يباركهم ليس بيد بشرية، بل يباركهم بنفسه وذلك وفق المكتوب:  ” كُلُّ عَطِيَّةٍ صَالِحَةٍ وَكُلُّ مَوْهِبَةٍ تَامَّةٍ هِيَ مِنْ فَوْقُ، نَازِلَةٌ مِنْ عِنْدِ أَبِي الأَنْوَارِ، الَّذِي لَيْسَ عِنْدَهُ تَغْيِيرٌ وَلاَ ظِلُّ دَوَرَانٍ ” (يع1: 17)، بمعنى أنَّ المسيح هو طريق البركة، وهو مُعطي الخيرات السماوية، والكل من أبينا (الله) يُمنح بواسطته ومنه. أيضًا بولس الرسول يقول: ” نِعْمَةٌ لَكُمْ وَسَلاَمٌ مِنَ اللهِ أَبِينَا وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ” (رو1: 7).

          إذن، فنحن نتبارك في اسم الله، لكن كيف يمكن لطريقة إعطاء البركة هذه أنْ تكون مناسبة؟ سنتحقق من ذلك بطريقة جميلة، إذ مكتوب أنَّ الكاهن الذي يصلي يجب أنْ يضيف قائلاً: ” يُبَارِكُكَ الرَّبُّ وَيَحْرُسُكَ. يُضِيءُ الرَّبُّ بِوَجْهِهِ عَلَيْكَ وَيَرْحَمُكَ. يَرْفَعُ الرَّبُّ وَجْهَهُ عَلَيْكَ وَيَمْنَحُكَ سَلاَمًا ” (عد6: 24 ـ 26).

          حسنًا، البركة تصون وتُبطل اللعنة وتُعيد تشكيل المخطئ حتى يستطيع أنْ يكون محل ثناء ومدح من المسيح. وبولس الرسول يشهد بذلك عندما كتب: ” مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي بَارَكَنَا بِكُلِّ بَرَكَةٍ رُوحِيَّةٍ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيحِ، كَمَا اخْتَارَنَا فِيهِ قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ، لِنَكُونَ قِدِّيسِينَ وَبِلاَ لَوْمٍ قُدَّامَهُ فِي الْمَحَبَّةِ، إِذْ سَبَقَ فَعَيَّنَنَا لِلتَّبَنِّي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ لِنَفْسِهِ، حَسَبَ مَسَرَّةِ مَشِيئَتِهِ ” (أف1: 3 ـ 5).

          أرأيت كيف أنَّ الإنسان الذي طُرد بسبب عصيانه، صار مقبولاً بالتبني عندما نال البركة من خلال المسيح بشركة الروح القدس الذي سمح أنْ ينسكب بغنىً علينا، والذي لم يمنحه للقديسين جزئيًا، بل وضعه داخلنا بكل كماله.

إنَّ ظهور وجه الله علينا، يجلب لنا الرحمة، إذ أننا بمعرفة الله سوف نشترك في الحياة الأبدية. لأنَّ هذا ما قاله المخلِّص إلى الله الآب السماوي: ” هذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ وَيَسُوعَ الْمَسِيحَ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ ” (يو17: 3).

فالابنُ، وهو وجه الله الآب الذي ظهر لنا، ولا يمكن أنْ يكون لدينا أي تردد تجاه هذه الحقيقة؛ لأنه هو ختمه ورسم جوهره، وبواسطته وفيه نحصل على معرفة الآب. وبهذه المعرفة يأتي إلينا، لذا يجب أنْ نكون رُحماء؛ لأننا خلصنا بالإيمان وليس من أعمال البر التي نفعلها، لكن بسبب رحمته العظيمة (انظر تي3: 5) ألقينا عن كاهلنا الفساد وأخذنا شكلاً جديدًا مناسبًا لحياة المسيح الجديدة، بسبب رحمة الله.

ولو نقلنا مفهوم حديثنا إلى اليهود، سنتحقق أنهم قبلوا الرحمة الحقيقية عندما أشرق وحيد الجنس عليهم. بمعنى أنَّ الناموس الدائن ضغط عليهم كحمل ثقيل لا يُحمل، إذ عاقب الذين أخطأوا بدون رحمة، لكنهم رُحموا بأعمال النعمة المخلصة، وبالكاد نال البعض منهم هذه النعمة بواسطة المسيح الذي انتظروا مجيئه بشغف مترقبين رؤيته صارخين إلى إله الجميع: ” يَا اَللهُ أَرْجِعْنَا، وَأَنِرْ بِوَجْهِكَ فَنَخْلُصَ ” (مز80: 3).

          هكذا رُحمنا كلنا بظهور المسيح. وبالتأكيد، ظهور وجه الله يحمل سلامًا، ذلك السلام الذي يمنحه ويعطيه المسيح لأولئك الذين يؤمنون به. لأنه يقول ” سَلاَمًا أَتْرُكُ لَكُمْ. سَلاَمِي أُعْطِيكُمْ ” (يو14: 27). وعندما رفَّعَ الآبُ الابنَ وأعطاه اسمًا فوق كل اسم (انظر في2: 9) قائلاً له: ” اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي ” (مز110: 1). عندئذٍ أبطل العداوة التي فصلتنا عنه، فاتحدنا فيما بيننا ووجدنا السلام باختيارنا مرة أخرى، إذ قبلنا وصاياه وسلكنا حسب الروح، وبواسطته وبه صرنا شركاء الطبيعة الإلهية (2بط1: 4)، وفي هذه الوحدة ربطنا المسيح. لأنه قال مرة للآب: ” لِيَكُونَ الْجَمِيعُ وَاحِدًا، كَمَا أَنَّكَ أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ فِيَّ وَأَنَا فِيكَ، لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضًا وَاحِدًا فِينَا ” (يو17: 21). وبحسب الكتاب ” فَإِنَّنَا نَحْنُ الْكَثِيرِينَ خُبْزٌ وَاحِدٌ، جَسَدٌ وَاحِدٌ، لأَنَّنَا جَمِيعَنَا نَشْتَرِكُ فِي الْخُبْزِ الْوَاحِدِ ” (1كو10: 17). وكون أنَّ الله الآب يرفع وجهه، أي يمجِّد الابن ونقبل نحن غنى السلام شاخصين نحوه، فهذا ما يوضحه هو نفسه قائلاً:   ” وَأَنَا إِنِ ارْتَفَعْتُ عَنِ الأَرْضِ أَجْذِبُ إِلَيَّ الْجَمِيعَ ” (يو12: 32).

بلاديوس: أنت تفكر بالصواب. ” لأَنَّ بِهِ لَنَا كِلَيْنَا قُدُومًا فِي رُوحٍ وَاحِدٍ إِلَى الآبِ ” (أف2: 18).

كيرلس: هذا ما يقوله لنا الناموس عن الكهنة وعن رسامتهم. يجب على الجنس اللاوى أنْ يتقدس جيدًا وطالما تقدّس بالطرق الواجبة، عندئذٍ يأخذ على عاتقه القيام بالخدمة الكهنوتية التي كُلِّف بها. حقًا يقول في سفر العدد الآتي: ” خُذِ اللاَّوِيِّينَ مِنْ بَيْنِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَطَهِّرْهُمْ. وَهكَذَا تَفْعَلُ لَهُمْ لِتَطْهِيرِهِمِ: انْضِحْ عَلَيْهِمْ مَاءَ الْخَطِيَّةِ، وَلْيُمِرُّوا مُوسَى عَلَى كُلِّ بَشَرِهِمْ، وَيَغْسِلُوا ثِيَابَهُمْ فَيَتَطَهَّرُوا. ثُمَّ يَأْخُذُوا ثَوْرًا ابْنَ بَقَرٍ وَتَقْدِمَتَهُ دَقِيقًا مَلْتُوتًا بِزَيْتٍ. وَثَوْرًا آخَرَ ابْنَ بَقَرٍ تَأْخُذُ لِذَبِيحَةِ خَطِيَّةٍ. فَتُقَدِّمُ اللاَّوِيِّينَ أَمَامَ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ، وَتَجْمَعُ كُلَّ جَمَاعَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَتُقَدِّمُ اللاَّوِيِّينَ أَمَامَ الرَّبِّ، فَيَضَعُ بَنُو إِسْرَائِيلَ أَيْدِيَهُمْ عَلَى اللاَّوِيِّينَ. وَيُرَدِّدُ هَارُونُ اللاَّوِيِّينَ تَرْدِيدًا أَمَامَ الرَّبِّ مِنْ عِنْدِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَيَكُونُونَ لِيَخْدِمُوا خِدْمَةَ الرَّبِّ. ثُمَّ يَضَعُ اللاَّوِيُّونَ أَيْدِيَهُمْ عَلَى رَأْسَيِ الثَّوْرَيْنِ، فَتُقَرِّبُ الْوَاحِدَ ذَبِيحَةَ خَطِيَّةٍ، وَالآخَرَ مُحْرَقَةً لِلرَّبِّ، لِلتَّكْفِيرِ عَنِ اللاَّوِيِّينَ. فَتُوقِفُ اللاَّوِيِّينَ أَمَامَ هَارُونَ وَبَنِيهِ وَتُرَدِّدُهُمْ تَرْدِيدًا لِلرَّبِّ. وَتُفْرِزُ اللاَّوِيِّينَ مِنْ بَيْنِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَيَكُونُ اللاَّوِيُّونَ لِي. وَبَعْدَ ذلِكَ يَأْتِي اللاَّوِيُّونَ لِيَخْدِمُوا خَيْمَةَ الاجْتِمَاعِ فَتُطَهِّرُهُمْ وَتُرَدِّدُهُمْ تَرْدِيدًا ” (عد8: 6 ـ 15).

بلاديوس: الآن فلتوضح لنا جيدًا كيف نفهم طريقة التطهير التي طُبقت على اللاويين.

كيرلس: يا بلاديوس إنها طريقة سرّية وتشير أيضًا إلى المسيح. لأنَّ هذا هو تطهيرنا واغتسالنا من أي دنس، وواهب القداسة يقول: “انضح عليهم ماء للتطهير”. هذا بالتأكيد يعلنه بولس الحكيم قائلاً:    ” لأَنَّهُ إِنْ كَانَ دَمُ ثِيرَانٍ وَتُيُوسٍ وَرَمَادُ عِجْلَةٍ مَرْشُوشٌ عَلَى الْمُنَجَّسِينَ، يُقَدِّسُ إِلَى طَهَارَةِ الْجَسَدِ، 14 فَكَمْ بِالْحَرِيِّ يَكُونُ دَمُ الْمَسِيحِ” (عب9: 13 ـ 14)، وحديث الرسول ينطق بالحق؛ لأنه إذا كانت هناك فائدة من الأمثلة والظلال، ويمكنها أنْ تخلِّص (أي تقدس إلى طهارة الجسد)، فكيف لا يفعل الحق ما هو أفضل، أي دم المسيح؟!

          إذن، فماء التطهير الممزوج برماد العجلة يشير إشارةً واضحةً لما يُقال عن موت المسيح، مثلما يصير لنا نحن أنفسنا هذا الأمر بالإيمان أثناء المعمودية المقدسة (أي الموت). لأنه، كما قال أيضًا بولس الرسول نفسه: ” فَدُفِنَّا مَعَهُ بِالْمَعْمُودِيَّةِ لِلْمَوْتِ، حَتَّى كَمَا أُقِيمَ الْمَسِيحُ مِنَ الأَمْوَاتِ، بِمَجْدِ الآبِ، هكَذَا نَسْلُكُ نَحْنُ أَيْضًا فِي جِدَّةِ الْحَيَاةِ  ” (رو6: 4). وأيضًا في موضع آخر قال: ” حَامِلِينَ فِي الْجَسَدِ كُلَّ حِينٍ إِمَاتَةَ الرَّبِّ يَسُوعَ، لِكَيْ تُظْهَرَ حَيَاةُ يَسُوعَ أَيْضًا فِي جَسَدِنَا. لأَنَّنَا نَحْنُ الأَحْيَاءَ نُسَلَّمُ دَائِمًا لِلْمَوْتِ مِنْ أَجْلِ يَسُوعَ، لِكَيْ تَظْهَرَ حَيَاةُ يَسُوعَ أَيْضًا فِي جَسَدِنَا الْمَائِتِ ” (2كو4: 10 ـ 11). هذا يعني أنْ يكون المرءُ ميتًا عن العالم ويخضع لإماتة المسيح ويحيا مرة أخرى حياة المسيح. إذن، فرماد العجلة مختلط بالماء، يشير إلى إماتة المسيح التي تتحقق في المعمودية المقدسة.

          يوصي بأنه ـ في هذه الإماتة ـ يجب أنْ يشترك فيها كل الذين ينتمون إلى رتبة كهنوت لاوي، وعليهم أنْ يرفضوا ـ بمفهوم الظلال أيضًا ـ أي نوع من الدنس الجسدي. هذا نراه بوضوح شديد في قص الشعر من كل الجسم. لأن ” كَلِمَةَ اللهِ حَيَّةٌ وَفَعَّالَةٌ وَأَمْضَى مِنْ كُلِّ سَيْفٍ ذِي حَدَّيْنِ ” (عب4: 12)، ذلك السيف الذي يطرح حركات الغرائز التي للجسد من داخلنا، يطرحها عن العقل مثل الأدناس التي تأتي من الشعر والأظافر. هذا الأمر يدعوه الكتاب المقدس ناموس الخطية الذي قد سكن في أعضائنا الجسدية ويتمرد على ناموس ذهننا (انظر رو7: 23). ومثل السيف لا يطرح الشعر تمامًا من الجذور، لكن يقطعه مباشرةً حين ينبت مرةً ثانيةً، هكذا كلمة الله داخلنا، لا تقتطع من الجذر حركة الشهوة الغريزية (لأنَّ القداسة التامة تُحفظ للدهر الآتي)، لكن بالحري تميتها بمجرد أنْ تنبت مرةً أخرى وتبدأ ترتفع داخلنا لتوقظ ناموس الجسد الذي يتوحش في أعضائنا.

          هكذا نزعُ الشعرِ يشيرُ إلى نظافة الذهن، والذي يتمم هذا في داخلنا كلمة الله الفعالة والحادة. كما أنَّ غسلُ الملابسِ يشير إلى طريقة الحياة الخارجية البهيّة والأصيلة. لأنه وفق المكتوب ” مُعْتَنِينَ بِأُمُورٍ حَسَنَةٍ قُدَّامَ جَمِيعِ النَّاسِ ” (رو12: 17). والمسيح نفسه يقول أيضًا: ” فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ ” (مت5: 16).

          إذن، من الحتمي أنْ يحاط الكهنة والقديسون الحقيقيون الأطهار داخليًا وخارجيًا بإماتة المسيح، ويتَّحدون معه بالمعمودية المقدسة.

بلاديوس: أنت تتحدث بالصواب.

كيرلس: لقد قال إنَّ الذبيحة التي تُقدَّم لأجلهم يجب أنْ تتكون من ثورين أحدهما ناضجٌ والآخر ابنُ سنةٍ، أي ليِّنًا وطريًا وصغيرًا. الناضج سيكون ثورًا للمحرقة ويقدَّم مع دقيق ملتوت بزيت، والثاني يقدَّم كذبيحة عن الخطية التي فعلوها وسيُحرق خارج الخيمة. لأنه هكذا تكتمل تقدمة الذبائح عن الخطايا.

وبالاثنين أيضًا يُرمز إلى المسيح كليّ القداسة بثور المحرقة، لكي يشتم الله رائحته الذكية لأجلنا مقدِّمًا إلى القديسين النعمة وفرح حياة الرجاء. لأنه مع الثور يُقدَّم دقيقٌ ملتوتٌ بزيت، الأمر الذي سيتبعه على أية حال أولئك الذين أحبوا الحياة بحسب المسيح. كذلك قُدِّم المسيح كثورٍ يُحرق في النار لأجل خطايانا، إذ مكتوب: ” وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا ” (إش53: 5).

ولاحظ إنَّ الثور الناضج يصير ذبيحة محرقة، بينما الثاني ابن سنة يُذبح من أجل الخطايا. هكذا بالاثنين ـ بطريقة روحية ـ تضع في عقلك الواحد، من جهة كمال الفضائل وذهنيًا الأكثر ذكاءً، ومن جهة ثانية الذي ذُبح ببساطته وطهارته. لأنه يقول: ” وَأَنَا كَخَرُوفِ دَاجِنٍ يُسَاقُ إِلَى الذَّبْحِ ” (إر11: 19). أما أنَّ الجنس الكهنوتي يُقدَّم تكريسًا إلى الله لأجل الكل ومن الكل، فهذا ما نراه في وضع الأيدي عند الإسرائيليين. لأنه يقول ” فَيَضَعُ بَنُو إِسْرَائِيلَ أَيْدِيَهُمْ عَلَى اللاَّوِيِّينَ ” (عد8: 10).

          وهذا الأمر يفعلونه ليس بالتأكيد من أجل أنْ يباركونهم لكن بوضع الأيدي يعلنون أنَّ الله هو الذي يرفع خطايانا، وهو الذي قدَّم نفسه ذبيحةً لأجلنا ” إِذْ مَحَا الصَّكَّ الَّذِي عَلَيْنَا فِي الْفَرَائِضِ، الَّذِي كَانَ ضِدًّا لَنَا، وَقَدْ رَفَعَهُ مِنَ الْوَسَطِ مُسَمِّرًا إِيَّاهُ بِالصَّلِيبِ ” (كو2: 14)، أي كما أنَّ اللاويين يضعون أيديهم فوق رؤوس الذبائح لأجلهم كرمز للمسيح من خلال الذبائح التي تُذبح لأجل الشعب، هكذا يجب أن تدرك المعنى اللاهوتي لرسامة اللاويين الذين أُختيروا من جميع الشعب. أى أن الشعب كله بمجموعهم قد وضعوا اللاويينَ بدلاً من ذواتهم كمختارين لخدمة الله، ووضعوا أيديهم فوقهم. ومن وقتها صار طقس وضع الأيدي موجودًا. أما الآن حينما الأمور سارت إلى الأفضل، فقد مُنح للجمع (أي للشعب) ـ بطريقةٍ فائقةٍ ـ فرصةَ ترشيح أولئك الذين يدعون من المسيح إلى الخدمة المقدسة قائلين لهم أثناء الإجتماع الكنسي “إنهم مستحقون”. وهذا الأمر (أي الرسامة للخدمة المقدسة) يتم أمام الجمع الكنسي مثلما حدث للأقدمين عندما وُضعت الأيادي على اللاويين بالقرب من الخيمة المقدسة.

ولذلك، يكون واضحٌ جدًا إنَّ الرسامة إنْ لم تتم في الكنيسة وبحضور الشعب تكون مخالفة لإرادة الله وخارج القوانين المقدسة. وبمجرد تتميم الرسامة يبدأ اللاويون إتمام واجبات الخدمة.

[1]  انظر مز 114: 20 ـ 21

 

المقالة11 ج4 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة11 ج3 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة11 ج3 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة11 ج3 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

 

السجود والعبادة بالروح والحق

تابع المقالة الحادية عشر

“عن الكهنوت، وإن الكهنوت بحسب الناموس كان ظلاً للكهنوت بحسب المسيح”

 

كيرلس: ويتحدث أيضًا عن الطريقة التي يجب أن تُتمم بها الذبائح لأجل الكهنة، فيقول: ” وَتُقَدِّمُ الثَّوْرَ إِلَى قُدَّامِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ، فَيَضَعُ هَارُونُ وَبَنُوهُ أَيْدِيَهُمْ عَلَى رَأْسِ الثَّوْرِ. فَتَذْبَحُ الثَّوْرَ أَمَامَ الرَّبِّ عِنْدَ بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ. وَتَأْخُذُ مِنْ دَمِ الثَّوْرِ وَتَجْعَلُهُ عَلَى قُرُونِ الْمَذْبَحِ بِإِصْبِعِكَ، وَسَائِرَ الدَّمِ تَصُبُّهُ إِلَى أَسْفَلِ الْمَذْبَحِ. وَتَأْخُذُ كُلَّ الشَّحْمِ الَّذِي يُغَشِّي الْجَوْفَ، وَزِيَادَةَ الْكَبِدِ وَالْكُلْيَتَيْنِ وَالشَّحْمَ الَّذِي عَلَيْهِمَا، وَتُوقِدُهَا عَلَى الْمَذْبَحِ. وَأَمَّا لَحْمُ الثَّوْرِ وَجِلْدُهُ وَفَرْثُهُ فَتَحْرِقُهَا بِنَارٍ خَارِجَ الْمَحَلَّةِ. هُوَ ذَبِيحَةُ خَطِيَّةٍ. وَتَأْخُذُ الْكَبْشَ الْوَاحِدَ، فَيَضَعُ هَارُونُ وَبَنُوهُ أَيْدِيَهُمْ عَلَى رَأْسِ الْكَبْشِ. فَتَذْبَحُ الْكَبْشَ وَتَأْخُذُ دَمَهُ وَتَرُشُّهُ عَلَى الْمَذْبَحِ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ. وَتَقْطَعُ الْكَبْشَ إِلَى قِطَعِهِ، وَتَغْسِلُ جَوْفَهُ وَأَكَارِعَهُ وَتَجْعَلُهَا عَلَى قِطَعِهِ وَعَلَى رَأْسِهِ، وَتُوقِدُ كُلَّ الْكَبْشِ عَلَى الْمَذْبَحِ. هُوَ مُحْرَقَةٌ لِلرَّبِّ. رَائِحَةُ سَرُورٍ، وَقُودٌ هُوَ لِلرَّبِّ. وَتَأْخُذُ الْكَبْشَ الثَّانِي، فَيَضَعُ هَارُونُ وَبَنُوهُ أَيْدِيَهُمْ عَلَى رَأْسِ الْكَبْشِ. فَتَذْبَحُ الْكَبْشَ وَتَأْخُذُ مِنْ دَمِهِ وَتَجْعَلُ عَلَى شَحْمَةِ أُذُنِ هَارُونَ، وَعَلَى شَحْمِ آذَانِ بَنِيهِ الْيُمْنَى، وَعَلَى أَبَاهِمِ أَيْدِيهِمِ الْيُمْنَى، وَعَلَى أَبَاهِمِ أَرْجُلِهِمِ الْيُمْنَى. وَتَرُشُّ الدَّمَ عَلَى الْمَذْبَحِ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ. وَتَأْخُذُ مِنَ الدَّمِ الَّذِي عَلَى الْمَذْبَحِ وَمِنْ دُهْنِ الْمَسْحَةِ، وَتَنْضِحُ عَلَى هَارُونَ وَثِيَابِهِ، وَعَلَى بَنِيهِ وَثِيَابِ بَنِيهِ مَعَهُ، فَيَتَقَدَّسُ هُوَ وَثِيَابُهُ وَبَنُوهُ وَثِيَابُ بَنِيهِ مَعَهُ. ثُمَّ تَأْخُذُ مِنَ الْكَبْشِ: الشَّحْمَ وَالإِلْيَةَ وَالشَّحْمَ الَّذِي يُغَشِّي الْجَوْفَ، وَزِيَادَةَ الْكَبِدِ وَالْكُلْيَتَيْنِ، وَالشَّحْمَ الَّذِي عَلَيْهِمَا، وَالسَّاقَ الْيُمْنَى. فَإِنَّهُ كَبْشُ مِلْءٍ. وَرَغِيفًا وَاحِدًا مِنَ الْخُبْزِ، وَقُرْصًا وَاحِدًا مِنَ الْخُبْزِ بِزَيْتٍ، وَرُقَاقَةً وَاحِدَةً مِنْ سَلَّةِ الْفَطِيرِ الَّتِي أَمَامَ الرَّبِّ. وَتَضَعُ الْجَمِيعَ فِي يَدَيْ هَارُونَ وَفِي أَيْدِي بَنِيهِ، وَتُرَدِّدُهَا تَرْدِيدًا أَمَامَ الرَّبِّ. ثُمَّ تَأْخُذُهَا مِنْ أَيْدِيهِمْ وَتُوقِدُهَا عَلَى الْمَذْبَحِ فَوْقَ الْمُحْرَقَةِ رَائِحَةَ سَرُورٍ أَمَامَ الرَّبِّ. وَقُودٌ هُوَ لِلرَّبِّ. ثُمَّ تَأْخُذُ الْقَصَّ مِنْ كَبْشِ الْمِلْءِ الَّذِي لِهَارُونَ، وَتُرَدِّدُهُ تَرْدِيدًا أَمَامَ الرَّبِّ، فَيَكُونُ لَكَ نَصِيبًا. وَتُقَدِّسُ قَصَّ التَّرْدِيدِ وَسَاقَ الرَّفِيعَةِ الَّذِي رُدِّدَ وَالَّذِي رُفِعَ مِنْ كَبْشِ الْمِلْءِ مِمَّا لِهَارُونَ وَلِبَنِيهِ، فَيَكُونَانِ لِهَارُونَ وَبَنِيهِ فَرِيضَةً أَبَدِيَّةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لأَنَّهُمَا رَفِيعَةٌ. وَيَكُونَانِ رَفِيعَةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ ذَبَائِحِ سَلاَمَتِهِمْ، رَفِيعَتَهُمْ لِلرَّبِّ ” (خر29: 10 ـ 28).

 

وبعد ذلك يقول: ” وَأَمَّا كَبْشُ الْمِلْءِ فَتَأْخُذُهُ وَتَطْبُخُ لَحْمَهُ فِي مَكَانٍ مُقَدَّسٍ. فَيَأْكُلُ هَارُونُ وَبَنُوهُ لَحْمَ الْكَبْشِ وَالْخُبْزَ الَّذِي فِي السَّلَّةِ عِنْدَ بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ. يَأْكُلُهَا الَّذِينَ كُفِّرَ بِهَا عَنْهُمْ لِمِلْءِ أَيْدِيهِمْ لِتَقْدِيسِهِمْ. وَأَمَّا الأَجْنَبِيُّ فَلاَ يَأْكُلُ لأَنَّهَا مُقَدَّسَةٌ. وَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ مِنْ لَحْمِ الْمِلْءِ أَوْ مِنَ الْخُبْزِ إِلَى الصَّبَاحِ، تُحْرِقُ الْبَاقِيَ بِالنَّارِ. لاَ يُؤْكَلُ لأَنَّهُ مُقَدَّسٌ ” (خر29: 31 ـ 34).

بلاديوس: إن هذه التوصيات الناموسية عميقة جدًا وغامضة.

كيرلس: هي حقًا عميقة جدًا ـ بالصواب تتكلم ـ لكنها ليست غامضة تمامًا، طالما يشرق في داخلنا الروح القدس بالاستنارة الإلهية. إذن، لنمضِ في فحص هذه التوصيات واحدةً واحدةً بقدر استطاعتنا.

 

بآلاف الطُرق طهَّرنا ربنا يسوع المسيح، وجعلنا قديسين ومقبولين. لأننا بواسطته وبقوته استطعنا أنْ نأتي إلى الله، ولم نعُد ممقوتون من الله الآب. إن موت المسيح وقيامته مفيدان وضروريان لخلاصنا ـ نحن الموجودون في الفساد والخطية ـ وعلاوةً على ذلك، فإن كمالنا هو بجسده ودمه. لأنَّ الكمال يوجد في المسيح، وليس في الناموس.

بلاديوس: لقد تكلمت بالصواب.

كيرلس: إذن، من خلال الأمثلة والنماذج التي تخبرنا عنها الوصايا الناموسية التي تشير إلى المسيح تيقنَّا من أننا خلُصنا وتقدَّسنا وصرنا أطهارًا وقديسين بنعمة المسيح، الذي قُدِّم ذبيحة. وقد أُشير إليه بالثور الذي ذُبِحَ بالقرب من الخيمة المقدسة بعدما وُضعت الأيدي فوقه. ثم بعد ذلك سال دمه على قاعدة المذبح بعدما مسحوا قرونه. وحُرقت الأحشاء مع بخورٍ ذكي. وفي النهاية حُرقت بقايا الذبيحة حيث نُقلت خارج الخيمة. إذن، الثور يرمز إلى المسيح الذي ليس تحت نير، وفي نفس الوقت صار تحت نير. إذ بينما هو إلهٌ بطبيعته دخل تحت سلطة الناموس بسبب طبيعته البشرية التي اتخذها.

إذن، الثور الجديد لا يكون معتادًا على النير، لكن له في طبيعته أنْ يدخل تحت النير، أليس كذلك؟

بلاديوس: هو هكذا بالفعل.

كيرلس: لقد رُمِزَ للمسيحُ بثور بحسب التدبير لكي ندرك أنَّ إلوهية الكلمة لا تقبل أى نير أو عبودية، ولكي ندرك أيضًا أن خضوعه تحت النير كان وفق طبيعته البشرية. لقد ذُبح الثور لأجل الخيمة المقدسة، ولأجل أولئك الذين وضعوا أيديهم فوقه، وهؤلاء كانوا لاويين وكهنة؛ والمسيح مات لأجل الكنيسة، ولأجل أولئك الذين قدَّسهم بالإيمان.

 

          وكون أنَّ موت عمانوئيل هو موتٌ مقدَّسٌ، وإنَّ طريقة تقديم ذبيحته طريقةٌ مقبولةٌ عند الله الآب، فهو ما يمكنك أنْ تدركه من انسكاب الدم على المذبح المقدس، ومن مسح الأحشاء التي ترمز إلى الفضائل الروحية داخلنا، والتي تُكسبنا الرائحة الروحية الذكية، ليست بطريقة واحدة لأنَّ الأحشاء متنوعةٌ، الدسم، الكُلى والكَبد. بقايا جسم الذبيحة يُحرق خارج الخيمة كإشارة إلى أن المسيحَ تألمَّ خارج المحلة كما هو مكتوب (انظر عب13: 12).

 

          كما أنَّ حرق الجسد بالنار يمثل إعلانًا واضحًا عن إنَّ تألمُّه وموته كانا بلا كرامةٍ وبلا مجدٍ، لكنهما سينتهيان إلى مجد لامع ومتلألئ. إذ أنَّ الطبيعة الإلهية ظهرت للبشر على شكل نارٍ، هكذا نزل الله على جبل سيناء. ولكي يحل المسيح سلطان الموت خضع للموت بحسب التدبير لكي نمجده نحن كإله. إذن، فقد انتهي موته إلى المجد الإلهي اللائق وإلى حياةٍ إلهيةٍ، بينما وضاعة الألم هُزمت من المجد الفائق وتلاشت. وهذا ما أُشير إليه بطريقة رمزية بأنَّ الثور الميت أكلته النيران، إذ صارت آلام المسيح لأجل التكفير من الخطية. وهو الأمر الواضح.

بلاديوس: حقًا هكذا.

كيرلس: بعد ذلك أخذوا الكبش الأول وذبحوه مثل الثور، ورشوا دماءه على المذبح حيث إنهم فصلوه إلى قطع وقدَّموه كذبيحة غاسلين الأحشاء بالماء مع الرأس والأرجل لكي تكون بمثابة بخور. وهذه التوصيات وُضعت لأجلنا لندرك أنها تشير إلى المسيح الكامل كالكبش الملء (الكامل) إذ هو قدوسٌ وكلّي القداسة.

 

وهذا هو أيضًا ما يشير إليه رش الدم على المذبح، فالدم هو رمزٌ للحياة ويُقدَّم إلى الله الآب لكي يشتم رائحته الذكية، وفي نفس الوقت التقدمة هي للجميع معًا وأيضًا لكل واحدٍ على حدة. كما يعتبر هذا أيضًا مثالاً لأنَّ الكبشَ قُدِّم كله على المذبح لكن منفصلاً إلى أعضاء. والأعضاء هي نحن، وكلُ واحدٍ منا هو عضو للمسيح، وكلنا معًا جسدٌ واحدٌ (انظر رو12: 5).

 

وكون أنه كلّيُ القداسةِ والطهارةِ الذي ليست فيه أي بقعة دنسة، فهذا ما يعلنه غسل الأحشاء. كما تُقدَّم الرأس والأكارع (الأرجل) مع الأحشاء معلنًا من البداية حتى النهاية رائحة السرور الكاملة للقداسة في حياة المخلّص. لأنَّ بداية كل كائن حيّ هو الرأس ونهاية الجسم كله هي الأرجل (الأكارع).

 

          أليس من الأفضل أنْ نعتبر الرأسَ يشير إلى العقل، والأرجل تشير للأعمال العملية التي تصاحب المسيرة. وإذ يكون الكل في المسيح مملوءً برائحةٍ ذكيةٍ، وتصل المفاهيم الذهنية والأعمال إلى الطهارة الكاملة؛ لأن المسيحَ لم يفعل خطية، لذلك، فإنَّ تقدمةَ الكبشِ هذه تُسمى محرقةٌ وذبيحةٌ؛ لأنَّ القداسةَ لا تنسحب على جانب واحد. هكذا لا يوافقنا أنْ يكون (المسيحُ) ضعيفًا ويُمسك في خطايا، بل أنْ يكون كُلّي القداسة. لأنَّ ليس أحدٌ (من البشر) طاهرًا من الخطايا (انظر أيوب 19: 4)، والكل يسقط في خطايا كثيرة كما هو مكتوب (انظر يع3: 2).

بلاديوس: وكيف يمكن للمرء أن يؤمن بأن هذه الحياة التي أخذها المسيح هي لأجلنا؟

كيرلس: سوف تفهم هذا بسهولة جدًا عندما تتفكر في أننا صرنا شركاء مخالفة آدم ومن جراء أخطائه عُوقبنا، إذ طالت اللعنةُ الجميعَ والغضبُ امتد على نسله. لذلك تنازل وحيد الجنس وأخضع ذاته لله الآب وصار إنسانًا وسكن بيننا. لأنه يقول ” وأطاع حتى الموت ” (في2: 8)، ماحيًا نتائج عصيان الكل، وعصيان كل واحدٍ على حدة، وبهذا قد خلَّصَنا. ويشهد على ذلك بولس الذي قال: ” فَإِذًا كَمَا بِخَطِيَّةٍ وَاحِدَةٍ صَارَ الْحُكْمُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ لِلدَّيْنُونَةِ، هكَذَا بِبِرّ وَاحِدٍ صَارَتِ الْهِبَةُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، لِتَبْرِيرِ الْحَيَاةِ. لأَنَّهُ كَمَا بِمَعْصِيَةِ الإِنْسَانِ الْوَاحِدِ جُعِلَ الْكَثِيرُونَ خُطَاةً، هكَذَا أَيْضًا بِإِطَاعَةِ الْوَاحِدِ سَيُجْعَلُ الْكَثِيرُونَ أَبْرَارًا ” (رو5: 18 ـ 19).

 

          هل رأيت إذن أنه خلَّصنا، كما تشير إلى ذلك تقديم ذبيحة الثور، إذ مات المسيح لأجلنا، وأرسل رائحتنا إلى الله الآب بطاعته وحياته المقدسة؛ لأنَّ دم الكبش قد سُكب على المذبح المقدس؟

بلاديوس: إنني أفهم ما تقوله.

كيرلس: وهو يصيغ نفس هذا الأمر بطرق كثيرة في إطار رمزي فيقول: ” وَتَأْخُذُ الْكَبْشَ الثَّانِي ” (خر29: 19) ويتم تقديمه ذبيحةً مثل الأول. تمسح وتقدِّس هرون وبنيه الكهنة بمسحة الدم على أذن هرون وعلى آذان بنيه اليمنى، وعلى أباهم أيديهم اليمنى وعلى أباهم أرجلهم. تقدِّس أيضًا ثياب الكهنة برش الدم، وكذلك يُرش الدم على المذبح من كل ناحية بحسب وصية الله. أيضًا يأخذون الأحشاء، ورغيفًا من الخبز وفطيرًا ملتوتًا بزيت. ويوضع كل هذا في يدي هرون وفي أيدي بنيه ثم يأخذها ويقدمها موسى بدوره. بالإضافة إلى ذلك قال إنه يجب أنْ تُخصص للكاهن الساق الرفيعة والصدر ويوضعان معًا مع تلك التي خُصِّصَت. وتُدعى الذبيحةُ ” كَبْشُ الْمِلْءِ (خر29: 31). وطالما قُدِّمت الأحشاءُ كذبيحةٍ، عندئذٍ تؤكل بقية الذبيحة مع الخبز، وفي الصباح يُحرق ما تبقى في النار. هذا ما يقوله الكتاب المقدس.

بلاديوس: حديثك عميق جدًا.

كيرلس: ملاحظتُك صحيحةٌ، والحديث عميقٌ جدًا ويحمل سر المسيح. لأن المسيح صار لأجلنا كبش ملء مُقدِّمًا إيانا كاملين في عملٍ ممتازٍ مظهرًا إيانا بأننا نتحلى بفضائل بواسطة التقديس الروحي، وقبل أي شيء آخر وضع فينا بركة السمع والطاعة، بمعنى السمع والطاعة اللذان يجعلانا نقبل العقائد الخاصة بالمسيح، ليس سماعُ الثرثرةِ والتشويش وكثرة الكلام الوقح الذي بسببه يعطون فرصةً لأولئك الذين يحاربون الحق بأن يملئوا أنفسهم بتعاليمٍ هي ضد العقائد المستقيمة. لأن هذا هو ثمرة الطاعة المقدسة والسمع المقدس. أيضًا يوحنا الرسول يقول: ” أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، لاَ تُصَدِّقُوا كُلَّ رُوحٍ، بَلِ امْتَحِنُوا الأَرْوَاحَ: هَلْ هِيَ مِنَ اللهِ؟ لأَنَّ أَنْبِيَاءَ كَذَبَةً كَثِيرِينَ قَدْ خَرَجُوا إِلَى الْعَالَمِ. بِهذَا تَعْرِفُونَ رُوحَ اللهِ: كُلُّ رُوحٍ يَعْتَرِفُ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي الْجَسَدِ فَهُوَ مِنَ اللهِ ” (1يو4: 1 ـ 2).

 

          وفحص الأقوال لا يصير إلاَّ بالآذان. هكذا فإن آذان أولئك الذين يعتنون بالتعاليم العقيدية الدقيقة والمستقيمة هي مقدسة. إنها هبةٌ من المسيح ومنحةٌ من السماء، ومفخرةُ الدم المقدس، لأنَّ كل مفاخرنا الممتازة نحققها من خلاله وبه. بفضله اليدُ تتنقى وتظهر الفعل العملي، والأرجل أيضًا ترمزٌ بوضوح لاستقامة مسيرتنا. لأنه يجب أنْ نفتخر بأعمالنا المقدسة ونسلك جيدًا الطريق الذي يعبِّر عن كل تلك الأمور المرضية عند الله، ووفق هذا يُسبِّح داود في المزامير    ” تَفَكَّرْتُ فِي طُرُقِي، وَرَدَدْتُ قَدَمَيَّ إِلَى شَهَادَاتِكَ ” (مز119: 59)، أو وفق سفر الأمثال: ” مَهِّدْ سَبِيلَ رِجْلِكَ، فَتَثْبُتَ كُلُّ طُرُقِكَ ” (أم4: 26). ها إنَّ الجنس المقدس والمختار أصبح له طاعة، وسمع مقدس، ويد مقدسة، وأرجل مقدسة وفق التوصيات التي ذكرناها.

 

كل ما مُسِح يكون في الجهة اليمنى وفي الإبهام أي في الأطراف. وأمَّا قوله بأنْ يمسح طرف الأذن والرجل واليد؛ فلأن أي عمل صالح له فاعلية قوية، ويحتل المكانة اليمنى، وليس به نقطة شريرة حتى الأطراف التي تمثِّل محصلة هذا الشخص أو نهايته. يجب على المكرَّسين لله أنْ يكونوا أصحاب اليمين من جهة التقديس حتى النهاية بالصبر. لأنه يقول: ” الَّذِي ابْتَدَأَ فِيكُمْ عَمَلاً صَالِحًا يُكَمِّلُ إِلَى يَوْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ” (في 1: 6). لأنه يُعد تناقضًا شديدًا أنْ يحاول المرء وهو ينظر للوراء أنْ يقدِّم الخيرَ بكسلٍ وخمولٍ. ولأنَّ موسى كان يرمز لله (الآب)، فإنَّ بني هرون كانوا يقدِّمون له الذبيحة، وهو بدوره يقبلها مبرهنًا بذلك على أنَّ الله يقبل كل الذين تقدسوا بهذه الطريقة ـ كما من يد إلى يد ـ وسوف لا يحتقر ذبيحتهم في المسيح؛ لأنَّ ذبيحتهم لها رائحة المسيح. وهذا ما كان يشير إليه بتقدمه الأحشاء حيث بخَّروا أولاً.

 

يُخصص الصدر والقص (الأرجل الأمامية) من كبش الملء للكاهن. ويرمز القص  للقوة، بينما الصدر يشير إلى القلب والكلى. وهو ما يؤكد أن المسيح أعطى الجنس المقدس والكهنوتي، قوة الله الآب وحكمته. أم أنك ترى أننا لسنا حكماء وأقوياء جدًا بقوته؟

بلاديوس: كيف لا؟!! لأنه مكتوب أنَّ المسيحَ هو قوة الله وحكمة الله، لقد صار كل هذا لنا من الله.

كيرلس: واللحم هو الطعام المقدس للذين اُختيروا لخدمة الله، وهو يُؤخذ مع فطير (خبز بلا خمير) دون أنْ يَسمَحَ بمشاركة أي أحد من جنسٍ آخر، لأنَّ أي شخص يفعل هذا يموت. بمعنى أنَّ الاشتراك في الطعام المقدس، أي في جسد المسيح يتناسب مع الأنفس المقدسة، وهذه البركة لا يدنو منها مَن هم مِن أممٍ أخرى. والجنس الآخر هو الجنس الذي لم يؤمن بعد ولم يُعمَّد. والمنتمي لهذا الجنس منحرفُ العقل بسلوكيات مختلفة وغير متفقة مع تعاليم القديسين، وهذه السلوكيات تنحدر من تعاليم دنيئة.

 

          أيضًا تؤكل الذبيحة بواسطة النار وكذلك كل الفائض منها حيث لا يُسمَحُ بأنْ يؤكل منها في اليوم التالي. لأنه وفقًا للحياة الآتية (العتيدة)، ستوجد طرقٌ أخرى روحية، لا جسدية، والله العارف بكل الأشياء يستطيع أنْ يغيرها وينقلها حيث يريد. فالشخص سوف يفهم كلام الله فهمًا تامًا بعد القيامة من الأموات، وذلك لأنَّ الفساد سوف يبَطُل تمامًا. هكذا، وبينما نحن مع الرب يسوع، سوف نكتشف هناك طريقةً أخرى مختلفةً للتقديس.

وطالما تحدثنا فيما خطر على بالنا، سوف نمضى بحديثنا عن أولئك الذين فكَّروا في الأمور الحُسنى. وربما شيءٌ مثل هذا أعلنه بولس الرسول عندما قال: ” وَلكِنْ مَتَى جَاءَ الْكَامِلُ فَحِينَئِذٍ يُبْطَلُ مَا هُوَ بَعْضٌ ” (1كو13: 10).

بلاديوس: هكذا يبدو.

كيرلس: وما قاله المشرِّع من أمور لأجل تكميل الكهنة، يجب أن يُتمم. عندما قام كهنة إسرائيل تجمعوا في اجتماع وأعلن رسميًا تكليفهم بالمسئولية وقال: ” وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلاً: خُذْ هَارُونَ وَبَنِيهِ مَعَهُ، وَالثِّيَابَ وَدُهْنَ الْمَسْحَةِ وَثَوْرَ الْخَطِيَّةِ وَالْكَبْشَيْنِ وَسَلَّ الْفَطِيرِ، وَاجْمَعْ كُلَّ الْجَمَاعَةِ إِلَى بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ. فَفَعَلَ مُوسَى كَمَا أَمَرَهُ الرَّبُّ. فَاجْتَمَعَتِ الْجَمَاعَةُ إِلَى بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ. ثُمَّ قَالَ مُوسَى لِلْجَمَاعَةِ: هذَا مَا أَمَرَ الرَّبُّ أَنْ يُفْعَلَ. فَقَدَّمَ مُوسَى هَارُونَ وَبَنِيهِ وَغَسَّلَهُمْ بِمَاءٍ. وَجَعَلَ عَلَيْهِ الْقَمِيصَ وَنَطَّقَهُ بِالْمِنْطَقَةِ وَأَلْبَسَهُ الْجُبَّةَ وَجَعَلَ عَلَيْهِ الرِّدَاءَ، وَنَطَّقَهُ بِزُنَّارِ الرِّدَاءِ وَشَدَّهُ بِهِ ” (لا8: 1 ـ 7). لأنَّ الخيمةَ مقدسةٌ، والمذبحُ غنيٌّ تمامًا بتقديس الروح، ولكن ليس بالطريقة التي يتم بها ذلك مع الكائنات العاقلة؛ لأنَّ مذبح الخيمة ليس مقدسًا مثل ـ على سبيل المثال ـ طبيعة الملاك أو نفس الإنسان، لكن تقديس المذبح يتم باتصاله بالتقدمة التي تُوضع فوقه. لأنَّ المكان يتقدَّس حيث يوجد فيه المسيح. إذن، فطالما مُسِحَ المذبح سبعُ مرات، أي بغنىً، هكذا أيضًا قدَّس هرون، أي سكب فوقه زيت المسحة ومعه قدَّم تقدمات من أجله وأبناءه بالطريقة التي تكلّمنا عنها سابقًا.

          وطالما أنَّ كل ذلك قد صار وتكمَّل، يعطي وصيةً أخرى قائلاً:   ” وَمِنْ لَدُنْ بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ، لاَ تَخْرُجُونَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ إِلَى يَوْمِ كَمَالِ أَيَّامِ مَلْئِكُمْ، لأَنَّهُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ يَمْلأُ أَيْدِيَكُمْ. كَمَا فَعَلَ فِي هذَا الْيَوْمِ، قَدْ أَمَرَ الرَّبُّ أَنْ يُفْعَلَ لِلتَّكْفِيرِ عَنْكُمْ. وَلَدَى بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ تُقِيمُونَ نَهَارًا وَلَيْلاً سَبْعَةَ أَيَّامٍ، وَتَحْفَظُونَ شَعَائِرَ الرَّبِّ فَلاَ تَمُوتُونَ، لأَنِّي هكَذَا أُمِرْتُ ” (لاو8: 33 ـ 35). لقد أوضح حديثنا ما هي الطريقة التي تصير بها أي ذبيحة. لذلك فلنترك التفاصيل في هذه المواضيع ونمضي بحديثنا في أمرٍ آخر.

 

لا يسمح الناموس لهؤلاء الذين صاروا أغنياء بهذا النصيب المقدس (الخدمة الكهنوتية) وتطهَّروا وتكمَّلوا من أجل هذا العمل المقدس، أنْ يخرجوا خارج الخيمة المقدسة. بل يجب أنْ يبقوا بالداخل سبعة أيام، وبطريقةٍ ما سمَّر الأبواب حتى لا يعبروا العتبة. وإغلاق المكان المقدس هو رمزٌ للثبات والإقامة في القداسة. بمعنى أنه يجب أنْ نكون غير منتقلين عن ممارسة الفضيلة نحن الذين أسرعنا لنستند على الله بدون أنْ نخرج عن حدود عملنا ولا نبتعد عن معرفتنا المقدسة، لكن لنسكن دائمًا بالقرب من الله وفق ما قيل بفم النبي: ” إِنْ كُنْتُمْ تَطْلُبُونَ فَاطْلُبُوا. ارْجِعُوا، تَعَالَوْا ” (إش21: 12).

هذا هو ما أمر به موسى بالنسبة لما سيحدث في الأيام السبعة، وعدد “سبعة” يعني أنه يجب أنْ يظلّوا في أي ظرف بالقرب من الله، أي كل الوقت وفي كل الأحوال. وبينما هم لا يزالون في الخيمة، يعطي وصية ليحفظوا أوامر الرب مظهرًا الطاعة كثمرة للإقامة الدائمة بالقرب من الله، ويفعلون كل ما يريده المشرّع. إذًا دعنا نظل دائمًا بالقرب من رب الكل؛ لأن الخمول بالنسبة لعمل الخيرات له نهاية في أواخر الأوقات، لذلك أضاف تعبير: ” فَلاَ تَمُوتُونَ، لأَنِّي هكَذَا أُمِرْتُ ” (لا8: 35).

بلاديوس: ما تقوله صحيح.

كيرلس: بدأ القائم بالخدمة الليتورجية هارون في تتميم الوصايا من أجل الطهارة والكمال. ودعنا نمضي ونقول بأية طريقة. لأنه مكتوب أيضًا في سفر اللاويين: ” وَفِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ دَعَا مُوسَى هَارُونَ وَبَنِيهِ وَشُيُوخَ إِسْرَائِيلَ.  وَقَالَ لِهَارُونَ: خُذْ لَكَ عِجْلاً ابْنَ بَقَرٍ لِذَبِيحَةِ خَطِيَّةٍ، وَكَبْشًا لِمُحْرَقَةٍ صَحِيحَيْنِ، وَقَدِّمْهُمَا أَمَامَ الرَّبِّ. وَكَلَّمَ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَائِلاً: خُذُوا تَيْسًا مِنَ الْمَعْزِ لِذَبِيحَةِ خَطِيَّةٍ، وَعِجْلاً وَخَرُوفًا حَوْلِيَّيْنِ صَحِيحَيْنِ لِمُحْرَقَةٍ، وَثَوْرًا وَكَبْشًا لِذَبِيحَةِ سَلاَمَةٍ لِلذَّبْحِ أَمَامَ الرَّبِّ، وَتَقْدِمَةً مَلْتُوتَةً بِزَيْتٍ. لأَنَّ الرَّبَّ الْيَوْمَ يَتَرَاءَى لَكُمْ. فَأَخَذُوا مَا أَمَرَ بِهِ مُوسَى إِلَى قُدَّامِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ. وَتَقَدَّمَ كُلُّ الْجَمَاعَةِ وَوَقَفُوا أَمَامَ الرَّبِّ. فَقَالَ مُوسَى: هذَا مَا أَمَرَ بِهِ الرَّبُّ. تَعْمَلُونَهُ فَيَتَرَاءَى لَكُمْ مَجْدُ الرَّبِّ.  ثُمَّ قَالَ مُوسَى لِهَارُونَ: تَقَدَّمْ إِلَى الْمَذْبَحِ وَاعْمَلْ ذَبِيحَةَ خَطِيَّتِكَ وَمُحْرَقَتَكَ، وَكَفِّرْ عَنْ نَفْسِكَ وَعَنِ الشَّعْبِ. وَاعْمَلْ قُرْبَانَ الشَّعْبِ وَكَفِّرْ عَنْهُمْ كَمَا أَمَرَ الرَّبُّ ” (لا9: 1 ـ 7).

          يا بلاديوس لو سمحت لعقلك أن يدخل إلى الكتابات المقدسة ويتأمل فيها بالتفصيل، سوف تكتشف سر المسيح بوضوح.

 

المقالة11 ج3 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة11 ج2 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة11 ج2 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة11 ج2 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

 

السجود والعبادة بالروح والحق

تابع المقالة الحادية عشر

“عن الكهنوت، وإن الكهنوت بحسب الناموس كان ظلاً للكهنوت بحسب المسيح”

 

كيرلس: اصطلاحيًا وقياسًا على ما قلته، سُمِّيَت صدرة القضاء؛ لأنها توضع فوق القلب والأحشاء؛ لأنَّ القلب والأحشاء هما مسكن العقل الذي يضع في داخلنا الحكم المستقيم على أي عمل، ذلك الحُكم الخالي من أية ميول شيطانية، بمعنى أنَّ العقل يقوم بعمل التقييم العادل واللائق لكل شيء. أم أنه لا يوجد أي تعقُّلٍ داخلنا يزن الأعمال، ويفصل بين ما هو جيد وما هو غير نافع؟

بلاديوس: يُوجد بالتأكيد.

كيرلس: اعتاد الكتاب المقدس على تسميه الاستقامة والحق بالقضاء (أو الحكم العادل والبار). وداود العظيم يترنم قائلاً: ” طُوبَى لِلْحَافِظِينَ الْحَقَّ وَلِلصَّانِعِ الْبِرَّ فِي كُلِّ حِينٍ ” (مز106: 3). وأيضًا يقول: ” وَعِزُّ الْمَلِكِ أَنْ يُحِبَّ الْحَقَّ. أَنْتَ ثَبَّتَّ الاسْتِقَامَةَ. أَنْتَ أَجْرَيْتَ حَقًّا وَعَدْلاً فِي يَعْقُوبَ ” (مز99: 4). فكرامة الملك ومجده يكون بهيًَّا عندما يحب العدل. إذن، صدرة القضاء توضع على القلب والصدر، أي في مكان العقل حيث الاستقامة والعدل.

 

يوجد اثنا عشر حجرًا فوق هذه الصدرة مكتوب عليهم أسماء الأسباط الاثنى عشر. وهذا يشير إلى الرجال القديسين الممجدين والمكرَّمين كمثل الأحجار الكريمة المختارة والموجودة في فكر وقلب المسيح. وحقًا، يستحق هؤلاء الرجال القديسون أنْ يمثلوا أمام الله بسبب مهارتهم الفائقة في ممارسة الفضيلة وقداستهم التي لا تُقدّر بثمن. أمَّا السلاسل الذهبية التي تتعلق من صدرة القضاء، فتشير إلى العدد الكثير والذي لا يُحصى من فضائل القديسين. أيضًا داود الطوباوي يقول إنَّ الزينة الكريمة للكنيسة توجد في ثيابها المطرزة من الفضائل (انظر مز45: 14).

بلاديوس: إنَّ شرحك مقنع.

كيرلس: تمتد سلسلةٌ جميلةٌ كثيرةُ الألوان بالحلقات الذهبية المربوطة من صدرة القضاء ـ كما قُلنا ـ تمتد السلاسل من الطوقين وتصل إلى طرف الرداء حيث الأحجار منقوشةٌ فوقها الأسماء. ألا يستحق أنْ ترى ماذا يعني هذا؟

 

يبدو لي أنَّ هذا الأمر يشير إلى أسلحة البر. فالقديسون المجاهدون الذين هم مثل الأحجار الثمينة في ذاكرة المسيح، والذين هم سُجِّلت أسماءهم في السماء، حققوا هدفهم بأسلحة البر التي على اليمين والتي على اليسار. لأنه هكذا يكتب بوضوح بولس الرسول، إذ يقول: ” الْبَسُوا سِلاَحَ اللهِ الْكَامِلَ ” (أف6: 11).

 

إن أسلحة الملك ذهبيةٌ، وكذلك الأطواق ذهبية أيضًا، وهي تشير بطريقة رمزية إلى سلاح الله الكامل. وليست هناك طريقة نوجَد بها في ذاكرة الله وفي كتابه إنْ لم نستخدم أسلحة البر في جهادنا. وكون أنَّ الصدرة تتعلق من الرداء، فهذا يعني أنَّ كل ما هو أسفل، إنما يرتبط بما هو أعلى بواسطة المسيح. لأنه بحسب الكتاب هو         ” سَلاَمُنَا، الَّذِي جَعَلَ الاثْنَيْنِ وَاحِدًا ” (أف2: 14)، لأنه ـ برباط المحبة ـ وحَّد البشر بجنود الملائكة القديسين.

 

ينبغي أنْ نعرف أيضًا من الطوباوي حزقيال ما قاله عن رئيس صور من أنه كان لابسًا كل أنواع الأحجار الثمينة. وذكر نفس الأحجار الثمينة التي قال عنها موسى إنها وُضعت على صدرة القضاء. وهذه الأحجار كانت عقيق أحمر وياقوت أصفر وعقيق أبيض وزبرجد وجذع ويشب وياقوت أزرق وبهرمان وزمرد وذهب (انظر حز28: 13). وهذه الأحجار كانت موضوعة في أربعة صفوف، كل ثلاثة معًا في صف، ووضعهم هكذا يشير إلى ثبات إيمان أولئك الموجودين في قلب المسيح وذاكرته. ووضع الثلاثة معًا يشير إلى الإيمان، إذ يرمز للثالوث، بينما الثبات نراه في الشكل الرباعي الأوجه والمتساوي من كل الوجوه؛ لأنه هكذا صُنعت الصدرة وفوقها الحجارة، وكانت اثنا عشر حجرًا.

بلاديوس: إنني أصدق ما تقوله.

كيرلس: إضافةً إلى هذا، فقد أمر (المشرِّع) أنْ يُضيفَ شيئًا آخر على الأحجار الاثنى عشر قائلاً: ” وَتَجْعَلُ فِي صُدْرَةِ الْقَضَاءِ الأُورِيمَ وَالتُّمِّيمَ لِتَكُونَ عَلَى قَلْبِ هَارُونَ عِنْدَ دُخُولِهِ أَمَامَ الرَّبِّ ” (خر28: 30). يذكر هنا اسمين الأوريم والتميم (الإعلان والحق) لكن لم يقل لنا بوضوح هل هي من الحجارة، أم أنه أمر أنْ يُكتب الاسمين في سبورة صغيرة (إعلان صغير). إنني أتذكر النبي الذي قال: ” لأَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَيَقْعُدُونَ أَيَّامًا كَثِيرَةً بِلاَ مَلِكٍ، وَبِلاَ رَئِيسٍ، وَبِلاَ ذَبِيحَةٍ، وَبِلاَ تِمْثَال، وَبِلاَ أَفُودٍ وَتَرَافِيمَ ” (هوشع 3: 4). لكن سواء كانا من حجارة ثمينة، أو مكتوبان بحروف ذهبية على سبورة، فإننا على يقين بأنَّ هذين الاسمين وضعا لكي يرمزا للمسيح الحاضر مع القديسين؛ لأنه يقول ” هَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ ” (مت28: 20)، فالإعلان والحق هما المسيح. الأوريم والتميم (الإعلان والحق) هما المسيح. إذ في شخصه عرفنا الآب، وأوضح لنا إرادة الله الصالحة، وكذلك الكمال والقناعة والرضا وفق المكتوب (انظر رو12: 2). لأن المسيح قال: ” لاَ أَعُودُ أُسَمِّيكُمْ عَبِيدًا، لأَنَّ الْعَبْدَ لاَ يَعْلَمُ مَا يَعْمَلُ سَيِّدُهُ، لكِنِّي قَدْ سَمَّيْتُكُمْ أَحِبَّاءَ لأَنِّي أَعْلَمْتُكُمْ بِكُلِّ مَا سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي ” (يو15: 15).

 

على الجانب الآخر، فالحق هو عمانوئيل؛ لأنه هو الابن بطبيعته، وحيث أنه إلهٌ من إلهٍ، فهو وحده القدوس، وهو وحده الرب، وبالمشاركة فيه والتشبُّه به نستطيع أنْ نفهم كل ما هو له من خلال مخلوقاته. هكذا هو مع القديسين، والأوريم والتميم (الإعلان والحق) يُقصد بهما المسيح الذي يقدِّم أمام الآب كل ما يتعلق بنا، وهو حيٌ دائمًا يتوسط لأجلنا. لأن هذا ما يعلنه بقوله: ” فَيَحْمِلُ هَارُونُ قَضَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى قَلْبِهِ أَمَامَ الرَّبِّ دَائِمًا ” (خر28: 30).

بلاديوس: هكذا يكون.

كيرلس: كما أمر أيضًا أنْ يُصنع الزي المقدس قائلاً: ” وَتَصْنَعُ جُبَّةَ الرِّدَاءِ كُلَّهَا مِنْ أَسْمَانْجُونِيٍّ، وَتَكُونُ فَتْحَةُ رَأْسِهَا فِي وَسَطِهَا، وَيَكُونُ لِفَتْحَتِهَا حَاشِيَةٌ حَوَالَيْهَا صَنْعَةَ الْحَائِكِ. كَفَتْحَةِ الدِّرْعِ يَكُونُ لَهَا. لاَ تُشَقُّ. وَتَصْنَعُ عَلَى أَذْيَالِهَا رُمَّانَاتٍ مِنْ أَسْمَانْجُونِيٍّ وَأُرْجُوانٍ وَقِرْمِزٍ، عَلَى أَذْيَالِهَا حَوَالَيْهَا، وَجَلاَجِلَ مِنْ ذَهَبٍ بَيْنَهَا حَوَالَيْهَا. جُلْجُلَ ذَهَبٍ وَرُمَّانَةً، جُلْجُلَ ذَهَبٍ وَرُمَّانَةً، عَلَى أَذْيَالِ الْجُبَّةِ حَوَالَيْهَا. فَتَكُونُ عَلَى هَارُونَ لِلْخِدْمَةِ لِيُسْمَعَ صَوْتُهَا عِنْدَ دُخُولِهِ إِلَى الْقُدْسِ أَمَامَ الرَّبِّ، وَعِنْدَ خُرُوجِهِ، لِئَلاَّ يَمُوتَ ” (خر28: 31 ـ 35).

 

          إذًا هو يتحدث بوضوح عن الرداء الداخلي القصير، والرداء الطويل حتى الأرجل. ويحدد اللون على أنه أزرق لأنه يرمز للخلود (لعدم الفساد) أي للمسيح. هذا بالضبط هو ما أعلنه داود العظيم قائلاً ـ من جانب الله ـ عن أولئك الذين يخدمون الخدمة المقدسة في الكنائس: ” كَهَنَتَهَا أُلْبِسُ خَلاَصًا ” (مز132: 16). أيضًا بولس الرسول يكتب في رسالته ” الْبَسُوا الرَّبَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ ِ” (رو13: 14). وهذا هو مسكننا السماوي بحسب قول النبي (انظر إش41: 10). فاللون الأزرق ـ كما قُلنا بوضوح ـ هو رمزٌ للسماء.

 

ويكون هذا القول حقيقيًا أيضًا لو حملناه على كل ما حدث لنا. لأننا قد لبِسنا الخلود (عدم الفساد) السماوي، بالرغم من أنَّ المقصود بهرون، هو المسيح نفسه لابسًا مثله رداءً. والقول هنا حقٌ، لأن وحيد الجنس باعتباره إلهًا حقًا بحسب طبيعته، جعل جسده غير فاسدٍ محيطًا إياه بالحياة السمائية، وجعله أقوى من سلطان الموت. وكون أنَّ المسيحَ خالدٌ، وهو الحياةُ بطبيعته وليس نتيجة اشتراكه، فهو ما سوف تدركه منه حينما قال: ” أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ ” (يو11: 25).

 

ولأنه أُحييَ بحسب طبيعته البشرية يقول: ” لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الآبَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ، كَذلِكَ أَعْطَى الابْنَ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ ” (يو5: 26). هكذا أيضًا يكون الأمر حتى لو كان المسيح نفسه هو المقصود بما قيل عن أنه أُحيط بالخلود السماوي، فهذا لا يُخرج حديثنا عن الحدود اللائقة.

 

          أيضًا كانت توضع رُمانات صغيرة وجلاجل حواليها. الرُمانات كانت مربوطةً ربطًا مُحكمًا بينما الجلاجل ذهبيةٌ لكي يصدر منها صوت جميل، وحين كان يدخل هرون إلى قدس الأقداس كانت تُصدر صوتًا عند دخوله. هكذا يشير هذا الأمر للخلاص ولحكمة تدبيره، إذ يرمز إلى الكرازة الإلهية والإنجيلية، حيث ملأ رنينها كل مدينة من وقت أنْ أتى رئيس الكهنة الأعظم لأجلنا كذبيحةٍ كاملةٍ إلى قُدس الأقداس محققًا خلاصنا الأبدي. لأنه يقول: ” بِقُرْبَانٍ وَاحِدٍ قَدْ أَكْمَلَ إِلَى الأَبَدِ الْمُقَدَّسِينَ ” (عب10: 14). الرمز هنا واضح جدًا، فالجلاجل الذهبية ترمز إلى الكرازة الخلاصية، بينما الرُمانات الصغيرة ترمز إلى المدن.

بلاديوس: بأية طريقة؟

كيرلس: بمعنى أنَّ المدينةَ تكون محاطةٌ بالسور لكن تحوي في داخلها كل الأحياء، هكذا ـ بنفس الطريقة ـ تكون الرُمانةُ محاطةٌ خارجيًا بقشرة، بينما ـ داخليًا ـ تكون الحبات منفصلة الواحدة عن الأخرى بأردية رقيقة وتتجمع في أحياء. أليست الأمور هكذا؟

بلاديوس: أوافقك.

كيرلس: كذلك بجوار كل رُمانة توجد واحدة من الجلاجل (جرس) لأن كل مدينة لها معلِّمها الذي يعزف العقائد الإلهية، والصوت الحلو يجعل دخول مخلِّصُنا إلى قُدس الأقداس واضحًا ومسموعًا للكل. إنْ لم ترن جيدًا ضربات (اهتزاز) الجلاجل، فإن خوف الموت معلق لأولئك المكلفين بالخدمة المقدسة، ولهارون في قُدس الأقداس. لأنَّ الصمتَ غيرُ ملائم بالنسبة للمعلِّمين. وهذا ما قاله بولس الرسول:    ” فَوَيْلٌ لِي إِنْ كُنْتُ لاَ أُبَشِّرُ ” (1كو9: 16).

بلاديوس: هكذا يبدو لي أنك تشرح الأمر بدقةٍ وصواب.

كيرلس: بالإضافة إلى هذا يقول: ” وَتَصْنَعُ صَفِيحَةً مِنْ ذَهَبٍ نَقِيٍّ، وَتُنَقِّشُ عَلَيْهَا نَقْشَ خَاتِمٍ: قُدْسٌ لِلرَّبِّ. وَتَضَعُهَا عَلَى خَيْطٍ أَسْمَانْجُونِيٍّ لِتَكُونَ عَلَى الْعِمَامَةِ. إِلَى قُدَّامِ الْعِمَامَةِ تَكُونُ. فَتَكُونُ عَلَى جِبْهَةِ هَارُونَ، فَيَحْمِلُ هَارُونُ إِثْمَ الأَقْدَاسِ الَّتِي يُقَدِّسُهَا بَنُو إِسْرَائِيلَ، جَمِيعِ عَطَايَا أَقْدَاسِهِمْ. وَتَكُونُ عَلَى جِبْهَتِهِ دَائِمًا لِلرِّضَا عَنْهُمْ أَمَامَ الرَّبِّ ” (خر28: 36 ـ 38). العمامة من قماش إسمانجوني بينما الصفيحة من ذهب نقي، وفوقها يوجد نقشُ كتابةٍ، سرُ المسيحٍ، إعلانٌ واضحٌ لرسالته في هذا العالم. إذ يقول يحمل عبارة مكتوبة “قُدسٌ للرب” ألا تقول لنا (هذه العبارة بوضوح) إنَّ عمانوئيل قُدِّس بواسطة الله الآب؟

بلاديوس: بالتأكيد تقول هكذا. وسوف أذكر ما قاله لليهود ” إِنْ قَالَ آلِهَةٌ لأُولئِكَ الَّذِينَ صَارَتْ إِلَيْهِمْ كَلِمَةُ اللهِ، وَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يُنْقَضَ الْمَكْتُوبُ، فَالَّذِي قَدَّسَهُ الآبُ وَأَرْسَلَهُ إِلَى الْعَالَمِ، أَتَقُولُونَ لَهُ: إِنَّكَ تُجَدِّفُ، لأَنِّي قُلْتُ: إِنِّي ابْنُ اللهِ؟ ” (يو10: 35 ـ 36).

كيرلس: عندما يقول الكتاب إنَّ الابن قُدِّس من الله الآب، يقصد أنه عُيِّنَ وأُرسلَ. إذن، عبارةُ “قُدسٌ للرب” تعني اختياره وإرساله إلى هذا العالم لكي يملك ويتمجد. لأنه هكذا جعل هارون كاملاً إذ وضع على جبهته الصفيحة الذهبية.

 

الملكُ وربُ الكلِ هو المسيح بطبيعته، وفي نفس الوقت بإتحاده. لأنه بينما هو إلهٌ بطبيعته أخلى ذاته ونزل آخذًا شكل العبد. وقَبِل المُلكَ كما يتمشى ذلك مع شكله البشرى. بالرغم من أنه كان بالتأكيد في السماء من البداية عند الله الآب مشاركًا إياه في رئاسة الكل.

 

لاحظ أيضًا إنَّ عمامته كانت من قماشٍ أزرقٍ (اسمانجوني) وعليها علامة لامعة للمملكة، أقصد الصفيحة الذهبية. اللون الأزرق هو علامة للسماء. تذكّر المسيح الذي يقول: ” مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هذَا الْعَالَمِ ” (يو18: 36). ليس المسيح هو الملك الأرضي، بل السماوي، والخليقةُ كلها عند قدميه. وحين قال: ” فَيَحْمِلُ هَارُونُ إِثْمَ الأَقْدَاسِ الَّتِي يُقَدِّسُهَا بَنُو إِسْرَائِيلَ، جَمِيعِ عَطَايَا أَقْدَاسِهِمْ ” (خر28: 38)، فقد أعلن بوضوح كامل، إنَّ أيَ اقترابِ إلى الله، وأيَ كمالٍ، إنما يصير بالمسيح، وكل برٍ يصير بالإيمان به وبواسطته، وهو الذي يمحو خطايانا القديمة. لأن المسيح يحمل خطايانا، وبواسطته صرنا مقبولين عندما نقدم تقدماتنا إلى الله الآب.

بلاديوس: أنت تقول الصواب.

كيرلس: وبقوله عن الصفيحة التي هي فوق العمامة: ” وَتَكُونُ عَلَى جِبْهَتِهِ ” (خر28: 38)، يُظهِرُ ـ بجمالٍ فائقٍ ـ أنَّ مملكة مخلِّصُنا ثابتةٌ ومستمرةٌ وممتدةٌ إلى الأزمنة الأبدية.

 

أتساءل ـ بعد كل هذا ـ ألن ينقشع الحديث الوقح الذي تفوه به الهراطقة الأغبياء بثرثرتهم قائلين إنَّ مملكة المسيح ستكون لها نهاية، وإنَّ عمانوئيل سيُسلِّم المملكة إلى الله الآب تاركًا عرش الإلوهية؟ فهم يتباهون بتعاليم باطلة ويستحقون أنْ نقول لهم: ” تَضِلُّونَ إِذْ لاَ تَعْرِفُونَ الْكُتُبَ ” (مت22: 29). ها نحن نرى ـ بوضوحٍ شديد ـ أنَّه بينما يتوِّج اللهُ الآب هارونَ بمجدٍ وكرامةٍ وبزينة المملكة، فإن هؤلاء يخلعون عنه التاج، ويسرقون منه العمامة المقدسة التي تلمع على جبهته.

بلاديوس: هذا حقيقي.

كيرلس: ” وَتَصْنَعُ صَفِيحَةً مِنْ ذَهَبٍ نَقِيٍّ … وَتَضَعُهَا عَلَى خَيْطٍ أَسْمَانْجُونِيٍّ لِتَكُونَ عَلَى الْعِمَامَةِ ” (خر28: 36ـ37). يبدو وجه هرون، وكأنه عسكري لابسًا خوذةً وحزامًا تُشبه القلنسوة. لأن المسيح حارب لأجلنا “بيدٍ خفيةٍ” حسب الكتاب ” مَدَّ قَوْسَهُ وَهَيَّأَهَا، وَسَدَّدَ نَحوَهُ آلةَ الْمَوْتِ. يَجْعَلُ سِهَامَهُ مُلْتَهِبَةً ” (مز7: 12 ـ 13). وأنزل رؤساءً من كراسيهم وانتصر على القوات المحاربة، وزعزع السلاطين وحرَّر البشر الذين كانوا مأسورين على الأرض. وكون أنَّ الحرب لم تكن منظورة أو مادية ملموسة ولا هي حرب ضد دمٍ ولحمٍ، فهذا ما يُعلنه ـ كما في لغز ـ بأن الوعاء الحربي، القلنسوة (الخوذة) والمِنطقة (الخيط) قد صارا فقط من الاسمانجوني الذي هو رقيقٌ جدًا. إذن، فقد ظهر هرون في الكتاب بلباسٍ مقدِّسٍ وعجيب.

 

كما أمره المشرّع أيضًا قائلاً: ” وَلِبَنِي هَارُونَ تَصْنَعُ أَقْمِصَةً، وَتَصْنَعُ لَهُمْ مَنَاطِقَ، وَتَصْنَعُ لَهُمْ قَلاَنِسَ لِلْمَجْدِ وَالْبَهَاءِ. وَتُلْبِسُ هَارُونَ أَخَاكَ إِيَّاهَا وَبَنِيهِ مَعَهُ، وَتَمْسَحُهُمْ، وَتَمْلأُ أَيَادِيهِمْ، وَتُقَدِّسُهُمْ لِيَكْهَنُوا لِي. وَتَصْنَعُ لَهُمْ سَرَاوِيلَ مِنْ كَتَّانٍ لِسَتْرِ الْعَوْرَةِ. مِنَ الْحَقَوَيْنِ إِلَى الْفَخْذَيْنِ تَكُونُ. فَتَكُونُ عَلَى هَارُونَ وَبَنِيهِ عِنْدَ دُخُولِهِمْ إِلَى خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ، أَوْ عِنْدَ اقْتِرَابِهِمْ إِلَى الْمَذْبَحِ لِلْخِدْمَةِ فِي الْقُدْسِ، لِئَلاَّ يَحْمِلُوا إِثْمًا وَيَمُوتُوا. فَرِيضَةً أَبَدِيَّةً لَهُ وَلِنَسْلِهِ مِنْ بَعْدِهِ ” (خر 28: 40 ـ 43). أرأيت كيف يجب أن يظهر نسل هرون أيضًا بشكل عسكري. وهو لا يعرف أنْ يحارب ضد دمٍ ولحم، بل يعيش ويحارب الخطية الدنسة، ويدافع بالقوة العاقلة عن عقائد الحق، ويأسر أي فكرٍ جاعلاً إياه يخضع للمسيح كما هو مكتوب (انظر 2كو10: 5 ـ 6).

 

          ويلبس كلٌ منهم سروالاً من الكتان لكي يغطى جيدًا قباحة منظر الأفخاذ. فكل ما يفعله القديسون هو فاضلٌ، ولا يوجد لديهم أي شيء قبيح. والكتان الذي يغطي الأجزاء السفلية من الجسم، يشير إلى أنَّ إيقاف اللذات الجسدية هو ما يتمشى ويتناسب مع القديسين؛ لأنَّ الكتانَ مادةٌ (قطنيةٌ) رطبةٌ. وعلى العكس من ذلك، فإنَّ سخونة الشهوات الفارغة هي غريبة عن أي قديس.

ونستطيع أن نشرح ونقول إنه كان يجب أنْ تكون ملابس وسراويل أولئك الذين اُختيروا للكهنوت من الكتان. لأنه يتحتم عليهم أنْ يتحرروا من الأعمال الميتة، ورمز الإماتة هو ما نأخذه من الجسد الذي يموت من حمل الأثقال. والأعمال الميتة يُرمز إليها أيضًا بالثياب من الكتان وليس من الحرير، وهذا ناموسٌ مقدسٌ ودائمٌ، يتبعه بالضرورة أنْ يموتوا إذا أُهمل ما هو لائق. لذلك أعلن أنْ يكون لهؤلاء التقديس اللائق قائلاً ما الذي يجب أن يلبسوه. هكذا لن تكون الخطية فوقهم مثقلة لهم، فيموتوا.

بلاديوس: إنَّ الناموسَ آمنٌ، إذ يُظهر لكل واحدٍ ما هو المفيد، موضحًا للكل ما يقودهم إلى منهج حياة فاضل.

كيرلس: هكذا يكون الناموس. وبالتأكيد بمثل هذا اللباس يتجمَّل الجنس المقدس والمختار، كما جرَّده أيضًا من الدنس، ليس بطريقةٍ غامضةٍ، لكن بالمسيح. لأنه مكتوب: ” وَهذَا مَا تَصْنَعُهُ لَهُمْ لِتَقْدِيسِهِمْ لِيَكْهَنُوا لِي: خُذْ ثَوْرًا وَاحِدًا ابْنَ بَقَرٍ، وَكَبْشَيْنِ صَحِيحَيْنِ، 2 وَخُبْزَ فَطِيرٍ، وَأَقْرَاصَ فَطِيرٍ مَلْتُوتَةً بِزَيْتٍ، وَرِقَاقَ فَطِيرٍ مَدْهُونَةً بِزَيْتٍ. مِنْ دَقِيقِ حِنْطَةٍ تَصْنَعُهَا. وَتَجْعَلُهَا فِي سَلَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَتُقَدِّمُهَا فِي السَّلَّةِ مَعَ الثَّوْرِ وَالْكَبْشَيْنِ. وَتُقَدِّمُ هَارُونَ وَبَنِيهِ إِلَى بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ وَتَغْسِلُهُمْ بِمَاءٍ. وَتَأْخُذُ الثِّيَابَ وَتُلْبِسُ هَارُونَ الْقَمِيصَ وَجُبَّةَ الرِّدَاءِ وَالرِّدَاءَ وَالصُّدْرَةَ، وَتَشُدُّهُ بِزُنَّارِ الرِّدَاءِ، وَتَضَعُ الْعِمَامَةَ عَلَى رَأْسِهِ، وَتَجْعَلُ الإِكْلِيلَ الْمُقَدَّسَ عَلَى الْعِمَامَةِ، وَتَأْخُذُ دُهْنَ الْمَسْحَةِ وَتَسْكُبُهُ عَلَى رَأْسِهِ وَتَمْسَحُهُ. وَتُقَدِّمُ بَنِيهِ وَتُلْبِسُهُمْ أَقْمِصَةً. وَتُنَطِّقُهُمْ بِمَنَاطِقَ، هَارُونَ وَبَنِيهِ، وَتَشُدُّ لَهُمْ قَلاَنِسَ. فَيَكُونُ لَهُمْ كَهَنُوتٌ فَرِيضَةً أَبَدِيَّةً. وَتَمْلأُ يَدَ هَارُونَ وَأَيْدِيَ بَنِيهِ ” (خر29: 1 ـ 9).

 

          إذن، فقد أمَرَ أنْ يُقدَّم ثورٌ وكبشان، كذلك دقيقُ حنطةٍ في سلةٍ. هذا الأمرُ مثالٌ للنقاوة الحقيقية، وهو يمثِّل إعلانًا مسبقًا للنقاوة. لأنه ألبس هارون لُباسًا مقدسًا غاسلاً إياه مسبقًا بالماء. فبما أننا احتممنا بالمعمودية المقدسة، وبما أننا تنقينا من أي نوع من النجاسة، فإننا قَبِلنا غنى النعمة السماوية من فوق، حاملين رداء العفة وفق الوصية التي تقول: ” الْبَسُوا الرَّبَّ يَسُوعَ ” (رو13: 14).

 

          لقد برهن حديثُنا على أنَّ المسيح ظهر بطرقٍ متنوعةٍ من خلال الملابس التي زيَّنت هرون. ثم بعد ذلك مَسَحَ بالزيت المقدس رأسَه. وهكذا سبَّح داود قائلاً: ” مَسَحْتَ بِالدُّهْنِ رَأْسِي ” (مز23: 5)، ويشير الزيت هنا إلى صوت القديسين المبهج، بمعنى زيارة السماء المفرحة. لأننا، نحن الذين آمنا قد دُهِنَّا بزيتٍ، ونحن مباركون من الرب وممسوحون بعطية الروح في الذهن. بنفس هذه الطريقة يتقدَّس الكهنة حيث يغتسلون بالماء ويُمسحون بالزيت، وحيث إنهم هكذا يُمسحون، فإنهم يلبسون ملابسهم المقدسة ويتقدسون من جهة الأيدي حتى تكون مناسبة لأداء واجبهم ويتممون الذبائح بالتمام وبنقاء.

 

          إذن، هكذا تنقينا وابتهجنا بالفرح السماوي، ومُسحنا للكمال الروحي، لذا بجرأة شديدة وبأيدٍ طاهرةٍ نقدِّم إلى الله تقدماتنا الروحية. هذا الأمر هو ما يعلنه بالتأكيد نشيد داود الطوباوي لكل واحد يصعد إلى جبل الرب: ” اَلطَّاهِرُ الْيَدَيْنِ، وَالنَّقِيُّ الْقَلْبِ ” (مز24: 4).

بلاديوس: هكذا يبدو.

 

المقالة11 ج2 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

Exit mobile version