المقالة11 ج4 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة11 ج4 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة11 ج4 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

 

السجود والعبادة بالروح والحق

تابع المقالة الحادية عشر

“عن الكهنوت، وإن الكهنوت بحسب الناموس كان ظلاً للكهنوت بحسب المسيح”

 

بلاديوس: بأية طريقة؟

كيرلس: توقف موسى في اليوم الثامن عن ممارسة رتبته الكهنوتية. وإنْ كان هرون قد بدأ الخدمة بالتأكيد، إلاَّ أنَّ موسى لم يصمت، بالرغم من أنَّ هارون أخذ على عاتقه واجبات الكهنوت. لأنَّ زمن كهنوت المسيح يُعتبر ـ قانونيًا ـ هو زمن ما بعد الناموس، أي ما يُرمز إليه باليوم الثامن الذي بمقتضاه صارت قيامة المسيح وبداية العهد الجديد وفق المكتوب: ” إِذًا إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَة ” (2كو5: 17)، فبظهور المسيح في اليوم الثامن انتهت أعمال موسى. لأننا لا نعبد بعدُ برموزٍ وظلال. لكن التربية من خلال الناموس لم تتوقف، لأنَّ الناموس هو روحيٌ للروحيين، وهو يكرز دائمًا بسر المسيح.

 

إذن، وعد موسى بأنهم سيرون مجد الرب في اليوم الثامن. بمعنى أنَّ الناموس قد أعلن زمن قدوم الرب على الأرض. ويعطي أيضًا أمرًا آخرًا، أنْ يقدم هرون أولاً ذبيحة لأجل ذاته ثم ذبيحة لكل الشعب. هذا الأمر يعتبر مثالاً للأمور الخاصة بنا، وتُعلِن بوضوح ونقاء أنَّ الذين أُختيروا للكهنوت وقبلوا التطهير بالإيمان، يجب بسهولة أنْ يكونوا قديسين وأطهار، أمَّا بخصوص كيف ستصبح الآن طريقة التقديم، فسوف نوضح هذا الأمر بقدر المستطاع.

 

          إذن، فقد ذُبح الثور من أجل تطهير القائمين على الخدمة الكهنوتية، وسُكب دمه على المذبح المقدس، والأحشاء قُدِّمت كرائحة بخور، وحُرقت بقية الذبيحة بالنيران. وقُدِِّم الكبش أيضًا ذبيحة محرقة وفق الناموس. أمَّا الذبيحة التي قُدِّمت من أجل الشعب للتطهير فكانت تيسًا، كلاً من العجل والخروف كانا ذبيحة محرقة، بينما الكبش والثور ذبيحة شكر عن الخلاص (أى ذبيحة سلامة). قُدِّم أيضًا على المذبح دقيقٌ مقدار قبضة اليد على جانب المذبح. ثم قال: ” ثُمَّ رَفَعَ هَارُونُ يَدَهُ نَحْوَ الشَّعْبِ وَبَارَكَهُمْ، وَانْحَدَرَ مِنْ عَمَلِ ذَبِيحَةِ الْخَطِيَّةِ وَالْمُحْرَقَةِ وَذَبِيحَةِ السَّلاَمَةِ. وَدَخَلَ مُوسَى وَهَارُونُ إِلَى خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ، ثُمَّ خَرَجَا وَبَارَكَا الشَّعْبَ، فَتَرَاءَى مَجْدُ الرَّبِّ لِكُلِّ الشَّعْبِ 24 وَخَرَجَتْ نَارٌ مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ وَأَحْرَقَتْ عَلَى الْمَذْبَحِ الْمُحْرَقَةَ وَالشَّحْمَ. فَرَأَى جَمِيعُ الشَّعْبِ وَهَتَفُوا وَسَقَطُوا عَلَى وُجُوهِهِم ْ” (لا9: 22 ـ 24).

بلاديوس: ما الذي لديك لتقوله عن هذه الأمور؟

كيرلس: حسنًا، لقد ظهر مجد الرب في اليوم الثامن، بمعنى أن الابن، مجد الله الآب قد ظهر. لأنه هكذا دعاه حين قال لموسى:      ” حَيٌّ أَنَا فَتُمْلأُ كُلُّ الأَرْضِ مِنْ مَجْدِ الرَّبِّ ” (عد14: 21). هذا هو نفسه المذبوح لأجلنا، قد برهن لنا على أننا مقدسين، كأنه حررنا بذبيحة الثور من الخطية غافرًا لنا ما ارتكبناه، غاسلاً إيانا من دنس الإدانة، إنه مثل كبش الملء الذي انبعثت منه رائحةً دهنيةً كريمةً، وهو صار لنا ذبيحة خلاص مقدِّسًا إيانا بدم نفسه. وهو صار دقيقًا ملتوتًا بزيت مقدِّمًا حياته المقدسة، أي ذاته لأجلنا إلى الله الآب.

بلاديوس: إنني أفهم ما تقوله.

كيرلس: أعتقد أنَّ تقديم الذبيحة لأجل هرون ولأجل الشعب يشير ـ جيدًا ـ إلى تكريس القديسين لله. والآن حيث أظهَرَ عمانوئيل ذاته بوضوح، وبواسطته دُعينا إلى القداسة، فنحن مقبولون وقديسون وصرنا كرائحة ذكية مقدَّمة إلى الآب. لاحظ أنني قلت للتو إنَّ رسامة الكهنة قد تُممت وفقًا للناموس، وكانوا بواسطته هو نفسه (أي بواسطة المسيح) وبطرقٍ كثيرة مقدسين. لقد سُلِّم ـ مثل الثور ـ إلى النيران خارج المحلة من أجل غفران الخطايا، ذبحوه مثل الكبش الذي صار ذبيحة محرقة وقُسِّم بالكامل لأجل كل واحد وللجميع، وقدَّسهم ماسحًا إياهم بدمه مثل الكبش أثناء ذبيحة الشكر لأجل الخلاص. وأخيرًا عندما أتى اليوم الثامن والذي فيه لمع بالأكثر مجد المسيح حيث بَطُل الموت وأُبيد الفساد، قدَّم الكهنة والشعوب الثمار إلى الله مكرمين إياه ليس بتقدمات وثنية، بل جاعلين ذواتهم ذبيحة رائحة ذكية، إذ لا يُسّر رب الكل بتقدمات خارجية مثل إسرائيل الجسدي. لأنَّ بهذه الذبائح المقدسة نُقدِّس نفوسنا روحيًا ونقدمها إلى الله مائتين عن العالم وعن السلوك الجسدي متحملين إماتة الأهواء ونحن مصلوبون مع المسيح. وهكذا ننتقل إلى الحياة المقدسة وغير الملومة ونحيا وفق إرادته. مثل هذا الأمر كتبه بولس الرسول قائلاً: ” حَامِلِينَ فِي الْجَسَدِ كُلَّ حِينٍ إِمَاتَةَ الرَّبِّ يَسُوعَ، لِكَيْ تُظْهَرَ حَيَاةُ يَسُوعَ أَيْضًا فِي جَسَدِنَا ” (2كو4: 10). وفي موضع آخر قال: ” إِنْ كُنَّا نَصْبِرُ فَسَنَمْلِكُ أَيْضًا مَعَهُ ” (2تيمو2: 12). لو تمثلنا بموته وآلامه كما هو مكتوب (انظر رو8: 29)، سنصير شركاء قيامته ومجده.

          هكذا مات المسيح لأجلنا خارج المحلة ـ كما كتب بولس الطوباوي (انظر عب13: 12). إذن، دعنا نخرج نحن حاملين عاره خارج المحلة مذبوحين بنفس الطريقة مثل الثور ونصير محرقة مثل الكبش وسوف ينبعث منا تعليم المسيح كرائحة ذكية إلى الله.

 

          وهذه الذبائح المقدسة كانت تُقدَّم لأجل هارون والذين معه وكل الذين انحدروا منه، بينما كان التيس (ذكر الماعز) هو ذبيحة عن الخطية لأجل الشعب.

 

ولكن ما هو السبب في تقديم الثور ذبيحة عن الخطية لأجل تطهير الكهنة؟ الأمور الخاصة بالكهنة ومنها تقدمات الذبائح والتطهير والتقديس تحتل المكانة الأولى. فالثور هو أكبر جسمًا من التيس، ويشير بذلك إلى عظمة الأمور الروحية.

 

الثور وكبش المحرقة يشيران إلى قوة وعنفوان المؤمنين المقدسين في اسم المسيح. كذلك الثور والكبش يشيران إلى الصبر وشدة الاحتمال، وكذلك إلى ثمار الوداعة، فالثور هو مثال للصبر بينما الكبش مثال للقوة.

 

والدقيق الملتوت بالزيت يُظهر بوضوح وبطريقة رمزية بهاء رجاء الحياة وفق روح المسيح. لأننا لا ينبغي أنْ نحزن أو نبكي في حضرة المسيح، بل نكون مبتهجين وسعداء. لأنَّ هذا ما أراد أنْ يعلنه المرنم بنصيحته حين قال: ” هَلُمَّ نُرَنِّمُ لِلرَّبِّ، نَهْتِفُ لِصَخْرَةِ خَلاَصِنَا” (مز95: 1).

 

          هكذا ينبعث من مجد المسيح نوره النقي واللامع، وسوف يقبل بفرح عظيم ثمار القديسين مثلما نزل الله بكل مجده مثل نار وأكل الذبائح. إنَّ طعامه ولذته هو نجاح أولئك الذين تقدَّسوا بالإيمان حينذاك (أي في العهد القديم) أرسل الله شعلة نار لتسقط فوق الذبائح المشقوقة وتلمس التقدمات، وذلك لأنَّ العنصر الإلهي يحضر دائمًا على شكل طبيعة النار. أمَّا الآن حيث نُقدِّم الذبيحة العقلية لا يلمس تقدماتنا على شكل نارٍ، لكنه يعمل بالروح القدس ويظهر المسيح حيًا لأولئك الذين يريدون أن يصيروا شركاؤه. ونحن نقبل هذا الأمر كحقيقة.

بلاديوس: أنت تتحدث بالصواب.

كيرلس: وعندما يرفع هارون يديه يتبارك الشعب. ولاحظ كيف يفرد هارون يديه ويضعها لتكون على الشعب. وهذا يعني أنَّ هارون الحقيقي بارك الجميع كهنةً وشعبًا، صغارًا وكبارًا وفق المكتوب[1]  واضعًا يديه فوقهم. إن وضع الأيدي يمثل علامةً واضحةً تشير إلى حلول الروح القدس علينا. ولا يوجد وضع الأيدي (وحلول الروح القدس) قبل كهنوت هارون. لأنه وفق كلام يوحنا: ” لأَنَّ الرُّوحَ الْقُدُسَ لَمْ يَكُنْ قَدْ أُعْطِيَ بَعْدُ، لأَنَّ يَسُوعَ لَمْ يَكُنْ قَدْ مُجِّدَ بَعْدُ ” (يو7: 39).

بلاديوس: كلامك مقنع.

كيرلس: وقد حدد أيضًا الطريقة التي بها يجب أنْ يصلي الكهنة مستخدمًا في كلامه طريقة متماشية مع نبوّات مسبقة عن آلام المسيح، قائلاً: ” كَلِّمْ هَارُونَ وَبَنِيهِ قَائِلاً: هكَذَا تُبَارِكُونَ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَائِلِينَ لَهُمْ: يُبَارِكُكَ الرَّبُّ وَيَحْرُسُكَ. يُضِيءُ الرَّبُّ بِوَجْهِهِ عَلَيْكَ وَيَرْحَمُكَ. يَرْفَعُ الرَّبُّ وَجْهَهُ عَلَيْكَ وَيَمْنَحُكَ سَلاَمًا. فَيَجْعَلُونَ اسْمِي عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَأَنَا أُبَارِكُهُمْ ” (عد6: 23 ـ 27).

 

          إذن، فقد أمر أولئك الذين نالوا رتبة الكهنوت أنْ يباركوا الشعب، لكنه أراد أنْ يبعدهم بطريقةٍ مناسبةٍ عن الأفكار الباطلة مُظهرًا لهم أنه يباركهم ليس بيد بشرية، بل يباركهم بنفسه وذلك وفق المكتوب:  ” كُلُّ عَطِيَّةٍ صَالِحَةٍ وَكُلُّ مَوْهِبَةٍ تَامَّةٍ هِيَ مِنْ فَوْقُ، نَازِلَةٌ مِنْ عِنْدِ أَبِي الأَنْوَارِ، الَّذِي لَيْسَ عِنْدَهُ تَغْيِيرٌ وَلاَ ظِلُّ دَوَرَانٍ ” (يع1: 17)، بمعنى أنَّ المسيح هو طريق البركة، وهو مُعطي الخيرات السماوية، والكل من أبينا (الله) يُمنح بواسطته ومنه. أيضًا بولس الرسول يقول: ” نِعْمَةٌ لَكُمْ وَسَلاَمٌ مِنَ اللهِ أَبِينَا وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ” (رو1: 7).

          إذن، فنحن نتبارك في اسم الله، لكن كيف يمكن لطريقة إعطاء البركة هذه أنْ تكون مناسبة؟ سنتحقق من ذلك بطريقة جميلة، إذ مكتوب أنَّ الكاهن الذي يصلي يجب أنْ يضيف قائلاً: ” يُبَارِكُكَ الرَّبُّ وَيَحْرُسُكَ. يُضِيءُ الرَّبُّ بِوَجْهِهِ عَلَيْكَ وَيَرْحَمُكَ. يَرْفَعُ الرَّبُّ وَجْهَهُ عَلَيْكَ وَيَمْنَحُكَ سَلاَمًا ” (عد6: 24 ـ 26).

          حسنًا، البركة تصون وتُبطل اللعنة وتُعيد تشكيل المخطئ حتى يستطيع أنْ يكون محل ثناء ومدح من المسيح. وبولس الرسول يشهد بذلك عندما كتب: ” مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي بَارَكَنَا بِكُلِّ بَرَكَةٍ رُوحِيَّةٍ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيحِ، كَمَا اخْتَارَنَا فِيهِ قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ، لِنَكُونَ قِدِّيسِينَ وَبِلاَ لَوْمٍ قُدَّامَهُ فِي الْمَحَبَّةِ، إِذْ سَبَقَ فَعَيَّنَنَا لِلتَّبَنِّي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ لِنَفْسِهِ، حَسَبَ مَسَرَّةِ مَشِيئَتِهِ ” (أف1: 3 ـ 5).

          أرأيت كيف أنَّ الإنسان الذي طُرد بسبب عصيانه، صار مقبولاً بالتبني عندما نال البركة من خلال المسيح بشركة الروح القدس الذي سمح أنْ ينسكب بغنىً علينا، والذي لم يمنحه للقديسين جزئيًا، بل وضعه داخلنا بكل كماله.

إنَّ ظهور وجه الله علينا، يجلب لنا الرحمة، إذ أننا بمعرفة الله سوف نشترك في الحياة الأبدية. لأنَّ هذا ما قاله المخلِّص إلى الله الآب السماوي: ” هذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ وَيَسُوعَ الْمَسِيحَ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ ” (يو17: 3).

فالابنُ، وهو وجه الله الآب الذي ظهر لنا، ولا يمكن أنْ يكون لدينا أي تردد تجاه هذه الحقيقة؛ لأنه هو ختمه ورسم جوهره، وبواسطته وفيه نحصل على معرفة الآب. وبهذه المعرفة يأتي إلينا، لذا يجب أنْ نكون رُحماء؛ لأننا خلصنا بالإيمان وليس من أعمال البر التي نفعلها، لكن بسبب رحمته العظيمة (انظر تي3: 5) ألقينا عن كاهلنا الفساد وأخذنا شكلاً جديدًا مناسبًا لحياة المسيح الجديدة، بسبب رحمة الله.

ولو نقلنا مفهوم حديثنا إلى اليهود، سنتحقق أنهم قبلوا الرحمة الحقيقية عندما أشرق وحيد الجنس عليهم. بمعنى أنَّ الناموس الدائن ضغط عليهم كحمل ثقيل لا يُحمل، إذ عاقب الذين أخطأوا بدون رحمة، لكنهم رُحموا بأعمال النعمة المخلصة، وبالكاد نال البعض منهم هذه النعمة بواسطة المسيح الذي انتظروا مجيئه بشغف مترقبين رؤيته صارخين إلى إله الجميع: ” يَا اَللهُ أَرْجِعْنَا، وَأَنِرْ بِوَجْهِكَ فَنَخْلُصَ ” (مز80: 3).

          هكذا رُحمنا كلنا بظهور المسيح. وبالتأكيد، ظهور وجه الله يحمل سلامًا، ذلك السلام الذي يمنحه ويعطيه المسيح لأولئك الذين يؤمنون به. لأنه يقول ” سَلاَمًا أَتْرُكُ لَكُمْ. سَلاَمِي أُعْطِيكُمْ ” (يو14: 27). وعندما رفَّعَ الآبُ الابنَ وأعطاه اسمًا فوق كل اسم (انظر في2: 9) قائلاً له: ” اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي ” (مز110: 1). عندئذٍ أبطل العداوة التي فصلتنا عنه، فاتحدنا فيما بيننا ووجدنا السلام باختيارنا مرة أخرى، إذ قبلنا وصاياه وسلكنا حسب الروح، وبواسطته وبه صرنا شركاء الطبيعة الإلهية (2بط1: 4)، وفي هذه الوحدة ربطنا المسيح. لأنه قال مرة للآب: ” لِيَكُونَ الْجَمِيعُ وَاحِدًا، كَمَا أَنَّكَ أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ فِيَّ وَأَنَا فِيكَ، لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضًا وَاحِدًا فِينَا ” (يو17: 21). وبحسب الكتاب ” فَإِنَّنَا نَحْنُ الْكَثِيرِينَ خُبْزٌ وَاحِدٌ، جَسَدٌ وَاحِدٌ، لأَنَّنَا جَمِيعَنَا نَشْتَرِكُ فِي الْخُبْزِ الْوَاحِدِ ” (1كو10: 17). وكون أنَّ الله الآب يرفع وجهه، أي يمجِّد الابن ونقبل نحن غنى السلام شاخصين نحوه، فهذا ما يوضحه هو نفسه قائلاً:   ” وَأَنَا إِنِ ارْتَفَعْتُ عَنِ الأَرْضِ أَجْذِبُ إِلَيَّ الْجَمِيعَ ” (يو12: 32).

بلاديوس: أنت تفكر بالصواب. ” لأَنَّ بِهِ لَنَا كِلَيْنَا قُدُومًا فِي رُوحٍ وَاحِدٍ إِلَى الآبِ ” (أف2: 18).

كيرلس: هذا ما يقوله لنا الناموس عن الكهنة وعن رسامتهم. يجب على الجنس اللاوى أنْ يتقدس جيدًا وطالما تقدّس بالطرق الواجبة، عندئذٍ يأخذ على عاتقه القيام بالخدمة الكهنوتية التي كُلِّف بها. حقًا يقول في سفر العدد الآتي: ” خُذِ اللاَّوِيِّينَ مِنْ بَيْنِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَطَهِّرْهُمْ. وَهكَذَا تَفْعَلُ لَهُمْ لِتَطْهِيرِهِمِ: انْضِحْ عَلَيْهِمْ مَاءَ الْخَطِيَّةِ، وَلْيُمِرُّوا مُوسَى عَلَى كُلِّ بَشَرِهِمْ، وَيَغْسِلُوا ثِيَابَهُمْ فَيَتَطَهَّرُوا. ثُمَّ يَأْخُذُوا ثَوْرًا ابْنَ بَقَرٍ وَتَقْدِمَتَهُ دَقِيقًا مَلْتُوتًا بِزَيْتٍ. وَثَوْرًا آخَرَ ابْنَ بَقَرٍ تَأْخُذُ لِذَبِيحَةِ خَطِيَّةٍ. فَتُقَدِّمُ اللاَّوِيِّينَ أَمَامَ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ، وَتَجْمَعُ كُلَّ جَمَاعَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَتُقَدِّمُ اللاَّوِيِّينَ أَمَامَ الرَّبِّ، فَيَضَعُ بَنُو إِسْرَائِيلَ أَيْدِيَهُمْ عَلَى اللاَّوِيِّينَ. وَيُرَدِّدُ هَارُونُ اللاَّوِيِّينَ تَرْدِيدًا أَمَامَ الرَّبِّ مِنْ عِنْدِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَيَكُونُونَ لِيَخْدِمُوا خِدْمَةَ الرَّبِّ. ثُمَّ يَضَعُ اللاَّوِيُّونَ أَيْدِيَهُمْ عَلَى رَأْسَيِ الثَّوْرَيْنِ، فَتُقَرِّبُ الْوَاحِدَ ذَبِيحَةَ خَطِيَّةٍ، وَالآخَرَ مُحْرَقَةً لِلرَّبِّ، لِلتَّكْفِيرِ عَنِ اللاَّوِيِّينَ. فَتُوقِفُ اللاَّوِيِّينَ أَمَامَ هَارُونَ وَبَنِيهِ وَتُرَدِّدُهُمْ تَرْدِيدًا لِلرَّبِّ. وَتُفْرِزُ اللاَّوِيِّينَ مِنْ بَيْنِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَيَكُونُ اللاَّوِيُّونَ لِي. وَبَعْدَ ذلِكَ يَأْتِي اللاَّوِيُّونَ لِيَخْدِمُوا خَيْمَةَ الاجْتِمَاعِ فَتُطَهِّرُهُمْ وَتُرَدِّدُهُمْ تَرْدِيدًا ” (عد8: 6 ـ 15).

بلاديوس: الآن فلتوضح لنا جيدًا كيف نفهم طريقة التطهير التي طُبقت على اللاويين.

كيرلس: يا بلاديوس إنها طريقة سرّية وتشير أيضًا إلى المسيح. لأنَّ هذا هو تطهيرنا واغتسالنا من أي دنس، وواهب القداسة يقول: “انضح عليهم ماء للتطهير”. هذا بالتأكيد يعلنه بولس الحكيم قائلاً:    ” لأَنَّهُ إِنْ كَانَ دَمُ ثِيرَانٍ وَتُيُوسٍ وَرَمَادُ عِجْلَةٍ مَرْشُوشٌ عَلَى الْمُنَجَّسِينَ، يُقَدِّسُ إِلَى طَهَارَةِ الْجَسَدِ، 14 فَكَمْ بِالْحَرِيِّ يَكُونُ دَمُ الْمَسِيحِ” (عب9: 13 ـ 14)، وحديث الرسول ينطق بالحق؛ لأنه إذا كانت هناك فائدة من الأمثلة والظلال، ويمكنها أنْ تخلِّص (أي تقدس إلى طهارة الجسد)، فكيف لا يفعل الحق ما هو أفضل، أي دم المسيح؟!

          إذن، فماء التطهير الممزوج برماد العجلة يشير إشارةً واضحةً لما يُقال عن موت المسيح، مثلما يصير لنا نحن أنفسنا هذا الأمر بالإيمان أثناء المعمودية المقدسة (أي الموت). لأنه، كما قال أيضًا بولس الرسول نفسه: ” فَدُفِنَّا مَعَهُ بِالْمَعْمُودِيَّةِ لِلْمَوْتِ، حَتَّى كَمَا أُقِيمَ الْمَسِيحُ مِنَ الأَمْوَاتِ، بِمَجْدِ الآبِ، هكَذَا نَسْلُكُ نَحْنُ أَيْضًا فِي جِدَّةِ الْحَيَاةِ  ” (رو6: 4). وأيضًا في موضع آخر قال: ” حَامِلِينَ فِي الْجَسَدِ كُلَّ حِينٍ إِمَاتَةَ الرَّبِّ يَسُوعَ، لِكَيْ تُظْهَرَ حَيَاةُ يَسُوعَ أَيْضًا فِي جَسَدِنَا. لأَنَّنَا نَحْنُ الأَحْيَاءَ نُسَلَّمُ دَائِمًا لِلْمَوْتِ مِنْ أَجْلِ يَسُوعَ، لِكَيْ تَظْهَرَ حَيَاةُ يَسُوعَ أَيْضًا فِي جَسَدِنَا الْمَائِتِ ” (2كو4: 10 ـ 11). هذا يعني أنْ يكون المرءُ ميتًا عن العالم ويخضع لإماتة المسيح ويحيا مرة أخرى حياة المسيح. إذن، فرماد العجلة مختلط بالماء، يشير إلى إماتة المسيح التي تتحقق في المعمودية المقدسة.

          يوصي بأنه ـ في هذه الإماتة ـ يجب أنْ يشترك فيها كل الذين ينتمون إلى رتبة كهنوت لاوي، وعليهم أنْ يرفضوا ـ بمفهوم الظلال أيضًا ـ أي نوع من الدنس الجسدي. هذا نراه بوضوح شديد في قص الشعر من كل الجسم. لأن ” كَلِمَةَ اللهِ حَيَّةٌ وَفَعَّالَةٌ وَأَمْضَى مِنْ كُلِّ سَيْفٍ ذِي حَدَّيْنِ ” (عب4: 12)، ذلك السيف الذي يطرح حركات الغرائز التي للجسد من داخلنا، يطرحها عن العقل مثل الأدناس التي تأتي من الشعر والأظافر. هذا الأمر يدعوه الكتاب المقدس ناموس الخطية الذي قد سكن في أعضائنا الجسدية ويتمرد على ناموس ذهننا (انظر رو7: 23). ومثل السيف لا يطرح الشعر تمامًا من الجذور، لكن يقطعه مباشرةً حين ينبت مرةً ثانيةً، هكذا كلمة الله داخلنا، لا تقتطع من الجذر حركة الشهوة الغريزية (لأنَّ القداسة التامة تُحفظ للدهر الآتي)، لكن بالحري تميتها بمجرد أنْ تنبت مرةً أخرى وتبدأ ترتفع داخلنا لتوقظ ناموس الجسد الذي يتوحش في أعضائنا.

          هكذا نزعُ الشعرِ يشيرُ إلى نظافة الذهن، والذي يتمم هذا في داخلنا كلمة الله الفعالة والحادة. كما أنَّ غسلُ الملابسِ يشير إلى طريقة الحياة الخارجية البهيّة والأصيلة. لأنه وفق المكتوب ” مُعْتَنِينَ بِأُمُورٍ حَسَنَةٍ قُدَّامَ جَمِيعِ النَّاسِ ” (رو12: 17). والمسيح نفسه يقول أيضًا: ” فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ ” (مت5: 16).

          إذن، من الحتمي أنْ يحاط الكهنة والقديسون الحقيقيون الأطهار داخليًا وخارجيًا بإماتة المسيح، ويتَّحدون معه بالمعمودية المقدسة.

بلاديوس: أنت تتحدث بالصواب.

كيرلس: لقد قال إنَّ الذبيحة التي تُقدَّم لأجلهم يجب أنْ تتكون من ثورين أحدهما ناضجٌ والآخر ابنُ سنةٍ، أي ليِّنًا وطريًا وصغيرًا. الناضج سيكون ثورًا للمحرقة ويقدَّم مع دقيق ملتوت بزيت، والثاني يقدَّم كذبيحة عن الخطية التي فعلوها وسيُحرق خارج الخيمة. لأنه هكذا تكتمل تقدمة الذبائح عن الخطايا.

وبالاثنين أيضًا يُرمز إلى المسيح كليّ القداسة بثور المحرقة، لكي يشتم الله رائحته الذكية لأجلنا مقدِّمًا إلى القديسين النعمة وفرح حياة الرجاء. لأنه مع الثور يُقدَّم دقيقٌ ملتوتٌ بزيت، الأمر الذي سيتبعه على أية حال أولئك الذين أحبوا الحياة بحسب المسيح. كذلك قُدِّم المسيح كثورٍ يُحرق في النار لأجل خطايانا، إذ مكتوب: ” وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا ” (إش53: 5).

ولاحظ إنَّ الثور الناضج يصير ذبيحة محرقة، بينما الثاني ابن سنة يُذبح من أجل الخطايا. هكذا بالاثنين ـ بطريقة روحية ـ تضع في عقلك الواحد، من جهة كمال الفضائل وذهنيًا الأكثر ذكاءً، ومن جهة ثانية الذي ذُبح ببساطته وطهارته. لأنه يقول: ” وَأَنَا كَخَرُوفِ دَاجِنٍ يُسَاقُ إِلَى الذَّبْحِ ” (إر11: 19). أما أنَّ الجنس الكهنوتي يُقدَّم تكريسًا إلى الله لأجل الكل ومن الكل، فهذا ما نراه في وضع الأيدي عند الإسرائيليين. لأنه يقول ” فَيَضَعُ بَنُو إِسْرَائِيلَ أَيْدِيَهُمْ عَلَى اللاَّوِيِّينَ ” (عد8: 10).

          وهذا الأمر يفعلونه ليس بالتأكيد من أجل أنْ يباركونهم لكن بوضع الأيدي يعلنون أنَّ الله هو الذي يرفع خطايانا، وهو الذي قدَّم نفسه ذبيحةً لأجلنا ” إِذْ مَحَا الصَّكَّ الَّذِي عَلَيْنَا فِي الْفَرَائِضِ، الَّذِي كَانَ ضِدًّا لَنَا، وَقَدْ رَفَعَهُ مِنَ الْوَسَطِ مُسَمِّرًا إِيَّاهُ بِالصَّلِيبِ ” (كو2: 14)، أي كما أنَّ اللاويين يضعون أيديهم فوق رؤوس الذبائح لأجلهم كرمز للمسيح من خلال الذبائح التي تُذبح لأجل الشعب، هكذا يجب أن تدرك المعنى اللاهوتي لرسامة اللاويين الذين أُختيروا من جميع الشعب. أى أن الشعب كله بمجموعهم قد وضعوا اللاويينَ بدلاً من ذواتهم كمختارين لخدمة الله، ووضعوا أيديهم فوقهم. ومن وقتها صار طقس وضع الأيدي موجودًا. أما الآن حينما الأمور سارت إلى الأفضل، فقد مُنح للجمع (أي للشعب) ـ بطريقةٍ فائقةٍ ـ فرصةَ ترشيح أولئك الذين يدعون من المسيح إلى الخدمة المقدسة قائلين لهم أثناء الإجتماع الكنسي “إنهم مستحقون”. وهذا الأمر (أي الرسامة للخدمة المقدسة) يتم أمام الجمع الكنسي مثلما حدث للأقدمين عندما وُضعت الأيادي على اللاويين بالقرب من الخيمة المقدسة.

ولذلك، يكون واضحٌ جدًا إنَّ الرسامة إنْ لم تتم في الكنيسة وبحضور الشعب تكون مخالفة لإرادة الله وخارج القوانين المقدسة. وبمجرد تتميم الرسامة يبدأ اللاويون إتمام واجبات الخدمة.

[1]  انظر مز 114: 20 ـ 21

 

المقالة11 ج4 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة11 ج3 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة11 ج3 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة11 ج3 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

 

السجود والعبادة بالروح والحق

تابع المقالة الحادية عشر

“عن الكهنوت، وإن الكهنوت بحسب الناموس كان ظلاً للكهنوت بحسب المسيح”

 

كيرلس: ويتحدث أيضًا عن الطريقة التي يجب أن تُتمم بها الذبائح لأجل الكهنة، فيقول: ” وَتُقَدِّمُ الثَّوْرَ إِلَى قُدَّامِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ، فَيَضَعُ هَارُونُ وَبَنُوهُ أَيْدِيَهُمْ عَلَى رَأْسِ الثَّوْرِ. فَتَذْبَحُ الثَّوْرَ أَمَامَ الرَّبِّ عِنْدَ بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ. وَتَأْخُذُ مِنْ دَمِ الثَّوْرِ وَتَجْعَلُهُ عَلَى قُرُونِ الْمَذْبَحِ بِإِصْبِعِكَ، وَسَائِرَ الدَّمِ تَصُبُّهُ إِلَى أَسْفَلِ الْمَذْبَحِ. وَتَأْخُذُ كُلَّ الشَّحْمِ الَّذِي يُغَشِّي الْجَوْفَ، وَزِيَادَةَ الْكَبِدِ وَالْكُلْيَتَيْنِ وَالشَّحْمَ الَّذِي عَلَيْهِمَا، وَتُوقِدُهَا عَلَى الْمَذْبَحِ. وَأَمَّا لَحْمُ الثَّوْرِ وَجِلْدُهُ وَفَرْثُهُ فَتَحْرِقُهَا بِنَارٍ خَارِجَ الْمَحَلَّةِ. هُوَ ذَبِيحَةُ خَطِيَّةٍ. وَتَأْخُذُ الْكَبْشَ الْوَاحِدَ، فَيَضَعُ هَارُونُ وَبَنُوهُ أَيْدِيَهُمْ عَلَى رَأْسِ الْكَبْشِ. فَتَذْبَحُ الْكَبْشَ وَتَأْخُذُ دَمَهُ وَتَرُشُّهُ عَلَى الْمَذْبَحِ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ. وَتَقْطَعُ الْكَبْشَ إِلَى قِطَعِهِ، وَتَغْسِلُ جَوْفَهُ وَأَكَارِعَهُ وَتَجْعَلُهَا عَلَى قِطَعِهِ وَعَلَى رَأْسِهِ، وَتُوقِدُ كُلَّ الْكَبْشِ عَلَى الْمَذْبَحِ. هُوَ مُحْرَقَةٌ لِلرَّبِّ. رَائِحَةُ سَرُورٍ، وَقُودٌ هُوَ لِلرَّبِّ. وَتَأْخُذُ الْكَبْشَ الثَّانِي، فَيَضَعُ هَارُونُ وَبَنُوهُ أَيْدِيَهُمْ عَلَى رَأْسِ الْكَبْشِ. فَتَذْبَحُ الْكَبْشَ وَتَأْخُذُ مِنْ دَمِهِ وَتَجْعَلُ عَلَى شَحْمَةِ أُذُنِ هَارُونَ، وَعَلَى شَحْمِ آذَانِ بَنِيهِ الْيُمْنَى، وَعَلَى أَبَاهِمِ أَيْدِيهِمِ الْيُمْنَى، وَعَلَى أَبَاهِمِ أَرْجُلِهِمِ الْيُمْنَى. وَتَرُشُّ الدَّمَ عَلَى الْمَذْبَحِ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ. وَتَأْخُذُ مِنَ الدَّمِ الَّذِي عَلَى الْمَذْبَحِ وَمِنْ دُهْنِ الْمَسْحَةِ، وَتَنْضِحُ عَلَى هَارُونَ وَثِيَابِهِ، وَعَلَى بَنِيهِ وَثِيَابِ بَنِيهِ مَعَهُ، فَيَتَقَدَّسُ هُوَ وَثِيَابُهُ وَبَنُوهُ وَثِيَابُ بَنِيهِ مَعَهُ. ثُمَّ تَأْخُذُ مِنَ الْكَبْشِ: الشَّحْمَ وَالإِلْيَةَ وَالشَّحْمَ الَّذِي يُغَشِّي الْجَوْفَ، وَزِيَادَةَ الْكَبِدِ وَالْكُلْيَتَيْنِ، وَالشَّحْمَ الَّذِي عَلَيْهِمَا، وَالسَّاقَ الْيُمْنَى. فَإِنَّهُ كَبْشُ مِلْءٍ. وَرَغِيفًا وَاحِدًا مِنَ الْخُبْزِ، وَقُرْصًا وَاحِدًا مِنَ الْخُبْزِ بِزَيْتٍ، وَرُقَاقَةً وَاحِدَةً مِنْ سَلَّةِ الْفَطِيرِ الَّتِي أَمَامَ الرَّبِّ. وَتَضَعُ الْجَمِيعَ فِي يَدَيْ هَارُونَ وَفِي أَيْدِي بَنِيهِ، وَتُرَدِّدُهَا تَرْدِيدًا أَمَامَ الرَّبِّ. ثُمَّ تَأْخُذُهَا مِنْ أَيْدِيهِمْ وَتُوقِدُهَا عَلَى الْمَذْبَحِ فَوْقَ الْمُحْرَقَةِ رَائِحَةَ سَرُورٍ أَمَامَ الرَّبِّ. وَقُودٌ هُوَ لِلرَّبِّ. ثُمَّ تَأْخُذُ الْقَصَّ مِنْ كَبْشِ الْمِلْءِ الَّذِي لِهَارُونَ، وَتُرَدِّدُهُ تَرْدِيدًا أَمَامَ الرَّبِّ، فَيَكُونُ لَكَ نَصِيبًا. وَتُقَدِّسُ قَصَّ التَّرْدِيدِ وَسَاقَ الرَّفِيعَةِ الَّذِي رُدِّدَ وَالَّذِي رُفِعَ مِنْ كَبْشِ الْمِلْءِ مِمَّا لِهَارُونَ وَلِبَنِيهِ، فَيَكُونَانِ لِهَارُونَ وَبَنِيهِ فَرِيضَةً أَبَدِيَّةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لأَنَّهُمَا رَفِيعَةٌ. وَيَكُونَانِ رَفِيعَةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ ذَبَائِحِ سَلاَمَتِهِمْ، رَفِيعَتَهُمْ لِلرَّبِّ ” (خر29: 10 ـ 28).

 

وبعد ذلك يقول: ” وَأَمَّا كَبْشُ الْمِلْءِ فَتَأْخُذُهُ وَتَطْبُخُ لَحْمَهُ فِي مَكَانٍ مُقَدَّسٍ. فَيَأْكُلُ هَارُونُ وَبَنُوهُ لَحْمَ الْكَبْشِ وَالْخُبْزَ الَّذِي فِي السَّلَّةِ عِنْدَ بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ. يَأْكُلُهَا الَّذِينَ كُفِّرَ بِهَا عَنْهُمْ لِمِلْءِ أَيْدِيهِمْ لِتَقْدِيسِهِمْ. وَأَمَّا الأَجْنَبِيُّ فَلاَ يَأْكُلُ لأَنَّهَا مُقَدَّسَةٌ. وَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ مِنْ لَحْمِ الْمِلْءِ أَوْ مِنَ الْخُبْزِ إِلَى الصَّبَاحِ، تُحْرِقُ الْبَاقِيَ بِالنَّارِ. لاَ يُؤْكَلُ لأَنَّهُ مُقَدَّسٌ ” (خر29: 31 ـ 34).

بلاديوس: إن هذه التوصيات الناموسية عميقة جدًا وغامضة.

كيرلس: هي حقًا عميقة جدًا ـ بالصواب تتكلم ـ لكنها ليست غامضة تمامًا، طالما يشرق في داخلنا الروح القدس بالاستنارة الإلهية. إذن، لنمضِ في فحص هذه التوصيات واحدةً واحدةً بقدر استطاعتنا.

 

بآلاف الطُرق طهَّرنا ربنا يسوع المسيح، وجعلنا قديسين ومقبولين. لأننا بواسطته وبقوته استطعنا أنْ نأتي إلى الله، ولم نعُد ممقوتون من الله الآب. إن موت المسيح وقيامته مفيدان وضروريان لخلاصنا ـ نحن الموجودون في الفساد والخطية ـ وعلاوةً على ذلك، فإن كمالنا هو بجسده ودمه. لأنَّ الكمال يوجد في المسيح، وليس في الناموس.

بلاديوس: لقد تكلمت بالصواب.

كيرلس: إذن، من خلال الأمثلة والنماذج التي تخبرنا عنها الوصايا الناموسية التي تشير إلى المسيح تيقنَّا من أننا خلُصنا وتقدَّسنا وصرنا أطهارًا وقديسين بنعمة المسيح، الذي قُدِّم ذبيحة. وقد أُشير إليه بالثور الذي ذُبِحَ بالقرب من الخيمة المقدسة بعدما وُضعت الأيدي فوقه. ثم بعد ذلك سال دمه على قاعدة المذبح بعدما مسحوا قرونه. وحُرقت الأحشاء مع بخورٍ ذكي. وفي النهاية حُرقت بقايا الذبيحة حيث نُقلت خارج الخيمة. إذن، الثور يرمز إلى المسيح الذي ليس تحت نير، وفي نفس الوقت صار تحت نير. إذ بينما هو إلهٌ بطبيعته دخل تحت سلطة الناموس بسبب طبيعته البشرية التي اتخذها.

إذن، الثور الجديد لا يكون معتادًا على النير، لكن له في طبيعته أنْ يدخل تحت النير، أليس كذلك؟

بلاديوس: هو هكذا بالفعل.

كيرلس: لقد رُمِزَ للمسيحُ بثور بحسب التدبير لكي ندرك أنَّ إلوهية الكلمة لا تقبل أى نير أو عبودية، ولكي ندرك أيضًا أن خضوعه تحت النير كان وفق طبيعته البشرية. لقد ذُبح الثور لأجل الخيمة المقدسة، ولأجل أولئك الذين وضعوا أيديهم فوقه، وهؤلاء كانوا لاويين وكهنة؛ والمسيح مات لأجل الكنيسة، ولأجل أولئك الذين قدَّسهم بالإيمان.

 

          وكون أنَّ موت عمانوئيل هو موتٌ مقدَّسٌ، وإنَّ طريقة تقديم ذبيحته طريقةٌ مقبولةٌ عند الله الآب، فهو ما يمكنك أنْ تدركه من انسكاب الدم على المذبح المقدس، ومن مسح الأحشاء التي ترمز إلى الفضائل الروحية داخلنا، والتي تُكسبنا الرائحة الروحية الذكية، ليست بطريقة واحدة لأنَّ الأحشاء متنوعةٌ، الدسم، الكُلى والكَبد. بقايا جسم الذبيحة يُحرق خارج الخيمة كإشارة إلى أن المسيحَ تألمَّ خارج المحلة كما هو مكتوب (انظر عب13: 12).

 

          كما أنَّ حرق الجسد بالنار يمثل إعلانًا واضحًا عن إنَّ تألمُّه وموته كانا بلا كرامةٍ وبلا مجدٍ، لكنهما سينتهيان إلى مجد لامع ومتلألئ. إذ أنَّ الطبيعة الإلهية ظهرت للبشر على شكل نارٍ، هكذا نزل الله على جبل سيناء. ولكي يحل المسيح سلطان الموت خضع للموت بحسب التدبير لكي نمجده نحن كإله. إذن، فقد انتهي موته إلى المجد الإلهي اللائق وإلى حياةٍ إلهيةٍ، بينما وضاعة الألم هُزمت من المجد الفائق وتلاشت. وهذا ما أُشير إليه بطريقة رمزية بأنَّ الثور الميت أكلته النيران، إذ صارت آلام المسيح لأجل التكفير من الخطية. وهو الأمر الواضح.

بلاديوس: حقًا هكذا.

كيرلس: بعد ذلك أخذوا الكبش الأول وذبحوه مثل الثور، ورشوا دماءه على المذبح حيث إنهم فصلوه إلى قطع وقدَّموه كذبيحة غاسلين الأحشاء بالماء مع الرأس والأرجل لكي تكون بمثابة بخور. وهذه التوصيات وُضعت لأجلنا لندرك أنها تشير إلى المسيح الكامل كالكبش الملء (الكامل) إذ هو قدوسٌ وكلّي القداسة.

 

وهذا هو أيضًا ما يشير إليه رش الدم على المذبح، فالدم هو رمزٌ للحياة ويُقدَّم إلى الله الآب لكي يشتم رائحته الذكية، وفي نفس الوقت التقدمة هي للجميع معًا وأيضًا لكل واحدٍ على حدة. كما يعتبر هذا أيضًا مثالاً لأنَّ الكبشَ قُدِّم كله على المذبح لكن منفصلاً إلى أعضاء. والأعضاء هي نحن، وكلُ واحدٍ منا هو عضو للمسيح، وكلنا معًا جسدٌ واحدٌ (انظر رو12: 5).

 

وكون أنه كلّيُ القداسةِ والطهارةِ الذي ليست فيه أي بقعة دنسة، فهذا ما يعلنه غسل الأحشاء. كما تُقدَّم الرأس والأكارع (الأرجل) مع الأحشاء معلنًا من البداية حتى النهاية رائحة السرور الكاملة للقداسة في حياة المخلّص. لأنَّ بداية كل كائن حيّ هو الرأس ونهاية الجسم كله هي الأرجل (الأكارع).

 

          أليس من الأفضل أنْ نعتبر الرأسَ يشير إلى العقل، والأرجل تشير للأعمال العملية التي تصاحب المسيرة. وإذ يكون الكل في المسيح مملوءً برائحةٍ ذكيةٍ، وتصل المفاهيم الذهنية والأعمال إلى الطهارة الكاملة؛ لأن المسيحَ لم يفعل خطية، لذلك، فإنَّ تقدمةَ الكبشِ هذه تُسمى محرقةٌ وذبيحةٌ؛ لأنَّ القداسةَ لا تنسحب على جانب واحد. هكذا لا يوافقنا أنْ يكون (المسيحُ) ضعيفًا ويُمسك في خطايا، بل أنْ يكون كُلّي القداسة. لأنَّ ليس أحدٌ (من البشر) طاهرًا من الخطايا (انظر أيوب 19: 4)، والكل يسقط في خطايا كثيرة كما هو مكتوب (انظر يع3: 2).

بلاديوس: وكيف يمكن للمرء أن يؤمن بأن هذه الحياة التي أخذها المسيح هي لأجلنا؟

كيرلس: سوف تفهم هذا بسهولة جدًا عندما تتفكر في أننا صرنا شركاء مخالفة آدم ومن جراء أخطائه عُوقبنا، إذ طالت اللعنةُ الجميعَ والغضبُ امتد على نسله. لذلك تنازل وحيد الجنس وأخضع ذاته لله الآب وصار إنسانًا وسكن بيننا. لأنه يقول ” وأطاع حتى الموت ” (في2: 8)، ماحيًا نتائج عصيان الكل، وعصيان كل واحدٍ على حدة، وبهذا قد خلَّصَنا. ويشهد على ذلك بولس الذي قال: ” فَإِذًا كَمَا بِخَطِيَّةٍ وَاحِدَةٍ صَارَ الْحُكْمُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ لِلدَّيْنُونَةِ، هكَذَا بِبِرّ وَاحِدٍ صَارَتِ الْهِبَةُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، لِتَبْرِيرِ الْحَيَاةِ. لأَنَّهُ كَمَا بِمَعْصِيَةِ الإِنْسَانِ الْوَاحِدِ جُعِلَ الْكَثِيرُونَ خُطَاةً، هكَذَا أَيْضًا بِإِطَاعَةِ الْوَاحِدِ سَيُجْعَلُ الْكَثِيرُونَ أَبْرَارًا ” (رو5: 18 ـ 19).

 

          هل رأيت إذن أنه خلَّصنا، كما تشير إلى ذلك تقديم ذبيحة الثور، إذ مات المسيح لأجلنا، وأرسل رائحتنا إلى الله الآب بطاعته وحياته المقدسة؛ لأنَّ دم الكبش قد سُكب على المذبح المقدس؟

بلاديوس: إنني أفهم ما تقوله.

كيرلس: وهو يصيغ نفس هذا الأمر بطرق كثيرة في إطار رمزي فيقول: ” وَتَأْخُذُ الْكَبْشَ الثَّانِي ” (خر29: 19) ويتم تقديمه ذبيحةً مثل الأول. تمسح وتقدِّس هرون وبنيه الكهنة بمسحة الدم على أذن هرون وعلى آذان بنيه اليمنى، وعلى أباهم أيديهم اليمنى وعلى أباهم أرجلهم. تقدِّس أيضًا ثياب الكهنة برش الدم، وكذلك يُرش الدم على المذبح من كل ناحية بحسب وصية الله. أيضًا يأخذون الأحشاء، ورغيفًا من الخبز وفطيرًا ملتوتًا بزيت. ويوضع كل هذا في يدي هرون وفي أيدي بنيه ثم يأخذها ويقدمها موسى بدوره. بالإضافة إلى ذلك قال إنه يجب أنْ تُخصص للكاهن الساق الرفيعة والصدر ويوضعان معًا مع تلك التي خُصِّصَت. وتُدعى الذبيحةُ ” كَبْشُ الْمِلْءِ (خر29: 31). وطالما قُدِّمت الأحشاءُ كذبيحةٍ، عندئذٍ تؤكل بقية الذبيحة مع الخبز، وفي الصباح يُحرق ما تبقى في النار. هذا ما يقوله الكتاب المقدس.

بلاديوس: حديثك عميق جدًا.

كيرلس: ملاحظتُك صحيحةٌ، والحديث عميقٌ جدًا ويحمل سر المسيح. لأن المسيح صار لأجلنا كبش ملء مُقدِّمًا إيانا كاملين في عملٍ ممتازٍ مظهرًا إيانا بأننا نتحلى بفضائل بواسطة التقديس الروحي، وقبل أي شيء آخر وضع فينا بركة السمع والطاعة، بمعنى السمع والطاعة اللذان يجعلانا نقبل العقائد الخاصة بالمسيح، ليس سماعُ الثرثرةِ والتشويش وكثرة الكلام الوقح الذي بسببه يعطون فرصةً لأولئك الذين يحاربون الحق بأن يملئوا أنفسهم بتعاليمٍ هي ضد العقائد المستقيمة. لأن هذا هو ثمرة الطاعة المقدسة والسمع المقدس. أيضًا يوحنا الرسول يقول: ” أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، لاَ تُصَدِّقُوا كُلَّ رُوحٍ، بَلِ امْتَحِنُوا الأَرْوَاحَ: هَلْ هِيَ مِنَ اللهِ؟ لأَنَّ أَنْبِيَاءَ كَذَبَةً كَثِيرِينَ قَدْ خَرَجُوا إِلَى الْعَالَمِ. بِهذَا تَعْرِفُونَ رُوحَ اللهِ: كُلُّ رُوحٍ يَعْتَرِفُ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي الْجَسَدِ فَهُوَ مِنَ اللهِ ” (1يو4: 1 ـ 2).

 

          وفحص الأقوال لا يصير إلاَّ بالآذان. هكذا فإن آذان أولئك الذين يعتنون بالتعاليم العقيدية الدقيقة والمستقيمة هي مقدسة. إنها هبةٌ من المسيح ومنحةٌ من السماء، ومفخرةُ الدم المقدس، لأنَّ كل مفاخرنا الممتازة نحققها من خلاله وبه. بفضله اليدُ تتنقى وتظهر الفعل العملي، والأرجل أيضًا ترمزٌ بوضوح لاستقامة مسيرتنا. لأنه يجب أنْ نفتخر بأعمالنا المقدسة ونسلك جيدًا الطريق الذي يعبِّر عن كل تلك الأمور المرضية عند الله، ووفق هذا يُسبِّح داود في المزامير    ” تَفَكَّرْتُ فِي طُرُقِي، وَرَدَدْتُ قَدَمَيَّ إِلَى شَهَادَاتِكَ ” (مز119: 59)، أو وفق سفر الأمثال: ” مَهِّدْ سَبِيلَ رِجْلِكَ، فَتَثْبُتَ كُلُّ طُرُقِكَ ” (أم4: 26). ها إنَّ الجنس المقدس والمختار أصبح له طاعة، وسمع مقدس، ويد مقدسة، وأرجل مقدسة وفق التوصيات التي ذكرناها.

 

كل ما مُسِح يكون في الجهة اليمنى وفي الإبهام أي في الأطراف. وأمَّا قوله بأنْ يمسح طرف الأذن والرجل واليد؛ فلأن أي عمل صالح له فاعلية قوية، ويحتل المكانة اليمنى، وليس به نقطة شريرة حتى الأطراف التي تمثِّل محصلة هذا الشخص أو نهايته. يجب على المكرَّسين لله أنْ يكونوا أصحاب اليمين من جهة التقديس حتى النهاية بالصبر. لأنه يقول: ” الَّذِي ابْتَدَأَ فِيكُمْ عَمَلاً صَالِحًا يُكَمِّلُ إِلَى يَوْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ” (في 1: 6). لأنه يُعد تناقضًا شديدًا أنْ يحاول المرء وهو ينظر للوراء أنْ يقدِّم الخيرَ بكسلٍ وخمولٍ. ولأنَّ موسى كان يرمز لله (الآب)، فإنَّ بني هرون كانوا يقدِّمون له الذبيحة، وهو بدوره يقبلها مبرهنًا بذلك على أنَّ الله يقبل كل الذين تقدسوا بهذه الطريقة ـ كما من يد إلى يد ـ وسوف لا يحتقر ذبيحتهم في المسيح؛ لأنَّ ذبيحتهم لها رائحة المسيح. وهذا ما كان يشير إليه بتقدمه الأحشاء حيث بخَّروا أولاً.

 

يُخصص الصدر والقص (الأرجل الأمامية) من كبش الملء للكاهن. ويرمز القص  للقوة، بينما الصدر يشير إلى القلب والكلى. وهو ما يؤكد أن المسيح أعطى الجنس المقدس والكهنوتي، قوة الله الآب وحكمته. أم أنك ترى أننا لسنا حكماء وأقوياء جدًا بقوته؟

بلاديوس: كيف لا؟!! لأنه مكتوب أنَّ المسيحَ هو قوة الله وحكمة الله، لقد صار كل هذا لنا من الله.

كيرلس: واللحم هو الطعام المقدس للذين اُختيروا لخدمة الله، وهو يُؤخذ مع فطير (خبز بلا خمير) دون أنْ يَسمَحَ بمشاركة أي أحد من جنسٍ آخر، لأنَّ أي شخص يفعل هذا يموت. بمعنى أنَّ الاشتراك في الطعام المقدس، أي في جسد المسيح يتناسب مع الأنفس المقدسة، وهذه البركة لا يدنو منها مَن هم مِن أممٍ أخرى. والجنس الآخر هو الجنس الذي لم يؤمن بعد ولم يُعمَّد. والمنتمي لهذا الجنس منحرفُ العقل بسلوكيات مختلفة وغير متفقة مع تعاليم القديسين، وهذه السلوكيات تنحدر من تعاليم دنيئة.

 

          أيضًا تؤكل الذبيحة بواسطة النار وكذلك كل الفائض منها حيث لا يُسمَحُ بأنْ يؤكل منها في اليوم التالي. لأنه وفقًا للحياة الآتية (العتيدة)، ستوجد طرقٌ أخرى روحية، لا جسدية، والله العارف بكل الأشياء يستطيع أنْ يغيرها وينقلها حيث يريد. فالشخص سوف يفهم كلام الله فهمًا تامًا بعد القيامة من الأموات، وذلك لأنَّ الفساد سوف يبَطُل تمامًا. هكذا، وبينما نحن مع الرب يسوع، سوف نكتشف هناك طريقةً أخرى مختلفةً للتقديس.

وطالما تحدثنا فيما خطر على بالنا، سوف نمضى بحديثنا عن أولئك الذين فكَّروا في الأمور الحُسنى. وربما شيءٌ مثل هذا أعلنه بولس الرسول عندما قال: ” وَلكِنْ مَتَى جَاءَ الْكَامِلُ فَحِينَئِذٍ يُبْطَلُ مَا هُوَ بَعْضٌ ” (1كو13: 10).

بلاديوس: هكذا يبدو.

كيرلس: وما قاله المشرِّع من أمور لأجل تكميل الكهنة، يجب أن يُتمم. عندما قام كهنة إسرائيل تجمعوا في اجتماع وأعلن رسميًا تكليفهم بالمسئولية وقال: ” وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلاً: خُذْ هَارُونَ وَبَنِيهِ مَعَهُ، وَالثِّيَابَ وَدُهْنَ الْمَسْحَةِ وَثَوْرَ الْخَطِيَّةِ وَالْكَبْشَيْنِ وَسَلَّ الْفَطِيرِ، وَاجْمَعْ كُلَّ الْجَمَاعَةِ إِلَى بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ. فَفَعَلَ مُوسَى كَمَا أَمَرَهُ الرَّبُّ. فَاجْتَمَعَتِ الْجَمَاعَةُ إِلَى بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ. ثُمَّ قَالَ مُوسَى لِلْجَمَاعَةِ: هذَا مَا أَمَرَ الرَّبُّ أَنْ يُفْعَلَ. فَقَدَّمَ مُوسَى هَارُونَ وَبَنِيهِ وَغَسَّلَهُمْ بِمَاءٍ. وَجَعَلَ عَلَيْهِ الْقَمِيصَ وَنَطَّقَهُ بِالْمِنْطَقَةِ وَأَلْبَسَهُ الْجُبَّةَ وَجَعَلَ عَلَيْهِ الرِّدَاءَ، وَنَطَّقَهُ بِزُنَّارِ الرِّدَاءِ وَشَدَّهُ بِهِ ” (لا8: 1 ـ 7). لأنَّ الخيمةَ مقدسةٌ، والمذبحُ غنيٌّ تمامًا بتقديس الروح، ولكن ليس بالطريقة التي يتم بها ذلك مع الكائنات العاقلة؛ لأنَّ مذبح الخيمة ليس مقدسًا مثل ـ على سبيل المثال ـ طبيعة الملاك أو نفس الإنسان، لكن تقديس المذبح يتم باتصاله بالتقدمة التي تُوضع فوقه. لأنَّ المكان يتقدَّس حيث يوجد فيه المسيح. إذن، فطالما مُسِحَ المذبح سبعُ مرات، أي بغنىً، هكذا أيضًا قدَّس هرون، أي سكب فوقه زيت المسحة ومعه قدَّم تقدمات من أجله وأبناءه بالطريقة التي تكلّمنا عنها سابقًا.

          وطالما أنَّ كل ذلك قد صار وتكمَّل، يعطي وصيةً أخرى قائلاً:   ” وَمِنْ لَدُنْ بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ، لاَ تَخْرُجُونَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ إِلَى يَوْمِ كَمَالِ أَيَّامِ مَلْئِكُمْ، لأَنَّهُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ يَمْلأُ أَيْدِيَكُمْ. كَمَا فَعَلَ فِي هذَا الْيَوْمِ، قَدْ أَمَرَ الرَّبُّ أَنْ يُفْعَلَ لِلتَّكْفِيرِ عَنْكُمْ. وَلَدَى بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ تُقِيمُونَ نَهَارًا وَلَيْلاً سَبْعَةَ أَيَّامٍ، وَتَحْفَظُونَ شَعَائِرَ الرَّبِّ فَلاَ تَمُوتُونَ، لأَنِّي هكَذَا أُمِرْتُ ” (لاو8: 33 ـ 35). لقد أوضح حديثنا ما هي الطريقة التي تصير بها أي ذبيحة. لذلك فلنترك التفاصيل في هذه المواضيع ونمضي بحديثنا في أمرٍ آخر.

 

لا يسمح الناموس لهؤلاء الذين صاروا أغنياء بهذا النصيب المقدس (الخدمة الكهنوتية) وتطهَّروا وتكمَّلوا من أجل هذا العمل المقدس، أنْ يخرجوا خارج الخيمة المقدسة. بل يجب أنْ يبقوا بالداخل سبعة أيام، وبطريقةٍ ما سمَّر الأبواب حتى لا يعبروا العتبة. وإغلاق المكان المقدس هو رمزٌ للثبات والإقامة في القداسة. بمعنى أنه يجب أنْ نكون غير منتقلين عن ممارسة الفضيلة نحن الذين أسرعنا لنستند على الله بدون أنْ نخرج عن حدود عملنا ولا نبتعد عن معرفتنا المقدسة، لكن لنسكن دائمًا بالقرب من الله وفق ما قيل بفم النبي: ” إِنْ كُنْتُمْ تَطْلُبُونَ فَاطْلُبُوا. ارْجِعُوا، تَعَالَوْا ” (إش21: 12).

هذا هو ما أمر به موسى بالنسبة لما سيحدث في الأيام السبعة، وعدد “سبعة” يعني أنه يجب أنْ يظلّوا في أي ظرف بالقرب من الله، أي كل الوقت وفي كل الأحوال. وبينما هم لا يزالون في الخيمة، يعطي وصية ليحفظوا أوامر الرب مظهرًا الطاعة كثمرة للإقامة الدائمة بالقرب من الله، ويفعلون كل ما يريده المشرّع. إذًا دعنا نظل دائمًا بالقرب من رب الكل؛ لأن الخمول بالنسبة لعمل الخيرات له نهاية في أواخر الأوقات، لذلك أضاف تعبير: ” فَلاَ تَمُوتُونَ، لأَنِّي هكَذَا أُمِرْتُ ” (لا8: 35).

بلاديوس: ما تقوله صحيح.

كيرلس: بدأ القائم بالخدمة الليتورجية هارون في تتميم الوصايا من أجل الطهارة والكمال. ودعنا نمضي ونقول بأية طريقة. لأنه مكتوب أيضًا في سفر اللاويين: ” وَفِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ دَعَا مُوسَى هَارُونَ وَبَنِيهِ وَشُيُوخَ إِسْرَائِيلَ.  وَقَالَ لِهَارُونَ: خُذْ لَكَ عِجْلاً ابْنَ بَقَرٍ لِذَبِيحَةِ خَطِيَّةٍ، وَكَبْشًا لِمُحْرَقَةٍ صَحِيحَيْنِ، وَقَدِّمْهُمَا أَمَامَ الرَّبِّ. وَكَلَّمَ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَائِلاً: خُذُوا تَيْسًا مِنَ الْمَعْزِ لِذَبِيحَةِ خَطِيَّةٍ، وَعِجْلاً وَخَرُوفًا حَوْلِيَّيْنِ صَحِيحَيْنِ لِمُحْرَقَةٍ، وَثَوْرًا وَكَبْشًا لِذَبِيحَةِ سَلاَمَةٍ لِلذَّبْحِ أَمَامَ الرَّبِّ، وَتَقْدِمَةً مَلْتُوتَةً بِزَيْتٍ. لأَنَّ الرَّبَّ الْيَوْمَ يَتَرَاءَى لَكُمْ. فَأَخَذُوا مَا أَمَرَ بِهِ مُوسَى إِلَى قُدَّامِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ. وَتَقَدَّمَ كُلُّ الْجَمَاعَةِ وَوَقَفُوا أَمَامَ الرَّبِّ. فَقَالَ مُوسَى: هذَا مَا أَمَرَ بِهِ الرَّبُّ. تَعْمَلُونَهُ فَيَتَرَاءَى لَكُمْ مَجْدُ الرَّبِّ.  ثُمَّ قَالَ مُوسَى لِهَارُونَ: تَقَدَّمْ إِلَى الْمَذْبَحِ وَاعْمَلْ ذَبِيحَةَ خَطِيَّتِكَ وَمُحْرَقَتَكَ، وَكَفِّرْ عَنْ نَفْسِكَ وَعَنِ الشَّعْبِ. وَاعْمَلْ قُرْبَانَ الشَّعْبِ وَكَفِّرْ عَنْهُمْ كَمَا أَمَرَ الرَّبُّ ” (لا9: 1 ـ 7).

          يا بلاديوس لو سمحت لعقلك أن يدخل إلى الكتابات المقدسة ويتأمل فيها بالتفصيل، سوف تكتشف سر المسيح بوضوح.

 

المقالة11 ج3 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة11 ج2 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة11 ج2 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة11 ج2 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

 

السجود والعبادة بالروح والحق

تابع المقالة الحادية عشر

“عن الكهنوت، وإن الكهنوت بحسب الناموس كان ظلاً للكهنوت بحسب المسيح”

 

كيرلس: اصطلاحيًا وقياسًا على ما قلته، سُمِّيَت صدرة القضاء؛ لأنها توضع فوق القلب والأحشاء؛ لأنَّ القلب والأحشاء هما مسكن العقل الذي يضع في داخلنا الحكم المستقيم على أي عمل، ذلك الحُكم الخالي من أية ميول شيطانية، بمعنى أنَّ العقل يقوم بعمل التقييم العادل واللائق لكل شيء. أم أنه لا يوجد أي تعقُّلٍ داخلنا يزن الأعمال، ويفصل بين ما هو جيد وما هو غير نافع؟

بلاديوس: يُوجد بالتأكيد.

كيرلس: اعتاد الكتاب المقدس على تسميه الاستقامة والحق بالقضاء (أو الحكم العادل والبار). وداود العظيم يترنم قائلاً: ” طُوبَى لِلْحَافِظِينَ الْحَقَّ وَلِلصَّانِعِ الْبِرَّ فِي كُلِّ حِينٍ ” (مز106: 3). وأيضًا يقول: ” وَعِزُّ الْمَلِكِ أَنْ يُحِبَّ الْحَقَّ. أَنْتَ ثَبَّتَّ الاسْتِقَامَةَ. أَنْتَ أَجْرَيْتَ حَقًّا وَعَدْلاً فِي يَعْقُوبَ ” (مز99: 4). فكرامة الملك ومجده يكون بهيًَّا عندما يحب العدل. إذن، صدرة القضاء توضع على القلب والصدر، أي في مكان العقل حيث الاستقامة والعدل.

 

يوجد اثنا عشر حجرًا فوق هذه الصدرة مكتوب عليهم أسماء الأسباط الاثنى عشر. وهذا يشير إلى الرجال القديسين الممجدين والمكرَّمين كمثل الأحجار الكريمة المختارة والموجودة في فكر وقلب المسيح. وحقًا، يستحق هؤلاء الرجال القديسون أنْ يمثلوا أمام الله بسبب مهارتهم الفائقة في ممارسة الفضيلة وقداستهم التي لا تُقدّر بثمن. أمَّا السلاسل الذهبية التي تتعلق من صدرة القضاء، فتشير إلى العدد الكثير والذي لا يُحصى من فضائل القديسين. أيضًا داود الطوباوي يقول إنَّ الزينة الكريمة للكنيسة توجد في ثيابها المطرزة من الفضائل (انظر مز45: 14).

بلاديوس: إنَّ شرحك مقنع.

كيرلس: تمتد سلسلةٌ جميلةٌ كثيرةُ الألوان بالحلقات الذهبية المربوطة من صدرة القضاء ـ كما قُلنا ـ تمتد السلاسل من الطوقين وتصل إلى طرف الرداء حيث الأحجار منقوشةٌ فوقها الأسماء. ألا يستحق أنْ ترى ماذا يعني هذا؟

 

يبدو لي أنَّ هذا الأمر يشير إلى أسلحة البر. فالقديسون المجاهدون الذين هم مثل الأحجار الثمينة في ذاكرة المسيح، والذين هم سُجِّلت أسماءهم في السماء، حققوا هدفهم بأسلحة البر التي على اليمين والتي على اليسار. لأنه هكذا يكتب بوضوح بولس الرسول، إذ يقول: ” الْبَسُوا سِلاَحَ اللهِ الْكَامِلَ ” (أف6: 11).

 

إن أسلحة الملك ذهبيةٌ، وكذلك الأطواق ذهبية أيضًا، وهي تشير بطريقة رمزية إلى سلاح الله الكامل. وليست هناك طريقة نوجَد بها في ذاكرة الله وفي كتابه إنْ لم نستخدم أسلحة البر في جهادنا. وكون أنَّ الصدرة تتعلق من الرداء، فهذا يعني أنَّ كل ما هو أسفل، إنما يرتبط بما هو أعلى بواسطة المسيح. لأنه بحسب الكتاب هو         ” سَلاَمُنَا، الَّذِي جَعَلَ الاثْنَيْنِ وَاحِدًا ” (أف2: 14)، لأنه ـ برباط المحبة ـ وحَّد البشر بجنود الملائكة القديسين.

 

ينبغي أنْ نعرف أيضًا من الطوباوي حزقيال ما قاله عن رئيس صور من أنه كان لابسًا كل أنواع الأحجار الثمينة. وذكر نفس الأحجار الثمينة التي قال عنها موسى إنها وُضعت على صدرة القضاء. وهذه الأحجار كانت عقيق أحمر وياقوت أصفر وعقيق أبيض وزبرجد وجذع ويشب وياقوت أزرق وبهرمان وزمرد وذهب (انظر حز28: 13). وهذه الأحجار كانت موضوعة في أربعة صفوف، كل ثلاثة معًا في صف، ووضعهم هكذا يشير إلى ثبات إيمان أولئك الموجودين في قلب المسيح وذاكرته. ووضع الثلاثة معًا يشير إلى الإيمان، إذ يرمز للثالوث، بينما الثبات نراه في الشكل الرباعي الأوجه والمتساوي من كل الوجوه؛ لأنه هكذا صُنعت الصدرة وفوقها الحجارة، وكانت اثنا عشر حجرًا.

بلاديوس: إنني أصدق ما تقوله.

كيرلس: إضافةً إلى هذا، فقد أمر (المشرِّع) أنْ يُضيفَ شيئًا آخر على الأحجار الاثنى عشر قائلاً: ” وَتَجْعَلُ فِي صُدْرَةِ الْقَضَاءِ الأُورِيمَ وَالتُّمِّيمَ لِتَكُونَ عَلَى قَلْبِ هَارُونَ عِنْدَ دُخُولِهِ أَمَامَ الرَّبِّ ” (خر28: 30). يذكر هنا اسمين الأوريم والتميم (الإعلان والحق) لكن لم يقل لنا بوضوح هل هي من الحجارة، أم أنه أمر أنْ يُكتب الاسمين في سبورة صغيرة (إعلان صغير). إنني أتذكر النبي الذي قال: ” لأَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَيَقْعُدُونَ أَيَّامًا كَثِيرَةً بِلاَ مَلِكٍ، وَبِلاَ رَئِيسٍ، وَبِلاَ ذَبِيحَةٍ، وَبِلاَ تِمْثَال، وَبِلاَ أَفُودٍ وَتَرَافِيمَ ” (هوشع 3: 4). لكن سواء كانا من حجارة ثمينة، أو مكتوبان بحروف ذهبية على سبورة، فإننا على يقين بأنَّ هذين الاسمين وضعا لكي يرمزا للمسيح الحاضر مع القديسين؛ لأنه يقول ” هَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ ” (مت28: 20)، فالإعلان والحق هما المسيح. الأوريم والتميم (الإعلان والحق) هما المسيح. إذ في شخصه عرفنا الآب، وأوضح لنا إرادة الله الصالحة، وكذلك الكمال والقناعة والرضا وفق المكتوب (انظر رو12: 2). لأن المسيح قال: ” لاَ أَعُودُ أُسَمِّيكُمْ عَبِيدًا، لأَنَّ الْعَبْدَ لاَ يَعْلَمُ مَا يَعْمَلُ سَيِّدُهُ، لكِنِّي قَدْ سَمَّيْتُكُمْ أَحِبَّاءَ لأَنِّي أَعْلَمْتُكُمْ بِكُلِّ مَا سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي ” (يو15: 15).

 

على الجانب الآخر، فالحق هو عمانوئيل؛ لأنه هو الابن بطبيعته، وحيث أنه إلهٌ من إلهٍ، فهو وحده القدوس، وهو وحده الرب، وبالمشاركة فيه والتشبُّه به نستطيع أنْ نفهم كل ما هو له من خلال مخلوقاته. هكذا هو مع القديسين، والأوريم والتميم (الإعلان والحق) يُقصد بهما المسيح الذي يقدِّم أمام الآب كل ما يتعلق بنا، وهو حيٌ دائمًا يتوسط لأجلنا. لأن هذا ما يعلنه بقوله: ” فَيَحْمِلُ هَارُونُ قَضَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى قَلْبِهِ أَمَامَ الرَّبِّ دَائِمًا ” (خر28: 30).

بلاديوس: هكذا يكون.

كيرلس: كما أمر أيضًا أنْ يُصنع الزي المقدس قائلاً: ” وَتَصْنَعُ جُبَّةَ الرِّدَاءِ كُلَّهَا مِنْ أَسْمَانْجُونِيٍّ، وَتَكُونُ فَتْحَةُ رَأْسِهَا فِي وَسَطِهَا، وَيَكُونُ لِفَتْحَتِهَا حَاشِيَةٌ حَوَالَيْهَا صَنْعَةَ الْحَائِكِ. كَفَتْحَةِ الدِّرْعِ يَكُونُ لَهَا. لاَ تُشَقُّ. وَتَصْنَعُ عَلَى أَذْيَالِهَا رُمَّانَاتٍ مِنْ أَسْمَانْجُونِيٍّ وَأُرْجُوانٍ وَقِرْمِزٍ، عَلَى أَذْيَالِهَا حَوَالَيْهَا، وَجَلاَجِلَ مِنْ ذَهَبٍ بَيْنَهَا حَوَالَيْهَا. جُلْجُلَ ذَهَبٍ وَرُمَّانَةً، جُلْجُلَ ذَهَبٍ وَرُمَّانَةً، عَلَى أَذْيَالِ الْجُبَّةِ حَوَالَيْهَا. فَتَكُونُ عَلَى هَارُونَ لِلْخِدْمَةِ لِيُسْمَعَ صَوْتُهَا عِنْدَ دُخُولِهِ إِلَى الْقُدْسِ أَمَامَ الرَّبِّ، وَعِنْدَ خُرُوجِهِ، لِئَلاَّ يَمُوتَ ” (خر28: 31 ـ 35).

 

          إذًا هو يتحدث بوضوح عن الرداء الداخلي القصير، والرداء الطويل حتى الأرجل. ويحدد اللون على أنه أزرق لأنه يرمز للخلود (لعدم الفساد) أي للمسيح. هذا بالضبط هو ما أعلنه داود العظيم قائلاً ـ من جانب الله ـ عن أولئك الذين يخدمون الخدمة المقدسة في الكنائس: ” كَهَنَتَهَا أُلْبِسُ خَلاَصًا ” (مز132: 16). أيضًا بولس الرسول يكتب في رسالته ” الْبَسُوا الرَّبَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ ِ” (رو13: 14). وهذا هو مسكننا السماوي بحسب قول النبي (انظر إش41: 10). فاللون الأزرق ـ كما قُلنا بوضوح ـ هو رمزٌ للسماء.

 

ويكون هذا القول حقيقيًا أيضًا لو حملناه على كل ما حدث لنا. لأننا قد لبِسنا الخلود (عدم الفساد) السماوي، بالرغم من أنَّ المقصود بهرون، هو المسيح نفسه لابسًا مثله رداءً. والقول هنا حقٌ، لأن وحيد الجنس باعتباره إلهًا حقًا بحسب طبيعته، جعل جسده غير فاسدٍ محيطًا إياه بالحياة السمائية، وجعله أقوى من سلطان الموت. وكون أنَّ المسيحَ خالدٌ، وهو الحياةُ بطبيعته وليس نتيجة اشتراكه، فهو ما سوف تدركه منه حينما قال: ” أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ ” (يو11: 25).

 

ولأنه أُحييَ بحسب طبيعته البشرية يقول: ” لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الآبَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ، كَذلِكَ أَعْطَى الابْنَ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ ” (يو5: 26). هكذا أيضًا يكون الأمر حتى لو كان المسيح نفسه هو المقصود بما قيل عن أنه أُحيط بالخلود السماوي، فهذا لا يُخرج حديثنا عن الحدود اللائقة.

 

          أيضًا كانت توضع رُمانات صغيرة وجلاجل حواليها. الرُمانات كانت مربوطةً ربطًا مُحكمًا بينما الجلاجل ذهبيةٌ لكي يصدر منها صوت جميل، وحين كان يدخل هرون إلى قدس الأقداس كانت تُصدر صوتًا عند دخوله. هكذا يشير هذا الأمر للخلاص ولحكمة تدبيره، إذ يرمز إلى الكرازة الإلهية والإنجيلية، حيث ملأ رنينها كل مدينة من وقت أنْ أتى رئيس الكهنة الأعظم لأجلنا كذبيحةٍ كاملةٍ إلى قُدس الأقداس محققًا خلاصنا الأبدي. لأنه يقول: ” بِقُرْبَانٍ وَاحِدٍ قَدْ أَكْمَلَ إِلَى الأَبَدِ الْمُقَدَّسِينَ ” (عب10: 14). الرمز هنا واضح جدًا، فالجلاجل الذهبية ترمز إلى الكرازة الخلاصية، بينما الرُمانات الصغيرة ترمز إلى المدن.

بلاديوس: بأية طريقة؟

كيرلس: بمعنى أنَّ المدينةَ تكون محاطةٌ بالسور لكن تحوي في داخلها كل الأحياء، هكذا ـ بنفس الطريقة ـ تكون الرُمانةُ محاطةٌ خارجيًا بقشرة، بينما ـ داخليًا ـ تكون الحبات منفصلة الواحدة عن الأخرى بأردية رقيقة وتتجمع في أحياء. أليست الأمور هكذا؟

بلاديوس: أوافقك.

كيرلس: كذلك بجوار كل رُمانة توجد واحدة من الجلاجل (جرس) لأن كل مدينة لها معلِّمها الذي يعزف العقائد الإلهية، والصوت الحلو يجعل دخول مخلِّصُنا إلى قُدس الأقداس واضحًا ومسموعًا للكل. إنْ لم ترن جيدًا ضربات (اهتزاز) الجلاجل، فإن خوف الموت معلق لأولئك المكلفين بالخدمة المقدسة، ولهارون في قُدس الأقداس. لأنَّ الصمتَ غيرُ ملائم بالنسبة للمعلِّمين. وهذا ما قاله بولس الرسول:    ” فَوَيْلٌ لِي إِنْ كُنْتُ لاَ أُبَشِّرُ ” (1كو9: 16).

بلاديوس: هكذا يبدو لي أنك تشرح الأمر بدقةٍ وصواب.

كيرلس: بالإضافة إلى هذا يقول: ” وَتَصْنَعُ صَفِيحَةً مِنْ ذَهَبٍ نَقِيٍّ، وَتُنَقِّشُ عَلَيْهَا نَقْشَ خَاتِمٍ: قُدْسٌ لِلرَّبِّ. وَتَضَعُهَا عَلَى خَيْطٍ أَسْمَانْجُونِيٍّ لِتَكُونَ عَلَى الْعِمَامَةِ. إِلَى قُدَّامِ الْعِمَامَةِ تَكُونُ. فَتَكُونُ عَلَى جِبْهَةِ هَارُونَ، فَيَحْمِلُ هَارُونُ إِثْمَ الأَقْدَاسِ الَّتِي يُقَدِّسُهَا بَنُو إِسْرَائِيلَ، جَمِيعِ عَطَايَا أَقْدَاسِهِمْ. وَتَكُونُ عَلَى جِبْهَتِهِ دَائِمًا لِلرِّضَا عَنْهُمْ أَمَامَ الرَّبِّ ” (خر28: 36 ـ 38). العمامة من قماش إسمانجوني بينما الصفيحة من ذهب نقي، وفوقها يوجد نقشُ كتابةٍ، سرُ المسيحٍ، إعلانٌ واضحٌ لرسالته في هذا العالم. إذ يقول يحمل عبارة مكتوبة “قُدسٌ للرب” ألا تقول لنا (هذه العبارة بوضوح) إنَّ عمانوئيل قُدِّس بواسطة الله الآب؟

بلاديوس: بالتأكيد تقول هكذا. وسوف أذكر ما قاله لليهود ” إِنْ قَالَ آلِهَةٌ لأُولئِكَ الَّذِينَ صَارَتْ إِلَيْهِمْ كَلِمَةُ اللهِ، وَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يُنْقَضَ الْمَكْتُوبُ، فَالَّذِي قَدَّسَهُ الآبُ وَأَرْسَلَهُ إِلَى الْعَالَمِ، أَتَقُولُونَ لَهُ: إِنَّكَ تُجَدِّفُ، لأَنِّي قُلْتُ: إِنِّي ابْنُ اللهِ؟ ” (يو10: 35 ـ 36).

كيرلس: عندما يقول الكتاب إنَّ الابن قُدِّس من الله الآب، يقصد أنه عُيِّنَ وأُرسلَ. إذن، عبارةُ “قُدسٌ للرب” تعني اختياره وإرساله إلى هذا العالم لكي يملك ويتمجد. لأنه هكذا جعل هارون كاملاً إذ وضع على جبهته الصفيحة الذهبية.

 

الملكُ وربُ الكلِ هو المسيح بطبيعته، وفي نفس الوقت بإتحاده. لأنه بينما هو إلهٌ بطبيعته أخلى ذاته ونزل آخذًا شكل العبد. وقَبِل المُلكَ كما يتمشى ذلك مع شكله البشرى. بالرغم من أنه كان بالتأكيد في السماء من البداية عند الله الآب مشاركًا إياه في رئاسة الكل.

 

لاحظ أيضًا إنَّ عمامته كانت من قماشٍ أزرقٍ (اسمانجوني) وعليها علامة لامعة للمملكة، أقصد الصفيحة الذهبية. اللون الأزرق هو علامة للسماء. تذكّر المسيح الذي يقول: ” مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هذَا الْعَالَمِ ” (يو18: 36). ليس المسيح هو الملك الأرضي، بل السماوي، والخليقةُ كلها عند قدميه. وحين قال: ” فَيَحْمِلُ هَارُونُ إِثْمَ الأَقْدَاسِ الَّتِي يُقَدِّسُهَا بَنُو إِسْرَائِيلَ، جَمِيعِ عَطَايَا أَقْدَاسِهِمْ ” (خر28: 38)، فقد أعلن بوضوح كامل، إنَّ أيَ اقترابِ إلى الله، وأيَ كمالٍ، إنما يصير بالمسيح، وكل برٍ يصير بالإيمان به وبواسطته، وهو الذي يمحو خطايانا القديمة. لأن المسيح يحمل خطايانا، وبواسطته صرنا مقبولين عندما نقدم تقدماتنا إلى الله الآب.

بلاديوس: أنت تقول الصواب.

كيرلس: وبقوله عن الصفيحة التي هي فوق العمامة: ” وَتَكُونُ عَلَى جِبْهَتِهِ ” (خر28: 38)، يُظهِرُ ـ بجمالٍ فائقٍ ـ أنَّ مملكة مخلِّصُنا ثابتةٌ ومستمرةٌ وممتدةٌ إلى الأزمنة الأبدية.

 

أتساءل ـ بعد كل هذا ـ ألن ينقشع الحديث الوقح الذي تفوه به الهراطقة الأغبياء بثرثرتهم قائلين إنَّ مملكة المسيح ستكون لها نهاية، وإنَّ عمانوئيل سيُسلِّم المملكة إلى الله الآب تاركًا عرش الإلوهية؟ فهم يتباهون بتعاليم باطلة ويستحقون أنْ نقول لهم: ” تَضِلُّونَ إِذْ لاَ تَعْرِفُونَ الْكُتُبَ ” (مت22: 29). ها نحن نرى ـ بوضوحٍ شديد ـ أنَّه بينما يتوِّج اللهُ الآب هارونَ بمجدٍ وكرامةٍ وبزينة المملكة، فإن هؤلاء يخلعون عنه التاج، ويسرقون منه العمامة المقدسة التي تلمع على جبهته.

بلاديوس: هذا حقيقي.

كيرلس: ” وَتَصْنَعُ صَفِيحَةً مِنْ ذَهَبٍ نَقِيٍّ … وَتَضَعُهَا عَلَى خَيْطٍ أَسْمَانْجُونِيٍّ لِتَكُونَ عَلَى الْعِمَامَةِ ” (خر28: 36ـ37). يبدو وجه هرون، وكأنه عسكري لابسًا خوذةً وحزامًا تُشبه القلنسوة. لأن المسيح حارب لأجلنا “بيدٍ خفيةٍ” حسب الكتاب ” مَدَّ قَوْسَهُ وَهَيَّأَهَا، وَسَدَّدَ نَحوَهُ آلةَ الْمَوْتِ. يَجْعَلُ سِهَامَهُ مُلْتَهِبَةً ” (مز7: 12 ـ 13). وأنزل رؤساءً من كراسيهم وانتصر على القوات المحاربة، وزعزع السلاطين وحرَّر البشر الذين كانوا مأسورين على الأرض. وكون أنَّ الحرب لم تكن منظورة أو مادية ملموسة ولا هي حرب ضد دمٍ ولحمٍ، فهذا ما يُعلنه ـ كما في لغز ـ بأن الوعاء الحربي، القلنسوة (الخوذة) والمِنطقة (الخيط) قد صارا فقط من الاسمانجوني الذي هو رقيقٌ جدًا. إذن، فقد ظهر هرون في الكتاب بلباسٍ مقدِّسٍ وعجيب.

 

كما أمره المشرّع أيضًا قائلاً: ” وَلِبَنِي هَارُونَ تَصْنَعُ أَقْمِصَةً، وَتَصْنَعُ لَهُمْ مَنَاطِقَ، وَتَصْنَعُ لَهُمْ قَلاَنِسَ لِلْمَجْدِ وَالْبَهَاءِ. وَتُلْبِسُ هَارُونَ أَخَاكَ إِيَّاهَا وَبَنِيهِ مَعَهُ، وَتَمْسَحُهُمْ، وَتَمْلأُ أَيَادِيهِمْ، وَتُقَدِّسُهُمْ لِيَكْهَنُوا لِي. وَتَصْنَعُ لَهُمْ سَرَاوِيلَ مِنْ كَتَّانٍ لِسَتْرِ الْعَوْرَةِ. مِنَ الْحَقَوَيْنِ إِلَى الْفَخْذَيْنِ تَكُونُ. فَتَكُونُ عَلَى هَارُونَ وَبَنِيهِ عِنْدَ دُخُولِهِمْ إِلَى خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ، أَوْ عِنْدَ اقْتِرَابِهِمْ إِلَى الْمَذْبَحِ لِلْخِدْمَةِ فِي الْقُدْسِ، لِئَلاَّ يَحْمِلُوا إِثْمًا وَيَمُوتُوا. فَرِيضَةً أَبَدِيَّةً لَهُ وَلِنَسْلِهِ مِنْ بَعْدِهِ ” (خر 28: 40 ـ 43). أرأيت كيف يجب أن يظهر نسل هرون أيضًا بشكل عسكري. وهو لا يعرف أنْ يحارب ضد دمٍ ولحم، بل يعيش ويحارب الخطية الدنسة، ويدافع بالقوة العاقلة عن عقائد الحق، ويأسر أي فكرٍ جاعلاً إياه يخضع للمسيح كما هو مكتوب (انظر 2كو10: 5 ـ 6).

 

          ويلبس كلٌ منهم سروالاً من الكتان لكي يغطى جيدًا قباحة منظر الأفخاذ. فكل ما يفعله القديسون هو فاضلٌ، ولا يوجد لديهم أي شيء قبيح. والكتان الذي يغطي الأجزاء السفلية من الجسم، يشير إلى أنَّ إيقاف اللذات الجسدية هو ما يتمشى ويتناسب مع القديسين؛ لأنَّ الكتانَ مادةٌ (قطنيةٌ) رطبةٌ. وعلى العكس من ذلك، فإنَّ سخونة الشهوات الفارغة هي غريبة عن أي قديس.

ونستطيع أن نشرح ونقول إنه كان يجب أنْ تكون ملابس وسراويل أولئك الذين اُختيروا للكهنوت من الكتان. لأنه يتحتم عليهم أنْ يتحرروا من الأعمال الميتة، ورمز الإماتة هو ما نأخذه من الجسد الذي يموت من حمل الأثقال. والأعمال الميتة يُرمز إليها أيضًا بالثياب من الكتان وليس من الحرير، وهذا ناموسٌ مقدسٌ ودائمٌ، يتبعه بالضرورة أنْ يموتوا إذا أُهمل ما هو لائق. لذلك أعلن أنْ يكون لهؤلاء التقديس اللائق قائلاً ما الذي يجب أن يلبسوه. هكذا لن تكون الخطية فوقهم مثقلة لهم، فيموتوا.

بلاديوس: إنَّ الناموسَ آمنٌ، إذ يُظهر لكل واحدٍ ما هو المفيد، موضحًا للكل ما يقودهم إلى منهج حياة فاضل.

كيرلس: هكذا يكون الناموس. وبالتأكيد بمثل هذا اللباس يتجمَّل الجنس المقدس والمختار، كما جرَّده أيضًا من الدنس، ليس بطريقةٍ غامضةٍ، لكن بالمسيح. لأنه مكتوب: ” وَهذَا مَا تَصْنَعُهُ لَهُمْ لِتَقْدِيسِهِمْ لِيَكْهَنُوا لِي: خُذْ ثَوْرًا وَاحِدًا ابْنَ بَقَرٍ، وَكَبْشَيْنِ صَحِيحَيْنِ، 2 وَخُبْزَ فَطِيرٍ، وَأَقْرَاصَ فَطِيرٍ مَلْتُوتَةً بِزَيْتٍ، وَرِقَاقَ فَطِيرٍ مَدْهُونَةً بِزَيْتٍ. مِنْ دَقِيقِ حِنْطَةٍ تَصْنَعُهَا. وَتَجْعَلُهَا فِي سَلَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَتُقَدِّمُهَا فِي السَّلَّةِ مَعَ الثَّوْرِ وَالْكَبْشَيْنِ. وَتُقَدِّمُ هَارُونَ وَبَنِيهِ إِلَى بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ وَتَغْسِلُهُمْ بِمَاءٍ. وَتَأْخُذُ الثِّيَابَ وَتُلْبِسُ هَارُونَ الْقَمِيصَ وَجُبَّةَ الرِّدَاءِ وَالرِّدَاءَ وَالصُّدْرَةَ، وَتَشُدُّهُ بِزُنَّارِ الرِّدَاءِ، وَتَضَعُ الْعِمَامَةَ عَلَى رَأْسِهِ، وَتَجْعَلُ الإِكْلِيلَ الْمُقَدَّسَ عَلَى الْعِمَامَةِ، وَتَأْخُذُ دُهْنَ الْمَسْحَةِ وَتَسْكُبُهُ عَلَى رَأْسِهِ وَتَمْسَحُهُ. وَتُقَدِّمُ بَنِيهِ وَتُلْبِسُهُمْ أَقْمِصَةً. وَتُنَطِّقُهُمْ بِمَنَاطِقَ، هَارُونَ وَبَنِيهِ، وَتَشُدُّ لَهُمْ قَلاَنِسَ. فَيَكُونُ لَهُمْ كَهَنُوتٌ فَرِيضَةً أَبَدِيَّةً. وَتَمْلأُ يَدَ هَارُونَ وَأَيْدِيَ بَنِيهِ ” (خر29: 1 ـ 9).

 

          إذن، فقد أمَرَ أنْ يُقدَّم ثورٌ وكبشان، كذلك دقيقُ حنطةٍ في سلةٍ. هذا الأمرُ مثالٌ للنقاوة الحقيقية، وهو يمثِّل إعلانًا مسبقًا للنقاوة. لأنه ألبس هارون لُباسًا مقدسًا غاسلاً إياه مسبقًا بالماء. فبما أننا احتممنا بالمعمودية المقدسة، وبما أننا تنقينا من أي نوع من النجاسة، فإننا قَبِلنا غنى النعمة السماوية من فوق، حاملين رداء العفة وفق الوصية التي تقول: ” الْبَسُوا الرَّبَّ يَسُوعَ ” (رو13: 14).

 

          لقد برهن حديثُنا على أنَّ المسيح ظهر بطرقٍ متنوعةٍ من خلال الملابس التي زيَّنت هرون. ثم بعد ذلك مَسَحَ بالزيت المقدس رأسَه. وهكذا سبَّح داود قائلاً: ” مَسَحْتَ بِالدُّهْنِ رَأْسِي ” (مز23: 5)، ويشير الزيت هنا إلى صوت القديسين المبهج، بمعنى زيارة السماء المفرحة. لأننا، نحن الذين آمنا قد دُهِنَّا بزيتٍ، ونحن مباركون من الرب وممسوحون بعطية الروح في الذهن. بنفس هذه الطريقة يتقدَّس الكهنة حيث يغتسلون بالماء ويُمسحون بالزيت، وحيث إنهم هكذا يُمسحون، فإنهم يلبسون ملابسهم المقدسة ويتقدسون من جهة الأيدي حتى تكون مناسبة لأداء واجبهم ويتممون الذبائح بالتمام وبنقاء.

 

          إذن، هكذا تنقينا وابتهجنا بالفرح السماوي، ومُسحنا للكمال الروحي، لذا بجرأة شديدة وبأيدٍ طاهرةٍ نقدِّم إلى الله تقدماتنا الروحية. هذا الأمر هو ما يعلنه بالتأكيد نشيد داود الطوباوي لكل واحد يصعد إلى جبل الرب: ” اَلطَّاهِرُ الْيَدَيْنِ، وَالنَّقِيُّ الْقَلْبِ ” (مز24: 4).

بلاديوس: هكذا يبدو.

 

المقالة11 ج2 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة11 ج1 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة11 ج1 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة11 ج1 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

 

السجود والعبادة بالروح والحق

المقالة الحادية عشر

“عن الكهنوت، وإن الكهنوت بحسب الناموس كان ظلاً للكهنوت بحسب المسيح”

 

كيرلس: لقد تحدثنا حديثًا كافيًا عن الخيمة وكل ما أعلنه الله بخصوصها، وكان حديثنا فعالاً وجاء مناسبًا من جهة الشرح الروحي المفصَّل. علينا أيضًا ـ بحسب رأيي ـ وأظنك توافقني، أنْ نشرح تقدمات الكهنوت، وإنه بكهنوت الظل والناموس أُشير إلى الكهنوت الحقيقي، أي إلى الكهنوت بحسب المسيح، والذي بواسطته تقدَّس الجنس المقدَّس من خلال المسيح. وأقصد بهم أولئك الذين قد استُنيروا بالإيمان، وقد حصلوا على غنى الاتحاد مع الله إذ ظلوا في حالة شركة مع الروح القدس.

بلاديوس: أوافق بالتأكيد، وكلامُك حَسِنٌ.

كيرلس: حسنًا، طالما اكتملت الخيمة المقدسة كما يليق، وتشبَّهت في الشكل بالمثال الذي ظهر لموسى على الجبل، مضى الله في اختيار الكهنة قائلاً: ” وَقَرِّبْ إِلَيْكَ هَارُونَ أَخَاكَ وَبَنِيهِ مَعَهُ مِنْ بَيْنِ بَنِي إِسْرَائِيلَ لِيَكْهَنَ لِي. هَارُونَ نَادَابَ وَأَبِيهُوَ أَلِعَازَارَ وَإِيثَامَارَ بَنِي هَارُونَ ” (خر28: 1). إنَّ كل الذين اُختيروا للخدمة الكهنوتية المقدسة، دُعوا بأسمائهم. لأنه وفق المكتوب ” َلاَ يَأْخُذُ أَحَدٌ هذِهِ الْوَظِيفَةَ بِنَفْسِهِ، بَلِ الْمَدْعُوُّ مِنَ اللهِ، كَمَا هَارُونُ أَيْضًا ” (عب5: 4). إذن، لا أحد يأتي من نفسه إلى كهنوت الله لكن عليه أنْ ينتظر الدعوة، لأنه إنْ شَرَعَ أحدٌ في أنْ يخطف هذه الدعوة السماوية التي ليست له، فسوف يخضع لتأديب داثان وأبيرام. ولا تتشكك في أنَّ الدعوة الذاتية (أي تلك التي يُقحِم الإنسان نفسه فيها) تكون غير لائقة، إذ يكتب بولس عن المسيح قائلاً: ” كَذلِكَ الْمَسِيحُ أَيْضًا لَمْ يُمَجِّدْ نَفْسَهُ لِيَصِيرَ رَئِيسَ كَهَنَةٍ، بَلِ الَّذِي قَالَ لَهُ: أَنْتَ ابْنِي أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ. كَمَا يَقُولُ أَيْضًا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: أَنْتَ كَاهِنٌ إِلَى الأَبَدِ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادَقَ ” (عب5: 5 ـ 6).

 

إذن، الدعوة التي قيلت للمسيح قد أُشير إليها أيضًا فيما قيل مرارًا لموسى: “وقرِّب إليك هرون أخاك وبنيه معه من بين بني إسرائيل ليكهن لي”. ثمَّ ألا تعني كلمة “قرِّب”، “أدعوه وخذه بالقرب منك”؟ لقد دُعيَ المسيحُ ليصير رئيس كهنة بقرار الآب. كما دُعيَ أيضًا وعُيِّن معه التلاميذ القديسين المشاركين له في الخدمة المقدسة. لذلك كرزوا بتعبيرات فائقة للوصف قائلين: ” نحن عاملون مع الله ” (1كو3: 9، رو16: 3)، متجولين في كل المسكونة كارزين للأمم بإنجيل المسيح. فقد دُعوا لرسالتهم بواسطة المسيح والكلمة، وهذا صحيح، لكن هذا الأمر كان على أية حال مسرة الآب، إذ أنَّ فكر الآب وحكمته وإرادته هو الابن.

          هرون إذن، هو مثالٌ للمسيح مقدِّمًا لنا الكهنوت الروحي والحقيقي من خلال الظلال الباهتة. ولاحظ أنَّ موسى أخذ أمرًا بشأن دعوة هرون بالقرب منه، لأنَّ الناموسَ ضعيفٌ وناقصٌ إذا ابتعد عن المسيح. لأنه مكتوب ” لأَنَّهُ لاَ يُمْكِنُ أَنَّ دَمَ ثِيرَانٍ وَتُيُوسٍ يَرْفَعُ خَطَايَا” (عب10: 4). لكن المسيح، إذ قُدِّم ذبيحة لأجل الخطايا، جعل كل الذين تقدَّسوا كاملين إلى الأبد. إذن، فليعرف محبُّو الظل ومكرِّمو الوصايا الناموسية، والذين مازالوا يُصرُّون بغيرةٍ على عبادة الظلال أنه إنْ لم يحضروا بالقرب من رئيس الكهنة ورسول إيماننا يسوع المسيح، فإنهم لن يستفيدوا شيئًا. ما فائدة مفاخر الحياة بحسب الناموس عند الله الذي يُكرِّم الفضائل؟ لذلك بسبب عظمة معرفة المسيح يقول إنه يعتبر أمور العالم نفايةً ويفضِّل الأمور الروحية (انظر في3: 8). وهذا المعنى نراه في أمر الله لموسى بأنْ يدعو هرون بالقرب منه.

بلاديوس: إنني أفهم ما تقوله وحديثك واضح.

كيرلس: مكتوب: ” ادعُ بالقرب منك أخيك هرون ” (خر28: 1)[1]. وأعتقد أن الأمر مفيدٌ روحيًا. انتبه إذن لما أقوله. لقد أُرسِل موسى لكي يُخرِج الإسرائيليين من العبودية في مصر، وقد رأى موسى أنَّ الأمر قد تجاوز بكثير ضعفه البشرى، إذ تخطى ـ بكثير ـ قدرته وفصاحته، عندئذٍ يترجى الله ويقول: ” لَسْتُ أَنَا صَاحِبَ كَلاَمٍ مُنْذُ أَمْسِ وَلاَ أَوَّلِ مِنْ أَمْسِ، وَلاَ مِنْ حِينِ كَلَّمْتَ عَبْدَكَ، بَلْ أَنَا ثَقِيلُ الْفَمِ وَاللِّسَانِ ” (خر4: 10). عندئذٍ قال له الله: ” مَنْ صَنَعَ لِلإِنْسَانِ فَمًا؟ أَوْ مَنْ يَصْنَعُ أَخْرَسَ أَوْ أَصَمَّ أَوْ بَصِيرًا أَوْ أَعْمَى؟ أَمَا هُوَ أَنَا الرَّبُّ ” (خر4: 11). ولكن موسى وقد تملَّكه الخوف والهلع من حجم العمل المكلف به قال: ” اسْتَمِعْ أَيُّهَا السَّيِّدُ، أَرْسِلْ بِيَدِ مَنْ تُرْسِلُ ” (خر4: 13). عندئذٍ عيَّن الله مباشرةً، هرون كمثال للمسيح الذي يستطيع أن ينجز كل شيء بسهولة، إذ ليس في الإمكان أنْ يُفدي إسرائيل إنْ لم يُعطَ له المسيح ـ الذي أُشير إليه بشخص هرون ـ معينًا في خوفه وضعفه. لقد أُكمل ضعف الناموس بشخص المسيح، إذ ربط هرون بموسى الطوباوي بعدما اختاره للكهنوت. لأنَّ الناموس لا يكفي للفداء وليس لديه القدرة لكي يقدِّس المفديِّين من الخطية. لكن الفداء طبعًا والقداسة يصيران بالعمل المشترك للقديسين مع المسيح، مثلما ـ بالضبط – فعل موسى مع هرون في مصر، وكذلك أبناء هرون مع هرون نفسه.

 

لقد عَمِل التلاميذ القديسون مع المسيح رئيس الكهنة والقائد، ذاك الذي يمكنه ـ بالتأكيد ـ أنْ يحقق كل شيء، ولكن هؤلاء التلاميذ ـ بعملهم المشترك معه ـ لا يساعدونه لضعفٍ فيه، لكن بسبب أنهم قد دُعوا ليخدموا، فقد اُختيروا كأناسٍ ممتازين، إضافةً إلى أنهم سوف يحصلون منه على القوة التي تجعلهم ينجزون كل شيء. وهذا ما يؤكده بولس الرسول قائلاً: ” أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ الَّذِي يُقَوِّينِي ” (في4: 13).

بلاديوس: إذن، فقد دُعِيَ هرون وآخرين بأسمائهم ـ كمختارين ـ إلى الواجب المقدس.

كيرلس: بالإضافة إلى هذا، فقد شرّع أنْ يصنعوا لهؤلاء ملابس بهيةً ولائقةً للقداسة قائلاً: ” وَاصْنَعْ ثِيَابًا مُقَدَّسَةً لِهَارُونَ أَخِيكَ لِلْمَجْدِ وَالْبَهَاءِ. وَتُكَلِّمُ جَمِيعَ حُكَمَاءِ الْقُلُوبِ الَّذِينَ مَلأْتُهُمْ رُوحَ حِكْمَةٍ، أَنْ يَصْنَعُوا ثِيَابَ هَارُونَ لِتَقْدِيسِهِ لِيَكْهَنَ لِي ” (خر28: 2 ـ 3). ولذلك ينصح بولس الحكيم، أولئك الذين خلصوا بالإيمان أنْ يلبسوا اللُباس المقدس الحقيقي والسماوي قائلاً: ” الْبَسُوا الرَّبَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ، وَلاَ تَصْنَعُوا تَدْبِيرًا لِلْجَسَدِ لأَجْلِ الشَّهَوَاتِ ” (رو13: 14). هذا ما أعلنه أيضًا ـ بالتأكيد ـ النبي إشعياء نيابةً عن الكنيسة قائلاً: ” تَبْتَهِجُ نَفْسِي بِإِلهِي، لأَنَّهُ قَدْ أَلْبَسَنِي ثِيَابَ الْخَلاَصِ ” (إش61: 10). إذن، فالمسيح حقًا، هو اللُباس المجيد والبهي والمقدس للجنس الكهنوتي، إنه الزينة البهيّة والفائقة لنفوس القديسين. لأنه يقول: ” كُلَّكُمُ الَّذِينَ اعْتَمَدْتُمْ بِالْمَسِيحِ قَدْ لَبِسْتُمُ الْمَسِيحَ ” (غلا3: 27) والقول حقٌ هو.

 

لقد زيَّن الناموس ـ بظلاله ـ هرون في اقترابه من المسيح، آخذًا المجد من زينة المسيح المتنوعة. لأنَّ صناعة الملابس تنطوي على مغزىً سريٍ يُعلِن ـ بطريقة رمزية ـ مجد المخلِّص. ولعلك تلاحظ كيف يقول إنَّ صُنَّاعَ الزينة مملوءون من الفهم الممنوح لهم من الله، أي ذلك الفهم الذي يقودهم إلى طباعة زينة زاهية متنوعة، أي مجد المسيح، فوق الملابس الكهنوتية.

 

والملابس المصنوعة تشمل الصدرة والرداء والجُبة والقميص المخرَّم والعمامة والمِنطقة، وملابس أخرى سوف نتحدث عنها بقدر استطاعتنا في المكان المناسب. لقد قال لأولئك الذين أخذوا على عاتقهم هذه الأعمال: ” فَيَصْنَعُونَ ثِيَابًا مُقَدَّسَةً لِهَارُونَ أَخِيكَ وَلِبَنِيهِ لِيَكْهَنَ لِي ” (خر28: 4 ـ 5). من فضلك، دع فكرك يتأمل فيما قلناه ولاحظ هذا الأمر.

بلاديوس: ما الذي تريد أنْ تقوله؟

كيرلس: ألم يُصنع كل ما هو موجود في الخيمة من ذهب وبوص مبروم وأسمانجوني وأرجوان وقرمز (انظر خر26: 1)، وهذا  يُرمز إلى المسيح؟

بلاديوس: بالفعل، كل شيء يرمز إلى المسيح.

كيرلس: حسنًا، لاحظ أنَّ ثياب الكهنوت صُنعت بنفس المواد لكي تشير ـ كما في صورةٍ ومثال ـ إلى مجد المسيح. لأنَّ الأقوال نفسها، تُظهر جمال المسيح. فالذهب يشير إلى إلوهيته، والأرجوان يشير إلى رتبة المسيح الملوكية، والبوص (قماش أبيض شفاف من اللينوه الرقيق) يشير إلى الكلمة قبل تجسده، والقرمز (الأحمر) يشير إلى الجسد الذي اتخذه، والأسمانجوني (الأزرق السماوي) الذي هو لون الياقوت يشير إلى أنه أتى من فوق، أي من السماء. أليس كلمة الله الآب هو إلهٌ وملكٌ معًا؟

بلاديوس: كيف لا يكون؟!

كيرلس: أليس حقًا أنَّ كلمة الآب الذي هو روح بغير جسد (الرقيق)، اتخذ جسدًا وأتى من فوق؟ (انظر يو 1: 14).

بلاديوس: هذا حق.

كيرلس: هكذا يتفق أمر المواد التي صُنعت منها الملابس، مع كل تلك التي توجد داخل الخيمة المقدسة من جهة هذه الرؤية الدقيقة.

 

لقد حان الوقت لكي نتحدث عن تلك الملابس المتنوعة التي صُنعت لهرون. حسنًا، يقول: ” فَيَصْنَعُونَ الرِّدَاءَ مِنْ ذَهَبٍ وَأَسْمَانْجُونِيٍّ وَأُرْجُوَانٍ وَقِرْمِزٍ وَبُوصٍ مَبْرُومٍ صَنْعَةَ حَائِكٍ حَاذِق. يَكُونُ لَهُ كَتِفَانِ مَوْصُولاَنِ فِي طَرَفَيْهِ لِيَتَّصِلَ. وَزُنَّارُ شَدِّهِ الَّذِي عَلَيْهِ يَكُونُ مِنْهُ كَصَنْعَتِهِ. مِنْ ذَهَبٍ وَأَسْمَانْجُونِيٍّ وَقِرْمِزٍ وَبُوصٍ مَبْرُومٍ ” (خر28: 6 ـ 8).

 

          وحيث إنه حدد المواد التي تكلّمنا عنها بخصوص الأقمشة أضاف قائلاً: ” وَتَأْخُذُ حَجَرَيْ جَزْعٍ وَتُنَقِّشُ عَلَيْهِمَا أَسْمَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ. سِتَّةً مِنْ أَسْمَائِهِمْ عَلَى الْحَجَرِ الْوَاحِدِ، وَأَسْمَاءَ السِّتَّةِ الْبَاقِينَ عَلَى الْحَجَرِ الثَّانِي حَسَبَ مَوَالِيدِهِمْ. صَنْعَةَ نَقَّاشِ الْحِجَارَةِ نَقْشَ الْخَاتِمِ تُنَقِّشُ الْحَجَرَيْنِ عَلَى حَسَبِ أَسْمَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ. مُحَاطَيْنِ بِطَوْقَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ تَصْنَعُهُمَا. وَتَضَعُ الْحَجَرَيْنِ عَلَى كَتِفَيِ الرِّدَاءِ حَجَرَيْ تَذْكَارٍ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ. فَيَحْمِلُ هَارُونُ أَسْمَاءَهُمْ أَمَامَ الرَّبِّ عَلَى كَتِفَيْهِ لِلتَّذْكَارِ ” (خر28: 9 ـ 12).

بلاديوس: شرحُك عميقٌ. لكن حاول أولاً أنْ تخبرني ماذا يعني الثوب الذي يُدعى “الرداء”؟ وما هو مغزى صناعته؟

كيرلس: لقد أمر أنْ يُصنع ملبسًا شبيهًا بالرداء ويصل حتى الصدر (عظمة القص) موضوعًا فوق الملابس التي كانت بالداخل، وتصل حتى الأرجل مُشعةٌ ببهاء الذهب والأرجوان، يستدعي هذا الرداء منظرًا تقويًا ولائقًا بالقداسة لعيون ناظريه. هذا يُسميه رداءً (صدرة) لأن اللُباس كان صغيرًا وبالكاد يغطي الكتفين. وقد حدد بوضوح أنْ يُوضع على هذا الرداء حجرين جذع زُمرد وتنقش عليهما أسماء أسباط بني إسرائيل الاثنى عشر، ستة في كل واحدة. ما هو السبب؟ هو نفسه يوضح قائلاً:  ” فَيَحْمِلُ هَارُونُ أَسْمَاءَهُمْ أَمَامَ الرَّبِّ عَلَى كَتِفَيْهِ لِلتَّذْكَارِ ” (خر28: 12).

بلاديوس: ما الذي تعتقده بخصوص الحجرين والنقش؟

كيرلس: اسمع إذن. حجر الجذع (الزمرد) هو حجر أزرق نرى فيه أشكال بيضاوية تسبح في العمق ويمتزج فيها النور مع الظلمة، وكأن كل واحد منهما يريد أن ينتصر على الآخر. بالتالي يا بلاديوس، فالعين الجسدية وهي تنظر إلى فوق في الأعالي، وتتفحص عمق الأثير (الغلاف الجوي) والسماء، ألا ترى مثل هذا المنظر؟ لأنَّ الأثيرَ أزرقٌ ومظلمٌ في العمق، يتخلله بصيصٌ من النور.

بلاديوس: إنه كما تقول.

كيرلس: نرى في الكتاب المقدس أنَّ حجر الجذع يشير إلى السماء وأحيانًا يشير الزفير (الياقوت الأزرق) أيضًا إلى السماء؛ لأنه شاحبٌ ويشبه كثيرًا حجر الجذع (الزمرد). مكتوب في سفر الخروج: ” ثُمَّ صَعِدَ مُوسَى وَهَارُونُ وَنَادَابُ وَأَبِيهُو وَسَبْعُونَ مِنْ شُيُوخِ إِسْرَائِيلَ، وَرَأَوْا إِلهَ إِسْرَائِيلَ، وَتَحْتَ رِجْلَيْهِ شِبْهُ صَنْعَةٍ مِنَ الْعَقِيقِ الأَزْرَقِ الشَّفَّافِ، وَكَذَاتِ السَّمَاءِ فِي النَّقَاوَةِ ” (خر24: 9 ـ 10). هكذا شاهد الإسرائيليون رب الجميع واقفًا والكل تحت رجليه، فهو ربُ السموات، وذلك لأنهم عندما ذهبوا إلى مصر كانوا قد عبدوا الخليقة ودعوا السماء إلهًا، ولأجل خيرهم ظهر لهم هكذا. أرأيت إذن أنَّ الكتاب المقدس يرى في الحجر العقيق الأزرق الشفاف الشاحب اللون الذي يتخلله بصيصٌ من النور مثالاً وصورةً للسماء؟ إذ من طبيعة هذا الحجر أنْ يلمع بلونٍ أزرقٍ!

بلاديوس: لقد عبّرت تعبيرًا حسنًا.

كيرلس: إذن، حجر الجذع هو علامةٌ وإشارةٌ إلى السماء، ومكتوب عليه كل الشعب الإسرائيلي بحسب جنسه، ومكان هذا الحجر هو الرداء، وهذا يقودنا لنتأمل فيمَن اختارهم لكي تُكتب أسماءهم في السماء، كيف أنهم سوف يستريحون على المسيح ويكونون محمولين على أكتافه كأبناءٍ محبوبين. مثل هذا الأمر قاله موسى العظيم مكِّرمًا إسرائيل الذي يحميه الله ” كَمَا يُحَرِّكُ النَّسْرُ عُشَّهُ وَعَلَى فِرَاخِهِ يَرِفُّ، وَيَبْسُطُ جَنَاحَيْهِ وَيَأْخُذُهَا وَيَحْمِلُهَا عَلَى مَنَاكِبِهِ ” (تث32: 11). أيضًا داود يرنِّم عن كل قديس يتمتع بمعونة الرب قائلاً: ” بِخَوَافِيهِ يُظَلِّلُكَ ” (مز91: 4).

 

الأجزاء التي تقع أسفل العُنق هي الأجزاء التي تحمل، وبالتالي هو يقصد الأكتاف وليس الظهر. وفق ما قاله النبي (انظر هوشع 11: 3)[2] سيقفون فوق أكتافه، وسوف يأخذهم بقبضة يديه، مثل افرايم القويم، هؤلاء هم الذين اختارهم لتُكتب أسماءهم في السماء. هذا الأمر وصفه المخلِّص نفسه على أنه أمر ممجد وعجيب ويفوق المواهب الإلهية حين قال لتلاميذه: ” لاَ تَفْرَحُوا بِهذَا: أَنَّ الأَرْوَاحَ تَخْضَعُ لَكُمْ، بَلِ افْرَحُوا بِالْحَرِيِّ أَنَّ أَسْمَاءَكُمْ كُتِبَتْ فِي السَّمَاوَاتِ ” (لو10: 20). سيشاهد الرب أسماء الإسرائيليين المنقوشة فوق الأحجار الثمينة على صدر هارون فيذكر الإسرائيليين دائمًا عند الرب. بمعنى أنَّ الله الآب يقبلنا ويتذكرنا في شخص المسيح، وبواسطة المسيح نصير معروفين ومستحقين أنْ نكون تحت بصره ومكتوبين في كتاب الله (رؤ13: 8).

بلاديوس: أنت تتحدث باستقامة.

كيرلس: يأمر المشرّع أنْ يضيف الزينة الثانية ” وَتَصْنَعُ طَوْقَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ، وَسِلْسِلَتَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ نَقِيٍّ. مَجْدُولَتَيْنِ تَصْنَعُهُمَا صَنْعَةَ الضَّفْرِ، وَتَجْعَلُ سِلْسِلَتَيِ الضَّفَائِرِ فِي الطَّوْقَيْنِ. وَتَصْنَعُ صُدْرَةَ قَضَاءٍ. صَنْعَةَ حَائِكٍ حَاذِق كَصَنْعَةِ الرِّدَاءِ تَصْنَعُهَا. مِنْ ذَهَبٍ وَأَسْمَانْجُونِيٍّ وَأُرْجُوَانٍ وَقِرْمِزٍ وَبُوصٍ مَبْرُومٍ تَصْنَعُهَا. تَكُونُ مُرَبَّعَةً مَثْنِيَّةً، طُولُهَا شِبْرٌ وَعَرْضُهَا شِبْرٌ. وَتُرَصِّعُ فِيهَا تَرْصِيعَ حَجَرٍ أَرْبَعَةَ صُفُوفِ حِجَارَةٍ. صَفُّ: عَقِيق أَحْمَرَ وَيَاقُوتٍ أَصْفَرَ وَزُمُرُّدٍ، الصَّفُّ الأَوَّلُ ” (خر 28: 13 ـ 17). ثم بعد ذلك، حيث ذكر أسماءهم أضاف قائلاً: ” وتكون الحجارة على أسماء بني إسرائيل اثنا عشر على أسماءهم. كنقش الخاتم كل واحد على اسمه تكون للاثنا عشر سبطًا ” (خر28: 21). ثم بعد قليل يقول ” فَيَحْمِلُ هَارُونُ أَسْمَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي صُدْرَةِ الْقَضَاءِ عَلَى قَلْبِهِ عِنْدَ دُخُولِهِ إِلَى الْقُدْسِ لِلتَّذْكَارِ أَمَامَ الرَّبِّ دَائِمًا ” (خر28: 29).

بلاديوس: إنَّ الأمور المتعلّقة بالصدرة غامضة، ويبدو لي أنَّ طريقة صناعتها أيضًا صعبة الفهم جدًا.

كيرلس: إذن يجب أنْ ننتقل بحديثنا إلى هذه الأمور لكي نقترب من الحق حتى لو كانت هناك صعوبة تُعيقنا عن الوصول التام إليها. فالأشياء الغامضة جدًا، من الأفضل أنْ ننظرها كما في مرآه بدلاً من عدم رؤيتها بالمرة. وسوف أشرح هذه الأمور بقدر استطاعتي وبقدر ما يسمح لي عقلي. لقد أمر أن يُصنع طوقين من ذهب بقُطر أكبر من العُملة ولكن بنفس الشكل؛ لأنَّ العُملةَ دائريةٌ. ثم بعد ذلك تُصنع سلسلتين من الذهب النقي بضفائر من الورد. السلسلتان لهما شكلٌ مختلفٌ، وهما ملونتان بألوان وأشكال الورود. وكانت هذه الألوان قُرمزي وأرجوان وذهب مجدول وخيط أزرق وأحمر. بعد ذلك يجب أن يُصنع قماش مربع شبيه بمكعب متساوي الأوجه طوله شبر وعرضه شبر. ويجب أن يُنسج نسجًا جيدًا ويُرصِّع فيها ترصيعُ حجرٍ أربعةُ صفوفٍ حجارة، كل صفٍ ثلاثة حجارة، وتكون الحجارة على أسماء بني إسرائيل أثنى عشر على أسماءهم. وكانت تُصنع على الصدرة حلقتان من ذهب، وتكون الحلقتان على طرفي الصدرة. وضفيرتا الذهب في الحلقتين على طرفي الصدرة، أمَّا طرفا الضفيرتين الأُخريين فتكونان في الطوقين، وكانتا تبدوان موضوعتين عاليًا على الكتفين وتتدلى على الصدر. وتُربط الصدرة بحلقتي الرداء بسلاسل. وكان إعجاب أولئك الذين يرون الرداء عظيمًا، إنه عملٌ عظيمٌ مزينٌ بالأحجار والذهب والمواد الأخرى المتعددة الألوان. وكان الهدف من هذا العمل أنْ يذكر هرون الإسرائيليين أمام الله عندما يدخل إلى القدس. هل اتضحت لك الطريقة التي عُملت بها كل هذه المشغولات؟

بلاديوس: بالطبع صارت واضحة جدًا. لكن لماذا سُمِّي هذا العمل الفني الجميل بصدرة القضاء؟

كيرلس: ونحن لم نقل لماذا سُمِّيَ رداءً عندما تحدثنا سابقًا عنه – فذلك لأنه يمتد ليُغطي الكتفين؟

بلاديوس: نعم. لكن ما علاقة هذا بسؤالنا؟

[1] هكذا ورد النص عند ق كيرلس، والنص هو “وقرّب إليك هرون أخاك وبنيه معه من بين بني إسرائيل ليكهن لي.هرون ناداب وابيهو العازار وايثامار بني هرون”.

2 “وأنا درّجت افرايم ممسكا إياهم بأذرعهم فلم يعرفوا إني شفيتهم”.

 

المقالة11 ج1 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة10 ج7 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة10 ج7 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة10 ج7 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

 

السجود والعبادة بالروح والحق

تابع المقالة العاشرة

استكمالاً للحديث السابق “عن الخيمة المقدسة، وعن الأشياء الموجودة فيها”

 

كيرلس: كلُ واحدٍ أعطى ثورًا، والجميع معًا اثنا عشر. هذه الثيران تنقل الخيمة المقدسة كل اثنين في عربة، ونيرٍ واحدٍ، كما يكونان أيضًا في خدمة اللاويين. الأمر هو مثالٌ للشعبين اللذين ليسا بعد منفصلين في عدم تشابه العقائد والحياة، بل متحدين ومتفقين تحت نير المخلص الواحد بصبرٍ وإحسان. لأنه مكتوب: ” انْتَظِرِ الرَّبَّ. لِيَتَشَدَّدْ وَلْيَتَشَجَّعْ قَلْبُكَ، وَانْتَظِرِ الرَّبَّ ” (مز27: 14).

الثورُ حيوانٌ صبورٌ وشديد القوة. وهذا يشير إلى الذين اختاروا التقوى آخذين في أعناقهم المسيحَ كنيرٍ مثلما أشير إليه مسبقًا في الخيمة المقدسة. وبولس الرسول يسمى الكنيسةَ جسده. لقد قال الرب لحنانيا عن بولس الرسول: ” اذْهَبْ! لأَنَّ هذَا لِي إِنَاءٌ مُخْتَارٌ لِيَحْمِلَ اسْمِي أَمَامَ أُمَمٍ وَمُلُوكٍ وَبَنِي إِسْرَائِيلَ ” (أع9: 15).

 

بالإضافة إلى هذا، يعلن كلاً من الكبش وأيضًا الخروف اللذين قُدِّما، ما قدمه الشعب القديم والجديد من دخولٍ للإيمان وتكريسٍ روحيٍ لله. لأنه كما بالثيران نتحقق من الصبر والشجاعة، بنفس الطريقة تظهر بالخراف ثمار الوداعة التي لأولئك الذين تبرروا بالإيمان؛ لأن الخروفَ وديعٌ وخصيب. مثلُ هؤلاء، كل العاملين المجتهدين في التعاليم الإنجيلية والذين قال لهم المسيح نفسه: ” وَكُلُّ مَنْ سَأَلَكَ فَأَعْطِهِ، وَمَنْ أَخَذَ الَّذِي لَكَ فَلاَ تُطَالِبْهُ. ” (لو6: 30). أيضًا قال بولس الرسول: ” وَعَبْدُ الرَّبِّ لاَ يَجِبُ أَنْ يُخَاصِمَ، بَلْ يَكُونُ مُتَرَفِّقًا بِالْجَمِيعِ، صَالِحًا لِلتَّعْلِيمِ، صَبُورًا عَلَى الْمَشَقَّاتِ ” (2تيمو2: 24).

 

وأمَّا أنه يجب ـ مع كل ما قلته ـ أنْ تصير تقدمة الماعز، فهو ما لا يُظهر شيئًا آخرًا إلاَّ ذاك الذي قلته للتو، بمعنى أنَّ الكلَ لهم احتياج للتطهير بالتوبة وغفران الزلات، حتى لو كان البعضُ صالحين من طبيعتهم. وأيضًا لأن داود النبي كان يعرف هذا، فقال:  ” إِنْ كُنْتَ تُرَاقِبُ الآثَامَ يَارَبُّ، يَا سَيِّدُ، فَمَنْ يَقِفُ ” (مز130: 3).

وإذا كان التيسُ ـ وفقًا للناموس القديم ـ يقدَّمُ ذبيحةً من أجل غفران الخطايا، لكن الآن، الذبيحةَ المقدسةَ لأجلنا هي التوبةُ وطلب الصفح حيث نقترب من الله روحيًا وحقيقيًا لأنه يقول: ذَكِّرْنِي فَنَتَحَاكَمَ مَعًا. حَدِّثْ لِكَيْ تَتَبَرَّرَ ” (إش43: 26). وداود يترنم قائلاً:      ” أَعْتَرِفُ لَكَ بِخَطِيَّتِي وَلاَ أَكْتُمُ إِثْمِي. قُلْتُ: أَعْتَرِفُ لِلرَّبِّ بِذَنْبِي، وَأَنْتَ رَفَعْتَ أَثَامَ خَطِيَّتِي ” (مز32: 5) هل صار حديثي واضحًا عن تقدمات الرؤساء؟

بلاديوس: واضحٌ جدًا.

كيرلس: يجب أنْ نقول إنه عندما قُدِّمت التقدمة من كل واحدٍ وللجميع، بدأ الله يتحدَّث إلى موسى في الخيمة المقدسة عن تفسير الأقوال الإلهية. مكتوب أيضًا في سفر العدد الآتي: ” فَلَمَّا دَخَلَ مُوسَى إِلَى خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ لِيَتَكَلَّمَ مَعَهُ، كَانَ يَسْمَعُ الصَّوْتَ يُكَلِّمُهُ مِنْ عَلَى الْغِطَاءِ الَّذِي عَلَى تَابُوتِ الشَّهَادَةِ مِنْ بَيْنِ الْكَرُوبَيْنِ، فَكَلَّمَهُ ” (عد7: 89). طالما قد انتهت الخيمة المقدسة، وطالما بزيناتٍ مختلفةٍ، ظهرت الخيمة الحقيقية المقدسة أي الكنيسة، عندئذ تحدَّث لنا الله الآب لأنه يقول: ” كَلَّمَنَا فِي هذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ ” (عب1: 2)، والذي نقول عنه ـ وفق الكتب المقدسة ـ أنه كفَّارةٌ لأجل خطايانا (انظر 1يو2: 2).

 

الصوتُ أتى من فوق الكروبيم؛ لأنَّ الله يوجد فوق، عاليًا جدًا أسمى من كل الخليقة، إذ أنه أعظم بحسب جوهره من أي خليقة. الابنُ، الكفَّارةُ الحقيقيةُ حين أخبرنا بكلام الله الآب، قال: ” تَعْلِيمِي لَيْسَ لِي بَلْ لِلَّذِي أَرْسَلَنِي ” (يو7: 16). سُمِعَ الصوت فوق غطاء الكفَّارة، وسوف تندهش اندهاشًا عظيمًا وأنت تفحص مسألة مجيء رؤساء القبائل، حيث حُدِّد لكل واحدٍ يومًا بمفرده، يجب فيه أنْ يتمم كل ما أُمر به ويحُضر تقدمته آتيًا بنظام معين كما حدَّد المشرع. وهذا الترتيب لا يعتمد على العمر، وهو ليس عشوائيًا أيضًا، لكن خضع هذا الترتيب الخاص بالرؤساء لتدبير سرى.

بلاديوس: لكني لا أستطيع أنْ أفهم هذا الذي تقوله، حدثني بوضوح.

كيرلس: إذا أردت أنْ يصير أمر هذا الترتيب واضحًا، يجب أنْ نتحدث عن ترتيب أبناء يعقوب. هل ترغب في ذلك؟

بلاديوس: نعم تمامًا.

كيرلس: حسنًا، رأوبين هو البكر، ثم شمعون ولاوى ويهوذا من الأم ليئة. وكان دان ونفتالي من بلهة الخادمة، وجاد وأشير من زلفة خادمة ليئة. أيضًا فيما عدا الأربعة الأولون، ولدت ليئة يساكر وزبولون، ومن راحيل وُلد يوسف وبنيامين.

 

          إذن، الأولون كانوا أبناء ليئة أي أربعة من الحُرّة: رأوبين وشمعون ولاوى ويهوذا. أمَّا الأربعة الآخرون من الخادمتين بلهة وزلفة هم: دان ونفتالي وجاد وأشير. فيما عدا هؤلاء، الأربعة الأولون والأربعة الآخرون كان هناك اثنين من ليئة: يساكر وزبولون، ومن راحيل يوسف وبنيامين. ونذكر أيضًا إن نصيب يوسف قُسِّم على سبطين، على افرايم ومنسى اللذان وُلدا منه (انظر من ص29 فيما بعد).

بلاديوس: طبعًا أعرف جيدًا ترتيب الأسماء، لكن ماذا تريد من ذلك؟ يجب عليك أنْ توضح لي الأمر.

كيرلس: إنَّ ترتيبهم يا بلاديوس أثناء تقدماتهم لم يكن وفق السن. فقد أتى يهوذا أولاً بالرغم من أنَّ ترتيبه الرابع من جهة الولادة. ثم التاسع يساكر ومعهم زبولون العاشر. ثم المجموعة الثانية كانت تتكون من البكر رأوبين، وبعده الثاني شمعون. ومعهم أُضيف دان من العبدة. ثم المجموعة الثالثة من الأمهات الحُرّات افرايم ومنسى وبنيامين. أخيرًا المجموعة الرابعة كل ما وُلِدَ من الجواري وكانوا ثلاثة دان وأشير ونفتالي، بالرغم ممن انضموا في الترتيب معهم أقصد افرايم ومنسى وبنيامين. ألا تعتبر إذن أنَّ الفحص التفصيلي لهذا الأمر مُهم؟

بلاديوس: بل هامٌ جدًا. حسنًا، حاول أنْ تخبرني ما هو السبب.

كيرلس: الأمر كما أعتقد له مغزى، فالأمور التي تشير إلى المسيح هي الأسبق في الترتيب عند الله عن تلك التي للناموس، كما أنَّ الآخِرين صاروا أوَّلين والعكس صار الأولون آخِرين. فالمتقدمون في السن زمنيًا، الذين هم أبكار، أي الإسرائيليون أتوا في الترتيب بعد الأمم. وكل الذين عندهم روح عبودية وهم أبناء أورشليم العبدة سوف يتركون عظمتهم في المجد لأبناء الحُرّة التي هي أمٌ لنا، نحن الذين خلُصنا بالإيمان بالمسيح ودُعينا إلى الرُتبة الحُرّة بروح الحرية.

إذن، لاحظ إذا أردت، دقةُ شرحي. الأول سبط يهوذا يقدم تقدمته، ذلك السبط الذي منه وُلِدَ المسيح بحسب الجسد. ثم بعد هذا السبط مباشرةً الأسباط أشير وزوبولون، والاثنان كانا أحرارًا من أمهات حُرّات. ثم رأوبين البكر وشمعون وجاد. إذًا دعنا نمضي في التحدث عن كل واحد مركِّزين في نبوءة يعقوب عنهم.

 

حسنًا، قال يعقوب العظيم: ” رأوبين أنت بِكري قوتي وأول قدرتي، قاسٍ في تصرفه وقاسٍ ووقح ” (تك49: 3 ـ 4س).

 

وأيضًا ” شِمْعُونُ وَلاَوِي أَخَوَانِ، آلاَتُ ظُلْمٍ سُيُوفُهُمَا. فِي مَجْلِسِهِمَا لاَ تَدْخُلُ نَفْسِي. بِمَجْمَعِهِمَا لاَ تَتَّحِدُ كَرَامَتِي. لأَنَّهُمَا فِي غَضَبِهِمَا قَتَلاَ إِنْسَانًا، وَفِي رِضَاهُمَا عَرْقَبَا ثَوْرًا. مَلْعُونٌ غَضَبُهُمَا فَإِنَّهُ شَدِيدٌ، وَسَخَطُهُمَا فَإِنَّهُ قَاسٍ. أُقَسِّمُهُمَا فِي يَعْقُوبَ، وَأُفَرِّقُهُمَا فِي إِسْرَائِيلَ ” (تك49: 5 ـ 7).

 

وعن جاد قال الآتي: ” جَادُ، يَزْحَمُهُ جَيْشٌ، وَلكِنَّهُ يَزْحَمُ مُؤَخَّرَهُ ” (تك49: 19).

 

إذن، برأوبين يشير إلى إسرائيل، الشعب البكر من ناحية الزمن، الذي كان قاسيًا ووقحًا وشتّامًا. وعن شمعون الذي يُصاحبه اللاوي الذي كان جاهزًا للقتل، وقد قتل قدِّيسين يقول: ” أَيُّ الأَنْبِيَاءِ لَمْ يَضْطَهِدْهُ آبَاؤُكُمْ ” (أع7: 52). والثور الذي أرادوا أنْ يقتلوه هو رمز للمسيح. وهو لم يضبطهم فقط في أنهم يُقدِمون على إتيان أفعال مضادة للقديسين وله، بل تعاون الجالسون منهم بالقرب من المذبح، أي الكتبة والفريسيون مع اللاوى، أي الجنس الكهنوتي. لذلك ـ في نبوات يعقوب أبو الآباء ـ ارتبط شمعون ولاوى ومعهم جاد الذي وُلِدَ من الخادمة (العبدة) وكان مزعجًا. أضف إلى ذلك أنَّ إسرائيل كان وضيعًا في رأيه، وكان يضايق المسيح وينصب له الفخاخ لكي يُلحِقوا الضرر به، إذ اقتربوا منه وقالوا: ” أَيَجُوزُ أَنْ تُعْطَى جِزْيَةٌ لِقَيْصَرَ أَمْ لاَ ” (مت22: 17).

 

سأعود بحديثي إلى بداية الكلام. إسرائيل ـ البِكر من جهة الزمن ـ القاسي، والوقح والشتّام والمتأهِّب للقتل الذي امتلأ بغضبٍ ملعون، إسرائيل الذي قتل بشرًا (الأنبياء) والثور (المسيح)، إسرائيل المبتذل والمخادع الذي نصب الفخاخ للمسيح، جاء في المرتبة الثانية بعد هؤلاء الذين آمنوا بالمسيح وهم أحرار، وبالرغم من أنه كان حُرًّا، إلاَّ أنه بالكاد يمكنه أنْ يتقابل مع الله بعدنا.

بلاديوس: أنت تتحدث بالصواب.

كيرلس: سوف تفهم هذا لو لاحظت جيدًا الأمور الآتية: ثلاثةً أحضروا تقدماتهم الواحد بعد الآخر من راحيل الحُرّة: إفرايم ومنسى وبنيامين. وثلاثةٌ أيضًا الواحد بعد الآخر بعد السابقين مولودون من جاريات هم دان، أشير ونفتالي.

 

          هل أدركت إذن أنهم اصطفوا بكرامات عظيمة، أولاد الحُرّة أولاً، وبعد ذلك تبعهم أولاد الجواري. أليس واضحًا الكلام الذي كتبه بولس الرسول، إذ يقول ” أَنَّ الْقَسَاوَةَ قَدْ حَصَلَتْ جُزْئِيًّا لإِسْرَائِيلَ إِلَى أَنْ يَدْخُلَ مِلْؤُ الأُمَمِ، وَهكَذَا سَيَخْلُصُ جَمِيعُ إِسْرَائِيلَ ” (رو11: 25).

بلاديوس: حديثُك مستقيمٌ، وملاحظتُك دقيقة.

كيرلس: وكون أنَّ الأمر يتفق مع الحق، فهو ما سوف تعرفه بسهولة جدًا؛ لأن الكتاب يؤكده لنا مباشرةً. وهناك آراءٌ أخرى. لقد أمر الله أن يكون كل شيء بنظام لائقٍ سواء بالنسبة للمرتحلين والواقفين، أو المخيِّمين من الإسرائيليين. وأعتقد أنَّ هذا ما ترنَّم به داود الطوباوي ” فَأَطُوفُ بِمَذْبَحِكَ يَا رَبُّ، لأُسَمِّعَ بِصَوْتِ الْحَمْدِ، وَأُحَدِّثَ بِجَمِيعِ عَجَائِبِكَ ” (مز26: 6ـ7)، وأيضًا: ” وَالآنَ يَرْتَفِعُ رَأْسِي عَلَى أَعْدَائِي حَوْلِي، فَأَذْبَحُ فِي خَيْمَتِهِ ذَبَائِحَ الْهُتَافِ ” (مز27: 6). وهنا نلاحظ أنَّ هذا مِثالٌ لنا للتعليم. بمعنى أنه لا يجب أنْ نبتعد نحن عن الله، لكن لنظهر بالقرب منه، كما يجب أن نقف دائريًا حوله دون أنْ تدخل بيننا الخطية، ودون أنْ تفصلنا اللذة العالمية، بل إن الذهن المستقيم، والاستعداد من جانب كل واحد للعمل المستحق كل ثناء، يجمعنا في وحدةٍ روحيةٍ. لأن الالتزام بتقديم العطايا، يتفق تمامًا مع هؤلاء الذين يختارون هذا الثناء. لأنه مكتوب: اُنْذُرُوا وَأَوْفُوا لِلرَّبِّ إِلهِكُمْ يَا جَمِيعَ الَّذِينَ حَوْلَهُ. لِيُقَدِّمُوا هَدِيَّةً لِلْمَهُوبِ ” (مز76: 11).

 

          لذلك أمر أنْ يتحركوا مع الخيمة، ويسيروا دائريًا، وأيضًا بنظامٍ ليس بحسب السن، لكن أن يتقدموا ـ بترتيب ـ من الأولين إلى الآخرين، ومرتبطين هكذا على مثال وضعهم في تقدمه العطايا. ومكتوب أيضًا في سفر العدد الآتي: ” وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى وَهَارُونَ َقَائِلاً: يَنْزِلُ بَنُو إِسْرَائِيلَ كُلٌّ عِنْدَ رَايَتِهِ بِأَعْلاَمٍ لِبُيُوتِ آبَائِهِمْ. قُبَالَةَ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ حَوْلَهَا يَنْزِلُونَ ” (عد2: 1 ـ 2). ثم أظهر لكل واحدٍ الموضعَ الذي حُدِّد له، أي كيف، ومَن هم الذين ينزلون؟ لأنه يضيف الآتي: ” (الأولون) َالنَّازِلُونَ إِلَى الشَّرْقِ، نَحْوَ الشُّرُوقِ، رَايَةُ مَحَلَّةِ يَهُوذَا حَسَبَ أَجْنَادِهِمْ، وَالرَّئِيسُ لِبَنِي يَهُوذَا نَحْشُونُ بْنُ عَمِّينَادَابَ، وَجُنْدُهُ الْمَعْدُودُونَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ وَسَبْعُونَ أَلْفًا وَسِتُّ مِئَةٍ. وَالنَّازِلُونَ مَعَهُ سِبْطُ يَسَّاكَرَ، وَالرَّئِيسُ لِبَنِي يَسَّاكَرَ نَثَنَائِيلُ بْنُ صُوغَرَ ” (عد2: 3 ـ 5).

بعد ذلك يذكر المجموعة الثانية، فيقول: ” رَايَةُ مَحَلَّةِ رَأُوبَيْنَ إِلَى التَّيْمَنِ حَسَبَ أَجْنَادِهِمْ، وَالرَّئِيسُ لِبَنِي رَأُوبَيْنَ أَلِيصُورُ بْنُ شَدَيْئُورَ، وَجُنْدُهُ الْمَعْدُودُونَ مِنْهُ سِتَّةٌ وَأَرْبَعُونَ أَلْفًا وَخَمْسُ مِئَةٍ. وَالنَّازِلُونَ مَعَهُ سِبْطُ شِمْعُونَ، وَالرَّئِيسُ لِبَنِي شِمْعُونَ شَلُومِيئِيلُ بْنُ صُورِيشَدَّاي، وَجُنْدُهُ الْمَعْدُودُونَ مِنْهُمْ تِسْعَةٌ وَخَمْسُونَ أَلْفًا وَثَلاَثُ مِئَةٍ. وَسِبْطُ جَادَ، وَالرَّئِيسُ لِبَنِي جَادٍَ أَلِيَاسَافُ بْنُ رَعُوئِيلَ ” (عد10:2ـ14). ويلخص المجموعة الثانية قائلاً: ” ثُمَّ تَرْتَحِلُ خَيْمَةُ الاجْتِمَاعِ. مَحَلَّةُ اللاَّوِيِّينَ فِي وَسَطِ الْمَحَلاَّتِ. كَمَا يَنْزِلُونَ كَذلِكَ يَرْتَحِلُونَ. كُلٌّ فِي مَوْضِعِهِ بِرَايَاتِهِمْ. رَايَةُ مَحَلَّةِ أَفْرَايِمَ حَسَبَ أَجْنَادِهِمْ إِلَى الْغَرْبِ، وَالرَّئِيسُ لِبَنِي أَفْرَايِمَ أَلِيشَمَعُ بْنُ عَمِّيهُودَ، وَجُنْدُهُ الْمَعْدُودُونَ مِنْهُمْ أَرْبَعُونَ أَلْفًا وَخَمْسُ مِئَةٍ. وَمَعَهُ سِبْطُ مَنَسَّى، وَالرَّئِيسُ لِبَنِي مَنَسَّى جَمْلِيئِيلُ بْنُ فَدَهْصُورَ، وَجُنْدُهُ الْمَعْدُودُونَ مِنْهُمُ اثْنَانِ وَثَلاَثُونَ أَلْفًا وَمِئَتَانِ. وَسِبْطُ بَنْيَامِينَ، وَالرَّئِيسُ لِبَنِي بَنْيَامِينَ أَبِيدَنُ بْنُ جِدْعُونِي ” (عد2: 17 ـ 22).

ويذكر المجموعة الرابعة مباشرةً قائلاً: ” رَايَةُ مَحَلَّةِ دَانَ إِلَى الشِّمَالِ حَسَبَ أَجْنَادِهِمْ، وَالرَّئِيسُ لِبَنِي دَانَ أَخِيعَزَرُ بْنُ عَمِّيشَدَّاي، وَجُنْدُهُ الْمَعْدُودُونَ مِنْهُمُ اثْنَانِ وَسِتُّونَ أَلْفًا وَسَبْعُ مِئَةٍ. وَالنَّازِلُونَ مَعَهُ سِبْطُ أَشِيرَ، وَالرَّئِيسُ لِبَنِي أَشِيرَ فَجْعِيئِيلُ بْنُ عُكْرَنَ، وَجُنْدُهُ الْمَعْدُودُونَ مِنْهُمْ وَاحِدٌ وَأَرْبَعُونَ أَلْفًا وَخَمْسُ مِئَةٍ. وَسِبْطُ نَفْتَالِي، وَالرَّئِيسُ لِبَنِي نَفْتَالِي أَخِيرَعُ بْنُ عِينَنَ، وَجُنْدُهُ الْمَعْدُودُونَ مِنْهُمْ ثَلاَثَةٌ وَخَمْسُونَ أَلْفًا وَأَرْبَعُ مِئَةٍ. جَمِيعُ الْمَعْدُودِينَ لِمَحَلَّةِ دَانٍَ مِئَةُ أَلْفٍ وَسَبْعَةٌ وَخَمْسُونَ أَلْفًا وَسِتُّ مِئَةٍ. يَرْتَحِلُونَ أَخِيرًا بِرَايَاتِهِمْ ” (عد2: 25 ـ 31).

 

          هل رأيت أنَّ يهوذا ومَن له قد أُمروا ولهم موضع مختار تجاه الشرق والجنوب؟ لأن مؤمني المسيح يحيون في النور ولهم روح مشتعلة. اصطف رأوبين ومَن له في المرتبة الثانية. والترتيب الثالث كان من نصيب أولئك الذين أتوا من الحُرّة. بعد هؤلاء ثلاثة آخرون الذين انحدروا من جاريات قيل لهم: “ستنطلقون في الأخير”. أليس واضحًا دون أي تردد أنَّ الثاني دُعي وفُضِّل عن البِكر، أي أنَّ المؤمنين بالمسيح صاروا في المرتبة الأولى بدلاً من أبناء العبودية؟ هؤلاء هم المؤمنين الأحرار من جهة الإيمان أي أنَّ هؤلاء يتزعَّمون لأنَّ قائدهم المسيح القادم من سبط يهوذا، بينما يأتي الآخرون بعدهم بصعوبة، ويصطفُّون في الترتيب الثاني.

بلاديوس: أنت تتحدث بالصواب، وأنا أمدحك لأجل فكرك الثاقب الدقيق.

 

المقالة10 ج7 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة10 ج6 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة10 ج6 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة10 ج6 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

 

السجود والعبادة بالروح والحق

تابع المقالة العاشرة

استكمالاً للحديث السابق “عن الخيمة المقدسة، وعن الأشياء الموجودة فيها”

 

كيرلس: أمَّا أنه يجب أنْ ننتج ثمارًا لمجد الله، وألا ندخل بأيدٍ فارغةٍ إلى الخيمة المقدسة، فسيوضِّحه أيضًا الكتاب المقدس في سفر العدد قائلاً: ” وَيَوْمَ فَرَغَ مُوسَى مِنْ إِقَامَةِ الْمَسْكَنِ، وَمَسَحَهُ وَقَدَّسَهُ وَجَمِيعَ أَمْتِعَتِهِ، وَالْمَذْبَحَ وَجَمِيعَ أَمْتِعَتِهِ وَمَسَحَهَا وَقَدَّسَهَا، قَرَّبَ رُؤَسَاءُ إِسْرَائِيلَ، رُؤُوسُ بُيُوتِ آبَائِهِمْ، هُمْ رُؤَسَاءُ الأَسْبَاطِ الَّذِينَ وَقَفُوا عَلَى الْمَعْدُودِينَ. أَتَوْا بِقَرَابِينِهِمْ أَمَامَ الرَّبِّ: سِتَّ عَجَلاَتٍ مُغَطَّاةً، وَاثْنَيْ عَشَرَ ثَوْرًا. لِكُلِّ رَئِيسَيْنِ عَجَلَةٌ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ ثَوْرٌ، وَقَدَّمُوهَا أَمَامَ الْمَسْكَنِ. فَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلاً: خُذْهَا مِنْهُمْ فَتَكُونَ لِعَمَلِ خِدْمَةِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ، وَأَعْطِهَا لِلاَّوِيِّينَ، لِكُلِّ وَاحِدٍ حَسَبَ خِدْمَتِهِ. فَأَخَذَ مُوسَى الْعَجَلاَتِ وَالثِّيرَانَ وَأَعْطَاهَا لِلاَّوِيِّينَ ” (عدد7: 1 ـ 6).

ولم يتوقف رؤساء القبائل إلى هنا بل أضافوا أشياءً أخرى لأنه مكتوب: ” وَقَرَّبَ الرُّؤَسَاءُ لِتَدْشِينِ الْمَذْبَحِ يَوْمَ مَسْحِهِ. وَقَدَّمَ الرُّؤَسَاءُ قَرَابِينَهُمْ أَمَامَ الْمَذْبَحِ. فَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: رَئِيسًا رَئِيسًا فِي كُلِّ يَوْمٍ يُقَرِّبُونَ قَرَابِينَهُمْ لِتَدْشِينِ الْمَذْبَحِ.  وَالَّذِي قَرَّبَ قُرْبَانَهُ فِي الْيَوْمِ الأَوَّلِ نَحْشُونُ بْنُ عَمِّينَادَابَ، مِنْ سِبْطِ يَهُوذَا. وَقُرْبَانُهُ طَبَقٌ وَاحِدٌ مِنْ فِضَّةٍ وَزْنُهُ مِئَةٌ وَثَلاَثُونَ شَاقِلاً، وَمِنْضَحَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ فِضَّةٍ سَبْعُونَ شَاقِلاً عَلَى شَاقِلِ الْقُدْسِ، كِلْتَاهُمَا مَمْلُوءَتَانِ دَقِيقًا مَلْتُوتًا بِزَيْتٍ لِتَقْدِمَةٍ، وَصَحْنٌ وَاحِدٌ عَشَرَةُ شَوَاقِلَ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوءٌ بَخُورًا، وَثَوْرٌ وَاحِدٌ ابْنُ بَقَرٍ وَكَبْشٌ وَاحِدٌ وَخَرُوفٌ وَاحِدٌ حَوْلِيٌّ لِمُحْرَقَةٍ، وَتَيْسٌ وَاحِدٌ مِنَ الْمَعَزِ لِذَبِيحَةِ خَطِيَّةٍ، وَلِذَبِيحَةِ السَّلاَمَةِ ثَوْرَانِ وَخَمْسَةُ كِبَاشٍ وَخَمْسَةُ تُيُوسٍ وَخَمْسَةُ خِرَافٍ حَوْلِيَّةٍ. هذَا قُرْبَانُ نَحْشُونَ بْنِ عَمِّينَادَابَ ” (عدد7: 10ـ17).

 

أحضر الآخرون تقدماتهم، في اليوم الذي حُدِّد لكل واحد منهم، كل واحد بدوره حتى الثاني عشر، الكل قدَّم بنفس الطريقة. بكرمٍ ليس له نظير، لأنه هكذا أمر الله.

بلاديوس: وما السبب الذي من أجله قدَّموا أنواعًا كثيرةً جدًا؟

كيرلس: يا بلاديوس الأمرُ يتعلق بالأثمار، ويصاحب هذا معنىً سرّيٌ ينقل الرمز إلى عمانوئيل ولنا نحن أنفسنا. سأعرض لك الأمر بقدر المُستطاع. عندما ظهرت الخيمة المقدسة الحقيقية، أي الكنيسة في العالم، وأشرق المسيح فيها بطرقٍ كثيرةٍ، قُدِّمت فديةٌ وتعويضٌ لأجل حياة الكل كذبيحةٍ مقدسةٍ إلى الله الواحد في الجوهر مع كل البشر. أي بسبب أنَّ وحيدَ الجنسِ صار إنسانًا كواحدٍ منَّا قدَّم ذاته إلى الله كخميرةٍ واحدةٍ ممتازةٍ، وبدايةٍ للطبيعة البشرية (الجديدة)، والذي تفوح منه القداسة الموجودة فيه من طبيعته وجوهره لأنه هو الله. ورغم أن المسيح واحد، إلاَّ أنه رُمِزَ إليه بطرقٍ كثيرةٍ مثلما نرى في تقدمة الرؤساء، ويُخدم عن طريق الرؤساء، ومكرَّمٌ بألقابٍ مختلفةٍ.

 

التقدمة اليومية تشير إلى استمرارية ذبيحة المسيح كل يوم وعدم انقطاعها، والثمار تشير إلى أولئك الذين خلصوا بالإيمان. لأن السجود له لن ينقطع، ولا تقديم العطايا. سوف يظهر المسيح بواسطتنا ولأجلنا مقدِّمًا نفسه ذبيحةً بطريقةٍ سرّيةٍ في الخيمة المقدسة. وهو نفسه يكون تقدُمتنا الأولى الممتازة. لأنه يقدِّم ذاته ذبيحةً إلى أبيه، وليس بالتأكيد لأجل ذاته وفق التعليم المستقيم، لكن لأجلنا نحن الذين كُنَّا تحت نير وثقل الخطية. ونحن نتشبه حقًا بذاك ونصير نحن ذبيحةً مقدسةً ونموت عن العالم (انظر رو6: 5) لأن الخطية ماتت فينا ونحيا لله حياة القداسة. هذه الأمور أُعلنت لنا عن طريق تقدمة الرؤساء. لكن هل تريد أنْ نفحصها ونجُمِّع علامةً إلى علامةٍ بقدر استطاعتنا لنشرح هذه الأمور شرحًا أفضل؟

بلاديوس: حسنًا جدًا.

كيرلس: لقد قُدِّم ثورٌ واحدٌ من كل واحدٍ من الرؤساء، ووُزِّعت العربات ـ والتي كان عددها ستة ـ على أعمال الخيمة المقدسة. ثم قُدِّم من كل واحدٍ طبقٌ ومنضحةٌ من الفضة، مكتوبٌ أنَّ كلتيهما مملوئين دقيقًا ملتوتًا بزيتٍ لتقدمةٍ، وصحنٌ مملوءٌ بالبخور، وكبشٌ واحدٌ وخروفٌ واحدٌ حوليٌ لمحرقةٍ، وتيسٌ واحدٌ من المعز للتكفير عن الخطايا. أيضًا قدَّموا تقدمات للذبيحة عن الخلاص، ثوران وخمسةُ كباشٍ، وخمسةُ تيوسٍ، وخمسةُ خرِافٍ حوليةٍ (انظر عدد7: 12 ـ 17).

 

بلاديوس: اخبرني إذن ـ قبل أيةِ أمورٍ أخرى ـ ما علاقة هذه الأمور ببعضها البعض، وما هو الاختلاف بين ذبيحة المحرقة وذبيحة الخلاص (السلامة)؟

كيرلس: اسمع إذن. الحيوانات المقدَّمة لذبيحة المحرقة يجب أن تُحرق كلها بالنيران، في نارٍ مقدَّسةٍ لا تُطفئ، دون استثناء لأيةِ قطعةٍ من الذبيحة، إذ أنَّ كلَّ ذرةٍ وكل عضو منها يُشعل إلى الله تُشتم كرائحةٍ ذكيةٍ.

 

لكن ما يُذبح لذبيحة الخلاص (السلامة) يُقدَّمُ بعضه مثل الكتف الأيمن، الرأس، الأرجل أو الكُلى والكبد، أو أجزاء أخرى داخل الحيوان مع الأمعاء.

 

إذن، ذبيحةُ المحرقةِ ترمز إلى المسيح؛ لأنه هو حقًا كليُ القداسة، وكله رائحةٌ ذكيةٌ، بينما ذبيحة الخلاص (السلامة) تشير إلينا لأننا لسنا كُلّيِّ القداسة، إذ يوجد داخلنا دنسٌ ما بسبب الخطية. وهذا وفق المكتوب: ” مَنْ يُخْرِجُ الطَّاهِرَ مِنَ النَّجِسِ؟ لاَ أَحَدٌ ” (أيوب14: 4) وأيضًا: ” اَلسَّهَوَاتُ مَنْ يَشْعُرُ بِهَا ” (مز19: 12). لذلك حدَّد الناموس جيدًا ألاَّ تحُرق ذبيحةُ الخلاص (السلامة) كلها، بل فقط أجزاءٌ منها. أليس حديثي يا بلاديوس واضحًا وكافيًا لكي تفهم هذا الأمر جيدًا؟

بلاديوس: حسنًا جدًا.

كيرلس: إذن، هيا بنا الآن نقول شيئًا عن تلك التقدمات التي يقدمها كل واحد، ولندرك أنَّ هذا هامٌ لفائدتنا.

بلاديوس: هيا بنا.

كيرلس: ما يقدِّمه كلُ رئيسٍ كان طبقٌ من الفضة وكأس، والاثنان مملوءان من دقيقٍ ملتوتٍ بزيت. الطبقُ تحتاجه المائدة، ومفيد للطعام كما علَّم المسيح نفسه عندما سأله تلميذه يوحنا من الذي يسلمك:      ” الذي يغمس يده معي في الصحفة ” (مت26: 3، يو13: 26). ولاستخدام الكأس، ماذا أقول؟ فالأمر واضح جدًا!! الدقيقُ يُشير إلى الخبز لأن منه يُصنع الخبز، وخبزُ الحياةِ هو المسيح. إذن، هكذا بالطبق والكأس والدقيق الموجود في الاثنين (لأنهما كانا مملوئين من الدقيق) في الطعام والشراب يُعلِنُ المسيحُ الحياةَ. لأنه يقول: ” الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَأْكُلُوا جَسَدَ ابْنِ الإِنْسَانِ وَتَشْرَبُوا دَمَهُ، فَلَيْسَ لَكُمْ حَيَاةٌ فِيكُمْ ” (يو6: 53).

 

يقول أيضًا إنَّ الدقيق يجب أن يكون ملتوتًا بالزيت، وهذا الأمر نراه في المزامير: ” أَحْبَبْتَ الْبِرَّ وَأَبْغَضْتَ الإِثْمَ، مِنْ أَجْلِ ذلِكَ مَسَحَكَ اللهُ إِلهُكَ بِدُهْنِ الابْتِهَاجِ أَكْثَرَ مِنْ رُفَقَائِكَ ” (مز45: 7).

 

والصحنُ أيضًا في شكل مبخرةٍ كان مملوءًا من البخور. لأنَّ المسيحَ هو الرائحةُ الذكيةُ، والمذبحُ الذي لا يكتسب رائحته من الخارج، مثلما يحدث معنا نحن الذين نحصل عليها عن طريق ما تجلبُه علينا التقوى والفضيلة والقداسة؛ أما هو فهو إله بطبيعته، ولذلك فهو يملك في داخله غنىً وفيرًا يملأ كلَّ المسكونةِ برائحته الزكية التي يفيض بها على الخليقة.

 

ولأنه حقًا إلهٌ حقيقيٌ بطبيعته، ويملك في طبيعته رائحةَ معرفةِ أبيه الزكية، صار مُدرَكًا هكذا بسهولةٍ؛ إذ أنه (رمزيًا) الصحنُ المملوءُ بخورًا. لذلك يُقدَّمُ (المسيحُ) عن طريق الذبائح مثل الثور والكبش والخروف والتيس وكل الأشياء الأخرى المصاحبة للتقدمة.

فيُرمز إليه بالثور بسبب قوته العظيمة، وبسبب أنَّ الثورَ ـ من بين الحيوانات الطاهرة والأليفة ـ يملك عظمةً، خصوصًا من جهة حجم جسده. والمسيحُ له كل العظمة الروحية والفائق عن الكل بسبب فرادته.

 

أيضًا يُرمز للمسيح بالكبشِ بسبب كمالِه، وبالخروفِ بسبب براءته، لأنه يقول: ” وَأَنَا كَخَرُوفِ دَاجِنٍ يُسَاقُ إِلَى الذَّبْحِ، وَلَمْ أَعْلَمْ ” (إر11: 19). وبالتيسِ لأجل أنه يُذبح لأجل أولئك الذين قد فعلوا الخطية؛ إذ أنَّ التيسَ ـ وفق الناموس ـ هو ذبيحةٌ لغفران الخطايا. وقد تألَّم عمانوئيل من أجلنا وفدانا من خطايانا القديمة بفضل أنه قَدَّم ذاته ذبيحةً لأجلنا. أم أنك تُنكر أنَّ هذا هو الحق؟

بلاديوس: كيف لا يكون هذا هو الحق؟

كيرلس: لاحظ أيضًا أنَّ الثيران تُقدَّم وتُعطى لأجل أعمال الخيمة بهدف أن تنقل القائمون على الخدمة في الخيمة على عَجَلات حتى لا يُرهقون من التعب والإجهاد. بمعنى أنَّ الكنيسةَ تستريح فوق المسيح، وينقلنا هو نفسُه ولا يترك الجنسَ المقدس والكريم والشعب المختَبَر في أعمالٍ مقدسةٍ، ويضع عليهم أتعابًا فوق قدراتهم.

 

إذن، هكذا يجب أنْ نقدِّم للمسيح كل ما قلناه سابقًا. الأشياءُ المحددةُ مسبقًا (التجهيزات) لأجل ذبيحة الخلاص يُقدِّمها الرؤساءُ من ذواتهم ويخصصونها للخيمة المقدسة ويقدِّمونها إلى الله لكي يَشتم رائحتهم الذكية. وهذه التقدمات كانت ثوران وخمسةُ كباشٍ، وخمسةُ تيوسٍ، وخمسةُ خرافٍ حوليةٍ.

 

والثورُ ـ بالتأكيد ـ رمزٌ للمسيح، بينما الكباش ترمز لنا نحن. والسببُ واضحٌ وحقيقيٌ؛ لأنَّ الذَّكرَ هو دائمًا القائد ويحظى بالشرف والمجد من جانب الله، والطبيعةُ شاهدةٌ وتعترف بهذا الأمر. والنساءُ يتبعن الرجال في قوتهم ومجدهم. هكذا بالثور الذَّكر يُرمز إلى المسيح الذي هو رئيسنا. ونحن خاضعين تحت نيره بقوة ونتبعه ولنا مجد أقل مما يخصه، وبمسافةٍ كبيرةٍ فائقةٍ فيما بيننا وبينه. وبالرغم من أنه صار شبيهًا لنا (لأن الكبشَ شبيهٌ بالثور)، لكنه أسمى منَّا بكثير؛ لأنه يقول: ” مَنْ فِي السَّمَاءِ يُعَادِلُ الرَّبَّ. مَنْ يُشْبِهُ الرَّبَّ بَيْنَ أَبْنَاءِ اللهِ ” (مز89: 7). أي أنَّ المسيحَ شبيهٌ بنا، وفي نفس الوقت بعظمة إلوهيته هو أعلا منا جميعًا، بالرغم من أنه صار جسدًا.

 

كان عددُ الكباشِ اثنين، ويرمزان إلى الشعبين اللذين اتحدا إلى واحدٍ، ووحَّدهم ذاك الذي تشبَّه بنا وصار إنسانًا لأجلنا، في وحدةٍ روحيةٍ بالإيمان. كما يُشير العدد المتساوي للكباش والخراف والتيوس إلى جَمْع الذين يؤمنون، وهو ما سوف يحدث في الوقت الخامس[1] عندما يتحقق مجيء ذاك إلى الأرض، إذ يقول: ” وَأَنَا إِنِ ارْتَفَعْتُ عَنِ الأَرْضِ أَجْذِبُ إِلَيَّ الْجَمِيعَ ” (يو12: 32).

 

الكباشُ تُشير إلى الكمال في تصرُّف أولئك الذين آمنوا، وإلى نضوج عمرهم الروحي داخل مجال نعمة المسيح، بينما الخرافُ تشير إلى كمال البساطة والبراءة. إذ يقول:” أَيُّهَا الإِخْوَةُ، لاَ تَكُونُوا أَوْلاَدًا فِي أَذْهَانِكُمْ، بَلْ كُونُوا أَوْلاَدًا فِي الشَّرِّ، وَأَمَّا فِي الأَذْهَانِ فَكُونُوا كَامِلِينَ ” (1كو14: 20). لذلك تعلَّمنا أنْ نقول في صلواتنا: ” َاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا ” (مت6: 12). لأنه لا توجد ساعةٌ حيث لا يكون هناك ضرورةٌ للذين لديهم عقولٌ سليمةٌ، ويدركون ضعف الطبيعة البشرية أنْ يصرخوا: ” اَلسَّهَوَاتُ مَنْ يَشْعُرُ بِهَا، مِنَ الْخَطَايَا الْمُسْتَتِرَةِ أَبْرِئْنِي ” (مز19: 12). هذه هي الذبيحة الروحية المرسلة إلى الله كرائحة زكية لخلاص نفوسنا.

بلاديوس: هذا حقٌ.

كيرلس: حسنًا، لقد قلت إنَّ الثورَ، والكباش والخراف، كذلك التيوس، والأشياء الأخرى تُشير إلى المسيح. وهذا الرأي لا أعتقد أنه خطأ. لكن لو أراد أحدٌ أنْ يأتي إلينا بتفسيرٍ آخر لهذه الأفكار، فلا مانع لدينا.

بلاديوس: أيُ تفسير تقصد؟

كيرلس: يقدِّم الإسرائيليون الذبائح بحسب الناموس، ويسكبون الدم على المذبح، وهذا العمل ـ كأنه في ظلالٍ ـ يعلن أنه يجب أنْ نكرس نفوسنا إلى الله.

بلاديوس: ما قلته صحيح.

كيرلس: إذن، تُقدَّم الذبائح لأجلنا، ونحن نقدِّم أنفسنا كذبيحةٍ وفق مثال ذبائح الناموس.

بلاديوس: هذا حقيقي.

كيرلس: إذن، تعالَ نفحص بالتفصيل وباستقامةٍ، الترتيبات التي كانت تُقدَّم من الجميع بيد رؤسائهم لنرى جمال الرؤية الروحية.

حسنًا، الأشياءُ التي كانت تُقدَّم هي آنيةُ فضة، أقصد الطبق والكأس، ودقيقٌ ملتوتٌ بزيت. الفضةُ رمز اللَّمعان والبهاء، والدقيقُ هو رمز الحياة؛ لأنَّ منه يصير الخبز الذي يجعل الحياةَ تستمر، والزيتُ يرمز للابتهاج. إذًا دعنا نقدِّم ذات هذه الأمور من جانبنا إلى الله بابتهاجٍ نابعٍ من بهاءِ حياتنا برجائنا في المسيح؛ لأنه مكتوب:    ” فَرِحِينَ فِي الرَّجَاءِ ” (رو12: 12). كيف لا يكون هؤلاء ـ الذين حافظوا على وصايا مخلصنا ـ مملوءين من الفرح العظيم، وقد مارسوا بامتيازٍ، البهاءَ في الحياة والتعليم، إذ حفظوا الوصايا التي بدونها لا نصير مشاركين في غنى مجد الله؟ لأنه مكتوب: ” لأَنَّكُمْ قَدْ مُتُّمْ وَحَيَاتُكُمْ مُسْتَتِرَةٌ مَعَ الْمَسِيحِ فِي اللهِ. مَتَى أُظْهِرَ الْمَسِيحُ حَيَاتُنَا، فَحِينَئِذٍ تُظْهَرُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا مَعَهُ فِي الْمَجْدِ ” (كو3: 3 ـ 4).

 

حسنًا، الدقيقُ ملتوتٌ بزيت، أي يحمل حياة القديسين والبهجة برجاء المجد، أي ببهاء القداسة والبر. الصحنُ الذهبي المملوء بالبخور يصوِّر جمال القديسين ورائحة القداسة الذكية التي توجد داخل الآنية المختارة كتقدمة حقيقية إلى الله. ألا نعتبر ـ يا بلاديوس ـ أنَّ القديسين هم آنيةٌ بهيةٌ ومختارةٌ؟

بلاديوس: بالتأكيد هم آنية بهية ومختارة.

15 راجع ما قلناه سابقًا عن الوقت الخامس في الهامش الوارد في ص 14 من هذا الجزء.

 

المقالة10 ج6 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة10 ج5 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة10 ج5 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة10 ج5 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

 

السجود والعبادة بالروح والحق

تابع المقالة العاشرة

استكمالاً للحديث السابق “عن الخيمة المقدسة، وعن الأشياء الموجودة فيها”

 

كيرلس: كان المشرع والقاضي محقًا حين أمر بضرورة تتميم الذبائح في الخيمة المقدسة، محاولاً بذلك أن يبعدهم عن العبادة الزائفة التي لا أساس لها، أقصد العبادة المصرية القديمة، حيث كان يوجد هزلٌ كثيرٌ في عبادة الأصنام، وحشدٌ متناقضٌ من الآلهة الكاذبة، كان مِن المستحيل على مَن كانوا يعبدونهم أنْ يعرفوهم. وكان هناك أيضًا فوضى في الذبائح بحسب ما يريد كل واحدٍ، وذلك طبقًا لحديث مرتجل لأحد حكماء اليونان الذي يقول: “إنَّ كل واحد يذبح لإله آخر”.

 

إذًا، فقد أراد أنْ يبعدهم عن مثل هذه الوقاحة والسخافة والانشغال الدنس بعبادة غبية تمامًا، ولذلك قال أيضًا في سفر اللاويين: ” كَلِّمْ هَارُونَ وَبَنِيهِ وَجَمِيعِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَقُلْ لَهُمْ: هذَا هُوَ الأَمْرُ الَّذِي يُوصِي بِهِ الرَّبُّ قَائِلاً: كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ يَذْبَحُ بَقَرًا أَوْ غَنَمًا أَوْ مِعْزًى فِي الْمَحَلَّةِ، أَوْ يَذْبَحُ خَارِجَ الْمَحَلَّةِ، وَإِلَى بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ لاَ يَأْتِي بِهِ لِيُقَرِّبَ قُرْبَانًا لِلرَّبِّ أَمَامَ مَسْكَنِ الرَّبِّ، يُحْسَبُ عَلَى ذلِكَ الإِنْسَانِ دَمٌ. قَدْ سَفَكَ دَمًا. فَيُقْطَعُ ذلِكَ الإِنْسَانُ مِنْ شَعْبِهِ ” (لا17: 2 ـ 4).

 

وكونُه يسكبُ دمًا؛ فلأنه عُدَّ مذنبًا بجريمة القتل، ذلك الإنسان الذي ذبح خارج الخيمة. فمن يحاول ألاَّ يقدِّم الذبيحة للإله بطبيعته، بل يقدِّمها إلى أحجارٍ وتماثيلَ من خشبٍ، وإلى ضلالاتٍ شيطانية، يصير قاتلاً لذاته ويُهلك نفسه.

 

أمَّا أنه لم يأمر بأن تُساق الذبيحة عامةً إلى أبواب الخيمة، بل تُقدَّم تحديدًا إلى الله، فهو ما يظهره بوضوح قائلاً: ” وَلاَ يَذْبَحُوا بَعْدُ ذَبَائِحَهُمْ لِلتُّيُوسِ الَّتِي هُمْ يَزْنُونَ وَرَاءَهَا ” (لا17: 7). إذًا، فهو يحرَّم تمامًا الذبائح التي يقدمها كل واحد إلى ما يريد دون تمييز، ويوصي ـ بوضوح ـ أن تُتمم العبادة للإله بطبيعته فقط.

بلاديوس: عرضك لهذا الأمر واضحٌ جدًا وممتاز.

كيرلس: سيكون مفيد لنا لو فكرنا ـ بطريقةٍ أخرى ـ في أن تصير الذبائح وتُقدم الضحايا المقدسة داخل الخيمة المقدسة.

بلاديوس: ماذا تقصد؟

كيرلس: ألم نقُل إنَّ الثَّورَ هو مثال لعمانوئيل الذي ذُبح بالقرب من الخيمة المقدسة من أجل الكاهن وخطايا الشعب عن جهل؟

بلاديوس: نعم قلنا هذا.

كيرلس: إذًا، هكذا نقول إنَّ سر المسيح يجب أن يتُمم داخل كنائس الله كما لو كانت خيمة مقدسةً، وهو ما نراه ـ رمزيًا ـ في علامةٍ أخرى، حيث شرَّع سلفًا ـ حين ارتحل الإسرائيليون من أرض مصر ـ الطريقة التي يجب أن يُذبح بها الخروف كمثال للمسيح، فقال: ” فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ يُؤْكَلُ. لاَ تُخْرِجْ مِنَ اللَّحْمِ مِنَ الْبَيْتِ إِلَى خَارِجٍ” (خر12: 46). إذًا، فبالرغم من أنه توجد خيمةٌ حقيقيةٌ مقدسة، يخالف الهراطقةُ إرادة الله عندما يقيم هؤلاء لأنفسهم خيامًا أخرى ويذبحون الخروف وينقلونه بعيدًا جدًا عن المسكن، مجزِّئين بذلك مَن لا يقبل التجزئة. لأنَّ المسيحَ واحدٌ وكاملٌ في كل شيءٍ.

أيضًا ينصح الشارح الحكيم لمقدسات موسى في سفر التثنية قائلاً: ” اِحْتَرِزْ مِنْ أَنْ تُصْعِدَ مُحْرَقَاتِكَ فِي كُلِّ مَكَانٍ تَرَاهُ. بَلْ فِي الْمَكَانِ الَّذِي يَخْتَارُهُ الرَّبُّ فِي أَحَدِ أَسْبَاطِكَ. هُنَاكَ تُصْعِدُ مُحْرَقَاتِكَ، وَهُنَاكَ تَعْمَلُ كُلَّ مَا أَنَا أُوصِيكَ بِهِ. وَلكِنْ مِنْ كُلِّ مَا تَشْتَهِي نَفْسُكَ تَذْبَحُ وَتَأْكُلُ لَحْمًا فِي جَمِيعِ أَبْوَابِكَ، حَسَبَ بَرَكَةِ الرَّبِّ إِلهِكَ الَّتِي أَعْطَاكَ. النَّجِسُ وَالطَّاهِرُ يَأْكُلاَنِهِ كَالظَّبْيِ وَالإِيَّلِ. وَأَمَّا الدَّمُ فَلاَ تَأْكُلْهُ. عَلَى الأَرْضِ تَسْفِكُهُ كَالْمَاءِ” (تث12: 13 ـ 16). إذًا، خطيةً وجرمًا لذهنٍ دنسٍ إذا ما أصعد ذبيحةً في كل مكان، ولم يُتمم سر المسيح في بيت الله.

بلاديوس: أنت تقول الصواب. ولكن دعنا ـ إذا أردت ـ نعرض لكل ما شُرع بخصوص هذا الموضوع في سفر اللاويين.

كيرلس: مكتوب الآتي: ” وَكُلُّ إِنْسَانٍ مِنْ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ وَمِنَ الْغُرَبَاءِ النَّازِلِينَ فِي وَسَطِكُمْ يَأْكُلُ دَمًا، أَجْعَلُ وَجْهِي ضِدَّ النَّفْسِ الآكِلَةِ الدَّمَِ وَأَقْطَعُهَا مِنْ شَعْبِهَا، لأَنَّ نَفْسَ الْجَسَدِ هِيَ فِي الدَّمِ، فَأَنَا أَعْطَيْتُكُمْ إِيَّاهُ عَلَى الْمَذْبَحِ لِلتَّكْفِيرِ عَنْ نُفُوسِكُمْ، لأَنَّ الدَّمَ يُكَفِّرُ عَنِ النَّفْسِ. لِذلِكَ قُلْتُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: لاَ تَأْكُلْ نَفْسٌ مِنْكُمْ دَمًا، وَلاَ يَأْكُلِ الْغَرِيبُ النَّازِلُ فِي وَسَطِكُمْ دَمًا. وَكُلُّ إِنْسَانٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَمِنَ الْغُرَبَاءِ النَّازِلِينَ فِي وَسَطِكُمْ يَصْطَادُ صَيْدًا، وَحْشًا أَوْ طَائِرًا يُؤْكَلُ، يَسْفِكُ دَمَهُ وَيُغَطِّيهِ بِالتُّرَابِ. لأَنَّ نَفْسَ كُلِّ جَسَدٍ دَمُهُ هُوَ بِنَفْسِهِ، فَقُلْتُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: لاَ تَأْكُلُوا دَمَ جَسَدٍ مَا، لأَنَّ نَفْسَ كُلِّ جَسَدٍ هِيَ دَمُهُ. كُلُّ مَنْ أَكَلَهُ يُقْطَعُ ” (لا 17: 10 ـ 14). إذًا لاحظ كيف أنَّ الدم ـ بوضوحٍ ـ يعتبر كمثالٍ للنفس.

بلاديوس: إنني أفهم ما تقوله.

كيرلس: إذن، يفصلُ الناموس وينـزعُ الدمَ عن جسد الذبائح الحيوانية مُعلِّمًا إيانا الحقيقةَ الحكيمةَ المقبولةَ في إيماننا والتي تكرِّمها كنائسنا، وهي أنَّ نفس الإنسان العاقلة خُلِقَتْ على غير فساد، وهي تتصرف باعتبارها خالدة لا يصيبها الموتُ بالفساد، مثلما تفسد الأجساد الأرضية. بل بالحري يحررها الخالق من الأرضيات ويُصعدها إلى السماء نازعًا عنها الآلام ومانحًا لها الحياة. لأنَّ الإنسانَ منذ البداية خُلِقَ كنفسٍ حيةٍ، ووضع الله فيها نسمةَ الحياة، هكذا مكتوب (انظر تك2: 7).

 

وإذا قلنا إنَّ النفسَ التي صارت لكي تحيا، دُمِّرَتْ مثلها مثل الأجساد الوقتية (الفانية)، فلا بُد أن ننتهي ـ كما أعتقد ـ إلى أنَّ هناك ضعفًا يكمن في الحياة التي تحيي كلَّ شيءٍ. وفي المقابل، عندما نؤمن بخلودها بسبب أنَّ الله الخالق يريد ذلك (وإنه هو الذي يعطيها الحياة)، فإننا سوف نتوَّج بالفهم الجميل إذ ” بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ ” (أع17: 28).

 

هذا هو الحديث الخاص بالتشريع. لكن دعنا نمضي في الحديث عن الترتيبات الأخرى المتعلقة بالخيمة. قال الله في سفر الخروج:   ” لاَ تَذْبَحْ عَلَى خَمِيرٍ دَمَ ذَبِيحَتِي ” (خر34: 25). الدمُ غير المسكوب يجب أنْ يكون بدون خُبزٍ مختمِرٍ، لذا على مَن يقدِّم الذبيحةَ إلى الله ألاَّ يضيف إليها الخبز المختمر. بمعنى أنه يجب علينا أنْ نكون أطهارًا وبدون خمير، أي دون أنْ يكون في ذهننا أي دناءة أو خبث. لكن نكرس نفوسنا ـ والتي يرمز لها هنا بالدم ـ لله. وبولس يدعو أولئك الذين يحفظون نفوسهم نقية وطاهرة من الدناءة ـ وذلك بالإيمان بالمسيح والمحبة الكاملة ـ يدعوهم بالعجين الجديد والفطير (المنـزوعة منه الخميرة العتيقة) (انظر 1كو5: 7).

 

أيضا يقول: ” وَلاَ يَبِتْ شَحْمُ عِيدِي إِلَى الْغَدِ ” (خر23: 18) أي لا تقدِّم شحمًا باقيًا من الأمس وتعتبره تقدمةً زكيةً. على الجانب الآخر نرى في سفر اللاويين هذا الأمر واضحًا جدًا إذ يقول لمَن يقدِّم الذبيحة: ” وَإِنْ كَانَتْ ذَبِيحَةُ قُرْبَانِهِ نَذْرًا أَوْ نَافِلَةً، فَفِي يَوْمِ تَقْرِيبِهِ ذَبِيحَتَهُ تُؤْكَلُ. وَفِي الْغَدِ يُؤْكَلُ مَا فَضَلَ مِنْهَا. وَأَمَّا الْفَاضِلُ مِنْ لَحْمِ الذَّبِيحَةِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ فَيُحْرَقُ بِالنَّارِ. وَإِنْ أُكِلَ مِنْ لَحْمِ ذَبِيحَةِ سَلاَمَتِهِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ لاَ تُقْبَلُ. الَّذِي يُقَرِّبُهَا لاَ تُحْسَبُ لَهُ، تَكُونُ نَجَاسَةً، وَالنَّفْسُ الَّتِي تَأْكُلُ مِنْهَا تَحْمِلُ ذَنْبَهَا ” (لا7: 16 ـ 18). إذن، فهو يرفض ـ للذبيحة ـ الضحيةَ التي من أول أمس، ويوضِّح هذا قائلاً: ” وَمَتَى ذَبَحْتُمْ ذَبِيحَةَ شُكْرٍ لِلرَّبِّ، فَلِلرِّضَا عَنْكُمْ تَذْبَحُونَهَا. فِي ذلِكَ الْيَوْمِ تُؤْكَلُ. لاَ تُبْقُوا مِنْهَا إِلَى الْغَدِ. أَنَا الرَّبُّ ” (لا22: 29 ـ 30). ” وَالنَّفْسُ الَّتِي تَأْكُلُ مِنْهَا تَحْمِلُ ذَنْبَهَا ” (لا7: 18).

بلاديوس: وما هو القصد من هذه الأمور ؟

كيرلس: لقد أظهر لنا الناموس ـ مراتٍ كثيرةٍ ـ أنَّ الكتاب المقدس أعتاد أنْ يعطي الزمن بُعدين: الزمن الذي كان يسرى فيه الناموس، والزمن الذي أشرق فيه المسيح علينا. وأحيانا يدعوه البُعد الثالث؛ لأن الفترة البينية التي أشرق فيها خورس الأنبياء كانت فترة البُعد الثاني.

 

ونلاحظ أنه في زمن موسى والأنبياء، كانت طريقة العبادة واحدة إذ كانت ظلالُ الناموس سائدةً. لكن، عندما يصير الغد، أي عندما يبدأ الوقت الثالث، وينير المسكونةَ النورُ غير المادي، أي المسيح، ينحل الضباب القديم، لذا لا تعود مقبولةٌ طريقة العبادة القديمة، ولا يُقبل شحمُ ذبيحةِ أمس أو أول أمس أمام الرب، بل يكون دنسًا بالنسبة لأولئك الذين يقدِّمون شحم هذه الذبيحة المرفوضة من قِبل الله إذًا قُدِّمت في وقتٍ مخالفٍ.

 

ألا تعتقد أن هذا يتفق مع الحق، وذلك عندما أنار المسيح ـ بتعاليمه الإنجيلية ـ نفوس القديسين، وقادهم بامتياز إلى العبادة الروحية، وصارت الأوامر الناموسية الطقسية نافلةً بلا فائدة؟

بلاديوس: هذا حقٌ. وسوف أذكر بولس الرسول الذي دعا مفاخر الناموس نفايةً وخسارةً بسبب عظمة معرفة المسيح (انظر فيلبي3: 8). وأعرف أنه كتب لبعض الأشخاص قائلا: ” أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ إِنِ اخْتَتَنْتُمْ لاَ يَنْفَعُكُمُ الْمَسِيحُ شَيْئًا ” (غلا5: 2).

كيرلس: أنت تقول الصواب. إنه من الخطيئة والدنس ـ بعد ظهور المسيح وانقضاء وقت الناموس والأنبياء ـ أنْ نظل في عبادة الظِّل ونرغب في تقديم خرافٍ أو شحمٍ إلى الله، بينما الابن يقول بكل وضوح إلى الله الآب: ” بذبيحةٍ وتقدمةٍ لم تُسرَّ. لكن هيأت لي جسدًا. محرقةً وذبيحة خطية لم تطلب. حينئذ قلت هاأنذا جئت. بدرج الكتاب مكتوب عنى أنْ أفعل مشيئتك يا إلهي سررت. وشريعتك في وسط أحشائي ” (مز40: 6ـ8 س).

 

          بما أنَّ الابن قدَّم ذاته لأجلنا كذبيحةٍ مقدسةٍ كاملةٍ، فقد وضع نهايةً للعبادة الناموسية التي لم تستطع أنْ تزيل الخطايا؛ لأن غاية الناموس والأنبياء هو المسيح.

بلاديوس: تتحدث الصواب.

كيرلس: إذن، كان الآبُ لا يدني منه بالعبادة الناموسية، بينما بعد التكميل الذي صار بواسطة المسيح أصبح يُقتَرَبُ إليه ـ فقط ـ بواسطة الابن. لذلك يقول: ” لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي ” (يو14: 6). وكون أنَّ الشيء الذي لا يصير بواسطة المسيح يكون غير مناسبٍ وليس كاملاً، بينما الشيء الذي يصير بواسطة المسيح ومن خلاله يكون مقبولاً ومقدسًا، فهذا ما يوضحه الناموس في سفر الخروج فقد كُتِب: ” لاَ تَطْبُخْ جَدْيًا بِلَبَنِ أُمِّهِ ” (خر34: 26). وفي سفر اللاويين: ” مَتَى وُلِدَ بَقَرٌ أَوْ غَنَمٌ أَوْ مِعْزًى يَكُونُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ تَحْتَ أُمِّهِ، ثُمَّ مِنَ الْيَوْمِ الثَّامِنِ فَصَاعِدًا يُرْضَى بِهِ قُرْبَانَ وَقُودٍ لِلرَّبِّ. وَأَمَّا الْبَقَرَةُ أَوِ الشَّاةُ فَلاَ تَذْبَحُوهَا وَابْنَهَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ ” (لا22: 27 ـ 28).

 

لا يَسمح بذبح الخروف حديث الولادة، والذي مازال يرضع؛ لأنه لم يكتمل ولم ينضج، ولم يكن بعدُ مقدسًا، ولذلك فهو غير مقبول من الله. أمثال هذا هم بعض الأغبياء وقليلي المعرفة الذين كتب إليهم بولس الرسول قائلاً: ” لأَنَّكُمْ ­إِذْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونُوا مُعَلِّمِينَ لِسَبَبِ طُولِ الزَّمَانِ­ تَحْتَاجُونَ أَنْ يُعَلِّمَكُمْ أَحَدٌ مَا هِيَ أَرْكَانُ بَدَاءَةِ أَقْوَالِ اللهِ، وَصِرْتُمْ مُحْتَاجِينَ إِلَى اللَّبَنِ، لاَ إِلَى طَعَامٍ قَوِيٍّ ” (عب5: 12). إذن، من لا يزال يشربُ لبنًا ويرضع فهو ليس كاملاً، أقصد من جهة الفهم والقوة الروحية، لكن ليت حديثنا ينتقل من الأمثلة والأمور المحسوسة والمصنوعة بالأيدي إلى الأمور الفوق حسية والأمور الذهنية، وسوف تفهم جيدًا أنَّ الكل قد صار بواسطة المسيح كاملاً ومقبولاً. بمعنى أنَّ الحيوانات التي تُجمَع وتقدَّم إلى الله ـ مكتوبٌ ـ يجب أنْ تكون سبعة أيام مع أمهاتها، بينما في اليوم الثامن، وبعد ذلك اليوم يمكن أنْ تقدَّم وتصير ذبائح إلى الله.

بلاديوس: ليس السببُ واضحًا بعد.

كيرلس: ألا تعتقد أنَّ اليوم الثامن هو يوم قيامة المخلص؟ وهو بدايةُ زمنٍ جديدٍ حيث انقضى زمن الناموس مثلما انقضت الأيام السبعة الأولى للمولود؟

بلاديوس :أعتقد بالطبع أنه يوم قيامة المخلص.

كيرلس: بناء على ذلك، الذي ما يزال في زمن الناموس لم يتقدَّس بعد، ولم يُقدَّم بعد. بينما يمكن تقديم أي شيء ينتمي إلى زمن المسيح (أي من اليوم الثامن فصاعدًا)، ويصير مقبولاً من الله. لأنَّ دعوة المسيح لم تنتهِ لأنها قد بدأت بالقيامة. وهذا ما قاله الابنُ مرةً: ” وَأَنَا إِنِ ارْتَفَعْتُ عَنِ الأَرْضِ أَجْذِبُ إِلَيَّ الْجَمِيعَ ” (يو12: 32) وأيضا قال:  ” اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَقَعْ حَبَّةُ الْحِنْطَةِ فِي الأَرْضِ وَتَمُتْ فَهِيَ تَبْقَى وَحْدَهَا. وَلكِنْ إِنْ مَاتَتْ تَأْتِي بِثَمَرٍ كَثِيرٍ ” (يو12: 24).

بلاديوس: أنت تتحدث بالصواب. ولكن ماذا يعني أيضا أنه لا يجب أنْ تُذبح الأم (البقرة أو الشاة) وابنها في بطنها؟

كيرلس: حين شرَّعَ ما يتعلق بالمسيح، وأعلن ـ بطريقةٍ حسنةٍ جدًا ـ الكمالَ بواسطة المسيح، لم يجهل ـ كإله ـ عصيان اليهود وعناد أورشليم، ولأجل هذا السبب، سيَهلك الإسرائيليون باعتبارهم قاتلي المسيحيين، وبسبب سلوكهم الوحشي والمخالف ضد الابن. غير أنَّ أورشليم لن تُنقض من أساساتها مرةً واحدةً وإلى الأبد، ولكنها ستظل خربةً من الأولاد منتظرةً خلاصها في الأزمنة الأخيرة، وهى مسرعة خلف الأمم؛ لأنها ستمتد ناحية الجنوب، أي إلى الخلف وفق كلام المرنم: ” سيضعهم على الأكتاف ” (مز 21: 13 س). أي سيخلص جميع بني إسرائيل (انظر رو11: 26)، لأن كل الجمع من الأمم سيسكن أولاً في المساكن الإلهية.

إذن، لا يسمح ناموس الطبيعة[1] بحدوث فساد ودمار شامل وعام، ولكنه يعلن إنَّ الغضب على العاصين، إنما هو ممزوجٌ بالوداعة، وفي نفس الوقت يستخدم الحرف للمعرفة عن طريق الأمثلة والنماذج. فالكائنات لا تُساق تمامًا نحو العدم، يسودها فسادٌ طائشٌ، لكنها تبقى بتعاقب الواحد من خلال الآخر، والواحد سيخلُصُ من خلال الآخر قياسًا بالقرابة والجنس اللذان ينتسبان إليهما. هكذا أبعد الله الهلاك الشامل عن مخلوقاته إذ مكتوب الآتي: ” فإنه خلق كل شيءٍ لكي يكون، وإنَّ خلائق العالم مفيدة وليس فيها سُمٌ مُهلكٌ، ولا مُلك لمثوى الأموات على الأرض؛ لأنَّ البِرَ خالدٌ ” (حكمة سليمان1: 14).

 

إذن، الحاجةُ هي إلى إعلانٍ إلهيٍ، وطبعًا إلى النبوات عن المسيح الذي منه وبه يخلُص كل ما هو موجودٌ في (حالة) الفساد، ومَن ساد عليه الموت يزدهر مرةً أخرى وينال الحياة؛ لأنَّ جذر الجنس البشرى قد هلك لأنه أتى من أُمٍ مثلما صار في حالة آدم، لكن كل الذين أتوا منها، أي نحن، ازدهرنا بموت المسيح وصرنا موجودين ومحفوظين آخذين المسيح الحياة والجذر الثاني للجنس البشرى.

بلاديوس: حديثك جميل ولطيف ومبدع!!

كيرلس: جديرٌ بنا أيضًا يا بلاديوس أنْ نضيف إلى ما قلناه الآتي:    ” لاَ تَنْصُبْ لِنَفْسِكَ سَارِيَةً مِنْ شَجَرَةٍ مَّا بِجَانِبِ مَذْبَحِ الرَّبِّ إِلهِكَ الَّذِي تَصْنَعُهُ لَكَ، وَلاَ تُقِمْ لَكَ نَصَبًا. الشَّيْءَ الَّذِي يُبْغِضُهُ الرَّبُّ إِلهُكَ ” (تث16: 21 ـ 22).

 

لاحظ إذن، كيف أنَّ السجود للحق يبتعد تمامًا عن ضلال عبادة الأوثان، فلا يسمح إطلاقًا باستخدام عادات اليونانيين، ويأمرهم أنْ يُلقوا عن كاهلهم هذه العادات حتى لو كان حفظها لا يجلب تعاسةً.

بلاديوس: ماذا تريد أنْ تقول؟

كيرلس: يختار اليونانيون الأشجار التي تحمل فروعًا جيدة، وكل غابةٍ كثيفةُ الظلالِ يبنون فيها هياكل لتقدَّم فيها ذبائح إلى الشياطين. ثم يرتِّبون بعض المتع العالمية التي تشغل الذهن. لأن الضعف هو المرض الطبيعي للمزيِّفين. وفي مراتٍ كثيرةٍ يتجمَّلون بزينةٍ خارجيةٍ مثل النساء غير الفاضلات. لكن ما الذي يحتاجه المرء من زينةٍ خارجيةٍ إذا كان المذبح الإلهي يلمع بالجمال الحقيقي ولا يحتاج إلى زيناتٍ باطلة؟ لأن المذبح الإلهي لا يُقترب إليه بمسراتٍ عالمية، ولا بذهنٍ فاسدٍ ينشغل ـ فقط ـ بالجسديات، بل بذهنٍ يقظ يُحدِّق ـ فقط ـ ناحية الأمور العالية، أي إلى السماء.

 

ويمكنني أنْ أقول إنه لو حدث أنْ أُقيم مذبحًا إلهيًا على قطعةٍ من جذع شجرة، فإنَّ ذلك لا يُلحِق ضررًا بالسجود المستقيم والحقيقي للمخلص. لكن، ولأنَّ ذلك العُرف يونانيٌ تمامًا، فيجب أن يُهجر التشبُّه به، كما ـ بالضبط ـ لا يوجد بالنسبة لذهن المؤمن الثابت في معرفة الحق أيُ صنمٍ في العالم، وكما لا يرغب أيضًا في أنْ يأكل ما ذُبح للأوثان، وذلك لأجل ضمير الضعفاء من جهة الإيمان؛ لأنه يقول: ” أَقُولُ «الضَّمِيرُ»، لَيْسَ ضَمِيرَكَ أَنْتَ، بَلْ ضَمِيرُ الآخَرِ. لأَنَّهُ لِمَاذَا يُحْكَمُ فِي حُرِّيَّتِي مِنْ ضَمِيرِ آخَرَ؟ فَإِنْ كُنْتُ أَنَا أَتَنَاوَلُ بِشُكْرٍ، فَلِمَاذَا يُفْتَرَى عَلَيَّ لأَجْلِ مَا أَشْكُرُ عَلَيْهِ ” (1كو10: 29 ـ 30).

 

إذن، يوصي الله أنْ نتجنب محاكاة اليونانيين من جهة موضع الذبيحة ومن جهة سلوكيات إتمام الطقس الديني.

بلاديوس: أوافقك.

14 لا يقصد القديس كيرلس هنا الناموس بمعنى شريعة موسى، ولكنه يتكلم عن الناموس الذي وضعه الله للخلق واستمرار الحياة، ولذلك فهو يستشهد بعملية تعاقب الكائنات من خلال التناسل، فالفساد لم يطوح بالخليقة إلى العدم بغير رجعة، ولكن صلاح الله حال بين الخليقة وبين العدم؛ “لأن الخليقة أيضًا ستعتق من عبودية الفساد إلى حرية مجد أولاد الله” (رو 8: 21). (المترجم)

 

المقالة10 ج5 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة10 ج4 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة10 ج4 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة10 ج4 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

 

السجود والعبادة بالروح والحق

تابع المقالة العاشرة

استكمالاً للحديث السابق “عن الخيمة المقدسة، وعن الأشياء الموجودة فيها”

كيرلس: إذًا، طالما أنَّ الحديث عن هذه الأمور كان كافيًا ومرضيًا، دعنا نضيف ـ إذا أردت ـ ما قاله بولس الرسول حيث أعلن ـ بطريقةٍ مناسبةٍ ـ الشهادةَ عن المسكن الأول والثاني. فقد كتب الآتي: ” ثُمَّ إِذْ صَارَتْ هذِهِ مُهَيَّأَةً هكَذَا، يَدْخُلُ الْكَهَنَةُ إِلَى الْمَسْكَنِ الأَوَّلِ كُلَّ حِينٍ، صَانِعِينَ الْخِدْمَةَ. وَأَمَّا إِلَى الثَّانِي فَرَئِيسُ الْكَهَنَةِ فَقَطْ مَرَّةً فِي السَّنَةِ، لَيْسَ بِلاَ دَمٍ يُقَدِّمُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ جَهَالاَتِ الشَّعْبِ، مُعْلِنًا الرُّوحُ الْقُدُسُ بِهذَا أَنَّ طَرِيقَ الأَقْدَاسِ لَمْ يُظْهَرْ بَعْدُ، مَا دَامَ الْمَسْكَنُ الأَوَّلُ لَهُ إِقَامَةٌ، الَّذِي هُوَ رَمْزٌ لِلْوَقْتِ الْحَاضِرِ، الَّذِي فِيهِ تُقَدَّمُ قَرَابِينُ وَذَبَائِحُ، لاَ يُمْكِنُ مِنْ جِهَةِ الضَّمِيرِ أَنْ تُكَمِّلَ الَّذِي يَخْدِمُ، وَهِيَ قَائِمَةٌ بِأَطْعِمَةٍ وَأَشْرِبَةٍ وَغَسَلاَتٍ مُخْتَلِفَةٍ وَفَرَائِضَ جَسَدِيَّةٍ فَقَطْ، مَوْضُوعَةٍ إِلَى وَقْتِ الإِصْلاَحِ.  وَأَمَّا الْمَسِيحُ، وَهُوَ قَدْ جَاءَ رَئِيسَ كَهَنَةٍ لِلْخَيْرَاتِ الْعَتِيدَةِ، فَبِالْمَسْكَنِ الأَعْظَمِ وَالأَكْمَلِ، غَيْرِ الْمَصْنُوعِ بِيَدٍ، أَيِ الَّذِي لَيْسَ مِنْ هذِهِ الْخَلِيقَةِ، وَلَيْسَ بِدَمِ تُيُوسٍ وَعُجُول، بَلْ بِدَمِ نَفْسِهِ، دَخَلَ مَرَّةً وَاحِدَةً إِلَى الأَقْدَاسِ، فَوَجَدَ فِدَاءً أَبَدِيًّا ” (عب9: 6 ـ 12).

أرأيت إذًا أنَّ الطقوس في المسكن الأول كان يتممها الكهنةُ الذين ليس لهم حق الدخول إلى قدس الأقداس. هكذا تكون العبادة بحسب الناموس؛ لأنها حُصِرت في الظلال.

وهذه الطقوس أيضًا لا فائدة لها من جهة التطهير والاغتسال من الخطايا. فقد سمعت منذ قليل بولس يصرخ قائلاً: ” لاَ يُمْكِنُ مِنْ جِهَةِ الضَّمِيرِ أَنْ تُكَمِّلَ الَّذِي يَخْدِمُ ” (عب9: 9). ولقد حفظوا هذا الطقس إلى أنْ أتى وقت الإصلاح (التقويم) أي تأنُّس وحيد الجنس، حين تركت الظلال مكانها للحقيقة: ” وَأَمَّا إِلَى الثَّانِي فَرَئِيسُ الْكَهَنَةِ فَقَطْ مَرَّةً فِي السَّنَةِ، لَيْسَ بِلاَ دَمٍ يُقَدِّمُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ جَهَالاَتِ الشَّعْبِ ” (عب9: 7). وسوف يوضح بولس الرسول هذا الأمر قائلاً عن المسيح: ” إِذْ يَقُولُ آنِفًا:إِنَّكَ ذَبِيحَةً وَقُرْبَانًا وَمُحْرَقَاتٍ وَذَبَائِحَ لِلْخَطِيَّةِ لَمْ تُرِدْ وَلاَ سُرِرْتَ بِهَا. الَّتِي تُقَدَّمُ حَسَبَ النَّامُوسِ. ثُمَّ قَالَ: هنَذَا أَجِيءُ لأَفْعَلَ مَشِيئَتَكَ يَا أَللهُ. يَنْزِعُ الأَوَّلَ لِكَيْ يُثَبِّتَ الثَّانِيَ. فَبِهذِهِ الْمَشِيئَةِ نَحْنُ مُقَدَّسُونَ بِتَقْدِيمِ جَسَدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ مَرَّةً وَاحِدَةً. وَكُلُّ كَاهِنٍ يَقُومُ كُلَّ يَوْمٍ يَخْدِمُ وَيُقَدِّمُ مِرَارًا كَثِيرَةً تِلْكَ الذَّبَائِحَ عَيْنَهَا، الَّتِي لاَ تَسْتَطِيعُ الْبَتَّةَ أَنْ تَنْزِعَ الْخَطِيَّةَ. وَأَمَّا هذَا فَبَعْدَمَا قَدَّمَ عَنِ الْخَطَايَا ذَبِيحَةً وَاحِدَةً، جَلَسَ إِلَى الأَبَدِ عَنْ يَمِينِ اللهِ، مُنْتَظِرًا بَعْدَ ذلِكَ حَتَّى تُوضَعَ أَعْدَاؤُهُ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْهِ. لأَنَّهُ بِقُرْبَانٍ وَاحِدٍ قَدْ أَكْمَلَ إِلَى الأَبَدِ الْمُقَدَّسِينَ ” (عب10: 8 ـ 14). لأنه مات مرةً واحدةً بحسب الكتب (انظر رو6: 9). وحيث أنه حمل خطايا كثيرين، ” لأَنَّ الْمَسِيحَ لَمْ يَدْخُلْ إِلَى أَقْدَاسٍ مَصْنُوعَةٍ بِيَدٍ أَشْبَاهِ الْحَقِيقِيَّةِ، بَلْ إِلَى السَّمَاءِ عَيْنِهَا، لِيَظْهَرَ الآنَ أَمَامَ وَجْهِ اللهِ لأَجْلِنَا” (عب9: 24).

بلاديوس: كل ما تقوله واضحٌ. لكن الآن حوِّل اجتهادك إلى أمرٍ آخر. فماذا يعنى أيضًا ذلك الدم الذي كان عادةً ما يقدِّمه عن نفسه وعن جهالات الشعب؟ أريدك أنْ تجيب على هذا السؤال؟

كيرلس: لأنَّ بولس كان عارفًا بالناموس، وكان قد درس بدقة وصايا موسى، تكلم إلى اليهود مقتبسًا دائمًا شواهد كثيرة من الكتاب ليذكِّرهم بأمورٍ معروفةٍ عندهم، لذا تجنَّب السرد الموسَّع المتعلِّق بالأمور التقوية والسرية. وهذا شيءٌ طبيعيٌ باعتبار أنَّ اليهود أيضًا كانوا عارفين بالناموس.

 

سوف أتحدث ـ إذا أردت ـ عن الناموس لمن يتوق إلى معرفة الأمور المفيدة ويبتغي الدقة والمرونة في توضيح الشروحات. مكتوب في سفر اللاويين: ” وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلاً: كَلِّمْ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَائِلاً: إِذَا أَخْطَأَتْ نَفْسٌ سَهْوًا فِي شَيْءٍ مِنْ جَمِيعِ مَنَاهِي الرَّبِّ الَّتِي لاَ يَنْبَغِي عَمَلُهَا، وَعَمِلَتْ وَاحِدَةً مِنْهَا: إِنْ كَانَ الْكَاهِنُ الْمَمْسُوحُ يُخْطِئُ لإِثْمِ الشَّعْبِ، يُقَرِّبُ عَنْ خَطِيَّتِهِ الَّتِي أَخْطَأَ ثَوْرًا ابْنَ بَقَرٍ صَحِيحًا لِلرَّبِّ، ذَبِيحَةَ خَطِيَّةٍ. يُقَدِّمُ الثَّوْرَ إِلَى بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ أَمَامَ الرَّبِّ، وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِ الثَّوْرِ، وَيَذْبَحُ الثَّوْرَ أَمَامَ الرَّبِّ. وَيَأْخُذُ الْكَاهِنُ الْمَمْسُوحُ مِنْ دَمِ الثَّوْرِ وَيَدْخُلُ بِهِ إِلَى خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ، وَيَغْمِسُ الْكَاهِنُ إِصْبَعَهُ فِي الدَّمِ وَيَنْضِحُ مِنَ الدَّمِ سَبْعَ مَرَّاتٍ أَمَامَ الرَّبِّ لَدَى حِجَابِ الْقُدْسِ. وَيَجْعَلُ الْكَاهِنُ مِنَ الدَّمِ عَلَى قُرُونِ مَذْبَحِ الْبَخُورِ الْعَطِرِ الَّذِي فِي خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ أَمَامَ الرَّبِّ، وَسَائِرُ دَمِ الثَّوْرِ يَصُبُّهُ إِلَى أَسْفَلِ مَذْبَحِ الْمُحْرَقَةِ الَّذِي لَدَى بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ. وَجَمِيعُ شَحْمِ ثَوْرِ الْخَطِيَّةِ يَنْزِعُهُ عَنْهُ. الشَّحْمَ الَّذِي يُغَشِّي الأَحْشَاءَ، وَسَائِرَ الشَّحْمِ الَّذِي عَلَى الأَحْشَاءِ، وَالْكُلْيَتَيْنِ وَالشَّحْمَ الَّذِي عَلَيْهِمَا الَّذِي عَلَى الْخَاصِرَتَيْنِ، وَزِيَادَةَ الْكَبِدِ مَعَ الْكُلْيَتَيْنِ يَنْزِعُهَا، كَمَا تُنْزَعُ مِنْ ثَوْرِ ذَبِيحَةِ السَّلاَمَةِ. وَيُوقِدُهُنَّ الْكَاهِنُ عَلَى مَذْبَحِ الْمُحْرَقَةِ. وَأَمَّا جِلْدُ الثَّوْرِ وَكُلُّ لَحْمِهِ مَعَ رَأْسِهِ وَأَكَارِعِهِ وَأَحْشَائِهِ وَفَرْثِهِ فَيُخْرِجُ سَائِرَ الثَّوْرِ إِلَى خَارِجِ الْمَحَلَّةِ إِلَى مَكَانٍ طَاهِرٍ، إِلَى مَرْمَى الرَّمَادِ، وَيُحْرِقُهَا عَلَى حَطَبٍ بِالنَّارِ. عَلَى مَرْمَى الرَّمَادِ تُحْرَقُ ” (لا4: 1 ـ 12).

 

هذا هو ما أمر به الناموس إذا أخطأ الكاهن عن جهل. أيضًا تصير ذبيحة ثور عن خطايا الشعب عن جهل، ويُذبح الثور عند باب خيمة الشهادة أمام الرب حيث يضع كهنة الخدمة أيديهم فوقه، ويُنقل دمه داخل قدس الأقداس. ولكي أُبسِّط الأمر أقول إنَّ كل ما كان يتمم (سواء بالنسبة للكهنة أو للشعب)، إنما كان يتم بوضع الأيدي فوق الذبيحة كمثل الذبيحة المقدمة عن هارون. أمَّا (معطي) الطهارة بالنسبة للكهنة وللشعب، فهو المسيح؛ “لأنه خلّصنا، وصرنا طاهرين من دنس الخطية بواسطته”. وهذا ما سوف يصير واضحًا لكل واحدٍ منَّا من خلال ما سيجيء من شروحات. لأننا سنتعرَّض بالشرح لكل أمر من الأمور التي كُتبت بالتفصيل. ولسوف يمضي حديثي بوضوح وتوسُّع بقدر المستطاع، ليجيب على ما كان خفيًا في هذه الأمور.

بلاديوس: أنت تتحدث بالصواب.

كيرلس: إذًا يأخذون الثور الذي بلا لوم، وهو يرمز إلى المسيح، الذي هو حقًا بلا لوم لأنه لم يعانِ من جُرح الخطية، لأنه مكتوب:   ” رَئِيسَ هذَا الْعَالَمِ يَأْتِي وَلَيْسَ لَهُ فِيَّ شَيْءٌ ” (يو14: 30) وهو ” لَمْ يَفْعَلْ خَطِيَّةً، وَلاَ وُجِدَ فِي فَمِهِ مَكْرٌ ” كما هو مكتوب (1بط2: 22).

حسنًا، يُساق الثور بالقرب من أبواب الخيمة أمام الرب دون أنْ يعترض على التألمُّ من أجل الخيمة المقدسة، أي الكنيسة التي كرَّس المسيح نفسه لأجلها كرائحةٍ زكيةٍ أمام الله الآب. لذلك قال: ” وَلأَجْلِهِمْ أُقَدِّسُ أَنَا ذَاتِي ” (يو17: 19)، وهو يستخدم “أقدِّس” بدلاً من “أُقدِّم وأُكرِّس تقدمةً بلا لوم لله الآب”. لأنَّ ما يُكرَّس لله مكتوبٌ عنه “يُقدِّس”: ” هُوَ شَرَكٌ لِلإِنْسَانِ أَنْ يَلْغُوَ قَائِلاً: «مُقَدَّسٌ»، وَبَعْدَ النَّذْرِ أَنْ يَسْأَلَ ” (أم20: 25). وأمَّا أنْ تكون التقدمة مقبولة وحسنة عند الله، فهو ما تعلنه عبارة “أمام الرب”. هل أدركت الآن ما سبق أنْ كُتِبَ عن الأخوين، أقصد قايين وهابيل؛ لأنه مكتوب: ” فَنَظَرَ الرَّبُّ إِلَى هَابِيلَ وَقُرْبَانِهِ، 5 وَلكِنْ إِلَى قَايِينَ وَقُرْبَانِهِ لَمْ يَنْظُرْ ” (تك4: 4 ـ 5). فمن الواضح أنه نظر إلى ما يسُرَّه، ولكنه يكره ولا يلتفت إلى العكس. فعندما تستند أيدي ذاك الذي فعل الخطية فوق الثور، عندئذٍ يصير الذبح، وحسنًا “أمام الرب”؛ لأنَّ ” عَبْدِي الْبَارُّ بِمَعْرِفَتِهِ يُبَرِّرُ كَثِيرِينَ، وَآثَامُهُمْ هُوَ يَحْمِلُهَا ” (إش53: 11) وهو مذبوحٌ. اليد هنا هي مثال للعمل والأعمال. هكذا ذبحه يصير أمام الرب، معطيًا بذلك إشارة إلى موافقة الآب في أنه يجب أنْ يموت الابن، ولم يرفع نظره بينما كان يُذبح. لكن على أى حال هو لا يستعذب الألم الذي تعانى منه الذبيحة ويثنى عليه، إلاّ أنه يعرف أنَّ ألم عمانوئيل هو لأجل خلاص العالم.

 

          إذًا، فقد حمل المسيح خطايانا، وتألمَّ لأجلنا مُحتملاً الذبح فوق الصليب الكريم.

 

وبعد ذلك يأخذ الكاهنُ الدمَ بأُصبعه ويرُش سبعُ مراتٍ حجابَ القُدسِ الذي كان يغطي التابوت الذي كان يدعى كفَّارةً. ويمسح قرون مذبح البخور، أي صار المسيحُ كفَّارةً لأجلنا، وذبيحة تكفير. وبدم العهد الأبدي منحنا كمال التطهير. لأنَّ هذا هو ما يقصده برش الدم سبعُ مراتٍ لدى حجاب القُدس؛ لأنَّ العدد سبعة هو رمز الكمال. فقد أفاح موته رائحةَ خلاص العالم الزكية، والإيمان بالاقتراب منه. لأنه طبقًا للكتب المقدسة ” إِنْ كَانَ وَاحِدٌ قَدْ مَاتَ لأَجْلِ الْجَمِيعِ، فَالْجَمِيعُ إِذًا مَاتُوا. وَهُوَ مَاتَ لأَجْلِ الْجَمِيعِ كَيْ يَعِيشَ الأَحْيَاءُ فِيمَا بَعْدُ لاَ لأَنْفُسِهِمْ، بَلْ لِلَّذِي مَاتَ لأَجْلِهِمْ وَقَامَ ” (2كو5: 14 ـ 15). بالتالي فإنَّ مسح مذبح البخور بالدم يعلن رائحة الموت الزكية. والدم الباقي يُرشُّ أسفل مذبح المحرقة (أي على قاعدته) الذي يوجد في المسكن الأول. ويُشير الدم طبعًا إلى النفس، وعمانوئيل لم يبذل نفسه لأجل كنيسة الأمم فقط، بل لأولئك الذين عاشوا بالناموس، أي للإسرائيليين. لأن الجميع قد تحرروا بدم المسيح: يونانيون ويهود ويؤكد هذا بولس الرسول حين قال: ” أَمِ اللهُ لِلْيَهُودِ فَقَطْ؟ أَلَيْسَ لِلأُمَمِ أَيْضًا؟ بَلَى، لِلأُمَمِ أَيْضًا لأَنَّ اللهَ وَاحِدٌ، هُوَ الَّذِي سَيُبَرِّرُ الْخِتَانَ بِالإِيمَانِ وَالْغُرْلَةَ بِالإِيمَانِ” (رو3: 29 ـ 30).

 

وبعد نزع الشحم من الأحشاء ووضعها على المذبح، يتم حرق بقية جسد الثور خارج الخيمة. هكذا تكون الذبيحة المقدسة التي تفوح بالفضائل التي رُمز إليها بالأحشاء، لأن الفضائل تكون مختفيةً في داخلنا وساكنةً في ذهننا. هذا هو المسيح الذي عانى خارج الباب، وبموت جسده يطهِّر الأدناس لأنه يقول: ” إن كان دم ثيران وتيوس ورماد عجله مرشوش على المنجسين يقدِّس إلى طهارة الجسد “. بالتالي، تفوح رائحة عمانوئيل الذي هو واحدٌ في الخيام المقدسة، أي الكنائس. لقد تألمَّ أيضًا خارج الباب حيث يجب علينا أن نخرج ونحمل عاره كما قال بولس الرسول (انظر عب13: 13).

 

وكان الثور أيضًا يُقدم من أجل خطايا الشعب عن جهل في درجة مساوية (لما يُقدَّم من أجل الكهنة)، وهكذا كان سبب تقديم الذبيحة واحدٌ للجميع (أي للشعب والكهنة). بنفس الطريقة إذن قدَّم عمانوئيل نفسه للصغار والكبار، للشعب والكهنة. أليس ما أقوله صحيح؟

بلاديوس: كيف لا ؟!!

كيرلس: حسنًا، هل تريد أنْ نرجع بحديثنا إلى الكلام المتعلق بالخيمة؟

بلاديوس: نعم أريد جدًا.

كيرلس: عندما انتهوا من إتمام كل الأعمال بوضع كل آنية من الأواني في مكانها اللائق، أمر الرب أنْ تتقدس هذه الآنية والخيمة قائلاً لموسى: ” وَتَصْنَعُهُ دُهْنًا مُقَدَّسًا لِلْمَسْحَةِ. عِطْرَ عِطَارَةٍ صَنْعَةَ الْعَطَّارِ. دُهْنًا مُقَدَّسًا لِلْمَسْحَةِ يَكُونُ. وَتَمْسَحُ بِهِ خَيْمَةَ الاجْتِمَاعِ، وَتَابُوتَ الشَّهَادَةِ، وَالْمَائِدَةَ وَكُلَّ آنِيَتِهَا، وَالْمَنَارَةَ وَآنِيَتَهَا، وَمَذْبَحَ الْبَخُورِ، وَمَذْبَحَ الْمُحْرَقَةِ وَكُلَّ آنِيَتِهِ، وَالْمِرْحَضَةَ وَقَاعِدَتَهَا. وَتُقَدِّسُهَا فَتَكُونُ قُدْسَ أَقْدَاسٍ. كُلُّ مَا مَسَّهَا يَكُونُ مُقَدَّسًا ” (خر30: 25 ـ 29).

 

أرأيت إذًا التابوت ممسوحًا بالزيت المقدس، وطبعًا المائدة والمصباح فوقها، وأيضًا المذبح الذهبي. بالطبع، سبق لنا أنْ أوضحنا ـ بعرضٍ مطوَّلٍ ـ أنها ترمز لعمانوئيل بالفعل.

بلاديوس: هذا حق.

كيرلس: حسنًا تأمل ما يترنم به داود عنه: ” أَحْبَبْتَ الْبِرَّ وَأَبْغَضْتَ الإِثْمَ، مِنْ أَجْلِ ذلِكَ مَسَحَكَ اللهُ إِلهُكَ بِدُهْنِ الابْتِهَاجِ أَكْثَرَ مِنْ رُفَقَائِكَ ” (مز7:45). أيضًا بولس الرسول يكتب: ” لأَنَّ الْمُقَدِّسَ وَالْمُقَدَّسِينَ جَمِيعَهُمْ مِنْ وَاحِدٍ ” (عب11:2).

 

ويجب أن نعرف ـ طبقًا لهذا القول الذي بلا عيب ـ أنَّ المسيح الذي يمنح القداسة ويعطيها للجميع لأنه إله، مع الله الآب، إنما يتقدَّس معنا كإنسان، وهذا هو الإخلاء (انظر فيلبى 6: 2 ـ 7). فقد قِيل عَمَنْ هو بطبيعته قدوس لأنه الإله: إنه احتاج إلى الله ليقدسه. وهذا ما يقوله بطرس الطوباوي ” يَسُوعُ الَّذِي مِنَ النَّاصِرَةِ كَيْفَ مَسَحَهُ اللهُ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ ” (أع38:10). إذًا، المسحةُ وتقديس الجسد يخصان بشريته، أي (ناسوت) المسيح الذي هو قدوس لأنه من جهة لاهوته هو واحد مع الله الآب، أمَّا التقديس بالنسبة للمخلوقات، فيأتي من الخارج بقبول النعمة الغنية من الله.

 

إذن، يُمسح مذبح العبادة الناموسية مع كل الأشياء؛ لأنَّ الناموسَ مقدسٌ أيضًا، إذ يدعو إلى معرفة الله، ويمنح مستمعيه معرفة البر، ويرشد أولئك الذين يقودهم إلى بداية الصلاح؛ لأنه يقول: ” بداية الحياة الفاضلة هي أن يفعل المرء البر ” (أم16: 5 س). كما قال بولس الرسول أيضًا: ” إِذًا النَّامُوسُ مُقَدَّسٌ، وَالْوَصِيَّةُ مُقَدَّسَةٌ وَعَادِلَةٌ وَصَالِحَةٌ ” (رو7: 12). والناموسُ مقدسٌ، ليس طبعًا بكونه ظلاً للخيرات العتيدة، بل بالمفهوم الروحي لتلك الظلال. لأن هذه النماذج والظلال تصرخ عندئذٍ بأنها تشير إلى المسيح قدُّوسُ القدِّيسين حقًا؛ إذ أنه يُقدِّس كالله ماسحًا ـ بالروح نفسه ـ هؤلاء الذين يشاركونه بالإيمان.

 

هكذا أُقيمت الخيمة المقدسة، ومُسحت بالكامل بالزيت المقدس، علينا إذن أنْ نتحدث ـ إذا أردت ـ عما صار بعد هذه الأمور.

بلاديوس: أريد طبعًا.

كيرلس: مكتوب الآتي: ” ثُمَّ غَطَّتِ السَّحَابَةُ خَيْمَةَ الاجْتِمَاعِ وَمَلأَ بَهَاءُ الرَّبِّ الْمَسْكَنَ. فَلَمْ يَقْدِرْ مُوسَى أَنْ يَدْخُلَ خَيْمَةَ الاجْتِمَاعِ، لأَنَّ السَّحَابَةَ حَلَّتْ عَلَيْهَا وَبَهَاءُ الرَّبِّ مَلأَ الْمَسْكَنَ. وَعِنْدَ ارْتِفَاعِ السَّحَابَةِ عَنِ الْمَسْكَنِ كَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَرْتَحِلُونَ فِي جَمِيعِ رِحْلاَتِهِمْ. وَإِنْ لَمْ تَرْتَفِعِ السَّحَابَةُ لاَ يَرْتَحِلُونَ إِلَى يَوْمِ ارْتِفَاعِهَا، لأَنَّ سَحَابَةَ الرَّبِّ كَانَتْ عَلَى الْمَسْكَنِ نَهَارًا. وَكَانَتْ فِيهَا نَارٌ لَيْلاً أَمَامَ عُِيُونِ كُلِّ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ فِي جَمِيعِ رِحْلاَتِهِمْ ” (خر40: 34 ـ 38).

 

عندما جاءت الخيمة المقدسة والحقيقيةـ أي الكنيسة التي من الأمم ـ إلى العالم، واستنارت بنور المسيح، والسحابة كظل روحي من السماء، أغدقت علينا بفرح غني غمر هيكل الله. وعندما يقول إنَّ موسى لم يستطع أنْ يدخل، فهذا يعني أنَّ بني إسرائيل لم يدخلوا لأنهم لم يستطيعوا أنْ يحتملوا النور الإلهي. على الجانب الآخر، لم يفهموا سر المسيح، ولا قَبِلوا الاستنارة الروحية، ولا رأوا ـ بأعين الذهن ـ مجد الرب الذي ظهر في مثال السحابة.

عندما ارتحل الرب من العالم ومضى إلى فوق، نرتحل نحن معه تابعين آثاره الربانية، لأنه دشَّنَ لأجلنا طريقًا جديدًا وحيًَّا، أقصد الطريق الذي يقود إلى فوق، أي إلى السماء. وعندما استراح، استرحنا نحن معه، وظللنا بالقرب منه. هكذا عندما ارتحلت السحابة ارتحل معها الشعب، بينما عندما ظلت في مكانها بقي الشعب لأنه يقول: ” لأَنَّ سَحَابَةَ الرَّبِّ كَانَتْ عَلَى الْمَسْكَنِ نَهَارًا. وَكَانَتْ فِيهَا نَارٌ لَيْلاً أَمَامَ عُِيُونِ كُلِّ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ فِي جَمِيعِ رِحْلاَتِهِمْ ” (خر40: 38). وهو ما يعني أنَّ المسيحَ يملأ مَن هم أحياءٌ بغنى المواهب الروحية كأنهم في نور النهار لأنهم اختاروا أنْ يعرفوه بتدقيقٍ واجتهاد، وصار ذهنهم مستنيرًا. كما يعني أيضًا أولئك الذين مازالوا في ظلام الجهل؛ لأن ظلمة الضلال العالمي لا توجد في الكنائس؛ لأنَّ المسيح ينيرها كلها ويُشرق دائمًا بالنور غير المحسوس على الكون، لأننا لسنا أبناء الليل والظلمة لكن أبناء النور والنهار كما هو مكتوب (1تس 5: 5).

بلاديوس: إن ما تقوله صحيحٌ جدًا.

كيرلس: بما أننا تكلمنا عن النواميس الخاصة بالخيمة والتقدمات المقدَّمة من الشعب، وكذلك ارتحال الشعب وسكناه، دعنا إذن نمضي في حديثنا لأنه يسير هكذا في الطريق الصحيح.

بلاديوس: أوافقك.

 

المقالة10 ج4 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة10 ج3 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة10 ج3 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة10 ج3 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

 

السجود والعبادة بالروح والحق

تابع المقالة العاشرة

استكمالاً للحديث السابق “عن الخيمة المقدسة، وعن الأشياء الموجودة فيها”

 

بلاديوس: تملأُني الرغبةُ في هذا الحديث.

كيرلس: كان قورح وأبيرام ومعهم داثان ينحدرون من سبط لاوي. وبالرغم من أنه أُوكِل إليهم العمل الليتورجي القانوني في الخيمة المقدسة بقرار من السماء، إلاَّ أنهم غاروا من مجد موسى وهرون، وأرادوا أنْ يسرقوا الكرامة لذواتهم، دون أن يدعوهم الله لهذا العمل[1]. هكذا، وبينما هم تحت تأثير سيطرة وقاحةٍ شنيعة، وغيرةٍ شديدةٍ اشتكوا ضد الأخوين (موسى وهرون) بطريقة غير مقبولة أبعدوهما كأنهما ثيرانٍ منعزلة ملقين عن كاهلهما خدمة الله، وأقنعوا فُجارًا آخرين لكي يتمردوا عليهما. لكن هؤلاء بالتأكيد نالوا عقابهم على كل ما أقدموا عليه. إذ ابتلعتهم الأرض ـ فاتحةً فاها مع أهلهم وخيمتهم وثرواتهم ـ هذا الجمع الحسود ـ إلى الهاوية.

وبقرار من السماء، وليس بإرادة موسى، أخذ هرون المكان الأول في الكهنوت. وحين أراد الله المشرِّع أنْ يعلن هذا الأمر قال لموسى العظيم: ” كَلِّمْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَخُذْ مِنْهُمْ عَصًا عَصًا لِكُلِّ بَيْتِ أَبٍ مِنْ جَمِيعِ رُؤَسَائِهِمْ حَسَبَ بُيُوتِ آبَائِهِمِ. اثْنَتَيْ عَشَرَةَ عَصًا. وَاسْمُ كُلِّ وَاحِدٍ تَكْتُبُهُ عَلَى عَصَاهُ. وَاسْمُ هَارُونَ تَكْتُبُهُ عَلَى عَصَا لاَوِي، لأَنَّ لِرَأْسِ بَيْتِ آبَائِهِمْ عَصًا وَاحِدَةً. وَضَعْهَا فِي خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ أَمَامَ الشَّهَادَةِ حَيْثُ أَجْتَمِعُ بِكُمْ. فَالرَّجُلُ الَّذِي أَخْتَارُهُ تُفْرِخُ عَصَاهُ، فَأُسَكِّنُ عَنِّي تَذَمُّرَاتِ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّتِي يَتَذَمَّرُونَهَا عَلَيْكُمَا. فَكَلَّمَ مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَأَعْطَاهُ جَمِيعُ رُؤَسَائِهِمْ عَصًا عَصًا لِكُلِّ رَئِيسٍ حَسَبَ بُيُوتِ آبَائِهِمِ. اثْنَتَيْ عَشَرَةَ عَصًا. وَعَصَا هَارُونَ بَيْنَ عِصِيِّهِمْ. فَوَضَعَ مُوسَى الْعِصِيَّ أَمَامَ الرَّبِّ فِي خَيْمَةِ الشَّهَادَةِ. وَفِي الْغَدِ دَخَلَ مُوسَى إِلَى خَيْمَةِ الشَّهَادَةِ، وَإِذَا عَصَا هَارُونَ لِبَيْتِ لاَوِي قَدْ أَفْرَخَتْ. أَخْرَجَتْ فُرُوخًا وَأَزْهَرَتْ زَهْرًا وَأَنْضَجَتْ لَوْزًا. فَأَخْرَجَ مُوسَى جَمِيعَ الْعِصِيِّ مِنْ أَمَامِ الرَّبِّ إِلَى جَمِيعِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَنَظَرُوا وَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ عَصَاهُ. وَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: رُدَّ عَصَا هَارُونَ إِلَى أَمَامِ الشَّهَادَةِ لأَجْلِ الْحِفْظِ، عَلاَمَةً لِبَنِي التَّمَرُّدِ، فَتَكُفَّ تَذَمُّرَاتُهُمْ عَنِّي لِكَيْ لاَ يَمُوتُوا ” (عد17: 2 ـ 10).

 

          إذن، كان النْبتُ لعصا هرون علامةً واضحةً، واختيارًا ـ بطريقةٍ باهرةٍ وممتازة ـ للقيام بالعمل المقدس؛ لأنَّ هرون العظيم كان من نسل لاوي (انظر عب 7: 5). لكن لو نظرنا لهذا الحدث من منظارٍ روحيٍ، لأشرق لنا سرُ المسيح في هذه الأمثلة الغنية.

بلاديوس: كيف ذلك؟

كيرلس: لقد عُيِّن عمانوئيل حقًا كمشرِّعٍ، ورئيسَ كهنةٍ لأجلنا بواسطة الله الآب مقدِّمًا ذاته ذبيحةً لأجلنا (انظر عب9: 14)؛ لأنَّ الناموس، كما يقول بولس الطوباوى: ” يُقِيمُ أُنَاسًا بِهِمْ ضَعْفٌ رُؤَسَاءَ كَهَنَةٍ. وَأَمَّا كَلِمَةُ الْقَسَمِ الَّتِي بَعْدَ النَّامُوسِ فَتُقِيمُ ابْنًا مُكَمَّلاً إِلَى الأَبَدِ ” (عب7: 28). إذن، فقد نزل الكلمةُ من السماء وصار مشابهًا لنا، خادمًا للأقداس والخيمة الحقيقية التي أقامها الرب، وليس أيُ إنسان. لكن الذين انحدروا من دم إسرائيل لم يقبلوا تدبير تجسده، وعدّوه عدوًا لهم، فضربوه بشتى الطرق، بسهام الحسد والغيرة، ولم يتورَّعوا عن استخدام اللسان والوقاحة والمبررات السخيفة ضده، بينما التعساءُ منهم انجرّوا إلى هلاك ذواتهم وحكموا عليه بالصلب.

 

لكن العصا التي خرجت من جذر يسى، نبتت مرةً أخرى[2]، أي قام المسيحُ ودبَّتْ فيه الحياةُ مرةً ثانيةً ” ناقضًا أوجاعَ الموت ” ـ كما هو مكتوبٌ ـ (انظر أع2: 24). لقد كان حقًا هو الحياةُ بطبيعته، أى بلاهوته، فكيف يمكنُ أنْ يُمسكَ من الموت ولا ينتصر على الفساد؟!

 

ومثلما أُحييت العصا، ونَبَتَ مرةً أخرى ـ بالفعل ـ السِّبط الميِّت، وكان هذا الأمر بالنسبة للأقدمين علامةً على أنَّ هرون قد عُيِّن رئيسُ كهنةٍ بقرار السماء، هكذا نستند على إنَّ البرهان الساطع والحي والكافي على أنَّ عمانوئيل هو الإلهُ بطبيعته، هو أنه داس الموت، وأنه قام من الأموات كما يليق بإلهٍ. وأنه هو نفسه المسيح الذي، بالرغم من أنه كان يمكنه ـ دون أي تعب – أنْ يستجيب لأولئك الذين طلبوا منه علامةً، إلاَّ أنه قال: ” هذَا الْجِيلُ شِرِّيرٌ. يَطْلُبُ آيَةً، وَلاَ تُعْطَى لَهُ آيَةٌ إِلاَّ آيَةُ يُونَانَ النَّبِيِّ. لأَنَّهُ كَمَا كَانَ يُونَانُ آيَةً لأَهْلِ نِينَوَى، كَذلِكَ يَكُونُ ابْنُ الإِنْسَانِ أَيْضًا لِهذَا الْجِيلِ ” (لو11: 29ـ30).

 

إذن، فقد صار من المعروف أنَّ علامةً حقيقيةً وساطعةً قد أُعطيت لكي يؤمن البشر الصُرحاء حقًا أنه هو الله بطبيعته، وإنه قد أتى من الله الآب، وأنَّ الابنَ قد أبطل الموت والفساد ونَبَتَ مرةً أخرى في الحياة. لأنَّ المسيحَ قام الآن ” مِنَ الأَمْوَاتِ وَصَارَ بَاكُورَةَ الرَّاقِدِينَ ” (1كو15: 20). وأعطى علامةً لأبناء المعصية؛ لكي يعرفوا أنه ـ بقرارٍ من الله الآب ـ صار المسيحُ لأجلنا رئيسَ كهنةٍ        ” قُدُّوسٌ بِلاَ شَرّ وَلاَ دَنَسٍ، قَدِ انْفَصَلَ عَنِ الْخُطَاةِ وَصَارَ أَعْلَى مِنَ السَّمَاوَاتِ ” كما هو مكتوب (عب7: 26).

بلاديوس: بالفعل، لقد أزهرت عصا هرون لأجلنا. هذا ما قالته لنا الكلمة المقدسة منذ قليل: هذه العصا أثمرت لوزًا. لكني لا أفهم ماذا يعنى هذا الرمز؟

كيرلس: ليس غريبًا إطلاقًا يا بلاديوس أنْ نُشير إلى أنَّ العصا قد جاءت من شجرة اللوز. إذ اعتاد الأقدمون على استخدام مثل هذه العُصي. ولكي يجيء الحديثُ منسجمًا مع التفسيرات، سأشير أيضًا إلى الأمر الذي صار تقليدًا، إذ يرى البعضُ أنَّ عصا اللوز لها قوة تجلب يقظة وسهرًا إذا ما وضعها الشخص بالقرب من رأسه، الأمر الذي يمكن أنْ يصير بقدراتٍ طبيعيةٍ بسماح من الله. وهذا الأمر يؤكده لنا كلّي المعرفة وخالق الجميع عندما تحدث مع إرميا قائلاً:   ” مَاذَا أَنْتَ رَاءٍ يَا إِرْمِيَا؟ فَقُلْتُ: أَنَا رَاءٍ قَضِيبَ لَوْزٍ. فَقَالَ الرَّبُّ لِي: أَحْسَنْتَ الرُّؤْيَةَ، لأَنِّي أَنَا سَاهِرٌ عَلَى كَلِمَتِي لأُجْرِيَهَا ” (إر1: 11 ـ 12). إذًا عصا اللوز يمكن أنْ تعتبر حقًا رمزًا لليقظة والسهر. اليقظة من النوم إذن هي قيامة المسيح من بين الأموات. لذلك يقول المرنم على الربابة: ” أَنَا اضْطَجَعْتُ وَنِمْتُ. اسْتَيْقَظْتُ لأَنَّ الرَّبَّ يَعْضُدُنِي ” (مز3: 5).

بلاديوس: حديثُك صادقٌ.

 

المنارة والمائدة:

كيرلس: أمَّا المنارةُ والمائدةُ اللتان كانتا موجودتين في المسكن الأول، فمكتوبٌ عنهما الآتي: ” وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلاً: أَوْصِ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُقَدِّمُوا إِلَيْكَ زَيْتَ زَيْتُونٍ مَرْضُوضٍ نَقِيًّا لِلضَّوْءِ لإِيقَادِ السُّرُجِ دَائِمًا. خَارِجَ حِجَابِ الشَّهَادَةِ فِي خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ يُرَتِّبُهَا هَارُونُ مِنَ الْمَسَاءِ إِلَى الصَّبَاحِ أَمَامَ الرَّبِّ دَائِمًا فَرِيضَةً دَهْرِيَّةً فِي أَجْيَالِكُمْ. عَلَى الْمَنَارَةِ الطَّاهِرَةِ يُرَتِّبُ السُّرُجَ أَمَامَ الرَّبِّ دَائِمًا. وَتَأْخُذُ دَقِيقًا وَتَخْبِزُهُ اثْنَيْ عَشَرَ قُرْصًا. عُشْرَيْنِ يَكُونُ الْقُرْصُ الْوَاحِدُ. وَتَجْعَلُهَا صَفَّيْنِ، كُلَّ صَفّ سِتَّةً عَلَى الْمَائِدَةِ الطَّاهِرَةِ أَمَامَ الرَّبِّ. وَتَجْعَلُ عَلَى كُلِّ صَفّ لُبَانًا نَقِيًّا فَيَكُونُ لِلْخُبْزِ تَذْكَارًا وَقُودًا لِلرَّبِّ. فِي كُلِّ يَوْمِ سَبْتٍ يُرَتِّبُهُ أَمَامَ الرَّبِّ دَائِمًا، مِنْ عِنْدِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِيثَاقًا دَهْرِيًّا. فَيَكُونُ لِهَارُونَ وَبَنِيهِ، فَيَأْكُلُونَهُ فِي مَكَانٍ مُقَدَّسٍ، لأَنَّهُ قُدْسُ أَقْدَاسٍ لَهُ مِنْ وَقَائِدِ الرَّبِّ فَرِيضَةً دَهْرِيَّةً ” (لا24: 1 ـ 9).

 

حسنًا. يكون الزيتُ نقيًا، ويكون من الزيتون، وليس من بذورٍ أخرى أرضية، والتي يخرجون منها ـ بالعصر، زيتًا ليس نقيًا تمامًا، بل ـ زيتًا مُخلَّقًا. فالنور داخل الكنائس دائمًا ما يكون نقيًا وأصيلاً. ونورُ المسيح بواسطة الروح القدس يظل ظاهرًا ومنيرًا حتى وإنْ كان يُخدم بواسطة القديسين الذين قال لهم المسيح: ” أَنْتُمْ نُورُ الْعَالَمِ ” (مت5: 14). وليس ذلك غريبًا على الإطلاق؛ لأنَّ أولئك دعاهم إخوةً، وجعلهم مشاركين ذاته، ومنح لهم مجده.

 

هكذا، أنار المصباح في المسكن الأول. ولهذا الأمر معنىً مزدوجًا. ففي المسكن الداخلي سبعةُ مصابيح تنير في الصباح وتُرسل نورًا عظيمًا لأولئك الذين يدخلون إلى المسكن. المصباحُ كان هو المسيحُ الذي أشرق على الذين أرادوا أنْ يدخلوا إلى قدس الأقداس بنورٍ وفيرٍ ” نَظَرُوا إِلَيْهِ وَاسْتَنَارُواْ ” (مز34: 5).

 

أيضًا إنارة المصابيح حتى الصباح تعنى موعد التأنُّس. لأنه أشرق كالنهار، ولمع بنورٍ ذهنيٍ طاردًا ظلام الجهل القديم، ومبددًا مثل الليل الضباب الذي انقضَّ على قلوب الجميع. هكذا ترجَّى النبي من أجل قدوم الرب قائلاً: ” يَا رَبُّ، بِالْغَدَاةِ تَسْمَعُ صَوْتِي. بِالْغَدَاةِ أُوَجِّهُ صَلاَتِي نَحْوَكَ وَأَنْتَظِرُ ” (مز5: 3). أي منذ أنْ صارت صلواتنا مقبولة، إذ كنا قديمًا ضالين، أما الآن فإننا نتقدم إلى الله في تضرعٍ وروحانية وطاعة وإيمان، حيث أشرق علينا نورٌ من السماء، أي المسيح.

 

          إذن، في الخيمة الداخلية يوجد نورٌ نقيٌ وغني. ففي المسكن الأول أنار المصباح مُظهرًا أنَّ أولئك الذين يسلكون بحسب الناموس، لا يحيون بدون النور الإلهي، هذا يعلن الأمر كله. لأنَّ الناموس الموسوي دعا الشعب من عبادة الآلهة إلى معرفة الله الحقيقي بطبيعته، وبذلك منع الأقدمين من أنْ يعبدوا المخلوق دون الخالق، وهذا ما لم تستطع تلك الأنفس (أى الذين عبدوا المخلوقات) ـ التي كانت تحيا بدون النور الذهني ـ أنْ تحققه.

 

ويمكنني أنْ أقول أيضًا إنَّ إنارة المسيح لهؤلاء الموجودين في قدس الأقداس، غنيةٌ ووفيرةٌ، لكنها أقل بالنسبة لأولئك الذين يحيون بالناموس. وهذا القول صادقٌ، لأنه لا يتساوى ـ بأي شكلٍ ـ ظِلُ الناموس مع التعاليم الإنجيلية من جهة البهاء الروحي؛ لأنَّ هذه التعاليم تشرق على كل المسكونة، بينما الناموس كان مقتصرًا فقط على الإسرائيليين.

بلاديوس: أنت تتحدث بالصواب.

كيرلس: لكن يبدو يا بلاديوس إنَّ المائدة والمصباح اللذان كانا في المسكن الأول يشيران إلى أمور أخرى.

بلاديوس: ماذا تقصد؟

كيرلس: يرمز المصباح إلى يوحنا المعمدان، بينما يشير الاثنا عشر رغيفًا الموضوعين فوق المائدة إلى الاثنى عشر رسولاً.

بلاديوس: كيف؟

كيرلس: ألا تعرف أنَّ يوحنا المعمدان الذي سبق المسيح، كان لأولئك الذين يحيون بحسب الناموس كمثل المصباح، وعنه أعلن الله الآب ” رَتَّبْتُ سِرَاجًا لِمَسِيحِي ” (مز32: 17)؟ والمخلِّص نفسه أعطى تأكيدًا قائلاً لقادة اليهود ” كَانَ هُوَ السِّرَاجَ الْمُوقَدَ الْمُنِيرَ، وَأَنْتُمْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَبْتَهِجُوا بِنُورِهِ سَاعَةً ” (يو5: 35).

 

إذًا لاحظ كيف جعلنا بولس الطوباوي ـ الذي كان عارفًا بالناموس ـ نتذكر مصباح المسكن الأول. فقد أمر المشرِّع أنْ يكون المصباح منيرًا قائلاً: ” أَوْصِ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُقَدِّمُوا إِلَيْكَ زَيْتَ زَيْتُونٍ مَرْضُوضٍ نَقِيًّا لِلضَّوْءِ لإِيقَادِ السُّرُجِ دَائِمًا. خَارِجَ حِجَابِ الشَّهَادَةِ فِي خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ يُرَتِّبُهَا هَارُونُ مِنَ الْمَسَاءِ إِلَى الصَّبَاحِ أَمَامَ الرَّبِّ دَائِمًا فَرِيضَةً دَهْرِيَّةً فِي أَجْيَالِكُمْ ” (لا24: 2 ـ 3).

 

          لقد استمتع اليهود ـ في وقت وجيز سريع ـ بنوره، إذ أسرعوا إلى المعمودية التي منحها إياهم، وبينما كانوا معجبين به كثيرًا، سلَّموه إلى الموت وأطفئوا المصباح الذي كان دائمًا منيرًا. وإنْ قالوا إنَّ هيرودس كان متهورًا في مسألة قتله، أقول إنَّ هيرودس أيضًا كان له أصل مشترك مع اليهود، لذلك قال المسيح مشتكيًا وقاحة اليهود ضد أي نبي: ” لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَهْلِكَ نَبِيٌّ خَارِجًا عَنْ أُورُشَلِيمَ ” (لو13: 33).

بلاديوس: بالتالي، كان المصباح ـ قياسًا على التشبُّه بالمسيح ـ بالنسبة لأولئك الذين عاشوا بالناموس في إسرائيل يشير إلى يوحنا المعمدان.

كيرلس: هكذا أقول. وعلى ذات القياس، نقول إنه يجب أنْ ندرك أنَّ الأثنى عشر رغيفًا يشيرون للرسل القديسين؛ لأنَّ واحدًا هو الخبز الحقيقي السماوي والحي، أمَّا الأرغفة، فهي تشير إلى المعلِّمين الإلهيين اللذين يمنحون التقوى بالتشبُّه بالمسيح الخبز الحقيقي والطبيعي والمتحد بهم، إذ يضعون في نفوسنا كلام الحياة، ويسدِّون جوع نفوس المؤمنين إلى المعرفة. وتتساوى الأرغفة في العدد مع التلاميذ؛ لأنَّ الأرغفة كانت اثنتا عشر موضوعة في مجموعتين: ستةٌ على جانب واحد، وستةٌ أخرى على الجانب الآخر بطريقة دائرية، وفي المنتصف لدينا رغيف من السماء[3]، أي المسيح. وكل رغيف كان من عُشرين (انظر لا24: 5)، أي من قياسين كاملين. لأنَّ التلاميذ الرسل كانوا كاملين في الأمرين[4]، وكانوا أرغفةً من جهة كل صلاحٍ، بارعين في عملهم وفي حديثهم.

 

أيضًا كان اللُبان والملح يُرشَّان فوق الخبز. واللُبان كان يُشير إلى عطر نقاوة ورائحة المسيح الذكية، ويُشير الملح إلى رجاحة العقل. إذ كان حديثُ القديسين مملوءًا بالفرح والاتزان، ومصلَّحًا بملح كما هو مكتوب (انظر كو4: 6)، ويعطي نعمة لهؤلاء الذين يسمعونه (انظر أف4: 29). أيضًا قال لهم المسيح ” أَنْتُمْ مِلْحُ الأَرْضِ ” (مت5: 13).

وكان وضع الأرغفة فوق المائدة يصير في يوم السبت؛ لأنَّ تكليف الرسل كان وقت السبت العقلي، أي وقت حضور المسيح، والذي بسبب عدم فهم اليهود له، قال لهم بولس الرسول: ” لأنه لو كان يشوع قد أراحهم كما تكلم بعد ذلك عن يوم آخر إذًا بقيت راحةٌ لشعب الله ” (عب4: 8 ـ 9). لأنهم لم يأتوا إلى راحته طالما أنهم لم يؤمنوا به. إذًا يوم الراحة العقلي والحقيقي هو وقت قدوم المخلّص.

 

كما إنَّ وضع الأرغفة سوف يصير أمام الله وأمام الإسرائيليين؛ لأنه يقول: ” في كل يوم سبت يُرتِّبه أمام الرب دائمًا من عند بني إسرائيل ميثاقًا دهريًا ” (لا24: 8)، لأنَّ الربَ سوف يرى هؤلاء القديسين ويعلن استحقاقهم وهم تحت بصره دائمًا. لأنه يقول: ” عيون الرب حالة حول الأبرار ” (مز34: 7س). وهكذا يكون على الإسرائيليين أنْ يلاحظوا هؤلاء، وأنْ تتجه عيون ذهنهم إليهم، وذلك على مثال العين الجسدية.

 

ويقول أيضًا: ” فيكون لهرون وبنيه فيأكلونه في مكان مقدِّسٍ. لأنه قدسُ أقداسٍ له من وقائد الربِ فريضةً دهريةً ” (لا24: 9). أي أنَّ كتابات الرسل القديسين التي كتبوها لأجلنا وُضِعَت أمامنا لغذائنا نحن الذين خلُصنا بالإيمان، وصرنا جنسًا مقدسًا وشعبًا خاصًا له يرعانا بعنايته، ومختارين ومختومين بنعمة الروح القدس (انظر 1بط2: 9).

بلاديوس: إنَّ حديثَك جيدٌ، لذا أوافقك على ما تقول. لكن ما هو السبب في عدم وجود نماذج أو أمثلة تشير إلى يوحنا المعمدان والرسل القديسين في قدس الأقداس، بل ولا حتى في المسكن الأول؟

كيرلس: لأنَّ كثيرًا من هذه النماذج كانت تُشير بشكل مشترَك للقديسين وللمسيح، لكن حيث يكون المسيح، يجيء القديسون في مرتبةٍ ثانيةٍ؛ لأنَّ كل ما يخص الله هو بعيد ومنفصل تمامًا عن الأمور البشرية، والحديثُ يُظهر أنَّ طبيعة ومجد المسيح يختلفان تمامًا عما هو للقديسين. ولما كانت هذه النماذج قد جاءت من العبادة الناموسية، لذا فإنَّ مكان هذه الأمثلة هو المسكن الأول حيث يوجد مذبح المحرقة كمثالٍ ونموذج. ألم تَصِر دعوة التلاميذ القديسين من بين جنس الإسرائيليين، وبالتالي تبدو وكأنها من المسكن الأول؟

بلاديوس: حسنًا جدًا.

10 المقصود بالعمل هنا هو عمل الكهنوت “وقال موسى لقورح اسمعوا يا بني لاوي. أقليلٌ عليكم أن إله إسرائيل أفرزكم من جماعة إسرائيل ليقربكم إليه لكي تعملوا خدمة مسكن الرب وتقفوا قدام الجماعة لخدمتها. فقربك وجميع اخوتك بني لاوي معك وتطلبون كهنوتًا. إذن أنت وكل جماعتك متفقون على الرب. وأما هرون فما هو حتى تتذمروا عليه” (عدد 16: 8 ـ 11).

11 “ويخرج قضيب من جذع يسى وينبت غصن من أصوله” إش11: 1

12 لا يتكلم نص سفر اللاويين بالطبع عن رغيف في الوسط، ولكن القديس كيرلس إذ يرى في الخبز الموضوع على المذبح رمزًا مسبقًا للإفخارستيا، يتجاوز هذا النص بخصوص رؤيته للخبز الحي الحقيقي؛ فلا يرى التلاميذ إلاَّ وهم محيطون بالمسيح، والمسيح منهم في مركز الوسط، فيستوحي منظر العشاء الإفخارستي الذي كان فيه المسيح الخبز الحي الحقيقي ـ باعتباره رغيفًا من السماء ـ في الوسط، ومن حوله تلاميذه في منظر يصف فيه الكنيسة التي تجتمع مع رأسها؛ لأن الأرغفة الاثنا عشر لا قيمة لها بدون الرغيف الواحد، فمنه تستمد قوتها وفاعليتها. (المترجم)

[4] أي في العمل والكلام كما يوضح هو فورًا.

 

المقالة10 ج3 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة10 ج2 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة10 ج2 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة10 ج2 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

 

السجود والعبادة بالروح والحق

تابع المقالة العاشرة

استكمالاً للحديث السابق “عن الخيمة المقدسة، وعن الأشياء الموجودة فيها”

 

بلاديوس: حديثك دقيقٌ وعميق.

كيرلس: لكن لم يبتعد هذا الحديث عن الهدف.

بلاديوس: أوافقك على هذا.

كيرلس: بعد ذلك يقول: ” وَأَمَّا الْمَسْكَنُ فَتَصْنَعُهُ مِنْ عَشَرِ شُقَقِ بُوصٍ مَبْرُومٍ وَأَسْمَانْجُونِيٍّ وَأُرْجُوَانٍ وَقِرْمِزٍ. بِكَرُوبِيمَ صَنْعَةَ حَائِكٍ حَاذِق تَصْنَعُهَا. طُولُ الشُّقَّةِ الْوَاحِدَةِ ثَمَانٍ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا، وَعَرْضُ الشُّقَّةِ الْوَاحِدَةِ أَرْبَعُ أَذْرُعٍ. قِيَاسًا وَاحِدًا لِجَمِيعِ الشُّقَقِ. تَكُونُ خَمْسٌ مِنَ الشُّقَقِ بَعْضُهَا مَوْصُولٌ بِبَعْضٍ، وَخَمْسُ شُقَق بَعْضُهَا مَوْصُولٌ بِبَعْضٍ. وَتَصْنَعُ عُرًى مِنْ أَسْمَانْجُونِيٍّ عَلَى حَاشِيَةِ الشُّقَّةِ الْوَاحِدَةِ فِي الطَّرَفِ مِنَ الْمُوَصَّلِ الْوَاحِدِ. وَكَذلِكَ تَصْنَعُ فِي حَاشِيَةِ الشُّقَّةِ الطَّرَفِيَّةِ مِنَ الْمُوَصَّلِ الثَّانِي. خَمْسِينَ عُرْوَةً تَصْنَعُ فِي الشُّقَّةِ الْوَاحِدَةِ، وَخَمْسِينَ عُرْوَةً تَصْنَعُ فِي طَرَفِ الشُّقَّةِ الَّذِي فِي الْمُوَصَّلِ الثَّانِي. تَكُونُ الْعُرَى بَعْضُهَا مُقَابِلٌ لِبَعْضٍ. وَتَصْنَعُ خَمْسِينَ شِظَاظًا مِنْ ذَهَبٍ، وَتَصِلُ الشُّقَّتَيْنِ بَعْضَهُمَا بِبَعْضٍ بِالأَشِظَّةِ. فَيَصِيرُ الْمَسْكَنُ وَاحِدًا” (خر30: 1 ـ 6).

 

إنَّ مذبح البخور الذهبي هو المسيح، وقد سبق أن قُلت هذا مرارًا[1]. وقد وُضع هذا المذبح أمام التابوت خلف الحجاب. وكان السيرافيم على شكل دائري، ومن أعلا كان الله (يتحدَّث) مُظهرًا رائحة عمانوئيل الفائقة؛ لأنه لم يفعل خطية ولا وُجد في فمه غشٌ كما هو مكتوب (انظر إش9:53، 1بط22:2)، لذلك قال هو نفسه: ” اَلآبُ يُحِبُّ الابْنَ ” (يو3: 35).

 

كذلك نحن، فقد صِرنا مقبولين من الله إذ تفوح مِنّا مسحة المسيح. وهذا ما يؤكده بولس الرسول قائلاً: ” شُكْرًا ِللهِ الَّذِي يَقُودُنَا فِي مَوْكِبِ نُصْرَتِهِ فِي الْمَسِيحِ كُلَّ حِينٍ، وَيُظْهِرُ بِنَا رَائِحَةَ مَعْرِفَتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ. لأَنَّنَا رَائِحَةُ الْمَسِيحِ الذَّكِيَّةِ ِللهِ، فِي الَّذِينَ يَخْلُصُونَ وَفِي الَّذِينَ يَهْلِكُونَ” (2كو2: 14 ـ 15).

بلاديوس: أنت تتحدث بالصواب.

كيرلس: دعنا نتعمق في الأمر بأكثر دقة، ونحن متنبهون لما هو مكتوب.

 

لقد وُضع التابوت داخل خيمة الاجتماع تجاه الغرب، وأمامه المذبح النُحاسي ناحية الشرق. وذلك لأنَّ الشرق والغرب والشمال والجنوب قد امتلئوا من المؤمنين الذين آمنوا بالمسيح.

 

وهكذا كان مكان المنارة جنوب الخيمة، بينما المائدة كانت تجاه الشمال، وبكلتيهما أُعلن المسيح، وقد سبق لنا أنْ برهنّا على ذلك في حديثنا السابق[2]. أمَّا كونُ المسيحِ نورًا، فقد أعلنته المنارة، وكونه الحياةَ والخبز الذي يعطي حياةً، فقد أظهرته المائدة وكل ما وُضع فوقها.

 

لكن عليك أنْ تتأمل أمرًا آخرًا، وتلاحظ ما ينطوي عليه من سرٍّ: يقع موطن اليهود في الجنوب، بينما موطن الأمم في الشمال. فإذا أخذنا في الاعتبار مكان كلٍ من المنارة والمائدة، فسوف يُدرك مَن يريد، أنَّ المسيحَ قد أشرق كنورٍ على اليهود وكرز لهم ” أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ ” (يو8: 12). لأنه قد أُرسل إلى خراف بيت إسرائيل الضالة (مت15: 24)، وبحسب الكتب المقدسة ” لأنَّ لهم المواعيد ” (رو9: 4). لكن بما أنهم لم يقبلوا نور الحق، صار المسيحُ للأمم هو الحياةَ والخبزَ النازل من السماء، وهكذا لم يبقَ الأممُ بدون نور. وهذا ما تراه من جهة أنَّ النورَ يُشرق على شمال الخيمة؛ لأنَّ المنارةَ قد وُضعت فوق المائدة التي كانت جنوبًا. وما ساعد على إظهار ذلك، أنَّ الخيمةَ كانت محدودة القياس.

 

هذا المثال يُظهر لنا أنه حيث يُشرق النور الإلهي، فهناك إمكانية للمستحقين، أن يصيروا شركاء المسيح الخبز الحيّ الحقيقي. هكذا انضم الأمم لجسد المسيح، وصاروا شركاء في المسيح. لذا يقول بولس الرسول: ” أَنَّ الأُمَمَ شُرَكَاءُ فِي الْمِيرَاثِ وَالْجَسَدِ وَنَوَالِ مَوْعِدِهِ فِي الْمَسِيحِ بِالإِنْجِيلِ ” (أف3: 6). وأيضًا قال تلميذٌ آخرٌ للمسيح: ” إِلَى أَنْ يَنْفَجِرَ النَّهَارُ، وَيَطْلَعَ كَوْكَبُ الصُّبْحِ فِي قُلُوبِكُمْ ” (2بط1: 19).

 

          وبعد أنْ أمر الله بوضع كل الآنية الموجودة هكذا في قدس الأقداس، أمر أيضًا أنْ يُصنع سجفٌ من أسمانجونى وأرجوان وقرمز وبوص مبروم (انظر خر26: 36). وهذا ـ كما قال ـ يكون معلقًا على امتداد مدخل الخيمة وذلك على خمسة أعمدة مغشَّاة بالذهب يكون لها خمس قواعد من النحاس. ويستخدم هذا “السجف” ـ بالتأكيد ـ كستار للباب؛ وعن طريق الحلقات الرفيعة المتصلة بها تُسحب الستارة، فينكشف المدخل، ثم يُسحب من الجهة المقابلة ويمتد بالعرض كله، فيغطي على المقدَّسات الموجودة داخل الخيمة.

وتُشير الأعمدة الخمسة المغشَّاة بالذهب والفضة إلى معلّمي الكنائس وقادتها في الوقت الخامس[3] الذي أتى فيه المسيح. وهم الذين يكرزون بكلمة الحق باستقامة، وقيمة هؤلاء ثمينة مثل الذهب، ولهم صدىً ورنينًا مفرحًا مثل النحاس. لأنه يقول: ” فِي كُلِّ الأَرْضِ خَرَجَ مَنْطِقُهُمْ، وَإِلَى أَقْصَى الْمَسْكُونَةِ كَلِمَاتُهُمْ ” (مز19: 4). هؤلاء فتحوا ـ بتعليمهم الروحي والسرائري ـ البابَ لأولئك الذين يريدون الدخول إلى قدس الأقداس، أي إلى داخل الخيمة المغطاة بالحجاب، وكذلك الجزء الثاني من الخيمة الذي يُلحق به، والذي يوجد به مذبح المحرقة حيث تقدَّم كل الذبائح الدموية (انظر خر29: 1 – 18)، كما يوجد به أيضًا المرحضة النحاسية. كان مذبح المحرقة يبدو ظاهرًا بالقرب من أبواب الخيمة في الدار الخارجية، أمَّا المرحضة فكانت في الداخل[4].

بلاديوس: لكن ما هو المعنى الذي تخفيه هذه الملاحظة؟

كيرلس: يا بلاديوس، يتميز الكتاب المقدس بالدقة، ولا يوجد فيه شيءٌ بلا فائدة. بل لعلك تلاحظ كيف أنَّ الرمزَ يُظهر لنا أنَّ الناموسَ إنما يعمل كمربي يقودنا إلى المسيح. ويتضح لنا هذا من أنَّ مذبحَ العبادة الناموسية قد وُضع بالقرب من المداخل التي تؤدى إلى قدس الأقداس. أي أنَّ الناموس يقودنا إلى بداية أسرار المسيح، وإلى مبادئ الدخول لمعرفته الدقيقة. لكن لا يقودنا أبدًا إلى قدس الأقداس، أي إلى الخيمة الداخلية حيث يوجد المسيحُ الفائق الجمال، كلمة الله، والنور، والخبز الحي، والرائحة الذكية لله الآب.

ألا ترى معي إنَّ بداءة أقوال الله هي دراسة العبادة الناموسية؟

بلاديوس: هذا حقيقي.

كيرلس: وكون أنَّ الناموس لا يُكمِّل شيئًا (انظر عب 7: 19)؛ فلأنه: ” لاَ يُمْكِنُ أَنَّ دَمَ ثِيرَانٍ وَتُيُوسٍ يَرْفَعُ خَطَايَا ” (عب10: 4)، وهو ما سوف تعرفه مباشرةً دون أدنى تعب عندما تتأمَّل في استخدام المرحضة. فقد كانت المرحضة موجودة بشكل بارز في المسكن الأول من الخيمة، حيث يغتسل فيها بالماء أولئك الذين يأتون إلى قدس الأقداس. وكان هذا الاغتسال قد فُرض ـ كقانون ـ على الكهنة. وهو ما يُظهر نقص ما كان يبدو في الناموس من كمال، معلنًا أنَّ التطهيرَ، إنما يكون بواسطة المعمودية التي تميِّز الجنس المقدس، أقصد هؤلاء الذين تبرروا بالإيمان، وهم الذين توجَّه إليهم التلميذ العظيم بقوله: ” وَأَمَّا أَنْتُمْ فَجِنْسٌ مُخْتَارٌ، وَكَهَنُوتٌ مُلُوكِيٌّ، أُمَّةٌ مُقَدَّسَةٌ، شَعْبُ اقْتِنَاءٍ، لِكَيْ تُخْبِرُوا بِفَضَائِلِ الَّذِي دَعَاكُمْ مِنَ الظُّلْمَةِ إِلَى نُورِهِ الْعَجِيبِ ” (1بط2: 9).

 

ويجب أنْ تعرف أنَّ ستارةً كانت قد امتدت حول الباب الخارجي للخيمة حتى لا يكون القدسُ عاريًا وظاهرًا للذين هم في الخارج، أي في القسم الأول من الخيمة حيث يوجد مذبح الناموس. وأعتقد أنَّ هذا المثال يُعلن أيضًا أنه ليس من قبيل الصدفة ألاَّ يكون الناموسُ واضحًا؛ لأنَّ الحرف قد غشَّاه بُرقعٌ كثيف، وقد لبس غموض الظل.

بلاديوس: هكذا هو بالفعل.

كيرلس: في القسم الأول من الخيمة يوجد كلٌ من المرحضة والمذبح. أمَّا في القسم الثاني العميق من الخيمة، فيوجد التابوت والمنارة، وطبعًا مذبح البخور الذهبي حيث البخور زكي الرائحة، والمائدةُ والخبز عليها. ويذكر بولس الرسول أيضًا القسط الذهبي الذي به المَنْ. كما يذكر أيضًا عصا هارون التي وُضِعت في قدس الأقداس؛ لأنَّ بولس دَرَسَ الكتب المقدسة وامتلأ بالمعرفة لكل ما كان قد شُرِّع في تلك الأوقات، وأُعلن لموسى الطوباوي بواسطة الكلمة.

 

وكان بولس يعرف أنَّ كلاً من المائدة والمنارة توجدان في المسكن الأول. وعن العهدين يكتب الآتي: ” فَإِذْ قَالَ «جَدِيدًا» عَتَّقَ الأَوَّلَ. وَأَمَّا مَا عَتَقَ وَشَاخَ فَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ الاضْمِحْلاَلِ ثُمَّ الْعَهْدُ الأَوَّلُ كَانَ لَهُ أَيْضًا فَرَائِضُ خِدْمَةٍ وَالْقُدْسُ الْعَالَمِيُّ، لأَنَّهُ نُصِبَ الْمَسْكَنُ الأَوَّلُ الَّذِي يُقَالُ لَهُ «الْقُدْسُ» الَّذِي كَانَ فِيهِ الْمَنَارَةُ، وَالْمَائِدَةُ، وَخُبْزُ التَّقْدِمَةِ. وَوَرَاءَ الْحِجَابِ الثَّانِي الْمَسْكَنُ الَّذِي يُقَالُ لَهُ «قُدْسُ الأَقْدَاسِ» فِيهِ مِبْخَرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ، وَتَابُوتُ الْعَهْدِ مُغَشًّى مِنْ كُلِّ جِهَةٍ بِالذَّهَبِ، الَّذِي فِيهِ قِسْطٌ مِنْ ذَهَبٍ فِيهِ الْمَنُّ، وَعَصَا هَارُونَ الَّتِي أَفْرَخَتْ، وَلَوْحَا الْعَهْدِ. وَفَوْقَهُ كَرُوبَا الْمَجْدِ مُظَلِّلَيْنِ الْغِطَاءَ. أَشْيَاءُ لَيْسَ لَنَا الآنَ أَنْ نَتَكَلَّمَ عَنْهَا بِالتَّفْصِيلِ ” (عب8: 13، 9: 1 ـ 5).

بلاديوس: ما الذي سوف نقوله إذا أراد أحدٌ أنْ يعرف أسباب وضع وصناعة كل هذه الأشياء؟

كيرلس: يا بلاديوس، لقد أمر أنْ تصيرَ أشياءٌ قبل أنْ تُصنع الخيمة المقدسة، وأشياء أخرى بعد التصنيع.

 

ففي سفر الخروج، قبلما تظهر الأمثلة عن الخيمة المقدسة، وقبلما تُعطى الأوامر عنها، أعلن الحديث عن القسط الذهبي (خر16: 33)، عارفًا ما سوف يصير.

 

وفي سفر العدد، وبعد إقامة الخيمة، نجد عصا هرون وقد وُضعت في قدس الأقداس (عد17: 3 ـ 5).

 

وفي سفر اللاويين أيضًا شرَّع الله الشرائع الخاصة بالمنارة وبمائدة مسكن الخيمة الأول (لا24: 4).

 

لقد كان بولس الحكيم يعرف الناموسَ معرفةً عميقةً حقًا، ولم يكن ليغيب عنه أي شيء من الأحداث، لكن يذكرها كلها. وهو لا يذكر فقط كل الأمور الأولى والأخيرة، بل وأيضًا ما بين هذه وتلك.

بلاديوس: حديثُك جيدٌ، لذا اخبرني الآن عن كل شيء بوضوحٍ وتأنٍّ؛ لأنَّ الحديثَ عن هذه الأمور لا شك عميق.

كيرلس: نعم، رأيك صائبٌ، فالحديثُ عميقٌ فعلاً.

 

قسط المن:

سوف أبدأ حديثي عن القسط. وحقيقة الأمر هي كالآتي: لقد أعطى الله المَنْ ـ مثل المطر ـ للإسرائيليين في الصحراء. لذا كان المَنُ بالنسبة لهم طعامًا وخبزًا من فوق، أي من السماء. لكن هذا الأمر (نزول المَنْ) ـ الذي صار وقتذاك ـ لا يتوقف عند الرؤية المادية والمحسوسة، بل يقودنا ـ من خلال المثال والظل ـ إلى الإشارة “للكلمة” الآتي من فوق، من الآب أى الخبزٍ الذي من السماء. وكانت هذه الرؤية هي التي قصدها داود العظيم قائلاً: ” أَكَلَ الإِنْسَانُ خُبْزَ الْمَلاَئِكَةِ. أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ زَادًا لِلشِّبَعِ ” (مز78: 25).

 

وطبعًا، نحن لا نقول إنَّ المَنْ المادي هو خبزٌ من السماء، أو هو خبز الملائكة؛ لأنَّ الروح تغتذي على طعامٍ روحي، كما يتغذى الجسد بطبيعته بالطعام المادي. لكن طعام الملائكة والخبز الذي يتناسب مع السموات والأرواح السماوية هو كلمة الله الآب. إذن، فالمَنْ يشير إلى المسيح. وإنْ لم تصر هذه الحقيقة مقبولة فالظل لا يعلن شيئًا مفيدًا. إذ أن الظل لم يَصِر ظلاً لعِلةٍ في ذاته، بل لكي يرمز إلى أمرٍ من الأمور الحسنة. لذلك وبَّخ المسيحُ جمعَ اليهود توبيخًا واضحًا لأنهم لم يكرِّموه بالرغم من أنه كان هو الحق، بينما كان موسى خادمًا للظلال. لذلك قال لهم المسيح: ” الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَيْسَ مُوسَى أَعْطَاكُمُ الْخُبْزَ مِنَ السَّمَاءِ، بَلْ أَبِي يُعْطِيكُمُ الْخُبْزَ الْحَقِيقِيَّ مِنَ السَّمَاءِ، لأَنَّ خُبْزَ اللهِ هُوَ النَّازِلُ مِنَ السَّمَاءِ الْوَاهِبُ حَيَاةً لِلْعَالَمِ. فَقَالُوا لَهُ: يَا سَيِّدُ، أَعْطِنَا فِي كُلِّ حِينٍ هذَا الْخُبْزَ. فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: أَنَا هُوَ خُبْزُ الْحَيَاةِ. مَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ فَلاَ يَجُوعُ، وَمَنْ يُؤْمِنْ بِي فَلاَ يَعْطَشُ أَبَدًا ” (يو6: 32 ـ 35).

 

          هكذا تنبَّأ اللهُ بواسطة موسى عن قسط المَنْ موضحًا إنَّ المَنْ هو صورة ترمز إلى الكلمة الذي نزل من فوق، من السماء، فقد كُتِبَ الآتي: ” وَقَالَ مُوسَى: هذَا هُوَ الشَّيْءُ الَّذِي أَمَرَ بِهِ الرَّبُّ. مِلْءُ الْعُمِرِ مِنْهُ يَكُونُ لِلْحِفْظِ فِي أَجْيَالِكُمْ. لِكَيْ يَرَوْا الْخُبْزَ الَّذِي أَطْعَمْتُكُمْ فِي الْبَرِّيَّةِ حِينَ أَخْرَجْتُكُمْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ. وَقَالَ مُوسَى لِهَارُونَ: خُذْ قِسْطًا وَاحِدًا وَاجْعَلْ فِيهِ مِلْءَ الْعُمِرِ مَنًّا، وَضَعْهُ أَمَامَ الرَّبِّ لِلْحِفْظِ فِي أَجْيَالِكُمْ. كَمَا أَمَرَ الرَّبُّ مُوسَى وَضَعَهُ هَارُونُ أَمَامَ الشَّهَادَةِ لِلْحِفْظِ ” (خر16: 32 ـ 34).

 

وكما قلنا إنَّ التابوت الإلهي الذي يحتوى على الكلمة الإلهية، يُعلِنُ عن عمانوئيل؛ لأنَّ كلمةَ الله أتى إلى داخل الهيكل المقدس، أي الهيكل الذي قدَّمته العذراء. إذن، بنفس الطريقة، يُظهر القسط الذهبي ـ الذي يحتوى في باطنه المَنْ المادي ـ الكلمةَ السماوي والحي، أي الذي أتى من الآب متحدًا بجسدٍ مقدسٍ طاهرٍ.

 

وطبقًا لكلام بولس الطوباوي (انظر عب1:9ـ5)، كان القسطُ مملوءًا من المَنْ: ” لأَنَّ الَّذِي أَرْسَلَهُ اللهُ يَتَكَلَّمُ بِكَلاَمِ اللهِ. لأَنَّهُ لَيْسَ بِكَيْل يُعْطِي اللهُ الرُّوحَ ” (يو3: 34)، لأنَّ المسيحَ كُلّيُ الكمالِ.

          إذن، كان القسطُ هناك لكي يُحفظ لأجيال بني إسرائيل؛ لأنَّ المسيحَ غيرُ فاسدٍ، بل هو باقٍ إلى الأبد، وهو حاضرٌ في كل وقت، وفي كل زمانٍ ماثلٌ أمام الرب، أي أمام أعين الآب. لأنَّ وحيدَ الجنسِ عندما صار إنسانًا دخل بعد ذلك إلى قُدس الأقداس في الخيمة الأعظم والأكمل، أي في السماء لكي يظهر الآن أمام الله لأجلنا، كما هو مكتوب (انظر عب9: 24). لأنه لا يقدِّم ذاته أمام الآب لأجل نفسه، بل يقدِّمنا في ذاته إلى الآب، بالرغم من أننا ضللنا من أمام وجه الآب بسبب مخالفة آدم، وبسبب الخطية التي مَلكَت وسادت على الكل. إذن، فقد اقتادنا المسيحُ، وبواسطته تمكنَّا من الحضور إلى مدخل الأقداس كما قال لنا بولس الرسول[9]. لأنه مثلما قُمنا مع المسيح، وجلسنا معه في السماويات، هكذا أيضًا نُوجد معه أمام الآب.

نكتفي إذن، بهذا الحديث عن القسط المقدس، ودعنا ننتقل ـ إذا أردت ـ إلى الحديث عن عصا هرون التي تشير إلى المسيح.

 

5 يؤكد القديس كيرلس أن مذبح الذهب صار رمزًا للمسيح، ولذلك فالبخور يوقد باستمرار، وهذا يعني أنه لا توجد لحظة لا يفوح المسيح فيها برائحته الذكية، كما أنه ممنوع تمامًا أن يوجد سكيبٌ فوق هذا المذبح أو ذبيحة؛ لأن فرائض الناموس أُبطلت بالمسيح، المرجع السابق ص 86 وما بعدها. قارن ذلك مع مذبح النحاس: ذات المرجع ص 78 وما بعدها

6 المرجع السابق ص 103 وما بعدها.

7 يقسِّم القديس كيرلس تاريخ علاقة الله مع الإنسان إلى خمسة أقسام، ويستند في ذلك إلى رمزية الأيام الخمسة التي يتم فيها حفظ خروف الفصح من اليوم العاشر للشهر حتى اليوم الرابع عشر منه، وإلى مثل أصحاب الساعة الحادية عشر، فيقول: “نلاحظ أنَّ الخروف يوضع تحت الحفظ من اليوم العاشر للشهر حتى اليوم الرابع عشر منه لكي يُذبَح في المساء. وإذا تساءلنا عن سبب ذلك، وجدنا أن هناك دلالةً هامة لتلك الأمور. ما المشكلة لو أُخِذَ الخروف في اليوم الأول من الشهر؟ وما هو الهدف الذي شَرَّع الله لأجله أن يُحفظ الخروف لمدة خمسة أيام، ومن ثم يُذبَحُ في المساء؟ ولماذا بدأنا العدُّ من اليوم العاشر حتى الرابع عشر، حتى يكون الناتج خمسة؟ أمَّا من جهة أنَّه لا يجب أن يُؤخذ الخروف للحفظ من اليوم الأول للشهر، فهذا يدُل – رمزيًا – على أنَّ زمننا هذا، قد أتى بعد أن كانت قد مرَّت قبلنا أزمنةٌ كثيرة وأجيالٌ طويلة، لم تكن خالية أبدًا من وجود الله. لأن فترة الخمسة أيام التي سبق أن أُشير إليها قُسِّمت إلى خمسِ فترات زمنية. وهذا هو الأمر الذي اتضح من المثل الذي قاله المخلِّص: “فإن ملكوت الله يشبه رجلاً ربَ بيتٍ خرج مع الصبح ليستأجر فعلةً لكرمه. فاتفق مع الفعلة على دينار في اليوم وأرسلهم إلى كرمه. ثم خرج نحو الساعة الثالثة ورأى آخرين قيامًا في السوق بطالين. فقال لهم اذهبوا أنتم أيضًا إلى الكرم فأعطيكم ما يحق لكم. فمضوا. وخرج أيضًا نحو الساعة السادسة والتاسعة وفعل كذلك. ثم نحو الساعة الحادية عشرة خرج ووجد آخرين قيامًا بطالين. فقال لهم لماذا وقفتم ههنا كل النهار بطالين. قالوا له لأنه لم يستأجرنا أحدٌ. قال لهم اذهبوا أنتم أيضًا إلى الكرم فتأخذوا ما يحق لكم” (مت 20: 1 ـ 7). هل اتضح لك من هذه الأقوال أن زمننا هذا قد قُسِّم إلى خمس فترات؟ الفترة الأولى هي التي عاش فيها آدم، الأب الأول في الفردوس. والفترة الثانية كمثل “الساعة الثالثة”، ويقصد بها الزمن الذي عاش فيه نوح والذين كانوا معه. والفترة الثالثة هي مثل “الساعة السادسة” في المثَل وهي تُشير إلى الفترة الزمنية التي تبدأ بدعوة إبراهيم لكي يعرف الإله الحقيقي. كذلك الفترة الرابعة هي أيضًا مثل “الساعة التاسعة”، ويُقصد بها الفترة التي عاش فيها موسى والأنبياء. أمَّا الفترة الخامسة أي “نحو الساعة الحادية عشر”، أي التي فيها ينتهي اليوم، ويصل الزمن الحاضر إلى نهايته، في هذا الزمن استأجر السيد المسيح الأمم الذين لم يكونوا قد دُعوا بعد من أي أحد آخر أثناء الفترات السابقة. لذلك أجاب هؤلاء الآخرون قائلين: “لم يستأجرنا أحد”. راجع في ذلك: المسيح فصحنا الجديد – ترجمة د. جورج عوض إبراهيم، مراجعة د. نصحي عبد الشهيد – ص 12 وما بعدها ـ سلسلة نصوص آبائية رقم 88 – مايو 2005 – المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية.

ويستعيد القديس كيرلس نفس الرؤية عندما يشرح معنى الشقة الحادية عشر من الشقق التي تغطي الخيمة في المقالة التاسعة من السجود والعبادة بالروح والحق، يقول: “والعدد يظهر بالضبط أنه في الأزمنة الأخيرة وفي الساعة الحادية عشر يظهر المسيح والخيمة التي فيها المسيح، أي الكنيسة” راجع السجود والعبادة ج5 سلسلة نصوص آبائية رقم 97 – ص 102.

8 يقصد القديس كيرلس أن المرحضة كانت تقع داخل خيمة الاجتماع، وذلك بحسب ما ورد في سفر الخروج: “وتصنع مرحضةً من نحاس وقاعدتها من نحاس للاغتسال. وتجعلها بين خيمة الاجتماع والمذبح وتجعل فيها ماءً. فيغسل هرون وبنوه أيديهم وأرجلهم منها” (خر 30: 18 ـ 19).

9 “لأن به لنا كلينا قُدُومًا في روحٍ واحدٍ إلى الآب” (انظر أف 2: 18).

 

المقالة10 ج2 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

Exit mobile version