المقالة1 ج5 – السجود والعبادة بالروح والحق ج1 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة1 ج5 – السجود والعبادة بالروح والحق ج1 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة1 ج5 – السجود والعبادة بالروح والحق ج1 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

 

السجود والعبادة بالروح والحق

تابع المقالة الأولى

حول “سقوط الإنسان وأسره في الخطية وعن دعوته وعن رجوعه بالتوبة وعن ارتفاعه إلى الحياة الفُضلى”

 

 

كيرلس: هل يد الملاك التي قد أسندت لوط، لا تكفي لتبرهن على أن الله ضابط الكل هو معين القديسين؟ من الممكن اعتبار الملائكة مثالاً لله. فأولئك الذين اقتربوا من إبراهيم قديمًا عند بلوطات ممرا كانوا ثلاثة، واللذان زارا سدوم كانا اثنين[1]. ومن كلام المخلص نفسه نعلم أن “الآب لا يدين أحدًا” بل “أعطى كل الدينونة إلى الابن” فواضح أن الابن كائن مع الآب، ومن الطبيعى أن الروح القدس كائن معهما.

بلاديوس: إن تفكيرك في هذا الأمر حسنٌ جدًا، دعنا نفحص، لو وافقتنى، بقية الحديث.

كيرلس: لا توجد أية مشقة. سأقول لك فورًا. مكتوب أنه ” وكان لما أخرجاهم إلى خارج أنه قال اهرب لحياتك. لا تنظر إلى ورائك ولا تقف في كل الدائرة. اهرب إلى الجبل لئلا تهلك[2]. عندما يقول الكتاب ” اهرب لحياتك” يقصد على ما أعتقد، تمامًا هذا الذي يقال ” احفظ نفسك طاهرًا ولا تشترك في خطايا الآخرين[3]. وانتصر على كل معوقات العالم لأنه ولا كل العالم يمكن أن يُعطى بدلاً عن النفس ” لأنه ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه [4]. هذا، وما يقال إن خطواتنا يجب ألاّ ترجع إلى الوراء، ربما يعنى أن لا نرجع إلى الدناءة وألاّ يكون لنا فكر أولئك الذين سيُدانون بالنار، بسبب ضعفهم في ضبط النفس، لأنه يقول:” ليس أحد يضع يده على المحراث وينظر إلى الوراء يصلح لملكوت الله[5]. يجب أن نُصِرّ على السلوك في طريق الخلاص، ولا ننشغل بأى شئ آخر بإرادتنا، ولا يتملكنا عقل هوائى مندفع نحو شهوات عالمية خيالية تافهة. لكن بعقل راجح متيقظ يهتم دائمًا بالنظر إلى الأمام. وأقول ما هو أعظم، لم يقل له الملاك يجب أن تسير دون أن تلتفت للوراء فقط، لكنه أضاف نصيحة مفيدة بقوله: “ لا تقف في كل الدائرة اهرب إلى الجبل لئلا تهلك “.

بلاديوس: وماذا يقصد بقوله ” لا تقف في كل الدائرة “؟

كيرلس: أعتقد أنه أراد أن يبين الخمول والكسل نحو الالتزام بتجنب الشر، الشر الذي هو بالتأكيد اختيار خاطئ وقاتل للنفس.

بلاديوس: اخبرنى كيف؟

كيرلس: تقول الكلمة النبوية:” ملعون مَن يعمل عمل الرب برخاوة [6]. ويقول بولس العظيم في موضع ما ” أركضوا لكي تنالوا [7]. فكون إننا لا نريد أن نظهر بأسًا شديدًا، أو أن نكون غير مهتمين بالابتعاد عن السيئات، وكون العقل لا يريد أن ينقطع عن الأشياء العتيقة، أو يبتعد بطريقة ما عن كل دناءة، أو يتردد في فعل ما هو نافع، كل هذا لا يعنى شيئًا             آخر سوى أن الشخص يتوقف بإرادته في دائرة الشر، بينما كان يجب عليه أن يخرج مُسرعًا. وهناك أمرٌ آخر يمكن أن يحدث وهو أنه قبل أن نخرج من دائرة الشر، وبينما نحن نفكر فيما نفعله بخصوص خروجنا من هذه الدائرة، فإننا نؤجل خروجنا هذا، وبذلك نسبب لأنفسنا الإدانة، إذ أننا لم نُطهر أنفسنا، ولم نتطهر من التلوث الذي أصاب نفوسنا بسبب رخاوتنا القديمة، ولم نلق عن كاهلنا انحلالنا وثقل جرائمنا، ولم ندخل تحت النير الخلاصي لكي يريحنا المسيح. إذًا فهذه النصيحة ” لا تقف في أى مكان في الدائرة” هي حسنة جدًا وهي تعنى ألاّ تبقى في أى حالة دنيئة أو أى موقف يجعلك أسيرًا، لكن بالحرى اصعد إلى حياة فائقة مشرقة، وكأنك صاعد إلى جبل عالٍ، فتلك الحياة ليس بها أى وضاعة، بل تتميز بالفضائل السامية والفائقة، وبهذا تتخلص من السلوك المشين، أى الأرضى والجسدى. لأنه يقول ” أقوياء الله يرتفعون في الأعالى عن تدبير الذين على الأرض [8]. لأن السلوك اللائق بالقديسين هو سامي جدًا عن الأرضيات ” النسور تطير في الأعالى[9]. ويحسب المكتوب، فإن حياتهم تنمو، وكأنها على “الجبل” في السماء، ويعتبرون وطنهم السماوى مِلكًا لهم. ويكتب أيضًا بولس في موضع ما ” اطلبوا السماويات وليس الأرضيات[10].

بلاديوس: إذًا يمكننا أن نفهم أن كلمة “الجبل” تعبر عن حياة القداسة، والارتقاء نحو سماويات الحياة العظيمة، بينما كلمة “أسفل” تعنى طريقة الحياة الغير طاهرة التي تميل إلى الخطية والأمور الأرضية.

كيرلس: حسنًا تقول، لأن هذا هو بالضبط ما قصدته من حديثنا. غير أن ما سوف أقوله لك الآن، هو أمر جدير بالاعتبار.

بلاديوس: ما هو؟

كيرلس: قال الملاك الطوباوى إن لوط كان يجب أن يصعد إلى الجبل مُسرعًا بدون أن يتأخر وبدون أن ينظر إلى الوراء. لكن لوط توسل إليه قائلاً: ” هوذا عبدك قد وجد نعمة في عينيك وعظمت لطفك الذي صنعت إلىّ باستبقاء نفسي وأنا لا أقدر أن أهرب إلى الجبل. لعل الشر يُدركنى فأموت. هوذا المدينة هذه قريبة للهرب إليها وهي صغيرة. اهرب إلى هناك أليست هي صغيرة فتحيا نفسي. فقال له إنى قد رفعت وجهك في هذا الأمر أيضًا أن لا أقلب المدينة التي تكلمت عنها. أسرع أهرب إلى هناك لأني لا أستطيع أن أفعل شيئًا حتى تجئ إلى هناك. لذلك دُعى اسم المدينة صوغر. وإذ أشرقت الشمس على الأرض دخل لوط إلى صوغر [11].

بلاديوس: وما النفع الذي سوف يعود علينا من كل هذا، لأنك تعلم جيدًا إنى أريد أن أتعلم وأستفيد.

كيرلس: ألا تعرف ـ مع أن لديك ميل عظيم للتعلّم ـ إن أولئك الذين قد هجروا الأعمال الدنيئة لا يجب أن يظنوا أنهم سوف يسلكون مباشرة في طريق الخلاص، ولا أنهم بمحاولاتهم الأولى سوف يقتنون الفضيلة ولا يظنون أن قراراتهم سوف تكون قاطعة؟ بل إن المرء لن يسلك بسهولة إلى المدينة الفاضلة، ولن يبتعد عن الشهوات التي قد تعوّد عليها، لكنه سيبتعد عن كل هذا بهدوء حسب استعداده ورغبته في حياة أفضل. ولن يكون بعيدًا أو أعلى كثيرًا، بل سيكون كما لو كان قد وُجد في أرض أخرى، في حياة تستحق بالتأكيد المدح والثناء، لكنه لم يصل بعد إلى مجد أسمى وأبهي، وذلك كما تُرفع النفوس بالتربية بحسب الناموس، إلى مبادئ حسنة وحياة صالحة. لأنه مكتوب ” بداية طريق الصلاح هي فعل البر[12]. أى أن الذين يرغبون المعرفة ويشتهون الرؤية السرية، فإن كلمة الوعظ تلائمهم في البدايات، بينما أولئك الذين قطعوا شوطًا أكبر إلى “الإنسان” الناضج وإلى الكمال حيث المسيح هو مقياس له[13]، فيناسبهم كثيرًا الطعام القوى، أى الكلام عن الأسمى، وبعد ذلك طريق معرفة الإلهيات. هكذا أقول هنا، أى في تصحيح السلوكيات والمناهج الأخلاقية، لا ينبغى أن نتوقع وصول البعض للعلو فورًا نحو الكمال، أى إلى ما هو فوق الطبيعى، إلى ما يناسب المدينة الفائقة السمو. فيجب على ما أعتقد أن نبدأ خطوة خطوة من الأمور الصغيرة والتي تتناسب مع قراراتنا في التقدم نحو الكمال. وبطريقة ما نُسرع في الدخول، وكأنه إلى مدينة صغيرة مجاورة إلى الجبل العالى، كما إلى مدينة غير مرتفعة كبداية للحياة السامية والفائقة. هكذا فالبار لوط يمكن أن يكون مثالاً لهؤلاء الذين في هذه الحالة، والذين لم يجدوا لهم مأوى يناسبهم، في الجبل مباشرةً، ولكن في المدينة الصغيرة صوغر. ألا نجد في العظات الإنجيلية مرات كثيرة تطبيق لمثل هذه التدابير في حياة المؤمنين؟ حقيقةً يكتب بولس الطوباوى في رسالته ” وأما من جهة الأمور التي كتبتم لى عنها فحسن للرجل أن لا يمس امرأة ولكن لسبب الزنا ليكن لكل واحد امرأته وليكن كل واحدة رجلها… ولكن أقول هذا على سبيل الإذن لا على سبيل الأمر. لأني أريد أن يكون جميع الناس كما أنا. لكن كل واحد له موهبته الخاصة من الله. الواحد هكذا والآخر هكذا [14]. أرأيت كيف أن العمل السامى الفائق في ضبط النفس أظهره مثل جبل بقوله ” أنه حسن للرجل أن لا يمس امرأة“. وسمح لنا أن ننزل إلى صوغر، أى إلى حياة ما زالت بعيدة عن مستوى الكمال، وأقصد التصريح بأن يكون المرء في اتصال مع امرأته فقط؟ وقول المخلص: إن الأرض الحسنة جدًا، ستُعطى مائة وأخرى ستون وأخرى ثلاثون. وإن المواهب التي يوزعها ليس بمقياس متساوِِِ، لكن الواحد خمسة والآخر اثنين والثالث واحد، بيّن بذلك ـ على ما أعتقد ـ أن قدرات الإثمار غير متساوية، ولهذا فقد وهب بمقدار ما يتناسب مع مقدرة كل واحد ومع معرفته. لأنه سبق أن قُلنا إن لكل واحد موهبته الخاصة من الله الواحد هكذا والآخر هكذا.

بلاديوس: بالصواب تتكلم.

كيرلس: إذن لقد سمح لهم الملاك الطوباوى أن ينزلوا إلى صوغر. لأنه يقول، تعجبت حقيقةً لشجاعتك ولكلمتك هذه، سوف لا أدمر المدينة التي تكلمت عنها معي، أسرع إذًا لتخلص هناك[15]. ثم بعد ذلك يقول تعجبت لطلبك الجريء أن لا أدمر المدينة التي قلت لى عنها، لأنه حقيقةً، أن الله لا يريد حياة لا تتفق تمامًا مع الفضيلة، كما أنه غير مقبول لديه مجرد التهاون البسيط مع مثل هذه الرغبات، فهذا الأمر لابد أن يُلام المرء عليه. ومن ناحية أخرى فإن الله يسمح ـ من محبته للبشر ـ بأن يعمل المرء في البداية ما يناسب قدرته. فالله يسمح بخلاص هؤلاء الذين مازالوا يبحثون عن الفضيلة، ومع ذلك لم يبتعدوا تمامًا عن الحياة المثقلة بالهموم. إن الوصول إلى هذه الدرجة وهذه الحالة، لا يتحقق بدون النور الإلهي وضياء المصابيح السماوية لأنه يقول ” أشرقت الشمس ولوط دخل إلى صوغر “.

بلاديوس: كم هو دقيق ما تقوله؟!

كيرلس: إذًا فإن لوط العظيم دخل بسرعة إلى المدينة الصغيرة بإذن من الله. وفي فعله هذا أظهر أن المرأة التي تبعته في الرحيل كانت ضعيفة، لأنه يقول ” التفتت إلى الوراء وصارت عمود ملح [16].

لاحظ أن العقل الشجاع والسلوك الطيب ـ حتى وإن لم يصل إلى الكمال الذي يُسر به الله ـ يبدأ في تحقيق النجاح في طريق الفضيلة، إلى أن يبتعد تمامًا عن الشهوات سائرًا نحو الأفضل. أما العقل الضعيف الواهن الذي ترمز إليه هذه المرأة، فإنه بخضوعه المستمر للأفكار الدنيئة ينتهي الحال به إلى الفساد. وهذا فى اعتقادي، يقصده هنا بأنها قد صارت عمود ملح. وهذا يمكن أن يرمز أيضًا للنفس التي بلا حياة، وللعقل الذي يميل للسقوط في الحماقة، والذي قد يصل إلى قمة البلادة. فالملح إذا فسد لن يكون له أى صلاحية، فقد قال المخلص أنه لن يصلح تمامًا بل يُلقى خارجًا ويداس من الناس[17]. المرأة تحجرت إذًا. غير أن لوط لم يكتفِ بهذا إذ يقول الكتاب ” وصعد لوط من صوغر وسكن في الجبل وابنتاه معه لأنه خاف أن يسكن في صوغر. فسكن في المغارة هو وابنتاه [18]. إن العقل يتقدم بالتدريج نحو الكمال، ويُرفع ببطء إلى مستوى أرقى، ويتقدم ويسمو إلى الأفضل، مستندًا على النضج والسمو الروحى، مثلما فعلتا ابنتاه، حيث تركتا الميل لحب الجسديات والرخاوة التي يُرمز لها بامرأة لوط. ويسكن لوط بعد ذلك كما في جبل ومغارة. وللجبل والمغارة دلالات واضحة جدًا، فالجبل، يشير إلى العظمة وسمو القوة الروحية، بينما المغارة تشير إلى الثبات والاستقرار في الفضيلة. لأنه مكتوب عن الرجال الصالحين ما يأتى: ” السالك بالحق والمتكلم بالاستقامة الراذل مكسب المظالم، النافض يديه من قبض الرشوة، الذي يسد أذنيه عن سمع الدماء ويُغمض عينيه عن النظر إلى الشر، هو في الأعالى يسكن. حصون الصخور ملجأه. يُعطى خبزه ومياهه مأمونة[19]. ويمكننا أن نفسر هذا الكلام بطريقة أخرى، بمعنى أن الصخرة هي المسيح، بسبب أن طبيعته الإلهية تقوّم طبيعتنا، فهو كلِّى القدرة وغير قابل للتغيير. بينما الحصن يمكن أن يُفسر روحيًا ويعنى الكنيسة، إذ هي غطاء للأنقياء حيث يسكن الأبرار والذين يخافون دينونة النار.

بلاديوس: إن حديثنا ـ يا صديقى ـ هو حسنٌ جدًا، غير إنى أريد أن نتقدم فى البحث مستشهدين ببراهين أخرى على ما تقول، لأنه فى معرفة المرء كيف يحب بلا حدود، لهو أمر نافع جدًا ويستحق كل جهد وتقدير.

كيرلس: بالحقيقة أنت تتكلم، يا بلاديوس، كما يليق، لأن كلامك هو ثمرة ذهن محب للتعلّم، وبالحديث معك، سوف ننتصر على التردد ولا أكون مترددًا فى ألاّ أمارس الصمت معك، فالحديث معك بمثل هذه الأمور المشرقة والمحببة، أفضل من الصمت. وهنا يلزمنا أن نقول إنه يجب على المرء أن يبتعد نهائيًا وبكافة الطرق وعلى قدر طاقته، عن الدناءات وكل ما يتصل بها. وهذا هو الطريق نحو الارتقاء للفضيلة، وليس هناك طريق آخر. ويمكننا أن ندرك هذا بدون مشقة، لو وجهنا أعين الذهن ـ باهتمام شديد ـ إلى تلك الأمور التي حدثت مع ابرآم العظيم، والأمور التي حدثت مع الإسرائيليين فى خروجهم من تحت نير المصريين وتكسير قيودهم.

بلاديوس: تحدّث إذن بالتفصيل وأنت تعرف كم ستسعدنى، لو فعلت ذلك؟!

كيرلس: لقد قلنا إذن، إن ابرآم العظيم الذي كان يعاني من الجوع غير المحتمل، ومن غياب ضروريات الحياة فى ذلك الوقت، لم ينزل بإرادته، لكنه فعل ذلك مضطرًا أمام هذه الضروريات، وبينما كان فى ضيافة أُمة أخرى، فعل به فرعون شرًا، بظلم وألم، إذ أراد فرعون أن يفتن امرأة إبراهيم لتسقط فى شهوة الأعمال الدنيئة، مشتعلاً بمحبة اللذة المنحلة. لكن الله لم يسمح بذلك. لأنه مكتوب ” فضرب الرب فرعون وبيته ضربات عظيمة بسبب ساراى امرأة ابرآم[20]. إن فرعون هو مثال ورمز للاندفاع الشيطانى الذي كان لديه هدفًا شريرًا ويسعى لتنفيذه بكل الطرق.

          إنه يلقى بذاره الشريرة فى نفوس القديسين، حتى يجنوا كل الثمار المشتهاة وما تجلبه عليهم لذاتهم ـ هكذا أظن أن أهوال الخطية تتحقق بطرق كثيرة ـ فيقبض الشيطان على كل واحد ويخضعه رغم إرادته إلى مقاصده الشريرة. الطبيعة البشرية مصابة بعلة الضعف، لكن الله لا يسمح بهذا بل هو يبطل كل حيل ودسائس الشرير التي يصنعها ضد القديسين. وهكذا أبطل الله مكائد الشيطان عن ابرآم وتجنب بذلك الإهانات الشيطانية إذ فى رجوعه من مصر (برهن أنه قديس) وذهب إلى المكان الذي قد أعطاه له الرب وأسند له فيه أعمالاً هامة. لأن الكتاب يقول “ فصعد ابرآم من مصر هو وامرأته وكل ما كان له ولوط معه إلى الجنوب. وكان ابرآم غنيًا جدًا فى المواشى والفضة والذهب. وسار فى رحلاته من الجنوب إلى بيت إيل. إلى المكان الذي كانت خيمته فيه فى البداءة بين بيت إيل وعاى. إلى مكان المذبح الذي عمله هناك أولاً. ودعا هناك ابرآم باسم الرب[21]. هل أدركت إذن أنه من الضرورى لمن يهرب من شهوات العالم إلى الحياة المقدسة، أن يأخذ معه كل ما له؟ لأنه بكل العائلة والأهل ـ وسأُضيف وبكل المؤن ـ رحل عن مصر أبو الآباء ابرآم. أى يجب بكل الطرق أن يبتعد المرء بإرادته مع كل عائلته وينتقل إلى الصحراء أى إلى حالة روحية طاهرة بدون مضايقات، ينتقل إلى تلك الحالة التي كانت فيها الطبيعة البشرية منذ البداية قبل سقوطها، وأغلق عليها لتُحرم من الخيرات السماوية فاتجهت نحو الشر. هذا يمكن أن يُفسر رمزيًا بنزول ابرآم إلى أمم أخرى، أى من الأرض والخيمة الأولى المحبوبة جدًا، حيث كان المذبح. وهكذا فى المسيرة الدائمة إلى الأمام، إلى أن نصل إلى أرض وموضع المذبح الذي تعين فى البداية، أى إلى حالة القداسة الأولى، وهناك نتضرع إلى إله الكل، مكررين كلمة النبى ” يارب نحن لا نعرف آخر سواك. أسمك القدوس هو الذي دُعى علينا[22].

بلاديوس: لقد تحدثت حسنًا جدًا.

كيرلس: لو فحصت جيدًا كل ما صار لأبناء إسرائيل عبر الزمان، عندما استحوذ المصريون عليهم بسبب معاناتهم من الجوع فى البداية، هؤلاء المنحدرون من نسل القديسين الأحرار، وضعوهم تحت نير العبودية المُرة، متعاملين معهم بوحشية، إذ يصف هذه القسوة هكذا: ” ثم قام ملك جديد على مصر لم يكن يعرف يوسف. فقال لشعبه هوذا بنو إسرائيل شعب أكثر وأعظم منا. هلم نحتال لهم لئلا ينموا فيكون إذ حدثت حرب أنهم ينضمون إلى أعدائنا ويحاربوننا ويصعدون من الأرض[23]. لقد تضايق ـ على ما اعتقد ـ رئيس مصر، من أن أولئك الذين وُضعت عليهم قيود إجبارية، قد اختاروا طريق الحرية، (لذلك تُقرأ) ” فجعلوا عليهم رؤساء تسخير لكي يذلوهم بأثقالهم، فبنوا لفرعون مدينتى مخازن فيثوم ورعمسيس[24]. فتحمل بنو إسرائيل نتائج إفراط المصريين فى حب الاستعباد: من عذابات لا تنتهي فى عمل الطوب، وقطع الأحجار، ­­­­­­­­­­­­­­­وبناء مدن بحوائط وأبراج، واستصلاح الأراضى، وعرق متواصل فى إنهاء عمل بعد آخر، وكل هذا كان يتم بدون أجر. إذ كان رؤساء تلك العصور يُخضِعون هذه النفوس المقهورة بأعمال الطين والحجارة من مبانى وأسوار، لقد عذبوهم بإجبارهم على ذلك فى عبودية مُرة وبدون مقابل (لأنه هكذا تكون أعمال الجسد وكل ما يتصل به)، أجبروهم إذن على قبول حياة قاسية ومليئة بالعناء، والتي لا تُقدم بأي حال أى نفع للمرغمين على أن ممارستها.

          والحقيقة ماذا تنفعنا الأعمال الجسدية وشهوات نفوسنا الضعيفة؟ إن فعلنا هذا سوف نعطى مكاسب لإبليس والشياطين، إذ يكون لهم غنى وفخر، مثلما كان لفرعون تمامًا، الذي اِعتقد أنه مجد عظيم له أن يبنى الإسرائيليون المدن بدون اجر أو قوت، وفى هذا كانوا مجبرين على تحمل هذه الحالة.

بلاديوس: إن حديثك هو فى الحقيقة، شيق جدًا.

70 الثلاثة يشيرون إلى الآب والابن والروح القدس، والملاكان يشيران إلى الآب والابن.

71 تك17:19

72 ا تيمو22:5

73 مت 26:19

74 لو62:9

75 إرميا10:48

76 1 كو 24:9

77 مز 10:46

78 أيوب 4:38

79 أنظر كولوسى 2:3

80 تك18:19ـ23

81 أم 7:16

82 أنظر أفسس 13:4

83 اكو 1:7،6،7

84 أنظر تك21:19ـ23

85 تك26:19

86 أنظر مت 13:5

87 تك30:19

88 أش 15:33ـ16

89 تك17:12.

90 تك1:13ـ4.

91 إش15:26.

92 خر8:1 ـ10.

93 خر11:1.

المقالة1 ج5 – السجود والعبادة بالروح والحق ج1 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة1 ج4 – السجود والعبادة بالروح والحق ج1 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة1 ج4 – السجود والعبادة بالروح والحق ج1 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة1 ج4 – السجود والعبادة ج1 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

 

السجود والعبادة بالروح والحق

تابع المقالة الأولى

حول “سقوط الإنسان وأسره في الخطية وعن دعوته وعن رجوعه بالتوبة وعن ارتفاعه إلى الحياة الفُضلى”

 

كيرلس: تمامًا، فكما أن التلوث يصيب كل من النفس والجسد، هكذا فإن التطهير سيكون شيئًا سهلاً لكل من النفس والجسد أيضًا. أما كون حب الحياة العالمية هو غريب بالنسبة لهؤلاء الأتقياء الذين يشعرون بغربتهم تجاهه، فمن المفيد لهم أن لا يواجهوا هذا الحب برخاوة. ولو طلب أحد مثالاً، فليأخذ إبراهيم مثالاً لهذا الأمر، إذ قال الله له: ” اذهب من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت أبيك إلى الأرض التي أُريك. فأجعلك أمة عظيمة وأباركك وأعظم اسمك. وتكون بركة وأبارك مباركيك ولاعنك ألعنه. وتتبارك فيك جميع قبائل الأرض[1]. أفهمت إنه لم يأمره بأن يرحل عن الأرض والوطن فقط ولكن عن أهله وعشيرته وعن بيت أبيه، ويذهب إلى الأرض التي سوف يريه إياها؟

بلاديوس: لكن ماذا يعنى هذا؟

كيرلس: وأيضًا بعد كل ما سبق إيضاحه، هل سيكون غير واضح أن الله عندما يدعو أناسًا لكي يتبعوه روحيًا، يريد أن يبعدهم عن حياة العالم، وأيضًا بعيدًا عن حياة الملذات وحُب الجسد، هؤلاء أراد الله أن يكرمهم، فهل هناك شئ أفضل من هذا؟ فليتصاغر إذًا أمام عيوننا، الوطن والعشيرة والبيت العائلى والتكالب على الخيرات الأرضية. لذلك قد دعانا مخلصنا نفسه أن نُظهر صلابة مماثلة قائلاً: ” مَن أحب أبًا أو أمًا أكثر منى فلا يستحقنى ومَن أحب ابنًا أو ابنة أكثر منى فلا يستحقنى. ومَن لا يأخذ صليبه ويتبعنى فلا يستحقنى[2]ويضيف قائلاً: ” وكل مَن ترك بيوتًا وإخوة أو أخوات أو أبًا أو أمًا أو امرأة أو أولادًا أو حقولاً من أجل اسمي يأخذ مئة ضعف ويرث الحياة الأبدية [3]. ألست تقبل أن هذا الأمر هو نتيجة فاعلية قوة المسيح، وليس نتيجة الصلابة الفائقة؟ وماذا تعتقد: هل حب الأب والأم والوطن أمر عديم النفع، بينما تبعية المسيح هو أمر واجب وضروري؟

بلاديوس: بالتأكيد أقبل هذا، طالما ابتعد أولئك عن الرجاء الحسن وعن نعمة المسيح، الذين دُعوا إلى الاحتفال بالعرس، إذ رفضوا الذهاب، فقد قال واحد من هؤلاء: ” تزوجت امرأة ولم أستطع أن آتى[4]، والآخر قال: ” اشتريت حقلاً[5]. وهكذا اُعتبرت الأمور الوقتية أسمى من الدعوة إلى العرس.

كيرلس: حسنًا يا بلاديوس، لقد أسعدتنى إذ تقول الصواب، بسبب عطشك للتعلم تتقدم كثيرًا وبنجاح في فهم مغزى كلامى. انتبه، فإن أولئك الذين يتبعون الله بكافة الطرق، واضعين الجسديات والاستمتاع العالمى (في مرتبة) بعد الرجاء في المسيح، هؤلاء سينالون التمتع بالنعم والبركات السماوية. واسمع ماذا يقول لابرآم؟ ” سأجعلك أمة عظيمة وسأباركك[6] معطيًا إياه كل ما يتعلق بهذا الوعد. أرأيت إذًا كم هو مقدار الخيرات الروحية المذخّرة له؟ أليس من الجدير أن نرى ونعرف بأى طريقة خرج إبرام من الأرض التي وُلد فيها؟ إذ يقول: ” فأخذ إبرام ساراي امرأته ولوط ابن أخيه وكل مقتنياتهما التي اقتنيا والنفوس التي امتلكا في حاران. وخرجوا ليذهبوا إلى أرض كنعان. فأتو إلى أرض كنعان. واجتاز إبرام في الأرض إلى مكان شكيم إلى بلوطة مورة. وكان الكنعانيون حينئذِِ في الأرض[7]. لقد خرج من حاران دون أن يترك أى أثر خلفه، ومعه كل عشيرته وأهل بيته. انتقل مستعدًا ومُجهزًا للرحيل إلى أرض كنعان التي أراها الله له. ثم بعد ذلك اخترق الأرض بطولها وأتى إلى أرض جبلية عالية. وهكذا فإن مَن أراد أن يتبع التعاليم الإلهية بإيمان ويكون مستحقًا للدعوة السماوية، متمتعًا بعناية الله الفائقة، فليخرج تمامًا من حياة الملذات العالمية، كأنه يخرج مع كل عشيرته دون أن يترك أية بقية من الاهتمام الذي كان لديه من قبل. إذ بهذه الطريقة يكون هروبه هروبًا حسنًا، إذ قد دُعى من الله. وكما كتب بولس الطوباوى، يمكنه أن يدرك، مع كل القديسين ما هو العرض والطول والعلو والعمق لسر المسيح. وعندئذِِ سيُسرع جدًا نحو الأرض العالية المرتفعة أى المؤسسة على الفضائل، إذ لا شئ يسقطها في محبة الجسد. ولكن عندما وصل أبرام إلى هذا المكان ماذا وجد من صالحات؟ هذا سنعرفه من نفس الكتب المقدسة لأنه يقول: “وظهر الرب لإبرام وقال لنسلك أعطى هذه الأرض، فبنى هناك مذبحًا للرب الذي ظهر له[8]. أى كان في وطنه، أُعطِىَ له الأمر النافع الوحيد، أنه يجب أن ينتقل إلى أرض أخرى، مهاجرًا من وطنه. لكن عندما وصل إلى أرض كنعان ومعه كل عائلته واحتياجاته، وصعد إلى الأرض المقدسة، أُعطيت له نعمة الرؤية الإلهية وثقة الرجاء في الحرية الثابتة، ثم التصريح له بعد ذلك ببناء مذبح.

ونحن أيضًا وللسبب نفسه، سوف لا يكون لنا أية نعمة من الله لو بقينا داخل العالم وفي ملذاته المقززة. أما عندما نُدعى من الله ونطيع الأوامر الإلهية، صاعدين كأنما إلى أرض عالية إلى الشوق والرغبة في كل صلاح، يضع الله داخلنا معرفة المجد ذاته الذي له، ويعدنا بالرجاء الثابت. هكذا يجعل ذهننا مهيئًا لكي نستطيع أن نقدم ذبائح روحية[9]، ونصير رائحة المسيح الذكية لله الآب بحسب المكتوب[10]، وهكذا نقدم له جسدنا ذبيحة حية ومرضية إلى الله، العبادة العقلية والروحية لأنه يقبل بفرح كل صور عبادتنا الروحية معتبرًا إياها ذبائح روحية[11].

بلاديوس: إذًا يجب أن ننتقل إلى حياة أفضل تاركين الحياة السيئة، ونقبل الدعوة السماوية بفرح فائق على قدر ما نستطيع، لتتميم كل ما هو مُكَرَّم في الناموس، لأنه سيكون من الخطأ تمامًا، أن نسعى ونسلك نحو السماويات ثم نعود ثانيةً إلى الأمور الشريرة المعتادة.

كيرلس: بالتأكيد يا صديقى، لأنه رهيب جدًا أن يخضع المرء ثانيةً بإرادته للمرض الذي تخلص منه. لأن أولئك الذين ابتعدوا مرة سيتعرضون للخطر بمجرد التفاتهم نحو هذه الحياة، متذكرين ثانية أخطاءهم فيها ومحولين أذهانهم إلى تلك الأمور التي كانوا يحبونها من قبل. لذلك يتوسل صاحب المزمور قائلاً: “حوّل عينىّ عن النظر إلى الباطل وفي طريقك أحينى [12]. وفي الحقيقة إن التمسك بشدة بشكل من أشكال هذه الحياة وأيضًا الاستمتاع بالأمور الوقتية هو أمر باطل، ويجب أن نكون منفصلين عنه ونتجنبه، ومَن اتخذ قرارًا بالفعل للسلوك في الطريق المستقيم ـ الأمر الذي يستطيع المرء أن يتعلمه ـ عليه أن يتجنب شهوة الأمور العالمية حتى ولو بالذهن.

بلاديوس: مِن مَن، تريد أن تقول؟

كيرلس: إن سكان سدوم وهم منجرفون بعنف جنونى نحو الملذات الغير طبيعية، قد أهانوا ناموس الجماع (التزاوج) الذي حددته الطبيعة كطريقة لإنجاب البنين، وصاروا منجذبين إلى جمال الصبيان. وبعملهم هذا، أتظن أن هناك أمر غير شرعى لم يفعلوه؟ لقد جلبوا الغضب على أنفسهم، وبطريقة ما دفعوا الخالق لكي يُسرع في إدانتهم، بالرغم من كونه بالطبع محبًا للبشر. إذًا عندما جاءت اللحظة التي كان يجب أن يعاقبوا فيها، بعدما صبر الله عليهم صبرًا عظيمًا، دخل إلى سدوم أولئك الذين كُلّفوا أن يتمموا مهمة العقاب. إذ هو مكتوب: ” فجاء الملاكان إلى سدوم مساءً وكان لوط جالسًا في باب سدوم. فلما رآهما لوط قام لاستقبالهما وسجد بوجهه إلى الأرض. وقال يا سيدىَّ ميلا إلى بيت عبدكما وبيتا واغسلا أرجلكما. ثم تبكران وتذهبان في طريقكما. وقالا لا بل في الساحة نبيت، فألح عليهما جدًا. فمالا إليه ودخلا بيته فصنع لهما ضيافة خبزًا وفطيرًا فأكلا [13]. ونجد أن لوط الذي كان قريب إبراهيم، وقد تغذى بالنواميس السليمة، قد تمم ـ بغيرة عظيمة ـ واجب التقوى نحو الله، ومع أنه سكن في سدوم، كان بالنسبة لهم غريبًا، فهو من حيث المولد من أم أخرى، وأيضًا هو مختلف عنهم من حيث أسلوب الحياة. وفق ما قد كُتب: ” أى شركة للنور مع الظلمة.. وأى نصيب للمؤمن مع غير المؤمن [14]. لقد تغلب لوط على عيوب ذلك المكان الذي كانت تسري فيه حياة العالم المعتادة، وأعطى مثالاً لحفظ ناموس إضافة الغرباء، إذ أكرم الكل، واستقبل وهو في مدخل المدينة أولئك الذين قدموا نحوه متيقنًا أن الله سَيُسرّ بعمله هذا. إذًا عندما أتى الملاكان، اللذين جاءا لعقاب أولئك الذين كانوا يمارسون الإباحية مثل الكلب المسعور، خرج مسرعًا لاستقبالهم، معبّرًا بذلك بكل وضوح عن المودة التي بداخله، إذ قد سجد أمامهم حتى الأرض، ودعاهم للذهاب إلى البيت حتى يعتنى بهما وفق نواميس المحبة. وعندما قالا له: ” لا في هذه الساحة نبيت “. أفصحا بهذا أنهما كانا غرباء بلا مأوى وبهذا شجعا لوط لاستضافتهما. وبذلك أعلنا أيضًا وبطريقة حسنة أنه لا يجب أن يتركهما طالما لم يكن لديهما مأوى، بل كانا فى العراء. هذا ما قد فهمه هذا البار، ولأجل ذلك، تمّسك بدعوته لهما وبإلحاح، ولم يجد مبررًا لرفضهما وما أبدياه من نية عدم الاستعداد للمبيت. أخذهما إذًا إلى بيته، وقدم لهما فطيرًا وأعد مائدة لكي يأكلا ويشربا. هذا بالتأكيد ما فعله البار، لكن أهل سدوم الذين طغت عليهم اللا إنسانية واللذة المقززة، أخذوا يحومون ـ برغبات دنيئة ـ حول بيت البار، متجاوزين أقصى حدود الشر، إذا طلبوا السماح لهم بأن يفعلوا معهما حسب عاداتهم الشريرة. وبينما كان يجب أن يختاروا فضيلة محبة الغرباء، أرادوا أن يفعلوا بهما شرًا بسفاهة تتخطى الحدود الطبيعية. وإذ حاول لوط أن يثنيهم عن مقاصدهم البشعة، أرادوا أن يجردوه ويقتلوه فورًا، لولا أنه كان هناك مَن أنقذه. لأنه مكتوب ” فقالوا أبعد إلى هناك. ثم قالوا جاء هذا الإنسان ليتغرب وهو يحكم حكمًا. الآن نفعل بك شرًا أكثر منهما. فألحوا على الرجل لوط جدًا وتقدموا ليكسروا الباب. فمد الرجلان أيديهما وأدخلا لوطًا إليهما إلى البيت وأغلقا الباب. وأما الرجال الذين على باب البيت فضرباهم بالعمى من الصغير إلى الكبير فعجزوا عن أن يجدوا الباب [15]. غير أن مساعدتهما له لم تقتصر فقط على هذا لأنه مكتوب بعد ذلك “ ولمّا طلع الفجر كان الملاكان يُعجلان لوطًا قائلين قُم خُذ امرأتك وابنتيك الموجودتين لئلا تهلك بإثم المدينة ولما توانى أمسك الرجلان بيده وبيد امرأته وبيد ابنتيه لشفقة الرب عليه وأخرجاه ووضعاه خارج المدينة [16]. وما حدث هو دليل واضح جدًا لك، إذ أن الله لا يشجعنا بالكلام فقط. وعندما نتوسل إليه لكي نتجنب الخطية، فإن مخلص الجميع يصل إلى هذه الدرجة من الجود والطيبة والكرم تجاهنا، لدرجة أنه يُعطينا يده الممدودة إلينا حسب ما تقول الآية ” ولكنى دائمًا معك. أمسكت بيدى اليُمنى[17]. أى بسبب أن الطبيعة الإنسانية ليست قوية بالكفاية ولا تملك قدرات كافية تمكنها من أن تتجنب الشر، إلاّ أن الله قد صار شريكًا معها في الجهاد. ونرى أنه يمنحنا نعمة مزدوجة، ويحاول أن يقنع النفس بالشرائع ويمهد لها الطرق التي تساعدها، مانحًا إياها المقدرة على الانتصار على الشر الذي يعطلها ويميتها. وسترى أن هذا الأمر هو أمر واقعي إذ أن أولئك العاملين بالبر، هم قليلون، وأن الرجال الصالحين نادرون في هذه الحياة. لأنه مكتوب ” أما الرجل الأمين فمن يجده[18]. لكن هذا الإنسان الأمين هو مختار وجدير بكل رعاية. وبالرغم من أنه يحيا داخل العالم مع الآخرين، لكنه لا يُصاب بضرر من هذا العالم. فهو يُختطف من داخل الأشواك مثل السوسن. وبحسب شهادة القديسين فإن البار لا يمكن أن يهلك مع الأثمة.

بلاديوس: بناء على ذلك، فإن الله يشفق علينا، والملائكة والقديسون يُسرعون نحونا. وسوف نتخلص من شهواتنا الدنيئة، وسوف ننجح ولن نقع أسرى لانتقام الأشرار بأى حال من الأحوال، إذ نؤمن بالله الذي ينادى بفم نبيه

لأني أنا الرب إلهك الممسك بيمينك القائل لك لا تخف أنا أعينك. لا تخف يا دودة يعقوب يا شرذمة إسرائيل أنا أعينك يقول الرب وفاديك قدوس إسرائيل[19].

51 تك1:12ـ3

52 مت37:1ـ38

53 مت 29:19

54 لو 20:14

55 مت 18:19

56 تك2:12

57 تك5:12ـ6

58 تك7:12

59 1بط 5:3

60 2كو 15:2

61 رو1:12

62 مز 37:139

63 تك1:19ـ4

64 2كو 14:6ـ15

65 تك9:19ـ11

66 تك15:19ـ16

67 مز 23:73

68 أمثال 6:20

69 أش 13:41ـ14

 

المقالة1 ج4 – السجود والعبادة ج1 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة1 ج3 – السجود والعبادة بالروح والحق ج1 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة1 ج3 – السجود والعبادة بالروح والحق ج1 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة1 ج3 – السجود والعبادة بالروح والحق ج1 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

السجود والعبادة بالروح والحق

تابع المقالة الأولى

حول “سقوط الإنسان وأسره في الخطية وعن دعوته وعن رجوعه بالتوبة وعن ارتفاعه إلى الحياة الفُضلى”

بلاديوس: إذن، عندما نهمل وصايا الله الواجبة ونصير أسرى للخطية، نلقى السبب على الله، ونشتكى من غضبه، وندّعى أنه بسبب هذا الغضب أخطأنا؟

كيرلس: بالطبع سوف لا نلقى بالسبب على الله، لأن هذا سيكون غير منطقي. لكن عندما نقول ” أنت سخطت إذ أخطأنا ” نقصد أنه إن لم يشملنا عطف الرب فلن يكون أمام الخطية أي عائق يمنعها عن تعذيبنا، وذلك بسبب ضعف طبيعتنا، مما يقود إلى سيادة الشر علينا.

بلاديوس: لقد فهمت ماذا تعنى.

كيرلس: إذن عندما لا نهتم بأنفسنا، وفي نفس الوقت تغيب عنا الرحمة السماوية ونُعاقب من أجل جهلنا، وانحصارنا التام في الوضاعة، ألاّ يتضح أننا سقماء وضعفاء؟ لأنه أي مرض من هذه الأمراض لا نعاني منه؟ وتستطيع أن ترى ذلك بسهولة وأنت تقرأ كلمات إرميا النبى. فإن شعب اليهود المتوحش، حينما أسرف بكثرة وافتخر بمكانته عند الله، وانتصر على أعدائه ووصل في النهاية إلى درجة عُظمى من المجد البشرى، فإنه عصى الله جدًا. وبالرغم من ادعائهم بأنهم قد صاروا أقوياء بوصايا موسى، إلا أن تقديرهم للناموس وصل إلى أدنى حد، مسلّمين أنفسهم بغريزة جامحة للهلاك والدمار. فقد بنوا ـ أسفل شجر الظلال ـ مذابح، وأسسوا هياكل للشياطين داخل حديقة مزروعة من الأشجار، مدّعين أن هذه الأمكنة تستحق التكريم، بتقديم ذبائح حيوانية وبخور معتبرين أنها تستطيع أن تخلصهم. وأي من هذه الأمور المزيفة التي نتكلم عنها، لا تسبب الخجل؟! وإذ انحدروا إلى مثل هذه الدرجة من الجهل، فإنهم اعتبروا الذبائح (المضادة لله)، فخرًا لهم أمام أولادهم، ظانين أنهم بذلك يقدمون ذبائح ثمينة. غير أن عدم تقوى الإسرائيليين لم يتوقف هنا. بل تمادوا باستمرار في تهوراتهم هذه، بانزلاقاتهم المضلة نحو الأمور الغير معقولة. ولذا فإن موسى المملوء بالصلاح قد غضب عليهم. إذن بسبب محاولاتهم المارقة للتحرر من عبوديتهم لله فأنه جعل الأعداء يتفوقون عليهم ويقودونهم إلى أسر لا مناص منه، أعنى أسر البابليين والكلدانيين. فقد أتى هؤلاء من وطنهم لكي يستعبدونهم ثانيةً. وحين أشعلوا المدينة المقدسة خطر على بال المحاربين منهم أن يسألوا النبي إرميا: أين سينتهي هذا الشر الذي يحدث، فقال لهما إرميا: ” هكذا تقولان لصدقيا. هكذا قال الرب إله إسرائيل. هاأنذا أرد أدوات الحرب التي بيدكم التي أنتم محاربون بها ملك بابل والكلدانيين الذين يحاصرونكم خارج السور وأجمعهم في وسط هذه المدينة. وأنا أحاربكم بيد ممدودة وبذراع شديدة وبغضب وحمو وغيظ عظيم. وأضرب سكان هذه المدينة الناس والبهائم معًا، بوبأ عظيم يموتون[1]. بعد ذلك يقول: ” وتقول لهذا الشعب. هكذا قال الرب. هاأنذا أجعل أمامكم طريق الحياة وطريق الموت. الذي يقيم في هذه المدينة يموت بالسيف والجوع والوباء والذي يخرج ويسقط إلى الكلدانيين الذين يحاصرونكم يحيا وتصير نفسه له غنيمة. لإني قد جعلت وجهي على هذه المدينة للشر لا للخير يقول الرب، ليد ملك بابل تدفع فيحرقها بالنار[2]. فهل أدركت إذًا، إننا عندما نُحزن الله، بمحبتنا للمجد الباطل لا نستطيع الوقوف في مواجهة قوة الأعداء العاتية، وطالما أن الغضب الإلهي يُحاصرنا، سنصير عبيدًا بدلاً من أن نكون أحرارًا، وسنعيش حياة محتقرة بلا مجد.

بلاديوس: أنت تتكلم بالصواب.

كيرلس: إن ناموس الله يقود الإنسان المطيع إلى طريق الحياة بلا لوم، إذ يصير الناموس له نورًا، إذ يُظهر الأمور المثمرة والضرورية ويحفظه في التقوى. ويعيش ـ على ما أعتقد ـ بطريقة مَرْضية، وكأنه يسكن في مدينة مقدسة، في ثبات الفضيلة وفي يقين التقوى. لكن من يُفضّل حياة التهور، ويندفع إلى ملذات العالم ومسراته، وينغمس فيها بكل شهوته ومقدمًا كل كيانه للشياطين، عندئذِ ستتركه العناية السماوية ويصير صيدًا سهلاً لأولئك الذين يريدون اقتناصه. وهكذا، إذ يصير مطرودًا من المدينة المقدسة أي من فضيلته الأولى، منقادًا كأمر لا مفر منه، لإرادة هؤلاء الأقوياء. وستتركه العناية الإلهية، متحملاً الرحيل إلى بابل، أي بعيدًا عن حدود المدينة المقدسة التي يمجد فيها اسم الله. لذلك كل مَن عانى هذا المصير القاسي، كان يصرخ صرخات عظيمة، لأنه سقط في أيدي الأعداء. ولم يتحمل الحياة بالقرب منهم، إذ كانت حياة عبيد: ” على أنهار بابل هناك جلسنا بكينا أيضًا عندما تذكرنا صهيون[3]. وأعتقد ـ بالحق ـ أن العقل البشرى يعاني مثل هذا الأمر.

بلاديوس: ماذا تقصد؟

كيرلس: مع أن الإنسان يميل دائمًا للكسل، مع رغبته المستمرة في طلب الخيرات التي في متناول يديه، إلاّ أنه لا يرغب كثيرًا في تلك الأمور التي يمكن أن تستعبده. ولكن إن حدث أن جذبته أي من تلك الأمور وهُزم من بريقها، فإنه سيشعر تلقائيًا بالمعاناة مما كان يجب عليه أن يقاومه بكل قوة، حتى لو افترضنا أنه أثناء مقاومة هذا الهجوم لم تكن له الخبرة العملية في هذا الأمر.

بلاديوس: هذا حقيقي.

كيرلس: إذًا هو أمر ضرورى ومثال للحكمة، ومن الأمور الأكثر فاعلية، أن تُمنَع بالحري دوافع الشر، وكل ما يؤدى إلى تلك العبودية المسيطرة، ونحاول أن نَصُدّ في الحال كل هذه الأمور التي إن سقطنا فيها، فسوف تحاصرنا كل أنواع الشرور.

بلاديوس: هذا صحيح.

كيرلس: ولو لم يكن نير العبودية القاسي قد وُضع علينا كغضب من الله (على عصياننا)، ولم يكن ذهننا لديه أية خبرة، لما كان من السهل (في هذه الحالة) أن يكون لنا قدرة على المقاومة. وكان من المفيد، أن يكون لنا ـ ولو في ذاكرتنا فقط ـ هذا التساؤل: ما هي الحالة التي كنا عليها، وإلى أي حالة تحولنا، ولكننا سنحزن بمرارة لعدم تيقظنا وغياب المعونة السماوية ” لأن الحزن الذي بحسب مشيئة الله ينشئ توبة لخلاص بلا ندامة وأما حزن العالم فينشئ موتًا[4]. لكن ابتعاد الغضب الإلهي عنا، وعند امتلاك زمامنا وإرادتنا مميزين بين الاتجاهين أي بين الشر أو الصلاح، وذلك في حرية إرادة بغير إجبار على الإطلاق. لذلك يجب علينا أن نتحاشى بكل شجاعة حياة الترف كما يجب، وأن يستمر رفضنا للملّذات التي يغرينا بها الأعداء، وبالتالى سنهرب من قبضة أولئك الذين يقولون إنهم رؤساء هذا العالم. أما من يتمسك بأمور هذا العالم الحاضر فإنه سينتهي حتمًا إلى نهاية رديئة وسيئة.

بلاديوس: كيف تقول هذا؟

كيرلس: أتريد أن ندعم حديثنا بأمثلة من القدماء؟

بلاديوس: نعم ويا حبذا.

كيرلس: عندما عانى سكان الأرض من الجوع كما هو مكتوب، فكر أبناء يعقوب في النزول إلى مصر، كان عددهم عشرة شباب وكان هدفهم شراء طعام فقط. فبعد وصولهم إلى أرض مصر، تعرفوا على أخيهم (يوسف): كان يوسف حينئذٍِ هو المسئول عن الأطعمة ومدبرًا لمصر. وعندما علم فرعون ذلك قال ليوسف ” قُل لاخوتك افعلوا هذا: حمّلوا دوابكم وانطلقوا واذهبوا إلى أرض كنعان. وخذوا أباكم وبيوتكم وتعالوا إلىَّ فأعطيكم خيرات أرض مصر وتأكلوا دسم الأرض. فأنت قد أمرت. افعلوا هذا، خذوا لكم من أرض مصر عجلات لأولادكم ونسائكم واحملوا أباكم وتعالوا. ولا تحزن عيونكم على أثاثكم لأن خيرات جميع أرض مصر لكم[5]. لقد وعدهم رئيس مصر بالراحة والخيرات العظيمة الوفيرة. لقد منحهم مركبات، جاعلاً بذلك النزول إلى مصر أمرًا جذابًا حتى للمترددين منهم. فنزل هؤلاء فورًا بكل عائلاتهم مفضّلين الاستمتاع الوقتي بالأطعمة على الوطن والأرض التي منحها الله لهم. لأنه بالتأكيد كان من الأفضل أن تُستغل تلك الأرض بدلاً من الحصول على خيرات من أرض مصر بمشقة قليلة. وعند وصولهم إلى مصر، ظنوا أنهم سوف يتخلصون من متاعب الوطن، لذا كانت سعادتهم فقط في التمتع بالمباهج الوقتية. وبمرور الوقت ومع المعاناة من العبودية، بدأت هذه الجماعة النبيلة الحرة منذ القِدم، أن تتأوه تحت هذا النير. إذًا، إن كانت الرفاهية الدنيوية سوف تقودك إلى السيئات فيجب عليك أن تتجنبها يا صديقي، إذ أن الحياة في الحرية تتوقف على اختيارنا، بينما العبودية لها متاعبها في العمل والسلوك.

بلاديوس: لقد أحسنت القول.

كيرلس: أشكرك، لكن علينا أن نتحدث ـ بجانب كل ما ذكرته ـ عن ذلك، الذي يبدو لى ذو فائدة عظيمة.

بلاديوس: تُرى ما هو؟

كيرلس: إن ربشاقي البابلي، جندي الأشوريين، قاد جماعة جنود لا تحصى، وذهب لكي يحاصر المدينة المقدسة، متوقعًا أنه بسهولة سوف يحرق المدينة من أساسها، وقبل أن يستخدم أسلحته عاب في الذات الإلهية كما اعتاد دائمًا، وهذا أمر معتاد بالنسبة له. وأعلن للمرة الأخيرة لسكان المدينة المقدسة: كل هذه الأمور يقولها ملك الأشوريين ” اعقدوا معى صلحًا واخرجوا إلىّ وكلوا كل واحد من جفنته وكل واحد من تينته واشربوا كل واحد ماء بئره. حتى آتى وآخذكم (كل واحد) ليرى أرضًا كأرضكم، أرض حنطة وخمر، أرض خبز وكروم أرض زيتون وعسل، واحيوا ولا تموتوا ولا تسمعوا لحزقيا لأنه يغركم قائلاً الرب ينقذنا[6]. لاحظ أنه يعد بالملاطفة في المعاملة والتمتع بالكرم والتين ويضيف ” وستشربون ماء من بئركم “.

بلاديوس: لكن لو فحصنا هذه الأمور بالمفهوم الروحى، ماذا تعنى بالنسبة لنا؟

كيرلس: أعتقد أن قوة الشر تتمكن منا بطريقتين. إما بالملذات الخارجية، أو بالغرائز المغروسة فينا. المتساهلون مع الخطية مقتنعون بها من ذواتهم. أما الذين تغويهم من الخارج، فإنهم ينقادون إلى المتعة ويُقبض عليهم منزلقين إلى أمور أكثر سوء. وعن ذلك يتحدث تلميذ المخلص حين يقول:

          ” لأن كل ما في العالم شهوة الجسد وشهوة العيون وتعظم المعيشة ليس من الآب بل من العالم[7] وبسبب أن شهوة الجسد هي فطرية ومتجذرة داخلنا ودائمة، لهذا فإن بولس العظيم يسميها ناموس الخطية[8]، الذي يسكن في أعضائنا.. أما شهوة العيون فهي المباهج والملذات الخارجية وكل ما يُرى بالعين. أي أن الناس تُعجب بالغنى الذي تراه بالعيون والملابس الحسنة والأشياء الأخرى التي يتمسك بها البعض، بسبب جلبها للسرور العظيم المزيف الذي يهتمون به اهتمامًا كبيرًا. لذلك فإن أوراق الكرمة والتين هي مثال للمباهج الخارجية والمكتسبة والاستمتاع بكل الأشياء التي في العالم، وهي تعطى بطبيعتها دليلاً قاطعًا أنها لذة وقتية وقصيرة الأجل. والأمر الذي يبدو حلوًا، يصاحبه أمر آخر يجلب عادةً ظلمة للنفس. ذلك لأن الاستمتاع بالعالم ـ عمومًا ـ يكون له مذاق وقتى حلو، لكنه يُخيم بظلامه المخيف وسطوته المُميتة على النفس التي تمارسه. “المنبع” ـ في هذا النص ـ يشير إلى غرائزنا وأهوائنا الداخلية، التي لا تحدث من الخارج، مثل شهوة العين، لكنها تصدر من داخلنا، وتنساب من جسدنا نفسه. إذًا الأهواء الجسدية والأهواء التي تأتى من الخارج، تجلبان علينا حروب القوات الشريرة، وذلك بمشاركتنا الإرادية لها والاستمتاع بها. وعلى ذلك، فلو هجرنا فضيلة ضبط النفس والتي هي كالمدينة المقدسة وذهبنا إلى ربشاقى ملك بابل الذي وعدهم بالسعادة لهم، وهو مثالٌ للشيطان، الذي يعد بإعطاء السعادة أيضًا، لسقطنا حتمًا في العبودية، مثل أولئك الذين رفضوا التفكير بطريقة حسنة، وأدركوا أن اختيار الشهوات العالمية سيتبعه على كل حال سقوط في تلك العبودية الحتمية، وبالتالى البقاء في زمرة المُستعبدين.

بلاديوس: أنت أصبت. لكن ما هو الحل المقبول؟ أجبني بوضوح بقدر ما تستطيع.

كيرلس: هل هناك حل آخر سوى ذاك الحل المغاير للأول؟ لأننا إذ قد انزلقنا إلى شهوة الحياة الرذيلة بميل إرادتنا الخاصة، واضعين جانبًا كرامة المدينة التي بلا لوم، وسقطنا في الذهن المُبتذل والمُستعبد، واضعين أفكارنا في الأرضيات فقط، وملتصقين بالكامل بملذات الجسد، فإن الله قد سمح بالسقوط وأسلمنا إلى ذهن مرفوض.

بلاديوس: بناء على ذلك فإنه من الضرورى أن نرجع ثانية إلى الفضيلة.

كيرلس: بدون إبطاء يا صديقي، ولا نشتهي بعد حياة العالم، كما قال بولس الرسول: ” لأنكم مُتم وحياتكم مستترة مع المسيح في الله[9]. لأننا متعطشون لكتابة أسمائنا في السماء، جاعلين وطننا ومدينتنا في السماوات، صارخين بقوة إلى الله ” لا تعاقبني لإني غريب في الأرض مثل كل آبائى[10]. لأن ذاك الذي يعيش هنا على الأرض وله مدينة ذات بهاء في السموات، يبدو غريبًا ونزيلاً بالنسبة لأهل العالم. لذلك فإن تلميذ المخلص بطرس يعلمنا بأن نسلك هكذا في هذا الأمر، إذ يقول لنا ” أيها الأحباء أطلب إليكم كغرباء ونزلاء أن تمتنعوا عن الشهوات الجسدية التي تحارب النفس[11].

بلاديوس: بالتالي، إن مثل هذا النوع من الاستعداد كافٍِ لاقتناء الفضيلة، أعنى صد الشهوات الجسدية.

كيرلس: نعم، إن كان هذا الاستعداد يُكتسب بالحكمة والعمل الروحى. لأنه مكتوب ” أما وصيتك فواسعة جدًا[12]. لذا فإني أتصور أنه كان باستطاعتي أن أتحدث في الأمور التي تطهر النفس والجسد، بدلاً من تلك الأمور التي تلوثهما، وذلك بنفس القوة والفاعلية.

بلاديوس: بالصواب تتكلم.

39 إرميا 3:21ـ6

40 إرميا8:21ـ10

41 مز 1:136

42 2كو 10:7

43 تك17:45ـ20

44 2ملوك 31:18ـ32

45 1يو16:2

46 رو 23:7

47 كو3:3

48 أنظر مز 14:38ـ15

49 1بط 11:2

50 مز96:119

المقالة1 ج3 – السجود والعبادة بالروح والحق ج1 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة1 ج2 – السجود والعبادة بالروح والحق ج1 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة1 ج2 – السجود والعبادة بالروح والحق ج1 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة1 ج2 – السجود والعبادة بالروح والحق ج1 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

 

السجود والعبادة بالروح والحق

تابع المقالة الأولى

حول “سقوط الإنسان وأسره في الخطية وعن دعوته وعن رجوعه بالتوبة وعن ارتفاعه إلى الحياة الفُضلى”

 

بلاديوس: هكذا هو الأمر بالفعل.

كيرلس: كانت الحاجة إذن، إلى التربية باستخدام أسلوب الأمثال، إذ كانوا أطفالاً، ولكي أشرح لك ما أقصده أشير إلى إنهم كانوا في احتياج إلى طعام أكثر ليونة، وليس إلى الكلمة التي تُوجّههم نحو الكمال والتي تقودهم نحو النضوج. هكذا كان الإسرائيليون عديمي الرؤية متساهلين تجاه أية شهوة. لأنه لو فحصت سلوكياتهم ومحاولاتهم للوصول للكمال، بأي معيار، سوف نجدهم غير مستحقين ولا حتى للظلال. هذا ما قد أظهره موسى. لأنه، حينما صعد موسى إلى الجبل بأمر الله، ليستلم الناموس، انجرفوا مباشرًة نحو العصيان وصنعوا عجلاً متجرئين في تعاسة ليقولوا: ” هذه آلهتك يا إسرائيل التي أصعدتك من أرض مصر[1]. بسبب هذه التجاوزات الخطيرة، غضب موسى وكسر لوحىّ الشريعة وأدانهم. هؤلاء الذين لهم عقل ضال لا يستحقون ولا حتى لظلال أو أمثلة، ولا لأية تربية من قِبل الله. فهم قد نسوا المعجزات الكثيرة التي صنعتها القوة الإلهية لأجلهم، وتذكروا العبادة الوثنية في مصر ونسبوا تقواهم إلى العجل. ووقتذاك سُطر الناموس بيد الله للأقدمين على ألواح حجرية كما هو مكتوب، وهذه الأمور كانت مثالاً لكل ما يحدث لنا نحن الذين نؤمن بالمسيح. كأن الله قد كتب داخلنا معرفة إرادته بواسطة الابن بنعمة الروح. لأنه هكذا يدعوه على فم داود قائلاً: ” لساني قلم كاتب ماهر[2] أي أن قلم الآب، أي الابن قد كتب داخل قلوب الجميع معرفة كل صلاح، وذلك بأصبع الله وبواسطة روح الآب، وقد دُعى روح الله ” أُصبع ” قائلاً: ” إن كنت بروح الله أخرج الشياطين [3]، وفي مكان آخر ” إن كنت بأصبع الله أخرج الشياطين[4]. وقد دعانا بولس في رسالته الروحية قائلاً: ” أنتم رسالتنا مكتوبة في قلوبنا معروفة ومقروءة من جميع الناس. ظاهرين أنكم رسالة المسيح مخدومة منا مكتوبة لا بحبر بل بروح الله الحي. لا في ألواح حجرية بل في ألواح قلب لحمية [5].

بلاديوس: أوافق بالتأكيد على أن كل ما يخص الناموس هو نماذج وظلال. فلنكمل حديثنا إذًا، ولندرك بالتفصيل وبكل دقة كل ما قد شُرّع في شكل مثال، ودعنا نفحص بحرص شديد كل جانب من جوانب هذه الحقيقة البديعة، لأنه حينئذِِ فقط سيزول كل غموض حول أسرار العبادة الروحية.

كيرلس: ولكنى أصرح لك يا صديقي المتفكر في هذه الأمور، أنه قد تملكني خوف بالغ، وإني أتردد كثيرًا جدًا تجاه هذا العمل، لإني أعتقد أنه لن تكون هذه الأمور السامية مفهومة لدينا إذ هي تفوق أفكار البشر. ويجب علينا ونحن نُفسر مفاهيم الناموس العميقة، أن نقول ” مَن هو حكيم حتى يفهم هذه الأمور وفهيم حتى يعرفها [6].

بلاديوس: يا عزيزى، هذا العمل ليس سهلاً، لكن المسيح يقول: ” اسألوا تعطوا. اطلبوا تجدوا اقرعوا يفتح لكم “[7].

كيرلس: إذن دعنا نلتزم بما قلناه، ونتقدم لنفحص كل هذه الأمور التي تفيدنا، وقبل كل شيء فلنوجه صلاتنا نحو الله قائلين: ” اكشف عن عينى فأرى عجائب من شريعتك [8]. ولنبدأ حديثنا أولاً بأن نتكلم عن انحراف الإنسان وسقوطه في الخطية، وعبوديته وأسره بواسطة عدو الخير، وكيف كان هذا وبأية طريقة تمت هذه الأمور، ممن كانوا قبلنا، وكيف تسللت إلينا. ختامًا يجب أن نتساءل كيف يمكن أن نبتعد عن الشر، حتى يتحرر كاهلنا من نير العبودية ونصعد ثانية إلى رتبتنا الأولى، ونتمتع بخلاص الله وقوته. لأن حديثنا بهذه الطريقة المناسبة سيساعدنا فيما سنتحدث عنه بعد ذلك.

بلاديوس: حسنًا تفكر.

كيرلس: إذن، لكي نستطيع أن نثمر لله ونقدم ذبائح روحية، بمعنى أن نجاهد بشجاعة ونشتهي حياة الفضيلة، وهذا بالتأكيد لا يمكن أن يتوافق مع أولئك الذين لم يتخلصوا بعد من العبودية والانسياق إلى الشهوات، لكنه يتوافق مع هؤلاء الذين حلّقت عقولهم نحو الحرية، ورفضوا حيل الشيطان وخداعه.

بلاديوس: أتفق معك إذ أنك تفكر بالصواب.

كيرلس: إذن فقد قبلنا، أن الإنسان منذ البداية، قد خُلق وفكره يسمو فوق الخطايا والشهوات، لكنه لم يكن مُحصنًا تمامًا من الانحراف في اختياراته. لأن الخالق الأعظم للجميع، قد رأي حسنًا أن يترك الإنسان لإرادته المستنيرة ويسمح له أن يعمل ما يفكر فيه، وذلك بدافع نفسه فقط. بمعنى أن الفضيلة كان يجب أن تُتمم اختياريًا وليس كأمر إجباري، وأيضًا ألا تكون الفضيلة موجودة بدون تغيير في صفات الطبيعة البشرية، لأن الثبات خاصية الجوهر الإلهي الذي هو فوق الكل ويفوق كل الأشياء. فالله قد خلق الإنسان ذلك الكائن الحي بطبيعة خاصة به كإنسان، مانحًا إياه غنى التشبه به. إذ قد رُسمت في الطبيعة البشرية صورة الطبيعة الإلهية بنفخة الروح القدس. وحيث إن الله هو الحياة ـ بحسب الطبيعة ـ لذلك فهو يعطى نسمة الحياة.

بلاديوس: إذن، بناء على ذلك فإن نفس الإنسان قد صارت روحًا إلهية!!

كيرلس: ألا يكون التفكير بهذه الطريقة غير منطقي بالمرة؟! لأنه حسب هذا التفكير ستكون النفس غير متغيرة، والواقع أنها متغيرة، ومن المؤكد أن الروح لا يتغير. وإذا كانت النفس قابلة للتغيير، فحينئذ سيوّجه الاتهام بالتغيير إلى الطبيعة الإلهية نفسها، لأن الروح هو من طبيعة الله الآب والابن وواحد معهما في الجوهر، وهو يُعطى من الآب بالابن. وبالتالى فإنه من غير الصواب أن يعتقد المرء أن الروح قد تغير إلى نفس، ووُضِع في طبيعة الإنسان. على العكس فإن نفس الإنسان قد أخذت قوة فائقة الوصف وزُينت من أول لحظة بعطية الروح. فأنه لا توجد طريقة أخرى نستطيع بها أن نكتسب جمال الصورة الإلهية.

بلاديوس: حسنًا تتكلم.

كيرلس: طالما أن الله قد زين الإنسان الذي خلقه بهذه الطريقة، فقد منحه القدرة أن يعيش في الفردوس. لكن بسبب أنه كان يليق لهذا الإنسان المُزين والمتوج بالخيرات السماوية الوفيرة أن لا يُترك فيُخدع بسهولة ويسقط في الكبرياء، متجاهلاً أسلوب الخضوع للأوامر، وأنه يوجد ضابط للعبيد (لأن السهولة الكبيرة في اقتناء المجد أو الحرية بلا ضابط تقود نحو شهوة الكبرياء الملعونة)، لذلك أُعطى (للإنسان) قانون ضبط النفس (الإمساك) كوسيلة أمان، حتى لا يُقاد إلى تجاهل السيد، ويكون مدعوًا دائمًا لتذكر ذاك الذي أعطاه الوصايا، كسيد له، هكذا يعرف بكل وضوح أنه كان خاضعًا لنواميس سيده. لكن لم يهدأ ذاك الوحش الشرير والمحارب لله.

بلاديوس: أظن أنك تقصد الشيطان الذي سقط كالبرق من أعلى السموات[9]، لأنه اختار التفكير الطفولي إذ أراد أن يكون إلهًا، وتخيل أنه كان يملك كل ما هو فوق طبيعته.

كيرلس: بالصواب تكلمت. لأنه في الحقيقة، إذ هو مُبتدع وأب للخطية والفساد، لم يرد أن يترك الإنسان بلا منغصات، ساعيًا فيما بعد بتغريرات وحيل ليدفعه نحو العصيان، مستخدمًا في خداعه المرأة كأداة له، وهو دائمًا يدفعنا نحو الخطية، واللذات التي تصاحبنا وتسكن في داخلنا، والتي من بينها لذة اشتهاء المرأة. ومرات كثيرة يسرع العقل، بتأثير اللذات نحو الأمر الذي لا يريده. إذن فهذا الذي حدث مع آدم بطريقة مادية ومحسوسة، من الممكن أن يحدث ذهنيًا وبطريقة غير محسوسة مع كل واحد منا، حيث تظهر أمام العقل، الشهوة التي تبهره وتجذبه تدريجيًا نحو الاعتقاد بأن مخالفة الناموس ليست أمرًا خطيرًا على الإطلاق. ويؤكد على هذا تلميذ المسيح حين يقول:” لا يقل أحد إذا جُرب إني أُجرب من قِبل الله. لأن الله غير مُجرب بالشرور وهو لا يجرب أحدًا ولكن كل واحد يجرب إذا انجذب وانخدع من شهوته. ثم الشهوة إذا حبلت تلد خطية والخطية إذا كملت تنتج موتًا[10].

بلاديوس: وأنا أعتقد أن الافتقار لمواهب الله ليس هو شيء آخر إلا البعد عن كل صلاح. حيث يمكن أن تسقط الطبيعة البشرية بسهولة ويسر، في مرض الانحراف والأمور غير اللائقة، إن لم تسمو بالفضيلة وبنعمة مخلصها، وإن لم تهتم بالصالحات التي من السماء، وأيضًا بالصلاح الذي من داخل النفس ذاتها.

كيرلس: حسنًا تكلمت، وإني أتفق معك بالطبع فيما تقول. لأن الخبز الحى أي كلمة الله يشبعنا روحيًا. لأنه مكتوب ” الخبز الحى يسند قلب الإنسان [11]. هذا (الخبز) يُحررنا من العبودية والشهوات، ويُزين نفوسنا ببهاء الحرية. لكن لو أن الله كف يده أو توقف عن أن يمنحنا هذا الصلاح، فإننا بالضرورة سنسقط في الشرور غير المرغوبة، ونفتقر إلى الفضيلة، ونتحمل كل ما يقع على عاتقنا بسبب فعل كل ما هو ضد الفضيلة. ونصل لمثل هذه الدرجة من الشرور والطمع، لدرجة أننا نخاطر بفقدان الضمير الذي يعضدنا في اكتساب كل صلاح. ويتضح من ذلك أن قلب ذاك الذي سقط يكون فارغًا تمامًا من الحكمة الإلهية، ومُنقادًا إلى الهوان من قِبل الشيطان، ويخضع بسهولة لوضاعته وعصيانه.

بلاديوس: هل ستستعرض كيف حدث كل هذا؟ أم سوف تترك هذه الأمور تتأرجح وسط أفكار هائمة. لإني سوف أعطى الدليل وبقدر الاستطاعة، من خلال كل ما حدث للأقدمين وأعرضه بشكل مفهوم. وذلك سيحدث لأن كل ما ستتعرض له بالتأمل الدقيق من أمور هامة محسوسة ومنظورة، سيصبح بالنسبة لنا صورًا صافية وواضحة. إذ أنه مكتوب عن أبينا إبراهيم “ وحدث جوع في الأرض. فانحدر أبرام إلى مصر ليتغرب هناك، لأن الجوع في الأرض كان شديدًا[12]. إبراهيم ترك أرضه المحبوبة والمولود فيها، وهاجر إلى أخرى أظهرها له الله. لأنه يقول “ اذهب من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت أبيك إلى الأرض التي أريك[13]. وعندما تفاقم الجوع مسببًا أضرارًا، وكان من المستحيل أن يتجنبه، اضطر بدون إرادته، أن يذهب إلى مصر. ولم يذهب إلى هناك ليسكن على الدوام، لكن ذهب إليها كغريب.

بلاديوس: لكن ما معنى هذا؟

كيرلس: هذا الحدث يُعبّر بطريقة رائعة عن الأمور غير الواضحة.

بلاديوس: بأية طريقة؟

كيرلس: لقد اشتكى الله عصيان اليهود قائلاً: ” هوذا أيام تأتى يقول السيد الرب أرسل جوعًا في الأرض لا جوعًا للخبز ولا عطشًا للماء بل لاستماع كلمات الرب. فيجولون من بحر إلى بحر ومن الشمال إلى المشرق يتطوحون ليطلبوا كلمة الرب فلا يجدونها[14].

إذن يا صديقي، هل هؤلاء الذين عانوا من مثل هذا الجوع، وفقدوا نعمة الحياة في الفضيلة وليس لديهم أطعمة من السماء، من فوق، إذ يضطرون أن يُغّيروا طريقة تفكيرهم إلى نوع من الترحال والتجوال، حيث اللهث وراء السيئات، وإبعاد الذهن بطريقة ما عن الثبات على الدوام في الفضيلة، إذ ينحدر (الذهن) إلى نية وإرادة أخرى لا تخضع لله، لكن لإرادة الشيطان؟ لإني أعتقد ـ وهذا ما يستطيع المرء أن يدركه ـ أن فرعون رئيس المصريين هو صورة ومثال لأبو الخطية وملكها ـ الشيطان الذي هو أول مَن أدخلها إلى العالم. وهو لم يترك أية طريقة لم يستخدمها ليضلل بها الناس.

بلاديوس: وما هو الأمر الذي جلب الحزن لأبرام الطوباوى، من بداية وصوله في أرض مصر؟

كيرلس: لقد أحزنه أمر حزنًا شديدًا جدًا. عندما كان على وشك أن يتعرض لأعظم شر. يمكنك أن تعرف ذلك الأمر بسهولة من الكتاب المقدس الذي يقول: ” فحدث لمّا دخل ابرام إلى مصر أن المصريين رأوا المرأة أنها حسنة جدًا. ورآها رؤساء فرعون ومدحوها لدى فرعون فأُخذت المرأة إلى بيت فرعون[15]. انتبه إذن يا صديقي كيف أنه كان على وشك أن يفقد امرأته.

بلاديوس: أمر مؤسف حقًا ويجلب حزنًا عميقًا.

كيرلس: هذا يمكن أن يحدث لنا روحيًا. كما أنه يحدث لهؤلاء الذين يتركون مسكنهم وعالمهم المحبوب جدًا، وهكذا فإنهم ينحدرون إلى السيئات، خاضعين لإرادة الشيطان والقوات المضادة الشريرة التي تحاصرهم بالخوف من كل جانب وبكل طريقة، هكذا يبتعدون عن الفضيلة. ولو رأت هذه القوات الشيطانية شخصًا من الخاضعين لها لديه مفاهيم ثابتة وقوية، فإنها تحاول ربطه وقيده بأفكارهم، لكي يتكبل في شراكها، وبدلاً من أن يثمر لله يزرع حسكًا للشيطان. لأنه مكتوب “وطعامها مُسمن[16]، وكأنهم قد فتنوا عقل مَن صار أسيرًا لهم، ولذلك نراه ينزلق نحو هذه الأمور الشريرة، فلا يصبو بهمة نحو الحرية، ولا يحاول تحطيم قيود العبودية. أحيانًا أخرى يجلبون للبشر ملذات أرضية ويشبعونهم من كثرة الرغبات العديمة النفع، كما حدث تمامًا لأبرام الطوباوى مع رؤساء المصريين، الذين لاطفوه بكرم مقدمين له الهدايا، قاصدين أن يبعدوا عنه الحزن العظيم، بسبب فقده رفيقة حياته، إذ أنه واضح جدًا أن ما قدموه له كان بسبب سارة ” وصار له غنم وبقر وحمير وعبيد وإماء وأتن وجمال[17]. أي أن الشيطان يغرينا بالأمور الوقتية، ويحرمنا من حرية الثمر والتجديد، وبقوته الشريرة وجشعه وإباحيته ووضاعته يُغوى عقولنا ويخدعنا بالتمتع بالأرضيات. وقد وصل الشيطان لدرجة من الجنون حتى أنه جرب المسيح نفسه. لأنه يقول: ” ثم أصعده إبليس إلى جبل عالِِ وأراه جميع ممالك المسكونة في لحظة من الزمان. وقال له إبليس لك أعطى هذا السلطان كله ومجدهن لأنه إلىّ قد دفع وأنا أعطيه لمن أريد، فإن سجدت أمامى يكون لك الجميع [18].

بلاديوس: معك الحق، لكن أخبرنى من فضلك، هل يخرج مَن تحدث لهم مثل هذه الأمور، بفائدة ما؟

كيرلس: يا عزيزى إن نعمة الله لن تتخلى عن الذهن الذي يمرض بتأثير خداع الشيطان، لكنها تدافع عن ذاك الذي لا يستطيع الدفاع عن نفسه وتحرره. وهذا هو ما صار لأبى الآباء؛ أبرام. فعندما ضجّر البار، ولم يستطع أن يفعل شيئًا بالمرة، تدخل الله في الوسط وحرّر المرأة من إباحية المصريين لأنه يقول “ فضرب الرب فرعون وبيته ضربات عظيمة بسبب سارة امرأة إبراهيم [19]. وهكذا حفظ فورًا زوجة البار من الإهانة. وبالمثل فإن الله وحده يستطيع أن يُحرر الذهن من قبضة الشيطان، بعد أن كان الشيطان قد صيّره أسيرًا، ويرد الإنسان مرة أخرى إلى كرامته ورتبته الأولى.

بلاديوس: أي أننا عندما نُحرم من الخيرات السماوية، ننحدر مرات كثيرة إلى السيئات والأمور القبيحة.

كيرلس: هذا ما أراه أنا أيضًا.

بلاديوس: لكن على أي حال، فإن الله بمحبته للبشر، لا يتركنا نسقط في أي من هذه الأمور الشريرة.

كيرلس: يا صديقي إن الله بمحبته للبشر يريد هذا ويفعله. لأن صلاحه سيكون قليلاً، ومحبته للفضيلة لا تكون كثيرة، لو لم تكن هذه هي مبادرته لأجلنا. ونحن المُستعبدون لشهواتنا، نثير غضب الرب علينا، بسبب وجود فكر ضعيف في داخلنا. ألا تسمع ما نادى به بواسطة الأنبياء القديسين   ” لذلك هكذا قال الرب هاأنذا جاعل لهذا الشعب معثرات فيعثر بها الآباء والأبناء معًا. الجار وصاحبه يبيدان[20]. وبولس الحكيم أيضًا يقول: ” وكما لم يستحسنوا أن يبقوا الله في معرفتهم أسلمهم الله إلى ذهن مرفوض ليفعلوا ما لا يليق[21]. وهذا يقوله إشعياء العظيم بكل وضوح نائبًا عن الإسرائيليين، أي الذين انزلقوا في خطاياهم ” ها أنت سخطت إذ أخطأنا[22].

17 خر 4:32

18 مز 1:45

19 مت 27:12

20 لو 20:11

21 2كو 2:3ـ3

22 هوشع10:14

23 مت7:7

24 مز18:119

25 لو 18:10

26 يع 13:1ـ15

27 مز 15:104

28 تك10:12

29 تك1:12

30 عاموس11:8ـ12

31 تك14:12ـ15

32 حب16:1

33 تك16:12

34 لو5:4ـ7

35 تك17:12

36 إرميا 21:6

37 رو28:1

38 إش5:64

المقالة1 ج2 – السجود والعبادة ج1 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة1 ج1 – السجود والعبادة بالروح والحق ج1 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة1 ج1 – السجود والعبادة بالروح والحق ج1 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة1 ج1 – السجود والعبادة ج1 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

 

 

السجود والعبادة بالروح والحق

المقالة الأولى

حول “سقوط الإنسان وأسره في الخطية وعن دعوته وعن رجوعه بالتوبة وعن ارتفاعه إلى الحياة الفُضلى”

 

إلى أين تسير ومن أين أتيت، أسألك بالطبع وأعتبر أن السؤال غير ضرورى، لأنك ستقول بدون تردد إني أعرف ذلك جيدًا، وأنك أتيت من البيت إلى هنا. 

بلاديوس: هذا حقيقي.

كيرلس: ما هذا الكتاب الذي في يدك؟

بلاديوس: إنه الإنجيل، بحسب متى ويوحنا.

كيرلس: وأين تظن أنه يجب أن تذهب به ولمن؟ لأنك بالتأكيد لن تستطيع يا بلاديوس أن تدرسه خارج البيت، فالتعب والمشقة في القراءة تكون ممتعة في هدوء البيت.

بلاديوس: نعم. أتيت لكي أتحدث معك. وأحضرت لك الكتاب المقدس، لأنه بالرغم من إني أجهدت نفسي مرارًا، لم أفلح في أن أفهم جيدًا ما الذي يقصده ربنا يسوع المسيح بما يقوله في الإنجيل بحسب متى ” لا تظنوا إني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء. ما جئت لأنقض بل لأكمل. فإني الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل[1]

وهذا الذي يقوله للمرأة السامرية في إنجيل يوحنا: “ يا امرأة صدقيني إنه تأتى ساعة لا في هذا الجبل ولا في أورشليم تسجدون للآب. أنتم تسجدون لما لستم تعلمون. أما نحن فنسجد لما نعلم. لأن الخلاص هو من اليهود. ولكن تأتى ساعة وهي الآن حين الساجدون الحقيقيون يسجدون للآب بالروح والحق. لأن الآب طالب مثل هؤلاء الساجدين له. الله روح والذين يسجدون له فبالروح والحق ينبغى أن يسجدوا[2].

كيرلس: ما هو الذي يبدو لك صعبًا فيما ذكرت؟ وما هو الشيء الغامض وعسير الشرح فيه؟ أخبرنى.

بلاديوس: تأمرنا الكلمة المقدسة بأن نتحرر من العادات القديمة، ونكف عن أن نتبرر بالناموس. لقد قال بولس لهؤلاء الذين يريدون أن يتبرروا بالناموس بعد إيمانهم بالمسيح: ” قد تبطلتم عن المسيح أيها الذين تتبررون بالناموس سقطتم من النعمة. فإننا بالروح من الإيمان نتوقع رجاء بر [3]. وبينما يُظهر دوافع مُشّرفة وعظيمة من أجل الافتخار بالحياة وفق الناموس، لكنه يُقرر أيضًا ” ما كان لى ربحًا فهذا قد حسبته من أجل المسيح خسارة. بل إني أحسب كل شيء أيضًا خسارة من أجل فضل معرفة المسيح يسوع ربى الذي من أجله خسرت كل الأشياء وأنا أحسبها نفاية لكي أربح المسيح وأوجد فيه، وليس لى برى الذي من الناموس بل الذي بإيمان المسيح، البر الذي من الله بالإيمان[4].

ويؤكد بوضوح أن الوصية القديمة لم تكن بلا لوم. لذلك قد حلت الوصية الجديدة أي الإنجيلية محل الوصية القديمة لمنفعتنا بواسطة المسيح. وحسنًا يكتب الآتى: ” فإنه يصير إبطال الوصية السابقة من أجل ضعفها وعدم نفعها. إذ الناموس لم يُكمل شيئًا. ولكن يصير إدخال رجاء أفضل به نقترب إلى الله [5]. لأنه لو أن الوصية الأولى أعطيت لكمالنا لِمَا كانت هناك حاجة للثانية لأنه يقول ” فإنه لو كان ذلك الأول بلا عيب لما طُلب موضع لثانِِ. لأنه يقول لهم لائمًا هوذا أيام تأتى يقول الرب حين أُكمل مع بيت إسرائيل ومع بيت يهوذا عهدًا جديدًا. لا كالعهد الذي قطعته مع آبائهم يوم أمسكت بيدهم لأخرجهم من أرض مصر لأنهم لم يثبتوا في عهدي وأنا أهملتهم يقول الرب. لأن هذا هو العهد الذي أعهده مع بيت اسرائيل بعد تلك الأيام. يقول الرب أجعل نواميسي في أذهانهم وأكتبها على قلوبهم وأنا أكون لهم إلهًا وهم يكونون لى شعبًا[6]. وبولس يتأمل في كل هذا ويفسر بشكل خاص مفهوم العهد الجديد قائلاً: ” فإذ قال جديدًا عتّق الأول وأما ما عتق وشاخ فهو قريب من الاضمحلال[7].

إذن لو أن الناموس لم يقدِّم الكمال في أي شيء، وصار إبطال للوصية القديمة ودخول للثانية التي تقودنا إلى الاقتراب من الله، لماذا يقول المخلص “ لم آتِ لأنقض الناموس بل لأكمل ” وأنه ” يجب أن نعبد إلهنا وأبانا بالروح والحق”؟ هذا يعلن على ما أظن أنه يجب أن نهجر عادات الناموس وعبادته.

كيرلس: إنها تساؤلات متسعة كاتساع البحر. لأن أي عقل له القدرة على تحمل الرؤية بأكثر لمعانِِ، لدرجة أنه بجوار كل ما هو من القديم الذي أُعطى بواسطة الحكيم موسى، يُقدَّم لنا الكتاب الجديد كأخ وجار ومهتم بنفس الأمور، وأن الحياة (في المسيح) ليست منفصلة تمامًا عما جاء في الناموس، وذلك لو فُحِصَ الناموس بالمفهوم الروحى؟ لأن الناموس هو مثال وظلّ التقوى، والحقيقة فيه لا تزال في فترة المخاض، وجمال الحقيقة هذه مُخفي داخل الناموس. ربما ستقول إن الأمر ليس هكذا كما أقول؟

بلاديوس: هكذا بالضبط. لكن كيف يمكن أن يتضح هذا الأمر؟ أو كيف يمكن أن نعتقد أن مَن يسير حسب الوصية الإنجيلية يعتمد على الوصية القديمة، وأن الوصية الإنجيلية مكملة لكل ما حدده موسى؟

كيرلس: ليس من السهل افتراض هذا الأمر. فالفضيلة هي، على ما أعتقد، أمر متشعب جدًا ومتعدد الجوانب. ومفاخر الحياة المسيحية تُزين بعدد لا حصر له من الأعمال الصالحة. ولأجل ذلك طبعًا يضع داود العظيم في مزمور 44 بجوار المسيح ـ في مكان الملكة ـ الكنيسة كعذراء نقية ويُحوطها بزى مُوَّشى بالذهب قائلاً: ” جُعلت الملكة عن يمينك مزينة بذهب أوفير[8]. إن كلمة “بذهب” تعنى بكل وضوح، كرامتها وإشراقها، بينما كلمة “مزينة” تعنى كثرة جمال الفضيلة. فالكنيسة ذات جمال بالغ، ولديها زينة عقلية لا تُرى بالأعين الجسدية، بل تُرى بالعقل والقلب، وهي خفية عن اليهودي، بينما تظهر لنا نحن في جمال رائع وأصيل بلا حدود.

لأنه كما يكتب الطوباوى بولس: ” لأن اليهودى في الظاهر ليس هو يهوديًا ولا الختان الذي في الظاهر في اللحم ختانًا. بل اليهودى في الخفاء هو اليهودى وختان القلب بالروح لا بالكتاب هو الختان الذي مدحه ليس من الناس بل من الله [9].

بلاديوس: أخبرنى، طالما أُدخل الختان الروحى، وتغيرت الذبائح الناموسية ولن يكون لطريقة الحياة اليهودية أي مكان عندنا، ألا يبدو من المستحيل أن يقول المسيح ” لم آتى لأنقض الناموس بل لأُكمل“؟ لو لم تكن الأمور هكذا، أعتقد أنه سوف لا يعطلنا عن أن نمجد إله الكل بذبائح الثيران والتبخيرات، ونُقدم له يمام وحمام أو أي شيء آخر نعتقد أن الأقدمين قد فعلوه، لكي نفعله نحن أيضًا.

كيرلس: لكنك يا صديقي، قد ابتعدت كثيرًا عما يليق. لأنك تعتقد أن الناموس قد تغير، لدرجة أنه لم يعد لدينا أي منفعة منه، وأنه على أية حال ليست هناك أي منفعة من الأمور التي وضعها. ألا تعتقد أن الناموس قد تحول بالأحرى إلى إشارة نحو الحقيقة، مع أنه بالتأكيد قد كتب الطوباوى بولس ” أفنبطل الناموس بالإيمان حاشا. بل نثبت الناموس[10]. لأن الناموس هو مُربى ويقود بطريقة حسنة إلى سر المسيح. ونقول إن كل ما شرّعه موسى للأقدمين، ما هو إلا أساسيات بداءة أقوال الله. لكن لو أهملنا المربى، فمَن سيقودنا عندئذ إلى سر المسيح؟ ولو رفضنا أن نتعلم أساسيات بداءة أقوال الله، فكيف سيمكننا الاستمرار؟ أو كيف سنصل إلى الغاية؟ أفليس المسيح هو الذي يُكمل الناموس والأنبياء كما تقول الكتب؟

بلاديوس: نعم

كيرلس: بالفعل. فإنه مكتوب أنه هو مكمل الناموس والأنبياء لأن كل كلمة نبوية وناموسية تخصه وتشير إليه.

لقد قال (المسيح) وهو يتوسل إلى اليهود لأجل عصيانهم: ” لا تظنوا إني أشكوكم إلى الآب. يوجد الذي يشكوكم وهو موسى الذي عليه رجاؤكم. لأنكم لو كنتم تصدقون موسى لكنتم تصدقونني لأنه قد كتب عنى. فإن كنتم لستم تصدقون كتب ذاك فكيف تصدقون كلامى [11].

إذن يقول إنه لم يأتِ إطلاقًا لكي يشكو الناموس، بل بالحري لكي يُكَمله، فلا تُفكر أنه قد تمّ تغيير كامل للشرائع القديمة، بل على الأرجح قد تم تجديدها بطريقة ما. وأستطيع أن أقول هكذا، إنه حدث نقل لنماذج أو أمثلة (من العهد القديم) إلى الحقيقة أي من الظلال إلى الحقيقة.

بلاديوس: بالصواب تتكلم.

كيرلس: سأشرح لك ما كان يجب أن يصير بواسطة المسيح (بالمثال التالى). فأولئك الفنانين الذين يرسمون ويكتبون على الألواح، لا يكتبون مباشرًة بمجرد ما يبدأون الكتابة، بحيث يكون في شكل كامل وغير ناقص ومكتمل تمامًا. إنهم في البداية يخططون بشكل الرسم ولونه، بحيث يصبح ذا جودة فائقة، ويختارون المواضع التي تحتاج إلى ظلال معينة. وإلى أي الدرجات يجب أن تُبَين وتُوضَحْ حتى يصلوا إلى الشكل المطلوب، والأكثر مناسبة. وهكذا يصلون بنماذجهم إلى الشكل الذي نراه أخيرًا. وهو الأفضل بشكل لا يقارن عما كان في البداية. أليس كذلك؟

بلاديوس: نعم، إنه كذلك.

كيرلس: وهؤلاء أيضًا الذين يمارسون فن صنع التماثيل النحاسية، إن أرادوا صب النحاس السائل في قالب التمثال المعد لذلك، فإنهم يُصورون أولاً شكل التمثال على نموذج شمعي، ويصنع القالب على هذا النموذج، وبعد ذلك يُذيبون النحاس على النار ويسكبونه في القالب. وهكذا يضيفون لتحفتهم ـ بطريقة حسنة ـ كمالاً وجمالاً. وعندما يضيف الصانع الألوان المتنوعة فوق آثار الرسم، وأيضًا عند إحّلال النحاس محل النموذج الشمعي سيُظن في لحظة ما، أنه قد نُقِضَت وأُبطِلت الأشكال الأولى. لكن الأمر ليس كذلك. لأنه لو كان هذا الاعتقاد حقيقيًا، لقال الرسام والصانع إننا لم نلغِ آثار الكتابة، ولم نسئ إطلاقًا استخدام النماذج، لكن بالحري قد أكملناها. أي أن ما كان يبدو غير واضح وبدون جمال في الظلال والنماذج الأولى صار الآن أكثر روعةً ووضوحًا.

بلاديوس: بالصواب تتكلم.

كيرلس: ولو أراد أحد أن يفحص حقيقة الكتاب المقدس بالتفصيل، فإنه سيتأكد على أية حال أن ما أقوله صحيح. لأن موسى وضع برقعًا على وجهه، وذلك بحسب الكتاب لأن الإسرائيليون لم يستطيعوا أن ينظروا وجهه[12].

بلاديوس: إلى أي شيء يشير هذا؟

كيرلس: بسبب أفكار اليهود الغليظة، لم يفهموا إلا ظاهر الناموس الحرفي فقط، ولذا كان من المستحيل تمامًا أن يفهموا ويميزوا كل ما كان مستترًا داخل الناموس، أي الوجه الحقيقي لمعاني كلمات الناموس. لذلك يكتب القديس بولس: ” بل أغلظت أذهانهم لأنه حتى ذلك اليوم البرقع نفسه عند قراءة العهد العتيق باق غير منكشف الذي يُبطل في المسيح. لكن حتى اليوم حين يُقرأ موسى البرقع موضوع على قلبهم[13]. لكن دعنا نتوقف هنا عن الكلام في الأمور التي صارت لليهود.

(ويقول)” ونحن جميعًا ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف كما في مرآة نتغير إلى تلك الصورة عينها من مجد إلى مجد كما من الرب الروح[14]. هنا كلمة “الرب” تعنى “الروح”. فكما أن أولئك الذين ينظرون في مرآة ليشاهدوا صورة ونموذجًا للحقيقة، فإنهم سوف لا يستطيعون رؤية الحقيقة نفسها، على ما أعتقد. هكذا أيضًا، فإن كل مَن يرغب مشاهدة (صورة) جمال الحياة في المسيح عن طريق مرآة الناموس، سوف ينال هذا الذي يتمناه وذلك بطريقة حسنة. بمعنى أنه سوف يرى صورة الأشياء أو نموذجًا لها وفيها يعرف حقيقة الأشياء، وهكذا سوف يرى بكل وضوح هذا الذي يريده الله ويُسر به.

بلاديوس: لكن ما هو السبب الذي من أجله لم يُعطَ الجديد الإنجيلى من البداية للأقدمين، بل أعطى لهم في نماذج وظلال فقط؟

كيرلس: إن تمام التدبير وعلاقة هذه الظلال بالحقيقة الكاملة، هو أمر يليق بنا أن نتركه لله كُلِّى المعرفة، لكن الأفكار التي لا ينقصها مفاهيم صالحة، فإنها تقودنا إلى معرفة معتدلة أو إلى الاعتقاد بأننا نعرف سبب التدبير. إذًا يمكننا القول إن الذين تحرروا من أرض مصر، كانوا في أشد الحاجة إلى غذاء يناسب الأطفال. إذ كان لديهم ذهن غليظ وكان من السهل إغواؤهم إلى الضلال. فإنه من الصعب عيهم ترك محبة الجسد ومحوها تمامًا من هؤلاء المرضى بها. أيضًا أولئك المأسورين في شهواتهم من العسير عليهم تجنبها. وقد كان من المستحيل أيضًا أن ينالوا مباشرةً القدرة على الوصول إلى حياة الكمال، وأن يُفضلوا حياة مجيدة مُشرقة، وفائقة، إلى الحد الذي ينالون فيه مواطنة السماء، بينما هم يعيشون على الأرض، بحسب ما هو مكتوب[15]. أفليس الطعام القوى هو للكاملين أما اللبن فهو مناسب جدًا للأطفال؟![16]

1 مت 17:5ـ18

2 يو21:4ـ24

3 غلا4:5ـ5

4 فيلبى 7:3ـ9

5 عب 18:7ـ19

6 عب 7:8ـ10

7 عب 13:8

8 مز 9:45

9 رو 28:2ـ29

10 رو 31:3

11 يو45:5ـ47

12 أنظر خر33:34ـ35

13 1كو 14:3ـ15

14 في نص القديس كيرلس ” بواسطة الروح الذى هو الرب ” 2كو 18:3، 17

15 فيلبى 20:3

16 2عب 12:5ـ14

 

المقالة1 ج1 – السجود والعبادة ج1 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

Exit mobile version