هل يعمل الآب من خلال وسيط؟ ج1 – الحوار الرابع ج4 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

هل يعمل الآب من خلال وسيط؟ ج1 – الحوار الرابع ج4 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

هل يعمل الآب من خلال وسيط؟ ج1 – الحوار الرابع ج4 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

 

 

الحوار الرابع

في أن الابن غير مخلوق وغير مصنوع

 

هل يعمل الآب من خلال وسيط، وهكذا يصير هو نفسه معروفًا:

إرميا: وماذا لو قالوا إن إلوهه الآب وقوتّه السرمديّه هي التي تتضح من خلال أعماله العجيبة في خليقته؟.

 

كيرلس: هم أنفسهم يدينون أقوالهم هذه ويستطيع المرء أن يثبت بسهوله أن أقوالهم تتناقض مع أفكارهم.

 

إرميا: ماذا تقصد؟.

 

كيرلس: إنهم يحصرون قدرة الآب الخالقة في عملية خلق الابن ويقولون إن الآب أُظهر منذ أن خلق العالم، مع أن الكتاب المقدس ينسب خلق العالم للابن إذ هو مكتوب: بِكَلِمَةِ الرَّبِّ صُنِعَتِ السَّمَاوَاتُ وَبِنَسَمَةِ فَمِهِ كُلُّ جُنُودِهَا[1] إذن العالم يشهد أمامنا أن الكلمة هو خالقه كما أنه يوضّح قوّته وإلوهيته. لأننا ونحن نشاهد الخليقة، فإننا لا نُعجب بالكلمة خالق الكون على أنه مخلوق لكننا نكّرمه ونُعلّيه جدًا وهكذا فإننا نعبر عن تقوانا بطريقه سليمة، مؤمنين أن الابن الوحيد هو الله حسب الطبيعة وأنه قد أتي من الله. لأنه بهذا فقط سننكر الاتهام بأننا نوجد في ضلال وسنبعده عن أذهاننا وسننجو من العقاب الذي يشير إليه المطوّب بولس بقوله: لِذَلِكَ أَسْلَمَهُمُ اللهُ أَيْضاً فِي شَهَوَاتِ قُلُوبِهِمْ إِلَى النَّجَاسَةِ لإِهَانَةِ أَجْسَادِهِمْ بَيْنَ ذَوَاتِهِمِ. الَّذِينَ اسْتَبْدَلُوا حَقَّ اللهِ بِالْكَذِبِ وَاتَّقَوْا وَعَبَدُوا الْمَخْلُوقَ دُونَ الْخَالِقِ الَّذِي هُوَ مُبَارَكٌ إِلَى الأَبَدِ. آمِينَ[2]، أي هؤلاء الذين يسلكون بطرق معوّجه ويستبدلّون الحق بالباطل عابدين الخليقة دون من هو بطبيعته الله. وهكذا صار الذهن غير مختبر وسقط باندفاع في هذا الفكر الخاطئ فضللّنا نحن أيضًا مع الوثنين عابدين الطبيعة المخلوقة، بمعني أننا عبدنا الابن- الذي هو بحسب ما يقول هؤلاء- مخلوق. وأليس كل ما هو صائر من العدم هو مخلوق؟!.

 

إرميا: بالتأكيد

 

كيرلس: انتبه إذن يا أرميا كيف أن أفكارهم مليئة بالحماقات. لأن الكتاب المقدّس يذكر أن الأمم عرفوا إلهًا حيًا وحقيقيًا وبالإيمان فُتنوا بالابن، بينما وصل هؤلاء إلى مثل هذه الدرجة من حماقة الأفكار حتى أنهم لم يخجلوا بالمرّة عندما ينسبوا له هذه الصغائر ويقولون إنه مخلوق. لأنه قد كُتب عن أولئك الذين تبعوا الرسل بأنهم هم أنفسهم: يُخْبِرُونَ عَنَّا أَيُّ دُخُولٍ كَانَ لَنَا إِلَيْكُمْ، وَكَيْفَ رَجَعْتُمْ إِلَى اللهِ مِنَ الأَوْثَانِ لِتَعْبُدُوا اللهَ الْحَيَّ الْحَقِيقِيَّ[3]. فطالما أن ما تفعله العبادات الوثنية هو أمر شائن ومُخجل إذ يعبدون الخلائق (دون الخالق) وطالما أن الأمم قد رجعوا إلى عباده الإله الحيّ وآمنوا باسم الربّ يسوع وعادوا إلى السجود للابن مع الآب، فكيف مازال من الممكن اعتبار أن الابن مخلوق؟ أو أن الإيمان هو بلا فائدة أو أن اعتقادنا نحن في الله هو كاذب مع أنه بالتأكيد يُقال أننا قد تركنا الضلالات القديمة؟.

 

إرميا: بالفعل يُقال هذا، لأن الأمم قد رجعوا إلي الله الآب الحقيقي والحيّ.

 

كيرلس: وكيف كانت طريقة عودتنا إلى الله؟ أو كيف يقدر البعض أن يعودوا بطريقه حسنه وصحيحة وبدون ضلال إلى الربّ الحيّ الحقيقي، دون أن يعترفوا بأن عباده الخليقة هو أمر باطل؟.

إرميا: أعتقد أنه عن طريق الإيمان لأنه يقول”الذي مِثَالهُ يُخَلّصِنَا نحن الآن أي المعمودية لا إزاله وسخ الجسد، بل سؤال ضمير صالح عن الله بقيامة يسوع المسيح”[4].

 

كيرلس: إن هذا هو قول حق، أنما أريدك أن تجاوبني. هل الإيمان هذا معناه أن نؤمن بالآب والابن والروح القدس؟[5]

 

إرميا: نعم.

 

كيرلس: إذن هل يستطيعون من يريدوا أن يحفظوا إيمانهم ثابتًا ونقيًا وحرًا من أي شائبه، أن يؤمنوا بالله والخليقة في نفس الوقت، أم هل يستطيعوا أن يؤمنوا بالله جاعلين الابن مع الآب لأنه هو مساوٍ له في الجوهر؟

 

إرميا: يستطيعون هؤلاء أن يؤمنوا بإله واحد بمعني طبيعه إلهيه واحده مدركين بالطبع أنهم لن يحيدوا عن الطريق طالما أنهم لم يخلطوا طبيعة الله بالطبيعة المخلوقة.

 

كيرلس: هؤلاء إذن يوافقون على أن الإيمان بالابن هو الإيمان بالله الحيّ والحقيقي وهذا يتضّح وبدون مشقّه عندما نسمع الابن وهو يقول: أَنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ فَآمِنُوا بِي[6]. وهذا ليس معناه أن يؤمنوا بالخليقة والله معًا، بل على العكس فلأن الابن هو من نفس جوهر الآب لهذا فإن الإيمان هنا هو إيمان بالطبيعة الإلهية الواحده. وفي موضع آخر يقول: الَّذِي يُؤْمِنُ بِي لَيْسَ يُؤْمِنُ بِي بَلْ بِالَّذِي أَرْسَلَنِي[7] لآن الإيمان بالابن لا ينفصل عن الإيمان بالآب بل أن الإيمان بالابن هو الذي يقود المؤمن الحقيقي- عن طريق الابن- إلى الآب الذي وَلَده. كما أنه يمكنكِ بسهوله أن تعلم أن من كانوا قبلاً وثنييّن قد اعترفوا بالمسيح وسجدوا له، وذلك عندما تسمع بولس الرسول وهو يقول: “لِذَلِكَ اذْكُرُوا أَنَّكُمْ أَنْتُمُ الأُمَمُ قَبْلاً فِي الْجَسَدِ، الْمَدْعُوِّينَ غُرْلَةً مِنَ الْمَدْعُوِّ خِتَاناً مَصْنُوعاً بِالْيَدِ فِي الْجَسَدِ، أنَّكُمْ كُنْتُمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بِدُونِ مَسِيحٍ، أَجْنَبِيِّينَ عَنْ رَعَوِيَّةِ إِسْرَائِيلَ، وَغُرَبَاءَ عَنْ عُهُودِ الْمَوْعِدِ، لاَ رَجَاءَ لَكُمْ وَبِلاَ إِلَهٍ فِي الْعَالَمِ[8]. إذن يمكن أن نفهم أن الأمم الذين كانوا يعيشوا بدون المسيح كانوا بعدين عن مَنْ هو بطبيعته الله، محرومين بذلك من الحقيقة لأنهم كانوا بلا إله في العالم. لكنهم عندما عرفوا الابن بالإيمان، وعندما اُستعلن للعالم الرجاء الصالح، وتطهّروا من ضلالات الإلحاد وابتعدوا عنها.

 

إرميا: بالصواب تتكلّم.

 

كيرلس: إذن الابن هو الله الحقيقي، لأنه هكذا ستبقي ولادتنا الجديدة بالمعمودية المقدسة، ولادة أصيله وبلا أي شائبه.

 

إرميا: وماذا يعني هذا؟ لأني لم أفهم ما قلت.

 

كيرلس: ألم نُولَد روحيًا[9] يا صديقي آخذين صورة ابنه وتشكّلنا حسب بهاءه الإلهي عن طريق الروح القدس فصرنا شركاء الطبيعة الإلهية، بنسبنا للابن الذي هو الله؟.

 

إرميا: بالطبع.

 

كيرلس: إذن كيف يكون الابن مخلوقًا؟ (وقد أتمّ كل هذا فينا)، لأنه إن لم يكن الابن هو مَنْ تؤمن به أنه من الله كيف لا يكون سرّ (المعمودية) مبنيًا على رَجاء باطل وفكر عقليّ فقط وسيكون في الواقع مجردّ خيال وخداع؟ فأي ختم الهي سنكون قد خُتمنا به في داخلنا حتى ولو كنا أخذنا شكل الابن إن لم يكن الابن بحق هو الله وليس مخلوق؟

والآن يجب عليك أن تؤمن أيضًا بأن الله الآب نفسه هو خالق لأن الصورة لابد وأن تشبه الأصل. أو جاوبني على هذا الأمر لأنني سوف أسألك: ألا توافقني على أن الطبيعة الإلهية- وفي أي صورة يمكن أن تدركها أنت- لا يمكن أن تقارن بالطبيعة المخلوقة وهي مختلفة عنها تمامًا وأنها لا تشابه بأي صورة من الصور أي من المخلوقات؟.

 

إرميا: أتفق معك تمامًا لأنه كيف لا تعلو طبيعة الله عن طبيعة أي مخلوق؟

 

كيرلس: وبالتالي فكلّ من لدّيه عقل سوف لا يقبل بأن تكون الطبيعة غير المخلوقه وغير المصنوعة هي صورة لأي طبيعة مخلوقه. أو حتى يمكنه أن يقبل أن يكون داخل مَنْ هو كائن في كل مكان ومَنْ هو بغير تغييّر، طبيعة أخري كانت غير موجودة وخُلِقتَ فيما بعد؟.

 

إرميا: بالصواب تتكلّم.

 

كيرلس: وأعتقد أيضًا أن العكس صحيح. بمعني أنه لا يمكن في داخل الشيء الذي لم يكن كائن دائمًا[10]، أن يوجد الشيء الذي هو دائم الوجود وغير المتغيّر[11].

 

إرميا: هذا حق.

 

كيرلس: إذن ما هو الأمر المستحق لكل أعجاب أكثر من أننا في داخلنا قد تشكّلنا حسب صورة الابن؟ وأين سطع الجمال الإلهى داخل نفوس أولئك الذين آمنوا كشيء غير معتاد بل وغريب؟ فبالتأكيد يوجد تشابه تام بين أحد الخلائق والخلائق الآخرى، وأن هذا التشابه لا يأتيهم من خارجهم بل تفرحنه قوانين الطبيعة، وعليه فإن كل الخليقة الباقية كانت تشبه دائمًا الابن الذي هو- حسب اعتقادهم- من بين المخلوقات. وبالتالي فأي بهاء قد تشكّل في نفوسنا بواسطة الروح القدس؟ لأنه سيتضح أن ما قد وُهب لنا كان بدون هدف لأننا إن لم تكن من حصلنا عليه (بواسطة الروح القدس) كانه سيكون في داخلنا حسب طبيعتنا وقد حصلنا عليه من ذواتنا وبدون أن نأخذه من آخر. غير أن هذا سيناقض كل ما هو سليم ومنطقي. لأننا نحن أي كل الذين آمنا صرنا شركاء الطبيعة الإلهية وذلك عن طريق علاقتنا بالابن بواسطة الروح القدس وهذا حدث ليس بطريقه ظاهرية بل بطريقه حقيقية، إذ عندما قبلنا هذا الصورة الإلهية فقد أعيدّت خلقتنا حسب هذا البهاء الذي يفوق كلّ الخليقة. لان المسيح يتشّكل داخلنا بطريقة لا توصف- ليس كمخلوق داخل (البشر) المخلوقين لكن بكونه هو غير المخلوق وهو الله، داخل طبيعة مخلوقه ومجبوله، مُشكّلاً إياها من جديد حسب صورته بواسطة الروح القدس واضعًا هذه الخليقة أي نحن، في مرتبه أعلى من رتبه كل المخلوقات.

 

إرميا: وبالتالي فلا يوجد ما يعوق أو يستبعد الابن الوحيد عن البنوّة الحقيقية، ويجب علينا أن نؤمن بأنه مولود غير مخلوق.

كيرلس: نعم، وذلك يكون بأن نقبل بالفعل بأنه إله حقيقي ونؤمن بأنه يجب أن يكرمّ منّا ومن كل الملائكة القديسين بالسجود وبأن يُعطىَ له كل المجد والكرامة الإلهية. لأنه لو عبدنا الخليقة دون الخالق، ولم نعطِ كَرامة للطبيعة الإلهية التي تفوق الكلّ ناسبين كرامة الخالق للمخلوق لاستحققنا أن نسمع عن حق قول النبي ” شعب جاهل لا يفهم[12].

 

إرميا: غير أن هؤلاء لن يقولون عنه أنه ابن وإنه هو الله.

 

كيرلس: وكيف لا يكون قولاً غير متناسق ويدعو للسخرّية أن يُقال عن الابن أسماء مشتركه وألقاب متعددّة مثل أنه “صورة” الآب وفي نفس الوقت لا نُعطيه المجد اللائق بالله حاسبين إياه ضمن المخلوقات؟ أم ليس هو أمر شائن أن نقول إنه مخلوق مع أننا نعبده على أنه هو الله؟.

 

إرميا: بصواب تتكلّم.

 

 كيرلس: إن كانوا يعتقدون كما يجب، فليكفوا عن محاولتهم بخداعنا بكلام مزيّن يبعدون به الابن عن الإلوهه الحقيقية. لأن هذا هو ما يقولونه بكل وضوح وهكذا يجدّفون عليه بطريقة مباشرة. وإلاّ فإنهم سيسمعون منا ومن الملائكة “يا هؤلاء جميعكم القادحين نارًا المتنطقين بشرار اسلكوا بنور ناركم وبالشرار الذي أوقدتموه. من يدي صار لكم هذا في الموضع تضطجعون”[13]. لأننا سنتبع الطريق المستقيم مؤمنين بأن الكلمة هو الله الحقيقي الذي وُلِدَ من الله الحقيقي بطريقه لا توصف. وعندما يتعقلّون قليلاً مع أنهم قليلى الفهم وحتى لو أنهم خففّوا من حدّه ضلالاتهم- حسب اعتقادي- فأنهم بالقطع لن يتراجعوا عما يقولون لأنهم بينما يعترفون بالابن على أنه هو الله لكنهم يحسبونه أنه أقل من الله (الآب) حسب الجوهر، ويضيفون قائلين إنه هو مخلوق اسمي قليلاً عن باقي المخلوقات جاعلين إياه (على الحدود) بين الطبيعة المخلوقة وغير المخلوقة. غير أنه يجب أن يعرفوا أن طبيعة الإلوهه يجب ألاّ تُفهم على أن بها اختلاف، لأن الله لا يمكن أن يكون آخر غير الله من جهة إلوهيته، مثلما الأمر في حالتنا نحن البشر. لأننا نقول أن الطبيعة البشرّية هي واحده وتوصيف الجوهر هو واحد ولا يمكن تغييّره. فإن كانوا يؤمنون بأن الابن هو الله، فليكفوا تمامًا عن أن يحسبوه بين المخلوقات، أما إن كانوا غير مقتنعين بألاّ يؤمنوا به على أنه ليس من بين المخلوقات، حينئذ لا يجب أن يعترفوا به على أنه هو الله. لأنه في هذه الحالة سوف نقول في سخرية اِجْعَلُوا الشَّجَرَةَ جَيِّدَةً وَثَمَرَهَا جَيِّداً أَوِ اجْعَلُوا الشَّجَرَةَ رَدِيَّةً وَثَمَرَهَا رَدِيّاً[14]. أم هل أننا يا صديقي لا يمكننا أن نعرف أحد المخلوقات بكل وضوح وبدون أي خداع عن طريق تلك الأشياء التي تؤمن أنها حقيقية؟.

 

إرميا: بالتأكيد.

 

كيرلس: هيّا بنا نتحدّث بالضبط عن ماهية طبيعة الابن، واضعين في اعتبارنا الآتي: لو أن الابن ليس هو الله بالطبيعة لكنه أتي إلى الوجود مثلنا- وذلك حسب أساطيرهم وكلامهم غير المعقول- فكيف يكون منفصل عن باقي الخليقة؟ وهل يمكن أن يكون هذا قد حَدَثْ بسبب بُعد المسافات بينه وبينهم؟ وكيف لا يكون مثل هذا الكلام سفسطه فلسفيّه؟ لأنه أين أو بأي طريقه يكون (الكلمة) غير المتجسد معزولاً في مكان ما او ما هو المكان الذي يستطيع أن يحده؟ وبخلاف هذا فإن يوحنا الطوباوي يؤكد أنه كَانَ فِي الْعَالَمِ وَكُوِّنَ الْعَالَمُ بِهِ وَلَمْ يَعْرِفْهُ الْعَالَمُ[15]. وبالتالي يا أرميا فإننا عندما نفكر بطريقه صحيحة في طريقة ابتعاده لا يستطيع إلاّ أن نقول إن العالم لم يعرف خالقه مع أنه هو الكائن دائما فيه.

[1] مز6:33

[2] رومية1: 24-25

[3] 1 تسالونيك 9:1

[4] 1 بط21:3

[5] أثناسيوس عن الروح القدس

[6] يو1:14

[7] يو44:12

[8] أفسس11:2-12

[9] يع18:1

[10] أي الإنسان.

[11] أي الله.

[12] انظر أرميا5:21

[13] اشعياء11:5

[14] مت33:12

[15] يو10:1

 

هل يعمل الآب من خلال وسيط؟ ج1 – الحوار الرابع ج4 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

لقب الابن خليقة مميزة – الحوار الرابع ج3 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

لقب الابن خليقة مميزة – الحوار الرابع ج3 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

لقب الابن خليقة مميزة – الحوار الرابع ج3 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

 

الحوار الرابع

في أن الابن غير مخلوق وغير مصنوع

 

هل يُعبّر لقب ” الابن” على أنه خليقة مميّزة؟

إرميا: غير أنه إن قَبَل هؤلاء بأنه يجب أن ندعوه وحيد الجنس لأنه هو الوحيد الذي جاء من الآب الفريد، فماذا ستكون إجابتك على هذا؟.

كيرلس: كنت بالطابع سأعتقد بأنهم فقدوا نعمة العقل الذي يجب أن يرى بطريقة لائقة وبشهامه. بل أنهم يرتكبون خطًأ كبيرًا من جهة معرفتهم بمعنى الأسماء مُعطين إياها معاني بحسب ما يرغبون. لأن “وحيد الجنس” تعني ذلك الذي وُلِدَ حسب الطبيعة من آخر وليس ذَلك الذي صُنِع بطريقه ماهرة. وليأتوا هؤلاء إلى هنا ليجيبونا عندما نسألهم أين قرأوا أن هذا التعبير يستخدم ليصف عملاً من الأعمال الفنيّة أو العلّمية. لأننا لن نسمح لأفكارهم الزائفة أن تُقنن ما يريدونه هم في توجيههم لمعاني الكلمات بطريقه خاطئة جدًا نحو تفسير غير سليم بالمرّة. فلو أن نجارًا- على سبيل المثال- قد صنع مركبًا واحدًا فريدًا، فهل كان يسمىّ وحيد الجنس بالنسبة له مع أن هذا المركب هو من صُنعِه ونتيجة لخبرته؟ وكيف لا يكون هذا مدعاة للسخرية؟ أم أنك تعتقد أن هذا تفكير حكيم؟.

 

إرميا: طبقًا لا أعتقد هذا بالمرّة.

 

كيرلس: وأيضًا ما يدّعيه المعارضون وبطريقه غبيّة بأن الابن وحده قد وُلِدَ من الآب ولهذا فإن له طبيعة مُميزَّه وأنه لذلك قد وصلَ إلى هذا القَدْر الرفيع من المجد، في كل هذا سنثبت بطريقتين أن هؤلاء المعارضون يرتكبون خطًأ وأنهم جهلاء.

 

إرميا: قُل لىّ كيف ستثبت هذا.

 

كيرلس: أولاً، إن تفكيرهم هذا سيقودهم بالضرورة وسيحصرهم في أن ينسبوا للآب أنه كفَّ (عن أبوَّته) بعد أن وَلَد الابن. وبدون أن يريدوا يعترفون بأن الطبيعة الفاعله على الدوام كفَّت عن فعل ما يخصها وأن عمليه الخلق قد إنتهت وأنه بعد ذلك لم ينشغل بأى أمر على الإطلاق بل أنه قد حوَّل للابن- بطريقه ما- أن يفعل الأمور التي بواسطتها فقط تُعرف خصائص الطبيعة الفائقة. وهكذا فإن ثمار الجوهر المولود ستكون هي خصائص الالوهيه بينما حسب ما هو ظاهر- فإن الله الآب سيكون فخورًا بالابن الذي هو مخلوق فريد بينما الابن وهو يري الأعمال الكثيرة، فإنه سيعتقد أنه في مرتبه أعلى مساوية لمرتبه الآب لأنه بسبب ولادته قد أرتقى ليكون خالقًا حيث إنه قد أحضر الأشياء غير الموجودة إلى الوجود، بل أنه أيضًا يفوق على ذلك بأنه صالح حيث إن عمل مَنْ هو صالح هو أن يُحضر للوجود تلك الأشياء التي لم تكن لها هبه الوجود. وهكذا فإن الحديث يبتعد عن الجدّية مظهرًا البطيء في الطبيعة الدائمة الحركة حيث إنها تَقْدَر فقط أن تَهِب الوجود للأشياء غير الموجودة. وهل لا يعتبر هؤلاء التعساء أن ولادة الابن هي توقف فعلّي للطبيعة الولوده وذلك بحسب أفكارهم الخاصة والتي يعتبروها صحيحة بالنسبة لهم؟. وإلاّ فإن كان الله الآب قد فضَّل أن يَكفُّ عن العمل، فلماذا كتب لنا موسى المطوّب كلاما غير صحيح بالنسبة لهؤلاء المعارضون قائلاً وَقَالَ اللهُ: نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا[1]؟ لان عبارة “لنَخلقْ”[2] توضح أن الله لم يتحاش على الإطلاق أن يخلق، بمعنى أن يخلقنا نحن أنفسنا بل بالحري كان يُفضّل العمل المشترك مع الابن والروح القدوس وقد تمّ هذا بالفعل لأنه مكتوب فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ[3]. وكلام موسى لن يكون كاذبًا لأنه كان عالمًا بالأمور اللاهوتية وكان يكرّم طبيعة الله. غير أن الكلمة الذي أتي من الآب سيُعلن لنا بالأكثر أن طبيعة الآب هي فعّاله دائمًا وعامله. لأن المسيح عنفّ مرّة اليهود عندما رآهم غاضبون من أنه قد فعل شيئاً في يوم السبت قائلا لهم “أبي يعمل حتى الآن وأنا أعمل” وفي موضع آخر قال الْكلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ لَسْتُ أَتَكَلَّمُ بِهِ مِنْ نَفْسِي لَكِنَّ الآبَ الْحَالَّ فِيَّ هُوَ يَعْمَلُ الأَعْمَالَ[4]. إذن يا أرميا أليس من غير اللائق وهو خطأ كبير أن نعارض كلام المُخلّص ونصوص الكتاب المقدّس- والتي تتفق مع ما قاله الابن- ونجرؤ على القول بإن الآب غير فاعل أيضًا بالنسبة للخليقة؟.

 

إرميا: هو خطأ كبير بالفعل.

 

كيرلس: وأعتقد أن هناك أمراً آخر هو غير واضح وغير مفهوم.

 

إرميا: وما هو؟.

 

كيرلس: فَليَقُل ليّ هؤلاء إذن، لأني أريد أن أتعلّم، لو كان الابن فقط هو الذي خضع لعملّيه الخلق ولهذا فهو مختلف عن جميع المخلوقات لأنه هو الوحيد الذي صار بواسطة الآب فقط. فأيهما لا يحبه الآب: المخلوقات التي خُلِقَت بعد الابن وبواسطته والتي لم يسمح لها لهذا السبب أن تصل إلى درجه عاليه من الطوبى لأنه يترفّع عن خلقتها، أم أنهم سيقولون إن الآب هو فوق كل حسد وكل جمود؟.

إرميا: سيقولون هذا بالفعل على ما أعتقد.

كيرلس: سيقولون هذا لو أنهم كانوا يؤمنون حتى بهذا فقط. لأني لا أتخيّل أن يصلوا إلى أبعد من أفكار الفلاسفة اليونانيين في هذا الأمر، حيث إن أحدهم وهو أفلاطون قد قال عن الله “إنه كان صالحًا وبالتالي لا يوجد فيه حسد بالمرة تجاه أي شيء”. إذن طالما أن الآب هو صالح وبالحري هو نفسه معدن الصلاح، وبالتالي فهو قد سمح بإرادته وفِعله وحده، للمخلوقات أن تصل إلى درجه عاليه من السعادة، فلماذا إذن لم يجعل هذه السعادة عامة للجميع بدون أن يحسد بكونه هو الصالح، ولماذا أسند لآخر (الابن) أن يفعل هذا حارمًا بذلك الخليقة من أمر فائق لا يقارن؟.

 

إرميا: غير أن الآب لا يظَّل غير فاعل على الدوام لأنه يعمل مع الابن مُعطيًا الوجود لكل المخلوقات.

كيرلس: وما هي إذن مساهمه الابن في عملية الخلق؟ هل كانت تفوق قدره الآب ولهذا فقد كانت ضرورية له فيما يفعل وأنه قَبَلَها عن احتياج؟ أم كانت أدنى منه ولهذا فلم تكن ضرورية له؟ فإن كانت تَفوُقه وضروريّة وأنه لهذا قَبِلها فإن هذا الكلام سيكون بلا معني بل بالحري تجدّيف. لأن الابن سيكون متفوقًا على مَنْ جاء منه وسيفوق طبيعة الله الآب بل وسيكملّها بما تحتاجه وبكل ما هو صالح. ومن ناحية آخرى إن كان قَبِلَها مع أنها أدنى منه وليست ضرورية، حيث تُظهر عدم روعه الخليقة، إذن- فقل لي- ما هو الأمر الذي أقنع الآب كي يعمل مع الابن؟ وهل لن يبادر أحد بالقول إن الآب تخلّى عن ما هو أعلى– ولا أعرف بأي طريقة- بينما أراد أن يتمسك بما لم يكن أعلي. بمعني أنه يتحاشى بسبب الخوف أن يخلق بنفسه الخليقة، رغم أن عن طريقه هو وحده وبواسطته يمكن أن تظهر روعه الخليقة، وإنه قَبِلَ الابن كشريك حتى يكون  إحضار الخليقة هو عمل بلا أي شائبه؟.

 

إرميا: غير أنهم يقولون إن الطبيعة المخلوقة لم تتّم بفعل الآب وحده، لأنه كان سيكون من غير المعقول على مثل هذه القوة الفائقة السامية أن تضطر لأن تتنازل إلى فعل مثل هذه الأمور البسيطة.

 

كيرلس: إن هذا القول هو قول أحمق ينتج عن عقل طائش. أليس من عدم الحكمة أن يفكر أحد ويقول بإنه لو كان في الحقيقة خلق الخليقة هو أمر أدنى وغير مقبول ويمثل عبئًا بالنسبة للآب؛ إلاّ أن نفس الأمر ليس كذلك بالنسبة له عند خلق الابن وحده، إذ هو أمر مقبول وسامي، مع أن الابن له نفس طبيعة المخلوقات كما يقال؟ ولا يمكن أن يكون هناك أمر يمثل عبئًا عن خلق الخليقة ولا يمثل عبئًا عن خلق الابن حتى لو كان الابن يبدو مكانه أعلى من بقية الخليقة. إما  إن تجرأت بالقول بإنه لا يليق يسمو الآب أن يتنازل ويهتم بخلق الخليقة فإن مثل هذا القول يحمل في طيلته تجديفًا مزدوجًا، لأنه يهين الابن من ناحية ومن ناحية أخرى يلوم الآب رغم ظنهم بأنهم يكرمونه بمثل هذه الادعاءات.

 

إرميا: وماذا تقصد بقولك هذا؟.

 

كيرلس: في قولهم بتفوّق الآب، هم يظنون أنهم يقللّون من مكانه الابن، ومع هذا فاني أعتقد أنهم لا يستطيعوا أن ينزعوا عنه مكانته العليا وسمو مجده. إذن طالما أن طبيعة الابن هي هكذا وأنه قد وصل إلي هذه الدرجة من الكرامة والمجد حتى أنه يخلق الرئاسات والسلاطين والكراسي وما دونها، فقلّ لي هل يليق به أنه بينما يخلق عصفورًا صغيرًا وأشياء أخرى أقل، أن تنسب له أنه يخلق كل هذا بواسطة قدرات آخر؟ وماذا سيبقي صحيحاً في إيماننا لو أننا اعتقدنا بذلك؟.

 

إرميا: هذا لا يليق بأي حال من الأحوال لأنه مكتوب كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ[5].

  

كيرلس: وكيف لا تكون إهانه وتحقير لطبيعة الابن أن يخلق عصفورًا صغيرًا؟ وطالما أنه هو صورة الآب وشبهه، فهل هذا الشبه يعني أنه يهدر قوّته المُحييّة في خلق مثل هذه الأشياء المتواضعة؟. وبالتالي فهّم عندما يَتعجّبون من قدره الآب الفائقة فإنهم يَقولون إن خلقته للملائكة هو أمر متواضع وبالتالي كان سيكون من السهل عليهم أن يقولوا بإن الابن لا يجب  أن يخلق عصافيرًا أو زواحف وأيضًا كل تلك الأنواع العديدة من الزهور في الحقول؟ ولكن لماذا يصفه المزمور بكل هذه الصفات الرائعة قائلا الْمُنْبِتُ عُشْباً لِلْبَهَائِمِ وَخُضْرَةً لِخِدْمَةِ الإِنْسَانِ[6]؟ وبطريقه آخرى إذن هم يعترفون (بآلهه) أخرى خالقه لها نفس طبيعة تلك الخلائق البسيطة أو هم يهينون وبطريقه علنيّة الابن الوحيد عندما يتحدّثون عنه كخالق فقط لتلك المخلوقات البسيطة.

 

إرميا: لو فكروا بهذا سيكون أمرًا خطيرًا عليهم.

 

كيرلس: وكيف لا ينسبون للآب حماقة وتفاخر بقولهم إنه لم يرغب في أن يكون خالقًا لتلك المخلوقات التي يريد أن يكون هو ربها؟ مع أننا نسمع المسيح وهو يثني علي عناية الله الآب وتدبيره عندما قال: أَلَيْسَ عُصْفُورَانِ يُبَاعَانِ بِفَلْسٍ؟ وَوَاحِدٌ مِنْهُمَا لاَ يَسْقُطُ عَلَى الأَرْضِ بِدُونِ أَبِيكُمْ[7]. وكيف يمكن لذلك الذي يبسط عنايته حتى بالنسبة للعصافير، أن ينسي أن يخلق ملائكة وأن يبسط السماء ويثّبت الأرض ويصنع الشمس والقمر والنجوم، تلك الأمور التي اِمتُدحت من الملائكة القديسين على أنها عمل الخالق العظيم، لأن الربّ قال “ترنمت كواكب الصبح معاً”[8]. فألا يتضّح لك أنه يجب أن نفكر بطريقه سليمة فيما يجب أن نقوله؟.

 

إرميا: بالتأكيد.

 

كيرلس: قُلّ لي أذن، هل تَستَطيع أن تقول إن جزء صغيرًا أو كبيرًا من بين المخلوقات ليس هو نتيجة عمل القوّه الإلهية؟.

 

إرميا: إطلاقًا.

 

كيرلس: وكيف لا يكون دليلاً على جهلهم أنهم يَصفُون الأعمال التي تمّت بواسطة الابن بأنها إلهيه ومع ذلك لا يؤمنون أنه هو الله بل يحسبونه ضمن المخلوقات كما لو كانت له نفس طبيعة الأشياء المخلوقة؟ لأن ما هو مخلوق ليس هو الله، ولن تستطيع المخلوقات أن تشعر بتفوّق طبيعة خالقها على طبيعتها إن لم تكن طبيعتها أقل بل ومختلفة عن طبيعة الله الذي خلقها، ولقد فهم الطوباوي بولس هذا الأمر جيدًا عندما كتب لأَنَّ مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ تُرَى أُمُورُهُ غَيْرُ الْمَنْظُورَةِ وَقُدْرَتُهُ السَّرْمَدِيَّةُ وَلاَهُوتُهُ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ[9]. إذن هل يمكن أن تُدرَك الوهيته وقدرته السرمديه لو جعلتم الكلمة خالق الكل، مخلوقًا؟![10].

حاشا لأنه أزلى. لكن أعتقد أنه- حسب تفكيرهم هذا- يمكن للخليقة أيضًاأن تتباهى بكونها إلهيه، غير أنه ما سينتج من مثل هذا التفكير؟ سيظهر أن الخليقة التي يشاهدونها أمامهم وليس الله الخالق- ستكون بالنسبة لهم كإله”[11].

 

[1] تكوين26:1 في موضع آخر استخدم القديس كيرلس هذه الآية لشرح عقيدة أن الله هو جوهر واحد وثلاثة أقانيم أنظر: الحوار حول الثالوث. المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية ج1 ص وهنا يستخدمها لبيان دور الله الآب، الإيجابي في عملية الخلق. هذا الدور كان من الممكن ألاّ يكون إيجابيًا كنتيجه لتفكير المعارضين وثانيًا: للتركيز على العمل المشترك لأقانيم الثالوث كنتيجة طبيعية لوحدة الجوهر بينهم.

[2] انظر تكوين27:1.

[3] تك27:1

[4] يوحنا14: 10

[5] يوحنا3:1

[6] مز14:104

[7] مت29:10

[8] ايوب7:38

[9] رومية20:1

[10] وبالتالي خاضع لعنصر الزمن ولن يكون سرمديًا.

[11] وهذا ما ذكره بولس الرسول في رسالته  إلى أهل روميه عندما تحدث عن هؤلاء الذين “عبدوا المخلوق دون الخالق” (رو1: 25)

 

لقب الابن خليقة مميزة – الحوار الرابع ج3 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

الاعتراضات الخاصة بلقب بكر – الحوار الرابع ج2 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

الاعتراضات الخاصة بلقب بكر – الحوار الرابع ج2 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

الاعتراضات الخاصة بلقب بكر – الحوار الرابع ج2 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

 

 

الحوار الرابع

في أن الابن غير مخلوق وغير مصنوع

 

رد على الإعتراضات الخاصة بلقب “بكر”:

إرميا: بالصواب تتكلّم، غير أني أعتقد أن المخالف لنا سوف يسأل عن معني كلمة “بكر”.

 

كيرلس: كلمة “بكر” تعني أن أحد يتقدّم على أخوته ويكون قد وُلِدَ قبلهم.

 

إرميا: إذن لماذا- كما يقولون- دُعيّ الابن “بكر” كل الخليقة لو أن الخليقة كلها ليست- بطريقه ما- هي أخته ومن نفس جنسه وليس هو من طبيعتها؟

 

كيرلس: إذن فقد دُعي ابنًا- على ما يبدو- بدون هدف وولادته ليست ولادة حقيقية كما أن الحديث عن الآب سيكون بالنسبة لنا بمثابة أسطوره بلا قيمه!!

إرميا: إطلاقًا،فهم يقولون أن الحديث عن آب للابن قد تم بطريقة مبالغ فيها مدعين إنه في موضع آخر قيل عن ابناء اسرائيل وبنفس الطريقة رَبَّيْتُ بَنِينَ وَنَشَّأْتُهُمْ“(اش1: 2س)[1].

 

كيرلس: إذن سيكون وحيد الجنس قد أصبح ابنًا بالتبني مثلنا- كما يقولون- لكي يصبح ابنًا، وألا يعنى هذا انه في الواقع هو مخلوق؟

 

إرميا: هم يقولون هكذا،

 

كيرلس: لماذا أهملوا الدافع لمعرفة الحقيقه وتنبئوا ما قاله النبي لأَنَّنَا جَعَلْنَا الْكَذِبَ مَلْجَأَنَا وَبِالْغِشِّ اسْتَتَرْنَا“؟[2] غير أني أعتقد أنه قبل كل شيء علينا أن نَعلَم متى دُعيّ الكلمة بكرًا ومَنْ هم الذين أتي بينهم ودُعيّ وسطهم بكرًا. لأننا هكذا سَنُسرع في أن نرفع قلوبنا تجاه المعاني الصحيحة للكلمات التي تليق بالاسرار. لأن معرفة الأزمنة وتمييز في الأشخاص هي أمور توضّح لنا بسهولة معنى الكلمات المُستَقيمة وغير المنحرفة التي تأتي إلينا مباشره من الكتب المقدّسة[3]. أو إن لم يكن ما أقوله صحيحًا، ولم يكن مهمّا أن تُفحص بتدقّيق الأزمنة والأوقات التي فيها كان كلمة الله غير متجسّد ثم صار جسدًا، فيجب ألاّ يرتّعب أحد لو أن ما يخصه يقال بدون أي تمييّز- ولتَكُفْ أيه تجديفّات واتهامات (للابن). ولو أن أحد يؤمن بأن الابن قد مات بالحقيقة مع أن الكلمة الذي قد جاء من الآب هو الحياة حسب الطبيعة، فليستحق منّا التحيّة والتكريّم لأنه لا يكذب، ولكن من سيقول إنه قد مات بالجسد (حاسبًا أن الابن كلمة الله هو مخلوق) سيكون كلامه بلا معنى وبلا أي تمييّز.

 

إرميا: هذا صحيح، ومع أن الكلام يمكن بالفعل أن يُفهم هكذا، إلاّ إنهم يوجهون نقدًا له.

 

كيرلس: لا أيها الحبيب، لأن كلامهم هذا سيقودهم لأمر آخر لا يليق  وسيجعلهم يفعلونه بجرأة كبيرة.

 

إرميا: ما هو الأمر الذي تُعنيه؟.

 

كيرلس: لقد كان الكثيرون يقومون بتحصيل الجزيّة طبقًا لناموس موسى، درهميّن عن كل شخصين. وعندما ذهبوا لبطرس ليعرفوا إن كان المسيح سَيُحسب ضمن دافعي الجزية أم سيرفضُ دفع الجزية، حينئذ سأل بطرس المسيح ماذا يجب أن يَفعلُ معهم، فبادَرَه المسيح بهذا السؤال مِمَّنْ يَأْخُذُ مُلُوكُ الأَرْضِ الْجِبَايَةَ أَوِ الْجِزْيَةَ أَمِنْ بَنِيهِمْ أَمْ مِنَ الأَجَانِبِ؟”[4] وعندما أجاب بطرس “من الأجانب” فإن الرب أضاف قائلاً: “فَإِذا ًالْبَنُونَ أَحْرَارٌ. وَلَكِنْ لِئَلاَّ نُعْثِرَهُمُ اذْهَبْ إِلَى الْبَحْرِ وَأَلْقِ صِنَّارَةً وَالسَّمَكَةُ الَّتِي تَطْلُعُ أَوَّلا ًخُذْهَا وَمَتَى فَتَحْتَ فَاهَا تَجِدْ إِسْتَارا ًفَخُذْهُ وَأَعْطِهِمْ عَنِّي وَعَنْكَ[5]. إذن هل فهمت؟ إنه عندما يتكلّم عن طبيعته فإنه يؤكد أنها حرّه لأن هذا يوضّح أنه يعلو على كل الخليقة لأن ما يُخلق هو عبد للخالق. ولهذا فإن الطوباوى داود يُشير إلى الله ضابط الكلّ بقوله: لأَنَّ الْكُلَّ عَبِيدُكَ[6] وبالتالي فالابن لا يخضع لمقاييّسنا نحن العبيد كما أنه لا يوجد تحت نير، لكن له الطبيعة الإلهية الفائقة العلو والتى تسمو على كل الخلائق.

 

إرميا: هذا كلام صحيح.

 

كيرلس: إذن يا إرميا هل سنُخضِع ذلك الذي له كل هذا المجد اللامع، تحت نير العبودية حتى ولو قيل عنه أنه أخلى نفسه واتخذّ شكل العبد؟ وكيف لا يكون هذا دليلاً على الجهل؟ لأني أريد أن أقول إنه مع كونه اتخذّ شكل العبد إلاّ أنه قَبِلْ ذلك كانت طبيعته حرّه وغير مقيّده[7] ومن ناحيه أخري ولا حتى أي كائن آخر يمكنه أن يصير ما كان عليه الابن وهو عندما يتخلّى عن ما كان عليه فإنه بطريقة طبيعيّة يتممّ أمر آخر. إذن لقد جاء الابن الينا ليس لكونه عبدًا فصار عبد بل جاء إلينا من طبيعة حرّه إلى شكل العبد. فلو لم يكن هناك للزمن دورًا، وان لم يكن تميز الاشخاص أى معنى مفيد، فحتى لو فكرنا أن كان الكلمة يمكن أن يدرك عاريًا وبدون جسد، فلن نستطيع إلاّ أن نحسبه عبدًا لا حرًا وأنه ضمن من هم تحت النير.

 

إرميا: وكيف لا يكون كل هذا كلام غير منطقي ولا يلَيق؟.

 

كيرلس: فليسمع إذن المخالفين؛ فطالما أنكم لا تقبلوا أن تفحصوا بالتدقيق الأزمنة وتميزوا الأشخاص، فإلى أين أنتم مُنقادون، وماذا تفعلون يا مَنْ لكم ذهن شرير ملتّو؟. ولماذا تخلطون بين أمور لا تقبل الاختلاط، مُهملّين الأزمنة والأوقات، والمعاني التي يمكن من خلالها أن تصبح كل الآيات التي قِيلت عن الابن واضحه في معانيها كل الوضوح؟ لأنكم يجب أن تَنسبوا لله الكلمة حتى قبل تجسده، إذ هو ابن للآب، كل ما يليق بالله، أي المجد والحريّة التي لا تُقارن، ونفس القوّة التي للآب. لأنه بواسطة الكلمة صارت كل الأشياء التي لم تكن موجودة. لأن للآب والكلمة نفس الإرادة والعمل المُشتَرك كما هو واضح في كل ما كتب عنه موسى. لأن موسى كتب لنا كيف أن الله الأب قال للكلمة أي الابن الذي قد وُلِدَ منه والكائن معه لنَخلِقْ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا[8] لأن تعبير “لنخلق” لا يدل على أن المتكلّم هو واحد، بل على أكثر من واحد وأكثر من اثنين[9]. ومن ناحية آخرى لأنه يهتّم بنا ويحبنا فإنه تحرّك بدافع من رأفته ومراحمه الإلهية حتى أنه إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً لِلَّهِ. لَكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذاً صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِراً فِي شِبْهِ النَّاسِ. وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ[10] وأي كلام يمكن أن يُقنعُنا نحن الذين بطريقة سليمة نعتقدُ في الابن، حتى نُقيّم درجه الأخلاء هذه أو أن نتعجّل بإنقاص قيمة ذلك الذي وضَعَ من عظمته بسببنا ومن أجلنا؟ فحينذاك دُعيّ الابن الوحيد بكرًا وحُسب بين أخوه كثيرين وهو الابن الواحد الوحيد الذي وُِلَدَ من الآب. إذن لقد وضَعَ نفسه وظهر كواحد منّا، لا لكي يتعرّض لأمر ممّا نتعرّض نحن له عاده، تاركًا عنه الطبيعة الآلهية وصِفَته كإبن حقيقي، لكن كي يرفع مَنْ كان بطبيعته عبد ومخلوق. بمعنى كيّ يرفعنا للمجد المدّخر فيه وحده، فهو الربّ وهو قد دعانا كي نكون أبناء. إذن عندما تعتبر كواحد منّا حين ندعوه بكرًا فنحن لا نجبره كيّ يكون فيما هو خارج طبيعته، وعلى الجانب الآخر عندما نقول إنه قد ارتقى بنا، فهذا لا يعني أنه قد تَخلّى عن طبيعته الفائقة وبالتالي تكون الطبيعة المخلوقة قد سادت عليه. فإن فكرّنا بهذه الطريقة ألاّ يكون هذا هزيان كامل؟ وبالتالي فعندما صار (الابن) مثلنا فهو لم يتخلّ عن ما هو له لكننا نحن الذين ارتقينا اليه، بسبب نعمته وأيضًا عَبَرنا مقياس طبيعتنا بسبب نعمته التي كرّمتنا، وارتقينا إلى ما هو أرفع وأعلى.

 

إرميا: ما تقصد بقولك هذا؟

­

كيرلس: ألم ندعى ابناء لله والمولودين- من الروح؟

 

أرميا: بلى.

 

كيرلس: لهذا فنحن لدينّا وصيّه ألاّ ندعو لنا أبًا على الأرض، بل أن نقدّم لله فقط بكونه أبانا، وذلك بسبب البكر الذي قد جاء بيننا ليس لسبب أحد آخر، سوى أن يجعل منا نحن أيضًا أبناء. لأن هذا هو هدف تجسده. وإلاّ فكيف كان سيكون سرّ المسيح مملؤ بالحكمة إن كان هو قَبِلَ أي أحد آخر قد أساء إلى طبيعته (الإلهيه) دون أن تعود الفائدة على حالتنا؟ لأنه قد نزل وصار بكرًا كي يُصنَّف مع الكثيرين مع أنه يختلف جوهريًا عنهم حسب طبيعته بل ويفوقهم، وليس فيه شيئًا- من أي جهه- مما يظن هؤلاء الذين يشترك معهم، أنه يتصّف به.

 

إرميا: لكنهم يقولون أنه يُسمّى بكراً للخليقة لأنه يختلف كثيرًا ويفوق بما لا يقارن كل الكائنات التي يحسب أنه من ضمنها.

 

كيرلس: وأين يَكمنُ مجده الذي لا يقارن وما هو مقدار علّوه، حتى وإن كان يقال لنا باللغة التي نفهمها، الكثير عنه وعن ماهيته، بأنه لابد أن يكون قد خُلِقَ؟ إن بَحثَِنا الآن يدور بكل تدقيق لا عن ما هو الكائن، أو هل تنقصه كرامة أو مجد، لكن بحثَِنَا يدور حول طبيعة المخلوق الذي جاء إلى الوجود، وما هو الشيء الأعلى منه والذي يفوقه، وأيضًا يتركّز حول طبيعة الابن الوحيد وهل هي مختلفة عن باقى المخلوقات، والتي سوف ترتْقي اليها بعد وقت معيّن طبيعة كل الكائنات التي يُعتقد أنها قد خُلِقت. وبالتالي فإن أراد شخص ما يا صديقي أن يَعلمُ عن ماهية طبيعة الشمس، وعن طبيعة الخيل، فإنه سيسأل: مَنْ مِن الأثنين حسب طبيعته- مخلوق وقد أتى من العدم إلى الوجود، أو هل يوجد رأى آخر. ما رأيك أنت؟.

 

إرميا: سأقول إنها مخلوقات.

 

كيرلس: ولو أصرّ بالأكثر علي رأيه وسأل مرّه أخري قائلا: مَنْ مِن الاثنين يسبق الآخر من حيث العظمة؟ ألن يكون سؤاله هذا مضحكًا لأن الإجابة لا تحتاج إلى تفكير مِمَن يسألهم؟.

 

إرميا: بالفعل سيكون سؤال مضحك جدًا.

 

كيرلس: أعتقد أن الأمر هو عبارة عن ثرثرة فارغة لأنه كيف يمكن المقارنة بين الشمس والخيل في العظمة وأين هي أوجه المقارنة؟ لأن الاختلافات التي تفصلهما هي أبعد من أي قياس. غير أنه لو صار الحديث عن جوهر كل من الاثنين وفكرّ أي شخص في ماهيه كل منهما، فلن يكون هناك فرق بينهما من حيث إن كليهما مخلوق مع أن الشمس تختلف كثيراً من حيث العظمة. لكن نحن نفحص بتدقيق ما قيل عن الابن، ونريد أن نعرف ماهيه طبيعته. فلو أن الابن يُعدّ من بين المصنوعات ويُحصى معنا كمخلوق، لكان تفاخرنا بأن الابن يفوق في المجد هو مجرد تفاخر مزيّف- لأن البعض يُزيّن الابن بامتيازات خارجية، ويُنسبون إليه أموراً وقتيه وهم يحاولون بطرق لا قيمه لها وبهتافات مثيره أن يجعلوا لتجاديفهم صوره حسنه. وبصفه عامه فإن من يُحسب وفق طبيعته من المصنوعات ويُعدّ بين المخلوقات، ليس هو وفق طبيعته إله ولا بالتأكيد ابن حقيقي وربّ ولكن شخص مختلف بين العبيد ويتفرّد عنهم فقط بمجد متواضع.

 

إرميا: بالصواب تتكلّم.

 

كيرلس: يتبقي فقط أن نتعجب من الأتي.

 

إرميا: وأي شيء هذا؟.

 

كيرلس: أنهم في تحاشيهم أن يعرفوا الحقيقة جيدًا وأن يؤمنوا، يهذون بأن لقب البكر معناه أن المسيح هو دائمًا وحيد الجنس، وهم في هذا يخدعون البسطاء، مع أن من يريد أن يقول شيئًا يتعلّق بهذا الأمر لا يكون محقًا. لأنه لو كان لقب “بكر” يجعل من الابن مخلوقًا ويُعدّ واحدًا بين أخوه كثيرين وهو لهذا يكون بكرًا، فحينئذ سيُظهِر هذا اللقب أن الابن وحيد الجنس هو مختلف عن الآخرين من جهة طبيعته. لأن كونه أنه وحيد الجنس يعني أنه ليس هناك آخر مثله من جهة طبيعته. وأيضًا أنه من المحتمل ألاّ يكون بكرًا بسبب كونه وحيد الجنس أو لن يكون وحيد الجنس بسبب أنه بكر، وهكذا سيكون من الحتمي أن يعتقدوا بأنه ولا حتى يوجد ابن بالمرّة. لأن سيوجد نوع من “الصراع بين الاسمين “بكر” و “وحيد الجنس” وسَيُفرَغ كل منهما الآخر من معناه. فكيف يمكن إذن أن يُستخَدم كل من الاسميّن لنفس الشخص ويعتبر هذا أمر صحيحًا؟.

 

إرميا: أعتقد أن الأمر لن يكون خلاف ذلك إلاّ إذا أخذنا في اعتبارنا ما حدث في تدبير التجسد.

 

كيرلس: وأيضًا فلتَعلم- بالتأكيد- أنك لم تؤمن بأي شيء آخر سوي ذلك الذي رآه القديسين مُعلّمي اللاهوت، أنه صحيح. هؤلاء الذين سلّمونا وشرحوا لنا ما يتعلّق بهذه الأمور[11]. فالواقع أن يوحنا اللاهوتي قد دَعى الكلمة الذي أتى من الله، بوحيد الجنس وبأنه هو الله وأكدّ الوهتيه إذ ليس له بداية في الزمن (أي أزلي). كما أن بولس الرسول المملؤ بالمسيح والروح القدس والمتميّز بين الرسل يقول وَأَيْضاً مَتَى أَدْخَلَ الْبِكْرَ إِلَى الْعَالَمِ يَقُولُ: «وَلْتَسْجُدْ لَهُ كُلُّ مَلاَئِكَةِ اللهِ»[12] وأعتقد أنه يستخدم تعبير “بكر” في الزمن المناسب الذي يشير إلى ظهوره في الجسد. لأنه قد جاء إلى العالم مع أنه منذ القِدم هو كائن فيه مع أن العالم لم يكن يعرفه وهكذا صار وسيطًا بين الله والناس وأصبح لقب “وحيد الجنس” امتيازًا خاصًا له. فهو إله من إله، واحد من واحد، ومولود بطريقة لا توصف، وعندما أتي إلينا فحينئذ فقط حُسِبَ بيننا كأخوه له وذلك عندما دُعى بكراً. وإلاّ فأين الأخلاء إن لم يكن مَنْ هو “وحيد الجنس” قد صار “بكراً”، وسكن بين البشر كإنسان وهو يعلو عن كل الخليقة؟ وبصفه عامة كيف صار مَنْ هو غني، فقيراً، إن لم يكن قد ظهر بيننا متخذًا ما هو غريب عليه، الأمر الذي من أجله صار فقيراً[13]؟ فطالما أن ما هو مخلوق (أي الجسد) والذي يُعدّ من بين المخلوقات، قد وُجِدَ فقط في زمن الإخلاء والفقر، إذن فَقَبِْل هذا الزمن ألا يليق به تمامًا مجد كل ما هو غير مخلوق بل ما يفوق كل الخليقة؟

 

إرميا: نعم هذا يليق به.

 

كيرلس: وطالما أنه وهو غني قد دُعىّ “بكرًا” عندما صار فقيرًا مثلنا ومن أجلنا، فإنه من اللائق- على ما أعتقد- أن نُفكر في أنه هو وحيد الجنس قبل زمن الأخلاء (العوز). لاني أعتقد بأنه يجب أن تكون هذه الأسماء صادقة بكل طريقه. إذن هو بكر ووحيد الجنس وابن في نفس الوقت بكونه ابنًا حقيقيًا وليس مخلوقًا.

 

إرميا: غير أنهم يقولون أن لقب “الابن” يُستَخدم لِمنْ هم من بين المخلوقات لأنه قال: “أنا قلت أنكم ألهه وبنو العليّ كلكم”[14]

 

كيرلس: لكن قل لي: إن كنا نحن أيضًا قد دُعينا أبناء الله بالتبني وآلهه، مع أننا حسب طبيعتنا قد خُلقتنا من التراب، فما هو الشيء الذي سينتقض مجد الابن الحقيقي الذي هو إله حسب الطبيعة ومولود من ذات جوهر الآب عندما نتحدّث عن كينونته ابنًا؟ وكيف لا يكون من المفيد للمتعطشين لمعرفة الأمور الخاصة بالابن، أن يتعلّموا بطريقة ما عندما يدرسون حالتنا نحن؟.

 

إرميا: كيف يكون هذا؟.

 

كيرلس: أريد أن أقول يا صديقي: إن مَنْ له طبيعة سامية تفوق الكلّ لا يمكن للاستخدام السيئ لمعاني الكلمات أن يُنزله إلى مستوي مَنْ هم أقل. ولا حتى مَنْ هو أقل ومَنْ ليس له مجد الابن أن يُرفع إلى مستوى الطبيعة الفائقة إن اُعطى كرامة ساميه بمجرد وصفه بكلمات وأوصاف بسيطة. هل تعرف ما أقوله وتفهمه جيدًا؟.

 

إرميا: أفهمه ولكن ليس جيدًا.

 

كيرلس: اسمع إذن، نحن نؤمن بإله واحد حسب الطبيعة ونعبده ومع ذلك نُدعَي نحن أيضًا آلهه حسب النعمة، بل بالحري صار لنا مجد البنوّه. أليس هذا ما قد قلته لنا قبل قليل؟.

 

إرميا: نعم.

 

كيرلس: فماذا إذن يا صديقي، هل يمكن أن نَصيرُ نحن أنفسنا ألهه حسب الطبيعة وأبناء حقيقين لذلك الذي يعلو ويوجد فوق الجميع لأننا دعينا ألهه وأبناء بدون أن نكون قد حصلنا على البهاء لأجل هذا الغرض وأيضًا أن نكون قد استؤمنا على أن نكون ثمره الطبيعة الفائقة؟.

 

إرميا: إطلاقًا، لان مَنْ هو بطبيعته مخلوق، كيف يمكن أن يصير إلهًا بالطبيعة؟

 

كيرلس: حسنًا تقول يا صديقي، لأن كل واحد يَحتفظُ- في الواقع- بطبيعته، حتى وإن عَلاَ بواسطة الكلمات العظيمة وأيضًا لا يُحدَّ أو يصيبه نقصًا إن قِيلت عنه كلمات وَضيِعه. وهيّا بنا لنقول إنه، طالما أن تعبير “بكر” يُشير إلى الابن عندما اتخذ لأجلنا جسدًا مخلوقًا وصار مثلنا، فإنه لم يتخلّ عن كونه إلهًا بالطبيعة وابنًا بالحقيقة. لأنه كما أننا لمَ نرتفعُ إلى ما هو فوق طبيعتنا عندما دُعينا آلهه، هكذا الابن- حَسبما أؤمن لم تَتَغيّر طبيعته بسبب حقيقة أنه صار كواحد من بين المخلوقات بسبب طبيعته البشريّة. أما إن رفض البعض  ما جاء من عبارات في نصوص الكتاب المقدِّس، فإني أعتقد بأنه لا هُمْ ولا نحن أيضًا سنعرف ماذا سنقول- لو أراد أحد أن يَعلم بسبب الشغف الكبير والتسرّع بقولهم: لماذا كان كتاّب الوحي الإلهي يُشيّرون إلى الربَّ على أن له أيدي وأرجل مع أنهم كانوا يتكلّمون عن الطبيعة التي تفوق الكلّ وتعلو على كل جسم وهيئه وليس لها طول وعرض وهي غير ملموسة وغير ماديه؟ أننا نستطيع أن نواجه ادعائاتهم هذه بكل سهوله وبدون تفكير كثير، ونقول لهم الآتي: إن الاستخدام غير المُحددّ للكلمات لا يضير الطبيعة الفائقة على الجسد من جهة ماهيتها، حيث إن هذه الكلمات تُساهم في فائدة من يسمعها. أم أن حديثى غير مُقنع وليس صحيحًا بالمرّة؟.

 

إرميا: على العكس تمامًا.

 

كيرلس: وبسبب أنهم يتباهون بأقوالهم التي تبدو وكأنها مملؤه حكمه، ويثرثرون بحجج يتصوّرون أنه من الصعب تفنيدها فأنهم يتصورون أن من العسير أن ينسب للابن وحيد الجنس، لقب “البكر” قائلين بإن الابن وحيد الجنس لا يجب أن يكون خارج الخليقة طالما أنه له طبيعة مماثله لطبيعة كل المخلوقات، وهذا طبقًا لقوانين الخلق. هل تريد أن نضيف أمرًا آخر نافعًا؟.

 

إرميا: أنك تتحدّث بطريقه شيّقة، كما أني أريدك أن تتحدّث عن هذا الأمر الآخر.

كيرلس: ألم نُدعيَ نحن الذين نؤمن بالابن، كي نصير أبناء بواسطة الابن، كما أننا تَشكلّنا حسب صورته مثلما تتشكلّ الأيقونات حسب الأصل؟.

 

إرميا: بالفعل لقد دُعيِنا أن نتشكلّ على حسب صوره الابن. لأنه قد كُتِبَ كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَاناً أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللَّهِ أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ.[15]

 

كيرلس: لقد تحدثّت بشكل فائق، غير أني أعرف أنك ستضيف أمرًا ضروريًا يتعلّق بهذا الموضوع وهو: هل أننا بالفعل دُعينا للتبني بحسب الجوهر والطبيعة؟ وإن كان هذا لم يحدث، فكيف حصلنا على صفه الأخوّة والقرابة؟

 

إرميا: أننا لم نحصل بأي طريقه من الطرق على التبني حسب الجوهر، بل حسب النعمة وبطريقة مُكتسبة.

 

كيرلس: إذن فكيف يُعتَبر الكلمة مخلوقًا بسبب تسميّته بالبكر؟ وبأي طريقه يمكن أن يُحسب مثلنا بحسب الجوهر كأنه بين أخوه له لأننا نُشْبَهَهُ، مع أن الصفة بأننا إخوَه له لم تكن في طبيعتنا بل بالحري خارجه عنّا وقد اكتسبناها في مليء الزمان وليس في وقت سابق على تجسّده بل عندما صار كواحد منا؟ لأني لا أعتقد أنهم سيقولون- مع أنهم تعوّدوا على الثرثرة الكثيرة- بأن الناموس قد دَعي القدماء بأن يصيروا إخوَه للابن لأنه يوجد في الناموس روح عبودية[16]. وعليه يكون واضحًا جدًا أن كلمة الله لم يكن معنا نحن العبيد طالما أنه لم يكن قد اتخذ جسدًا وصار في شكل العبد حتى يصيح أخًا لنا. لكن علينا الآن أن نتابع حديثنا عن هذا الأمر وبشكل واضح.

 

إرميا: وما هو هذا الأمر؟

 

كيرلس: إن الميّزة الطبيعيّة يا أرميا في بعض الكائنات لا تُكتسّب بمرور الوقت أو تُفرض عليها بواسطة آخر، لكن يتضحّ أنها توجد فيها دائمًا وتكوّن جوهرها. وأقصد بما أقول الأتي: إن الإنسان عند خِلقَتِه هو كائن عاقل حسب طبيعته غير أنه لم يصبح غنيا بعد. إذن فإن جاءته الثروة كشيء أضافي وخارجي فهل هذا معناه أن طبيعته كإنسان عاقل كانت ناقصة؟. وبالتالي- وعلى ما أعتقد- سيكون حقيقيًا أنه لا يمكن أن نتصوّر أن شخصًا سيحصل بمرور الزمن على شيء كان قد حصل عندما جاء إلى الوجود (أي العقل).

 

إرميا: بالفعل.

 

كيرلس: إذن لو أن الابن كان دائمًا أخًا لنا ويحسب بأستمرار من بين المخلوقات لأنه من نفس طبيعتهم ولهذا فقد كان بكرًا بينهم، فحينئذ أي هبه لم تكن لدينا قد تخف إياها وأقصد بذلك هبه الأخوّة؟ ولماذا منح هذه العطية فقط لمن آمنوا به؟ وما هو الذي يمكن أن يحصل عليه مخلوق من مخلوق مثله؟ هل أدركت إذن إلى أين يقودنا منطق هؤلاء المخالفين؟.

 

إرميا: نعم.

 

كيرلس: نترك عنّا إذن يا صديقي، كل اهتمام بهذه الأفكار الساذجة وننتهي إلى القول اليقين مؤمنين حقًا بأن الابن قد دُعيّ بكرًا من أجلنا عندما صار مثلنا كما أنه هو وحيد الجنس لأنه لا يوجد أحد يماثله حيث إنه الوحيد الذي وُلِدَ من جوهر الله الآب.

[1] أش2:1(س)

[2] أش 15:28

[3] يعطي القديس كيرلس أهمية كبرى لهذا المبدأ في تفسير وفهم آيات الكتاب المقدس. انظر: الحوار حول الثالوث. المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية.ج1 ص30

[4] مت25:17

[5] مت17: 26-27

[6] مز 91:119 “كل الخليقة تطيعك كالعبيد”

[7] هذا لا يعنى بالتأكيد أن الطبيعة الإلهية صارت محدودة بالجسد.

[8] تك26:1

[9] كثيراً ما استخدم آباء الكنيسة هذه الآية لشرح عقيدة الثالوث.

[10] فيلبي6:2-8

[11] هنا يكمن مبدأ الاعتماد على التقليد الكنسي باعتباره مصدرًا للتعلّيم في الكنيسة إذ لابد من الرجوع لتعاليم الآباء الكبار فيما يخص عقيدة الكنيسة وإيمانها ولقد سبق للقديس كيرلس أن أشار إلى هذه الأهمية في حواره الأول. أنظر الحوار حول الثالوث. المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية. ج1 ص17.

[12] عب6:1

[13] “فإنكم تعرفون نعمة ربنا يسوع المسيح أنه من أجلكم أفتقر وهو غني لكي تغنوا أنتم بفقره” كو9:8

[14] مز6:82

[15] يوحنا 12:1

[16] والتي هي ضد ما فعله الابن عندما تجسد وجعلنا ابناء.

 

الاعتراضات الخاصة بلقب بكر – الحوار الرابع ج2 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

الابن غير مخلوق وغير مصنوع – الحوار الرابع ج1 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

الابن غير مخلوق وغير مصنوع – الحوار الرابع ج1 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

الابن غير مخلوق وغير مصنوع – الحوار الرابع ج1 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

 

الحوار الرابع

في أن الابن غير مخلوق وغير مصنوع

 

براهين ثبتت الولاده حسب الطبيعة للابن وحيد الجنس:

كيرلس: فإن كان هو الله، وقد وُلِدَ بطريقة لا تُوصف من الله الآب فهل من الممكن لشخص ما ألاّ يَضَعْهُ في مرتبة الابن حسب الطبيعة، بل يدعوه مخلوقًا أو مصنوعًا ولا يُحكم على هذا الشخص بعقوبة من اعتادوا أن يعوقوا مجد الله؟ في الوقت الذي تقول فيه الكتب المقدسة المُوحى بها أن “كُلُّ مَنْ سَبَّ إِلَهَهُ يَحْمِلُ خَطِيَّتَهُ. وَمَنْ جَدَّفَ عَلَى اسْمِ الرَّبِّ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ. يَرْجُمُهُ كُلُّ الْجَمَاعَةِ رَجْماً. الْغَرِيبُ كَالْوَطَنِيِّ عِنْدَمَا يُجَدِّفُ عَلَى الاسْمِ يُقْتَلُ.[1].

 

إرميا: إني أعتقد أنه لن يقدر أن يهرب من تلك العقوبة التي يستحقها.

كيرلس: وبالتالي فمن الأفضل جداً يا إرميا ألاّ نعتاد أن نرتعب من لغو
الآخرين لأنهم يَعرضون علينا فكراً لا قيمة له، بل أن يكون لنا قانون إيمان يتفق وأقوال الآباء مُعلّمي اللاهوت. لأنه يليق بنا وليس بآخرين، وبالحري بهؤلاء الآباء أن نصفهم ونقول لأَنْ لَسْتُمْ أَنْتُمُ الْمُتَكَلِّمِينَ بَلْ رُوحُ أَبِيكُمُ الَّذِي يَتَكَلَّمُ فِيكُمْ.[2].

 

إرميا: بالصواب تتكلّم.

كيرلس: إذن لقد تَعلّم هؤلاء (الآباء) ألاّ يَسجدوا للابن الوحيد كلمة

الله على أنه مخلوق- بمعنى أنه قد خُلِقَ- لكنهم يَشهدون أنه هو ثمرة جوهر الأب، وهو كائن معه أزليًا ويُسمّونه ابن الله الحقيقي وأيضًا الحياة الأبدية. والواقع أن يوحنا اللاهوتي يقول وَنَعْلَمُ أَنَّ ابْنَ اللهِ قَدْ جَاءَ وَأَعْطَانَا بَصِيرَة ًلِنَعْرِفَ الْحَقَّ. وَنَحْنُ فِي الْحَقِّ فِي ابْنِهِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ. هَذَا هُوَ الإِلَهُ الْحَقُّ وَالْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ.[3]. لكن يا صديقي، لو أن الابن مع كونه الإله الحقيقي والحياة الأبدية كان أيضًا مخلوقًا ومصنوعًا في الوقت الذي لم ينفصل عن الطبيعة الممّجده، فهل لا يكون هذا سببًا لأن تُلصق نفس هذه التهمة بجوهر الآب لأن لا شيء يمكن أن يَمنعُ هذا الإتهام؟

 

إرميا: وبأي طريقة.

 

كيرلس: ألا يُسمي هو أيضًا إله حقيقي وهل لا يُحيي كل الأشياء طالما أنه بطبيعته هو الحياة؟ لأنه حسبما يقول لنا مُتكلّم حكيم “لأَنَّنَا بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ[4].

 

إرميا: نعم، كلامك حق.

 

كيرلس: لو صح هذا القول فإن الإتهام غير اللائق سيمس الآب أيضًا. وسَيُدعي بأنه مخلوق، لأنه هكذا لن يوجد شيء يمنع الآب من أن يُحسب ضمن المخلوقات طالما أن الإلوهة الحقيقية تأثرت بكون الابن (حسب قولهم) من ضمن المخلوقات، ولا أيضًا يوجد شيء يمنع الحياة الأبدية، ولا أعرف كيف، من أن تَكُف عن أن تكون حياه، بل تكون مختلِطة بالمخلوقات الأخرى مثلما لو كانت مضطرة أن تكون مرتبطة بزمن محددّ، لأن كل ما هو مخلوق ليس هو خارج الزمن أو أعظم من الزمن.

 

أرميا: إن كلامهم هذا، الخالي من كل تقوى، هو أمر رهيب جداً.

 

كيرلس: غير أنه أمر سهل أن تتجنّب هذا الكلام لأنه يمكن لهؤلاء الذين يرغبون أن يبتعدوا بسهولة ويطردوا عنهم كلام المعارضين المُفسد والمُهلك، أن يثقوا بكل تقوي في الغلبة باستخدام أقوال القديسين. لأن الآباء الرُسل لم يكرزوا إطلاقًا بأن الله هو خالق للابن الوحيد بل أنه هو الآب الذي وَلدَه. وهؤلاء الآباء هم الذي كانوا نورًا للعالم وقد استمدوا نورهم من ذلك الذي له نفس طبيعة الله الآب، أعني أنهم استمدوا نورهم من المسيح وذلك لأنه قال لهم مرّة  أَنْتُمْ نُورُ الْعَالَمِ[5]. وقد جعلهم مُعلّمين ثابتين وحقيقيين لأنه قال لهم “فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآبِ وَالاِبْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ.”[6] فحيث يكون الآب الحقيقي والولادة، وبالطبع الابن الذي لم يكن ابنًا بالتبني لكن ابنًا من أبيه حسب الطبيعة، هل يمكن أن يكون هناك مكانًا لتخاريفهم وقولهم بأن الابن مخلوق؟

 

إرميا: لا يوجد مكان لها بالمرّة، على الأقل كما أعتقد أنا.

 

كيرلس: وربما يصل بعض هؤلاء الذين يهتمون بالبحث عن ما هو صحيح بصفة عامة، إلى ذلك الحد من الفكر غير المُتدّرِب ويعتقدون أننا نهتمّ بعملية الولادة أكثر من إهتمامنا بجوهر الله الآب، وهم يَحمَّرُون خجلاً من عدم المعرفة معتقدين أن جوهر الله ربما يتأثر من التغيّرات غير الإدارية ويخضع للحاجات الجسدية لأن بعض المخبولين يُقسّمون جوهر الله وطريقة الولادة وَيظْهُرون بذلك أنهم صَاروا إلى الهلاك المبين. فعندما يقال عن طبيعة الله غير الموصوفه والتي تفوق كل عقل أنها تَلِد، فهؤلاء يَعتقدون  إنها تتأثر بعملية الولادة هذه، وهم في هذا يَجهلون تمامًا ماهية الطبيعة غير الجسديّة وماهية طبيعة الأجسام وما هي التغيّرات التي تعانيها الأجساد. لأن ما لا جسم له هو غير قابل للتقسيم على الإطلاق، بمعني أنه غير قابل للاشتقاق والتجزيء الذي يتناسب مع طبيعة الأشياء الماديّة الملموسة، أو لإمكانية أن يتأثر بأي شيء من هذه الأشياء.

إذن عندما يُقال عن الله أنه “وَلَدَ” فيجب أن يُرفض أي شك في أن الله يعتريه تغيّير بل أن يسود الفكر الذي يعطي طبيعة الله ما يليق بها. لأن الله لا يلد كما نلد نحن بل يلد بالطريقة التي تناسبه.

س:لم.

 0أنتم المتكلمين بل روح أبيكم الذي يتكلم فيكم

إذن ما يفكر ويستند إليه المعاندون هو نوع من السفسطة التي لا معنى لها. لأنهم وهم يَتظاهرون بأنهم يَخشون من أنه ربما يُصيبُ طبيعة الأب شيء نتيجة الولادة، فأنهم يَحرمونها كرامة عظيمة جداً (أي كرامة إنها لا تتغيّر). لأني أعتقد أن كل حديث يتصف بالحكمة لابد أن يقنعنا أنه يجب أن يُمجد الله الأب بسبب أنه وَلَدَ، لا بسبب أنه خَلَق الابن الوحيد[7]. لأنه بهذه الطريقة يُمجّد اكثر ويُعدّ من بين هؤلاء الذين لهم مكانة ربوبية (أي مع الابن والروح القدس) حيث إنه يعلو بما لا يقارن عنا نحن البشر وأيضًا لأنه يجعل ابن الإنسان في وضع أكثر علواً مما هو فيه.

غير أنه إن كان الله خالق ويقدر أن يخلق بينما في نفس الوقت لا يَلِدُ، فإني أرتعب من أن أقول شيئًا لا يَليقُ به ومشكوك فيه، ومع ذلك فسوف أقوله مع أني لا أرغب في ذلك كثيرًا، وهو أنه إن كان الأمر هكذا فإن الطبيعة الإلهية قد ابتعدت بالفعل عن ما هو أفضل وأوضح، وذلك لأنه بينما يظهر أن للطبيعة المخلوقة إمكانيات متعددّة ومَقِدَره على أن تُشكّل مناظر طبيعية فنيّه، مع مقدرتها على الولادة، الأمر الذي يعطيها عظمة، نجد أن الطبيعة الإلهية لا تتمتع بهذه المقدرة، وهذا أمر مرعب.

 

أرميا: أنك تتكلّم كلامًا حسنًا.

 

كيرلس: إذن يا إرميا، الابن، حسب ما نؤمن، هو وَليد حقيقي لجوهر الله وليس هو نتاجًا لحكمة وثمرًا لصنعةٍ لأننا نقول على الخليقة كلها إنها خُلِقت بهذه الطريقة.

 

إرميا: بالـفعل.

 

كيرلس: ولهذا فالحكيم يوحنا يواجه كل الأكاذيب ويقول بكل وضوح: “وَآيَاتٍ أُخَرَ كَثِيرَة ًصَنَعَ يَسُوعُ قُدَّامَ تلاَمِيذِهِ لَمْ تُكْتَبْ فِي هَذَا الْكِتَابِ. وَأَمَّا هَذِهِ فَقَدْ كُتِبَتْ لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ[8]. ويُقلدّ كل من يؤمن بذلك أرفع الأوسمه لأنه يكتب أيضًا: “مَنْ هُوَ الَّذِي يَغْلِبُ الْعَالَمَ، إِلاَّ الَّذِي يُؤْمِنُ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ ابْنُ اللهِ؟.[9] وبالإضافة إلى هذا يا صديقي فإن الابن نفسه يوضحّ ويشدّد على محبة الله الأب لنا لأنه يقول: “لأَنَّهُ هَكَذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ.”[10]

ومع ذلك، فإن لم يكن هناك ابن، فلما حرص يوحنا على أن تكون غاية كتاباته هو أن يجب أن نعترف بأن الكلمة الذي تجسد هو بالحقيقة ابن الله؟ وكيف يغلب العالم كله مَنْ لا يقبل الإيمان بأن الابن مخلوق؟ وكيف يُكافأ بمثل هذه المكافأه أي غلبه العالم مَنْ له مثل هذه الأفكار الخاطئة؟

لأنه لو لم يكن من الخطر لقلنا إن الله يكرّم ويقبل هؤلاء الذين يؤمنون بإيمان خاطئ وإنه يُكافئ بعضهم بعطايا إلهية، فإني سأقول ومعي كل الحق بأنه يجب أن يُكرمّ وبكل الطرق مَنْ يؤمنون– في ضلال- بأن وحيد الجنس ليس ابنًا لكنه مخلوق ومصنوع حتى ولو قيل عنه أنه وُلد ودُعيّ ابنًا بواسطة الأب نفسه والروح القدس. وعلى عكس ذلك سيكون من الحق والصواب أن يكون من غير اللائق أن نقول هكذا ومن غير التقوى أن نفكر بمثل هذا الفكر. لأن الله يُكافئ الذين يحبون ويؤمنون بالحق أي بالابن الحقيقي وليس بشيء مصنوع لأن الإيمان بأنه مخلوق هو إيمان مريض وغير منطقي. ولهذا فإن الآباء الرُسل قد وصفوا القديس بطرس بأنه مطوّب. ففي الحقيقة عندما سأله المخلّص عندما كان في قيصرية فيلبس: مَنْ يقول الناس عن ابن الإنسان وأي أراء تُقال وتنتشر عنه في بلاد اليهودية. حينئذ ترك بطرس كل ما يقال من سخافات عن ابن الإنسان وقال بكل حكمة ومعرفة أَنْتَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ الْحَيِّ.”[11]

ولم يتأّخر الربّ يسوع في مدح الحق الذي نطق به بطرس فقال له: طُوبَى لَكَ يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا إِنَّ لَحْماًوَدَماًلَمْ يُعْلِنْ لَكَ لَكِنَّ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. وَأَنَا أَقُولُ لَكَ أَيْضاً: أَنْتَ بُطْرُسُ وَعَلَى هَذِهِ الصَّخْرَةِ أَبْنِي كَنِيسَتِي وَأَبْوَابُ الْجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا.[12]. ودُعي سمعان “بصخره” لا لأمر أخر إلاّ لأجل ثبات وعدم تزعزع إيمان التلميذ بطرس وعلى هذا الإيمان تثبتتّ وتأسسّت كنيسة المسيح وستبقى إلى الأبد حتى أن أبواب الجحيم لن تقوى عليها. وإيمان بطرس في الابن لم يُعبّر عنه بدون تدقيق ولا نبَعَ من فكر بشرّي، لكنه كان باستنارة سمائية: فالله الآب يوضح مكانه الابن ويلهم كل نفوس المؤمنين الحقيقيين بالإيمان بالابن. لأنه لم يكن من الممكن أن يكون المسيح كاذبًا ولهذا قال: “إِنَّ لَحْما ًوَدَما ًلَمْ يُعْلِنْ لَكَ لَكِنَّ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ[13].

إذن طالما أن بطرس قد وُصِفَ بأنه طوباوي وأستحق كل هذا التكرّيم لأنه أعترف بابن الله الحيّ، فكيف لا يكون هؤلاء الذين يُنزلون بذاك الذي هو ثمرة جوهر الله، إلى مرتبة المخلوقات ويَحسبون ذلك الذي هو شريك في الأزليّة ونبع الحياة، بين هؤلاء الذين ليس لهم الحياة في ذواتهم، وكيف لا يكون هؤلاء مملؤين حماقة وجديرين بكل ازدراء وهم الذين لا يعطون اهتمامًا بكل ما يليق بالله الآب وبكل ما هو حق؟ أم أن هؤلاء ليسوا جهلاء جدًا؟

 

ارميا: هم بالفعل جُهلاء.

كيرلس: ولأن إيمانهم في الابن هو ضعيف جداً وغير لائق بالمرّة فهم يشوّهون محبة الله الآب الجديرة بكل تقدير، بمحاولاتهم التفوّه بكلام لا يليق ضد الخصائص الإلهية.

 

إرميا: هل تستطيع أن تقول لي بأي طريقة يفعلون هذا، لأني لا استطيع أن أتابع كلامك؟

 

كيرلس: بكل سرور لأنه لا توجد أي صعوبة في ذلك. ودعني اسأل هل بذل الآب ابنه من أجل حياه العالم؟.

 

إرميا: بالتأكيد.

 

كيرلس: إذن سيكون واضحًا لكل أحد أن المولود هو أرفع مِن ما هو مصنوع بمهارة وحذق حيث إن المولود- من بين البشر- هو ثمرة شخصية لذلك الذي وَلَده بينما ما هو مصنوع هو نتيجة محصله لفكر وحكمه بشريّة.

 

إرميا: وماذا يعني هذا أيضًا؟.

 

كيرلس: ألا تفهم، أن محبة الله للعالم كانت ستُعطَى قيمه أقل لو أنه أرسل لخلاص العالم، ابنه الذي هو جزء من العالم (طالما هو كذلك كما يدّعون)، بينما كانت تلك المحبة ستُقدّر جدًا، وهذا حق، إذا علّمنا أن الله الآب قد بذل ابنه فداء عن حياة العالم ولم يشفق على ثمرته الذي اسلمه للموت بالجسد مفضلاً بذلك أن يهب السعادة لكل البشر؟.

 

إرميا: إني أفهم ذلك.

كيرلس: إني بالتأكيد أعتقد (وأرجو ألاّ يَغضبُ أحد من طريقة حديثي، إنما اضطر لهذا من أجل محبة لله )، أن المسيح كان لا يمكن أن يكون واحد من بين الخليقة أو أن يفدي العالم أو أن يعطي حياته ذبيحة كفارة أو أن يسفك دمه الكريم عنا إن لم يكن الابن هو إله حق من الإله الحقيقي وليس مخلوقًا وجزءً من الخليقة.

 

إرميا: بالصواب تتكلّم.

 

كيرلس: وسأضيف أيضًا أن كانت الخليقة قد خلُصت بدون أن تتلقي من الآب شيئًا بالمرّة أو أنها قد إحتاجت لمساعده قوات السماء. فمِن أين وبأي طريقة استطاعت الخليقة من نفسها وبمفردها أن تَخلُص وأن تَبقْي في حالة السعادة؟ لأنه، كما يقولون إن الابن والذي هو جزء من الخليقة هو مَنْ قد خلَّص الخليقة، فلأي سبب إذن نُعطِي تسبيح الشكر لله؟ وبغض النظر عن هذا، فلماذا لا نسبّح الخليقة بل نأتي لإله الكلّ ونتضرّع له قائلين: بَارِكِي يَا نَفْسِي الرَّبَّ وَلاَ تَنْسَيْ كُلَّ حَسَنَاتِهِ. الَّذِي يَغْفِرُ جَمِيعَ ذُنُوبِكِ. الَّذِي يَشْفِي كُلَّ أَمْرَاضِكِ. الَّذِي يَفْدِي مِنَ الْحُفْرَةِ حَيَاتَكِ[14]. فإن فعلنا هذا فنحن نفعل بالتأكيد ما هو ضد الله بينما لو قدّمنا لله التسبيح فإننا سنصبح حكماء ومؤمنين حقيقيين. إذن فكيف يكون ذلك الذي هو مخلوق وكواحد منا إله من إله وابن حقيقي؟ أم ليس الأمر هو هكذا؟.

 

إرميا: وكيف لا يكون هكذا!!

كيرلس: هيّا إذن إن أردت، كي نضيف شيئًا آخر إلى ما سبق أن وضحّناه ونقول إن الأسماء التي تدلّ على علاقة، تُشير أيضًا إلى طرفي هذه العلاقة لأن المعنى يشمل كل منهما. هكذا سيكون من السهل علي المرء وهو يعرف معنى اليمين- على سبيل المثال هو أن يعرف من خلاله معنى اليسار وسيوافق المرء أيضًا أن العكس صحيح. فالأسم “آب” إذن هو من الأسماء التي تدلّ على علاقة مع آخر[15]، كما أن الأسم “ابن” يدلّ على نفس العلاقة. وبالتالي فإلى أي شيء تدل الأسماء “الآب”، “الابن” وإلى أي علاقة تُشير، وعند استخدامها هل يخرج الحديث عمّا يليق؟.

 

إرميا: وهل هذا الأمر هو غير واضح لأحد؟! لأن الأسم “آب” يقُصد به شخص في علاقته “بابن” وبالطبع “ابن” في علاقته “بأب”.

 

كيرلس: إذن فلماذا يسموّن هؤلاء المجانين والمنحرفين الله “بالآب” ولكنهم يدّعون أن الابن هو مخلوق؟ أم أنه لا يُعتبر جهل وعدم لياقة أن نقول إن “الخالق” يُناظر الآب و”المخلوق” يُناظر “الابن” طبقًا للعلاقة التي توجد بين اثنين؟.

 

إرميا: إنه جهل كبير، لأنه هكذا سيصل الحال أن ندعَو الآب نفسه بأنه “مخلوق” طالما إن له علاقة حسب الطبيعة بشيء من بين المخلوقات وذلك حسب تفكيرهم.

 

كيرلس: إذن لنسمع المسيح نفسه وهو يصرخ قائلاً: “ لَسْتُمْ تَعْرِفُونَنِي أَنَا وَلاَ أَبِي. لَوْ عَرَفْتُمُونِي لَعَرَفْتُمْ أَبِي أَيْضاً[16]. وعندما سألوا عن سبب توبيخهم أجابهم قائلاً “إن من ينكر الآب ينكر الابن أيضًا ومن ينكر الابن لن يقبل الآب أيضًا[17]. وبالطبع فإنه محق في قوله هذا. لأنه إن لم يكن هناك آب قد وَلَدَ حسب الطبيعة، فإن أحد لن يقبل أن يكون هناك ابن مولود، ولا حتى آب، وهذه طريقة تفكير غير منطقية. لأن الآب يدعي أبًا لأنه وَلَدَ. وبالتالي هو قول حق أن الأسمين أب وابن يُشيران إلى الاثنين وعندما يوجد الواحد، يوجد بالضرورة الآخر وهذا هو السبب فيما يُقال عن كينونة كل منهما[18]. وإلاّ لماذا قال المسيح للشعب اليهودي المُعاند “أنا قد أتيت باسم أبي ولستم تقبلوني”؟[19] مع أن المسيح بالطبع لا يُسمىَ أبا لنفسه لكن يُسمىَ ابنًا قد وُلِدَ من آب. فكيف يقول إنه قد أتي إلينا باسم الآب؟ أم أنه يجب أن نُفسر لفظ “بإسم” على أنه يدل على مجد الآب وسروره؟ لأن لفظ “اسم” في الكتاب المقدّس يدلّ في بعض الأحيان على المدح والمجد الظاهر لكل أحد كما جاء في سفر الأمثال:  “اَلصِّيتُ[20] أَفْضَلُ مِنَ الْغِنَى الْعَظِيمِ[21]. فهل كفّ قول المخلّص عن أن يكون قولاً حقيقيًا ومملؤ بالحكمة عندما قال بكل وضوح أنه قد أتي إلينا باسم أبيه؟.

إرميا: من الصحيح بالتأكيد، أن أقول إن مَنْ هو حق لا يمكن أن يخطىء في بيان ما هو حقيقي.

 

كيرلس: إذن طالما أننا نتكلّم بالحق، فيجب علينا إما أن نضع الله الآب في منزله المخلوقات حتى لا يظهر بأنه يَتفوّق على الابن في المجد، أو أن نرفع الابن إلى مرتبة تليق بإله أي من جهة طبيعيّة وجوهرة. لأن الله الآب لن يُضار في شيء إن كان الابن له نفس الطبيعة. وسيساعدنا في ذلك يوحنا الحكيم بقوله اَلَّذِي يَأْتِي مِنْ فَوْقُ هُوَ فَوْقَ الْجَمِيعِ[22]. وتعبير “من فوق” يعني رِفعّة طبيعة الابن وعلوها وهذا ما يوضحه تلميذ المُخلّص بقوله “كُلُّ عَطِيَّةٍ صَالِحَةٍ وَكُلُّ مَوْهِبَةٍ تَامَّةٍ هِيَ مِنْ فَوْقُ، نَازِلَةٌ مِنْ عِنْدِ أَبِي الأَنْوَارِ[23]. إذن فالابن أتى من الآب، إلينا (على الأرض) كما من نَبعْ وكَنبَت من جذر فوقاني، وبقوله “الذي يأتي من فوق هو فوق الجميع” فإنه يُظهر من ذاته نفس المجد الذي منه قد جاء وأنه هو فوق الجميع مثله مثل الآب تمامًا. وبقولنا إنه “فوق الجميع” لا نقصد بهذا أنه هو فوق الخليقة من حيث المرتبة والمجد فقط لكن نقصد أن جوهره الفائق يعلو فوق الجميع وهو واحد في الجوهر مع الآب الذي وَلَدَه. إذن طالما هو فوق الجميع، فكيف يمكن أن نفهم أنه واحد ضمن الكلّ؟ لأنه إن كان فعلاً هو مخلوق، فحينئذ يجب أن يُحسب ضمن كل المخلوقات. وكيف يكون مختلفًا عن الكلّ وفوق الجميع إن لم يتفوّق– بحسب الطبيعة – على كل مقارنه بينه وبين كل المخلوقات؟ وكيف يكون مدحنا للابن هو مديح بغير حق إن كنا نعليّ مكانيًا فقط من طبيعته غير المنظورة؟.

 

أرميا: ماذا تعني بهذا؟.

 

كيرلس: هل تريد أن نُعطِي تعبير “من فوق” تفسيرًا مكانيًا ويكون عكس تعبير “من أسفل”. وهي تعبيرات تتعلق بالمسافات؟.

 

إرميا: إن فَعَلنا هذا، فماذا سنفعل بالابن إن وجد في موضع معيّن؟ لأن مثل هذا الوضع هو من خصائص المخلوقات المادية (الجسميّة)!

 

كيرلس: إذن ما نقوله هو صحيح، وهو أن تعبير “من فوق” معناه من عند الآب. لأن الابن يُعرَف أنه فقط من عند الآب وهو وحده الذي يَعرِف الله أبيه. طالما أن الطبيعة (الإلهية) الفائقة غير مرئية وغير معروف ما هي ماهيتها بالضبط لدى أي كائن من الكائنات. لأننا نؤمن بوجود الله، لكنه من غير اللائق أن نبحث في ماهية الله حسب طبيعته الإلهية ولأنه ليس من السهل أن ندرك هذا، إذ أن طبيعة الله هي أبعد من حدود الفكر البشرّي. ثم إن كان الابن هو مخلوق ومصنوع فكيف يمكنه وحده أن يعرف الآب وأن يكون هو وحده أيضًا معروفًا من الآب؟ لأن معرفة طبيعة الله هو أمر مستحيل تمامًا بالنسبة للمخلوقات، بينما أن يُعرَف شيئًا عن تلك المخلوقات، وماهيتها، ليس هو أمر يفوق إدراك العقل حتى ولو كان هذا الأمر صعب قليلا علينا. وبالتالي فطالما أن الابن وحده هو الذي يَعرِف الآب وهو فقط الذي يُعرَف من الآب. إذن سيتلاشى الاتهام بأنه قد خُلِقَ. لأن الطبيعة الفائقة غير الموصوفة هي فقط التي تَعرفُ نفسها ولا يستطيع أولئك الذين خُلقوا أن يقتربوا منها على الإطلاق.

 

إرميا: بالفعل، إن الطبيعة الإلهية لا يُقترب ولا يُدنى منها، لأن الله أعلى من فحص عقلى.

 

كيرلس: إذن كيف يمكن أن نقول إن الابن قد خُلق مع أن الحكيم بولس يبشر بالآتي ويقول: وَإِنَّمَا أَقُولُ: مَا دَامَ الْوَارِثُ قَاصِرا ًلاَ يَفْرِقُ شَيْئا ًعَنِ الْعَبْدِ، مَعَ كَوْنِهِ صَاحِبَ الْجَمِيعِ. بَلْ هُوَ تَحْتَ أَوْصِيَاءَ وَوُكَلاَءَ إِلَى الْوَقْتِ الْمُؤَجَّلِ مِنْ أَبِيهِ. هَكَذَا نَحْنُ أَيْضاً: لَمَّا كُنَّا قَاصِرِينَ كُنَّا مُسْتَعْبَدِينَ تَحْتَ أَرْكَانِ الْعَالَمِ. وَلَكِنْ لَمَّا جَاءَ مِلْءُ الزَّمَانِ، أَرْسَلَ اللهُ ابْنَهُ مَوْلُودا ًمِنِ امْرَأَةٍ، مَوْلُوداً تَحْتَ النَّامُوسِ، لِيَفْتَدِيَ الَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ، لِنَنَالَ التَّبَنِّيَ.[24] بمعنى أنه في كل الوقت الذي كنا نعيش في جهل وكنا قاصرين كنا مُستَعبَدين تحت أركان العالم كنا نَعبدُ الخليقة مع أنه كان يجب علينا أن نقدمّ الكرامة لمن بطبيعته وحده هو الله الحقيقي. وعندما أشرق الابن بيننا، فقد صارت معرفتنا أفضل من جهالة الطفولة، وإذ انتقلنا من الظلمة إلى نور الحق، فإننا- وكما أظن أنَك ستوافقني- قد أُعتقنا من أن نكون مُستَعبَدين تحت أركان العالم. وبخلاف هذا فإن الكتاب المقدّس قد أعلن لنا هذا التعلّيم مرارًا قبل قليل وهو تعلّيم يتصّف بالحكمة والحق وكل من يهتم بما هو سليم سوف يتفق مع ما جاء فيه لأن هذا التعلّيم يعلّن لنا أسرار المسيح.

 

إرميا: أني أتفق معك بالتأكيد.

كيرلس: إذن يا إرميا، هل كل شيء قد أتي إلى الوجود بموافقة الله الخالق، يجب ألاّ نحسبهُ بين أركان هذا العالم، أو طالما أنه هو جزء من العالم فيجب أن يُحسب مع الكلّ؟.

 

إرميا: بكل تأكيد.

 

كيرلس: وهل تحررّنا تمامًا عندما تحررّ عقلنا وفكرنا وعندما رفضنا الرغبة في أن نظل مُستعبدين لأركان هذا العالم؟.

 

إرميا: هكذا أعتقد.

 

كيرلس: إذن فلنقبل الإيمان بالابن على أنه هو الابن الحقيقي، أو كيف يمكن أن يكون خلاف ذلك؟.

 

إرميا: هو هكذا بالفعل.

 

كيرلس: بالتالي لا يمكن أن يكون الابن الوحيد هو مخلوق وكواحد من أركان هذا العالم ويُحسب من ضمن المخلوقات. ونحن مازلنا أطفالاً في أفكارنا ولا نقدر أن نفخر بأن لنا العقل التام، بل بالحري تخدعنا بعض الأفكار غير المجدّية مع أن لدينا بالحقيقة الرجاء الواثق أي الرجاء في الابن. لأنه في أي شيء سيكون الابن قد أفادنا بكونه قد صار انسانًا إن لم يكن قد حررّنا من عباده المخلوقات؟ أم أنه لا يكون ضلالاً إن كنا نؤمن به على أنه مثل أي ابن آخر (مخلوق)؟.

 

إرميا: سيكون بالفعل هكذا لو أن الابن كان مخلوقًا.

كيرلس: ألن تكون شريعة موسى أفضل من شريعة المسيح لو أننا بالفعل نؤمن بشخص مخلوق؟ وفي هذه الحالة يجب أن توضع شريعة موسى القديمة بعد الأناجيل المقدسة؟ وحينئذ كيف يمكن  ” للْبَارُّ أن يَحْيَا َبِالإِيمَانِ [25] طالما أن الناموس لا يقود أبدًا للكمال؟[26] مع أن الإيمان بالابن– كما يقول هؤلاء- يُهلك أولئك الذين يقبلونه بينما الناموس يفيد القدماء.

 

إرميا: إشرح لي بأي طريقة يحدث هذا كما يتصّورون.

 

كيرلس: إن الناموس الذي أُعطيّ للقدماء بواسطة موسى الحكيم قد أوصاهم قائلاً:  “إِسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ: الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ[27] وفي موضع آخر قال لهم: لا تَصْنَعْ لكَ تِمْثَالاً مَنْحُوتًا صُورَةً مَا مِمَّا فِي السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ أَسْفَلُ[28] وهو قد ارتقى بهم إلى أعلى بعيدًا عن عباده أركان العالم عندما قال لهم: “لِئَلا تَرْفَعَ عَيْنَيْكَ إِلى السَّمَاءِ وَتَنْظُرَ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ وَالنُّجُومَ كُل جُنْدِ السَّمَاءِ التِي قَسَمَهَا الرَّبُّ إِلهُكَ لِجَمِيعِ الشُّعُوبِ التِي تَحْتَ كُلِّ السَّمَاءِ فَتَغْتَرَّ وَتَسْجُدَ لهَا وَتَعْبُدَهَا.”[29]، بمعنى أن الناموس قد دعاهم للإيمان بالواحد الذي هو بالحقيقة إله حسب الطبيعة وأعتقهم نهائيًا مما هو خطأ وشر. لأن الناموس لم يطالبهم بضرورة السجود للخليقة بجانب الخالق، لكنه أوصي مَِنْ دعاهم إلى الاعتماد الكلّي على الخالق وهددّ بعقاب الموت لِمنْ لم يرغب في عبادته. فإن كان هذا هو بالتأكيد ما يقوله الناموس، فدعنا نقول إلى أي مدى دعانا كلام الإنجيل. لقد انقضى الناموس الذي كان ظلاً ورمزًا وسطع نور الحقيقية منذ أن قَبِلنَا الإيمان بالابن مع أنه- حسب ما يعتقد المخالفون- هو مخلوق ومصنوع. فهل نحن مجانين إذ قد آمنا إيمانًا أسمى من أولئك الذين آمنوا- وفقًا للناموس- بالواحد الذي هو بالحقيقة إله حسب الطبيعة؟ والأكثر غرابه أن هؤلاء بغير أن يكون قد قبلوا نور الحقيقة فإنهم قد عرفوا الإله بحسب الطبيعة بينما نحن يا من قد أتينا بعدهم ونفتخر أننا قَبِلنَا الحق الذي لم يُستعلن لِمنْ كان قبلنا، فإننا قد انحرفنا عن هذه الحقيقة ونوجد في ظلام لا استنارة رغم وجود النور الإلهي.

 

إرميا: يالها من حجج قوية.

 

كيرلس: إنك لو عرفت أمرًا آخرً، سوف تتعجب بالأكثر.

 

إرميا: وما هو هذا الأمر؟.

 

كيرلس: إن الناموس قد صار مُؤَدِّبَنَا إِلَى الْمَسِيحِ [30] وأعتقد أنك تعرف أن هذا قد كتبه بولس الرسول.

 

إرميا: أعرف هذا.

 

كيرلس: يجب إذن أن نفحص بتدقيق إلى أي شيء وبأي كيفية كان الناموس هو مُؤدِّبنَا الذي يقودنا إلى المسيح، بمعنى يقودنا إلى معرفة المسيح وأقواله. فهل سيقودنا إلى معرفة اسمى تتّفوق على المعرفة التي بواسطة الناموس والمخفيّة فيما بين الرموز أَمّ إلى معرفه أقلّ منها؟.

إرميا: بالطبع إلى معرفة اسمى وأوضح.

 

كيرلس: حسنا يا صديقي، لأني أعتقد أن كل حكيم وعارفٍ سيوَافق وسيقول إن الأمر لابد وأن يكون هكذا. إذن فإن كان الناموس الذي هو مؤدّبنا، والذي كَرَزَ بالواحد الذي هو بالحقيقة إله حسب الطبيعة، لمَ يقُدنَا إلى معرفة اسوأ فيما يختص بسرِّ المسيح، حينئذ لا يجب أن يكون الابن مخلوق، حتى لا يظهر الناموس بأنه قد ظَلَمِنا فيما نفعل أو كأنه يُظهر أن معرفة المخلوق أفضل من معرفة الله الخالق وبذلك يُصبح الناموس فخًا ومصيّدة يَستخدمها الشيطان، مع أن الملائكة قد أعلنت أنه أُعطى لنا كي يساعدنا كما قال أحد القديسين: “إن الناموس أُعطى للمساعدة” وطالما أن المسيح هو كمال الناموس والأنبياء، فكيف يمكن أن يكون كلام الكتاب صادقًا وهو ينتهي بنا إلى نتيجة مُضلّه في كل معرفتنا ويجعلنا نعبد الطبيعة المخلوقة بدلا من الله الخالق؟

[1] . لاوين 24: 15- 16.

[2] . مت10-20.

[3] .1يوه:20-21

[4]. أعمال 28:17

[5] .مت14:5

[6]. مت19:28

[7] سبق ان أشار القديس كيرلس إلى هذه النقطة الهامة في حواره الثاني. انظر حوار حول الثالوث ج1، مركز دراسات الآباء، ص  ، وهذا التعليم نجده أيضًا في تعليم القديس أثناسيوس

[8] يوحنا20: 30-31

[9] . 1يوحنا5:5

[10] . يوحنا 16:3

[11] . مت16:16

[12] .مت16 :17-18

[13] . انظر مت 17:16

[14] مز103: 2-4

[15] أنظر القديس غريغوريوس الناطق بالآلهيات في مقالاته اللاهوتية الخمسة.

[16] يوحنا 35:8

[17] انظر يوحنا 22:2-23

[18] سبق أن تناول القديس كيرلس هذه النقطة في الحوار الثاني. راجع: حوار حول الثالوث. المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية ج1.

[19] يو5: 43

[20] الأسم الممدوح

[21] أمثال1:22(سبعينيه)

[22] يوحنا31:3

[23] يع17:1

[24] غلاطيه 1:4-5

[25] انظر روميه17:1

[26] انظر عب19:7 “إِذِ النَّامُوسُ لَمْ يُكَمِّلْ شَيْئاً

[27] تث 4:6

[28] تث8:5

[29] تث19:4

[30] غلاطيه 24:3

 

الابن غير مخلوق وغير مصنوع – الحوار الرابع ج1 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

المسيح رأس كل رجل – الحوار الثالث ج9 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

المسيح رأس كل رجل – الحوار الثالث ج9 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

المسيح رأس كل رجل – الحوار الثالث ج9 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

 

الحوار الثالث

” إن الابن هو إله حقيقى كما أن الآب إله حقيقى “

 

رأس كل رجل هو المسيح … ورأس المسيح  هو الله:

كيرلس: وهناك شاهد آخر من الكتاب المقدس يشدّد على وحدة الجوهر بين الآب والابن لأن بولس الرسول يقول: ” رأس كل رجل هو المسيح وأما رأس المرأة فهو الرجل، ورأس المسيح هو الله[1]. لأنى أعتقد أنه يقصد بهذه الآية أن يوضّح وحدة الجوهر وأن الابن قد وُلد بالحقيقة من نفس هذا الجوهر[2].

 

إرميا: ماذا تقصد؟.

كيرلس: هل تعتقد أنه يجب أن نفحص بالتدقيق هذه الآية؟ قل لى ما الذي لم تفهمه أو ما الذي يبدو لك غريبًا في هذه الآية.

 

إرميا: نعم، يقولون، إن هذا الكلام يجرّد الابن من أن يكون واحدًا مع الله الآب.

كيرلس: كيف، هل تستطيع أن تجاوبنى؟

 

إرميا: بالتأكيد، هم يقولون إن كان الرجل هو رأس المرأة بسبب أن له نفس طبيعتها وجوهرها مع أنه يعتبر أنه يفوقها لأن الرأس هو عضو مكرّم جدًا وأعظم أعضاء الجسد ورأس الرجل هو المسيح، الأمر الذي يعنى أن هناك (تطابق) تشابه بين طبيعته وطبيعة المخلوقات مثلما أن طبيعة الرجل والمرأة هى واحدة. إذًا كيف يمكن أن يقال عن الابن أنه هو الله وبالحرى إله حقيقى أو كيف يمكن أن يكون واحدًا مع الآب في الجوهر طالما أنه يحسب من بين المخلوقات حتى ولو كان له مكانة الرأس في الجسد، لأنهم يقولون إنه متفوق على البشر من حيث الكرامة؟

 

كيرلس: يا لها من مقدرة فعليّة على التفوه بكلام غير لائق!! يا له من حديث عنيف وهجومى ومزيّف ذلك الذي يتحدث به أعداؤنا!! لأنهم يجدّفون تجديفًا واضحًا لأنهم يدّعون أن الابن هو مخلوق بواسطة الله الآب. غير أننا سنتحدث عن ذلك الأمر في الوقت المناسب وسنتناوله بالبحث من جهة الفكر واللغة. غير أنى أتعجب كثيرًا لأمر سأذكره الآن لأن هؤلاء الجهلاء قد وقعوا في خطأ وبدرجة ليست أقل من المرات السابقة، من جهة التفكير السليم.

لأنه يقال عن المسيح أنه هو رأس الرجل بسبب الارتباط الناتج عن العلاقة الطبيعية[3] (معنا) ونحن لا ننكر ذلك لأنه صحيح ومؤكد. فطالما أن الله هو رأس المسيح، فما هو الأمر الذي يعترضنا، أيها الكرام أو ماذا يمنعنا من أن نفكر أنه طالما أن الابن هو من نفس جوهر المخلوقات لأنه يدعى رأس الرجل، أن نتجرأ بأن نحصى الآب أيضًا من ضمن المخلوقات طالما أنه يُدعى رأس الابن حيث إن الابن هو مخلوق ومصنوع حسب ما تقولون؟ لأنه من الواضح أنهم يعتقدون أن ما يهذون به هو كلام حسن بغير عيب، غير أنى أعتقد أن ثقل تجديفهم قد أضناهم ومع ما يبدون من قسوة إلاّ أنهم يتبعون طرقًا طفولية في التعامل مع أمور هامة كهذه.

          إذًا فمع رفضنا وتركنا لهذه الأمور وإلقائها في البحر، هيا بنا نفكر فيما ينبغى أن نفكر فيه. فنحن نقول بالفعل، إن الرجل هو رأس المرأة لأن المرأة خُلِقتْ في البدء من جنبه وعلى صورته كما خلق هو على صورة الله كما جاء في الكتب[4]. كما أننا تعلّمنا أن رأس الرجل هو المسيح، الذي هو الأصل الثانى للجنس البشرى وبكر البشرّية[5] التي تقدسّت بالروح فنالت عدم الموت ولهذا السبب عينه يُدعى المسيح آدم الثانى[6].

ونحن نقبل بل ونؤمن أن رأس المسيح هو الآب لأنه مساوٍ له في الجوهر ومتحد معه حسب الطبيعة. ولهذا يُدرَك على أنه هو الله مع أنه ظهر في الجسد وصار كواحد منا. والمسيح ليس إلهًا فقط وليس إنسانًا فقط، بل أنه حسب التدبير قد وحّد في شخصه طبيعتين مختلفتين هما اللاهوتية والناسوتية في إتحاد لا يدركه العقل ولا يدنى منه ولا يُعبر عنه باللسان[7].

لأن المسيح هو إله وإنسان معًا[8]، فالآب السماوى هو مصدر (نبع) وأصل أقنومه وهو كائن معه وأزلى معه بدون أن يكون الآب سابقًا على الابن زمنيًا[9] طالما أن الرأس (الآب) كائن مع مَن دُعى رأسًا (الابن)، ومن جهة أخرى فالمسيح مرتبط معنا من حيث طبيعته البشرية.

فعندما نقول إن الله هو رأس المسيح وهو كذلك بدون شك، كيف لا يكون إلهًا ذلك الذي أصله هو الألوهة الحقيقية وله نفس جوهر من وَلَده؟ لأنه لابد أن ندرك أن الرأس هى من نفس طبيعة باقى الجسد. لكن إن كانوا يعتقدون أن الكلمة الذي وُلِدَ من الله الآب لابد أن يخرج خارج نطاق الألوهة ويحسب ضمن المخلوقات فليسمعوا جيدًا هذا القول ” اجعلوا الشجرة جيدة وثمرها جيدًا أو اجعلوا الشجرة ردية وثمرها رديًا لأن من الثمر تعرف الشجرة[10].

 

إرميا: لقد كان شرحك وافيًا.

كيرلس: إنه دليل واضح على حماقتهم التي فاقت كل حدود أنهم يعجبون بالشجرة لأنها جيدة وأصيلة بينما يصنّفون الثمرة بأنها من طبيعة أخرى. فالإله يَلدْ بالضرورة إلهًا. أم سنقول إن الأمر ليس كذلك؟

 

إرميا: أنا على الأقل أوافقك فيما تقول.

 

رائحة المسيح الذكيّة فينا هى شهادة لألوهيته:

كيرلس: وكيف لا يكون إلهًا وبالحرى إلهًا حقيقيًا مَن بواسطته، وبواسطته وحده يستطيع المرء أن يعرف أن الآب هو إله حق حسب الطبيعة؟[11] لأن بولس الرسول يكتب لهؤلاء الذين آمنوا ” لكن شكرًا لله الذي يقودنا في موكب نصرته في المسيح كل حين ويُظهر بنا رائحة معرفته في كل مكان لأننا رائحة المسيح الذكية لله[12]. فعندما تظهر رائحة الله الآب الذكيّة من خلال المسيح، وتصبح معروفة بواسطته، كيف تشك في أن هذا يجب أن يحدث؟ لأنه في المروج والبساتين تنمو الأشجار والزهور في مواسمها، كأشجار التفاح مثلاً وزهور السوسن. إذًا يا صديقى هل من الممكن أن يكون لثمار التفاح وبطريقة طبيعية رائحة السوسن أو أن يُغيّر التفاح رائحته لرائحة زهور السوسن أو عنهما يُنزع إلى الأبد ما يميّز كل منهما؟

 

إرميا: لا يمكن أن يتم هذا بأى طريقة لأنه ستفيح من كل منهما رائحته.

 

كيرلس: إذًا فكيف يقدر المسيح أن يكون هو رائحة المعرفة الحقيقية لله الآب ولا يُصدَّق أنه صَدَر من الألوهة الحقيقية؟ لأنه قد ثبت أن كل واحد يُعطى ما هو حسب طبيعته، وكيف يمكن لرائحة الألوهة حسب الطبيعة أن تُعطى بواسطة مخلوق له طبيعة مختلفة عن طبيعة الله؟ كما أنه لا يمكن للمرء العاقل أن يصدّق أن رائحة الألوهة توجد في طبيعة المخلوقات لأن هذا سيكون فكرًا أحمقًا.

وهكذا فإننا لا نستطيع أن ننسب إلى الألوهة الفائقة غير المولودة أنها ستأتى لنا بابن ذو طبيعة مختلفة عنها، عوضًا عن ابن فيه رائحة الألوهة الفائقة.   لأن الابن الوحيد وُلِدَ بطريقة لا يُعبَر عنها من جوهر الله الآب. ولهذا فإن كنيسة الأمم تناديه كعريس قائلة ” اسمك كالطيب المسكوب، لهذا أحبتك العذارى..[13] كما أننا أيضًا عن طريقه وبواسطته قد قَبِلنا ونلنا رائحة معرفة الآب.

 

إرميا: أتفق معك لأنه واضح أنك تتكلّم وتفكر بالصواب.

كيرلس: وبطريقة أخرى يمكن أن نبرهن على أن الابن هو الله وأنه وُلِدَ من الله مع أنه يمكننا أن نتوقف عن الحديث هنا.

 

إرميا: بأى طريقة تقصد؟

كيرلس: قل لى هل من اللائق أن أى كائن من الكائنات يمكن أن يوزع كل ما تملك الطبيعة الإلهية وحدها أن تهبه؟

 

إرميا: ليس من اللائق إطلاقًا.

كيرلس: بالتالى فمن الطبيعي أن مَن له القدرة على إتمام هذا العمل، أن يكون في العلا، في قمة درجات المجد اللائق بالله؟

 

إرميا: وكيف لا يكون هكذا؟

كيرلس: إن السلام هو عطية إلهية وهبة سماوية ويأتى إلينا بتفضّل من الله كما يصرخ إشعياء النبى قائلاً ” يا رب تجعل لنا سلامًا لأنك كل أعمالنا صنعتها لنا. يا رب لا نعرف آخر سواك نحن ندعوك باسمك[14].

 

إرميا: بالفعل هذا ممكن.

كيرلس: إذًا فالسلام هو ثمرة فعل سماوى وهو عطية بالفعل كما قلت سابقًا لا يهبه أى كائن مخلوق بل فقط الله حسب الطبيعة .. ولهذا فإن إشعياء قد قال بأنه يعرف الله وحده ولا يعرف آخر سواه.

 

إرميا: هذا حقيقى.

 

كيرلس: انتبه إذًا، إن الكلمة المولود من الآب هو الضابط للكل، وهو المانح لما يعطيه الله الآب لنا. لأنه قال لتلاميذه القديسين ” سلامى أنا أعطيكم، سلامى أترك لكم[15]. وقال إن هذا السلام هو سلامه لأنه بالفعل هو سلام يُعطى من الله وحده وليس بأى طريقة أخرى. كما أن بولس الطوباوى يقول ” نعمة لكم وسلام من الله أبينا والرب يسوع المسيح[16]. فقل ليّ إذًا: ذاك الذي هو مع الله الآب، يهب ويُعطى ويأتى بنفس المجد غير المتغيّر والعظمة، كيف يكون من الممكن أن ينقص عنه في المجد، أو كيف لا يكون مساويًا ومشابهًا في كل شئ لذلك الذي وَلَده؟

 

إرميا: صحيح.

كيرلس: تعال لنفحص أمرًا آخرً.

 

إرميا: ما هو؟

كيرلس: ألا ترى أنه إن تبعنا تعاليم القديسين[17] فإنه من المؤكد أن وصولنا إلى الحقيقة سيكون أسهل وسيقودنا هذا إلى ما يسّر الله وإلى معرفة ما أُوحى به عن الابن بواسطة الروح القدس؟

 

إرميا: ماذا يعنى هذا؟

كيرلس: يعنى أن الابن هو الله بالحقيقة حسب الطبيعة. ولهذا فإن المطوّب بولس قد قال عن الله الآب: ” الله ابو ربنا يسوع المسيح الذي هو مبارك إلى الأبد يعلم أنى لا أكذب[18]. وبعد ذلك مباشرةً يكرّم الابن ويمجده بنفس الكلام وبدون أى تردد لأنه يعرف أنه هو الله الحقيقى حسب الطبيعة فيقول لليهود: ” فإنى كنت أود لو أكون أنا نفسى محرومًا من المسيح لأجل اخوتى وأحبائى حسب الجسد الذين هم إسرائيليون ولهم التبنى والمجد والعهد والاشتراع والعبادة والمواعيد ولهم الآباء منهم المسيح حسب الجسد الكائن على الكل إلهًا مباركًا إلى الأبد آمين[19].

[1] 1كو3:11.

[2] ربما كان القديس كيرلس هو الوحيد من بين آباء الكنيسة المعلّمين، الذي أعطى لهذه الآية مثل هذا التفسير الذي يشدّد به على وحدة الجوهر بين الآب والابن.

[3] يقصد أن المسيح له المجد إتخذ لنفسه طبيعة بشرّية مثل طبيعتنا البشرية تمامًا ما عدا الخطية وحدها.

[4] تك26:1.

[5] لقد أساء الآريوسيون فهم الآية ” بكر كل الخليقة ” كو15:1. وفسروها خطئًا على أن الابن وكلمة الله هو مخلوق. لهذا أعطى ق. أثناسيوس الشرح المستقيم لهذه الآية مدافعًا عن ألوهية الابن المتجسد موضحًا أنه ” دُعيّ بكر الخليقة ليس بسبب نفسه كما لو كان مخلوقًا ولا بسبب أن له علاقة ما من جهة الجوهر مع كل الخليقة، بل لأن الكلمة من البدء عندما خلق المخلوقات تنازل إلى مستواها حتى يتيسر لها أن تأتى إلى الوجود. لأن المخلوقات ما كان ممكنًا لها أن تحتمل طبيعته التي هى بهاء الآب الخالص. لو لم يتنازل بحب الآب للبشر ويعضّدها ويمسك بها ويحضرها إلى الوجود “. انظر الشرح المطوّل لهذه الآية في المقالة الثانية ضد الآريوسيين، مركز دراسات الآباء، القاهرة 2004 الطبعة الثالثة، فقرات 6266.

[6] انظر التسبحة اليومية: ثيؤطوكية الأربعاء. وأيضًا ق. كيرلس: الجلافيرا: تعليقات على سفر التكوين. المقالة الثالثة.EPE. Tom. 3. s. 235

[7] يدافع ق. كيرلس بكل قوة عن عقيدة الكنيسة فيما يخص طبيعة المسيح الكلمة المتجسد وذلك ضد هرطقة نسطور الذي علّم بوجود طبيعتين منفصلتين وأنكر أن العذراء هى والدة الإله. انظر رسائل ق. كيرلس إلى نسطور ويوحنا الأنطاكى ثلاثة أجزاء، إصدار مركز دراسات الآباء. القاهرة 1988، 1989، 1995م.

[8] وفي موضع آخر من هذا الحوار عبّر ق. كيرلس عن إيمان الكنيسة بهذا بقوله: ” ونحن نرى أن الابن واحد من اثنين إذ فيه التقت الطبيعتان الإلهية والإنسانية معًا واتحدنا بشكل غير موصوف ولا يُعبّر عنه. وبكل تأكيد نحن لا نعنى أن كلمة الله قد تحوّل إلى الطبيعة الجسديّة الأرضية ولا الجسد تحوّل إلى طبيعة الكلمة … فكل منهما يبقى في خصوصيته ولكنهما يعدان في وحدة تامة لا تنفصل “. المرجع السابق. الحوار الأول ص39.

[9] هذا ما كان يعلّم به آريوس وسجله في كتابه “ثاليا” أى المأدبة الأدبية وقد أورد ق. أثناسيوس بعضًا مما ورد في الثاليا في بداية المقالة الأولى ضد الآريوسيين فقرة 5.

[10] مت33:12.

[11] كانت من نتائج تجسد الابن وكلمة الله هو القضاء على الموت وعلى فساد الطبيعة البشرية وأن يعرّف البشر عن الإله الحقيقي، عن الله الآب. انظر ق. أثناسيوس. تجسد الكلمة، ترجمه عن اليونانية وتعليقات د. جوزيف موريس فلتس، إصدار المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، فصل 7:15 ص45.

[12] 2كو14:215.

1 نشيد الأنشاد 3:1 (س).

[14] إش12:2613س.

[15] يو27:14.

[16] رو7:1.

[17] إتباع تعاليم القديسين وأسفار الكتاب هو الذي يضمن سلامة الإيمان المسلّم مرة، ولهذا نجد أن القديس أثناسيوس يتسآل عن مصدر تعاليم الهراطقة بقوله: ” فمَن هو الذي سلّم هذه الأمور إليهم؟ ومَن هو الذي علّمهم؟ فبالتأكيد لم يتعلّموا هذا من أحد الأسفار الإلهية، بل من فيض قلوبهم خرج هذا الجنون “. الرسائل عن الروح القدس. المرجع السابق. الرسالة الثالثة: 5.

[18] 2كو31:11.

[19] رو3:95.

 

المسيح رأس كل رجل – الحوار الثالث ج9 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

روح الابن مثلما هو روح الآب – الحوار الثالث ج8 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

روح الابن مثلما هو روح الآب – الحوار الثالث ج8 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

روح الابن مثلما هو روح الآب – الحوار الثالث ج8 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

 

الحوار الثالث

” إن الابن هو إله حقيقى كما أن الآب إله حقيقى “

 

الروح القدس هو روح الابن مثلما هو روح الآب[1]:

كيرلس: إذًا ما يقوله هؤلاء هو أساطير لا نفع منها، إذ أن شرورهم لا حد لها بينما نحن لا نستطيع أبدًا أن نؤمن بأن الابن هو إله غير حقيقى، وأنه يتقدّس بمعنى أنه يُدعى من الآب كى يصير ابنًا وأنه يتمجّد معنا كابن، على العكس فإن ما هو عليه إنما هو من طبيعته. لأنه لا يمكن أن يصير الابن ابنًا بواسطة الروح القدس. فالروح القدس هو بالتأكيد روح الآب مثلما هو روح الابن[2] وهذا يمكن أن يعلمه المرء وبدون تعب عندما يسمع الابن نفسه وهو يقول ” فإن كنتم وأنتم أشرار تعرفون أن تعطوا أولادكم عطايا جيدة فكم بالحرى أبوكم الذي في السموات يهب خيرات للذين يسألونه[3]. وأيضًا ” لأنه لستم أنتم المتكلّمين بل روح أبيكم الذي يتكلّم فيكم[4]. وبنفس الطريقة فإن القديس بولس يكتب لمن يؤمنون قائلاً: ” وأما أنتم فلستم في الجسد بل في الروح إن كان روح الله ساكنًا فيكم ولكن إن كان أحد ليس له روح المسيح فذلك ليس له. وإن كان المسيح فيكم فالجسد ميت بسبب الخطية وأما الروح فحياة بسبب البر[5]. إذًا فبالتأكيد الروح هو الذي يعطينا نحن الأرضيين بهاء مجد البنوّة، وأقصد أنه طالما أن الروح هو روح الابن، فإنه يعطى بفعله التبنى للجميع، بينما يكون بلا فعل في ذلك الذي هو ليس غريبًا عنه (أى الابن)[6] الذي هو في الواقع روحه الذاتى، وهو (الروح) ينسكب بواسطة الابن ومسرّة الآب على المستحقين أى الذين يقبلونه. أم أنك تظن أننا لم نوضح هذه الأمور بطريقة صحيحة؟

 

إرميـــا: إنى أتفق معك تمامًا فيما تقول.

كيرلس: وأيضًا عندما يحدّثنا القديس يوحنا عن الله بقوله ” بهذا نعرف أننا نثبت فيه وهو فينا أنه قد أعطانا من روحه[7]. فكيف يصعب علينا أن ندرك أن الابن هو إله بالحقيقة وأنه قد جاء من جوهر الآب، حيث إن روحه الساكن فينا هو الله وليس شيئًا آخر؟[8] ومع قولى هذا أُضيف أيضًا الآتى: لو لم يكن روح الآب هو الله، الذي به تُعطى حياة وقداسة للبشر، هو روح الابن أيضًا، فمن ذا الذي يصل تفكيره إلى هذا الحد الدنئ حتى يفكر ويقول إن الابن ليس واحدًا في الجوهر مع الله الآب بل هو ضمن المخلوقات، ويقول أيضًا إن الابن لا يعطِى ولا حتى يهب للبشر (أن يكونوا شركاء الطبيعة الإلهية) أو تلك المواهب المتميّزة الخاصة بها، الأمر الذي يجعله لا يكون مختلفًا بالمرة عن المخلوقات، وأيضًا يجعل طبيعة المخلوقات مساوية في المجد مع تلك الطبيعة (الإلهية) التي تضبط كل الأشياء.

 

إرميـــا: وكيف لا يكون هذا التفكير خاطئًا؟

كيرلس: إذًا فطالما أنه من السهل أن نتأكد من خلال الكتب المقدسة أن الابن الوحيد له خصائص الله الآب[9]، فهيّا بنا نستجمع أفكارًا أخرى بخلاف ما سبق أن قلناه، لكى نحاصر أقوال المعاندين الضعيفة والهزيلة، ونأتى بأقوال تثبت أنه يعمل نفس أعمال الله الآب وأيضًا بتلك التي توضح أنه هو الله وتبيّن أنه لا يحسب ضمن هؤلاء الذين هم بنين حسب النعمة، أو أنه يتحلى بمجد مكتسب، بل أنه إله حق لا ينقصه شئ عن ما هو للآب، وعلى هذا يُدرك على أنه أرفع في كل مَن هو مخلوق.

 

إرميـــا: هذه يا صديقى، أمور جيدة، تستحق التقدير من الجميع.

كيرلس: هل تعتقد إذًا يا صديقى أن أحدًا من المخلوقات قد ساهم في إتمام أمر تستطيع وحدها الطبيعة الفائقة على الكل، أن تتممه؟

 

إرميـــا: لا أعتقد ذلك.

كيرلس: بالصواب تتكلّم. والطوباوى بولس يتحدث عن قدرة الله الآب على إقامة الموتى على أنها أمر فائق للطبيعة وغير مألوف بالمرة وكما أعتقد يفوق كل حدود إمكانيات المخلوقات، وذلك عندما قال ” لأن الناموس ينشئ غضبًا إذ حيث ليس ناموس ليس أيضًا تعدٍ. لهذا هو من الإيمان كى يكون على سبيل النعمة ليكون الوعد وطيدًا لجميع النسل ليس لمن هو من الناموس فقط بل أيضًا لمن هو من إيمان إبراهيم الذي هو أب لجميعنا، كما هو مكتوب أنى قد جعلتك أبًا لأمم كثيرة، أمام الله الذي آمن به الذي يحيي الموتى ويدعو الأشياء غير الموجودة كأنها موجودة[10]. هيا بنا إذًا ـ إن كنت ترى أن هذا صحيح ـ لنرى أيضًا المجد عينه الذي للابن، وسوف ترى مرة أخرى أن الابن ليس أقل من الآب، بل له نفس القدرات التي للآب. لأن بولس الرسول يقول لنا ” لأنه كما في آدم يموت الجميع هكذا في المسيح سَيُحيا الجميع [11]. لأنه هو الحياة وليس مختلفًا عن (جوهر) الآب بل لهما نفس الجوهر. وغير ذلك فأنت تسمعه يقول في موضع آخر “لأنه كما أن الآب يقيم الأموات ويُحيي كذلك الابن أيضًا يُحيي مَن يشاء[12]. ولهذا فلأن أعماله الإلهية قد أظهرت طبيعته ومجده فقد قال ” إن كنت لست أعمل أعمال أبى فلا تؤمنوا بى، ولكن إن كنت أعمل فإن لم تؤمنوا بى فآمنوا بالأعمال لكى تعرفوا وتؤمنوا أن الآب فىّ وأنا فيه[13]، أم أن ذلك لا يعنى أنه أراد أن يجعل نفسه معروفًا على أنه هو الله؟ كما لو أن شخصًا ظهر أن لديه القدرة أن يعمل أعمالاً مساوية لأعمال الله، لكان له بالضرورة نفس المجد، ولا يمكن ألاّ يكون هو الله، لأنى أعتقد أن ما نقوله يقود إلى هذه النتيجة.

 

إرميـــا: هذا يبدو واضحًا، لأنه لا يمكن أن نتصور أنه بينما يفخر بهذه الأعمال عينها، يكون هو نفسه ليس له المجد عينه.

كيرلس: وعندما تعلن لنا الكتب المقدسة بأن ” كل عطية صالحة وكل موهبة تامة هى من فوق نازلة من عند أبى الأنوار الذي ليس عنده تغيير ولا ظل دوران[14]، فمن أين ـ حسب اعتقادك ـ تتوزع علينا الهبات الإلهية؟

 

إرميـــا: واضح أنها من عند الله الآب.

كيرلس: لكن المسيح أعطى للرسل القديسين السلطان كى يخرجوا الشياطين ويشفوا الأمراض وكل ضعف بين الناس[15]. والأمر الأعظم من كل هذا أنه أعطاهم السلطان حتى يقدروا أن يهزموا حتى الموت نفسه عندما حدّثهم بكلام يليق به كإله ” اشفوا مرضى، طهروا بُرصًا. أقيموا موتى، أخرجوا شياطين[16]. كما أن يوحنا الناطق بالإلهيات يعترف بكل وضوح قائلاً ” ومن ملئه نحن جميعًا أخذنا[17]. فهل تعتقد أنه توجد عطية صالحة وهبة كاملة[18] غير أن نكون شركاء الروح القدس؟![19]

 

إرميـــا: لا أعتقد.

كيرلس: انتبه إذًا يا صديقى، كيف أنه يرسل من ملئه، روحه القدوس الذي هو واحد معه في الجوهر بدون أن ينفصل عنه، وعن طريق الروح القدس يصير لنا كل عطية صالحة[20]. فطالما أنه قد قام مُبطلاً الفساد ومحطمًا قيود الموت فإنه جاء بنا مرة أخرى إلى القداسة معطيًا للرسل جمال الطبيعة كما كانت عندما خلق الجنس البشرى، ونفخ في وجوههم قائلاً: ” اقبلوا الروح القدس[21]. إذًا فطالما أن كل عطية صالحة تأتى من فوق، من الآب وتوزع بواسطة الابن، الذي له السلطة الإلهية وليس كخادم[22]، فبأى طريقة إذًا لا يكون واحدًا في الجوهر مع الآب الذي وَلَده، بمعنى كيف لا يكون إلهًا بالحق[23]، وليس مزينًا من الخارج بكرامات مثل اللوحات المرسومة؟

 

إرميـــا: لا يمكن أن يكون هكذا بأى طريقة من الطرق على ما أعتقد.

كيرلس: وهل حديثنا عن الإيمان غير كافٍ لكى يثبت بشكل قاطع أن الابن هو الله بالطبيعة؟

 

إرميـــا: ماذا تقصد؟

كيرلس: لأننا نؤمن بالمسيح، فإننا بهذا نقترب من الله الذي هو بطبيعته إله حقيقى[24] ونبتعد عن ضلال تعدد الآلهة تاركين عبادة الكائنات المخلوقة ومتحررين من السجود لصورهم[25]. ولهذا فالرسول بولس يكتب لأولئك الذين دعوا للمعرفة الحقيقية قائلاً ” لذلك اذكروا أنكم أنتم الأمم قبلا في الجسد المدعوين غرلة من المدعو ختانًا مصنوعًا باليد في الجسد أنكم كنتم في ذلك الوقت بدون مسيح أجنبيين عن رعوية إسرائيل وغرباء عن عهد الموعد لا رجاء لكم وبلا إله في العالم[26]. وفي موضع آخر يكتب أيضًا     ” ولكن حينئذٍ إذ كنتم لا تعرفون الله استعبدتم للذين ليسوا بالطبيعة آلهة وأما الآن إذ عرفتم الله بل بالحرى عُرفتم من الله فكيف ترجعون أيضًا إلى الأركان الضعيفة الفقيرة التي تريدون أن تستعبدوا لها من جديد[27].

          إذًا فطالما أن هؤلاء الذين كانوا بلا مسيح كانوا بلا إله وأنهم قد عرفوا الله عندما آمنوا وقبلوا الابن الذي قال ” الذي يؤمن به لا يدان والذي لا يؤمن قد دين لأنه لم يؤمن باسم ابن الله الوحيد[28]، فكيف يكون من الممكن ألاّ يُعرف أنه الله، وهو الذي يُمجَّد منا ومن الملائكة بعبارات تكريم صادقة، كما أننا نؤمن أن جوهره يعكس كينونته، بمعنى أنه إله حق من إله حق؟ وإلاّ فقل لى كيف تفهم ما قصده الرسول بولس عندما كتب عنه قائلاً ” إن الله كان في المسيح مصالحًا العالم لنفسه غير حاسب لهم خطاياهم واضعًا فينا كلمة المصالحة إذ نسعى كسفراء عن المسيح كأن الله يعظ بنا نطلب عن المسيح تصالحوا مع الله[29]. فعندما يأتى شخص ما للمسيح فإنه يتصالح مع الله ومن خلال المسيح يتصالح العالم كله مع الله، وبالتالى كيف لا يكون من المضحك أن يعتقد هؤلاء أن الكلمة الذي أتى من الآب وهو باقٍ فيه، هو بعيد عن جوهر الآب؟

 

إرميـــا: سيكون بالتأكيد أمر مضحك لو فكروا هكذا.

كيرلس: ومن هو الذي تستطيع أن تقول عنه إن له سلطان على كل الخليقة وأنه يفوق كل الكائنات؟

 

إرميـــا: الله وحده بالطبع، لأن ليس غيره من بين الكائنات، يستطيع ذلك لأن داود يرنم قائلاً ” لأن الكل عبيدك[30]. وأيضًا يقول ” هلم نسجد ونركع ونجثو أمام الرب خالقنا لأنه هو إلهنا ونحن شعب مرعاه وغنم يده[31].

كيرلس: حسنًا قلت يا صديقى العزيز، لأنه واضح أن هذه الآيات تمجد الله. لأنه ليس لأحد من بين الموجودات أن يدّعى أنه يوجد وسط الكائنات بمعنى أن يدّعى أنه يجلس وسط خليقته وأن يتجرأ على إخضاعها تحت سلطانه أو إن أراد أن يفعل ذلك، بدون أن يكون مُكللاً بمجد المُلك، ألن نقول إنه يعرّض نفسه للإدانة والمحاكمة؟

 

إرميـــا: بالفعل.

كيرلس: وعلى ذلك فكيف يدعو الابن المؤمنين أنهم خِرافه هو وليسوا خِراف الآب؟ وذلك عندما قال ” خرافى تسمع صوتى وأنا أعرفها فتتبعنى، وأنا أعطيها حياة أبدية ولن تهلك إلى الأبد ولا يخطفها أحد من يدى[32]. فالقديس يوحنا الناطق بالإلهيات يخبرنا مؤكدًا أن (الابن) قد جاء إلى خاصته وأنه سمّى كل سكان الأرض، بل وكما أعتقد، كل الخليقة، خاصته، وأنه يعمل كل ما يعمله الآب لا كأنه أقل منه لكن كمَن له سلطان وربوبية حقيقية وليست غريبة عنه. لأنه في حديثه مع تلاميذه ومع الذين كانوا يتبعونه قال ” إن الحصاد كثير والفعلة قليلون فاطلبوا من رب الحصاد أن يرسل فعلة إلى حصاده[33]. وفي نفس الوقت الذي يُرجِع فيه للآب تعيين فعلة للحصاد، فهو يكشف عن مَن يكون رب الحصاد وذلك حينما أعطى لتلاميذه امتياز نشر أسرار ملكوته. كما أن البشير لوقا يؤكد أن الحصاد هو له وذلك عندما قال ” الذي رفشه في يده وسينقى بيدره ويجمع القمح إلى مخزنه[34]، بالإضافة إلى ذلك فإن الرسول بولس قدّمه على أنه هو رب وإله للمؤمنين عندما كتب قائلاً ” الذين هم للمسيح قد صلبوا الجسد مع الأهواء والشهوات[35]. وأيضًا قال ” إن كان أحد ليس له روح المسيح فذلك ليس له[36]. فحينما يقول أحد القديسين أو عندما نصرخ كلنا لله قائلين ” لك أنا خلّصنى لأننى حفظت وصاياك[37]. إذًا هل يستطيع الذين هم خاصة الآب أن يكونوا بنفس الكيفيّة خاصة المسيح إن لم يكن جوهر الواحد هو نفسه جوهر الآخر؟

 

إرميـــا: أتفق معك في هذا لأنه يوجد إله واحد ورب واحد، كما أن الألوهة والربوبية هما للجوهر الواحد للآب والابن.

كيرلس: إن ما تقوله هو حق. لأن الآب فيه كل ملء الربوبية والمجد كإله، كما أن الابن هو أيضًا رب وإله. فبدون الربوبية لن يكون الآب إلهًا ولا يكون الابن ربًا حقيقيًا إن كان منفصلاً عن الألوهة الحقيقية حسب الطبيعة. ولهذا فإن الطوباوى بولس يربط بين الاسمين في وحدة واحدة، وذلك عندما يقول في إحدى المرات: إن الإنجيل هو إنجيل الله الآب وفي مرة أخرى يقول إن الإنجيل هو إنجيل المسيح. هل ترغب أن نأتى بشواهد كتابية نثبت بها ما نقول؟

 

إرميـــا: إنى أرغب جدًا في هذا.

كيرلس: يقول ” بولس عبد ليسوع المسيح المدعو رسولا المفرز لإنجيل الله[38]. وإذ ينسب للابن مجد الله إذ أنه قد وُلِدَ منه وهو كائن فيه ويُدرك دائمًا معه، فإنه يذكر أيضًا ” لكننا لم نستعمل هذا السلطان بل نتحمل كل شئ لئلا نجعل عائقًا لإنجيل المسيح[39]. وأخيرًا فإنه لكى يشير إلى الاسمين أيضًا بسبب وحدتهما في الجوهر فإنه يكتب ” ولكن بأكثر جسارة كتبت إليكم جزئيًا أيها الاخوة كمذكّر لكم بسبب النعمة التي وهبت لى من الله حتى أكون خادمًا ليسوع المسيح لأجل الأمم مباشرًا لإنجيل الله ككاهن ليكون قربان الأمم مقبولاً ومقدسًا بالروح القدس[40]. إذًا فإنجيل الله وإنجيل المسيح هما واحد. وكل ما نستطيع أن نقوله عن الله كإله نقوله عن الابن أيضًا، لأنه لو كان هناك شئ يقف كوسيط بينهما بحيث يجعل الآب والابن غير متساويين لما كان من الممكن أن نقول نفس الأقوال عن كل منهما، أم هل تعتقد يا إرميا أن الأمر ليس هكذا؟

 

إرميـــا: أنا بالطبع أوافقك فيما تقول.

كيرلس: غير أن بعض الشروحات المُضِلّة تشير إلى أن هناك اختلاف بين الآب والابن (من حيث الجوهر) وتبيّن أن الأمور التي نؤمن أنها تخص الله الآب، لا تخص الابن أيضًا. فكيف يمكن أن يكون الإنجيل واحدًا بالنسبة للآب والابن وكيف نفهم ذلك من تفاسيرنا الأصيلة إن لم يكن الابن هو الله حسب الطبيعة؟ ألا يكون هذا تضليلاً للذين يتعلمون؟ وألا يعطّل ذلك معرفتهم للحقيقة؟

 

إرميـــا: إن ما تقوله هو حق.

كيرلس: فبولس الذي يخدم سر الله، أى الكرازة بالإيمان به لهؤلاء الذين لم يعرفوها بعد، كيف يستطيع أن يقول إنه خادم للمسيح وأنه مبشّر بالمسيح وهو يجاهد من أجل مجد الله ويدعو نفسه أنه خادم لله؟ لأنه قال ” بل في كل شئ نُظهر أنفسنا كخدام الله[41] وفي موضع آخر كتب لآخرين ” أهُمْ خدام المسيح أقول كمختل العقل فأنا أفضل[42]. فهل يوجد في هذا الكلام ما يفصل بين الآب والابن من حيث وحدة الجوهر؟

 

إرميـــا: لا أفهم ما تقول.

كيرلس: نستطيع بطريقة أخرى أن نبرهن على أنه من غير المقبول ألاّ نؤمن أن الابن هو إله بالطبيعة طالما أن الكتب المقدسة تعلّمنا أن الكنيسة هى كنيسة الله وأيضًا هى كنيسة المسيح. فالطوباوى بولس يكتب لأهل كورنثوس قائلاً: ” كونوا بلا عثرة لليهود واليونانيين ولكنيسة الله[43]. كما يؤكد أن الابن سيُحضر لنفسه الكنيسة مجيدة لا دنس فيها ولا غضن[44]. لكن بينما يقول الله على لسان أحد الأنبياء أنه سيسكن وسيسير بيننا[45] فإن المسيح يحلّ في وسطنا. وكما تنبأت عنه النبوات منذ القديم فإنه يعمل بيننا كإله. لأنه وفق ما قد كُتب فإن ” موسى كان أمينًا في كل بيته كخادم شهادة للعتيد أن يتكلم به، وأما المسيح فكابن على بيته وبيته نحن[46].

 

إرميـــا: إذًا لا يوجد شئ على الاطلاق يمكن أن يعوقنا عن أن نؤمن إيمانًا حقيقيًا بأنه طالما أن الابن قد وُلد من جوهر الله الآب ذاته، فلا يمكن أن يُدرَك على أنه مختلف عن الآب من حيث الطبيعة.

 

كيرلس: أصبت يا صديقى لأن الطوباوى بولس رأى أنه من الصواب أن نؤمن بهذا فقال ” الذي لم يشفق على ابنه بل بذله لأجلنا أجمعين كيف لا يهبنا معه كل شئ[47]. إذًا طالما أن الابن هو في الحقيقة ابن الله الآب، فهل يمكن أن تكون له طبيعة مختلفة عنه؟ وهل يمكن أن نتخيّل وجود أى سبب منطقى يجعل ذلك الذي عرّفته اللغة[48] عينها بأنه ابنه الذاتى أو ابنه الخاص غريبًا عنه من حيث الجوهر؟[49]

 

إرميـــا: أنا لا أعتقد ذلك.

كيرلس: كيف ذلك؟ ألا نقول إن مَن دُعوا ليكونوا أبناء الله هم عدد لا يُحصى؟

 

إرميـــا: بالتأكيد، لأنه مكتوب ” أنا قلت إنكم آلهة وبنو العلى كلكم[50].

كيرلس: فلو تجرأ شخص وأخذ واحدًا أو اثنين من بين هؤلاء ودعاهما ابنين خاصين لله الآب ألا يكون مستحقًا لجزاء مَن يحرّف جمال الحقيقة؟

 

إرميـــا: أوافق لأن ما تقوله صواب.

كيرلس: وإن أردت أن أعرف السبب في أنه بينما كثيرون قد دعوا آلهة وأبناء إلاّ أن تعبير (الابن) “الذاتى” أو “الخاص” ينسب حرفيًا وبالفعل لواحد فقط، فهل تستطيع أن تجاوبنى؟

 

إرميـــا: سأقول إن هؤلاء بالتأكيد صاروا أبناء بسبب نوالهم عطية المحبة السماوية بدعوتهم للتبّني بينما الابن ليس كذلك لكنه هو ابن حقيقى وذاتى لله الآب وله نفس الطبيعة التي هى أرفع وأسمى من طبيعة الكل.

كيرلس: إن كان الابن هو ابن ذاتى لله فهل يكون ما هو ذاتى لله هو إله، أم هو مخلوق، أم ماذا؟

إرميـــا: هذا أيضًا أمر غير مشكوك فيه بالمرة لأن ما هو ذاتى (خاص) في الله هو الألوهة كما أنه بالتأكيد أن ما هو ذاتى في الخليقة هو أنها مخلوقة.

كيرلس: وأيضًا إن اعتقد شخص ما أن الخليقة أو ما هو مخلوق هو خاص ـ حسب الطبيعة ـ بالله، فإنى أعتقد أن الأمر الأكيد هو أن نتبع طريقة التفكير العكسية، وحينئذ فعندما نقول إن الألوهة تمثل ما هو ذاتى (خاص) بالخليقة، فهذا لا يكون خطأً. غير أننا لا يمكن أن نؤمن بهذا. كما أننا بسبب هذه الأفكار المنحرفة لابد أن نفكر بطريقة سليمة ونؤمن أن الابن هو ابن ذاتى (خاص) لله الآب وهو لا يحصى ضمن مَن نالوا التبنى بل هو إله من إله[51]. كما أنه لا يمكن التفريق أو الفصل بين مَن هم من جنس واحد ونوع واحد في طبيعة طريقة وجودهم ومرتبطين معًا في وحدة كاملة (حسب الجوهر). فمثلاً المفهوم والتعريف الذي يحدّد جوهر الإنسان لا يمكن إلاّ أن يكون واحدًا للجميع. إذًا فالابن ليس إلهًا من طبيعة أخرى غير طبيعة ذلك الذي وَلَده. فهو إله حقيقى طالما دعى ابنًا ذاتيًا (خاصًا)[52] لله الحقيقى حسب الطبيعة. وهو يختلف بالتأكيد عن كل هؤلاء الذين صاروا أبناء بالتبّني كما أن له نفس المجد الحقيقى الذي لله.

إرميـــا: بالصواب تتكلم.

[1] في هذا الجزء يوضح ق. كيرلس ألوهية الروح القدس وذلك من خلال علاقته بالآب والابن حيث إن الأقانيم الثلاثة لهم نفس الجوهر الواحد هذا من جهة ومن جهة أخرى يوضح ألوهيته من خلال عمل الروح القدس كرب وإله فينا حيث يعطينا بهاء ومجد البنوّة ويقدّسنا. ومن الجدير بالذكر أن ق. كيرلس هنا يتبع نفس أسلوب وتعاليم ق. أثناسيوس في معالجة هذه القضية. راجع كتاب الروح القدس: الرسائل إلى الأسقف سرابيون الرسالة الثالثة.

1 انظر ق. أثناسيوس. الروح القدس. المرجع السابق، الرسالة 1:3.

[3] مت11:3.

[4] مت20:10.

[5] رو9:8ـ10.

[6] الإعتراف بألوهية الروح القدس أمر جوهرى في عقيدتنا المسيحية وهذا الأمر استدعى إنعقاد مجمع القسطنطينية 381م لمواجهة التعاليم التي أنكرت أن الروح القدس رب محيي وأنه واحد في الجوهر مع الآب والابن. ولأن الروح القدس هو روح الابن أيضًا فلم يكن غريبًا على الآريوسيين أن ينكروا أيضًا ألوهيته كما أنكروا ألوهية الابن وفي هذا يقول ق. أثناسيوس: ” إن هذا التفكير ليس غريبًا على الآريوسيين لأنهم أنكروا كلمة الله فإنه من الطبيعى أن ينطقوا بنفس التجديف ضد= =روحه”. انظر كتاب الرسائل عن الروح القدس إلى الأسقف سرابيون، مركز دراسات الآباء، القاهرة 1994 رسالة 1 فقرة 2.

[7] 1يو13:4.

[8] تعرّض أقنوم الروح القدس وهو الأقنوم الثالث الأقدس لهجوم حاد من الهراطقة في القرون الأولى للمسيحية، الأمر الذي تصدى له آباء الكنيسة الكبار مثل القديس أثناسيوس والقديس ديديموس الضرير، والقديس باسيليوس الكبير والقديس غريغوريوس اللاهوتى، والقديس أمبروسيوس أسقف ميلانو. وبعد أن عبّرت الكنيسة في مجمعها المسكونى الثانى عن عقيدتها بألوهية الروح القدس جاءت النصوص الليتورجية كى تؤكد على الإيمان الثالوثى بالآب والابن والروح القدس. راجع   د. جوزيف موريس فلتس، تعاليم عقيدية في النصوص الليتورجية، إصدار المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، الفصل الثالث: ألوهية الروح القدس، اكتوبر 2004 ص36ـ48.

[9] ورغم السهولة في التأكيد من خلال آيات الكتاب المقدس على أن الابن الوحيد له خصائص الله الآب، إلاّ أن الهراطقة قد أساءوا فهم وتفسير هذه الآيات الأمر الذي أدى بهم إلى إنكار ألوهية الابن. ولقد سبق للقديس أثناسيوس أن تناول كل الآيات التي أساء الآريوسيون فهمها وقام بشرحها حسب إيمان الكنيسة الذي تسلّمته بالتقليد وذلك في مقالات ثلاثة بعنوان ضد الآريوسين، وهى المقالات التي نشير إليها باستمرار في هوامش هذا الكتاب إصدار مركز دراسات الآباء. ولقد إعتمد ق. كيرلس ـ كما جاء في المقدمة ـ على هذه المقالات في كتابه هذا “حوار حول الثالوث” غير أنه استخدم آيات إضافية ـ كما يتضح من كلامه هنا ـ ليثبت بها حقيقة ألوهية الابن المتجسد.

[10] رو15:4ـ17.

[11] 1كو22:15.

[12] يو21:5. انظر الشاهد رقم 1 ص49 حيث أشار ق. كيرلس لنفس الآية.

[13] يو37:10ـ38. يعلّق ق. كيرلس على قول الرب ” أنا في الآب والآب فيّ ” (يو10:14) وأيضًا ” أنا والآب واحد ” (يو30:10) بقوله: ” إن ما يجعل الابن يقول هذا ليس فقط لأن الابن يرغب نفس الأمور كالآب وليس فقط لأنه يملك إرادة واحدة معه، بل ما يجعله هكذا هو أنه المولود الأصيل لجوهر الآب. فهو يقول إنه يريد ويتكلّم ويملك نفس فاعلية الآب وبسهولة ينجز ما يريد مثلما يفعل الآب وهكذا يُعترف به من كل ناحية أنه من نفس الجوهر مع الآب وهو ثمرة حقيقية لجوهره “. شرح إنجيل يوحنا، المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، القاهرة 2003م، ج5 ص159. وكما إمتد تعليم ق. كيرلس عن وحدة الجوهر الإلهى للآب والابن إلى التعليم عن الأقانيم الثلاثة في الجوهر الواحد وذلك في تعامله مع الآية ” كما أرسلنى الآب الحيّ وأنا حيّ بالآب ” (يو57:6) (انظر هامش 2 ص35) نجده يقول في شرح (يو37:10ـ38): [ إن وحدة الجوهر= =تجعل الآب يُرى في الابن والابن يُرى في الآب … رغم أننا ندرك الثالوث القدوس على أنه قائم في أقانيم ثلاثة لأن الآب هو الآب وليس هو الابن وأيضًا الابن هو الابن وليس هو الآب؛ والروح القدس هو الروح (وليس هو الآب أو الابن) ومع ذلك فلا يوجد بينهم أى إختلاف بل هم في شركة ووحدة الواحد مع الآخر ]. انظر شرح إنجيل يوحنا، المرجع السابق ص158.

[14] يع17:1.

[15] مت35:9.

[16] مت8:10.

[17] يو16:1. انظر شاهد رقم 3 ص16 حيث استخدم ق. كيرلس نفس الآية. في إطار شرحه لإنجيل يوحنا وهنا يستخدمها ليثبت بها أن الابن ليس أقل من الآب بل هو واحد معه في الجوهر ويقول:   [ إذا كان الابن هو الملء ” لأن من ملئه نحن جميعًا أخذنا ” فما هو مكانه الحقيقي وهو أقل من الآب كما يدعون؟ لأن الأشياء المختلفة تمامًا لا يمكن مصالحتها ووضعها في وحدة. فكيف يكون الابن الملء وفي نفس الوقت أقل من الآب؟ ]. شرح إنجيل يوحنا، مركز دراسات الآباء، القاهرة 1989م، ج1 ص29.

[18] وهذا ما تشدّد عليه الكنيسة أيضًا في صلواتها الليتورجية عندما يصلى الكاهن في لحن          H ¢g£ph’ قائلاً: ” محبة الله الآب ونعمة الابن الوحيد ربنا وإلهنا ومخلّصنا يسوع المسيح، وشركة وموهبة الروح القدس تكون مع جميعكم “. انظر الخولاجى المقدس، طبعة دير البراموس 2002 ص323.

[19] 2كو14:13.

[20] يع17:1. يشدّد الآباء ومنهم أيضًا ق. أثناسيوس على وحدة العمل لأقانيم الثالوث الواحد في الجوهر فيقول في سياق إستشهاده بالآية ” نعمة ربنا يسوع المسيح ومحبة وشركة الروح القدس مع جميعكم ” (2كو13:13): [ لأن هذه النعمة والهبة تعطى في الثالوث من الآب بالابن في الروح القدس. وكما أن النعمة المعطاة هى من الآب بالابن، هكذا فإنه لا يكون لنا شركة في العطية إلاّ في الروح القدس ]. الرسائل عن الروح القدس. المرجع السابق، الرسالة الأولى: 31.

[21] يو22:20.

[22] عن وصف الهراطقة للابن ” بالخادم ” الذي لا سلطة له يقول ق. كيرلس: [ وعندما يسمع الهراطقة أن ” كل شئ به كان ” تأخذهم الحمى فيسرعون ويطلقون عليه اسم الخادم ويحلمون بأن الابن عبد وليس حر وعابد وليس الرب ]. شرح إنجيل يوحنا، مركز دراسات الآباء، القاهرة 1989م، ج1 ص64. ويرّد على هذه الأفكار ويقول: [ وعندما يسمعون ” وبغيره لم يكن شئ مما كان ” لا يفكرون فيما يليق بعظمة وكرامة الابن. ولكن إذا كان الآب لا يخلق إلاّ بالابن أى بحكمته وقوته، والإنجيلى يقول لا شئ مما كان قد خُلق بدون الابن فإن النتيجة النهائية أن الابن الوحيد هو مجد الله الآب (لأنه يُمجد كخالق بالابن) لأن الابن يعمل كل شئ ويُحضر من العدم إلى الوجود كل الكائنات ]. المرجع السابق ص46. ويتابع ق. كيرلس في الصفحات التالية من نفس المرجع بطرق عديدة دحض هذه التسمية وهذا الوصف. هذا ولقد فنّد ق. كيرلس زعم المعارضين بأن الروح القدس أيضًا ليس هو الله إذ أنه حسب تعاليمهم يفعل فينا ملء الآب والابن كخادم. انظر ص19 من هذا الحوار وهامش (1) ص20.

[23] يورد ق. كيرلس عدة حقائق لإثبات ألوهية الابن وأنه ليس أقل من الآب. ومن هذه الحقائق إرساله الروح القدس لتقديس البشر فيقول في موضع آخر: ” إذا كان الابن أقل والآب أعظم فكل منهما بشكل مختلف يمنح لنا التقديس. يمنحه الابن بشكل أقل والآب بشكل أعظم. فماذا عن الروح القدس؟ هل سيعمل عملاً مزدوجًا: أقل مع الابن وأعظم مع الآب؟ والذين سوف يُقدَسون بالآب سوف يُقدَسون بشكل كامل. أما الذين سيُقدَسون بالابن سوف يقدّسون بشكل أقل. هذه غباوة عظيمة فالروح القدس واحد في كماله وفي تقديسه وهو يُعطىَ مجانًا من الآب بواسطة الابن طبيعيًا. فليس الابن أقل من الآب الكامل. بل هو يعمل كل شئ مع الآب وله الروح القدس روح الآب الذي وَلَده. وهو صالح وكامل وحر وله كيانه الخاص به مثل الآب تمامًا “. شرح إنجيل يوحنا، مركز دراسات الآباء، القاهرة 1989م، ج1 ص31.

[24] هذه هى الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته (يو3:17). الإيمان بالمسيح يدخلنا إلى معرفة الله الآب وشركة الروح القدس الحقيقية وهكذا نعترف بأقانيم الثالوث المساوى في الجوهر. وهذا الإيمان يبعدنا عن ضلال تعدد الآلهة أو كما يقول ق. أثناسيوس: ” وإذًا يوجد ثالوث قدوس وكامل يُعترف بلاهوته في الآب والابن والروح القدس … وهو مساو وغير منقسم في الطبيعة وفعله واحد … وليس بأقل من هؤلاء الثلاثة تعتقد الكنيسة الجامعة لئلا تنزلق إلى أفكار اليهود المعاصرين الرديئة وإلى أفكار سابيليوس كما أنها لا تعتقد بأكثر من ثلاثة لئلا تتدحرج إلى تعدد الآلهة “. الرسائل عن الروح القدس. المرجع السابق. الرسالة الأولى: 28.

[25] تحدّث ق. أثناسيوس بالتفصيل عن ضلالات عبادات الوثنيين وما كانوا يفعلونه من أمور شائنة، انظر ق. أثناسيوس. الرسالة إلى الوثنيين. ترجمة القمص مرقص داود. مكتبة المحبة 1981.

[26] أف11:2ـ12.

[27] غلا8:4ـ9.

[28] يو18:3. يشرح ق. كيرلس هذه الآية موضحًا أهمية الإيمان بألوهية الابن المتجسد إذ أنه هو الذي يدين وهو الذي يعطينا ألاّ ندان فيقول: [.. يكشف الرب عن مدى فداحة وخطورة جريمة الكفر به، إذ هو الابن وهو الوحيد الجنس لأنه إن كان الذي يهان يستحق الإيمان به، فكم بالحرى يستحق الدينونة ذاك الذي يحتقره، بسبب تعديه الرهيب وهو يقول ” مَن لا يؤمن به قد دينَ إذ قد جلب على نفسه فعلاً الحكم العادل بالعقاب إذ يرفض عن وعى ذاك الذي يعطينا ألاّ ندان ]. انظر شرح إنجيل يوحنا، إصدار مركز دراسات الآباء، القاهرة 1995، ج2 ص27.

[29] 2كو19:5ـ20.

[30] مز91:119.

[31] مز6:95ـ7.

[32] يو27:10ـ28. يستشهد ق. كيرلس بهذه الآية هنا ليثبت وحدة الجوهر الإلهى للآب والابن وأن كل ما يعمله الآب يعمله الابن أيضًا كمخلّص. وفي موضع آخر يشرح هذه الآية ليثبت بها أيضًا ألوهية الابن واهب الحياة فيقول: [ وكونه يعطى حياته فهو بيّن أنه هو “الحياة” بطبيعته وأنه يهب هذه الحياة من نفسه لا كمَن ينالها من آخر ]. شرح إنجيل يوحنا، المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، القاهرة 2003م. ج5 ص149.

[33] مت37:9ـ38.

[34] لو17:3.

[35] غلا24:5.

[36] رو9:8.

[37] انظر مز56:119.

[38] رو1:1.

4 1كو12:9.

[40] رو15:15ـ16.

[41] 2كو4:6.

[42] 2كو23:11.

[43] 1كو31:10.

[44] أف27:5.

[45] لاويين 10:26ـ12.

[46] عب5:3ـ6.

[47] رو11:8ـ12.

[48] يقصد بقول الكتاب: ” الذي لم يشفق على ابنه“، حيث إن النص اليونانى يَرِد به تعبير ابنه الخاص أو الذاتى “ ƒdiÕu Uƒoà “.

[49]  هذا التعبير “ابنه الذاتى أو ابنه الخاص” سبق أن إستعمله وكرره كثيرًا ق. أثناسيوس وذلك في إطار دفاعه عن ألوهية الابن. وهنا يتضح أيضًا تأثر ق. كيرلس بتعاليم ق. أثناسيوس وبكتاباته وحتى بسؤاله وبتعجبه ممن يقول إن الابن غريب عن جوهر الآب عندما كتب ق. أثناسيوس: [ متى إذًا كان الله موجودًا بدون ما هو خاص به ذاتيًا؟ أو كيف يظن أحد أن ما هو خاص به ذاتيًا هو غريب ومن جوهر مختلف ]. انظر المقالة الأولى ضد الآريوسيين، إصدار مركز دراسات الآباء، الطبعة الثالثة، القاهرة 2000 فقرة 19ـ20.

[50] مز6:82. يستخدم ق. كيرلس نفس هذا المزمور في شرحه للآية ” كل شئ به كان وبغيره لم يكن شئ مما كان (يو3:1) وذلك لإيضاح أن الابن هو بالطبيعة خالق مع الآب وهو من جوهر الآب فيقول: [ يذكر الإنجيلى الكرامة الإلهية الخاصة بالابن لكى يوضح بشكل أكيد أنه واحد في الجوهر مع الله الذي وَلَده وأن كل ما يخص الآب يخص الابن أيضًا ولذلك يجب أن نعتقد أنه الإله الحق، وليس كمَن نال لقب الألوهية التي تُعطى بالنعمة وحدها حسب الكلمات ” أنا قلت أنكم آلهة وبنى العلى كلكم ” أما هو فغير ذلك تمامًا، لأن كل شئ به كان ]. شرح إنجيل يوحنا ج1، مركز دراسات الآباء، القاهرة 1989م، ص60. وعندما يتعرّض لشرح المعنى الذي وصف به القديس يوحنا الابن بأنه ” النور الحقيقي ” فإنه يعود لإستخدام نفس المزمور السابق ليبيّن الفرق الجوهرى بين كون الابن هو النور الحقيقي وبين كون التلاميذ نورًا للعالم كما دعاهم الرب (مت14:5)، حيث إدعى المعارضون أنه لا يوجد فرق بين الابن وباقى المخلوقات ولقد أجابهم ق. كيرلس قائلاً: [ نحن أبناء الله بل دعينا آلهة في الأسفار الإلهية حسب المكتوب ” ألم أقل أنكم آلهة وبنو العلى كلكم ” هل يعنى هذا أن نتخلى عن كياننا ونرتفع إلى جو اللاهوت غير المنطوق به وأن نخلع الابن الكلمة من بنوّته ونجلس نحن في مكانه مع الآب ونجعل محبة الذي أكرمنا عذرًا للكفر؟ حاشا لله فالابن هو كائن غير متغيّر. أما نحن فبالتبنى صرنا أبناء وآلهة بالنعمة غير جاهلين مَن نحن، وعلى نفس القياس لا نؤمن أن القديسين هم النور أما النور الحقيقي … فهو الذي ينير كل إنسان آت إلى العالم ]. المرجع السابق ص103.

[51] كما نردد في قانون إيمان نيقية ـ القسطنطينية عن الابن ـ وكلمة الله أنه ” إله حق من إله حق “.

[52] تعبير [ ابنًا ذاتيًا (خاصًا) ] له مدلول لاهوتى عميق يوضّح ويشدّد على العلاقة الجوهرية للابن بالآب وقد شرح القديس أثناسيوس أبعاد هذا التعبير بإسهاب في مقالته الأولى ضد الآريوسيين فقرات 14ـ16.

 

روح الابن مثلما هو روح الآب – الحوار الثالث ج8 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

بنوة الابن للآب – الحوار الثالث ج7 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

بنوة الابن للآب – الحوار الثالث ج7 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

بنوة الابن للآب – الحوار الثالث ج7 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

 

الحوار الثالث

” إن الابن هو إله حقيقى كما أن الآب إله حقيقى “

 

هل بنوّة الابن للآب هى بنوّة حسب الطبيعة أم أنها بالتبنى وأنها هبه بالروح القدس؟

كيرلس: إن سألك أحد يا إرميا عن الابن فهل ستقول له إنه ابن بالطبيعة أم أنه ابن فقط بحسب مشيئة الآب، أى أنه ابن كباقى البشر؟

 

إرميـــا: طبعًا سأقول إنه ابن بالطبيعة غير أنى أعتقد أن أى من المعارضين لن يعترف بهذه الحقيقة.

كيرلس: أنت ستقول هكذا، أما هم فإنهم ـ خلاف ذلك ـ يضيفون قائلين عنا إننا نهذى وأن فِكرنا قد انحرف. وقل لى مَن من هؤلاء الذين يختلفون معهم ولا يوجهون له إتهام؟ فإنهم قد صاروا مسعورين وقد وصلوا إلى درجة لا توصف من الجنون بشأن هذا الأمر حتى أنهم اعتقدوا أن الابن يجب أن يصنّف ابنًا بالتبنى مثله مثل بقية البشر. ومع أنه كان ينبغى عليهم أن يخجلوا من ضلالاتهم هذه ومن أنهم يشوهون الحقيقة الساطعة بأن يعطوا الابن مجدًا متميّزًا لا يستطيع غيره الوصول إليه، وذلك حسب تصورهم الخاطئ عنه؛ غير أنى أود أن أسألهم عن طريقة التبنى هذه وكيف حدثت وأيضًا عن بنوّته هو وبنوّتنا نحن. لأننا ورثنا أن نكون أبناء، ولسنا نحن الذين نقول كيف صرنا أبناء لكن القديس بولس هو الذي علّمنا ذلك عندما كتب ” ثم بما أنكم أبناء أرسل الله روح ابنه إلى قلوبكم صارخًا يا أبا الآب[1]. وهذا معناه: نحن نقول إننا دعينا إلى البنوة الروحية وذلك بسبب أن الابن يسكن في داخل قلوبنا بطريقة لا توصف بواسطة الروح القدس[2]، أم أنك تظن أن الأمر ليس كذلك؟

إرميـــا: إنى أظن أن الأمر هكذا، لأنى أذكر أن القديس يوحنا كلّمنا عن الله قائلاً ” وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله أى المؤمنون باسمه[3].

 

كيرلس: انتبه إذًا يا صديقى، إلى النتيجة التي يمكن أن يصل إليها الحديث عن الابن الوحيد لو أنه أصبح مساويًا لنا نحن الذين دُعينا للبنوّة. لأنه لا يمكن أن يصير الإنسان المخلوق ابنًا إلاّ عن طريق ابن الله[4] وبواسطة نعمة الروح القدس وهذا ما يؤكده الرسول بولس بقوله ” وبما أنكم أبناء أرسل الله روح ابنه إلى قلوبكم صارخًا يا أبا الآب[5]، فإن كان الأمر هكذا ففيمَنْ سيصير الابن ابنًا هو أيضًا؟ لأنى لا أعتقد أنهم سيقولون إنه صار ابنًا بذاته في ذاته على الرغم من أنه حُسِبَ بين الذين قد دعوا أبناء بالتبنى طالما أنه ـ حسب فكرهم ـ قد أُستبعد عن أن يكون ابنًا حقيقيًا بالطبيعة.

 

إرميـــا: فبماذا تجاوبهم لو قالوا إننا بالفعل قد قَبِلنا الابن في داخلنا بينما هو قد قَبِلَ الآب في داخله؟

كيرلس: كنت سأجيب بأنه لو أن هؤلاء يحددون ـ حسب ما يريدون ـ جوهر الطبيعة الإلهية وينسبون لها قوانينًا يعتقدون بصحتها، فإن الحديث مع هؤلاء في هذا الأمر لن يصلح أبدًا، لأنهم يتكلّمون بما في داخل قلوبهم ولا يرددون بالمرة ما قاله السيد بفمه. أما إن اعتقدوا بأنهم لابد أن يسلكوا طريق الحق والمعرفة الإلهية، فحينئذٍ لابد أن ما يؤمنون به يكون مؤيدًا بكلمات الكتاب المقدس[6].

 

إرميـــا: هم يقولون ذلك لأن الابن قال لفيلبس ” ألست تؤمن أنى أنا في الآب والآب في[7].

 

كيرلس: إذًا فالآب يقدّس الابن بكونه (أى الآب) في داخله؟

 

إرميـــا: هم بالقطع سيقولون نعم.

 

كيرلس: وهل يتقدّس الابن لأن الآب هو بالطبيعة قدوس وله في ذاته القدرة أن يقدّس مَن يكون فيهم، أم أنه يستمد القداسة من آخر؟[8]

إرميـــا: لأن الآب نفسه قدوس بالطبيعة.

 

كيرلس: إذًا فالابن لا يملك بالتأكيد قداسة حسب طبيعته، كما يدّعى الحمقى الذين يفكرون في كل أمر غير لائق، لكنه أخذ طبيعة لم تكن حرّة في أن تخطئ بمعنى أن عِتْقها الدائم من الخطية كان يتوقف على ما تفعله. فلو أنهم قبلوا أن هذه الطبيعة قد ربحت شيئًا من قداسة الآب ومن سكناه ومجده الذي يبهرنا، فكيف يكون بلا هدف أن يقال إن الله الآب سكن فيه وأنه هو في الآب والآب فيه، وما معنى هذا الكلام أو ما هى تفاصيل هذا الأمر؟ لنفحص كل هذا هنا بتدقيق.

          إن الابن ـ كما يعتقد هؤلاء ـ قد سكن في الآب لأنه كان ـ حسب فكرهم غير المستقيم ـ في إحتياج إلى التقديس[9]. وقد يتساءل المرء ما الذي ربحه الآب نفسه بكون الابن داخله؟ فلو أنهم قالوا إن هذه هى الطريقة التي يجب أن يتقدّس بها مَن تتطلب طبيعته التقديس، حينئذٍ نتساءل لماذا ونحن نتقبل الروح لا ننتقل إليه حتى يصبح فينا ونحن فيه؟ وإن كانت لا تقلقهم هذه الأمور التي لا تليق (لأن الروح القدس هو فينا وليس نحن فيه حسب الطبيعة) فكيف لا يكونون غارقين في أفكارهم الباطلة باعتقادهم أنه لا يجب أن نفسر كون الآب في الابن والابن في الآب على أنه كذلك بسبب وحدة الجوهر لكن يعتقدون أن هذا يتم بطريقة مَن يتلقى شيئًا صالحًا من خارجه؟ ومن ناحية أخرى أظن أنه ينبغى أن نقول الآتى أيضًا: إنه في اتحادنا بالابن والذي يتم بواسطة الروح القدس في الذين يقبلون، ألا نتغيّر نحن لنصير أبناء طالما أن الابن يشركنا في مجده ويطبع ملامحه هو في نفوس مَن يقبلونه؟[10]

 

إرميـــا: بالطبع.

كيرلس: إن لدى الابن القدرة ـ حسب طبيعته ـ على أن يجعل له أبناء، وأن له هذه القدرة ـ كما أعتقد ـ بسبب أنه ليس هو آخر سوى أنه هو نفسه ابن.

إرميـــا: دعنا نقبل هذا، لكن ماذا سنستفيد من ذلك الرأى؟

كيرلس: إننا نقبل ـ حسب التفكير المنطقى والسليم ـ أن سُكنى الآب لها نفس فاعلية سُكنى الابن، لأن مَن يمتلئ منه سيحصل على نفس الكمال كما في حالة سكنى الابن. لأن الآب يجعل مَن يريد أن يسكن هو فيه، أبًا وليس ابنًا، ويشكّله حسب صورته.

إرميـــا: فقل لى إذًا، هل نقبل بأن صورة الله التي حصلت عليها الطبيعة البشرّية (لأن الإنسان خُلِقَ على صورة الله ومثاله)[11]، تشير إلى مشابهتنا للابن فقط أم أننا ـ حسب هذا الرأى ـ سنقبل أنها تشير إلى مشابهتنا للآب والابن، وأننا سنقول إننا خلقنا مشابهين للطبيعة الإلهية بكاملها مع أننا أبناء ونحسب من بين البنين؟

كيرلس: وغير ذلك يا صديقى، ألا تعتقد أنه يجب أن تفكر كيف أن كل كلامنا هنا هو عن الإيمان بالطبيعة الإلهية الواحدة والتي هى في ثلاثة أقانيم متمايزة ولها نفس الجوهر فهى تمثل إلهًا واحدًا أسمى[12] من الكل والذي نتشكّل على هيئته حسب ما يقول الكتاب، ولكننا نأخذ ختم التبنى عن طريق الابن بواسطة الروح القدس[13]. فالبنوّة هى صورة الابن والأبوة هى صورة الآب. إذًا فنحن أبناء بسبب الابن كما أننا على صورة الله وشبهه إذ قد خُلقنا هكذا منذ البداية على صورة كمال الطبيعة (الإلهية) أعنى الطبيعة الفائقة[14].

 

إرميـــا: ما تقوله صحيحًا.

كيرلس: وبالتالى فإن امتداد المناقشة إلى ما لا يجب وكما يريدون هو أمر بلا معنى ولن يجدى نفعًا، غير أنى أرى أنه من الحكمة أن نتناقش وأن نؤمن بتلك الأمور النافعة لنا في كل الحالات.

 

إرميـــا: هذا حق.

 

[1] غلا6:4. إستخدم ق. كيرلس نفس هذه الآية، انظر ص62.

[2] سبق وأن رد ق. أثناسيوس على الآريوسيين الذين أنكروا ألوهية الروح القدس أيضًا، وبالتالى فإنهم علّموا بأن الثالوث قابل للتقسيم، وكان قد علّم بأن الثالوث غير قابل للتقسيم وأورد الكثير من آيات الكتاب المقدس التي تثبت تعليمه ومنها قوله: [ كما أن المسيح ابن حقيقي، فإننا عندما نأخذ الروح “نصير أبناء” لأن الكتاب يقول ” إذ لم تأخذوا روح العبودية أيضًا لخوف بل أخذتم روح التبنى ” (رو15:8). وإن كنا بالروح قد صرنا أبناء فواضح أننا في المسيح ندعى أولاد الله لأن ” كل الذين قبلوه أعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله ” ]. الرسائل عن الروح القدس. المرجع السابق. الرسالة الأولى: 19. وفي موضع آخر من نفس الرسالة يقول عن الابن أنه ” يوّحدنا الآب بواسطة الروح الذي فيه “. فقرة 24. انظر أيضًا المقالة الثالثة ضد الآريوسيين: 20.

[3] يو12:1.

[4] يؤكد ق. كيرلس هذه الحقيقة عندما يشرح هذه الآية في مجال شرحه لإنجيل يوحنا فيقول: [ إذ حيث إنهم قبلوا الابن نالوا السلطان أن يُعدّوا من أولاد الله فالابن وحده هو الذي يعطى بحسب ما يخص طبيعته ليكون في سلطانهم أن يصيروا أبناء الله جاعلاً ما يخصه مشتركًا وعامًا بينهم ليكون هذا صورة طبيعة محبته للإنسان وللعالم. وليس هناك وسيلة أخرى غير هذه تجعلنا نحن الذين لبسنا “صورة الترابى” نهرب من الفساد إلاّ إذا ختمنا بجمال صورة السمائى (1كو49:15) بدعوتنا إلى البنوّة لأننا عندما نشترك فيه بالروح القدس القدس نُختم لنكون مثله ونصعد إلى الصورة الأولى التي أخبرتنا الكتب المقدسة بأننا خلقنا عليها (تك27:1) ]. شرح إنجيل يوحنا، مركز دراسات الآباء، القاهرة 1989، ج1 ص124. وفي موضع آخر من شرحه لنفس الآية يقول: [ إذًا هو الابن بالحق وبالطبيعة ونحن صرنا به أبناء أيضًا وننال الخيرات بالنعمة دون أن تكون هذه الخيرات من طبيعتنا ]. المرجع السابق ص125.

[5] غلا6:4.

[6] لقد إعتمد آباء الكنيسة المعلّمين في تحديد العقيدة وصياغتها ـ وعلى عكس الهراطقة ـ على الإعلان الإلهى الذي تسلّمته الكنيسة من الرب نفسه وعاشته في تقليدها المقدس الذي عبّرت عنه نصوص الكتاب المقدس. لمزيد من التفاصيل انظر د. جوزيف موريس فلتس: الآباء والعقيدة. المنشور في دورية دراسات آبائية ولاهوتية، مركز دراسات الآباء، يناير 1998 السنة الأولى العدد الأول ص17ـ27.

[7] يو10:14. لقد فنّد القديس كيرلس الهرطقات التي أنكرت ألوهية الابن والتي نادت بأن الابن ليس هو الله بالطبيعة وبأنه أقل من الآب، وذلك بتقديمه براهينًا كثيرة بلغ عددها (22) في مقدمة شرحه لإنجيل يوحنا. ولقد مثّل الشاهد يو10:14 البرهان الأخير من هذه البراهين فيقول: [ لقد قال المخلّص إنه في الآب والآب فيه وواضح لكل أحد أن هذا لا يعنى وجود جسد في جسد آخر أو وعاء في وعاء، وإنما الصواب أن الواحد يعلن الآخر. لأن كل منهما في الآخر في الجوهر نفسه غير المتغيّر وله ذات الطبيعة الإلهية الواحدة غير المتغيّرة. ولعل أقرب تشبيه هو أن يشاهد إنسان وجهه في مرآه ويندهش من التطابق التام لدرجة أنه يقول ” إنى في هذه الصورة وهذه الصورة فيّ” أو مثلما تقول حلاوة العسل حينما توضع على اللسان ” الحلاوة في العسل والعسل فيّ ” أو مثل الحرارة الصادرة من النار كما لو كانت تقول ” أنا في النار والنار فيّ “. وكل هذه الأشياء التي ذكرناها هى متمايزة في الفكر، ولكنها واحد في الطبيعة، وكل واحد يصدر من الآخر بدون إنقطاع وبدون إنفصال، حتى إن كان يبدو أن ما يصدر كأنه ينفصل عن الشئ الذي هو موجود فيه. ورغم أن معنى الأفكار الخاصة بهذه الأشياء تأخذ هذا الشكل، ولكن لايزال الواحد منها يظهر في الآخر، وكلاهما واحد بحسب الجوهر. ” الإنسان والصورة، الحلاوة والعسل، الحرارة والنار ” وعلى نفس القياس فبسبب عدم تغيير الجوهر، والدقة في تعبير الصورة عن الأصل فإننا نفهم أن الآب في= =الابن. فكيف يمكن والحالة هذه أن يقال أن الآب أعظم أو أن الابن أقل. فإذا كان الآب في الابن والابن في الآب فهذا يعنى أن الكامل في الكامل أى في الابن الذي يستطيع أن يحتوى الكامل وهو الصورة المعبّرة للآب ضابط الكل ]. شرح إنجيل يوحنا، مركز دراسات الآباء، القاهرة 1989م، ج1 ص40.

[8] لابد أن تَفوق طبيعة مَن يُقدِّس طبيعة من يتقدس وبالتالى فالابن لأنه هو الله وواحد مع الآب في الجوهر فإنه يُقدِّس مَن يكون فيهم. وقد استخدم ق. كيرلس هذا البرهان المُقنع في سياق حديثه عن ألوهية الروح القدس وأن طبيعته الإلهية تختلف عن طبيعة ملكى صادق الذي اعتقد البعض أنه هو الروح القدس فيقول: ” فإن قلنا إن الروح يقوم بالخدمة الكهنوتية (ويقصد ملكى صادق) فإنه يكون أقل من الطبيعة الإلهية ويكون بالحرى من ضمن المخلوقات، ويسجد معها لله، ولا يُقدِّس ذاته لأن الذي يُقدس هو أسمى ولا يحتاج أن تتقدس طبيعته من آخر “. انظر جلافيرا (تعليقات لامعة). ترجمة الباحث جورج عوض إبراهيم، المقالة الثانية عن سفر التكوين. نُشرت بالكتاب الشهرى للشباب والخدام، ديسمبر 2004.

[9] هذا بالطبع هو فكر الهراطقة غير المستقيم. فالحقيقة أن الابن هو ـ مثله مثل الآب ـ قدوس حسب طبيعته. وفي موضع آخر وفي سياق شرحه لملابس هرون الكهنوتية وعلاقتها “بسر المسيح” فإن ق. كيرلس قد فسّر عبارة “قدس للرب” المكتوبة على صفيحة من ذهب على عمامة هارون، بأنها هى عبارة تخص الابن المتجسد غير أنها لا تصفه بأنه محتاج للقداسة إذ هو قدوس حسب طبيعته الإلهية ولا يحتاج إلى التقديس من آخر، إنما هى تعنى أن الابن قد عيّن خصيصًا وأُرسل إلى العالم لخلاص وتقديس البشرية. انظر السجود والعبادة بالروح والحق، المقالة الحادية عشر.

EPE. qes/nikh 1999. T. 132.

[10] سبق أن عالج ق. أثناسيوس نفس هذه القضية في مقالته ضد الآريوسيين الذين أنكروا ألوهية الابن وبالتالى بنوّته حسب الطبيعة للآب، وبالتالى عدم قدرته على أن يجعلنا ـ بقبول روحه ـ أبناءً لله الآب. انظر المقالة الثانية 51:2.

[11] تك26:1.

[12] وقد سبق أن تحدث القديس كيرلس عن الطبيعة الإلهية الواحدة في ثلاثة أقانيم وذلك في الجزء الأول من حوار حول الثالوث ص62ـ63، فقال: [ حينما نقول الطبيعة، فإنما نعنى كل الثالوث القدوس في الله الواحد، ولا نعنى كل أقنوم على حدة، بينما حين نتناول البحث في ” الآب والابن والروح القدس ” فإننا لا نقصد كشف كل الطبيعة الإلهية بلا تمييز، ولكننا نبدأ بقدر الإمكان بتمييز الأقانيم كل أقنوم بحسب خاصيته، لنصل إلى إدراك وحدتهم الجوهرية، حسب طاقتنا ]. ويقول ق. أثناسيوس عن أهمية أن يكون التعليم اللاهوتى هو في الأساس تعليمًا عن الثالوث: ” فإذ كان التعليم عن الله كاملاً الآن على أساس فهمه كثالوث فهذه هى الديانة والعبادة الحقيقية والوحيدة وهذا هو الصلاح والحق. وهذا هو الواجب أن يكون هكذا دائمًا “. المقالة الأولى ضد الآريوسيين، مركز دراسات الآباء، القاهرة 2002. فقرة 18

[13] رو29:8. يكرر ق. كيرلس نفس هذه العبارة تقريبًا في إطار شرحه المفصّل لآية يو27:6 “الذي يعطيكم ابن الإنسان لأن هذا قد ختمه الله الآب ” ويدلّل على أن لفظ “ختمه” دليل على وحدة الجوهر للآب والابن. راجع شرح إنجيل يوحنا، إصدار المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، ج3 فصل5.

[14] لمزيد من التعمق في هذه النقطة راجع:

The Image of God in Man according to Cyril of Alexandria by Walter J. Burghardt, Mary Land, 1957.

 

بنوة الابن للآب – الحوار الثالث ج7 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

هل الابن أقل من الآب؟ – الحوار الثالث ج6 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

هل الابن أقل من الآب؟ – الحوار الثالث ج6 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

هل الابن أقل من الآب؟ – الحوار الثالث ج6 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

 

الحوار الثالث

” إن الابن هو إله حقيقى كما أن الآب إله حقيقى “

 

هل الابن هو أقل من الآب لأنه قد أُعطىَ ”اسمًا”؟

كيرلس: يجب أن تعلم أنى أتفق معك أنه قد أُعطى اسمًا فوق كل اسم. فإن اعترض أحد على أقوال الوحى الإلهى فإن هذا لا يدل ـ على ما أعتقد ـ على رجاحة الفكر بل على عقل منحرف وعلى محاولة إنسان قد إختّل عقله. غير أنى مندهش من فنون وأساليب المعارضين في التضليل لأنهم لم يحاولوا حتى مجرد التفكير في سبب إعطائه اسمًا، لكنهم يفتشون عن كلمات تخدم أفكارهم[1] وفي هِمّة يستغلون أى أمر يظهر وكأنه ضد مجد وكرامة الابن. مع أن الوحى الإلهى يحدّد الوقت الذي أُعطى فيه الابن هذه العطية لأنه لم يكن آخر هو الذي كُتب عنه “ الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله لكنه أخلى نفسه آخذًا صورة عبد صائرًا في شبه الناس وإذ وجد في الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب ولذلك رفّعه الله أيضًا وأعطاه اسمًا فوق كل اسم[2] لكى تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومَن على الأرض ومَن تحت الأرض ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو الرب لمجد الله الآب[3].

إرميـــا: وماذا يعنى هذا؟

كيرلس: كان من الممكن أن يكون هذا الكلام مثل طريق مُمَهد ومَعَبر لمَن يريدون الفهم بطريقة صحيحة، ويقودهم هذا الكلام إلى الحق. فلتفهم يا صديقى أنه إذ قد أُعطى الاسم ” كهبة ” فهذا يشير إلى عملية الإخلاء وأن الابن قد وضع نفسه حسب التدبير، من أجلنا. وطالما أنه أخذ اسمًا ـ وفق عملية الإخلاء والخضوع هذه ـ فيبدو كأنه أخذ شيئًا لا يمتلكه قبل عملية الإخلاء لأنه من نفس جوهر الله الآب. وطالما أنه وضع نفسه وقد تنازل من علوه إلى ما هو أقل، فإنه يرجع بالقطع إلى علوه السابق، وهذا لا يعنى أنه يأخذ مجد وكرامة آخر بل ما كان له منذ البدء. أما إن كانوا يعتقدون أنه من الضرورى أن يقولوا إن الابن قد أخذ مجدًا وكرامةً غريبة عنه عندما أُعطى اسمًا فوق كل اسم، كهبة من الآب، فحينئذٍ لا يوجد شئ يمنعنا حسب المنطق من أن نفهم سر تأنسه بطريقة عكسية وأن نحوّل تجسده إلى اتجاه آخر تمامًا. وسأقول لك بأى طريقة يتم هذا. إن كان أخذْ الابن لاسم فوق كل اسم ليس هو اخلاء بالنسبة له، لكن بالحرى اكتسابه لشئ جديد لم يكن له حسب طبيعته، حينئذٍ سيكون هناك إخلاء جوهرى أو بالحرى إخلاء قد حدث قبل أن يحدث الإخلاء في ملء الزمان. بينما الزمن الذي فيه تم الإخلاء ـ وبطريقة لا أعلمها ـ أى الزمن الذي أخلى فيه ذاته، هو زمن المجد والكرامة، بعدما اقتنى ما لم يكن له بحسب الطبيعة وامتلك أمورًا لا تقارن بما كان له سابقًا. غير أنه ـ وكما تؤمن أنت ـ أن الاسم الذي هو فوق كل اسم قد أُعطى للابن عندما اتخذ جسدنا كواحد منا، وتعيّن ابن الله وهو الابن الحقيقى، كابنًا بالتبنى مثلنا ومن أجلنا حتى أننا بواسطته نصير أبناءً لله بالتبنى ، وتكون لنا شركة الطبيعة الإلهية. أم أنك تعتقد أن الحديث قد حادَ عمّا يجب؟

 

إرميـــا: بالطبع لا.

كيرلس: لقد قرّرنا ـ وعلى عكس عناد المعترضين ـ أنه لابد وأن نعترف بالأمور الأسمى وأن نتمسك بغير لوم بالإيمان بالابن الوحيد[4] ولنبعد عنا كل كبرياء كما هو مكتوب[5]، ولنُخضع كل فكر إلى طاعته. أما إن رفضنا أن نفعل ذلك فيجب علينا أن نقبل ما يقوله هؤلاء وسننكر على الابن الوحيد كونه الإله الحقيقى. وبهذا سنقول أيضًا إنه ليس لدينا شئ آخر نضيّعه.

 

إرميـــا: هل ستوضّح لى ما تريد، أم ستتحاشى الحديث؟

كيرلس: بالتأكيد لديّ رغبة أن أتحدّث ولن أتحاشى الكلام عن هذه الأمور أم ربما كان من غير الصحيح أن نقول إنه طالما قد أُعطى اسمًا أفضل وأنه ـ بطريقة ما ـ دُعى إلهًا، فإن هذه العطية يمكن أيضًا أن تفارقه؟ لأن ما يُعطى لا يبقى ثابتًا إلى الأبد. وحسب هذا فإن الآب نفسه سيكون معرضًا لما لا يليق أن يُنطق به. لأن الآب سيُصبح أقل من الابن وستكون طبيعته أدنى من طبيعة المولود منه ـ مع أن الابن حسب زعمهم أقل من الآب ـ لأنه لو أن الابن كان له مجرد أن يُدعى إلهًا لكان مجد ألوهيته مجد زائف ولكان وكأنه أُعطى هذه الرتبة الآن فقط وكأنها رتبة زائفة لو أنه بالفعل كان ما يملكه من الألوهية هو مجرد اسم (أى مجرد عطية).

 

إرميـــا: إن حديثك يوضّح بشاعة هذه الأمور غير اللائقة.

كيرلس: بالفعل هى أمور بشعة، لكن من الضرورى أن نستعرضها. لأننا عندما نفعل هذا فإننا نستبعد ما هو ليس حق ونُظهر ما هو حق. إذًا طالما أن الابن ـ كما يعتقدون ـ قد أخذ اسمًا من الله الآب مكافأة له على إخلائه، فبالتالى يمكن أن يقال إنه قَبْل زمن الإخلاء (أى قبل التجسد) لم يكن له هذا الاسم إذ أن هذه النعمة المعطاة ـ والتي يمكن بسهولة أن تُفقد ـ لم تظهر إلاّ في زمن الإخلاء. وغير ذلك، كيف كان الابن مساويًا لله الآب طالما أنه لم يكن قد أخلى نفسه بإرادته ولم يكن قد أخذ شكل العبد؟ لأنه لم يحسب مساواته لله خلسة. إذًا فإن كنا نقول إن الابن قَبْل زمن الإخلاء كان مساويًا للآب، وأنه عندما أخلى نفسه، كُرّم بطريقة خاصة وأُضيف له مجد فوق المجد الذي له، فإنه سيكون بهذا الشكل قد فاق الآب نفسه.

 

إرميـــا: هذا كلام صعب جدًا.

كيرلس: غير أنه سليم من حيث طريقة التفكير. فلو قالوا إن الابن ـ عندما أخذ اسمًا فوق كل اسم ـ كان قد اكتسب شيئًا أسمى، فهذا يعنى أن طبيعته قد تطوّرت وفاقت طبيعة الله الآب. لأن هذا ما يتضح من كلامهم الشنيع الذي سبق أن قالوه. ومن ناحية أخرى لو أن المرء قد رأى الابن أقل بين آخرين أسمى منه ولم تزيده العطية أى شئ مع أنه يُفهم أنه أخذ شيئًا، فكيف لا يظهر كذب وهراء مَن لهم مثل هذه الجرأة الكبيرة أن يقولوا إن الطبيعة الإلهية التي لا توصف تتفوّق قليلاً فقط على الطبيعة المخلوقة حتى لا يقال إنها لا تتفوّق عليها بالمرة ؟ وأيضًا أن يقولوا إنه لو أن هذه الطبيعة قد أعطت خصائصها الذاتية لأحد المخلوقات كى ترفعه للمجد فإنه لن يستفيد إلاّ القليل. غير أنه لو فكّرنا هكذا لكان هذا هراء منا، لأن الأمور المختصة بالله هى يقينية وتستحق كل المجد. وحسب فكرهم فإن الله الآب يظهر وكأنه أفضل من نفسه، مانحًا لغيره عطايا أفضل مما يملك.

 

إرميـــا: بأى طريقة؟

كيرلس: بأنه (أى الآب) قد أعطى الابن ـ الذي هو مساوٍ له وله نفس المجد حتى قَبْل إخلائه لذاته ـ أعطاه اسمًا فوق كل اسم واضعًا إياه في مرتبة عالية. إذًا أليس ما يقوله المعاندون هو هراء تفوح منه رائحة الجهل؟

 

إرميـــا: بالتأكيد.

كيرلس: كما أعتقد أن المرء يستطيع أن يثبت هراء ما يقولون كالآتى:

          لو كان الابن يعرف أنه يحمل مجرد “اسم الابن” وأنه ليس ابنًا بطبيعته (الإلهية) فما الذي جعله ينادى عاليًا ويقول ” أنا هو الحق[6]. لأن المزَيف ليس هو حقيقى، ومَن يُظهر ما ليس له حسب الطبيعة، بل (يظهر) تلك الأمور الخارجية والغريبة عنه، فهو يحاول أن يخترق الحقيقة والمجد بالقوة. غير أن الواقع ليس هكذا، كما أن هذه الأفكار مشوّهة. وإن كان (الكلمة) ليس هو الله بالطبيعة فلماذا رأى أنه لا يجب أن يحسب نفسه مع أولئك الذين هم آلهة بالتبنى لكنه ميّز نفسه عن كل القديسين وسار في طريق لا يستطيع أحد منهم أن يسير فيه وذلك بقوله ” إن قال آلهة لأولئك الذين صارت إليهم كلمة الله، ولا يمكن أن ينقض المكتوب، فالذي قدّسه الآب وأرسله إلى العالم أتقولون له أنك تجدف، لأنى قلت إنى ابن الله[7]؟ أى أنه يقول: طالما أن هؤلاء الذين يقبلون كلمة الله ويضعونها في داخل نفوسهم، يدعون آلهة، فكيف لا يكون ذاك الذي صيّرهم آلهة، هو نفسه إلهًا؟[8] لأن  ” الكلمة كان الله ” كما يقول القديس يوحنا، والفعل كان (½n)[9] لا يعنى أن المجد صار له بعد وقت معيّن بل أن هذا المجد هو له قبل كل الدهور. إذًا هل يشير تعبير “كان” إلى أن هذا المجد كان له دائمًا، أم يعنى أن هذا المجد كان له في بداية الزمن فقط؟

 

إرميـــا: بالصواب تتكلّم، لأن تعبير “كان” يتعدّى حدود الزمن.

 

كيرلس: والقديس بولس لا يعترف بالابن على أنه ابن لا يتحلّى برتب غير أصيلة فيه، بل يعترف به إلهًا بالطبيعة متحدًا بالله الآب بعلاقة جوهرية حسب الطبيعة.

 

إرميـــا: كيف؟

كيرلس: إنه يكتب الآتى ” لأنه وإن وُجد ما يسمى آلهة سواء كان في السماء أو على الأرض كما يوجد آلهة كثيرون وأرباب كثيرون لكن لنا إلهًا واحد الآب الذي منه جميع الأشياء ونحن له، ورب واحد يسوع المسيح الذي به جميع الأشياء ونحن به[10]. فلو أنه كان قد اعترف بأنه يجب أن يُحصى الابن بين الذين يحسبون آلهة بالنعمة، فلماذا لم يجعله بين هؤلاء الآلهة، ويشير فقط إلى إله واحد وفريد هو الآب الذي هو الله والرب ولأنه ميّز بين الابن وبين تلك الآلهة الأخرى وقال إنه يجب أن يُدعى الآب إلهًا والابن ربًا؟ غير أنى أعتقد أنه من الحكمة والضرورة أن لا نفصل المجد الذي هو حسب الطبيعة عن الألوهة الحقة، وأن لا نُخرج الربوبية الحقة بعيدًا عن الطبيعة الإلهية، لأنه من الواضح أن كلاً من الآب والابن له بالحرى الألوهة والمجد. والدليل الواضح على أن الآب والابن هما واحد في الجوهر هو أن لكل منهما خصائص هذه الطبيعة وأن كل منهما له نفس هذه الطبيعة الإلهية الواحدة وهذا يؤكد وحدتهما المطلقة (في الجوهر) وأنهما لا يحتاجان شيئًا من خارجهما.

 

إرميـــا: لكن كيف يكون هذا؟

[1] هذا هو اسلوب الهراطقة دائمًا في استخدام النصوص المقدسة. ولقد كشف القديس أثناسيوس نفس هذا الأسلوب الذي اتبعه الآريوسيون. انظر المقالة الأولى ضد الآريوسيين، إصدار المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، الفصل الثالث والفصل الحادى عشر. ومن الجدير بالذكر أن لفظ هرطقة ليس عربيًا بل يونانيًا من الكلمة “هيرسيس” a‰resij بعد أن تم نقل كل أحرفها اليونانية إلى أحرف عربية أو ما يسمى بـ Transliteration والمعنى الحرفي للكلمة اليونانية هو من معنى الفعل a„ret…zw الذي يعنى أختار أو أنتقي. ولذلك فإن لقب هراطقة أُطلق على الأشخاص الذين كانوا ينتقون أو يفتشون عن كلمات من بين النصوص المقدّسة كى تخدم أفكارهم التي لا تتفق مع إيمان الكنيسة المستقيم.

[2] إنشغل ق. أثناسيوس من قبل ببيان التفسير المستقيم لهذه الآية بالتفصيل وموضحًا ألوهية الابن المتجسد وأن إعطاؤه اسمًا لا يعنى أنه غير مساو للآب في الجوهر. انظر المقالة الأولى ضد= =الآريوسيين، مركز دراسات الآباء، فصل 11 ص74ـ87 ولقد اتبع ق. كيرلس نفس هذا التفسير وتأثر به.

[3] في6:2ـ11. سبق أن استعان ق. كيرلس بالجزء الأول من هذه الآيات (6، 7) في الرّد على الآريوسيين الذين قالوا إن الابن هو من طبيعة متوسطة بين الله والبشر لأنهم فهموا قول بولس الرسول “يوجد وسيط واحد بين الله والناس، الإنسان يسوع المسيح الذي بذل نفسه فدية لأجل الجميع” (1تيمو5:2)، وذلك بطريقة خاطئة، لهذا نجد أن ق. كيرلس يقول: [ إن  الرسول يحدّد على ما أعتقد، أن الفترة الوحيدة التي تتناسب مع الوساطة هى الأزمنة الأخيرة، والتي فيها حسب كلام الرسول “الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله، لكنه أخلى نفسه آخذًا صورة عبد”. ورغم أنه الإله والرب فلكى يُرجعنا بواسطة ذاته لله الآب ولكى يصالح الكل حسب المكتوب “عاملاً الصلح بدم صليبه سواء كان ما على الأرض أم ما في السموات” لكى يصنع ذلك كله، توسط كإنسان. ولهذا يقول بولس ” نطلب عن المسيح تصالحوا مع الله وذلك بالإتحاد بشخص المسيح. ولأن طبيعة الإنسان لا تحتمل أن تستوعب مجد الله في حالته الأولى قبل التجسد، فقد لبس الابن الوحيد لأجلنا ولأجل منفعتنا جسدنا ـ وتشبهّه بنا ]. حوار حول الثالوث، الجزء الأول، المرجع السابق ص32.

[4] في بداية مقالته الأولى ضد الآريوسيين الذين أنكروا ألوهية الابن المتجسد، أوضح القديس أثناسيوس الإيمان الصحيح عن الابن الوحيد بقوله: ” ها نحن إذًا نتحدث بحرية عن الإيمان الصحيح النابع من الكتب الإلهية، ولنضع هذا الإيمان كسراج على المنارة فنقول: ابن حقيقي حسب الطبيعة للآب ومن نفس جوهره وهو الحكمة وحيد الجنس وهو الكلمة الحقيقي لله وهو ليس مخلوقًا ولا مصنوعًا، ولكنه مولود حقيقي من ذات جوهر الآب ولهذا فهو إله حق إذ أنه واحد في الجوهر ÐmooÚsioj مع الآب الحقيقي “. انظر الفصل الثانى فقرة 9.

[5] انظر 2كو5:10.

[6] يو6:14.

[7] يو35:10ـ36.

[8] هذه الآية نفسها استخدمها القديس أثناسيوس في سياق دفاعه عن ألوهية الروح القدس ليدافع عن ألوهية الابن، لأنه إن لم يكن الابن هو الله لما كان روحه أيضًا هو الله إذ يقول: [ لكن إن كان البعض (من المخلوقات) قد دعى آلهة، فذلك ليس بحسب الطبيعة بل بحسب إشتراكها مع الابن،= =لأنه هكذا قال هو نفسه ” إن قال آلهة لأولئك الذين صارت إليهم كلمة الله “. ومن أجل هذا فلأنهم ليسوا آلهة بالطبيعة، فإن بعضهم قد يعانى التغيير (إذ هى مخلوقة) في وقت ما، ويسمعون القول “إنى قلت أنكم آلهة وبنو العلى كلكم، لكن مثل الناس تموتون ” (مز6:81، 7س) هكذا كان ذلك الذي سمع ” أنت إنسان لا إله ” (خر9:28) أما الابن فهو إله حقيقي مثل الآب لأنه هو في الآب والآب فيه]. الرسائل عن الروح القدس. المرجع السابق، مركز دراسات الآباء 1994 الرسالة الثانية:4.

[9] الفعل “½n” في اللغة اليونانية هو صيغة الماضى لفعل الكينونة “يكون” “ e‡nai” .

[10] 1كو5:8ـ6. سبق أن استخدم ق. أثناسيوس هذه الآية لإثبات ألوهية الروح القدس فيقول: [ إذا كان الابن هو كلمة الله فهو واحد كما أن الآب واحد، لأنه ” يوجد إله واحد الذي منه جميع الأشياء … ورب واحد يسوع المسيح ” لذلك يُقال ويكتب عنه أنه ” الابن الوحيد ” وأما المخلوقات فهى كثيرة ومتنوعة: ملائكة، رؤساء ملائكة، شاروبيم، رئاسات سلاطين وغير ذلك كما سبق أن قلنا. وإذا كان الابن ليس من الكثيرين لكنه واحد، كما أن الآب واحد وهو ليس مخلوقًا فبالضرورة (لأنه ينبغي أن نأخذ من الابن معرفتنا عن الروح) لا يمكن أن يكون الروح مخلوقًا، لأنه ليس من بين= =الكثيرين، بل هو نفسه واحد ]. الرسائل عن الروح القدس. المرجع السابق، مركز دراسات الآباء، القاهرة 1994. الرسالة الثالثة: 3.

 

هل الابن أقل من الآب؟ – الحوار الثالث ج6 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

خصائص طبيعة الابن – الحوار الثالث ج5 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

خصائص طبيعة الابن – الحوار الثالث ج5 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

خصائص طبيعة الابن – الحوار الثالث ج5 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

 

الحوار الثالث

” إن الابن هو إله حقيقى كما أن الآب إله حقيقى “

 

الابن له خصائص طبيعة الذي وَلَدَه:

كيرلس: تمامًا كما لو قيل إن واحد هو واضع الناموس[1] وهو الآب وهو الديّان أيضًا، فإن هذا ليس معناه بأى شكل من الأشكال أن الابن ليس هو واضع الناموس وهو الديّان. لأنه لا يوجد بالمرة ما يمكن أن يفصل طبيعة الابن عن طبيعة الآب. وبنفس الطريقة على ما أعتقد، حتى إن كان الله الآب هو مَن له خاصية عدم الموت[2]، فإن الابن أيضًا له نفس الخاصية في جوهره وهو بالتأكيد عديم الموت بمعنى أن طبيعته غير مائتة ومشرقة ببهاء خصائص طبيعة الذي وَلَده، ولهذا فنحن والملائكة نسجد له. أما إن قالوا لنا إن الأمور ليست كذلك وأتوا لنا بكتابات منحولة ـ رغم أننا نؤمن بما هو مستقيم ـ فليوضحوا لنا ما يلى.

 

إرميـــا: ماذا تقصد؟

 

كيرلس: أولاً وقبل كل شئ، إن كان مَن ليست له حياة لأنه لا يملكها في طبيعته، فحينئذٍ ألا يكون بالضرورة مائتًا وستكون الحياة معطاة له من خارج (طبيعته) بواسطة آخر.

 

إرميـــا: نعم، لأن مَن هو ليس عديم الموت يمكن أن يقبل الموت.

 

كيرلس: وبالإضافة إلى هذا فليقولوا لنا أيضًا ما هو عمل الحياة في أولئك الذين هم في حاجة إلى الحياة؟

 

إرميـــا: طبعًا هو إعطائهم الحياة، مثلما أن عمل النور هو الإضاءة بالتأكيد.

كيرلس: بالصواب تتكلّم. فلو أن أحدًا قد اعتقد أن الحياة تحتاج إلى أن تنال حياةً (من آخر) أو أن النور يحتاج أن يستنير بواسطة آخر، فهل تظن أن اعتقاده هذا سليم؟

 

إرميـــا: بالتأكيد لا، لأنه بهذا الاعتقاد يكون قد ابتعد عن التفكير السليم لأن الحياة لا تُوهَب حياة بواسطة آخر.

كيرلس: إذَا عندما يكون الابن الوحيد بيننا ويصرخ فينا قائلاً ” أنا هو القيامة والحياة[3]. فهل يجب أن نفترض أن الحياة ينقصها عدم الموت أم كيف يكون الأمر بخلاف ذلك؟

 

إرميـــا: كيف يكون ذلك؟ لأن الحياة لا ينقصها عدم الموت بالتأكيد. لأن الحياة في طبيعتها تعنى عدم الموت.

كيرلس: وأنا أقول إنه طالما أن الله الآب هو عديم الموت (وهذا ما يخبرنا عنه الكتاب المقدس)[4]، فكيف لا يكون الابن أيضًا عديم الموت؟ غير أنى أؤمن وبشكل مطلق بأن أمر الوحدة الجوهرية بين الآب والابن يعطى لكل منهما حقيقة كونهما عديميّ الموت، كما أنه أمر واضح أن الحياة هى صفة جوهرية وأن عدم الموت ليس هو شئ صالح يعطى من الخارج بل هو أمر يرجع إلى الطبيعة. فلو أن المعاندين بتفكيرهم المنحرف قد ظنوا أنه يجب أن يقولوا إن الابن هو غريب عن الله الآب وأن له طبيعة أخرى منفصلة وأنه ليس هو إله حق مع أنه بالتأكيد هو غير مائت بطبيعته أو بالحرى هو الحياة عينها، وبالتالى لا ينسبوا إليه كل الميزات التي نندهش منها نحن والملائكة والتي تليق بالطبيعة الإلهية غير الموصوفة، فهل يمكن ـ حسب تعليمهم المنحرف ـ أن تنسَب هذه الميزات التي تليق بالطبيعة الإلهية لأحد آخر من بين الخلائق؟

 

إرميـــا: وبأى طريقة يقولون ذلك؟

كيرلس: أعتقد أن هؤلاء سيقولون إن سلطة إعطاء الحياة وكونه هو الحياة تليق بمن هو بالفعل والطبيعة إله حق. إذًا طالما أن الآب حسب جوهره هو كذلك، بينما ـ وفقًا لما يقولون ـ إن الابن ليس من طبيعة الآب، وأنه يوجد في منزلة أقل من الآب، وحينما يقول الابن إنه هو الحياة ناسبًا لطبيعته الخاصة ما هو من خصائص جوهر الآب، فكيف لا يكون ما قلته بشأنهم هو صحيح؟ لأنه (حسب فكرهم) ما كان من خصائص الطبيعة غير الموصوفة قد انتقل إلى مَن لم يأت من جوهر الله الآب بل إلى مَن أتى إلى الوجود مع بقية الخلائق. لأنه بحسب ما نؤمن به، فإننا نعرف أن الله يأتى في المقام الأول ثم بعد ذلك الخليقة كلها ولا يوجد في الوسط بين الله والخليقة أى شئ آخر على الاطلاق. أليس ما أقوله صحيحًا؟

 

إرميـــا: صحيح تمامًا.

كيرلس: إذًا فإن كان الابن له جوهر آخر غير جوهر الآب فكيف يمكن أن نفهم أنه يوجد فعل واحد ومماثل لمَن هم مختلفين من جهة طريقة وجودهم؟ لأنه يقول ” لأنه كما أن الآب يقيم من الأموات ويُحيّي كذلك الابن أيضًا يُحيي مَن يشاء[5].

إرميا: هو يقول ذلك بالتأكيد. والابن بالقطع هو الحياة. غير أنه قال أيضًا  ” كما أرسلنى الآب الحيّ وأنا حيُُّ بالآب[6]. إذًا فالحياة التي فيه هى بسبب أبيه[7].

 

كيرلس: وبالتالى أيها الجسورون هل يجب أن نقبل أن الابن نفسه قد استمد حياته من الله الآب مع بقية المخلوقات كلها وبالتالى لابد وأن نحصيه مع بقية الكائنات التي تستمد حياتها من آخر كشئ دخيل عليها؟ حينئذٍ يجب أن يُحسب الابن بين أولئك الذين يموتون لأن الشئ الذي يأتى من خارج (الإنسان) يمكن أن يُفقد، وما يريد الإنسان أن يحتفظ به، سيكون معرّضًا للفقدان، إن لم يرتبط بقوانين طبيعية تجعل احتفاظه بهذا الأمر ثابتًا.

 

إرميـــا: فكيف إذًا يمكن أن يفكر المرء بأن الابن هو الحياة بسبب الآب بالرغم من أن الابن نفسه بحسب الطبيعة هو الحياة؟

كيرلس: كونه هو الحياة[8] هو بالتأكيد دليل على أصالة صدوره من الله الآب وبرهان واضح على حقيقة طبيعته (الإلهية).

 

إرميـــا: ماذا تقصد بهذا؟

 

كيرلس: أقصد أنه لم يقل إنه أُعطى الحياة من الآب بل قال إنه حيّ بالآب.

 

إرميـــا: وماذا يعنى هذا إذًا؟

كيرلس: أعتقد أنه يليق لمَن له طبيعة ليس فيها حياة وليس لها عدم الموت بل هو يستمد حياته من آخر، أن يقول ” إن أبى أعطانى الحياة“. بينما يليق بمَن يعرف أنه هو الحياة وأنه قد صدر من الحياة، أن يقول وبطريقة تناسبه كإله ” أنا حيّ بالآب“. فلو أن كائنًا عاقلاً قد وُلد من كائن عاقل هو أبوه وقال إنى عاقل بأبى. أو بطريقة أخرى لو أن الحرارة التي تشع من النار[9] لها صوت وقالت إنى أُدفئ بالنار التي منها قد انبعثت[10]، فهل من الممكن ألاّ يظن مَن له عقل أنهما (أى الكائن العاقل والحرارة) يقصدان بالحرى خصائص كل منهما التي منها كينونتهما وليس خصائص دخيلة عليهما من الخارج كهبات؟!!

 

إرميـــا: بلى، سوف يظن كذلك.

كيرلس: وبالتالى فإن الابن حيّ بالآب لأنه هو الحياة التي هى من حياة الآب[11]، ولأنه بالفعل إلهًا حقًا تمامًا مثل مَن وَلَده. وكلامى الذي أقوله يستند على شهادة يوحنا الإنجيلى والمملوءة حكمة إذ يكتب عنه قائلاً ” ونعلم أن ابن الله قد جاء وأعطانا بصيرة لنعرف الحق ونحن في الحق في ابنه يسوع المسيح هذا هو الإله الحق والحياة الأبدية[12]. هل اتضحت الأمور أكثر بالنسبة لك؟ وهل أصبح من السهل أكثر أن تؤمن بذلك بدلاً من أن تظن أن الابن ليس من نفس جوهر الآب؟

 

إرميـــا: إنى أعتقد أنه لا يوجد شئ يمكن أن يدحض كلمات يوحنا اللاهوتى لأنها تشهد شهادة قوية عن الابن ضد ما يردده المعارضون. غير أنه عندما يُسمّى الابن بالإله الحق ففي الحال يبتسم المعارضون في سخرية ويقولون إن الابن في الواقع ليس هو إله حق لكن الآب بإرادته قد منحه هذا الاسم. ويضيفون قائلين إن القديس بولس كتب ” رفّعه الله وأعطاه اسمًا فوق كل اسم[13].

[1] يع12:4.

[2] انظر 1تيمو16:6.

[3] يو25:11.

[4] انظر 1تيمو16:6.

[5] يو21:5. وفي شرحه لهذه الآية من إنجيل يوحنا يؤكد ق. كيرلس نفس المعنى بقوله: ” أترون أيضًا أنه في تلك الكلمات برهانًا ساطعًا على معادلته للآب. لأن مَن يعمل بالمساواة من جهة إقامة الموتى، كيف يمكن أن يكون أقل؟ أو كيف يكون من طبيعة أخرى وغريبًا عن الآب وهو الذي يشّع بنفس الخصائص؟ لأن القدرة على الإحياء التي في الآب كما هى في الابن، هى خاصية للجوهر الإلهى، لكن الآب أيضًا لا يُحيي بعض الناس منفصلاً عن الابن ومن ذاته أو أن الابن يُحيي البعض الآخر منفصلاً ومنعزلاً عن الآب، إذ أن الابن له الآب في ذاته بالطبيعة، والآب يفعل كل شئ ويعمل كل شئ بالابن. لكن طالما أن الآب لديه قوة الإحياء في طبيعته ذاتها، هكذا الابن نفسه أيضًا، ينسب قوة إقامة الموتى، وكأنها تخص كلا منهما على حدة “. شرح إنجيل يوحنا، مركز دراسات الآباء، القاهرة 1995، ج2 ص105.

[6] يو57:6. عندما يتعرّض ق. كيرلس لشرح هذه الآية من إنجيل يوحنا فإنه يبدأ بالقول: ” معنى هذا النص غامض، تغلفه صعوبة ليست بقليلة، لكنه ليس عسر الفهم تمامًا إذ يمكن إدراكه وفهمه من قِبَل أولئك الذي اختاروا أن يفكروا باستقامة “. شرح إنجيل يوحنا، مركز دراسات الآباء، القاهرة 1998م، ج3 ص159. ولهذا فإنه يجتهد لتوضيح المعنى الحقيقي لها وما يحويه من تعاليم عقائدية تثبت ألوهية الابن ومساواته في الجوهر لله الآب. ومن الملاحظ أيضًا أنه إمتد في شرحه لهذه الآية كى يعلّم ليس فقط بوحدة الجوهر للآب والابن ضد الفكر الآريوسى، بل أيضًا كى يثبت= =عقيدة الثالوث الأقدس الواحد في الجوهر فيقول: ” إن الطبيعة الإلهية هى واحدة تُدرك في الآب والابن والروح القدس لا بشكل إنقسامى متعدد يعمل كل منهم بمفرده ما ينبغى أن يتم من أمور لكن ما يقال إنه تم بواسطة واحد منهم هو عمل الطبيعة الإلهية كلها. لأنه لَمّا كان الثالوث القدوس واحدًا فيما يخص وحدانية الجوهر، فإن قوته هى قوة واحدة بالكامل من جهة كل شئ. لأن كل شئ هو من الآب بالابن في الروح “. المرجع السابق ص160. ومن الجدير بالذكر أنه رغم أن موضوع الكتاب الذي ننشره اليوم هو حوار حول الثالوث، إلاّ أن القديس كيرلس لم يتطرق إلى عقيدة الثالوث، أى وحدة الجوهر الإلهى والثلاثة أقانيم، عندما أشار إلى هذه الآية، بالرغم من أنه في استخدامه لآيات أخرى من إنجيل يوحنا كان قد تعرّض لهذه العقيدة الهامة. انظر على سبيل المثال ص27.

[7] يضع ق. كيرلس على لسان إرميا كلامًا يعبر أحيانًا عن رأى المعارضين (انظر كيرلس ص37). ومن هذه الآراء أن الابن ليس له حياة في ذاته بل يستمدها من الآب وبالتالى فهو أقل من الآب، ودليلهم على هذا قول الابن ” أنا حيّ بالآب “. وفي موضع آخر يشير ق. كيرلس صراحة أن هذا ما يفكر فيه المعارض، فيقول: [ لكن معارضنا قد يجيب مرة أخرى: وبأية كيفية أخرى يكشف الابن عما يكونه بالطبيعة أو كيف يظهر بوضوح أن الآب أعظم إلاّ بقوله ” أنا حيّ بالآب”؟ لأنه إن كان الآب هو مُعطي الحياة للابن، فمن ذا الذي يندفع في مثل هذه الحماقة فلا يدرك بالتمام أن مَن يشترك في الحياة لن يكون بالطبيعة هو نفسه الحياة أو يكون قديرًا على الإحياء؟ ]. شرح إنجيل يوحنا، مركز دراسات الآباء، القاهرة 1998، ج3 ص160ـ161.

[8] في فصل كامل من كتابه “شرح إنجيل يوحنا” يشدّد ق. كيرلس على أن الآية “فيه كانت الحياة” يو4:1 تعنى أن الابن هو بالطبيعة الحياة ولذلك هو غير مخلوق وأنه من نفس جوهر الآب ويدلّل ببراهين تسعة على ألوهية الابن إذ هو واهب الحياة. انظر ج1 إصدار مركز دراسات الآباء. القاهرة 1989، فصل 6 ص67ـ72.

[9] سبق أن شرح يوستين المدافع والشهيد (+ 161م) طريقة ولادة الابن من الآب باستخدام تشبيه النار والحرارة الناشئة عنها. انظر حواره مع تريفو: 61.

3 استخدم ق. كيرلس نفس هذا التشبيه في سياق البراهين العديدة التي أوردها لإيضاح حقيقة وحدة الجوهر للآب والابن. انظر شرح إنجيل يوحنا. المرجع السابق ج1. الفصل الثالث. البرهان 22. ص40.

[11] في إطار شرحه ليوحنا 57:6 ” كما أرسلنى الآب الحيّ وأنا حيّ بالآب” يتكلم ق. كيرلس بلسان الابن المتجسد ويقول: ” وحيث إننى أنا الكلمة، ووُلدت حياة من ذلك الذي هو بالطبيعة حياة.. ولأننى الحياة بالطبيعة لأننى من الآب الحيّ “. انظر شرح إنجيل يوحنا، إصدار مركز دراسات الآباء، القاهرة 1998، ج3 فصل 3 ص159.

[12] 1يو20:5.

[13] في9:2. ويُلاحظ أن القديس كيرلس كان قد إستخدم نفس هذه الآية في سياق تعليقه على رؤية زكريا وأنه شاهد وزنة رصاص قد رُفعت (زك5:5ـ11) يقول ق. كيرلس: ” وزنة الرصاص هى المسيح نفسه الذي رُفع بالصليب ونراه يشّع بمجد الألوهية لأن الله رَفّعه عاليًا وأعطاه اسمًا فوق كل =اسم “. انظر كتاب السجود والعبادة بالروح والحق، ترجمة الباحث جورج عوض إبراهيم، المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، يوليو 2002 الجزء الثانى المقالتان الثانية والثالثة. ص61.

 

خصائص طبيعة الابن – الحوار الثالث ج5 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

هل الابن أقل من الآب؟ – الحوار الثالث ج4 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

هل الابن أقل من الآب؟ – الحوار الثالث ج4 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

هل الابن أقل من الآب؟ – الحوار الثالث ج4 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

 

الحوار الثالث

” إن الابن هو إله حقيقى كما أن الآب إله حقيقى “

 

هل الابن أقل من الآب المشرّع؟

كيرلس: انظر مقدار الحماقة التي يمكن أن يصل إليها حديثهم عندما يتهمون أولئك الذين يخالفونهم في الإيمان. لأنه لو كان الإله الحقيقي هو الآب وحده ـ وهذا كلام لا معنى له ـ فإنى أعتقد أننا سنكون مجبرين على أن نستبعد الابن عن أن يكون إلهًا حقيقيًا.

 

إرميـــا: هذا كان سيحدث بالضرورة.

كيرلس: إذ سيكون الابن (حسب قولهم) في وضع أقل من وضع الآب. لأن الذي يعلو فوق الجميع هو الإله الحقيقى حسب الطبيعة.

 

إرميـــا: بالفعل سيكون هكذا لأن هذا ما يقود إليه كلامهم.

كيرلس: إحذر إذًا من الخطر يا إرميا، لأنه ـ حسب أفكارهم المضادة للمنطق ـ إذا كان الابن هو أقل من الآب، فإذا فكرنا بدون تردد فيما قاله القديسون (عن معرفة المسيح)، فإن هذا يمكن أن يجعل الابن في مرتبة أعلى وأفضل من الآب نفسه.

 

إرميـــا: بالطبع هذا أمر لا شك فيه بالمرة.

كيرلس: اسمع إذًا الآن ما يصرخ به بولس بأنه كان فريسيًا حسب الناموس، وأنه كان يضطهد الكنيسة بكل غِيرة، وأنه كان يعيش بلا لوم لكى يُرضى الناموس. فيقول ” لكن ما كان لى ربحًا فهذا قد حسبته من أجل المسيح خسارة، بل أنى أحسب كل شئ خسارة من أجل فضل معرفة المسيح يسوع ربى[1].

 

إرميـــا: لقد قال هذا بالفعل، لكن ماذا كان يقصد بذلك؟

كيرلس: ألم يَشْر الناموس عند آبائنا القدماء إلى أن هناك رب وإله واحد؟

 

إرميـــا: نعم.

كيرلس: وهؤلاء المعاندون بالطبع يقولون إن هذا الرب والإله هو الآب.

 

إرميـــا: هم يقولون ذلك.

كيرلس: ولكن، ماذا يقول ذلك الذي اختير ليكون إناءً مختارًا لأسرار المسيح والذي هو معلّم المسكونة ولماذا يعتقد أن معرفة المسيح لا تقارن بكل تعاليم الناموس القديم وكيف يصفها بأنها أفضل جدًا، وكيف يرى أن ما يقوله الناموس هو بغير نفع بينما ينبهر ويتعجب أمام مسألة الخلاص التي يقدمها الإنجيل؟ وألا يجبرنا هذا على الإستنتاج بأن (المسيح) الذي هو موضوع المعرفة الأفضل لا يمكن إلاّ أن يكون ـ بالتبعية ـ أفضل (من ذلك) الذي علّم عنه الناموس؟

 

إرميـــا: نعم.

كيرلس: وعندئذٍ كيف يصل عقلنا إلى ذلك الحد من الغباء وعدم المعرفة حتى أنه يُقال أو يُعتقد أن الابن أعلى من الآب مع أن الابن أصله ومصدره في ذلك الذي وَلَده؟[2] لأنه بهذا القول نهين كل من الآب والابن لأن الضرورة تحتم أن نقيّم النبات مع الثمار والأصل مع الفرع والنبع مع الماء الذي ينبع منه وليس غريبًا عنه وأيضًا نقيّم مصدر النور مع الشعاع الصادر عنه والذي يستمد ضياءه منه.

 

إرميـــا: بالطبع إن قلنا هذا سنُهين كليهما معًا وهل يمكن أن يكون ما نفعله هو غير ذلك؟

كيرلس: وفي هذه الحالة هل سيكون من الضرورى أن نتخلى عن أى حديث عن الوحدة حسب الطبيعة بين الآب والابن وعن الكلام الذي يثبت أن الابن إله حقيقي بالطبيعة؟

 

إرميـــا: بالطبع سنكون مضطّرين لعمل هذا. لكن قل لي كيف تكون معرفة المسيح هى أفضل من تعاليم الناموس مع أن المسيح له طبيعة الآب الإله الحقيقى وقد تنبأ عنه العهد القديم؟

كيرلس: إن معرفة المسيح هى أسمى من المعرفة عن الله كما جاءت في العهد القديم بل وتفوقها، وتميّزها واضح. بل هى أوسع وأشمل مما جاء في الناموس، حتى أن موسى مُعلّم الناموس كان يطلب بإلحاح أن يعرف الله (الكائن) بشكل دقيق وواضح[3]، وقال للرب مخلّص الجميع اظهر نفسك لىّ بشكل ملموس كى أراك[4]، فأمره الرب أن يحفر في صخرة ومن داخل هذه النقرة، يمكنه إن أراد، أن يراه[5]. وأعتقد أن الرب قد أراد بهذا أن يبيّن وبطريقة غير مباشرة أن الناموس يستطيع أن يكشف عن جزء بسيط من معرفة الله لأولئك الذين يريدون أن يعرفوا، ويرسل ـ كما من ثقب ـ شعاع معرفته البسيط لأنه أراد لشعب الله أن يؤمنوا فقط بإله واحد لكى يبعدهم عن الضلالات.

          غير أن الله لم يُظهر لموسى بوضوح ماهية طبيعته غير الموصوفة، وذلك على عكس ما فعل المخلّص في كرازته، أعنى المسيح في كرازته. بمعنى أنه لأننا قد عَرِفنا الابن فنحن نؤمن أنه صَدَر من أصل الآب وأن مجد الابن وهو يُظهر ـ كصورة مرسومة ـ طبيعة الآب[6]، قد أعد أعيننا لنرى أمورًا أعلى مما يفكر فيه الذهن أو يقدر الكلام أن يعبّر عنه. ولهذا نسمع المسيح يقول لله أبيه ” أنا أظهرت اسمك للناس[7]. كما أنه قال لليهود ” لستم تعرفونى أنا ولا أبى. لو عرفتمونى لعرفتم أبى أيضًا[8]. ولو أننا نعرف أن كائنًا ما من الكائنات هو فقط موجود بدون أن نعرف ماهيته، فإنى أعتقد أن أى شخص يمكنه أن يقول إن هذا الأمر هو أقل من معرفة شئ عن وجود كائن ما وأيضًا عن ماهيته. ولهذا فإنه بعد الكرازة بالإنجيل توقف سريان تعاليم الناموس التي كانت تعلّم القدماء أن الله هو واحد، فقط بدون أن تتحدث عن الطبيعة الإلهية ـ الثلاثة أقانيم أو عن وحدة الجوهر لأن هذه التعاليم هى التي تحدّث عنها العهد الجديد. لأننا إن لم نؤمن أن الابن واحد مع الآب في الجوهر سيكون هناك تخبط ومتاهة[9]، ولن يكون للإيمان المعبّر عنه في الكتب ـ كما أعتقد ـ ما يسنده ويؤكده.

 

إرميـــا: كيف وبأى طريقة؟

 

كيرلس: إن الكتاب المقدس يصّرح بأن الله واحد وهو إله حق بطبيعته ولهذا فإن الابن لن يكون له المجد والكرامة الإلهيين إن لم يكن له كل ما للآب نفسه بغير تغيير. أم لعلك لم تسمع الآباء القديسين وهم يصرخون لله قائلين، مرة ” واحد هو واضع الناموس[10]. ومرة أخرى ” الذي وحده له عدم الموت[11]. ومن يا ترى هو الذي يجب أن نعتقد أنه الواحد الديّان الذي وضع الناموس والذي وحده له عدم الموت؟

 

إرميـــا: بالتأكيد هو الآب. حسب ما يقول المعارضون لأنى أعتقد أنهم لا يفهمون أن هذا الكلام يُقصد به شخص آخر سوى الآب.

 

كيرلس: وأنا أيضًا أعرف أنهم يفهمون أن هذا الكلام هو عن الآب وأن هدفهم غير برىء، وهل يجب إذًا أن نؤمن أن الابن أقل من واضع الناموس والديّان وأنه غير أبدى؟ وأن الحياة التي فيه قد حصل عليها من خارجه؟ وماذا سنحصد من هذا الفكر غير أن الابن سيكون خاضعًا بغير إرادته للناموس والدينونة وأنه بذلك يُحصى مع الذين هم بطبيعتهم مائتين؟ وفضلاً عن ذلك كيف لا يمكن اعتبار البشارة الإلهية ـ أى الإنجيل ـ هى كذب وبهتان طالما أنها تعتمد على شهادة الابن كى تَثبتْ حقيقتها؟ لأن الابن قال في الإنجيل ” أنا هو الحياة[12] بينما هو ـ حسب اعتقادهم ـ ليس عديم الموت لأن الآب فقط هو الذي لا يموت. إنى أعتقد أنك لن تحتاج لمجهود كبير كى تفهم أنه (أى الابن) هو الديّان وأنه واضع الناموس أم أنك لم تسمعه وهو يقول في موضع آخر ” قد سمعتم إنه قيل للقدماء لا تزن وأما أنا فأقول لكم إن مَن ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه[13]. وفي موضع آخر أيضًا يقول ” لأن الآب لا يدين أحد بل قد أعطى كل الدينونة للابن[14].

 

إرميـــا: لقد سمعت ذلك، لكن دعنى أسألك، هل تريد أن تستكمل الحديث ونردُ على هذه المغالطات أم أننا سنترك المعارضين بدون أن نَسوق لهم الأمثلة؟

كيرلس: لنستمر في الحديث بكل ثقة لأن الموضوع جدير بالمناقشة ويحفّز الذهن للرد على كل أفكار المعترضين.

 

إرميـــا: فلنتحدث إذًا بوضوح أكثر عن الآب والابن كلٍ على حدة.

كيرلس: قل ما شئت إذًا، ولن أعتبر ما تقوله هو تعبير عن إيمانك بل هو يمثل آراء المخالفين.

إرميـــا: إن واضع الناموس والديّان هو فقط الله الآب. لأنه يليق بالطبيعة الملوكية التي تفوق الكل أن تُشَرِّع وأن تدين. ولقد وصل الابن بالتأكيد إلى هذا الحد من المجد وذلك بتفضّل الله الآب.

كيرلس: وهل يكون غير واضح لأى واحد بين الذين يفكرون بطريقة سليمة أن كل ما ستقوله سيكون بدون فائدة ومعنى، إن لم تثبت أن ما قلته يتفق مع ما جاء في أقوال القديسين، لأننا لن نتبع أولئك الذين يريدون دائمًا أن ينادوا بأفكارهم فقط، بل أننا سنتبع أولئك الذين يتكلمون بفم الرب[15]. ووفقًا للمكتوب (في الكتاب المقدس)[16].

 

إرميـــا: حسنًا قلت، لأن الطوباوى داود (وهو يطلب من الله الآب من أجل دعوة الأمم) رتّل قائلاً: ” قم يا رب. لا يعتز الإنسان. لتحاكم الأمم قدامك … ليعلم الأمم أنهم بشر[17]. بينما الابن نفسه يشير بكل وضوح إلى أن هذا الأمر قد تحقق بواسطته (بصفته رب وملك) كما جاء بالمزمور ” أما أنا فقد مسحت ملكى على صهيون جبل قدسى. إنى أخبر من جهة قضاء الرب[18]. غير أن ذلك الذي يُعطىَ له السلطان أن يدين ويحكم، كهبة من آخر، ألا يكون سلطانه هذا هو سلطان خارج عنه وليس من طبيعته؟

 

كيرلس: لقد صرخ أحدهم ـ عن حق ـ في أولئك المنحرفين ـ قائلاً:    ” اصحوا أيها السكارى، يا جميع شاربى الخمر[19]. لأن الابن إذ هو صورة الآب ومساوٍ له في كل شئ، قد شاء بإرادته أن يتضع، فتنازل واتخذ شكلنا وصار إنسانًا، وهكذا يُعطىَ له السلطان أن يملك وأن يحكم ويُشرّع. ولأنه صار فقيرًا مثلنا بحسب التدبير واتخذ شكل العبد، وهكذا قَبِل أن يكون له بالعطية ما كان له بالطبيعة، ولهذا نجد طريقة كلامه وأفعاله تتناسب مع هذا الإخلاء[20]. وإنى أعتقد أنه لن يصيب أى واحد ممن يؤمن به أى أضرار لو أنه فحص عن الوقت[21] الذي أشارت إليه الآيات السابقة. بمعنى، متى مَلَكَ المسيح على الأمم، ومتى جاء إلى جبل صهيون (ليُمسح ملكًا)؟ هل يمكن أن يكون هذا قد تم قبل أن يصير إنسانًا؟ مع أنه من الممكن للمرء أن يرى بوضوح في النصوص الموسَويّة أن الابن لم يقم في أى وقت آخر ليُخبر بقضاء الرب للإسرائيليين إلاّ عندما لبس ثوب فقرنا، وأن رب الأنبياء قد دُعى نبيًا، ومَن هو كائن في حضن أبيه قد حُسب بين البشر، لأن الله كان قد أخبر موسى عن هذا الأمر بقوله ” أُقيم لهم نبيًا من وسط أخوتهم مثلك وأجعل كلامى في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به[22]. إذًا يا صديقى هل كان من الممكن أن يكون الكلمة أخًا للإسرائيليين وأن يُحسب من بين البشر قبل أن يصير جسدًا ويتحد بالطبيعة البشرّية بهذه الطريقة التي تفوق إدراك العقل والتي تعلو على الوصف؟ أم أنك تذكر أمرًا أكثر إقناعًا وهو أنه مُسح أخًا وصار مثل موسى مؤدبنا بالناموس[23]، وعند الحاجة أخذ يُشرّع ثم بطريقة معينة صارت له خدمة[24]، ومتى حدث كل هذا؟ أليس عندما أخلى ذاته من مجد طبيعته، أى في ملء الزمان وعندما مارس سلطانه الكامل بكل اتضاع.

إرميـــا: أعلم أنك تتكلّم بطريقة جيدة جدًا وأنا أتفق معك تمامًا.

 

كيرلس: بالتالى فلو أنهم فحصوا كل الأمور بحسب زمان حدوثها، فلن ينزلقوا ـ على ما أعتقد ـ إلى هذه الانحرافات أو تلك الأفكار الملتوية، بل سيكونون قادرين في النهاية على الفهم الصحيح لكلام الحق. وبالإضافة إلى ما سبق أن قلته فإنى أقول الآتى: لو أن أحدهم تصور أنه أمر غير ذى شأن وغير ضرورى وبلا معنى أن يبحث المرء عن الوقت المناسب لكل حدث ورد ذكره بالكتاب الموحى به، فهل سيكون هناك مانع من أن نقول إن الابن الوحيد وكلمة الله قبل أن يأتى إلينا قد مات بالصليب وقبل أن يتخذ جسدًا قد عامله اليهود مثل السكارى. وأنهم قالوا وفعلوا كل هذه الأفعال التي تليق بهم وحدهم وذلك عندما ذُكر عن المسيح وكأنه قد عانى ذلك بالفعل: ” بذلت ظهرى للضاربين وخدى للناتفين، وجهى لم أستر عن العار والبصق[25]؟ إذًا أليس هو فكر مجنون يستحق الاستهزاء أن يُعتقد أن الابن قد عانى هذه الآلام في الزمن الذي لا يناسبها، أى قبل أن يتخذ جسدًا؟

 

إرميـــا: صحيح.

 

كيرلس: لكن لنترك الحديث عن هذا الأمر ولنتحدث عن أمر آخر لو رغبت.

 

إرميـــا: وما هو؟

كيرلس: لنستمر في البحث عن الحقيقة والمعرفة الدقيقة ولنفحص ـ حسب ما يقولون ـ إن كان حدث مَسحِه ملكًا ومشرّعًا هو الذي سيحدّد كينونة الابن حسب الجوهر أم أن هذا هو مجرد صفة له؟

 

إرميـــا: إنى لا أعتقد أنهم سيقولون إن تحديد جوهر الابن يتوقف على حدث مَسحِه ملكًا ومشرّعًا من عدمه. لأنهم في هذيانهم غير المحدود لن يصلوا إلى هذا المستوى من الحماقة بأن يجرؤوا على القول بأن مَسحِه ملكًا ومشرّعًا هو الذي يحدد جوهر الابن. غير أنه ربما سيقولون: إن الحدث في حد ذاته هو الذي يحكم عليه، فالابن ـ كما يقولون ـ لم يكن ليقبل من آخر ما كان له بالطبيعة[26].

 

كيرلس: ولكم أيها الخبثاء!! سنقول أيضًا أن تفكيركم هذا غير منطقى وغير معقول بل ليس لديكم مهارة في صياغة الأمور العقائدية، ومن السهل أن تنحرفوا وتضلوا، ذلك لأنكم قد نسيتم أنه يجب فهم أحداث الكتاب المقدس حسب الأزمنة[27] التي تناسبها كما أنكم عندما تتحدثون عن الابن الوحيد في زمن تجسده قد نسيتم أيضًا أنه لا يجب أن ننسب إليه ما لا يليق بالله. ولأنها ليست هى المرة الأولى التي تفكرون فيها بطرق ملتوية وغير مستقيمة، فإنكم تقولون إن صيرورته ملكًا ليست خاصية ذاتية للابن، لكنها مجرد حدث. غير أننا نقول ما الذي يمنعنا من أن نؤمن ونعترف أنه فيما كان الابن بحسب جوهره ملكًا ومشرّعًا[28]، فإن الله الآب أراد أن يُظهر للبشر مَن هو كائن بالفعل. وبالقطع أنا لا أعنى أنه بدأ في أن يملك لكنه قَبِلَ أن يُشرّع لأولئك البشر وأن يضمهم لمملكته بعد أن كانوا قد خرجوا عن طاعته وصاروا تابعين لضلالات تعدد الآلهة. وأعتقد أنه من غير اللائق بالمرة، أن يقول بعض الذين يزعمون بأنهم حكماء، إن كلمة الآب قد دُعيّ منذ البداية وبرضاء الذي وَلَده ـ كى يُشرّع ومع ذلك لا يؤمنون أن الابن بحسب الطبيعة هو مُشرّع وأنه هو الله. فلو كان هناك منزل صغير مُعتم ومليء بالضباب الكثيف لم يدخله نور أشعة الشمس لفترة ما لأن أحدًا لم يسمح بذلك وبعد مرور هذه الفترة دخل النور مباشرةً وطرد الظلام وأضاء المكان بنور غير عادى بالنسبة لمثل هذا المكان[29]، ولو كان لهذا النور لسان لحكى لمن يتعجبون مما حدث وقال إنه قد جاء ـ من الشمس التى وَلَدته[30] ـ كى يدخل إلى ذلك المكان كى يفرّح بفرح دائم مَن كانوا تحت سيادة الظلام، فبعد كل ذلك هل يقبل أحد أن يكون هذا      “النور” قد استمد طبيعة النور لأول مرة حين دخل في هذا المنزل الصغير لأول مرة؟

 

إرميـــا: بالطبع لا، لأنه هو نور على الدوام[31].

كيرلس: لماذا إذًا يتصور هؤلاء أن كون الآب قد أقام الابن ملكًا ومشرّعًا، يمثل عائقًا منيعًا أمامنا مع أن الابن (في بداية كرازته) كان قد مارس عمله كمشرّع وحتى في الحالات القليلة التي أتم فيها عمله هذا كان يُظهر مجد طبيعته (الإلهية) ويبيّن أنه ينبغى على كل الأمم أن تخضع لنواميسه ـ وكان هذا يتم بتأييد من الله الآب ـ بعد أن كان شعب إسرائيل وحده في القديم هو الذي يخضع للنواميس الإلهية؟

 

إرميـــا: لكن لو كانوا يريدون أن يثبتوا بوضوح أن الابن هو مُشرّع، فمتى وبأى طريقة حدث ذلك بالنسبة لنا؟

 

كيرلس: أعتقد أن ما قلناه أخيرًا فيه الكفاية لمَن لديهم عطش للمعرفة. حيث إن الله قد ذكر بشأن الناموس والوصايا المعطاة في القديم أنه من غير المسموح أن يُضاف إليها أو يُحذَف منها (لأن الطبيعة الملكية فقط هى التي لها حق التشريع، وهى التي تقدر أن تضيف أو تحذف ما تريد)، أما الابن فقد شرّع، وأظهر أن الوصية القديمة لا تصلح وأعطى وصية جديدة هى الوصية الإنجيلية. ولقد فعل هذا كمشرّع، وليس كمُرسَل من السماء بل كمن له سلطان يليق بالله. والقديس بولس يؤكد على ذلك بقوله ” صرتُ لليهود كيهودى لأربح اليهود وللذين تحت الناموس كأنى تحت الناموس لأربح الذين تحت الناموس وللذين بلا ناموس كأنى بلا ناموس مع أنى لست بلا ناموس لله. بل تحت ناموس المسيح لأربح الذين بلا ناموس[32]. انتبه إذًا لأنه بينما هو يقول إنه ليس بلا ناموس لله يقول أنه يعيش طبقًا لناموس المسيح وهو في هذا يعطى المجد له لأنه هو الله ولأنه هو المُشرّع، ويعترف بألوهيته وبأحقيته وحده في أن يُشرّع. إذًا، وفقًا لكلام القديس بولس طالما أن مَن يعش بحسب ناموس المسيح هو ليس بلا ناموس لله، فما هو السبب الذي يمكن أن يمنع الابن من أن يكون هو المُشرّع وهو الله في نفس الوقت؟

 

إرميـــا: لا يوجد سبب على ما أعتقد.

 

كيرلس: يمكن للمرء أن يشير إلى أمر آخر بالإضافة إلى ما سبق.

 

إرميـــا: وما هو؟

كيرلس: أعتقد أنه ليس من السهل على أحد أن يثبت أن الله الآب قد شرّع بالأخص للقدماء الأولين فقط أو لمَن بعدهم، بينما يستطيع وبدون مشقة أن يتأكد أنه يُشرّع مع الابن وبواسطة الابن. فأين ولمَن كان الآب يُشرّع بينما كان الابن صامتًا وغائبًا؟

إرميـــا: ومع ذلك فإن الحكيم بولس يقول إن ” الله كلّم الآباء بالأنبياء قديمًا[33]. كما أن موسى أيضًا قال للإسرائيليين مرة ” الرب إلهنا كلّمنا في حوريب[34].

 

كيرلس: إن ما تقوله هو حسن يا صديقى فالقديسون قد نسبوا دائمًا لله الآب ذلك التشريع القديم. لكن هيّا لأثبت لك أن الابن يقول إن هذا التشريع هو له. لأنه لم يأت كى ينقض بأى شكل من الأشكال أو يهدم ما قاله الأنبياء لكن كى يكمّل أقوال الأنبياء والناموس. لأنه هو بنفسه قال ” لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل[35]. وأيضًا        ” السماء والأرض تزولان ولكن كلامى لا يزول[36]. هل فهمت الآن أنه بعدما قال إن كل ما في الناموس سيتم حتمًا قال إن كلامى سيصير من الآن هو الناموس؟ لكن يمكن للمرء أن يراه وهو يصرخ في موضع آخر على لسان أحد الأنبياء ويقول ” لذلك يعرف شعبى اسمى، لذلك في ذلك اليوم يعرفون إنى أنا هو المتكلم [37]. لقد تجسّدتُ واتخذتُ شكل طبيعتكم وكنت أنا هو مَن تكلّم حينذاك مع أن الله الآب كان هو مَن شرّع ما نطق به الأنبياء. إذًا الأمر يستتبع بالضرورة، وهذا أمر غير مشكوك فيه بالمرة أن مَن له دائمًا مجد المشرّع (واضع الناموس) يجب أن يكون وبطريقة طبيعية هو الديّان[38]، وأن يعاقب عقابًا شديدًا أولئك الذين يهملون ما تحدد بواسطة الناموس والذين يميلون إلى فعل ما يرون أنه حسن.

إرميـــا: بالتأكيد.

[1] فيلبى7:3ـ8.

[2] يقول ق. كيرلس في موضع آخر: ” المصدر الذي لا يوجد قبله شئ هو الآب والذي وُلِدَ من هذا المصدر بالطبيعة ندعوه الابن “. حوار حول الثالوث. المرجع السابق ص63. وسبق أن علّم ق. أثناسيوس عن علاقة الابن بالآب بقوله ” فالابن يجب أن يُعترف به أنه ليس من خارج أبيه بل هو الذي ولده “. ضد الآريوسيين. المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، المقالة الثانية. فصل 14.

[3] انظر خر13:3.

[4] انظر خر33.

[5] انظر خر18:33ـ23.

[6] عن أن الابن قد أظهر طبيعة الآب كصورة مرسومة يقول ق. كيرلس في موضع آخر: ” لأننا نحتاج أولاً أن نتعلّم بقدر الإمكان ماذا يكون الابن بالطبيعة وهكذا فمن الصورة والرسم الدقيق جدًا= =ندرك الأصل جيدًا. لأن الآب يُرى في الابن وهو يظهر بصورة كاملة في طبيعة وليده الذاتى كما في مرآة … لأنه يلزم لرسم جوهره أن يكون مماثلاً له من كل جهة وبكل طريقة، لئلا يُفترض أن شيئًا آخر مغايرًا لما يكونه الآب (أى مغاير لجوهر الآب) يشع في الابن بصورة كاملة “. شرح إنجيل يوحنا ج4، إصدار المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، القاهرة سنة 2000، ص35.

[7] يو6:17.

[8] يو19:8. عندما شرح ق. كيرلس هذه الآية في كتابه “شرح إنجيل يوحنا” ركّز على وحدة الجوهر بين الآب والابن واضعًا في إعتباره التعاليم الآريوسية التي أنكرت ألوهية الابن المتجسد ولهذا نجده يذكر صفة مَن ينادى بهذه التعاليم داعيًا إياه بـ ” الآريوسى محارب الله ” ويوضح ق. كيرلس أنه بسبب هذه الوحدة الجوهرية للآب والابن تصير معرفة وإدراك كل منهما عن طريق الآخر فيقول: ” لأنه حيث إننا نعرف الابن فإننا بواسطته نعرف ذاك الذي وَلَده، لأنه من خلال كل واحد منهما نصل إلى إدراك الآخر: فحينما يُذكر الآب يأتى ذكر وَليده بالتأكيد معه. وأيضًا مع معنى لفظ الابن يأتى اسم ذاك الذي وَلَده. ولذلك فالابن هو باب وطريق يقود إلى معرفة الآب “. شرح إنجيل يوحنا ج4، إصدار المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، القاهرة سنة 2000، ص35. ولم يكتف ق. كيرلس بتوضيح هذه العلاقة الجوهرية بين الآب والابن، بل أنه جعل هذه العلاقة هى الأساس الضرورى لإدراك الثالوث (هذا التوجه نلاحظه هنا أيضًا في حواره حول هذه النقطة) فيقول:      ” كيف لا يلزم بالضرورة الآن أن نعترف أن الابن هو مثل الآب من كل جهة لكى بواسطته نعرف أيضًا ذلك الذي وَلَده كما قلنا قبلاً، صاعدين من الصورة إلى الأصل ويصير ممكنًا لنا أيضًا أن ندرك الثالوث القدوس إدراكًا صحيحًا وبلا لوم “. المرجع السابق ص36.

[9] كان القديس أثناسيوس سابق للقديس كيرلس في دفاعه عن ألوهية الابن، وتوضيح أن معرفة الله تأتى فقط من خلال الإيمان بالمسيح، لهذا كان يركّز في تعاليمه على عقيدة تجسد ابن الله والفداء الذي قدّمه للبشرية وهذا يستلزم الإيمان السليم بألوهية السيد المسيح وإنسانيته معًا، وذلك في مقابل الفكر الآريوسى الخاطئ الذي كان يحاول أن يلغي حقيقة الفداء وأهميته، فلو لم يكن السيد المسيح هو الله بالحقيقة ـ كما أن الآب هو الله بالحقيقة (بسبب وحدتهما في الجوهر ÑmooÚsioj ) ـ لما كان في الإمكان أن يفدى البشرية من الموت والفساد. ولو لم يكن الابن هو الإله الذي تجسد، لما كان ممكنًا أن يشركنا في طبيعته الإلهية. انظر: كتاب تجسد الكلمة. ترجمه عن اليونانية د. جوزيف موريس فلتس. المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، الطبعة الثالثة 2004 المقدمة ص14ـ15.

[10] يع12:4.

[11] 1تيمو16:6.

[12] يو6:14.

[13] مت27:5.

[14] يو22:5. ظن المعارضون أن هذه الآية تدل على أن الابن أقل من واضع الناموس والديّان وأنه غير أبدى منكرين بذلك ألوهيته. ويعطى ق. كيرلس المعنى الحقيقي لهذه الآية بقوله: [ وها هو المسيح يقول ” إن الآب قد أعطى كل الدينونة للابن ” ليس كأن الابن كان بلا سلطان حتى الآن، بل تدبيريًا كإنسان، معلّمًا أنه من المناسب أكثر أن تُنسب كل الأشياء إلى الطبيعة الإلهية إذ هو أيضًا ليس خارجًا عن الآب لأنه هو الكلمة وهو الله الذي له السلطان في ذاته على الكل ]. شرح إنجيل يوحنا، المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، القاهرة 1995، ج2 ص106.

[15] إر16:23.

[16] انظر هامش 2 ص7.

[17] مز20:9.

[18] مز6:2.

[19] يوئيل5:1.

[20] لم يفسر الهراطقة كلام وأفعال المسيح له المجد على أنها تتناسب مع الاخلاء ولهذا فقد نادوا بتعاليم أنكرت ألوهيته.

[21] يشدّد الآباء ومنهم ق. أثناسيوس أيضًا على أهمية البحث عن الشخص الذي تتكلّم عنه الآية وزمان كتابتها والموضوع العام الذي يكتب من أجله الكاتب. انظر المقالة الأولى ضد الآريوسيين، إصدار المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، فقرة 54. ولقد اتبع ق. كيرلس نفس هذا المنهج الآبائى في تفسير النصوص لهذا يعلّق على الآية ” فإذ كان يسوع قد تعب من السفر وجلس (يو6:4) بقوله: ” إن التمييز بين النصوص أمر هام جدًا لنا لأن هذا يقودنا إلى تمييز الأزمنة والأوقات “. حوار حول الثالوث. المرجع السابق ص30.

[22] تث18:18.

[23] غلا24:3.

[24] في سياق تفسيره لمعجزة شفاء الأبرص وقول المسيح له بأن لا يقول لأحد بل يمضى ليُرى نفسه للكاهن ويقدّم عن تطهيره كما أمر موسى، يقول ق. كيرلس إنه من خلال هذه المعجزة ” يمكننا أن نرى بوضوح تام أن المسيح يفوق ناموس موسى بما لا يقارن ” وأن هذه الخدمة تثبت أنه إله. انظر: تفسير إنجيل لوقا للقديس كيرلس، ترجمة د. نصحى عبد الشهيد. إصدار مركز دراسات الآباء سنة 1990، ج1 ص116.

[25] إش6:50.

[26] بمعنى أنه لم يكن ملكًا بالطبيعة وبالتالى إحتاج أن يُمسح ملكًا من آخر. (المترجم)

[27] انظر هامش رقم 4 ص39.

[28] يذكر ق. كيرلس نفس هذه الحقيقة في إطار شرحه لما جاء في سفر العدد. انظر أيضًا شرحه لما جاء في إنجيل لوقا 21:2ـ24 عن ختان المسيح حيث يقول: “حينما كان الابن حاضرًا بيننا،  فرغم أنه هو بالطبيعة الله ورب الكل فإنه لا يحتقر حالتنا بسبب ذلك، بل يُخضع نفسه معنا لنفس مشرّع الناموس، رغم أنه كإله كان هو نفسه مشرّع الناموس”. تفسير إنجيل لوقا، إصدار مركز دراسات الآباء، مايو 1990، ج1 ص42.

[29] في موضع آخر يشرح ق. كيرلس بالتفصيل أن الخليقة قد إستنارت بالابن وذلك في إطار شرحه للآية ” والحياة كانت نور الناس، والنور يضئ في الظلمة والظلمة لم تدركه ” (يو4:1ـ5)، وفي شرحه هذا يشدّد أيضًا ـ كما يفعل هنا ـ على وحدة الجوهر بين الآب والابن ويورد أحد عشر برهانًا ودليلاً على هذه الحقيقة وعلى أن طبيعة الابن ليست كطبيعة المخلوقات. انظر شرح إنجيل يوحنا للقديس كيرلس، إصدار مركز دراسات الآباء. يناير 1989، ج1 ص73ـ87.

[30] سبق القديس أثناسيوس واستخدم تشبيه النور وأشعته التي تضئ كل المكان ليثبت أن الابن غير مخلوق بل أن الآب قد خلق كل شئ به. انظر المقالة الثانية ضد الآريوسيين الفصل 31:18، الطبعة الثالثة، إصدار المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية 2004.

[31] يشدّد آباء مجمع نيقية على ألوهية الابن المتجسد وعلى أنه من ذات جوهر الآب وذلك باستخدام تعبير ” نور من نور ” في نص قانون الإيمان. انظر أيضًا ق. كيرلس، شرح إنجيل يوحنا، إصدار المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية ج1 ص74. انظر أيضًا هامش رقم 2 ص 3.

[32] 1كو20:9ـ21.

[33] عب1:1.

[34] تث6:1.

[35] مت18:5.

[36] مت35:24.

[37] إش6:52.

[38] أو كما عبّر الآباء في مجمع نيقية ـ القسطنطينية بقولهم عن الابن بأنه ” .. وأيضًا يأتى في مجده ليدين الأحياء والأموات “.

 

هل الابن أقل من الآب؟ – الحوار الثالث ج4 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

Exit mobile version