الوسم: مكتبة تحميل الكتب PDF
كتاب مقالة في التثليث والتجسد وصحة المسيحية – بولس البوشي
كتاب مقالة في التثليث والتجسد وصحة المسيحية – بولس البوشي
كتاب مقالة في التثليث والتجسد وصحة المسيحية – بولس البوشي
تحميل الكتاب PDF
الأسرار الكنسية – دراسة تاريخية – أ. أمجد بشارة
الأسرار الكنسية – دراسة تاريخية – أ. أمجد بشارة
الأسرار الكنسية – دراسة تاريخية – أ. أمجد بشارة
تحميل الكتاب PDF
قانونية ومصداقية الكتاب المقدس – نور لسبيلي – أ. أمجد بشارة
قانونية ومصداقية الكتاب المقدس – نور لسبيلي – أ. أمجد بشارة
قانونية ومصداقية الكتاب المقدس – نور لسبيلي – أ. أمجد بشارة
تحميل الكتاب PDF
وجود الله – الأدلة العلمية على وجود الله – أ. أمجد بشارة
وجود الله – الأدلة العلمية على وجود الله – أ. أمجد بشارة
وجود الله – الأدلة العلمية على وجود الله – أ. أمجد بشارة
تحميل الكتاب PDF
مناقشة الاعتراضات حول لاهوت المسيح – لاهوت الإبن الوحيد – أ. أمجد بشارة
مناقشة الاعتراضات حول لاهوت المسيح – لاهوت الإبن الوحيد – أ. أمجد بشارة
مناقشة الاعتراضات حول لاهوت المسيح – لاهوت الإبن الوحيد – أ. أمجد بشارة
تحميل الكتاب PDF
كتاب عن الثالوث – نوفاتيان – ترجمة ودراسة: عادل زكري
كتاب عن الثالوث – نوفاتيان – ترجمة ودراسة: عادل زكري
كتاب عن الثالوث – نوفاتيان – ترجمة ودراسة: عادل زكري
الفهرس
مقدمة للمترجم عن الثالوث لنوفاتيان
تقييم الفكر اللاهوتي لنوفاتيان
نص كتاب الثالوث لنوفتيان
(۱) الله الخالق
(۲) صفات الله بناءً على العقل
(۳) صفات الله من الكتاب المقدس
(٤) المزيد من صفات الله من الكتاب المقدس
(٥) لا وجود لنقائص بشرية في الله
(٦) التجسيم (الأنثروبومورفيزم) في الكتاب المقدس
(۷) طبيعة الله غير الموصوفة
(۸) بهاء الله وعنايته
(۹) الابن الموعود به في العهد القديم والمعلن في الجديد
(۱۰) دحض هرطقة الدوسيتية (الخيالية)
(۱۱) المسيح: الله والإنسان
(١٢) ألوهية المسيح في العهد القديم
(۱۳) ألوهية المسيح في العهد الجديد
(١٤) المزيد من البراهين الكتابية عن ألوهية المسيح
(١٥) المزيد من البراهين الكتابية عن ألوهية المسيح
(١٦) المزيد من البراهين الكتابية عن ألوهية المسيح
(۱۷) شهادة موسى
(۱۸) ظهورات العهد القديم
(۱۹) ظهورات أخرى في العهد القديم
(٢٠) يليق أكثر أن يُعطى المسيح لقب الله وليس للبشر أو الملائكة
(۲۱) ألوهية المسيح تؤكدها الأسفار الإلهية
(۲۲) شرح لفيلبي ٢: ٦-١١
(۲۳) مؤلمو الآب والخياليون .
(٢٤) فحص آراء هرطوقية
(٢٥) موت المسيح لا يُبطل ألوهيته
(٢٦) المسيح ليس هو الله الآب
(۲۷) شرح ليوحنا ۳۰:۱۰
(٢٨) شرح ليوحنا ١٤: ٩
(۲۹) الروح القدس
(۳۰) ألوهية المسيح ووحدة اللاهوت
(۳۱) العلاقة الأزلية بين الآب والابن
إصدارات دار رسالتنا للنشر
تحميل الكتاب PDF
سويريوس الأنطاكي ف12 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي
سويريوس الأنطاكي ف12 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي
الفصل الثاني عشر
سويريوس الأنطاكيّ وخطب المنابر
»حبر خطير، شمس الأئمَّة، وحجَّة البلغاء، سيِّد العلماء البعيد الهمَّة. أوحد عصره، وعين وقته ونضار زمانه. تاج السريان وفخر البطاركة الأنطاكيّين، من جهابذة اللاهوتيّين، وفحول الكتّاب المتبحِّرين. الخطيب المصقَّع، الصحيح اللسان، الفصيح البيان. إذا اعتلى المنابر وأخذ في الكلام أمطر اللآلئ المنثورة بلسان عضب وقلب شديد«.
هكذا بدأ اغناطيوس أفرام الأوَّل برصوم (1887-1957) مقاله عن القدّيس سويريوس الأنطاكيّ(1) الذي وُلد سنة 459 وتوفِّي سنة 538.
إلى هذا البطريرك نتعرَّف، ثمَّ نجول في ما تركه من مؤلَّفات بعد أن وصل معظمها مترجمًا إلى اللغة السريانيَّة. وأخيرًا، نتوقَّف عند خطب المنابر التي نُشرت كلُّها في الباترولوجيا الشرقيَّة(2). ونحن نقرأ هنا آخر مجموعة (120-125) التي نشرت سنة 1960. أمّا العنوان فهو: خطب المنابر، سويريوس الأنطاكيّ، ترجمة إلى السريانيَّة بيد يعقوب الرهاويّ مع مقدِّمة عامَّة إلى جميع الخطب(3).
1- سيرة البطريرك سويريوس
أصل هذا البطريرك من سوزوبوليس، في بسيدية (في تركيّا الحاليَّة). بين جدوده سويريوس آخر كان أسقفًا على هذه المدينة سنة 431 وشارك في حطِّ نسطور عن كرسيِّه مع كيرلُّس الإسكندرانيّ ومئتي أسقف. ولكن بحسب عادة تُراعى في بسيدية، لم يُعمَّد وهو طفل، ممّا جعل أعداؤه يتَّهمونه بأنَّه اتَّبع الممارسات الوثنيَّة في صباه وشبابه.
بعد موت والده، أُرسل إلى الإسكندريَّة مع شقيقيه الأكبر منه سنٌّا لكي يتعلَّم الغراماطيق (الصرف والنحو) والبلاغة اليونانيَّة واللاتينيَّة. من هناك، مضى إلى بيروت سنة 486 تقريبًا ليدرس الحقوق وهدفه أن يمارس المحاماة. واستفاد من وقتٍ بقيَ له فقرأ مؤلَّفات أثناز، باسيل، غريغوار النازينزيّ، غريغوار النيصيّ، يوحنّا الذهبيّ الفم، كيرلُّس الإسكندرانيّ، وكان مرافقه زكريّا البليغ صديقه وكاتب سيرته فيما بعد.
وهكذا بعد أن تنشَّأ تنشئة عميقة في الإيمان المسيحيّ، تعمَّد في طرابلس(4)، في كنيسة ليونس القدّيس الشهيد، حوالي سنة 488. ونحو سنة 490، وخلال سفره إلى الأماكن المقدَّسة، تأثَّر سويريوس بتلاميذ بيار الإيبري(5) الذي توفِّي نهايةَ سنة 488، وترهَّب في دير تيودور، الواقع بين غزَّة ومايوما(6). وبعد أن مارس ممارسات نسكيَّة قاسية في برِّيَّة بيت حبرين(7) بحيث أضرَّ بصحَّته، استقبله رهبان الأباتي رومان لكي يستعيد قواه. وبعد وقتٍ من الراحة عاد إلى لفرة مايوما(8). وفي هذه الأماكن عينها، أسَّس ديرًا من ماله الخاصّ ورُسم كاهنًا بيد أسقف اسمه إبيفان.
حوالي سنة 508، جاء شخص اسمه نيفال قدَّم نفسه على أنَّه المدافع عن العقيدة الخلقيدونيَّة، وذلك باتِّفاق سرّيّ مع إيليّا، بطريرك أورشليم، وأساقفة فلسطين وكهنتها. هذا جاء إلى مايوما وطرد الرهبان من هذه المنطقة التي كانت تنتمي في مجملها إلى الحزب المونوفيسيّ (أصحاب الطبيعة الواحدة). وتجرَّأ فهاجم سويريوس في خطبة ديوفيسيَّة (في طبيعتين) واضحة.
عندئذٍ أراد سويريوس أن يضع حدٌّا للإهانات الموجَّهة على رهبان فلسطين، فمضى إلى القسطنطينيَّة، وشرع يَظهر علانيَّة ساعة كان الإمبراطور أناستاز (491-518) يحامي صريحًا عن خصوم مجمع خلقيدونية. ولبث هناك ثلاث سنوات، من سنة 508 إلى سنة 511، يوم كان الصراع بين المونوفيسيّين والأرثوذكس يتوسَّع من خلال الكتابات.
ولمّا عاد سويريوس إلى مايوما، صبَّ جهده كلَّه على الخلقيدونيّين وخصوصًا فلافيان(9)، بطريرك أنطاكية، وساعده في ذلك بقوَّة، فيلوكسين أسقف منبج. ولكن في مجمع صيدون (صيدا في لبنان) سنة 511-512، تفلَّت فلافيان من خصومه ولكنَّه حُطَّ عن كرسيِّه في مجمع عُقد في اللاذقيَّة(10) (سورية)، وأُرسل بأمر الإمبراطور إلى المنفى في البتراء (وادي موسى، عاصمة الأنباط). وعُقد مجمع آخر في أنطاكية(11)، جعل من الراهب سويريوس خلف فلافيان. أُخذ من ديره في مايوما وجُعل بطريركًا على أنطاكية في تشرين الثاني سنة 512. تقبَّله تقريبًا كلُّ أساقفة بطريركيَّته فجلس من سنة 512 إلى سنة 518 على كرسيّ أنطاكية، ثاني مدن الشرق بعد القسطنطينيَّة. وخلال هذه السنوات الستّ ألقى خُطَب المنابر موضوع حديثنا.
بعد موت أناستاز، في تمّوز سنة 518، تبدَّل الوضعُ كلُّه. فالإمبراطور يوستين (518-527) ساند حزب الأرثوذكسيَّة، واضطهد بدون هوادة جميع الذين رفضوا أن يلتحقوا بمجمع خلقيدونية. وهكذا عُزل سويريوس عن كرسيِّه ومعه خمسون أسقفًا ونيِّف(12). وإذ أراد الهرب من فيتاليان الذي هدَّده بقطع لسانه الذي ألقى عظة ضدَّه، هرب من المدينة في 29 أيلول 518 واعتزل في مصر حيث عاش في الخفاء، ولبث معترَفًا به كرئيس المؤمنين المونوفيسيّين، وهناك صاغ أهمَّ المؤلَّفات الهجوميَّة.
سنة 513، استدعى يوستنيان، الإمبراطور الجديد (527-540) الرهبان الذين أُرسلوا إلى المنفى ودعا الأساقفة إلى اجتماع في القسطنطينيَّة لاستعادة السلام في الكنيسة. أمّا سويريوس فرفض هذه الدعوة. وبعد ذلك، حين استعاد الحزب المونوفيسيّ حظوته في البلاط، قبل سويريوس أن يأتي إلى مدينة الإمبراطور ولبث هناك سنة 534-535، وتمتَّن موقعه حين ارتقى أنتيم كرسيّ أنطاكية سنة 535(13). غير أنَّ هذا الوضع لم يَدُم طويلاً بسبب ردَّةِ فعل خلقيدونيَّة فعُزل أنتيم وطُرد من المدينة في آذار 536. ومجمع القسطنطينيَّة الذي انعقد حالاً حكم على سويريوس وكتاباته، فعاد البطريرك السابق إلى مصر حيث مات في 8 شباط 538، في كسوئيس، إلى الجنوب من الإسكندريَّة، ودُفن في دير إنّاتون.
2- كتابات سويريوس الأنطاكيّ
انتمى سويريوس الأنطاكيّ إلى الأدب اليونانيّ، ولكن لم يبقَ سوى نتف من مؤلَّفاته في اليونانيَّة. ففي الترجمات السريانيَّة نبحث عن إرثه الثقافيّ. ولماذا لم تصل إلينا كتابات سويريوس في اليونانيَّة؟ لأنَّها حُرمت مع كاتبها في مجمع القسطنطينيَّة سنة 536، لأنَّ سمَّ الحيَّة، علَّة الخطيئة الأصليَّة، دخل فيها. فالإمبراطور يوستنيان (527-540) أمرَ بتدميرها في قرار رقم 43 ورد في 6 آب 536: »نمنع الجميع أن يكون لديهم كتابٌ واحد من كتب (سويريوس). وكما يُمنَع نسْخُ كتب نسطور لأنَّ الأباطرة الذين سبقونا قرَّروا في قوانينهم أن يماهوها مع كتابات بورفير ضدّ المسيحيّين، كذلك لا يقدر أيُّ مسيحيّ أن يمتلك خطب سويريوس وكتاباته. فهي تحسَب منجَّسة ومعارضة للكنيسة الكاثوليكيَّة. فينبغي على من امتلكها أن يحرقها إذا أراد أن لا يتعرَّض لمخاطر كبيرة. ونمنع أيٌّا كان، خطّاطًا أو ناسخًا، أو أيَّ شخص آخر، بأن ينقلها منذ الآن. وننبِّه بأنَّ العقوبة المتعلِّقة بهذا النسخ هي قطع اليد«(14).
إذا كان الناس توقَّفوا عن نقل مؤلَّفات سويريوس، بعد سنة 536، في الأماكن التي تسود الأرثوذكسيَّة، إلاَّ أنَّهم لم يحرقوها كلَّها بالنار، حسب قرار الإمبراطور. فالأوساط الكنسيَّة احتفظت بها مدَّة طويلة من أجل الجدالات الدينيَّة. وهكذا أوردت أعمال مجمع القسطنطينيَّة سنة 681، أنَّ الآباء عادوا إلى مؤلَّفات سويريوس المحفوظة في القسطنطينيَّة أو في رومة. ثمَّ إنَّ أصحاب السلسلات اليونانيَّة استقوا الكثير من كتابات سويريوس الذي درس العهدين القديم والجديد، والذي ابتعدت تفسيراته عن نهجه اللاهوتيّ. وبما أنَّ هذه السلسلات تمتدُّ من القرن الخامس إلى القرن الرابع عشر، فهذا يعني أنَّ المخطوطات وُجدت في اليونانيَّة بعد الحكم على سويريوس. ونضيف: كان بالإمكان أن تُحفظ مؤلَّفات سويريوس في سورية أو في مصر، غير أنَّ الزحف العربيّ في القرن السابع دمَّر الثقافة اليونانيَّة، لغة وأدبًا.
ومع أنَّ النصَّ الأصليّ لمؤلَّفات سويريوس لم يصلنا، إلاَّ أنَّها نجت من الزوال بفضل تقوى المونوفيسيّين في سورية، الذين جمعوها ونقلوها إلى لغتهم. لهذا وُجدت مخطوطات سريانيَّة عديدة في لندن ورومة وباريس، تتضمَّن مؤلَّفات سويريوس الأنطاكيّ.
* * *
أ- المصنَّفات اللاهوتيَّة
* مقالات ضدَّ يوليان(15)
كان يوليان أسقف بسودروم(16) في كارية (تركيّا الحاليَّة) عمل مع سويريوس في الإطار المونوفيسيّ. ولكن أطلَّ الاختلاف حول جسد المسيح قبل القيامة. رأى سويريوس أنَّ هذا الجسد معرَّض للفساد. فردَّ عليه يوليان: في المجلَّد (طومس): جسد الربّ بمنأى عن الفساد والألم والموت، وذلك في طبعه. لبث سويريوس على موقفه، بحيث كانت القطيعة بين الصديقين. خفَّف سويريوس نتائج خطيئة آدم على نسله، واعتبر أنَّ آدم خُلق منذ البداية قابلاً للفساد والموت. أمّا يوليان فاعتبر أنَّ آدم خُلق غير قابل للفساد. وجاء الفساد والموت كنتيجة للخطيئة. وبما أنَّ المسيح في منأى عن الخطيئة، نتج أنَّ جسده، شأنه شأن جسد آدم قبل الخطيئة، كان في منأى عن الفساد والألم والموت. أمّا سويريوس فاعتبر أنَّ المسيح نال تلك الصفات بعد القيامة(17).
* فيلاليتس أو محبّ الحقيقة(18)
استعرض سويريوس هنا 244 فصلاً من كتابات كيرلُّس الأسكندرانيّ، التي جُمعت لكي تناقض آراء سويريوس، كما زوَّرها الخصوم. جاءت المقاطع المختارة بيد أحد الخلقيدونيّين في خطِّ ديوفيسيّ. فردَّ سويريوس مشدِّدًا على الطابع المونوفيسيّ في لاهوت كيرلُّس. انطلق من عبارة كيرلُّس: »طبيعة واحدة في اللوغس المتجسِّد«؟(19) فالطبيعة (فيسيس) هي الطبيعة الفرديَّة، الملموسة، القائمة في ذاتها، وهي تساوي الأقنوم(20). دُوِّن هذا المؤلَّف بين سنة 509 و511.
* دفاع عن صحَّة كتاب فيلاليتس.
* مقالات ضدَّ يوحنّا النحويّ
كان يوحنّا أسقفًا ملكيٌّا. فردَّ عليه سويريوس (حوالي سنة 519) في ثلاثة مجلَّدات ضخمة بدأ بتدوينها في أنطاكية وأنهاها في مصر. نشر لابون القسم الأوَّل من المقال الثالث سنة 1929. وسنة 1933 نشر الكاتب نفسه القسم الآخر من المقال الثالث(21). وفي سنة 1938، نشر لابون(22) أخيرًا المقالتين الأولى والثانية.(23)
* رسائل ضدّ سرجيوس النحويّ
كان أوطيخيّ النزعة. كتب سويريوس أربع رسائل (بعد سنة 515) معارضًا طرحه حول المونوفيسيَّة الجذريَّة وأكَّد على أساس الوحدة، أنَّ الصفات البشريَّة الإلهيَّة امتزجت في المسيح. حُفظت هذه الرسائل في لندن 17154 ونُشرت في السريانيَّة سنة 1982، 1984 بيد J. R. TORRANCE.
* مقالان ضدّ نيفال
كان نيفال راهبًا في الإسكندريَّة، متعلِّقًا بالتعليم الخلقيدونيّ. فردَّ عليه سويريوس رافضًا مجلَّد (طومس) ليون إلى فلافيان والتعليم الخلقيدونيّ(24). دُوِّن هذا المؤلَّف حوالي سنة 508.
وأورد البطريرك برصوم(25) عددًا من الكتب موجودة في المكتبات ولم تُطبَع بعد: تفنيد القسّ يوحنّا البيسانيّ الملكيّ. نقض عهد لمفيطيوس الحاوي بدعة المصلِّين… ردّ على الإسكندر نشره بروك(26).
ب- العظات والخطب
* الأعياد. ميلاد المسيح، الدنح، الأحد المقدَّس، الصيام الأربعينيّ، الشعانين، العنصرة، آلام ربِّنا، الصليب المقدَّس.
* أعياد القدّيسين، والشهداء: إسطفانس، رومانس، بابولا، سركيس وباخوس، باسيل، غريغوار، اغناطيوس، الذهبيّ الفم، سمعان العموديّ، الأنبا أنطونيوس.
* الحياة اليوميَّة وصعوباتها. الآفات، الزلازل، حروب الهونيّين، الشكر بعد هطول المطر، احتباس الغيث، حرب الفرس.
* الاحتفالات. للمعتمدين، للموتى، لجنّاز الإكليروس والرهبان، تجنيز الصبيان، الترتيل قبل الإنجيل، الدخول إلى بيت المعموديَّة، جنّاز الأطفال، الميرون، قبور الغرباء.
* رجال الدين والدنيا. عامَّة الأساقفة، اغناطيوس، بطرس الإسكندريّ، غريغوريوس العجائبيّ، أثناسيوس الكبير، باسيليوس، غريغريوس، بورفيريوس الأنطاكيّ، قورلُّس الإسكندريّ. ثمَّ الملك ثاودوسيوس الصغير، والقياصرة قسطنطين، وهنوريوس، وغراطيانس، وتاودوسيوس الكبير، والآباء المئة والخمسين.
* خطب المنابر. هي 125 خطبة ولنا عودة إليها.
ج- الرسائل
»رسائل سويريوس كثيرة. جُمعت فألَّفت 23 كتابًا فيها ما يناهز 4000 رسالة. نقل الكاهن أثناسيوس النصيبينيّ 123 منها إلى السريانيَّة سنة 669 تقريبًا، ونقلها بروكس(27) إلى الإنكليزيَّة ونشرها في لندن. كما نشر في الباترولوجيّا الشرقيَّة(28) رسائل أخرى. مثل هذه الرسائل تطلعنا على الأوضاع السائدة في زمن سويريوس، وعلى الاضطهادات التي اجتازها، والنواحي المطروقة في الجدال اللاهوتيّ آنذاك«(29). أُرسلت
* إلى أساقفة. قسطنطين أسقف اللاذقيَّة، سولون أسقف سلوقية إيسورية، بطرس أسقف أفامية، قسطور أسقف برجة، إسطيفان أسقف طرابلس، أوتروخيوس أسقف عين زربة، أنطونينوس أسقف حلب، ديونيسيوس مطران طرسوس، أساقفة فينيقية، أساقفة أبرشيَّة أفامية.
* الرهبان والقسوس. إلى رئيس دير مار باسوس، إلى القسوس قزما ويوليقطس وزينون، إلى رهبان دير مار إسحق في الجبّول، إلى إكليروس أفامية وأشرافها، إلى القس أوسطاتيوس، إلى أوسابيوس شمّاس أفامية، إلى رئيس دير القدّيس سمعان، إلى إكليروس أنطارادوس (مقابل أرواد)، إلى القسّيسَين يوحنّا ويوحنّا رئيسَي الدير، إلى فوتيوس وأندراوس رئيسي أديار قاريا، إلى الشمّاس ميصائيل.
* وجهاء هذا العالم. إلى هيباتيوس قائد الجنود، إلى أوطيخان حاكم أفامية، إلى قونون طارد اللصوص، إلى أهل حمص الأرثوذكسيّين، إلى إكليروس حمص وأشرافها، إلى الكونت أنسطاسيوس بن سرجيوس، إلى الكونت يوحنّا من أنطارادوس، إلى أهل أنطاكية الأرثوذكسيّين، إلى أندراوس القارئ والمسجِّل، إلى أرخلاوس القارئ الصوريّ، إلى أوراليوس الخطيب، إلى حاكم صور ومارينا أسقف بيروت.
وهناك رسالة جليلة من 30 صفحة كتبها ردٌّا على القائلين بوجوب إعادة عماد أو مسح الراجعين من مذهب ذوي الطبيعتين. ورسالة إلى يوحنّا الروميّ في معنى التغطيس في العماد ثلاثًا وفي الميرون. ورسالة إلى أنسطاسية في قضيَّة الإيمان الصحيح. ورسالة في أحوال النفوس والأرواح قبل القيامة وبعدها وفي الدينونة. ورسالة إلى بطرس الراهب الذي كان يقول بفساد النفس(30).
د- الأناشيد والمدائح
تكوِّن هذه الأناشيد الأوكتوئيكوس، الذي يجمع 295 نشيدًا من أجل أعياد السنة. نقلها إلى السريانيَّة بولس، أسقف الرها، الذي لجأ إلى جزيرة قبرص خلال الاجتياح الفارسيّ سنة 619. عاد هذا النقل إلى سنة 619-629 ووصل إلينا منقَّحًا بيد يعقوب الرهاويّ سنة675(31).
3- خطب المنابر
خلال السنوات 512-518، حين كان سويريوس بطريركًا على كرسيّ أنطاكية، ألقى 125 عظة في أنطاكية أو في مدن أخرى خلال زياراته الرعاويَّة ودُعيَت خطب المنابر(32). لم يبقَ من النصِّ اليونانيّ سوى الخطبة 77 التي نُسبت إلى غريغوار النيصيّ وهيسيخيوس أسقف أورشليم، ومقاطع في السلسلات (كاتانا) اليونانيَّة. نشر بعضها الكردينال أنجلو ماي(33) وجمع الأب بريار ما يقارب 1100 سطر. نقَل هذه الخطبَ بولسُ أسقف قالينيق (على حدود العالم البيزنطيّ) في القرن السادس، وأعاد قراءتها في بداية القرن الثامن يعقوب أسقف الرها.
أ- الترجمة السريانيَّة
أوَّلاً: بولس القالينيقيّ
عاش في القرن السادس. وميوله المونوفيسيَّة جعلته يُعيَّن أسقفًا على قالينيق في أسروينا حوالي سنة 503، في عهد الإمبراطور أنستاز. وبما أنَّه عارض مجمع خلقيدونية، عُزل عن كرسيِّه الأسقفيّ مع 50 أسقفًا سنة 518، وذلك حين صار يوستين إمبراطورًا. حينئذٍ لجأ إلى الرها وهناك قام بعمل أدبيّ لا يعرف الكلل.
قبْلَ سنة 528، كان بولس ترجم من اليونانيَّة إلى السريانيَّة مؤلَّفات الجدال بين سويريوس الأنطاكيّ ويوليان الهاليكرناسيّ حول لافساديَّة جسد المسيح قبل القيامة. ويبدو أنَّه نَقَل أيضًا إلى السريانيَّة المراسلة بين سويريوس وسرجيوس النحويّ، كما نَقَل الردّ على النحويّ. واكتشف رايت(34) تقاربًا بين هذه الترجمات ونقل خطب المنابر وتبعه في ذلك روبنس دوفال(35) وأنطوان باومشتارك(36). فكان استخلاص بأنَّ بولس القالينيقيّ قام بترجمة خطب المنابر. هي الترجمة القديمة وتتبعها ترجمة يعقوب الرهاويّ.
ثانيًا: يعقوب الرهاويّ
هذا الكاتب السريانيّ الذي لم يسبقه لدى المونوفيسيّين سوى ابن العبريّ (1126-1186)، عاش في النصف الثاني من القرن السابع. دُعيَ الرهاويّ نسبة إلى الرها التي كان أسقفها. وُلد في عين دابا، في مقاطعة أنطاكية، سنة 640 تقريبًا. درس أوَّلاً في دير قنّسرين بإدارة سويريوس سوبوكت. وإذ تعلَّم اليونانيَّة، قرأ في هذه اللغة الكتب المقدَّسة وآباء الكنيسة اليونانيَّة بإدارة السريان. ثمَّ مضى إلى الإسكندريَّة »ليكدّس« المعارف أي ليكمِّل تعليمه. وبعدها أتى إلى الرها وكان أسقفها حوالي 679-680 في بداية البطريرك أثناز البلديّ أو أثناز الثاني، الذي كان رفيقه في الدراسة في قنّسرين، والذي سامه الآن أسقفًا. ولكن بسبب الصعوبات مع الإكليروس، تخلّى عن كرسيِّه الأسقفيّ واعتزل في دير كيسوم، قرب شميشاط. ثمَّ دعاه رهبان دير مار أوسيبونا (قرب تلعدا، في كورة أفامية) لكي يكون معلِّمهم، فعلَّمهم المزامير، وشرح الكتب المقدَّسة إحدى عشرة سنة. وأكمل دراسة اللغة اليونانيَّة. ولكن بسبب ذلك، عارضه رهبانٌ يكرهون اليونان، فترك دير مار أوسيبونا وأتى إلى الدير الكبير في تلعدا، حيث أقام تسع سنوات يعيد النظر في »بسيطة« (الترجمة السريانيَّة) العهد القديم سنة 704-705. وفي النهاية، دعاه إلى الرها سكّانُ المدينة فعاد إلى الكرسيّ الأسقفيّ أربعة أشهر. وإذ مضى إلى تلعدا ليأخذ كتبه ويرافق بعض التلاميذ، توفِّي في 5 حزيران سنة 708.
قام يعقوب بنقل خطب المنابر، 125، وانتهى منه سنة 701، بعد أن ألمَّ إلمامًا واسعًا باللغة اليونانيَّة. قالت خاتمة فاتيكان السريانيّ 141 إنَّ خطب سويريوس تُرجمت ترجمة دقيقة من اليونانيَّة إلى السريانيَّة، بعناية يعقوب الرهاويّ واجتهاده. بل يجب بالأحرى أن نقول: إنَّ يعقوب أعاد النظر وصحَّح، وابتعد عن نصِّ بولس القالينيقيّ حين بدا له أنَّ الترجمة غير دقيقة.
ب- عناوين الخطب
العناوين من وضع يعقوب الرهاويّ، وهي لا تختلف كثيرًا عمّا نجد في ترجمة بولس القالينيقيّ.
أوَّلاً: السنة الأولى: ت2 512 إلى ت2 513، الخطب 1-34
الخطبة الأولى. يتكلَّم سويريوس عن نفسه بعد أن جعل على رأس (المدينة) وأتى إلى الأسقفيَّة وإلى الكرسيّ الرسوليّ في كنيسة أنطاكية. قال: يجب علينا أن نعترف بالمسيح الربِّ الواحد في طبيعتين، وابن واحد لا في طبيعتين بعد الاتِّحاد اللاموصوف. وضدّ رأي أوطيخا الكافر. أُلقيت الخطبة في كنيسة مار رومانوس، القدّيس الشهيد.
الخطبة الرابعة. قبل عيد الميلاد يُقرأ بدءُ إنجيل لوقا. وبعد آيات الإنجيل، كلام حول عقيدة التجسُّد الإلهيّ. والتعليم الخلقيّ بالنسبة إلى الأعمال: كيف يجب أن نستعدَّ قبل العيد.
الخطبة السابعة. الميلاد وتذكار القدّيس إسطفانس.
الخطبة الثامنة. الأطفال الذين قتلهم هيرودس.
الخطبة التاسعة. الأسقفان باسيل وغريغوار. أُلقيت في معبد القدّيس اغناطيوس.
الخطبة 13. حول إحسان الإمبراطور التقيّ (أناستاز) الذي ردَّ ما تبقّى من الضرائب في الخزانة العامَّة.
الخطبة 14. لتذكار أمِّ الله والدائمة البتوليَّة مريم(37). أُلقيت في كنيسة والدة الإله.
الخطبة 15. حول صوم الأربعين يومًا.
الخطبة 16. لماذا نقرأ في أيّام الصوم الأربعينيّ سفر التكوين أي خلق العالم؟ وحول الهدوء في النشيد وحالة العفَّة والصدق.
الخطبة 18. حول الأربعين شهيدًا. كان في أنطاكية معبدُ الأربعين شهيدًا الذين عُيِّدوا في 9 آذار سنة 513:
العنوان: »من سويريوس القدّيس نفسه. مقال: بأيِّ شكل وُضعت القوانين المقدَّسة، فأمرت كيف ينبغي لنا أن نصنع، في صوم الأربعين المقدَّس، تذكار الشهداء القدّيسين، ومن أجل الأربعين قدّيسين الشهداء. قيلَتْ في يوم السبت. وها هي البداية:
لا يتعجَّب إنسان منكم إن أخرجتُكم نحو هيكل الشهداء العظماء في النصر هذا، لأنَّ آباءنا أمروا في البداية، في القوانين، أنَّه ينبغي في هذه أيّام الصوم الأربعين أن لا نصنع تجمُّعًا لانتصار الشهداء. فإن نحن فعلنا، فنحن لا نسير ضدَّ النواميس (الشرائع)، لأنَّه يُسمَح في السبت وفي الأحد، حتّى في قلب الصوم أن نقرِّب الذبيحة اللادمويَّة وأن نصنع ذكر الشهداء القدّيسين.
»لا شيء آخر يليق بالصوم مثل مآثر الشهداء، ولا عجب أن يحبَّ الشهداء الصوم والحرمان من المآكل وسائر الألقاب الشديدة، تلك التي هي ميراث حسن يسبق قتالهم. وهم يفرحون كثيرًا ويرتاحون إن أعلنّا تذكارهم بمثل هذه التوبة«(38).
* * *
الخطبة 19. حول الجفاف الذي حصل أي فقدان المطر. وكيف يجب أن نكون مستعدِّين لمثل هذه الظروف:
»الحياة البشريَّة هي تعليم دقيق حول أحكام الله، حول حكمته وحول عنايته، التي تعبِّر في كلِّ شيء، لا فقط في ما يحصل لنا بشكل عامّ، بل في ما يحصل لكلِّ واحد بشكل خاصّ. ويكون هذا تنبيهًا كافيًا لما يجب أن نعمل…(39)
الخطبة 20. حول اللقاء بربِّنا، أي عيد الهوشعنا(40)، والكلمة: »مبارك« (مت 21: 19). أُلقيت في أحد الشعانين، في 31 آذار 513.
»إذ استعدَّ ربُّنا وإلهنا يسوع المسيح أن يأتي إلى الصليب الخلاصيّ بإرادته، وأن يُتمَّ به التدبير كلَّه، وأن يتقبَّل كلَّ احتقار وعار من أجلنا، وأن يتواضع حتّى الموت…«(41).
الخطبة 21. فقاهة تُليَت، كما هي العادة، يوم الأربعاء في أسبوع الفصح المقدَّس، أي أسبوع الآلام، باتِّجاه الذين سوف يتقبَّلون العماد المقدَّس. وذلك يوم الأربعاء 3 نيسان 513:
»فهم تعلَّقوا بالشريعة والأنبياء، بالأناجيل والرسل، فعلَّمونا أن نؤمن بإله واحد الآب الضابط الكلّ، خالق السماء والأرض، كلّ ما يُرى وكلّ ما لا يُرى. من جهة قالوا: إله واحد، فرذلوا ضلال الوثنيّين وقلبوا على الأرض مجموعة الآلهة الكاذبة…
»وبما أنَّهم اعترفوا بالآب، بيَّنوا بجلاء أنَّه هو البداية ومَعين الوجود وقيام ما هو. ولكن ليس بدون الابن المساويّ في الأزليَّة، الذي صنع كلَّ هذا معه. فكيف يُدعى بالضبط أبًا إن لم يكن له ابنٌ حقٌّ وحقيقيّ، ويشاركه الجوهر عينه والطبيعة عينها. بفضل هذا يقال أيضًا إنَّه أبو جميع الخلائق التي خُلقت، بيد ابنه الحبيب. هو آب بالطبيعة بالنسبة إلى المولود (يسوع) وهو أب بالنعمة بالنسبة إلى المخلوقات التي منحها الوجود حين خلقَها«(42).
الخطبة 22. يوم الجمعة العظيمة، 5 نيسان 513. حول كلام الربّ: »إلهي إلهي لماذا تركتني؟« (مت 27: 46؛ مر 15: 34). وحول ما قال ربُّنا للصّ: »آمين، اليوم تكون معي في الفردوس« (لو 23: 43).
الخطبة 23. أُلقيت في الكنيسة الكبرى حول العبارة: \\\’والكلمة صار بشرًا وسكن بيننا (يو 1: 14). ينبغي أن نهتمَّ بالفقراء ونحن في هذه الحياة، كما حين نكتب وصيَّتنا عند ساعة الموت (عيد الفصح، 7 نيسان 513).
»نقول إنَّ الله الكلمة، ذلك الذي وُلد قبل العوالم من الآب بشكل لا يوصف. ذلك الذي لا يختلف بشيء في الجوهر، في المجد، في المُلك، في القدرة، في الأزليَّة، عن ذاك الذي ولدَه. فذلك (الكلمة) أتى إلى الامِّحاء الإراديّ وتجسَّد (صار بشرًا) من الروح القدس ومن مريم والدة الله البتول«(43).
الخطبة 24. خميس الصعود، 16 أيّار 513. حول صعود الله العظيم وربِّنا يسوع المسيح(44). وحول معطف الأرجوان الذي أعطاه هديَّة إمبراطورنا التقيُّ أنستاز.
الخطبة 33. حول الأعمى منذ مولده، بعد أن سأل التلاميذُ ربَّنا: »رابّي، من خطئ هو أم والداه لكي يُولَد أعمى؟« (يو 9: 2).
* * *
ثانيًا: السنة الثانية (سنة 513-514). الخطبة 35-60
الخطبة 35. في هذا اليوم من السنة السابقة، أقيم على المدينة.
الخطبة 36. الولادة(45) بحسب اللحم والدم لله العظيم ومخلِّصنا يسوع المسيح. أُلقيت في عيد الميلاد يوم الأربعاء 25 ك1 سنة 513.
»إذ أَندهشُ دهشة كبيرة لهذا العيد القريب، أنا مقسوم في وجداني: فأنا مدفوع إلى أن أصمت كلَّ الصمت، وفي الوقت عينه أن أقول الأقوال الكثيرة. فمن لا يأخذه الدوار حين يسمع أنَّنا نعيِّد ولادة ذاك اللامخلوق وأنَّنا نتعقَّب الأمر العجب، فيوقَّر في الصمت ما لا يُدرَك.
ولكن من لا يطير بالفكر حين يعرف السبب الذي لأجله نزل الكلمة الذي هو أعلى من الكلّ، إلى كلِّ هذا التواضع وقبِلَ أن يشارك في ولادة بشريَّة (من لحم ودم)، من أجلنا نحن الذين سقطنا في (الضعف) البشريّ وشوَّهنا بالأهواء الجمالَ العجيب للنفس حيث كنّا على صورة ذاك الذي خلقنا! من لا يطير بالفكر ويستيقظ إلى المديح فيرتفع ويتعالى بعظمة المحبَّة، وعلى مثال هؤلاء الفتيان الثلاثة الذين كانوا في اللهيب البابليّ، لا يدعو الملائكة والقوّات التي فوق العالم، والخليقة العاقلة والحسِّيَّة فيدفعها إلى التمجيد قائلاً: باركوا الربَّ يا كلَّ عبيد الربّ، سبِّحوه وعظِّموه إلى الأبد« (دا 3: 57).
في الحقيقة، الخليقة كلُّها كُرِّمت بالتجسُّد الإلهيّ ونحن بشكل خاصّ لأنَّ الكلمة شارك في جبلتنا ما عدا الخطيئة (عب 4: 15)، وما ألقى عنه ما هو، أي الله، فصار إنسانًا. أمّا سائر الخلائق، ولأنَّ الخالق رضيَ حقٌّا أن يُخلَق، والصانع أن يُرى في عداد مصنوعاته، فهذا العالم المنظور يستفيد من مثل هذا العمل لأنَّه صنع من أجل خدمتنا ومنفعتنا«(46).
* * *
الخطبة 37. حول باسيل الكبير وغريغوار اللاهوتيّ. أُلقيت في معبد اغناطيوس الشهيد القدّيس، يوم الأربعاء، الأوَّل من كانون الأوَّل سنة 514.
الخطبة 38. حول أنوار(47) (الدنح).
»إذ نعيِّد عيد الأنوار، نكشف بالكلامِ البهاءَ الذي أشعَّه هذا العيد في وجداننا بحيث نتشبَّه بشعاع النور«(48).
الخطبة 39. حول الصوم. أُلقيت في الأحد الأوَّل من الصوم، في 16 شباط 514.
الخطبة 42. هي الفقاهة الثانية. أُلقيت يوم الأربعاء من الأسبوع العظيم (أسبوع الآلام)، يوم الأربعاء المقدَّس في 26 آذار 514.
الخطبة 43. حول يو 1: 16: »من ملئه كلُّنا أخذنا، نعمة فوق نعمة«. أُلقيت على المعمَّدين الجدد، عيدَ الفصح والقيامة، 30 آذار سنة 514.
الخطبة 44. تذكار كلِّ الأبرار الأقدمين(49). يُحتفَل به ثمانيةَ أيام بعد القيامة العجيبة، قيامة إلهنا العظيم ومخلِّصنا يسوع المسيح. يوم الأربعاء بعد الأحد الجديد، 9 نيسان 514.
الخطبة 45. حول ما كتبه الرسول إلى تيموتاوس: »وروِّضْ نفسك بالتقوى. فإذا كان في الرياضة البدنيَّة بعض الخير، ففي التقوى كلَّ الخير لأنَّ لها الوعد بالحياة الحاضرة والمستقبلة« (1 تم 4: 7-8). وحول ما قال مخلِّصنا لمريم: »لا تلمسيني، لأنّي ما صعدتُ بعدُ إلى أبي« (يو 20: 17)، وحول إعلان نصر الإمبراطور التقيّ (أناستاز).
الخطبة 46. لماذا نجتمع؟ لماذا نقيم احتفالاً في نصف العنصرة؟ وحول القراءة اللازمة من إنجيل يوحنّا: »وفي منتصف أيّام العيد (عيد الخمسين)، صعد يسوع إلى الهيكل وأخذ يعلِّم« (يو 7: 14). أُلقيت يوم الأربعاء 23 نيسان 514، في الأسبوع الرابع بعد الفصح.
»ولكن نرى لماذا تكلَّم يسوع إلى اليهود في منتصف العيد، وماذا اهتمَّ أن يُبرز في ما قال من كلام؟ هذا السياج المتوسِّط، كما قال الرسول (أف 2: 14) اهتمَّ بأن يدمِّره فأَبطل بأحكامه ناموسَ الوصايا. فالناموس كان سياجًا وُهب للحفظ والتنبُّه، ومثل شيء يسيِّج ويُقفل ويمنع الإنسان بالشريعة الموضوعة«(50).
الخطبة 47. حول صعود إلهنا العظيم ومخلِّصنا يسوع المسيح. هي الثانية (8 أيّار 514). كانت الأولى في 16 أيّار 513.
حين أفكِّر بعظمة جمال هذا اليوم الحاضر ليس لي أن أقوم ساكتًا من هذا العجب. فالذي نزل إلى أماكن الأرض التحتيَّة صعد فوق كلِّ السماوات (أف 4: 9-10). إذًا، ماذا أعمل؟ هل امتدح محبَّة هذا النزول؟ أو هل أسبِّح الرفعة الإلهيَّة لهذا الصعود؟ بل ينبغي أن أمتدح ذاك وأسبِّح تلك، ولكن دون أن »أبصّ« في هذه وتلك. لأنَّ طريقة الصعود لا تُدرَك، كما معجزة الصعود لا يمكن تعقُّبها.
فإلى أين نزل ذاك الذي هو حاضرٌ في كلِّ شيء؟ أو إلى أين صعد ذاك الذي يملأ الكلّ؟ إذا كان لاجسديٌّا، فهو لا يمضي إلى أيِّ مكان. فإلى أين يمضي ويذهب ذاك الذي لا حدود له ولا تخوم والذي لا يُحدُّ في مكان؟ فهو يَحبِسُ الكلَّ ويحويه في ذاته. ولكن إذا كان أتى جسديٌّا (الكلمة صار بشرًا وسكن بيننا، يو 1: 14)، حين اتَّحد جوهريٌّا بالبشريّ (باللحم) الذي له نفس عاقلة، دون تبدُّل ولا حدود، ولبث على ما هو بعد أن صار إنسانًا، دخل المعمورة مثل بكر بين إخوة كثيرين وصعد (رو 4: 10) إذ هو هكذا، أي متجسِّدًا فوق السماوات كلِّها مثل ابن وحيد للآب (يو 1: 24).
فبولس حين تكلَّم عن المسيح إلى الكولوسيّين كتب: »فيه يسكن ملءُ اللاهوت جسديٌّا« (كو 2: 9)، أي لا عمل جزئيّ للكلمة نفسه كما في الأنبياء بل هو كلمة الله نفسه، المملوء والحيّ، والأقنوميّ. ما سكن كحبيب محبّ بالنعمة وبالمشاركة، بل اتَّخذ جسمًا أي صار بشرًا حسب الجوهر وفي وحدة كيانيَّة. هذا هو معنى أن يسكن جسديٌّا«(51).
وينهي سويريوس خطبته كما يلي:
»يا للمحبَّة التي لا توصَف! ويا للكرامة التي بها كُرِّمنا! فمنذ البداية حين أعبرَنا من العدم إلى الوجود، في طيننا وفي إناء خزفيّ وضع نفسًا ناطقة وصورته البيتيَّة وأكمل الإنسان. ولكن لأنَّ ما هو أرضيّ تقوّى على ما هو أسمى، وتعتَّم بالحياة اللحميَّة جمالُ الصورة، صار الكلمةُ، الخالقُ، إنسانًا فأخرجنا كلَّنا بهذا الطين وبهذه الصورة إلى السماء، بل إلى العرش الذي هو فوق السماء.
»فلماذا نحن الذين كُرِّمنا بمثل هذا الإكرام نشكُّ أيضًا بملكوت السماء الذي وُعدنا به، حين لنا في العلاء باكورةُ جنسنا والتي بها لنا مثلُ مرعى في السماء وهناك نرعى (مثل خراف). ولكن أيُّها الإنسان، حين تشتري حقلاً، حين تمتلك مرعى، لا تتردَّد أبدًا ولا تشكُّ أنَّه لك وعندئذٍ تعمل على فلاحته. ولكن إذ لنا مرعى في السماء فأنت لا تفلح أمور السماء بل تنظر إلى تحت فتدور وتدور مثل دود حول الأرض وتبقى متعلِّقًا بنتانة هذا العالم فتَسجن عقلَك في هذه الاهتمامات الزمنيَّة.
»ولكن نسمع بولس يقول لنا ما هي هذه الفلاحة أي استغلال هذه الأمور السماويَّة، فنهتمُّ بها بفرح لكي نؤهَّل للخيرات الأبديَّة«. فإن كنتم قمتُم مع المسيح فاطلبوا ما هو فوق حيث المسيح هو جالس عن يمين الله. اهتمُّوا بما هو فوق لا بما هو على الأرض، لأنَّكم متُّم وحياتكم مخفيَّة مع المسيح في الله« (كو 3: 13). تلك هي الفلاحة وطلب الغلَّة. وما هو الأجر؟ قال: »حين يتجلّى المسيحُ حياتنا، حينئذٍ أنتم أيضًا تتجلّون معه في المجد« (آ4)، لأنَّه له المجد إلى الدهور. آمين(52).
* * *
قدَّمنا مقطعًا كبيرًا من هذه العظة حول الصعود لكي نتعرَّف إلى هذا الخطيب، إلى هذا الواعظ الذي ضاهى بلا شكَّ الذهبيّ الفم، ولكنَّه استُبعد من العالم اليونانيّ لأنَّه اعتُبر هرطوقيٌّا، مع أنَّه كان أرثوذكسيٌّا بامتياز، ولكن في إطار من الكلام يختلف عن كلام مجمع خلقيدونية. ويكفي أن نعرف أنَّه لم يكن رفيقًا بأوطيخا الذي حُكم عليه في خلقيدونية سنة 451. لا مجال هنا للكلام عن المونوفيسيَّة التي انقسمت في النصف الثاني من القرن الخامس إلى مجموعات يمكن أن تلتقي في تيّارين اثنين. فالتيّار الجذريّ أكَّد أنَّ الاتِّحاد بين طبيعتين في طبيعة واحدة في المسيح، تحقَّق بعد أن حصل تحوُّلٌ في الطبيعتين. ونتساءل: كيف تتحوَّل الطبيعة الإلهيَّة؟ هذا مستحيل. أمّا التيّار الثاني الذي دُعي المونوفيسيَّة الكلاميَّة، اللفظيَّة، والذي مثَّله أفضل تمثيل سويريوس الأنطاكيّ، فإنَّه استند إلى عبارة كيرلُّس \\\’طبيعة واحدة لله الكلمة المتجسِّد: فالسويريوّن فهموا طبيعة المسيح الناتجة عن الاتِّحاد كطبيعة ملموسة، فرديَّة، قائمة. أي كأنَّها أقنوم. ثمَّ أكَّدوا أنَّ في هذه الطبيعة يتواصلُ وجود صفات البشريَّة والألوهة دون انفصال، ولكن بدون مزج وبدون تحوُّل. وهكذا يكون المسيح كلِّيٌّا إنسانًا وكلِّيٌّا إلهًا في شخص واحد، وبالتالي من جوهر الآب فيما هو إله ومن جوهرنا بما أنَّه إنسان«(53).
* * *
الخطبة 48. حول العنصرة (18 أيّار). أُلقيت يوم الجمعة (الذهبيَّة) في 23 أيّار 514. فأعلن الواعظُ صوم الرسل قبل الوقت، كما جرت العادة.
»إشعيا الذي تفوَّق على جميع الأنبياء بلغته الأنيقة والرفيعة، والذي تقدَّم فكرَزَ بسرِّ الإنجيل بشكل إنجيليّ لا فقط بشكل نبويّ، رأى عمّانوئيل جالسًا على كرسيّ عالٍ رفيع (إش 6: 1)، يسبِّحه السرافيم مثل ربِّ الجنود (الصباؤوت) وموضوعًا مثل جمرة على المذبح. حقٌّا هذه الجمرة تقدَّمت فصوَّرت الكلمة الذي لأجلنا صار بشرًا وتأنَّس دون تغيير: ذاك هو العمّانوئيل.
فكما أنَّ الخشب يمتزج بالنار فيحترق بقوَّة ويتقبَّل في عمقه اللهيب فيصير كلُّه نارًا، كما يُظنّ، وهذا دون أن يخرج من أن يكون خشبًا، ودون أن يلقي عنه طبيعته الخاصَّة (البيتيَّة)، بل يُعتقد بلا انفصال واحدًا يُسمّى جمرة فعلاً واسمًا فيعمل ما هو خاصّ بالنار أي ينير ويحرق. بهذا الشكل عينه حين يتَّحد كلمةُ الله بالبشريّ (اللحم والدم) الآتي من الروح القدس ومن مريم يمتلك نفسًا عاقلاً، يتَّحد لا بشكل بسيط بل في وحدة الأقنوم بحيث يُفهم أنَّه في الحقيقة صار بشرًا وتأنَّس. من جهة احتفظ بالبشريّ كما هو دون أن يبدِّله إلى طبيعته الخاصَّة، ولا هو تحوَّل في طبيعته، وإذ اتَّحد مرَّة واحدة بدون انقسام هو واحد (كما نظنّ) مع البشريّ. وهو يعمل فيه كلَّ ما هو خاصٌّ به بحيث يشفي ويخلق ويحيي، لأنَّه صار حقٌّا الجسد الخاصّ، جسد الكلمة الخالق وصانع الحياة وهو الجمرة الإلهيَّة والعقليَّة.
»لهذا (هذا البشريّ) حين بصق في الأعمى منذ مولده وقف له بؤبؤًا بالفعل (لا بالقول فقط). وإذ صاح بلسانه بكلام واضح: »يا لعازر قم إلى الخارج« (يو 11: 43)، أقام الميت الرباعيّ الأيّام الذي كان مأسورًا بأسر القبر ونتنًا. هذا (البشريّ) سار على البحر كما على الأرض، وصنع أمورًا أخرى مثل هذه في الجسد، وهي أعمال هي بالحقيقة خاصَّة الطبيعة الإلهيَّة وحدها.
قال النبيّ: هذه الجمرة التي اتَّخذها أحد السرافيم عن المذبح وقرَّبها منه ولمس بها فمه وقال: »ها هذه جسَّت شفتيك ورفعت ذنوبك ونقَّت خطاياك« (إش 6: 6). فالكلمة نقّى في الحقيقة شفاه الذين آمنوا به بالقلب للبرّ واعترفوا به بالفم للخلاص (رو 10: 10) فاحمرَّ لسانُهم بالدم. فهذه هي التنقية، وناريَّةٌ هذه الجمرة. هكذا تكلَّم النبيّ. أمّا اليهود الذين ينقصهم كلُّ فهم والذين هم كافرون جدٌّا وعميان بالحجاب الذي هو على قلبهم، إذ رأوا جليٌّا الجمرة تُبرق بآيات إلهيَّة، وتنير بالتعاليم، وتبطل باشتعالها مادَّة الخطيئة كما كُتب. إلهنا نارٌ آكلة (خر 24: 17) وقال: غُفرتْ لك خطاياك (مت 9: 2) وأيضًا: لابن الإنسان سلطان به يغفر الخطايا على الأرض (آ6). هم ما صدقَّوا أنَّ الله نفسه ذاك الذي يتكلَّم هو قريب منهم ويُرى على الأرض بجلاء ومع البشر يتحدَّث (با 3: 38) ولكن حين تشكَّكوا بذاك الذي تراءى ظنُّوا أنَّه إنسان فقط وليس أيضًا إلهًا. ومن الحجر رأس الزاوية، المختار، الثمين أقاموا لهم حجر عثرة، كما كُتب، حجر شكّ (1 بط 2: 6-7)، لبث حلقُهم مغلقًا لدى موسى وعلى قمَّة جبل سيناء وتعظَّموا بوجدان مترفِّع ومتشامخ وبفم فاغر قالوا: نحن كلَّمنا الله على الجبل في النار (تث 4: 15). أمّا هذا فلا نعرف من أين هو (يو 9: 29).
»لأجل هذا، لجم الروح القدس فمهم اللامختون وغباوة وجدانهم، فحلَّ على الرسل بألسنة ناريَّة وعرَّف أنَّ ذاك الذي تكلَّم مع موسى على الجبل هو أيضًا ذاك الذي ظهر وتراءى مثل جمرة في التدبير (الإلهيّ)، لا مثل النار عينها، وشارك في الدم واللحم مثلنا (عب 2: 14) ما عدا الخطيئة وما ألقى بعيدًا عنه كونه إلهًا حين صار إنسانًا لكي يكون قريبًا فيراه البشرُ كلُّهم فينقِّينا فنستطيع أن نمسكه بملقط المعرفة كما رأى النبيّ أحدَ السرافيم صانعًا(54).
نلاحظ هنا أمورًا عديدة. أوَّلاً، شرح سويريوس نصَّ الكتاب المقدَّس شرحًا إنجيليٌّا، لا فقط نبويٌّا. لهذا نراه يهاجم اليهود بسبب عماهم وبلادة عقلهم. قرأ إشعيا وبيَّن أنَّ الجمرة هي الكلمة. دخلت الجمرة في الخشب فما تحوَّلت، كذلك الكلمة حين تأنَّس وصار بشرًا مثلنا.
وكلام هذا الواعظ عن التجسُّد كما يوجِّهه إلى الشعب المؤمن، يدلُّ على الدقَّة بالتعبير. فالألوهة تتَّحد بالبشريَّة وتحافظ الواحدةُ والأخرى على الصفات. لا تبدُّل في اللاهوت حين يتَّحد بالناسوت، والناسوت يعمل فيدلُّ على اللاهوت. وأشارَ سويريوس إلى أبولينار(55) الذي نسيَ أنَّ الكلمة اتَّخذ أيضًا نفسًا عاقلة.
كلمات لاهوتيَّة نجدها في تعليم الكنيسة فتشدِّد على الوحدة في الأقنوم (؟؟؟؟؟؟؟ ؟؟ ؟؟؟؟؟؟؟). ولكنَّ العنصر البشريّ لا يغيب، بل حُفظ (؟؟؟) كما كان (؟؟؟؟؟؟؟ ؟؟ ؟؟). فالبشريّ لم يتحوَّل (؟؟؟؟؟ ؟؟) إلى الطبيعة (؟؟؟؟) الإلهيَّة، ولا الطبيعة الإلهيَّة تحوَّلت (؟؟؟؟؟)(56).
* * *
الخطبة 49. حول ما قاله الرسول في الرسالة إلى رومة: »لهذا، كما أنَّه بإنسان واحد دخلت الخطيئة إلى العالم وبالخطيئة الموت، وهكذا عمَّ الموتُ جميع البشر لأنَّهم جميعهم خطئوا. فإلى الشريعة كانت الخطيئة في العالم، ولكنَّ الخطيئة لم تكن تُحسَب خطيئة لأنَّه لم تكن شريعة. ولكنَّ الموت ساد منذ آدم حتّى موسى حتّى على الذين ما خطئوا على شبه تعدِّي وصيَّة آدم الذي هو صورة ذاك العتيد أن يأتي« (رو 5: 13-14). وحول ما قيل في الرسالة إلى الكورنثيّين: »وحين يُخضَع له كلُّ شيء، حينئذٍ يَخضع الابن هو أيضًا لذاك الذي أخضع له كلَّ شيء ليكون الله كلاٌّ في الكلّ« (1 كو 15: 28).
وإذ نصنع من القدم ذكر الأبرار الذين من قبل، حسب عادة عتيقة بلغت إلينا، وبحسب تسليم ينحدر من الآباء القدّيسين ومن الذين أقيموا بحسب الناموس (القانون) على رأس الكنيسة، اعتبرنا أنَّه ينبغي أن أقول لكم مقالاً في هذا الموضوع، فأسبِّح المسيح الذي مات وعاد إلى الحياة (؟؟؟ من أجل هذا: أن يكون ربَّ الأموات والأحياء (رو 1: 19). فليس فقط من أجل الأحياء بل بالحقيقة أيضًا من أجل الأموات، حمل بإرادته الصليب الخلاصيّ وقبِلَه على (كتفه). لهذا نقول: الأحياء هم الأبرار الذين يحيون في البرِّ، والأموات هم الذين ماتوا بالخطيئة. ولكن إن قال إنسان أيضًا: الأحياء هم الذين يحيون الآن في الحياة البشريَّة (؟؟؟؟؟) والزمنيَّة، والأموات هم الذين يُحسبون بين الأموات، تركوا العالم وبالتالي رقدوا، فهذا لا يأتي إلى خارج الحقيقة. فمن أجل الأبرار ومن أجل الخطأة، من أجل الذين خرجوا من الحياة (= ماتوا) ومن أجل الذين هم بعد أحياء، سفَكَ المسيحُ دمه لكي، كما أنَّ الجميع ماتوا في آدم كذلك يحيا الجميع في المسيح (1 كو 15: 22). فبولس هتف: بيد إنسان واحد دخلت الخطيئة إلى العالم، وبيد الخطيئة الموت وهكذا عبر الموت إلى جميع البشر لأنَّهم جميعهم خطئوا« (رو 5: 12).
فبعد أن جُبل آدم من الطين وتنفَّس (:؟؟؟؟؟ نال نفسًا) بنفس ناطقة، وخُلق على صورة الله، هذه الصورة كُرِّمت بالحرِّيَّة وبما يجعلها ملكة على كلِّ ما على الأرض، واستطاعت أن تقبل البرَّ وكلَّ فضيلة وأن تشارك في سائر (الميزات) التي مثل هذه. فهذه كلُّها تُرى في الجوهر، في الله وفي الطبيعة التي هي أرفع من كلِّ شيء. فآدم هذا عاش حياة الفردوس المطوَّبة وتكلَّل بنعمة الخلود (اللامَوت). ولكن بعد أن تجاوز الوصيَّة التي اتَّخذها لامتحان حرِّيَّته، لكي يحفظ الخيرات التي وُهبت له ولكي يمتلك ما سوف يُزاد له، وحين استحقَّ حكمَ الموت بسبب خطيئة المعصية (اللااستماع) وتجاوز الخطيئة، سمع: أنت تراب وإلى التراب تمضي (تك 3: 19). منذ ذلك الوقت، نحن أيضًا الذين من أبٍ مائت صرنا بالتالي أبناء مائتين، وليس هذا فقط بل »كسحاء« بما يتعلَّق بالبرِّ وبممارسة كلِّ فضيلة، وكأنَّ طبيعتنا مرضت بحبِّ الملذّات ودُفعت لكي تزلق وتسقط بسهولة في الخطيئة، بحيث قال الله: وُضع وجدان الإنسان في الشرِّ منذ صباه وهناك يرتاح (تك 8: 21).
فهذا ما يقوله بولس حقٌّا: بيد إنسان واحد دخلت الخطيئة إلى العالم وبيد الخطيئة الموت وهكذا عبر الموت إلى جميع البشر لأنَّهم جميعهم خطئوا. فكأنَّه قال: كانت خطيئة آدم زرعَ موت، والموت نفسُه بعد أن عبر في كلِّ أبنائه مثل السنابل فأنتج ثمارًا (أو: غلاّت) وافرة وأنبت خطايا كثيرة، لأنَّ جميع الناس بدوا وكأنَّهم دُفعوا في شباك الخطايا(57).
ويواصل الواعظ كلامه فيتساءل: هل ترك الله الإنسان وما أرسل إليه معونة؟ والجواب كلاّ. فهناك الناموس الطبيعيّ الذي بدأ مع قايين وهابيل، ثمَّ مع نوح وأهل عصره. ولكنَّ هذا الناموس لم يكن كافيًا.
من أجل هذا كانت الحاجة إلى ناموس (شريعة) آخر يكون تذكيرًا بيد الأمور المكتوبة. فالخطيئة التي »تعرَّمت« وارتفعت كما قمَّة الجبل وأخفت الناموس الطبيعيّ (؟؟؟؟؟)، شكَّلت عذرًا للذين خطئوا. فاستطاعوا أن يقولوا: »إذ غرقنا في الشرّ وجب أن يُقرَّب لنا تذكير وما قُرِّب لنا«. هذا ما قال الرسول: إلى الشريعة كانت الخطيئة في العالم، ولكنَّها لم تُحسَب خطيئة لأنَّه لم يكن ناموس (رو 5: 13). من جهة قال: »كانت الخطيئةُ في العالم«. ومن جهة أخرى، قال: »حين لم يكن ناموس يُوبِّخ، لم تكن الخطيئة تُحسَب للذين خطئوا«.
ولكن حين وُهب الناموس بيد موسى، دخلت الخطيئة خلسة وأتت بالذين لم يكونوا واعين لكي يعوا الخطيئة. وهكذا فعلت لكي تُحسَب (خطيئة). فهذا ما يراه الإنسان أيضًا لدى المرضى: بعد أن قُرِّب إليهم عونٌ أوَّل، مثلاً نظام يجب أن يُحفَظ ويُتبع. فإن كان ما سبَّب المرض يتقوّى لأنَّ المريض لم يتبع الترتيب، وإذا ضعفَتْ قوَّةُ العون. وإذا لم يقرِّب له نوعٌ آخر معروف وناجع بشكل أفضل لدواء ثانٍ فنتراخى ولا نلوم المريض. ولكنَّنا نلوم الطبيب… مع أنَّ المريض يجب أن يلام… ولكن إذا الطبيب استعمل وسائل طبِّه يعود اللوم إلى المريض.
إذًا في ذلك الوقت، وُهب الناموس بواسطة الكتابات…(58)
هو شرح للتعليم البولسيّ حول الخطيئة »الأصليَّة«، مع تطوُّر في التدبير الإلهيّ من الشريعة الطبيعيَّة إلى شريعة موسى. ولكنَّ هذا لا يعني أنَّه بمجرَّد وجود الشريعة الموسويَّة زالت الخطيئة. فلا بدَّ من تجديد الإنسان وهذا يتمُّ بموت يسوع وقيامته.
نتوقَّف عند هذا القدر من خطب المنابر. هي نبع غزير من الشرح الكتابيّ والدروس اللاهوتيَّة. قدَّمنا بعضًا منها وتركنا القسم الكبير. من يدري؟ ربَّما نعود يومًا إلى هذه الخطبة (العظة) أو تلك، مثلاً تلك التي فيها على تجاديف تيودوريه القورشيّ الذي اعتبره واحدًا من بنات آوى الذين أدخلوا الهرطقة النسطوريَّة(59).
الخاتمة
إلى سويريوس بطريرك أنطاكية تعرَّفنا بعض الشيء وقرأنا بعض عظاته التي جُمع منها 125 في خطب المنابر، لأنَّه قالها حين كان على الكرسيّ الرسوليّ. قيلت في اليونانيَّة، وما بقي منها سوى نتف في هذه اللغة. ولكنَّها حُفظت في السريانيَّة كما حُفظت في مجمل آثار هذا المدافع عن الإيمان »المونوفيسيّ« الذي هو في الحقيقة أرثوذكسيّ يحاول أن يقف بين أوطيخا المتطرِّف في جمع الطبيعتين وبين نسطور الذي يجعل في المسيح أقنومين.
كتابات وافرة عبرت الحدود في ترجمتين بيد بولس القالينيقيّ ويعقوب الرهاويّ. أمّا نحن فبعد نظرة عاجلة إلى هذا الكنز الفكريّ، أردنا أن نغوص في عمق لاهوت يحتاج أن نقرأه بتمعُّن لأنَّه يُجمل ما يمكن أن تقدِّمه كنيسة الشرق، ولاسيَّما السريانيَّة، بحيث يكون للتراث السريانيّ دوره بإزاء التراث اليونانيّ والتراث اللاتينيّ. عندئذٍ وعندئذٍ فقط نستطيع أن نتكلَّم عن كنيسة جامعة، تنطلق من وحدة تستمدُّها من جسد المسيح الواحد، فتضمُّ في شخصه كلَّ ما في السماء وما على الأرض.
1) اللؤلؤ المنثور في تاريخ العلوم والآداب السريانيَّة، دار ماردين، دار الرها، 1996، ص 238.
خاتمة الكتاب
عالم شرقيّ يزخر بالغنى. دخلنا فيه وفرحنا بلا شك بما حمل إلينا الآباء والجدود من سحيق التاريخ، ولاسيّما في اللغة السريانية التي امتدت في سورية ولبنان والعراق وصولاً إلى الخليج وبشكل خاص مع قطر حيث عرفنا داديشو قطرايا أو داد يشوع القطري الذي عاش في نهاية القرن السابع، كما عرفنا اسحق النينوي ابن القرن السابع الذي وُلد في مقاطعة بيت قطرايي، أو قطر.
عالم ينطلق من القسطنطينية وأنطاكية والاسكندرية ليصل إلى الرها ونصيبين ودارا حتى البصرة وتكريت وغيرها من المدن العراقية، بل إلى المدن الايرانية مثل مرو وأورمية وأماكن أخرى.
تراث غنيّ حوى من المخطوطات ما لا تحتويه أيّة لغة قديمة، وما زالت مخطوطاته تُنسَخ حتى اليوم، ولاسيّما كتب الأناجيل والرسائل. فنحن في خط العالم اليهودي الذي لا يقرأ الكتاب المقدس في المجامع، إلاّ في مخطوطات دُوّنت على رقّ الغزال أو غيره من الحيوان. مخطوطات توزّعت في الشرق والغرب، في لبنان وسورية وتركيا وإيران، وفي برلين ولندن وأوكسفورد وباريس والفاتيكان وسان بترسبورغ. وها هي الآن تعرَف بواسطة الامكانات الحديثة في التصوير والنشر.
تراث غني قدّمنا منه نصّين قديمين يربطان العالم السرياني بعالم ايران وبالكتاب المقدس. فالفلسفة حاضرة في كلام عن الحرية والقدر، والكتاب المقدس مع التراثات الدينية التي خلّفها الفكر الواصل إلى شرقي الاردن وأبعد من ذلك لدى ما يُدعَى التيار اليهومسيحي وما يتفرّع منه من انجيل العبرانيين وفرق الناصريين.
وذكرنا خمسة وجوه. وبقيت وجوه عديدة، سوف نعود إليها بإذن الله. ومن هذه الوجوه، أشرنا إلى بعض ما كتبوا، ولكن ما لم نذكره أكثر بكثير. ماذا ذكرنا مثلاً من ابن العبري، بعد أن نظّمنا له مؤتمراً في الجامعة اللبنانية، بمناسبة المئويّة السابعة لوفاته؟ ذاك الذي قيل فيه إنه كان »جمّاعًا«، جمع في الواقع كل التراث السرياني على جميع الصعد، فحفظ لنا الكثير قبل وصول المغول والتتر الذين تركوا وراءهم الدمار والحريق وكأنهم طلبوا أن يعيدوا الانسان إلى العصر الحجريّ. وسويريوس بطريرك أنطاكية ترك لنا مدة ست سنوات إرثًا كبيرًا حفظته لنا اللغة السريانية، ولنا عودة إليه في أكثر من مناسبة، لأنه يضاهي سائر بطاركة أنطاكية إن لم يتفوّق عليهم. رسائله وحدها تاريخ يعطينا صورة عن الكنيسة في القرن 5-6. وما نفرح له هو أن اللغة السريانيّة انفتحت باكراً على تراث الآباء اليونان، فنقلت آثار أثناز الاسكندراني وكيرلس خلفه، وآثار الكبادوكيين باسيل وغريغوار النازينزي وغيرهما. واحتفظت بما كتبه جرجس أسقف العرب، ونسطور بطريرك القسطنطينية. ولولا السرياني لضاع هذان المؤلفان مع كتاب إبيفان، أسقف سلامين في قبرص، حول الهرطقات.
آفاق حاولنا أن نفتحها، ونوّد توسيعها، كما نودّ أن نرى العديدين يخرجون من آفاق الطائفة الضيقة وصولاً إلى شرق ينفتح على الغرب فيعطيه أفضل ما عنده ويأخذ منه غناه
(2) Homéliae Cathedrales in PO 175 (1-17), 171 (18-25), 170 (26-31), 169 (32-39), 167 (40-45), 165 (46-51), 15 (52-57), 37 (58-69), 57 (70-76), 81 (77), 97 (78-83), 112 (84-90), 121 (91-98), 108 (99-103), 124 (104-112), 127 (113-119), 138 (120-125).
وهكذا نكون أمام 125 خطبة ألقاها البطريرك سويريوس ونُقلت إلى السريانيَّة.
(3) F. GRAFFIN, T. XXIX, fasc 1, Les Homiliae Cathedrales de SEVERE D’ANTIOCHE, tr. Syr. De Jacques d’Edesse, Paris, 1960, Intr. gén., Ed. Tr. M BRIERE.
(4) نلاحظ ما نال سويريوس في لبنان: العلم في بيروت، العماد في طرابلس.
(5) Pierre L’Ibérien”, in Dict. Enc. du Christianisme Ancien (=DECA), Paris, Cerf, 1990, p. 2039.
أصله من جيورجيا (= إيبريا) صار راهبًا باسم بطرس وأقام في مايوما، قرب غزَّة.
(6) P. S. VAILHE, “Répertoire alphabétique des monasteries de Palestine”, Revue de l’Orient Chrétien (= ROC), t. V, 1900, p. 44-46
(7) Eleuthéropolis، في فلسطين.
(8) Laure من اليونانيَّة laura الطريق الضيِّق، تتألَّف اللفرة من مجموعة قلاّيات فرديَّة، بقيادة رئيس واحد. , p. 1412.DECA
(9) “Flavien II d’Antioche” (patr. de 498-512), DECA, p. 977.
(10) E. W. BROOKS, The sixth Book of the Letters of Severus, patriarch of Antioch in the Syriac Version of Athanasius of Nisibis, Vol II (translation) part II, London, 1904, p. 284
(11) حسب يوحنّا الأسيويّ ، F. NAU, “Analyse de la seconde partie inédite de l’Histoire ecclésiastique de Jean d’Asie, patriarche jacobite de Constantinople (mort en 583)” in ROC, t. II (1897) 466; cf PO, t.II, p. 303-304
(12) حسب يوحنّا الأسيويّ كما في ميخائيل السريانيّ Chronique de Michel le Syrien, patriarche jacobite d’Antioche (1166-1199), éd. Par J. B. CHABOT, Paris, 1901, t. II, p. 170 ss
(13) Anthime de Trébizonde”, DECA, p. 140
(14) Vie de Sévère par Jean, Supérieur du monastère de Beith- Aphtonia, Patr. Orientalis, t. II, p. 360.
(15) R. HESPEL, Sévère d’Antioche. La polémique antijulianiste, vol I (CSCO 244-245/syr 104-105), Peeters, Leuven, 1964, Vol II, A (CSCO 295-296/syr 124-125), 1968); Vol II B (CSCO 301-302/syr 126-127), 1969; Vol III (CSCO 318-319/syr 136-137), 1971.
(16) .Julien d’Halicarnasse, (DECA, p. 1374-1375) كتابة Tome ثمَّ Compléments du Tome ثمَّ Apologie أبولوجيّا أو مقال ضدَّ المانويّين والأوطيخيّين. وأخيرًا ضدّ تجاديف سويريوس. كلُّ هذه المقالات فُقدت.
نقلها إلى السريانيَّة بولس القالونيقيّ، وعادت المخطوطات إلى القرن السادس، ويبدو أنَّ فاتيكان 140 هو بخطِّ يد بولس.
(17) R. DRAGUET, Julien d’Halicarnasse et sa contrverse avec Sévère d’Antioche, Louvain, 1924
(18) R. HESPEL, Sévère d’Antioche, le Philaléthe, CSCO 133-134/syr 68-69, Peeters, Leuven, 1952.
(19) mia jusiV logou sesarkomenou
(20) upostasiV أو prosopon. في السريانيَّة .ܦܪܨܘܦܐ
(21) I. LEBON, Severi Antiocheni Liber contra impium grammaticum. Orationis tertiaee pars prior, CSCO 93-94/Syr 44-45, Leuven, Peeters, 1929
(22) Oriationis tertiae pars posterior, CSCO 101-102/Syr 50-51, Leuven, 1933
(23) Oratio prima et secunda, CSCO 111-112/Syr 58-59, Leuven, 1938
(24) الأب ألبير أبونا، أدب اللغة الآراميَّة، دار المشرق، بيروت، 1996، ص 219
- SIMONETTI, “Sévère d’Antioche” in DECA, p. 2278-2281; J. LEBON, Le monophysisme sévérien, Louvain, 1909
(25) حاشية 1، ص 241.
(26) S. P. BROCK, “Some New Letters of the Patriarch Severus St patr 12 = TU 115 (1975) 17-24
(27) حاشية BROOKS ,10
(28) E. W. BROOKS, A Collection of Letters of Severus of Antioch from numerous manuscripts, PO, t. XII, p. 163-342; t. XIV, p. 1-310
(29) ألبير أبونا، حاشية 24، ص 220-221:
(30) اللؤلؤ المنثور، ص 244-249. قال Brière في الباترولوجيّا الشرقيَّة، المجلَّد 30، كراسة 1، ص 16: اختيرت 700 رسالة (ما بقيَ منها سوى الكتاب السادس مع 123 رسالة) في ترجمة سريانيَّة قام بها أثناسيوس النصيبينيّ. وُجد نقلٌ سريانيّ أو نقلان لجمل رسائل سويريوس أو قسم منها.
(31) E. W. BROOKS, James of Edessa: The Hymns of Severus of Antioch and others, Syriac version, PO, t. VI, p. 1-179; t.VII, p. 593-803; t. XIV, p. 299-310.
(32) omiliai epiqronioi (عظات فوق العرش، trône) Homélies Cathédrales في المخطوط البريطانيّ 14599 نقرأ ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ ؟؟؟؟؟؟؟ (مقالات دُعيَت فوق العرش) في فاتيكان سريانيّ 143 نقرأ . وفي المفرد .؟؟؟؟؟؟؟؟
(33) Angelo MAI, Scriptorum veterum nova collectio, t. IX, Rome, 1837, p. 725-742; Spicilegium Romarum, t. X, Rome, 1844, p. 202-205.
(34) , London, 1894, p. 94-95.A Short History of Syriac Literature W. WRIGHT,
(35) éd., Paris, 1907, p. 316-317, 360. e, 3La littérature syriaque Rubens DUVAL,
(36) باومشتارك، ص 160.
(37) mnhmh thV agiaV qeotokou kai aeiparqenou mariaV
(38) الباترولوجيّا الشرقيَّة، المجلَّد 37، الكراسة 1، عدد 173، Brepols, 1975، ص 6-7.
(39) المرجع السابق، ص 24-25.
(40) eorth twn wsannwn
(41) حاشية 38، ص 46-47.
(42) حاشية 38، ص 66-69.
(43) حاشية 38، ص 114-115.
(44) h analhyiV tou megalou qeou kai swthroV hmwn Ihsou Cris
(45) ta geneqlia
(46) الباترولوجيّ الشرقيَّة، المجلَّد 36، الكراسة 3، العدد 169، Brepols, 1972، ص 458-459. نلاحظ هذا الكلام عن تجسُّد الابن في خطِّ الفكر السريانيّ.
(47) ta jwta .؟؟؟؟؟؟؟ هي الثانية. والأولى هي الخطبة 10.
(48) حاشية 46، ص 488-489.
(49) mnhmh pantwn twn dikaiwn نتذكَّر أحد الأبرار والصدّيقين الواقع قبل زمن الصوم في الليتورجيّا السريانيَّة (المارونيَّة).
(50) الباترولوجيّا الشرقيَّة، المجلَّد 35، الكراسة 3، عدد 165، Brepols, 1969، ص 290-291.
(51) المرجع السابق، ص 304-305.
(52) المرجع السابق، ص 314-315.
(53(M. SIMONETTI, “Monophysites”, in DEB, p. 1669-1673, ici p. 1671-1672(
(54) حاشية 50، ص 316-321.
(55) Ch. KANNENGIESSER, “Apollinaire de Laodicée, Apollinarisme”, in DECA, p. 185-188
(56) حفظت ص 316-317 في اليونانيَّة وبدايتها A. MAI, Scriptorum veterum nova collectio, t. IX, p. 725-726:oiden o projhthV ton emmanouhl epi qronou
(57) حاشية 50، ص 340-343.
(58) حاشية 50، ص 344-347.
(59) هي الخطبة 64. الباترولوجيّا الشرقيَّة، المجلَّد 8، الكراسة 2، الرقم 37، الطبعة الأولى، 1911، الطبعة الثانية 2Brepols, 1971، ص 313-320. بدايتها: إعرفوا أنّي أردتُ اليوم كما من قبل كان الكلام عن أطفال بيت لحم، فطلب منه المؤمنون أن يعيد ما قاله في قورش، فقال: »أردت أن أقرِّب لهم (للأطفال) كلَّ هذه العظة (المقال)، ولكن لست أدري كيف اقتدتموني في ببيل آخر، وكيف ترغبون أن تسمعوا ما قيل في منطقة قورش (ص 316)..
سويريوس الأنطاكي ف12 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي
نسطور وكتاب هرقليد الدمشقي ف11 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي
نسطور وكتاب هرقليد الدمشقي ف11 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي
الفصل الحادي عشر
نسطور وكتاب هرقليد الدمشقيّ
سنة 431، التأم مجمع مسكونيّ في أفسس، وعلى أثره أُعلنت مريم العذراء والدة الإله. وكان نسطور الذي حُكم عليه هو من حثّ الإمبراطور ثيودوز على إرسال الدعوة إلى أساقفة الشرق والغرب من أجل هذا الاجتماع اللاهوتيّ، الذي كاد يقسم الإمبراطوريّة، ويضع الخلاف في قلب البلاط. غير أنّ ظروف انعقاد المجمع جاءت بطريقة غير عاديّة. وصل كيرلّس من الإسكندريّة مع أساقفته. وإذ تأخّر أساقفة الشرق بقيادة أنطاكية، وموفدا البابا من رومة، انتظر كيرلّس مترئّس ذلك المجمع قرابة أسبوعين على الموعد المحدّد، أي 7 حزيران، عيد العنصرة. وفي 22 حزيران بدأت الأعمال بقراءة قانون إيمان نيقية. ثمّ تليت رسالة كيرلّس الثانية إلى نسطور. إعتبرها الآباء موافقة لإيمان نيقية. ولمّا قرأوا رسالة نسطور إلى كيرلّس، وجدوها معارضة. وانتهى كلّ شيء في يوم واحد(1) مع الحكم التالي: »إنّ الربّ يسوع المسيح، الذي جدّف عليه نسطور، رسم، بهذا المجمع المقدّس، أنّ ذاك المذكور حُطَّ، من الآن وصاعدًا، من كرامته الأسقفيّة، وفُصل من الجسم الكهنوتيّ كلّه«(2). عُزل بطريرك القسطنطينيّة وما حُقّ له الدفاع عن نفسه لأنّ يد السلطة المدنيّة تعاضد السلطة الكنسيّة، فكتب مذكّراته وأنهاها قرب ساعة موته، سنة 451. فكان لنا كتاب هرقليد الدمشقيّ.
1- اسم الكتاب وهدفه
روى جناديوس ابن القرن الخامس، في كتابه »الرجال العظام« أنّ نسطور »ألّف عددًا كبيرًا من الكتابات حول مسائل مختلفة«(3). وأكّدت لائحة عبد يشوع(4) في ف 20، هذا الكلام ولكنّ ثيودوز الثاني أمر سنة 435 بتدمير كلِّ ما كتبه نسطور بالنار. فانتقلت الكتابات إلى العالم النسطوريّ، وهناك أيضًا ضاع معظمها. فما سلم سوى بضع عظات ورسائل، وخصوصًا هذا الكتاب الذي لا نقرأه إلاّ في السريانيّة.
أ- اسم الكتاب
حين كُشف هذا الكتاب في القرن التاسع عشر، في مكتبة المرسلين الأميركان، في أورمية، قرأوا العنوان السريانيّ: ت ا ج و ر ت ا: تجارة. فقال أوّل كاشف للكتاب: بازار هرقليد(5). لماذا هذا العنوان؟ لأنّ المترجم السريانيّ قرأ اللفظ اليونانيّ(6) الذي يعني تجارة كما يعني المقال والكتاب.
الكتاب مخطوط نُسخ في بلاد فارس، في أورمية، سنة 1558. وكان محفوظًا لدى بطريرك النساطرة، في الكردستان التركيّ. شوّه بشكل خاصّ سنة 1843 حين قتل الأمير الكرديّ بدرخان باي العدد الكبير من الكلدان بحيث هرب الباقون إلى بلاد فارس. من هذا المخطوط الفريد، انطلق أشعيا سنة 1889 وقدّم نسخة لمكتبة المرسلين الأميركان. ومن هذه الأخيرة، كانت نسختان، واحدة لجامعة كمبريدج في إنكلترا، وأخرى لجامعة ستراسبورغ في فرنسا. وكان في يد الأب بول بيجان(7) اللعازريّ، نسخةٌ انطلقت من الأولى وتمّت في فان الأرمنيّة.
هذا الكتاب الذي دوّنه نسطور وأنهاه في سنة موته، سنة 451، على ما يبدو، نُقل إلى السريانيّة في أيّام البطريرك بولس (539-540)(8) حوالي سنة 535. بعد سنة 540، درس الراهب النسطوريّ برعدتو (ابن البيعة) الكتاب وحفظه غيبًا. قال: »فرض عليّ مار إبراهام أن أتلو أسفار الكتاب غيبًا. فتلوتُ بعد بضع سنوات العهدين، كما تُتلى المزامير. ثمّ تلوت كتب أبّا أشعيا، أبّا مرقس، مار أوغريس. وأخيرًا، كتاب نسطور الذي هو لهرقليدس، الذي تُرجم مؤخّرًا، في أيّامي، من اليونانيّة إلى السريانيّة«(9).
في منتصف القرن السادس، قرأ المؤرّخ أوغريس كتابًا أوّل هو المأساة (تراجيديا). ثمّ تحدّث عن كتاب هرقليد فرآه مسهبًا مكثارًا، وفي شكل حوار بين نسطور وصفرونيوس الذي يبدو رجلاً مصريٌّا. فنسطوريوس يقيم في الواحة(10)، في مصر.
إليك ما كتب أوغريس الحمويّ(11) عن هذا الكتاب:
»كيف أبعد نسطور، وما الذي حصل له بعد ذلك؟ كيف ترك هذه الحياة، وأيّ عقاب ناله بسبب تجاديفه؟ هذا ما لم يعرفه كاتبو التاريخ. هي أمور منسيّة دمّرها لزمن، فما عاد أحدٌ يسمع بها. غير أنّي وقعتُ على كتاب نسطور الذي يُورد خبر هذه الأحداث(12). إذن، نسطور أبو التجاديف هذا، الذي ما بني بيته على أساس موضوع (لو 6: 48) بل على الرمل. لهذا قُلب هذا البيت حالاً، كما قال الربّ. هو كتب ضدّ الذين اتّهموه بأنّه أدخل جديدًا لا يليق (بالإيمان)، وبأنّه طلب انعقاد مجمع، فأخطأ.
»دافع عن تجديفه الخاصّ قال: اقتادته الضرورة بعد أن انقسمت الكنسيةُ المقدّسة قسمين. قال قسم: يجب أن ندعو مريم »أمَّ الإنسان« والآخر: »أمّ الله«. خاف أن يخطأ هذا وذاك، فتُمزج الإلهيّات (بالناسوت) أو تُترك الإنسانيّات (جانبًا). وخاف أن يأخذ برأي حزب فيحكم على الآخر. حينئذٍ تخيّل لفظ »والدة المسيح«(13).
»وأضاف أيضًا أنّ تيودوز لم يوافق في البدء على عزله، كرامة له، ولكن حين أُرسل بعضُ الأساقفة من الحزبين إلى تيودوز، في أفسس، سُمِح له، بناء على طلبه، بأن يعود إلى ديره الواقع عند أبواب أنطاكية. ما أعطى نسطور اسم (هذا الدير). ولكن قيل لنا فيما بعد أنّه يُدعى اليوم »الجميل، اللائق«(14). ونخن نعرف حقٌّا أنّه قرب المدينة، ولا يبعد عنها سوى فرسخين. وقال نسطور نفسه إنّه أقام فيه معزَّزًا، مكرَّمًا، إلى أن أبعده إلى »الواحة« قرارٌ جديد أصدره تيودوز(15).
وأورد أوغريس الرسالة التي بها أعلم نسطور، حاكمَ المدينة، بأنّ البربر أطلقوه مع سائر الأسرى، فمضى إلى بانوبليس (مدينة بان إله الرعاة، أخميم الحاليّة) لئلاّ يُتّهم بالهرب (من مصر) أو بشيء آخر.
هنا يروي الخبر النسطوريّ ما صنعه نسطور من معجزة، بها نجا من الأسر لدى البربر، هو والذين كانوا معه.
»حين كان في تلك الأمكنة، أتى البربر(16) مع ملكهم، فأسروا كلَّ هذه المنطقة مع الطوباويّ. وإذ عادوا، وهم يقتادونهم، وجدوا نفوسهم في صحراء تفصلهم عن أرضهم، لا مطر فيها ولا أنهار. فكانوا فريسة العطش وكادوا يموتون. فاقترب بعض الأسرى الذي يعرفون الطوباويّ، إلى الملك وقالوا له: هنا بين أسراك رجلٌ ينعم بحظوة كبيرة لدى الله. فإن صلّى استجيبت صلاتُه حالاً، وهكذا لا تهلكُ أنتَ مع جيشك. فأتى به الملك إليه وقال له: سمعتُ أنّك تستطيع بصلاتك أن تنجّينا من الموت. فإلهك مليء الرحمة ولا يريد موت الإنسان. فصلِّ إليه الآن ليمارس رحمته تجاهنا، فنُحفظ في الحياة.
أجابه (نسطور): »كن أنتَ رحيمًا تجاه الأسرى الذين أسرتَ«. قال الملك: »جميع الأسرى هم بين يديك«.
»حينئذٍ دعا الطوباويّ إلى الصلاة، وصلّى هو أيضًا إلى الله ليُرسل، في رحمته، ماء يُطفئ عطش البربر، فيعرف قدرته ويُظهرها، ويعيد الحرّيّة إلى الأسرى. وفي الحال، تفجّر فجأة نهرٌ كبير. وهكذا أمّن الطوباويّ نسطور، شرابًا لأسرى عديدين، وافتداهم، وعاد إلى بيته«(17).
ونعود أخيرًا إلى اسم الكتاب. في السريانيّة: تجارة هرقليد(18) الذي من دمشق. وضعه مار نسطور(19). وقد يكون الأصل اليونانيّ: كتاب هيرقليد الدمشقيّ(20). هناك أكثر من أسقف اتّخذ هذا الاسم(21). من مصر، ثلاثة أساقفة رافقوا كيرلّس إلى أفسس: تحوميس أو بطليمايس، هيراقلايا العليا، غيائيس أو دمياطة. وهناك هرقليد آخر. كان راهبًا من الإسقيط المصريّ. رسمه الذهبيّ الفم. ولكن اضطهده تيوفيل الإسكندرانيّ. حكموا عليه حكمًا غيابيٌّا في مجمع السنديانة، سنة 401. سجنوه أربع سنوات في نيقوميدية (تركيا). رأى نسطور في هرقليد هذا صورة عنه. أخيرًا، هرقليد هو تلميذ بولس وأوّل أسقف في قبرص، على مدينة تاماسوس(22).
ولماذا ارتبط هرقليد هذا بدمشق؟ لأنّ عددًا من الكهنة العبرانيّين، اضطُهدوا فراحوا يختبئون في دمشق. أمّا مترجم كتاب نسطور، فقال مادحًا »معلّمه«: »هو رجل فضيلة وعلم. يقيم بجوار دمشق. عُرف بصراحته وصدق أقواله«. وواصل كلامه: »لماذا أَخذ نسطور هذا الاسم«؟ والجواب: »لأنّه خاف أن لا يقرأه أحد بعد أن كثر المعادون«(23).
ب- هدف الكتاب ومضمونه
»التجارة« كتاب جدال فلسفيّ، لاهوتيّ، فيه يلعب التاريخ دورًا ثانويٌّا. بعد أن تقبّل نسطور أعمال مجمع أفسس، راضيًا أو مكرهًا، سعى إلى تفسيرها. إنطلق من وجهته الخاصّة، فردّ على الاتّهامات، وأبرز الأخطاء في الإجراءات التي اتّخذت في الحكم عليه. وحدّد موضوع الخلاف بالنسبة إلى كيرلّس، أسقف الإسكندريّة.
وبدا الطرح كما يلي: »من الضروريّ أن يكون اتّحاد بين الطبيعتين. ولا يمكن أن يكون الأمر غير ذلك. من أجل هذا، ولأسباب أخرى كان تجسّد ابن الله بالحقيقة: إله حقيقيّ بالطبيعة. إنسانٌ حقيقيّ بالطبيعة. لو وُضعت جانبًا طبيعةٌ واحدة من هاتين الطبيعتين، لكان نقص شيء. فإن لم يكن الله تجسّد، وإن لم يكن تجسّد في إنسان ينتمي إلى الطبيعة البشريّة، لكان التجسّد وهمًا. وهكذا تكون أقوال إبليس صحيحة: رذل المسيحُ من صورته خليقته (أي طبيعته البشريّة) لأنّها محتقرة. وبالتالي لن يكون لنا درس في التواضع والطاعة والتنازل«(24).
إذن، الطرح الأساسيّ، هو على مستوى الجسد، وعلاقة الطبيعتين البشريّة والإلهيّة بالأقنوم الواحد، فما الذي يقوله نسطور؟
انطلق كيرلّس من قانون إيمان نيقية وشرع يفسّره، لأنّه اعتبر أنّ الخلاف يُحلّ على الأساس الذي أعلنه الآباء باحتفال، في المجمع المسكونيّ الأوّل. وها نحن نورد رسالة كيرلّس الإسكندرانيّ الثانية التي أرسلها إلى نسطور:
»فنحن لا نقول إنّ طبيعة الكلمة صارت جسدًا بعد تحوّل، ولا هي تحوّلت إلى إنسان كامل، مؤلَّف من نفس وجسد، بل الحريّ هذا: إنّ الكلمة باتّحاده بحسب الأقنوم بجسد تحييه نفسٌ عاقلة، صار إنسانًا على وجه لا يُوصَف ولا يُدرَك، وسُمِّي ابن البشر، لا بمجرّد الإرادة والمشيئة، ولا لكونه اتّخذ فقط شكله. ونقول إنّ الطبيعتين المجموعتين في وحدة حقيقيّة هما مختلفتان، ومن الاثنتين نتج مسيحٌ واحد، وابن واحد، لا لأنّ اختلاف الطبيعتين أزيل بالاتّحاد، بل بالحريّ لأنّ اللاهوت والناسوت كوَّنا لنا الربّ الوحيد المسيح الابن، بائتلافهما في وحدة لا توصَف ولعُجِز البيان.
»فليس هو إنسانًا عاديٌّا وُلد أوّلاً من العذراء القدّيسة، ثمّ نزل عليه الكلمة من بعد، ولكن يُقال عنه إنّه كان متّحدًا بناسوته منذ (الحبل به في) البطن، وتقبُّل الولادة الجسديّة، إذ اتّخذ ولادة جسده الخاصّ… وهكذا تجرّأوا (الآباء القدّيسون) على تسمية العذراء القدّيسة أمّ الله، لا لأنّ طبيعة الكلمة أو لاهوته نالا وجودهما من مريم العذراء، بل لأنّه منها وُلد جسدُه المقدّس تحييه نفس عاقلة. هذا الجسد الذي اتّحد به الكلمة بحسب الأقنوم. ولهذا يُقال: وُلد بحسب الجسد«(52).
نقرأ في هذا الكلام النابع من العهد الجديد ومن إيمان نيقية، تعبيرًا جديدًا في لغة ترتبط بالمضمون. ما قاله يوحنّا الإنجيليّ ونيقية، يُفهم بهذه الطريقة في لغة حضاريّة يونانيّة: لا يتحوّل الكلمة إلى بشر ولا إلى إنسان. بل يتحدّث الكلمة »بحسب الأقنوم« أي على مستوى فعله الملموس بأن يقوم أو يُوجَد، في بشريّة كاملة. تمّت وحدةُ المسيح في أقنوم الكلمة، بحيث يكون هناك شخص واحد، لا اثنان. والكلمة يأخذ على عاتقه شكلاً جديدًا من القيام والوجود، شكلاً بشريٌّا. فالبشريّة ليست شيئًا يمتلكها، بل يكوّنها. وعلاقة أقنومه بطبيعته البشريّة، في نظام علاقته بطبيعته الإلهيّة.
رفض كيرلّس وحدة بحسب الرضى أو المشيئة. كما رفض وحدة في الشخص، الشخصيّة، التشخّص الذي يميّز الواحد من غيره بصفات خاصّة(26). هكذا اعتبر أنّه يجب أن يقرأ نصّ نسطور. مثل هذه الوحدة غير كافية لتدلّ على وحدة المسيح. وبيّن أيضًا أنّ هذه الوحدة تراعي اختلاف الطبيعتين(27).
وأخذ نسطور بأسلوب كيرلّس، فعاد إلى نصّ نيقية وربطه بالنشيد الكرستولوجيّ في فل 2: 6-11: ذاك الذي هو في صورة الله، صار في صورة الإنسان، صورة عبد طائعٍ حتّى الموت على الصليب.
»في كلّ موضع من الكتاب الإلهيّ، عندما يتكلّم على تدبير الربّ، لا يقدّم الآلام والولادة كأنّها للاّهوت، وإنّما لناسوت المسيح، بحيث إنّ العذراء القدّيسة يجب أن تُدعى بتسمية أدقّ أمّ المسيح، لا أمّ الله«(28).
نعود هنا إلى مقدّمة المترجم السريانيّ، الذي بدا متحمّسًا لنسطور قال: »واجهتَ (يا نسطور) أتعابَ سفر طويل من الشرق إلى الغرب، لكي تنير النفوس الغارقة في ظلمات الضلالة المصريّة(29)، والضائعة في دخان تجاديف أبولينار. ولكنّ الناس فضّلوا الظلمة على النور، لأنّ عيون فهمهم أظلمتها نظرات شخصيّة… رفضوا أن يُطيعوا فكُشِف ضلالُهم«.
وتهيّب المترجم أمام المهمّة الصعبة. ولكنّه تابع كلامه: »باتّكال تامّ على قوّة صلاتك، استعدَّتْ حقارتي لترجمة الكتاب من اليونانيّة إلى السريانيّة، وإذ أرجو عون الله الحيّ على لساني وفي أفكاري، أبدأ بكتابة ثمانية فصول، لتعرِّف بروح الكتاب«.
وتوقّف عند الهدف. »إليك الهدف الذي رمى إليه صاحبُ الكتاب: انجذب كثيرون بالناس وحبّ الغنى، فسقطوا في هوّة الاتّهامات والبغض. تعلّقوا بالأشخاص، فاستحقّوا ما قال النبيّ: »ويل للذين يدعون الشرّ خيرًا« (أش 5: 20). توخّى نسطور أن يدوِّن هذا الكتاب ليكون دواء يشفي النفوس المكتئبة من هذه الشكوك، والغارقة في أعماق الشرّ. في الحقيقة، كبيرًا كان الانشقاق الذي أدخله إبليس في الجسم المسيحيّ للكنيسة المقدّسة، بحيث أضلّ المختارين لو استطاع (مت 24: 24). إذن، كان هذا الدواء ضروريٌّا جدٌّا، ليُصلح أمراض العقل ويشفيها. ذاك هو هدف الكتاب«.
هناك أناس يتبعون كيرلّس لأغراض شخصيّة. ويفضّلون الظلمة على النور. نسطور هو النور. هذا ما يقوله أو يشير إليه منذ بداية أسقفيّته. حين انتقل من أنطاكية إلى القسطنطينيّة، وكان شارحًا للكتاب المقدّس في ديره، نوى أن ينير أهل العاصمة، ويبدّل في حياتهم وفي سلوكهم. فيوم رُسم أسقفًا في 10 نيسان 428، وصعد المنبر للمرّة الأولى، وجّه إلى الإمبراطور هذه الكلمات: »أعطني، سيّدي، مملكتك منقّاة من الهراطقة، فأعطيك ملكوت السماوات. أعطني السلطان على الهراطقة، وأنا أُخضع لك الفرس الذين يحاربونك«(30). وأتبع القول بالعمل: أحرق كنائس الأريوسيّين، ومعها عددًا من البيوت المجاورة، وذلك بعد رسامته بخمسة أيّام. وافتخر بأنّه صبر على الهراطقة وأطال أنّاته(31).
وما اكتفى بالعمل على مستوى العقيدة ووحدة الكنيسة، بل راح أبعد من ذلك: »ألغى الملاعب والمسارح، ومنع الصراخ والغناء والرقص والتسليات التي أحبّها الرومان وتعلّقوا بها. لهذا أبغضته المدينة، بانتظار أن تعاديه بولخيريا، شقيقة الإمبراطور تيودوز الثاني. وهي أثارت عليه أخاها، كما ساندت كيرلّس الإسكندرانيّ(32).
في مثل هذا الجوّ حُكم على نسطور، ولم يمضِ على أسقفيّته ثلاث سنوات. وما سُمح له أن يدافع عن نفسه، فجاء الحكم قاطعًا. وكان الأعداء تزايدوا عليه، بعد أن دُفع الإمبراطور فأصدر، في 30 أيّار 428، قرارًا بإبعاد الأريوسيّين والماقيدونيّين والأبوليناريّين والأونوميّين… أمّا المانويّون، فأُسلموا إلى العذاب. والرهبان عادوه أيضًا لأنّه منعهم من زيارة البيوت والوقوف في الساحات العامّة. والنساء منعهنّ من الذهاب إلى صلاة الليل مع الرجال(33).
وتحدّث المترجم عن فائدة الكتاب. »أظنّ، بادئ ذي بدء، أنّ الهدف من هذا الكتاب، تقديم الفائدة الروحيّة للقارئ. فتجاه الحكم الذي يعلنه الذين يضايقون البار ويحكمون عليه، ويبرِّئون المذنب (أش 5: 23)، هو ينير عيوننا حول التجسّد الذي هو النظريّة(34) الرئيسيّة الحقّة حول اللاهوت. هكذا نبتعد عن تجاديف على الطبيعة الإلهيّة والتدبير(35). وهكذا ننقاد إلى المعرفة بفضل مراحمه الكثيرة. ولئلاّ نطيل خطابنا حول المنافع الكبرى التي نقتطفها من هذا الكتاب، يكفي أن نقول بإيجاز: إنّه يقتلع الشوك ويُنمي الزرع (لو 8: 7)(36).
وقبل أن نتعرّف إلى الألفاظ التي استعملها نسطور، وندرس فكره مع رأينا الخاصّ فيه، نقدّم الفصل الأوّل حول »الهرطقات والانشقاقات« مع توطئة في البداية:
»أرى أنّه ينبغي على من يريد البحث عن الحقيقة بنشاط، أن لا يركِّب خطبته بأفكار مسبقة، بل أن يضع نصبَ عينيه كلّ ما يعارض الحقيقة ويناقش. فالعارفون بالذهب يقابلون هذا بذاك، فيرون الفرق بين الذهب الصالح والأقلّ صلاحًا..(37). كثيرون يختارون الشرّ بدل الخير، والكذب بدل الحقّ، لأنّ الأمرين متساويان في نظرهما. وهكذا يفضّلون القتال مع الآخرين على إثبات الحقيقة. بما أنّ كثيرين يختلفون حول المسيح ولا يتّفقون على اسمه، وآخرين يجادلون حتّى في اسمه، استحسنّا أن نعرض أوّلاً رأي كلٍّ من الهرطقات حول المسيح، لكي يُعرَف الإيمانُ الحقيقيّ حين نقابله بالهرطقات، بحيث لا نعثر في هرطقة، ونسقط في أخرى، مثل أناس لا يرون«(38).
وترد لائحة بالهرطقات بشكل سؤال وجواب:
أ- لماذا لا يقول الوثنيّون إنّ المسيح هو الله؟ بسبب العذابات الجسديّة والصلب والموت. ويقولون: المعجزات مضلِّلة. هم شيع عديدة، ولكنّهم وثنيّون.
ب- لماذا لا يعترف به اليهود أنّه المسيح؟ بسبب الصلب والموت. وهم ينتظرون مسيحًا سوف يستقبلونه في مجد عظيم وفي القدرة.
ج- لماذا لا يقول المانويّون إنّ المسيح هو إنسان أيضًا بطبعه، بل فقط إله؟ بسبب المعجزات. أمّا البشريّ فيه فهو في الظاهر، في المخيّلة، لا في الطبيعة.
د- لماذا يعلن البولينيوّن(39) والفوتينيوّن(40) إنّ ربّنا المسيح هو فقط إنسان، لا إله أيضًا؟ بسبب ولادته وموته. ونسبوا إليه معجزات كما لواحدٍ من القدّيسين.
هـ- لماذا لا يُقرّ الأريوسيّون بأنّ المسيح إله كامل، مستقلّ، (ولا يقرّون) بأنّه إنسان، بل نصف إله ونصف إنسان؟ بعضهم يرى فيه نصف إله ونصف إنسان مع جسد لا نفس فيه وألوهيّة مخلوقة، ويجعلونه أدنى من الإنسان لأنّ لا نفس له. ويجعلونه أدنى من الإله حين لا يقولون: إنّه لا مخلوق ومستقلّ. أمّا في ما يخصّ التجسّد والولادة من امرأة، والموت، ما يخصّ الأمور البشريّة، فيظنّون إنّه صار إلهًا، يمزجون الصفات الإلهيّة والصفات الإنسانيّة، ويجعلون تجسّده لا في سلطانه، بل في أمر ملزِم. فيقولون: الاتّحاد بالبشريّ وصل إلى طبعه«(41).
2- مضمون الكتاب ولاهوته
أ- من التيوتوكس إلى تبادل الصفات
حين صار نسطور أسقف القسطنطينيّة، سنة 428، اكتشف الجدال حول لقب »تيوتوكس« والدة الإله(42). فما هو الذي حرّك المسألة، بل الجدال قاده لكي يكون الحكم. ونوى أن يكون على مسافة واحدة بين الأفرقاء. هناك ضلال، سواء قيل إنّ مريم هي أمّ الإنسان، أو أمّ الإله. وبما أنّه ذاك المضطهد المندفع(43) على الهرطقة من كلّ نوع، دخل في حرب لم يمتلك من أجلها الوسائل اللاهوتيّة الكافية(44). تضمّنت هذه الحرب ردًا على هرطقات حقيقيّة أو مفترضة. فكأنّي به يرى الهرطقة في كلّ مكان ويريد أن يقتلها كما الزؤان في الحقل. كما تضمّنت دفاعًا عمّا يُقال ضدّ شخصه من نميمة وافتراء(45). في هذا الإطار، أراد أن يقدّم تعليمه الذي لبث هو هو ولم يتغيّر(46). قال هو بنفسه إنّه لم يتبدّل، وذلك أكثر من مرّة(47).
وجّه نسطور ملاحظاته إلى الأريوسيّين الرافضين لاهوت الابن، والأبوليناريّين(48) القائلين بأنّ اللوغس (الكلمة) حلّ محلّ النفس العاقلة في التجسّد. وجعل مع الفئة الثانية كيرلّس أسقف الإسكندريّة. لاحظ نسطور، وكان على حقّ في ذلك، أنّ الأريوسيّين والأبوليناريّين الذين يُلغون النفس في المسيح، يعطون مدلولاً خاصًا للقب »تيوتوكس«. ففي الكرستولوجيا التي يقدّمون، يدخل اللوغس في اتّحاد فيزيكيّ وطبيعيّ مع البشريّ، ويلتزم بكلّ ما يحصل للجسد، مثل الولادة والعذاب والموت. سعى الأريوسيّون إلى نشر لقب »والدة الإله« لتكون لهم المناسبة بأن يهاجموا لاهوت المسيح(49). أمّا المخرج الوحيد الذي وجده نسطور، فهو إلغاء هذا اللقب. ولكنّه حين فعل ذلك، دخل في صراع مع الحقيقة التاريخيّة والكرستولوجيّا الأرثوذكسيّة.
هنا نورد بعض ما جاء في كتاب هرقليد مع عبارة أساسيّة: »تشخّص (أو شخصُ) اللاهوت هو الناسوت. وتشخّصُ الناسوت (هو) اللاهوت«(50). ثمّ توسَّع نسطور: »كان الاتّحاد للتشخّص (أو الشخص) هو للاثنين معًا، من أجل تشخّص اتّخذ جسدًا، شبه (د م و ) عبد، وبه تكلّم، علّم، عمل، اشتغل. أعطى شبهَه شبهَ عبد، وعن هذا الشبه تكلّم كما عن شخصه ولاهوته…
»ما كانت وحدة الطبيعتين من دون إرادة وعقل، كما قال آريوس وأبولينار، بل (وصلت) إلى الشخص وإلى تدبير (التجسّد لأجلنا)، وإلى وحدة صورته وشبهه، كما في وحدة طبيعتنا التي من نفس وجسد. لم ينقصه سوى الخطيئة. هو ما سلَكَ من أجل اللاهوت، بل ليجعله اللاهوت يقاوم الخطيئة ويُتمّ كلّ فرائض الشريعة(51) والممارسات الرئيسيّة ليبدو بلا ذنب في اختيار الواجب والعمل به. هو الذي بلا خطيئة، سُلّم للموت من أجلنا، البارُّ بين الأشرار (1 بط 3: 18). فما هو هذا النصر؟ وما هذا التساوي في المجازاة لأعمال الله والإنسان؟ فالموجِّه يتّحد بالأقنوم بحيث يشارك في الحياة وفي الأعمال، ويُدركه الموت. فالأعمال والموت والقيامة هي من الموجِّه ومن الموجَّه. أو أنّ الله يبقى في طبيعته، كما كان في الطبيعة بلا خطيئة، أو أنّ أعمال المسيح تتمّ في الغشّ، لأنّ الله الكلمة تصرّف مثل إنسان«.
بدأ نسطور فاعتبر تعليم كيرلّس وتلاميذه، تعليمَ الأبوليناريّة. ثمّ هاجم التعليم التقليديّ حول »تبادل الصفات«(52) الذي عبّرت الكنيسة بشكل خاصّ، في لقب »والدة الله« وفي عبارة »الإله المتألّم«. لا يُلام نسطور لأنّه فسَّر عبارة كيرلّس تفسيرًا أبوليناريٌّا: طبيعة واحدة للكلمة المتأنّس(53). فنحن نعرف أنّ كيرلّس أخذ هذه العبارة القاطعة من »حيل الأبوليناريّين«(54). فهمَ كيرلّس هذه العبارة فهمًا أرثوذكسيٌّا. ولكنّ هذا الفهم لم يحمها من تفسير هرطوقيّ. وكانت عبارات أخرى لدى كيرلّس قد تُفهَم بصعوبة. هذا ما نقرأه في رسالة أرسلها نسطور إلى تيودوريه(55):
»فماذا يقول كيرلّس؟ إن لم يُفهم تميّزُ الطبيعتين اللتين منهما (كما نقول) تتمّ وحدة لا توصَف، فالعبارة »اللتين منهما« تبدو وكأنّه يتكلّم عن طبيعتي الربّ، في هذه الحالة وتلك، وكأنّهما جزءان انضمّا فصارا جزءًا واحدًا. إذن، ما وجب عليه أن يقول »اللتين منهما«، بل »تتمّ« وحدة لا توصَف. فهذه الوحدة التي لا تُوصَف، لا تتمّ انطلاقًا من طبيعتين، بل هي وحدة طبيعتين، وحدة لا توصف«(56).
رَذل مجمعُ خليقيدونية عبارة »اللتين منهما« وأخذ حلاٌّ مشابهًا لما قال نسطور.
ولكن هذا يجب أن لا ينسينا أنّ نسطور الذي رفض لغة الإسكندريّة، رفض في الوقت عينه العبارة التقليديّة، تبادلَ الصفات. لهذا اصطدم بلقب »تيوتوكس« و»الإله المتألّم«. هذا يعني أنّه جعل نفسه معارضًا للكرستولوجيّا الأرثوذكسيّة.
سبق وذكرنا ما قال نسطور عن إيمان نيقية في ردّه على كيرلّس. فإعلان الإيمان هذا لا يمكن أن يتمّ بدون تبادل الصفات. هو ينسب إلى شخص واحد وحيد، هو الربّ الأزليّ والابن، صدورًا أزليٌّا من الآب، وولادة زمنيّة في التجسّد. وبالتالي، الولادة، الألم، القيامة، ومسيرة يسوع كلّها على الأرض. فهذا »الوحيد« هو الابن، بقدر ما يقوم في اللاهوت.
يشدّد قانون الإيمان النيقاويّ على العلاقة بين الآب والابن في الألوهيّة. وبعد ذلك، كان كلام عن »النزول« في التجسّد. وهكذا فإنّ »اللوغس« هو الشخص الواحد في سلسلتين من الأقوال تضمّ عنصرين اثنين: العنصر الإلهيّ والعنصر البشريّ. فأحداث التجسّد الزمنيّة تُنسَب أيضًا إلى الابن الأزليّ.
ما فهم نسطور تبادل الصفات، فاعتبر أنّ هذا المدلول يتضمّن أمورًا خاطئة بسبب معترضاته. لهذا تحاشى الكلام عن »لوغس« وفضّل أن يقول »المسيح«، أو »الابن« أو »الربّ«. هذه الألقاب، في نظره، تقدّم شخصًا يتضمّن الصفات الإلهيّة والصفات الإنسانيّة.
»بدأت في عرضك بخالق الطبيعتين لا بتشخّص (ف ر ص و ف ا) الوحدة. ليس اللوغس صار اثنين. بل يسوع المسيح الربّ الواحد الوحيد هو اثنان في طبيعتيه. ففيه جميع تميّزات الله الكلمة، الذي يمتلك طبيعة أزليّة لا تخضع للألم والموت، وجميع تميّزات الوحدة والتميّز«(57).
وأعلن نسطور بصريح العبارة ما يتعلّق بإيمان نيقية: »لاحظْ أنهم حين يجعلون (الآباء) »المسيح ليدلّوا على الطبيعتين، فهم لا يقولون أبدًا أولاً: \’\’نؤمن بالإله اللوغس الوحيد\’\’، بل يختارون اسمًا يصوّر (الطبيعتين) الاثنتين«(58).
ب- الألفاظ الأساسيّة
كان اهتمام نسطور الأكبر أن يؤمّن التمييز الواضح بين الطبيعتين تجاه الميول المهرطقة في أيّامه، سواء كانت حقيقيّة أو مفترضة. فكتب: »تذكّروا، في كلّ النقاط، الألفاظَ العديدة التي فيها ميّزتُ بين طبيعتي الربّ يسوع«(59). ولكنّ التمييز بين الطبيعتين يبقى سهلاً في المسألة الكرستولوجيّة. والصعب هو تفسير الوحدة التي أراد نسطور أن يحافظ عليها: مسيح واحد. ابن واحد،، ربّ واحد. افترض نسطور هذه الوحدة، وما شكّ فيها لحظة واحدة. لكنّه طلب أساسًا لهذه الوحدة.
هنا نرفض القائلين بأنّ نسطور يريد »القسمة« مهما كانت الظروف. فقد اقترب، دون أن يدري، من تبادل الصفات. قال: »أقول هذا لأبيّن لكم الرباط الوثيق بين اللاهوت وبشريّة الربّ المنظورة في الطفل. (فالشخص) عينه هو في الوقت نفسه، الطفل وربّ الطفل«(60).
قبل أن نتابع موضوعنا في التعرّف إلى نسطور، لا في ما نقل عنه معادوه، بل في ما قاله هو، في »تجارة هرقليد« أو في الرسائل والعظات، نورد الكلمات التي كانت موضوع جدال.
»الجوهر« (؟؟؟؟؟). يقابل اليونانيّة .؟؟؟؟؟ يرتبط بفعل ؟؟؟؟ على مستوى الجذر. الجوهر، الذات، الماهيّة، الكينونة. نقدّم هنا عبارة وردت في كتاب نسطور (252): »يبقى جوهرُ (؟؟؟؟؟) شبه (؟؟؟؟؟) الله، وجوهر شبه العبد في أقنوميهما«.
»الأقنوم« هو في السريانيّة :؟؟؟؟؟ الأقنوم، الأصل، الشخص، الذات، الماهيّة. قال مثلاً أفراهاط: »الشمس التي رأيت، ما ماهيّتها، ما حقيقتها. قد يرتبط ؟؟؟؟؟ بالعربيّة: قام. وقف على قدميه، أو السريانيّة :؟؟ شيّد، ثبّت، كوّن، ساند. هو يقابل upostasiV الأساس، القاعدة، الجوهر. حرفيّا: ما يقف تحت. ما يُسند. نلاحظ هنا أنّ الكلمة السريانيّة لا توافق معنى اللفظ العبريّ. ؟؟؟؟؟ يدلّ على الشخص. أقنوم الابن. أمّا اللفظ اليونانيّ فيرتبط بالجوهر ويلتقى مع :؟؟؟؟؟ الجوهر والعنصر والذات والطبيعة. ومن هنا جاء الفعل :؟؟؟؟؟؟ أخذ طبيعة. وتَرافق مع ؟؟؟؟؟ فرادفه.
ويبقى لفظ ؟؟؟؟، الكيان، الطبيعة، الذات، الجوهر. في اليونانيّة jusiV. نقول طبيعة الصخر، طبيعة النبات، طبيعة الإنسان. يعود ؟؟؟؟ إلى فعل :؟؟؟ كان. وفي التعدّي: كوّن، صوّر، هيّأ، سوّى. يُقال: كيان المخلوقات. أو كلّ الكيانات.
ونقـرأ بعـض ما تركـه نسـطور: »ما صنع بلا شخـص ولا أقنـوم الطبيـعةَ (؟؟؟؟ الإنسانيّة، ولا الإلهيّة« (302). اثنان »؟؟؟؟؟ « الذي لبس والذي لُبس (304). صار »الشخص، المشخَّص« يقابل الطبيعة. وهكذا لم يكن تميزٌ بين upostasiV وبين prosorpwn وأيضًا: لا طبيعة (؟؟؟؟) بدون شخص (؟؟؟؟؟؟) . وأيضًا: لا شخص بدون جوهر« (؟؟؟؟؟) (425).
في هذا الإطار، قال نسطور في »تجارة« (252): »فالوحدة هي للشـخص، لا للطبيعة. لا نقول وحدة الشـخص (؟؟؟؟؟؟)، بل (وحدة) الطبيعتين. ففي الوحدة، ليس سوى شخص. ولكن، في الطبيعتين آخر وآخر. وهذا يسري الشخص على الكلّ. فمن أجل شخصه اتّخذ جسدًا، شبهَ العبد. وعن هذا الشبه تكلّم كما عن شخصه وعن اللاهوت. الشخص (؟؟؟؟؟؟) مشترك، واحد، وهو هو. وشبه العبد يخصّ اللاهوت. وشبه اللاهوت يخصّ الناسوت. الشخص واحد، وهو هو، لا الجوهر. فجوهرُ شبه الله وجوهرُ شبه العبد يبقيان في أقنوميهما«(61).
ويتابع نسطور (302): »ما الغريب الذي تسمعونه في أقوالي لكي تحكموا عليّ؟ لقد أوردتموها. فذاك يستعمل اسم ابن، وهذا مخلّص، وأثناز ربّ أتى من مريم(62). فكيف تجرّأ الذين يُدعَون مسيحيّين أن يقسموا، إذا كان هذا الربّ الذي وُلد من مريم هو ابن الله الآب بالجوهر (؟؟؟؟؟) والطبيعة (؟؟؟؟) ولكن وُلد في البشريّة (؟؟؟؟) ، من نسل داود؟ فالبشريّ هو من العذراء مريم. وأنت تعرف أنّها طبيعة إنسانيّة تلك التي من العذراء مريم. بالطبيعة وبالجوهر هو ابن الله، في طبيعة الله الآب وفي جوهره. ولكن في البشريّ، طبيعة مريم الإنسانيّة«.
وكتب نسطور إلى أصدقائه يقول لهم: »أسألكم وأتوسّل إليكم أن تسهروا في كلّ مكان وتهتمّوا بأن لا يتّهمني (كيرلّس) بأنّي أجعل قسمين. بأنّي أقسم اللاهوت عن الناسوت، على مثال ما ينفصل شيء عن آخر بالمكان. فالذي يلبس ثوبًا كيف ينفصل عنه؟ والخفيّ كيف ينفصل عن المنظور«؟(63)
ما نستنتج من هذه النصوص هو محاولات نسطور للحفاظ على الوحدة مهما كان الثمن. وفي الوقت عينه، هو يهتمّ بأن لا يمزج الطبيعتين الإنسانيّة والإلهيّة. فلو ذابت مثلاً الطبيعة الإنسانيّة في الطبيعة الإلهيّة. لوصل إلى المونوفيسيّة. اقترب كما قلنا من »تبادل الصفات«، ولكنّ هذا المدلول بقيَ غامضًا بعض الشيء بالنسبة إليه. لهذا حاول التهرّب من عبارة »والدة الله«، لأنّ الله لا أمّ له ولا أب. وتحدّث عن والدة المسيح الذي هو الإنسان الذي حمل الخلاص إلى البشريّة في سرّ الفداء. لا شكّ في أنّ المسيح هو الإله والإنسان، كما قال بطرس في اعتراف إيمانه(64)، ولكن إن شكّكت عبارة »والدة الله البعض، فعبارة »والدة الإنسان« شكّكت البعض الآخر. فلا بدّ من حَكَمٍ يفصل بين الاثنين ويحافظ على وحدة الكنيسة.
أراد نسطور أن يكون هذا الحَكَم، وبطريقة العنف والقوّة، فتهرّب من »تيوتوكس« و»أنتروبوتوكس«، وتطلّع إلى قاسم مشترك »خرستوتوكس«، والدة المسيح. غير أنّ هذه الوحدة في التفكير، أماءت إلى التعبير اللاهوتيّ. وهكذا توسّع الخلاف بحيث طلب نسطور نفسُه بأن ينعقد مجمع بسلطان الإمبراطور(65). وكان متأكّدًا أنّه على حقّ، فقال مرّة إنّ الأكثريّة معه. في الواقع، لم يكن معه سوى عشرين أسقفًا. وإذ فتح عينيه ورأى مئتي أسقف في الجهة المقابلة، رفض الحضور إلى أفسس، مع أنّهم طلبوا منه ثلاث مرّات. واعتبر المجمعَ لا مسكونيٌّا، وقابل نفسه مع أوستات الأنطاكيّ وكيرلّس الإسكندرانيّ ويوحنّا الذهبيّ الفم(66).
ج- المسيح عند نسطور
نبدأ فنورد نصًا من النسطوريّات، يجعلنا جدّ قريبين من خلقيدونية »واحد، وهو هو«(67). هو في الطبيعة اللامخلوقة، وفي الطبيعة المخلوقة. لذلك فالذي عُرف على أنّه مسيح واحد في طبيعتين، الإلهيّة والإنسانيّة، المنظورة واللامنظورة، يُشرف على الدينونة الأخيرة… فوحدة الابن لا يمسّها تميّز الطبيعتين. وكما أنّ الجسد الفاني هو شيء، والنفس الخالدة شيء آخر، مع أنّ الاثنين يكوّنان إنسانًا واحدًا، كذلك (هو واحد) من مائت ولا مائت، من فانٍ ولا فانٍ، فما هو خاضعٌ لبدايةٍ ولطبيعة لا بداية لها. هذا يعني أنّي أعترف بالله لوغس شخص (؟؟؟؟؟؟) الابن الواحد(68).
لاحظنا هذه المقابلة المعروفة بين النفس والجسد في الإنسان، وهي تلك التي انطلق منها أريوس وأبولينار للكلام عن المسيح. فنقطة الانطلاق عند نسطور تعليم تقليديّ، سوف نقرأه أيضًا في كتاب هرقليد:
»ليس التجسّد بالنسبة إلينا شيئًا ناقصًا، بحيث ننسب البشريّ إلى الله، كما يقول الأريوسيّون: تألّمَ آلامنا في الطبيعة: في طبيعته (؟؟؟؟) وفي شخصه (؟؟؟؟؟؟). وما أفاده البشريّ في شيء. ولكن بما أنّ الناسوت يُعتبَر كلّيٌّا مثل طبيعة الإنسان، فه يمتلك كلّ الامتلاك (ملكات) الإنسان الفاعلة والمنفعلة، كما اعتادت الطبيعة البشريّة أن تمتلكها« (302-303)
ويواصل كلامه في ص 425 متوجّها إلى كيرلّس: »لماذا تقول: طبيعة الله الكلمة، لا طبيعتان متّحدتان؟ لماذا لا تجرؤ أيضًا أن تقول إنّ منهما ينتج الله الكلمة كما قلتَ، إنّه ينتج ابنٌ واحد؟ لنقل كما تقول إنّنا نقبل في عقلنا فكرة طبيعتين نعتبرهما متّحدتين، فقُل الشيء عينه عن الله الكلمة: بيدِ (الطبيعتين) الإله الواحد الكلمة هو اثنان. أمّا أنا فأقول في خطّ الكتب والتعاليم الإلهيّة: طبيعتان متّحدتان. الإله الكلمة يدلّ على الطبيعة (؟؟؟؟) والابن على الشخص (؟؟؟؟؟؟). ولكنّه إله واحد وكلمة. هكذا يدلّ »الله« على الطبيعة ويدلّ »الآب والابن والروح القدس« على الشخص (؟؟؟؟؟؟). لهذا فاللاهوت واحد، والأشخاص ثلاثة، أي الله الآب، الله الابن، الله الروح القدس. فالشخص (؟؟؟؟؟؟) ليس بدون الجوهر (؟؟؟؟؟) . وكذلك في المسيح طبيعتنان. واحدة من الله الكلمة. والثانية من الناسوت. وشخص ابن يستخدمه الناسوت أيضًا وشخص إنسان يستخدمه اللاهوت أيضًا«.
أترى هناك شخصان، شخص الناسوت وشخص اللاهوت؟ ونستطيع أن نقول في لغة اليونان: هل هناك أقنومان اثنان في المسيح الكلمة، بحيث تنفصل الطبيعة البشريّة عن الطبيعة الإلهيّة فيقال حينئذٍ إنّ مريم هي أمّ يسوع، أم المسيح، لا أمّ الإله؟ لم يكن »الشخص« (؟؟؟؟؟؟) محدّدًا كلّ التحديد تحاه »الأقنوم« (؟؟؟؟؟)
هنا ترك نسطور الخطّ التقليديّ، واتّخذ طريقًا خاصّة به، حين حاول أن يقدّم شرحًا إيجابيٌّا لوحدة الإله والإنسان في المسيح. فمن هو »مسيح نسطور«؟ اتّخذ المقاربة الأنطاكيّة التي تشدّد على الطبيعتين وحاول أن يمحّصها ويهذّبها. ولكن برزت الصعوبة: لم يكن أمام طبيعتين مجرّدتين، طبيعتين ترتبطان بالواقع الملموس، بل أمام طبيعة بشريّة فرديّة، ملموسة، وأمام لاهوت قائم في اللوغس. فاللاهوت والناسوت في المسيح واقعان ملموسان. وإذ أراد أن يصوّرهما استعمل ألفاظ »جوهر« (؟؟؟؟؟) »طبيعة« jusiV) »أقنوم« ؟؟؟؟؟؟؟ upostasiV).
كيف يتمّ الاتّحاد في الطبيعتين؟ في عمل »ضمّ«(69) في وحدة الشخص. في هذا الإطار، هنّأ نسطور كيرلّس لأنّه توصّل إلى »تمييز الطبيعتين في الإلهيّ والإنسانيّ، وإلى ضمّهما في شخص (؟؟؟؟؟؟) واحد«(70). لماذا تهرّب قدر الإمكان من »اتّحاد، وحدة« enwsiV المرتبطة بالرقم واحد، لأنّه أراد أن يتهرّب من عبارة أبولينار: طبيعة واحدة.
إن استعمل نسطور لفظًا آخر، هل يكون هرطوقيٌّا؟ هذا ما قاله بعضهم(71)، وإنّ اعتبر أنّ التفسير الأرثوذكسيّ معقول جدٌّا. فنحن نجد لفظ sunajeia عند عدد من الآباء المستقيمي الإيمان. وما اتّهمهم أحد، ولكنّ الاتّهام وقع على من حكم عليه مجمع أفسس. أراد أن يجمع موقفين متعارضين، فلا كان مع هذا ولا مع ذلك، فاتّخذ طريقًا لم يتبعه فيها أحد. ولكن يبقى أن تعليم نسطور يذكر »شخصين« متميّزين (؟؟؟؟؟؟) في المسيح(72).
يبقى أنّ sunajeia لم يجد بعدُ تحديده الفلسفيّ عند نسطور، لكي نكتشف إن كنّا أمام وحدة عارضة في المسيح، أم وحدة عميقة، جوهريّة. من أجل هذا، حاول، بإضافات مختلفة، أن يبيّن نوعيّة هذه الوحدة. وأفضلها تلك التي أوردناها حول وحدة الشخص prosopwn، حول وحدة المشخِّص.
ماذا يعني prosopwn قبل خلقيدونية؟ لا يدلّ على الأقنوم، بل على ظاهر الإنسان غير المنقسم، على ما يُرى منه(73). كلّ طبيعة (jusiV) لها مشخِّصها الخاصّ prosopwn، لها سماتها الخاصّة، لها ظاهرها الخاصّ بحيث تتميّز في فرديّتها. المشخِّص هو النقطة الأخيرة في تحليل طبيعة ملموسة. هو يتوقّف عند السمات الفرديّة وينسب إليها دورًا خاصٌّا في تفسير وحدة المسيح(74).
ارتبط مفهوم prosopwn عند نسطور بالكتاب المقدّس وبالمقاربة بين jusiV و upostasiV عند الكبادوكيّين. عاد إلى الرسالة إلى فيلبّي (2: 5-8) مع كلام عن »شكل الله« و»شكل العبد«، فيُضع نسطور كلامًا في فم المسيح »الابن الوحيد« (لا اللوغس): »إذ كنتُ في شكل الله، لبستُ شكل العبد. ومع أنّي الإله الكلمة، فأنا منظور في اللحم (؟؟؟؟، الوجه البشريّ). ومع أنّ لي سلطانًا على كلّ شيء، آخذُ على عاتقي مشخِّص prosopwn المسكين، من أجلكم. مع أنّي أجوع بشكل منظور، فأنا أطعم جميعَ الجائعين«(75).
ونعود إلى كتاب هرقليد (ص 84، 85) مع عبارة أساسيّة في خطّ فل 2: 9: »أسماء الشخص (؟؟؟؟؟؟) الطبيعيّ (؟؟؟؟؟) مشتركة هي«. وطرح نسطور المسألة: في الطبيعة البشريّة نال اسمًا فوق كلّ الأسماء. وأجاب: تلك هي العظمة الرئيسيّة في الطبيعة البشريّة: بقي في الطبيعة البشريّة فنال اسمًا فوق كلّ الأسماء لا على أثر تطوّر الأعمال، ولا على أثر المعرفة والإيمان، ولكن كان هذا بتدبير خير ليكون شكله (morjh ؟؟؟؟؟ شبه) وشخصه (؟؟؟؟؟؟)، بحيث يكون شكله شكل هذا. هو أيضًا إله. وهو أيضًا إنسان. شكلُ الله في التنازل والانحدار والمظهر، وشكلُ البشر كإنسان. والإنسان هو، في الارتفاع، كما هو الله، بواسطة الاسم الذي هو فوق كلّ الأسماء. لهذا، تواضع في انحداره الإراديّ حتّى الموت والموت على الصليب مستعملاً الشخص ؟؟؟؟؟؟ ذاك الذي مات وصُلب باستعماله شخصه الخاصّ… إذا دُعيَ المسيحَ بسبب البشريّة التي مسحت، فإنّ هناك شخصًا ؟؟؟؟؟؟ واحدًا للطبيعتين لأنّ هناك اسمًا واحدًا فوق كلّ الأسماء«.
وطُرح تدبير التجسّد في الطبيعتين في سؤال رقم 62 (ص 89)، فكانت العبارة الأساسيّة: »من الشخص الإنسانيّ (؟؟؟؟؟) يُعرف الإنسان (؟؟؟؟؟ ، أي من ظاهر (؟؟؟؟؟) الجسد ومن شبه (؟؟؟؟؟ ، شكل). فالله من اسم أفضل من كلّ الأسماء، ومن السجود من قِبَل كلّ الخليقة (؟؟؟؟؟) ومن الاعتراف أنّه الله«. أجل، أخذ شبه العبد، وأعطى شبهه الخاصّ لشبه العبد لكي يتساوى مع الله. وإذا بحثنا عن الوحدة نجدها في المسيح لا في الله الكلمة الذي هو أزليّ، لأنّ المسيح هو شخص ؟؟؟؟؟؟ الوحدة (ص 212).
هذا ما يشرحه نسطور في النسطوريّات (280: 5-16): »المسيح غير منقسم (واحد) بما أنّه المسيح. وهو اثنان بما أنّه إله وإنسان. في واحد في حاله كابنٍ، ولكنّه اثنان في ما أخذ وفيما أُخِذ. في شخص prosopwn الابن هو فرد، ولكن في وضع العينين، ينفصل بحسب الطبيعتين، الناسوت واللاهوت. فنحن لا نعرف مسيحَين، ولا ابنَين وحيدَين ولا ربّين، (ونحن لا نعرف) ابنًا وحيدًا جديدًا، ولا مسيحًا أوّل ومسيحًا ثانيًا، بل (مسيحًا) واحدًا هو هو، وقد رؤي بحسب الطبيعتين، المخلوقة واللامخلوقة«.
الخاتمة
ونختم كلامنا بهذا التوضيح الإيمانيّ حول المسيح الواحد في طبيعتين اثنتين. مثلُ هذا الإيمان سوف يُعلَن في مجمع خلقيدونية الذي انقعد سنة 451. إذا تركنا جانبًا معنى الألفاظ، وإذا فهمنا الهدف من تدخّل نسطور في الجدال اللاهوتيّ الذي عرفته القسطنطينيّة حين وصل إليها، وإذا تذكّرنا شخصيّته وطريقة تصرّفه في مدّة قصيرة قضاها في البطريركيّة، لا نستطيع القول إنّه كان ذاك الضالّ الذي استحقّ حرمًا قاطعًا، سوف يتجدّد في أكثر من مناسبة. في اكتشاف كتاب هرقليد الدمشقيّ، اكتفى الباحثون بنصوص أوردها خصوم نسطور وردّوا عليها. ولكن مع هذا الكتاب، يجب أن تتبدّل النظرة، وهذا ما حدث بالفعل في اجتماعات القرن العشرين بين الكنيسة الكاثوليكيّة والكنيسة التي دُعيت »نسطوريّة«. لا شكّ في أنّنا لا نستطيع أن نعتبر نسطور ذلك اللاهوتيّ الكبير بجانب باسيل أو غريغوار النازينزيّ وغيرهما. ولكنّه كان قبل كلّ شيء ذاك الراعي الذي يريد أن يجمع القطيع حول أسقفه وبالتالي حول إمبراطوره في خطّ ما قاله تيودوز الثاني وهو يدعو إلى مجمع أفسس: »خير المملكة يرتبط بالدين، والعلاقة وثيقة بين الاثنين. هما يتداخلان وينميان معًا«. فيا ليت ذلك الراعي عرف تواضع المسيح وامّحاءه، كما قرأ عنه في الرسالة إلى فيلبّي! تصرّفه أبعده عن الأرثوذكسيّة، كما قالوا. وبالعودة إلى المسيح تعيده الكنيسة اليوم إلى الإيمان المستقيم
خاتمة الكتاب
عالم شرقيّ يزخر بالغنى. دخلنا فيه وفرحنا بلا شك بما حمل إلينا الآباء والجدود من سحيق التاريخ، ولاسيّما في اللغة السريانية التي امتدت في سورية ولبنان والعراق وصولاً إلى الخليج وبشكل خاص مع قطر حيث عرفنا داديشو قطرايا أو داد يشوع القطري الذي عاش في نهاية القرن السابع، كما عرفنا اسحق النينوي ابن القرن السابع الذي وُلد في مقاطعة بيت قطرايي، أو قطر.
عالم ينطلق من القسطنطينية وأنطاكية والاسكندرية ليصل إلى الرها ونصيبين ودارا حتى البصرة وتكريت وغيرها من المدن العراقية، بل إلى المدن الايرانية مثل مرو وأورمية وأماكن أخرى.
تراث غنيّ حوى من المخطوطات ما لا تحتويه أيّة لغة قديمة، وما زالت مخطوطاته تُنسَخ حتى اليوم، ولاسيّما كتب الأناجيل والرسائل. فنحن في خط العالم اليهودي الذي لا يقرأ الكتاب المقدس في المجامع، إلاّ في مخطوطات دُوّنت على رقّ الغزال أو غيره من الحيوان. مخطوطات توزّعت في الشرق والغرب، في لبنان وسورية وتركيا وإيران، وفي برلين ولندن وأوكسفورد وباريس والفاتيكان وسان بترسبورغ. وها هي الآن تعرَف بواسطة الامكانات الحديثة في التصوير والنشر.
تراث غني قدّمنا منه نصّين قديمين يربطان العالم السرياني بعالم ايران وبالكتاب المقدس. فالفلسفة حاضرة في كلام عن الحرية والقدر، والكتاب المقدس مع التراثات الدينية التي خلّفها الفكر الواصل إلى شرقي الاردن وأبعد من ذلك لدى ما يُدعَى التيار اليهومسيحي وما يتفرّع منه من انجيل العبرانيين وفرق الناصريين.
وذكرنا خمسة وجوه. وبقيت وجوه عديدة، سوف نعود إليها بإذن الله. ومن هذه الوجوه، أشرنا إلى بعض ما كتبوا، ولكن ما لم نذكره أكثر بكثير. ماذا ذكرنا مثلاً من ابن العبري، بعد أن نظّمنا له مؤتمراً في الجامعة اللبنانية، بمناسبة المئويّة السابعة لوفاته؟ ذاك الذي قيل فيه إنه كان »جمّاعًا«، جمع في الواقع كل التراث السرياني على جميع الصعد، فحفظ لنا الكثير قبل وصول المغول والتتر الذين تركوا وراءهم الدمار والحريق وكأنهم طلبوا أن يعيدوا الانسان إلى العصر الحجريّ. وسويريوس بطريرك أنطاكية ترك لنا مدة ست سنوات إرثًا كبيرًا حفظته لنا اللغة السريانية، ولنا عودة إليه في أكثر من مناسبة، لأنه يضاهي سائر بطاركة أنطاكية إن لم يتفوّق عليهم. رسائله وحدها تاريخ يعطينا صورة عن الكنيسة في القرن 5-6. وما نفرح له هو أن اللغة السريانيّة انفتحت باكراً على تراث الآباء اليونان، فنقلت آثار أثناز الاسكندراني وكيرلس خلفه، وآثار الكبادوكيين باسيل وغريغوار النازينزي وغيرهما. واحتفظت بما كتبه جرجس أسقف العرب، ونسطور بطريرك القسطنطينية. ولولا السرياني لضاع هذان المؤلفان مع كتاب إبيفان، أسقف سلامين في قبرص، حول الهرطقات.
آفاق حاولنا أن نفتحها، ونوّد توسيعها، كما نودّ أن نرى العديدين يخرجون من آفاق الطائفة الضيقة وصولاً إلى شرق ينفتح على الغرب فيعطيه أفضل ما عنده ويأخذ منه غناه
(*) ورد هذا المقال في المشرق 80 (2006) ص 161-190.
(1)B. SESBOUE et J. WOLINSKI, Le Dieu du salut, Paris, Desclée, 1994, p. 385-389
(2) الكنيسة الكاثوليكيّة في وثائقها، الجزء الأوّل، المكتبة البولسيّة، 2001، ص 93.
(3) GENNADIUS, De Viris illustribus, 53, Voir J. QUASTEN, Initiation aux Pères de l’Eglise, III, Paris, Cerf, 1962, p. 720-721 ; Dict. Enc. du Christianisme ancien (cité : DECA), Paris, Cerf, 1990, p. 1029-1030
كان كاهنًا في مرسيليا (فرنسا)، وهو غير جناديوس Voir DECA, p. 1028-1029، بطريرك القسطنطينيّة سنة 458-471.
(4) هو أسقف نصيبين، في القرن الثاني عشر. ASSEMANI, Bibl. Or., III, 1, p. 36.
(5) The Bazaar of Heraclides in J.F. BETHUNE-BAKER, Nestorius and his Teaching, a fresh examination of the existence, with special reference to the newly recovered Apology of Nestorius, (Le Bazar f’Héraclide), Cambridge, 1908. Voir F. NAU, “Note sur le titre Tegourta Heraclidis “Revue de l’Orient Chrétien, 14(1909), p. 208-209.
Pragmatéia. D’ailleurs l’historien Socrate cite dans son Histoire Ecclésiastique (7, 32; P.G. 67, 808) une phrase avec le mot “pragmatéia”: agnoésas tas pragmateias tôn palaiôn
(6) Pragmatéia. D’ailleurs l’historien Socrate cite dans son Histoire Ecclésiastique (7, 32; P.G. 67, 808) une phrase avec le mot “pragmatéia”: agnoésas tas pragmateias tôn palaiôn
.جاهلاً كتابات الأقدمين
(7) Paris, 1910. Nestorius. Le livre d’Héraclide de Damas, P. BEDJAN,
- NAU, Nestorius. Le Livre d’Héraclide de Damas, Paris, 1910; G. R. DRIVER and L. HODGSON, Nestorius. The Bazaar of Heraclides. Newly translated from the syriac, Oxford, 1925
(8) , Paris, 1904, p. 166.Le Christianisme dans l’empire perse J. LABOURT
(9) W. BUDGE, The histories of Rabban Hormizd and Rabban Bar ’Edta, Londres, 1902 (texte p. 120; version p. 176); A. SCHETTR, Analyse de l’histoire de Raban Bar ’Edta, ROC, 11(1906), p. 516
(10) en Thébaide II (El-Kharga) Oasis- Maia منطقة طيبة، جنوبيّ القاهرة.
(11) Evagre d’Epiphanie, ou le Scolastique; il naquit vers 537, mourut à Antioche après 594. Son Histoire ecclésiastique est en six volumes, voir DECA, p. 931-932
(12) تراجيديا عنوان كتاب ألّفه إيرينه الصوريّ من أجل نسطور. أمّا صفة المأساة المرتبطة بأفسس، فتعود إلى ثيودوريه القورشيّ. المأساة أو التراجيديا. هي أحداث مؤلمة ارتبطت بمجمع أفسس بالنسبة إلى نسطور. نشير إلى أنّه بقي لنا مقاطع من هذ المؤلَّف، فنشرها F. LOOFS, Nestoriana. Die Fragmente des Nestorius, gesammelt, untersucht und herausgegeben,mit Beitragen von S. A. Coook und G. Kampffmeyer, Halle, 1905, p. 203-208.
يبدو أنّ نسطور دوَّن »التراجيديا«، حالاً بعد أفسس، سنة 431-435، حين أقام في دير قرب أنطاكية، وقبل المنفى إلى مصر. أمّا النصّ فيرد في اليونانيّة واللاتينيّة والسريانيّة
(13) أنتروبوتوكس: والدة الإنسان. تيوتوكس: والدة الإله (هذا ما قيل في أفسس، يُلدات ألوهو في السريانيّة). خرستوتوكس: والدة المسيح. هنا نقرأ ما كتب نسطور في كتاب هيراقليد (150-151) مدافعًا عن نفسه: »لماذا تفتري عليّ قائلاً: هو الذي أطلق هذه المسألة؟: لماذا تدعوني »مخترع البدع« و»علّة الضوضاء والحب«. فأنا ما أطلقتُ هذه المسألة، بل وجدتُها في أنطاكية. في هذه المدينة تعلّمت، وتكلمتُ في هذه الأمور وما لامني أحد. وظننتُ أنّ هذه العقيدة رُذلت. أمّا في القسطنطينيّة، فوجدتُ أنّهم يطلبون العلم ويحتاجونه، فلبّيتُ طلبهم كما تفرض الحقيقة. جاء فرقاء الشعب المقاتلـون إلى القصـر الأسقفـيّ واحتاجـوا حـلاّ= =لنزاعاتهم للوصول إلى وفاق. سمّوا »مانويّين« أولئك الذين دعوا الطوباويّة مريم »والدة الإله« و»فوتينيّين« أولئك الذين دعوها »والدة الإنسان«. وحين سألتهم، ما أنكر الأوّلون الناسوت، ولا الآخرون اللاهوت. اعترفوا كلّهم بهاتين النقطتين بشكل مشابه وما انقسموا إلاّ. قالت جماعة أبولينار »والدة الله«. وجماعة فوتين »والدة الإنسان«. نشير هنا إلى أنّ أبولينار »والدة الله«. وجماعة فوتين والدة الانسان. نشير هنا إلى أن أبولينار ابن اللاذقيّة في سورية اعتبر أنّ اللوغس (الكلمة) حلّ محلّ النفس العاقلة. هو إله كامل، ولكن إنسان ناقص. , p. 185-188.DECA , p. 537;op. cit. QUASTEN,
(14) Euprépios
(15) , I, 7; PG 86, 2433.Hist. Eccl. .EVAGRE, نلاحظ هنا قساوة أوغريس على نسطور. ونحن نفهم ذلك بعد أن حُرم هذا الأخير أكثر من مرّة. في مجمع أفسس سنة 431. ثمّ سنة 432 حين تصالح أساقفة أنطاكية مع الإسكندريّة. وفي مجمع خلقيدونية (451): »تجرّأ بعضهم… على رفض كلمة أمّ الله (تيوتوكس) بالنسبة إلى العذراء« (حاشية 2، ص 103). وفي مجمع القسطنطينيّة الثاني (553)، كان حكم على أضاليل نسطور في شأن ناسوت المسيح (حاشية 2، ص 146).
(16) سكّان أفريقيا الشماليّة (نوميديا، موريتانيا). تكلّموا الأعجميّة قبل استعرابهم.
(17) Paris, 1910, p. 22-23. La légende syriaque de Nestorius, M. BRIERE,
(18) .؟؟؟؟؟؟ ؟؟؟ ؟؟؟؟؟؟؟؟؟ ؟؟؟؟
(19) .؟؟؟؟؟؟؟ ؟؟؟ ؟؟؟؟
(20) h Pragmateia Hrakleidou damaskhnou
(21) Héraclide ou Héraclite ou Héraclius
(22) ROC, 12(1907), p. 125
(23) كتاب هرقليد الدمشقيّ (= هرقليد) ص 3.
(24) المرجع السابق، النصّ، 117؛ الترجمة 75.
(25) راجع حاشية 2، ص 87-88.
(26) في اليونانيّة :؟؟؟؟؟؟؟؟ ما هو أمام النظر، أمام العين. الوجه، الوجه المصطنع، قناع المسرح. ثمّ الدور والشخصيّة المسرحيّة. صارت في السريانيّة :؟؟؟؟؟؟ الشخص والأقنوم مثل .؟؟؟؟؟؟ ولكن عند النساطرة، استعمل ؟؟؟؟؟؟ لليونانيّ ؟؟؟؟؟؟؟؟؟ الأساس، القاعدة، ما نقف فوقه. فقال: اثنان ؟؟؟؟؟؟ في المسيح وواحد :؟؟؟؟؟؟ طبيعتان وأقنوم واحد. وهناك عبارة: »حتّى تعترف بطبيعتين (؟؟؟؟) اثنتين اللتين صارتا شخصًا (؟؟؟؟؟؟) واحدًا«.
(27) حاشية 1، ص 376-377. نستطيع أن نلاحظ منذ الآن أنّ الخلاف هو على ألفاظ وكلمات. فالمسيح هو ابن الله، وأمّ المسيح هي أمّ الله. سنعود إلى هذا الوضع حين نبرز الألفاظ المستعملة في كتاب نسطور.
(28) راجع حاشية 2، ص 89.
(29) هي إشارة إلى كيرلّس وتعليمه.
(30) ورد هذا الكلام في مقدّمة بيجان لنشر كتاب نسطور في السريانيّة، .p. IV هذا ما نجده في السيرة السريانيّة.
(31) ؟؟؟؟ ؟؟؟؟ ؟؟؟؟؟ ؟؟؟؟؟؟؟؟ ؟؟؟؛
(32) حاشية 23، ص 146-147. قدّمت له بوليخيريا »بطرشيلاً« فرفضه. وما أراد للكهنة أن يتسلّموا هدايا. ونورد في هذا المجال حادثة ستجعل الإمبراطور نفسه يحاول الانتقام من نسطور. اعتاد تيودوز أن يصعد إلى قدس الأقداس. أي وراء المذبح، ليتناول جسد المسيح ودمه. واعتادت مثله شقيقته. ولمّا جاء نسطور منعها. فغضبت عليه وقالت له: »إسمح لي أن أدخل، كما اعتدتُ إلى قدس الأقداس، مثل الكهنة والإمبراطور«. فقال لها: »هذا المكان لا يطأه سوى الكهنة«. فقالت له: »ألأنّي ما ولدتُ الله«؟ فأجابها: »أنتِ ولدتِ إبليس«. وطردها من باب قدس الأقداس. فمضت مغضبة، وراحت إلى الإمبراطور، وأخبرته بما حصل. فقال لها الإمبراطور: »بحياتي، يا أختي، وبالتاج الذي على رأسي لن أتوقّف حتّى أنتقم منه«. راجع »الرسالة« عدد 8.
(33) حاشية p. V-VI ,30
هذه المعجزة وغيرها نقرأها في رسالة نُقلت من اليونانيّة إلى السريانيّة وجاءت في قسمين. القسم الأوّل (1-10) دُوّن في زمن نسطور (سنة 435). والقسم الثاني دوِّن بعد موت نسطور على يد الراهب إيليّا الذي جاء من مصر إلى القسطنطينيّة. ما تجرّأ أن ينشر ما كتب، فانتظر موت البطريرك أناتول (449-458). هذا يعني أنّ الرسالة نُشرت سنة 458.
نلاحظ أنّ الأب بيجان ترك تسمية »بازار« الذي يوحي بأنّنا نجد في هذا »السوق« كلّ ما نختاج إليه. نُقل النصّ إلى الفرنسيّة والإنكليزيّة.
نسطور وكتاب هرقليد الدمشقي ف11 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي
أثناز ف10- فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي
أثناز ف10- فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي
الفصل العاشر
أثناز، أسقف الإسكندريّة العظمى
حول تجسّد ربّنا وحول الثالوث(*)
ذاك هو عنوان مقالٍ في السريانيّة وصل إلينا من أثناز الذي دوّنه في اليونانيّة. أمّا الموضوع فهو التجسّد في ردّ على الأريوسيّين. اعتبر عددٌ من البحّاثة أنّ بطريرك الإسكندريّة لم يكتب هذا المقال. وكان واحد من اعتراضاتهم أنّه تكلّم عن الثالوث على أنّه »إله في ثلاثة أقانيم«(1)، فجعل »الأقنوم« مرادفًا »الجوهر«، بحيث نصل إلى ثلاثة جواهر، وبالتالي ثلاثة آلهة. ولكنّ لفظ »هيبوستاستيس« عنى الأقنومَ كما هو الحال في »المقال إلى الأنطاكيّين«(2). يبدو أنّ هذا المقال جاء متأخّرًا في مسيرة أثناز اللاهوتيّة، فأوجز بطريقة »شعبيّة، كتابيّة« براهين كانت موضوع جدال خلال نصف قرن من الزمن. عن هذا المقال تحدّث تيودوريه أسقف القورشيّة منذ سنة 423 في الحوارات (ف 2-3) ودعاه مقال على الأريوسيّين. كما تحدّث جلاسي، أسقف قيصريّة منذ سنة 367، في كتابه حول الطبيعتين عن مقال أثناز هذا، الذي يتوقّف بشكل خاصّ عند لاهوت الابن، منطلقًا ممّا تقوله الكتب المقدّسة، وعن لاهوت الروح القدس(3).
بعد أن نتعرّف إلى نصوص سريانيّة وصلت إلينا من أثناز. وقد نُقلت إلى السريانيّة، نقرأ هذا النصّ حول التجسّد وما فيه من ردّ على الأريوسيّة. ونستخلص بعض الغنى اللاهوتيّ المرتبط بنصوص الكتاب المقدّس.
1- أثناز الإسكندرانيّ في السريانيّة
في منتصف القرن العشرين، نشر روبرت طومسون عددًا من النصوص الأثناسيّة السريانيّة في »مجموعة المسيحيّين الشرقيّين«، فأفهمنا كيف انتقل هذا المدافع الكبير عن إيمان نيقية، من عالم مصر اليونانيّ إلى العالم السريانيّ.
أ- في التجسّد
في الجزء الأوّل من كتاب طومسون(4)، نقرأ مقالين. الأوّل في التجسّد، عنوانه في السريانيّة: مقال (ميمر) القدّيس أثناز رئيس أساقفة الإسكندريّة حول تجسّد الكلمة وظهوره (دنحه) لنا في الجسد. هذا النصّ الذي دوّنه أثناز أو أوصله إلى ترتيبه النهائيّ خلال المنفى الأوّل في تراير، عاصمة غالية (فرنسا الحاليّة) سنة 335-337(5). جاء امتدادًا لمقال على الأمم (الوثنيّة). نُشر النصّ اليونانيّ في الباترولوجيا اليونانيّة(6)، ونُقل إلى السريانيّة، ونحن نقرأه فقط في المخطوط الفاتيكانيّ 104(7). دُوّن النصّ في الحرف الاسترنغلو وعاد إلى سنة 564(8). وجاء مضمونه كما يلي: لا دواء لفساد البشر، ولا إصلاح ممكنًا للإنسان في خلقه الأصليّ وتكوينه، إلاّ بالتجسّد. لهذا كان تجسّد الابن وموته وقيامته. ودافع أثناز عن الإيمان المسيحيّ بهذا السرّ العظيم، في ردّ على اعتراضات اليهود والوثنيّين.
في اليونانيّة، نسخة طويلة هي النصّ الأساسيّ الذي نقرأه عادة. ثمّ كانت نسخة قصيرة وصلت إلى أنطاكية، في القرن الرابع، من أجل الردّ على أبولينار(9) الذي بدا كلامُه(10) في فم تلاميذه بدايةَ المونوفيسيّة من أجل الحفاظ على وحدة مطلقة في اللاهوت والناسوت، في المسيح. وعلى لاهوت الفادي: »طبيعة واحدة في الله الكلمة المتجسّد«. صارت الطبيعة مرادفة للأقنوم، بحيث يستطيع المؤمن العاديّ أن يستنتج أنّ في المسيح طبيعة واحدة.
أمّا النصّ السريانيّ فأخذ بالنسخة القصيرة(11). فجاءت بدايته كما يلي: »قلنا ما فيه الكفاية، في ما قبل، فكان قليلاً من كثير، عن ضلال الشعوب بالنسبة إلى الأوثان وكثرة عبادتهم للشياطين، وكيف استنبطوا منذ البداية (الأصنام). فمن الشرّ استنبط البشر عبادة الأصنام. لكن، بنعمة الله وحول لاهوت كلمة الآب وحول اهتمامه بكلّ شيء وقدرته، (قلنا) إنّ الآب الصالح رتّب كلّ شيء فيه وكلّ شيء يتحرّك به ويحيا. تعال لنتلازم، أيّها المغبوط حقًا ومحبّ المسيح، لكي نعرض بإيمانِ خائفي الله فنقول ما يتعلّق بتجسّد الله، ونعرِّف بظهوره الإلهيّ لدينا«.
وفي هذا الجزء الأوّل عينه، نقرأ رسالة إلى إبيكتات، أسقف كورنتوس، التي تعالج العلاقات بين المسيح التاريخيّ والابن الأزليّ. طرح إبيكتات عددًا من الأسئلة: مثلاً، الجسد المأخوذ من مريم هو من جوهر الله الكلمة. أو: الكلمة تحوّل إلى لحم وعظم وشعر وجسم كامل بحيث خسر طبيعته الخاصّة. أو: ما اتّخذ المخلّص جسدًا في الواقع، بل في الرمز… سيجيب أثناز على هذه الضلالات.
نُشر النصّ اليونانيّ في الباترولوجيا اليونانيّة (26: 1049-1070)، ونُقل إلى اللاتينيّة والأرمنيّة. أمّا عنوان النسخة السريانيّة فكان: »نسخة الرسالة التي كُتبت للمغبوط أفيقططوس، أسقف قورنتوس من قبل القدّيس أثناز، أسقف الإسكندريّة، الذي احتمل الاضطهاد من الأريوسيّين في سبيل الإيمان المستقيم، فاعترف وانتصر«(12).
وبداية الرسالة: »ظننتُ من زمن بعيد أنّ كلّ كلام هرطقة صمَتَ في كلّ مكان من بعد الاجتماع المقدّس الذي كان في نيقية. فالإيمان الذي اعتُرف به فيها جاء مطابقًا للكتاب المقدّس، وهو يكفي لاقتلاع كلّ الشرور، ولقيام الإيمان الحقيقيّ بالمسيح«.
في الجزء الثاني من كتاب طومسون(13)، يرد عدد من النصوص السريانيّة: عظة حول مت 12: 32 والتجديف على الروح القدس. رسالة أساقفة أفريقيا تحذّر المؤمنين هناك من خطر الأريوسيّة. والمقال إلى الأنطاكيّين صدر عن سينودس الإسكندريّة وأُرسل سنة 362، من أجل عودة السلام والوئام في الكنيسة. هي رسالة »أنقوقليون«: رسالة دوّارة للقدّيس أثناز، بمعنى أنّها أرسلت إلى أكثر من جهة: »أثناز والأساقفة الذين حضروا في الإسكندريّة إلى رفاقهم في الخدمة في ربّنا، سلام. نحن متيقّنون أنّكم خدّام الله ووكلاء تستطيعون أن ترتّبوا أمور الكنيسة. ولكن لأنّه بلغ إلينا أنّ كثيرين في الماضي أُخذوا منّا بسبب الخلاف، يريدون الآن السلام، وأنّ كثيرين من الذين ابتعدوا عن أخوّة الهراطقة يهتمّون بالشركة معنا، كان من الضروريّ يا أحبّاءنا، أوسيب واسطرب أن نكتب هذه الأمور…«(14)
أوردنا هذه البداية لكي نشير إلى أنّ الإطار الذي عاش فيه أثناز، بابا الإسكندريّة، وكتب فيه، هو المناخ الأريوسيّ: كلامُه دفاع عن عقيدة نيقية، وموقفه إمّا رفضٌ لما نادت به مجامع محلّيّة لاحقة، أو لما اتّخذ من قرارات، وإمّا قبول أولئك الذين ابتعدوا عن الشركة كما هو الأمر هنا.
ونقرأ في هذا الجزء الثاني أيضًا رسالة إلى مكسيم الفيلسوف الذي ردّ بنجاح على الأريوسيّين القائلين بأنّ المسيح هو ابن الله بالتبنّي، لا بالطبيعة. والنصّ الأخير، رسالة إلى أدلف الأسقف والمعترف حول العبادة المؤدّاة للابن، الكلمة المتجسّد.
والجزء الثالث الذي نشَرَ مؤلّفات أثناز المنقولة إلى السريانيّة(15) يتضمّن مقالاً حول التجسّد في ردّ على الأريوسيّين. هو النصّ الذي ننقله إلى العربيّة. ثمّ ردٌّ على أبولينار(16)، ومقال حول الصلب والآلام، وآخر يطرح سؤالاً: هل المسيح واحد؟ ويبدأ الجواب: »يجب على الذين اهتدوا، في وقت من الأوقات، من الضلالة الوثنيّة، واعترفوا بالإله الواحد الوحيد، بالحقيقة، بإله الكلّ، أن لا يقتربوا بعدُ من الخليقة وأن لا يجعلوا الخليقة إلهًا فيعبدونها بجانب الله الذي هو مبارك إلى أبد الآباد (روم 1: 15). وفي الخطّ عينه، أولئك الذين مالوا عن المعتقد اليهوديّ ولاموا أولئك على أنّهم ناقصو الفهم وكفّار، فآمنوا بالربّ يسوع المسيح، وفَهِموا أنّ الله يُشهد له في كلّ مكان، ويُعرَف بالسلطان والآيات والأعمال الإلهيّة والمجيء الربّانيّ…«
ونقرأ نصٌّا ثالثًا عن تجسّد كلمة الله، وجدَهُ الناشرُ في مخطوط أوّل في لندن(17)، ثمّ في مخطوط ثان(18) يعود إلى القرن 7-8. العنوان: عرض المغبوط أثناز، رئيس أساقفة الإسكندريّة حول التجسّد (م ت ج ش م ن و ت ا) الإلهيّ لله الكلمة الذي يتوافق مع ما (قيل) في مجمع نيقية المقدّس. ويبدأ النصّ كما يلي:
»نعترف بابن الله الذي وُلد قبل العوالم ولادة أزليّة، وفي نهاية العوالم صار بشرًا من مريم، من أجل خلاصنا، كما علّمنا الرسول الإلهيّ فقال: \’\’لمّا أتى ملء الأزمنة، أرسل الله ابنه فكان من امرأة\’\’ (غل 4: 4). والذي هو ابن الله والله في الروح، كان ابن الإنسان في البشريّ، لا أقنومان، بل ابن واحد. لا (واحد) يُسجَد له، وآخر لا يُسجَد له، بل طبيعة واحدة (طبيعة) الله الكلمة الذي تجسَّد وسجدوا له، مع البشريّ، في سجدة واحدة، ولا ابنان: واحد هو ابن الله الحقيقيّ والمسجود له وآخر من مريم إنسانًا لا يُسجَد له، صار بالنعمة ابن الله، شأنه شأن البشر، بل ذاك الذي هو من الله وهو الله، كما قلتُ(19).
هذا النصّ الذي نُشر في الباترولوجيا اليونانيّة (28: 25-29)، نُشر أيضًا في ترجمة أرمنيّة، فأعطانا ملخّصًا سريعًا لما قاله أثناز وكنيستُه عن تجسّد الكلمة الإلهيّ. وهذا ما يهيّئنا لقراءة المقال الأوّل في المجموعة الثالثة التي نشرها طومسون.(20)
2- تجسّد الربّ والثالوث
ورد هذا النصّ السريانيّ لمقال أثناز في محطوط واحد: شرقي 8606، في المتحف البريطانيّ. من الوريقة 12ظ إلى 27و. ونُشر في الباترولوجيا اليونانيّة (26: 984-1028)، كما نُشرت الترجمة الأرمنيّة(21) وهناك أكثر من نسخة أرمنيّة أخرى لم تُنشَر في مكتبة المخيتاريست في فيينا(22). وها نحن نقدّم ترجمته من السريانيّة إلى العربيّة، قبل أن نقدّم دراسة عنه في إطار الأريوسيّة التي سيطرت خلال القرن الرابع المسيحيّ في الجدالات الكنسيّة، وتركت بعض الآثار في القرن الخامس. بعد العنوان: »مقال أثناز، أسقف الإسكندريّة العظيمة، حول تجسّد ربّنا والثالوث«، يَرِدُ التوسّعُ الذي جُعل له ترقيمٌ لتسهيل استعماله.
1- إنّ أولئك الذين يريدون أن يفهموا بطريقة سيِّئة الكتبَ الإلهيّة، يريدون أن يطبّقوا على لاهوتِ الابن أقوالاً متواضعة قيلتْ في ناسوتِ الابن، لكي يقيموا من هنا تجديفَهم السيّئ. فحقيقةُ المسيحيّة كلّها تُوجَدُ في هذه الأقوالِ الصغيرة وفي الأعمال. فإن استطاعوا أن يسمعوا الطوباويّ بولس الذي كتبَ إلى الكورنثيّين: »أنتم تعرفون نعمةَ ربِّنا يسوع المسيح الذي لأجلكم صار فقيرًا، وهو الغنيّ، لكي تغتنوا أنتم بفقره (2كو 8: 9)، لو استطاعوا لما تجرّأوا أن يقولوا إن الابن لا يشبه الآب. فلو فهموا ما هي قوّة فقره، وما هي أيضًا قوّة صلبه، فكيف يقولُ بولسُ أيضًا في موضعٍ آخر: »تستطيعون أن تدركوا القوّةَ مع جميع القدّيسين، ما هو العلوّ والعمق والطول والعرض في عظمة معرفة حبِّ المسيح لكي تكونوا كاملين في كلِّ ملءِ اللاهوت« (أف 3: 18-19). لأجلِ هذا وبواسطة كتاباته، تكلّمَ بجلاء فقال: »ليس لي أن أفتخر إلاّ بصليب ربّنا يسوع المسيح الذي به صُلب العالمُ لي وأنا صُلبتُ للعالم« (غل 6: 14). وأيضًا: »لا أعتبر نفسي بينكم أنّي أعرفُ شيئًا إلاّ يسوع المسيح وإيّاه مصلوبًا« (1كو 2: 2). وأيضًا: »فلو عرفوا لما صلبوا ربَّ المجد« (1 كو 2: 8).
ولو فهم هؤلاء الآن الكتبَ الإلهيّة، لما تجرّأوا وقالوا مجدّفين إنّ صانع كلِّ شيء هو صنيعة وخليقة. فهم يحاربوننا ويقولون: كيف يمكن أن يكون شبيهًا بكيان الآب؟ فها قد كُتب: »كما أنّ للآب الحياة في ذاته (= أقنومه)، هكذا وهبَ الابنَ أن تكونَ له الحياة في ذاته (= أقنومه) (يو 5: 26). ويقولون: إنّ الذي يهبُ أفضل من الذي يأخذ بمقدار كبير. وأيضًا: »لماذا أنتَ تدعوني الصالح، ولا صالح إلاّ الله وحده« (مر 10: 18؛ لو 18: 19). وأيضًا: »إلهي، إلهي لماذا تركتني؟« (مت 27: 46؛ مر 15: 34). وأيضًا حالاً: »اليوم الأخير لا يعرفه إنسانٌ ولا الابنُ بل الآب« (مت 24: 36؛ مر 13: 32). وأيضًا: »هذا الذي قدّسه الآب وأرسله إلى العالم« (يو 10: 36). وأيضًا: »ذاك الذي أقامه الآب من بين الأموات« (غل 1: 1). لذلك يقولون: كيف يقدر أن يكون ذاك الذي قام من بين الأموات، شبيهًا بالذي أقامه؟
2- هكذا اخترنا هذه الأمورَ القليلة من الكثيرة، وحين تنالُ تلك الجوابَ يُعرَف الباقي بسرعة. إذن، يجب علينا، بقدر ما نستطيع، أن نعرض قوّة ما قيل. فحين قال الطوباويّ بولس عن الابن: »أقامه الآب من بين الأموات« (غل 1: 1)، روى لنا يوحنّا الإنجيليّ أنّ يسوع قال: »أهدموا هذا الهيكل وأنا أقيمه في ثلاثة أيّام« (يو 2: 19، 21). وقال الإنجيليّ: »كان يتكلّم عن هيكل جسده«. من المعلوم للذين رأوا الجسد حين قام، إنّ الابن قام من بين الأموات. فهذه التي تُنسب إلى الجسد تُنسب إليه ذاته. وكذلك أيضًا حين قال: »الآب وهب الحياة للابن« (يو 5: 26)، تُفهم أنّ الحياة وُهبت للجسد. فكيف تستطيع الحياة أن تأخذ الحياة؟ فهو يعدُ فيقول: »خرافي تسمعُ صوتي وأنا أعرفها. وهي تتبعني وأنا أهبُ لها حياة الأبد فلا تبيد إلى الأبد« (يو 10: 27-28). وأيضًا إن كان هو كلمةَ الله، وهو خلق كلّ قوام، فكيف يقول: »وكان يسوع ينمو في الحكمة والقامة« (لو 2: 52). فهو أيضًا صانعُ الكلّ. وإن صنع الآب كلّ شيء بواسطة كلمته الذي هو ابنه، نعرف أيضًا أنّه صنع قيامة جسده بيديه. فبيديه يقيمُه وبيديه يهب له الحياة. وهكذا قام في البشريّ كإنسان، وأخذ الحياة كإنسان فذاك الذي وُجد في الشكل كإنسان هو الذي أقام هيكله كإله ووهب الحياة لجسده.
وأيضًا حين يقول: »ذاك الذي قدّسه الآب وأرسله إلى العالم« (يو 10: 36)، يقول في مكان آخر: »من أجلهم أنا أقدِّس نفسي ليكونوا هم أيضًا مقدَّسين في الحقّ« (يو 17: 19). وأيضًا إذ قال: »إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟« (مت 27: 46؛ مر 15: 34)، قال كما في شخصنا، لأنّه أخذ شبه عبدٍ »ووُجد في شكل إنسان. واضع نفسه وأطاع حتّى الموت، موتِ الصليب« (فل 2: 7-8). وكما قال أشعيا أيضًا: »يحمل أمراضنا ويأخذ عذابنا« (أش 53: 4). وهكذا نعلم أنّه ما تألّم من أجل نفسه، بل من أجلنا نحن. وأيضًا ما تخلّى عنه الله، بل نحن، ولأجلنا نحن الذين تُركنا أتى هو إلى العالم. وأيضًا حين يقول: »من أجل هذا رفعه الله، ووهبَ له اسمًا أفضل من كلّ الأسماء« (فل 2: 9). تكلّم عن هيكله الذي هو جسده.
3- فالرفيع لا يُرفع، بل جسدُه هو الذي رُفع، ولجسده منح اسمًا أفضل من كلِّ الأسماء. فليس الله الكلمة الذي نال بنعمةٍ أن يُدعى باسم الله، بل جسدُه معه تسمَّى باسم الله. فهو ما قال إنّ الله كان الكلمة، بل »الكلمة كان الله« (يو 1: 1). وهكذا الله الكلمة صار بشرًا. البشريّ صار فيه الله الكلمة. فكما أنّ توما، إذ مسَّ جسده، صرخ بصوت عال وقال: »ربّي وإلهي« (يو 20: 28)، ومع الآخرين سمّاه تسمية إلهيّة، بالطريقة عينها كتب يوحنّا أيضًا: »هذا الذي كان من البدء، هذا الذي سمعناه، هذا الذي رأيناه بعيوننا، ولمسناه بأيدينا، من أجل كلمة الحياة« (1 يو 1: 1). إذن، جليّ هو أنّه حين كان في الجسد، هو الابن وكلمةُ الآب لُمِسَ. وأفهمنا الكتابُ الإلهيّ أنّ »كلمة الحياة لمس«. وأيضًا قال: »ما كان الروح القدس بعدُ أعطي، لأنّ يسوع لم يكن بعدُ تمجّد« (يو 7: 39). فربُّ المجد لا يمجَّد بل جسدُ ربِّ المجد هو أخذ المجد حين أصعِدَ معه إلى السماوات. من هنا، ما كان بعدُ للبشر روحُ التبنّي، لأنّ البكر الذي أُخِذ من البشر، ما كان بعدُ أُصعدَ إلى السماء.
4- فكلُّ ما تقول الكتب المقدّسة إنّ »الابن أُخذ« وإنّ »الابن مُجِّد«، تقوله من أجل ناسوته لا من أجل لاهوته. وحين يقول الرسول أيضًا: »في المسيح يسكن كلُّ ملء اللاهوت جسديٌّا« (كو 2: 9)، نفهم أنَّ كلَّ ملء اللاهوت سكن في جسد. وأيضًا حين يقول: »ما أشفق على ابنه، بل أسلمه عن جميعنا« (روم 8: 32). وقال في موضع آخر: »أحبَّ المسيح كنيسته وأسلم ذاته عنها« (أف 5: 25).
5- فالابن اللامائت ما جاء ليخلِّص نفسه، بل ليخلِّصنا نحن الذين صرنا تحت عبودية الموت. وأيضًا، هو ما مات من أجل نفسه، بل من أجلنا نحن. ومن أجلنا أخذ على نفسه حقارتنا وفقرنا لكي يمنحنا كلَّ غناه. فألمه هو لأجلنا، لا تألميّة، وموته لنا هو لا موات، ودموعه لنا فرح، ودفنه لنا قيامة، وعماده تقديس لنا. قال: »من أجلهم أقدِّس نفسي لكي يكونوا هم أيضًا مقدَّسين في الحقّ« (يو 17: 19). جراحُه هي لنا شفاء. قيل: »بجراحه شُفينا كلّنا« (أش 53: 5)، وتأديبه سلام لنا. قيل: »تأديبُ سلامنا عليه« (أش 53: 5). هذا يعني أنّه من أجلنا أُدِّب. ولا مجدُه(23) هو لنا مجد. من هنا سأل المجدَ فقال: »يا أبي، مجّدْني عندك بهذا المجد الذي هو لي قبل أن يكون العالم« (يو 17: 5). فنحن هم الذين به تمجّدوا، ونزوله صعودٌ لنا، كما كُتب: »أقامنا معه وأجلسنا معه في المسيح يسوع ليُظهر للعوالم الآتية عظمةَ غناه وعذوبته التي كانت لنا بيسوع المسيح« (أف 2: 6-7). هو إن قال على الصليب: »أيّها الآب، في يديك أضع روحي« (لو 23: 46)، وضع جميع البشر في يدي الآب، أولئك العتيدين أن يحيط بهم بيديه. نحن أعضاؤه، والأعضاء الكثيرة هي في جسد واحد الذي هو الكنيسة. كما الرسول الطوباويّ كتب للغلاطيّين فقال: »فأنتم كلّكم واحد في يسوع المسيح« (غل 3: 28). وهكذا أُودع فيه كلَّ إنسان للآب.
6- وأيضًا حين قال: »الربّ برأني في رأس طرقه لصنائعه«(24). قال من أجل الكنيسة التي فيه بُنيت. فصانعنا كلّنا ليس صنيعة لا خليقة، بل الخليقة تجدّدت بالخالق كما قيل في بولس: »فنحن خليقة، خُلقنا بيسوع المسيح للأعمال الصالحة« (أف 2: 10). كما قال أيضًا: »بواسطة كنيسته تُعرَف لدى الرؤساء والسلاطين الذين في السماء، حكمةُ الله المليئة تمييزًا، تلك التي أعدَّها منذ العوالم وصنعها في يسوع المسيح ربِّنا، الذي لنا به الدالّة والقرب في اتّكال الإيمان« (أف 3: 10-12). وقال أيضًا: »كما سبق واختارنا فيه من قبل أساسات العالم لنكون ، وفي المحبّة سبق فختمنا بسمة الأبناء (= التبنّي) بيد يسوع المسيح« (أف 1: 4-5). وقال أيضًا من أجل الشعبين: »ليخلق الاثنين في أقنومه إنسانًا واحدًا جديدًا، وصنعَ السلام وصالح الاثنين في جسد واحد مع الله، وبصليبه قتلَ العداوة« (أف 2: 15-16).
7 قدّيسين وبلا عيب أمامه – وأيضًا حين قال: »لماذا تدعوني صالحًا، لا صالح إلاّ الله وحده« (مت 19: 17؛ مر 10: 18؛ لو 18: 19). حسب نفسه مع البشر، فقال هذا في الجسد وأجاب على فكر ذاك الذي اقترب منه. فالذي ظنّ أنّه إنسان فقط، لا الله، وهذا كان فكر ذاك، قال: »إنّ ظننتَ أنّني فقط إنسان، لا إله، فلا تدعُني الصالح(25). فلا يليق بكيان البشر أن يُدعى الصالح. وفي الحال، أضاف فقال: »أنتَ تعرف الوصايا«. وإذ قال هذا: »أيّها؟« قال له: »لا تزنِ، لا تقتل«، والباقي. قال هذا: »هذه كلّها حفظتها من صباي. فماذا ينقصني«؟ قال له: »إن شئت أن تكون كاملاً، امضِ، بعْ كلَّ ما لك وأعطِه للمساكين، فيكون لك كنزٌ في السماء واحمل صليبك واتبعني«(26). إذن، من أجل هذا بيّن له أيضًا أنّ هذا الصلاح يليق به أيضًا. فذاك الذي لا يسير وراء الصالح، كيف يستطيع أن يرث حياة الأبد؟ وحين يقول من أجل اليوم الأخير: »لا إنسان يعرف، ولا الابن، بل الآب وحده« (مت 24: 36؛ مر 13: 32)، فهو يقول عن إنسانيّته. فالذي يعرف الآب، كيف يجهل اليوم الأخير؟ قال: »ما من إنسان يعرف الآب إلاّ الابن والذين يريد الابن أن يتجلّى لهم« ( مت 11: 27). وإن كان روحُ الله يعرف كلَّ ما لله، فكيف لا يعرف الابنُ ذاك اليوم الذي صنعه؟ وإن كانت العوالم والأزمنة في يديه، فجليٌّ أيضًا أنّ اليوم الأخير يُوجَد في العوالم والأزمنة، بحيث لا يمكن أن يكون جَهلَهُ.
8- كلُّ هذه الكلمات الصغيرة التي قيلت عن ربِّنا، تليق بفقره لكي نغتني نحن بها، فلا نجدِّف بها على ابن الله. من أجل هذا، ابنُ الله صار ابنَ الإنسان، لكي يصير البشر، أي أبناءُ آدم، أبناء الله. فالذي، وُلد من فوق، من أب(27)، بشكل لا يوصَف ولا يفسَّر ولا يُدرَك، ولادةً أزليّة، هو من وُلد من تحت، في الزمن(28)، من البتول مريم بحيث إنّ الذين سبق فوُلدوا من تحت يُولَدون ثانية من فوق، أي من الله. إذن، له فقط أمٌ على الأرض. ولنا نحن أيضًا فقط أبٌ في السماء. ولهذا سمّى نفسه ابنَ الإنسان، لكي يدعو البشرُ الله الآب: »أبانا الذي في السماوات« (مت 6: 9؛ لو 11: 2). فكما أنّنا نحن عبيد الله، قد صرنا أبناء الله، هكذا سيّدُ السماء هو عبد خليقته، أي آدم. إذ أخذ أبًا مائتًا (= آدم)، وهب للبشر أباه اللامائت، كما قال: »وهب لهم السلطان أن يصيروا أبناء الله« (يو 1: 12).
من أجل هذا، استطعم ابن الله الموت في الجسد من أجل أبيه الجسديّ لكي ينال البشر الحياة الروحيّة في الله الآب. إذن، هو في الكيان ابن الله. ونحن بالنعمة. وأيضًا هو صار ابن آدم بالتدبير(29) وبالنعمة. أمّا نحن فأبناء آدم بالكيان(= بالطبيعة). لهذا قال: »أنا أمضي إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم« (يو 20: 17). أبوه هو الله بالطبيعة (بالكيان)، كما قلت، ونحن بالنعمة. وهو إلهه بالتدبير لأنّه صار إنسانًا، وهو لنا بالطبيعة الربّ والإله. لهذا فالله الكلمة حين اتّحد بالبشر صار بشرًا، بحيث يتّحد البشرُ بالروح فيكونون روحًا واحدًا. هو الله لبس الجسد، ونحن البشر لبسنا الروح. أخذ الباكورة من طبيعة البشر، أي من زرع إبراهيم، الذي هو شبه العبد فصار إنسانًا، ووهب لنا أيضًا من طبيعة الله باكورة الروح القدس، لكي نكون كلّنا أبناء الله في شبهه. وهكذا لبسنا كلّنا الربّ الحقيقيّ، بحيث نلبس نحن الإله الواحد.
9- إنّه لشرّ عظيم أن نقول إنّ روح الله هو خليقة وصنيعة. ذاك الذي تمجّده، الكتبُ كلّها، كتب العهد العتيق والعهد الجديد، تمجّده وتعدّه مع الآب والابن، هو من اللاهوت عينه والجوهر(30)، كما قال الابن: »من يؤمن بي، أنهارُ مياه حيّة تجري من جوفه« (يو 7: 38). قال هذا من أجل الروح الذي يزمع المؤمنون به أن يأخذوه. وكما بيد يوئيل النبيّ قال، كما على لسان الآب: »أفيضُ من روحي على كلِّ بشرٍ فيتنبأ بنوكم وبناتكم« (يوء 3: 1). ولذلك نفخ في وجه الرسل وقال: »خذوا الروح القدس« (يو 20: 22). فنتعلّم أنّ الروح القدس وُهب للتلاميذ من ملء اللاهوت. قال: »يسكن في المسيح، أي في جسده، كلُّ ملء اللاهوت سكنًا جسميٌّا« (كو 2: 9). وكما قال يوحنّا المعمدان: »نحن كلّنا من ملئه أخذنا«(31). فكما في جسم حمامة رُؤيَ الروح القدس الذي نزلَ وحلَّ عليه، هكذا سكن فينا عربونُ اللاهوت وباكورتُه. أمّا في المسيح، فحلَّ ملءُ اللاهوت.
ولا يظنَّ أحد أنّه يأخذه وهو لا يمتلكه. فمن أرسله من العلاء كالله، هو أيضًا يتقبّله على الأرض كإنسان. فمنه نزل عليه، من لاهوته على ناسوته. لهذا هتف أشعيا، كما في شخص الآب فقال: »هذا قال الربّ إلهُك الذي صنعك وجبلك من الحشا. لا تخفْ، يا عبدي يعقوب، ويا إسرائيل الذي أحببتُ. يا ذاك الذي اخترتُ. أنا أهبُ المياه في موضع صهيون للذين يسكنون في البريّة. أجعل روحي على زرعك، وبركاتي على أبنائك« (إش 24: 2-3). وفي الإنجيل، وعد ربّنا أنّه سيهب الماء للذين يسيرون في العطش. فقال للسامريّةِ حول الروح القدس: »لو كنتٍ تعرفين موهبة الله، ومن هو الذي يقول لك: هبي لي (ماء) لأشرب، كنتِ سألتِ أنتِ فوهبَ لك الماء الحيّ« (يو 3: 10). وبعد ذلك بقليل، قال: »كلّ من يشرب من هذا الماء يعطش أيضًا. وكلّ من يشرب من الماء الذي أنا أهبه له، لا يعطش إلى الأبد. فالماء الذي أهبُه له يكون فيه معين ماء ينبع حياة أبديّة« (يو 4: 13-14). لهذا أنشد داود مزمورًا لله فقال: »ينبوع الحياة هو معك، بنورك نرى النور« (مز 36: 10). هو عرف أنّ الآب والابن ينبوع الروح القدس.
10- وهو من قال بيد إرميا: »صنع شعبي شرّين: تركني أنا ينبوع الماء الحيّ، وحفروا لهم أجبابًا مشقّقة لا تقدر أن تحوي ماء« (إر 2: 13). وإذ سبّح السرافيم الله ثلاث مرّات، قالوا: »قدّوس، قدّوس، قدّوس، ربّ الصباؤوت« (أش 6: 3)، سبّحوا الآب والابن والروح. لهذا، كما أنّنا نتعمّد باسم الآب والابن هكذا أيضًا (نتعمّد) باسم الروح القدس . ونصير نحن أبناء الله، لا أبناء الآلهة. فالآب والابن والروح القدس هم الربّ الصباؤوت. لاهوت واحد، سلطان واحد. لهذا، ما قيل في أشعيا حول الآب، طبّقه يوحنّا على الابن، وفي أعمال الرسل قال بولس إنّ هذا يعني الروح.
لأنّه هكذا قال أشعيا: »رأيتُ ربّ الصباؤوت جالسًا على كرسيّ عالٍ ورفيع، فامتلأ البيتُ من مجده، والسرافيم قائمون فوقه ستة ستّة أجنحة لكلّ واحد منهم، باثنين يُخفون وجوههم، وباثنين يُخفون أقدامهم، وباثنين يطيرون ويصرخون هذا إلى هذا قائلين: قدّوس، قدوّس، قدّوس، الربّ الصباؤوت، امتلأت الأرضُ كلّها من تسابيحه« (أش 6: 1-3). وبعد وقت قليل، قال: »سمعتُ صوت الربّ يقول: من أُرسل، ومن يمضي إلى هذا الشعب«؟ فقلتُ: »ها أنا، أرسلني«. فقال لي: »إمضِ وقُل لهذا الشعب: سماعًا تسمعون ولا تفهمون، رؤية ترون ولا ترون. غَبي قلبُ هذا الشعب، ثقلتْ آذانُهم للسماع، وأُغمضْت عيونهم لئلاّ يروا بعيونهم ويسمعوا بآذانهم ويفهموا بقلوبهم ويعودوا إليَّ فأشفيهم« (أش 6: 8-10).
وقال يوحنّا الإنجيليّ: »ما استطاع اليهودُ أن يؤمنوا بيسوع لأنّ أشعيا قال: \’\’أظلمت عيونُهم، وعميت عقولهم لئلاّ يروا بعيونهم ويفهموا بقلبهم ويعودوا إليّ فأشفيهم\’\’. هذا قاله أشعيا حين رأى مجده، أي مجد الابن، فتكلّم عنه« (يو 12: 39-41).
إذن، الربّ الصباؤوت هو يسوع. فربّ الصباؤوت يفسَّر أنّه ربّ القوات. وربّ القوّات هو ملك المجد، كما قال داود أيضًا. فربّ المجد، بحسب كلام بولس، هو المسيح الذي صُلب. وقال داود أيضًا: »الرب يرعاني فلا ينقصني شيء« (مز 23: 1). وفي موضع آخر، قال: »يا راعيَ إسرائيل أنظر، ذاك الذي يتدبّر يوسف كالقطيع، ذاك الذي يجلس على الكروبيم« (مز 80: 1). وفي الإنجيل، قال الابن: أنا الراعي الصالح« (ي 10: 14). ذاك الذي يجلس على الكروبيم، هو الابن، راعي إسرائيل. وقال بولس في أعمال الرسل: إنّه الروح القدس الذي قال بفم أشعيا (أع 28: 25) »الربّ الصباؤوت قال لي« (أش 6: 9). هكذا، فالربّ الصباؤوت هو الآب والابن والروح القدس.
11- وحين قال الكتاب أيضًا عن الآب: »صنع كلّ شيء، ما يُرى وما لا يُرى« (كو 1: 16). وفي موضع آخر علّمنا أنّه خَلق بيد الابن. لا أنّ الآب خلق شيئًا ساعة الابنُ خلق شيئًا آخر غيره. بل صنع تلك التي صنعها الآب، بقدرته الخاصّة ذاك الذي هو الابن. »فكلّ شيء كان بيده« (يو 1: 3). وهكذا أيضًا حين يقول الابن: »انقضوا هذا الهيكل وفي ثلاثة أيّام أقيمه، إنّما كان يتكلّم عن جسده« ( يو 2: 19، 21). وكتابٌ آخر عن الآب قال: »أقام الابنَ من بين الأموات« (غل 1: 1). وحسنًا قال. فأقام بكلمته الذي هو ابنه، جسدَ ابنه. فنحن لا نقول ابن الجسد هو ابن الله، بل جسد الابن. وبقيامة الجسد نفهم أنّ الابن قام من بين الأموات، ومن أجل هذا، نقول إنّه مات كبشر وقام من بين الأموات. أمّا بالروح فكان في السماء وفي كلّ مكانٍ من الإرض.
فمع أنّه في البدء كان غنيٌّا، لأنّه الله، صار بعد ذلك فقيرًا من أجلنا، حين صار إنسانًا وشابهَنا في كلِّ شيء ما عدا الخطيئة. ولهذا، فهو كإنسان نال الحياة، وهو الذي يمتلك الحياة. أخذها من أجلنا، وكإنسان أيضًا نما في القامة. وتفاضلَ في الحكمة وهو قدرةُ الآب الأزليّة وحكمته. وكإنسان أيضًا تقدّس ذاك الذي هو القدّوس على الدوام. قال: »من أجلهم أقدّس نفسي ليكونوا هم مقدَّسين في الحقّ« (يو 17: 19). وكإنسان أيضًا رُفع ونال اسمًا أفضلَ من كلِّ الأسماء، اسمًا يمتلكه دومًا في جوهره. فالكلمة هو الله.
12- فجميع ما تقول الكتب عن الابن الذي أخَذَ، فمن أجل جسده تقول إنّه أخذ. فجسده هو باكورة كنيسته. قيل: »المسيح هو البكر« (1 كو 15: 23). فالاسم الذي هو أفضل من كلّ الأسماء هو للبكر، وقامت معه جبلتُنا كلّها، كما بقدرةٍ كما قيل: »أقامنا وأجلسنا معه« (أف 2: 6). من أجل هذا، بالنعمة نالَ البشر بأن يُدعَوا آلهة وأبناء الله. ففي البداية، ربُّنا أقام جسدَه من بين الأموات، ورفعه. وبعد ذلك، أعضاء جسده. ومنحهم، بما أنّه الله، كلَّ ما أخذه وهو إنسان. منح شخصه الحياة، وقدّس أيضًا شخصه، ورفع أيضًا شخصه. وحين قال: »قدّسه الآب وأقامه، ووهب له اسمًا، ووهبه الحياة«(32)، فمن الواضح أنّ الآب صنع بيديه (= المسيح) كلَّ شيء. فبيديه أقامه، وبيديه قدّسه، وبيديه رفعه، وبيديه أيضًا وهب له الحياة. وحين سلّم روحه في يدي أبيه، سلّم نفسه كإنسان لله، بحيث يسلّم جميعَ البشر بين يدي الله. هو يد الآب، أي يمينه. وحين يقول أيضًا: »قبل المرتفعات ولدني« (أم 8: 25)، فهو يقول ذلك في شخص الكنيسة، التي صُنعت في البدء. وبعد ذلك وُلدت من الله بالنعمة. لهذا، وُضع في سفر الأمثال: »الربّ خلقني« (8: 22). ثمّ: »ولدني«.
13- وحين يقول الكتابُ أيضًا: »أمّا الربُّ الواحد خلق كلّ شيء« (ملا 2: 10)؟ فبالشكل عينه يقول عن الابن: »بيديه كان كلّ شيء« (يو 1: 3). وهذه الأمور تُقال أيضًا عن الروح القدس: »تأخذ روحهم فيموتون، وإلى ترابهم يعودون، ترسل روحَك فيُخلَقون، وتجدّد وجه الأرض« (مز 104: 29، 30). وحين يقول المسيح أيضًا لسمعان حول الآب: »طوباك يا سمعان! ما كشف لك ذلك اللحمُ والدم، بل الآب الذي في المساء« (مت 16: 17). هذه الأشياء قالها عن نفسه: »لا يعرف أحدٌ الآب إلاّ الابن ولمن يريد الابن أن يكشف (له) (مت 11: 27). بهذا الشبه ومن أجل الروح، قال بولس: »الله كشف لنا بروحه. فالروح يفحص كلَّ شيء حتّى أعماق الله. فمن يعرف ما في الإنسان إلاّ روحُ الإنسان الذي فيه؟ وهكذا ما من أحد يعرف ما في الله إلاّ روحُ الله« (1كو 2: 10-11). فكما أنّ روح الإنسان ليس غريبًا عنه (= الإنسان) ولا عن طبيعته، كذلك أيضًا روح الله ليس غريبًا عن لاهوته ولا عن جوهره.
وحين يقول الربّ بفم أشعيا: »ولدتُ بنين ورفعتُهم« (أش 1: 2)، يقول في الإنجيل: »ما هو مولود من البشر بشرٌ هو، والمولود من الروح روحٌ هو« (يو 3: 6). وأيضًا: »الريح تهبّ في المكان الذي تريد، وأنت تسمع صوتها، ولكنّك لا تعرفُ من أين أتت ولا إلى أين تمضي. هكذا كلُّ إنسان مولود من الروح« (يو 3: 8). في بداية الإنجيل قال يوحنّا: »الذين قبلوه وهب لهم سلطانًا بأن يكونوا أبناء الله. هم الذين آمنوا به. وما وُلدوا من دم، ولا من إرادة بشر ولا من إرادة رجل، بل من الله« (يو 1: 12-13). فكلُّ الذين وُلدوا من الروح، وُلدوا من الله. وكلُّ الذين اعتمدوا في المسيح، اعتمدوا في الآب والابن والروح القدس. وأيضًا حين يقول بطرس لحنانيا: »لماذا ملأ الشيطانُ قلبك لتكذب على الروح القدس وتُخفي من ثمن الضيعة؟ ما كذبتَ على البشر، بل على الله« (أع 5: 3-4). فمن كذب على الروح القدس كذب على الله الذين يسكن في البشر بواسطة روحه. فحيث يكون روحُ الله هناك يكون الله. وبهذا نعرف (كما قال) أنّ الله يثبتُ فينا لأنه وهب لنا من روحه« (1يو 4: 13).
14- وحين يقول الكتاب أيضًا: »تكلّم الروحُ القدس بالأنبياء« (مر 12: 36؛ أع 1: 16)، يقول بولس في موضع آخر: الآب تكلّم بالأنبياء. قال: »في كلّ الطرق وفي كلّ الأشباه، تكلّم الله بالأنبياء منذ القديم، وفي الأيّام الأخيرة تكلّم معنا بابنه« (عب 1: 1-2). وفي موضع آخر أيضًا حول الابن قيل إنّه تكلّم: »أتطلبون برهانًا أنّ المسيح تكلّم فيّ« (2كو 13: 2)؟ وقال الابن عن الروح إنّه يتكلّم في الرسل فقال: »حين يسلمونكم إلى القضاة وإلى مجامعهم، لا تهتمّوا بما تقولون، فلستم أنتم المتكلّمين، بل روحُ أبيكم يتكلّم فيكم«(33). مرّة يتكلّم عن جسد المؤمنين، الذين هم هياكل الروح القدس، والذين هم أعضاء المسيح، ومرّة أنّهم هياكل الله. قال: »فأنتم هياكل الله الحيّ، كما قال الله: \’\’أسكن فيهم وأسير بينهم فأكون لهم إلهًا وهم يكونون لي شعبًا« (2كو 6: 16؛ حز 37: 27). وأيضًا: »من يُفسد هيكل الله فهذا يُفسده الله« (1 كو 3: 17). وأيضًا: »أما تعرفون أنّكم أنتم هيكل الله، وروح الله يسكن فيكم« (1 كو 3: 16)؟ فمن هو هيكل الروح هو هيكل الآب والابن. فحيث يسكن روح الله هناك يسكن الله. »وكما أنّ الآب يقيم الموتى ويحييهم هكذا الابن يحيي من يشاء« (يو 5: 21). وبالشكل عينه يُقال أيضًا عن الروح: »الروح هو الذي يُحيي، والجسد لا يُفيد شيئًا« (يو 6: 63). وكتب بولس إلى الكورنثيّين: »الحرف يقتل أمّا الروح فيُحيي« (2 كو 3: 6)
أنت ترى أنّ الأعمال التي هي للآب، يجعلها الكتاب للابن والروح القدس، كما علّمنا أيضًا الرسولُ الطوباويّ حين قال: »هناك اقتسامات في المواهب، إلاّ أنّ الروح واحد. هناك اقتسامات في الخدَم، إلاّ أنّ الربّ واحد. هناك اقتسامات في الأعمال، إلاّ أنّ الله واحد الذي يعمل كلَّ شيء في كلِّ إنسان« (1 كو 12: 4-6). وبعد أن قال إنّ الآب يعمل كلَّ شيء في كلّ شيء، قال بعد قليل: »الروح القدس هو الذي يعمل كلَّ شيء في كلِّ إنسان. قال: »كلّ هذا يعمله الروح عينه فيقسم لكلّ إنسان كما يشاء« (1 كو 12: 11)(34).
3- أثناز والدفاع عن الإيمان
نقلنا جزءًا كبيرًا من بحث عنونه ناشروه على أنّه كلام عن التجسّد في ردّ على الأريوسيّة. ولم يكن هذا البحث يتيمًا لدى أثناز. ففي السريانيّة وحدها، نجد ثلاثة نصوص حول تجسّد الابن. فالقرن الرابع هو فترة أريوسيّة من الحرب الشرسة مع الكنيسة. وكان بطل تلك الحرب أثناز، بطريرك الإسكندريّة. فبعد كلام عن الأريوسيّة، نرافق أثناز في أكثر من منفى عاناه بسبب إيمانه، وننهي ببعض اعتبارات حول سرّ التجسّد كما نكتشفها في هذا النصّ الذي نقلناه وغيره.
أ- أريوس والأريوسيّة
أريوس (250-336) هو ابن ليبيا. دخل مدرسة لوقيان الأنطاكيّ، من أجل دراسته اللاهوتيّة. لمّا عاد إلى الإسكندريّة رُسم شمّاسًا ثمّ كاهنًا، وارتبط بكنيسة بوكاليس. ولكن منذ سنة 318، حرّك الجدالات اللاهوتيّة بسبب تعليم لاهوتيّ شخصيّ طرحه على أنّه إيمان الكنيسة(35). انطلق في عظاته، في الإسكندريّة، من الفلسفة الأفلاطونيّة المحدثة(36). اعتبر أنّ الآب وحده أزليّ. ويحقّ له وحده بالمعنى الحصريّ، اسم الله. أمّا الابن فأُخذ من العدم، فكان الخليقة الأولى، وأسمى الخلائق. ولكنّه بقي خليقة. كما كان أداة في يد الآب من أجل خلق العالم. تجسّد في يسوع المسيح. وكما أنّ الإنسان، في الفكر الأفلاطونيّ يتكوّن من نفس وجسد، فتحلّ النفس في الجسد، كذلك كان الابن محلّ النفس(37) وقد المنزلة في الجسد الذي أخذه(38). مثل هذا التعليم شوّه النظرة إلى لاهوت المسيح، بل ألغاها. المسيح خليقة وحسب.
حرم الإسكندر، أسقف الإسكندريّة (312-328) أريوس سنة 320. وجاء مجمع نيقية (325) يُثبت هذا الحرم، ويبيّن طابع الضلال والهرطقة في ما طرحه هذا الراهب من تعليمه. سنة 333، حُكم عليه بالمنفى، وأُحرقت مؤلّفاته. غير أنّه وجد من يقف معه بين الأساقفة الشرقيّين، مثل أوسيب (+341)، أسقف نيقوميدية بعد أن كان أسقف بيروت، وساندَه موقفُ الإمبراطور المتقلّب، والمهتمّ بالسياسة أكثر منه باللاهوت. كلّ هذا جعل أثناز، المدافع الكبير عن إيمان نيقية، يمضي إلى المنفى. وكاد أريوس يستعيد اعتباره لو لم توافه المنيّة سنة 336.
نورد هنا بعض ما جاء في رسالة من أريوس، إلى أوسيب(39). البداية: »أريوس الذي اضطهده ظلمًا الأسقف اسكندر بسبب هذه الحقيقة الظاهرة التي تساندها أنت أيضًا، يُرسل تحيّاته في الربّ إلى سيّده العزيز، رجل الله، الأمين أوسيب والمستقيم«.
ويتابع أريوس تشكّيه فيقول: »يضايقُنا الأسقفُ ويضطهدنا بقساوة كبيرة ويسبب لنا عددًا كبيرًا من العذابات: طردنا من المدينة كملحدين، لأنّنا لا نتوافق مع ما يكرز به علنًا، أنّ الآب وُجد دائمًا، وأن الابن وُجد دائمًا. وأنّه كما الآب كذلك الابن. الابن غير مولود كالآب. هو مولودٌ دائمًا دون أن يُولد. فلا بالفكر ولا بأيّة مسافة يسبق اللهُ الابنَ. فالله والابن وُجدا دائمًا، والابن يصدر عن الله«.
وجاءت خاتمة الرسالة تحمل مدلولاً خاصٌّا: »نحن نُضطَهد لأنّنا قلنا: للابن بداية، أمّا الآب فلا بداية له. ونُضطَهَد أيضًا لأنّنا قلنا: أُخذ ممّا ليس بموجود. عنينا بذلك أنّه ليس جزءًا من الله ولا هو أُخِذ من ذات ما. لهذا، نحن نضطَهد. والباقي أنت تعرفه. كُن في صحّة جيّدة في الربّ. تذكّرْ مضايقاتنا، يا أوسيب، يا من هو تلميذ حقيقيّ للوقيان ورفيق له«(40).
أمّا المؤلَّف الأكثر شعبيّة والذي نشر تعليم أريوس، فهو الوليمة(41)
.Qalia كُتب شعرًا(42) فتجاوز أوساط اللاهوتيّين والسلطات الكنسيّة. دمِّر هذا الكتاب، كما دُمِّرت سائر كتب أريوس، ولكن بقيت منه مقاطع لدى كتّاب حاولوا أن يردّوا عليه: أثناز الإسكندرانيّ(43)، جيروم، هيلاريون، أسقف بواتييه في فرنسا.
ماذا نعرف عن الوليمة تلك »القصيدة الملحميّة« التي فرضت تعليم أريوس وأشادت بعظائم الماورائيّات. أمّا أثناز فاتّهم مؤلِّفها بأنّه يقتدي بشعراء أنشدوا الخمرة وحياة المجون.
وجاءت بدايتها كما يلي: »حسب إيمان مختاري الله، وحكماء الله، وأولاد الله القدّيسين المستقيمي الرأي، الذين نالوا روح قدس الله، تعلّمتُ هذا من الذين شاركوا في الحكمة فكملوا، وعلّمهم الله فصاروا حكماء في كلّ شيء. في آثارهم سرتُ مع رأي شبيه برأيهم، أنا الرجل المشهور الذي تألّم كثيرًا لمجد الله. علّمَني الله فاقتنيتُ الحكمة والمعرفة«(44).
وبدلاً من أن نقدّم كلامًا عن أريوس، نكتفي بذكر مقطع كبير من الوليمة ورد عند أثناز(45):
»إذن، الله في ذاته لا يمكن أن يُستقصى لدى البشر جميعًا. وحده لا مساويَ له ولا شبيه، ولا مزاحم له في المجد. نعلن أنّه غير مولود بالنسبة إلى المولود بالطبيعة. ونمتدحه لأنّ لا بداية له بالنسبة إلى ذاك الذي وُجد في الزمن. فالذي لا بداية له، جعل الابنَ بداية المخلوقات واتّخذه ابنًا له وتبنّاه. فالابن لا يمتلك، خاصًا به، شيئًا يخصّ الله حسب الجوهر: هو غير مساوٍ له، ولا من جوهره. الله حكيم، لأنّه بذاته سيّد الحكمة. نستطيع القول إنّ الله غير منظور بالنسبة إلى الجميع، إلى الكائنات التي وُجدت بالابن، كما إلى الابن نفسه. وأقول بصراحة كيف يرى الابنُ الإله اللامنظور: بالقدرة التي يستخدمها الله لكي يُرى، يصل الابن، بقياس خاصّ به، إلى رؤية الآب، كما يليق. إذن، مجموعة الثالوثة Triade لا تتساوى في المجد، لأنّ الأقانيم لا يمتزج الواحد بالآخر، بل يتجاوز الواحدُ الآخر بمجد لا محدود. فالآب غريب عن الابن بحسب الجوهر، لأنّ لا بداية له، يعني أنّ »المونادوس« أو الجوهر الواحد، البسيط، وُجد قبل »الديادوس«(46) أو المبدأين الاثنين المتكاملين، وقبل أن يُوجَد (الابن). لهذا، إن لم يكن الابن وُجد بعد، كان الآبُ الله. والابن الذي وُجد بإرادة الآب، وَجد ذاته إلهًا وحيدًا، مولودًا، غريبًا من الاثنين، لأنّ الحكمة كحكمة لا تُوجَد إلاّ بإرادة الإله الحكيم(47). لذلك نتصوّره في نظرات مختلفة: روح الله، قدرة الله، حكمة الله، مجد الله، حقّ، صورة، لوغس أو كلمة. ويُصوَّر كشعاع ونور. إيلاد مساوي الابن هو في قدرة من هو أرفع منه، ولكنّه لا يقدر أن يلد كائنًا يسمو عليه، أفضلَ منه أو أعظم. فبإرادة الآب الابنُ هو ما هو، إنطلاقًا من الوقت الذي فيه نال الوجود من الله. وبما أنّه إله قدير يمتدح من هو أسمى منه. وبعبارة واحدة: الله لا يدركه ابنه، لأنّه هو ما هو، أي لا يُوصف. فالابن لا يقدر أن يفهم ولا أن يعبِّر عما يقوله الآب، لأنّه لا يقدر أن يتفحّص الآب، لأنّ الآب هو في ذاته، والابن لا يعرف جوهره الخاصّ لأنّه يستخرج أصله من إرادة الآب. إذن، أي برهان يبيّن أنّ ذاك الذي أتى من الآب يعرف خالقه ويفهمه؟ من الواضح أنّه يستحيل على كائن له بداية أن يحيط بفكره وفهمه من لا بداية له(48).
ب- أثناز بطل نيقية
حين عُقد مجمع نيقية، سنة 325، كان الإسكندر، أسقف الإسكندريّة، برفقة شمّاسه أثناز(49). في ذلك الوقت، كان الأسقف العتيد كتب مقالاً ضدّ الأمم وآخر حول تجسّد الكلمة، وذلك قبل الأزمة الأريوسيّة. ما أراد أثناز أن يبيّنه للوثنيّين، هو أنّ التجسّد لا يتعارض مع الفكر البشريّ، وأنّ الكلمة صار بشرًا لكي يُؤلَّه البشر بدورهم.
ومات أسقف الإسكندريّة، الإسكندر، بعد مجمع نيقية بوقت قليل. فخلفه أثناز، الذي بدأ يزور أبرشيّته الواسعة، في مصر العليا والسفلى، في ليبيا. أمّا في ما يتعلّق بأريوس وجماعة ميليتيوس، فرفض الأسقف الجديد أي حوار. غير أنّ هذا التشديد سوف يرتدّ عليه. فكان منفى أوّل إلى تراير (ألمانيا) في السابع من تشرين الثاني سنة 335. ومات قسطنطين الأوّل وخلفه قسطنطين الثاني، فعاد أثناز إلى الإسكندريّة، سنة 338. ولكنّ حلَّ أسقفٌ محلّه، فأجبر على ترك المدينة في 18 آذار 339 والالتجاء إلى رومة. وما استطاع العودة إلاّ بعد أن توفّي الأسقف الذي حلّ محلّه، غريغوار سنة 345. وتبدّل الإمبراطور، فعاد أثناز من المنفى، بعد أن قضى في كرسيه عشر سنوات تُعتبَر »العهد الذهبيّ« حيث وصل نشاطه الأدبيّ والرعائيّ إلى الذروة(50).
سنة 356، مضى إلى المنفى، وحلّ محلّه جاورجيوس الكبادوكيّ الذي. طُرد من الكرسيّ، وما عتَّم أن قتل. وعاد أثناز في 21 شباط 362.
كانت حرب أثناز متواصلة حتّى نهاية أيّامه، فمات في كرسيه بسلام، في 2-3 أيّار 373. أمّا الهمّ الذي شغل باله طول حياته، فهو البدعة الأريوسيّة وما تحمّل من تهديد انقسام في الكنيسة. وفي الواقع، تمزّقت الكنيسة، بشكل خاصّ في الشرق، ولن يتوقّف هذا التمزّق عند هذا الحدّ. فيأتي تمزّق آخر مع مجمعي أفسس (سنة 431) وخلقيدونية (سنة 451) حين تصبح »الكنائس« قِطَعًا مستقلّة، ترتبط بالحاكم سواء كان مسيحيٌّا أم لا.
إلى جانب النشاط الرعويّ الذي مارسه أثناز، كان نشاط أدبيّ. فكتب الكثير لكي يجابه الأريوسيّين، في خطّ من سبقه الإسكندر(51).
ونذكر أوّل ما نذكر ثلاثة مقالات ضد الأريوسيّين. هي ما كتب أثناز على مستوى العقيدة. في المقال الأوّل يُوجز تعليم أريوس الذي تتضمّنه الوليمة (تاليا)، ويدافع عن تحديد العقيدة في نيقية: الطابع الأزليّ، اللامخلوق، واللامتبدّل عند ابن الله، وحدة الجوهر الإلهيّ بين الآب والابن. وفسَّر المقالان الثاني والثالث النصوص الكتابيّة المتعلّقة بولادة الابن (عب 3: 2؛ أم 8: 22)، بعلاقة الابن بالآب كما في الإنجيل الرابع، بالتجسّد. ردّ أثناز على الأريوسيّين وأبرز المعنى الحقيقيّ.
وكان كتاب آخر حول التجسّد ضدّ الأريوسيّين، حيث الكلام عن إله واحد في ثلاثة أقانيم. هو الذي نقَلْنا قسمًا منه في هذا المقال. وبعد العودة من المنفى، سنة 357، كتب دفاعًا عن نفسه في وجه الأريوسيّين، فجمع ما قالته سينودوسات سابقة. وسنة 358، كتب إلى الرهبان تاريخ الأريوسيّين. هاجم الإمبراطور على أنّه عدوٌّ للمسيح، والمحامي عن الهرطقة وسابق الأنتيكرست أو المسيح الدجّال.
وغنيّ عن القول بأنّ أسقف الإسكندريّة لم يترك مناسبة إلاّ وحذّر شعبه بل الكنيسة كلّها من خطر الأريوسيّة. سواء شرح الكتب المقدّسة أو كتب رسائل عن النسك والبتوليّة… هي وجهة قاسية في حياة أثناز المحارب. ولكنّ هناك وجهة ثانية، هي محاولات العودة بأريوس إلى حضن الكنيسة.
مثلاً، كتب إلى الأسقف سرابيون حول لاهوت الروح القدس، وارتباط هذه المسألة بلاهوت الابن والجدال مع الأريوسيّين الذين دعاهم »المصوّبون«(52) هم يقودون النصوص الكتابيّة إلى التفسير الصوابيّ، أي تفسيرهم. ونلاحظ بشكل خاصّ ارتباط معرفة الروح بمعرفة الابن. فالروح القدس هو روح الابن. وكتب إلى أبيكتات، أسقف كورنتوس، حول العلاقات بين يسوع التاريخيّ والابن الأزليّ: »أي جحيم تقيّأ هذا الزعمُ بأنّ الجسد المولود من مريم هو من جوهر لاهوت الكلمة؟ أو أنّ الكلمة تحوّل إلى لحم وعظام وشعر وإلى الجسد كلّه بحيث خسر طبيعته الخاصّة؟ من سمع الكنيسة، بل مؤمنًا يقول إنّ المخلّص لبس جسدًا في الصورة لا في الحقيقة؟ من هو هذا الشرّير الذي يقول ويفكّر بأنّ اللاهوت (أي ابن الله) المساوي للآب في الجوهر، نال الختان، وصار ناقصًا بعد أن كان كاملاً، وأنّ ما سُمِّر على الصليب لم يكن الجسد، بل جوهر الكلمة المخلوق؟…
ج- اعتبارات حول التجسّد
ونعود إلى ما وصل إلينا من أثناز حول التجسّد، في ردّ على الأريوسيّين. موضوعان هامّان طرحهما المدافع عن نيقية: الثالوث الأقدس، ولاهوت الآب المتجسّد. استند فكر أثناز حول الثالوث إلى يقين يقول: إنّ الآب عبّر عن نفسه ملء التعبير في ولادة اللوغس (= الكلمة) الأزليّة. فاللوغس هو حكمة الله وقدرته، وهو خاصّ بجوهر الله. ووسّع أثناز تعليمه عبر مناقضة النظرة الأريوسيّة إلى اللوغس حيث هو قدرة إلهيّة خاضعة. وطلب استعمال »هوموأوسيوس«، في جوهر واحد، للكلام عن وحدة الابن مع الآب. واستعمل أثناز صورة النور والشعاع. كالابن يتميّز عن الاب، ولكنّه لا ينفصل عنه. ليس هو الآب، ولكنْ صورته الوحيدة.
وأعلن أثناز، في الكرستولوجيا، الكلمة الإلهيّ الذي يعمل في ثلاثة مجالات: هو متّحد بالآب اتّحادًا أزليٌّا. هو يسوس العالم الذي خُلق به لأنه اللوغس، الكلمة. وهو من وُلد كإنسان في ملء الزمن، لكي يتّحد بالبشر. تجسُّده، يشمل الكون، ومع ذلك يبقى أنّه اتّخذ جسدًا فقدّسه، وبه أتمَّ معجزاته، ثمّ قدّمه ذبيحة. وإذ شدّد هذا المعلّم على الجسد البشريّ في المسيح، وصل إلى الطبيعة البشريّة الضعيفة، التي تنال الخلاص، هنا ابتعد أثناز عن أفلاطون الذي يتحدّث فقط عن خلود النفس لا عن خلود الإنسان ككلّ(53).
في أوّل ما كتبه أثناز عن التجسّد، ارتبط بالفلسفة أكثر منه باللاهوت. »تحدّثنا عن لاهوت كلمة الآب، عن عنايته الشاملة وقدرته(54). به رتّب الآبُ كلّ شيء. كلّ شيء يتحرّك به ويحيا… نواصل فنصوِّر بالتفصيل تجسّد الكلمة«. في فصل أوّل، توقّف الكاتب عند مسبِّبات تجسّد الكلمة في تدبير الخلاص. فالتجسّد انتصارٌ على الموت وموهبة اللافساد (ف 2). انطلق أثناز هنا من موت المسيح الفدائيّ. بالتجسّد صُحّحت صيغةُ »على صورة الله« في الإنسان الذي نال المعرفة العلويّة (ف 3). فالخلاص يتمّ في اتّحاد اللوغس والجسد البشريّ. هذا الاتّحاد هو ينبوع حياة. هذا ما يقودنا إلى ذبيحة الصليب. في الفصل الخامس، ردّ أثناز على اليهود الذين لم يؤمنوا، مع أنّه كان باستطاعتهم أن يكتشفوا المسيح من خلال قراءتهم للعهد القديم. وفي الفصل الأخير، هو جواب على الوثنيّين الذين يعبدون الأصنام. هم يعتبرون المادّة »سائلة«. فما وجب على الكلمة أن يلامسها. كان يكفي فعلُ إرادة واحد. أمّا الله فصار شبيهًا بالإنسان لكي يساعده بشكل ناجع. وتجسّد الابن جعل الحياة تحلّ محلّ الفساد في وضع الإنسان الخاطئ.
في الواقع، تجسّد الكلمة، الذي دوّنه أثناز قبل أن يصير أسقفًا، توجّه إلى المؤمنين، قبل سواهم، لكي يعلّمهم. وهو ينتهي بدعوة إلى قراءة الكتب المقدّسة لكي نرى صحّة الكلام اللاهوتيّ »التي فاه بها وكتبها لاهوتيّون بوحي من الله… ستطّلع أيضًا إلى ظهوره الثاني لأجلنا، ظهوره المجيد والإلهيّ جدٌّا. لا في الصفة، بل في المجد الذي له. لا في الحقارة، بل في العظمة التي هي من ميزاته، عندما يأتي، لا ليتألّم، بل ليقدّم للجميع ثمرة صليبه، أعني القيامة وعدم الموت«.
في كتابه تجسّد الكلمة، كانت عودة إلى الكتاب المقدّس، في جزء من آية، في آية معزولة أو آيات مجموعة. فالنصوص وردت 65 مرّة. هذه الناحية نجدها بشكل خاصّ في النصّ السريانيّ الذي قرأناه، حيث ترك الكاتب الجانب »الفلسفيّ« وحاول أن يشرح النصوص التي تساعده على تبيان سرّ التجسّد. وقابل بين نصّ ونصّ ليدلّ أوّلاً على لاهوت الآب والابن والروح القدس. مثلاً، تارة يقول النصّ: هيكل الروح. وطورًا، هيكل الله. ويستنتج: هذا يعني أنّ الروح القدس الله، مساوٍ للآب في الجوهر، شأنه شأن الابن. كما يستخلص أثناز من رؤية أشعيا للربّ الصباؤوت في الهيكل والتقديمات الثلاثة، الأقانيم الثلاثة.
الخاتمة
قرأنا في هذا المقال انتقال أثناز، بابا الإسكندريّة، إلى العالم السريانيّ، ولا سيّما رسائل العيد(55) التي ضاعت في اليونانيّة، ووُجدت كلّها في السريانيّة، وبعضٌ منها في القبطيّة. ونقلنا إلى العربيّة أيضًا نصٌّا سريانيٌّا، ما زال الجدال قائمًا حول صحّة نسبته إلى أثناز. كان اعتراض بسبب تعليمه عن الروح. ولكنّ هذا الاعتراض يسقط إن نحن قابلناه بنصوص أخرى، واعتبرنا تطوّر اللاهوت الذي سيصل بنا إلى مجمع القسطنطينيّة الأوّل، سنة 381، في تعليمه عن الروح القدس. وأخيرًا، تعرّفنا إلى تعليم هذا الأسقف البطل، الذي دافع عن عقيدة مجمع نيقية بكلّ ما أوتيَ من قوّة، فما لانَ ولا تراجعَ. وفي النهاية انتصر حين انطفأت شعلة الأريوسيّة في الشرق، بانتظار أن تنتقل إلى الغرب. ومع اهتداء الفرنج، بقيادة ملكهم كلوفيس، إلى المسيحيّة، زالت الأريوسيّة من الغرب أيضًا. غير أنّها ما زالت تطلّ من وقت إلى آخر، حتّى أيّامنا، في بدع وكتابات تزيل عن يسوع صفة الألوهة، لتجعله إنسانًا بين الناس. فأيّ خلاص يحمله الكلمة إن لم يكن ابن الله والمساوي للآب في الجوهر!
(*) نُشر هذا المقال في المشرق 79 (2005) ص 487-517.
(1) eiV QeoV en trisin upostasin εις Θεος εν τρισιν υποστασιν
(2 Tome aux Antiochiens, 5, 6, PL 26, 801. Voir M. SIMONETTI trisin « Athanase», in Dict. Enc. Du christianisme ancient (DECA), Paris, Cerf, 1990, p. 286. Ce Tome fut écrit en 362
(3) J. QUASTEN, Initiation aux Pères de l’Eglise, III, Paris, 1963, p. 57-58 ; J. LEBON, « Pour une édition critique des œuvres de S. Athanase », in Revue d’Histoire Ecclesiastique, 26(1925), p. 528-530 ; M. SIMONETTI, « Sulla paternità del De Incarnatione Dei Verbi et contra Arianos », in Nuovo Didaskaleion, 5(1952), p. 5-19.
(4) Athanasiana syriaca, Part I, De Incarnatione; Epistula ad Epictetum, ed by Robert W. THOMSON, Louvain, 1965, CSCO 257-258 (Syr 114-115)
(5) هناك خلاف حول تدوين : ضدّ الوثنيّين، وفي تجسّد الكلمة، راجع
Ch. KANNENGIESSER, “Le texte court du De Incarnatione Athanasium”, dans Recherches de Science Religieuse, 52(1964), p. 589-596 ; 53(1965), p. 77-111.
(6) )25, 95-198PG( Patrologia Graeca. نشير إلى أنّ هذا النصّ نُقل إلى العربيّة في منشورات المكتبة البولسيّة، 1998، تعريب الأب حنّا الفاخوري بعنوان: في تجسّد الكلمة وظهوره بالجسد من أجلنا للقدّيس أثناز الإسكندريّ. كما في الينايع المسيحيّة .SC 199 أمّا العنوان اليونانيّ فيتطابق مع السريانيّ:
(7) نجد وصفًا لهذا المخطوط في: S. E. et J. S. ASSEMANI, Bibliothecae Apostolicae Vaticanae Codicum Manuscriptorum Catalogus, Paris, I, Tomus 2, Rome, 1758(reprint Paris, 1926), p. 29-31.
(8) شهر آب سنة 875 للإسكندر. في أيّام محبّ الله مار توما أباتي دير مار قورقا… وكاتبه الكاهن يوحنّا من الرها.
(9) وُلد في اللاذقيّة سنة 315. وكان أسقف اللاذقيّة. برز تيّار بعده في خطّ أفلاطون: عند هذا الفيلسوف، يتألّف الإنسان من نفس وجسد. وقالت جماعة أبولينار: في المسيح، حلّ الكلمة محلّ النفس، فتكوّن المسيح من الكلمة والجسد، وغابت عنه النفس السامية. ولكنّ يسوع هو بشر كامل، وطبيعة إنسانيّة كاملة. لهذا شُجب التعليم الأبوليناريّ في أكثر من مجمع محلّيّ.
(10) mia jusiV qeou logou sesarkwmenh μια φυσις Θεου λογου σεσαρκωμενη
, p. 537-538.op. cit Voir Quasten,
(11) كُشــفت النســخة القصـــيرة في جبــل آثــوس، في مخطوط يعود إلى القـــرن الرابع عشر..Codex Dochiariou 78 أمّا المخطوط السريانيّ فهو من القرن السادس.
(12) CSCO 257, p. 73.
(13) Athanasiana Syriaca, Part II, Louvain, 1967, CSCO 272-273, p. 118-119.
(14) CSCO 272, p. 30.
(15) Athanasiana Syriaca, Part III, ed. by Robert W. THOMSON, Louvain 1972, CSCO 324-325 (Syr 142-143
(16) هناك مقالان يردّ فيهما أثناز على أبولينار، أسقف اللاذقيّة: الأوّل نُشر في السريانيّة سنة 1938
- MOSS, “A Syriac version of Pseudo-Athanasius contra Apollinarium, I, Orientalia Christiana Periodica, 4(1938), p. 65-84; CSCO 324, p. 30ss, 60ss.
(17) يتضمّن هذا المخطوط (B.M. Or 8606) الذي دوِّن سنة 723م في الرها. في الكاتدرائيّة الملكيّة، عددًا من مؤلّفات أثناز في السريانيّة: نذكر بعضها: أبولينار، أدلف، التجسّد وفي ردّ على الأريوسيّين، إلى مكسيم، إلى يوفيان، تجسّد الله الكلمة…
(18) نلاحظ في بداية هذا المخطوط تحديد أربعة ألفاظ لاهوتيّة: الأقنوم (ق ن و م ا)، الذات (ي ت ا)، الطبيعة أو الكيان (ك ي ن ا)، الجوهر (أ و س ي ا): »حين تقول »ا و س ي ا« تفهم كلّ ما هو أقنوم ويقوم في جوهر (ا و س ي ا)، سواء كان إنسانًا أو حيوانًا أو نباتًا أو خروفًا أو حجرًا أو كلامًا أو شيطانًا أو نفسًا. وطبيعة (ك ي ن ا) الثالوث الأقدس تدعى الجوهر (ا و س ي ا). وإن سألك إنسان فقال: هل كلّ شيء جوهر؟ قل له: لا، بل فقط ما تقوم ذاته في جوهر. وإن قال: هل الظلمة والخطيئة جوهر؟ قل له: كلاّ…« CSCO 272,p. 7-17
(19) CSCO 325, p. 103
(20) .CSCO 324, p. 1ss; version 325, p. 1ss. كان بالإمكان أن نذكر نصوصًا أخرى لأثناز. نُقلت إلى السريانيّة، مثل حياة مار أنطونيوس ورسالة منسوبة إليه. ولكنّنا اكتفينا بهذا القدر لندلّ على انتشار مؤلّفات أسقف الإسكندريّة في العالم السريانيّ، بالإضافة إلى آباء كثيرين من عالم اليونان. راجع P. FEGHALY, “Les traductions (des Pères Grecs) en langue syriaque”..
(21) E. TAYEC’I, Discourses, Letters and Dialogues of St Athanasius, Venice, 1899, p. 27-56
(22) رقم 629، الوريقة 91 ظ- 107ظ؛ رقم 648، الوريقة 15و- 25ظ.
(23) حافظنا على اللفظ السرياني: لا تشبوحتا. يلمّح أثناز إلى نشيد فيلبّي حيث يقال عن المسيح: أخلى نفسه وصار عبدًا، مع أنّه مساوٍ لله (فل 2: 5-7).
(24) اعتاد المترجم أن يأخذ بالنصّ السريانيّ المعروف بالبسيطة (كما في غل 3: 28 مثلاً). أمّا هنا فعاد إلى اليونانيّة المعروفة بالسبعينيّة. في السريانيّة نقرًا سفر الأمثال 8: 22 كما يلي: »الربّ برأني في رأس براياه (أو: خلقني في رأس خلائقه)، من قبْل صنائعه كلّها«. نلاحظ أن أثناز قَبل أن ينطبق كلام سفر الأمثال على يسوع تطبيقًا حرفيٌّا. بما أنّ يسوع هو »الحكمة« التي خلقها الله، فلا يمكن أن نقول عن الابن إنّ الله خلقه. أمّا التفسير اليوم، فيعتبر أنّ الحكمة صورة بعيدة عن المسيح. هي تدلّ عليه. ولكنّ يسوع لا يتماهى كلّ التماهي معها. نحن أمام نصّ من العهد القديم يجد كماله في العهد الجديد الذي يعطي نصًا ناقصًا ملء معناه.
(25) نلاحظ هذا الفصل بين اللاهوت والناسوت. فهناك كلام يُقال عن الناسوت ولا يمكن أن يُقال عن اللاهوت. فالكنيسة التي تتأمّل في سرّ يسوع المسيح الإله والإنسان سوف تكتشف ما نسمّيه: تبادل الصفات. فما قيل عن اللاهوت يشارك فيه الناسوت والعكس بالعكس من خلال الأقنوم الواحد، أقنوم الابن الذي هو إله وإنسان معًا.
(26) مت 19: 17-21: مز 10: 18-21؛ لو 18: 19-22. ما أخذ أثناز بنصٍّ احد، بل دمج النصوص في فكرة واحدة جمعت أكثر من عنصر في جملة واحدة.
(27) في النصّ: من أمّ، بل يجب أن نقرأ: من أب (من أبُا).
(28) هي صيغة الجمع »أزمنة«. ولكن نقرأ المفرد في خطّ غل 4: 4: »ولمّا تمّ ملء الزمان«.
(29) »م د ب ر ن « أويكونوميا. الوسائل التي اتّخذها الله في تجسّد ابنه من أجل البشريّة.
(30) نستطيع أن نقول أيضًا الكيان.يو 1: 16. حين يعتبر أثناز أنّ المعمدان قال هذا الكلام، يمزج بين المعمدان ويوحنّا الحبيب الذي يمثِّل الكنيسة التي تتكلّم بصيغة المتكلّم الجمع.
(31) يو 1: 16. حين يعتبر أثناز أنّ المعمدان قال هذا الكلام، يمزج بين المعمدان ويوحنّا الحبيب الذي يمثِّل الكنيسة التي تتكلّم بصيغة المتكلّم الجمع.
(32) دمج أثناز ثلاثة مراجع: يو 10: 36؛ فل 2: 9؛ يو 5: 26. ما نلاحظ هو أنّ الناقل لم يترجم النصّ اليونانيّ كما في مقال أثناز، بل أخذ نصّ البسيطة بصورة إجماليّة. مثلاً، مز 23: 1؛ يو 10: ..14.
(33) مت 10: 17-20؛ مر 13: 11؛ لو 12: 11-12.
(34) تألّف هذا الكلام عن التجسّد وسرّ الثالوث من 29 صفحة مطبوعة. اكتفينا بست عشرة صفحة لئلاّ يطول المقال. فقد نعود إلى ما تبقّى في وقت لاحق.
(35) J. QUASTEN, Initiation aux Pères de l’Eglise, III, Paris, Cerf, 1963, p. 29-37. Alexandre évêque d’Alexandrie considérait que Lucien d’Antioche est un des pères de l’arianisme. Voir G. BARDY, Recherches sur Saint Lucien d’Antioche et son école, 1963. Pour ce qui est de l’arianisme, voir surtout E. BOULARAND, L’hérésie d’Arius et la foi de Nicée, 2 vol, Paris, 1972 ; A. GRILLMEIER, Le Christ dans la tradition chrétienne (tr. fr), Paris, Cerf, 1973, p. 215-225.
(36) بولس الفغالي، »الإسكندريّة والحركة الأفلاطونيّة المحدثة«، المنارة، 44(2-3)، 2003، ص 291-312.
(37) النظرة المتطرّفة في هذا المجال، جاءت من أبولينار، أسقف اللاذقيّة، في سورية، 315-390. راجع , p. 185-188DECA
- KANNENGIESSER, “Une nouvelle interprétation de la christologie d’Apollinaire”, dans Recherches de Sc. Religieuse, 59(1971), p. 27-36
(38) Homo assumptus: Homme assumé
(39) أرسلها أريوس بعد أن حرمه الإسكندر، أسقف الإسكندريّة. نقرأها في كتاب أبيفان، أسقف سلامينة، في قبرص، حول الهرطقات 69: 6. كما في التاريخ الكنسيّ لتيودوريه القورشيّ (1/5: 1-4). نجد النصّ اللاتينيّ
Marius VICTORINUS, Traités théologiques sur la foi, (SC68), Paris, 1960, p. 176-179.
Théodoret, Hist. eccl, PG, 82, 912C, cité in Quasten, op. cit, p.
33.( C. KANNENGIESSER, Arius and the Arians, Theological Studies, 1983, p. 456-475
(41) Voir G. C. STEAD, “The Thalia of Arius and the Testimony of Athanasius”, Journal of Theological Studies, 29(1978), p. 20-38.
(42) في هذا الخطّ عينه، نتذكّر هونوريوس ابن برديصان (145-223) الرهاويّ الذي أطلق تعليمه شعرًا، فردّ عليه أفرام السريانيّ (306-373) شعرًا مع ردّة متكرّرة بعد مقطع شعريّ. P. FEGHALY, Les origines du monde et de l’homme dans l’ouvre de Saint Ephrem, Paris, Cariscript, 1997, p. 30-31.
(43) الردّ على الأريوسيّين، 1: 2-10؛ قرارات مجمع نيقية 16
(44) أثناز، مقال يردّ على الأريوسيّين (1: 5)، الباترولوجيا اليونانيّة 26: 19ج.
(45) De Synodis, 15; PG, 26, 705C; G. BARDY, “La thalie d’Arius” Revue de Philosophie, de Littérature et d’Histoire Ancienne, 53(1927), p. 211-233
(46) Monas, monados avec la racine monos : Dyas, dyados avec la racine
duo : deux
(47) نجد هنا تلميحًا إلى سفر الأمثال (8: 22) الذي كان مثار جدل بين جماعة نيقية والأريوسيّين. إذا الحكمة تماهت كلّيًا مع الابن، وإذا هي خُلقت، فهذا يعني أنّ الابن خُلق. ولكنّ المقدّمة خاطئة، لأنّ العهد القديم لم يعرف سوى الإله الواحد. والوحي عن الابن خاصّ بالعهد الجديد، لذلك لا نستطيع أن نطبّق نصوص العهد القديم إلاّ بشكل ناقص.
(48) M. SIMONETTI, “Arius, Arianisme”, DECA, p. 238-244. Id, La crisi ariana nel IV secolo, Roma, 1975.
(49) G. BARDY, Athanase d’Alexandrie in Dict. d’histoire et de Géo. eccl., t. IV, col 1313-1340
(50) G. S. STEAD, Athanase in DECA, p. 285-290, ici p. 286; C. KANNENGIESSER, Athanase Evêque et Ecrivain, Paris, 1981
(51) Socrate, Histoire Ecclésiastique, 2-3, PG, 67, 4513. G. Bardy, Saint Alexandre d’Alexandrie a-t-il connu la Thalie d’Arius? RSR, 6(1926), p. 527-532.
قالوا: ما كان الله دومًا أبًا، بل كان زمان لم يكن فيه آبًا. وكلمةُ الله ما وُجد دومًا، بل وُجد من اللاموجود… الابن هو خليقة الآب وصنيعته… قال عنهم الإسكندر: »كلّ هؤلاء حرمناهم وحرمنا معهم تلاميذهم«.
(52) diriger, mener
(53) DECA, p. 280; voir M. RICHARD, “Saint Athanase et la psychologie du Christ selon les Ariens”, in Mélanges de Science Religieuse”, 4(1947), p. 5-54.
(54) في تجسّد الكلمة وظهوره بالجسد من أجلنا، ص 12.
(55) المرجع السابق، ص 86.
