لفظ غير مولود ج1 – الحوار الثاني ج1 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

لفظ غير مولود ج1 – الحوار الثاني ج1 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

لفظ غير مولود ج1 – الحوار الثاني ج1 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

 

الحوار الثانى

عن أن الابن أزليّّ مع الله الآب ومولود منه حسب الطبيعة

 

مقدمة: ظُُلمَة المعاندين:

كيرلس: أليس من الصدق أن نقول يا إرميا إن كلمة الحق بسيطة بطبيعتها لأنها تجد راحتها فى القلوب البسيطة وإنها أشهى لدى الكثيرين من ثمرة تعب النحل؟ ونستدل على أن الأمر صادق من الكلمات التى وجهها داود الإلهى إلى الله مخلّص الجميع “مَا أَحْلَى قَوْلَكَ لِحَنَكِي! أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ لِفَمِي”[1].

إرميا: نعم إن كلام الحق فى ملء بساطته لهو أشهى من أقراص العسل، وأنا على استعداد أن أصدّق على هذا الكلام. ولكن المشكلة فى الموضوع الذى نحن بصدده تكمن فى كيفيّة فهم هذا الكلام البسيط.

كيرلس: لا شيء يكشف لنا أن كلمة الحق بسيطة أكثر من حقيقة كونها استُخلِصت من خلال تعقيدات كثيرة وفخاخ عديدة، ولا يوجد فى ـ كلمة الحق ـ أي مظاهر عنف أو كُره، وهى لا تميل بطبيعتها إلى فعل الشر، أى إنها تُظهر قوّتها من أجل الوصول إلى الحقيقة، دون أن تسبب أضرارًا للذين يستمعون إليها. وتستطيع ـ إذا أردت ـ أن ترى ذلك بصورة ساطعة كما فى لوحة مضيئة، إذا تأملت فى هرطقة آريوس وأتباعه[2] والتى أشعر إننى يجب أن أقول فيهم وبكل سهولة هَلْ يُغَيِّرُ الْكُوشِيُّ جِلْدَهُ أَوِ النَّمِرُ رُقَطَهُ؟ فَأَنْتُمْ أَيْضًا تَقْدِرُونَ أَنْ تَصْنَعُوا خَيْرًا أَيُّهَا الْمُتَعَلِّمُونَ الشَّرَّ[3]. وأنا أعتقد أن طريقة تفكير خصومنا لا تختلف فى شئ عن الفهد الذى له ألوان مختلفة ويحمل على ظهره خليطًا من البقع متعددّة الألوان والأشكال. وهم بدورهم لهم ذهن غير منسجم وبلا مضمون أو قوام، ومن قلوبهم تخرج أفكار مستكبرة. وكما هو مكتوب “لِسَانُهُمْ سَهْمٌ قَتَّالٌ يَتَكَلَّمُ بِالْغِشِّ. بِفَمِهِ يُكَلِّمُ صَاحِبَهُ بِسَلاَمٍ وَفِي قَلْبِهِ عداوة.[4]. وهم يظهرون كأنهم لا يعترضون بأى شكل من الأشكال على مجد الابن الوحيد (المونوجينيس) ولكنهم يجرحونه بكلامهم التجديفى الذى لا يُحتمل.

إرميـــا: ماذا تقصد بكلامهم التجديفى؟

كيرلس: إنهم يُسمّون كلمة الله الوحيد بالابن وهذا صحيح، وهم يتفقون معنا فى أنه مولود، ولكنهم يتجنّون على كلمة الحق حينما يقللّون ـ بعدم تقوى ـ من مجد الابن ويقولون إنه من طبيعة أخرى مختلفة عن طبيعة الآب، وهكذا يظهر الابن على أنه غريب عن جوهر الآب، ومن طبيعة أخرى ولا يمت بصلة طبيعيّة للذى وَلَده. وهكذا فحسب كلامهم لا يكون قد وَلَده. وأنا لا أرى وراء وصولهم بهذه السهولة إلى هذه الدرجة من الحماقة إلاّ سببًا واحدًا.

إرميــــا: ما هو إذن؟

كيرلس: هو تشامخهم الشديد واعتقادهم بأنهم أقدر على التحدّث فى الأمور العويصة أكثر من الآخرين، وذلك لأنهم تدرّبوا على المبارزات الكلاميّة التى تُغذّيها الحيّل والتشبيهات الخادعة والالتواءات العقلّية والتى لها شكل جميل، وهذه كلها تؤثر بشكل قوى على أولئك الذين اختاروا أن يحيوا فى بساطة عقلّية.

وهم قد استندوا على حكمة هذا العالم كما يتكئ المرء على قصبة مرضوضة[5]. ولقد جمعوا قاذورات الأفكار المغشوشة حتى أن صحة وسلامة وإستقامة العقائد صارت لا تعنى لهم شيئًا، وهم لا يُفكرون مثلاً فى أن أولاد هارون قد هلكوا لأنهم تحدوا إرادة الله وأحضروا على مذبح التقدمة نارًا غريبة[6]، وهم يرفضون سماع صرخة صوت الناموس القائل: “وَلاَ تُدْخِلْ رِجْسًا إِلَى بَيْتِكَ لِئَلاَّ تَكُونَ مُحَرَّمًا مِثْلَهُ. تَسْتَقْبِحُهُ وَتَكْرَهُهُ لأَنَّهُ مُحَرَّمٌ”[7]. إنها حقًا نار غريبة وملعونة من الله وهى حركة ذهن مشتعل بحكمة شيطانية، وغير مستنير بنور الكتب المقدسة[8].

          إنها لعنة أن يصنعوا تمثالاً ويحوّلونه إلى شبيه بالله، أى يصنعون ابنًا ويزيّنونه بالكرامة والمجد الساطع الذى يليق بالله ولكن هذا كله ليس هو التمجيد الصحيح، لأنه يستند إلى أسماء ومسميّات باطلة يطلقونها على الله. وفى الواقع إن القول إنه مولود، وتسميته ابنًا بدون أن يقال إنه ابن الله ومولود منه، حسب الطبيعة، لا يعنى لنا شيئًا.

          وبالنسبة لنا فإن الكنز مخفى فى أوانى خزفية[9]، والحق عزيز لدينا، بالحري حينما يكون حرًا من حكمة هذا العالم والحيّل الشيطانية.

إرميـــا: نعم بالصدق قُلْتَ إن الحق عزيز لدينا، ولكن أتوسل إليك أن تكشف لنا أعماق مفاهيمهم عن الآب والابن، فإن هذا بالحرى سيعود عليهم بالنفع الكثير.

كيرلس: أنا أدرك تمامًا أن هذا سيعود بالفائدة عليهم. وما دام رأيك أن هذا أفضل شئ فليكن، مادامت “الحبال مرخيّة”، كما يقول الشعراء اليونانيون، لنترك الشاطئ ولنُطلِق الحديث كما تُطْلَق السفينة فى أعالى البحار.

إرميـــا: هيّا بنا إذن .

 

 

نتائج استعمال لفظ ”غير مولود”(Αγέννητος)    (وجهة نظر منطقية):

كيرلس: إن اسم “آب” وكيانه أمران مختصان بذات الله الآب نفسه وقد شرحنا ذلك فى حديثنا السابق[10]. والسبب الوحيد لتميّز الآب بهذه الخصائص هو أنه وَلَدَ الابن. وفى نفس الوقت فإن اسم الابن بدوره، يعتبر من خصوصيات الابن ولقد ذكرنا السبب وراء ذلك، لأنه قد وُلِدَ من الله الآب، وهذا الرأى كما يبدو لنا يعلو فوق كل هجوم.

إرميـــا: إننا نرى الأمر هكذا. وزيادة على ذلك أريد أن أقول لك إننى قد امتلأت بالخوف والرعّدة حينما تساءلت إلى أين يمكن أن تقودنا أفكارهم، ويجب أن تضع فى اعتبارك أنه يمكن لمن انحرفت أفكاره، أن يطرح عليك هذا السؤال: بما أننا قلنا إن اسم آب وكيانه أمران مختصان بالله الآب نفسه بسبب أنه وَلَدَ ولذلك فهو ليس ابنًا، وكذلك الابن هو ابن لأنه مولود. وهكذا فمن الصحيح القول إنه لا يمكن أن يكون هناك تداخل بين الأمرين لأن الآب سيظل دائمًا أبًا ولن يتحّول إلى ابن، والابن سيظل دائمًا ابنًا ولن يتحّول إلى أب، وخاصية الآب هى أنه “غير مولود” بينما خاصية الابن ستظل أنه هو “المولود”. وبما أن هناك فرقًا كبيرًا بين “غير المولود” و”المولود” فهل سيظّل الآب والابن مختلفين وبالتالي من المستحيل أن نتصورهما فى كيانين متماثلين تمامًا؟

كيرلس: ماذا يمكن لمثل هؤلاء الناس أن يفعلوا سوى أن يشوّهوا بساطة جمال الفكر الذى فى المسيح تمامًا مثل مزّيفى النقود الذهبية؟ إنهم يحرّفون كلام الحق المستقيم، ويجدون سعادتهم فى اختراع حكمة غير شرعيّة وبُلغُتَهم المتعّجرفة يحاولون أن يصيبوا جماعة الربَّ بالهلع وذلك إقتداء بما فعله المتعجرف جليات[11].

إرميا: هذا هو الموقف ولابد أن تعرف أن هذا ما سوف يقولونه، وسوف لا يتوّرعون عن أن يسلكوا الطريق التى ذَكَرتَ.

كيرلس: أى إنسان يستطيع أن يدرك أنهم انحرفوا عن التفكير الواجب والذوق الصالح. وما يحتاجون إليه هو أن يبكوا على غباوتهم ويختاروا الحلّ الصحيح بأن يطبقوا على أنفسهم ما قاله آخرون لأَنَّنَا جَعَلْنَا الْكَذِبَ مَلْجَأَنَا، وَبِالْغِشِّ اسْتَتَرْنَا[12]. وهم يجهلون حسب اعتقادى أن “آب” و”غير مولود” لا يمثلان حقيقة واحدة وليس لهما مغزى واحد. فالحقيقة أن أى كائن إذا دُعى “أبًا” فهو ليس بالضرورة وبشكل دائم وفى كل الأحوال “غير مولود”. وأيضًا فأى كائن ما، غير مولود لا يصير أبًا بشكل حتمى. وهكذا (بحسب فكرهم) هناك كائنات كثيرة غير مولودة لأن هناك آباء كثيرون. وإذا كان هناك آلاف من الآباء فبنفس القَدْر يوجد كائنات “غير مولودة”، وهذا هو ما نخرج به من فحص أفكارهم. لأننا إذا فحصنا بدقة، طبيعة الكائنات وميزّنا سبب وجود كل كائن منها، فسوف نكتشف أن هذه الكائنات لم تأتِ كلها إلى الوجود عن طريق الولادة . فهل نعتبر أن القصد من هذه الكائنات وهدف وجودها بلا معنى وقوّة، لمجرد أن “غير مولود” لا تعنى شيئًا واحدًا بالمعنى المطلق .. فهناك كثرة من الكائنات غير المولودة تختلف فى طبيعتها باختلاف الطبيعة. فماذا سوف يقولون إذا سألناهم هنا عن القصد من وراء اسم الأب؟ هل الأهمية في المعنى تقع على أن الكائن وُلِدَ من كائن أخر أو تقع على الذى وَلَدَ؟

إرميــــا: أعتقد الأهم هو الذى وَلَدَ.

كيرلس: هذا صحيح؟ فإذا كان هدف قانون الأبوّة أن يرفع ببساطة كل الآباء إلى مرتبة “غير المولودين” فلماذا لا نستفيد نحن من هذه الرتبة التى لغير المولودين مادام البرهان واضحًا أننا آباء؟ أما إذا كان قانون الطبيعة نفسه لا يرفعنا إلى هذه الدرجة، لأننا بحسب قانون الطبيعة ذاته، مولودون. فلماذا يُزيّفون الحق بقولهم إن حقيقة عدم الولادة هى نفسها خاصية أنه أب، بينما لقب أب فى حالتنا نحن البشر لا يمكن أن يعنى شيئًا إلاّ عندما نَلِدُ؟

إرميــــا: حسب رأيك، بماذا نجيب على الذين يسألوننا إن كان الله الآب مولودًا أم غير مولود؟

كيرلس: أقول إنه بالنسبة لذهن نقيّ، هو غير مولود، ولكن يجب أن لا نعتبر أنه لمجرد كونه أبًا يكون غير مولودٍ. ولكن كونه آبًا يرجع إلى أنه لم يُولد من أى شخص، ومع كونه قائمًا بدون ولادة إلاّ أنه وَلَد ابنه الذى هو كائن فيه و لهذا السبب ندعوه أبًا.

إرميـــا: ليكن، ولكن المشكلة تكمن فى أن هناك فرقًا بين كائن غير مولود وكائن مولود. ومن المستحيل أن نرى الاثنين كشيء واحد وهما مختلفين، وإذا أردت أن لا تعتبرهما شيئين مختلفين بل شيئًا واحدًا فيجب أن تستبدل الواحد بالآخر بدون تحديد، بمعنى أن الأسماء التى للآب والابن يمكن أن تطلق على الاثنين معًا فى وقت واحد، وذلك مثلما نقول غير المرئى وغير الفاسد.

كيرلس: يجب أن لا نهدم اتزان الحقيقة بإزالة الاختلاف بين المولود وغير المولود، وهذا الأمر متفق علية من الجميع، وفى مثل هذه الحالة فإن اختلاف الأسماء والمسمّيات لا يعنى اختلافًا فى الله فى ذاته، هذا الاختلاف معناه فقط أن الله ليس بهذه الطريقة بل أنه غير مولود .. وبماذا سيجاوبون على ذلك، أولئك الذين يَقلِبُون معانى الأشياء، بالرغم ذكائهم الكبير وكبريائهم الظاهر في مثل هذه الأمور؟…

إرميـــا: إذن، هل عدم الولادة شئ عارض بالنسبة لله الآب؟

كيرلس: إطلاقًا! حينما نتكلّم عن الله فإننا نعنى كل ما يخص الله، ولا يمكن أن يتطّرق إلى أذهاننا أن فى الله شيئًا عارضًا، حاشا، ولا تتعّجب، فحينما نتأمل فى أحوالنا، نرى بسهولة نفس الشيء. فرغم أن وجودنا جعلنا نحيا فى الزمن، فنحن مولودون فى نفس الوقت بكل صفاتنا الجوهرية وطبائعنا التى لا تنفصل عنا، وهكذا لا يوجد فى الله شئ يحق لنا أن نعتبره أمرًا عارضًا، والصفات الطبيعيّة الجوهرية لكائن ما أو حتى ما يُنسَبْ إليه لا توجد قائمة بذاتها، وذلك كما نرى فى الإنسان أو فى أى كائن آخر[13]. فهذه الصفات كامنة فى جوهر كل كائن. وإذن ما هى المكانة التى سوف تحتلها “حقيقة عدم الولادة” فى الله نفسه؟ هل هى شئ كائن فى طبيعة الله ووجوده الخاص، وكما يقول أولئك إنه “صفة ذاتية[14] لله الآب”. إذن فهذه الصفة ستصير متميّزة عند صاحبها لأن الشيء الذى ينتسب إلى شئ آخر وفى نفس الوقت له قوام قائم بذاته يعتبر شيئًا متميّزًا عن الذى ينتسب إليه، وهكذا حسب ما يقولون تصير طبيعة الآب البسيطة طبيعة مركبّة، بالنسبة لفهمنا عن الآب وعن غير المولود. ويجب أن لا نُعير الحكمة الشكليّة لهؤلاء الناس، أى اهتمام، بل ننتبه إلى كلمات المخلّص الذى يعرف جيدًا طبيعته وطبيعة الآب الذى وَلَده. والابن لم يُسمِ أباه أبدًا غير مولود بل سماه من أجلنا “أبًا “.

إرميـــا: يقول سليمان لأَنَّ عَصْرَ اللَّبَنِ يُخْرِجُ جُبْنًا[15]، ويبدو لى أن هذا القول الإلهى ذو فائدة كبيرة لنا، لأننا كلَّما اعتصرنا التعاليم الإلهية كلَّما أخرجت لنا زبدًا، وكلَّما اشتقنا بلا حدود للفهم أكثر، كلَّما صار لنا الله اللبن (العقلى)، مصدرًا ـ لا حدود له ـ للتقوى. وألتمس منك العذر لأنى لحوح وأُكثِر من السؤال ولكن أريد أن تجيب عن سؤالى هذا: هل كان الابن يعرف أن الآب “غير مولود”؟

كيرلس: نعم هذا أمر لا أنكره أبدًا لأنه لا يستطيع الإنسان أن ينكر الشيء الواضح وضوح النهار، ولكن رغم معرفته بأن الآب غير مولود وغير مرئى وأزلىّ، إلاّ أنه لم يذكر أيًّا من هذه الصفات، ولكن فى المقابل سمّاه “آب” حينما قال أَحْمَدُكَ أَيُّهَا الآبُ رَبُّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وأيضًا “أَنِّي مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَرَجْتُ، بل أيضًا حينما وضع السيَّد قانون المعمودية المقدسة، أى أساس الإيمان الذى بلا عيب لكل الذين يوجدون تحت الشمس، فإنه لم يذكر شيئًا عن هذه التعبيرات “الأزليّ” و”غير المولود”، ولكن أوصى بالمعمودية “باسم الآب والابن والروح القدس”.[16] وحسب رأيىَّ فإن الربَّ قد اختار التعبيرات التى تُظهر لنا بدقة، الوجود الخاص بكل ما يعنيه، أى الصفات المشتركة فى اللاهوت، وذلك بدلاً من الحديث عن كل ما يخص الجوهر الإلهى، بالطبيعة. وحينما نقول الطبيعة الإلهية، فإنما نعنى كل الثالوث القدوس فى الله الواحد، ولا نعنى كل أقنوم على حده. بينما حين نتناول البحث فى “الآب والابن والروح القدس” فإننا لا نقصد كشف كل الطبيعة الإلهية بلا تميّيز، ولكننا نبدأ بقدر الإمكان بتمييّز الأقانيم كل أقنوم بحسب خاصيته، لنصل إلى إدراك وحدتهم الجوهرية، حسب طاقتنا.

          والمصدر الذى لا يوجد قبله شئ هو الآب، والذى وُلِدَ من هذا المصدر بالطبيعة، ندعوه الابن. وهذا الابن ليس فى عداد الكائنات المخلوقة الحاصلة على وجودها بالولادة داخل الزمن الحاضر، وهو ليس أقل شأنًا من الآب من جهة طبيعته الخاصة النورانية، وهو قائم في الآب أزليًا، والذي يساويه فى كل شئ ماعدا حقيقة “الأبوّة”، التى لا تناسب إلاّ الله الآب وحده. وأما الروح القدس فيمكنك أن تشرحه هكذا: إنه انسكب من طبيعة الله الآب بالابن، وذلك مثل النَفَس الذى يخرج من أفواهنا ويدل على وجودنا الخاص، وهكذا تلاحظ بوضوح وبدون خلط أن كل من الأقانيم الثلاثة له مزيته الخاصة به، وذلك فى الطبيعة الواحدة المتساوية فى الجوهر والمسجود لها من قِبَلْ كل الكائنات.

[1] مز119: 103س.

2 رغم أن الموضوع الذي يدافع عنه ق. كيرلس في هذه الحوارات، هو ألوهية الابن، الأمر الذي كان ينكره آريوس وأتباعه، إلاّ أنه لم يذكر اسم آريوس أو أتباعه بل كان يشير إليهم بقوله “المعارضين أو “المخالفين”

3 إر13: 23.

4 إر9: 8س.

5 إش 36: 6.

6 لا10: 1-3.

7 تث7: 26.

8 راجع ما يقوله ق. أثناسيوس في هذا الصدد: تَجسُّد الكلمة، ترجمة د. جوزيف موريس فلتس. المركز الأرثوذكسي لدراسات الآبائية ج1: 4، 2006 فصل 57: 1. وقد سبق أن اشار ق. كيرلس لأهميّة الكتب المقدّسة ناصحًا ايانا “بأنه لا يجب أن نلجأ للكتب المقدسة بنفس رخوه” وذلك في الحوار الأول من هذا الكتاب. 

9 2كو4: 7.

10 يقصد في الحوار الأول في هذا الكتاب.

11 انظر 1صم17: 4، 54.

12 إش28: 15.

[13] اعتاد الآباء الكلام عن الإنسان لِيَسُهل عليهم توصيل المفاهيم عن الله ( المترجم ).

[14] خاص أو ذاتى ‡διον من الكلمات الهامة فى شرح الثالوث عند الآباء ويستخدموها أيضًا عن التجسّد بقولهم “جسده الخاص” “σëμα  “‡διονراجع مثلا ق. أثناسيوس: تجسّد الكلمة، المرجع السابق الفصول 8/4، 10/1، 14/8، 17/1، 31/4، 43/4.

15 أم30: 33.

16 سيعود القديس كيرلس للحديث عن أهمية الإيمان الثالوثي والذي على أساسه تُجرى المعمودية. انظر ” حوار حول الثالوث ” ج2، ص11.

 

لفظ غير مولود ج1 – الحوار الثاني ج1 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

مضمون تعبيرّى “ابن” و”ولادة” – الحوار الأول ج6 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

مضمون تعبيرّى “ابن” و”ولادة” – الحوار الأول ج6 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

مضمون تعبيرّى “ابن” و”ولادة” – الحوار الأول ج6 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

 

الحوار الأول

الابن أزلي مع الله الآب ومساوٍ له في الجوهر

مضمون تعبيرّى “ابن” و”ولادة”:

إرميـــا: إنهم يقولون إنه ابن وإنه مولود، ويخجلون من أظهار أنهم يتناقضون مع الكتب المقدَّسة، إذ هم لا يرونه مولودًا من جوهر الآب ولا يرون أنفسهم ملزمين بقبول الولادة كأمر خاص بالطبيعة.

كيرلس: إنهم يعطون معنى مزيفًا لتعبيري البنوّة والولادة. فهم يبعدونهماـ كما ترى بنفسكـ عن جوهر الله الآب. وهكذا يزدرون بالمعنى الصحيح للولادة وبذلك يحرمون الابن من كونه ابنًا بالطبيعة. ولكنهم إن كانوا يعتقدون أنهم حاذقون وذوو رؤية ثاقبة وقد أصابتهم أفكارهم بنشوة كبيرة، فكيف فاتتهم الحقيقة الواضحة وهى أنهم بأفكارهم هذه إنما يقللّون من كرامة الله الآب نفسه؟ لأنهم بهذا يؤكدون أنه عقيم ولا قدرة له على الولادة بينما الخصوبة مغروسة في طبيعة الكائنات الفانية، وهى بنعمته تثمر وتملأ الأرض.

إرميــا: ربما يقولون إنه إذا طبقّنا مبدأ الولادة على الله فهناك آلاف المولودين الذين يجب نسبتهم لله كما يقول الكتاب بخصوص الشعب: رَبَّيْتُ بَنِينَ وَنَشَّأْتُهُمْ[1].

كيرلس: هؤلاء الذين يقولون هذا ينطبق عليهم ما يقوله الطوباوي داود إنهم َيتَعَلَّلَون بِعِلَلِ الشَّرِّ مَعَ أُنَاسٍ فَاعِلِي إِثْمٍ[2]، فإذا اتفقنا أن ننسب للابن شيئًا آخرً فيما يخص طبيعته وحسب ما نؤمن به فهو إنه ابن وإنه مولود. وهم قد ارتكبوا خطأ كبيرًا ضد الحق حينما غيرّوا طبيعة الابن وذلك لكي ينعتوه “بالوسيط”. وسوف نقنعهم بأنهم قد صنعوا بمماحكة الكلام خرافات مصطنعة ولم يتوقفوا حتى أنزلوه من عُلُّوه الجوهري مع الآب. وحتى بعد هذا لم يكف هؤلاء البؤساء من أن يصفوا الابن الحقيقي بأحط الألفاظ حتى دَعُوه ابن “زنا”. فالابن الوحيد لم يرتفع إلى المجد، مجد التبنّى، لكونه من نفس طبيعتنا ولكونه اشترك معنا فى كل شئ، فهذا محض افتراء، لأنه بذلك يكون قد صار ابنًا بالنعمة مثلنا ويُحسب فى عداد الخليقة. ولكن هذا الكلام لا يتعدى الهذيان، والثرثرة وركام من الأفكار الكافرة. فالابن الوحيد لا يحتاج أن يصير على مستوى الأولاد بالتبنى لأنه يدرك سمو مكانته الإلهية، وعمق بنوّته الطبيعية لله. ولهذا لا نجد صعوبة فى فهم ما قاله لليهود إِنْ قَالَ آلِهَةٌ لأُولئِكَ الَّذِينَ صَارَتْ إِلَيْهِمْ كَلِمَةُ اللهِ، وَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يُنْقَضَ الْمَكْتُوبُ، فَالَّذِي قَدَّسَهُ الآبُ وَأَرْسَلَهُ إِلَى الْعَالَمِ، أَتَقُولُونَ لَهُ: إِنَّكَ تُجَدِّفُ، لأَنِّي قُلْتُ: إِنِّي ابْنُ اللهِ؟[3].

          فإذا كانوا قد دُعوا أبناءً وآلهةً لأن الكلمة قد جاءت إليهم، فكيف لا يكون هو ابنًا بالأولى، بل إن الله، بواسطته سمّى هؤلاء أبناءً؟ فهو ابن بالحقيقة، ولقب “ابن” ليس شيئًا مضافًا إليه. بل إن لقب ابن يكشف عن كينونته، كما أن لقب “آب” يكشف عن أبوّة الله. فالآب يُدعى آب لأنه وَلَدَ الابن، والابن من جانبه يُدعى ابنًا لأنه مولود من الآب. ولهذا فقد شرحنا بطرق كثيرة ومختلفة خصائص الطبيعة الإلهية، ووصلنا إلى المعرفة المطلوبة للموضوع، ولا أريد أن أضع تعبيرّي البنوّة والأبوّة ضمن طرق الشرح هذه [4].

إرميـــا: ماذا تعنى؟

كيرلس: سوف أشرح لك مادُمتَ تريد أن تعرف. يوجد عندنا طريقان اعتدنا أن نميّز بهما الخصائص الأساسية للطبيعة الإلهية. فنحن نعّرف الطبيعة الإلهية:سواء بما تمثله كما هي (إيجابي). أو بما لا تمثله (سلبي).

فحينما نسميها نور وحياة فنحن ننطلق مما نعرف عنها. وحينما نقول إنها غير مرئية وغير فانية فنحن ننطلق من التعريف بما ليس فيها. فهي غير قابلة للفساد وغير مرئية[5]، وهذا هو معنى الصفات التي نطلقها. أليس ذلك صحيحًا؟

إرميــــا: نعم.

كيرلس: وإذا كنا نقول إن الآب هو نور وحياة وفوق ذلك هو غير فاني وغير مرئي، أفلا يكون من العدل والصواب أن نفكر بنفس الطريقة المستقيمة وننسب كل ذلك إلى طبيعة الابن، أي نحتفظ لله الكلمة بنفس ألقاب الله الآب؟

إرميــــا: نعم.

كيرلس: وإذا قلت إن الآب هو مَلِكْ أفلا يكون للابن نصيب في المُلك؟

إرميـــا: وكيف يكون غير ذلك؟

كيرلس: قد يُظَنْ أن المزايا المشتركة توجد فقط في التفوّق والمجد. فالحقيقة التي لا تُكذب أبدًا هي أن المسيح قال لأبيه السماوي َكُلُّ مَا هُوَ لِي فَهُوَ لَكَ، وَمَا هُوَ لَكَ فَهُوَ لِي، وَأَنَا مُمَجَّدٌ فِيهِمْ[6]، فلو كنا ننسب للآب إنه آب وللابن إنه ابن، على سبيل الكرامة والأمور الأخرى، فما الذي يمنعنا (في هذه الحالة) من أن نزيل التمييّز بين الاثنين، وندعو كلا منهما آب وابن معًا على أساس أنهما يملكان نفس المزايا المشتركة.

إرميـــا: هذه أفكار غير مقبولة ولا مألوفة؛ فالآب لا يكون أبدًا غير ما هو عليه أي آب، والابن كذلك فهو يبقى ابنًا ولا يمكن أن يكون آبًا.

كيرلس: هذا إيمان مستقيم وحقيقي يا إرميا. فأنت توافق بشكل حاسم على أن اسم الآب ليس لقبًا شرفيًا واسم الابن كذلك. فكل اسم مثلما سبق وتكلّمنا عن النور والحياة هو اسم كل واحد ويُظهره كما هو.

إرميــــا: بكل تأكيد .

كيرلس: هناك حقيقة يجب أن لا نجهلها وهى أن الأسماء، كل اسم حسب قيمته، تنشئ نوعًا من الالتباس الذى يحتاج إلى إيضاح ويستدعى أن نحدد لكل لفظ معناه الثابت، ولهذا فيجب أن نعطى لكل من الآب والابن ألقابًا تليق بكينونتهما، فالآب يُدعى “آب” وليس “ابن”، لأنه وَلَدَ، والابن يُدعى “ابن” وليس “آب” لأنه مولود. وتخّيل للحظة ولو بالتأمل، أننا لا ننسب للآب أنه آب ولا للابن أنه ابن، فكيف إذن يمكن أن نُحددّ أقنوم كل واحد؟ فهل نُحددّه بالصدفة، بأن نُسميّه مَرّة الله ومَرّة حياة أو عديم الفساد أو غير المرئي أو الملك؟ ولكن هذا لا يكفى لتحديد الأقنوم! فلكل من الاثنين ما يميّزه عن الآخر، فكيف نميّز بينهما؟ حينما نقول الآب فنحن نُحددّ إنه آب لأنه وَلَدَ، والابن هو ابن لأنه بالحقيقة وُلِدَ، إذن خصوصيات كل أقنوم هي ما يعود إليه، وإليه فقط. بينما عموميات اللاهوت تقال عن الاثنين. وفى العموميات تندرج كل الكرامات التي للطبيعة، ولكن الخصوصيات تُحددّ من ناحية الذي وَلَد، ومن ناحية أخرى المولود، أي الآب والابن.

93 إش2:1.

94 مز141: 4س.

95 يو10: 35-36. لقد تناول ق. كيرلس هذه الآية بالشرح المستقيم في سياق شرحه لإنجيل يوحنا. انظر: شرح إنجيل يوحنا: ترجمة ومقدمة، د. موريس تاوضروس ود. نصحي عبد الشهيد. المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية. ديسمبر 2003، ج5، ص154-157.

[4] يقصد القديس كيرلس أن طُرق الشرح هذه تقودنا إلى معرفة البنوّة والأبوّة، ولذلك فالبنّوة والأبوة ليست ضمن الشرح.

97 الملاحظ أن ق. كيرلس يعود مرّه أخرى إلى شرح نفس النقطة التي سبق أن تعرّض لها من قبل انظر ص25.

98 يو17: 10.

مضمون تعبيرّى “ابن” و”ولادة” – الحوار الأول ج6 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

الواحد في الجوهر – الحوار الأول ج5 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

الواحد في الجوهر – الحوار الأول ج5 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

الواحد في الجوهر – الحوار الأول ج5 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

 

الحوار الأول

الابن أزلي مع الله الآب ومساوٍ له في الجوهر

عودة إلى موضوع الهوموأوسيوس (الواحد في الجوهر)  ووساطة الابن :

إرميــــا: إنهم يؤكدون أن الابن مختلف عن الآب حسب الطبيعة. ولهذا فهم لا يقولون شيئًا عن “مساواته للآب في الجوهر”، وأضافوا ملحوظة غريبة وهى أننا يجب أن نسميّه “مشابه للآب في الجوهر” مع الاحتفاظ بلقبه كوسيط، معتبرين أن هذا أنسب لقب له.

كيرلس: وماذا نُسمىِّ ذلك إلاّ لونًا من الهذيان وثرثرة العجائز؛ إنهم يعطونه طبيعة متوسطة ثم يقولون إن هذا يفرض علينا أن نسميّه “وسيطًا”، وإلى أين يؤدى بنا هذا الكلام؟ وإلى أي فكر سنصل؟ أنا لا أرى مخرجًا، وإذا كنت تعرف أنت فقل لي، فإن اشتياقي للمعرفة لا يساويه شئ في الكون.

إرميــــا: وماذا أستطيع أن أقول أمام هذه الأمور؟

كيرلس: اسأل نفسك وتعلّم بأقصى سرعة إذا كان الوسيط هو مولود أو مخلوق، أهو الله الحقيقي أم نحسبه من ضمن المخلوقات، وحسب رأى أولئك لا هو الله الحقيقي ولا هو مخلوق بشكل واضح فأي موضع سنجد له بين الكائنات؟ وحتى لو تركت نفسي للتأملات العالية، لا أجرؤ أن أقول شيئًا.

إرميـــا: إنه موجود (حسب رأيهم) بين الاثنين، الله والخليقة ولهذا فهُم يدعونه وسيطًا.

كيرلس: لا يوجد كلام غير واضح مثل ذلك ولا تفكير غبي مثل هذا التفكير. وحتى ولو تتبّعنا كل درجات الكائنات وفحصنا طبائعها بشكل دقيق، فلن نجد طبيعة مجرّدة من كل معايير الألوهة الحقة، وهى لا تخضع لمفهوم الكائن المخلوق، طبيعة تشكّل لونًا من ألوان الكائنات الأكثر سموًا من البشر. فهل هناك كائن متوسط بين المولود وغير المولود، بين المخلوق وغير المخلوق، بين المتغّير وغير المتغّير؟

إرميـــا: لا أعتقد ذلك والحق معك .

كيرلس: حينما نفحص الطبائع في مجملها، نجد اثنتين:

الأولى هي الكائنة دائمًا والمكتفيّة بذاتها، والثانية هي التي تحصل على الوجود بالخلق. والطبيعة الكائنة بشكل غير مخلوق تعلو على كل شئ، وتملك كل إمكانيات التفوّق والسمّو، والأخرى توجد تحت أقدام سيدها. ونتّعلم ذلك بوضوح من كلام المسيح مع جمع اليهود: أَنْتُمْ مِنْ أَسْفَلُ أَمَّا أَنَا فَمِنْ فَوْقُويشرح الحكيم يوحنا كيف جاء إلينا الابن الوحيد من فوق “اَلَّذِي يَأْتِي مِنْ فَوْقُ هُوَ فَوْقَ الْجَمِيعِ”[1]. وهو يعتقد أنه يجب أن نُعطِى للذي هو الله بالطبيعة كل المقام الذي يليق به، لأن قوله “من فوق” ليس المقصود به المكان أو الارتفاع، ولكن يدل على جوهر الآب. وكيف نترّدد في ذلك وقد قال أحد القديسين بوضوح “كُلُّ عَطِيَّةٍ صَالِحَةٍ وَكُلُّ مَوْهِبَةٍ تَامَّةٍ هِيَ مِنْ فَوْقُ، نَازِلَةٌ مِنْ عِنْدِ أَبِي الأَنْوَارِ، الَّذِي لَيْسَ عِنْدَهُ تَغْيِيرٌ وَلاَ ظِلُّ دَوَرَانٍ”[2]؟ فإن مَنْ يفوق الملائكة والكائنات الاسمي منها ـ ليتفوّق على السيرافيم أنفسهم ـ فلن يكون قد تعدّى الطبيعة الخاضعة للتغيّير أي المخلوقة. لأنه إما أن يكون “من فوق” أي من أبى الأنوار، والوحيد الذي من فوق هو الابن، أو أن نعتبره “من أسفل” وبالتالي فهو ينتمي إلى الخليقة، وبين الخالق والخليقة لا يوجد شئ. وإذا سألنا هؤلاء الذين يقفون ضدنا، هل الابن خاضع للتغيّير أم لا؟ وكيف يكون وسيطًا وخاضعًا للتغيير؟ ماذا سيقولون؟

إرميــــا: أعتقد أنهم سيقعون في مأزق.

كيرلس: في مأزق؟! وأي مأزق، لأنه مكتوب: “لأن الحق حي وهو غالب وسيغلب إلى الأبد”[3] ولنحاول أن نفحص بأنفسنا النهاية التي سوف يقودنا إليها التمعّن في الطريقتين. فإذا قالوا إن هذا الوسيط غير خاضع للتغييّر أي غير مولود، فإنهم بهذا ينسبون إليه الطبيعة اللائقة بالله، وبهذا فإنهم يظهرونه وكأنه يتعدّى حدود الوساطة، ويصير أعلى من وضعه الطبيعي، لأن الذي هو فوق الجميع هو الله حسب المجد والطبيعة، وله خصوصية عدم التغييّر ويستحيل أن نضع هذه الطبيعة بين الطبائع الخاضعة للتغّير والفساد. وإذا تراجعوا وقالوا إنه مخلوق، فكيف ينفرد عن باقي المخلوقات وبأي حق؟ فكيف يكون وسيطًا مَنْ هو أصغر من الله بالطبيعة وأكبر من المخلوقات بالطبيعة؟ فلو أنه غير قابل للتغيّير فسوف يرتفع إلى مجد اللاهوت ويتعدّى حدود الوساطة. وأما إذا كان قابلاً للتغييّر فسوف يهبط إلى أسفل، ويصير غير أهل للوساطة لأنه سيتساوى مع باقي الكائنات. ما هذه السفسطة الخالية من كل محبة حقيقية للحكمة!.

          والذي يُقدّم أمرًا على أنه مفهوم وهو غير مفهوم ويوهمنا أنه يمكن أن نحدد مكانًا لطبيعة ما، لا يستطيع أي فكر أن يصل إليها، فهذا يعتبر كلام مبتدع وغير مفهوم، بينما الكلام في مثل هذه الأمور يجب أن يكون واضحًا. وهكذا يتضّح أنهم يخدعون الناس بأفكارهم غير المنطقية وأعمالهم الخالية من التقوى. وهم بهذا يَهينون الابن ويحرمونه من المساواة مع الله الآب في الطبيعة ويحاولون أن يجدوا له وضعًا وسطًا، أو مجدًا صغيرًا بأن يرفعوه قليلاً فوق الكائنات المتغيّرة، ويُغلقون عليه الطريق إلى الآب، ويحرموننا من رؤيته إلهًا بالطبيعة. وهم بهذا يحددّون له المجد الذي يتلائم مع أفكارهم وأمزجتهم. وهؤلاء الناس أُشبهّهم بصانعي التماثيل وهم ذوو صيت في هذه الحرفة، فهم ينحتون الخشب أو الصخر ويُعطونه شكلاً إنسانيًا ثم يُضيفون عليه من الخارج قشرة من الذهب أو ألوانًا أخرى جذابة حتى يفتنوا العيون التي تنظر إليها، وهكذا يصرفون النظر عن التمتّع بما هو مُخفى في الداخل، ويصلون إلى إقناع الناظرين بأن يستنفذوا كل فرحهم واهتمامهم بالشكل الخارجي الفاني. وفى رأيي أن هذا هو ما يحدث تمامًا في حديثهم عن الوسيط. فهم يخدعون عقول البسطاء بأفكار جذابة وشكليّة، وهؤلاء (البسطاء) لا يستطيعون أن يسبروا أغوار أفكارهم المتناقضة واستنتاجاتهم المزيّفة.

إرميــــا: ما أروع هذا الكلام .

كيرلس: وإذا كان لديهم أقل تقدير للتفكير السليم فما كان يجب أن يلصقوا بالمسيح أمورًا غير مفهومة ولا أن يطلقوا العنان للتعبيرات التى تصدر من مجرد تأملات نظّرية بلا مضمون فعلى، ويجب عليهم أن يروا بوضوح وبلا دوران أن الابن يسكن في الأعالي اللاهوتية أي أنه من ذات طبيعة الآب ـ وما عليهم سوى التمعّن في الأمر ـ فالابن مولود من الآب، أي صادر من جوهره، ولأنه ابنه فلابد أن يكون له نفس الجوهر. ألم يعلن الله الآب نفسه أن الابن هو “ابن حقيقي وليس شيئًا آخرً  حينما أعلنها مدوّية هذَا هُوَ ابْني الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ[4]. ولماذا لا نتصّور أنه يقول “هذا هو الوسيط بيني وبين الناس”؟ وأعتقد أنه كان سيقولها، لو كان قد وضع في حسابه أنه سوف يوجد مَنْ يتصّور وساطة الابن بهذا الشكل المريض. ولكن حتى لو اكتفينا بقوله “ابني الحبيب” فقد قال الله كل شئ بهذه العبارة، لأنه حدّد فعلاً مَنْ سيكون وسيطًا. بينما فيما يخص الإعلان عن الابن الذي صار إنسانًا، فالله الآب له الحرّية أن يختار الاسم المناسب. وقل أنت هل وَصَلَت بهم الحماقة والغباء إلى درجة أنهم لا يعترفون به حتى كابن.

89 يو3: 31. سبق أن تعرّض ق. كيرلس لشرح هذه الآية بالتفصيل وبيان المعنى الحقيقي لتعبير “مِنْ فَوْقُ” الذي يدل على وحده جوهر الآب والابن وذلك في سياق شرحه لإنجيل يوحنا. انظر: شرح إنجيل يوحنا ترجمة د. جرجس كامل. مقدمة ومراجعة د. نصحي عبد الشهيد المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية مايو 1995 ج2. الفصل الثاني ص35 ـ40.

90 يع1: 17.

91 عزرا الأول 3: 12، 4: 38 وهو أحد الأسفار التي لم تعتبرها الكنيسة من ضمن الأسفار القانونية.

92 مت17: 5.

 

الواحد في الجوهر – الحوار الأول ج5 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

طبيعة الوحدة – الحوار الأول ج4 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

طبيعة الوحدة – الحوار الأول ج4 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

طبيعة الوحدة – الحوار الأول ج4 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

 

الحوار الأول

الابن أزلي مع الله الآب ومساوٍ له في الجوهر

طبيعة الوحدة بين الآب والابن:

كيرلس: الابن مساوٍ للآب في الجوهر، لأنه بالحق خرج من الآب، وهو فيه بالطبيعة والجوهر. وكما إننا لا نستطيع أن نقول بشكل قاطع إنه مساوٍ لنا في الجوهر بدون أن يكون قد صار إنسانًا، كذلك بنفس الدرجة لا نستطيع أن نقول إنه في الله وواحد معه، إلاّ إذا كان له فعلاً كل خصائص طبيعته، ولا كان ممكنًا للبشر أن يكونوا شركاء الطبيعة الإلهية إلاّ بواسطة الغنى الذي سكبه عليهم الابن، وبواسطته. إن الابن له اتحاد حقيقي وطبيعي بالآب، ونستطيع بدون عناء أن نتعرّف على مكانة الابن من حديثه مع الآب السماوي حينما يقول: لِيَكُونَ الْجَمِيعُ وَاحِدًا كَمَا أَنَّكَ أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ فِيَّ وَأَنَا فِيكَ لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضًا وَاحِدًا فِينَا لِيُؤْمِنَ الْعَالَمُ أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي. وَأَنَا قَدْ أَعْطَيْتُهُمُ الْمَجْدَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي لِيَكُونُوا وَاحِدًا كَمَا أَنَّنَا نَحْنُ وَاحِدٌ. أَنَا فِيهِمْ وَأَنْتَ فِيَّ لِيَكُونُوا مُكَمَّلِينَ إِلَى وَاحِدٍ[1].

إرميـــا: وإذا قالوا إن وحدة الابن مع الآب، تشبه ما نلاحظه فى علاقاتنا نحن البشر، فبماذا نجيب؟ دعنى أوضح ما أريد قوله. مكتوب: “َكَانَ لِجُمْهُورِ الَّذِينَ آمَنُوا قَلْبٌ وَاحِدٌ وَنَفْسٌ وَاحِدَةٌ”[2]، فعلى الرغم من كونهم نفوسًا عديدة صاروا نفسًا واحدة. وهذا لا يعنى وحدة الطبائع ولكن وحدة الإرادة والهدف والفكر، ولأن الابن له نفس مسرّة الآب، فهو واحد معه فى الإرادة والفكر مثلنا نحن البشر فى علاقتنا بعضنا ببعض. وهكذا يذهب هؤلاء البؤساء إلى كل مكان ويدمّدمون بهذه الكلمات.

كيرلس: ولكن هذا يدل مرّة أخرى على أنهم يرتكبون جريمة واضحة بغباوتهم التى وصلت إلى حد بعيد، وأن حالة من التوتر تقود أفكارهم. ومعروف أن الأفكار المنحرفة إنما تصدر عن أناس فقدوا إتزانهم، وكما هو مكتوب أن “اللَّئِيمَ يَتَكَلَّمُ بِاللُّؤْمِ وَقَلْبُهُ يَعْمَلُ إِثْمًا لِيَصْنَعَ نِفَاقًا وَيَتَكَلَّمَ عَلَى الرَّبِّ بِافْتِرَاءٍ”[3]. وكيف لا نرى اللؤم والجهل والعبث الذى وصل إلى حد لا يطاق فى حديثهم وتأييدهم لفكرة أن وحدة الابن مع الله الآب ليست أمرًا جوهريًا؟ بل هى أمر اختيارى أو اتحاد بالإرادة، وهو بذلك لا يختلف كثيرًا عن البشر المدعوّين للتبني، والذين يطلق عليهم الاسم الإلهي بإرادة الآب بسبب أن فضائلهم جعلتهم أهلاً للحصول على هذا المجد العظيم. وبهذا الشكل ماذا يمنع أي واحد من القديسين من أن يفكر، بما إنه صَنَع ما يرضى الله ومسّرة السيد، فيمكنه أن يستخدم كلمات الابن الوحيد ويتوّجه بها إلى الآب قائلاً كَمَا أَنَّنَا نَحْنُ وَاحِدٌ؟[4]. فليُظهروا لنا إذا كان أحد القديسين قد تجرأ ونطق بهذا الكلام. والحقيقة أن القديسين كلّما وصلوا إلى مرتبة عالية في القداسة، كلّما تذّكروا خطاياهم ولم ينسوا طبيعتهم البشرية[5]. وهناك آلاف الشواهد الكتابيّة على ذلك، ولكنى أترك هذا التدرّيب الروحي للذين يحّبون العلوم المقدّسة، غير إنى سأواجه ما يقدّم من حجج، وأعود إلى الوراء قليلاً لأكلّمهم عن الوحدة كما نحياها نحن البشر فيما بيننا، إنها وحدة بالإيمان كما يتفق على ذلك الجميع، هذه التي تقرّبنا من بعضنا وليس هناك اختلاف في الجوهر يمكن أن يفرّق بيننا حتى ولو كان لكل واحد فينا أقنومه الخاص. نحن جميعًا واحد في الجوهر الإنساني الواحد، أما فيما يخص وحدتنا مع الله، فالأمر لا يقتصر على مجرد ميل الإرادة، ولكن هناك عامل أخر يُكلّمنا عنه الطوباوي بولس حينما يقول “فَإِنَّنَا نَحْنُ الْكَثِيرِينَ خُبْزٌ وَاحِدٌ جَسَدٌ وَاحِدٌ لأَنَّنَا جَمِيعَنَا نَشْتَرِكُ فِي الْخُبْزِ الْوَاحِدِ”[6]. وهل تجهل أن الأمم يتحدّون بالمسيح بالإيمان والأولوجيا (البركة) السرائرية؟

إرميــــا: لا طبعًا أنا لا أجهل ذلك ..

كيرلـس: هل نحن فيما بيننا نحيا في وحدة الطبيعة والإرادة مثل تلك الوحدة التي سوف نكتشف إنها لنا في المسيح.

إرميــا: ماذا تريد أن تقول، فإني لا أستطيع أن أفهمك بسهولة.

كيرلس: لا يوجد شئ صعب في هذا الكلام، وما أقوله يفهمه كل إنسان حكيم ومطلّع على الأمور. نحن الذين ننتسب للبشّرية، نحن نرتبط أولاً بعضنا ببعض ارتباطًا وثيقًا، وذلك برباط طبيعتنا الواحدة وفى نفس الوقت مرتبطون ومتحدون بطريقة أخرى، فكل منا له أقنومه الخاص، فالواحد بطرس والآخر يوحنا، وواحد توما والآخر متى، وقد صرنا أعضاء في جسد المسيح، نتغذى على نفس الجسد ومختومين في الوحدة بالروح القدس. ولأن المسيح غير منقسم فنحن واحد فيه وهذا هو السبب وراء قوله للآب السماوي لِيَكُونُوا وَاحِدًا كَمَا أَنَّنَا نَحْنُ وَاحِدٌ“. ففي المسيح وبالروح القدس نحن واحد بالجسد وبالروح. وما نعيبه على الذين لهم رأى أخر إنهم لا يفهمون النصوص الخاصة بطبيعتنا البشرية.

إرميـــا: إنهم مخطئون وملامون بكل تأكيد، ولكن اسمح لي ـ أنا المشتاق للمعرفة ـ أن أسألك، إذا كنا نقبل أن يُقال إن الابن متحد بالآب تمامًا مثل اتحادنا نحن ببعضنا البعض، أم أن وحدة الابن بالآب أسمى من وحدة البشر؟

كيرلس: الابن متحد بالآب مثلنا، وفى نفس الوقت أسمى منا، فالكلّ متفقون على أنه واحد في الجوهر (هوموأوسيوس) مع ذاك الذي وَلَده، لأنه ابنه الحقيقي. وهذا الأمر كائن في أقنومه الخاص، ولكن وحدتهما طبيعية، ولا يمكن أن تتعّرض الأقانيم لأي تغييّر كما يظن البعض، بحيث إن نفس الأقنوم يكون أبا وابنًا. ولكن كل أقنوم قائم بذاته ويمتلك وجودًا خاصًا به. ووحدة الجوهر هي التي تُعرِّف وحدة الأقانيم معًا.

إرميــا: أتريد أن تقول إن الابن موجود بجوهره الذاتي
(῎ιδια οὐσία)  بجانب جوهر الآب ؟

كيرلس: ليس بجوهر أخر غير جوهره كإله، ولكن بأقنومه الخاص كابن.

إرميــــا: إذن يجب أن نميّز بين الجوهر و الأقنوم.

كيرلس: نعم، هناك فارق كبير بين الاثنين وذلك لأن الجوهر يحتوى كل الصفات الجوهرية.

إرميـــا: كيف تشرح ذلك، أعذرني لأني بطئ الفهم في مثل هذه الأمور.

كيرلس: يجب أن تعرف أنه حتى بالنسبة لي شخصيًا، فالحديث في هذه الأمور ليس بالأمر السهل، ولكن لابد أن نفحص الأمر، فالجوهر هو حقيقة مشتركة، بينما الأقنوم يُطلق على الأقانيم المُشتَرِكة في هذا الجوهر الواحد، انتبه فسوف أشرح لك ذلك:

إرميــا: وكيف يكون ذلك؟

كيرلس: نحن نُعرّف الإنسان بأنه “حي وناطق وفاني” وهذا هو المفهوم المناسب له، ونحن نقول إن هذا يُعبّر عن جوهره. وهذا التعريف ينطبق على كل الأفراد فردًا فردًا، وهنا يجد توما ومرقس وبطرس وبولس مكانهم الصحيح حسب اعتقادي، وهكذا نحدّد الجوهر ولكننا لا نحدّد بعد ماهية الأشخاص الذين نتكلّم عنهم بشكل دقيق. فحينما نقول “إنسان” بشكل عام فهو ليس بطرس ولا بولس، وحينما نقول توما وبطرس فنحن لا نخرج من حدود ما نسميه بالجوهر الواحد وهذا لا يقلّل من كل منهم “كإنسان”، فقد أظهرناه موجودًا بأقنومه الخاص.

          إذن الجوهر هو لكل إنسان دليل على النوع، أما الأقنوم فهو يطلق على كل واحد في ذاته، دون أن ننسى أنه يشير أيضًا إلى شركة الجوهر ولكن دون أن نخلط بين العام والخاص.

إرميــــا: الآن أفهم ما تعنى، لأن عرضك لا يخلو من لباقة وبراعة.

كيرلس: وبقولنا واعترافنا بأن الابن “هوموأوسيوس” مع الله الآب، نُقّر أيضًا أن له “أقنومه الخاص” وهذا معناه أنهما متحدان ومتميّزان في نفس الوقت. وهكذا نصل من الوحدة إلى تمايز الأقانيم. ووحدة الجوهر في كل شئ، والوحدة والمساواة القائمة بين الآب والابن تتعدى تمايز الأقانيم في الآب والابن وتُقدمهما بشكل غير منقسم، ولا نستطيع أن ننزع عن كل أقنوم ما هو خاص به، وذلك لأن الواحد آب وليس ابنًا والابن ابن وليس أبًا.

إرميــا: إذا وافقتني، نستطيع القول إنه يوجد جوهران الآب والابن وهكذا فالتمايز يصير واضحًا .

كيرلس: لا يمكن أن نميّز جوهرين، لا تترك نفسك تُخدع بآراء أولئك الناس ذوى الأفكار الفاسدة، لا تترك الطريق الممّهدة، لتضيع في متاهات.

إرميــــا: كيف يكون ذلك؟

كيرلس: إذا قلنا إن هناك طبيعة للآب وطبيعة أخرى للابن منفصلة عن الأولى، فسنصل إلى أن نفصل بينهما. لأنه بالنسبة للبشر لا يمكن أن نقول “جوهر وجوهر آخر، ونوزّع على كل كائن خاص، الصفات المشتركة، كما لو كانت تخصه هو وحده، وفى الحقيقة إذا قبلنا مبدأ وجود أكثر من جوهر واحد كوسيلة لإظهار التمايز، فإن الجوهر العام الواحد سوف يضيع وسوف يؤدى الاختلاف الجوهري (حسب تصورهم) إلى خلق حالة من الانفصالية والاختلاف، وهكذا نصل إلى وجود تعدّد[7] واختلاف حسب الطبيعة.

إرميـــا: أعتقد أن هذا صحيح .

كيرلس: بهذا الشكل لا يتبقى لنا إلاّ أن نقول إن كان الابن حسب رأيهم ليس مساويًا لله الآب في الجوهر، وأنه من جوهر آخر مختلف ومن طبيعة أخرى فهذا يُخرجنا من الحدود التي تُعرّف بها الألوهة. ففي حالة كون الابن له جوهره الخاص، فسيكون غريبًا عن جوهر الله الآب.

82 يو17: 21-23.

83 أع4: 32.

84 إش32: 6.

85 يو17: 22.

86 هنا يعتمد ق. كيرلس على شرح القديس أثناسيوس لهذه الآية ويتبع نفس تعليمه. انظر المقالة الثانية ضد الآريوسيين فقرة 19.

87 1كو10: 17.

88 يقصد تعدد آلهة.

 

طبيعة الوحدة – الحوار الأول ج4 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

طبيعة متوسطة بين الله والبشر – الحوار الأول ج3 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

طبيعة متوسطة بين الله والبشر – الحوار الأول ج3 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

طبيعة متوسطة بين الله والبشر – الحوار الأول ج3 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

 

الحوار الأول

الابن أزلي مع الله الآب ومساوٍ له في الجوهر

إن الابن لا يمكن أن يكون من طبيعة متوسطة بين الله والبشر:

إرميــــا: وماذا لو أرادوا أن يقنعونا أن نفهم تعبير “من فوق” بطريقه تختلف عما قلته لنا توًا؟ مثلاً يمكن أن يقولوا إن “من فوق” تعنى أنه لا صلة له بالأرض ولا بالإنسانية، ولكنه من السماء أو أنه من طبيعة أخرى تسمو كثيرًا عن طبيعتنا؟ فماذا نقول لهم وأي إجابة نقدّم؟

كيرلس: وإذا قَبِلنَا أن الابن هو كما يقولون ويدّعون، فماذا تبقّى فيه من مجد نتأمله؟ أليس كل واحد من الملائكة القديسين “من فوق” ونحن نؤمن أنه يأتي إلينا من السماء؟ أليس الملائكة ـ العروش والرياسات والسيادات والسيرافيم ـ أسمى منّا بكثير على الأقل فيما يخص طبيعتهم؟ فإذا لم يكن للابن شئٌ أكثر من ذلك وقسناه بالمقاييس الطبيعية[1]، فهو كما يبدو ليَّ لن يختلف كثيرًا عن المخلوقات العاقلة التى تأتينا “من فوق” من وقت لآخر. أَلَيْسَ جَمِيعُهُمْ أَرْوَاحًا خَادِمَةً مُرْسَلَةً لِلْخِدْمَةِ لأَجْلِ الْعَتِيدِينَ أَنْ يَرِثُوا الْخَلاَصَ![2]. وفى هذه الحالة فإن المجد الإلهي سوف يكون مُضافًا إليه وليس من طبيعته، ويكون المسيح كاذبًا حينما يقول: “أنا هو الحق”. أين هو الحق وكيف يكون الحق كائنًا في مَنْ لا ينطبق عليه قول الأسفار المقدّسة الموحى بها؟ وما المعنى الحقيقي لما تقوله الأسفار المقدسة  من أن الابن ليس من هذا العالم؟

إرميـــا: دعني أكرّر أمامك ما يقولون، فإنهم يؤكدون أنه ليس مساويًا في الجوهر لله الآب ويُنزِلونه من الطبيعة الفائقة إلى أسفل، ولكنهم والحق يقال يعطونه مركزًا أسمى من باقي الخليقة، ويقولون إنه لا يشارك باقي المخلوقات في نفس الطبيعة. ولكنه يحتل مكانة متوسطة. وبكلام أخر فهو يتسامى عن مستوى الطبيعة، ولكنه لا يشارك الآب الذي وَلَده، في الجوهر، وفى نفس الوقت لا يمكن أن نحط من قَدْرِه ونحسبه مع المخلوقات.

كيرلس: إذا قرّروا أن يتكلّموا بوضوح وصراحة عن طبيعة الابن، فإنهم، بلا شك، سيقولون إنه ليس هو الله بالطبيعة، كما أنه ليس مخلوقًا؛ وبذلك فإنهم يبعدونه عن جوهر الله الآب كما يجعلونه أعلى من طبيعة الكائنات المخلوقة، هادمين بذلك ألوهيته. وأنا لا أرى كيف أنه طبقًا لهذا الرأي لا يُحسب ضمن المخلوقات؟

إرميـــا: لقد فهمت الأمر بشكل جيّد. وهم يستمرون فى الدفاع عن رأيهم قائلين إنهم إذا دعوه وسيطًا بين الله والناس فهذا لا يعنى أكثر من إنه وسيط بالمعنى الذي يريدونه.

كيرلس: وهل هناك غباء أكثر من ذلك لأن “أعدائنا أغبياء” حسب المكتوب[3]. فكم سيكون بعيدًا عن الأفكار الحكيمة أن يتصّور أولئك أنهم بإمكانهم هزيمة عقائد الحق وذلك باختراعات خيالهم، ولقد علّمنا القديس بولس الحكيم حقًا، بل وكل خورس القديسين أن نؤمن بأن الابن قد إتخّذ جسدًا أي صار مشابهًا لنا في كل شئ ما خلا الخطية. ولهذا فالقديسون يقدمّون لنا زوايا متعدّدة للدخول إلى هذا السّر العظيم، فأحيانًا نجدهم يقدّمون الابن الوحيد مرتفعًا عن طبيعتنا وفوق الخليقة وأحيانًا يقدّمونه آخذًا شكل العبد وقد تنازل عن كل أمجاد اللاهوت، ولكنه هو هو دائمًا وليس به تغيير ولا ظل دوران. ويقول عنه حامل الروح يَسُوعُ الْمَسِيحُ هُوَ هُوَ أَمْسًا وَالْيَوْمَ وَإِلَى الأَبَدِ[4].

إرميـــا: أي علاقة توجد بين هذه الأعماق وما يقولونه؟!

كيرلس: لا يجب أن نلجأ للكتب المقدّسة بنفسٍ رخوة[5]، إذ أنهم يفعلون ذلك ويحيدون عن الطريق المستقيم حتى يصلوا إلى التطرّف سواء يسارًا أو يمينًا. بينما إتباعنا للطريق الملوكي يُوجب علينا ويعلّمنا ألاّ ننحرف لا يمينًا ولا يسارًا. ولنلاحظ كيف أنهم بسبب فقدان البصيرة يتركون أنفسهم للانقياد بأهوائهم دون أن يفحصوا أيّ من آيات الكتب المقدّسة تتحدّث عن اللوغوس في حد ذاته، أي قبل التجسّد، وأي آيات تتحدّث عنه بعد أن تَشَبه بنا.

ولكن ربما يعتقدون أنه لا يجب أن نأخذ هذه الأمور فى الاعتبار، وعلينا أن نقبل كل المكتوب بدون فحص. وأرجو أن يوضحّوا لنا ويعرفّوننا ماذا يمنعهم من قبول أن اللوغوس، كلمة الله المتجسّد يحتاج إلى الطعام وإلى الراحة وأنه يتعرّض للتعب: فَإِذْ كَانَ يَسُوعُ قَدْ تَعِبَ مِنَ السَّفَرِ، جَلَسَ هكَذَا عَلَى الْبِئْرِ[6]. وأكثر من ذلك حين نتكلّم عن موته، نَخلُص إلى أن التمييز بين هذه النصوص أمر هام جدًا لنا لأن هذا يقودنا إلى تمييز الأزمنة والأوقات[7].

إرميـــا: وكيف لا يكون هذا التمييز هامًا بل وهامًا جدًا؟

كيرلس: بل ويجب التمييز أمام كل العالم بين الأقوال الإلهية التي تقال عنه بعضها عن بعض. فاسمع ما يقوله بولس عن طبيعته الإلهية الَّذِي، وَهُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ، وَحَامِلٌ كُلَّ الأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ[8]. ومرة أخرى في موضع آخر يقول لأَنَّ كَلِمَةَ اللهِ حَيٌَّ وَفَعَّالٌَ وَأَمْضَى مِنْ كُلِّ سَيْفٍ ذِي حَدَّيْنِ، وَخَارِقَةٌ إِلَى مَفْرَقِ النَّفْسِ وَالرُّوحِ وَالْمَفَاصِلِ وَالْمِخَاخِ، وَمُمَيِّزَةٌ أَفْكَارَ الْقَلْبِ وَنِيَّاتِهِ. وَلَيْسَتْ خَلِيقَةٌ غَيْرَ ظَاهِرَةٍ قُدَّامَهُ، بَلْ كُلُّ شَيْءٍ عُرْيَانٌ وَمَكْشُوفٌ لِعَيْنَيْ ذلِكَ الَّذِي مَعَهُ أَمْرُنَا[9]. وهذه الآيات تخص الابن الوحيد قبل التجسد. وهناك آيات تقال عنه وهو مولود مثلنا في الجسد الَّذِي، فِي أَيَّامِ جَسَدِهِ، إِذْ قَدَّمَ بِصُرَاخٍ شَدِيدٍ وَدُمُوعٍ طَلِبَاتٍ وَتَضَرُّعَاتٍ لِلْقَادِرِ أَنْ يُخَلِّصَهُ مِنَ الْمَوْتِ، وَسُمِعَ لَهُ مِنْ أَجْلِ تَقْوَاهُ، مَعَ كَوْنِهِ ابْنًا تَعَلَّمَ الطَّاعَةَ مِمَّا تَأَلَّمَ بِهِ[10].

إذا نظرنا لهذه الحقائق ألا نستنتج أن هناك اختلافًا في طبيعة الأمور؟؛ فنحن نسمع أن بهاء مجد الله الآب وختم جوهره ذاك الذي يحمل كل الأشياء بكلمة قدرته، الكلمة الحيّ، اللوغوس الحيَّ الفعال، بعد كل هذا المجد نسمع أنه قدَّم بصراخ شديد ودموع، طلبات وتضرعات لكي يَخلُص من الموت.

ولكن الرسول يقول “فى أيام جسده” أى أنه وهو كلمة الله، صار جسدًا حسب الكتب[11]، ولكنه لم يحلّ فى إنسان كما يحدث فى القديسين الذين يسكن فيهم (الكلمة) بالروح القدس. إذن هناك طريقتان للكلام عن الابن: فمن جهة يجب أن ننسب له كل ما لله بكونه هو الله، ومن جهة أخرى ننسب له كل ما يخصّنا لأنه صار مثلنا. ويجب أن نرفض كل خلط وعدم تمييز بين هذه الأمور لأن هذا ينفى الفهم الحقيقي للمعاني ويحجب عن عيوننا نصف حقيقة الجمال الإلهي.

إرميــــا: ما أروع هذه الكلمات.

كيرلس: فحينما نسميّه “الوسيط” يجب ألاّ نفهم أن هذا يحدّد ماهية جوهر الابن الوحيد. بل بالحري ينبغي أن تقود كل الأفكار إلى الخضوع للمسيح. وهكذا فليبعد كل فكر غير نقىّ كما هو مكتوب  هَادِمِينَ ظُنُونًا وَكُلَّ عُلْوٍ يَرْتَفِعُ ضِدَّ مَعْرِفَةِ اللهِ، وَمُسْتَأْسِرِينَ كُلَّ فِكْرٍ إِلَى طَاعَةِ الله[12].

إرميــــا: هذا كلام حق، ولكن أيها الشجاع لنكتفِ بهذا فيما يخص هذا الموضوع. لأني لا أرى بعد ذلك مكانًا للشك وسأكون سعيدًا جدًا أن أتعلّم منك كيف نفهم طريقة الوساطة، وهذا الأمر سيفضح عدم التناسق في آراء الهراطقة الخادعة .

كيرلس: هيّا بنا إذا أردت ولنحصر الحديث في هذه النقطة . قبل كل شئ يجب أن نبدأ بفحص متى دَعَتَ الكتب المقدّسة الابن “بالوسيط”. فبولس يقوللأَنَّهُ يُوجَدُ إِلهٌ وَاحِدٌ وَوَسِيطٌ وَاحِدٌ بَيْنَ اللهِ وَالنَّاسِ: الإِنْسَانُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ[13].

          وهكذا فالرسول يُحدّد، على ما أعتقد، أن الفترة الوحيدة التي تَتَناسب مع “الوساطة” هي الأزمنة الأخيرة، والتي فيها حسب كلام الرسول “الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً ِللهِ. لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ[14]. ورغم أنه الإله والرَّب فلكى يُرجعنا بواسطة نفسه لله الآب، ولكى يصالح الكّل حسب المكتوب “وَأَنْ يُصَالِحَ بِهِ الْكُلَّ لِنَفْسِهِ، عَامِلاًالصُّلْحَ بِدَمِ صَلِيبِهِ، بِوَاسِطَتِهِ، سَوَاءٌ كَانَ مَا عَلَى الأَرْضِ امْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ[15] لكى يصنع ذلك كله، توّسط كإنسان. ولهذا يقول بولس نَطْلُبُ عَنِ الْمَسِيحِ: تَصَالَحُوا مَعَ اللهِ[16] وذلك بالاتحاد بشخص المسيح. ولأن طبيعة الإنسان لا تحتمل أن تستوعب مجد الله بحسب ما كان قَبِل التجسّد، لذلك فقد لبس الابن الوحيد لأجلنا ولأجل خلاصنا، جَسَدنَا وتشبّه بنا.

          وهكذا يُكْشَف لنا قصد الله الآب كما يُكشف للساجدين بالروح وليس للمتمسكين بظلال الحقيقة وليس للملتصقين بالناموس الذى لا يؤدى إلى الكمال. وهكذا ما دام “الله روح” فلنسرع نحن أيضًا لكى نعبده بالروح والحق. ألم يقل العظيم إشعياء لأَنَّهُ يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ وَنُعْطَى ابْنًا، وَتَكُونُ الرِّيَاسَةُ عَلَى كَتِفِهِ، وَيُدْعَى اسْمُهُ عَجِيبًا، مُشِيرًا، إِلهًا قَدِيرًا، أَبًا أَبَدِيًّا، رَئِيسَ السَّلاَمِ[17].

إرميــا: إن هذا كلام رائع، وإذا أردت أن تقنعنا نهائيًا بهذا الكلام فأذكر لنا بعض الأمثلة القديمة التى تشير إلى وساطة المسيح وسأكون ممنونًا لك.

كيرلس: دعنا نتوجّه إلى موسى العالم بالأسرار الإلهية ولنلاحظ أن أعماله وأقواله بكل ما تحمل من قوّة، هى عبارة عن أيقونة لوساطة المسيح، وهكذا يثبت صحة ما نتمسك به لأننى أعتقد أنه من الغباء[18] بمكان أن يترك الإنسان نفسه فى التقليل من شأن خصومه الذين صنعوا من لذتهم منهجًا فكريًا ويتناقضون مع الكتب المقدّسة، وبعد ذلك يترك نفسه يسقط فى نفس الأخطاء.

إرميــــا: الحق معك.

كيرلس: حينما خرج الإسرائيليون من أرض مصر بعد أن تخلّصوا من نير العبودية وحينما جاءوا إلى الجبل الذى يُسمّى جبل سيناء، رأى الله أنه حسن أن يعطيهم نواميس لكى يعرفوا ماذا عليهم أن يفعلوا. وأمرهم أن يجتمعوا أسفل الجبل وأن يغسلوا ثيابهم[19]، وبعد تطهّرهم يتقّدمون إلى رؤية الله غير المعتادة. وحينما تّم كل ذلك حسب أوامر موسى، نزل الربُّ على الجبل على شكل نار وصعد دخانه كدخان الأتون وارتجف كل الجبل جدًا فكان صوت البوق يزداد اشتدادًا جدًا وموسى يتكلّم، وقاد موسى الشعب للقاء الله على الجبل.

          هذا هو المكتوب، والأمر هنا، حسب اعتقادي، أن موسى هو مثال (TÚpoj)[20] لوساطة المسيح. والمسيح الربّ نفسه يؤكد ذلك لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي[21] ونحن لا نأتي إلى الله الآب إلاّ بالمسيح، وذلك بأن نتطّهر من كل دنس عن طريق تغييّر ثياب عقولنا لنقتنى النقاوة التي في المسيح كما يأمرنا القول الإلهي: الْبَسُوا الرَّبَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ[22]. وما غَسْلُ الثياب إلاّ تعبير عن قوّة الروح المُطِّهر. فإذا قُلتْ إن كل ذلك حق، فلابد أن تكون قد اقتنعت.

إرميـــا: بكل تأكيد.

كيرلس: لقد نزل الله على شكل نار وأظهر للناظرين إليه مجدًا ملموسًا وغير عادى، ولم يكن من السهل على الشعب أن يحتمل هذه الرؤية العينيّة، ولمّا خافوا وارتعدوا ترجّوا قائدهم، أعنى موسى، صارخين: تَكَلَّمْ أَنْتَ مَعَنَا فَنَسْمَعَ. وَلاَ يَتَكَلَّمْ مَعَنَا اللهُ لِئَلاَّ نَمُوتَ[23]، وهنا الأمر واضح، لقد طلبوا من موسى أن يصير “وسيطًا” لأنهم لم يكونوا يستطيعون أن يلقوا بأنفسهم أمام مجد الله فى ملء لاهوته.

          دعونا ننتقل الآن من هذه الإيقونة المضيئة التى لموسى إلى الأصل الذى هو المسيح الابن الوحيد، الذى إذ لم يشأ أن يأتى إلينا فى مجده الساطع الإلهى فإنه صار مثلنا (عندما تجسَّد)، وبهذا أصبح وسيطًا بين الله والناس من أجل أن يرّبى البشرّية على معرفة إرادة الله، وهكذا صار هو سلامنا كما تقول الكتب[24].

ولهذا فلست أكذب ولا أدّعى إذا ما قلت إن خدمة موسى إنما هى إيقونة لعمل المسيح. وأعتقد أنك تقدر أن تدرك ذلك بدون عناء. وفى ختام اجتماع بنى إسرائيل يقول سفر التثنية تَكُونُ كَامِلاً لَدَى الرَّبِّ إِلهِكَ. إِنَّ هؤُلاَءِ الأُمَمَ الَّذِينَ تَخْلُفُهُمْ يَسْمَعُونَ لِلْعَائِفِينَ وَالْعَرَّافِينَ. وَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ يَسْمَحْ لَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ هكَذَا. يُقِيمُ لَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَبِيًّا مِنْ وَسَطِكَ مِنْ إِخْوَتِكَ مِثْلِي. لَهُ تَسْمَعُونَ. حَسَبَ كُلِّ مَا طَلَبْتَ مِنَ الرَّبِّ إِلهِكَ فِي حُورِيبَ يَوْمَ الاجْتِمَاعِ قَائِلاً: لاَ أَعُودُ أَسْمَعُ صَوْتَ الرَّبِّ إِلهِي وَلاَ أَرَى هذِهِ النَّارَ الْعَظِيمَةَ أَيْضًا لِئَلاَّ أَمُوتَ. قَالَ لِيَ الرَّبُّ: قَدْ أَحْسَنُوا فِي مَا تَكَلَّمُوا. أُقِيمُ لَهُمْ نَبِيًّا مِنْ وَسَطِ إِخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ، وَأَجْعَلُ كَلاَمِي فِي فَمِهِ، فَيُكَلِّمُهُمْ بِكُلِّ مَا أُوصِيهِ بِهِ. وَيَكُونُ أَنَّ الإِنْسَانَ الَّذِي لاَ يَسْمَعُ لِكَلاَمِي الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِهِ بِاسْمِي أَنَا أُطَالِبُهُ[25]. ألا يوضّح ذلك بالصورة والمثال إلى أي مدى تحتاج البشرّية بسبب ضعفها إلى وسيط؟ ولك هنا أمر آخر يجب أن نلتفت إليه.

إرميــــا: ما هو هذا الأمر؟

كيرلس: حينما اقترب الشعب من موسى قالوا له “تَكَلَّمْ أَنْتَ مَعَنَا فَنَسْمَعَ. وَلاَ يَتَكَلَّمْ مَعَنَا اللهُ لِئَلاَّ نَمُوتَ، وهذا الأمر طلبوه في حوريب في يوم الاجتماع، عندما ظهر لهم الله على هيئة نار على جبل سيناء، وقد قَبِلَ الربّ كلامهم ورتّب الخالق حسب سابق علمه وساطة موسى كمثال لوساطة المسيح وقال “قَدْ أَحْسَنُوا فِي مَا تَكَلمُوا. أُقِيمُ لهُمْ نَبِيّاً مِنْ وَسَطِ إِخْوَتِهِمْ مِثْلكَ”[26]. وهذا يعنى بوضوح ضرورة وجود وسيط لكي ينقل الوصايا الإلهية الآتية من فوق، ويُظِهر للشعب إرادة الله. ولا نحتاج إلى جهد كبير لنفهم أن هذه الأمور تنطبق على المسيح الذي صرخ بصوت مدوي قائلاً لأَنِّي لَمْ أَتَكَلَّمْ مِنْ نَفْسِي، لكِنَّ الآبَ الَّذِي أَرْسَلَنِي هُوَ أَعْطَانِي وَصِيَّةً: مَاذَا أَقُولُ وَبِمَاذَا أَتَكَلَّمُ[27]. وأيضًا يقول الْكلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ لَسْتُ أَتَكَلَّمُ بِهِ مِنْ نَفْسِي لَكِنَّ الآبَ الْحَالَّ فِيَّ[28] ويقول عنه الحكيم يوحنا وَمَنْ قَبِلَ شَهَادَتَهُ فَقَدْ خَتَمَ أَنَّ اللَّهَ صَادِقٌ. لأَنَّ الَّذِي أَرْسَلَهُ اللَّهُ يَتَكَلَّمُ بِكلاَمِ اللَّهِ[29]. والآن أيها الصديق المحبوب، هل ستقبل الحق الكامن في هذا الكلام أم سترفضه؟

إرميـــا: أرفضه؟! إطلاقًا لا …

كيرلس: إذن هذا هو ما قيل لنا عن موسى، هل تريد أن نؤكد شيئًا آخر علاوة على ما قيل لكي يشرح لنا وساطة الابن أم نترك هذا الموضوع ونتحدّث في موضوع آخر؟

إرميـــا: أيها الشجاع، أليس أحرى بنا أن نستفيد من الموضوع الذى بين أيدينا بدلاً من أن نفتح بابًا أخر للمناقشة، علمًا بأن لا شئ يمنعنا من ذلك؟

كيرلس: إذن سأوجّه حديثي في الاتجاه الذي سيروقك وأقول: نعرف إن قورح وداثان وأبيرام وُلِدوا من سبط لاوي ولكن القرعة كانت قد وقعت عليهم لا لكي يصيروا كهنة، لكن لكي يخدموا في خيمة الشهادة وكانوا لاويين، وهذا الأمر كان على قدر قامتهم. ولكنهم قد اشتهوا رتبة الكهنوت قبل الأوان ولم يقنعوا بالشرف الذي حباهم به الله، فاندفعوا إلى الأمام وأهاجوا الشعب على موسى وهارون وتكلّموا بكلام مّر ضد رجل مُسالم، وحينئذ عاقبهم القاضى العادل بأن هلكوا مع منازلهم حينما انفتحت الأرض وابتلعتهم هم و أولادهم  وبهائمهم ومقتنياتهم. وحينئذ قام بعض أتباعهم بغباء بالهجوم على موسى فاستدعوا غضب الطبيعة الإلهية عليهم، إذ قال الله لموسى وهارون “افْتَرِزَا مِنْ بَيْنِ هَذِهِ الجَمَاعَةِ فَإِنِّي أُفْنِيهِمْ فِي لحْظَةٍ! فَخَرَّا عَلى وَجْهَيْهِمَا… قَال مُوسَى لِهَارُونَ: خُذِ المَجْمَرَةَ وَاجْعَل فِيهَا نَارًا مِنْ عَلى المَذْبَحِ وَضَعْ بَخُورًا وَاذْهَبْ بِهَا مُسْرِعًا إِلى الجَمَاعَةِ وَكَفِّرْ عَنْهُمْ لأَنَّ السَّخَطَ قَدْ خَرَجَ مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ. قَدِ ابْتَدَأَ الوَبَأُ. فَأَخَذَ هَارُونُ كَمَا قَال مُوسَى وَرَكَضَ إِلى وَسَطِ الجَمَاعَةِ وَإِذَا الوَبَأُ قَدِ ابْتَدَأَ فِي الشَّعْبِ. فَوَضَعَ البَخُورَ وَكَفَّرَ عَنِ الشَّعْبِ. وَوَقَفَ بَيْنَ المَوْتَى وَالأَحْيَاءِ فَامْتَنَعَ الوَبَأُ[30]. هل بعد كل ذلك يا إرميا تحتاج وساطة الابن الوحيد إلى شرح؟

إرميـــا: الأمر واضح و لكن في رأيي أنه يجب فحص مغزى هذا الحادث بأكثر دقة. ومَنْ غَيركَ أَقَدرْ على فعل ذلك ؟

كيرلس: ألا ترى أن هارون يشكّل منذ القديم صورة ومثالاً لكهنوت مخلّصنا. هارون الذي كان يرتدى رداءً حتى قدميّه، ويلبس ما نسمّيه غطاء الكتف وعلى جبهته صفيحة من ذهب، وكان يُسمح له أن يدخل إلى قدس الأقداس مرَّة فقط كل عام ويرش الدّم، كفارة عن كلّ الشعب؟

إرميـــا: بالصواب قلت، وهكذا يقول بولس ذو الصوت الإلهي “وَأَمَّا الْمَسِيحُ، وَهُوَ قَدْ جَاءَ رَئِيسَ كَهَنَةٍ لِلْخَيْرَاتِ الْعَتِيدَةِ، فَبِالْمَسْكَنِ الأَعْظَمِ وَالأَكْمَلِ، غَيْرِ الْمَصْنُوعِ بِيَدٍ، أَيِ الَّذِي لَيْسَ مِنْ هَذِهِ الْخَلِيقَةِ. وَلَيْسَ بِدَمِ تُيُوسٍ وَعُجُولٍ، بَلْ بِدَمِ نَفْسِهِ، دَخَلَ مَرَّةً وَاحِدَةً إِلَى الأَقْدَاسِ، فَوَجَدَ فِدَاءً أَبَدِيًّا.”[31].. ومَنْ يستطيع أن ينكر مهما كان مستوى معرفته قليلاً، الحقيقة الساطعة أن هذه الأمور القديمة إنما هي ظلال وصِوَر لما فَعَلَه المسيح؟

كيرلس: وهكذا نحن قَبِلنا يسوع المسيح رئيس كهنة ورسول اعتراف إيماننا. ولنعترف جميعًا وبصدق، وبدون أن نجعل إرادتنا ضد إرادة الله و معجزاته، إننا نحن سكان الأرض قد أغضبنا الخالق وأهنّا الذي أراد أن يعطى للبشر المجد والكرامة على قدر احتمالهم، وهكذا دخل إلينا الفساد الذي سحقنا بالموت ” لَكِنْ قَدْ مَلَكَ \لْمَوْتُ مِنْ آدَمَ إِلَى مُوسَى وَذَلِكَ عَلَى \لَّذِينَ لَمْ يُخْطِئُوا عَلَى شِبْهِ تَعَدِّي آدَمَ “[32]. ولقد وَسَعَّت الهاوية نفسها، كما يقول النبي إشعياء، وفغرت فاها بلا حد..[33]. وكان يمكن أن تفنى الأرض عن بكرة أبيها، وذلك بوقوعها في فخ لا يمكن أن تخرج منه لو لم يأتِ الحلّ الإلهي من فوق، من السموات، وذلك بأن ينزل إلينا الابن الوحيد، وتّم ذلك حسب مسرّة الله الآب، إذ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ[34] وصار رئيس كهنة، وقدّم نفسه بخورًا لأجلنا إلى الله الآب لكي يُسقِط الغضب ويمنَع الوباء: “وَوَقَفَ بَيْنَ المَوْتَى وَالأَحْيَاءِ فَامْتَنَعَ الوَبَأُ”[35]. وبعد هذا كلّه ألا يرى الإنسان بكل وضوح ويدرك أن يسوع صار وسيطًا بين الله والناس؟ فالمعركة انتهت لصالحنا وكل حائط قديم يفصلنا عن الله قد هُدِمَ. واقتربا اللذين كانا قبلاً منفصلين من بعضهما، أقصد الله والبشرّية. وكان المسيح هو عامل التقارب الذي وحّد في نفسه ما هو فوق وما هو أسفل أي الله و الإنسان. وكما قال الصوت الإلهي بولس: “هُوَ سَلاَمُنَا، الَّذِي جَعَلَ الاِثْنَيْنِ وَاحِدًا، وَنَقَضَ حَائِطَ السِّيَاجِ الْمُتَوَسِّطَ”[36]. وفى موضع أخر يقول: فَإِذْ قَدْ تَبَرَّرْنَا بِالإِيمَانِ لَنَا سَلاَمٌ مَعَ اللهِ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ[37].

إرميـــا: لقد رفع المسيح الخطيّة التي كانت تعوق محبتنا لله وأُلفَتنا معه[38]، وهكذا أبطل العداوة. هل بهذه الطريقة نعتبره وسيطًا، أم هناك طرق أخرى ومظاهر أخرى للوساطة؟ سوف أسعد بإجابتك على هذا السؤال لأني ظمآن إلى أن أتعلّم منك.

كيرلس: بكل سرور وبدون تردد أقول إنه أبطل العداوة بجسده[39] حسب المكتوب، وصار وسيطًا ومصالحًا لنا، نحن الذين سقطنا من محبة الله بسبب مَيِلنَا لملذّات العالم، وعَبَدْنا المخلوق دون الخالق[40]، فقدّمنا فى ذاته لله الآب[41] واقتنانا لنفسه مُبرِرًا إيانا بالإيمان و نحن لا نقول أبدًا إن هذا العمل التدبيري هو العمل الوحيد الذي أظهر به المسيح وساطته، ولكن يمكننا ذكر أمور أخرى مملوءة بالاسرار تكون بها الوساطة قولاً وفعلاً.

إرميــــا: ماذا تعنى بذلك؟

كيرلس: وهل أعنى شيئًا غير المكتوب: فَلْيَكُنْ فِيكُمْ هَذَا الْفِكْرُ الَّذِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ أَيْضًا: الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً لِلَّهِ. لَكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ، وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ[42]، فالمسيح الذي هو بهاء وصورة الله الآب وشكله، وهو كلمة الله، الذي هو من الله وفى الله، أخلى ذاته وصار إنسانًا وذلك بإرادته ومسّرة أبيه، ولم يكن مجبرًا على فعل هذا.  ومع صيرورته إنسانًا ظلَّ محتفظًا بكرامة اللاهوت وأخذ ما للإنسان حسب التدبير.

ونحن نرى أن الابن واحد من اثنين، إذ فيه التقت الطبيعتان الإلهية والإنسانية واتحدتا في واحد بشكل غير موصوف ولا يُعَّبر عنه. وبكل تأكيد نحن لا نعنى أن كلمة الله قد تحّول إلى الطبيعة الجسدّية الأرضّية ولا الجسد تحّول إلى طبيعة الله الكلمة. والذي يتبنّى أحد هذين الموقفين المتطرّفين لابد أن يكون مختل العقل. فكل من الطبيعتين تبقى في خصوصيتها ولكنهما تُعدّان في وحدة تامة لا تنفصل، وهذه الوحدة يكشفها تعبير “المسيرة الواحدة”[43]، فهو نفسه إنسان وإله. وحينما نقول الله فنحن لا نلغى الإنسانية بعد الاتحاد وحينما نقول إنسان فنحن لا ننفى صفات اللاهوت، وهذا واضح للذي يريد أن يفكر في الأمر بطريقة مستقيمة[44].

          وهو الابن الوحيد والكلمة لأنه المولود من الله الآب، وهو البكر بين إِخوَة كثيرين[45] لأنه صار إنسانًا، ولُقِبَ بـ “الابن الوحيد” الذي هو لقب خاص باللوغوس، يطلق أيضًا على اللوغوس متحدًا بالجسد. ونفس الأمر مع لقب “البكر” فهذا اللقب لم يكن لَقَبَه قَبِلْ التجسّد، ولكنه صار لقبًا له بعد التجسد. وهو وسيط بهذا المعنى: إنه جمع ووحّد في شخصه أمورًا متباعدة فيما بينها، وهى اللاهوت والناسوت، الله والإنسان، وربط الإنسان بوساطته بالله الآب لأنه هو واحد مع الآب في الطبيعة، لأنه كائن فيه ويحيا فيه. وهو واحد في الطبيعة مع البشر لأنه خرج من بينهم، وحاضر وسطهم، وذلك لأنه ليس غريبًا عنا فيما يخص إنسانيته وهو عمانوئيل الذي شابهنا في كل شئ ما خلا الخطية وحدها.

إرميـــــا: هذا رأي مستقيم مائة في المائة، وهكذا وصلنا بالضرورة إلى الإيمان بأن الابن مساوٍ للآب في الجوهر.

 

[1] يقصد بالمقاييس الطبيعية مقاييس الطبائع المخلوقة.

38 عب1: 14.

39 تث32: 31.

40 عب 13: 8.

41 ينصح ق. أثناسيوس أيضًا كل من يريد أن يعرف ما يختص بالله الكلمة قائلاً: “إن دراسة الكتب المقدسة ومعرفتها معرفة حقيقية تتطلبان حياة صالحه ونفسًا طاهرة وحياة الفضيلة التي بالمسيح، وذلك لكي يستطيع الذهن ـ باسترشاده بها ـ أن يصل إلى ما يتمناه وأن يدرك بقدر استطاعه الطبيعة البشرية ما يختص بالله الكلمة“. انظر: تَجسُّد الكلمة ترجمة د. جوزيف موريس فلتس، المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية. طبعة4، 2006 فصل 57: 1. ص167.

42 يو4: 6.

43 يكررّ هنا القديس كيرلس ما سبق أن علّم به القديس أثناسيوس من أهمية تمييز النصوص بمعنى إنه يجب معرفة الشخص الذي تتكلّم عنه الآية وزمان كتابتها والسياق التي وردت فيه هذه الآية. انظر المقالة الأولى ضد الآريوسيين فقرة45.

44 عب1: 3.

45 عب4: 12-13.

46  عب5: 7-8.

47 يو1: 14.

[12] 2كو10: 5. الآية حرفيًا “إلى طاعة المسيح” و لكن القديس كيرلس يستخدم تعبير “طاعة الله”  للتأكيد على إلوهية المسيح له المجد وإنه هو الله الكلمة المتجسّد.

49 1تيمو2: 5.

50 فى2: 6-7.

51 كو1: 20.

52 2كو5: 20.

53 إش9: 6.

[18] يستعمل ق. كيرلس نفس الكلمة اليونانية التي يستعملها ق. بولس في 1كو1: 3 (ولليونانيين جهالة).

55 انظر خر19: 14ـ19.

[20] كلمة TÚpoj التي يستعملها ق. كيرلس، صارت فيما بعد مدرسة للتفسير اسمها typology (انظر رومية5: 14 حيث يذكر الرسول أن آدم هو مثال الآتي أي المسيح).

57 يو14: 6.

58 رو13: 14.

59 خر20: 19.

60 أف2: 4.

61 تث18: 1319.

62 تث18: 17ـ18.

63 يو12: 49. في موضع آخر يشرح ق. كيرلس  المعنى اللاهوتي السليم لهذه الآية التي أساء الهراطقة فهمها فأنكروا ألوهية الكلمة، فكتب قائلاً “لا ينبغي أن يفترض أحد أن قول الربُّ إنه لا يتكلّم من نفسه وإن كل كلامه هو من الآب ـ يتعارض بأي حال مع التقدير الخاص به. سواء من جهة جوهره أو كرامته الإلهية؛ بل ينبغي أولاً أن نفكر في الأمر مرّه أخرى ونقول “هل يستطيع أحد حقًا أن يفترض أن اسم الوظيفة النبوية وممارسة عمل النبوّة تليق بذاك الذي هو الكائن دائما والذي يُعتبر أنه الله بالطبيعة؟” أظن بالتأكيد أن أي واحد مهما كان بسيطًا سوف يجيب بالنفي ويقول إنه من غير المعقول أن الله الذي يتكلّم في الأنبياء يُسمِىّ هو نفسه نبيًا: لأنه هو الذي كَثَّرْتُ الرُّؤَى وَبِيَدِ الأَنْبِيَاءِ مَثَّلْتُ أَمْثَالاً كما هو مكتوب انظَر هو 12: 10. ولكن حيث إنه اتخذ اسم العبودية. الشكل الخارجي المشابه لنا وبسبب مشابهته لنا دعىّ نبيًا، فيتبع بالضرورة أيضًا أن الناموس قد وشحّه بالصفات الملائمة للنبي أي خاصية الاستماع من الآب وأَخذْ وصيه، ماذا يقول وبماذا يتكلّم. انظر يو12: 49.” وإضافة إلى ذلك أشعر أنه من الضروري أن أقول هذا أيضًا: إن اليهود كانت عندهم غيرة شديدة من جهة الناموس، مؤمنين أنه قد أُعطِىَ من الله، ولذلك لم يكن متوقعًا أن يقبلوا كلمات المخلّص حينما غيّر صورة الفرائض القديمة إلى العبادة الروحانية. وما هو السبب الذي يجعلهم غير راغبين في قبول تحويل الظلال إلى معانيها الحقيقية؟ إنهم لم يدركوا أنه هو الله= =بالطبيعة ولا حتى سمحوا بالافتراض أن الابن الوحيد الذي هو كلمة الآب، قد لبس جسدنا لأجل خلاصنا. وإلاّ لكانوا قد خضعوا في الحال وغيرّوا رأيهم بدون أي تردد ولكانوا قد كرّموا مجده الإلهي بإيمان صحيح” انظر: شرح إنجيل يوحنا. ترجمة د. نصحي عبد الشهيد. المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية الجزء السابع أكتوبر 2007 ص53ـ54

64 يو14: 10.

65 يو3: 33.

66 عد16: 21-48.

67 عب9: 11-12.

68 رو5: 14.

69 إش5: 14س.

70 فى2: 7.

71 عد16: 48.

72 أف2: 14.

73 رو5: 1.

[38] حرفيًا تأتى من كلمة بيت أي نشعر إننا معه في بيته .

75 انظر أف2: 15.

76 انظر رو1: 25.

77 انظر أف2: 18.

78 فى2: 5-7.

[43] يشير إلى انفراج الساقين عند المسير، فالساقين يظهران عند المشي، منفرجتين وهما في وحدة السير معًا… (المترجم).

80 تُعبّر هذه الفقرة باختصار، عن التعاليم الخريستولوجية التي علّم بها ودافع عنها ق. كيرلس ضد نسطور وأتباعه، الذين حاولوا التعليم بوجود شخصين وابنين منفصلّين، ولقد أدان مجمع أفسس سنة 431م نسطور وتعاليمه، وأقر ما علّم به بابا الأسكندرية. انظر رسائل ق. كيرلس إلى نسطور ويوحنا الأنطاكي. ترجمة المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية. ومن الجدير بالذكر أن الكنيسة تضع هذه الصيغة المختصرة للإيمان في نص الاعتراف الأخير في القداس الإلهي الذي يردده الكاهن بقوله: آمين آمين آمين… ألخ.

81  رو8: 29.

 

طبيعة متوسطة بين الله والبشر – الحوار الأول ج3 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

قانون إيمان مجمع نيقية – الحوار الأول ج2 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

قانون إيمان مجمع نيقية – الحوار الأول ج2 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

قانون إيمان مجمع نيقية – الحوار الأول ج2 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

 

الحوار الأول

الابن أزلي مع الله الآب ومساوٍ له في الجوهر

قانون إيمان مجمع نيقية واصطلاح “`ομοούσιος” أي ”المساوى فى الجوهر”:

كيرلس: أشعر أن كلامك قد شجّعنى وأضرم فىَّ رغبة شديدة للعمل.. هيّا بنا.. ولكن دعنا نبدأ بعرض الإيمان كما حدّده بدقة وعرضه بكل وضوح المجمع المقدّس والمشهور الذى انعقد فى الوقت المناسب في مدينة نيقيا وسنفحص، إذا أردت، بكل وضوح ما هو الأمر الذي يبدو وكأنه راسخ بالنسبة لأولئك الذين يفضلّون أن يكون لهم أيمان مختلف، لأن من يقول إن الإيمان الذي قد تحدّد وعُرِضَ بشكل فائق وبحسب مشيئة الله في هذا المجمع المقدس العظيم، هو أساس وقاعدة ثابتة تسند نفوسنا، هو شخص يتكلّم بالصواب ويُمتدح من المسيح وهو شديد الإيمان وعابد حقيقي.

          دعنا نذكر الإنجاز العظيم لهذا المجمع، وهو قانون الإيمان الذى قدّم لنا مفاهيمًا إيمانية صادقة، وهكذا فإن الذين ينتقدوننا لن يجدوا فى النهاية أى دافع يثير شوقهم لأن يتكلّموا ضدنا، وكأننا نتبع عقائد غريبة تاركين الطريق الملوكى لكى نتلّفت يسارًا ويمينًا حسب شهوتنا الخاصة. وهذا حسب رأيى يعبّر عن مرض عقلّى ليس من السهل الشفاء منه، لأن الحكمة التى بلا فحص هى عرضة للانحراف، كما هو مكتوب.

وها هو عرض لما نؤمن به:[1]

“نؤمن بإله واحد، الأب ضابط الكل، خالق كل ما يرى وما لا يرى. وبرب واحد يسوع المسيح، ابن الله الوحيد المولود من الآب أى من جوهره، إله حق من إله حق. مولود غير مخلوق واحد مع الآب فى الجوهر[2] الذى به كان كل شئ ما فى السموات وما على الأرض؛ الذى لأجلنا نحن البشر ولأجل خلاصنا نزل وتجسد وتأنس وتألم وقبر وقام فى اليوم الثالث وصعد إلى السموات. وسيأتى ليدين الأحياء والأموات. وبالروح القدس”.

“والذين يقولون إنه كان هناك وقت، لم يكن فيه الابن موجودًا وأنه قَبْل ولادته لم يكن موجودًا أو أنه صار من العدم، أو أن الابن من جوهر أو أقنوم آخر، أو أنه مخلوق، أو أنه تعرّض للتغّير والتحوّل، هؤلاء جميعًا تحرمهم الكنيسة الجامعة الرسولية”[3].

إرميـــا: يا للحذق الذى بلا عيب وما يؤدي إليه من سمو. إن كل من نطق بمثل هذه الكلمات يستحق أن يُدعى ابن الرعد[4] لأنه نطق بشيء رائع وفائق.

كيرلس: إذن فرؤيتى للأمور صائبة وقد بذلت ما فى وسعى وأشعر أن الواجبـ الذى ألقىّ على عاتقى وقَبِلَته بكل سرورـ هو أن نحفظ ما كشفه الروح لنا وأنت تعلّم ذلك جيدًا.     

إرميـــا: هذا الكلام صحيح جدًا ولكن بالمقابل يجب أن نقنع الناس أن يفكروا بنفس الطريقة، فهم مثل العجول المسمّنة التى تنحرَف عن القطيع كله فهؤلاء قد إمتلأوا من السفاهة وصاروا يندفعون بطياشة إلى كل ما يوافق رغباتهم. ولكي يصلوا إلى ذلك فهم يتركون المرعى الخصيب الذي يحوى أفضل وأكمل طعام، لينخرطوا في أحاديث حمقاء لمعلّمين كذبة[5]، تدمي كأشواك. وهذا هو الذي جعل الحكمة نفسها تقول في حزن شديد عن هؤلاء: التَّارِكِينَ سُبُلَ الاسْتِقَامَةِ لِلسُّلُوكِ فِي مَسَالِكِ الظُّلْمَةِ، الْفَرِحِينَ بِفَعْلِ السُّوءِ، الْمُبْتَهِجِينَ بِأَكَاذِيبِ الشَّرِّ، الَّذِينَ طُرُقُهُمْ مُعْوَجَّةٌ، وَهُمْ مُلْتَوُونَ فِي سُبُلِهِمْ[6].

كيرلس: لقد حكمت بالصواب ويجب أن نبكى على هؤلاء قائلين مع النبي “يا ليت رأسي ماء وعيناي ينبوع دموع لأبكى ليلاً نهارًا على شعبي”[7]. وكيف لا نبكى نهارًا وليلاً على ذلك الذي يكون أمامه فرصة اختيار معرفة الحق وينحرف إلى معرفة الضلال وإلى الآراء الفاسدة والكاذبة؟ وعن مثل هؤلاء أيضًا قال أحد تلاميذ المخلّص القديسين: مِنَّا خَرَجُوا، لكِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مِنَّا، لأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا مِنَّا لَبَقُوا مَعَنَا[8]. ثم ماذا يمكن أن يكون لديهم من اعتراضات على هذا الإيمان أو الاعتراف بالإيمان الأرثوذكسي والدقيق والذي لا يملك إنسان أن يعّدله بأي شكل؟

إرميـــا: نعم إنهم يقولون إننا قد أدخلنا كلمة “هوموأوسيوس” (الواحد في الجوهر) وهى كلمة غير واردة في الكتب المقّدسة وأنها شيء جديد وغير كتابي.

كيرلس: هذا كلام خالى من المعنى، يا صديقى، لأن كلمة “هوموأوسيوس” يجب أن لا تسبب قلقًا ما دامت تحمل معنىً صحيحًا، أم أنك أنت أيضًا لا تقبل حقيقة ما أقول؟

إرميــــا: إننى أقبل.

كيرلس: إفحص إذن في كلمات وأوصاف أخرى تعوّدنا أن نطلقها على طبيعة الله ولا توجد في الكتب المقدسة والإلهية.

إرميــــا: أي كلمات تقصد ؟

كيرلس: حينما نَصِف الذات الإلهية بأنها غير مادية وغير مرئية وغير محدودة وغير ممكن قياسها، هل نحن نتكلّم بطريقه غير مناسبة؟ وحينما نصفها بأنها غير محدودة ولا تخضع لشيء، فهل يتهمّنا أحد أننا نتكلّم بدون فائدة رغم أننا نقدّم الرأى السليم؟

إرميــــا: هذا مجرد لغو بكل تأكيد.

كيرلس: لماذا إذن يُظهِرون أنفسهم كأناس بلا وعى ويُهاجمون مصطلح “هوموأوسيوس” كأطفال صغار مُدّعين أن هذا التعبير غريب وهو المليء بالمعاني الحكيمة القيّمة؟ ورغم أن المعنى الحقيقي معروف ومعتّرف به على الأقل من قِبَل الذين فحصوا بعمق الأمور الإلهية وترّبوا فى الأسرار؛ إلاّ أننا نقول إن معنى “الهوموأوسيوس” حسب رأينا هو: إن الابن وُلِدَ من نفس طبيعة الله الآب، وبذلك يكون الابن ليس من جنس آخر كما يريد أولئك الناس، ولا هو غريب عن الذي وَلدَه ولكنه مساوي له فى الجوهر وله نفس خواصه وطبيعته. ولن أخجل أبدًا من استخدام أي كلمة تستطيع أن تشارك في إظهار الجمال والحق. ونحن نعلم أن الله هو فوق كل جنس. ولكن إذا قرّرنا التخلّي عن البحث عن الوسائل التي تقودنا إلى المعرفةـ وهى معرفة محدودة بكل تأكيدـ أي معرفة الجوهر الذي يفوق كل عقل، فسوف نصير غير صادقين وجَهَلَة ولن نتعلّم أبدًا عن الله الحقيقى وطبيعته .. وسنصير مُضْطَرِبِينَ وَمَحْمُولِينَ بِكُلِّ رِيحِ[9] حسب المكتوب. وحينما نصبح مذعورين ورافضين للرؤية حتى فِي مِرْآةٍ، فِي لُغْزٍ[10]، ورافضين للمعرفة “جزئيًا” فسنصير كلنا مثل الحجارة الصماء والتى بلا شعور، مثلما قال أحد شعراء اليونان “مثل أناس بطالين وهم عبء على الأرض ..”[11].

إرميــــا: ولكن هذا لا يلغى السؤال: أين يذكر الكتاب المقدس تعبير “هوموأوسيوس”؟

كيرلس: إنك تُجبرنا يا صديقي أن نكرّر ما سبق وقلناه: أين وصَفَت الكتب المقدّسة إله الكون بأنه “غير الجسدي”، “غير الموصوف” و”غير المحدود” و”غير الخاضع لأحد”؟![12] ورغم ذلك فهو كل هذا بالطبيعة سواء أراد هؤلاء أم لم يريدوا؟

وإذا كنا قد وضعنا فى قلوبنا أن نُفكر بطريقة مستقيمة فلا يحق لنا أن نرفض التعبيرات التى تساعدنا على معرفة الحقيقة. ألا يوافقون أن الله قد قال لموسى القديس، وقوله حق:أَهْيَهِ الَّذِي أَهْيَهْ. وَقَالَ: هكَذَا تَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: أَهْيَهْ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ. وَقَالَ اللهُ أَيْضًا لِمُوسَى: هكَذَا تَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: يَهْوَهْ إِلهُ آبَائِكُمْ، إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلهُ إِسْحَاقَ وَإِلهُ يَعْقُوبَ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ. هذَا اسْمِي إِلَى الأَبَدِ وَهذَا ذِكْرِي إِلَى دَوْرٍ فَدَوْرٍ[13]، ولكنى أعتقد أنهم لن يتركوا أنفسهم لكى يصلوا إلى مثل هذه الحماقة، ويعتقدون أن الله ليس هو يهوه. لأنه بالحقيقة هو “الكائن” وهذه التسميّة لا تناسب غيره، حتى ولو بسبب استعمال اللغة أُطلق الاسم على غيره. وبنفس المنطق نحت أسلافنا[14] تعبير “هوموأوسيوس” الذى هو أصدق تعبير على الإطلاق. وحينما يقول أحد إن الابن مساوٍ للأب فى الجوهر فإنه لا يرتكب حسب رأينا أى خطأ، ولا يُعتبر مُبتدعًا، ولا يفرض أسماء على الألوهة بدون داعٍ. ولكنه يستخدم هنا كلمة، أستطيع أن أقول بلا تردد إن جذورها الأولى توجد فى الأسفار الموحى بها. وهكذا فالاشتقاقات التى تخرج من الكلمة ليست بلا أصل، ولكن جذورها كامنة منذ البدء.

فإذا خرج علينا من يقول إن تعبير “هوموأوسيوس” مخالف لتقاليدنا المقدّسة، فقد جانبه الصواب ويخطئ فى فهم اشتقاقات الكلمة فى تسلسلها الطبيعى. فالجوهر والمساواة فى الجوهر هما من الكائن. وبسبب أنهم جهلاء للغاية فهم يحرموننا من الكلمات الأخرى والتى هى معطاة لنا لكى نستطيع أن نتسامى للتأمل فى الإلهيات كما تستوعبها أذهاننا، وليكن ذلك مبدئيا كما “فى مرآة فى لغز”.

إرميـا: هل لديك اعتراض إن فضّلوا تعبير “مشابه في الجوهر” على تعبير “مساوٍ في الجوهر” [15].

كيرلس: كلامهم هذا غير مستقيم يا صديقي العزيز، فَهُم‎ يُناقضون أنفسهم بعد أن بذلوا جهدًا كبيرًا لإثبات أن التعبير غير كتابي. فإما أن الابن مساوٍ للأب في الجوهر أو أنه لا شئ. وإذا أرادوا أن يقولوا    “مشابه في الجوهر” حسب ما يستحسنون فإن عبارة “مساوٍ في الجوهر” هي أساس كل شئ عندنا. وكيف يُفسرون موقفهم بعد أن احتقروا العبارة ووصفوها بأنها كلمة غير صائبة وغير متفقة مع الأسفار المقدسة، ورفضوا أن يقبلوا أي خطاب يحمل ما يشير إلى هذا التعبير، ثم يعودون ويقبلونها ويضعونها في مصاف الألفاظ القيّمة وبافتراض أننا سمحنا لهم باستعمال عبارة أن الابن مشابه للأب في الجوهر، فماذا سيكون موقفهم في نظرك؟

إرميـــا: موقف ظالم جدًا ويعكسه موقفهم المتذبذب أمام تعبيرنا المملوء بالعمق والوضوح.

كيرلس: الأمر لا يحتمل أكثر من ذلك يا عزيزي، فإن اللغو
الكثير والتعاليم الفاسدة التى يُلقنها لهم معلّموهم قد جعلتهم يتصرّفون كالصبية، وذلك بمحاولتهم قطع كل صلة وشركة طبيعية بين الآب والابن، وكأنهم أشفقوا عليه فسمحوا له أن يكون مشابهًا الآب وهكذا لا نرى الفرق بين الابن الوحيد وباقي الناس المخلوقين على صورة الله والذين يظهر فيهم بعض هذا الجمال الإلهي.

إرميــــا: ماذا تقصد من وراء ذلك؟ 

كيرلس: ألم تسمع أيها العزيز وصيّة المسيح الواضحةفَكُونُوا رُحَمَاءَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمْ أَيْضاً رَحِيمٌ[16].

إرميــــا: نعم.

كيرلس: ألا تدرك أن هذه الصفة الإلهية تُطبع فينا، وبذلك تُشكّل طريقة حياتنا بممارستنا للصلاح؟ فالصلاح فائق بحسب ما يليق بجوهر الله، ورغم ذلك فنحن نستطيع أن نصير صالحين بالاقتداء به، وذلك بفضل طريقة حياتنا، بشرط أن نختار بإشتياق وامتداد للأمام كل ما يستحق الاقتداء به. ولأننا نتمتّع بذهن صافٍ ورؤيةٍ صائبةٍ فلا يمكن أن ندّعى أننا لكى تنطبع طريقة الحياة الإلهية فى نفوسنا، لابد لنا أن نكون مشابهين لله فى الجوهر، فهذه المشابهة تقودنا إلى أن نصير مساويين له في كل صفاته، حاشا!. لأن ذلك سيقودنا إلى أن نعطى ذواتنا ذات المقام الإلهى بدون أى اختلاف بيننا وبينه، على اعتبار إننا خُلِقنا على صورته كشبهه.

          وهنا يجب التنّويه بأنه رغم أننا خُلقنا على صورته ومثاله إلاّ أن الفارق بين الله والإنسان فارق شاسع.. فالله بسيط فى طبيعته وغير مرّكب بينما نحن نملك طبيعة مركبّة، إذ أن طبيعتنا البشرية مكونة من أجزاء متعددة. ونحن من التراب فيما يخص الجسد وهذا يعنى أننا معرّضون للفساد والزوال مثل الأعشاب. بينما الله فوق كل ذلك، والنفس الإنسانية عرضة لتقلبات كثيرة من الصالح إلى الطالح ومن الطالح إلى الصالح، ولكن الله هو هو دائمًا، صالح إلى الأبد ولا يتّحول ولا يتغّير من حال إلى حال. وعدم تغّير الله ليس صفة عرضّية بل يرجع إلى جوهره. وهكذا أصبح من الواضح أن البشر الذين أتوا إلى الوجود من العدم لا يتشابهون مع الله حسب الطبيعة، بل يمكن أن يتشابهوا معه في نوعية الحياة الجديدة والسلوك المستقيم[17].

إرميـــا: إن حديثنا يسير في الطريق السليم وذلك لأنه رغم سقوطنا، إلاّ أنه لا نحن ولا الملائكة الذين سقطوا، لم ننحرف كليّة عن طبيعتنا ولم ننحدر إلى العدم الكلىّ، رغم عدم اقتنائنا للفضيلة، ولقد فقدنا القدرة على المعرفة الصحيحة وفن الحياة وذلك بسبب ميلنا للشر، ولكن المسيح جاء ودعانا إلى أن نتشّكل من جديد حسب الصورة الأولى بكل بهائها. ولا نقول أبدًا إن الوصول إلى هذا المجد يعنى أن الطبيعة البشرّية تصير طبيعة أخرى، ولكن الأمر يتعلّق باختيار الإرادة في أن يتغيّر الإنسان من حياة شريرة إلى حياة مقدّسة في القول والفعل.

كيرلس: يبدو لي أن الأمر واضح يا صديقي إرميا فإن صفات الله تضئ في صورتنا لأننا اخترنا بملء حريتنا أن نسير في الصلاح، ولكننا، وكما ذكرت ذلك أنت نفسك، لسنا واحدًا مع الله في الجوهر، لأنه لو صح ذلك كما يدّعون، فما الذي يمنعنا أن نكون من نفس طبيعة خالقنا؟ وذلك لأن الكائنات التي تتشابه فيما بينها لابد أن تكون طبيعتها واحدة. ألا يتشابه الملاك مع ملاك آخر في طبيعته؟! وألا يتشابه الإنسان مع إنسان آخر فى نفس الطبيعة؟!

إرميـــا: نعم إنه كذلك.

كيرلس: وهكذا كما ترى، فرغم أن تعبير “هوموأوسيوس” (الواحد في الجوهر) يُعبّر وبشكل رائع عن تطابق الطبيعة، فإن هؤلاء الذين لا يفكرّون بشكل مستقيم يرفضونه على أنه شئ من اختراعنا وذلك لكي يتمسّكوا برأيهم هم وأقصد بذلك “المشابه في الجوهر”[18]، وهم بذلك يُلبسون اللوغوس رداءً دنيويًا. فهم يتظاهرون أنهم يرفضون الحطّ من قيمة الابن، ويدعونه الله وابن ومخلّص وفادى وهم على قناعة تامة ـ قناعة جاءتهم من تمحكات حكمة هذا الدهرـ أن الابن ليس ابنًا بالطبيعة ولا هو إله حق. هؤلاء التعساء يضعونه في عداد المشابهين لله وهم لا يتورّعون عن وضع خالق الكون في مصاف المخلوقات، ويدّعون أنه ليس من نفس الجوهر بل أنه من طبيعة مشابهة. ولهذا السبب يحق لنا أن نطلب منهم أن يرفضوا هذه المصطلح الغريب والشاذ وذلك لكي نستطيع أن نتكلّم، إذا أرادوا، عن تشبّهنا به[19]، وأعتقد أن هذا سوف يزعجهم. وعلى كل حال فمن السهل أن نفهم نواياهم حتى لو لم يقولوا ذلك، وكيف أنهم يرفضون تعبير “هوموأوسيوس” ليس لأنه تعبير غير كتابى كما يعتقدون ويؤكدون مرارًا و تكرارًا، ولكنهم يرفضونه لأنه يُعبّر عن الحق، وذلك لأنه يُظهر بوضوح أن الابن ليس من طبيعة مختلفة عن طبيعة الآب بل هو من نفس طبيعته.

إرميـــا: هذا شيء رائع حقًا.

كيرلس: إنني أعتقد أن هؤلاء المحاربين لله عن سبق إصرار، يتناسون قول المخلّص الذي يؤكد فيه أنه من طبيعة الله الآب بدون انفصال وأنه لم يأتِ إلى الوجود زمنيًا: أَنْتُمْ مِنْ هذَا الْعَالَمِ، أَمَّا أَنَا فَلَسْتُ مِنْ هذَا الْعَالَمِ وأيضًاأَنْتُمْ مِنْ أَسْفَلُ، أَمَّا أَنَا فَمِنْ فَوْقُ[20]. والحكيم يوحنا يكتب عن الابن قائلاً: اَلَّذِي يَأْتِي مِنْ فَوْقُ هُوَ فَوْقَ الْجَمِيعِ[21]. ماذا يعنى تعبير مِنْ فَوْقُ إلاّ أنه من الطبيعة الفائقة جدًا والتي تعلو على كل الكائنات؟ وماذا يعنى لَسْتُ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ إلاّ أنه مختلف تمامًا ولا ينتمي إلى أي كائن خاضع للتغيّر ـ إنه حالة فريدة ـ إذ أن الله هو أبوه.

16 هنا يعرض ق. كيرلس النص الذي أقره الآباء في مجمع نيقية سنة 325م، والملاحظ أن المجمع الثاني في القسطنطينية قد تبَني هذا النص مع بَعض التعديلات وأضاف الجزء الخاص بإلوهية الروح القدس، وهكذا استقرت صياغة قانون الإيمان على النحو الذي نتلوه الآن. 

[2] هذه العبارة هي ترجمة للكلمة اليونانية المركبة “هوموأوسيوس “`ομοούσιος” وهي من مقطعين وهي تعنى من جوهر الآب ذاته أو مساوى للآب فى الجوهر أو واحد مع الآب فى الجوهر.

18 هذه الفقرة وردت أيضًا في قرارات المجمع بعد إقرار الإيمان الذي أجمعت عليه الكنيسة، وهذه الفقرة تشير إلى ما كان يعلّم به آريوس الهرطوقي.

19 مر3: 17.

20 ويقصد أتباع الآريوسيين الذين أنكروا ألوهية الابن المتجسّد، والملاحظ أن وصفهم بأنهم كذبة هو نفس الوصف الذي أعطاه ق. يوحنا لمن أنكروا أن يسوع هو المسيح (انظر: 1يو2: 22).

21 أم2: 13-15.

22 إر9: 1س.

23 1يو2: 19. يقارن هنا ق. كيرلس بين الآريوسيين وتعاليم هؤلاء الهراطقة الذين يتكلّم عنهم ق. يوحنا في رسالته ويصفهم بهذا الوصف إذ أنهم أيضًا أنكروا الابن: 1يو2: 23.

24 أف4: 14.

25 1كو13: 12.

26 هوميروس: الإلياذة 43: 104 . استخدام ق. كيرلس ـ مثل غيرة من الآباء ـ لبعض أفكار الفلاسفة اليونانيين، يعكس سعه اطلاعهم وثقافتهم الواسعة. والجدير بالذكر أن الفلسفة اليونانية كانت من بين المواد التي تدرّس في مدرسة الإسكندرية اللاهوتية بجانب العلوم الرياضية والموسيقية والفنية… الخ.

27 تُستخدم هذه الصفات فيما يُسمىَّ بعلم اللاهوت السلبي Apophatic theology  بمعنى وصف الله بما ليس هو، وهي صفات شائعة في كتابات كثير من آباء الكنيسة بالرغم من أنها لم ترد في نصوص الكتاب المقدس، فنجدها مثلاً في كتابات ق. غريغوريوس اللاهوتي، ففي القداس المعروف باسمه يتوجه بالصلاة إلى قنوم الابن فيصفه بأنه “غير المرئي، غير المحوَى، غير المبتدئ، غير الزمني، غير المفحوص، غير المستحيل”. انظر: الخولاجي المقدّس، طبعه دير البراموس: 2002 ص325. 

28 خر3: 14-15.

[14] نلاحظ إشارة ق. كيرلس إلى “أسلافنا” άρχιότεροι أى الأقدم منّا وهذا يشير إلى معنى الإيمان المسلّم بواسطة الآباء الأقدمين. 

[15] الفرق بين التعبيرين فى اليونانية هو (حرف i يوتا). مشابه فى الجوهر ÐmoioÚsioj، بينما مساوٍ فى الجوهر ÐmooÚsioj .

31 لو6: 36. يستخدم ق. كيرلس نفس هذه الآية وطريقة تفسيرها كما سبق إن استخدمها وشرحها ق. أثناسيوس في الدفاع عن إلوهية الابن المتجسد وإنه لا يشابه في طبيعته الإلهية أي من المخلوقات. انظر ق. أثناسيوس: المقالة الثالثة ضد الآريوسيين، فصل 10:25.

32 في سياق شرحه لقانون الإيمان يشددّ ق. كيرلس على العلاقة الوثيقة بين الإيمان والأعمال، فلابد إن تعكس أعمالنا، إيماننا القويم وأيضًا من الضرورى أن نعبّر عن إيماننا بأعمال وسلوك مستقيم= =فيقول: “لأن الإيمان الصحيح الذي لا يُسخر به بسبب ما له من بهجة التلازم مع الأعمال الصالحة، هو يملؤنا بكل صلاح ويُظهر أولئك الذين قد حصلوا على مجد متميزّ. وإن كان بهاء أعمالنا يبدو إنه لا يرتبط بالتعاليم الصحيحة والإيمان الذي بلا لوم، فإن هذه الأعمال لن تنفع نفس الإنسان، بحسب رأيي. فكما أن “الإيمان بدون أعمال ميت” يع2: 20، هكذا أيضًا نحن نقول إن العكس صحيح. وهكذا فليقترن الإيمان الذي بلاعيب ويشرق مع أمجاد الحياة المستقبلية وبذلك نصير كاملين… وأولئك الذين بسبب الجهل قد قللّوا من قيمة امتلاك الإيمان المستقيم ممجدين حياتهم بسبب أعمال الفضائل يشبهون أناسًا ذو ملامح حسنه في وجوههم ولكن نظرة عيونهم مصابه بتشويه وحَوَل”. رسائل ق. كيرلس: ترجمة د. موريس تاوضروس د. نصحي عبد الشهيد. المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية. يونيو 1997م، ج4، الرسالة رقم55، ص26 فقرة: 2، 3.

 

[18] القديس كيرلس يقول إن تعبير “المشابه فى الجوهر” وباليونانية `οmoioÚsioj هو تعبير يناسب المخلوقات ولا يناسب الابن لأن الابن غير مخلوق.

34 نحن نشبه الابن من حيث طبيعته البشريّة التي اتحد بها. فهو قد شابهنا في كل شيء ما عدا الخطية وحدها. أمَّا من جهة طبيعته الإلهية فنحن لا نشابهه فيها بالمرّة فهو الخالق ونحن بشر مخلوقين. وسبب انزعاج المقاومين، من القول بإننا نشبه الابن، هو التفسير السليم لهذا القول، لأنهم اعتقدوا أن الابن هو مثل بقية أبناء البشر بالتالي هو مخلوق.

35 يو8: 23.

36 يو3: 31.

 

قانون إيمان مجمع نيقية – الحوار الأول ج2 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

الابن أزلي مع الله الآب – الحوار الأول ج1 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

الابن أزلي مع الله الآب – الحوار الأول ج1 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

الابن أزلي مع الله الآب – الحوار الأول ج1 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

 

الحوار الأول

الابن أزلي مع الله الآب ومساوٍ له في الجوهر

 

مقدمة: الأب إرميا وغِيرَته اللاهوتية[1].

كيرلس: نحن لم نرَ الأب الموقر إرميا لا بالأمس ولا أول أمس ولعله فضّل ألاّ يخرج إلى ساحة المدينة ومكث فى البيت، ربما دفعه الشتاء إلى عدم الخروج ولقد أحسن الصنع، والآن لقد خرج مع ظهور الطقس الجميل.

إرميـــا: حقًا قلت، فالشيخوخة دائمًا فترة حرجة والشيخ يتردّد كثيرًا قبل الخروج من البيت وخاصة حينما تكون السماء ممطرة.

كيرلس: نستطيع بكل محبة وصراحة أن نشبِّهك بسمك البحر فحينما تهب ريح شديدة تحرك الأمواج، تجتمع الأسماك معًا على هيئة سرب واحد في التجاويف التي في أعماق البحار، وتدخل فيها كما في غابة أو حرجة الأشجار، وتأكل من النبات الكثيف الذي تجده. ولكن بمجرد أن تشرق أشعة الشمس على المياه، وحينما ترى هذه الأشعة كإبتسامة على وجه البحر كله، تدخلها الشجاعة وتخرج على قمة الأمواج تاركة وراءها الخوف والتردد.

إرميــا: هذا هو ما يحدث لي تمامًا وهو لا يخفى عليك أيها الصديق العزيز.

كيرلس: وعلى حد علمى فأنت الآن بعيد عن ضجيج الناس والمشغوليات وذهنك فى حالة استجمام.

إرميــــا: وما الفائدة من ذلك؟

كيرلس: الفائدة عظيمة وتليق بالقديسين، وهل هناك حياة هادئة ومستقرة بدون ثمر؟

إرميــــا: إن نوعية الحياة أهم من طولها.

كيرلس: إن كلام الله في المزمور الذي ترتّله على القيثارة يثبت صحة ما تقول.

إرميــــا: عن أى مزمور تتكلّم؟

كيرلس: كُفُّوا وَاعْلَمُوا أَنِّي أَنَا اللهُ[2]. إن العيون الجسدية تبصر جيدًا الأشياء التي تَعبْر أمامها، إذا كانت خالية من العوائق مثل التراب والدخان وكل ما يشوّش الرؤية، ولكن إذا أصابتها الأوجاع فإنها لا تبصر بوضوح وتعوزها الرؤية الثاقبة للأمور وهذا ينطبق على فكر الإنسان. ففكر الإنسان المستقر والهادئ والبعيد عن التخيّلات غير النقيّة، تكون نظرته حادة ونافذة وسيتعرّف على الكائنات معرفة بدون خطأ. ولكن إذا تشوش بالأهواء[3] فإنه سيصير عاجزًا عن رؤية الجمال الإلهى وسوف يسكن وسط الأشياء الأرضية.

إرميــــا: بالصدق تتكلّم.

كيرلس: إذًا هل اختليت إلى نفسك فى وقت فراغك فى المنزل، تتذكّر (أيها الأب) إرميا، الصوت الإلهى؟ هل تقرأ كل يوم كتبًا مقدّسة؟ هل هناك غيرة تدفعك إلى طلب العلم؟ هل لديك حاسة مرهفة تسعى وراء ما يجب أن تتعلّمه؟ أم يجب علينا أن ننسب عدم رغبتك الشديدة للعمل إلى أنك لم تعد في سن الشباب، إلاّ إذا كان لديك سبب آخر غير حقيقي؟ وسأذهب إلى حد أن أتجرأ وأجرح مشاعرك بقولي إن الإنسان المسن يميل إلى عدم قول الصدق وهو يبحث عمن يقبل إسرافه في الأمور التي  يريدها وعمن يثق بكلامه. 

 إرميــــا: سأستطيع أن أقول الكثير والكثير عن مرض الجسد لأن شمس حياتنا الأرضية بدأت فى الغروب، ولكنى سأدخل فى لب الموضوع تاركًا هذه الشكوى (من الأمراض) لوقت مناسب. لأن ذهنى يشتاق للمعرفة ولا يطلب شيئًا غيرها. وحالتى تشبه المُهر[4] الأصيل والسريع فى العدو، فكلما أراد أن يُظهر مهارته فى العدو، يجد نفسه رغمًا عنه، بسبب الأرض غير المهيأة للعدو، يقدّم عرضًا ناقصًا لا يتناسب مع قوته. وهكذا أشعر بنفس الشىء. فكلّما تدفعنى غيرتى على أن أكرّس وقتى لدراسة الأسفار المقدّسة، أجد نفسى أمام صعوبات بلا مخرج، والتغلّب على هذه الصعوبات ليس بالأمر المتاح لكل إنسان. وهكذا كما ترى فإن الصعوبات القائمة تدفعنى إلى التردّد، وأنا أزداد ترددًا بالأكثر أمام كل ما يخص الإيمان الذى هو أساس الرجاء الذى فينا.

كيرلس: سأقول لك إنك تتكلّم الحق، وذلك لأن اقتناء العطايا الصالحة النازلة من فوق، من الله، ليس بالأمر الذى يتم بدون معاناة، وهذا الأمر واضح للجميع وذلك لأن الأمور الفائقة وتلك التي عظمتها هى في السماء ليس بالأمر المتاح لكل من يُظهر مجرد الاشتياق لكنها تقتنى بالجهد وهى أمور صعبة المنال إذ هى مليئة بالصعوبات والتعب.

إرميـــا: إذن، ماذا يمكن أن يفعله أولئك الذين يرغبون بغيرة صادقة أن يكتشفوا كل هذه العطايا وخاصة أنه حسب قولكم، ليس بالأمر السهل؟

كيرلس: ليس أمامهم إلاّ أن يطيعوا أقوال القديسين الذين صرخوا عاليًا وَإِنَّمَا إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ تُعْوِزُهُ حِكْمَةٌ فَلْيَطْلُبْ مِنَ اللَّهِ الَّذِي يُعْطِي الْجَمِيعَ بِسَخَاءٍ وَلاَ يُعَيِّرُ، فَسَيُعْطَى لَهُ[5].

وبكل تأكيد فالنور الإلهى الروحانى سوف ينير لمن لا نور له، والحكمة سوف تجعل من لا حكمة له، حكيمًا، ومن ينقصه الوعى، أكثر وعيًا. والنور والحكمة هما المسيح الَّذِي أَشْرَقَ فِي قُلُوبِنَا، لإِنَارَةِ مَعْرِفَةِ مَجْدِ اللهِ[6] لأنه حسب قول المغبوط بولس فإن الله الآب أَنْقَذَنَا مِنْ سُلْطَانِ الظُّلْمَةِ، وَنَقَلَنَا إِلَى مَلَكُوتِ ابْنِ مَحَبَّتِهِ[7]، ولقد سمى أحد القديسين هذا النور بزوغ النهار وكوكب الصبح حينما قال إِلَى أَنْ يَنْفَجِرَ النَّهَارُ، وَيَطْلَعَ كَوْكَبُ الصُّبْحِ فِي قُلُوبِكُمْ[8] وهو يعنىـ حسب اعتقادى ـ بانفجار النهار وطلوع كوكب الصبح، الاستنارة فى الروح بالمسيح.

إرميــا: لا يوجد أحد يشك فى أن المسيح هو النور وهو النهار وهو كوكب الصبح، وخاصة هؤلاء الداخلين ليصيروا مختارين بالإيمان (الموعوظين). وإذا سألناك أن تشرح لنا عقيدة الإيمان بطريقة مبسطّة وسهلة الفهم، هل ستوافق أم سترفض وتعطى الفرصة للمتشككين لكى يفتخروا على شيخوختى؟ ويجب ألاّ نعطى أى اهتمام للآراء الباطلة التى يروجها بعض الناس والتى يهدفون من ورائها إلى تزّييف الحق الإلهى وتحويله حسب خيالاتهم، ويتجولون كسرب من النحل يجول فى المدن والقرى محدثًا طنينًا كثيرًا يَتَكَلَّمُونَ بِرُؤْيَا قَلْبِهِمْ لاَ عَنْ فَمِ الرَّبِّ[9].

كيرلس: كم تعجبنى فيك هذه المحبة الإلهية التى لا نظير لها ولذلك أرجوك ألاّ تتخلى أبدًا عن هذه الاستقامة فى الرأى وهى الجديرة حقًا بالإعجاب. ومن يستحق غيرك أيها الصديق فى أن يستمتع بالمحبة الإلهية؟! ولست أدّعى أننى سأقول شيئًا أفضل من الذى قاله أسلافنا أو أنى سوف أسبر غور الأمور الروحية بشكل أحسن، لأننا نجد كفايتنا فيما كتبه الآباء القديسون، لأن من يقرر أن يتعّرف بحكمة على الآباء و يستعمل كتاباتهم بالحرص الواجب فسوف يسكن النور الإلهى فى عقله، لأنه حسب كلام المخلّص لأَنْ لَسْتُمْ أَنْتُمُ الْمُتَكَلِّمِينَ بَلْ رُوحُ أَبِيكُمُ الَّذِي يَتَكَلَّمُ فِيكُمْ[10]. وذلك لأن كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ اللهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّوْبِيخِ[11]، أليس كذلك يا صديقى؟

إرميـــا: نعم ما تقوله صحيح. و لكن إذا أصابك التردّد ولم يكن لديك رغبة في التعاون معنا، أي إذا أغلقت فمك فسوف نصاب نحن بالشلل، وأخشى ما أخشاه أن يصير قولك إن الآباء قد كلّمونا بطريقة كافية ومُرضِية  مجرّد حجة، لكى تمتنع عن أن تكلّم الذين يشتاقون إلى الاستماع  إليك حول موضوعات الإيمان. وأنا بدوري لن أمدحك أبدًا على هذا المسلك، وألزمك أن تجيب على أسئلتى.

كيرلس: حول أى موضوع تريد سؤالى أيها النبيل؟ ولا تحاول الضغط بشدة على ذكائى المتواضع.

إرميـــا: إن هدفى ليس هو الضغط عليك وإن كان يجب أن أفعل اكثر من ذلك، في تلك الأمور التي أرى إنه من الضروري أن أسألك فيها.

كيرلس: اطرح أسئلتك الآن إذا كنت تعتقد إنك يجب أن تفعل ذلك.

إرميـــا: إذا أراد أحدنا أن يرعى الخراف والماعز فى الريف ألا تعتقد أنه يحتاج إلى عصا الراعى ومجموعة من الكلاب المدرّبة، لكى من ناحية يحمى نفسه فى حالة إذا ما هجم عليهم وحش مفترس، ومن ناحية أخرى فإن نباح الكلاب يحمى القطيع؟

كيرلس: هذا صحيح .

إرميــا: فإذا قام الراعىـ بمرور الزمنـ بإحضار كلاب أخرى محل الكلاب التى ماتت، هل تعتبر أن سهر ونباح الجيل الثانى من الكلاب ليس له فائدة لأن الجيل السابق من الكلاب كان شجاعًا ومتفوقًا؟!

كيرلس: وكيف نجرؤ على القول بأن شيئًا نافعًا لا فائدة له؟

إرميــا: أظن أنك تنسحب لكى تبقى بلا لوم وتتركنى أمام كتابات الآباء فقط، موحيًا بذلك أننا لا يجب أن نبذل جهدًا مثلهم، وأن لا نجاهد مسنودين بمحبة الله، بينما الهراطقة الأشرار المتوحشون يفترسون النفوس البسيطة بدون أن يقف أمامهم عائق ولا مانع.

[1] العناوين الجانبية عن الترجمة الفرنسية.

6 مز46: 11س.

[3] كلمة هامة عند الآباء ويترجمها بستان الرهبان “الأوجاع” وباليونانية πάθος وهى غالبًا ما تعني الأهواء.

[4] المُهر هو ابن الفرس، الصغير.

9 يع1: 5.

10 2كو4: 6.

11 كو1: 13.

12 2بط1: 19.

13 إر23: 16

14 مت10: 20.

15 2تيمو3: 16.

 

الابن أزلي مع الله الآب – الحوار الأول ج1 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

التعليم عن الخلاص للقديس كيرلس رئيس أساقفة الأسكندرية

التعليم عن الخلاص للقديس كيرلس رئيس أساقفة الأسكندرية 

التعليم عن الخلاص للقديس كيرلس رئيس أساقفة الأسكندرية

التعليم عن الخلاص للقديس كيرلس رئيس أساقفة الأسكندرية

د. ميشيل بديع عبد الملك غطاس

 

(الحلقة الثانية)

 

تحدثنا فى الحلقة الأولى[1] فى موضوع “المسيح وسيط الخلاص” كأحد تعاليم القديس كيرلس الأسكندرى عن الخلاص, وركزنا حديثنا حول “يسوع المسيح الإله المتجسد”. ورأينا أن “كلمة الله الأزلى” (LÒgoj) له طريقة إعلان جديدة من خلال التجسد وهى الاتحاد بالطبيعة الإنسانية الكاملة دون استحالته إلى الناسوت أو استحالة الناسوت إلى اللاهوت:

[ لأن الله المتحد بالناسوت بصورة لا ينطق بها قد حفظ الناسوت بصفاته الخاصة وهو نفسه (أى كلمة الله) بقى إلهاَ كما كان, غير أنه من بعد الاتحاد يعتبر واحداَ مع ناسوته لأنه اقتنى لنفسه ما لهذا الناسوت كما أشاع فى هذا الناسوت أيضًا قوة طبيعته “الإلهية” الخاصة].[2]

ففى تجسد كلمة الله الأزلى احتفظ “اللوغوس” فى خروجه من حضن الآب بنفس علاقته الأزلية بالآب وبالروح القدس.

كما تحدثنا أيضًا عن المسيح “آدم الثانى” باعتباره الأصل الثانى للجنس البشرى بعد سقوط آدم الأول, حيث استعرضنا مقارنات القديس كيرلس بين كل من طبيعة آدم الأول وآدم الثانى من حيث الاختلافات الجوهرية بينهما:

[المسيح هو “الأصل” (`r…za) الثانى للجنس البشرى والبداية الجديدة للبشرية التى ترجع بواسطة التقديس إلى كمالها الأول][3]؛ [لذلك يدعى المسيح آدم الثانى لأنه استطاع أن يوصل إلى طبيعتنا كل نعم السعادة والخلود والمجد, وذلك بالمثل كما استطاع آدم (الأول) أن يوصل إلى طبيعتنا لعنة الفساد والمذلة][4].

 

فى هذا المقال نستكمل حديثنا عن “المسيح وسيط الخلاص” ونتكلم عن النقطة الثانية :

 

  1. II. يسوع المسيح الوسيط بين الله والبشر

 

1 ـ طبيعة وساطة المسيح

يتكلم القديس كيرلس عن أن موسى وإرميا وأنبياء آخرون من العهد القديم كانوا وسطاء بين الله والناس, حيث كانوا وسطاء بحكم الوظيفة, أما المسيح يعتبر “الوسيط الوحيد”[5] بحسب تعاليم القديس بولس الرسول: ” لأنه يوجد اله واحد ووسيط واحد بين الله والناس الإنسان يسوع المسيح” (1تى2: 5)؛ وتبعاَ لذلك فإن وساطة المسيح مختلفة عن وساطة الأنبياء:

[ أما من جهة الوساطة, فقد كان موسى فى القديم صورة للمسيح, من حيث أنه استخدم (بشكل كامل) العطايا الإلهية التى مُنحت لشعب إسرائيل. ومع ذلك فإن وساطة موسى لم تكن سوى وساطة خادم, أما وساطة المسيح فقد كانت على العكس تتسم بالحرية وبعمق أكبر][6].

 

يمكننا أن نفهم وساطة المسيح فى أنها تنحصر فى مصالحة الإنسانية الخاطئة مع الله من خلال محو السيد المسيح للخطية, ولكن القديس كيرلس يرى أن فى وساطة المسيح معنى أعمق من حيث إنه جمع الطبيعة البشرية بالطبيعة الإلهية فى طبيعته وأقنومه الواحد وأصبح بذلك رباط الاتحاد بين البشرية واللاهوت:

[ هو الابن الوحيد والكلمة كمولود من الله والآب, وهو البكر بين اخوة كثيرين (رو8: 29) لأنه صار انسانًا, ولقب “بالابن الوحيد” الذى هو لقب خاص باللوغوس يطلق أيضاَ على اللوغوس متحداَ بالحسد. ونفس الأمر مع لقب “البكر” فهذا اللقب لم يكن لقبه قبل التجسد ولكنه صار لقبًا له بعد التجسد. وهو وسيط بهذا المعنى: إنه جمع ووحد فى شخصه أمورًا متباعدة فيما بينها, وهى اللاهوت والناسوت, الله والإنسان, وربطهما بوساطته بالله الآب لأنه واحد مع الآب فى الطبيعة لأنه يوجد فيه ويحيا فيه. وهو واحد مع البشر فى الطبيعة لأنه خرج من بينهم, وهو حاضر وسطهم, وذلك لأنه ليس غريبًا عنا فيما يخص إنسانيته وهو عمانوئيل الذى شابهنا فى كل شئ ما خلا الخطية][7].

 

من خلال بنية المسيح من اللاهوت الكامل والناسوت الكامل نفهم معنى وساطة المسيح, فهو الإله المتأنس الذى من جهة يكون مساويًا لنا بحسب الجسد, ومن جهة أخرى يكون مساويًا للآب بحسب اللاهوت. لهذا صار وسيطًا بين الله والإنسان لأنه وحد فى شخصه طبيعتين مختلفتين وأصبح بذلك “حلقة وصل” (meqÒrion) بين البشرية والألوهية المتباعدتين الواحدة عن الأخرى بعدًا لانهائيًا:

[ نحن نتحد بالآب بواسطة المسيح كما بوسيط وكأنه هو “حلقة الوصل” (meqÒrion) بين اللاهوت الفائق السمو وبين الناسوت, من حيث أن له الاثنين فى كيانه وكأنه يجمع داخل نفسه الذين تباعدوا بمثل هذا القدر, لأنه متحد من جهة بالله الآب نظراَ لأنه هو نفسه الله بحسب الطبيعة, ومن جهة أخرى متحد بالناس نظراَ لأنه بالحقيقة قد صار إنسانًا][8].

 

لقد كان للسيد المسيح ـ فى التجسد ـ القدرة على أن يجتاز ضعفات الطبيعة البشرية ويتمم عمل الخلاص[9] ويرفع الطبيعة البشرية المتحدة به:

[ كما أن الحديد إذا قربناه من نار شديدة يكتسب للوقت مظهر النار ويشترك فى صفات ذلك العنصر الغالب, هكذا أيضاَ طبيعة الجسد التى اتخذها لنفسه اللوغوس غير الفاسد والمحيى لم تبقَ على حالها الأول بل قد انعتقت من الفساد والفناء وسادت عليهما][10]؛ [لقد وضع نفسه لكى يرفع إلى رفعته الخاصة ما هو وضيع بحسب الطبيعة, ولبس صورة العبد مع كونه بحسب الطبيعة هو الرب وهو الابن، لكى يجعل الذى هو عبد بالطبيعة شريكا فى مجد التبنى الذى يشبه مجده الخاص, فقد صار مثلنا ـ أى إنسانا ـ لكى يجعلنا مثله ـ أى أبناء ـ وهكذا أخذ لنفسه خاصة ما هو لنا وأعطانا عوضا عنه ما هو له][11].

 

لقد تسمى المخلص بـ “عمانوئيل” الذى تفسيره “الله معنا”, ليس بمعنى أنه سيكون عاملاً معنا ومساعدًا لنا, بل إنه سيكون حاضرَا معنا أى واحدًا منا. لأن كلمة الله قد صار إنسانًا وفيه قد خلصنا جميعا وحطم رباطات الموت وخلصنا من فساد الخطيئة، حيث أن كلمة الله وهو فى صورة الله قد نزل إلينا وصار معنا[12]؛ لذلك لم يشأ الابن الوحيد أن يأتى إلينا فى مجده الإلهى بل صار مثلنا وأصبح وسيطا بين الله والناس من أجل أن يربى البشرية على معرفة إرادة الله[13].

 

ولكن كيف يكون عمانوئيل واحدًا؟

يجيب عن هذا السؤال القديس كيرلس الأسكندرى فى كتاب شرح تجسد الابن الوحيد:

[ قيل عن الله الكلمة مرة واحدة وإلى الأبد وفى آخر الدهور أنه صار إنسانا كما يقول بولس: “ظهر بذبيحة نفسه” (عب26:9) وما هى هذه الذبيحة؟ هى جسده الذى قدمه كرائحة بخور ذكية لله الآب. فقد دخل مرة واحدة إلى الأقداس, ليس بدم ماعز وتيوس بل بدم ذاته (عب 12:9). وهكذا حصل للذين يؤمنون به فداء أبديا. وكثيرون قبله كانوا قديسين ولكن ليس واحد منهم دعى عمانوئيل لماذا؟ لأن الوقت لم يكن قد حان بعد ليكون هو معنا أى أن يجيء إلى طبيعتنا عندما يتجسد, وذلك لأنه أسمى من كل المخلوقات. واحد إذا هو عمانوئيل لأنه هو الابن الوحيد الذى صار إنسانًا عندما وُلِدَ جسديًا من العذراء القديسة. لقد قيل ليشوع: “سأكون معك” (5:1), ولكن (الله) لم يُدع فى ذلك الوقت عمانوئيل. وكان قبل ذلك مع موسى ولم يدعى عمانوئيل لذلك عندما نسمع (اسم) عمانوئيل: “معنا الله” الذى أعطى للابن, فلنعتقد بحكمة أنه ليس معنا كما كان فى الأزمنة السابقة مع القديسين لأنه كان معهم كمعين فقط ولكن هو معنا لأنه صار مثلنا دون أن يفقد طبيعته لأنه هو الله غير المتغير][14].

 

2 ـ العمل الكهنوتى للوسيط

يؤكد القديس كيرلس الأسكندرى على أن المسيح كان ينوب عن البشرية كلها أمام الآب كرئيس كهنة استنادًا إلي تعاليم القديس بولس الرسول فى رسالته إلى العبرانيين. لذلك نجد أنه يذكر الآتى فى “الحرم” العاشر من الحرومات الاثنى عشر التى أرسلها إلى نسطور بطريرك القسطنطينية فى الرسالة الثالثة:

[ يقول الكتاب المقدس إن المسيح هو رئيس كهنة ورسول اعترافنا (عب3: 1), وأنه قدم نفسه من أجلنا رائحة طيبة لله الآب. لذلك فمن يقول أن رئيس كهنتنا ورسولنا ليس هو نفسه الكلمة الذى من الله حينما صار جسدًا وإنسانًا مثلنا, بل أن هذا الإنسان المولود من المرأة هو آخر على حده غير كلمة الله, أو من يقول أنه قدم نفسه كذبيحة لأجل نفسه أيضًا وليس بالحرى لأجلنا فقط (فهو لا يحتاج إلى ذبيحة لأنه لم يعرف خطية), فليكن محرومًا][15].

 

مثلما الوظيفة الكهنوتية هى عبارة عن “وظيفة” “وسائطية” لذلك نجد أن وظائف الوسيط تتركز فى عمله الكهنوتى. لأن العمل الكهنوتى يجعل الله والخليقة فى اتصال تبادلى فائق للطبيعة لأن المسيح منذ البدء دعى كاهن بحسب تدبير الله الآب لخلاص الجنس البشرى بحسب تعاليم القديس بولس الرسول فى رسالته إلى العبرانيين: “ ولا يأخذ أحد هذه الوظيفة بنفسه بل المدعو من الله كما هرون أيضًا. كذلك المسيح أيضًا لم يمجد نفسه ليصير رئيس كهنة بل الذى قال له أنت ابنى أنا اليوم ولدتك” (عب4:4ـ5), حيث يقول القديس كيرلس فى المقالة الأولى من كتاب السجود والعبادة بالروح والحق:

[ فكلنا قد دعينا إلى الحرية بواسطة إيماننا بالمسيح, وقد افتُدينا من الشيطان الطاغية والمسيح يقودنا إلى هذه الحرية، ولقد كان موسى وهارون مثالاً سابقًا للمسيح, حتى تدرك يا بلاديوس أن عمانوئيل حسب التدبير, هو المشرع ورئيس الكهنة والرسول][16].

فالمسيح كرئيس كهنة يكون أيضًا معلمًا وملكًا حيث إن له مجد داود بمعنى السلطة والسيادة على إسرائيل أى المؤمنين[17].

ويقول القديس كيرلس عن كهنوت المسيح فى شرحه لإنجيل يوحنا:

[ حيث إنه الآن رئيس كهنة, حيث صار إنسانًا, فقد قدم لله الآب ذاته كذبيحة بلا عيب عن حياة الكل, ومن حيث أنه بكر (الإنسانية) يكون متقدماَ فى كل شئ كما يقول القديس بولس الرسول (كو1: 18). فهو يقدم الجنس البشرى مطهرًا إياه بدمه ومغيرًا إياه بواسطة الروح القدس إلى جدة الحياة][18].

 فى هذا النص نرى كيف أن المسيح يكون نائباَ عن الجنس البشرى حيث قدم ذاته ذبيحة, وكيف أن هذه الذبيحة لم تنتهِ (غير نهائية).

 

ملخص عام

 

نستطيع أن نقول إن وساطة المسيح بحسب تعاليم القديس كيرلس لها وجهان:

1 ـ التكفير والمصالحة مع الآب حيث أنه رفع الخطية التى كانت تفصل بين الله والناس وبسبب أنه رئيس كهنة فقد قدم نفسه ذبيحة لله أبيه.

2 ـ الاتحاد بالله حيث اجتمعت إليه واتحدت فى شخصه الواحد الطبيعتان الإلهية والبشرية لتكوَّنا وحدة واحدة ليُصَيِّر الإنسان شريكاَ للطبيعة الإلهية. وهذا السر الذى حدث فى المسيح هو بداية ووسيلة اشتراكنا فى الروح واتحادنا بالله.

1 أنظر ميشيل بديع: “التعليم عن الخلاص للقديس كيرلس رئيس أساقفة الأسكندرية”(1), فى: دراسات آبائية ولاهوتية السنة الثانية، (العدد الثالث) 1999, إصدار المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية بالقاهرة, صفحات 22-29.

2 جميع الاقتباسات فى هذا البحث هى من كتابات القديس كيرلس الأسكندرى, لذلك سنشير فقط إلى أعماله بحسب مجموعات الأباء اليونانية PG.

تعاليم فى تجسد الابن الوحيد (PG 75,1377 D)

3 تفسير إشعياء (PG 70,588)

4 شرح إنجيل يوحنا 14:1 (PG 73,161)

5 كتاب الكنز 32 (PG 75,504B)

6 شرح إنجيل يوحنا (PG 73,429B)

7 حوار حول الثالوث 1 (PG 75,692F.)

8 شرح إنجيل يوحنا 14:10 (PG 73,1045C)

9 عن الإيمان الصحيح, المقالة الثانية 37 (PG 76,1385C)

10 العظة الفصحية 17 (PG 77,785D-788A)

11 شرح إنجيل يوحنا 17:20 (PG74,700AB)

12 شرح إنجيل يوحنا17:20 (PG 73,844C-D)

13 حوار حول الثالوث (PG 75,853A)

14 شرح تجسد الابن الوحيد (PG 75,1377 D)

15 الرسالة 17 (PG 77758f.)

16 السجود والعبادة بالروح والحق 11:1 (PG 68,728 B) المقالة الأولى، ترجمة ومراجعة وإصدار المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، ديسمبر 2001، ص71.

17 الرسالة 55 (PG 77,309) ؛ أنظر رسائل القديس كيرلس الجزء الرابع، الرسالة 55 ص 39، 40، ترجمة وإصدار مركز دراسات الآباء 1997؛ أنظر أيضًا: إشعياء22: 20-24 (PG 70,517 B) ؛ زكريا 6: 9-15 (PG 72,93)

18 شرح إنجيل يوحنا 2:17 (PG74,480 D)؛ أنظر السجود والعبادة بالروح والحق 10:1 (PG 68,708)

التعليم عن الخلاص للقديس كيرلس رئيس أساقفة الأسكندرية 

Exit mobile version