تفسير رسالة تيموثاوس الثانية 3 الأصحاح الثالث – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة تيموثاوس الثانية 3 الأصحاح الثالث – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة تيموثاوس الثانية 3 الأصحاح الثالث – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة تيموثاوس الثانية 3 الأصحاح الثالث – القمص تادرس يعقوب ملطي

الأصحاح الثالث: مقاومة روح الضلال

 

لا تقف رسالة الراعي عند الجهاد في حياته الخاصة ليحيا مقدسًا للرب، وإنما يليق به مقاومة البدع والهرطقات وكل ضلال سواء من جهة التعليم أو عدم السلوك بحكمة سماوية.

  1. الهرطقات والشر ١ – 5.
  2. المعلمون الفاسدون ٦ – ٩.
  3. احتمال مضايقاتهم 10- ١٣.
  4. الاستناد على كلمة الله ١٤ – ١٧.
  5. الهرطقات والشر

إذ تحدث عن المباحثات الغبية والمفسدة بدأ يتحدث عن الضلال خاصة من جهة السلوك، فغالبًا ما ترتبط الهرطقات والبدع بالحياة الشريرة، إذ هي في جوهرنا تقوم على حب الأنا والمجد الباطل وحب الانشقاق، فيتلاحم الفكر المنحرف عن الحق بالسلوك الشرير.

ولكن اعلم هذا:

أنه في الأيام الأخيرة ستأتي أزمنة صعبة.

لأن الناس يكونون محبين لأنفسهم” [1، ٢].

يقصد بالأزمنة الأخيرة بعد مجيء الابن الكلمة المتجسد، فإن كان في ملء الزمان تقدم الله بإعلان الحب بتحقيق خلاصنا خلال صليب ابنه، فإن الشيطان بدوره يثير العاملين لحسابه لمقاومة الحق. إنها أزمنة النعمة بالنسبة للمؤمنين، وأزمنة صعبة بالنسبة للمخدوعين بحيل إبليس وأضاليله.

على أي الأحوال في كل عصر يعلن الله محبته، وفي نفس الوقت يثير إبليس أتباعه للتضليل، وقد قدم الرسول بولس مثالاً بعصر موسى النبي، إذ يقول: “وكما قاوم يَنِّيس وَيَمْبِرِيس موسى، كذلك هؤلاء أيضًا يقاومون الحق، أناس فاسدة أذهانهم، ومن جهة الإيمان مرفوضون” [8]. إذن فالعيب ليس في الزمان، وإنما في قلب الإنسان الشرير. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لا تُلِم الأيام والأزمنة بل الناس عبر الأزمنة، فقد اعتدنا الحديث عن أزمنة صالحة وأزمنة شريرة، وذلك خلال الأحداث التي تحدث لنا بواسطة الناس[48].]

أما جذر الشر وأساسه فهو الأنا أي محبة الإنسان لذاته، فيتقوقع حولها ويقيمها إلهًا له، يود أن الكل يخدمها عوضًا عن أن يخدم الآخرين، فيضر نفسه وهو لا يدري. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [من يهتم بأمور الآخرين إنما يهتم بشئونه الخاصة… ومن يستهين بأمور إخوته يهمل ما يخصه هو. فإن كنا أعضاء الواحد للآخر، فإن نفع أخينا لا يعود عليه وحده، إنما يعود على الجسد كله، والضرر الذي يصيب أخانا لا يقف عنده وحده، إنما يصيب بقية الجسد بالآلام.

هكذا في الكنيسة إن كنت تستخف بقريبك إنما تضر نفسك[49].] و أيضًا يعلق على كلمات الرسول: “لأن الناس يكونون محبين لأنفسهم” [2]، قائلاً: [إنه يضع الجذر أو الأساس الذي تنبع عنه الشرور… فمن يحب نفسه (الأنا)، ويقال عنه إنه غير محب لنفسه، أما من يحب أخاه فهو محب لنفسه بالمعنى الحقيقي[50].]

هكذا يضع الرسول بولس محبة الذات أو الأنا أو الكبرياء كأساس للشر والهرطقة، لهذا إذ يتكلم القديس أغسطينوس عن الهراطقة، يقول: [كيف يقاومون الحق إلاَّ بواسطة غرور كبريائهم المتشامخ باطلاً؛ بينما يقيمون أنفسهم متشامخين إلى العُلَى كعظماء وأبرار، وإذا بهم يعبرون كالهواء الفارغ[51].]

خلال محبة الذات أو الكبرياء يضيق قلب الإنسان جدًا، فلا يطلب إلاَّ ما لذاته من محبة مال أو شهوات، فينسحب القلب من خطية إلى أخرى، تسلمه هذه إلى تلك ليصير ألعوبة الخطايا والنجاسات، يفقد إرادته الحُرّة وقدسيته ليعيش في مذلة وضعف.

 “لأن الناس يكونون محبين لأنفسهم،

محبين للمال، متعظمين، مستكبرين، مجدفين،

غير طائعين لوالديهم، غير شاكرين، دنسين،

بلا حنو، بلا رضى، ثالبين، عديمي النزاهة،

شرسين، غير محبين للصلاح، خائنين، مقتحمين،

متصلفين، محبين للذات دون محبة الله،

لهم صورة التقوى ولكنهم منكرون قوتها،

فاعرض عن هؤلاء[2–٥].

لاحظ القديس يوحنا الذهبي الفم في تعليقه على العبارات السابقة أن كل خطية تنتج الخطية التالية لها، إذ يقول: [تصدر محبة المال عن محبة الإنسان لذاته… وعن محبة المال تنبع محبة العظمة، وعن حب العظمة الكبرياء، وعن الكبرياء التجديف، وعن التجديف التحدي وعدم الطاعة… فمن يتكبر على الناس يتكبر على الله بسهولة.

هكذا تتولد الخطايا وترتفع من أسفل إلى أعلى، فمن يكون تقيًا في تعامله مع الناس يكون هكذا بالأكثر مع الله. ومن يكون وديعًا مع العبيد زملائه يكون بالأكثر وديعًا مع سيده. إذ يحتقر العبد زميله ينتهي به الأمر إلى احتقار الله نفسه. إذن ليتنا لا نحتقر بعضنا البعض، لأن هذه خبرة شريرة تُعلِّمنا احتقار الله[52].] هكذا لاحظ القديس أن الخطايا بدأت موجهة ضد الناس وانتهت موجهة ضد الله نفسه.

يقول القديس كبريانوس أن ما تنبأ عنه الرسول قد تحقق: [لقد اقتربت نهاية العالم، فظهرت العلامات من جهة الناس كما من جهة الأزمنة، فالأخطاء تخدع والخصم (إبليس) يهيج أكثر فأكثر، والعنف يشتد، والحسد يلتهب، والطمع يعمي العيون، والشر يغوي، والكبرياء ينفخ، والانشقاق يتزايد مرارة، والغضب يسرع برعونة[53].]

في اختصار نذكر أهم الشرور التي أوردها الرسول هنا:

أ. حب الذات: رأينا أنها أساس كل الشرور وجذورها، حيث تغلق النفس أو القلب عن محبة الله والناس.

ب. محبة المال أو الطمع: الإنسان المحب لذاته يطلب كل شيء لحسابها فيكون طماعًا يحب المال والكرامة على حساب إخوته، بل وعلى حساب نفسه. يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن هذه الخطية تلتحم أيضًا بعدم الشكر، إذ يقول: [كيف يمكن للطماع أن يشكر؟ نحو من يشعر الطماع بالعرفان بالجميل؟ لا أحد، فإنه يحسب كل البشر أعداءه، مشتهيًا كل ما لهم، لو أنفقت عليه كل ما تملك لا يشعر بالجميل. إنه يغضب لأنك لا تملك أكثر لكي تعطيه أكثر.

ولو أقمته سيدًا على كل العالم لبقي جاحدًا، ويظن أنه لم ينل شيئًا. هذه الرغبة النهمة لا تشبع، فهي رغبة مريضة… من كان مصابًا بحمى لن يشعر بارتواء بل دائمًا يطلب أن يشرب كظمآنٍ، هكذا من كان في جنون نحو الغنى لا يشعر بإشباع رغبته مهما أُعطي له، وإنما يبقى في حالة عدم اكتفاء وبالتالي لا يشكر[54].]

ج. حب العظمة والكبرياء: كما أن محبة الذات تُوَلِّد عطشًا لا ينتهي نحو المال والغنى لا يمكن للعالم أن يرويه، هكذا ذات العلة قد تُوَلِّد عطشًا لا للمال بل إلى حب الكرامة الباطلة والمجد الزمني، الأمور التي تفقد الإنسان سلامه الداخلي.

د. التجديف: عطش الإنسان إلى الأرضيات سواء على مستوى المال والغنى أو على مستوى حب الكرامة الزمنيّة يحرف البصيرة الداخلية عن الله نفسه، فتحتقر النفس إلهها ولا تقدر أن تتلامس مع أعماله الخلاصيّة وعطاياه المجانيّة فتجدف عليه.

ه. عدم طاعة الوالدين: الإنسان الذي يستخف بالله يستخف بوالديه، ففي تجديفه يود أن يتحرر من الأبوة الإلهيّة، بكونها سلطة تحرمه الحريّة، وفي عصيانه للوالدين يحمل ذات الفكر تجاه الوالديّة الطبيعيّة الدمويّة.

و. عدم الشكر أو الجحود: رأيناه وضعًا طبيعيًا في حياة الإنسان محب المال، علامة شعوره بالفراغ الداخلي، الذي لا يستطيع العالم أن يملأه مهما قدم له. على العكس فإن السمائيّين إذ هم في حالة شبع روحي تتسم حياتهم بالشكر الدائم خلال تسابيحهم غير المنقطعة.

ز. الدنس: إن كان الفراغ الداخلي يخلق طبيعة جاحدة لا تقدر أن تشكر، فإن هذا الفراغ بعينه يلهب الإنسان نحو الأمور الدنسة لكي يلتهي فيها، حاسبًا أنه يجد شبعه وسروره الجسدي في التصرفات الدنسة.

ط. عدم الحنو: يُقصد به عدم وجود ود طبيعي، فالإنسان السالك في الدنس يطلب ما يشبع لذَّاته الخاصة، وإن أظهر حنوًا، فليس عن حنو داخلي لراحة الآخرين، وإنما لإشباع ملذاته الخاصة. والمثل الواضح في ذلك أمنون الذي مرض جدًا بسبب محبته الدنسة لأخته ثامار، ولما أخذ منها ما اشتهاه طردها. وأيضًا امرأة فوطيفار أحبت يوسف العفيف جسديًا، ولما تحدث معها بلطف رافضًا الشر سلمته للسجن وعرضت حياته للخطر.

ظ. عدم الرضا: يُقصد به نقض العهد الذي ارتبط به.

ع. الثلب: يُقصد به اتهام الآخرين زورًا. فلا يقف الأمر عند نقض العهد الذي ارتبط به بإرادته وإنما يتهم غيره زورًا، يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [الذين يشعرون بأنه ليس فيهم شيء صالح بينما هم يرتكبون خطايا ومعاصي كثيرة، يجدون تعزيتهم في تشويه شخصية الغير[55].]

غ. عدم النزاهة أو عدم العفة: بمعنى عدم قدرة الإنسان على ضبط نفسه من جهة لسانه وشهواته وكل شيء آخر. يريد أن يعيش في الملذات بلا ضابط. وكما يقول العلامة أوريجينوس: [من يعيش حسب الملذات يحب الطريق الواسع، فينحرف عن طريق يسوع المسيح الضيق والكرب (مت ٧: ١٣-١٤)، الطريق الذي ليس فيه أدنى منحنيات، كما ليس فيه زوايا قط (مت ٦: ٥)[56].]

ف. شراسة: طبيعة الخطية تفقد الإنسان إنسانيته ليحيا شرسًا، يقاوم الآخرين بلا سبب حقيقي.

ق. غير محبين للصلاح: أي يحتقرون الأمور الصالحة ويستهينون بها كأمورٍ تافهة.

ك. الخيانة: يقصد بها خيانة الإنسان للعهد الإلهي، ومن جانب آخر خيانته للعهد الطبيعي كأن يسلم الأب ابنه، أو الابن أباه (مت ١٠: ٢١) أو خيانة الصداقة.

ل. الاقتحام: يتدخلون بالشر فيما لا يعنيهم.

م. التصلف: أو الكبرياء بدون تروٍ.

ن. محبة اللذات: دون محبة الله، لأن محبة الإنسان لإشباع شهواته تقف حائلاً عن محبته لله.

أخيرًا يختم الرسول حديثه عن الأشرار بقوله: “لهم صورة التقوى ولكنهم منكرون قوتها” [5]، وهذا هو أخطر أنواع الشر أن يحمل الإنسان المظهر البَرَّاق المُخادع أما الداخل فمملوء فسادًا. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم إن هذا الرياء يمثل لصًا خطيرًا يسلب المتدينين كل ما لديهم. فالخطايا السابقة واضحة يسهل على مرتكبيها أن يتوبوا عنها ويعترفوا بها، أما خطية الرياء، فغالبًا ما يصعب على مرتكبيها إدراكها. إذ لا يخدع الآخرين فحسب وإنما يخدع أيضًا نفسه، فيرى في نفسه أنه أفضل من الآخرين، ولا يقبل التعليم أو النصح.

  1. المعلمون الفاسدون

فاعرض عن هؤلاء،

فإنه من هؤلاء هم الذين يدخلون البيوت

ويسبون نُسَيَّات مُحَمَّلات خطايا،

مُنساقات بشهوات مختلفة.

يتعلمن في كل حين ولا يستطعن أن يقبلن إلى معرفة الحق أبدًا.

وكما قاوم يَنِّيس ويَمْبِريس موسى،

كذلك هؤلاء أيضًا يقاومون الحق.

أناس فاسدة أذهانهم،

ومن جهة الإيمان مرفوضون،

لكنهم لا يتقدمون أكثر،

لأن حمقهم سيكون واضحًا للجميع كما كان حمق ذَيْنِكَ أيضًا” [6 –٩].

استطاع الهراطقة المفسدون التسلل إلى البيوت للعمل خِفية، خاصة بين النساء الطائشات اللواتي يعتنقن كل ما هو جديد. هؤلاء النساء أعجبن بالأفكار الغنوسية، وسلم بعضهن أنفسهن لبعض هؤلاء المعلمين الذين يستهينون بتقديس الجسد، إذ يعتبرونه عنصر ظلمة لن يقوم في يوم الرب ولا ينال مكافأةً أو مجدًا، فتركوا له العنان يفعل ما يشاء. ويبدو أن بعض النساء في طيشهن تركن رجالهن، وانسقن إلى هؤلاء المخادعين، فانحرفن عن الطهارة كما انحرفن عن الحق. وقد دعا الرسول هؤلاء النساء “نُسَيَّات” أي سخيفات أو غير حكيمات.

إنهن يقبلن الأفكار المضللة التي يبثها المعلمون الفاسدون عند تسللهم إلى بيوتهن، وكأنهن يكررن ما قامت به أمهن الأولى حين تسللت إليها الحية القديمة إلى بيتها في الفردوس، ودخلت قلبها وفكرها لتبث فيه خداعها. هكذا يتسلل الهراطقة إلى بيوت المؤمنين عن طريق النساء غير الحكيمات. هنا لا يلوم الرسول الهراطقة وحدهم كمضللين ومفسدين، لكنه أيضًا يلوم النسوة الغبيات اللواتي يفتحن لهم بيوتهن، بل وقلوبهن وأفكارهن، ويسلمن لهم أجسادهن خلال عدم سهرهن الروحي وعدم تدقيقهن. لقد وجد الهراطقة فيهن استجابة داخلية قبل القبول الظاهري، وانفتحت القلوب والأفكار المنحرفة لهم، لأن هؤلاء النساء كن يستطبن الشر.

ضرب الرسول مثالاً للمعلمين المخادعين بما حدث في أيام موسى النبي وهرون حيث قاومهما الساحران المخادعان ينيس ويمبريس. لقد عرف الرسول الاسمين ليس من الكتاب المقدس وإنما من التقليد اليهودي. هذان الساحران خدعا المصريين إذ قاما بأعمال تبدو مشابهة لما قام به موسى النبي وهرون، لكنهما في حقيقتهما كانا رجلين فاسدي الذهن عديمي الإيمان مملوءين حماقة، أرادا بالمظهر المخادع أن يُدخلا الناس إلى الحماقة.

كأن الرسول يؤكد لنا أنه في كل عصر حيث يوجد العمل الإلهي يقابله الخداع الشيطاني! وُجد موسى وهرون من قبل الله، فأقام الشيطان مقابلهما الساحرين المخادعين. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم

[إن كان أحد يعترض على وجود هراطقة الآن، فليذكر أن الأمر هكذا منذ البداية، إذ كان الشيطان يقيم الضلال على الدوام في مقابل الحق. في البداية وعد الله بالصالحات، وقدم أيضًا الشيطان وعده. أقام الله الفردوس، وخدع الشيطان الإنسان بقوله: “تصيران كالله” (تك ٣: ٥)، فإن كان قد عجز عن تقديم عمل قدم وعودًا هي بالأكثر كلمات، وهذه هي طبيعة المخادعين.

بعد هذا جاء قايين وجاء معه هابيل،

أبناء شيث ومعهم بنات الناس،

حام ومعه يافث،

إبراهيم (وفي أيامه) وُجد فرعون،

يعقوب ومعه عيسو.

وهكذا جاء موسى (وهرون) وقاما الساحران.

الأنبياء ومعهم الأنبياء الكذبة.

الرسل والرسل الكذبة،

المسيح وسيجيء ضد المسيح.

هذا ما كان قبلاً، وما حدث إلى ذاك اليوم… وفي اختصار لم يكن هناك وقت لم يوجد فيه الباطل ليقف ضد الحق. إذن لا تقلقوا[57].]

  1. احتمال مضايقاتهم

بعد أن تحدث الرسول عن وجود هراطقة في كل عصر يقاومون الحق، أوضح ضرورة احتمال مضايقاتهم بثبات، إذ يقول: “وأما أنت فقد تَبِعْتَ تعليمي وسيرتي وقصدي وإيماني وأناتي ومحبتي وصبري، واضطهاداتي وآلامي مثل ما أصابني في أنطاكية وإيقونية ولسترة. أية اضطهادات احتملت، من الجميع أنقذني الرب[١٠١١].

هنا يقدم لنا مفهومًا حيًا للتسليم أو التقليد الرسولي إنه ليس مجرد عقيدة إيمانيّة فكريّة يتقبلها التلميذ عن معلمه، أو الجيل عن الجيل السابق، إنما فيما هو يحوي الإيمان الحيّ بكل جوانبه إنما يتسلم أيضًا التعليم والسيرة المقدسة والمقاصد التي عاش لأجلها وطول الأناة والمحبة والصبر، الأمور التي مارسها الرسول، وتَلَمَّسها تلميذه فيه، وأيضًا اضطهاداته وآلامه. كأن ما تسلمه تيموثاوس الأسقف عن بولس الرسول إنما هو “الحياة مع المسيح” بكل دقائقها الظاهرة والخفية. وكما سبق وأكدت في أكثر من موضع، خاصة في كتاب “التقليد والأرثوذكسية” إن التسليم الرسولي ليس أمورًا خارجية أو مجموعة من العقائد والنظم الكنسيّة تحكم عبادة الكنيسة وسلوك الجماعة والعضو فيها، إنما هي “الحياة” كما عاشتها الكنيسة الأولى وسلمتها في كل جوانبها.

هنا يمكننا القول أن قبول الآلام واحتمالها هو جزء لا يتجزأ من التسليم الرسولي، فقد تتلمذ تيموثاوس على يدي الرسول المتألم، وهذا هو المعلم يُذَكِّر تلميذه أن يتمسك بما رآه وما لمسه لكي تكون له معه شركة في الرب، محتملاً الألم بطول أناة، له ذات مقاصد الرسول ونياته وأناته ومحبته لمضطهديه. بمعنى آخر ليس مجرد رؤية القديس تيموثاوس لمعلمه بولس الرسول متألمًا يبعث فيه احتمال الألم معه، وإنما تلمذته على يديه وإدراكه أعماق معلمه الداخلية من مفاهيم ومقاصد ومشاعر وأحاسيس خفية في المسيح يسوع، أي اكتشاف سرّ القوة الداخلية في الرسول أثناء ضيقه وآلامه.

يعلن القديس يوحنا الذهبي الفم على كلمات الرسول، قائلاً: [كن قويًا فإنك لم تكن حاضرًا معي فحسب وإنما تبعت تعليمي عن قرب… بقوله “تَبِعْتَ تعليمي” يشير إلى المناقشة (الإيمانيّة)، وبقوله “سيرتي” يشير إلى سلوكه، وبقوله “قصدي” يشير إلى غيرته وثبات نفسه. وكأنه يقول له: إنني لا أنطق بهذه الأمور دون أن أنفذها، لم أكن فيلسوفًا (حكيمًا) بالكلام وحده. وبقوله “إيماني وصبري” يقصد أنه ليس شيء من هذه الأمور قد أقلقه. يتحدث عن “محبته” التي لا توجد لدى هؤلاء (المفسدين)، “وصبره” التي ليست لهم. لقد أظهر طول أناته على الهراطقة وصبرًا في الضيقات[58].]

أما إشارته إلى الإضطهادات التي عانى منها الرسول في أنطاكية وإيقونية ولسترة [١١] لم تكن إلاَّ مجرد أمثلة لما عانى منه الرسول، وليس إحصاءً لكل أتعابه، فقد كانت نيته تقديم أمثلة لتلميذه وليس استعراضًا بقصد حب الكرامة. أما خبرته في هذه الآلام فلخصها في العبارة الجميلة: “ومن الجميع أنقذني الرب” [١١]، هذه هي الخُلاصة التي يود أن يقدمها لتلميذه.

لم تكن هذه الضيقات النابعة عن المعلمين المفسدين أو بالحري عن إبليس نفسه خاصة بالرسول بولس وحده، وإنما “جميع الذين يريدون أن يعيشوا بالتقوى في المسيح يسوع يُضطهدون” [١٢]. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لا يمكن لإنسان يسلك في حياة الفضيلة ألاَّ يتعرض لحزنٍ أو تعبٍ أو تجربةٍ، إذ كيف يهرب منها من يسلك الطريق الكرب الضيق، ومن يسمع أنه في العالم يكون له ضيق (يو ١٦: ٣٣)؟ إن كان أيوب قال في زمانه أن حياة الإنسان تجربة (أي ٧: ١) كم بالأكثر يعاني من هم في هذه الأيام؟[59].] كما يتحدث على لسان الرسول، قائلاً: [لا تجعل أمرًا كهذا يقلقك إن كان (المعلمون الفاسدون) في وسع وأنت في تجارب، فإن هذا أمر طبيعي.

ففي المثال الخاص بي تتعلم أنه يستحيل على إنسان ما وهو في صراعه ضد الشرير لا يتعرض للضيق. لا يقدر أحد أن يكون في معركة ويسلك في ترفٍ، ولا أن يصارع وهو ينعم بالملذات. ليت أي مجاهد (روحي) لا يطلب الحياة السهلة المفرحة! الحياة الحاضرة إنما تمثل حالة صراع وحرب وضيق وكرب وتجارب وهي مسرح للصراعات (الروحية). الآن ليس وقت للراحة، بل هو وقت تعب وجهاد[60].] وفي تعبير اختباري يقول القديس أغسطينوس: [إن أردت ألاَّ تكون لك متاعب، فأنت لم تبدأ بعد أن تكون مسيحيًا… إن كنت لا تعاني من اضطهاد (ضيق) لأجل المسيح، فاحذر لئلا تكون لم تبدأ بعد أن تعيش بالتقوى في المسيح[61].]

هذا بالنسبة للمجاهدين الروحيّين، إذ يتقبلون الضيق، أيًا كان مصدره، من أجل المسيح، أما عن الأشرار فيقول: “ولكن الناس الأشرار المزورين سيتقدمون إلى أردأ مُضِلِّين ومُضَلِّين[١٣]. لم يتحدث الرسول عنهم إن كانوا في ترف أو في ضيق، لأنهم حتى وإن عاشوا في ترفٍ وتدليلٍ، لكن الضيق يلازمهم داخل نفوسهم، وإن فرحوا فإلى حين، حيث لا يقدر العالم أن يُشبع أعماقهم. لكن الرسول اهتم أن يعلن حالهم أنهم يتقدمون إلى أردأ، يُسقِطون الآخرين في الضلال ويَسقطون هم معهم، فينحرفون من ضلالٍ إلى ضلالٍ، وينحدرون من هوان إلى هوان، متقدمين بالأكثر نحو الهاوية.

  1. الاستناد على كلمة الله

كأن الرسول يود أن يعلن سرّ قوة الإنسان الروحي وسط الضيق ألا وهو التحصن في كلمة الله. فإن الكتاب المقدس هو سند الراعي، كما هو سند الرعية – وسط المشقات – ومعين ضد هجمات المخادعين، إذ يقول الرسول: “وأما أنت فاثبُت على ما تعلمت وأيقنت، عارفًا ممن تعلمت. وأنك منذ الطفولية تعرف الكتب المقدسة القادرة أن تحكمك للخلاص بالإيمان الذي في المسيح يسوع. كل الكتاب هو موحى به من الله، نافع للتعليم والتوبيخ، للتقويم والتأديب الذي في البرّ، لكي يكون إنسان الله كاملاً متأهبًا لكل عمل صالح” [١٤–١٧].

وللقديس يوحنا الذهبي الفم تعليق رائعٍ على هذه العبارات، إذ يقول: [أُعطي الكتاب المقدس بهذا الهدف أن يكون إنسان الله كاملاً به، بدونه لن يمكن أن يكون كاملاً. يقول (الرسول): لديك الكتب المقدسة عوضًا عني. إن أردت أن تتعلم شيئًا فتعلمه منها. هذا كتبه لتيموثاوس المملوء من الروح، فكم بالأكثر يكون بالنسبة لنا![62]]

إن كان تيموثاوس قد رضع الإيمان خلال جدته وأمه اللتين ربتاه على الكتب المقدسة، فإنه وهو أسقف يليق به أن يثبت فيما تعلم فلا يكف عن التمتع بكلمة الله القادرة أن تثبته في إيمانه، وتدخل به من معرفة روحية إلى معرفة، ومن خبرة حياة إلى خبرة جديدة، ليحيا دائمًا في نموٍ، قادرًا أن يتعلم ويعلم، أن ينمو هو في الرب وأن يسند الآخرين في حياتهم الروحية. إنه الكنز المخفي في الحقل الذي يليق بالرعاة كما الرعية ألاَّ يكفوا عن اقتنائه في داخلهم، واللؤلؤة كثيرة الثمن التي من أجلها نبيع كل شيء لكي نقتنيها.

ما أخطر على الكنيسة أن يظن الأسقف أو الكاهن أنه قد عرف الكثير، فيتوقف عن التقوت بكلمة الله كل يوم، وكما يقول القديس كبريانوس أسقف قرطاجنة: [يليق بالأسقف ليس فقط أن يُعَلِّم بل ويتعلم أيضًا، فمن كان في حالة نمو يومي متقدمًا إلى ما هو أفضل مثل هذا يعلم أفضل[63].]

ويحدثنا القديس إكليمنضس السكندري عن دور الكتاب المقدس كمصدر تعليم وتدريب في حياة الإنسان، راعيًا كان أو من الشعب، قائلاً: [حقًا مقدسة هي هذه الكتب التي تقدس وتؤله… ليس إنسان هكذا يتأثر بنصائح أي قديس من القديسين كما يتأثر بكلمات الرب نفسه محب البشر. لأن هذا هو عمله، بل عمله الوحيد، خلاص الإنسان، لهذا يحثهم على الخلاص ويفرح، قائلاً: “ملكوت السماوات داخلكم”… فالإيمان يقودك فيه، والخبرة تعلمك، والكتاب المقدس يدربك[64].]

كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [كلمة واحدة من الكتب الإلهيّة هي أكثر فاعلية من النار! إنها تلين قسوة النفس، وتُهيئها لكل عمل صالح[65].] [معرفة الكتب المقدسة تقوي الروح، وتنقي الضمير وتنزع الشهوات الطاغية، وتُعَمِّق الفضيلة، وتتسامى بالعقل، وتعطي قدرة لمواجهة المفاجآت غير المنتظرة، وتحمي من ضربات الشيطان، وتنقلنا إلى السماء عينها، وتحرر الإنسان من الجسد، وتهبه أجنحة للطيران[66].]

يقول القديس بولس لتلميذه أن كلمة الله نافعة للتعليم كما للتوبيخ، للتقويم كما للتأديب، فيقدمها بلا تنميق وبلا مجاملة، يقدمها بروح الحق الذي يلاطف وينتهر، يترفق ويحزم. لهذا يحذرنا القديس أغسطينوس في إحدى عظاته من أن يتحول الكارز بالكلمة إلى عازف موسيقي يهتم أن يبهج سامعيه بألحانه العذبة، مع أنه يلزم أن يقدم لهم في الوقت المناسب الكلمات المرّة لكي تعمل لتأديبهم، فتتحول لهم فيما بعد إلى عذوبة في قلوبهم.

[48] In 2 Tim. hom 7.

[49] In 2 Tim. hom 7.

[50] In 2 Tim. hom 7.

[51] On Ps. 37.

[52] In 2 Tim. hom 7.

[53] Treat. on the Unity of the Church, 16.

[54] In 2 Tim. hom 7.

[55] In 2 Tim. hom 8.

[56] On Prayer 19: 3.

[57] In 2 Tim. hom 8.

[58] In 2 Tim. hom 8.

[59] In 2 Tim. hom 8.

[60] In 2 Tim. hom 8.

[61] On Ps. 66.

[62] In 2 Tim. hom 9.

[63] Ep. 73: 9.

[64] Exhortation to the Heathen.

[65] In Matt. hom 2: 9.

[66] De Stud. paes PG 63: 485.

تفسير رسالة تيموثاوس الثانية 3 الأصحاح الثالث – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة تيموثاوس الثانية 4 الأصحاح الرابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة تيموثاوس الثانية 4 الأصحاح الرابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة تيموثاوس الثانية 4 الأصحاح الرابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة تيموثاوس الثانية 4 الأصحاح الرابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

الأصحاح الرابع: وصايا وداعية

يختم الرسول رسالته بوصايا وداعية:

1. المثابرة على الكرازة      ١ – ٥.

  1. توقع الرسول رحيله ٦ – ٨.
  2. أخباره الختامية ٩ – ٢١.
  3. البركة الرسولية ٢٢.
  4. المثابرة على الكرازة

إذ يختم الرسول حديثه مع ابنه الخاص يقدم له وصايا وداعية تتركز على وجه الخصوص في الكرازة بالكلمة، إذ يقول له: “أنا أُناشِدك إذًا أمام الله والرب يسوع المسيح العتيد أن يدين الأحياء والأموات عند ظهوره وملكوته اكرز بالكلمة” [١٢]. يوصيه بالكرازة بالكلمة في حضرة الآب والابن العتيد أن يدين الأحياء والأموات. فإذ يكتب الرسول في أيامه الأخيرة منتظرًا لحظات استشهاده يتطلع إلى ربنا يسوع المسيح بكونه الديان الذي يدين الأحياء أي الأبرار، مكافئًا إياهم بشركة أمجاده الأبديّة ويدين الأموات أي الأشرار المُصريين على عدم التوبة والحياة معه.

أو لعله كان في أيامه الأخيرة كما في كل أيام كرازته منشغلاً بمجيء المسيح ليلتقي بالأحياء في لحظات مجيئه والذين سبقوا فرقدوا، أنه يلتقي بالكل ليدينهم. هذا المنظر هو الباعث الحقيقي للكرازة بالكلمة الإلهيّة، فغاية خادم الكلمة هو انتشال النفوس من حالة الموت الداخلية للتمتع بالحياة في الرب حتى تنعم بظهور السيد المسيح وشركة أمجاده.

يناشده بالديان القادم أن يكرز بغير توقف، قائلاً له: “اكرز بالكلمة، اعكف على ذلك، في وقت مناسب وغير مناسب” [٢]، فيليق بالراعي أن يتكلم في المسيح (٢ كو ٢: ١٧) بلا توقف، فقد يتوقف في وقت ما فلا يجد فرصة أخرى للنفس التي التقى معها، فيخسرها إلى الأبد. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ماذا يعني: “في وقت مناسب وغير مناسب“؟ هذا يعني أنه لا يوجد وقت محدد، إنما ليكن كل وقت هو وقتك، فتكرز ليس فقط في وقت السلام والأمان أثناء جلوسك في الكنيسة، وإنما حينما تكون في خطر أو سجن أو في سلاسل، وأنت ذاهب أيضًا إلى الموت[67].]

يكمل الرسول: “وبخ، انتهر، عظ بكل أناة وتعليم” [2٣]. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارة، قائلاً: [يكون توبيخك مناسبًا جدًا عندما يكون ناجحًا، وعندما تتزكى الحقيقة. إنه يقول: انتهر، أي كن على مثال الأطباء الذين إذ يرون الجرح يشقونه ويضمدونه. فإن حذفت شيئًا من هذا يكون عملك بلا نفع. إن انتهرت الآخرين دون أن تقنعهم تكون كمن هو متهور، ولا يحتمل أحد تصرفك هذا. لكن إن كنت تبرهن على انتهارك بإقناع منطقي يقبلون منك الانتهار… وإن أقنعت إنسانًا ووبخته لكن في شدة دون أن تستخدم الكلمة الطيبة يضيع تعبك باطلاً[68].]

كأن القديس يطلب في الراعي عندما يوبخ أو ينتهر أن يقنع وفي نفس الوقت أن يبرز طول أناته… بهذا يأتي انتهاره بالثمر المطلوب. فالراعي كالطبيب الذي يبرز للمريض حقيقة مرضه ويكشف له خطورته ما لم تُجرَ له العملية، وإذ يقتنع المريض يقبل ضربات المشرط من يد الطبيب الذي وهو يجرح يلاطف ويضمد.

يقول القديس أمبروسيوس: [لا يليق بالراعي أن يكون قاسيًا وعنيفًا، ولا يكون متساهلاً جدًا، لئلا يكون في الحالة الأولى كمن هو صاحب سلطان جائر، وفي الحالة الثانية كمن يهين بلا سبب وظيفته التي نالها[69].]

ويقول القديس يوحنا الدرجي: [من يرعى الخراف لا ينبغي أن يكون أسدًا ولا نعجة[70].]

ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم معلقًا على كلمات الرسول “بكل أناة وتعليم“: [لأن من يوبخ يلزمه أن يكون طويل الأناة، فلا يصدق بسرعة كل كلمة تُقال، ولأن التوبيخ يحتاج إلى تعزية حتى يمكن قبوله. لماذا أضاف “وتعليم” إلى “كل أناة“؟ إنه لا يوبخ كمن في غضب أو كراهية، ولا كمن يسب أو من أمسك عدوًا، فإن هذه الأمور بعيدة عنك تمامًا، وإنما كشخصٍ محبٍ، يتعاطف معه ويتألم معه في حزنه، وينصهر معه في مشقاته![71]]

لأنه سيكون وقت لا يحتملون فيه التعليم الصحيح،

بل حسب شهواتهم الخاصة،

يجمعون لهم معلمين مُستَحِكَّة مسامعهم،

فيصرفون مسامعهم عن الحق وينحرفون إلى الخرافات” [٣-٤].

كأنه يقول يلزم الكرازة بروح القوة في كل حين، في وقت مناسب وغير مناسب، في حزمٍ لكن مع طول أناة ولطف… لماذا؟ لأنه يأتي وقت فيه تتصلف القلوب وتصير العنق متشامخة وعنيدة، فلا يحتمل الناس الاستماع للتعليم الصحيح. وكأن الرسول ينصحه أن يسرع بالعمل الروحي، لأن كل تأخير في الكرازة إنما يعني دخول الناس إلى حالة أكثر تصلفًا. كأن الزمن ليس في صالحنا إن أهملنا الخدمة! فالقلب المستعد الآن لقبول الكلمة قد يرفضها غدًا ما لم نخدمه اليوم! اليوم قد يقبل الناس المعلمين الحقيقيّين، لكن إن أهمل المعلمون في رعايتهم يسقط الناس في شهوات كثيرة، وعندئذ يطلبون لأنفسهم معلمين حسب أهوائهم. يطلبون ويجدون جماهير من المعلمين المنحرفين عن الحق، مملوءين فسادًا، تستريح لهم قلوبهم.

لم يقصد الرسول بهذا تحطيم تلميذه بروح اليأس، وإنما تشجيعه على السرعة في العمل الروحي وتقديم كلمة الحق حتى لا تهلك هذه النفوس، لهذا يكمل قائلاً: “وأما أنت فَاصْحُ في كل شيء، احتمل المشقات، اعمل عمل المبشر، تمم خدمتك” [٥].

سأله أن يكون صاحيًا متيقظًا حتى لا تدخل الذئاب بين الحملان فتفترسهم. حقًا في السهر على الرعاية يتحمل الراعي الكثير من المشقات، لكن تهون هذه كلها من أجل خلاص الخراف العاقلة. هذا هو عمل المبشر أن يحمل الصليب مع مخلصه المصلوب لأجل الدخول بكل نفس إلى رعية السيد المسيح ربنا. بهذا يتمم خدمته ويكمل رسالته.

يحدثنا القديس غريغوريوس النزينزي عن المشقات التي احتملها الرسول بولس لتتميم رسالته فيقول: [لكي نعرف ذلك، نترك بولس يحدثنا بنفسه. لا أقول شيئًا عن أتعابه وسهره وتحمله الجوع والعطش، في برد وعري، أعداء من الخارج ومخاصمون في الداخل (٢ كو ١١: ٢٣ الخ).

سأعبر عن الاضطهادات التي تحملها والمجامع التي عُقدت ضده والسجون والقيود والمفترين عليه، ومحاكماته، وموته يوميًا وفي كل ساعة، ووضعه في زنبيل هاربًا خلف السور، ورجمه بالحجارة وضربه بالعصي، وأسفاره، والمخاطر التي صادفها في البر والبحر، وغرقه في العمق وانكسار السفينة به، ومخاطر في أنهار، مخاطر من لصوص، مخاطر من حكام، مخاطر من إخوة كذبة، معيشته بعمل يديه، التبشير بلا نفقة (١ كو ٤: ١٢؛ ٩: ٨)، كونه قد صار منظرًا للملائكة والناس (١ كو ٤: ٩)، وقوفه مناضلاً بين الناس والله لكي يوحدهم معه (بنعمة المسيح) فيصيروا شعبه الخاص (تي ٢: ٤)… من يقدر أن يذكر كل هذه الأمور بالتفصيل؟ الآلام اليومية والاهتمام الفردي، والعناية بكل كنيسة، والمودة الجامعة والحب الأخوي؟ هل أحد يعثر وبولس لأجله لا يضعف؟ أو أحد يشتكي وبولس لا يحترق؟… لقد حارب لأجل الكل، صلى من أجل الكل، وتعطف على الكل، سواء الذين بلا ناموس أو تحت الناموس… كان مستعدًا هو أيضًا وراء المسيح أن يحتمل كل شيء من أجل خلاص الأشرار[72].]

  1. توقع الرسول رحيله

إذ يشجع الرسول تلميذه على الجهاد بقوة الروح من أجل الكرازة بالحق، متممًا خدمته حتى النهاية، قدم نفسه مثالاً، إذ جاهد حتى النفس الأخير. حقًا ما أروع كلماته: “فإني أسكب سكيبًا، ووقت انحلالي قد حضر” [٦] إذ أدرك الرسول أن حياته على الأرض تبذل للنهاية بقبوله الاستشهاد يقول: “الآن أسكب سكيبًا“.

كأن الرسول قد عاد بذاكرته إلى أب الأسباط كلها يعقوب، وقد أقام عمودًا وسكب عليه سكيبًا ودهنه بالزيت (تك ٣٥: ١٤)، غالبًا ما كان هذا السكيب من الخمر، قدمه على العمود كتدشين لأول بيت يُقام لله في تاريخ الخلاص، إشارة إلى عطية فرح الروح القدس التي تملأ بيت الله أي شعبه. كأن الرسول يرى وسط آلامه داخل السجن منطلقًا نحو ساحة الاستشهاد أن روح الفرح الإلهي يملأ حياة الكنيسة خلال آلام الرسول.

فلا فرح للكنيسة بدون ألم، ولا مجد لها خارج المشقات. لقد رأى القديس بطرس المؤمنين يدخلون تحت الآلام ويقبلون التعيير من أجل المسيح وإذا بروح المجد والله نفسه يحل عليهم، ليتقبل الله الألم في داخلهم تقدمة حب منهم واهبًا فرحه الإلهي ومجده الداخلي فيهم، إذ يقول: “كما اشتركتم في آلام المسيح افرحوا لكي تفرحوا في استعلان مجده أيضًا مبتهجين، إن عُيِّرْتم باسم المسيح فطوبى لكم، لأن روح المجد والله يحل عليكم (١ بط ٤: ١٣-١٤).

لقد حسب آلام المؤمنين شركة في آلام السيد المسيح… والعجيب أن الرسول يأمرهم: “افرحوا” كعربون لنوالهم الفرح الأبدي عند استعلان مجده. ما أمر به الرسول لم يكن وصية بقدر ما هي عطية، فإنه يأمرهم لينالوا العطية ويدركوها ويمارسوها، أما علة هذه العطية فهو “روح المجد والله يحل عليكم“. يفرح الله بحب المؤمنين العملي، والمعلن خلال الآلام والمشقات من أجله، فيعلن ذاته سرّ مجدهم وفرحهم الذي لا يُنطق به.

ولعل الرسول وهو يتحدث عن نفسه كسكيبٍ يُسكب يذكر ما ألزمت به الشريعة من تقديم خروفين كل يوم، الواحد في الصباح والآخر في العشية، أثناء تقديمه يُصنع له سكيب من الخمر (حز ٢٩: ٤٠-٤١). وكأن ذبيحة الصليب قد ارتبطت بفرح الروح القدس الذي ينسكب على الكنيسة خلال الحمل الإلهي الذبيح. هذه هي خبرتنا المستمرة، ففي ليتورچيا الأفخارستيا إذ تقدم الكنيسة للآب بالروح القدس تقدمة الابن الوحيد، جسده المبذول، يسكب عليها وفيها فرحه الإلهي بحلول روحه القدوس الفائق! هذا ما رفع الكنيسة إلى التغني بليتورچيا الأفخارستيا كتسبحة فرح فائق، هي من صنع الروح القدس واهب الفرح الحقيقي!

أقول في اختصار أن الرسول بولس وهو يكتب لتلميذه المتألم بسبب مضايقات نيرون الظالم أراد أن يعلن له عن استشهاده في أروع صورة لكي يسنده ويشجعه لتكملة جهاده في الكرازة حتى النهاية. إنه يعلن بأن حياته كلها تُقدم – في المسيح يسوع – ذبيحة حب لله، وأن السيد المسيح نفسه الساكن فيه يحل بمجده عليه في لحظات الاستشهاد ليتقبل الألم واهبًا إياه روح المجد والقوة والفرح، لا بل نقول أن بسبب آلامه يهب الكنيسة كلها فرحًا وتعزية داخلية، فيصير الرسول نفسه كسكيب خمرٍ مفرحٍ يُسكب على بقية جسد الكنيسة المتألم! ما أبدعها لحظات حين يتقبل الرب آلام الراعي بكونها آلامه، واهبًا لأولاده الروحيين تعزية وفرحًا مجيدًا، الأمر الذي جعل من الاستشهاد للآباء أعيادًا تفرح بها الكنيسة وتُسَبِّح متهللة.

في اختصار يمكننا القول أن ما تتقبله النفس بل ومن هم حولها من تعزيات خلال لحظات الألم لا يُمكن اقتنائها خلال أصوام وصلوات ومطانيات وتعبدات لسنوات طويلة. الألم في المسيح يسوع ينبوع فرح الكنيسة لا ينضب!

يقول الرسول: “فإني الآن أسكب سكيبًا، ووقت إنحلالي قد حضر” [٦]. إنه كعصفور في قفص، حتى وإن كان ذهبيًا، يود أن ينطلق!

أما سرّ فرحه فهو إدراكه أن الرب قد أنجح رسالته وقبل جهاده الحسن القانوني، إذ يقول: “قد جاهدت الجهاد الحسن، أكملت السعي، حفظت الإيمان، وأخيرًا قد وُضع لي إكليل البرّ الذي يهبه لي في ذلك اليوم الديان العادل، وليس لي فقط بل لجميع الذين يحبون ظهوره أيضًا[٧-٨].

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارة، قائلاً:

[غالبًا إذ أضع الرسول بين يدي، وأتأمل هذه العبارة أشعر أنني قد فقدت الفهم…

بأي هدف كان الرسول يتحدث هكذا؟ لقد كان مشتاقًا أن يعزي تلميذه وينزع عنه كآبته، موصيًا إياه أن يبتهج، لأنه ذاهب إلى حيث يوجد إكليله، بعد أن أنهى كل عمله ونال نهاية مجيدة.

إنه يقول له: يليق بك أن تفرح لا أن تحزن؛ لماذا؟ لأنني “جاهدت الجهاد الحسن“.

إنه كأب يجلس بجوار ابنه الذي يندب حال يتمه ليعزيه، قائلاً له: “لا تبكِ، فإننا نعيش حياة حسنة وقد بلغت الشيخوخة، وها أنا أتركك. حياتنا هنا بلا عيب، وها نحن نرحل في مجدٍ، يلزمك بالحري أن تُعجب بأعمالنا، فقد صار ملكنا كأنه مدين لنا. أو كأنه يقول: لقد رفعنا علامات النصرة، هزمنا الأعداء!”

يقول هذا ليس افتخارًا بنفسه! وإنما ليرفع من نفسية ابنه المغموم، ويشجعه على احتمال ما يحدث (رحيله) بثبات، باعثًا فيه الرجاء الصالح، بكونه لا يفكر في الرحيل كأمرٍ محزن. إن كان مجرد الانفصال يُحسب أمرًا محزنًا، بل ومحزن بحق، إذ يقول بولس نفسه: قد فقدناكم زمان ساعة بالوجه لا بالقلب”؛ (١ تس ٢: ١٧)؛ وإن كان قد شعر بهذا عندما انفصل هو عن تلميذه، فماذا بالحري تكون مشاعر تيموثاوس نفسه؟ إن كان مجرد ترك الرسول له وهو بعد حيّ جعله يبكي، إذ يقول بولس: “ذاكرًا دموعك لكي أمتليء فرحًا” (٢ تي ١: ٤)، فماذا يكون الأمر عند موته؟

إذن كتب الرسول هذا ليعزيه… يقول: “جاهدت الجهاد الحسن“… هل هذا الجهاد حسن وقد وجد فيه سجن وقيود وموت؟ نعم، لأنه جهاد من أجل المسيح خلاله ننعم بأكاليل عظيمة!… ليس جهاد أسمى من هذا! إكليله بلا نهاية؛ إكليله ليس من أوراق الزيتون، والحكم فيه ليس بشريًا، والمشاهدون ليسوا بشرًا، إنما سيكون المسرح مزدحمًا بالملائكة!

هناك (في حلقات المصارعة) يجاهد الناس أيامًا كثيرة ويحتملون المصاعب لأجل ساعة ينالون فيها الإكليل، وعندئذ تنتهي كل بهجة في الحال. أما هنا فالحال مختلف تمامًا: الإكليل أبدي له بهاؤه ومجده وكرامته، لهدا يجب أن نفرح.

ها أنا أدخل راحتي تاركًا السباق. لقد سبق أن سمعت مني أنه خير لي أن أنطلق وأكون مع المسيح. لقد “أكملت السعي“؛ فإنه يليق بنا أن نجاهد ونجري، نجاهد محتملين الآلام بثبات، ونجري ليس باطلاً وإنما لأجل غاية صالحة. حقًا إنه جهاد حسن، ليس فقط يبهج ناظره وإنما يفيده، فلا ينتهي السباق إلى لا شيء. إنه ليس مشهدًا مجردًا لإبراز القوة والمنافسة وإنما هو رفع إلى السماء!

كيف أكمل السعي؟… لقد عبر الأرض كطائر، بل بالحري أسرع من طائر، لأن الطائر مجرد يحلق فوقها، لكن (بولس) إذ كان له جناح الروح وجد طريقًا خلال العوائق التي بلا عدد، والمخاطر والميتات والكوارث. كان أكثر خفة من الطائر، فلو كان طائرًا مجردًا لسقط… لكنه إذ هو محمول بالروح انطلق يرفرف فوق كل الفخاخ كطائر ذي جناح من نار!

يقول: “حفظت الإيمان“، فقد وُجدت أمور كثيرة كانت تود سرقة الإيمان… من تهديدات وميتات ومخاطر أخرى بلا حصر. لكنه وقف ضد هذا كله بثبات. كيف؟ بكونه صاحيًا ساهرًا…

كان هذا كافيًا لتعزية تلميذه، لكه أضاف المكافآت؛ ما هي؟ “وأخيرًا وضع لي إكليل البرّ“. مرة أخرى يدعو الفضيلة هنا بمعنى عام: “البرّ“. لا تحزن لأني راحل. فإنني سأُقَلد بذلك الإكليل الذي يضعه المسيح على رأسي، لو كنت سأستمر هنا لكان من حقك أن تحزن وتخاف عليَّ لئلا أسقط وأهلك. يقول: “الذي يهبه لي في ذلك اليوم الديان العادل، وليس لي فقط، بل لجميع الذين يحبون ظهوره أيضًا” [٨]. بهدا أيضًا رفع ذهنه، فإن كان الله يهب الإكليل للجميع، فبالأولى يهبه لتيموثاوس[73].]

إن انتظار الرسول لرحيله أو مجيء السيد، أي التلاقي مع ربنا يسوع ليس مجرد اشتياقات داخله أو كلمات يُنطق بها، لكنها حياة إيمانيّة مملوءة جهادًا وأتعابًا بفرح. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ليته لا يوجد فينا ما هو غير مستحق لمجيئه، عندئذ يجعل له مسكنًا فينا[74].] بمعنى أن انتظار ظهوره يتحقق بتهيئة نفوسنا الداخلية بعمل روحه القدوس لنكون بحق العروس اللائقة بعريسها الأبدي، أو الأبناء المشابهين لأبيهم، يرونه فينجذبون إليه ويوجد معه وفيه إلى الأبد.

كلمات الرسول بولس في أيامه الأخيرة لم تكن لتعزية تيموثاوس وحده وإنما لتعزية الكنيسة كلها في جهادها الروحي سواء في أيام الضيق (الاستشهاد) أو السلام. يقول القديس كبريانوس: [ليتهم يتقبلون الأكاليل، إما بيضاء بسبب الجهاد أو أرجوانية بسبب الآلام، ففي معسكر السماء توجد زهور خاصة بالسلام وأخرى خاصة بالصراع، بها يتكلل جنود المسيح للمجد[75].]

وقد راعى انتباه القديس أمبروسيوس في حديثه عن واجبات الكهنة أن الرسول يقول عن نوال الإكليل أنه “في ذلك اليوم” يهبه له وليس هنا؛ [هنا حارب في أتعاب ومخاطر وانكسار السفينة به كمصارع جاهد عالمًا أنه بضيقات كثيرة ينبغي أن ندخل ملكوت السماوات[76].]

لقد استخدم أتباع بيلاجيوس كلمات الرسول بولس هذه لتأكيد فكرهم أن المكافأة هي ثمر جهادنا الذاتي، متجاهلين نعمة الله الغنية، وقد ردّ عليهم القديس أغسطينوس، قائلاً:

[لنتأمل استحقاقات الرسول بولس عينها، الذي قال أن الديان العادل سيجازيه بإكليل البرّ، لنرى ما إذا كانت استحقاقاته حقيقة نابعة عنه، أقصد أنه حصل عليها بمجهوده الذاتي، أم هي عطايا إلهيّة! إنه يقول: “قد جاهدت الجهاد الحسن، أكملت السعي، حفظت الإيمان” (٢ تي 4: ٧). أولاً: هذه الأعمال الصالحة لا تُحسب شيئًا ما لم يسبقها أفكار صالحة. لاحظ ماذا يقول عن هذه الأفكار؟ “ليس أننا كفاة من أنفسنا أن نفتكر شيئًا كأنه من أنفسنا بل كفايتنا من الله” (٢كو ٣: ٥). ثانيًا: لنتطلع إلى كل استحقاق على حدة:

أ. جاهدت (حاربت) الجهاد الحسن: أريد أن أعرف بأية قوة كان يحارب؟ هل بقوة ذاتية، أم بقوة أُعطيت له من فوق؟ يستحيل أن نظن أن معلمًا عظيمًا مثل الرسول كان جاهلاً بشريعة الله التي تعلن في سفر التثنية: “لئلا تقول في قلبك قوتي وقدرة يدي صنعت لي هذه الثروة، بل اذكر الرب إلهك أنه هو الذي يعطيك القوة” (تث ٨: ١٧).

وأي نفع للمحاربة الحسنة ما لم يتبعها نصرة؟ ومن يهب النصرة إلاَّ الذي يقول عنه الرسول نفسه: شكرًا لله الذي يعطينا الغلبة بربنا يسوع المسيح” (١ كو ١٥: ٥٧)؟ وفي عبارة أخرى اقتبسها من المزمور يقول: لأننا من أجلك نُمات اليوم كله، قد حُسبنا مثل غنم للذبح” (مز ٤٤: ٢٢)، مُكملاً القول: “ولكننا في هذه جميعها يعظم انتصارنا بالذي أحبنا”، أي أنه ليس بأنفسنا نحقق الغلبة بل بذاك الذي أحبنا.

ب. أكملت السعى: كيف يقول هذا، وهو يعلن في عبارة أخرى: “فإذًا ليس لمن يشاء ولا لمن يسعى بل لله الذي يرحم” (رو ٩: 16). هذه العبارة لا يمكن استبدالها فنقول أنه ليس من الله الذي يظهر الرحمة بل الإنسان هو الذي يشاء ويسعى. فمن يتجاسر ويفسر الأمر هكذا يكون من الواضح أنه مناقض للرسول.

ج. حفظت الإيمان: الذي يقول هذا يعلن في عبارة أخرى: “أعطى رأيًا كمن رحمه الرب أن يكون أمينًا” (١ كو ٧ : ٢٥). إنه لا يقول: “كمن رحمه الرب لأنني كنت أمينًا”، بل “رحمه أن يكون أمينًا“، مُظهرًا أنه حتى الإيمان نفسه لا يمكن نواله بدون رحمة الله، إنه عطية الله! هذا يؤكده لنا عندما يقول: لأنكم بالنعمة أنتم مخلصون، بالإيمان وذلك ليس منكم، هو عطية الله” (أف ٢: ٨). ربما تقولون: “نحن تقبلنا النعمة لأننا آمنا”، ناسبين الإيمان إلى أنفسهم والنعمة لله، لذلك فإن الرسول بعد قوله: “لأنكم بالنعمة مخصلون بالإيمان”، أضاف: “وذلك ليس منكم، هو عطية الله”. ولئلا يقولوا إنهم استحقوا هذه العطية العظيمة بأعمالهم (الذاتيّة) أضاف للحال: ليس من أعمال كيلا يفتخر أحد، لأننا نحن عمله” (أف ٢: ٩).

لا بمعنى أنه يُدحِض الأعمال الصالحة أو يسلبها قيمتها، إذ يقول أن الله يجازي كل واحد حسب أعماله (رو 2: ٦)، إنما لأن الأعمال هي ثمر الإيمان وليس الإيمان ثمر الأعمال، لذلك فأعمال البرّ التي لنا هي من الله ومنه نصل إلى الإيمان ذاته الذي قيل عنه “البار بالإيمان يحيا”[77].]

  1. أخباره الختامية

قدم الرسول لتلميذه الحبيب بعضًا من أخباره:

أ. استدعاء تلميذه: أدرك الرسول أن وقت رحيله قد اقترب، فأرسل يستدعيه، قائلاً له: “بادر أن تجيء إلىّ سريعًا” [9]، وإن كان للأسف لم يستطع أن يحضر قبل استشهاده. وقد كان الرسول لطيفًا وحكيمًا في استدعائه، إذ لم يقل له “لكي أراك قبل رحيلي“، لئلا إذا لم يتحقق الأمر يحزن القديس تيموثاوس ويكتئب، وإنما أعلن له إن حاجته إليه في هذه اللحظات إنما بسبب ترك الكثيرين له.

ب. ترك البعض له: “لأن ديماس قد تركني، إذ أحب العالم الحاضر، وذهب إلى تسالونيكي[١٠]. إذ تركه ديماس طلب تيموثاوس لكي يخدمه عوضًا عنه. ولكن لماذا تركه ديماس؟ يجيب القديس يوحنا الذهبي الفم: [لقد أحب الطريق السهل والآمن، بعيدًا عن المخاطر. حقًا لقد اختار أن يعيش في بيته في ترفٍ عن أن يعاني معي المصاعب، ويشاركني المخاطر الحاضرة. لقد لامه لا لأجل اللوم في ذاته، وإنما لكي يثبتنا نحن فلا نسلك بتدليل مبتعدين عن الأتعاب والمخاطر، فهذا يُحسب حبًا للعالم الحاضر، ومن ناحية أخرى أراد بهذا أن يجتذب تلميذه إليه[78].]

يكمل الرسول: “وكِرِيسكيس إلى غلاطية، وتيطس إلى دَلْماطية، لوقا وحده معي” [١٠-١١]. هذان لم يتركاه من أجل محبة العالم وإنما لأجل ضرورة الخدمة.

ج. طلب مرقس الرسول: “خذ مرقس واحضره معك لأنه نافع لي للخدمة[١١]. في رحلته التبشيريّة الثانية رفض الرسول أن يأخذ مرقس معه لأنه سبق وتركه في رحلته الأولى عند بمفيلية، ربما بسبب حمى أصابته هناك. وبسبب رفض الرسول أخذ مرقس معه انفصل عنه برنابا الذي انطلق مع مرقس إلى الخدمة في طريق آخر، إلى جزيرة كريت حيث انتقل برنابا هناك، أما مرقس الرسول فجال في إفريقيا يخدم، وكانت الإسكندرية مركز خدمته. هنا الرسول يشهد للقديس مرقس أنه نافع له في الخدمة.

ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على كلمات الرسول هذه، قائلاً: [إنه لم يطلب ذلك لأجل راحته الخاصة، وإنما لأجل خدمة الإنجيل. فإنه وإن كان سجينًا لكنه لا يتوقف عن الكرازة. لذات السبب أيضًا أرسل يطلب تيموثاوس، ليس لأجل نفسه، وإنما لأجل الإنجيل، فلا يكون موته مجالاً لحدوث اضطراب بين المؤمنين، إنما وجود بعض من تلاميذه ينزع عنهم ضيقهم[79].]

د. طلب الرداء: “الرداء الذي تركته في تراوس عند كاربُس احضره متى جئت، والكتب أيضًا، ولاسيما الرقوق[١٣]. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [الكلمة المترجمة هنا “رداء” تعني ثوبًا أو كما يقول البعض تعني حقيبة تحوي الكتب[80].] لقد طلب رداءه ربما لكي لا يضطر في أيامه الأخيرة أن يستعير رداء أحد، إذ لا يريد أن يثقل على أحد. أما طلبه الكتب فربما لكي يسلمها للمؤمنين في روما الذين يعاصرون استشهاده فتكون سبب تعزية لهم… حقًا إنه حتى في اللحظات الأخيرة لا يهتم بما لنفسه بل ما هو لراحة الغير.

ه. شر إسكندر النحاس: “إسكندر النحاس أظهر لي شرورًا كثيرة، ليُجازِهِ الرب حسب أعماله، فاحتفظ منه أنت أيضًا، لأنه قاوم أقوالنا جدًا” [١٤-١٥]. لقد كتب عن إسكندر النحاس لا ليدينه أو يتهمه، ولا ليطلب الانتقام منه، وإنما أراد أن يعد تلميذه للصراعات حتى النهاية، لكي يحتملها بثباتٍ. لقد صنع إسكندر ببولس الرسول شرورًا كثيرة، وها هو يخشى على تلميذه منه. أما قوله: “ليجازه الرب حسب أعماله“، فلا تحمل شهوة انتقام خاصة وأن الرسول يدرك أن يوم رحيله قد قرب جدًا، إنما يُهيء نفس تلميذه الذي سيتعرض لمضايقات إسكندر وأمثاله لكي لا يضطرب، تاركًا الأمر في يدي الله الذي لا يترك الأشرار بلا تأديب أو عقوبة.

يظهر حنو الرسول حتى نحو مضطهده الشرير، فإنه لم يطلب من تلميذه أن ينتقم منه أو يعاقبه أو يطرده، لكن كل ما فعله حذره منه حتى لا يفسد خدمته، لأنه مقاوم للكلمة.

و. ترك الكل له في احتجاجه الأول: “في احتجاجي الأول لم يحضر أحد معي، بل الجميع تركوني. لا يُحسَب عليهم. ولكن الرب وقف معي وقواني، لكي تتم بي الكرازة، ويسمع جميع الأمم، فأُنقِذت من فم الأسد. وسينقذني الرب من كل عمل رديء، ويخلصني لملكوته، الذي له المجد إلى دهر الدهور. آمين” [١٦– ١٨].

إذ وقف أمام نيرون في دفاعه الأول لم يقف بجواره أحد، حتى الأصدقاء، وهو أمر صعب على النفس. على أي الأحوال طلب الرسول لأصدقائه من الرب السماح من جهة إهمالهم في اللحظات العصيبة. والعجيب أنه إذ فشلت كل الأذرع البشرية، وأدرك الرسول أن الجميع قد تركوه، ليس من يسند ولا من يعين، تجلى الرب في هذه اللحظات: “الرب وقف معي وقواني“. حين تتحطم كل الأذرع البشريّة لمساندة المؤمن في ضيقته تبقى ذراع الرب القوية ممتدة، قادرة على الإنقاذ من فم الأسد، وتتمم الشهادة له بنجاح.

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على عبارات الرسول هكذا:

[إن كان الناس قد هجروه، لكن الله لم يسمح له بضرر، بل قواه، أي وهبه الجرأة على الكلام، ولم يسمح له أن يغرق…

“لاحظ عظم تواضعه! فإنه لم يقل أن الله قواه لاستحقاقه هذه العطية، إنما من أجل الكرازة التي أُؤتمن عليها لكي تتم.

“انظر كيف اقترب من الموت! لقد سقط بين أنياب الأسد ذاته، فقد دعا نيرون أسدًا بسبب شراسته وعنف حكومته…

يقول: “أُنقذت من فم الأسد وسينقذني الرب من كل عمل رديء“. لم يقل سينقذني من فم الأسد، بل سينقذني من كل عمل رديء، فإن كان الرب قد أنقذه من الخطر (نيرون) فسينقذه من الخطية، فلا يسمح له بالرحيل وهو مدان[81].]

كأن الله أنقذه من نيرون من أجل الكرازة والشهادة له حتى يتمم رسالته، أما وقد تحققت رسالته لا يعود يطلب الخلاص من يد نيرون، بل من حكم الخطية، بانطلاقه من العالم محفوظًا من الدينونة. لقد خلص من دينونة نيرون المؤقتة، لكن ما هو أعظم إن الله يخلصه من الدينونة الرهيبة حيث يدخل به إلى شركة أمجاده الأبديّة، قائلاً: “يخلصني لملكوته“.

ز. إهداء السلام لأحبائه: “سلِّم على فرسكلا (بريسكلا) وأكيلا وبيت أُنيسيفورس” [١٩]. وقد سبق لنا الحديث عن أنيسيفورس الذي أراح الرسول مرارًا كثيرة أثناء سجنه (١: ١٦)، أما بريسكلا وزوجها أكيلا فقد ارتبطا بالرسول بدالة محبة قوية، إذ آمنا على يديه، وكانا خيامين يقضيان بعضًا من الوقت معه يعملان معه في صنع الخيام. لقد عملا معه في خدمته، إذ يقول الرسول: “سلموا على بريسكلا وأكيلا العاملين معي في المسيح يسوع، اللذين وضعا عنقيهما من أجل حياتي، اللذين لست أنا وحدي أشكرهما بل أيضًا جميع كنائس الأمم” (رو ١٦: ٣-٤).

والعجيب أن الرسول – وهو في القرن الأول الميلادي – يذكر اسم الزوجة قبل الزوج في الرسالتين، هنا والرسالة إلى أهل رومية، في وقت لم يكن للمرأة – حسب القانون الروماني – أية حقوق. لقد ذكرها الرسول أولاً ليؤكد أنه في الإيمان لا تحيز لجنس على آخر إلاَّ حسبما يقدم الإنسان من إيمان حيّ عامل. لقد كانت بريسكلا في عيني الرسول أكثر غيرة وإيمانًا من رجلها.

س. “أراستس بقي في كورنثوس، وأما تروفيموس فتركته في ميليتس مريضًا” [20]. بهذا يوضح الرسول احتياجه إلى تلميذه، فقد بقي أراستس في كورنثوس، بينما ترك تروفيموس مريضًا في ميليتس. يتساءل القديس يوحنا الذهبي الفم: لماذا لم يشفِ الرسول بولس تروفيموس؟

إن كان الرسول قد وُهب عطية شفاء المرضى، لكن الله سمح أن يوجد من بين أحبائه من هو مريض ولا يشفيه حتى يشعر الرسول بضعفه، فإن راوده فكر كبرياء من جهة المعجزات التي تتم على يديه يرى أحباءه مرضى وهو في عجزٍ عن تقديم شيءٍ ما لهم. هذا ومن ناحية أخرى، لكي لا يتحول هدف المؤمنين في الكرازة إلى الأمور الماديّة. بقاء المرض حتى بين الخدام الأمناء يعني أن غاية الكرازة أولاً خلاص الإنسان أبديًا وتمتعه بالملكوت، أما الأمور الأخرى فتُعطى للإنسان أو يحرم منها حسبما يرى الله فيه من خير.

ما نقوله هنا نردده بخصوص أَبَفْرودِتُس العامل مع الرسول والمتجند معه (في ٢: ٢٥) إذ كان مريضًا قريبًا من الموت، بل ونقوله بخصوص الرسول نفسه الذي صرخ إلى الرب ليشفيه لكن الرب أعلن له: “تكفيك نعمتي لأن قوتي في الضعف تكمل”.

ش. يكرر الرسول الدعوة:بادر أن تجيء قبل الشتاء” [٢١]. في لطف لم يقل: “قبل أن أرحل” بل قال “قبل الشتاء” حتى لا يثير فيه مشاعر الحزن متى جاء ووجده قد رحل.

ص. تقديم سلام أحبائه الذين في روما:يسلم عليك أَفْبولس وبوديس ولينُس وكَلافَدِيَّة والإخوة جميعًا” [٢١]، من بينهم لينس الذي أُقيم أسقفًا على روما وكَلافَدِيَّة المملوءة غيرة على الشهادة لله.

  1. البركة الرسوليّة:

الرب يسوع المسيح مع روحك. النعمة معكم. آمين“. إنها بركة ختاميّة تليق بما جاء في الرسالة، فإنه إذ يتحدث عن روح القوة، يؤكد أن سرّها هو المعية مع الرب يسوع. وإن كان الرسول يود أن يسند تلميذه ويعزيه، فليس من معزٍ سوى نعمة ربنا يسوع المسيح التي ترافق الإنسان وتعينه!

 

[67] In 2 Tim. hom 9.

[68] In 2 Tim. hom 9.

[69] الحب الرعوي، 1966، ص ٦٠٧.

[70] الحب الرعوي، 1966، ص ٦٠٧.

[71] In 2 Tim. hom 9.

[72] الحب الرعوي، 1966، ص ٦٧٤ – ٦٧٦.

[73] In 2 Tim. hom 9.

[74] In 2 Tim. hom 9.

[75] Ep. 8.

[76] Duties of Clergy 1: 15.

[77] الحب الرعوي، 1966، ص ٦٧٤ – ٦٧٦.

[78] In 2 Tim. hom 10.

[79] In 2 Tim. hom 10.

[80] In 2 Tim. hom 10.

[81] In 2 Tim. hom 10.

تفسير رسالة تيموثاوس الثانية 4 الأصحاح الرابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة تيموثاوس الثانية 2 الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة تيموثاوس الثانية 2 الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة تيموثاوس الثانية 2 الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة تيموثاوس الثانية 2 الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

الأصحاح الثاني الجهاد في الخدمة

 

بعد أن كشف الرسول عن “روح القوة” الذي يعمل في حياة الراعي خلال صليب ربنا يسوع المسيح، الروح الذي ننعم به بواسطة الروح القدس الساكن فينا، يتحدث هنا عن الجهاد في الخدمة، موضحًا كيف يحيا الخادم بروح القوة مجاهدًا كل أيامه:

1. الجهاد والنعمة                                  1.

  1. تلمذة خدام جدد                             ٢.
  2. الجندية الروحية                             ٣ – ١٣.
  3. تجنب المماحكات الباطلة              14-20.
  4. الجهاد والحياة الداخلية                ٢١ – ٢٢.
  5. الجهاد والخصومات المفسدة        ٢٣ – ٢٦.
  6. الجهاد والنعمة

فتقوَ أنت يا ابني في المسيح يسوع” [١].

إذ يود الرسول أن يتحدث عن جهاد الخادم في تلمذته آخرين للعمل في كرم الرب، وفي اهتمامه بخلاص الآخرين دون أن يفسد وقته بالمماحكات الباطلة ويحطم سلامه بالخصومات المفسدة، قدم النعمة الإلهيّة كسرّ القوة في الجهاد. إنه يوصي تلميذه كابن روحي له أن يتقوى في الجهاد لا بالغيرة البشريّة والحماس الذاتي وإنما بالنعمة التي تُوهب لنا في المسيح يسوع ربنا. وإذ يطلب الرسول من تلميذه أن يتحصن في النعمة حتى يقدر أن يجاهد قانونيًا يتحدث معه برقة ومحبة، إذ يقول له “يا ابني“.

ما أحوجنا أن تتشدد قوتنا بالنعمة: تقووا في الرب وفي شدة قوته” (أف ٦: ١٠). حينما اعتمد الرسول بطرس على غيرته البشريّة سقط في الإنكار بالرغم من إشتياقه الداخلي للجهاد، لكن إذ سندته نعمة الله استطاع أن يشهد للسيد المسيح محتملاً الآلام بفرح.

  1. تلمذة خدام جدد

وما سمعته مني بشهود كثيرين،

أُودعه أُناسًا أُمناء يكونون أكفاء أن يعلموا آخرين أيضًا” [٣].

لا تقف أمانة الرسول عند جهاده واهتمامه بخلاص الآخرين ولا أن يتلمذ آخرين يهتمون بذات العمل، وإنما يود أيضًا في هؤلاء التلاميذ أن يتلمذوا جيلاً قادرًا على التعليم. هذا هو الجهاد الحقيقي، أو القيادة الروحيّة السليمة، وهو أن يقيم الراعي تلاميذ قادرين بدورهم أن يتلمذوا أناسًا أكفاء قادرين على التلمذة.

هذا هو مفهومنا للتسليم أو التقليد المقدس، إنه تلمذة غير منقطعة خلال الأجيال لقبول وديعة الإيمان الحيّ العملي بلا انحراف.

 

  1. الجُنديّة الروحيّة

فاشترك أنت في احتمال المشقات كجندي صالح ليسوع المسيح.

ليس أحد وهو يتجند يرتبك بأعمال الحياة لكي يرضي من جنده.

وأيضًا إن كان أحد يجاهد لا يُكلَّل إن لم يجاهد قانونيًا.

يجب أن الحَرَّاث الذي يتعب يشترك هو أولاً في الأثمار.

افهم ما أقول: فليعطك الرب فهمًا في كل شيء” [٣–٧].

يُقدِّم الرسول بولس ثلاثة أمثلة للجهاد الروحي: الجندي الأمين لحساب ملكه [٣-٤]، والمشترك في الألعاب الرياضيّة [٥]، والحراث [٦].

أ. الجندي الصالح الذي يعتز بأمانته لبلده ورئيس دولته يحارب لحساب وطنه، هكذا المسيحي في جهاده الروحي يحارب كضد إبليس والخطية تحت قيادة رب المجد نفسه الذي جنده. يدعوه الرسول “رئيس (قائد) خلاصنا” (عب ٢: ١٠)، القائد الذي غلب إبليس على الصليب ولا يزال يغلبه خلالنا (رؤ ٨: ٣٧).

إنها كرامة عظيمة لا نستحقها أن نُحسب جنود روحيين للرب، من أجله تهون كل المشقات والآلام. إذ قَبِلنا هذه الجنديّة الروحيّة يلزمنا ألاَّ نرتبك بأعمال الحياة اليومية، لا لأنها دنسة وإنما لأنها لا تليق بالمُتجنِّدين الذين كرسوا كل حياتهم لخدمة الكلمة.

ب. يناضل المتسابقون في الألعاب الرياضية من أجل نوال الإكليل، فيحتملون تداريب يومية ويمتنعون عن بعض الأطعمة والملذات حتى ينعموا بالفوز. ونحن يلزمنا أن نجاهد قانونيًا، أي حسب شريعة مدربنا يسوع المسيح، لكي ننعم بالنصرة الروحيّة. حقًا إن كثيرين يجاهدون، لكن ليس قانونيًا، وذلك كالذين يتدربون على الألعاب الرياضية بغير مدرب حكيم. هؤلاء غالبًا ما يفشلون بل وقد يتطرفون في إتجاه آخر مما يسبب لهم ضررًا صحيًا وفشلاً في المسابقات ونوال الإكليل. هكذا يليق بالمؤمن أن يجاهد، لكن ليس بذاته، وإنما تحت قيادة سيده “المدرب الحقيقي” بروح كنيسته وفكرها الإنجيلي الآبائي حتى لا ينحرف يمينًا أو يسارًا في تطرف أو مبالغة مما يفقده حياته على الأرض وإكليله السماوي.

حقًا إن الجهاد والمشقة أو الألم أمور صعبة لكنها متى كانت قانونية تصير مُفرحة ومُبهجة. يقول القديس چيروم في حديثه عن مزامير المصاعد حيث يترنم اللاويون وهم يصعدون الخمسة عشر درجة للهيكل: [لا تفقد الثقة يا إنسان، فإن الرب واقف على الدرجة الخامسة عشر؛ إنه يراقبك ويعينك! فإن كنت على الدرجة الأولى وتبدو لك المسافة بين الدرجة الأولى والخامسة عشر لا يمكن تسلقها فلا تتطلع إلى الدرجات بل تطلع إلى الرب[20]“.] فالجهاد القانوني مؤلم مفرح، مملوء أتعابًا، لكنه يقدم للنفس سلامًا خلال تطلعها للمدرب الحقيقي وعضويتها في كنيسته.

ويرى القديس أمبروسيوس أن الجهاد القانوني أو ما دعاه الرسول أيضًا بالجهاد الحسن )٥: 7) إنما يعني تكريس القلب بالكُلية لهذا العمل دون ارتباك بأمورٍ أخرى، ذلك كمن يعمل لدى إمبراطور لا يليق به أن يرتبك بأعمال أخرى كالتجارة التي وإن كانت ليست محرمة لكنها تعني استهانة بخدمة إمبراطوره[21].

ج. الحَرَّاث الذي يتعب من أجل الثمر، فإن كان الحراث هو أول من يجاهد في الزراعة إذ يحرث الأرض، فإنه يستحق نصيبه في الثمر، حتى وإن كان غيره قد بذر وآخر حصد. هكذا في جهادنا نعمل ويكون لنا مكافأة حتى وإن كان الثمر لا يُحصد إلاَّ بعد رحيلنا. لنحرث وغيرنا يبذر أو يسقي أو يحصد فإن نصيبنا في الإثمار محفوظ في الرب.

هذه هي الأمثلة الثلاثة التي قدمها الرسول ليشجع تلميذه على الجهاد، ففي المثل الأول يؤكد التزامنا بالجهاد من أجل الملك المسيح نفسه، وفي المثل الثاني لنجاهد قانونيًا حسب شريعة الرب، وفي الثالث نجاهد من أجل الثمر حتى وإن كان متأخرًا.

أخيرًا يوصيه: “افهم ما أقول“، لكنه لا يقدر أن يفهم الوصية كما ينبغي ما لم يفتح الروح القدس بصيرته، لهذا يصلي الرسول من أجله: “فليعطك الرب فهمًا في كل شيء“. وكأن الرب هو المعين بنعمته ليس فقط في الجهاد، وإنما أيضًا في الفهم.

بعدما حثه على الجهاد الروحي في الرب، مصليًا من أجله لكي يهبه الرب فهمًا، قدم له السيد المسيح نفسه قائد الإيمان ومكمله (عب ١٢: ٢) غالب إبليس ومحطم الموت، إذ يقول: “اذكر يسوع المسيح المقام من الأموات من نسل داود بحسب إنجيلي، الذي فيه أحتمل المشقات حتى القيود كمذنب، لكن كلمة الله لا تُقَيِّد[٨-٩].

قاد السيد المسيح المعركة الروحية بنفسه ضد الموت، فدخل إليه لكي يكسر شوكته في عقر داره. فقد تجسد كلمة الله لكي يدخل بالجسد إلى الموت، وإذ لا يستطيع الموت أن يحبسه ولا للفساد أن يقترب إليه يقوم بسلطانه لكي يقيمنا معه، ويدخل بنا إلى الحياة الجديدة المقامة. يقول الرسول: “فدُفِنَّا معه بالمعمودية للموت، حتى كما أقيم المسيح من الأموات بمجد الآب، هكذا نسلك نحن أيضًا في جِدَّة الحياة” (رو ٦: ٤). لقد صار ابنًا لداود وخضع للآب عوضًا عنا وقَبِل الموت بإرادته، حتى نُحسب نحن طائعين لأبيه فننعم بقوة القيامة التي له.

هذا هو موضوع كرازته، إذ يقول الرسول: “بحسب إنجيلي” أن ننعم بحياته المُقامة الغالبة للموت. لقد احتمل السيد المشقات حتى القيود كمذنبٍ، أي كفاعل شرٍ (يو ١٨: ٣٠) مع أنه البار الذي لا يعرف خطية. قيدوه حسب الجسد كمن هو تحت الحكم، لكنه هو واهب الحرية الذي لا يُقَيِّد داخليًا… “لكن كلمة الله لا تُقَيِّد“، إذ لا يمكن للكلمة الإلهي الخالق أن يُقَيِّد! هكذا في المسيح يسوع قد يُقيد الخادم حسب الجسد، لكن لا يقدر أحد أن يُقيد كلمة الله التي تُعلن بالأكثر خلال قيود الجسد.

يمكن تقييد أجسادهم، أما شهادتهم للرب فلا تتوقف. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [أيدينا مقيدة وليس لساننا، إذ لا يوجد ما يُقيد اللسان إلاَّ الجبن وعدم الإيمان. فإذ لا يوجد هذان الأمران فينا فإنه حتى وإن قُيدنا بالسلاسل فإن الكرازة بالإنجيل لا تقيد… إنها كلمة الله وليس كلمتنا! القيود البشرية لا تقدر أن تقيد كلمة الله[22].]

بعد أن قدم الرسول السيد المسيح مثالاً أعظم لاحتمال الآلام والقيود من أجل خلاصنا عاد ليقدم نفسه مثلاً يقتدي أثر سيده، إذ يقول: “لأجل ذلك أنا أصبر على كل شيء لأجل المختارين، لكي يحصلوا هم أيضًا على الخلاص الذي في المسيح يسوع مع مجدٍ أبديٍ” [١٠].

لقد احتمل سيدي المشقات من أجل خلاصي، ولم يكن ممكنًا للقيود أن تعطل عمله، وها أنا أحتمل بصبر أيضًا من أجل إخوتي المختارين لكي ينعموا معي بالخلاص وتكون لهم معي شركة في المجد الأبدي. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [انظر أيضًا هناك باعث آخر، إذ يقول إني لا أحتمل هذه الأمور لأجل نفسي، وإنما لأجل خلاص الآخرين. في قدرتي أن أعيش متحررًا من المخاطر ولا أعاني شيئًا من هذه المشقات، لو كنت أهتم بما هو لي وحدي. إذن لماذا أحتمل هذه الأمور؟ من أجل نفع الآخرين كي ينالوا الحياة الأبدية… إنه لم يقل لأجل أشخاص معينين وإنما “لأجل المختارين“.

إن كان الله اختارهم فإنه يليق بنا أن نحتمل كل شيء من أجلهم “لكي يحصلوا هم أيضًا على الخلاص“. بقوله “هم أيضًا” يعني أنهم يحصلون على ما نحصل نحن أيضًا عليه، لأن الله اختارنا نحن أيضًا. وكما تألم الله لأجلنا يليق بنا نحن أيضًا أن نتألم لأجلهم[23].] لقد تألم السيد عنا مقدمًا آلامه هبة مجانيّة أو نعمة نتمتع بها، أما نحن فنتألم من أجلهم مقابل آلامه عنا، فنرد الحب بالحب، كمن يشتاق أن يفي شيئًا من الدين. لكننا مهما قدمنا من أجل إخوتنا نبقى مدينين لمخلصنا بكل حياتنا.

إذ ننعم بعمل الله الخلاصي ونقبل آلامه من أجلنا نتذوق عربون المجد الأبدي، فتهون كل الآلام والمشقات من أجل تمتع إخوتنا بذات المجد الأبدي.

أخيرًا يختم الرسول حديثه عن الجنديّة الروحيّة بنشيد الغلبة والنصرة، قائلاً: “صادقة هي الكلمة أنه إن كنا قد متنا معه، فسنحيا أيضًا معه. إن كنا نصبر، فسنملك أيضًا معه. إن كنا ننكره، فهو أيضًا سينكرنا. إن كنا غير أمناء، فهو يبقى أمينًا لن يقدر أن ينكر نفسه” [١١-13].

هذا هو النشيد الذي يليق بكل جندي روحي ليسوع المسيح أن يتغنى به أثناء معركته ضد إبليس أو ضد الموت. إنها تسبحة الإيمان بالمسيح المصلوب القائم من الأموات، فيها نعلن قبولنا الموت معه لأجل التمتع بالحياة فيه، نحتمل الآلام بصبر لكي نملك معه، إن اعترفنا به قدام الناس خلال قبولنا الآلام والموت من أجله يعترف هو بنا أمام أبيه، وإن أنكرناه ينكرنا (مت ١٠: ٣٢-٣٣). إن جاهدنا بأمانة ننال الإكليل، وإن لم نكن أمناء يرسل رعاة أمناء يهتمون بشعبه دون أن نُعفَى نحن من المسئولية. بأسلوب آخر نعلن في هذه التسبحة سمات الجندي الروحي للرب: الموت عن الخطية، الصبر وسط الآلام، الشهادة للسيد المسيح، والأمانة حتى الموت!

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارات، قائلاً: [كيف نموت معه؟ إنه يقصد الموت الذي يتم في الجرن وفي الآلام، إذ يقول: “حاملين في الجسد كُلَّ حينٍ إماتة الرب يسوع” (٢ كو ٤، ١٠)، “دُفِنَّا معه بالمعمودية للموت” (رو ٦: ٤)، “إنساننا العتيق قد صلب معه”، “متحدين معه بشبه موته” (رو ٦: ٦، ٥).

لكنه هنا أيضًا يتحدث عن الموت بواسطة المحاكمات، خاصة وأنه يعاني منها أثناء كتابته هذه. هذا هو ما يقصده بقوله هنا: “إن كنا قد متنا معه فسنحيا معه[24]“.] كما يقول أيضًا: [“إن كنا ننكره فهو أيضًا سينكرنا“، هكذا يكون الجزاء لا في الأمور الصالحة فقط، وإنما أيضًا فيما هو ليس بصالحٍ… لكن الجزاء لا يكون مساويًا للفعل، لأننا نحن الذين ننكره بَشر أما هو الذي ينكرنا فإله.

وما أعظم الفارق بين البشر والله!… هذا ومن ناحية أخرى نحن نضر أنفسنا، أما هو فلا يصيبه ضررًا، وقد أوضح هذا بقوله: “إن كنا غير أمناء فهو يبقى أمينًا لن يقدر أن ينكر نفسه” بمعنى أنه إن كنا لا نؤمن أنه قام من الأموات فعدم إيماننا لن يضره… وإن كان الله لن يصيبه ضررًا نهائيًا بإنكارنا إياه، فإنه لا يرغب في اعترافنا به إلاَّ لنفعنا نحن[25].]

 

  1. تجنب المماحكات الباطلة

الخادم الذي يسلك بروح القوة لا يقبل الدخول في مماحكات الباطلة، بل ويطلب من المؤمنين أن يتجنبوها حتى لا تهدمهم روحيًا. يقول الرسول: “فَكِّرهم (ذكرهم) بهذه الأمور، مناشدًا (إياهم) قدام الرب أن لا يتماحكوا بالكلام، الأمر غير النافع لشيء لهدم السامعين” [١٤]. يطالبه الرسول أن يُذَكِّر الشعب ويوصيهم قدام الرب أن يتركوا كثرة الكلام الذي يهدم النفس، كما يطالبه أن يهتم هو أيضًا بالحياة العملية المجاهدة عوض المماحكات الباطلة، إذ يقول له: “اجتهد أن تقيم نفسك لله مُزَكَّى عاملاً لا يُخزَى، مفصلاً كلمة الحق بالاستقامة[١٥]. ليكن كل فكره متجهًا إلى التزكية قدام الله لا النصرة بالكلام مع الناس، ويبذل كل جهده أن يكون كالعامل الذي لا يخجل من احتمال المشقات لأجل الإنجيل، أي التمتع بكلمة الحق.

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن قوله [“مفصلاً كلمة الحق بالاستقامة” يعني تركيز الجهاد على إعلان الحق واقتلاع كل ما هو لغو زائد. وكأن الراعي الصالح ينزع بسيف الروح من كرازته كل ما هو غريب عن الحق. بهذا يحصن الرسول تلميذه من الغنوسيين الذين يفسدون وقتهم بما يلقبونه خطأ “المعرفة”، وهي فسلفة كلام لغو لا يحمل روح التقوى، بعيدًا عن الإيمان.]

هذا البتر له أهميته في إيقاف تيار الشر المتزايد بسبب البدع الغنوسية، إذ يقول: “وأما الأقوال الباطلة الدنسة فاجتنبها، لأنهم يتقدمون إلى أكثر فجور، وكلمتهم ترعى كآكلة[١٦]. الأقوال الباطلة تدخل بهم من شرٍ إلى شرٍ، فتكون كالقرحة الآكلة التي تفسد الجسد. إنهم يؤمنون بالمعرفة (gnosis) الكلامية عوض الإيمان، خلال هذه المعرفة يظنون أن الجسد عنصر ظلمة، خالقه إن لم يكن شريرًا فهو أقل من خالق الروح. هذه العقيدة جعلتهم يرفضون القيامة من الأموات، حاسبين أن القيامة الروحيّة تحققت بالنسبة للنفس هنا، ولا تتحقق بالنسبة للجسد عنصر الظلمة.

هذه النظرة قدمت لهم مفهومًا دنسًا من جهة الزواج وتناول بعض الأطعمة، بكونها أمور نجسة مُحَرَّمة. هذا أيضًا دفع بعضهم إلى عدم المبالاة بالنسبة لتقديس الجسد، فرأوه كعنصر ظلمة يُترَك له العنان في شهواته بلا ضابط. وهكذا ينحرفون من فكرة إلى أخرى، ومن شر إلى شر، وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إنهم لا يقفون عند هذا الحد، فإنهم إذ يقدمون شيئًا جديدًا ينتجون وراءه أفكارًا جديدة على الدوام. هكذا لا يتوقف انحرافهم عن الميناء الآمن بل يزداد بغير حدود[26].]

قدم الرسول مثالاً لانحراف هؤلاء المبتدعين، قائلاً: “الذين منهم هيمينايُس وفيليتُس، اللذان زاغا عن الحق، قائلين أن القيامة قد صارت فيقلبان إيمان قومٍ” [١٧]. قالا بأن القيامة تحققت فعلاً في حياتنا روحيًا ولن تحدث بالنسبة للجسد.

يعلق القديس أغسطينوس على هذه العبارة، قائلاً: [كثيرون ينكرون قيامة الجسد مؤكدين أن القيامة قد حدثت فعلاً بالإيمان… يقولون أنها حدثت بطريقة خلالها لا يتوقعون حدوثها بعد، بل ويلومون الذين يتطلعون إلى قيامة الجسد كما لو كانت القيامة التي وُعدنا بها قد تحققت بعمل الإيمان في الذهن فحسب[27].] كما يقول: [حقًا توجد قيامة تتحقق الآن، فإن غير المؤمنين كانوا أمواتًا، الأشرار كانوا موتى، أما الأبرار فهم أحياء، عبروا من موت عدم الإيمان إلى حياة الإيمان. لكن هذا لا يعني عدم اعتقادنا في القيامة المقبلة بالنسبة للجسد[28].]

إذ يتحدث الرسول عن تجنب مماحكات الهراطقة الكلامية، الذين يشوشون الصورة فيظن البعض أنهم طغوا على صوت الحق، أكد الرسول حفظ الله لأولاده المؤمنين في الحق، قائلاً:

ولكن أساس الله الراسخ قد ثَبَتَ إذ له هذا الخَتْم.

يَعلم الرب الذين هم له،

وليتجنب الإثم كل من يُسمِّى اسم المسيح،

ولكن في بيت كبير ليس آنية من ذهب وفضة فقط،

بل من خشب وخزف أيضًا،

وتلك للكرامة وهذه للهوان” [١٨–٢٠].

مهما دخلت الضلالات والبدع ومهما انتشرت الشرور، فإن أساس الله ثابت وكنيسته قائمة، وأولاده معروفون ومحفوظون مختومون بختم الروح القدس فيُدعَى عليهم اسم المسيح. إنهم آنية ذهبية وفضية في السماء بيت الله، يحملون كرامة! حقًا توجد أواني اختارت لنفسها الهلاك، هذه التي لم تحتمل الحق فيها، ولا قَبِلَت عمل الروح القدس ولا دخلت في العضويّة في جسد المسيح، هذه التي هي من الخشب والخزف تحمل هوانًا.

يقول القديس أغسطينوس: [أن من يتطلع إلى شجرة يرى أوراقها كثيرة لكن غالبًا ما يكون الثمر مخفيًا وراء الورق مثل (التين)، هكذا بسهولة يظهر الهراطقة والأشرار فيبدو كأنه لا يوجد بعد مؤمنون لكن من يقترب إلى الشجرة ببصيرة روحيّة يدرك وجود أولاد الله المقدسين مختفين.

هؤلاء متأسسون على السيد المسيح نفسه كقول الرسول: “فإنه لا يستطيع أحد أن يضع أساسًا آخر غير الذي وُضع الذي هو يسوع المسيح” (١ كو ٣: ١١). كما يقول: “مبنيين على أساس الرسل والأنبياء ويسوع المسيح نفسه حجر الزاوية، الذي فيه كل البناء مركبًا معًا، ينمو هيكلاً مقدسًا في الرب، الذي فيه أنتم أيضًا مبنيون معًا، مسكنًا لله في الروح” (أف ٢: ٢٠–٢٢). هذا هو سرّ قوة الروح الذي فينا أننا متأسسون على السيد المسيح نفسه، ولنا ختم روحه القدوس، الذي خلاله “يَعلم الرب الذين هم له“.]

سبق لنا دراسة “الخَتْم[29] بكونه علامة الملكيّة لله، كقول القديس ديديموس السكندري: [عندما نغطس في جرن المعمودية، فبفضل صلاح الله الآب وبنعمة روحه القدوس نتعرى من خطايانا إذ نتخلص من الإنسان القديم ونتجدد، ونُختَم بقوته لملكيته الخاصة. ولكن عندما نخرج من جرن المعمودية نلبس المسيح مخلصنا كثوب لا يبلى، مستحقًا لكرامة الروح القدس عينها، الروح القدس الذي جددنا ودمغنا بختمه… لا يمكن لأحد أن يحصل على المواهب السماوية ما لم يتجدد بروح الله القدوس ويدفع بختم قداسته، ولو كان كاملاً في حياة بلا عيب في كل شيء آخر[30].]

والخَتْم أيضًا علامة الدخول تحت حماية الله كقول القديس غريغوريوس النزينزي: [القطيع الموسوم بعلامة لا يُسلَب بمكر بسهولة، أما القطيع الذي لا يحمل العلامة فهو غنيمة للصوص[31].] والخَتْم هو علامة الجنديّة الروحيّة، كقول القديس كيرلس الأورشليمي لطالبي العماد: [يأتي كل واحد منكم ويقدم نفسه أمام الله في حضرة جيوش الملائكة غير المحصية، فيضع الروح القدس علامة على نفوسكم. بهذا تُسجل أنفسكم في جيش الله العظيم[32].] هذا الخَتْم أبدي لمجدنا أو دينونتنا، وكما يقول القديس أغسطينوس: [تمسك بما نلته فإنه لن يتغير، إنه وسم ملكي![33]]

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم في حديث الرسول بولس الذي بين أيدينا أمرين: تحذير لئلا نهمل في الختم الذي صار لنا بالروح القدس، وتشجيع فلا نخاف لوجود هراطقة وأشرار. إذ يقول: [ليتنا لا ننزع عنا الختم الملوكي والعلامة الملوكية لئلا نُحسب مع غير المختومين، فلا نكون أصحاء، إنما يليق بنا أن نكون متأسسين بثبات على الأساس فلا نُحمل إلى هنا وهناك[34].] كما يقول: [إنه يقصد أن يقول: لا تضطربوا لوجود فاسدين وأشرار، فإنه في بيت كبير يوجد مثل هذه الأواني… لكنها لا تنال كرامة[35].]

يوجد معلمون أمناء ومؤمنون كأوانٍ ذهبية وفضية في بيت كبير لهم كرامتهم في الرب، أما الذهب فيشير إلى طبيعتهم الجديدة السماوية، والفضة تشير إلى حبهم لكلمة الله المصفاة كالفضة سبع مرات. فالمعلم الحق هو من يحيا بفكرٍ سماويٍ، ولا يرتبط قلبه بالماديّات ولا تتعلق نفسه بأمجاد زمنيّة، يتمسك بكلمة الله (الفضة) ويختفي وراءها فلا يقدم لشعبه مماحكات كلامية فاسدة، وإنما حياة إنجيليّة صادقة. أما الهراطقة الفاسدون فيشار إليهم بالخشب والخزف؛ إنهم كالخشب يحترقون بنار الشهوات فلا يوجدون، وكالخزف يحملون الفكر الترابي، ويطلبون الماديّات ولا يقدرون على معاينة السماويات أو التعرف عليها.

ما نقوله عن المُعلِّمين والهراطقة ينطبق بدرجة أو أخرى على الشعب أيضًا، فمنهم من هو ذهبي أو من الفضة ومنهم من هو خشبي أو خزفي، لكن هل لنا أن نميز الآن الناس؟

يجيب القديس كبريانوس، قائلاً: [إنه لكبرياء وتشامخ أن يتجاسر أحد يظن أنه قادر أن يفعل ما لم يهبه الله حتى للرسل، فيحسب أنه يستطيع تمييز الزوان عن الحنطة… ومن يفكر أنه يختار الأواني الذهبيّة والفضيّة ويحتقر الأواني الخشبيّة والخزفيّة ويحتقرها ويطردها، مع أن الأواني الخشبية لا تُحرَق إلاَّ يوم الرب بالنار الإلهيّة المحرِقة، والأواني الخزفية لا يسحقها إلاَّ ذاك الذي أُعطي له قضيب من حديد[36].]

كما يقول: [إن كان يبدو وجود زوان في الكنيسة، لكن إيماننا ومحبتنا لا تُعاقا، فلا نترك الكنيسة لأننا نرى فيها زوانًا، بل بالحري يليق بنا أن نجاهد لكي نكون نحن أنفسنا حنطة، حتى متى أُبتديء في جمع الحنطة معًا في بيدر الرب ننال ثمرًا عن تعبنا وعملنا… لنجاهد أيها الإخوة الأحباء لنكون أوانٍ من ذهب وفضة، لكن للرب وحده أن يسحق الأواني الخزفية هذا الذي أُعطي له القضيب من الحديد، أما العبد فلا يكون أعظم من سيده، ولا يدَّعي لنفسه ما أعطاه الآب للابن وحده، فيظن أنه قادر أن يأخذ المذراة ويذري الحصاد… أو قادر أن يفصل كل الحنطة عن الزوان بحكم بشري[37].]

ليس فقط ليس لنا أن ندين ونفرز الحنطة عن الزوان، والأواني التي للكرامة عن التي للهوان، وإنما يليق بنا أن نطمئن أن الحنطة لا تُُهمَل من الله بسبب الزوان، ولا الأواني المُكَّرَمة تفقد كرامتها بسبب التي للهوان، إذ يقول الرسول: “يعلم الرب الذين هم له“.

وفي هذا يقول القديس أغسطينوس: [ليس من أجل التبن تهلك الحنطة (مت ٣: ١٢)، ولا من أجل السمك الرديء، لا يؤخذ في الأوعية شيئ من الشبكة (مت ١٣: ٤٧)… لقد سبق فعيننا قبل أن نولد، واعدًا إيانا بيقين: “الذين سبق فعينهم فهؤلاء دعاهم أيضًا، والذين دعاهم فهؤلاء بررهم أيضًا، والذين بررهم فهؤلاء مجدهم أيضًا (رو ٨: ٣٠)[38].] كما يقول: [حتى إن كانت البذار مختفية في التبن لكنها معروفة لدى صاحب الحقل. لا يخف أحد متى كان بذرة، حتى وإن كان وسط تبن، فإن عيني الذي يذرينا لا تنخدعان[39].]

 

  1. الجهاد والحياة الداخلية

إن كان في البيت الكبير توجد آنية للكرامة وأخرى للهوان، والله يتمجد في هذه كما في تلك، فقد يظن أحد أنه لا ذنب له فيما يرتكبه من شرور، لأنه “إناء للهوان”، وكأنه قد جُلب ليكون هكذا. لهذا يعود الرسول فيؤكد حرية الإرادة الإنسانية التي يقدسها الرب ويبجلها، قائلاً: “فإن طهر أحد نفسه من هذه، يكون إناءً للكرامة مقدسًا نافعًا للسيد ومستعدًا لكل عمل صالح” [٢١]. ماذا يعني!

إن طهر أحد نفسه، إلاَّ تأكيد حرية الإنسان ورفض القائلين بخلقة طبائع بشرية صالحة وأخرى فاسدة. لقد أكد الرسول أن الإنسان في كمال حريته أن يتغير من إناء للهوان إلى إناءٍ للكرامة، وإن كان هذا يتحقق لا بإمكانياته البشرية الذاتية إنما بعمل نعمة الله الغنيّة. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [انظر إنه ليس بسبب طبيعة الإنسان ولا عن إلزام يكون الإناء ذهبيًا أو خزفيًا، إنما يتحقق ذلك عن محض اختيارنا؛ وإلاَّ لما كان للإناء الخزفي أن يصير ذهبيًا، ولا أن ينحط الذهبي إلى تفاهة الآخر… لقد كان بولس إناءً خزفيًا وقد صار ذهبيًا، وكان يهوذا ذهبيًا وصار خزفيًا[40].] وقد استخدم العلامة أوريجينوس عبارة الرسول هذه لتأكيد الحرية الإنسانية التي تمجد الله[41].

هكذا يحثنا الرسول بولس على الجهاد بتطهير حياتنا الداخلية، وتحويلها من الحالة الخزفية إلى الذهبية، أي تحويلها عما هو ترابي وأرضي إلى ما هو سماوي، وذلك بفضل نعمة الله العاملة فينا. هذا هو عمل الروح القدس الناري، إذ يقدس أعماق النفس في الداخل لتحمل صورة خالقها، وذلك خلال الميلاد الجديد الذي ننعم به في مياه المعمودية والتجديد المستمر غير المنقطع، لعلنا نبلغ إلى قياس ملء قامة المسيح السماوي.

كأن الرسول يود أن يعلن لتلميذه تيموثاوس، بل ولكل راعٍ، أنه لا نجاح للخدمة بدون تقديس الحياة الروحية للراعي ونموها بغير انقطاع، أما العدو الأول لهذه الحياة المقدسة الذي يجعل الإناء خزفيًا أي أرضيًا فهو الشهوات الجسدية، لهذا يقول له: “أما الشهوات الشبابية فاهرب منها، واتبع البرّ والإيمان والمحبة والسلام مع الذين يدعون الرب من قلب نقي” [٢٢].

اهتم الرسول بالجانبين: السلبي والإيجابي لنمو حياة الراعي الروحيّة. فمن الجانب السلبي يلتزم بالهروب من العثرات أو من الشهوات الشبابية، أما الجانب الإيجابي فهو الالتزام بإتباع البرّ والإيمان والمحبة والسلام. فلا يكفي الهروب من الشر، إنما يلزم الشبع بالخير، ولا يكفي ترك الخطية، إنما يلزم اقتناء السيد المسيح برّنا وسلامنا وسرّ حبنا وإيماننا.

يليق بالخادم الحقيقي أن يحذر الشهوات الشبابية، فلا يظن في نفسه أنه محصن مهما كان ماضيه طاهرًا، أو مهما بلغ من العمر، ولا يحسب حذره هذا ضعفًا بل علامة القوة والجديّة.

ماذا يقصد الرسول بالشهوات الشبابية؟ يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لا تعني شهوات الزنا فحسب، وإنما تضم كل شهوة شاذة. ليت كبار السن يتعلمون أنه ينبغي عليهم ألا يقوموا بأعمال شبابية. إن كان أحد يستسلم للغطرسة أو حب السلطة أو الغنى أو الملذات الجسدية تُحسَب هذه شهوات شبابية غبية. فإن هذه الأمور تصدر عن قلبٍ غير مستقرٍ بعد، وعن فكر مذبذب ليس له أساس عميق. إذن بماذا ينصح (الرسول) حتى لا يؤسر الإنسان بهذه الأمور؟ “اهرب من الشهوات الشبابية“، بل “واتبع البرّ والإيمان والمحبة والسلام مع الذين يدعون الرب من قلب نقي“.

إنه يدعو الفضيلة بوجه عام “برًا”، وتقوى الحياة والإيمان والوداعة والمحبة. وماذا يعني بقوله: “الذين يدعون الرب من قلب نقي“؟ إنه كمن يقول: افرحوا لا بالذين يدعون الرب فحسب، وإنما بالذين يدعونه بصدقٍ وإخلاصٍ، الذين هم بلا خداع، يقتربون إليه في سلام غير محبين للنزاع. التصق بمثل هؤلاء، أما بالنسبة للآخرين فلا تهادنهم لكن سالمهم قدر ما تستطيع[42].]

على أي الأحوال امتاز الرعاة الصادقون بالحذر من كل ما هو معثر، والجهاد في التمتع بكل ما هو للبنيان في المسيح يسوع، فمن كلماتهم:

  • إني أعتقد أن الحكمة تقتضي منا أن نستمسك بتقاليد الاكليروس، خصوصًا الذين انتظموا بالفعل في سلك الكهنوت، فيجب علينا، بنوعٍ خاص، أن نتجنب حفلات الغرباء، على أن لا يكون في ذلك أي مساس بإضافة المسافرين.
  • بالنسبة لصغار السن من الاكليروس فلا حاجة بهم إلى التردد على بيوت الأرامل والعذارى إلاَّ في زيارة محدودة. وإذا اقتضت الضرورة فليصحب معه واحدًا من الشيوخ كالأسقف أو كبار الكهنة. ولماذا نعطي للعالم فرصة حتى ينتقدنا؟[43]

القديس أمبروسيوس

  • أعطِ اهتمامًا مساويًا لكل عذارى المسيح أو عدم مبالاة متساوٍ، غير مميز بينهن.

لا تبطىء في البقاء معهن تحت سقفٍ واحدٍ، معتمدًا على عفتك السابقة، فأنت لست بأقدس من داود ولا أحكم من سليمان.

احذر من كل ما يسبب شكًا أو عثرة، متجنبًا للفضائح، مغلقًا على كل عمل يسبب شكًا[44].

القديس إيرونيموس

 

  1. الجهاد والخصومات المفسدة

لا يقف تقديس الحياة الداخلية عند الهروب من الشهوات الشبابية وإتباع البرّ، وإنما برفض الخصومات المفسدة لنقاوة النفس تحت ستار الدفاع عن الحق، إذ يقول: “والمباحثات الغبية والسخيفة اجتنبها، عالمًا أنها تولد خصومات. وعبد الرب لا يجب أن يخاصم، بل يكون مترفقًا بالجميع، صالحًا للتعليم، صبورًا على المشقات، مؤدبًا بالوداعة المقاومين، عسى أن يعطيهم الله توبة لمعرفة الحق، فيستفيقوا من فخ إبليس إذ قد اقتنصهم لإرادته” [٢٣–٢٦].

التزام الراعي أن يفّصل كلمة الحق باستقامة وأن يحفظ وديعة الإيمان بلا انحراف لا يعني دخوله في مباحثات غبية وسخيفة تولد خصومات، وتفسد نقاوة قلبه، وتنزع عنه سلامه الداخلي. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [حتى في المباحثات لا يخاصم، فإن عبد الرب لا يجب أن يخاصم ما دام الله نفسه إله السلام[45].]

هكذا لا يليق به أن يقدم الحق خلال دخوله في خصام، فإن الوداعة – حتى في المناقشات وفي الانتهار  أكثر فاعلية في حياة الآخرين من العنف أو الخصام ولو كان من أجل الحق. لهذا يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [يليق بمن يعلم أن يهتم على وجه الخصوص أن يحقق عمله بالوداعة، فإن النفس التي ترغب في التعلم لا تتقبل التعليم النافع خلال الخشونة والنزاع[46].]

إن كان ربنا يسوع المسيح هو المعلم الأعظم العارف بأسرار قلوبنا وله حق إدانتنا وتوبيخنا قيل عنه: “لا يخاصم ولا يصيح ولا يسمع أحد في الشوارع صوته” (مت ١٢: ١٩)، فكم بالحري يليق بنا أن نكون ودعاء مع إخوتنا في تعليمهم إذ نتعرض نحن لنفس ضعفاتهم!

 

قدم الرسول بولس أربع سمات هامة للمعلم الحقيقي:

أولاً: الترفق بالجميع، فلا ييأس من أحد، ولا يخاصم أحدًا. ولعله أراد أن يصد فكر الغنوسيين الذين كانوا يميزون بين المؤمنين بكونهم طبقات معينة مثل الكاملين والبسطاء.

ثانيًا: لا يكفي أن يكون وديعًا مترفقًا وتقيًا في حياته، لكن يليق بالراعي أن يكون “قادرًا على التعليم”، فالله الحكمة ذاته ومعلم المسكونة، يريد في رعاته أن يَتَعَلَّموا ويُعَلِّموا، حتى لا يَهلَكوا ولا يُهلِكوا الآخرين[47].

ثالثًا: صبورًا على المشقات، وذلك كالمزارع الذي قد يتعب لسنوات منتظرًا الثمار من الشجر، وربما يتعب لكي يجني أولاده ثمار غرسه الأشجار.

رابعًا: وديعًا في تأديباته، حتى يقدر بروح سيده الوديع أن يَرُد الخطاة الذين اقتنصهم إبليس في فخاخه.

إن كان العدو يقتنص البشر بمكر، فلا يليق بالرعاة أن يستخدموا العنف في إنقاذهم، إنما بالروح الوديع يستردوهم. تصير النفس وسط الفخ أسيرة لأفكار العدو ومُحطمة ومملوءة اضطرابًا. لذا فهي في حاجة إلى قلب وديع مملوء حنانًا وترفقًا حتى يسندها ويردها، لا إلى من يزيدها تحطيمًا بكلمات العنف والتوبيخ. أو كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إن الجرح لا يحتاج إلى مواد ملهبة بل إلى زيت رطب لكي يبرأ.]

[20] On Ps. hom 41

[21] Duties of Clergy 1: 36.

[22] In 2 Tim. hom 4.

[23] In 2 Tim. hom 4.

[24] In 2 Tim. hom 5.

[25] In 2 Tim. hom 5.

[26] In 2 Tim. hom 5.

[27] In loan. tr 19: 14.

[28] In loan. tr 22: 12.

[29]   للمؤلف: الروح القدس بين الميلاد الجديد والتجديد المستمر، ١٩٨١، ص ٦٢– ٦٨.

[30] De Trinitate 2: 12.

[31] PG 36: 364.

[32] PG 33: 428 A.

[33]   تفسير يوحنا، مقال ١٦.

[34] In 2 Tim. hom 6.

[35] In 2 Tim. hom 6.

[36] Ep. 51: 52.

[37] Ep. 50: 3.

[38] On Ps. 89.

[39] On Ps. 50.

[40] In 2 Tim. hom 6.

[41] De Principiis 3: 1.

[42] In 2 Tim. hom 6.

[43] Duties of Clergy 1: 20 (68, 87) ترجمة القس موسى وهبة

[44]   الحب الرعوي، 1966، ص 667

[45] In 2 Tim. hom 6.

[46] Ibid.

[47]  راجع أقوال الآباء في هذا الشأن (الحب الرعوي ص ٦٨١).

 

تفسير رسالة تيموثاوس الثانية 2 الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة تيموثاوس الثانية 1 الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة تيموثاوس الثانية 1 الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة تيموثاوس الثانية 1 الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة تيموثاوس الثانية 1 الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

الأصحاح الأول: روح القوة

 

إذ يكتب الرسول بولس من سجنه وصيته الوداعية لكل أولاده، خاصة الرعاة، في شخص تلميذه القديس تيموثاوس، وقد أحاطت الضيقة بالكنيسة بسبب ظلم نيرون. لهذا فإن النغمة الذي سادت الرسالة ككل هي “روح القوة” التي صارت لنا في المسيح يسوع غالب الموت. أما مفتاح السفر فهو: “لأن الله لم يعطنا روح الفشل (التهيب)، بل روح القوة والمحبة والنصح” (1: 7). هكذا يحيا الخادم بروح القوة في كرازته بالإنجيل، وفي خدمته وتشجيعه الخدام، وفي قبوله حب إخوته، كما في مناهضته للبدع والأضاليل:

1. الافتتاحية                       ١ – ٢.
2. تعلق الرسول بأولاده             ٣ – ٧.
3. الكرازة بروح القوة                ٨ – ١٢.
4. التمسك بالتعليم الصحيح         ١٣ – ١٤.
5. مساندة أولاده له                 ١٥ – ١٨.

1. الافتتاحية

بولس رسول يسوع المسيح بمشيئة الله،

لأجل وعد الحياة التي في يسوع المسيح،

إلى تيموثاوس الابن الحبيب.

نعمة ورحمة وسلام من الله الآب والمسيح يسوع ربنا” [1-2].

تقاربت الافتتاحية هنا بتلك الخاصة بالرسالة الأولى، فهي موجهة من ذات الرسول إلى نفس المرسل إليه، وفي نفس البلد. ومع ذلك فقد وُجدت بعض الاختلافات التالية:

أ. في الرسالة الأولى يركز القديس بولس على أنه رسول بأمر الله مخلصنا وربنا يسوع المسيح ليؤكد أن عمله الرسولي لا يقوم على إعلان بشري بل بمشيئة الله نفسه. أما هنا وإن كان قد أكد ذات الأمر، لكنه يركز عينيه على المكافأة الأبديّة، قائلاً: “لأجل وعد الحياة التي في يسوع المسيح“. في الرسالة الأولى كان يجاهد في الخدمة متذكرًا أن الدعوة قد وُجهت إليه كأمر إلهي، وأن الله في محبته يلتزم، إن صح هذا التعبير، أن ينجح طريقه، أما هنا فقد أدرك أنه يسكب سكيبًا ووقت انحلاله قد حضر (٤: ٦). لهذا سُمرت عيناه على المكافأة التي طالما كان يترقبها. إنها تمتع بالمسيح يسوع نفسه بكونه الحياة (يو ١٠: ١)، فهو رجاؤنا ومكافأتنا!

إن كانت هذه الرسالة الوداعية تدور حول موضوع “روح القوة“، فإن سرّ القوة هو “الحياة” التي صارت لنا بدخولنا في المسيح يسوع حياتنا، لننعم به في كمال المجد على مستوى فائق. كأن الحياة التي ينتظرها كمكافأة ينعم بها هنا خلال الإيمان في عربونها، إذ ننال مسيحنا هنا بالإيمان أما هناك فننعم به وجهًا لوجه.

ب. يدعو الرسول بولس تلميذه: “الابن الحبيب“، فقد قاربت لحظات انتقاله ويخشى ألاَّ يراه. لذا كتب إليه بروح الحب والود ليكشف عن أعماق أحاسيسه الداخلية. ويرى القديس يوحنا الذهبي الفم في هذا اللقب: “الابن الحبيب” إعلانًا عن طاعة القديس تيموثاوس[1]، إذ كان للقديس أبناء كثيرون، لكن دعوته “الحبيب” تُقدم له على وجه الخصوص من أجل طاعته له كأبيه الروحي.

على أي الأحوال، إن كانت رسائل القديس بولس قد كشفت عن شخصيته من جهة جهاده وجديته وحزمه كما عن عمق مفاهيمه اللاهوتيّة، فإنها أبرزت أيضًا مشاعر الحب الفائقة! لقد عاش الرسول بولس محلقًا في السماويات على مستوى لا يُعبَر عنه، وفي نفس الوقت كإنسان واقعي يؤمن بتقديس الجسد بكل مشاعره وأحاسيسه وعواطفه في المسيح يسوع. إنه لا يكبت المشاعر الإنسانية بل يطلقها بطريقة روحية عالية. هذا ما ظهر بأكثر وضوح في ختام رسالته إلى أهل رومية كاشفًا عن مشاعر الحب التي تربطه بكثيرين بأسمائهم. وقد تحدث القديس يوحنا الذهبي الفم عن هذه المشاعر التي ملأت قلب الرسول في استطالة، نذكر منها:

[بولس هذا العجيب، الذي بذل لحمه، وأنكر جسده، الذي جال في كل الأرض يحمل نفسه وحدها (كأنها بلا جسد)، وقد ألقى عنه كل هوى، وتمثل بالقوات الروحية العلوية، وقطن في الأرض كما في السماء، وارتفع مع الشاروبيم، واشترك معهم في التسبيح السماوي واحتمل الآلام… بولس هذا عندما ابتعد عن نفس عزيزة عليه اضطرب وتكدر، حتى هرب من المدينة التي لم يجد فيها من كان يتوقع أن يراه هناك… لقد ترك ترواس لذات السبب إذ لم تقدر أن تقدم له صديقه: “ولكن لما جئت إلى تراوس لأجل إنجيل المسيح، وانفتح لي باب في الرب لم تكن لي راحة في روحي، لأني لم أجد تيطس أخي، لكن وعدتهم فخرجت إلى مكدونية” (٢ كو ٢: ١٢).

ما هذا يا بولس؟ أنت الذي قُيدت … ودخلت السجن، وحملت آثار السياط، فكان ظهرك لايزال ينزف دمًا!… أنت الذي لم تحتقر إنسانًا واحدًا يحب أن يخلص، عندما بلغت ترواس ورأيت الأرض صالحة للزرع، ومستعدة للبذر، وكان الصيد كثيرًا وسهلاً، ألقيت من بين يديك هذا المكسب الهام الذي من أجله أتيت؟ تقول: “لأجل إنجيل المسيح“، بمعنى أنه لا يقف أحد في طريقك من أجل إنجيل المسيح، وتقول: “انفتح لي باب في الرب“، ومع هذا تهرب سريعًا؟

نعم، بالتأكيد سقطت تحت سطوة الحزن، فإن غياب تيطس قد آلمني كثيرًا. غلبني الحزن وسيطر عليّ حتى وجدت نفسي مضطرًا لهذا… الذين يحبون بعضهم بعضًا لا يكفيهم الارتباط بالنفس لتعزيتهم، بل هم محتاجون إلى وجودهم معًا بالجسد، وإن لم يوهبوا ذلك ينقصهم الكثير من سعادتهم[2].]

2. تعلق الرسول بأولاده:

في لحظات الصلب تجلت روح قوة ربنا يسوع المسيح حيث انكشف اهتمامه بكل البشرية، مقدمًا حياته فدية عن الجميع، طالبًا المغفرة حتى عن صالبيه، دون أن ينسى إعالة أمه فسلمها لتلميذه القديس يوحنا الحبيب أمًا له، وقدمه ابنًا لها. إنها مشاعر الحب الفائقة التي تعلو الألم حتى مرارة الصليب. هكذا تشبه الرسول بولس بمعلمه فحمل “روح القوة” الذي هو “روح المسيح”، الذي به وهو يدرك أنه ينسكب سكيبًا لا يوصي تلميذه عن أمورٍ خاصة بنفسه ولا يحدثه عن سجنه وآلامه، إنما في قوة يتحدث عن اهتمامه به بعمق، قائلاً: له: “إني أشكر الله الذي أعبده من أجدادي بضمير طاهر، كما أذكرك بلا انقطاع في طلباتي ليلاً ونهارًا، مشتاقًا أن أراك، ذاكرًا دموعك لكي أمتلىء فرحًا” [٣-٤].

هكذا تبرز روح القوة بحق في حياة المؤمنين خلال اتساع قلبهم بالحب نحو إخوتهم وأولادهم الروحيين فلا يفكرون حتى في لحظات انتقالهم فيما هو لأنفسهم بل فيما هو للغير، مظهرين كل حبٍ وتعلقٍ بهم، ليس فقط خلال العمل الظاهر، وإنما أيضًا في الطلبات المستمرة لدى الله.

لعل الرسول بولس وهو يكتب إلى تلميذه مذكرًا إياه أنه نشأ في أحضان أم وجِدة تقيتين، عاد بذاكرته إلى أجداده هو أيضًا، إذ يقول: “الذي أعبده من أجدادي بضمير طاهر“، فهو إنسان لا ينكر الجميل. إن كان قد اضطهد كنيسة الله وافترى عليها مجدفًا على مسيحها الأمر الذي كان يردده كثيرًا، لكنه لا يتجاهل بركة آبائه اليهود الذين سلموا له الإيمان الحق إلى مجيء المسيا. يرى الرسول بقلبٍ متسعٍ في آبائه الجذور الصالحة لكرمة الله التي أثمرت في العهد الجديد بالمسيح يسوع.

ماذا يقصد الرسول بقوله: “بضمير طاهر“؟ حقًا كان الرسول مجدفًا ومفتريًا، لكنه حتى في هذا لم يكن سييء النية، إنما ظن أنه يخدم الله، مشتهيًا أن يعمل بضمير صالح طاهر. وقد صار له هذا الصلاح أو تلك الطهارة بالأكثر عندما التقى بالقدوس، وتمتع بالإتحاد معه في المسيح يسوع ربنا. لهذا بكل جرأة يقول: “إني بكل ضمير صالح قد عشت إلى هذا اليوم” (أع ٢٣: ١)، كما يعلن أنه يدرب نفسه كل يوم ليكون له ضمير بلا عثرة (أع ٢٤: ١٦). يقصد الرسول بولس بهذا “الضمير” الحياة الداخلية التي تحمل انعكاسًا على تصرفاته الظاهرة. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [يتحدث هنا عن حياته التي بلا لوم، ففي كل موضع يدعو حياته ضميره[3].]

ومما استرعى انتباه القديس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول يعتبر مجرد تذكره لتلميذه فيطلب عنه بلا انقطاع هو عطية إلهيّة يقدم عنها ذبيحة شكر!

طلبات الرسول غير المنقطعة ليلاً ونهارًا من أجل تلميذه لكي يهبه الرب نجاحًا في حياته الروحية وفي خدمته، هي جزء لا يتجزأ من حياة الرسول بولس نفسه بكونها إعلانًا عن اتساع قلبه لإخوته وأولاده، وجزء لا يتجزأ عن عمله الكرازي وخدمته. فإنه لا يكفي الكرازة بالفم والقدوة فحسب، وإنما تلزم الصلاة الدائمة من أجل كل خادمٍ ومخدومٍ. هذا هو سرّ قوة الرسول بولس وقوة أولاده الروحيين!

أقول بصدق ما أحوج العالم كله في هذا العصر إلى رجال صلاة حقيقيين متسعي القلب ومملوءين إيمانًا بالله العامل في خدامه! كرازة بلا صلاة هي خدمة جوفاء، وعمل بشري لا يدوم!

أخيرًا، فإن الرسول بروح القوة المعلنة خلال الحب يكشف عن شوقه العميق أن يراه، وكما قلت قبلاً إنه يرى في المشاعر الإنسانية الرقيقة تقديسًا فلا تُكبت أو تُكتم أنفاسها. إن منظر تلميذه وهو يبكي عند فراق الرسول أو عند سجن الرسول لا يفارق عينيه قط، إذ يقول: “مشتاقًا أن أراك، ذاكرًا دموعك لكي أمتلىء فرحًا“. لقد امتلأت حياة الرسول والملاصقين له بالعواطف المقدسة، فيسكبون الدموع عند مفارقته لهم (أع ٢٠: ٣٧، ٣٨؛ ٢١: ٣١)، ويعلن هو عن شوقه إلى كل أولاده: “فإن الله شاهد لي كيف أشتاق إلى جميعكم في أحشاء يسوع المسيح” (في ١: ٨).

وأما نحن أيها الإخوة فقد فقدناكم زمان ساعة بالوجه لا بالقلب اجتهدنا أكثر باشتهاء كثير أن نرى وجوهكم…” (١ تس ٢: ١٧-١٨). ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على العبارة الأخيرة هكذا: [ماذا تقول: أنت الإنسان الكبير والعظيم؟ أنت الذي صُلب العالم لك وأنت للعالم (غل ٩: ٢٤)، أنت الذي تركت كل ما هو جسدي، أنت الذي كمن هو بلا جسد، بلغت هذه الدرجة من العبودية في الحب حتى اندفعت بهذا الجسد الترابي – المصنوع من الطين – الذي تراه؟ يجيب: نعم، إني لا أخجل من أن أعترف بذلك، بل أفتخر، إذ أحمل داخلي محبة عظيمة، هي أم كل الفضائل[4].]

لا يقف الرسول بولس عند هذه العواطف مجردة إنما يستخدمها بالروح القدس لحث أولاده على الجهاد بروح القوة، إذ يقول: “إذ أتذكر الإيمان العديم الرياء الذي فيك الذي سكن أولاً في جدتك لوئيس وأمك افنيكي، ولكني موقن أنه فيك أيضًا. فلهذا السبب أُذَكِّرُك أن تُضرِم موهبة الله التي فيك بوضع يدي. لأن الله لم يعطنا روح الفشل بل روح القوة والمحبة والنصح[٥–٧].

يدفعه الرسول للعمل بروح القوة والحب والمشورة، مذكِّرًا إياه بثلاثة أمورٍ: علاقته بأسرته، علاقته بالرسول، علاقته بالله.

أولاً: من جهة أسرته فالقديس تيموثاوس مدين لجدته وأمه بالإيمان الحيّ عديم الرياء الذي تسلمه منذ الطفولة. هذا هو ما يفرح قلب الرسول يرى العائلات المقدسة كنيسة حيّة يتربى فيها أولاد الله على الإيمان الحيّ، فيتسلمون الحق كسرّ حياة يمارسونها كل يوم وليس معرفة نظرية أو شكليات في العبادة. يقول القديس يوحنا: “فرحت جدًا لأني وجدت من أولادك بعضًا سالكين في الحق” (٢ يو ٤). وكتب القديس چيروم إلى لئيتا يرشدها في تربية ابنتها جاء فيها: [كوني مدرسة لها، نموذجًا لما تريدين أن تكون عليه في طفولتها… لا تفعلي أنتِ أو والدها شيئًا مما إذا قلدتكما فيه تكون قد ارتكبت خطية… بسيرتكما تعلماها أكثر مما تعلمانها بوصاياكما[5].]

أما قوله عن الإيمان المُسَلَّم إليه من عائلته أنه “عديم الرياء“، فإن الكلمة اليونانية لها تستخدم في اختبار السوائل على ضوء الشمس لتظهر إن كانت نقية بلا شوائب. وكأن الرسول بولس يقول له: لقد اختُبِرَ إيمان عائلتك على ضوء السيد المسيح شمس البرّ، فوُجِدَ نقيًا بلا شوائب؛ إيمان غايته خلاص النفس والتمتع بالله لا الظهور أمام الناس لأجل كلمة مديح.

نستطيع أن نقول أن البيوت المقدسة بحقٍ، المؤمنة بغير رياء، الملتهبة بنار الحب الحقيقي تقدِّم للأبناء إمكانيّة حياة مع الله، تسندهم في شبابهم بل حتى في مماتهم. أما البيوت الحاملة صورة التقوى بلا حب حقيقي، فهي تقدم صورة سيئة للأبناء تجعلهم ينفرون من الإيمان ويكرهون الحق أكثر من الذين نشأوا في بيوت مملوءة شرورًا. فالطفل قادر على إدراك ما في قلبي والديه ومعرفة صدق إيمانهما أو ريائهما!

ثانيًا: من جهة علاقته به يقول: “أُذَكِّرَك أن تُضرِم موهبة الله فيك بوضع يدي“. إن كنت قد وضعت يدي عليك لتتقبل موهبة الكهنوت والرعاية، فإن علاقتي بك الملتهبة نارًا إنما هي في الرب النار المقدسة. محبتك لي تظهر في إشعالك أو إضرامك لهذه النار الإلهيّة بالتجاوب مع عمل الروح القدس الناري الساكن فيك. هنا يرفع الرسول مستوى العلاقة بينهما إلى الالتقاء في الرب، لكي يحثه على العمل بلا انقطاع، إذ موهبة الله المجانيّة لا تُضرَم في حياة الرعاة الكسالى بل العاملين.

وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [كما تحتاج النار إلى وقود، هكذا تتطلب النعمة نشاطنا لكي تكون دائمة الحرارة، “أُذَكِّرَك أن تُضرِم موهبة الله التي فيك بوضع يدي“، أي نعمة الروح التي تقبلتها لكي تدبر الكنيسة وتعمل المعجزات وتقوم بكل خدمة. ففي مقدورنا أن نُلهب هذه النعمة أو نُطفئها، لهذا يقول في موضع آخر: “لا تطفئوا الروح” (١ تس ٥: ١٩). فبالخمول والإهمال تنطفىء، وبالسهر والاجتهاد تبقى حيّة. حقًا إن الموهبة فيك، فلتلهبها أي املأها ثقة وفرحًا وبهجة، وكن رجلاً[6].]

ثالًثا: علاقته بالله: إن كانت علاقته بأسرته هي في الرب، وأيضًا علاقته مع الرسول في الرب، فإن الرب نفسه يهبه أيضًا روح القوة والحب والنصح، وليس روح الفشل (التهيب). وكأن الرسول بولس يسند تلميذه بالتطلع إلى الله نفسه لا الظروف المحيطة به فلا يخاف ولا يتهيب بالفشل بل يمتلىء قوة وحبًا ونصحًا. أما الظروف المحيطة فيمكننا تلخيصها في العبارات التالية:

أ. حداثة سنه مع كبر المسئولية، ففي الرسالة السابقة قال له: “لا يستهن أحد بحداثتك بل كن قدوة للمؤمنين في الكلام في التصرف في المحبة في الروح في الإيمان في الطهارة” (١ تي ٤: ١٢).

ب. سجن الرسول بولس، وربما علم القديس تيموثاوس بكل ما لحق الرسول من أتعاب أثناء السجن.

ج. شعوره بالفراغ الذي يتركه الرسول برحيله من العالم.

د. وجود مقاومين من المتهودين وأصحاب البدع الغنوسية المفسدة للإيمان المسيحي.

إنه يشجعه على العمل لا بروح الخوف والتهيب، وإنما بروح القوة القادرة على مواجهة المتاعب، وروح الحب القادر على البذل والعطاء، وروح النصح القادر على التمييز بحكم سليم في غير تهور أو تطرف. هذه هي عطايا الروح القدس الذي يهب المؤمنين خاصة الرعاة سلطانًا أن يدوسوا بقوة على الحيات والعقارب وكل قوة العدو، فيخدموا بروح الشجاعة لكن ليست الشجاعة الجسدية المظهرية، ولا القوة التي بالمفهوم البشري، لذا رافقها بالحب.

فالقوة هنا هي قوة الله الملهبة للقلب بالحب نحو كل إنسان. ويرافق الحب “النصح“، فالراعي في محبته يلزم أن يكون حكيمًا وناصحًا. ولعله قصد بالنصح روح المشورة، فلا يخدم الراعي بفكرٍ انفراديٍ منعزلٍ، إنما يسلك بروح الكنيسة الجماعي طالبًا المشورة، أيًا كان مركز الراعي أو درجته الكهنوتية. هذا ما نلاحظه في الرسول بولس نفسه الذي وهو يؤمن أنه مفرز من بطن أمه للعمل الرسولي، وأن الابن الوحيد نفسه أعلن ذاته له (غل ١: ١٦)، إذا به يعرض إنجيله الذي يكرز به بين الأمم على المعتبرين، لئلا يكون قد سعى باطلاً (غل ٢: ٢).

يهب الله بروحه القدوس خدامه روح القوة للعمل بلا تخوف، بينما الأشرار “تقع عليهم الهيبة والرعب” (خر ١٥: ١٦). يغرس الله في أولاده الشجاعة الروحية، ويترك الرعب يفسد قلوب الأشرار. ويعطي مع القوة روح الحب، فيدرك الخدام حب الله ليتسع قلبهم بالحب نحوه ونحو كل البشرية. فيرافق القوة لطفًا وحنانًا، أما الذي يقدم توازنًا بين القوة والحب فهو روح النصح والتمييز، حيث يعرف الخادم الشجاعة دون فقدان اللطف، واللطف دون الحرمان من الشجاعة؛ أو هو روح النصح الذي يعني روح المشورة المتبادلة بين الخدام وبعضهم البعض الذي يهب الخادم اتزانًا في عمله وخدمته.

3. الكرازة بروح القوة

إذ يحمل الراعي روح القوة والحب والنصح، يكرز بإنجيل المسيح بغير خجلٍ. لذا يقول الرسول: “فلا تخجل بشهادة ربنا ولا بي أنا أسيره، بل اشترك في احتمال المشقات لأجل الإنجيل، بحسب قوة الله الذي خلصنا، ودعانا دعوة مقدسة، لا بمقتضى أعمالنا، بل بمقتضى القصد والنعمة التي أُعطيت لنا في المسيح يسوع قبل الأزمنة الأزليّة” [٨-9].

يوصيه الرسول أن يخدم الله ويشهد للإنجيل وسط الآلام، أما سرّ القوة فيكمن في الصليب، الذي هو سرّ خلاص البشرية، وسرّ تقديسنا. على الصليب شهد ربنا يسوع المسيح للحب الإلهي، متممًا المقاصد الأزلية، وخلال الصليب دخل الرسول إلى الأسر شاهدًا لمحبته للمصلوب. وكأن الرسول يحث تلميذه ألاَّ يكرز بحماسٍ بشريٍ أو غيرةٍ إنسانيّةٍ، وإنما خلال تمتعه بقوة الصليب.

رأينا في دراستنا السابقة كيف أفسد بعض الغنوسيين نفوس البعض، إذ انحرفوا بهم عن الإيمان إلى المعرفة المجردة كعلة خلاص. فصار الإيمان بالنسبة لهم مباحثات مجردة ومناقشات غبية بلا هدف، سوى الوصول إلى المعرفة الذهنية بمجهودهم الذاتي، متجاهلين قوة الإيمان بالصليب كسرّ حياة المؤمنين وخلاصهم وتقديسهم[7]. هذا ما دفع الرسول لإبراز عمل الصليب كسرّ شهادة يسوع المسيح نفسه عن الحب الإلهي الأزلي نحو الإنسان، وسرّ خلاص البشريّة وتقديسها.

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذا النص، قائلاً:

[ليس شيء أشر من أن يقيس الإنسان الأمور الإلهيّة ويحكم عليها خلال المباحثات البشريّة (كالغنوسي)، فإنه بهذا يسقط من صخرة (الإيمان) إلى مسافة بعيدة، ويُحرم من النور. فمن أراد أن يبصر أشعة الشمس بعينيه البشريتين ليس فقط لا يعاينها، وإنما يصيبه ضررًا جسيمًا. هكذا وبصورة أشد من يفعل هذا مفسدًا عطية الله بتطلعه إلى النور (الإلهي) خلال بصيرة المباحثات البشريّة.

لاحظ كيف أدخل مرقيون وماني وفالنتينوس وغيرهم هرطقاتهم وتعاليمهم المهلكة إلى كنيسة الله، إذ يقيسون الأمور الإلهيّة بقياس المباحثات البشريّة، فصاروا في خجل من جهة التدبير الإلهي.

وإنني إذ أتحدث عن صليب المسيح أقول أنه ليس موضوع خجل، بل بالحري موضوع مجد! فإنه ليس من علاقة عظيمة هكذا تكشف عن محبة الله للبشر مثل الصليب. فلا السماء ولا البحر ولا الأرض ولا خلقة هذا كله من العدم ولا شيء آخر مثله!

هنا مجد الرسول: حاشا لي أن أفتخر إلاَّ بصليب ربنا يسوع المسيح” (غل ٦: ١٤). أما الطبيعيون فيتعثرون فيه ويخجلون منه… من البداية يحث الرسول تلميذه، ومن خلاله يحث الآخرين، قائلاً: “لا تخجل بشهادة ربنا”، أي لا تخجل من الكرازة بالمصلوب بل بالحري تتمجد فيه. فالموت والسجن والسلاسل هذه كلها أمور مخجلة في ذاتها وعار، لكن إن أُضيف إليها السبب ظهر السرّ واضحًا فتصبح أمورًا مجيدة وموضوع افتخار.

إنه الموت الذي خلص العالم ويبيد الموت ذاته!

إنه الموت الذي ربط الأرض بالسماء، محطم قوة الشيطان، وجعل البشر ملائكة وأبناءً لله، وأقام طبيعتنا إلى العرس الملوكي[8].]

هذا هو “روح القوة“، أن ننعم بالصليب الذي يبيد الموت المهلك ويهبنا الحياة السماوية. فلا نخجل منه، بل نقبله عمليًا في حياتنا، ونشترك في احتمال المشقات من أجله. هذا ما يعلنه الرسول لتلميذه، مقدمًا نفسه مثلاً حيًا، إذ صار أسيرًا للرب المصلوب.

يتحدث القديس يوحنا الذهبي الفم على لسان الرسول، قائلاً: [لا تخجل، فإنني أنا الذي أقمت موتى، وصنعت معجزات، وحولت العالم إلى الإيمان، قد صرت أسيرًا، لكنني لست أسيرًا كصانع شر بل أنا أسير من أجل المصلوب. إن كان ربي لم يخجل من الصليب فلا أخجل أنا من السلاسل… إن كان ربنا وسيدنا قد احتمل الصليب فيليق بنا بالحري أن نُربط بالسلاسل. من يخجل مما احتمله السيد (الصلب والسلاسل) إنما يخجل من المصلوب نفسه. الآن، فإنني لا أحتمل هذه السلاسل لحساب نفسي، فلا تستسلم للمشاعر البشريّة، بل بالحري احتمل نصيبك من هذه المشقات[9].]

ولئلا يظن القاريء أن احتمال المشقات في ذاته هو ثمن خلاصنا وتقديسنا أكد الرسول أننا مدينون في ذلك للمقاصد الإلهيّة والنعمة المجانيّة، إذ يقول: “لا بمتقضى أعمالنا، بل بمقتضى القصد والنعمة التي أُعطيت لنا في المسيح يسوع قبل الأزمنة الأزليّة[٩]. حقًا إن الصليب واشتياقنا للخلاص وقبولنا للدعوة الإلهيّة هذا كله يدفعنا لاحتمال مشقات الصليب عمليًا، لكن ليست هذه المشقات هي ثمن لهذه العطايا، إنما سرّ القوة يكمن في عمل الله نفسه لخلاصنا وتقديسنا: “لأن الله هو العامل فيكم، أن تريدوا وأن تعملوا من أجل مسرته” (في ٢: ١٣).

ظهرت المراحم الأزليّة والتدابير الإلهيّة في المسيح يسوع الذي ظهر في ملء الزمان مصلوبًا لخلاصنا، إذ يقول الرسول: “وإنما أُظهِرَت الآن بظهور مخلصنا يسوع المسيح الذي أبطل الموت وأنار الحياة والخلود بواسطة الإنجيل، الذي جُعلت أنا له كارزًا ورسولاً ومعلمًا للأمم. لهذا السبب أحتمل هذه الأمور أيضًا، لكنني لست أخجل لأنني عالم بمن آمنت، وموقن أنه قادر أن يحفظ وديعتي إلى ذلك اليوم [١٠-١١].

هكذا يؤكد الرسول أن ظهور مخلصنا يسوع المسيح وتقديمه الإنجيل خلال صليبه هو سرّ قوتنا وينبوع النعمة الإلهيّة المجانيّة القادرة على خلاصنا من الموت وتقديم الحياة والخلود لنا. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ها أنت ترى القوة، ترى العطيّة الممنوحة لنا لا بالأعمال وإنما خلال الإنجيل!

هذا هو موضوع الرجاء، الذي تحقق في جسده (بالصليب)؛ وكيف يتحقق فينا؟ بالإنجيل[10].] في جسده كسر شوكة الموت عنا (١ كو ١٥: ٢٦) بحمله الصليب، وفتح أعين بصيرتنا الداخلية للتمتع بالنور والحياة الخالدة خلال قبولنا الإنجيل. في موضع آخر يؤكد الرسول أن ابادة الموت هو غاية ظهوره، إذ يقول: “فإنه إذ قد تَشَارَك الأولاد في اللحم والدم، اشترك هو أيضًا كذلك فيهما، لكي يبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت أي إبليس، ويعتق أولئك الذين خوفًا من الموت كانوا جميعًا كل حياتهم تحت العبودية” (عب ٢: ١٤-١٥).

هذا هو ما دفع الرسول بولس أن يحمل روح القوة في كرازته وتعليمه الإنجيل بين الأمم، محتملاً المشقات كسيده، قائلاً: “الذي جُعلت أنا له كارزًا ورسولاً ومُعلمًا للأمم“.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لماذا يكرر هذا ملقبًا نفسه رسول الأمم؟ لأنه يود أن يقتفوا أثاره، ويلتصقوا هم أيضًا بالأمم! لا يرتاعوا من مشقات (الإنجيل) فقد تراخت أوتار الموت. إنه لا يتألم كفاعل شرٍ، وإنما كمعلم للأمم[11].]

هكذا يقدم الرسول بولس نفسه مثالاً لاحتمال الآلام من أجل الكرازة بغير خجل، قائلاً: “لهذا السبب أحتمل هذه الأمور أيضًا لكنني لست أخجل“. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ها أنت ترى كيف يوضح تعليمه بأعماله، قائلاً: “أحتمل هذه الأمور“. “لقد أُلقيت في ذلك اليوم” ما هي هذه الوديعة؟ إنها الإيمان والكرازة بالإنجيل. الله الذي أودعه هذه يحفظها مصونة. إنني أحتمل كل شيء حتى لا أفسد الكنز، وإنني لا أخجل من هذه الأمور ما دامت محفوظة لا يصيبها ضررًا. ولعله يقصد بالوديعة المؤمنين أنفسهم الذين عهد الله بهم إليه، أو عهد هو بهم لدى الله، قائلاً: “والآن أستودعكم الله” (أع ٢٠: ٣٠)… إنه يستودع ثمر الوديعة بين يدي تيموثاوس[12].]

حقًا يظهر الرسول بولس مثلاً حيًا للمعلم الذي يحفظ الوديعة – سواء الإيمان الحق أو المؤمنين أنفسهم – وذلك لاحتماله المشقات المستمرة وتسليمها لتلاميذه ليسلكوا بنفس روحه، حاملين المشقات من أجل الوديعة. وكأن الرسول بولس يقدم لنا نفسه مثلاً حيًا للراعي الأمين، لا في حفظ الوديعة فحسب، وإنما في قدرته على تلمذة أناس قادرين أن يكملوا عمله، سالكين ذات منهجه في حفظ الوديعة باحتمالهم الآلام.

هذا ويلاحظ أن الرسول وهو يتكلم هنا عن المشقات لا يدفع نفسه إليها دفعًا، لكنه متى وُجدت يحسبها مجدًا له. كما جاءت كلمة “يحفظ” في اليونانية كتعبير عسكري يعني “الحماية الكاملة”. هذه هي إحساسات المؤمن الحقيقي، أنه تحت الحماية الإلهيّة الكاملة، إذ يقوم الله بحفظ مؤمنيه في وديعة إيمانهم، مما يعطي الخادم طمأنينة ورجاءً. يقول القديس بطرس: “فإن الذين يتألمون بحسب مشيئة الله فليستودعوا أنفسهم كما لخالقٍ أمينٍ في عمل الخير” (١ بط ٤: ١٩).

  1. التمسك بالتعليم الصحيح

تمسك بصورة الكلام الصحيح الذي سمعته مني،

في الإيمان والمحبة التي في المسيح يسوع.

احفظ الوديعة الصالحة بالروح القدس الساكن فينا“[١٣-١٤].

طبع الرسول على قلب تلميذه صورة حيّة لوديعة الإيمان سواء من جهة العقيدة “الكلام الصحيح” أو من جهة السلوك “المحبة“. لقد نقش في نفس تلميذه نسخة من دستور الإيمان والخطوط العريضة للحياة العمليّة، فصار التلميذ نفسه أشبه بنسخة حيّة وفعَّالة للإيمان المُسَلَّم عبر الأجيال. هذا هو التسليم الحيّ أو التقليد. إنه تمسك بالإنجيل العملي، معلنًا في حياة الرعاة والرعيّة، ليعبر من جيل إلى جيل كحياة في المسيح يسوع ربنا.

كيف نتمسك بالوديعة ونحفظها؟ “بالروح القدس الساكن فينا[13]. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ليس في قدرة نفس بشريّة أن تحفظ أمورًا عظيمة كهذه؛ لماذا؟ لأنه يوجد لصوص كثيرون يتربصون لها، وظلمة كثيفة وشيطان على الأبواب يدبر خططًا ضدها! كيف إذن يمكننا أن نحفظها؟ بالروح القدس؛ بمعنى إن كان الروح ساكنًا فينا، إن كنا لا نطرد النعمة فيسقف (الله) معنا. فإنه إن لم يبن الرب البيت فباطلاً يتعب البناءون، وإن لم يحرس الرب المدينة فباطلاً يسهر الحراس (مز ١٢٧: ١). هذا هو حصننا، هذه هي قلعتنا هذا هو ملجأنا! إن كان الروح ساكنًا فينا وهو حارسنا، فما الحاجة للوصية؟ لكي نتمسك بالروح ولا نجعله يهجرنا[14].]

  1. مساندة أولاده له:

لقد هجر البعض الرسول وهو في السجن في اللحظات الحرجة، واعتبر الرسول هذا التصرف نوعًا جديدًا من المشقات التي يحتملها من أجل السيد المسيح، بينما يقف البعض بجواره. كان هذا التصرف منقوشًا في قلب الرسول الرقيق المشاعر، فهو يصلي من أجلهم حتى يكافئهم بالسماويات.

أنت تعلم هذا أن جميع الذين في آسيا ارتدوا عني،

الذين منهم فِيجَلُّس وهَرموجانِس.

ليُعطِ الرب رحمة لبيت أُنيسيفورُس،

لأنه مرارًا كثيرة أراحني، ولم يخجل بسلستي،

بل لما كان في رومية طلبني بأوفر اجتهاد فوجدني.

ليُعطِه الرب أن يجد رحمة من الرب في ذلك اليوم.

وكل ما كان يخدم في أفسس أنت تعرفه جيدًا” [١٥–١٨].

قدم الرسول لتلميذه مثالاً للذين هجروه وقت آلامه، وهم “جميع الذين في آسيا“، هؤلاء الذين كانوا في روما وقد ارتدوا عنه. وقد قصد بآسيا هنا الولاية الرومانيّة في آسيا الصغرى، والتي كانت عاصمتها أفسس. هؤلاء الذين من آسيا إمّا أنهم وُجدوا في روما أثناء سجنه، أو جاءوا معه إليها كما فعل ديماس (٤: ١٠).

كان الرسول في سجنه محتاجًا إلى محبتهم وخدمتهم لكنهم قدموا جفافًا عوض الحب، بل استغلوا سجنه لعمل انشقاق في الكنيسة وإثارة هياج ضده، أو لعلهم خافوا من نيرون، فخجلوا من بولس السجين. على أي الأحوال، كان تصرفهم هذا صليبًا حمله الرسول بقوة من أجل الإنجيل. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [أشار الرسول إلى سلوكهم دون أن يلومهم، إنما مدح ذاك الذي أظهر حنوًا، طالبًا له آلاف البركات لكي تحل عليه[15].]

لقد طلب رحمة لبيت أُنيسيفورُس[16]، وهو ابن للقديس بولس في الإيمان، قَبِلَ الإيمان على يديه في أيقونيّة، عمل كتاجر في أفسس، وقد أراح الرسول أثناء سجنه، ربما اهتم بتضميد جراحاته، أو قام بزيارته مرارًا في السجن، مُعَرِّضًا حياته للخطر.

يرى غالبية المفسرين أن أُنيسيفورُس كان قد انتقل من العالم في ذلك الحين، وقد طلب الرسول أن يجد رحمة لدى الله في يوم الرب العظيم. وقد أُخذ هذا النص كمثال للصلاة من أجل الراقدين. فنطلب لهم الراحة لا بمعنى أن الصلاة عنهم تسند الأشرار غير التائبين، وإنما نطلب عنهم من أجل أي توانٍ أو تفريط سقط فيه المؤمنون. لهذا تصلي الكنيسة في أوشيّة (صلاة) الراقدين، هكذا: [إن كان قد لحقهم توان أو تفريط كبشر وقد لبسوا جسدًا وسكنوا في هذا العالم، فأنت كصالحٍ ومحبس البشر، اللهم انعم لهم بغفران خطاياهم.] وقد حوت جميع القداسات الرسوليّة صلوات عن الراقدين.

يقول القديس ديوناسيوس الأيوباغى: [إن كانت خطايا المتوفي حقيرة فتجد منفعة مما يعمل بعده، وإن كانت باهظة ثقيلة فقد أغلق الله الباب في وجهه[17].]

ويقول القديس أغسطينوس: [تُقدَّم القداسات من أجل المؤمنين المنتقلين، فإن كانوا صالحين تُدعى شكرًا، وإن كانوا أشرارًا فلا تفيدهم شيئًا، ولكنها تكون تعزية للأحباء[18].]

يقول القس روبرتسون: [يقينًا أن أُنيسيفورُس كان ميتًا عندما كتب بولس الرسول هذه الكلمات التي تعتبر دليلاً معقولاً على أن موت أي شخص لا يحرمنا من الحق أو الواجب للصلاة عنه، ويقينًا أن أمثال هذه الصلاة من أجل الموتى توجد في قداسات العصور المسيحية الأولى، وهي إلى الآن تكون جزءًا من القداسات المستخدمة في جزء كبير من العالم المسيحي[19].]

 

[1] In 2 Tim. hom 2.

[2] Ep. 2: 10 (ترجمة مدام عايدة حنا بسطا)

[3] in 2 Tim. hom 1.

[4] Ep. 2: 10.

[5] للمؤلف: الحب الأخوي، ١٩٦٤، ص ٢٨٧..

[6] In 2 Tim. hom 1.

[7] للمؤلف: رسالة بولس الرسول الأولى إلى تيموثاوس، ١٩٨٢، ص ١١.

[8] In 2 Tim. hom 2.

[9] In 2 Tim. hom 2.

[10] In 2 Tim. hom 2.

[11] In 2 Tim. hom 2.

[12] In 2 Tim. hom 2.

[13] لدراسة سكنى الروح القدس فينا، وهل هو يهجرنا أم لا، راجع مقال: “لا تطفئوا الروح” للقديس مار فيلوكسينوس.

[14] In 2 Tim. hom 3.

[15] In 2 Tim. hom 3.

[16] اسم يوناني يعني “يجد راحة”.

[17] القس مرقس داود: تفسير رسالتي بولس الرسول الأولى والثانية إلى تيموثاوس (لمتى هنري)، ١٩٧٥، ص ١٣٠.

[18] القس مرقس داود: تفسير رسالتي بولس الرسول الأولى والثانية إلى تيموثاوس (لمتى هنري)، ١٩٧٥، ص ١٣٠.

[19] Rev. Robertson: The Expostior’s Bible, p. 324–9.

تفسير رسالة تيموثاوس الثانية 1 الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة تيموثاوس الثانية – المقدمة – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة تيموثاوس الثانية – المقدمة – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة تيموثاوس الثانية – المقدمة – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة تيموثاوس الثانية – المقدمة – القمص تادرس يعقوب ملطي

 

رسالة بولس الثانية إلى تيموثاوس

القمص تادرس يعقوب ملطي

 

مقدمة

لهذه الرسالة أهمية خاصة، فقد سجلها رسول الأمم معلمنا بولس الرسول لأحب تلميذ له، وشريك معه في الخدمة الرسولية، القديس تيموثاوس، الذي سامه أسقفًا على أفسس. إنها آخر ما سجله الرسول بولس في سجنه الثاني وهو ينتظر يوم استشهاده. فقد كان في حنين أن يلتقي معه، ليقدم له وصاياه الوداعية، لكنه خشي ألاَّ يسعفه الوقت فقدم كل ما في قلبه كخادمٍ، مسجلاً وصاياه الوداعية لابنه الخاص.

 

المكان الذي أُرسِلَت إليه

كتب الرسول بولس هذه الرسالة إلى القديس تيموثاوس، الذي كان يخدم في أفسس ويرعى شعبها، والدليل على ذلك هو:

  1. طلب منه أن يسلم على أنيسيفورس (٤: ١٩)، الذي كان في أفسس (١: ١٨).
  2. أوصاه أن يمر على ترواس عند قدومه إليه في روما (٤: ١٣)، وكانت ترواس تقع في الطريق الممهد بين أفسس وروما كما يُفهم من (أع ٢٠: ٥؛ ٢ كو ٢: ١٢).
  3. حذره من اسكندر النحاس (٤: ١٤) الذي كان في أفسس (أع ١٩: ٣٣؛ ١ تي ١: ٢٠).
  4. أمره أن يبادر إليه (٤: ٩)، وزاد على ذلك قوله: “أما تيخيكس فقد أرسلته إلى أفسس” (4: 12)، وكأنه قد بعث به إلى أفسس لينوب عن القديس تيموثاوس أثناء رحيله.
  5. الأضاليل والأخطاء التي طالب القديس تيموثاوس بمقاومتها هي بعينها المذكورة في الرسالة الأولى، وكأن القديس تسلم الرسالة في ذات البلد التي تسلم فيها الرسالة الأولى، أي أفسس.

 

تاريخ كتابتها

يظهر من هذه الرسالة أن الرسول كتبها وهو في سجن روما (١: ٨، ١٦؛ ٤: ٦). وليس في سجنه الأول بل الأخير، حوالي سنة ٦٧ أو ٦٨ م. فقد سجن في روما مرتين. في السجن الأول كان داخل السجن نفسه، أما في الثاني فأقام في بيت استأجره، فكان السجن بالنسبة له “تحديد إقامة” أكثر منه سجنًا.

يظهر أن هذه الرسالة كتبت أثناء سجنه الثاني من الأدلة التالية:

  1. لم يكن يتوقع انطلاقه من السجن سريعًا وتركه روما كما جاء في رسالته إلى أهل فيلبي (١: ٢٤؛ ٢ : ٢٤)، وفي رسالته إلى فليمون (في ٢٢)، بل على العكس كان يتوقع استشهاده، إذ يقول: “فإني الآن أسكب سكيبًا ووقت انحلالي قد حضر” (٤: ٦).
  2. يرى البعض أن الرسول يشير إلى سجنه الأول وما لازمه من محاكمة انتهت بالإفراج عنه وانطلاقه للخدمة، إذ يقول: “في احتجاجي الأول لم يحضر أحد معي، بل الجميع تركوني، لا يحسب عليهم! ولكن الرب وقف معي وقواني لكي تتم بي الكرازة، ويسمع جميع الأمم، فأُنقذت من فم الأسد” (٤: ١٦، ١٧). وإذ كان غالبية الدارسين يرون أن الرسول يتحدث هنا عن ظهوره أمام نيرون مرة، وأن القضية قد تأجلت ليظهر مرة أخرى، وأن الكرازة قد التهبت خلال خدمته ما بين المحاكمتين وهو في السجن.
  3. يطلب الرسول منه أن يُحضر الرداء الذي تركه في ترواس عند كاربس (٤: ١٣)، والكتب أيضًا ولاسيما الرقوق؛ هذا يظهر أن الرسول قد قُبض عليه في المرة الثانية بأمر روماني كطلب نيرون في وقت لم يكن متوقعًا فيه فلم يجد الوقت لجمع هذه الأشياء.
  4. أسماء بعض الأشخاص الواردة في الرسائل التي كتبها أثناء سجنه الأول لم تذكرُ هنا، مما يبدو أنهم غائبون عنه، هذا يدل على أن هذه الرسالة لم تكتب في السجن الأول. ففي رسالته إلى كولوسي يذكر أن معه تيموثاوس ومرقس وديماس (كو ١: ١؛ ٤: ١؛ ٤: ١٤)، أما هنا فيكتب إلى تيموثاوس المقيم في أفسس، ويطلب منه أن يحضر معه مار مرقس الرسول (٤: ١١)، كما يقول عن ديماس أنه قد تركه (٤: ١٠).

 

غرض الرسالة

  1. كتب الرسول إلى تلميذه لكي يحضر ومعه مار مرقس، ليلتقي معهما في السجن قبل استشهاده، لكنه خشي أن يستشهد قبل وصولهما، لهذا قدم في هذه الرسالة وصايا وداعية أبويّة يؤكد فيها ضرورة الجهاد بروح القوة لا اليأس، من أجل الحفاظ على الإيمان المستقيم، ومقاومة الهرطقات بحزم مع وداعة ومحبة، كما يلهب فيهما تلمذة الآخرين للمساندة في الخدمة.
  2. يكتب الرسول وهو ينتظر استشهاده في روما إلى كنيسة تجتاز محنة الألم تحت نير نيرون الظالم، لذا كتب يشجع الكنيسة على احتمال الألم بغير تذمر أو شك. كما يكرر عبارة “لا تخجل“، فالضيق لا يقيد كلمة الإنجيل، بل يسند الكثيرين للعمل بلا خجل من صليب ربنا يسوع المسيح.
  3. جاءت هذه الرسالة يقدمها خادم منتصر يودع عالمًا مملوءً بالضيق. إنه يعلن تمام جهاده وحفظه للوديعة الإيمانية حتى النفس الأخير منتظرًا الإكليل الأبدي.

 

أقسام الرسالة ومحتوياتها

  1. تحية افتتاحية ص ١ : ١ – ٥.
  2. روح القوة ص ١ : ٦ – ١٨.
  3. الجهاد مع الخدمة ص ٢.
  4. مقاومة روح الضلال ص ٣.
  5. وصايا وداعية ص ٤.

تفسير رسالة تيموثاوس الثانية – المقدمة – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة تيموثاوس الأولى 3 الأصحاح الثالث – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة تيموثاوس الأولى 3 الأصحاح الثالث – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة تيموثاوس الأولى 3 الأصحاح الثالث – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة تيموثاوس الأولى 3 الأصحاح الثالث – القمص تادرس يعقوب ملطي

الأصحاح الثالث سمات الرعاة وواجباتهم

بعد أن تحدث عن العبادة الكنسية العامة، مركزًا على الصلاة من أجل الجميع حتى الوثنيين، كما قدم السيد نفسه فدية عن الكل، مشتاقًا أن يدخل بالكل إلى خلاصه، موصيًا إيانا أن نكون رجالاً روحيين نبسط أيادي مقدسة طاهرة، تسند صلواتنا بالعمل الروحي، وأن تكون نفوسنا كامرأة مزينة لعريسها بالمجد الداخلي عوض الزينة الخارجية، يتحدث الآن عن الرعاة أنفسهم:

  1. سمات الأسقف ١ – ٧.
  2. سمات الشماس ٨ – ١٣.
  3. نظرة الراعي للكنيسة ١٤ – ١٦.
  4. سمات الأسقف

“صادقة هي الكلمة إن ابتغى أحد الأسقفية فيشتهي عملاً حسنًا”  [١].

شهوة الأسقفية ليست شهوة للسلطة والكرامة، وإنما هي شهوة غسل أقدام الآخرين وبذل الذات من أجل كل أحد في المسيح يسوع. ففي الكنيسة الأولى كان الأسقف هو الأب الذي يتعرض للاضطهادات والعذابات والنفي من أجل الدخول بالبشرية إلى الحياة الإيمانية الحية، وحتى في فترات الهدوء النسبي لم يكن يشعر الأسقف أنه صاحب الكرامة والسلطان بالرغم من محبة أولاده له، إنما يشعر بالحري بالتزامه الأبوي نحو كل أحد.

  • إن كان لأحد هذه الرغبة فلا يشتهي السيطرة والسلطة، وإنما يرغب في حماية الكنيسة (روحيًا)، فأنا لا ألومه. فإنه حتى موسى اشتهى الوظيفة لا السلطة، فعرضته شهوته للتوبيخ الساخر: “من أقامك رئيسًا وقاضيًا علينا؟” (أع ٧: ٢٧، خر 2: ١٤). من يشتهي هذه الوظيفة بهذه الكيفية فليشتهيها، لأن الأسقفية دعيت هكذا (ابسكورس) بكونها “نظارة” على الكل[1].
القديس يوحنا الذهبي الفم

يتحدث القديس يوحنا الذهبي الفم في شيء من التفصيل عن “شهوة الأسقفية”، موضحًا الفرق بين شهوة الخدمة الباذلة ونوال الرتبة للسلطة، إذ يقول في كتابه “عن الكهنوت”:

  • توجد صفات كثيرة يجب أن يتحلى بها الكاهن، فقبل كل شيء يجب أن يتطهر من شهوة الحصول على هذه الرتبة، لأنه إن اشتهى هذه الكرامة، حالما يصل إليها تزداد فيه شهوة حب الكرامة اضطرامًا، حتى إذا استعبد لها يتردى في شرور كثيرة مثل التملق والمداهنة ويخضع لأمورٍ كثيرة – وهذا هو سبب المذابح التي عمت الكنائس، والخراب الذي حلَّ بالمدن، بسبب التشاحن على الرئاسة. ولا يظن أحد إني أعارض القديس بولس الرسول حين يقول: “إن ابتغى أحد الأسقفية فليشتهي عملاً صالحًا”، فإني لا أقول إن اشتهاء الاسقفية أمر ردئ، لكن الردئ هو رغبة التسلط وحب الرئاسة.[2]]

أما سمات الأسقف فهي:

أ. بلا لوم

  • كل فضيلة إنما تدخل في هذه الكلمة، فإن شعر أحد في نفسه بخطية ما، ليس له أن يشتهي العمل الذي لا تؤهله له صفاته. فإن مثل هذا الإنسان يليق به أن يكون تحت التدبير لا أن يدبر الآخرين. فمن يدبر يلزمه أن يكون أكثر بهاءً من أي كوكب منير، تكون حياته بلا عيب، يتطلع الكل إليه، فيرون في حياته نموذجًا لهم[3].

 القديس يوحنا الذهبي الفم

  • ليعرف الإنسان إذًا قدر نفسه، حتى لا يتجرأ أحد فيأخذ لنفسه منصب الرعاية بينما لا تزال الرذيلة تسيطر عليه وتتسبب في إدانته، فإن الذي أفسدته الآثام لا يجب أن يشفع من أجل آثام غيره[4].

البابا غريغوريوس (الكبير)

وقد فسر هذا الأب الكلمات الإلهية لموسى النبي عن الرجل الذي يتقدم ليقرب خبز إلهه ألا يكون فيه عيب (تث ٢١: ١٧– ٢١) بطريقة رمزية، فيها يُستعبد الإنسان الذي يحمل عيبًا روحيًا من الخدمة الكهنوتية والعمل الرعوي، إذ يقول الرب: “لأن كل رجل فيه عيب لا يتقدم، لا رجل أعمى ولا أعرج ولا أفطس ولا زوائدي ولا رجل فيه كسر رجل أو كسر يد ولا أحدب ولا أكشم ولا من في عينه بياض ولا أجرب ولا أكف ولا مرضوض الخصي”.

فالكاهن (أيا كانت درجته) يلزم ألا يكون أعمى، بل يرى بهاء التأمل السماوي، ولا أعرج، بل يعرف أن يسير في طريق الحق، ولا أفطس، إنما قادر على التمييز الروحي، ولا يكون كالزوائدي الذي يتدخل في شئون الآخرين بإفراط ويفرضون أنفسهم عليهم ولا مكسور الرجل أو اليد أو عاجز عن الحركة والعمل الخ[5].

ب. بعل امرأة واحدة

  • لم يضع الرسول هذا الأمر قاعدة بأنه يجب أن يكون له امرأة واحدة، إنما يمنع أن تكون له أكثر من امرأة واحدة، إذ كان يُسمح لليهود بالزواج الثاني (بعد وفاة الأولى أو تطليقها) بل وأن يكون له زوجتان في وقتٍ واحد[6].

القديس يوحنا الذهبي الفم

بمعنى آخر لا يلزم الرسول الأسقف أن يكون متزوجًا لكنه يرفض سيامة من يتزوج للمرة الثانية حتى وإن كانت الأولى قد ماتت أو طُلقت. إنه يكتب في بدء انطلاق الكنيسة حيث كان تعدد الزوجات مباحًا وشائعًا عند الأمم، فإن دخل أحدهم الإيمان المسيحي لا يُقام أسقفًا إن كان قد سبق فتزوج أكثر من مرة. لقد أراد أن يختار الأسقف أكثر الناس عفة ونقاوة. أما وقد انفتح باب الرهبنة فقد وجد بيننا بتوليين لذلك صار الأسقف يُسام من بين البتوليين.

ج. صاحيًا

  • هذا يعني أن يكون حذرًا، له آلاف الأعين حوله، سريع النظر، أعين ذهنه غير مظلمة[7].

 القديس يوحنا الذهبي الفم

وكأن الأسقف بكونه الناظر على شعب الله يليق به أن يكون ذا بصيرة متقدة، صاحيًا وواعيًا على خلاص نفسه وخلاص إخوته وأولاده الروحيين، لا تربكه الأمور الإدارية ولا تلهيه المشاكل العامة أو الخاصة عن رسالته الروحية.

  • يليق به أن يكون ساهرًا، حارًا في الروح كمن يتنسم نارًا! يلزمه أن يعمل دومًا مؤديًا واجبه نهارًا وليلاً أكثر من قائد ملتزم نحو جيشه! يليق به أن يكون حريصًا يهتم بالجميع!”

القديس يوحنا الذهبي الفم

د. عاقلاً

 أي رزينًا يتصرف بحكمة وتمييز، وفي اعتدال، لا يكون متطرفًا يمينًا أو يسارًا، يعرف كيف يوجه أولاده بحكمة واتزان. يهتم بالأمور الروحية لشعبه دون تجاهل لاحتياجاتهم النفسية والاجتماعية والجسدية، يوجههم كل حسب موهبته الخاصة به، وليس حسب ميول الأسقف الشخصية.

في حديثنا عن الحب الرعوي رأينا التزام الكاهن، أيا كانت درجته، أن يكون حكيمًا في معاملته لأولاده يعرف كيف يعامل الأحداث والشيوخ والفقراء والأغنياء والمتزوجين والبتوليين والمتجاسرين الخ. كل حسب ظروفه وإمكانياته حتى لا يفقد أحدًا ولا يدلل أحدًا[8].

ه. محتشمًا

يليق بالكاهن أن يكون محتشمًا في ملبسه كما في تصرفاته وكلماته، فالاحتشام صفة تمس القلب في الداخل وتنعكس على كل الأحاسيس والتصرفات، وقد سبق لنا الحديث في هذا الأمر[9]. من أمثلة الاحتشام عدم استخدام الفكاهات غير اللائقة، والهزل المفسد للنفس، وعدم إعطاء اهتمام خاص ببعض النساء أو الفتيات الخ.

و. مضيفًا للغرباء

استضافة الغرباء علامة إتساع القلب بالحب العملي، لهذا يمدح الرسول أهل رومية، قائلاً: “مشتركين في احتياجات القديسين، عاكفين على إضافة الغرباء” (رو ١٢: ١٣)، كما يقول في الرسالة إلى العبرانيين: “لا تنسوا إضافة الغرباء، لأن بها أضاف أناس ملائكة وهم لا يدرون” (عب ١٣: ٢). فمن لا يختبر الحب العملي قبل سيامته كيف يقدر أن يقدم حياته بالحب عن شعبه خلال اسقفيته؟

كان المؤمنون والخدام في الكنيسة الأولى يجولون كثيرًا بسبب الاضطهاد، لذا كانوا ينزلون على بيوت المؤمنين، خاصة بيت االأسقف. لهذا يقول هرماس في كتابه “الراعي”: [يجب أن يكون الأسقف مضيفًا للغرباء، يرحب بسرور وفي كل وقت بخدام الله القادمين إلى بيته.]

ز. صالحًا للتعليم

لا يكفي أن يكون الأسقف بلا عيب، ذا معرفة روحية مستقيمة وغيرة متقدة، إنما يلزم أن تكون له موهبة التعليم، الأمر الذي لا يتوفر في الكثيرين.

  • هذه ليست مطلوبة فيمن هم تحت التدبير، لكنها أساسية فيمن يعهد إليه أمر التدبير[10].

 القديس يوحنا الذهبي الفم

  • اهتم بالكلام أيها الأسقف، وإن كنت تقدر أن تفسر ففسر كلام الكتب، اشبع شعبك واروه من نور الناموس فيغتني بكثرة تعاليمك[11].

 الدسقولية

ح. غير مدمن الخمر

كانت المسكرات ممنوعة على كهنة اليهود مدة خدمتهم (لا ١: ٩)، هكذا يليق بالأسقف المسيحي ألا يكون محبًا للمسكرات علامة شبعه بالخمر الروحي الحقيقي، خمر الروح القدس المفرح للنفس.

  • الانغماس في الخمر هو من أخطاء الشرهين والمترفين، فعندما يسخن الجسد بالخمر للحال تثور فيه الشهوة. فشرب الخمر معناه التساهل مع النفس، وهذا يعني التنعم الحسي. والتنعم الحسي يعني كسر العفة. فالإنسان الذي يعيش متنعمًا يكون ميتًا وهو حيّ (١ تي ٥: ٦). وأما الذي يشرب الخمر فلا يكون ميتًا بل مدفونًا. إن ساعة واحدة من الخلاعة جعلت نوح يتعرى بعدما استتر ستين عامًا بوقارٍ (تك ٩: ٢٠-٢١)[12].

القديس چيروم

ط. غير ضرّاب

في العهد القديم إضطر نحميا في غيرته المقدسة أن يضرب المتزوجين بوثنيات أجنبيات، إذ يقول: “فخاصمتهم… وضربت منهم أناسًا” (نح ١٣: ٢٥). لكن المسيحية تطلب التقديس الداخلي للنفس فلا تستخدم وسائل العنف، حتى يتحقق الإصلاح الداخلي بكامل حرية الإنسان، وقد أمرت القوانين الرسولية بتجريد الأسقف أو الكاهن أو الشماس الذي يضرب مؤمنًا عندما يخطيء.

وقد استبعد القديس يوحنا الذهبي الفم أن يوجد أسقف يفعل مثل هذه الحماقة التي لا تليق به، لهذا يرى في كلمات الرسول أنها لا تعني المفهوم الحرفي بل الرمزي، قائلاً: [هذه لا تعني أنه ضرّاب بيديه… فإن البعض يضرب ضمير الإخوة، هذا ما يبدو لي أن الرسول يقصده[13].]

ى. غير طامع بالربح القبيح ولا محب للمال

 إن ارتبط قلب الإنسان بالربح ولو كان قليلاً؛ إن كان محبًا للمال، فإنه إذ يتسلم قيادة شعب لا يطلب ما لهم على حساب نفسه، أي لا يكون باذلاً يعرف أن ينفق كل ماله ويبذل حياته عنهم، إنما يطلب ما لنفسه، فيفسد كنيسة الله، ويغتنمها لحسابه الخاص.

ك .حليمًا غير مخاصم

يحمل روح سيده الذي “لا يخاصم ولا يصيح ولا يسمع أحد في الشوارع صوته” (مت ١٢: ١٩). يملك السيد المسيح على القلوب بالحلم والوداعة، هكذا يليق بالأسقف أن يعيش بروح سيده ليقدم لشعب الله صورة حية للملك الوديع الذي يغلب الشر بالخير، ويقتل كل خصام بالحب!

ل. يدبر بيته حسنًا

له أولاد في الخضوع بكل وقار، وإنما إن كان أحد لا يعرف أن يدبر بيته، فكيف يعتني بكنيسة الله؟ من لا يعرف أن يدبر كنيسة بيته الصغيرة والتي تخضع له حسب قانون الطبيعة، تسنده في ذلك القوانين الوضعية والكنسية، فكيف يقدر أن يتسلم قيادة الكنيسة التي لا تُلزم القوانين أعضاءها بالخضوع له إلاَّ خلال سلطان الحب الروحي والإيمان؟

إن كان الأسقف يُختار من بين البتوليين، فإنه يلزم أن يكون له أولاد في الخضوع في الروح. فمن لا يعرف أن يقتني له في المسيح أولادًا خلال الإنجيل قبل سيامته، كيف يقدر أن يربح أولادًا لله وسط مسئوليات الأسقفية الضخمة؟!

م. غير حديث الإيمان

غير حديث الإيمان لئلا يتصلف، فيسقط في دينونة إبليس [٦]. لم يقل غير حديث السن بل “غير حديث الإيمان”، فالقديس تيموثاوس كان حديث السن لكنه كان ناضجًا في الإيمان. حداثه الإيمان ربما تحمل غيرة متقدة نحو الخدمة، لكنها تحمل خطر الاعتداد بالذات والتصلف، فيخسر الإنسان نفسه بالكبرياء ويهلك من هم تحت تدبيره.

ن. له شهادة من الذين في الخارج

“ويجب أيضًا أن تكون له شهادة حسنة من الذين هم خارج لئلا يسقط في تعيير وفخ إبليس” [٧]. قد يشهد المؤمنون لعضوٍ من بينهم شهادة حسنة، لكن شهادة الأمم له هي ختم لهذه الشهادة، فإن النور لا يستطيع أحد أن ينكره حتى ون كان يرفضه، والحياة الصالحة مشهود لها حتى من الأعداء.

  • حسن للصالحين أن يكون لهم صيت حسن لدى أعدائهم… لماذا لم يتكلم أحد ضد الرسل مدعيًا أنهم زناة أو دنسون أو طماعون أو مخادعون، وإنما كانوا ضد كرازتهم فقط؟ أليس لأن حياتهم بلا غبار؟ لقد كان ذلك واضحًا! فلنحيا هكذا فلا يقدر عدو أو غير مؤمن أن ينطق بالشر ضدنا، فمن كانت حياته فاضلة يكرمه حتى هؤلاء. إن الحق يغلق أفواه الأعداء… كما لا يستطيع أحد أن يقول عن الشمس أنها مظلمة حتى وإن كان أعمى، إذ يخجل ويخشى أن يلومه الكل، هكذا من كان صلاحه واضحًا لا يلومه أحد[14].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • يلزم أن يكون الأسقف المسيحي هكذا: إن الذين يكابرون معه في العقيدة لا يقدرون أن يكابروا في حياته[15].

القديس چيروم

  1. سمات الشماس

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لقد ناقش ما يخص الأساقفة ووصف سماتهم والمؤهلات التي يلزم توافرها فيهم، عابرًا على الكهنة ليتحدث عن الشمامسة. أما سبب عدم حديثه عنهم فهو عدم وجود فرق كبير بين الأساقفة والكهنة، فالكل يتعهد بوظيفة التعليم والرئاسة في الكنيسة، فما يقوله عن الأساقفة ينطبق على الكهنة، وإنما يمتازون عنهم بسلطان السيامة، ويبدو أنه لم يكن لهم أية ميزة أخرى[16].]

أما سمات الشمامسة فهي:

أ. أن يكونوا ذوي وقار: “كذلك يجب أن يكون الشمامسة ذوي وقار” [ 8]. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم قائلاً: [هذا يعني أنه يجب أن تكون لهم ذات سمات الأساقفة. ما هي هذه السمات؟ أن يكونوا بلا عيب، وقورين، محبين لاستضافة الغرباء، صبورين، غير مخاصمين ولا طماعين. يظهر ذلك من قوله “كذلك”، ويوضحه بقوله “يكونون ذوي وقار لا ذوي لسانين” أي غير فارغين ولا مخادعين. فإنه ليس من شيء يحط من شأن الإنسان مثل الخداع، وليس ما يضر الكنيسة مثل عدم الإخلاص[17].]

ب. غير مولعين بالخمر الكثير ولا طامعين بالربح القبيح، ولهم سرّ الإيمان بضمير طاهر [٩]. إنها ذات السمات التي سبق لنا الحديث عنها بخصوص الأساقفة. فإنه مع وجود اختلاف كبير في الدرجة الكهنوتية والمسئولية لكن كعاملين معًا في كرمٍ واحد يلزم أن يحملوا السمات التي تليق بصاحب الكرم، ويكون لهم روحه القدوس الواحد. وكما يقول الرسول بولس: “فأنواع مواهب موجودة ولكن الروح واحد، وأنواع خدم موجودة ولكن الرب واحد، وأنواع أعمال موجودة ولكن الله واحد الذي يعمل الكل في الكل” (١ كو ١٢: ٤–٧).

هذا ويلاحظ أن الأسقف يُختبر أولاً بكونه قد مارس العمل الكنسي في درجة كهنوتية أقل، أما الشماس وهو ينال أول درجة كهنوتية فإنه لا يتمتع بها قبل اختياره، لذلك يؤكد الرسول: “وإنما هؤلاء أيضًا ليختبروا أولاً”.

ج. يكمل الرسول حديثه قائلاً: “كذلك يجب أن تكون النساء ذوات وقار غير ثالبات، صاحيات، أمينات في كل شيء” [11]. ويرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن الحديث هنا لا يخص النساء بوجه عام وإنما يخص “الشماسات”، إذ يقول: [ليُفهم هذا عن الشماسات، فإن نظام الشماسات ضروري ونافع ومكرم في الكنيسة]. ويرى البعض أن الحديث هنا عن زوجات الشمامسة.

د. “ليكن الشمامسة كل بعل امرأة واحدة، مدبرين أولادهم وبيوتهم حسنًا” [١2]. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم هكذا: [أنظر كيف يطلب في الشمامسة ذات فضائل الأساقفة، وإن كانوا ليسوا في درجة مساوية لهم، لكن يلزم أن يكونوا (مثلهم) بلا لوم وطاهرين، مدبرين أولادهم وبيوتهم حسنًا[18].]

يختم الرسول حديثه عن الشمامسة بقوله: “لأن الذين تشمسوا حسنًا يقتنون لأنفسهم درجة حسنة وثقة كثيرة في الإيمان الذي بالمسيح يسوع” [١٣]. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [كأنه يقول من يوجد صاحيًا في الدرجة الأقل يرتفع إلى درجة أعلى]، أي ينتقل من درجة الشموسية إلى القسيسية.

3. نظرة الراعي إلى الكنيسة

هكذا أكتبه إليك راجيًا أن آتي إليك عن قريب، ولكن إن كنت أبطيء، فلكي تعلم كيف يجب أن تتصرف في بيت الله الذي هو كنيسة الله الحي عمود الحق وقاعدته[١٤]. ربما خشي الرسول أن يُصاب القديس تيموثاوس بشيء من الضيق، فقد وعده بالحضور إليه، لذلك يؤكد له أنه سيحضر فإن تأخر فلا يكتئب، فإن الروح القدس يسمح بهذا لأجل البنيان. إنها فرصة نادرة للقديس تيموثاوس أن يبذل مجهودًا أعظم كخادم لكنيسة الله الحيّ، عمود الحق وقاعدته، فينال إكليلاً أعظم. غياب الرسول بولس لا يكون بالنسبة له سرّ تحطيم أو تعب، إنما فرصة عمل أكثر ومجهود أعظم كخادم السيد المسيح.

لقد وجد الرسول فرصة ليكشف للقديس تيموثاوس كأسقف الكنيسة عن مفهوم الكنيسة التي يرعاها، إذ يقول: “وبالإجماع عظيم هو سرّ التقوى: الله ظهر في الجسد، تبرر في الروح، تراءى للملائكة، كرز به بين الأمم، أومن به في العالم، رفع في المجد” [ ١٦].

ما هي كنيسة المسيح التي يرعاها الأسقف ويخدم فيها الشمامسة؟

أ. عمود الحق وقاعدته: يرى القديس بولس الكنيسة كلها كجماعة المؤمنين، يقومون على الحق كعمود يرتكزون عليه وكقاعدة بدونه ينهار كل البنيان. فإن كان الغنوسيون يهتمون بالمعرفة كأساس للخلاص، فالرسول يرى في الكنيسة أولاً وقبل كل شيء دخولاً إلى الحق، لكنه الحق المجاني الذي يقدمه الله للجميع ولا يخصه بفئة دون أخرى.

الكنيسة هي العمود الذي أقامه أبونا يعقوب، وصب زيتًا على رأسه (تك ٢٨: ١٨) علامة تكريسه للرب بالروح القدس. إنها عمود الدخان الصاعد من البرية المعطّر بالمر واللبان وبكل أذرة التاجر (نش ٣: ٦)، ترتفع خلال دخان الذبيحة الذي لا يفسد العينين، بل يفتحها لرؤية الحق السماوي، معطرة بآلام عريسها (المر) ورائحته الزكية (اللبان).

هذه هي رؤية الراعي الحقيقي لكنيسة المسيح، وكما يقول القديس چيروم: [لا تضم الكنيسة حوائط (ومباني) وإنما تضم حقائق تعاليمها. هي الإيمان الحق! في الحقيقة كانت المباني الكنسية منذ ١٥ و ٢٠ عامًا في أيدي الهراطقة بأكملها، لكن الكنيسة الحقيقية كانت قائمة حيث يوجد الإيمان الحق[19].] بمعنى آخر الكنيسة بكونها الإيمان الحق لا يمكن أن تُغلب مهما كانت الظروف المحيطة بالمؤمنين!

ب. تمتع بسرّ التقوى: ليست الكنيسة مجرد معرفة عقلية للحق كما تخيل الغنوسيون، وإنما هي دخول عملي إلى الحق خلال الحياة التقوية التي صارت لنا بالتجسد الإلهي. لذا يقول الرسول: “عظيم هو سرّ التقوى، الله ظهر في الجسد”.

إن كانت الكنيسة هي عمود الحق المرتكز على ذبيحة السيد المسيح الفريدة والمقبولة لدى الآب رائحة رضا، إنما هذا الحق يتحقق خلال تجسد كلمة الله كطريق لتقديم الذبيحة وقبول الصليب، وباب لدخولنا إلى الحياة الجديدة باتحادنا مع الله الآب في ابنه. لقد حلّ بيننا وحمل طبيعتنا حتى نوجد نحن فيه، ننعم بحياته وسماته وشركة أمجاده! هذا هو الحق العملي الذي قُدم لنا خلال الإنجيل في ربنا يسوع المسيح.

لقد أنكر الغنوسيون حقيقة التجسد برفضهم أن السيد يحمل جسدًا حقيقيًا، بهذا ينكرون الحياة التقوية التي صارت لنا فيه، ويحولون الحق إلى معرفة نظرية عقلانية بلا ورح ولا حياة! بمعنى آخر، التجسد الإلهي ليس عقيدة فلسفية تعتنقها الكنيسة للمجادلة، وإنما هي سرّ حياتها التقوية وأمجادها الداخلية!

ج. تبرر في الروح: ما هي الكنيسة إلاَّ قبول الروح القدس الذي وهبه لنا الله، هذا الذي يدخل بنا إلى الثبوت في المسيح يسوع ربنا، لا لنغتسل بدمه الكريم من خطايانا فحسب، إنما نحمل برّ المسيح فينا، فنُحسب في عيني الآب أبرارًا. يقول الرسول: “لكن اغتسلتم، بل تقدستم، بل تبررتم، باسم الرب يسوع وبروح إلهنا” (١ كو ٦: ١١). إن كانت الكنيسة في جوهرها هي ثبوت في المسيح، كأعضاء جسده، فإن هذه العطية تحمل من الجانب الآخر انطلاقها بالروح القدس إلى حضن الآب متبررة بالدم الكريم، حاملة سمات عريسها ورأسها!

د. تراءى لملائكة: انطلاق الكنيسة بالروح الناري، لتحيا ببرّ المسيح في حضن الآب، يجعل منها في الحقيقة “حياة سماوية” وتمتع بالطبيعة الملائكية، فتنعم برؤية الله، حيث يصير أعضاؤها أشبه بملائكة يُعلن لهم الله غير المنظور! بمعنى آخر، الكنيسة في العهد الجديد هي تجلي الابن الوحيد الجنس في وسط المؤمنين كملائكة ينعمون بحضرته ورؤيته وينعمون بسماته.

ربنا يقصد الرسول بقوله: “تراءى لملائكة” أن الملائكة الذين كانوا يرونه قبل التجسد قد أدركوه بمفهوم جديد خلال تجسده في كنيسته، رأوه  في كمال حبه الفائق خلال الصليب، وعمله الإلهي العجيب في المؤمنين الذين كانوا قبلاً خطاة وأعداء، وقد تقدسوا فيه وتبرروا وصاروا أبناء أحياء وممجدين فيه!

ه. كرز بين الأمم: إن كانت الكنيسة هي عمود الحق وقاعدته الذي يهب لن سرّ التقوى في المسيح يسوع، وينطلق بنا بالروح القدس لنحيا ببرّ المسيح، ونشارك الملائكة طبيعتهم، فإن هذا كله إنما يقدم لكل البشرية خلال الكرازة بالمسيا المخلص بين الأمم، فينعم الكل بهذه النعم الإلهية بلا تمييز ولا محاباة لأمة على حساب أمة، أو جنس على حساب آخر. وكما يقول المرتل: “إلى أقطار المسكونة بلغت أقوالهم” (مز ٤٩: ٤). أما غاية هذه الكرازة فهي رفع البشرية إلى المجد السماوي.

في اختصار نقول أن الراعي الحقيقي يرى في الكنيسة تمتعًا بالحق العملي خلال سرّ التجسد الإلهي، ودخولاً إلى الحياة التقوية في المسيح يسوع، وتبريرًا في الروح، وشركة مع الملائكة. هي سرّ انفتاح البشرية كلها على الإيمان الجامع للدخول إلى المجد العلوي، فيحيا الكل في الأحضان السماوية.

بأسلوب آخر يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذا النص، قائلاً: [حقًا عظيم هو السرّ: الله صار إنسانًا والإنسان إلها، صار الإنسان يُرى بلا خطية! صار (الإله المتأنس) مقبولاً في العالم، ومكروزًا به يراه الملائكة معنا! هذا بحق هو سرّ! ليتنا لا نحتقره… بل نحيا كما يليق بهذا السرّ[20].]

[1]  In 1Tim, hom 10.

 كلمة “ابسكوبوس” أو “أسقف” في البونانية معناها “ناظر”.

[2] De Sacr. 3 : 10 : 11.

يمكن دراسة هذه الشهوة للسلطة في كتاب “الكهنوت المسيحي” للقديس، ك ٣، ف ١٠ – ١٢ (ترجمة كنيسة السيدة العذراء بالفجالة سنة ١٩٧٤).

[3] In 1Tim. hom 10.

[4] الحب الرعوي: ١٩٦6، ص ٦٥٦.

[5] راجع التفسير الرمزي لهذه العيوب في كتاب الأب غريغوريوس (الكبير) عن الرعاية، أو كتابنا: الحب الرعوي، 1966، ص ٦٥٧ – ٦٦٢.

[6] In 1Tim. hom 10.

[7] In 1Tim, hom 10.

[8] الحب الرعوي، 1966، ص ٧٢٧ – ٧٥٩.

[9] الحب الرعوي، 1966، ص ٦٦٣ – ٦٦٨.

[10] In 1Tim. hom 10.

[11] الدسقولية، باب ٣.

[12] الحب الرعوي، ص ٦٦٨.

[13] In 1Tim. hom 10.

[14] In 1Tim. hom 10.

[15] الحب الرعوي، 1966، ص ٦٥٥.

[16] In 1Tim. hom 11.

[17] In 1Tim. hom 11.

[18] In 1Tim. hom 11.

[19] On Ps. 46.

[20] In 1Tim. hom 11.

تفسير رسالة تيموثاوس الأولى 3 الأصحاح الثالث – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة تيموثاوس الأولى 2 الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة تيموثاوس الأولى 2 الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة تيموثاوس الأولى 2 الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة تيموثاوس الأولى 2 الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

الأصحاح الثاني

العبادة الكنسية العامة

بعدما كشف الرسول لتلميذه عن مفهوم الوصية كموضوع الرعاية لكي يتسع قلبه بالحب لخدمة الجميع خاصة الأشرار، فلا ينشغل بالمباحثات الغبية، بل بخدمة الحب العملي، باذلاً كل الجهد كجندي روحي صالح، بدأ يحدثه عن العبادة الكنسية الجماعية.

  1. الصلاة من أجل كل البشرية ١ – ٧.
  2. إرشادات للرجال في العبادة ٨.
  3. إرشادات للنساء في العبادة ٩ – ١٥.
  4. الصلاة من أجل كل البشرية

“فاطلب أول كل شيء أن تقام طلبات وصلوات وابتهالات وتشكرات لأجل جميع الناس” [١].

يكشف الرسول بولس عن رسالة الكنيسة، سواء على المستوى المسكوني أو المحلي، أو على مستوى كل عضوٍ فيها. فإن الكنيسة ليست مؤسسة تنافس العالم فيما له، لكنها أولاً وقبل كل شيء هي جماعة متعبدة لله لأجل تقديس العالم، تقدم الطلبات والصلوات والابتهالات والتشكرات عن جميع الناس.

يرى الأب إسحق[1] أن ما ذكره الرسول هنا يمثل مراحل حياة الشركة مع الله التي ينعم بها المؤمن، كمراحل متصاعدة، وفي نفس الوقت متكاملة معًا. فيبدأ المؤمن بالطلبة أي السؤال عن احتياجاته الضرورية ليرتفع من الطلبة إلى الصلاة أي الالتصاق بالله والدخول معه في صلة عميقة وحب لأجل الله ذاته. خلال هذا الحب الإلهي يرتفع إلى الابتهال أو التشفع عن الآخرين، فلا يطلب ما لنفسه بل ما هو للغير، وينسى احتياجاته أمام محبته لإخوته. وأخيرًا يمارس التشكرات بكونها الحياة الملائكية التي تقوم على أساس الشكر الدائم بلا انقطاع والتسبيح لله بغير انقطاع.

على أي الأحوال، تمارس الكنيسة في صلواتها وليتورچياتها كل هذه الأنواع من الصلاة، خاصة في ليتورچيا الإفخارستيا، أي القداس الإلهي. فيطلب الإنسان من أجل نفسه لنوال غفران خطاياه والتمتع بالنمو الروحي وإشباع كل احتياجاته وأعوازه الروحية والنفسية والجسدية، وتمتزج هذه الطلبات بالصلوات فيدخل المؤمن في حديث سري مع الله في ابنه الوحيد بالروح القدس. ولا تكف الكنيسة عن ممارسة الابتهالات فتشفع عن جميع الناس، أما جوهر الإفخارستيا فهو التمتع بالحياة الجديدة الشاكرة، خلال ثبوتنا في المسيح يسوع ربنا، حتى دُعيّ القداس الإلهي بالافخارستيا أي “الشكر”.

وتحدث العلامة أوريجينوس[2] بشيء من التفصيل عن التمييز بين هذه الأنواع من الصلاة معطيًا أمثلة لذلك. فيرى أن الطلبة هي توسل برجاء أن ينال الإنسان شيئًا هو في عوز إليه، كطلبة زكريا الكاهن، إذ يقول له الملاك: “لا تخف يا زكريا لأن طلبتك قد سمعت، وامرأتك أليصابات ستلد لك ابنًا، وتسميه يوحنا(لو  : ١٣). أما الصلاة، فهي تعبير يقدم لله وحده يمثل عبادة فيها مديح له. وكما يقول أوريجينوس أنه يمكن تقديم التعبيرات الثلاث الأخرى لغير الله كأن يطلب إنسان شيئًا من آخر أو يشفع (يبتهل) عن آخر لدي أخيه، أو يشكر من صنع معه معروفًا، أما الصلاة فلا تقدم لغير الله.

من أمثلة الصلاة، ما جاء في (١ صم ١: ١٠) عن حنة امرأة القانة أنها “صلت إلى الرب وبكت بكاءً” أما البتهال ففي رأيه هو طلب يُقدم لله من أجل أمور معينة يقدمه من له ثقة أكثر من المعتاد. أما المثل الفريد في الابتهال فهو عمل الروح كقول الرسول: “لكن الروح يشفع فينا بأنات لا ينطق بها”، ولكن الذي يفحص القلوب يعلم ما هو اهتمام الروح، لأنه بحسب مشيئة الله يشفع في القديسين” (رو ٨: ٢٦–٢٧).

أخيرًا الشكر هو عرفان بالجميل مع صلاة بسبب عطية الله وبركاته. وجاء حديث السيد المسيح مع أبيه مثلاً فريدًا، إذ يحمده لأجل عطاياه التي يقدمها للبسطاء، إذ يقول الكتاب: “في ذلك الوقت أجاب يسوع وقال: أحمدك أيها الآب رب السماء والأرض، لأنك أخفيت هذه عن الحكماء والفهماء وأعلنتها للأطفال” (مت ١١: ٢٥).

ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذا النص بكونه دعوة لعمل كنسي مملوء حبًا للكل يشترك فيه الكاهن مع الشعب صباحًا ومساءً، مصلين عن البشرية كلها حتى المقاومين الوثنيين، إذ يقول: [الكاهن أب كما لو كان للعالم كله، لذا يليق به أن يهتم بالجميع كالله الذي يخدمه… وهذا يؤدي إلى نفعين: أولاً نزع الكراهية من جهة من هم من الخارج إذ لا يقدر أحد أن يشعر بالكراهية نحو من يصلي من أجله، وثانيًا أن هؤلاء أنفسهم يصيرون في حالة أفضل بفعل الصلوات المرفوعة عنهم، فيتركون وحشيتهم التي يصوبونها ضدنا، فإنه ليس شيء يجتذب البشر للتعلم مثل أن يُحبوا ويحبوا.

تطلع إلى الذين اضطهدوا المسيحيين وجلدوهم ونفوهم وقتلوهم، فإن المسيحيين كانوا يقدمون صلوات حارة لدى الله من أجل الذين عاملوهم ببربرية كهذه. وكما أن أبًا إن لطمه طفل صغير على وجهه يحمله على كتفيه، إذ أن تصرف الطفل لا ينزع عنه حنوه من جهته هكذا يليق بنا ألا نفقد إرادتنا الصالحة نحو من هم من الخارج حتى وإن ضربونا… ماذا يعني الرسول بقوله “أول كل شيء” [1]؟ أي في الخدمة اليومية وكما تعرفون كيف نقدم صلوات يومية في المساء والصباح من أجل العالم كله، عن الملوك وكل من هم في منصب[3].]

يكشف لنا هذا النص عن ممارسة الكنيسة لليتورچيات جماعية صباحية ومسائية، فيها تبتهل الكنيسة عن الملوك (الرؤساء) ومن هم في مراكز قيادية مع بقية الابتهالات عن كل البشرية. ونحن نجد في القداس الباسيلي الصلاة عنهم كجزء من الصلاة من أجل سلام الكنيسة قبل صلاه الصلح، وفي القداس الغريغوري تقدم أوشية خاصة بالملك (الرؤساء) والعاملين في البلاط (القصر) وجميع العاملين في الدولة والجند لأجل سلامهم.

“لأجل الملوك، وجميع الذين هم في منصب،

لكي نقضي حياة مطمئنة هادئة في كل تقوى ووقار” [2].

يتساءل القديس يوحنا الذهبي الفم  إن كان يمكن الصلاة من أجل ملك وثني أثناء الاحتفال بالأسرار الإلهية؟ ويجيب قائلاً: [لقد أظهر الرسول فائدة ذلك بقوله: “لكي نقضي حياة مطمئنة هادئة”. وكأنه يقول إن سلام (المسئولين) هو آمان لنا. وفي رسالته إلى أهل رومية يأمرهم بالطاعة للحكام ليس بسبب الغضب فقط بل أيضًا بسبب الضمير” (رو ٣: ٥)، فقد أقام الله الحكومة لأجل الصالح العام… ليس في تملقٍ، وإنما نطيع في اتفاق مع أحكام العدل. فإنهم إن لم يكونوا محفوظين ومنتصرين في الحروب ترتبك أمورنا حتمًا وندخل في متاعب، وإن هلكوا نتشتت[4].]

ماذا يعني الرسول بقوله: “لكي نقضي حياة مطمئنة هادئة في كل تقوى ووقار“؟ يجيب القديس يوحنا الذهبي الفم على هذا السؤال قائلاً بأنه يوجد ثلاث أنواع من الحروب: حرب تنشأ عن هجمات جيوش غريبة ضدنا، وحرب تثور فيما بيننا، والثالثة الحرب التي تنشأ داخل الإنسان نفسه. ويرى القديس أن هذه الطمأنينة وها الهدوء المذكور هنا يشير إلى هدوء النفس الداخلي، والراحة من جهة الحرب الثالثة، لذا يكمل الرسول “في كل تقوى ووقار“.

إن صلواتنا وطلباتنا من أجل جميع الناس وطاعتنا الصادقة للمسئولين تعطي سلامًا في القلب الداخلي كأبناء يحملون سمات عريسهم المحب المطيع! علاقتنا مع الآخرين لا تقوم على أساس نفعي مادي أو أدبي، ولا على أساس الخوف، وإنما على أساس إلهي، حيث نلتقي مع الجميع ونعمل على راحة الجميع من أجل الله محب البشر.

يكمل الرسول: “لأن هذا حسن ومقبول لدى مخلصنا الله الذي يريد أن جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون” [3-٤]. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم  قائلاً: [ما هو هذا المقبول؟ الصلاة من أجل جميع الناس! هذا هو المقبول لدى الله، هذه هي إرادته!… تمثل بالله، فإنه يريد أن جميع الناس يخلصون! وها هو سّر صلاة الإنسان من أجل الجميع! إن كان الله يريد أن جميع الناس يخلصون، فلترد أنت أيضًا هذا! وإذ تكون هذه هي إرادتك، فصلِ لكي تتحقق هذه الإرادة، فإن الإرادة (الرغبة) تقود إلى الصلوات[5].]

ربما يسأل أحد: هل  نصلي من أجل الأمم الوثنيين؟ يجيب القديس يوحنا الذهبي الفم: [لا تخف من أن تصلي من أجل الأمم، فإن الله يريد ذلك، إنما خف من أن تصلي ضد أحد، إذ لا يريد الله هذا. إن كنت تصلي من أجل الوثنيين فالطبع يلزمك أيضًا الصلاة من أجل الهراطقة. فلنصل من أجل الجميع ولا نضطهد أحدًا[6].]

قد يتساءل البعض: لماذا أصلي من أجلهم؟ أما تكفي إرادة الله نحوهم؟ يجيب القديس يوحنا الذهبي الفم: [للصلاة نفع عظيم لهم ولك فإنها تجتذبهم للحب، وتهبك أنت لطفًا. الصلاة قادرة على جذبهم للإيمان[7].]

أخيرًا فإن الرسول يؤكد حب الله لخلاص الجميع ليس فقط لكي نصلي في عبادتنا الكنسية والخاصة عن الجميع، إنما لينزع الثنائية الغنوسية التي تقسم المؤمنين إلى كاملين وبسطاء[8].

يربط الرسول بين الصلوات الكنسية العامة وما تحمله من حبٍ خالص نحو كل البشرية ووساطة السيد المسيح الكفارية لدى الآب عنا جميعًا، قائلاً: “لأنه يوجد إله واحد ووسيط بين الله والناس، الإنسان يسوع المسيح، الذي بذل نفسه فدية، لأجل الجميع الشهادة في أوقاتها الخاصة[ ٥-٦].

لعل الرسول بولس أراد أن يؤكد أن اتساع قلبنا بالحب نحو البشرية ليس من عندياتنا، وإنما يتحقق فينا خلال اتحادنا بالوسيط الواحد الذي لم يقدم مجرد صلوات لفظية عن البشرية، لكنه تجسد وتألم ليفدي الكل! إن سمة الحب التي لنا في عبادتنا الجماعية الكنسية الشخصية هي سمة السيد المسيح نفسه “الإله الواحد” الذي صار “الإنسان” ليفتدي الكل!

يليق بنا أن نقف قليلاً عند كلمات الرسول بولس هنا، التي شغلت فكر الكنيسة الأولى وابتلعت مشاعر الآباء وهزت أعماقهم الداخلية.

من جهة لم يكن مجال الحديث هنا مهاجمة وساطتنا لبعضنا البعض بالحب لدى الله، وإنما كما نعلم أن الغنوسيين آمنوا بوجود انبثاقات متتالية بدأت من الكائن الأعظم وانتهت إلى مجيء السيد المسيح، هذه الانبثاقات هي أيونات تقدم المعرفة كطريق الخلاص. ففي نظرهم ينطلق الغنوسي خلال المعرفة إلى يسوع الذي يرفعه بالمعرفة أيضًا إلى أيون أعظم، وهذا يرفعه إلى ثالث أعظم، وهكذا يرتفع على سلم الأيونات حتى يبلغ بالمعرفة الكاملة إلى الكائن الأعظم. والرسول هنا يؤكد أن الحق الذي يريد الله أن يُقبل إليه جميع الناس [4] هو الإيمان بالآب الواحد الذي أرسل ابنه الوحيد الوسيط الكفاري الوحيد ليصالح البشرية المؤمنة معه، هادمًا بهذا فكرة الأيونات الغنوسية.

بهذا لا يمكننا بتر هذه العبارة عن مجالها الكامل ليستشهد بها البعض في إنكار الشفاعة أو صلوات الكنيسة عن بعضها البعض، سواء بالنسبة للأعضاء الراقدة في الرب أو المجاهدة على الأرض. فإن هذا انحراف بعيد عن فكر الوحي الإلهي. إنما ما أراد الوحي تأكيده هو عمل المسيح الفريد في خلاصنا ومصالحتنا مع أبيه، الأمر الذي لن يمكن لكائنٍ سماوي أو بشري القيام به!

يؤكد الرسول “إله واحد”، ليعود فيقول: “الإنسان يسوع المسيح“. وكأنه لا طريق للمصالحة إلاَّ بالتجسد الإلهي. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم أن الوسيط يتصل بالطرفين ليتوسط بينهما. فلا يمكن للسيد المسيح أن يتوسط لدى الآب وهو منفصل عنه ولا أن يتوسط عن الناس منفصلاً عنهم. إنه كوسيط بين الله والناس يليق به أن يحمل الوحدة مع الآب في الجوهر، كما يحمل الوحدة مع الطبيعة البشرية. جاء مصالحًا الاثنين معًا بكونه ابن الله المتأنس، لقد حمل في طبيعته الواحدة اتحاد الطبيعتين معًا دون خلطة أو امتزاج أو تغيير.

يرى القديس غريغوريوس أسقف نيصص أن غاية التجسد الإلهي هو تحقيق هذه الوساطة الفائقة، إذ وهو ابن الله أخذ ناسوتنا لينزع العداوة التي كانت قائمة بين الله والإنسان، أو بين الطبيعة الإلهية والبشرية[9]… لقد نزع عنا تغربنا عن الحياة الحقيقية، حيث ردنا نحن البشر إلى الشركة مع أبيه.

  • صار ابن الله بالتجسد ابن الإنسان، حتى بشركته يوحدهما معًا في نفسه، هذين الذين انقسما بالطبيعة[10].

القديس غريغوريوس النيسي

  • لم يرد الله أن يكون أي ملاك هو الوسيط بل الرب يسوع المسيح نفسه بقدر ما تنازل وصار إنسانًا.
  • هكذا ابن الله نفسه ،كلمة الله، هو وسيط بين الله والناس، ابن الإنسان المساوي للآب في وحدة اللاهوت وشريكنا بأخذه ناسوتنا.

إنه يتوسط عنا لدى الآب بكونه قد صار إنسانًا، دون أن يكف عن أن يكون هو الله، الواحد مع الآب. إنه يقول: “لست أسأل من أجل هؤلاء فقط، بل أيضًا من أجل الذين يؤمنون بي بكلامهم، ليكون الجميع واحدًا كما أنك أنت أيها الآب فيّ وأنا فيك، ليكونوا هم أيضًا واحدًا فينا، ليؤمن العالم أنك أرسلتني وأنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتني ليكونوا واحدًا كما أننا نحن واحد” (يو ١٧: ٢٠-٢١)[11].

  • يوجد وسيط فاصل، ووسيط آخر مصالح. الوسيط الفاصل هو الخطية، أما المصالح فهو للرب يسوع المسيح… هذا الذي ينزع الحائط الفاصل أي الخطية. لقد جاء وسيطًا وصار الكاهن وهو نفسه الذبيحة.
  • إنه الباب المؤدي إلى الآب، ليس هناك طريق للاقتراب من الآب إلاَّ به[12].
  • لا يتصالح إنسان مع الله خارج الإيمان الذي في المسيح يسوع، سواء قبل التجسد أو بعده[13].
القديس أغسطينوس
  • في آخر الأزمنة أعادنا الرب بتجسده إلى الصداقة، فقد صار وسيطًا بين الله والناس. استرضي الآب عنا نحن الذين أخطأنا إليه، مبددًا عصياننا بطاعته، واهبًا إيانا عطية الشركة مع خالقنا والخضوع له[14].
القديس إيريناؤس
  • إنه يصالح الله مع الإنسان، والإنسان مع الله!

يصالح الروح مع الجسد، والجسد مع الروح!

فيه اتحدت كل الطبائع، وتوافق الكل كعريس وعروس، في وحدة شركة الحياة الزوجية[15].

  • حفظ في نفسه وديعة الجسد الذي أخذه بكلا جانبيه كعربونٍ وضمانٍ لكماله التام، كما وهبنا غيرة الروح (٢ كو ٥: ٥).

أخذ منا غيرة الجسد، ودخل به إلى السماوات كعربون عن الكل…

إذن، لا تضطرب أيها الجسد، ولا تحمل أي هم، فقد نلت في المسيح سماوات وملكوت الله![16]

العلامة ترتليان
  • الوسيط بين الله والناس، إذ صار بكرًا للطبيعة البشرية كلها، أعلن لإخوته فيما قد شاركهم فيه… قائلاً: إني أرحل لكي أجعل بنفسي الآب الحقيقي الذي انفصلتم عنه أبًا لكم، وأجعل الله الحقيقي الذي تمردتم عليه إلهًا لكم. بالبكورية التي صرت أنا فيها أقدم البشرية جميعها لإلهها وأبيها في شخصي أنا[17].
القديس غريغوريوس النيسي

لقد أنكر الغنوسيون حقيقة تأنس ابن الله، إذ ظنوا في الجسد أنه عنصر ظلمة لا يمكن للمخلص أن يتحد به، فنادوا بأن جسده كان خيالاً، والبعض قالوا حمل جسدًا روحيًا أخذه من السماء وعبر به في أحشاء العذراء دون أن يأخذ منها لحمًا ودمًا، لذلك يؤكد الرسول “الإنسان يسوع المسيح” لأن من ينكر تأنسه إنما ينكر عمله الخلاصي، وينزع عنه وساطته عنا. يقول القديس أغسطينوس: [من يعرف المسيح بكونه الله وينكره كإنسان، لا يكون المسيح قد مات عنه. إنه مات كإنسان. من ينكر المسيح كإنسان لا يجد مصالحة مع الله بواسطة الوسيط… إنه لا يتبرر، لأنه كما بمعصية إنسان كثيرون صاروا خطاة، هكذا بإطاعة إنسان واحد يتبرر الكثيرون (رو ٥ : ١٩)[18].]

إذ حمل طبيعتنا لم يقدم الوساطة عنا بالكلام وإنما بالعمل، باذلاً حياته خلال الصليب، إذ يكمل الرسول: “الذي بذل نفسه فدية لأجل الجميع الشهادة في أوقاتها الخاصة” [٦]. لقد قدم حياته فدية لصالح البشرية كلها مع الآب. هذه هي المصالحة العملية التي دفع ابن الله المتأنس ثمنها. هنا مرة أخرى يقول “لأجل الجميع” لينزع الثنائية الغنوسية في حياة المؤمنين: أي وجود الكاملين والبسطاء.

لقد قدم السيد حياته فدية حتى من أجل الوثنيين. لهذا نلتزم نحن بتقديم الصلوات من أجل الجميع والحب للكل. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [بلا شك مات المسيح حتى من أجل الوثنيين، فهل تقدر أن لا تصلي من أجلهم؟[19]] بهذا الحب العملي الشامل قدم الابن الوحيد الشهادة الحقة للحب الإلهي في الوقت المناسب.

هذا العمل الإلهي والشهادة الماسيانية خلال الفداء المقدم عن الجميع هو موضوع كرازة الرسول، إذ يقول: “التي جعلت أنا لها كارزًا ورسولاً. الحق أقول في المسيح ولا أكذب، معلمًا للأمم في الإيمان والحق” [ ٧]. لقد تفرغ الرسول بولس للكرازة بالخلاص لجميع الأمم، إذ امتدت نعمة الله لتشمل جميع البشرية. لقد صار معلمًا للأمم في الإيمان والحق. إن كان الإيمان قد امتد خارج دائرة اليهود، لذا صار الحق أو المعرفة غير قاصرة على فئة دون أخرى.

في اختصار نقول إن المبدأ الأساسي في عبادتنا الجماعية والشخصية هو اتساع القلب بالحب ليضم كل البشرية، نصلي للجميع ونطلب خلاص الكل.

  1. إرشادات للرجال في العبادة

فأريد أن يصلي الرجال في كل مكان،

رافعين أيادي طاهرة بدون غضب ولا جدال” [8].

يطلب الرسول من الرجال أن يرفعوا أياديهم طاهرة عندما يصلون في كل مكان، أي في الاجتماعات الكنسية العامة كما في العبادة العائلية وأيضًا في المخدع، مع أن السيد المسيح يقول: “وأما أنت فمتى صليت فادخل إلى مخدعك وأغلق بابك وصل إلى أبيك الذي في الخفاء، وأبوك الذي في الخفاء يجازيك علانية” (مت ٦: ٥-٦). كيف يتحدث الرسول عن الصلاة “في كل مكان” بينما يحدد السيد موضع الصلاة بالمخدع؟

يجيب القديس يوحنا الذهبي الفم: [ليس في هذا تناقض بل تناغم. يلزمنا أولاً أن ندرك ماذا يعني بالقول “أدخل إلى مخدعك”؟ ولماذا يأمرنا المسيح بذلك مادمنا نصلي في كل مكان؟ هل لا نصلي في الكنيسة ولا في أي موضع داخل البيت وإنما فقط في المخدع؟ إذًا ماذا يعني هذا القول؟ إن ما ينصحنا به المسيح هو تجنب الافتخار، آمرًا إيانا أن نقدم صلواتنا لا بطريقة محدده وإنما نقدمها سريًا. عندما يقول: “لا تعرف شمالك ما تفعل يمينك” (مت ٦: ٣)، لا يقصد الأيدي (الشمال واليمين) وإنما يحذر بشدة من الافتخار. هذا هو ما يقصده هنا، فإنه لا يود أن يحدد الصلاة بوضع محدد إنما يسأل شيئًا واحدًا وهو ترك المجد الباطل.

أما ما قصده بولس فهو التمييز بين الصلوات المسيحية واليهودية، لذا يقول: “في كل مكان، رافعين أيادي طاهرة”، الأمر الذي لم يسمح به اليهود، إذ لم يكن يُسمح لهم بالاقتراب إلى الله وتقديم ذبيحة وتكميل خدماتهم في أي مكان، بل يجتمع الكل من كل العالم في مكانٍ واحد، ويرتبطون معًا في الهيكل لتتميم عبادتهم. على خلاف ذلك يوصي الرسول بالتحرر من هذا، وكأنه يقول: إن طريقنا مختلف عن الطرق اليهودية، فكما أمرنا المسيح أن نصلي من أجل كل الناس لأنه مات من أجل الجميع، يليق أن نصلي في كل مكان، وكأن المقصود هنا هو طريقة الصلاة[20].]

إذن الصلاة في كل مكان لا تتنافى مع وصية السيد المسيح الخاصة بالصلاة في المخدع، الأولى تعني الصلاة بلا حدود مكانية حيث يتسع القلب بالحب للصلاة في كل موضع من أجل الجميع، والثانية تعني تقديم الصلاة بعيدًا عن المجد الباطل وحب الظهور.

هذه الوصية لا تخص الرجال وحدهم إنما هي وصية للكنيسة كلها، رجال ونساء، أطفال وشيوخ، شباب وفتيان. الكل ملتزم أن يحيا بروح الرجولة أي النضوج الروحي، فيبسط كل مؤمنٍ يديه الداخليتين كما بسط السيد المسيح يديه على الصليب بالحب لينزع كل غضب عن البشرية.

ماذا تعني الأيدي الطاهرة إلاَّ الحياة العاملة خلال تقديس الروح. فالصلاة وإن كانت تصدر عن القلب في الداخل ومن الفم من الخارج، لكن لا يمكن أن تُقبل ما لم تتحد بالعمل الروحي والجهاد الحق في المسيح يسوع. يلزم أن يرافق عملنا الروحي صلواتنا وتسابيحنا للرب!

تشير الأيدي الطاهرة إلى نقاوة الروح والجسد معًا، وكما يقول القديس چيروم: [قيثارتنا إنما هي جسدنا ونفسنا وروحنا يعملون معًا في توافق لتقدم أوتارهم جميعًا النغم!][21]

لا تعني الطهارة الغسل بالماء وإنما بالتوبة ليعمل الروح القدس فينا لنقاوة إنساننا كله، الداخلي والخارجي. يقول العلامة ترتليان: [ما الداعي للذهاب للصلاة بأيدٍ مغتسلة حقًا بينما الروح متسخة؟! يلزم رفع أيادي روحية طاهرة، نقية من الباطل والإجرام والقسوة والسموم وعبادة الأوثان وغير ذلك من الأمور المخجلة… هذه هي الطهارة الحقيقية[22].] كما يقول: [بعدما اغتسل الجسد كله، أي تطهر في المعمودية، صارت الحاجة إلى التطهير بالتوبة المستمرة عما يلحق بأيدينا من دنس[23].]

  1. إرشادات للنساء في العبادة

إذا كان الرجل – بل كل نفس ناضجة روحيًا – يلزمه أن يتمثل بالسيد المسيح فيبسط يديه كما على الصليب بالطهارة الداخلية ليطلب لا بالكلام فحسب وإنما أيضًا بالعمل، في حب بلا جدال أو غضب، فإنه يلزم بالمرأة – وكل نفس صارت كعروس للسيد – أن تهتم في عبادتها بالزينة الداخلية لتفرح قلب عريسها السماوي. يقول الرسول بولس: “وكذلك أن النساء يزين ذواتهن بلباس الحشمة مع ورع وتعقل، لا بضفائر أو ذهب أو لآليء كثيرة الثمن، بل كما يليق بنساء متعاهدات بتقوى الله بأعمال صالحة[ 9-١٠].

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذا القول الرسولي: [ماذا؟ هو تقتربين لله للصلاة بضفائر وحلى ذهبية؟ لعلك تأتين إلى مرقص؟ أو حفلات خليعة؟ فإن الضفائر والثياب الثمينة تليق بهذه الأماكن، أما هنا فلا حاجة إلى مثل هذه الأمور. إنك تأتين إلى الصلاة لتطلبين المغفرة عن خطاياكِ… وتتوسلين إلى الرب، وتترجين فيه أن يجيب عليك بسماحة! لماذا تتزينين؟ إنها ليست ملابس تليق بمن يتوسل! كيف تتنهدين؟ كيف تبكين؟ كيف تصلين بحرارة وأنتِ مزينة هكذا؟[24]]. كما يقول: [المسيح هو عريسك أيتها البتول، فلماذا تجتذبين الأحباء البشريين؟… الزينة التي ترضي الله هي الوداعة والعفة والالتزام بالترتيب واحتشام الملبس؟… كفى غباء أيتها السيدة! حولي اهتمامك إلى نفسك، وإلى زينتك الداخلية[25].]

يمكننا أن نلتمس في كلمات الرسول بولس أن الامتناع عن الزينة الخارجية في ذاته ليس فضيلة، إنما الفضيلة هي قبول زينة القلب الداخلي خلال الحياة التقوية (الورع) والتعقل! فضيلة الإنسان أن يلبس السيد المسيح بكونه سرّ بهاء النفس بكل عواطفها وأحاسيسها والعقل بكل طاقاته. يقول الرسول: “يزين ذواتهن بلباس الحشمة مع ورع وتقوى… متعاهدات بتقوى الله بأعمال صالحة”، أي يحملن ورع الله وسماته في داخلهن.

ما نقوله عن الزينة نردده أيضًا بخصوص الاحتشام، فإن لباس الاحتشام لا يعني مجرد ارتداء أنواع معينة من الملابس، إنما نحمل فينا مسيحنا ليهب للقلب والفكر والنظر واللسان الخ. احتشامًا داخليًا خارجيًا، إذ يليق لا بالنساء فقط وإنما بكل مسيحي أن يكون محتشمًا في نظراته وكلماته بل وأفكاره الخفية، مرددًا مع المرتل: “ضع يا رب حافظًا لفمي وبابًا حصينًا لشفتي”. من هو الحافظ للفم، وما هو الباب الحصين للشفتين، إلاَّ الروح القدس الذي يقدس الخارج والداخل، والسيد المسيح نفسه الذي يفتح ولا أحد يغلق، ويغلق ولا أحد يفتح.

بعد هذا تحدث عن التزام المرأة بالاحتشام الداخلي الروحي وعدم المبالغة في الزينة الخارجية خاصة أثناء العبادة الكنسية، تكلم عن صمتها في الكنيسة وعدم قيامها بتعليم الرجال في الاجتماعات الكنسية العامة، إذ يقول: “لتتعلم المرأة بسكوت في كل خضوع، ولكن لست آذن للمرأة أن تعلم ولا تتسلط على الرجل بل تكون في سكوت، لأن آدم جُبل أولاً ثم حواء، وآدم لم يغوَ بل حواء أغويت، فحصلت في التعدي، ولكنها ستخلص بولادة الأولاد إن ثبتن في الإيمان والمحبة والقداسة مع التعقل”  [11–١٥].

ربما يتساءل البعض لماذا تصمت النساء ولا تعلم في الكنيسة؟ ولماذا يُنسب لها الخضوع؟

لكي نفهم هذا النص يلزمنا أن نتعرف على الظروف المحيطة بالكنيسة في ذلك الحين، ففي المجتمع اليهودي كانت المرأة ممنوعة من دراسة الناموس، ولا يُسمح لها أن تقوم بأي دور قيادي في خدمة المجتمع، وكان الرجل يشكر الله كل صباح على أنه لم يخلقه “أمميًا ولا عبدًا ولا امرأة”. هذا وإن كنا لا ننكر أن بعض النساء خلال التهاب قلوبهن بمحبة الله تسلمن أدوارًا قيادية في العهد القديم في الجانب الديني والسياسي، حيث كان الدين لا يفصل عن السياسة عند اليهود، الأمر الذي صححه السيد المسيح.

فعرفن في العهد القديم أربعة نبيات هن مريم قائدة النساء في التسبيح (خر ١٥: ٢٠)، ودبورة النبية وقاضية إسرائيل (قض ٤: ٤)، وخلدة النبية في أيام يوشيا (٢مل ٢٢: ٤)، ونوعدية النبية في أيام نحميا (نح ٦: ١٤)، يُضاف إليهن حنة المذكورة في إنجيل معلمنا لوقا (٢: ٣٦). حقًا لقد تمتعت المرأة بالكثير من الحقوق من خلال الشريعة الموسوية إن قورنت بمركزها في العالم في ذلك الحين. لكنها بقيت بعيدة عن خدمة المقدسات والعمل التعليمي الكنسي الخ.

أماعند اليونان فقد ضم معبد افروديت في كورنثوس ألف كاهنة كن يعرضن أجسادهن على المتعبدين كنوع من العبادة، وضم معبد ديانا بأفسس مئات من الكاهنات الشريرات.

إن كانت الكنيسة المسيحية قد رفعت من شأن المرأة، وأعطتها الكثير من الحقوق، لكن لم يسمح لها بالتعليم العام حيث يوجد الرجال حتى لا يُساء الفهم. لقد رفع السيد من شأن المرأة، فنقرأ في الإنجيل المقدس أن بعض النساء كن يسرن وراء السيد وتلاميذه الاثني عشر أثناء كرازته، وكن يخدمنه من أموالهن الخاصة (لو ٨: ١–٣)، وٍذكرت أسماء بعضهن أيضًا اللواتي رافقن إياه حتى الصليب (مت ٢٧: ٥٦، ٦١؛ ٢٨: ١)، وكانت النساء أول من بشر بقيامة السيد للتلاميذ (لو ٢٤: ١٠-١١).

وفي العصر الرسولي مع بدء انطلاق الكنيسة كانت النساء من بينهن القديسة مريم يواظبن على الصلاة والطلبة مع التلاميذ (أع ١: ١٤)، ويروي لنا لوقا البشير في سفر الأعمال الدور الإيجابي لطابيثا في خدمة الفقراء والأرامل (أع ٩: ٣٦)، وفي التحيات الطويلة في رسائل معلمنا بولس الرسول نتلمس دور كثير من النساء في العمل الكنسي الكرازي، اللواتي لم يكن أقل غيرة من الرجال في نشر كلمة الإنجيل. يتحدث الرسول عن فيبي شماسة كنخريا (رو ١٦: ١-٢) التي كانت تخدم الغرباء والمسافرين “إضافة الغرباء” كما فتحت بيتها للاجتماعات الدينية.

ويتحدث عن “بريسكلا وأكيلا” انهما “عاملان معه” في المسيح يسوع (رو ١٦: ٣)، والعجيب أنه يذكر اسم الزوجة قبل الزوج على خلاف العادات المتبعة في ذلك الوقت، لعلها كانت أكثر غيرة من زوجها، كما كان لها أثرها مع زوجها على أبولس في تصحيح إيمانه كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم ويتحدث أيضًا عن أخريات كثيرات يذكرهن بالاسم أنهن عاملات بقوة، وفي سفر الأعمال نسمع عن أربع بنات لفيلبس الإنجيلي كن يتنبأن (أع ٢١: ٩)، وردت أسماؤهن في مخطوط يرجع للقرن الرابع: هيرموان وكاريتينا وإيريس وأوطاخيانا[26]. هذا بخلاف خدمة الأرامل والعذارى التي نتكلم عنها في موضعها إن أذن الرب.

إذن لم تجحف الكنيسة المسيحية منذ انطلاقها حق المرأة، فلماذا رفضت قيامها بدور تعليمي وسط الرجال؟

يمكننا إدراك كلمات الرسول بولس إن عرفنا الفكر الغنوسي الذي كان يتسرب إلى الكنيسة منذ العصر الرسولي. لقد كان المجتمع في العصر الرسولي يضع فوارق بين الرجل والمرأة بصورة قاسية على المرأة، حتى تجاهلت القوانين المدنية والجنائية حقوقها الإنسانية. لكن جاءت المسيحية لتعلن: “ليس ذكر ولا أنثى لأنكم جميعًا واحد في المسيح يسوع (غل ٣: ٢٨). أما الغنوسيون، فإذ يحتقرون الجسد ويحسبونه عنصر ظلمة يجب معاداته والتخلص منه، فرفضوا كل ما يخصه: رفضوا الزواج كأمر دنس، وبعض الأطعمة كقوتٍ للجسد، كما رفضوا قيامة الجسد في اليوم الأخير، وأخيرًا رفضوا الاعتراف بالتمايز الجنسي، فلا رجل ولا امرأة وإنما إنسان هو كائن له مواهبه التي لا ترتبط برجولته أو أنوثته.

بعنى آخر أرادوا أن يحيا المجتمع دون وجود أدنى اعتبار للرجولة أو الأنوثة! هذا الأمر أثار الكنيسة لتعلن أنه ليس رجل أو امرأة في المسيح كأعضاء في جسده المقدس، لكن دون تجاهل لدور الرجل كرجل، والمرأة كامرأة. لذلك حينما تحدث الرسول بولس عن التزام المرأة غطاء الرأس والرجل بتعرية رأسه (١ كو ١١: ٤–٥) لم يكن الرسول الملتهب روحيًا – على ما يظن الكثيرون – بالإنسان الذي يهتم بهذا الأمر في حرفيته، إنما أراد أن يؤكد أنه مع مساواة الرجل والمرأة في المسيح، لكن الخلاص أو العضوية في جسد المسيح أو الدخول في الحياة الجديدة لم ينزع عن المرأة أنوثتها ولا عن الرجل رجولته. كل له دوره الحيّ والفعال في الحياة الكنسية بروح الحب المتكامل.

نستطيع أن نقول بأن الرسول بولس الذي كان منفتح القلب والفكر لم يقصد بحديثه هنا عن صمت المرأة في الكنيسة وعدم تعليمها للرجل وعن خضوعها له أن يحقِّر من شأنها أو يقلل من دورها، إنما أرادها أن تعمل فيما يناسب طبيعتها كامرأة وإمكانياتها الجسدية والنفسية. فالجسد في خضوعه للرأس لا يعني أفضلية الرأس عليه أو احتقار الجسد، لأنه لا كيان للرأس منفصلاً عن الجسد ، ولا عمل له بدونه حقًا أن الرأس هو المدبر للجسد، لكن إن لم يتجاوب أحدهما مع الآخر يفقد الإثنان سلامهما وكيانهما.

لا ينكر الرسول بولس دور لوئيس وأفنيكي في حياة تيموثاوس وتعليمه الكتب المقدسة (٢تي ٣: ١٥) ولا تجاهل بريسكلا مع رجلها في خدمتهما الفردية مع كثيرين وفي بلاد مختلفة، هذان اللذان قادا بولس إلى معرفة الحق (أع ١٨: ٢٦)، وقد جاهدت أفودية وستيخي في الإنجيل (في ٤: ٢-٣).

لعل الرسول أيضًا أراد بهذا المنع أن ينزع كل مجال للعثرة في الكنيسة لكن دون تجاهل لدورها التعليمي على المستوى العائلي والفردي وأيضًا بين النساء.

يمكننا أن نكتشف مفهوم الرسول بولس مما كتبه العلامة ترتليان مهاجمًا الهراطقة، قبل أن يسقط في بدعة ماني، إذ يقول: [يا لنساء هؤلاء الهراطقة، إنهن خليعات! إنهن جسورات، حتى إنهن يعلمن ويناقشن ويخرجن شياطين ويقمن بأشفية – ألعلهن أيضًا يعمدن؟[27]“.] وحتى بعد انحرافه في الهراطقة لم ينحرف العلامة ترتليان عن الوصية الرسولية، بالرغم من اقتباسه بعض تعاليم للنبيتين ماكسميلا وبريسكلا[28]، إذ يقول [لا يُسمح للمرأة أن تتكلم في الكنيسة (١ كو ١٤: ٣٤-٣٥)، ولا أن تعلم أو تعمد أو تنسب لنفسها عملاً خاصًا بالرجل من كل الأعمال الكهنوتية[29].] هنا يظهر العلامة ترتليان أن الامتناع يقدم على أساس أنه لا يناسب طبيعتها كامرأة، وليس تحقيرًا من شأنها. لكن ترتليان عاد فتأثر قليلاً بالفكر الهرطوقي فسمح لها بالعمل النبوي[30].

أخيرًا، ماذا يقصد الرسول بولس بقوله: “لكنها ستخلص بولادة الأولاد، إن ثبتن في الإيمان والمحبة والقداسة مع التعقل[١٥]؟ يرى البعض أن القديس مريم قدمت للنساء كرامة عظيمة إذ أنجبت لنا المخلص. ويرى آخرون أن النساء وإن كن قد حرمن من التعليم العام في الكنيسة في وجود الرجال، لكنهن ينلن أكاليلهن خلال تربية أولادهن في الإيمان والمحبة والقداسة مع التعقل، الأمر الذي لا يستطيع الرجال القيام به. إنهن بحق يقدمن للكنيسة أعضاء قيادية مباركة!

[1] مناظرات يوحنا كاسيان، مناظرة ٩.

[2] On prayer 14 : 2 – 5.

[3]  In 1 Tim, hom. 6.

[4]  In 1 Tim, hom. 7.

[5] In 1 Tim, hom. 7.

[6] In 1 Tim, hom. 7.

[7] In 1 Tim, hom. 7.

[8] راجع المقدمة: الهرطقات المعاصرة (رقم ٣).

[9] Adv. Eunomius 2 : 12.

[10] Adv. Eunomius 3 : 4.

[11] On Trinity 3 : 11, 4 : 8.

[12]In Joan tr. 41 : 5, 47 : 3.

[13]In Ps. 105.

[14]Adv. Haer 5 : 17 : 1.

[15]On the Resur. Of the Flesh 63.

[16] On the Resur. Of the Flesh 51.

[17] Adv. Eunom 2 : 8.

[18] In Joan. 66 : 2.

[19] In 1 Tim. hom. 7.

[20] In 1 Tim. Hom 8.

[21] On Ps. 21.

[22] On prayer 8.

[23] On prayer 8.

[24] In 1 Tim. hom. 8..

[25] In 1 Tim. hom. 8.

[26] Ibid, Roger Gryson: The ministry of Women in the Early Church, Minnesota, 1976, p. 128.

[27] De Paraescriptione 41 : 5.

[28] De Resurr. Carins 11 : 2 ; De Exhort. Castitalis 10 : 5.

[29] On Veiling of Virgins 9 : 1.

[30] Adv. Mare. 5 : 8 : 11 ; De Anima 9 : 4.

تفسير رسالة تيموثاوس الأولى 2 الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة تيموثاوس الأولى 4 الأصحاح الرابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة تيموثاوس الأولى 4 الأصحاح الرابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة تيموثاوس الأولى 4 الأصحاح الرابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة تيموثاوس الأولى 4 الأصحاح الرابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

الأصحاح الرابع جهاد الرعاة

بعد أن تحدث الرسول بولس مع تلميذه تيموثاوس عن الوصية كغاية الرعاية (ص ١)، موضحًا بعض المفاهيم الخاصة بالعبادة الكنسية الجماعية (ص ٢)، تحدث عن سمات الرعاة والخدام، والآن يحدثه عن الالتزام بالجهاد الروحي حتى يدخل بالكل إلى الحياة الكنسية، أي إلى الاتحاد مع الله في المسيح يسوع والتمتع بالتبرير في الروح والشركة مع السمائيين، والدخول إلى الأمجاد الإلهية. إنه عمل روحي شاق، يتطلب أن يكون الراعي واعيًا وصاحيًا ضد كل هرطقة، ومثابرًا في كل جهاد روحي، لهذا يتكلم هنا عن:

  1. الارتداد عن الإيمان ١ – ١١.
  2. وصايا للراعي ١٢ – ١٦.

1. الارتداد عن الإيمان

ولكن الروح يقول صريحًا،

أنه في الأزمنة الأخيرة يرتد قوم عن الإيمان،

تابعين أرواحًا مضلة،

في ريَاء أقوال كاذبة مسمومة ضمائرهم،

مانعين عن الزواج،

وآمرين أن يمتنع عن أطعمة قد خلقها الله

لتتناول بالشكر من المؤمنين وعارفي الحق” [١–٣].

لقد نادى الهراطقة، أصحاب الميول الغنوسية، بالامتناع عن الزواج وعدم أكل اللحوم بكونهما أمرين محرمين يدنسان النفس، وقد التزمت الفئة التي كانوا يلقبونها بالكاملين بهذا الامتناع.

أما تدنسيهم للزواج فعلَّته نظرتهم نحو الجسد كعنصر ظلمة يجب معاداته، وبالتالي فالعلاقات الجسدية بين الرجل وامرأته، في نظرهم، تأكيد لمتطلبات الجسد الدنس، فهي دنسة ومحرمة على الكاملين. على العكس، في مفهومنا المسيحي، الجسد هو خليقة الله الصالحة والمقدسة، إن كان بسبب خطايانا قد مال إلى الشهوات الشريرة، لكن بقبول الابن الكلمة ناسوتنا قدَّس أجسادنا.

فصرنا ننظر إليه بكل وقارٍ وتكريمٍ، وعليه فإن العلاقات الجسدية بين الرجل والمرأة لا تعني إشباع شهوات دنيئة، إنما علامة الحب الداخلي والوحدة بين الطرفين، حيث يحترم كل الآخر. بمعنى آخر الزواج في نظر المؤمن الحقيقي ليس إشباعًا لشهوات جسده، لكنه أولاً وقبل كل شيء هو قبول الطرف الآخر كشخصٍ له فكره ومواهبه وقلبه قبل أن يكون له جسده. إنه يتطلع إليه كإنسان، يحبه ويحترمه ويقدس نظرته إلى جسده! ويرى بعض اللاهوتيين في العلاقة الجسدية نظرة إجلال وتقديس بكونها شركة الإنسان مع الله في إنجاب الأطفال ليكونوا أعضاء في الجسد المقدس، أولادًا لله!

لقد أفاض الآباء في الحديث عن قدسية الزواج، فيقول القديس أغسطينوس: [إذ حضر الرب العرس الذي دُعي إليه… أراد تأكيد أن الزواج إنما من تأسيسه هو… وإن الاتحاد بين الرجل والمرأة من قبل الله، وأن التطليق من الشيطان[1].]

ربما يتسائل البعض: لماذا كرّم الرسول بولس البتولية، مشتهيًا أن يكون الكل مثله يعيشون بلا هم؟ ولماذا قامت الحركات الرهبانية المسيحية؟

البتولية المسيحية ليست امتناعًا عن الزواج كأمرٍ دنسٍ، بل هي تمتع بزواجٍ روحيٍ بين النفس وعريسها، خلاله تريد ألا تنشغل بآخر غيره. الزواج سرّ مقدس، يحترمه البتول والراهب والراهبة، إنما يفضلون البتولية ليس تدنيسًا للزواج، وإنما انطلاقًا نحو الحياة الملائكية المكرسة للعبادة والخدمة الإلهية.

  • إننا لا نمنع من يرغب في الزواج، لكننا نشجع من لا يرغبون فيه لأجل البتولية. يوجد فارق بين المنع وأن يُترك الإنسان يتصرف بكامل حريته. من يمنع يأمر بذلك للجميع، أما من يوصي بالبتولية كحالة أسمى فإنه لا يمنع الزواج إنما يفضل البتولية[2].

 القديس يوحنا ذهبي الفم

أما بالنسبة للأطعمة، فقد تطلع بعض الغنوسيين إلى اللحوم وبعض الأطعمة كعناصر شرٍ لا يليق بالكاملين أن يتناولوها، أما الكنيسة فلا تمنع أنواعًا من الأطعمة كأمور دنسة أو نجسة، إنما تطلب من أولادها الصوم عنها، فترة من الزمن، لضبط الجسد حتى يُعطى للنفس إمكانية السيطرة على الجسد بالروح القدس مقدس النفس والجسد معًا. الصوم هو انطلاقة روحية أكثر منه نسكًا للجسد، لذا يُسمح للمرضى بالإفطار دون تشكك، حاسبين المرض نوعًا من الصوم، يتقبلونه بشكر!

هذه هي نظرتنا للمادة، أيا كانت “خليقة الله جيدة، ولا يرفض شئ إذا أخذ مع الشكر، لأنه يُقدس بكلمة الله والصلاة” [4-5]. لقد خلق الله كل شيءٍ حسنًا (تك 1: 31)، ليس في خليقة الله ما هو دنس، لكن إذ سقط الإنسان سيد الخليقة الأرضية في الخطية تدنست نظرته، كما دنس بضميره بعض الأشياء بإساءة استخدمها، كمن يستخدم الحجارة والذهب والفضة في عبادة الأصنام. المادة في ذاتها صالحة، لكن الإنسان دنسها بضميره الشرير، لذا صار تقديسها مرتبطًا بتقديس طبيعة الإنسان وضميره ونظرته.

يعلق القديس يوحنا ذهبي الفم على العبارة الرسولية السابقة، قائلاً [يقدم الرسول وضعين: الأول ليس شيء من خليقة الله دنسًا، والثاني إن كان شيئ ما قد صار دنسًا، فالعلاج هو أن يختم (يرشم بعلامة الصليب) مع الشكر لله وتقديم المجد له، فينزع عنه كل دنس[3].] ويقول القديس أغسطينوس: [كل الأشياء الموجودة صالحة لأن خالق هذه جميعها هو كلي الصلاح[4].]

ركز الرسول بولس على أمور ثلاث كسر للتقديس: حياة الشكر، وكلمة الله، والصلاة. هذه الأمور تُقدم بصورة فائقة وفريدة في الإفخارستيا، حيث تنطلق الكنيسة بالروح القدس نحو الآب السماوي لتقدم له الشكر خلال ذبيحة ابنه الفريدة، أي ذبيحة كلمة الله المتجسد. فيتقبل الآب من الكنيسة حياتها كحياة شكر، وكحياة إنجيلية (كلمة الله)، وحياة صلاة مقبولة لديه، لهذا يقدم لها ينبوع تقديس بلا حدود، خلاله ليس فقط يقدس أرواحهم وأجسادهم، إنما يقدس أيضًا المادة على أعلى مستوى، حيث يتحول الخبز والخمر إلى جسد السيد ودمه الأقدسين!

هذا هو التعليم الصحيح الذي نشأ عليه القديس تيموثاوس، أن كل خليقة الله صالحة، وإن ما قد دنسه الإنسان يتقدس بالشكر والكلمة الإلهية والصلاة. لذلك يقول الرسول له: “إن فكرت الإخوة بهذا تكون خادمًا صالحًا ليسوع المسيح، متربيًا بكلام الإيمان والتعليم الحسن الذي تتبعه” [ 6]. لقد تربى تيموثاوس على الإيمان المستقيم بعيدًا عن الأضاليل، وها هو ملتزم أن يفكر الإخوة بهذا الإيمان. هنا يقول “إن فكرت الإخوة” ولا يقل إن “أمرت الإخوة بهذا”، فإن الراعي الصالح هو الذي لا يأمر وينهي كثيرًا كمن هو متعالي على المخدومين، إنما يتحدث معهم كمن يذكر إخوته.

بعد أن تحدث عن الجانب الإيجابي وهو تربية تيموثاوس على الإيمان الحيّ والتعليم المستقيم والتزامه بتذكير شعب الله. بذلك تعرض للجانب السلبي، إذ يقول: “وأما الخرافات الدنسة العجائزية فارفضها” [ 7].

يليق بالراعي ألا يفسد وقته وفكره بالأمور المضللة، إنما يهتم بترويض حياته وحياة شعبه على الحياة التقوية أو الرياضة الروحية القائمة على أساس الإيمان المستقيم. “وروض نفسك للتقوى، لأن الرياضة الجسدية نافعة لقليل، ولكن التقوى نافعة لكل شيء، إذ لها موعد الحياة الحاضرة والعتيدة” [8]. كان الراعي ملتزم أن يكون في كل وقته ملتهبًا بنار الروح القدس لبنيان كنيسة الله في حياته الخاصة أو عمله بين شعب الله.

ماذا يقصد بالخرافات الدنسة العجائزية؟ ربما ذات الأفكار الغنوسية السابق الحديث عنها، وهي أفكار ذات أصل وثني وقد شاخت ولكنها تتسلل تحت ستار “المعرفة” إلى بعض المسيحيين. إنها أفكار دنسه شائخة تحاول أن تلبس صورة جديدة خلال الهراطقة لعدم الإيمان المستقيم. ويرى القديس يوحنا ذهبي الفم أن هذه الخرافات إنما تمثل الأفكار الخاصة بالعودة إلى التهود، وهي أفكار باطلة لا تحمل قوة كلمة الله الروحية بل حرفية قاتلة. دعاها عجائزية، لأنها صارت قديمة وشاخت، ولم تعد تناسب الحياة الجديدة التي لنا في المسيح يسوع ربنا، ويرى القديس إن العودة إليها إنما كعودة الرجل الناضج إلى الرضاعة، فلا ينتفع شيئًا بل يُصاب بضررٍ.

يليق بالإنسان الروحي وقد ارتقى من الطفولة غير الناضجة حتى بلغ الرجولة ألا يعود إلى حرفية الناموس، بل يروض نفسه كرجل على الرياضة الروحية التي هي أفضل من الرياضة الجسدية.

ماذا يقصد الرسول بالرياضة الجسدية؟

يرى البعض أنها التداريب الخاصة بالصوم والزهد الشديد (بغير روح) فإنها قد تنفع الجسد لكنها لا تفيد النفس ما لم ترتبط بالروح (الصلاة والحب الخ.) غير أن القديس يوحنا ذهبي الفم يرفض هذا الرأي إذ يرى أن الرياضة الجسدية هي الألعاب الأولمبية التي كانت منتشرة لدى اليونان. إنها نافعة للجسد إلى حين، أما الرياضة التقوية فتسند النفس والجسد معًا. إنه يقول: [يرى البعض أن الرسول يشير هنا إلى الصوم، لكن هذا المعنى غير لائق، فإن الصوم رياضة روحية لا جسدية. لو كان الصوم رياضة جسدية لكان منعشًا للجسد، لكنه يجعله هزيلاً ونحيلاً، لهذا فهو ليس رياضة جسدية[5].]

إذ يتحدث الرسول عن الرياضة التقوية يقول: “صادقة هي الكلمة، ومستحقة كل قبول، لأننا لهذا نتعب ونُعير، لأننا قد ألقينا رجاءنا على الله الحيّ، الذي هو مخلص جميع الناس ولا سيما المؤمنين. أوصِ بهذا وعلم” [9- 11].

 ما هي الكلمة الصادقة المستحقة كل قبول؟ الرياضة التقوية الروحية نافعة لكل شيء، لها المواعيد الحاضرة والمستقبلة [8]. تدخل بالمؤمن إلى الرجاء في الله الحيّ، فينال البركات الحاضرة والمستقبلة، أو كما يقول القديس يوحنا ذهبي الفم: [من يدرك في نفسه أنه بلا شر (أي غفرت له خطاياه وشروره) يكون له ثمر صالح، فيفرح هنا أيضًا أما الشرير فعلى العكس يعاقب هنا، كما يعاقب هناك. إنه يعيش في حالة خوف دائم، لا يقدر أن يتطلع إلى أحدٍ بثقةٍ، يكون دائمًا شاحب الوجه مرتعبًا، ومملوءًا قلقًا. أليس هذا هو حال المحتالين واللصوص الذين لا يكتفون بما لديهم؟ أليست هذه هي حياة القتلة والزناة المملوئين بؤسًا هؤلاء الذين يتطلعون إلى الشمس يتشكك؟ لا بل بالحري هي بشاعة[6].]

هذا هو عمل الرياضة الروحية الحقة، إنها تبعث في النفس روح الرجاء المفرح، الأمر الذي له انعكاساته حتى على حياتنا الزمنية بجانب إكليلنا السماوي، فنحيا فرحين متهللين حتى وسط الآلام، لا يفارقنا فرح الروح حتى وسط الدموع. ولعل هذا ما قصده السيد المسيح حين وعدنا في هذا العالم بمئة ضعف وفي الحياة الأخرى بالحياة الأبدية (مت 19: 29؛ مر 10: 30).

يقول الرسول: “لهذا نتعب ونعير”، فإنه يحلو الصليب بكل آلامه وأتعابه وما فيه من مرارة وحرمان، لأن وسط الضيقات المتزايدة تتلذذ النفس بالتعزيات الإلهية الفائقة، وخلال شركة آلام الصليب نتعرف على قوة القيامة عاملة فينا.

هذه الوعود ليست خاصة بفئة دون أخرى كما يدعي الغنوسيون، إنما هي وعود للبشرية كلها. هذا ما يؤكده الرسول في كل رسائله، إذ يقول هنا: “ألقينا رجاءنا على الله الحي الذي هو مخلص الجميع الناس ولاسيما المؤمنين”. إنه مخلص جميع البشر، لكنه لا يستطيع أن يلتمس عمله الخلاصي سوى المؤمنين.

  1. وصايا للراعي

بعد أن تحدث عن التزام الراعي بالجهاد الروحي في حياته الخاصة وكرازته بالإيمان المستقيم الحي، قدم له وصايا تمس جهاده:

أ. لا يستهن أحد بحداثتك، بل كن قدوة للمؤمنين في الكلام، في التصرف، في المحبة، في الروح، في الإيمان، في الطهارة” [١2]. إن كان الراعي حديث السن، فلا تصغر نفسه فيه، فإن الشيخ لا يُحسب هكذا بشيبة السن، وإنما باتسامه بالحكمة، ليس فقط خلال المعرفة والوعظ والتعليم، وإنما أيضًا في تدبير الأمور وإعلان الحب أي اتساع القلب ليضم فيه كل نفس، وفي كل حكمة الروح، فلا ينحرف عن الخط الروحي المتزن، وفي الإيمان بلا تخوف ولا تردد، وفي حياة الطهارة والنقاوة. الرعاية لا تطلب خبرة زمن بقدر ما تطلب خبرة حياة صادقة وأمينة، معلنة على فم الراعي وفي قلبه وروحه وفي كل تصرفاته الظاهرة والخفية، فيكون مثالاً حيًا لشعب الله.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [مادامت حياتك متزنة فإنهم لا يستخفون بحداثتك، بل بالحري يعجبون بك بالأكثر، لهذا يكمل قائلاً: “كن قدوة للمؤمنين في الكلام في التصرف في المحبة في الروح في الإيمان في الطهارة”. لتظهر كمثال للأعمال الصالحة في كل شيء، ولتكن نموذجًا للحياة المسيحية، نموذجًا يُقدم للغير كناموس حي وقاعدة وقياس للحياة الصالحة. هذا ما يليق بالمعلم[7].]

ب. “إلى أن أجيء أعكف على القراءة والوعظ والتعليم“. يليق بالراعي أن يكون دائم النمو في حياته الداخلية، خلال الرياضة الروحية، ولاسيما حب القراءة والتعلم مع الشوق إلى الوعظ والتعليم بقصد الدخول بكل نفسٍ إلى الخبرات الجديدة التي يمارسها المعلم كل يوم. فالراعي يتعلم ويعلم، يتدرب ويدرب الآخرين، ينمو كل يوم فيأتي بثمر في حياته وحياة اخوته وأولاده الروحيين.

ج. “لا تهمل الموهبة التي فيك المعطاة لك بالنبوة مع وضع أيدي المشيخة Presbytery“. إن كان الله قد وهبنا مواهب فيلزم ألا نطمرها بل نعمل بها رابحين لتقديمها للرب مع ربحها. ويرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن النبوة هنا تعني التعليم وأن كلمة Presbytery تعني الكهنوت بصفة عامة، وأن الرسول هنا درجة الأسقفية لا القسيسية[8].

المواهب المعطاة للقديس تيموثاوس هي كلمة الوعظ (النبوة) ومع درجة الأسقفية الخ. إنها مواهب مجانية مقدمة له من قبل الله، بلا فضل من جانبه، لكنه ملتزم أن يضرمها بالعمل والجهاد حتى لا تذبل فيه، فيدان أمام من وهبه إياها.

هنا أيضًا تأكيد لنوال الدرجة الكهنوتية بوضع الأيدي، لكن هذه العطية ليست للكرامة، وإنما لحمل المسئولية، إذ يقول الرسول: “اهتم بهذا، كن فيه” بمعنى “كرس كل حياتك وكل طاقاتك وكل مواهبك لحساب هذه الموهبة المجانية. كن في هذا العمل دون غيره”. يطالبه الرسول بضرورة النمو الدائم في كل شيء، في الدراسة والعبادة والكرازة والتعليم والتدبير والإرشاد الروحي.

أي يكون النمو في كل جانب من جوانب الرعاية بغير تطرف، إذ يقول الرسول: “لكي يكون تقدمك ظاهرًا في شيء” كما يقول: “لاحظ نفسك والتعليم وداوم على ذلك، لأنك إن فعلت هذا تخلص نفسك والذين يسمعونك[١٥-١٦]. ليست هناك ثنائية في حياة الراعي، ولا تطرف. إنه يعمل روحيًا لبناء نفسه كما لبناء شعب الله، حياته الروحية لا تقوم على حساب مسئولياته الرعوية، ولا الأخيرة على حساب الأولى، إنما يعمل في حياته الخاصة وفي عمله الرعوي بكونهما عملاً واحدًا متكاملاً ومتناسقًا!

[1] In Joan. tr 9 : 2.

[2] In 1Tim. hom 12.

[3] In 1Tim. hom 12.

[4] الإيمان والرجاء والمحبة ١٢.

[5] In 1Tim. hom 12.

[6] In 1Tim. hom 12.

[7] In 1Tim. hom 13.

[8] In 1Tim. hom 13.

تفسير رسالة تيموثاوس الأولى 4 الأصحاح الرابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة تيموثاوس الأولى 1 الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة تيموثاوس الأولى 1 الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة تيموثاوس الأولى 1 الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة تيموثاوس الأولى 1 الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

الأصحاح الأول الوصية غاية الرعاية

يبدأ الرسول بالبركة الرسولية كعادته، موضحًا للقديس تيموثاوس خطورة عمله الرعوي في أفسس ألا وهو تقديم الوصية الإلهية، وتحذير المؤمنين من أصحاب الخرافات والمباحثات التي ليست للبنيان، معلنًا له عن غاية رسالته خلال حديثه عن نفسه، حاثًا إياه على الجهاد الروحي في الخدمة الإلهية.

  1. البركة الرسولية ١ – ٢.
  2. غاية الوصية ٣ – 11.
  3. الالتزام بالخدمة ١٢ – ١٧.
  4. الجهاد في الخدمة ١٨ – ٢٠.

البركة الرسولية

“بولس رسول يسوع المسيح

بحسب أمر الله مخلصنا وربنا يسوع المسيح رجائنا،

إلى تيموثاوس الابن الصريح في الإيمان،

نعمة ورحمة وسلام من أبينا والمسيح يسوع ربنا” [١-2].

يقدم الرسول في هذه الافتتاحية البركة الرسولية لتلميذه تيموثاوس بما يناسب احتياجاته والظروف المحيطة به، إذ يُلاحظ فيها الآتي:

أ. إذ يكتب إلى خادم ملتزم بالكرازة وسط أتعاب وضيقات أراد الرسول تأكيد أن الخدمة التي يتسلمها ليست من إنسان بل من الله الآب الذي قدم ابنه الوحيد لخلاص البشرية، ومن الابن نفسه أيضًا، إذ يقول: “بولس رسول يسوع المسيح بحسب أمر الله مخلصنا وربنا يسوع المسيح”. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [من البداية يرفع بولس نفس تيموثاوس ويشجعها، بقوله أن الله مخلصنا والمسيح رجاؤنا. إننا نتألم كثيرًا، لكن رجاؤنا عظيم! إننا نتعرض لفخاخٍ ومخاطرٍ، لكن الذي يخلصنا هو الله لا الإنسان. مخلصنا ليس بضعيفٍ، إذ هو الله، فلا تهزمنا المخاطر أيًا كانت، ورجاؤنا لن يخيب، إذ هو المسيح[1].]

إننا كخدام مُرسلين من قبل الله الآب الباذل ابنه عن البشرية والابن المبذول عنا لخلاصنا يليق بنا أن نقدم حياتنا نحن أيضًا مبذولة بالحب من أجل كل نفس.

في وسط الآلام يرى نفسه “رسولاً” أي مبعوثًا أو سفيرًا عن الله، لا عمل له سوى الشهادة له بحياته كما بكرازته، وقد قبل هذا العمل “بأمر الله“. وقد جاءت كلمة “أمر” في اليونانية لتعني الأمر الملوكي العسكري الذي لا رجعة فيه، فيلتزم بالعمل لتتميم هذا الأمر الإلهي. لقد صدر الأمر حينما أفرزه الله وهو في بطن أمه (غل ١: ٥)، كما أكده بأمر كنسي، حين قال الروح: “افرزوا لي برنابا وشاول للعمل الذي دعوتهما إليه” (أع ١٣ : ٢)، حيث صامت الكنيسة وصلت ووضع التلاميذ الأيدي عليهما.

ب. في هذه الافتتاحية يبرز الرسول دور الآب كمدبر للخلاص، ومُرسل الرسل، وواهب النعم والرحمة والسلام، حتى يؤكد وحدة العمل بين الآب والابن، وكما يقول القديس أمبروسيوس [انظر كيف أن مملكة وأمر الآب والابن هما واحد[2].] بهذا يهدم الرسول ثنائية الغنوسيين الذين يفرقون بين إله العهد القديم، وإله العهد الجديد. فإن كان الرسول بولس يعشق اسم ربنا يسوع المسيح، حتى أنه يكرره ثلاث مرات في هذه الافتتاحية القصيرة، لكنه يعرف ربنا يسوع بكونه الابن الذي قدمه الآب في محبته لخلاصنا، وخلاله ننعم بكل عطايا الآب ونعمه.

ج. إذ يتحدث عن الآب والابن لا يتحدث عن علاقتهما معًا خارجًا عنا، إنما نعرفهما خلال عملهما معًا من أجلنا ولحسابنا، فيدعو الآب أبانا ومخلصنا المسيح ربنا ورجاءنا… وكأن الرسول لا يريد أن يقدم لنا معرفة لاهوتية نظرية تقوم على الحكمة البشرية العقلية وإنما يريد أن نتعرف عليها كسّر حياتنا وخلاصنا وكمالنا.

د. يكرر الرسول في رسائله الرعوية كلمة “مخلصنا” أكثر من غيرها من الرسائل، ليؤكد للراعي أن عمله الرئيسي هو توجيه الرعية إلى مخلصها، وليوضح ضرورة اهتمام الراعي بالعمل الخلاصي فوق كل عمل آخر.

ه. يدعو القديس تيموثاوس “الابن الصريح في الإيمان”، وقد جاءت كلمة “صريح” في اليونانية gensios بمعنى الابن الأصيل أو الحقيقي غير الزائف أو الشرعي. فقد ولده الرسول بعد أن تمخض به خلال أتعاب الكرازة بالإنجيل (١ كو ٤: ١٤–١٦؛ في ١٠)، الابن الروحي الذي يعتز به. يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذا التعبير بالقول: [لا يوجد بينهما اختلاف، فقد حمل تيموثاوس شبهًا له في الإيمان، وذلك كما يحدث في المواليد، حيث يوجد شبه في كيان (الوالد والمولود منه)[3].]

يعتز الرسول بأبوته الروحية لشعب الله، إذ يقول: لأنه وإن كان لكم ربوات من المرشدين في المسيح، لكن ليس آباء كثيرون، لأني أنا ولدتكم في المسيح يسوع بالإنجيل (١ كو ٤: ١٥). هذه الأبوة ليس شرفية، لكنها ملزمة بالمسئولية. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم لأولاده الروحيين: [أني أحبكم حتى أذوب فيكم، وتكونون لي كل شيء: أبي وأمي وإخوتي وأولادي![4]]

إن كان الرسول هو أب للقديس تيموثاوس، فإن هذه الأبوة الروحية تنبع عن أبوة الله للبشرية كلها، لذا يدعو الله “أبانا”. خلال هذه الأبوة يستريح بحق تيموثاوس كما بولس أيضًا، وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [هنا توجد تعزية، فإن كان الله أبانا [٢] فهو يهتم بنا كأبناء، كما يقول المسيح: “أم أي إنسان منكم إذا سأله ابنه خبزًا يعطيه حجرًا؟ (مت ٧ : ٩)[5].]

و. في رسائله غير الرعوية غالبًا ما يكتفي الرسول في البركة الرسولية، أما هنا فيضيف “الرحمة”، وبالعبرية chcsedh، وقد تكررت ما لا يقل عن ١٢٧ مرة في سفر المزامير كموضوع تسبيح الشعب. لقد قدم الله لنا مراحمه ونحن بعد أعداء، فانتشلنا من حالة العداوة إلى البنوة له، ومن الظلمة إلى النور. لذا يليق بنا أن نرد رحمته بالرحمة نحو الآخرين، ويسلك الخدام بروح سيدهم! ويرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن المعلمين محتاجون إلى إدراك مراحم الله وسط الخدمة بسبب الأتعاب التي يعانون منها. هذا وقد سلك الرسول نفسه بالرحمة أيضًا مع تلميذه تيموثاوس، فنراه يشفق عليه، قائلاً: “لا تكن في ما بعد شّراب ماء بل استعمل خمرًا قليلاً من أجل معدتك وأسقامك الكثيرة” (١ تي ٥: ٢٣).

ز. يُلقب السيد المسيح “رجاؤنا”، هكذا كانت الكنيسة الأولى تتمسك بهذا اللقب، ليس لأننا نترجى أن ننال شيئًا فيه وإنما أنه نناله هو. ليس فقط باب الرجاء لكنه موضوع الرجاء نفسه، ففيه نلناه كثير كّسر حياتنا وخلاصنا وأبديتنا!

يقول القديس أغناطيوس الأنطاكي: [افرحوا في الله الآب وفي المسيح يسوع رجائنا المشترك[6].] ويقول القديس بوليكريس: [فلنثبت إذًا في رجائنا وفي ضامن برنا… يسوع المسيح.] ففيه رجاؤنا، حيث ننعم بالطبيعة الجديدة في استحقاقات دمه، بدفننا معه في المعمودية، وفيه ننعم بالنصرة علي الموت وندخل الحياة الأبدية، وفيه ندخل إلى حضن أبيه السماوي لنوجد معه ممجدين.

2. غاية الوصية

أوضح الرسول التزام القديس تيموثاوس بتوجيه المؤمنين في أفسس أن يتجنبوا التعاليم الغريبة والمباحثات الغبية التي ليست للبنيان الروحي، قائلاً له: “كما طلبت إليك أن تمكث في أفسس إذ كنت أنا ذاهبًا إلى مكدونية، لكي توصي قومًا أن لا يعلموا تعليمًا آخر، ولا يصغوا إلى خرافات وأنساب لا حد لها، تسبب مباحثات دون بنيان الله الذي في الإيمان” [٣-٤].

جاءت كلمة “طلبت” في اليونانية بمعنى يطلب أو يتوسل باشتياق، وكأن الرسول لا يميل إلى إصدار أوامر إنما يقدم توسلات لتلميذه. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لاحظ لطف التعبير، إنه يستخدم أسلوب العبد لا السيد[7].]

يطالبه أن يوصي قومًا بأفسس ألاَّ يعلموا “تعليمًا آخر”، وفي اليونانية “تعليمًا غير أرثوذكسي[8]“، أي “غير مستقيم”، قاصدًا الذين يفسرون كلمة الحق بانحراف. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم هكذا: [إنه لم يذكر أشخاصًا بأسمائهم حتى لا يدخل بهم إلى خزي أكثر خلال التوبيخ المباشر المكشوف. لقد وجد الرسول في المدينة بعضًا من رسل اليهود البطالين الذين أرادوا أن يلزموا المؤمنين بحفظ الناموس الموسوي، الأمر الذي عالجه الرسول في رسائله الأخرى. هؤلاء كانوا يعملون بلا دافع من ضمائرهم بقدر ما كان دافعهم المجد الباطل، إذ أرادوا أن يكون لهم تلاميذ، وكانوا يحسدون بولس الطوباوي ويقاومونه[9].]

ما هي الخرافات التي يطالبهم الرسول بعدم الإصغاء إليها؟ ربما قصد ما كتبه للقديس تيطس: “لا يصغون إلى خرافات يهودية، ووصايا أناس مرتدين عن الحق” (تي ١: ١٤). هذا بالنسبة للذين هم من أصل يهودي، أما بالنسبة للذين هم من أصل أممي، فيحذرهم من الأساطير الخرافية التي اتسمت بها الثقافات اليونانية والرومانية والفارسية الخ.، حيث تروي قصصًا عن نزول الآلهة إلى هذا العالم لتتزوج من بنات الناس وينشئوا بذلك فرعًا يمتد أصله إلى السماء.

وما هي الأنساب؟

أولاً: ربما قصد بها الأنساب اليهودية، فكان البعض ممن قبلوا الإيمان المسيحي يعتزون بأنهم من أصل كهنوتي أو من سبط يهوذا الخ.، فيسقطون في المجد الباطل.

ثانيًا: كان في العالم الأممي القديم اهتمام خاص بالأنساب، نذكر على سبيل المثال اسكندر الأكبر، صُنعت له شجرة نسب تعود إلى آشيل Achilles واندروماك Andromache من جانب وإلى برسس Perseus وهرقل Herclues من جانب آخر. ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم إن اليونان كانوا يعددون آلهتهم خلال أنساب معينة.

ثالثًا: يرى القديس إيريناؤس[10] والعلامة ترتليان[11] أن الأنساب هنا تشير إلى بذور الهرطقات الغنوسية التي اعتقد بعضهم أن الكائن الأعظم قد انبثق عنه كائن، وهذا انبثق عنه ثالث، وهكذا حدثت عدة انبثاقات تسمى الأيونات، هذه التي ضعفت من نسب إلى آخر، وان الإنسان يبلغ إلى الكائن الأعظم خلال هذه الوسائط بواسطة المعرفة gnosis[12].

أما قول الرسول عن هذه الأمور أنه “لا حد لها” قصد أنها بلا نهاية أو بلا غاية أو هدف يبلغه الإنسان خلالها.

والآن، ماذا يعني الرسول بقوله: “مباحثات دون بنيان الله الذي في الإيمان”؟ هل يرفض الرسول البحث والمناقشة في الأمور الإيمانية؟

لقد اهتم الغنوسيون بالمعرفة ليست النابعة عن حب الحق والمتسمة بروح متواضع تقوي، وإنما “المعرفة” المتعجرفة التي تهتم بالمباحثات الجافة العقيمة التي بلا حياة. يهدفون إلى المجادلات لأجل ذاتها، بعيدًا عن الحياة التقوية. فاحتلت المعرفة موضع الإيمان كطريق الخلاص. هذه هي “المباحثات دون بنيان الله الذي في الإيمان”، أما المباحثات التي للبنيان فهي التي تدخل تحت دائرة الإيمان، تصدر عن نفس متواضعة تطلب الحق لا للجدال والمناقشة وإنما لتحيا به وتمارسه.

يقول القديس إيريناؤس عن هؤلاء المعلمين: [إنهم يفسدون تعاليم الله، ويثبتون أنفسهم كمفسرين أشرار لكلمة الإعلان الصالحة، يحطمون إيمان الكثيرين بانتزاعهم عن الإيمان تحت ستار المعرفة… يخدعون البسطاء بالكلمات المنمقة والشكل الحسن، محطمين إياهم بسماجة[13].] ويتحدث القديس يوحنا الذهبي الفم عن المباحثات الغبية قائلاً: [يلزمنا إلاَّ ننشغل بالمباحثات، لأننا إذ نسأل لا يكون للإيمان موضع، إذ الإيمان يعطي للمباحثات هدوءً. لكن لماذا يقول السيد: اطلبوا تجدوا، اقرعوا يُفتح لكم (مت ٧: ٧)؟ وأيضًا فتشوا الكتب لأنكم تظنون أن لكم فيها حياة أبدية (يو ٥: ٣٩)؟ الطلب يعني الصلاة والرغبة الشديدة. فهو يأمر بتفتيش الكتب لا للدخول في أتعاب المباحثات وإنما لإنهائها، بالتأكد من معناها الحقيقي، فلا نبقى بعد في مباحثات مستمرة وإنما نقطع فيها[14].]

ما نريد تأكيده أن الإيمان يرفض المباحثات الغبية، لكنه يلتقي مع المباحثات البناءة التي تقوم بروح الإخلاص والشوق الحقيقي لمعرفة الحق والتمتع به تحت قيادة روح الله القدوس. وقد قامت مدرسة الإسكندرية المسيحية منذ بدء انطلاقها تصالح الإيمان مع الفلسفة، وتزوج القلب مع الفكر[15].

يعالج القديس بولس حب الدخول في المباحثات الغبية التي يثيرها الهراطقة بقصد الكبرياء والتمتع بالسلطة، بتحديد هدف الرعاية، ألا وهو تقديم الوصية الإنجيلية بروح الحب الخالص العملي، إذ يقول: “وأما غاية الوصية فهي المحبة من قلب طاهر، وضمير صالح، وإيمان بلا رياء” [٥]. خارج الحب تفقد الوصية وجودها وينحرف المعلمون عن رسالتهم، فتتحول إلى مباحثات غبية تسبب انشقاقات في الجماعة. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إذ لا يحب الناس يحسدون من لهم صيت حسن، مشتاقين أن ينالوا السلطة، وبحبهم للسلطة يقدمون الهرطقات[16].]

المحبة” هي غاية الوصية التي يكرز بها الرسل وكل خدام الكلمة، هذه التي تشبع القلب، وتحدد هدف الإنسان، فلا يرتبك بالمناقشات الباطلة، ولا يعطي لنفسه سماحًا أن تهتم بالمباحثات غير البناءة. يحدد الرسول سمات هذه المحبة، بأنها تصدر عن “قلب طاهر، وضمير صالح، وإيمان بلا رياء”.

  • “وأما غاية الوصية فهي المحبة من قلب طاهر، وضمير صالح، وإيمان بلا رياء” (1 تي 1: ٥)… لكن أي نوع من المحبة يتحدث عنها الرسول؟ المحبة الخالصة التي لا تقوم على كلمات مجردة، إنما تنبع عن الميل الداخلي والوجدان والعاطفة، إذ يقول: “من قلب طاهر…” فالحياة الشريرة تجلب انقسامات، لأن كل من يعمل السيئات يبغض النور (يو ٣: ٢٠). حقًا توجد صداقات حتى بين الأشرار، فالقتلة واللصوص يحبون بعضهم البعض، لكن ليس من ضميرٍ صالح ولا من قلبٍ طاهر، إنما قلب دنس، وليس من إيمانٍ بلا رياء وإنما من إيمانٍ باطلٍ مراءٍ… فالإيمان يشير إلى الحق… ومن يؤمن بالله حقًا لا يقدر أن يبتعد عنه[17].

القديس يوحنا الذهبي الفم

لقد أحبت امرأة فوطيفار الشاب يوسف لكن بقلب غير طاهر، فلم تنفذ الوصية، إذ كانت تحب شهوات نفسها… وإذ حرمها يوسف ألقت به في السجن. وأحب أمنون أخته ثامار جدًا حتى مرض، وعندما لم تشبع شهواته أبغضها جدًا وجعلها في عارٍ. لذا يصر الرسول أن تكون المحبة “من قلب طاهر”، تنبع عن قلب تقدس بسكنى الله القدوس فيه، وضمير صالح أي نية أو إرادة صالحة فلا يداهن ولا يعمل بخبث، وإيمان بلا رياء… أي تنبع محبته للإخوة خلال إيمانه بالله وحبه له. وكما يقول القديس أغسطينوس: [لا يوجد حب حقيقي به نحب الآخرين ما لم نحب الله.

كل إنسان يحب قريبه كنفسه، إن كان محبًا لله، لكنه إن لم يحب الله فلا يحب نفسه[18].] في اختصار نقول أنه بالحب الحقيقي لله خلال إيماننا به وسكناه فينا يحب كل منا نفسه في الرب، كهيكلٍ مقدس له، عندئذ يقدر أن يحب أخاه كنفسه! هذا هو الحب القادر أن يشبع القلب والفكر وكل الأحاسيس، فلا يجد الإنسان مجالاً للمباحثات الفارغة!

يكمل الرسول “الأمور التي إذ زاغ قوم عنها، انحرفوا إلى كلام باطل” [٦]. حقًا إذا زاغ إنسان عن الحب الإلهي الصادق تتحول حياته الداخلية إلى فراغ بلا شبع، فيتحول عن الحق إلى الكلام الباطل والمباحثات التي بلا هدف، لعلها تغطي العجز الداخلي. يتحول الإنسان عن الحياة التقوية والشهادة العملية إلى شهوة التعليم وبلوغ السلطة بلا فهم ولا حكمة، لهذا يكمل الرسول: “يريدون أن يكونوا معلمي الناموس وهم لا يفهمون ما يقولون ولا يقررونه” [٧]. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذا النص قائلاً: [نجد هنا سببًا آخر للشر، وهو شهوة السلطة.

لذلك يقول المسيح: “أما أنتم فلا تدعوا سيدي Rabbi” (مت ٢٣: ٨)، كما يقول الرسول: لا يحفظون الناموس… إنما لكي يفتخروا في جسدكم (غل ٦: ١٣)، أي أنهم يطلبون الكرامة دون أن يهتموا بالحق. “وهم لا يفهمون ما يقولون ولا يقرونه” [٧]. إنه يوبخهم إذ لا يعرفون غاية الناموس ولا الوقت اللازم لنوال السلطان. لكن إن كان هذا عن عدم فهم، فلماذا تُحسب عليهم خطية؟ لأن ما يحدث لا ينبع عن اشتياق فيهم أن يكونوا معلمين للناموس، وإنما عن عدم إيجاد الحب. جهلهم ذاته نابع عن ذات السبب، فالنفس التي تتدنس بالأمور الجسدانية تنطمس فيها نقاوة الرؤية، وبسقوطها عن الحب تسقط في كثرة الخصام وتصاب عينا ذهنها بالعمى… ولا تقدر أن يكون لها الحكم الحق[19]“.]

إذن في اختصار، انحرافهم عن الحب الحقيقي، دخل بهم إلى حالة من الفراغ الداخلي، أرادوا معالجته بالظهور كمعلمين للناموس ومدافعين عنه مع أنهم بعيدون عن غايته الحقيقية. وصارت حياتهم تتسم بكثرة المناقشات والمجادلات، ليس رغبة في البلوغ بأنفسهم وبغيرهم للحق، وإنما من أجل تمتعهم بالسلطة وحب الرئاسة. ولئلا يفهم القارئ أن الرسول يتهم الناموس في ذاته أو التعليم به كأمرٍ غير صالح، أكد: “ولكننا نعلم أن الناموس صالح، إن كان أحد يستعمله ناموسيًا” [٨].

فالخطأ ليس في الناموس، وإنما في إساءة استعماله. يشبههم القديس أغسطينوس بابنتي لوط اللتين أساءتا التصرف مع أبيهما فأنجبا لنا موآب وبني عمون الذين يشيران إلى الأعمال الشريرة، وكانا هما ونسلهما سرّ متاعب لا حصر لها لشعب الله. كما يقول القديس في نفس الموضع: [لم تصدر المتاعب الرئيسية للكنيسة إلاَّ عن الذين يسيئون استخدام الناموس[20].]

ظن بعض المسيحيين الذين من أصل يهودي أن الرسول بولس يتحدث ضد الناموس (أع ٦: ١٣-١٤)، لهذا كان يؤكد بكل وضوح أنه صالح ومقدس (رو ١٢: ١٢) إن استعملناه ناموسيًا، أي أدركنا أن “غاية الناموس هي المسيح للبرّ لكل من يؤمن” (رو ١٠: ٤)، أو كما يقول: “كان الناموس مؤدبنا إلى المسيح لكي نتبرر بالإيمان” (غل ٣: 2٤)، إن قبلنا ابن الله “مولودًا من امرأة مولودًا تحت الناموس ليفتدي الذين تحت الناموس لننال التبني” (غلا ٤: ٤-٥). لقد أخذنا الناموس لا لندخل في مباحثات غبية، وإنما لكي يدين الخطية العاملة فينا، فنقبل السيد المسيح مبرر الخطاة، يحررنا من حكم الموت الذي صار علينا بالناموس.

لهذا يقول الرسول: “فإن الخطية لن تسودكم لأنكم لستم تحت الناموس بل تحت النعمة” (رو ٦: ١٤)، “لأني مت بالناموس لأحيا لله” (غلا ٢: ١٩)، “ولكن قبلما جاء الإيمان كنا محروسين تحت الناموس، مغلقًا علينا إلى الإيمان العتيد أن يعلن، إذ قد كان الناموس مؤدبنا إلى المسيح لكي نتبرر بالإيمان، ولكن بعدما جاء الإيمان لسنا بعد تحت مؤدب” (غل ٣: ٢٣). “ولكن إذا انقدتم بالروح، فلستم تحت الناموس” (غلا ٥: ١٨).

يتحدث القديس يوحنا الذهبي الفم عن دور الناموس، قائلاً: [إن استخدمت الناموس بطريقة سليمة، يقودك إلى المسيح. فإن كان هدفه هو تبرير الإنسان، لكنه يعجز عن تحقيق ذلك، فإنه يقدمك إلى القادر على تحقيق ذلك[21].] لكن إذ ندخل إلى السيد المسيح، وننعم بالحياة المعطاة لنا فيه بالروح القدس، إنما ننعم بما عجز عن تقديمه لنا بالناموس، فلا حاجة للعودة إلى السقوط تحت الناموس من جديد. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إن الفارس يستخدم اللجام في ضبط الفرس في البداية، لكن متى سلك بانضباط فلا حاجة للجام.

والطفل يتعلم الحروف الأبجدية لكن متى صار ماهرًا في القراءة فلا عوز للعودة إلى الأبجدية. هذا هو استعمال الناموس ناموسيًا، أي تحقيق هدفه فينا فنعلو على الناموس ولا نبقى تحته. “الذين هم فوق الناموس ليسوا بعد في مدرسة الناموس، إنما يحفظونه بدخولهم إلى درجة أعلى، ويتممونه خلال ميلهم للفضيلة، وليس عن خوف… فمن يعيش فوق الناموس يستعمله ناموسيًا[22].] بمعنى آخر استخدام الناموس ناموسيًا هو الدخول في الحياة الفاضلة في المسيح يسوع، فلا نبقى تحته، ولا يتحول في حياتنا إلى مباحثات ومجادلات نظرية. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إن كان أحد يتممه بتصرفاته يكون قد تممه ناموسيًا، إنما يستخدمه لنفعه الخاص[23].]

بهذا نفهم الناموس أنه مُقدم للاثمة والأشرار، لكي يقودهم إلى السيد المسيح كمخلصٍٍ لهم، يهبهم الحياة الفاضلة فيه، ويرتفع بهم إلى ما فوق الناموس. لهذا يقول الرسول: “عالمًا هذا أن الناموس لم يُوضع للبار، بل للاثمة والمتمردين، للفجار والخطاة، للدنسين والمستبيحين، لقاتلي الآباء وقاتلي الأمهات، لقاتلي الناس، للزناة لمضاجعي الذكور، لسارقي الناس، للكذابين الحانثين، وإن كان شيء آخر يقاوم التعليم حسب إنجيل مجد الله المبارك الذي اؤتمنت أنا عليه” [٩–١١].

الشرور المذكورة هي أبشع أنواع الخطية المفسدة للنفس التي تقاوم الحياة المقدسة في الرب حسب إنجيل مجده. وقد جاء الناموس من أجل مرتكبيها ليتعرفوا على عجزهم الذاتي التام، فيقبلوا على السيد المسيح ليس كغافر لهم هذه المعاصي المرة فحسب، وإنما ليدخل بهم إلى “مجد الله المبارك” خلال إنجيل خلاصه المجاني. هذا الإنجيل المجيد الذي أؤتمن عليه الرسول يُقدم للأشرار خلال الناموس الذي فضحهم وأعلن بؤسهم.

ويرى القديس أمبروسيوس أن الناموس هام ليس للأبرار بل للأشرار، لأن الأولين يمكن أن ينسحبوا للحياة الفاضلة خلال ناموس ذهنهم، أما الأشرار فيردعهم الناموس خلال الخوف من العقوبة[24].

من جانب آخر، إن كان الرسول يكتب إلى تلميذه تيموثاوس أن موضوع كرازته هو الوصية التي غايتها “المحبة”، فإن هذا الحب يفتح قلبنا لنرى الناموس مقدمًا لأشر الطبقات وأدنسها، ليدخل بها إلى مجد إنجيل الله. وكأن الرسول يوصي تلميذه بالحب لكل إنسان، خاصة الأشرار حتى يقتنصهم من شرهم إلى الحياة الإنجيلية المباركة. لا يقول هنا “الأشرار” بل يحدد الأشرار هكذا:

الأثمة والمتمردون، أي كاسرو الوصية عن عمدٍ، وليس عن ضعفٍ أو في جهلٍ…

الفجار، أي محبو الخطية، الذين يرتكبون آثامهم بجسارة في غير حياءٍ أو خجلٍ!

المستبيحون، أي الذين يشربون الإثم كالماء، دون أدنى إثارة لضمائرهم!

قتلة الآباء والأمهات، يمثلون أقسى أنواع القلوب، إذ هم أشر من الوحوش الكاسرة التي لا تؤذي والديها!

مضاجعو الذكور، أدنس أنواع الزنا والنجاسة، يصنعون النجاسة خلافًا للطبيعة!

سارقو الناس، وهم أشر اللصوص، يخطفون البشر ليبيعوهم كعبيد (خر ٢١: ٦؛ تث ٢٤: ٧).

الحانثون، الذين يرتكبون ألعن أنواع الكذب.

مقاومو التعليم الصحيح، هؤلاء الذين لا يصنعون الشر فحسب، وإنما يقاومون الحق.

من أجل هؤلاء وأمثالهم قدم الله ناموسه، ليدخل بهم إلى الشعور بالحاجة إلى مخلصهم، فكم بالحري يليق بنا أن نفتح قلوبنا بالحب نحوهم، دون الاستهانة بهم أو اليأس من خلاصهم.

  1. الالتزام بالخدمة

إن كانت الوصية غايتها المحبة، هذه التي تفتح قلوبنا بالحب للجميع، فيهتم الراعي بالآثمة والفجار والمستبيحين الخ. فإن هذا العمل ليس فضلاً من جهة الراعي نحو الرعية، إنما أشبه برد الدين، إذ يقابل الراعي محبة الله له بحبه لشعب الله. هذا هو سرّ التزامنا بالخدمة، أنه أحبنا أولاً، فنلتزم أن نحبه في أولاده.

يقدم الرسول بولس نفسه مثلاً عمليًا لعمل الله في حياته، قائلاً: “وأنا أشكر المسيح يسوع ربنا الذي قواني، أنه حسبني أمينًا، إذ جعلني للخدمة، أنا الذي كنت قبلاً مجدفًا ومضطهدًا ومفتريًا، لكنني رُحمت، لأني فعلت بجهلٍ في عدم إيمان” [١٢-١٣]. يقدم الرسول بولس تسبحة شكر لله الذي لما رآه يهوي في الموت بتجديفه واضطهاده كنيسة الله وافترائه، لم ينقذه فحسب، وإنما أقامه خادمًا مؤتمنًا على الحق. لم يغفر له ماضيه فحسب، وإنما أقامه سفيرًا له. كثيرًا ما كان الرسول يعلن ما كان عليه قبلاً كمضطهدٍ ومفترٍ (أع ٢٢: ٧)، ليعلن تفاضل نعمة الله المجانية عليه، منكرًا كل استحقاق شخصي في قيامه بالخدمة، ناسبًا كل الفضل لله، ولكن دون تجاهل لحرية الإرادة الإنسانية التي يقدسها الله.

إنه مدين كل الدين لنعمة الله التي تفاضلت جدًا فأقامته للخدمة، إذ يقول “قواني” أي وهبني “قوته الإلهية” لكي أرد الدين بالحب نحو الذين لم يختبروا بعد عمله الخلاصي، ولكي لا أيأس قط من خلاص إنسان! يقول القديس أغسطينوس: [إذ نال بولس عفوًا عن جرائم عظيمة هكذا، يليق ألاَّ ييأس أحد من أي خطية، فإنها تُغفر له![25]]

لقد أدرك الرسول بولس أنه قد “رُحم“، فما يناله من نعم هو من قبيل مراحم الله المجانية… وكما يقول القديس أغسطينوس: [إنه يقول بأنه رُحم ليس خلال استحقاقاته الذاتية، وإنما خلال مراحم الله[26].] ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لاحظ كيف يشكر الله، إذ يعرف أن حتى ما يفعله من جانبه، إنما هو فضل من الله الذي جعله أناءً مختارًا[27].]

في تواضع يعترف الرسول بولس أنه كان مجدفًا ومضطهدًا ومفتريًا، فلماذا دعاه الله للخدمة دون غيره من المجدفين والمضطهدين والمفترين؟ يجيب القديس يوحنا الذهبي الفم: [لأن ما فعلوه لم يكن بجهل، وإنما بإرادتهم عن معرفة كاملة. توجد شهادة بذلك، إذ يقول الإنجيلي: “ولكن مع ذلك آمن به كثيرون من الرؤساء أيضًا غير أنهم بسبب الفريسيين لم يعترفوا، لئلا يصيروا خارج المجمع، لأنهم أحبوا مجد الناس أكثر من مجد الله” (يو ١٢: ٤٢-٤٣). مرة أخرى قال لهم المسيح: “كيف تقدرون أن تؤمنوا، وأنتم تقبلون مجدًا بعضكم من بعض؟” (يو ٥: ٤٤). بلي، قال اليهود أنفسهم: “انظروا إنكم لا تنفعون شيئًا، هوذا العالم قد ذهب وراءه” (يو ١٢: ١٩).

هكذا كانوا دائمًا محبين للسلطة…، أما بولس فأين كان حينئذ؟ قد يقول قائل أنه كان عند قدمي غمالائيل، ولم يكن له نصيب بين جموع المتآمرين ضد يسوع، لأن غمالائيل لم يظهر كإنسان طموح! إذن كيف ارتبط بولس بالجموع (المقاومة)؟ لقد شاهد التعليم ينمو ويسود، إذ صار مقبولاً على نطاق واسع. ففي حياة المسيح رافقه التلاميذ، وبعد ذلك صار معلمو اليهود مهجورين تمامًا، لذلك قام بولس ضد التعليم ليس كبقية اليهود بدافع حب السلطة وإنما بسبب الغيرة. ماذا كان الدافع لرحلته إلى دمشق؟ لقد ظن أن التعليم مؤذٍ، وكان يخشى من انتشاره في كل موضع. أما اليهود فلم يكن همهم الجموع إنما حب السلطة التي تأثرت بأعمالهم[28].]

ما كان يُحزن قلب بولس هو أن البسطاء قد تعرفوا على السيد المسيح وقبلوا إنجيله، حتى العشارين تمتعوا به، أما هو فقضى غالبية عمره يدرس الناموس، لكن في جهالة، إذ اهتم بحرفه دون غايته، لكن مراحم الله انتشلته إلى الاستنارة!

يقول الرسول: “وتفاضلت نعمة ربنا جدًا مع الإيمان والمحبة التي في المسيح يسوع” [١٤]. لم تقف مراحم الله عند عدم معاقبته على تصرفاته الماضية من تجديف واضطهاد وافتراء، وإنما رفعته إلى حالة “الدخول في المسيح يسوع” ليصير فيه ابنًا لله ووارثًا له. هذا ما شعر به الرسول أمام نعمة الله المتفاضلة جدًا، والفائقة لكل رحمة، لذا يكمل، قائلاً: “صادقة هي الكلمة ومستحقة كل قبول أن المسيح يسوع جاء إلى العالم ليخلص الخطاة الذين أولهم أنا” [١٥]. هذه هي نعمة الله التي انتشلت أول الخطاة!

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لا يرى أحد سجينًا قد صار في القصر ويشك في نوال الرحمة، هكذا كان حال بولس، مقدمًا نفسه مثالاً. فإنه لم يخجل من أن يدعو نفسه خاطئًا، بل بالحري يبتهج بذلك، مقدمًا الدليل الحسن على معجزة الله معه، هذا الذي حسبه أهلاً لحنوٍ فائق. هنا يدعو نفسه خاطئًا بل أول الخطاة، مع أنه في موضع آخر يؤكد “أنه من جهة البرّ الذي في الناموس بلا لوم” (في ٣: ٦) فبالنسبة للبرّ الذي هو من عمل الله، البرّ الذي يطلبه بحق، يُحسب حتى الأبرار في الناموس أنهم خطاة، “إذ الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله” (رو ٣: ١٣).

لذا حينما يتكلم عن بره يقول: “البرّ الذي في الناموس”. إنه كمن يطلب ثروة فيظن في نفسه أنه غني، لكنه متى قارن نفسه بكنوز الملوك يحسب نفسه فقيرًا جدًا وأول الفقراء. هكذا أيضًا إذا قورن حتى الأبرار بالملائكة فإنهم يحسبون خطاة، وإن كان بولس الذي يعمل البرّ الذي في الناموس يُحسب أول الخطاة فأي إنسان يُدعى أنه بار؟ إنه لم يفعل ذلك ليدين حياته ويحكم عليها أنها دنسة، وإنما بمقارنة برّه ببرّ الله يظهر أنه غير مستحق شيئًا، ليس هذا فقط وإنما أراد أن يؤكد بأن الذين يتمتعون بهذا هم الخطاة[29].]

“لكنني لهذا رُحمت،

ليظهر يسوع المسيح فيّ أنا أولاً كل أناة،

مثالاً للعتيدين أن يؤمنوا به للحياة الأبدية” [١٦].

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارة بقوله:

[رُحم حتى لا ييأس أي خاطئ من نوال الرحمة، إنما يشعر كل أحد بتأكيد نواله عطية مشابهة. إنه تواضع متزايد، إذ يدعو نفسه أول الخطاة ومجدفًا ومضطهدًا وغير مستحق أنه يدعى رسولاً، مقدمًا نفسه مثالاً. افترض مدينة مزدحمة سكانها جميعهم أشرار، بعضهم شرهم متزايد والآخر شرهم أقل، فإن الكل يستحق الإدانة. فإن كان من بينهم إنسان يستحق عقوبة أكثر من الكل إذ فعل كل أنواع الشر، وقد أعلن الملك أنه يود العفو عن الجميع ربما لا يصدقوه مثلما لو عفى بالفعل عمن فعل الشر أكثر من الجميع. بهذا لا يطرأ أدنى شك لدي أحد.

هذا ما يقوله بولس: إن الله أراد أن يقدم تأكيدًا كاملاً للغفران عن العصاة، فاختاره كموضوع رحمة الله بكونه أول الخطاة. بنواله الرحمة يبرهن أنه لن تعود بعد توجد دينونة على غيره. إنه كمن يقول: إن كان الله يعفو هكذا فإنه لن يعاقب أحدًا. إن كنت أنا قد خلصت، فلا يشك أحد في الخلاص. لاحظ تواضع هذا الطوباوي إذ لم يقل: “ليظهر فيّ الأناة” بل “كل أناة”، وكأنه يقول: لا حاجة لظهور أناة أعظم مما تظهر في حالتي أنا، فليس عن خاطئ يحتاج إلى عفو الله وكل أناته وليس جزءًا منها مثلي![30]]

“وملك الدهور الذي لا يفنى ولا يُرى،

الإله الحكيم وحده،

له الكرامة والمجد إلى دهر الدهور. آمين” [١٧].

هذه المراحم الإلهية التي رفعت معلمنا بولس الرسول من تحت العقوبة إلى مبعوث الكنيسة ورسولها، تمجد الله ملك الدهور. حقًا لقد تمجد الابن بهذا العمل الإلهي، وتمجد الآب كمدبر لهذا الخلاص. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي: [من أجل هذه الأمور لا نمجد الابن وحده بل والآب أيضًا… يتمجد الآب بالأكثر عندما يصنع الابن أمورًا عظيمة[31].]

كيف نمجد الله ونكرمه؟ إننا لا نكرمه بكلمات التسبيح مثلما نكرمه بالعمل، خلال تقديسنا روحًا وجسدًا في ابنه يسوع المسيح بواسطة روحه القدوس. ليس فقط بتقديسنا نحن، وإنما أيضًا بالصلاة مع العمل الدائم لأجل تقديس كل إنسان روحًا وجسدًا. فإن كان الله قد تمجد في شاول الطرطوسي إذ رُحم وصار رسولاً للحق، فإنه بالحق تمجد بالأكثر بدخول الكثيرين خلاله إلى الحياة الجديدة وتمتعهم بروحه القدوس.

4. الجهاد في الخدمة

بعدما تحدث الرسول مع تلميذه عن الالتزام بالخدمة الرسولية، كدينٍ يوفيه لله الذي أحبه وأنقذه، وعلامة حب صادقة وارتباط بالوصية، فإنه يختم حديثه في هذا الأصحاح عن “الجهاد والخدمة”، إذ يقول: “هذه الوصية أيها الابن تيموثاوس أستودعك إياها، حسب النبوات التي سبقت عليك، لكي تحارب فيها المحاربة الحسنة” [١٨].

يبدو أن البعض قد تنبأ عن القديس تيموثاوس أثناء عماده أو عند بدء خدمته والتزامه بالعمل الرعوي. لهذا إذ يقدم له الرسول الوصية الخاصة بالحب العملي الرعوي، لا يقدمها له من عنده، بل من الله نفسه الذي دعاه للخدمة. موضوع هذه الوصية هي أن يحارب روحيًا المحاربة الحسنة، أي يجاهد في الخدمة كمن هو في جيش روحي، لينقذ كل نفس من أسر الخطية. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [كما أن في الجيش لا يخدم الكل بنفس الطاقة، إنما كل يعمل حسب موقعه، هكذا في الكنيسة يعمل واحد كمعلم وآخر كتلميذ وثالث كفردٍ من الشعب[32].]

ماذا يعني الرسول بالمحاربة الحسنة التي يلتزم بها القديس تيموثاوس؟

لا يكفي أن يجاهد في خدمته، وإنما يلزمه أن يجاهد حسنًا، أي يقدم الوصية كما يليق، يقدم وصية الله الممتدة في العهد القديم كما في العهد الجديد بروحٍ واحد وفكرٍ واحد. يقول القديس إكليمنضس السكندري أن ما ذكره الرسول هنا عن النبوات لا يخص القديس تيموثاوس شخصيًا، إنما هي نبوات العهد القديم عن الكرازة بالعهد الجديد. وكأن ما يفعله القديس تيموثاوس في خدمته إنما يحقق هذه النبوات الخاصة بالكرازة بالإنجيل.

إذ يتحدث الرسول عن الجهاد الروحي للخادم يربط الحياة الداخلية الخاصة بالخادم بالعمل الكرازي دون انفصال، إذ يقول له: “ولك إيمان وضمير صالح، الذي إذ رفضه قوم انكسرت بهم السفينة من جهة الإيمان أيضًا، الذين منهم هيمينايس والاسكندر، اللذان أسلمتهما للشيطان لكي يؤدبا، حتى لا يجدفا” [٢٠].

إن كان في كل وقد يوجد مقاومون للحق كما حدث في أيام موسى وهرون حيث ظهر الساحران، فإن الراعي الناصح يلزمه وهو يسند شعب الله ضد المقاومين للتعليم الصحيح ألا يفقد حياته الروحية، إنما ليكن له “إيمان وضمير صالح”. يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على العبارة الرسولية السابقة هكذا:

[من أراد أن يكون معلمًا يلزمه أولاً أن يعلم نفسه. وكما أن الذي لم يكن يومًا ما جنديًا لا يقدر أن يكون قائدًا هكذا المعلم أيضًا (يلزمه أن يكون تلميذًا).] لهذا يقول في موضع آخر: “بعد ما كرزت للآخرين لا أصير أنا مرفوضًا” (١ كو ٩: ٢٧).

يقول: “لك إيمان وضمير صالح” حتى تقدر أن تدبر لآخرين. عندما نسمع هذا لا نستخف بوصايا رؤسائنا حتى وإن كنا نحن أنفسنا معلمين، لأنه إن كان تيموثاوس الذي لا نستحق نحن جميعًا أن نُقارن به قد تقبل وصايا وكان يتعلم مع أنه كان معلمًا فكم بالحري يجب علينا نحن أن نقبل ذلك؟[33]]

ويقول الأسقف أمبروسيوس: [إنني أرغب في الجهاد والتعلم حتى أكون قادرًا على التعليم، لأنه يوجد سيد واحد (الله) الذي وحده لا يتعلم ما يعلّمه للجميع[34].]

أما وقد رفض بعض المعلمين الإيمان والضمير الصالح فقد “انكسرت بهم السفينة من جهة الإيمان أيضًا“. هذا أمر طبيعي، فإن الحياة الفاسدة تدفع حتى المعلمين للانحراف عن الإيمان المستقيم ويسقطوا في هرطقات وبدع، وبالتالي تنكسر بهم السفينة من جهة الإيمان.

بمعنى آخر، كما تلتحم الحياة الروحية الفاضلة في المسيح بالإيمان المستقيم ليحيا الإنسان برجاء الفرح، هكذا تلتحم الحياة الفاسدة بالمباحثات الغبية البعيدة عن الإيمان المستقيم لتنكسر السفينة، ولا يجد المسيحي له ملجأ. وكأن الحياة هي وحدة واحدة متكاملة لا تنفصل فيها التقوى عن استقامة الحياة، وبالتالي عن الرجاء المفرح، كما لا ينفصل الفساد عن الانحراف الإيماني والسقوط في اليأس. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إن كان أحد ينحرف عن الإيمان لا يكون له ثبات، فيسبح هنا وهناك حتى يفقد نفسه في الأعماق[35].]

يقدم لنا الرسول مثالين، قائلاً: “الذين منهم منهم هيمينايس والاسكندر، اللذان أسلمتهما للشيطان لكي يؤدبا، حتى لا يجدفا” [٢٠]. أما هيمينايس فهو المذكور في (٢ تي ٢: ١٧)، واصفًا إياه أنه قد زاغ عن الحق قائلاً إن القيامة قد حصلت، فيقلب إيمان كل قوم. قدم تعاليمه المضللة بإساءة استخدام كلمات السيد المسيح عن قيامة النفس من موت الخطية بالإيمان به، منكرًا قيامة الجسد في اليوم الأخير. أما الاسكندر فغالبًا هو المذكور في (٢ تي ٤: ١٤) “اسكندر النحاس أظهر لي شرورًا كثيرة، فليجازيه الرب حسب أعماله”.

هذان الرجلان رفضا صوت الله لكبرياء قلبيهما، فسقطا في الحياة الشريرة، وانحرفا عن الإيمان كثمرة هذه الحياة الفاسدة. لذا رأى الرسول بولس أن يسلمهما للشيطان ليس للانتقام منهما، وإنما لتأديبهما. ربما قصد بذلك الحكم عليهما بالقطع من شركة الكنيسة المقدسة حتى لا يُفسدا أفكار الإخوة، وفي نفس الوقت ربما بحرمانهما من الشركة يرجعان إلى الله بالتوبة. هذا ما حكم به الرسول على مرتكب الشر مع امرأة أبيه في كورنثوس، إذ يقول: “باسم ربنا يسوع المسيح إذ أنتم وروحي مجتمعون مع قوة ربنا يسوع المسيح، أن يسلم مثل هذا للشيطان لهلاك الجسد، لكي تخلص الروح في يوم الرب يسوع، ليس افتخاركم حسنًا، ألستم تعلمون أن خميرة صغيرة تخمر العجين كله؟” (١ كو ٥: ٤–٦)

يتساءل القديس يوحنا الذهبي الفم: [لكن كيف يعلمهما الشيطان ألا يجدفا؟ هل يقدر أن يعلم غيره داك الذي لم يعلم نفسه، إذ لا يزال هو مجدفًا؟ ويجيب: إنه لا يعلمهما بل كما قيل “لكي يؤدبا”، إنه لا يقوم بعمل (التعليم) وإن كانت هذه هي النتيجة… فكما أن الجلادين وإن كانوا هم أنفسهم موسوسين بجرائم لا حصر لها يكونون سببًا في إصلاح الغير، هكذا يكون الأمر بالنسبة للشيطان[36].]

وكما يقول العلامة ترتليان: [بالتأديب يتعلما ألا يجدفا، فقد أعطى لخدام الله السلطان لتسليم الشخص للشيطان مع أن الشيطان نفسه ليس له سلطان علينا من ذاته[37].]

ويقول القديس چيروم: [كأن الشيطان جلاد يستخدمه الرب فيعني الرسول أن الخطاة يسلمون للشيطان لتأديبهم بواسطته حتى يرجعون إلى الله[38].]

يلاحظ أن الرسول يقول “لكي يؤدبا“، فهو لا يبغي العقوبة للانتقام، وإنما يطلب التأديب للإصلاح، لهذا وإن بدا قاسيًا على مرتكب الخطية مع امرأة أبيه (١ كو ٥: ٤–6) لكنه إذ قُطع هذا العضو عن الشركة المقدسة، وأظهر حزنًا شديدًا بالتوبة خشي عليه الرسول من اليأس، فأسرع يكتب إلى أهل كورنثوس قائلاً: “إن كنت أحزنكم أنا، فمن هو الذي يفرحني إلاَّ الذي أحزنته… هكذا يكفيه هذا القصاص الذي من الأكثرين، حتى تكونوا بالعكس تسامحونه بالحري وتعزونه لئلا يُبتلع مثل هذا من الحزن المفرط، لذلك أطلب أن تمّكنوا له المحبة” (٢ كو ٢: 2، ٧-٨).

ويوضح الرسول غاية التأديب بقوله: “لذلك أكتب بهذا وأنا غائب لكي لا أستعمل جزمًا وأنا حاضر حسب السلطان الذي أعطاني إياه الرب للبنيان لا للهدم” (٢ كو ١٣: ١٠)… ويعلن الرسول كيف لا يشتاق إلى التأديب بل الترفق، إذ يقول: “ماذا تريدون: أبعصا آتي إليكم أم بالمحبة وروح الوداعة؟” (١ كو ٤: ٢١).

[1] In 1 Tim., hom. 1.

[2] On Christian Faith 3 : 12.

[3] In 1 Tim., hom. 1.

[4] للمؤلف: القديس يوحنا الذهبي الفم، ١٩٨٠، ص ١٧.

[5] In 1Tim, hom 1.

[6] Ad. Eph.

[7] In 1 Tim, hom 1.

[8] Pulpit Comm. v. 21, p2.

[9] In 1 Tim, hom 1.

[10] Adv. Haer. lib. 1.

[11] Adv. Valentinus 3.

[12] راجع في هذا الكتاب المقدمة عن الرسائل الرعوية (الهرطقات المعاصرة: ٤).

[13] Adv. Haer. 1: 1.

[14] In 1Tim, hom 1.

[15] للمؤلف: آباء مدرسة الإسكندرية الأولون، ١٩٨٠، ص ١٤، ١٥.

[16] In 1Tim, hom 2.

[17] In 1Tim, hom 2.

[18] In Joan, Tr. 87 : 1.

[19] In 1Tim, hom 2.

[20] On Ps. 6.

[21] In 1Tim, hom 2.

[22] In 1Tim, hom 2.

[23] In 1Tim, hom 2.

[24] cf. Duties of Clergy 3 : 5.

[25] In. Ps. 85.

[26] In Joan. tr. 3 : 10.

[27] In 1Tim, hom 3.

[28] In 1Tim, hom 3.

[29] In 1Tim, hom 4.

[30] In 1Tim, hom 4.

[31] In 1Tim, hom 4.

[32] In 1Tim , hom 5.

[33] In 1Tim , hom 5.

[34] للمؤلف: الحب الرعوي، 1966، ص ٧٠٠.

[35] In 1Tim, hom 5.

[36] In 1Tim, hom 5.

[37] De Fuga in Persecutione 2.

[38] In Ps. Hom.34.

تفسير رسالة تيموثاوس الأولى 1 الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة تيموثاوس الأولى 6 الأصحاح السادس – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة تيموثاوس الأولى 6 الأصحاح السادس – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة تيموثاوس الأولى 6 الأصحاح السادس – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة تيموثاوس الأولى 6 الأصحاح السادس – القمص تادرس يعقوب ملطي

الأصحاح السادس العلاقات الاجتماعية

بعد أن تحدث عن التنظيمات الكنسية موضحًا علاقة الراعي بفئات الشعب من شيوخ وأحداث وعجائز، ومسئولية الكنيسة نحو الأرامل والكهنة، وسيامة الكهنة الخ. يقدم لنا الرسول صور حية عن العلاقات الاجتماعية خاصة بين العبيد والسادة في الرب.

  1. وصايا للعبيد ١ – ٢.
  2. الاهتمام بالجانب العملي ٢ – ٥.
  3. توجهيات للأغنياء ٦ – ١٩.
  4. وصية ختامية ٢٠ – ٢٢.

1. وصايا للعبيد

يقدم الرسول الخطوط العريضة لتلميذه في توجيهاته للعبيد كما للسادة الأغنياء لكي تكون خدمته عملية ومثمرة، بعيدة عن المماحكات الكلامية الباطلة. “جميع الذين هم عبيد تحت نير، فليحسبوا سادتهم مستحقين كل إكرام، لئلا يُفتري على اسم الله وتعليمه” [1].

اهتم الرسول في كتاباته بالعبيد الذين قبلوا الإيمان المسيحي، مقدمًا لهم وصايا يلتزمون بها كما قدم للسادة المسيحيين وصايا تجاه العبيد. إن كان الرسول لم يقم بثورة علنية ضد نظام العبيد، لكنه بالحب والإيمان كان يهدم النظام من جذره. لقد رفع من معنوية العبد، وقدم له رسالة إيمانية خلال حياته التقوية حتى تجاه سيده القاسي.

يوجه الرسول حديثه إلي العبيد الذين هم “تحت النير”، وكأنه يعلن لهم أنه يتحدث معهم كمن يشعر بآلامهم وأثقالهم، ويدرك أنهم تحت نير، يتحدث خلال الواقع العملي لا الفكر الفلسفي النظري. حقًا ليس في مقدوره أن يرفع عنهم هذا النير، لكنه إذ يقدم لهم إمكانية الحياة الجديدة في المسيح يسوع يرفع نفوسهم فوق كل ما هو مادي أو نفسي. فلا يتطلع العبد إلى نفسه وهو تحت نير العبودية كمن هو في مذلة ومرارة، لكنه إذ يحمل فيه “المسيح يسوع” يرتفع بقلبه وفكره وأحاسيسه فوق النير، ليعلن الحق الإنجيلي لسيده العنيف، لا خلال المماحكات الكلامية، ولا العنف، وإنما خلال الحياة الإنجيلية وسلوكه الإيماني المملوء حبًا.

فيأسر سيده بالحب، ويجتذبه بالحياة العملية. بهذا يعيش العبد في طاعة لسيده العنيف، لا عن خوف أو قسر، إنما خلال إيمانه بالله في المسيح يسوع ربنا. وقد كشف لنا التاريخ عن عبيدٍ كثيرين استطاعوا أن يجتذبوا سادتهم إلى الإيمان، بل وخرج من السادة أنفسهم من ثار على هذا النظام الجائر.

بهذا المنظار الروحي يرفع الرسول الإنسان فوق كل الظروف المحيطة به، فيحقق غايته حتى وإن كان عبدًا لسيدٍ عنيفٍ. في هذا يقول القديس أمبروسيوس: [مع أن يوسف جاء عن أسرة البطاركة الشرفاء لكنه لم يخجل من عبوديته الوضيعة، بل زينها بخدمته الحاضرة، وجعلها مجيدة بفضائله. لقد عرف كيف يتواضع، ذاك الذي صار سلعة في يدي المشتري والبائع، ودعاهما “سيدي”.

أنظر إلى تواضعه وهو يقول: “هوذا سيدي لا يعرف معي ما في البيت، وكل ما له قد دفعه إلى يدي، ليس هو في هذا البيت أعظم مني، ولم يمسك عني شيئًا غيرك لأنك امرأته، فكيف أصنع هذا الشر العظيم وأخطىء إلى الله؟” (تك ٣٩: ٨-٩). كلماته مملوءة تواضعًا وعفة، مملوءة تواضعًا، إذ كان مطيعًا لسيده بروحٍ كريمة يعترف بجميله، ومملوءة عفة، إذ حسبها خطية مرعبة أن يتدنس بجريمة عظيمة كهذه[1].]

لقد رفع السيد المسيح روح العبيد، فإنه وهو ابن الله الكلمة جذب إليه البشرية لا بالكشف عن أمجاده الإلهية، وإنما بقبوله “العبودية”. فجاء يغسل الأقدام بيديه كعبدٍ والقلوب بدمه الطاهر! لهذا لم يستنكف الرسول بولس أن يعلن أنه قد استعبد نفسه لكثيرين، حتى يرفعهم من حالة العبودية للخطية إلى البنوة الحرة لله! إذن في حبنا للغير لا نستنكف من خدمهتم، بل بكل فرح نستعبد أنفسنا لهم في المسيح يسوع، نحبهم ونطيعهم ونخضع لهم في الرب، حتى نأسر عنفهم وقسوتهم وندخل بهم إلى حرية الحب الإلهي.

هذا بالنسبة للعبيد في علاقتهم بسادتهم غير المؤمنين أو المرؤوسين في معاملاتهم مع الرؤساء العنفاء، فما هو موقفهم مع المؤمنين اللطفاء؟ يقول الرسول: “والذين لهم سادة مؤمنون لا يستهينوا بهم لأنهم إخوة، بل ليخدموهم أكثر، لأن الذين يتشاركون في الفائدة هم مؤمنون ومحبون، علّم وعظ بهذا” [2].

إن كان العبد المؤمن يخضع بالطاعة للسيد غير المؤمن من أجل تمجيد الله وإعلان إنجيله حتى لا يجدف على الله، فإنه ملتزم أيضًا بالخضوع للسيد المؤمن من أجل الأخوة والحب. حقًا في الإيمان يدخل الكل في أخوة صادقة إذ “ليس عبد ولا حرّ في المسيح يسوع(غل ٣: ٢٨، ١ كو ٣: ١١).

لكن هذه الأخوة لا تعني أن نسلب الكرامة ممن لهم الكرامة أو نهضم حق إخوتنا من نحونا. إيماننا في المسيح يسوع يهبنا المساواة في الروح والحق أمام الله والكنيسة، لكنه لا يعفينا من التزاماتنا الزمنية سواء الخاصة بالعمل أو القرابة، كخضوع الابن لأبيه، وأمانة العامل لحساب صاحب العمل. الأخوة لا تعني استهتارًا أو استحقاقًا بحقوق المؤمنين، إنما بالعكس تدفع المرؤوس للأمانة في تقديم واجباته نحو المؤمنين بجدية صادقة. يقول الرسول: “بل ليخدمونهم لأنهم مؤمنون ومحبوبون”، ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم: [كأنه يقول: إن كنتم تحسبونه نفعًا عظيمًا أن يكون سادتكم إخوة لكم، فعلى هذا الأساس يلزمكم بالأكثر أن تخضعوا لهم[2].]

إن كان هكذا يليق بالعبيد أن يطيعوا سادتهم ويحبونهم فكم بالحري يليق بنا أن نخضع لسيد البشرية كله ونحبه. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لنخجل أيها الأحباء ولنخف! ليتنا نخدم سيدنا كما يخدمنا عبيدنا[3].] كما يقول عن العبيد: [خوف سادتهم أمام أعينهم، وخوف سيدنا ليس أمامنا على الإطلاق[4].]

2. الاهتمام بالجانب العملي

علم وعظ بهذا.

إن كان أحدًا يعلم تعليمًا آخر

ولا يوافق كلمات ربنا يسوع المسيح الصحيحة

والتعليم الذي هو حسب التقوى،

فقد تصّلف، وهو لا يفهم شيئًا،

بل هو متعلل بمباحثات ومماحكات الكلام التي فيها يحصل الحسد

والخصام والافتراء والظنون الردية،

ومنازعات أناس فاسدي الذهن وعادمي الحق يظنون أن التقوى تجارة.

تجنب مثل هؤلاء” [2-5].

يوصي الرسول تلميذه أن يعلم ويعظ، لعله قصد بالتعليم تقديم الإيمان المستقيم والعقيدة المسيحية، وبالوعظ أي تحويل العقيدة إلى حياة عملية وتطبيقات سلوكية. كأن الرسول يوصيه أن يمزج العقيدة بالسلوك، والإيمان بالعمل! ويرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن امتزاج التعليم بالوعظ إنما يعني امتزاج السلطة كمعلم بالحنو كواعظ، قائلاً: [لا يحتاج المعلم إلى السلطان وحده وإنما إلى اللطف أيضًا، وليس إلى اللطف وحده وإنما إلى سلطان أيضًا[5].]

يقول الرسول: “علّم وعظ بهذا” ماذا يقصد “بهذا”؟ أي بما سبق فأعلنه بروح المسيح، روح التقوى العملية في المسيح يسوع ربنا. هذه التي إن انحرف عنها أحد ليتكلم من عنده حسب الحكمة البشرية وليس بما يعلمه الروح القدس (١ كو ٢: ١٣) يكون متصلفًا ومتكبرًا. فإن الكبرياء يحوّل الإيمان إلى مماحكات ومباحثات غبية تفسد حياة الإنسان الروحية، وتنزع منه روح التقوى، بل وتدفع الكنيسة كلها إلى الحسد والخصام والافتراءات والظنون الرديئة، فتنشأ منازعات فاسدة كلها خبث ودهاء واحتيال، ليس فيها شيء من الحق. بهذا تتحول التقوى إلى تجارة، إذ يعمل أصحاب المنازعات لا لحساب المسيح وبنيان الكنيسة، وإنما لحسابهم الخاص. لذا يؤكد الرسول: “تجنب مثل هؤلاء”.

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على العبارات السابقة: [لا ينبع التصلف عن المعرفة، إنما عن عدم المعرفة، فمن يعرف تعاليم التقوى يميل بالأكثر إلي التواضع. من يعرف الكلمات المستقيمة لا يكون غير مستقيم]، كما يقول: [من يعرف ما لا يلزم معرفته فهو عديم المعرفة، والكبرياء تنشأ عن عدم المعرفة[6].]

يتحدث القديس كبريانوس عن خطورة هؤلاء الهراطقة المتصلفين الذين يقسمون الكنيسة ويفسدون الإيمان، قائلاً: [يقول الرسول: “لا يغركم أحد بكلام باطل، لأنه بسبب هذه الأمور يأتي غضب الله على أبناء المعصية فلا تكونوا شركاءهم” (أف ٥: ٦-٧). ليس هناك علة للانخداع بكلماته الباطلة والاشتراك معه في فساده. اهرب من مثل هذا. أتوسل إليك وأرجوك يا من تسكب صلوات يومية للرب، يا من ترغب في أن تنسحب إلى الكنيسة خلال رأفات الله، يا من تصلي من أجل سلام الله الكامل (الكنيسة) الأم وللأولاد (المؤمنين).

لتلتحم طلباتك وصلواتك مع طلباتنا وصلواتنا، ولتختلط دموعك بنحيبنا. لنحذر الذئاب التي تفصل القطيع عن الراعي. تجنب لسان الشيطان السام، الذي هو مخادع وكذاب منذ بدء العالم، يكذب لكي يخدع، ويداهن لكي يضر، يعد بالحسنات لكي يبث شرورًا، يعد الحياة ليقدم موتًا… يعد بالسلام لكي لا يتحقق السلام، وبالخلاص حتى لا يبلغ الخاطيء للخلاص، ويعد بالكنيسة مع أنه يبذل كل الجهد لكي يدفع كل من يؤمن به إلى الهلاك تمامًا خارج الكنيسة[7].]

3. توجهيات للأغنياء

وأما التقوى مع القناعة فهي تجارة عظيمة” [6]. إذ يسقط أصحاب المناقشات الفاسدة والمماحكات في محبة الأرضيات، محولين التقوى إلى تجارة، مستغلين الروحيات لصالحهم الخاص، إذ بهم في الحقيقة يخسرون، لأن “التقوى مع القناعة هي تجارة عظيمة”. كلما ترك الإنسان محبة العالم وراء ظهره أشبعه الله روحيًا ونفسيًا وماديًا أيضًا. كلما زهد الإنسان فيما هو للعالم يعطيه الله بالأكثر، إذ لا يخشى عليه من أمور العالم، وذلك كما حدث مع أبينا إبراهيم. بقدر ما ترك كان يأخذ، وعلى العكس بقدر ما طمع لوط في الأرضيات خرج فارغ اليدين حتى زوجته فقدها. لذلك يقول مار اسحق السرياني بأن من طلب الكرامة هربت منه، ومن تركها جرت وراءه وتعلقت به.

بروح التقوى يدرك المؤمن الحقيقي هذه الحقيقة: “لأننا لم ندخل العالم بشيء، وواضح أننا لا نقدر أن نخرج منه بشيء، فإن كانت لنا قوت وكسوة فلنكتف بهما” [7-٨]. إدراكه أنه يدخل العالم بلا شيء، وخروجه منه بلا شيء، يجعل قلبه مقتنعًا بالقليل جدًا، فيعيش لا للترف وإنما لمجرد الحياة. يريد ما يكفي قوت جسده وما يستره ليحيا بقوة الروح حتى يخرج. أما من يشتهي غنى هذا العالم، فيعيش في حالة فقر داخلي لا تقدر أمور العالم أن تشبعه، إذ يقول الرسول: “وأما الذين يريدون أن يكونوا أغنياء فيسقطون في تجربة وفخ وشهوات كثيرة غبية ومضرة، تغرق الناس في العطب والهلاك، لأن محبة المال أصل لكل الشرور، الذي إذا ابتغاه قوم ضلوا عن الإيمان، وطعنوا أنفسهم بأوجاعٍ كثيرةٍ” [٩-١٠].

وللقديس يوحنا الذهبي الفم تعليق هام، [يقول الرسول: “الذين يريدون أن يكونوا أغنياء” ولم يقل “الذين هم أغنياء” بل الذين يشتهون الغنى. فالإنسان الذي له مال يستخدمه حسنًا دون أن يبالغ في تقييمه له، مقدمًا إياه للفقراء، مثل هذا لا يُلام، إنما يلام من كان طماعًا[8].] لقد اهتم القديس إكليمنضس السكندري بمعالجة هذا الأمر فكتب مقالاً تحت عنوان “هل يخلص الغني؟” موضوعه الرئيسي تأكيد أن الغنى ليس شرًا في ذاته، إنما شهوة الغنى هي الشر. بدون المال ما كان يمكن تقديم العون للفقراء والمرضى والغرباء الخ.

ليس الغنى وإنما الاستعباد للغنى هو الذي يدفع الإنسان إلى الدخول في تجارب وفخاخ وشهوات كثيرة غبية مضرة تغرق الناس في الهلاك. يثقل الإنسان فيحطمه في الأعماق، فلا يقدر أن يرتفع على مياه العالم. أما النفس التي تحررت من محبة الغنى وشهوته، فتقدر أن ترتفع لتطأ أمواجه تحت قدميها، وتعلو فوق كل تياراته. النفس المتحررة من حب العالم تعيش في حرية صادقة لا يقدر أحد أن يقتنصها.

لأن محبة العالم أصل لكل الشرور، الذي إذا ابتغاه قوم ضلوا عن الإيمان، وطعنوا أنفسهم بأوجاعٍ كثيرة[١٠]. هكذا يرى الرسول محبة المال أصل كل الشرور، إن أسر قلبًا ينحرف به عن الإيمان المستقيم، يطعن الإنسان الداخلي بآلام كثيرة. بسبب المال قد ينكر الإنسان إلهه، أو يعصى وصيته الإلهية، فيلجأ إلى السرقة أو القتل أو إثارة الانقسامات الخ.

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذا القول الرسولي هكذا:

[انزع محبة المال تنتهي الحروب والمعارك والعداوة والصراعات والنزاعات. لذا يجب طرد محبي المال من العالم، فإنهم كالذئاب والأوبئة. وكما أن الرياح العنيفة المضادة إذ تكتسح بحرًا هادئًا تثيره من أعماقه، فتجعل الرمال الراكدة في الأعماق مختلطة بالأمواج العالية، هكذا يربك محبو المال كل شيء، ويسببون اضطرابًا. الإنسان الطامع لا يعرف له صديقًا قط. ولماذا أقول صديقًا، فإنه لا يعرف حتى الله نفسه!…

إنه كالنار التي تمسك في الخشب فتدمر كل ما حولها. هكذا يحطم هذا الألم (محبة المال) العالم.

يتعرض لهذا الألم الملوك والعظماء، الشرفاء والفقراء، النساء والرجال والأطفال، مع أننا نسمع في الأماكن العامة والخاصة عظات عن الطمع، لكن ليس منهم من ينصلح حاله. إذن ماذا نفعل؟ كيف نطفيء هذا اللهيب؟ فإنه وإن كان قد ارتفع حتى السماء لكن يلزم إطفائه. لتكن لنا الإرادة، وعندئذ يمكننا السيطرة على الحريق الهائل!

كما أنه بإرادتنا التهب هكذا بإرادتنا يجب إخماده!… إذن لتكن لنا الإرادة. ولكن كيف تتولد هذه الإرادة؟ إن أدركنا بطلان الغنى وعدم نفعه، وعرفنا أنه لا يرحل معنا من هنا، بل سيتركنا حتى ونحن بعد هنا. إنه يتراجع وراءنا، تاركًا إيانا في جراحات ترافقنا عند رحيلنا.

إن أدركنا وجود غنى هناك (في السماء) إن قورن به غنى هذا العالم يظهر الأخير أكثر حقارة من الروث. إن أدركنا أنه محفوف بمخاطر لا حد لها، فمع ما فيه من لذة مؤقتة لكنه مرتبط بالحزن. إن تأملنا غنى الحياة الأبدية الحقيقية نقرر احتقار غنى العالم، إن تذكرنا أنه لا ينفع شيئًا سواء من مجد أو صحة أو شيء آخر، بل على العكس يغرق الناس ويدفع بهم إلى الهلاك والدمار[9].]

يربط الرسول بين محبة المال والانحراف عن الإيمان، إذ يقول: “الذي إذا ابتغاه قوم، ضلوا عن الإيمان“. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [يجتذب الطمع أعينهم إليه، ويسرق أذهانهم، ولا يسمح لهم أن ينظروا طريقهم. وذلك كما لو أن إنسانًا يسير في طريق مستقيم غالبًا لا يعرفه، فيعبر على المدينة التي يسرع إليها وتتعب قدماه بطريقة عشوائية، إذ يسير بلا هدف. هذا هو ما يعمله الطمع[10].]

يتحدث القديس كبريانوس عن رباطات شهوة الغنى، إذ يقول: [كيف يقدرون أن يتبعوا المسيح من تثقلوا بأغلال غناهم؟ أو كيف يقدرون أن يطلبوا السماء، ويتسلقون المرتفعات السامية العالية، هؤلاء الذين تثقلوا بالشهوات الأرضية؟ يظنون أنهم يملكون مع أنهم مملوكون، إنهم عبيد لأرباحهم وليسوا سادة على ما لهم![11]]

ربما يتساءل البعض: لماذا تحسب محبة المال أصل لكل الشرور، مادمت لا أطلب مال الغير بل ما هو لي؟ يجيب العلامة ترتليان: [يعلن روح الرب بالرسول: “محبة المال أصل لكل الشرور”. ليتنا لا نفسر “محبة المال” هذه بكونها مجرد اشتهاء ما للغير، وإنما محبة ما يبدو أنه ملك لنا، فإن هذا أيضًا هو ملك للغير، فإنه ليس شيء ملكًًا لنا مادام كل شيء هو لله، بل حتى أنفسنا هي ملك له[12].]

نختم حديثنا عن “محبة الغنى” بقول القديس إكليمنضس السكندري: [أفضل الغنى هو الافتقار في الشهوات.] لنطلب الغنى الحقيقي والأفضل حيث لا يكون في القلب شهوات، بل يكون في حالة فقرٍ فيها، ذلك إن كان القلب في حالة شبع حقيقي في المسيح يسوع مصدر الغنى الحقيقي، كقول الرسول لأهل كورنثوس: “إنكم في كل شيء استغنيتم فيه” (١ كو ١: ٥).

يقدم لنا الرسول بولس في الجانب الإيجابي للهروب من محبة الغنى الزمني بطلب الغنى فيما للمسيح، بل الغنى في المسيح نفسه، إذ يقول: “وأما أنت يا إنسان الله، فاهرب من هذا، واتبع البرّ والتقوى والإيمان والمحبة والصبر والوداعة[١١].

إذ يريد تحريرنا من محبة الغنى الزمني يذكرنا بمركزنا الحقيقي، قائلاً: “يا إنسان الله” فإن رجل الله يطلب غناه فيما هو لله لا فيما هو زمني وزائل. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [يا له من قلب عظيم الكرامة! إننا جميعًا نُحسب كأناس الله، لكن البار على وجه الخصوص هو “إنسان الله“… إن كنت إنسان الله فلا تطلب الأمور الكمالية التي لا تقودك لله، بل “اهرب من هذا واتبع البرّ“. لا تكن طماعًا، بل اتبع “التقوى” أي سلامة التعليم، والإيمان الذي هو ضد المباحثات، والمحبة، والصبر، والوداعة[13].]

هكذا يعالج الرسول الطمع بكل وسيلة إيجابية وسلبية، فبعد أن أبرزه كأصل لكل الشرور وعلة الانحراف الإيماني كما السلوكي، أبرز مركز المؤمن كإنسان الله، تعلو نفسه فوق الزمنيات المؤقتة، ليطلب الأحضان الأبوية الأبدية. فإنه لن يقدر أن يهرب من الطمع مادامت نظرته ملتصقة بالسفليات، وقلبه يزحف على الأرض، أما إن أدرك مركزه يرتفع قلبه إلى حيث كنزه في حضن الآب. هذا والهروب من الطمع ومحبة الزمنيات ليست خسارة أو فقدان بل هي حالة امتلاء وشبع من المسيح يسوع نفسه بكونه “البرّ” الحقيقي، والحب الإلهي الخ. ففيه تختبر النفس حياة التقوى لتعيش في غنى داخلي خلال القناعة، ولا تشعر بالعوز إلى شيء. إذن عوض محبة الزمنيات ننعم بالحياة الجديدة في المسيح يسوع بواسطة روحه القدوس، لندخل في حضن الآب.

هذه الحياة الغنية والمجيدة، التي ترفعنا فوق الزمنيات تتطلب في المؤمن الجهاد المستمر، والتمسك بالوعود الأبدية، وإعلان اعترافنا أو شهادتنا الإيمانية أمام الجميع، إذ يكمل الرسول: “جاهد جهاد الإيمان الحسن، وأمسك بالحياة الأبدية التي إليها دُعيت أيضًا، واعترف الاعتراف الحسن أمام شهود كثيرين” [ ١٢]. هكذا ينتقل الرسول بولس من حديثه عن محبة المال أو الطمع الذي يأسر محبي الغنى إلى ما هو أعمق، أي الدخول في آلام الجهاد، فلا يقف المؤمن عند عدم اشتهائه للزمنيات، وإنما يتقبل الآلام من أجل المكافأة السماوية الموعود بها.

يضع أمامه الجعالة العليا التي هي الحياة الأبدية المدعو إليها حتى يقدر أن يجاهد جهاد الإيمان الحسن، ويعترف الاعتراف المستقيم عمليًا أمام شهودٍ كثيرين. بهذا نكون كالمشتركين في مباريات الألعاب الرياضية الذين من أجل نوالهم المكافأة يحرمون أنفسهم من الكثير من الملذات الجسدية لتهيئة أجسامهم وتدريبها على الألعاب.

هذه الوصية الخاصة بالجهاد الإيماني الحسن أمام الشهود لا تخص الشعب وحده، وإنما يلتزم بها الراعي نفسه أيضًا. إذ يقول الرسول: “أوصيك إمام الله الذي يحيي الكل والمسيح يسوع الذي شهد لدى بيلاطس بنطس الاعتراف الحسن أن تحفظ الوصية بلا دنس ولا لوم إلى ظهور ربنا يسوع المسيح[١٣-١٤].

إذ هي وصية خطيرة يشهد عليه الله الآب وابنه الوحيد يسوع المسيح لكي يحفظها بلا دنس حتى النهاية، أي حتى المجيء الأخير إلى ملاقاة السيد نفسه.

يوصيه لا بعدم الطمع فحسب، وإنما احتمال الآلام أيضًا، مشهدًا عليه الله الآب واهب الحياة ومعطي القيامة من الأموات، وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [هنا يقدم له تعزية وسط المخاطر التي تنتظره، مذكرًا إياه بالقيامة التي تعمل فيه[14].]

يشهده أيضًا أمام السيد المسيح الذي قدم نفسه مثالاً لنا في الشهادة الحقيقية أمام بيلاطس بنطس. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [تنبع الوصية عن مثال السيد، فيلزمكم أن تعملوا ما فعله السيد. لهذا السبب أشهد المسيح حتى تتبع خطواته (١ بط ٢: ٢١). يقول “الاعتراف الحسن”، متحدثًا مع تلميذه تيموثاوس ما قاله أيضًا في رسالته إلى العبرانيين: “ناظرين إلى رئيس الإيمان ومكمله يسوع، الذي من أجل السرور الموضوع أمامه، احتمل الصليب مستهينًا بالخزي، فجلس عن يمين عرش الله. فتفكروا في الذي احتمل من الخطاة مقاومة لنفسه مثل هذه، لئلا تكلوا وتخوروا في أذهانكم (نفوسكم)” (عب ١٣: ٢-٣).

وكأنه يقول: لا تخف الموت مادمت خادم الله واهب الحياة. ولكن أي اعتراف حسن يشير إليه الرسول؟ ذاك الذي صنعه عندما سأله بيلاطس: أفأنت إذن ملك؟ (يو ١٨: ٣٧) قال: “لهذا قد ولدت”، كما قال: “ولهذا قد أتيت إلى العالم لأشهد للحق. انظروا إنه يسمع لي”. ربما قصد الرسول هذه الشهادة، أو قصد ما حدث عندما سأله: “أفأنت ابن الله؟” فأجاب: “أنت تقول” (لو ٢٢: ٧٠)، وشهادات أخرى كثيرة واعترافات قدمها[15].]

هذه الشهادة التي قدمها السيد المسيح أمام بيلاطس بقوة هي التي تدفع المؤمن – كاهنًا أو من الشعب – لحفظ الوصية، سواء من جهة التعليم أو السلوك، شاهدًا للحق سواء من جهة العقيدة الإيمانية أو العمل الروحي. هذه الشهادة التي يعلنها المؤمن هنا تتجلى عند ظهور السيد المسيح، إذ يقول الرسول: “الذي سيبينه في أوقاته، المبارك العزيز الوحيد ملك الملوك ورب الأرباب” [ ١٥]. ففي الوقت المناسب يعلنه رب المجد، المبارك أي الذي نقدم له تسبحة البركة بكونه واهب البركات، والعزيز، أي صاحب العزة والقوة والسلطان، ملك الملوك ورب الأرباب. إنه صاحب السلطان الذي لا يعلو عليه سلطان، فإن كان يسمح لنا هنا بالآلام ذلك ليس عن ضعف، وإنما كطريق لدخولنا معه إلى أمجاده.

الذي وحده له عدم الموت،

ساكنًا في نور لا يُدنى منه،

الذي لم يره أحد من الناس، ولا يقدر أن يراه،

الذي له الكرامة والقدرة الأبدية. آمين” [ ١٦].

مرة أخرى إذ قدم لنا السيد نفسه كمثالٍ للشهادة الحسنة فدخل إلى الآلام، ليس عن عجزٍ أو ضعفٍ، إذ هو ملك الملوك ورب الأرباب، الذي وحده لا يقدر الموت أن يغلبه، ولا الظلمة أن تقترب إليه، إذ هو وحده له عدم الموت وساكن في نورٍ لا يُدنى منه، بل هو فوق كل الإدراكات، لم يره أحد قط في جوهره ولا يقدر أن يراه. هذا الإله يحمل اعترافًا حسنًا أمام بيلاطس الضعيف، فكيف يخاف المؤمن من الشهادة الحسنة؟ لقد شهد بالحق حتى يسندنا، فنشهد نحن للحق خلال اتحادنا به. بهذا نقدم له الكرامة واالقدرة الأبدية، حينما نحمل اعترافه الحسن وتظهر سماته فينا.

ولعل الرسول في وصفه للسيد أن له وحده عدم الموت، وأنه ساكن في نورٍ لا يُدنى منه الخ. أراد أن يكشف عن شخص ذاك الذي ننعم به خلال شهادتنا الحسنة معه وبه ولحسابه. فإن كنا بالشهادة الحسنة نتقبل الألم حتى الموت، إنما لكي ننعم بذاك الذي له وحده عدم الموت، وندخل فيه حيث النور الذي لا يُدنى منه. وكما يقول القديس إكليمنضس السكندري: [ماذا يطلب الإنسان بعد أن ينال النور الذي لا يُدنى منه؟]

ولئلا يُفهم حديثه السابق أنه هجوم ضد الغنى والأغنياء، قدم الرسول وصايا للأغنياء المؤمنين، إذ يقول: “أوصِ الأغنياء في الدهر الحاضر أن لا يستكبروا، ولا يلقوا رجاءهم على غير يقينية الغنى، بل على الله الحي الذي يمنحنا كل شيء بغنى للتمتع، وأن يصنعوا صلاحًا، وأن يكونوا أغنياء في أعمالٍ صالحة، وأن يكونوا أسخياء في العطاء، كرماء في التوزيع، مدخرين لأنفسهم أساسًا حسنًا، لكي يمسكوا بالحياة الأبدية” [١٧–١٩].

يمكننا تلخيص الوصايا السابقة في النقاط التالية:

أ. عدم الاستكبار: يوصي أغنياء هذا الدهر ألا يستكبروا، مميزًا بين أغنياء الدهر الحاضر وأغنياء الدهر الآتي. فهو مطمئن من جهة الآخرين أنهم متواضعون إذ هم أغنياء بالسيد المسيح واهب التواضع، لكنه يخشى على أغنياء الدهر الحاضر من الكبرياء، حيث يسحبهم المال إلى الاعتداد بالذات. هذه هي أولى ضربات الأغنياء، إذ يتكلون على أموالهم، حاسبين أنهم قادرون على فعل كل شيء بالمال، فيسقطون في الكبرياء.

لقد تمتعت القديسة مريم بغنى الدهر الآتي في تواضع عجيب، حيث صار لها مسيحها كنزها الخفي، في أحشائها الجسدية والروحية. وكما يقول القديس أغسطينوس أن السيد المسيح المتواضع لن يعلم أمه الكبرياء. إذن لنحمل مسيحنا في داخلنا كما فعلت القديسة مريم فيهبنا الغنى الحق دون كبرياء!

ب. يحذرهم من الاعتماد على ثروتهم، مؤكدًا ضرورة وضع الرجاء كله في الله لا المال.

ج. الغنى الحق هو التمتع بالأمور التي لا تفنى، لذا يليق بهم إن أرادوا أن يكونوا أغنياء، فليمارسوا أعمال الحب التي يبقى رصيدها سرّ غناهم الأبدي.

د. السخاء في العطاء، فالغنى وزنة مقدمة لهم لا لاكتنازها بل لإضرامها بالعطاء المستمر، حتى يتحول الكنز من الأرض إلى السماء. وقد سبق لنا عرض كثير من أقوال الآباء في العطاء[16].

4. وصية ختامية

يا تيموثاوس احفظ الوديعة،

معرضًا عن الكلام الباطل الدنس،

ومخالفات العلم الكاذب الاسم،

الذي إذا تظاهر به قوم زاغوا عن الإيمان.

النعمة معك. آمين[20–٢٢].

يختم الرسول حديثه مع تلميذه مطالبًا إياه بحفظ الوديعة، الإيمان الحي، التي سُلمت مرة للقديسين. هذه الوديعة التي ندعوها “التقليد” أو “التسليم الرسولي”.

أما علامة اهتمامنا بحفظ الوديعة فهو الإعراض عن الكلام الباطل الدنس، أي المباحثات الغبية تحت اسم “العلم” أو “المعرفة”، (الغنوسية)، فيتحول الإيمان الحي إلى تعبيرات وألفاظ لغوية بلا حياة ولا خبرة، هذا الذي يفقد الإنسان حياته. ولعله قصد بذلك الغنوسيين الذين كما سبق فقلنا، استبدلوا الإيمان بالمعرفة، فسقطوا في العلم الكاذب.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [حسنًا يدعوها الرسول هكذا “العلم الكاذب الاسم”، فإنه حيث لا يوجد الإيمان لا توجد المعرفة (الحقة)[17].]

 

[1] Duties of the clergy 2 : 17.

[2] In 1 Tim. hom 16.

[3] In 1 Tim. hom 16.

[4] In 1 Tim. hom 16.

[5] In 1 Tim. hom 17.

[6] In 1 Tim. hom 17.

[7] Ep. 39 : 6.

[8] In 1 Tim. hom 17.

[9] In 1 Tim. hom 17.

[10] In 1 Tim. hom 17.

[11] Treat. on the lapsed 12.

[12] On Patience

[13] In 1 Tim. hom 17.

[14] In 1 Tim. hom 18.

[15] In 1 Tim. hom 18.

[16] الحب الأخوي، 1964، العطاء.

[17] In 1Tim. hom 20.

تفسير رسالة تيموثاوس الأولى 6 الأصحاح السادس – القمص تادرس يعقوب ملطي

Exit mobile version