تفسير رسالة أفسس 6 الأصحاح السادس – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة أفسس 6 الأصحاح السادس – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة أفسس 6 الأصحاح السادس – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة أفسس 6 الأصحاح السادس – القمص تادرس يعقوب ملطي

الأصحاح السادس: الحياة العملية والجهاد الروحي

الكنيسة كما رأيناها في الأصحاحات السابقة هي “سرّ المسيح” أو هي “حياتنا في المسيح يسوع”، خلالها يعرف المؤمن مركزه كعضوٍ حيٍّ في جسد المسيح الواحد، له فاعليته في بقية الأعضاء مع تمايزه بمواهب خاصة به لبنيان الجماعة.

الحياة الكنسية ليست فكرًا فلسفيًا نعتنقه، لكنها خبرة نعيشها في العبادة العامة والخاصة، وفي سلوكنا مع الآخرين، وفي حياتنا الزوجية والأسرية، وفي سلوكنا اليومي في العمل. إنها عطية الله لنا خلال الصليب، نتقبلها فنعيش في جهاد غير منقطعٍ ضد عدو الخير المقاوم للمصلوب.

    1. 1. العلاقات الوالدية ١ – ٤.
    2. علاقات العمل ٥ – ٩.
  1. الجهاد الروحي ١٠ – ٢٠.
  2. الخاتمة والبركة الرسولية ٢١ – ٢٤.

1. العلاقات الوالدية

بدأ الحديث عن العلاقة المتبادلة بين الآباء والأبناء بدعوة الأبناء لطاعة والديهم في الرب، قائلاً:

أَيُّهَا الأَوْلاَدُ، أَطِيعُوا وَالِدِيكُمْ فِي الرَّبِّ لأَنَّ هَذَا حَقٌّ.

أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ، الَّتِي هِيَ أَوَّلُ وَصِيَّةٍ بِوَعْدٍ،

لِكَيْ يَكُونَ لَكُمْ خَيْرٌ، وَتَكُونُوا طِوَالَ الأَعْمَارِ عَلَى الأَرْضِ]١– ٣[.

هذه الوصية ينقشها الناموس الطبيعي في القلب، إذ يشعر الأولاد بالتزام طبيعي بالطاعة للوالدين خلال قرابة اللحم والدم القوية وشعور الأولاد ما يحتمله الولدان من أتعاب وأسهار من أجل أولادهما. وقد جاء الناموس الموسوي يعلن هذه الوصية ويشدد عليها (خر ٢٠: ١٢؛ تث ٥: ١٦؛ ٢٧: ١٦). وإذ فشل الإنسان في إتمام هذه الوصية الطبيعية، أعطاها الرب أولوية حتى عن تقديس سبوته، إذ قيل: “تهابون كل إنسان أمه وأباه وتحفظون سبوتي، أنا الرب إلهكم” (لا ١٩: ٢)، كما قدم تهديدات قاسية ضد كاسرها:

“من ضرب أباه أو أمه قتل قتلاً،…

ومن شتم أباه وأمه يُقتل قتلاً” (خر ٢١: ١٥، ١٧؛ لا ٢٠: ٩).

“ملعون من يستخف بأبيه أو أمه، ويقول جميع الشعب آمين” (تث ٢٧: ١٦).

“من سب أباه أو أمه ينطفيء سراجه في حدة الظلام” (أم ٢٠: ٢٠).

“العين المستهزئة بأبيها والمحتقرة طاعة أمها تقورها غربان الوادي، وتأكلها فراخ النسر” (أم ٣٠:١٧).

أخيرًا لم يترك الله الإنسان تحت هذه العقوبات المرّة، فجاء الابن الوحيد الجنس نفسه نائبًا عن البشرية يعلن كمال الطاعة لأبيه حتى الموت موت الصليب (في ٢: ٨)، بل وخضع للقديسة مريم أمه حسب الجسد وليوسف البار الذي تبناه (لو ٢: ٥١)، فصار مثلاً حيًا لنا.

  • هل كان يمكن لمعلم الفضيلة أن لا يقوم بواجبه نحوها؟ فإنه لم يخضع عن ضعف وإنما عن حب[1].

القديس أمبروسيوس

  • أطيعي والديك ممتثلة بعريسك[2].

القديس چيروم

  • لنتعلم يا أحبائي الخضوع لوالدينا… خضع يسوع وصار قدوة لكل الأبناء في الخضوع لوالديهم أو لأولياء أمورهم إن كانوا أيتامًا…

إن كان يسوع ابن الله قد خضع لمريم ويوسف، أفلا أخضع أنا للأسقف الذي عينه لي الله أبًا؟!… ألا أخضع للكاهن المختار بإرادة الله؟![3]

العلامة أوريجينوس

  • كان العالم خاضعًا للمسيح، وكان المسيح خاضعًا لوالديه[4].

القديس أغسطينوس

  • [في رسالة كتبها إلى أم وابنتها قام بينهما نزاع]

كان الرب يسوع خاضعًا لوالديه، لقد احترم تلك الأم التي كان بنفسه أبًا لها.

لقد كرم أباه حسب التبني هذا الذي كان المسيح نفسه يعوله!

حقًا، إنني لا أقول للأم شيئًا، لأنه ربما يكون في كبر سنها أو ضعفها أو وحدتها ما يعطيها عذرًا كافيًا، لكنني أقول لكِ أيتها الابنة: هل منزل أمك أصغر من أن يحتملك، هذه التي لم تكن بطنها صغيرة عن حملك؟![5]

القديس چيروم

يؤكد الرسول أن طاعة الوالدين يجب أن تكون “فِي الرَّبِّ]١[، وكأن الطاعة لا تكون عمياء خلال فقدان الأبناء تفكيرهم وشخصياتهم، وإنما في خضوعهم يميزون ما هو للرب وما هو ليس للرب، فليس من حق الوالدين إلزام الأبناء بالإلحاد أو إنكار إيمانهم. وقد سبق لنا عرض ذلك في شيء من التوسع أثناء حديثنا عن الحب العائلي[6]، لذا أكتفي بقليل من المقتطفات لبعض آباء الكنيسة:

  • إن كان الأب أمميًا أو هرطوقيًا يلزمنا ألاَّ نطيعه (فيما يخالف الرب) إذ هو لا يأمر “في الرب[7].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • لكنك تقول إنني أخشى غضب من هم أعلى مني، اعمل كل وسيلة ألاَّ تغضبهم حتى لا تُغضب الله.

يا من تخاف أن تكدر من هم أعلى منك، انظر عما إذا كان هناك إله أعلى من الذي تخاف تكديرهم، فبكل وسيلة لا تغضب الأكبر منك…

والدك ووالدتك هما أول من هم أكبر منك، فإن كانا قد علماك الحق وأحضراك إلى المسيح، فلتسمع لهما في كل شيء، وينبغي طاعتهما في كل أمر. ليتهما لا يوصيان بما يخالف من هو فوقهما حتى يُطاعا.

  • حقًا يليق بالأب ألاَّ يغضب عندما يُفضل الله عنه! ولكن عندما يأمر الأب بما لا يناقض الرب فيلزم الاستماع إليه كما لله، لأن طاعة المرء لأبيه أمر إلهي[8].

القديس أغسطينوس

  • يأمرنا الكتاب المقدس بطاعة والدينا، ولكن من يحبهم أكثر من المسيح يخسر نفسه[9].

القديس چيروم

على أي الأحوال يرى كثير من علماء التربية أن حديث السيد المسيح مع القديسة مريم: “لماذا كنتما تطلبانني؟ ألم تعلما أنه ينبغي أن أكون في ما لأبي؟” (لو ٢: ٥٠) يمثل ثورة روحية في مفهوم الطاعة بطريقة بنّاءة، فقد “كان خاضعًا لهما” (٢: ٥١). خلال تحقيق رسالته العلوية. فالوالدان يسندان الطفل لكنهما يجب أن يخرجا من ذاتيهما خلال الحب الروحي الحق ليحقق الطفل ما وهبه الله، وليس أن يحمل صوره مطابقة لهما. وإنني أرجو أن أترك الحديث في هذا الشأن للكتابة فيه في الطبعة التالية للحب العائلي، إن أذن الرب وعشنا، موضحًا تأكيد تمايز المواهب والقدرات بين الآباء والأبناء خلال تناغم الحب والوحدة في الرب.

نعود إلى الوصية الرسولية للأبناء.

أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ، الَّتِي هِيَ أَوَّلُ وَصِيَّةٍ بِوَعْدٍ،

لِكَيْ يَكُونَ لَكُمْ خَيْرٌ، وَتَكُونُوا طِوَالَ الأَعْمَارِ عَلَى الأَرْضِ]٢-٣[.

يلاحظ هنا أن طريقة الحديث اختلفت عن حديثه السابق، فحين كان يحدث الأزواج والزوجات كان يتكلم بلغة اللاهوتي الذي يكشف سرّ المسيح المعلن على الصليب ليمارس الكل علاقته بالآخر خلال الحب الإلهي الباذل، أما هنا فإذ يحدث أطفالاً صغارًا عن الطاعة وإكرام الوالدين، فهو يحدثهم بلغة البساطة التي تليق بهم كصغار. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم انه لم يحدثهم عن الملكوت، كما يقول: [قدم نصيحة مختصرة إذ لا يقدر الأبناء أن يصغوا إلى حديث طويل. ولهذا السبب أيضًا لم يناقش بالمرة موضوع الملكوت (إذ يصعب على صغار السن إدراك هذه المواضيع)، مقدمًا ما ترغب نفس الطفل بالأكثر أن تسمعه، إذ يقول: “وَتَكُونُوا طِوَالَ الأَعْمَارِ[10].]

يقدم الرسول وصيته للآباء:

وَأَنْتُمْ أَيُّهَا الآبَاءُ، لاَ تُغِيظُوا أَوْلاَدَكُمْ،

بَلْ رَبُّوهُمْ بِتَأْدِيبِ الرَّبِّ وَإِنْذَارِهِ]٤[.

من الجانب السلبي لا يليق بالآباء أن يغيظوا أولادهم، ومن الجانب الإيجابي يلزمهم تأديبهم في الرب، أي خلال الوصية الإلهية وبفكر إنجيلي حيّ.

حسن للوالدين أن يؤدبا ابنهما، لكن يلزم قبل التأديب أن يتسع القلب بالحب، كقول القديس أغسطينوس: [التوبيخ يجب أن تسبقه الرحمة لا الغضب[11].]

  • لا تغيظوا أولادكم كما يفعل الكثيرون بواسطة حرمانهم من الميراث، أو التبرؤ منهم، أو معاملتهم بتصلفٍ كأنهم عبيد لا أحرار.

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • إننا نهتم بمتلكاتنا من أجل أبنائنا، أما أبناؤنا أنفسهم فلا نبالي بهم قط! أية سخافة هي هذه؟!

شكّل نفس ابنك باستقامة، فينال كل ما تبقَى بعد ذلك، فإنه متى كان بلا صلاح لا ينتفع شيئًا من الغنى، أما متى كان صالحًا فإنه لا يصيبه ضررًا من الفقر.

  • ليتنا لا نمنعهم من عمل ما هو مقبول بل مما هو ضار، ولا نتهاون معهم كمنبوذين بل كأبناء[12].

القديس يوحنا الذهبي الفم

وإنني لأترك الحديث عن تربية الأبناء لكتابنا عن الحب العائلي.

2. علاقات العمل

إن كانت الكنيسة هي “حياة” معاشة في المسيح يسوع ربنا، تُعلن خلال عبادتنا في حياتنا الزوجية والأسرية، فإنها تمس أيضًا علاقات العمل التي تربط صاحب العمل بعماله، والرئيس بالمرؤوسين، والسيد بالعبد، ولما كانت العلاقة بين السيد وعبده – في العصر الرسولي – لا يحكمها قانون مدني ما، إنما أعطى العالم للسادة حق التصرف في عبيدهم كقطعة أثاث بلا ثمن، يستغلهم لصالحه دون أية اعتبارات إنسانية أو طبيعية، فكان بعض السادة أحيانًا يعذبون عبيدهم حتى تسيل آخر قطره من حياتهم بلا مدافع عنهم.

لذا عالج الرسول بولس هذه المشكلة لا على أساس اجتماعي ثوري، وإنما على مستوى روحي فائق، خلاله تتغير العلاقة من جذرها لا خلال قوانين زمنية متغيرة، وإنما خلال التقاء العبيد والسادة معًا تحت ظل صليب واحد، لينعما بخلاص واحد وبميراث أبدي مشترك.

يقول الرسول:

أَيُّهَا الْعَبِيدُ، أَطِيعُوا سَادَتَكُمْ حَسَبَ الْجَسَدِ بِخَوْفٍ وَرِعْدَةٍ،

فِي بَسَاطَةِ قُلُوبِكُمْ كَمَا لِلْمَسِيحِ،

لاَ بِخِدْمَةِ الْعَيْنِ كَمَنْ يُرْضِي النَّاسَ، بَلْ كَعَبِيدِ الْمَسِيحِ،

عَامِلِينَ مَشِيئَةَ اللهِ مِنَ الْقَلْبِ، خَادِمِينَ بِنِيَّةٍ صَالِحَةٍ كَمَا لِلرَّبِّ، لَيْسَ لِلنَّاسِ.

عَالِمِينَ أَنْ مَهْمَا عَمِلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْخَيْرِ فَذَلِكَ يَنَالُهُ مِنَ الرَّبِّ،

عَبْدًا كَانَ أَمْ حُرًّا]٥–٨[.

يلاحظ في هذا النص الآتي:

أولاً: لم يقف التعليم الرسولي ثائرًا على أوضاع اجتماعية معينة، إنما مصلحًا لها بهدوء وبقوة وفاعلية، دون أن يدخل مع العالم في منافسة أو مكابرة. فإن كان وضع المجتمع في ذلك الحين أوجد طبقة السادة وأخرى طبقة العبيد، لم يهاجم الرسول ذلك، ولا طالب العمال بثورة وانفعال إنما طالبهم بمعالجة الأمر خلال كسب السادة بالحب الداخلي غير المرائي، بخدمة القلب الخالصة لا خدمة الإلزام المنافقة. خدمة من أجل الرب، قادرة أن تسحب قلب السيد من ظلمه وفساده لتذوق عذوبة عمل الإنجيل في “العبيد” ليصير العبيد معلمين للسادة بحياتهم.

يقول القديس أغسطينوس: [وضع التعليم الرسولي السيد فوق العبد، والعبد تحت السيد، لكن المسيح دفع ثمنًا واحدًا لكليهما. لا تحتقر إذن من هم أقل منك، بل اطلب خلاص كل من في بيتك بكل اجتهاد[13].]

ثانيًا: رفع الرسول من شأن العبيد، فإن وإن كان قد طالبهم بالطاعة لسادتهم حسب الجسد، لكنه أبرز بقوة فاعليتهم حتى في حياة سادتهم الوثنيين متى سلكوا في المسيح يسوع.

  • هكذا ليس فقط الأزواج والزوجات ولا الأطفال وإنما حتى العبيد الفضلاء يساهمون في تنظيم البيت وصيانته. لهذا فإن الطوباوي بولس لم يتجاهل هذه الطبقة… لقد قدم لهم حديثًا طويلاً، وليس كالأبناء (حديثًا مختصرًا)، حدثهم بطريقة متقدمة فلم يعدهم بأمور هذا العالم (العمر الطويل) وإنما بأمور العالم الآتي… فإنهم وإن كانوا من جهة الكرامة أقل من الأبناء، لكنهم من جهة الفكر أكثر سموًا منهم[14].

القديس يوحنا الذهبي الفم

ثالثًا: مع أن الرسول يطالبهم بالطاعة بخوفٍ ورعدةٍ، لكنه يؤكد لهم أن عبوديتهم ليست دائمة إنما هي – حسب الجسد – وقتية، تنتهي بموت الجسد ليقوم الكل معًا بلا تمييز بين سيدٍ وعبٍ. إنه يؤكد أن عبوديتهم حسب الجسد، أما العبودية حسب الروح فالكل يخضع لها، سادة وعبيد، للرب الواحد، سيد الكل!

  • إذ أثار جرح النفس (بتذكر العبودية) لطفه في الحال. يبدو كمن يقول: لا تحزن، أنت أقل من الزوجة والأبناء، لكن العبودية ليست إلاَّ اسمًا، فإن السيادة هنا “حسب الجسد”، سيادة قصيرة ومؤقتة، لأن ما هو من الجسد زائل[15].

القديس يوحنا الذهبي الفم

رابعًا: سبق فتحدثنا عن خضوع المرأة لرجلها وطاعتها له لا تعني الإقلال من كرامتها أو عدم مساواتها لرجلها، إنما هو خضوع الحب والطاعة في الرب، فتحمل سمة المسيح الذي أطاع حتى الموت. الآن نكرر القول أن العبد الصالح لا يرى في وصية الرسول: “أَطِيعُوا سَادَتَكُمْ حَسَبَ الْجَسَدِ بِخَوْفٍ وَرِعْدَةٍ، فِي بَسَاطَةِ قُلُوبِكُمْ كَمَا لِلْمَسِيحِ]٥[، مذلة ومهانة، بل امتثالاً بالمسيح يسوع نفسه الذي صار من أجلنا عبدًا!

خلال العضوية في جسد المسيح تسمو فضيلة الطاعة والخضوع، فتصير علامة شركة مع الرأس الذي وهو السماوي صار عبدًا، فيُحسب ذلك مجدًا وكرامة!

  • كأنه يقول: إن كنت قد أوصيت الأحرار أن يخضع كل واحدٍ للآخر في مخافة الرب، كما سبق فقال قبلاً: “خَاضِعِينَ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ فِي خَوْفِ اللهِ” (٥: ٢١)، وإن كنت قد أوصيت أيضًا الزوجة أن تهاب رجلها وتكرمه مع أنها على قدم المساواة معه، فبالأولى يلزمني أن أتحدث مع العبد. فإن ذلك ليس علامة انحطاط مولده، بل بالحري علامة نبله الحقيقي، إذ يعرف كيف يتواضع ويكون وديعًا ومخليًا ذاته من أجل أخيه. أيضًا ليخدم الحرّ أخاه الحرّ بأكثر خوف ورعدة.

يقول: “فِي بَسَاطَةِ قُلُوبِكُمْ“. حسنًا يقول هذا، إذ يمكن للإنسان أن يخدم بخوفٍ ورعدةٍ، لكن بإرادة غير صالحة، كيفما يكون الحال. كثير من العبيد في بعض الأحوال يغشون سادتهم خفية. إنه ينزع هذا الغش بقوله: “فِي بَسَاطَةِ قُلُوبِكُمْ كَمَا لِلْمَسِيحِ، لاَ بِخِدْمَةِ الْعَيْنِ كَمَنْ يُرْضِي النَّاسَ…]٥–٧[. انظروا كم من الكلمات يستخدمها ليضع هذا الأساس الصالح…؟[16]

القديس يوحنا الذهبي الفم

خامسًا: يؤكد الرسول بولس في هذا النص أمانة أولاد الله في العمل حتى وإن كانوا عبيدًا يعملون لدى سادة قساة، فهم لا يخدمون البشر، بل يعملون من أجل الرب، لا يهتمون بإرضاء الناس – حتى وإن كانوا سادتهم – بل بحمل المشيئة المقدسة بكامل حريتهم. لتكن الأمانة طبعهم بغض النظر عن الظروف المحيطة بالعمل، وعن مركزهم في العمل.

  • ليكن العمل المستقيم خاصًا بك لا تمارسه عن اضطرار…

إنه يحث من يُعامل معاملة سيئة بواسطة الغير أن يمارس الصلاح (الأمانة في العمل) كأمر خاص به وكعمل يصدر بحرية إرادته.

  • من يرضي الناس ليس عبدًا للمسيح (غلا ١: ١٠)…
  • مارسه بسرور لا عن اضطرار، مارسه كمبدأ (في حياتك) وليس تحت ضغط، فإنك إن فعلت هذا لا تكون عبدًا، ما دمت تفعله عن مبدأ، بمشيئة صالحة، من القلب، ومن أجل المسيح. فإن هذه هي العبودية التي مارسها بولس الحرّ ومجدها: “فإننا لسنا نكرز بأنفسنا بل بالمسيح يسوع ولكن بأنفسنا عبيدًا لكم من أجل يسوع” (٢ كو ٤: ٥)[17].

القديس يوحنا الذهبي الفم

سادسًا: قدم الرسول بولس المكافأة لأمانة العبد المؤمن التقي، قائلاً: “عَالِمِينَ أَنْ مَهْمَا عَمِلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْخَيْرِ، فَذَلِكَ يَنَالُهُ مِنَ الرَّبِّ، عَبْدًا كَانَ أَمْ حُرًّا]٨[. وقد قدم لنا تاريخ الكنيسة أمثلة حية لهذه المكافأة، إذ لم ينسى تعب المحبة الذي قدمه عبيد وإماء فكسبوا سادتهم للمسيح، وربحوهم إخوة لهم وورثة معهم أبديًا! لقد تتلمذ كثير من السادة – رجال ونساء – تحت يدي عبيدهم وإمائهم بسبب قلوبهم المتسعة حبًا في الرب، تتلمذوا لهم بغير خجلٍ!

لقد قدم تاريخ الكنيسة كثير من العبيد صاروا أساقفة وكهنة كارزين بالحق، وإماء صرن أمهات قديسات يتلمذن عذارى شريفات بروح المحبة الإنجيلية.

نستطيع في الختام أن نقول بين الرسول بولس قد أعطى ضربة قاضية للعبودية من الداخل، في أعماق جذورها، لا برفضها أو مهاجمتها، ولكن بتحطيم نظمها، إن وُجدت لها نظم.

الآن بعد أن ضرب العبودية في أعماقها يقدم وصيته للسادة المؤمنين: “وَأَنْتُمْ أَيُّهَا السَّادَةُ، افْعَلُوا لَهُمْ هَذِهِ الأُمُورَ، تَارِكِينَ التَّهْدِيدَ، عَالِمِينَ أَنَّ سَيِّدَكُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا فِي السَّمَاوَاتِ، وَلَيْسَ عِنْدَهُ مُحَابَاةٌ]٩[.

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارة قائلاً: [“افْعَلُوا لَهُمْ هَذِهِ الأُمُورَ”؛ ما هي هذه الأمور؟ “خَادِمِينَ بِنِيَّةٍ صَالِحَةٍ”. على أي الأحوال لم يقل فعلاً “اخدموهم” بل بوضوح أظهر هذا المعنى، فالسيد نفسه هو خادم (لعبده)… آه، أي سيد قدير هذا الذي يشير إليه هنا![18]]

يكمل القديس يوحنا الذهبي الفم تعليقه موضحًا أنه إن كان السيد يتعامل مع عبد، فليعلم أنه هو نفسه عبد لسيد، وأنه بالكيل الذي به يكيل يُكال له (مت ٧: ٢). يليق به أن يترفق بأخيه العبد فيترفق الرب به، وإلاَّ فإنه يسمع ذلك الصوت: “أيها العبد الشرير كل ذلك الدين تركته لك…” (مت ١٨: ٣٢). الله ليس عنده محاباة، يعامل السيد كما العبد، إن ترفق السيد بعبده يترفق هو به، وإن استخدم التهديد عرض نفسه بنفسه لذات الفعل.

  • يقول: “وَلَيْسَ عِنْدَهُ مُحَابَاةٌ“. يود أن يقول: لا تظن أنه يغفر لك لأنك ما ترتكبه إنما هو في حق عبد. حقًا إن الشرائع الوثنية – كشرائع بشرية – تضع تمييزًا بين مثل هذه الأنواع من المعاصي، لكن شريعة الرب العام سيد الكل، لا تعرف هذا، فهو يقدم الخيرات للكل بلا تمييز، ويدبر الحقوق عينها للجميع.

لكن ربما يسأل أحد: فلماذا العبودية؟ وكيف دخلت إلى الحياة البشرية؟… أخبركم بأن العبودية هي ثمرة الطمع والانحطاط والبربرية، فلا نعرف أن عبيدًا كانوا لنوح أو هابيل أو شيث ولا لمن جاءوا بعدهم…

قد تقول: حسنًا. لكن إبراهيم كان له عبيد. نعم، لكنه لم يستغلهم كعبيد[19].

القديس يوحنا الذهبي الفم

3. الجهاد الروحي

إذ رفع من شأن الكنيسة فأعلن بإتحادها بالسيد المسيح، بكونها جسده، وأوضح أنها حياة غالبة، لها سماتها الفائقة التي تتجلى في حياة أولادها سواء في حياتهم التعبدية أو علاقاتهم الزوجية أو الأسرية أو خلال العمل اليومي، فقد دفع السيد المسيح ثمن هذه الحياة: حياته المبذولة حبًا من أجلنا! هذا ما أكده الرسول بولس خلال هذه الرسالة بوضوح وقوة. والآن قبل أن يختم رسالته أراد إبراز دورنا الإيجابي إذ نتعرض لهجوم عنيف لا من البشر وإنما من إبليس، لأن قيام الكنيسة كمملكة للمسيح فيه تحطيم لمملكة الظلمة وانهيار لكيانها؛ لذا جاء الحديث صريحًا عن مقاومة عدو الخير لنا والتزامنا بالتسلح روحيًا ضد الظلمة حتى نمارس حياتنا الكنسية النامية.

يقول الرسول:

أَخِيرًا يَا إِخْوَتِي تَقَوُّوا فِي الرَّبِّ وَفِي شِدَّةِ قُوَّتِهِ.

الْبَسُوا سِلاَحَ اللهِ الْكَامِلَ لِكَيْ تَقْدِرُوا أَنْ تَثْبُتُوا ضِدَّ مَكَايِدِ إِبْلِيسَ.

فَإِنَّ مُصَارَعَتَنَا لَيْسَتْ مَعَ دَمٍ وَلَحْمٍ،

بَلْ مَعَ الرُّؤَسَاءِ، مَعَ السَّلاَطِينِ، مَعَ وُلاَةِ الْعَالَمِ،

عَلَى ظُلْمَةِ هَذَا الدَّهْرِ، مَعَ أَجْنَادِ الشَّرِّ الرُّوحِيَّةِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ]١٠–١٢[.

ويلاحظ في هذا النص الأتي:

أولاً: إذ عرف كل مؤمن موقعه في الكنيسة، سواء كان كاهنًا أو من الشعب، سواء كان زوجًا أو زوجة أو ابنًا أو والدًا أو والدةً، سواء كان عبدًا أو سيدًا. لكل عضو تمايزه ومواهبه، ولكلٍ وصيته الخاصة به التي تناسب موقعه، لكن هنا وصية عامة يلتزم بها جميع الإخوة كأعضاء في جسد الرب، ألا وهي “تَقَوُّوا فِي الرَّبِّ وَفِي شِدَّةِ قُوَّتِهِ]١٠[. الكل إخوة، بكونهم أعضاء في الجسد الواحد، وإن حمل الكهنة نوعًا من الأبوة الروحية لأبنائهم في الرب كما يحمل الآباء حسب الجسد أو بالتبني لأولادهم. فإن الكل يحمل نوعًا من الأخوة[20]. خلال هذه الأخوة العامة يشترك الجميع في حربٍ واحدةٍ ضد عدوٍ مشتركٍ يحاول تحطيم الكل.

  • أَخِيرًا تَقَوُّوا فِي الرَّبِّ]١٠[ … إذ يوشك المقال على الانتهاء كعادته يتجه إلى هذا (الحديث عن الجهاد الروحي).

انظروا، إذ ينتزع (فوارق) الأعمال المتنوعة، يسلحهم ويقودهم إلى الحرب (الروحية). فإنه إذ لا يقتحم احد وظيفة غيره، إنما يبقى في موقعه، يكون الكل قد تدبّر حسنًا.

تَقَوُّوا فِي الرَّبِّ وَفِي شِدَّةِ قُوَّتِهِ]١٠[، بمعنى “في الرجاء” الذي لنا في الرب خلال عونه لنا… ضعوا رجاءكم في الرب، فيصير كل شيء سهلاً.

الْبَسُوا سِلاَحَ اللهِ الْكَامِلَ لِكَيْ تَقْدِرُوا أَنْ تَثْبُتُوا ضِدَّ مَكَايِدِ إِبْلِيسَ]١١[. لم يقل ضد المحاربات، ولا ضد العداوات، وإنما ضد “المكايد”. فإن هذا العدو لا يحاربنا ببساطة علانية وإنما خلال المكايد. ماذا يعني بالمكايد؟ أي بالخداع… إبليس لا يقترح علينا الخطايا في ألوانها الطبيعية… إنما يعطيها ثيابًا أخرى، مستخدمًا المكائد…

الآن، بهذه الطريقة يثير الرسول الجنود (الروحيين) ويحثهم على السهر ويثقفهم، موضحًا لهم أن جهادنا (الروحي) يمثل أحد الحروب الماهرة، فنحن نقاتل ضد عدوٍ ليس بسيطًا ولا مباشرًا وإنما نقاتل عدوًا مخادعًا.

في البداية أثار الرسول التلاميذ ليضعوا في اعتبارهم مهارة إبليس، بعد ذلك تحدث عن طبيعته وعن عدد قواته. لم يفعل ذلك ليحطّم نفسية الجنود الذين تحته وإنما لكي يحمسهم ويوقظهم ويظهر لهم مناوراته، مهيئًا إياهم للسهر، فلو أنه عدّد بالتفصيل قوة العدو ثم توقف عن الحديث لتحطمت نفسيتهم… لكنه قبل أن يعرض ذلك وبعد العرض أيضًا أظهر إمكانية النصرة على عدو كهذا، مثيرًا فيهم روح الشجاعة. وبقدر ما أوضح قوة أعدائنا بالأكثر ألهب غيرة جنودنا (للجهاد الروحي).

فَإِنَّ مُصَارَعَتَنَا لَيْسَتْ مَعَ دَمٍ وَلَحْمٍ، بَلْ مَعَ الرُّؤَسَاءِ، مَعَ السَّلاَطِينِ، مَعَ وُلاَةِ الْعَالَمِ، عَلَى ظُلْمَةِ هَذَا الدَّهْرِ، مَعَ أَجْنَادِ الشَّرِّ الرُّوحِيَّةِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ]١٢[.

إذ تحدث عن الأعداء أنهم شرسون أضاف أنهم يسلبوننا البركات العظيمة، ما هذا؟ الصراع يقوم “في السماويات”،فهو ليس صراعًا من أجل الغنى أو المجد وإنما لاستعبادنا. لهذا فإنه لا مجال للمصالحة هنا في هذا الصراع… الصراع يكون أكثر شراسة كلما كان موضوعه هام، فإن كلمة “في السماويات” تعني “من أجل السماويات”. الأعداء لا يقتنون شيئًا بالغلبة علينا إنما يجردوننا… (عدو الخير) يبذل كل الجهد ليطردنا من السماء[21].

القديس يوحنا الذهبي الفم

ثانيًا: يشرح القديس يوحنا الذهبي الفم تعبيروُلاَةِ الْعَالَمِ” ]١٢[ قائلاً: [دعاهم “وُلاَةِ الْعَالَمِ” ليس لأن لهم سلطانًا على العالم، وإنما لأن الكتاب المقدس اعتاد دعوة الممارسات الشريرة بـ “العالم”. فكمثال يقول المسيح: “ليسوا من العالم كما إني أنا لست من العالم” (يو ١٧: ١٦). ماذا؟ ألم يكونوا من العالم؟ ألم يلتحفوا جسدًا؟ ألم يكونوا بين الذين هم في العالم؟ مرة أخرى يقول: “لا يقدر العالم أن يبغضكم ولكنه يبغضني” (يو٧: ٧)… هكذا يقصد الرسول هنا بالعالم الناس الأشرار، إذ تحمل الأرواح الشريرة سلطانًا خاصًا عليهم[22].]

هنا يوضح الرسول بولس أن حربنا ليست ضد إنسانٍ، إنما نحمل العداوة ضد إبليس العدو العام ضد كل البشرية. وكما يقول القديس أغسطينوس: [مصارعتنا ليس ضد البشر الذين نراهم يغضبون علينا، إذ هم ليسوا إلاَّ أوانٍ يستخدمها غيرهم، هم أدوات في يدّ الآخرين[23].]

ثالثًا: إن كان الأعداء الحقيقيون غير منظورين، لكننا ننال الغلبة عليهم خلال جهادٍ ملموسٍ أو كما يقول القديس أغسطينوس ان القديسين يربحون النصرة على الأعداء غير المنظورين خلال الأمور المحسوسة[24].

رابعًا: واضح من حديث الرسول أن الحرب ليست فقط شرسة ولكن إذ طرفها إبليس الذي لا ينام، فإنها مستمرة ودائمة ضد كل المؤمنين المجاهدين. لذا يقول القديس چيروم: [هل يظن أحد أننا في أمان، وأنه من الصواب أن ننام لمجرد نوالنا العماد؟[25].]

خامسًا: قدم لنا الرسول بولس عدة حربية روحية يتسلح بها المؤمن بالكامل لينال الغلبة والنصرة، قائلاً:

مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ احْمِلُوا سِلاَحَ اللهِ الْكَامِلَ،

لِكَيْ تَقْدِرُوا أَنْ تُقَاوِمُوا فِي الْيَوْمِ الشِّرِّيرِ،

وَبَعْدَ أَنْ تُتَمِّمُوا كُلَّ شَيْءٍ أَنْ تَثْبُتُوا]١٣[.

هذه العدّة في حقيقتها روحية، وكما يقول القديس أمبروسيوس: [يلزمنا ألاَّ نفكر في أسلحة الجسد بل تلك التي هي قديرة أمام الله[26].]

مركز السلاح أو جوهره هو تجلي السيد المسيح نفسه في داخلنا، هو الذي غلب عدو الخير ويبقى غالبًا له خلالنا… السيد المسيح نفسه هو سلاحنا وغلبتنا ونصرتنا على إبليس وجنوده.

  • يوجد سلاح لخلاصنا مادام يوجد المسيح[27].

القديس أمبروسيوس

  • عدة أسلحتنا هي المسيح[28].

القديس أغسطينوس

  • لسنا نجهل أن الأرواح جميعها ليست في نفس الشراسة والنشاط، ولا في نفس الشجاعة والخبث، فالمبتدئون والضعفاء من البشر تهاجمهم الأرواح الضعيفة، فإذا ما انهزمت تلك الأرواح تأتي من هي أقوى منها لتهاجم جنود المسيح.

ويصعب على الإنسان بقوته أن يقاوم، لأنه لا يقدر أحد من القديسين أن توازي طاقته خُبث هؤلاء الأعداء الأقوياء الكثيرين، أو يصد هجماتهم أو يحتمل قسوتهم ووحشيتهم، ما لم يرحمه المصارع معنا ورئيس الصراع نفسه الرب يسوع، فيرد قوة المحاربين، ويصد الهجوم المتزايد، ويجعل مع التجربة المنْفَذ قدر ما نستطيع أن نحتمل (١كو ١٠: ١٣)[29].

الأب سيرينوس

سادسًا: إذ سألنا الرسول أن نقاوم في اليوم الشرير، أي في لحظات التجربة المرة، يليق بنا أن نتمم جهادنا المستمر حتى يتحقق ثباتنا، وتُعلن نصرتنا الكاملة، إذ يقول: “وَبَعْدَ أَنْ تُتَمِّمُوا كُلَّ شَيْءٍ أَنْ تَثْبُتُوا]١٣[.

مع كل تجربة يصبها العدو لتحطيمنا نجاهد، فننمو ويتحقق بالأكثر ثباتنا، وهكذا يبقى العدو يحارب، ونبقى نحن نجاهد بالرب، فتنهار مملكة إبليس ويثبت ملكوت الله فينا.

  • تسقط الأرواح في الحزن، وإذ تريد هلاكنا تهلك هي بواسطتنا بنفس التهلكة التي يرغبوها لنا. ولكن لا تعني هزيمتهم أنهم يتركوننا بغير رجعة…

إذ تهلك قواهم ويفشلون في صراعهم معنا، نقول: “فليخزَ وليخجل الذين يطلبون نفسي لإهلاكها، ليرتد إلى الوراء ويخز المسرورين بأذيتي” (مز ١٤: ٤). وأيضًا يقول إرميا: “ليخز طارديّ ولا أخزى أنا، ليرتعبوا هم ولا أرتعب أنا، أجلب عليهم يوم الشر واسحقهم سحقًا مضاعفًا” (إر ١٧: ١٨)، إذ لا يقدر أحد أن يشك في أنه متى انتصرنا عليهم يهلكون هلاكًا مضاعفًا[30].

الأب سيرينوس

  • أنا أعلم يا إخوتي أن تلك الجراحات التي نتقبلها من أجل المسيح ليست مدمرة للحياة بل بالحري معينة للحياة[31].

القديس أمبروسيوس

  • لِكَيْ تَقْدِرُوا أَنْ تُقَاوِمُوا فِي الْيَوْمِ الشِّرِّيرِ، وَبَعْدَ أَنْ تُتَمِّمُوا كُلَّ شَيْءٍ أَنْ تَثْبُتُوا]١٣[.

يقصد باليوم الشرير الحياة الحاضرة، إذ يدعوها أيضًا: “العالم الحاضر الشرير” (غلا ١: ٤)، وذلك بسبب الشر الذي يُرتكب فيها…

يقول “تتموا كل شيء” أي تقاوموا كل الأهواء والشهوات الدنسة وكل ما يقلقنا. هنا لا يتحدث عن مجرد ممارسة الأعمال وإنما إتمامها، بمعنى أننا بعد ما نُقتل (بالخطايا) نثبت. فإن كثيرين يسقطون بعد نوالهم النصرة… أما نحن فيلزمنا أن نثبت بعد النصرة. فقد يضُرب عدو لكه يقوم ثانية إن لم نثبت.

إن قام الأعداء (الروحيون) ثانية فإنهم يعودوا فيسقطون إن كنا ثابتين.

ما دمنا لا نتزعزع لا يقوم العدو من جديد.

الْبَسُوا سِلاَحَ اللهِ الْكَامِلَ“؛ ألا تراه كيف ينزع كل خوف؟ فإن كان ممكنًا بعد إتمام كل شيء أن نثبت، فإن وصفه لقوة العدو لا يخلق جُبنًا وخوفًا بل ينتزع كل استرخاء.

يقول: “لِكَيْ تَقْدِرُوا أَنْ تُقَاوِمُوا فِي الْيَوْمِ الشِّرِّيرِ“، مقدمًا لهم تشجيعًا من الزمن بكونه مقصرًا (إذ يدعوه يومًا واحدًا)، فالأمر يحتاج إلى ثبات دون وهن إذ تحدث غلبة[32].

القديس يوحنا الذهبي الفم

سابعًا: إذ أعلن الرسول عن المعركة الروحية الحقيقية وأبرز من هو العدو وما هي قدراته الفكرية المخادعة وإمكانياته كما ألهب قلبنا بالشوق للنصرة والثبات فيها خلال عبورنا هذه الحياة الحاضرة كيومٍ واحدٍ قصيرٍ، الآن يصّور لنا العدة الروحية التي تكسو كل كياننا فتحفظنا من ضربات العدو.

هذه العدة الروحية هي:

أ. “فَاثْبُتُوا مُمَنْطِقِينَ أَحْقَاءَكُمْ بِالْحَقِّ]١٤[.

يبدأ حديثه عن هذه العدة الروحية بكلمة “اثبتوا“، والثبات هو في ذاته جزء أساسي وحيوي حتى أثناء الجهاد في الأمور الزمنية، إذ يمثل عدة داخلية يلتزم أن يتسلح بها كل إنسان مجاهد في حياته؛ بدون هذا الثبات يسقط الإنسان في اليأس وينهار أمام أية صعوبة ولا يحقق غايته.

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على كلمة “اثبتوا” بالقول:

[أول ملامح التحركات الحربية (الروحية) أن تعرف كيف تثبت، فإن أمورًا كثيرة تتوقف على هذا. لذلك كثيرًا ما تحدث عن الثبات، فيقول في موضع آخر:

“اسهروا، اثبتوا” (١ كو ١٦: ٣)…

“اثبتوا هكذا في الرب” (في ٤: ١)…

“من يظن أنه قائم فلينظر أن لا يسقط” (١كو ١٠: ١٢)…

“بعد أن تتمموا كل شيء أن تثبتوا” (أف ٦: ١٣).

بلا شك لا يقصد مجرد الثبات بأية كيفية، وإنما في الطريق السليم، ذلك كما أن كثيرين لهم خبرات في الحروب يعرفون في المركز الرئيسي كيف يثبتوا. فإن كان في حالة الملاكمين والمصارعين يطلب المدرب من اللاعبين الثبات قبل كل شيء، فكم بالأكثر في حالات الحروب والأمور العسكرية؟!

الإنسان الذي يثبت بمعنى الكلمة يكون مستقيمًا، فلا يقف متراخيًا، ولا يتكيء على شيء.

الاستقامة التامة تعلن عن ذاتها بالثبات، فإن المستقيمين بالكمال يثبتون أما الذين لا يثبتون فلا يمكن أن يكونوا على حق ولا منظّمين بل “مشوشين”.

الإنسان المترف لا يثبت باستقامة بل يكون منحنيًا، وهكذا الشهواني ومحب المال.

من يعرف كيف يثبت، بثبوته ذاته كما من ينبوع خاص به يجعل كل جهاده سهلاً بالنسبة له[33].]

أما قوله: “ مُمَنْطِقِينَ أَحْقَاءَكُمْ بِالْحَقِّ” فيحمل بلا شك مفهومًا رمزيًا. فالجندي الروماني كان يشد وسطه بمنطقة جلدية على حقويه، مُثبت عليها صفائح فولاذية أو حديدية. هذه المنطقة يشدها الجندي كأول استعداد له للدخول في المعركة، فهي من جهة تعطي شيئًا من الصلابة لظهره، كما تساعده على سرعة الحركة فلا تعوقه ملابسه، وأيضًا كانت تحمي بعض أجزاء جسمه. ويرى كثير من الآباء أن الحقوين يشيران إلى الشهوة الجسدية، وشّدهما بالمنطقة يشير إلى ضبط الشهوة أو إلى العفة.

ما الذي يسندنا في عفتنا سوى رفض الباطل وقبول “الحق” الذي هي السيد المسيح، مصدر نقاوتنا وعفتنا، لذا يقول الرسول: “مُمَنْطِقِينَ أَحْقَاءَكُمْ بِالْحَقِّ“. المسيح الحق هو ضابط أجسادنا ومقدسها لتعمل مجاهدة لحساب الملكوت عوض انشغالها بالباطل.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إن حصنا أنفسنا بذلك، إن منطقنا أحقاءنا بالحق، لا يقدر أحد أن يغلبنا. من يطلب تعليم الحق لن يسقط على الأرض[34].]

ب.وَلاَبِسِينَ دِرْعَ الْبِرِّ]١٤[.

إن كان السيد المسيح المصلوب هو الحق الذي نتمنطق به فنحارب شهوات الجسد ونغلب عوض الفلسفات الباطلة التي قد تشغل الذهن لكنها تعجز عن تقديم الحياة العفيفة في الرب، هكذا هو أيضًا “برّنا” الذي نلبسه كدرع يحمينا من ضربات السيف وطعنات الرماح والسهام القاتلة.

كان الدرع العسكري الروماني يمتد من العنق إلى الركبة، من زرد أو حراشيف معدنية متصلة تحمي المحارب من ضربات العدو.

  • كما أن الدرع لا يمكن اختراقه هكذا البرّ، هنا يقصد بالبرّ حياة الفضيلة الجامعة. فمثل هذه الحياة لا يقدر أحد أن يغلبها، حقًا قد يجرحه أحد لكن لا يقدر أحد أن يخترقه ولا حتى الشيطان نفسه.

كأنه يقول ليثبت البرّ في الصدر، ويقول المسيح: “طوبى للجياع والعطاش إلى البرّ فإنهم يشعبون” (مت ٥: ٦). هكذا يكون ثابتًا وقويًا كما بدرع[35].

القديس يوحنا الذهبي الفم

ج. “وَحَاذِينَ أَرْجُلَكُمْ بِاسْتِعْدَادِ إِنْجِيلِ السَّلاَمِ]١٥[.

هكذا يتسلح المؤمن بأسلحة روحية تمس كل كيانه حتى قدميه، وكما يقول الشهيد كبريانوس: [لنتسلح أيها الإخوة المحبوبون بكل قوتنا، ونستعد للمعركة بذهن غير فاسد وإيمان مستقيم، وشجاعة جادة. ليذهب معسكر الله إلى أرض المعركة المعدة لنا… ليته حتى الساقطين أيضًا يتسلحون، لعلهم يعودون فيربحوا ما قد خسروه…[36].]

إن كانت المنطقة تؤهل الجندي للحركة بلا عائق وسط الميدان فإن الحذاء ضروري لسرعة الجري في الحروب القديمة وأيضًا للوقاية من الزلق ولتسلق الجبال حيث كانت النعال العسكرية تحمل مسامير بارزة الكرات للوقاية.

لن نستطيع السير بسرعة وسط المعركة التي يثيرها العدو ما لم يكن إنجيل السلام حافظًا لأقدامنا الروحية، لنتحرك حسب مشيئة الله وإنجيله.

بينما يثير العدو الحرب ضدنا نحتذي نحن بإنجيل السلام، وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لقد أظهر لنا أن الصراع ضد الأرواح الشريرة يستلزم إنجيل السلام… فإن حربنا ضدهم تنهي حربًا أخرى، أي تهني الحرب التي بيننا وبين الله. حين نكون في حربٍ ضد إبليس نكون في سلام مع الله. لذلك لا تخف أيها الحبيب، إنه “إنجيل” أي أخبار مفرحة، تهب نصرة[37].]

د. “حَامِلِينَ فَوْقَ الْكُلِّ تُرْسَ الإِيمَانِ، الَّذِي بِهِ تَقْدِرُونَ أَنْ تُطْفِئُوا جَمِيعَ سِهَامِ الشِّرِّيرِ الْمُلْتَهِبَةِ]١٦[.

إذ كان العدو لا يكف عن تصويب سهام ليست معدنية، وإنما نارية ملتهبة تقتل النفس، فإن الإيمان هو الترس الذي يحطم هذه السهام ويطفيء لهيبها. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [كما أن الترس يُوضع أمام الجسد كله بكونه نوعًا من الحاجز، هكذا أيضًا بالنسبة للإيمان حيث يخضع كل شيء له… فإن هذا الترس لا يقدر أن يقاومه شيء. اسمع ما يقوله المسيح لتلاميذه: “الحق أقول لكم لو كان لكم إيمان مثل حبة خردل لكنتم تقولون لهذا الجبل انتقل من هنا إلى هناك فينتقل (مت ١٧: ٢٠)… يُقصد أيضًا بسهام الشرير الملتهبة التجارب والرغبات الفاسدة، أما كونها “ملتهبة” فهي سمة هذه الرغبات. فإن كان الإيمان يسيطر على الأرواح الشريرة فبالأولى يستطيع أن يسيطر على شهوات النفس[38].]

هـ.”وَخُذُوا خُوذَةَ الْخَلاَصِ، وَسَيْفَ الرُّوحِ الَّذِي هُوَ كَلِمَةُ اللهِ]١٧.]

إن كانت الخوذة هي الواقية للرأس، فإن انشغالنا بالخلاص، ورجاءنا في التحرر من العقوبات الآتية والتمتع بالميراث السماوي الأبدي هو الخوذة الروحية التي تحمي رأسنا أي إيماننا بالسيد المسيح الرأس.

أما سيف الروح الذي نمسك به لنحارب فهو كلمة الله، به نضرب في داخلنا فنعزل بقوة بين ما هو لله وما هو خارج الله، به نبتر في داخلنا كل فساد ونلقي به خارجًا، كلمة الله كالسيف يجرح لكنه يشفي!

يرى الأب بينوفيوس[39] ان هذا السيف، كلمة الله، يجب أن يسفك الدم، دم خطايانا التي نعيش فيها، لأنه بدون سفك دم لا تحصل مغفرة (عب ٩: ٢٢)، وقد جاء في إرميا “ملعون من يمنع سيفه عن الدم” (إر ٤٨: ١٠)، وكأن المؤمن لا يكف عن أن يقتل بالوصية كل خطية تكمن في قلبه أو فكره أو أحاسيسه حتى يتقدس بالكامل في الرب.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: أننا بهذا السيف الروحي نقتل رأس الحية[40].

و. “مُصَلِّينَ بِكُلِّ صَلاَةٍ وَطِلْبَةٍ كُلَّ وَقْتٍ فِي الرُّوحِ، وَسَاهِرِينَ لِهَذَا بِعَيْنِهِ بِكُلِّ مُواظَبَةٍ وَطِلْبَةٍ، لأَجْلِ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ]١٨[.

يختم حديثه عن أسلحة محاربتنا الروحية بالصلاة، لا لأنها تحتل المكانة الأخيرة وإنما لكي تثبت في الذهن. فإن الأسلحة السابقة كلها هي في حقيقتها عطية إلهية لا نستطيع أن ننعم بها بدون الصلاة. وكأنه يختم الحديث بفتح الباب الذي به ننال الأسلحة المقاومة لإبليس وكل مكايده.

إن كان حديث الله معنا (كلمة الله) هو السيف الروحي الذي به نحطم كل شر يهاجمنا في الداخل، فإن حديثنا معه (الصلاة) هو سندنا لنوال العون الإلهي خلال جهادنا المستمر.

  • [عن صديقه الناسك بونسيوس]

إنه لا يبالي (بمحاربات الشيطان)، ولا يخف، إذ هو متسلح بأسلحة الرسول من رأسه إلى قدميه. يصغي إلى الله إذ يقرأ الكتاب المقدس، ويتحدث مع الله إذ يصلي إلى الرب… في اختصار سيحاربه الشيطان، لكن المسيح يدافع عنه.

  • بالصوم الصارم مع السهر (في الصلاة) تُطفي نيران سهام إبليس[41].

القديس چيروم

ز. الجهاد الروحي الجماعي: ختم الرسول بولس حديثه الخاص بالجهاد ضد إبليس بالكشف عن جانب إنجيلي كنسي هام، وهو إن كان العدو يحارب كل عضو على إنفراد، إنما يعمل العدو بكل جنوده، أي تعمل الأرواح الشريرة معًا ضد مملكة المسيح. فبالأولى جدًا في جهادنا نحن ألاَّ نحارب إبليس منفردين، وإنما كجماعة مقدسة. حقًا هي حرب داخلية تمس علاقتنا الشخصية بالله لكن خلال إتحادنا معًا، لذا يؤكد الرسول السهر الدائم والطلبة المستمرة من أجل جميع القديسين، فالكل يطلب معًا بروحٍ واحدٍ، فيشعر إنه في جهاده ليس بمعزلٍ عن إخوته.

لنطلب صلوات الآخرين حتى يسندنا الله، ولنصلِ نحن من أجل إخوتنا علامة شركتنا معهم وحبنا لهم ووحدتنا في الروح.

أُفرز الرسول بولس من البطن لخدمة الكرازة، والذي دعاه الرب علانية وهو في الطريق إلى دمشق، والذي نال مواهب كثيرة، يشعر بحاجة شديدة لصلوات الشعب من أجله ليسنده الرب ليس فقط في جهاده الروحي وإنما في كرازته بالإنجيل، إذ يقول: “وَلأَجْلِي، لِكَيْ يُعْطَى لِي كَلاَمٌ عِنْدَ افْتِتَاحِ فَمِي، لأُعْلِمَ جِهَارًا بِسِرِّ الإِنْجِيلِ، الَّذِي لأَجْلِهِ أَنَا سَفِيرٌ فِي سَلاَسِلَ، لِكَيْ أُجَاهِرَ فِيهِ كَمَا يَجِبُ أَنْ أَتَكَلَّمَ]١٩-٢٠[.

إن كانت قيوده تشفع فيه لدى الله كسفير أمين احتمل الآلام من أجل الإنجيل لكنه كان في عوز إلى شفاعات كل الكنيسة عنه ليتمم رسالته بلا عائق. لهذا اعتادت الكنيسة أن تصلي من أجل البطريرك والأسقف والكهنة والشمامسة وكل الخدام، ويصلي البابا البطريرك وكل الخدام من أجل الشعب. حقًا نحتاج في جهادنا إلى صلوات مشتركة!

في تعليق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارات الرسولية، يقول: [الصلاة قادرة على تحقيق عظائم[42].]

4. الخاتمة والبركة الرسولية

ختم الرسول بولس هذه الرسالة بالآتي:

أولاً: أعلن لهم أنه يبعث إليهم تيخيكس، لا حاملاً الرسالة فحسب، وإنما كشاهدٍ عيان يطمئنهم على حاله وهو في السجن كيف يستخدمه الله للكرازة وبنيان الملكوت فتتعزى قلوبهم. هذا وبإرساله تيخيكس الخادم الأمين في الرب يسمعون كلمة الله منه لبنيانهم، إذ يقول: “وَلَكِنْ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ أَيْضًا أَحْوَالِي، مَاذَا أَفْعَلُ، يُعَرِّفُكُمْ بِكُلِّ شَيْءٍ تِيخِيكُسُ الأَخُ الْحَبِيبُ وَالْخَادِمُ الأَمِينُ فِي الرَّبِّ، الَّذِي أَرْسَلْتُهُ إِلَيْكُمْ لِهَذَا بِعَيْنِهِ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَحْوَالَنَا، وَلِكَيْ يُعَزِّيَ قُلُوبَكُمْ] ٢١-٢٢[.

ثانيًا: يختم بالبركة الرسولية: “سَلاَمٌ عَلَى الإِخْوَةِ، وَمَحَبَّةٌ بِإِيمَانٍ مِنَ اللهِ الآبِ، وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ. اَلنِّعْمَةُ مَعَ جَمِيعِ الَّذِينَ يُحِبُّونَ رَبَّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحَ فِي عَدَمِ فَسَادٍ. آمِينَ] ٢٣-٢٤[.

إذ كتب الرسالة عن الكنيسة التي هي حقيقتها وجوهرها “سلام مع الله والإخوة، ومحبة صادرة عن الله والرب يسوع، ونعمة مقدمة لنا”، لذا جاءت البركة متناغمة مع جوهر الرسالة.

  • ابتهل من أجلهم يسأل لهم “السلام والمحبة بإيمان”. نطق حسنًا، إذ لم يرد لهم أن ينظروا إلى المحبة بذاتها بل ممتزجة بما هو من الإيمان…

إن وُجد سلام وُجدت محبة، وإن وُجدت محبة يوجد سلام أيضًا.

بإيمان“، إذ بدونه لا تبلغ المحبة شيئًا، بل ولا يكون لها وجود بالكلية…

فِي عَدَمِ فَسَادٍ“… أما يعني “في طهارة” أو “من أجل الأمور غير الفاسدة”، أي ليس من أجل الغنى والمجد والكنوز التي تفسد. “خلال عدم الفساد”، أي “خلال الفضيلة”، لأن كل خطية هي فساد.

القديس يوحنا الذهبي الفم

هذه صورة مبسطة للملامح الرئيسية لهذه الرسالة الحية التي تعلن عضويتها في جسد السيد المسيح، وتمتعنا بشركة حياته وسماته، في كل عملي خفي وظاهر، حتى في جهادنا ضد قوات الظلمة، من أجل بلوغنا الميراث الذي لا يفنى ولا يضمحل.

[1] راجع للمؤلف: إنجيل لوقا (تفسير ٢: ٤٩).

[2] راجع للمؤلف: إنجيل لوقا (تفسير ٢: ٤٩).

[3] راجع للمؤلف: إنجيل لوقا (تفسير ٢: ٤٩).

[4] Ser. On N.T. lessons 1.

[5] للمؤلف: الحب العائلي، ١٩٧٠، ص ٦٣، ٦٤.

[6] للمؤلف: الحب العائلي، ١٩٧٠، ص٦٥ – ٧٣.

[7] In Eph. hom 21.

[8] Ser. on N.T. lessons; on the Psalms 71: 1.

[9] Ep. to Heliodorus.

[10] In Eph. hom 21.

[11] الحب العائلي، ١٩٧٠، ص ٤٣.

[12] In 1Tim hom 9.

[13] Ser. on N.T. 44: 1.

[14] In Eph. hom 22.

[15] In Eph. hom 22.

[16] In Eph. hom 22.

[17] In Eph. hom 22.

[18] In Eph. hom 22.

[19] In Eph. hom 22.

[20] In Eph. hom 22.

[21] In Eph. hom 22.

[22] In Eph. hom 22.

[23] Ser. on N.T. 17: 4.

[24] Ep. 226: 12.

[25] Against Jovinianus 2: 3.

[26] On the Belief of Resurrection 2: 106.

[27] Conc. Virgins 2: 29.

[28] Ep. 75: 2.

[29] Cassian: Conf., 7: 20.

[30] Cassian: Conf.,  7: 21.

[31] Sermon against Auxentius 6.

[32] In Eph. hom 22.

[33] In Eph. hom 23.

[34] In Eph. hom 23.

[35] In Eph. hom 24.

[36] Ep. 55: 8.

[37] In Eph. hom 24.

[38] In Eph. hom 24.

[39] Cassian: Conf. 20: 8.

[40] In Eph. hom 24.

[41] Ep. 3: 4, 5; 54: 7.

[42] In Eph. hom 24

تفسير رسالة أفسس 6 الأصحاح السادس – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة أفسس 5 الأصحاح الخامس – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة أفسس 5 الأصحاح الخامس – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة أفسس 5 الأصحاح الخامس – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة أفسس 5 الأصحاح الخامس – القمص تادرس يعقوب ملطي

 

الأصحاح الخامس: العبادة والسلوك

 

إن كانت الكنيسة هي قبول دعوة الله للتمتع بالحياة الجديدة في المسيح، فإن هذه الحياة تتجلى في حياة الإنسان وعبادته وسلوكه، دون ثنائية… فتكون حياته كلها “ذبيحة لله”، أي عبادته غير منقطعة وغير منفصلة عن سلوكياته.

  1. الامتثال بالله “المحبة الباذلة” ١ – ٢.
  2. السلوك في نور قيامته ٣ – ١٤.
  3. التدقيق في السلوك والعبادة ١٥ – ٢١.
  4. العلاقات الزوجية وسرّ المسيح ٢٢ – ٢٣.

1. الامتثال بالله “المحبة الباذلة”

فَكُونُوا مُتَمَثِّلِينَ بِاَللهِ كَأَوْلاَدٍ أَحِبَّاءَ،

وَاسْلُكُوا فِي الْمَحَبَّةِ كَمَا أَحَبَّنَا الْمَسِيحُ أَيْضًا وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِنَا،

قُرْبَانًا وَذَبِيحَةً لِلَّهِ رَائِحَةً طَيِّبَةً]١-٢[.

إن كانت لغة الكنيسة الجامعة هي المحبة، خلالها نُمارس وحدانية الروح، وبها تنمو الجماعة وكل عضو فيها، مشتاقًا أن يتحقق سرّ المسيح، بانفتاح باب الإيمان للجميع خلال المحبة، فإن المحبة هي أيضًا علامة امتثالنا بالله أبينا، وإقتدائنا بكلمة الله المتجسد الذي خلال المحبة أسلم نفسه لأجلنا قربانًا وذبيحة للآب رائحة سرور ورضا. وكما يقول القديس يوحنا الحبيب: “بهذا قد عرفنا المحبة أن ذاك وضع نفسه لأجلنا فنحن ينبغي لنا أن نضع نفوسنا لأجل الإخوة” (١ يو ٣: ١٦).

كما سبق فكررنا أن المسيحي يشارك السيد المسيح كهنوته (الكهنوت العام) بتقديم حياته ذبيحة حب عن الآخرين كسيده. هذه هي سمة “الإنسان الجديد” الذي لنا عوض “الإنسان العتيق” الفاسد.

  • من يقطن في الحب يقطن في الله، لأن الله محبة (١يو ٤: ١٦)[1].
  • لقد دُعيت ابنًا، فإن رفضت الامتثال به لماذا تطلب ميراثه؟[2]

القديس أغسطينوس

  • لئلا تظن أن هذا العمل (خلاص المسيح) قد تم عن إلزام، اسمعه يقول: “أسلم نفسه”.

كما أحبك سيدك، حب أنت صديقك! بل، إن كنت لا تقدر أن تحب هكذا، فحب قدر ما تستطيع… سامح الآخرين، فإنك إذ تقتدي به تكون على مثاله.

من واجبنا أن نسامح عن الأخطاء أكثر من أن نعفو عن الديون المالية، فإنك إن تنازلت عن الديون التي لك لا تتمثل بالله، أما إن سامحت المعاصي التي ضدك فإنك تتمثل به.

لا تستطيع القول بأنك فقير وعاجز عن أن تتنازل عن الديون التي لك، إن كنت لا تسامح المعاصي التي هي ضدك، الأمر الذي في سلطانك عمله! بالتأكيد لن تتحمل أية خسارة بهذا الصنيع…

انظر، فإنه يقدم لك نصيحة أكثر نبلاً، إذ يحثك، قائلاً: “كَأَوْلاَدٍ أَحِبَّاءَ“، نعم فإنه يوجد سبب آخر مقنع لتتمثل به، ليس أنك نلت صلاحًا من يديه فقط، وإنما أيضًا دُعيت ابنه. وإذ ليس كل الأبناء يتمثلون بآبائهم بل “الأحباء” لذا يقول “كَأَوْلاَدٍ أَحِبَّاءَ“.

انظروا،هنا أساس كل عمل! فإنه حيث لا يوجد سخط ولا غضب ولا صراخ (صخب) ولا تعنيف إنما ينتزع هذا كله، لذلك يضع في النهاية النقطة الرئيسية (أي المحبة).

كيف صرت ابنًا؟ بأنه غفر لك! على نفس الأساس الذي به نلت امتيازًا عظيمًا يلزمك أنت أيضًا أن تسامح أخاك!

كن محبًا للحب،فيه قد خلصت، وبه صرت ابنًا!

إن كان في قدرتك أن تنقذ الآخرين، أفلا تستخدم معهم نفس العلاج (الذي أُستخدم بالنسبة لك) مقدمًا النصيحة للجميع: “اغفروا يُغفر لكم”[3].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • لقد أسلم بواسطة الآب (رو ٨: ٣٢)، كما أسلم نفسه بإرادته (أف ٥: ٢؛ غلا ١: ٣، ٤)، فمن الواضح أن عمل الآب وإرادته هما واحد مع الابن[4].

القديس أمبروسيوس

2. السلوك في نور قيامته

إذ بالحب العملي نتمثل بالله النور نحمل شركة طبيعته،فنُحسب “أَوْلاَدِ نُورٍ]٨[، لا مكان لظلمة الموت فينا، بل ننعم بنور القيامة، خلال هذا المفهوم يوصينا الرسول أن نسلك عمليًا كأولاد للنور متمتعين بقوة القيامة وبهجتها في داخلنا، معلنة في حياتنا اليومية وسلوكنا الخفي والظاهر، تاركين أعمال الظلمة غير اللائقة بنا، إذ يقول:

وَأَمَّا الزِّنَا وَكُلُّ نَجَاسَةٍ أَوْ طَمَعٍ، فَلاَ يُسَمَّ بَيْنَكُمْ كَمَا يَلِيقُ بِقِدِّيسِينَ،

وَلاَ الْقَبَاحَةُ، وَلاَ كَلاَمُ السَّفَاهَةِ وَالْهَزْلُ الَّتِي لاَ تَلِيقُ، بَلْ بِالْحَرِيِّ الشُّكْرُ.

فَإِنَّكُمْ تَعْلَمُونَ هَذَا أَنَّ كُلَّ زَانٍ أَوْ نَجِسٍ أَوْ طَمَّاعٍ،

الَّذِي هُوَ عَابِدٌ لِلأَوْثَان،

 لَيْسَ لَهُ مِيرَاثٌ فِي مَلَكُوتِ الْمَسِيحِ وَاللهِ.

لاَ يَغُرَّكُمْ أَحَدٌ بِكَلاَمٍ بَاطِلٍ،

لأَنَّهُ بِسَبَبِ هَذِهِ الأُمُورِ يَأْتِي غَضَبُ اللهِ عَلَى أَبْنَاءِ الْمَعْصِيَةِ.

فَلاَ تَكُونُوا شُرَكَاءَهُمْ.

لأَنَّكُمْ كُنْتُمْ قَبْلاً ظُلْمَةً وَأَمَّا الآنَ فَنُورٌ فِي الرَّبِّ.

اسْلُكُوا كَأَوْلاَدِ نُورٍ]٣– ٨[.

يلاحظ في النص الآتي:

أولاً: أبرز أعمال الظلمة التي “لا تليق” بنا كأولاد النور، بل لا تُسم بيننا… كنا قبلاً نمارسها لأننا كنا في ظلمة، أما الآن فنحن نور في الرب. وقد ركز في حديثه عن أعمال الظلمة على ثلاث خطايا، وهي: “الزِّنَا وَكُلُّ نَجَاسَةٍ أَوْ طَمَعٍ]٣[، هذه الأمور الثلاثة التي لا يليق مجرد ذكر أسمائها بيننا إن كنا بالحقيقة قديسين في الرب. يعود فيكرر نفس هذه الخطايا الثلاث ]٥[ كعلة لحرمان الإنسان من ملكوت الله. وكما يقول الأب صرابيون: [يجب علينا أن نتجنب هذه (الخطايا) الثلاث على قدر متساوٍ من الحرص، فإن واحدة منها كما أن جميعها تغلق أمامنا ملكوت المسيح وتستبعدنا عنه بقدر متساوٍ[5].]

ثانيًا: يرى القديس يوحنا الذهبي الفم[6] أن الرسول بولس قدم المجموعة الأولى من الشرور: “كل مرارة وسخط وغضب الخ” (٤: ٣١)، وأن علة هذه الشرور هي الصياح أو الصخب؛ أما المجموعة الثانية “الزِّنَا وَكُلُّ نَجَاسَةٍ أَوْ طَمَعٍ” فهي تنبع عن الشهوات الجسدية وعلتها “كَلاَمُ السَّفَاهَةِ وَالْهَزْلُ” ]٤[. عوض كلمات الشكر لله.

كأن الرسول بولس وهو يقدم أعمال الشر يضع أيدينا على علة هذه الأعمال أو بدايتها التي تبدو أمرًا تافهًا ثم تستفحل… فقد يستتفه الإنسان “الصياح” أو “الصخب” عوض الهدوء والسكون… هذا الصخب يفسد عيني الإنسان أو بصيرته الداخلية فيبدأ يغضب، ثم يتحول الغضب إلى حقد ومرارة نحو الغير، وقد يتحول إلى قتل إن لم يكن جسديًا فمعنويًا. هنا أيضًا يبدأ الإنسان بكلمات المزاح غير اللائقة لتتحول إلى كلام السفاهة، فتثير شهوات الإنسان نحو الزنا والنجاسة والطمع. لذا يحذرنا الحكيم سليمان، قائلاً: “ابعد طريقك عنها، ولا تقرب إلى باب بيتها” (أم ٥: ٨).

الكلمة القبيحة أو كلام السفاهة والهزل ]٤[، علامة من علامات الفراغ الداخلي، تهدم ولا تبني، تدفع إلى الزنا وكل نجاسة وطمع، لذا يقول القديس يوحنا الذهبي الفم في تعليقه على هذه العبارات الرسولية:

[الكلمات هي الطريق للأعمال… أي نفع للنطق بالفكاهة؟ إنك مجرد تضحك!

اخبرني، هل يشغل صانع الأحذية نفسه بشيء غير ما يمس مهنته ولمنفعتها؟ هل يشتري أية آلة غير التي تخص عمله؟ لا. فإنه لا لزوم للأمور التي لا نحتاج إليها.

إذن ليتك لا تتفوه بكلمة بطالة، فخلال الكلمات البطالة تسقط في أحاديث غبية. الوقت الحاضر ليس وقت للضحك المتسيّب، إنما هو وقت للحزن والتجارب والبكاء، فهل تمزح؟

أي مصارع يدخل حلقة المصارعة ليناضل ضد خصمه، ينطق بفكاهات؟

إبليس واقف مستعد، إنه يزأر (١بط ٥: ٨) ليفترسك، إنه يجول من كل جهة، ويقلب كل الأمور ضد حياتك، ويدبر مكائد لينزعك من راحتك، يصرّ بأسنانه ويجأر، يتنفس نارًا ضد خلاصك، فهل تجلس أنت لتنطق بفكاهات وتتفوه بكلمات غبية، وتتحدث بما هو ليس للنفع؟!…

الآن وقت للحرب (الروحية) والصراع، للسهر والحراسة، لللتسلح والتسربل. لا مجال للضحك هنا، فإن هذا خاص بالعالم، اسمع ما يقوله المسيح “العالم يفرح، أنتم تحزنون” (يو ١٦: ٢٠).

المسيح صلب من أجل شرورك، وأنت تضحك؟…

اسمع ما يقوله النبي: “اعبدوا الله بخشية، هللوا له برعدة” (مز ٢: ١١). المزاح يجعل النفس رخوة وبليدة…

ليس من هو معيب مثل المازح، فإنه ليس في فمه شيء نافع بل مملوء أتعابًا[7].]

ثالثًا: قابل الرسول “القباحة وكلام السفاهة والهزل” بعمل مضاد لائق بأبناء النور ألا وهو “الشكر”. فالمؤمن لا يُسر بالأعمال السابقة، إنما بالحري بممارسته للحياة الملائكية، حياة الشكر لله والتسبيح الدائم. بهذا يُظهر فرحه الداخلي العميق الذي لا يقوم على تصرفات زمنية سخيفة وإنما على علاقته البنوية على مستوى أبدي.

في حديثه السابق قابل أعمال الإنسان العتيق من كذب وغضب وسرقة وكلام رديء بالعمل الأساسي في الإنسان الجديد ألا وهو “المحبة” التي بها نتمثل بالله (٥: ١)، الآن يقابل أعمال الظلمة من زنا وكل نجاسة وطمع وقباحة وكلام السفاهة والهزل بعمل النور الأساسي ألا وهو “الشكر”، عمل الملائكة النورانيين. بمعنى آخر بالحب نعلن بنوتنا لله، وبالشكر نعلن شركتنا مع السمائيين.

رابعًا: يعلل الرسول بولس ضم “الطمع” إلى الزنا والنجاسة، قائلاً: “فَإِنَّكُمْ تَعْلَمُونَ هَذَا أَنَّ كُلَّ زَانٍ أَوْ نَجِسٍ أَوْ طَمَّاعٍ، الَّذِي هُوَ عَابِدٌ لِلأَوْثَانِ لَيْسَ لَهُ مِيرَاثٌ فِي مَلَكُوتِ الْمَسِيحِ وَاللهِ]٥[، حاسبًا الطمع ليس بالأمر الهين كما يظن الكثيرون، خاصة إذا قورن بالزنا والنجاسة، فإن الطمع هو “عبادة أوثان” (كو ٣: ٥)، إذ يقيم الإنسان المال إلهًا له. فإن كان الزنا يعني عبودية الإنسان لشهوات الجسد عوض الحياة المقدسة في الرب، فالطمع هو عبودية الإنسان للأمور الزمنية عوض الحياة الأبدية والمجد السماوي في الرب. فلا يليق الاستهانة بالطمع ولا بالزنا والنجاسة… فإن هذه جميعها من سمات أبناء المعصية، تجلب الغضب الإلهي ]٦[.

خامسًا: لم يقل الرسول “كنتم قبلاً في الظلمة، وأما الآن في النور”، وإنما قال: “كُنْتُمْ قَبْلاً ظُلْمَةً، وَأَمَّا الآنَ فَنُورٌ]٨[. فمن يسلك في الظلمة تمتزج حياته بها فيصير هو نفسه كما لو كان ظلمة، ومن يسلك في نور الرب يصير هو نفسه نورًا وبركةً، كقول الرب: “أنتم نور العالم” (مت ٥: ١٤؛ لو ١١: ٣٣– ٣٦؛ يو ٥: ٣٥).

سادسًا: إذ صاروا نورًا بالرب “النور الحقيقي” يلتزمون بالسلوك كأبناء للنور ]٨[، فتصير الحياة المقدسة ثمرًا طبيعيًا فيهم وليس عملاً مفتعلاً! لذا يقول: “اسْلُكُوا كَأَوْلاَدِ نُورٍ. لأَنَّ ثَمَرَ النُور (الرُّوح)ِ هُوَ فِي كُلِّ صَلاَحٍ وَبِرٍّ وَحَقٍّ. مُخْتَبِرِينَ مَا هُوَ مَرْضِيٌّ عِنْدَ الرَّبِّ]٨–١٠[.

  • يقول إنه ليس بفضلكم الذاتي، وإنما خلال نعمة الله تقتنون هذا، فقد كنتم قبلاً تستحقون العقاب، وأما الآن فلا تستحقون[8].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • إذ كنتم في الظلمة لم تكونوا في الرب، لكن إذ استنرتم فإنكم تضيئون بالرب وليس من ذواتكم[9].

القديس أغسطينوس

  • [في حديثه عن بطرس الرسول الذي سار على المياه كأمر سيده]

كان قادرًا أن يعمل ما فعله الرب، لكن ليس من عندياته، وإنما في الرب…

سار بطرس على الماء كأمر الرب، مدركًا أنه يعجز عن التمتع بهذه القوة من ذاته.

بالإيمان صار لديه القوة ليحقق ما يعجز الضعف البشري عن عمله[10].

القديس أغسطينوس

إن كان السيد المسيح هو شمس البرّ، فإننا بروحه القدوس، الذي هو “النور” ننعم بثمر النور: “كل صلاح وبرّ وحق”. فكما أن الحياة الزمنية ما كان يمكن أن يكون لها وجود بدون الشمس، مع الفارق الشاسع لا حياة لنا بدون شمس البرّ واهب كل صلاح وبرّ وحق.

سابعًا: بقوله “مُخْتَبِرِينَ مَا هُوَ مَرْضِيٌّ عِنْدَ الرَّبِّ]١٠[ يميز بين السالكين بأعمال الظلمة والسالكين بأعمال النور، فإن الأولين يمارسون ما هو مرضي لأنفسهم أو لغيرهم، أما أولاد النور فيهتمون كيف يرضون الله، مرددين في أعماقهم عبارة الرسول: “ماذا تريد يا رب أن أفعل؟”.

ثامنًا: إذ تمتعنا بالرب النور الذي بقيامته بدّد سلطان الظلمة، فتركنا أعمال الظلمة وانتقلنا إلى النور، فصرنا به نورًا، نحمل ثمر النور، يحذرنا الرسول بولس من النكوص إلى الوراء والعودة إلى الظلمة وأعمالها، قائلاً:

وَلاَ تَشْتَرِكُوا فِي أَعْمَالِ الظُّلْمَةِ غَيْرِ الْمُثْمِرَةِ بَلْ بِالْحَرِيِّ وَبِّخُوهَا.

لأَنَّ الأُمُورَ الْحَادِثَةَ مِنْهُمْ سِرًّا ذِكْرُهَا أَيْضًا قَبِيحٌ.

وَلَكِنَّ الْكُلَّ إِذَا تَوَبَّخَ يُظْهَرُ بِالنُّورِ.

لأَنَّ كُلَّ مَا أُظْهِرَ فَهُوَ نُورٌ]١١–١٣[.

بمعنى آخر أراد الرسول من المؤمنين أن يحددوا موقفهم، إن كانوا أولاد نور أم أولاد ظلمة، وذلك ليس خلال المناقشات الغبية وإنما خلال الحياة العملية. هذا ما يؤكده في أكثر من موضع، إذ يقول: “أية خلطة للبر والإثم؟! وأية شركة للنور مع الظلمة؟! وأي اتفاق للمسيح مع بليعال؟! وأي نصيب للمؤمن مع غير المؤمن؟!” (٢ كو ٦: ١٤، ١٥). وبنفس المعنى يقول يوحنا الحبيب: “بهذا أولاد الله ظاهرون وأولاد إبليس، كل من لا يفعل البرّ فليس من الله وكذا من لا يحب أخاه” (يو ٣: ١٠).

تاسعًا: بسلوكنا في النور كأولاد للنور، نأتي بثمر النور، معلنين بذلك أن أعمال الظلمة “غير مثمرة”، بالأولى (أعمال النور) تنفضح أعمال الشرير وتوبَّخ ]١١[، وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [يقول: “أنتم نور”، الآن النور يوبّخ ما يدور في الظلمة، كأنه يقول إن كنتم فضلاء واضحين لا يقدر الأشرار أن يختفوا، وذلك كما لو أضيئت شمعة، يصير الكل في نور، ولا يقدر اللص أن يدخل، هكذا إذ يشرق نوركم ينفضح الأشرار ويُمسكون. عملنا ان نكشفهم، فلماذا يقول ربنا: “لا تدينوا لكي لا تُدانوا” (مت ٧: ١، ٣)؟ لم يقل بولس: “دينوهم” بل “وبخوهم” أي أصلحوا أمرهم[11].]

عاشرًا: الآن يختم حديثه عن السلوك في النور بتأكيد تمتعنا بنور قيامته وتأكيد الغلبة والنصرة للنور على الظلمة، مقتبسًا في الغالب تسبحة كانت من صميم ليتورچية العماد، تُمجّد السيد المسيح الذي يهب البشرية الاستنارة عوض الظلمة والحياة المقامة عوض موت الخطية (يو ١١: ١١)… يهب مؤمنيه الحياة الجديدة المقامة بطريقة خلاّقة جديدة تقابل خلقة النور، إذ يقول: “لِذَلِكَ يَقُولُ: اسْتَيْقِظْ أَيُّهَا النَّائِمُ وَقُمْ مِنَ الأَمْوَاتِ فَيُضِيءَ لَكَ الْمَسِيحُ]١٤[.

  • هذه هي قيامة القلوب أي قيامة الإنسان الداخلي، أو قيامة النفوس.
  • هو بعينه الذي يهب النور للأعمى يقيم الموتى[12].

القديس أغسطينوس

  • يقصد بالنائم والميت الإنسان الذي في الخطية، فإنه تفوح منه روائح كريهة كرائحة الميت، ويكون متبلدًا كمن هو نائم، فيكون كمن لا يرى شيئًا، وإنما يعيش في الأحلام والأوهام والتخيلات…

أترك الخطية فتقدر أن تعاين المسيح، “لأن كل من يعمل السيئات يبغض النور ولا يأتي إلى النور” (يو ٣: ٢٠). فمن لا يرتكبها يأتي إلى النور…

“ليس الله إله أموات بل إله أحياء” (مت ٢٢: ٣٢)، فإن كان ليس إله أموات، فلنحيا نحن[13].

القديس يوحنا الذهبي الفم

3. التدقيق في السلوك والعبادة

إن كان كلمة الله في محبته وهبنا نور قيامته مشرقًا فينا، فلنقوم من موت الخطية، فمن جانبنا نلتزم بالحياة المدققة، لا كجهلاء بل كحكماء، وقد أوضح الرسول النقاط التالية:

أولاً: “فَانْظُرُوا كَيْفَ تَسْلُكُونَ بِالتَّدْقِيقِ، لاَ كَجُهَلاَءَ بَلْ كَحُكَمَاءَ]١٥[.

الحياة الروحية أشبه بمبنى يُقام أساسه بقيامة الرب الواهبة النور عوض الظلمة، والحياة عوض الموت، لكي يبقى المؤمن يعمل كل أيام تغربه بكل حكمة وتدقيق، لا بذاته إنما بالنعمة المجانية، أي بالحياة المُقامة في المسيح الموهوبة له.

هذا البناء الروحي الداخلي يمارسه كل مؤمن، كما يمارسه العاملون في الكرم لحساب الجماعة كلها، كقول الرسول نفسه: “فلينظر كل واحد كيف يبني عليه” (١ كو ٣: ١٠).

هنا نلاحظ أنه لا يكفي التدقيق في السلوك وإنما تلزم “الحكمة” أيضًا في التصرف… فقد حسب البعض أن الإيمان بالمصلوب غباوة وجهالة، وأن الاتكال على الله يعني تجاهل التفكير والحكمة، لذا ركز الرسول كثيرًا على “الحكمة” و”المعرفة” فنجده بعد قليل يؤكد: “فَاهِمِينَ مَا هِيَ مَشِيئَةُ الرَّبِّ]١٧[. هذا الخط واضح في كل كتابات الرسول، إذ دعانا الرب للشركة معه، فننعم بالفهم وإدراك إرادته والتمتع بحكمته.

ثانيًا: “مُفْتَدِينَ الْوَقْتَ لأَنَّ الأَيَّامَ شِرِّيرَةٌ]١٦[.

علامة التعقل والحكمة مع التدقيق في السلوك هو “افتداء الوقت“. فالمؤمن يدرك أن حياته الزمنية هي ثروته الحقيقية من جهة كونها علة إكليله الأبدي أو هلاكه، إن افتدى وقته تحول جهاده الزمني السريع إلى إكليل سماوي خالد، وإن أهمل في أيامه القصيرة تحطمت أبديته الحقة!

الأيام شريرة” لأنها تخدع الإنسان، فينجذب إلى الزمنيات كمن هو خالد في العالم، ليجد نفسه قد طُلبت فجأة لتقف أمام الديان العادل تعطي حسابًا عن وكالتها.

وللقديس البابا ثاوفيلس حديث مع الأم ثيؤدورا بخصوص هذه العبارة سبق عرضه في كتابنا: “قاموس آباء الكنيسة وقديسيها[14]“.

يقول القديس أغسطينوس: [أليست هذه أيامًا شريرة بالحق، إذ نقضيها في الجسد الفاسد أو تحت ثقله، وسط التجارب والضيقات العظيمة، فلا توجد إلاَّ المباهج الباطلة، دون فرحٍ أكيد، وإنما يوجد خوف مرعب وطمع جشع وحزن مذبل (للإنسان)؟! يا لها من أيام شريرة، ومع هذا فلا يوجد من يريدها أن تنتهي بل يطلب الناس العمر الطويل[15].]

حقًا إنها أيام شريرة ومقصرة، إذ يرى كثير من الآباء أن الأنبياء في العهد القديم والرسل في العهد الجديد بل والرب نفسه يؤكدون سرعة مجيء الرب الأخير، لكي نكون دومًا على استعداد لملاقاته، حاسبين أن الزمن، مهما طال، فهو أيام شريرة إن قرون بالأبدية المطوّبة. لذا جاء في نص منسوب للقديس هيبوليتس الروماني: [حقًا، أي عذر لإنسان يسمع هذه الأمور في الكنيسة من الأنبياء والرسل ومن الرب نفسه دون أن يعطي اهتمامًا لنفسه ولا لنهاية الأزمنة والاقتراب من الساعة التي فيها يقف أمام كرسي المسيح؟![16]]

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على العبارات السابقة ]١٥– ١٧[، قائلاً إنه يطالبهم بالسلوك بتدقيق وبحكمة دون جهالة لينزع عنهم جذور المرارة وكل أساس للغضب، فإنهم قد دعوا كحملان يعيشون وسط ذئاب، يجدون مقاومة من الخارج كما من أهل البيت أيضًا، لذا يحتاج الأمر منهم إلى السلوك بتدقيق وبحكمة، حتى لا يتسرب الغضب إلى قلوبهم، بل يهتموا بإعلان رسالة الإنجيل خلال الحب العملي حتى للمقاومين، وأن نعطي لكل ذي حقٍ حقه (رو١٣: ٧)… ويختم حديثه بالقول: [عندما يرى بقية العالم أننا نحتمل بصبر يخجلون[17].]

يكمل القديس يوحنا الذهبي الفم تعليقه موضحًا السلوك بحكمة وافتداء الوقت بالقول:

[الوقت ليس ملككم! في الوقت الحاضر أنتم غرباء ورحّل وأجنبيون، فلا تطالبوا الكرامات، ولا تبحثوا عن المجد ولا السلطة أو الانتقام، احتملوا كل شيء “مفتدين الوقت”.

أقول إنني أتصور إنسانًا له بيت عظيم وقد ذهب إليه أناس ليقتلوه، فالتزم بدفع مبلغ كبير ليفدي حياته. هكذا أيضًا أنت لك بيت عظيم وإيمان حقيقي في خزانتك. إنهم يريدون الحضور ليسحبوا هذا كله. أعطهم ما يريدون وإنما احفظ الأمر الرئيسي، أقصد “الإيمان”.

يقول “لأَنَّ الأَيَّامَ شِرِّيرَةٌ“…

ما هو شر الجسد؟ المرض!

ما هو شر النفس؟ الشر (الخطية)!

ما هو شر الماء؟ المرارة.

شر كل شيء يناسب طبيعته ويفسده…

بنفس الطريقة كما اعتدنا نقول: “قضيت يومًا رديئًا وشريرًا”. الأحداث الصالحة التي تتم في اليوم هي من عند الله، أما الشريرة فهي من الناس الأشرار. إذن فالشرور التي تحدث في الأزمنة هي من صنع البشر، لذا قيل أن الأيام شريرة، كما يقال ان الأزمنة شريرة[18].]

ثالثًا: “وَلاَ تَسْكَرُوا بِالْخَمْرِ الَّذِي فِيهِ الْخَلاَعَةُ، بَلِ امْتَلِئُوا بِالرُّوحِ]١٨[.

لوط الذي عذب نفسه بأفعال سدوم وعمورة الأثيمة، حين سكر أنجب من ابنتيه موآب وعمون، فكانا ونسلهما من بعدهما مقاومين لعمل الله ولشعبه عبر الأجيال. وهكذا كل من ينحرف نحو السكر يثمر مقاومة ومضادة لأعمال الله. لذا يحذرنا القديس چيروم، قائلاً: [لقد وجد الموآبيين والعمونيين أصلهم في السُكر (تك ١٩: ٣٠ – ٣٨)[19].]

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم:

[يليق بالإنسان العادي أن يتحفظ من السًكر من كل جانب، فكم بالأكثر يلزم بالجندي (الروحي) الذي يعيش بين السيوف، ويتعرض لسفك دمه والقتل…

اسمع ما يقوله الكتاب: “أعطوا مسكرًا لهالك، وخمرًا لمرّي النفس” (أم ٣: ٦)…

لقد أُعطيت الخمر لنا لا لهدف سوى صحة الجسد (أي لنواح طبية)، لكن هذا الهدف فسد بسبب سوء الاستخدام. اسمع ما يقوله رسولنا الطوباوي لتيموثاوس: “استعمل خمرًا قليلاً من أجل معدتك وأسقامك الكثيرة” (١تي ٥: ٢٣)…

يقول: أتريد أن تكون فرحًا؟ أتريد أن تشغل اليوم؟ أعطيك المشروب الروحي. لأن السكر يفقدنا حتى صلاح لساننا الواضح، فيجعلنا متلجلجين ومتلعثمين، ويشّوه العينين وكل الملامح. تعلّم التسبيح بالمزامير فتلمس عذوبة العمل. فإن الذين يسبحون بها هم مملوؤن بالروح القدس كما أن الذين يتغنون بالأغاني الشيطانية هم مملوؤن بالروح النجس[20].]

 إذن عوض البهجة بالسُكر هذا العالم لنمتليء بعمل روح الله القدوس الساكن فينا فتسكر نفوسنا بحب الله بلا انقطاع، وتهيم دائمًا في السماوات تطلب البقاء في أحضانه أبديًا.

هنا يليق أن نشير إلى أن الامتلاء بالروح لا يعني حلولاً خارجيًا نتقبله وإنما هو قبول عمل الروح فينا والتمتع بقوته العاملة داخل النفس. لقد عبّر القديس باسيليوس في كتابه عن الروح القدس عن هذا الامتلاء بقوله إن الروح يُعطي للإنسان قدر استعداد الإنسان، وكأن الروح لا يكف عن أن يعطي ما دام الإنسان يفتح قلبه لعمله فيه ويتجاوب معه.

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على العبارة: “وأما شاول الذي هو بولس أيضًا فامتلأ بالروح القدس وشخص إليه، وقال: أيها الممتليء كل غش وكل خبث يا ابن إبليس يا عدو كل برّ إلاَّ تزال تفسد سبل الله المستقيمة؟!” (أع ١٣: ٩، ١٠): [لا يفتكر أحد أن بولس لم يكن مملوءً من الروح عندما تحدث مع الساحر، لكن الروح القدس الساكن فيه ملأه قوة ليقف أمام الساحر؛ فكما أن الساحر يحمل قوة الشر قدم له الروح قوة… [21].]

رابعًا: “مُكَلِّمِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِمَزَامِيرَ وَتَسَابِيحَ وَأَغَانِيَّ رُوحِيَّةٍ، مُتَرَنِّمِينَ وَمُرَتِّلِينَ فِي قُلُوبِكُمْ لِلرَّبِّ. شَاكِرِينَ كُلَّ حِينٍ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فِي اسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، لِلَّهِ وَالآبِ]١٩-٢٠[.

لقد أعطانا الرسول نفسه مثلاً إذ قدم لنا في نفس الرسالة الكثير من المقتطفات عن التسابيح الكنسية، موضحًا بطريقة عملية كيف أن هذا التسبيح مبهج للنفس وللجماعة ككل، فقد كانت الكنيسة الأولى “جماعة مقدسة دائمة التسبيح”، يصفها الإنجيلي لوقا، قائلاً: “كانوا يتناولون الطعام بابتهاج وبساطة قلب، مسبحين الله ولهم نعمة لدى جميع الشعب” (أع ٢: ٤٦، ٤٧).

التسبيح والشكر هما من عمل الكنيسة السماوية، أو من عمل السمائيين، فإن قبلنا في المسيح الحياة السماوية صار التسبيح نابعًا من أعماق القلب طبيعيًا، يتجاوب معه كل كيان الإنسان، حتى إن كان وسط الضيق. هذا ما هزّ الوثنيون إذ رأوا المسيحيين يسبحون الله داخل السجون، خاصة حين يصدر الحكم بقتلهم.

في القرنين الرابع والخامس على وجه الخصوص كانت الأديرة المصرية وبراريها فراديس لا تسمع فيها سوى صوت التسبيح غير المنقطع، كما أخبرنا القديس يوحنا كاسيان. والكنيسة تعلن طبيعتها المتهللة بالرب بالتسبيح في كل ليتورچياتها، كما في الصلوات الخاصة بكل عضو…

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على العبارات الرسول السابقة، قائلاً:

[ماذا تعني “في قلوبكم للرب]19[؟ إنها تعني أن يكون (التسبيح) بإصغاء شديدٍ وفهمٍ، فمن لا يصغي تمامًا يترنم ناطقًا بالكلمات بينما يجول قلبه هنا وهناك.

يقول: “شَاكِرِينَ كُلَّ حِينٍ...]٢٠[، بمعنى: “لتعلم طلباتكم لدى الله بالشكر” (راجع في ٤: ٦)، فإنه ليس شيء يسرّ الله مثل إنسان شاكر.

نصير نحن قادرين على تقديم الشكر لله بسحب نفوسنا من (الخطايا) السابق ذكرها، وتطهيرها بالوسائل التي أخبرنا (الرسول) عنها.

يقول: “بَلِ امْتَلِئُوا بِالرُّوحِ” ]١٨[. هل الروح فينا؟ نعم، بالحق هو فينا، فإننا إذ ننزع الكذب والمرارة والزنا والنجاسة والطمع عن نفوسنا، وإذ نصير هكذا متحننين، مسامحين بعضنا البعض، ليس فينا مزاح، بهذا نحسب مؤهلين، فما الذي يمنع الروح من حلوله فينا وإنارتنا؟

إنه ليس فقط يحل وإنما يملأ قلوبنا، وإذ يلتهب فينا نور عظيم هكذا لا يكون طريق الفضيلة صعبًا بل سهلا ً وبسيطًا.

يقول: “شَاكِرِينَ كُلَّ حِينٍ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ]٢٠[.

ما هذا؟ هل نشكر على كل ما يحل بنا؟ نعم، حتى وإن حلّ بنا مرض أو فقر. فإن كان في العهد القديم ينصحنا الحكيم: “اقبل ما يحل بك بفرح وصبر حينما تصير إلى حال أقل” (ابن سيراخ ٢: ٤) فكم بالأولى في العهد الجديد؟!

نعم، قدم التشكرات حتى لو لم تعرف الكلمة (التي تقدمها)!…

إن كنت تشكر في الراحة والرخاء والنجاح والغنى فهذا ليس بالأمر العظيم، ولا هو بالعجيب، إنما يلزم الإنسان أن يشكر حين يكون في أحزان وضيقات ومتاعب. ليست كلمة أفضل من القول: “أشكرك أيها الرب”…

لنشكر الرب على البركات التي نراها والتي لا نراها أيضًا، والتي نتقبلها بغير إرادتنا، فإن كثيرًا من البركات ننالها بغير رغبتنا ودون معرفتنا…

حينما نكون في فقر أو مرض أو نكبات فلنزد تشكراتنا، لا أقصد بالتشكرات خلال الكلمات واللسان وإنما خلال العمل والأفعال، وفي الذهن وبالقلب. لنشكره بكل نفوسنا، فإنه يحبنا أكثر من والدينا، وكبُعد الشر عن الصلاح هكذا الفارق الشاسع بين حب الله لنا وحب آبائنا. هذه ليست كلماتي إنما هي كلمات المسيح نفسه الذي يحبنا. اسمعه يقول: “أم أي إنسان منكم إن سأله ابنه خبزًا يعطيه حجرًا؟!… فإن كنتم وأنتم أشرار تعرفون أن تعطوا أولادكم عطايا جيدة فكم بالحري أبوكم الذي في السماوات يهب خيرات للذين يسألونه؟!” (مت ٧: ٩، ١١).

اسمع أيضًا ما قيل في موضع آخر: “هل تنسى المرأة رضيعها فلا ترحم ابن بطنها؟! حتى هؤلاء ينسين وأنا لا أنساك” (إش ٤٩: ١٥).

إن كان لا يحبنا فلماذا خلقنا؟ هل من ضرورة تلزمه على خلقتنا؟ هل نحن نقدم له عونًا أو خدمة؟ هل يحتاج منا أن نرد له شيئًا؟

اسمع ما يقوله النبي: “قلت للرب: أنت ربي، خيري لا شيء غيرك” (مز ١٦: ٢)…

لنمجد الله على كل شيء!

يقول: “خَاضِعِينَ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ فِي خَوْفِ اللهِ]٢١[.

إن كنت تخضع من أجل الحاكم، أو من أجل المال، أو من أجل التكريم، فبالأولى من أجل مخافة المسيح. ليكن بيننا تبادل الخدمات مع الخضوع، فلا تكون بيننا أنانية. لا يجلس أحد كمن من طبقة الأحرار والآخر كمن من طبقة العبيد، فمن الأفضل أن يخدم السادة والعبيد بعضهما البعض. من الأفضل أن تكون عبدًا بهذه الكيفية عن أن تكون حرًا بالطريقة الأخرى، كما يظهر من المثل التالي:

افترض إنسانًا له مئة عبد يخدمونه بكل طريقة، وآخر له مئة صديق الكل يخدم بعضه البعض، أي الحياتين أسعد؟… في الأولى الكل مُلزمون بالعمل أما في الثانية فيعملون بحرية اختيارهم… الله يريدنا هكذا، لذا غسل أقدام تلاميذه[22].]

4. العلاقات الزوجية وسرّ المسيح

لقد تحدث الرسول بولس عن الكنيسة من الجانب العملي، خلال سلوك المؤمن اليومي، بنزع أعمال الإنسان القديم وممارسته أعمال الإنسان الجديد، رافضًا أعمال الظلمة كابن للنور، ممتليء بعمل الروح القدس. هذا السلوك يرتبط بعبادته أيضًا فتتحول إلى تسبيح حقيقي داخلي وتشكرات لا تنقطع تنبع لا عن الفم واللسان فحسب وإنما خلال القلب والفكر، وكل الأحاسيس الداخلية كما خلال العمل. الآن يقدم لنا الرسول انعكاسات هذه المفاهيم على حياتنا الأسرية، التي لا تنفصل عن جهادنا الروحي ولا عن حياتنا الكنسية.

إن كانت الكنيسة الجامعة – كما أعلنها الرسول بولس في هذه الرسالة – هي كشف عن سرّ المسيح، أي سرّ حب الله الفائق للبشرية خلال ذبيحة المسيح يسوع ربنا، فإن هذا السرّ الإلهي يقدم لنا مفاهيم عميقة وجديدة للعلاقات الزوجية والأسرية والاجتماعية. ففي الحياة الزوجية نحمل صورة لعلاقتنا مع الآب في المسيح يسوع ربنا، علاقة الحب والوحدة، كما نرى في العرس الأرضي أيقونة للعرس السماوي، والبيت المسيحي ظلاً لبيت الله الأبدي[23]. من هنا فالشريعة الخاصة بالزواج والناموس الخاص بالبيت المسيحي إنما يُستمدان من عمل السيد المسيح الخلاصي.

أَيُّهَا النِّسَاءُ (الزوجات) اخْضَعْنَ لِرِجَالِكُنَّ كَمَا لِلرَّبِّ…]٢٢[

ويلاحظ على النص الرسولي الذي بين أيدينا الآتي:

أولاً: الكشف عن الوحدة الزوجية بين الرجل والمرأة بكونها أيقونة للوحدة مع السيد المسيح وعروسه الكنيسة، الأولى تستمد كيانها من الثانية، لذا وجب أن يتم العرس في ظل الصليب، خلال وحدة الإيمان بالسيد المسيح المصلوب، والارتباط بكنيسته.

  • كيف يمكننا أن نعبر عن السعادة الزوجية التي تعقدها الكنيسة، ويثبتها القربان، وتختمها البركة؟![24]

العلامة ترتليان

  • يجب على المتزوجين والمتزوجات أن يجروا إتحادهم برأي الأسقف، لكي يكون الزواج مطابقًا لإرادة الله لا بحسب الشهوة[25].

القديس أغناطيوس النوراني

  • إذا كان لابد أن يعقد الزواج بحلة كهنوتية وبركة، فكيف يمكن أن يكون زواج حيث الإيمان مختلف؟![26]

القديس أمبروسيوس

ثانيًا: مفهوم الخضوع

كثيرون يسيئون فهم العبارة الرسولية: “أَيُّهَا النِّسَاءُ (الزوجات) اخْضَعْنَ لِرِجَالِكُنَّ كَمَا لِلرَّبِّ]٢٢[، فيحسبونها دعوة لخنوع المرأة واستسلامها، ولبث روح السلطة للرجل.

“الخضوع” في المسيحية ليس خنوعًا ولا ضعفًا، ولا نقصًا في الكرامة، هذا ما أعلنه كلمة الله المتجسد حين أعلن طاعته للآب وخضوعه له مع أنه واحد في الجوهر، رافعًا من فضيلة “الخضوع” ليجعلها موضع سباق لعلنا نبلغ سمة المسيح الخاضع والمطيع. والعجيب أن الإنجيلي لوقا يقول بأن “يسوع” كان خاضعًا للقديسة مريم والقديس يوسف النجار (لو ٣: ٥١)، مع كونه خالقهما ومخلصهما، وخضوعه لم يعيقه عن تحقيق رسالته التي غالبًا لم يدركاها في كمال أعماقها، إذ قال بتواضع وصراحة: “لماذا كنتما تطلبانني؟ ألم تعلما أنه ينبغي أن أكون في ما لأبي” (لو ٣: ٤٩). فالخضوع ليس استسلاما على حساب رسالة الشخص، ولا طاعة عمياء دون تفكير، وإنما اتساع قلب وقبول لإرادة الغير بفكر ناضج متزن.

قدم لنا القديس هيبوليتس الروماني فهمًا لخضوع الابن للآب، ليس علامة عن انتقاص لأقنومه وإنما على تناغمه واتفاقه ووحدته مع الآب، إذ يقول: [يرتد تدبير الاتفاق إلى الله الواحد. فإن الله واحد: الآب يوصي والابن يطيع والروح يهب فهمًا… الآب أراد والابن فعل والروح أعلن، هذا ما يوضحه الكتاب المقدس كله[27].]

إذن فخضوع الزوجة لرجلها هو مشاركة السيد المسيح طاعته وخضوعه للآب كعلامة الحب والوحدة، وليس إهدارًا للكرامة أو كإنقاصٍ من شأنها.

والقديس يوحنا الذهبي الفم يرى أن المرأة وهي موضع حب رجلها الشديد يلزمها ألاَّ تقابل هذا الحب بكبرياء بل بخضوع كرد فعل لمحبته، إذ يقول: [المحبة من اختصاص الرجال، أما الخضوع فمن اختصاص النساء، فإن قدم كل إنسان ما يلتزم به تثبت الأمور، فالرجل بحبه للمرأة تصيره هي محبة له، والمرأة بطاعتها للرجل يصير وديعًا معها. لا تنتفخي لأن الرجل يحبك، فقد جعله الله يحبك لتطيعيه في خضوع بسهولة. لا تخافي من خضوعك له، لأن الخضوع للمحب ليس فيه صعوبة[28].]

والقديس أغسطينوس يطالب الزوجات أن يقتدين بالقديسة مريم التي اتسمت بالتواضع المقدس، فقدمت يوسف رجلها عنها (لو ٢: ٤٨) مع أنها نالت شرف ولادتها للسيد المسيح[29].

بهذا فهم الآباء خضوع الزوجة بمنظار روحي خلال الصليب، لا يفقدها مساواتها له ولا مشاركته التدبير وتحمل المسئولية إنما يزينها بالفضيلة ويمجدها لتكسب أيضًا محبته.

يقول القديس أمبروسيوس: [ليت الرجل يقود زوجته كربانٍ، يكرمها كشريكة معه في الحياة، يشاركها كوارثه معه في النعمة[30].]

وقد سبق لنا الحديث في شيء من الإفاضة عن خضوع الزوجة في كتاب “الحب الزوجي”.

ثالثًا: رئاسة الرجل وحبه

كثيرًا ما يتمسك الرجل بالرئاسة بكونها “سلطة” ودكتاتورية، لذا ربط الرسول بولس الرئاسة بالحب الباذل، إذ يقول: “لأَنَّ الرَّجُلَ هُوَ رَأْسُ الْمَرْأَةِ كَمَا أَنَّ الْمَسِيحَ أَيْضًا رَأْسُ الْكَنِيسَةِ، وَهُوَ مُخَلِّصُ الْجَسَدِ]٢٣[.

فرئاسة السيد المسيح لكنيسته أعلنت خلال محبته الباذلة على الصليب لخلاصها، وهكذا إذ يريد الرجل أن يكون رأسًا فليقدم حبًا باذلاً عمليًا! وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [اهتم بها بنفس العناية التي تعهد بها المسيح الكنيسة. نعم، حتى وإن احتاجت أن تقدم حياتك! نعم، وإن احتاجت أن تتقطع أجزاء ربوات المرات! نعم، لتحتمل أي ألم مهما كان ولا تمتنع[31].]

إن كان الرجل هو الرأس فلا مكان للرأس بدون الجسد، ولا حياة للرأس بدون الجسد. يقول القديس أمبروسيوس: [الرجل بدون زوجته يحسب كمن هو بلا بيت[32].]

رابعًا: الشركة في الصليب

حينما تمارس الزوجة خضوعها لرجلها في الرب، ويمارس الرجل حبه لعروسه من أجل الرب، إنما يشترك الاثنان معًا بصورة أو بأخرى في عمل السيد المسيح الذبيحي بالبذل الحقيقي، فتصير حياتهما الزوجية علامة منظورة عن شركتهما في عمل السيد المسيح المبذول الخفي. بمعنى آخر يرى الزوجان في ذبيحة المسيح، ذبيحة الحب عن الآخرين، نموذجًا حيًا ورصيدًا لحياتهما الأسرية. هذا ما نلمسه في حديث الرسول بولس: “وَلَكِنْ كَمَا تَخْضَعُ الْكَنِيسَةُ لِلْمَسِيحِ، كَذَلِكَ النِّسَاءُ لِرِجَالِهِنَّ فِي كُلِّ شَيْءٍ. أَيُّهَا الرِّجَالُ، أَحِبُّوا نِسَاءَكُمْ كَمَا أَحَبَّ الْمَسِيحُ أَيْضًا الْكَنِيسَةَ وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِهَا]٢٤-٢٥[.

تحت ظل الصليب تقدم الزوجة خضوعها بفرح من أجل الرب، ويعلن الزوج حبه لزوجته مهما كان تصرفها. ممتثلاً بالسيد المسيح الذي قدم حياته لتقديس المؤمنين.

من كلمات القديس يوحنا الذهبي الفم للزوج: [إن رأيتها تزدري بك وتأنف منك وتحتقرك، فتفكيرك العظيم تجاهها ومودتك ولطفك تقدر أن تخضعها لك، فإنه ليس شيء أعظم قوة في الاستمالة أكثر من هذه الرباطات، خاصة من الزوج والزوجة!… نعم فإنه بالرغم مما تعانيه من بعض الأمور من ناحيتها فلا تعنفها، لأن المسيح لم يفعل ذلك[33].]

في قوة ووضوح تحدث الرسول بولس عن حب المسيح لكنيسته كمصدر حيّ لحب الرجل لزوجته، قائلاً:

وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِهَا،

لِكَيْ يُقَدِّسَهَا، مُطَهِّرًا إِيَّاهَا بِغَسْلِ الْمَاءِ بِالْكَلِمَةِ،

لِكَيْ يُحْضِرَهَا لِنَفْسِهِ كَنِيسَةً مَجِيدَةً،

لاَ دَنَسَ فِيهَا وَلاَ غَضْنَ أَوْ شَيْءٌ مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ،

بَلْ تَكُونُ مُقَدَّسَةً وَبِلاَ عَيْبٍ]٢٥–٢٧[.

ويلاحظ في محبة السيد المسيح لكنيسته الآتي:

أ. أنه أسلم نفسه لأجلها، لأن المحبة “لا تطلب ما لنفسها” (١ كو ١٣: ٥). المسيح في علاقته بنا يطلب خلاصنا، لننعم بشركة الميراث معه؛ هو لا يحتاج إلينا لكنه بالحب يبذل عنا. هكذا ليت الرجل في علاقته بزوجته يحبها لأجل شخصها كمحبوبة لديه، لا لأجل إشباع مطالب معينة بالنسبة له، أيًا كان نوعها!

ب. غاية السيد المسيح من عروسه أن يقدسها ويطهرها بمياه المعمودية وذلك بالكلمة، إذ تتقدس المياه خلال السيد المسيح الكلمة، مقدمًا صليبه ثمنًا لتقديسنا.

كانت – كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم – مملوءة عيبًا وبشعة وملومة، فلم يشمئز منها ولا مقتها، إنما أسلم نفسه من أجلها، كقول الرسول: “وإذ كنا خطاة مات المسيح عنا” (رو ٥: ٥). [وبالرغم من كونها هكذا أخذها وكساها بالجمال، وغسلها، ولم يرفض أن يسلم نفسه من أجلها[34].]

في قوة تحدث الرب على لسان حزقيال عن هذا الحب الباذل، قائلاً:

“هكذا قال السيد الرب لأورشليم، مخرجك ومولدك من أرض كنعان، أبوك أموري وأمك حثية. أما ميلادك يوم وُلدت فلم تُقطع سرتك، ولم تُغسلي بالماء للتنظف، ولم تملحي تمليحًا، ولم تقمطي تمقيطًا.

لم تشفق عليك عين لتصنع لك واحدة من هذه، لترق لك، بل طُرحت على وجه الحقل بكراهة نفسك يوم وُلدت.

فمررت بك ورأيتك مدوسة بدمك، فقلت لك: بدمك عيشي…

جعلتك ربوة كنبات الحقل، فربوت وكبرت وبلغت زينة الأزيان.

نهد ثدياكِ، ونبت شعرك، وقد كنت عريانة وعارية.

فمررت بك ورأيتك، وإذا زمنك زمن الحب.

فبسطت ذيلي عليك وسترت عورتك، وحلفت لك، ودخلت معك في عهد يقول السيد الرب، فصرت لي.

فحممتك بالماء وغسلت عنك دماءك ومسحتك بالزيت،

وألبستك مطرزة، ونعلتك بالتخس، وآزرتك بالكتان، وكسوتك بزًا، وحليتك بالحلي، فوضعت أسورة في يديك، وطوقًا في عنقك، ووضعت خزامة في أنفك، وأقراطًا في أذنيك، وتاج جمال على رأسك…

وأكلت السميذ والعسل والزيت،

وجملت جدًا جدًا، فصلحتِ لمملكة.

وخرج لك اسم في الأمم لجمالك، لأنه كان كاملاً ببهائي الذي جعلته عليك يقول السيد الرب” (حز ١٦: ٢ – ١٤).

إنها صورة رائعة لعمل الله الفائق خلال محبته الباذلة بالصليب!

ج. يقول: “يُحْضِرَهَا لِنَفْسِهِ“، ففي طقس الزواج اليهودي كانت هناك فترة بين عقد الزواج واستلام العروس؛ هكذا وقع السيد عقد الزوجية بدمه الطاهر على الصليب، اشترانا وقبلنا عروسًا له، وفي مجيئه الأخير يستلم العروس حيث يجتمع كل المختارين معه على السحاب، وكأنه يُحضر عروسه لنفسه. لقد أحبها بلا مقابل، لكنه ينتظرها عروسًا له تجاوبه الحب بالحب، وتشاركه المجد الأبدي!

هنا يلزمنا أن نقف قليلاً، فإن كان السيد المسيح في محبته بذل حياته عن عروسه، فهو يطلب تقديسها، فلا ينعم بالعرس إلاَّ المقدسون فيه. وكما يقول القديس أغسطينوس إن بعض السمك الرديء يدخل شبكة المسيح في الكنيسة، لكنه لابد أن يفرز فلا يكون له نصيب مع السمك الجيد[35].

يقول الأب دوروثيؤس من غزة: [تجسد الرب يسوع المسيح ليعيد الإنسان إلى صورته الأولى. ولكن كيف نرجع إلى تلك الصورة الأولى؟ حين نتعلم من الرسول القائل: “لنطهر ذواتنا من كل دنس الجسد والروح” (٢ كو ٧: ١). لنتطهر فيظهر الشبه (بالله) الذي نلناه. لنعزل عنه دنس الخطية فيظهر بكل جماله خلال الفضيلة. يقول داود في صلاته من أجل هذا الجمال: “أعطيت جمالي قوة” (مز ٢٩: ٨). إذن فلنطهر أنفسنا لنعود إلى التشبه بالله، الأمر الذي أقامه فينا[36].]

د. إذ تحدث عن تقديس الكنيسة خلال محبة المسيح الباذلة، أشار إلى المعمودية، قائلاً: “بِغَسْلِ الْمَاءِ بِالْكَلِمَةِ]٢٦[.

  • يعلن الرسول الطوباوي ويؤكد أن المعمودية هي التي فيها يموت الإنسان القديم ويولد الإنسان الجديد، قائلاً: “خلصنا بغسل الميلاد الثاني” (تي ٣: ٥). فإن كان الميلاد الثاني (التجديد) يتم في الجرن أي في المعمودية، فكيف يمكن لهرطقة – وهي ليست عروس المسيح – أن تلد بنينًا لله خلال المسيح؟

إنها الكنيسة وحدها التي التصقت واتحدت بالمسيح تلد روحيًا أبناءً، كقول الرسول: “أحب المسيح أيضًا الكنيسة وأسلم نفسه لأجلها، لكي يقدّسها، مطهرًا إياها بغسل الماء” (أف ٥: ٢٥، ٢٦). إن كانت هي المحبوبة والعروس، وحدها تتقدس بالمسيح، ووحدها تتطهر بجرنه، فمن الواضح أن الهرطقة – التي ليست عروس المسيح – لا يمكن أن تتطهر ولا أن تتقدس بجرنه ولا أن تلد أبناءً لله[37].

الشهيد كبريانوس

هـ. إذ أقام السيد المسيح كنيسته جسدًا مقدسًا له، بكونه رأسها، هكذا يرى الزوج في زوجته جسده، فيحبها ويهتم بها، إذ يقول الرسول:

كَذَلِكَ يَجِبُ عَلَى الرِّجَالِ أَنْ يُحِبُّوا نِسَاءَهُمْ كَأَجْسَادِهِمْ.

مَنْ يُحِبُّ امْرَأَتَهُ يُحِبُّ نَفْسَهُ.

فَإِنَّهُ لَمْ يُبْغِضْ أَحَدٌ جَسَدَهُ قَطُّ بَلْ يَقُوتُهُ وَيُرَبِّيهِ، كَمَا الرَّبُّ أَيْضًا لِلْكَنِيسَةِ.

لأَنَّنَا أَعْضَاءُ جِسْمِهِ، مِنْ لَحْمِهِ وَمِنْ عِظَامِهِ]٢٨–٣٠[.

هنا يقدم الرسول ثلاث مقارنات: المسيح والكنيسة، الرجل وزوجته، الرأس والجسد.

في الوقت الذي في أبرز مدى إتحاد الزوج بزوجته بكونها جسده، حتى قال القديس يوحنا الذهبي الفم: [ليس هنا شيء يلحم حياتنا مع بعضنا البعض هكذا مثل حب الرجل وزوجته[38]]، فقد أعلن الرسول أمرين: الأول مدى إتحادنا بالسيد المسيح “لأَنَّنَا أَعْضَاءُ جِسْمِهِ، مِنْ لَحْمِهِ وَمِنْ عِظَامِهِ” والثاني نظرتنا القدسية لجسد: “فَإِنَّهُ لَمْ يُبْغِضْ أَحَدٌ جَسَدَهُ قَطُّ بَلْ يَقُوتُهُ وَيُرَبِّيهِ“.

فمن جهة إتحادنا بالسيد المسيح بكوننا أعضاء جسمه، فهو الغاية الأولى والرئيسية في عمل الله الخلاصي وتمتعنا بإنجيله. إذ يريدنا واحدًا معه، ننعم بالشركة معه أبديًا كأبناء روحيين وورثة. هذا الخط واضح جدًا في كل رسائل بولس الرسول، خاصة هذه الرسالة مادام يتحدث عن الكنيسة جسد المسيح.

أما من جهة قدسيتنا للجسد، فقد أوضح أننا لا نبغض الجسد بكونه خليقة الله المقدسة، إنما نبغض شهواته الدخيلة. الجسد لا يمثل عائقًا نود الخلاص منه خلال معادتنا له، بل هو عطية إلهية تبقى مقدسة مادمنا نسلك بالروح. وقد ركز الآباء على هذا الاتجاه الإنجيلي حتى لا ننحرف إلى الأفكار الغنوسية المعادية للجسد بكونه – في نظرهم – عنصر ظلمة يجب إهلاكه.

يقول القديس أغسطينوس: [لنهتم بالجسد، وإنما فقط في حدود الصحة[39].]

و. إذ يتحدث الرسول عن الوحدة القائمة بين الزوجين يقدم لنا مفهومًا لهذه الوحدة منذ بدء الحياة الإنسانية، يتحقق خلال عمل المسيح، إذ يقول: “مِنْ أَجْلِ هَذَا يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ، وَيَكُونُ الاثْنَانِ جَسَدًا وَاحِدًا]٣١[. وقد اقتبس الرسول ذلك عن سفر التكوين (٢: ٢٤).

هذه الوحدة تظهر بصورة فريدة بين السيد المسيح وكنيسته، حيث دعاها الرسول “سرًّا”، إذ يقول: “هَذَا السِّرُّ عَظِيمٌ، وَلَكِنَّنِي أَنَا أَقُولُ مِنْ نَحْوِ الْمَسِيحِ وَالْكَنِيسَةِ. وَأَمَّا أَنْتُمُ الأَفْرَادُ، فَلْيُحِبَّ كُلُّ وَاحِدٍ امْرَأَتَهُ هَكَذَا كَنَفْسِهِ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلْتَهَبْ (تحترم) رَجُلَهَا]٣٢-٣٣[.

لقد قدم السيد المسيح نفسه مثلاً ففي إتحاده بالكنيسة العروس، كما يقول القديس أغسطينوس قام بترك الآب إذ أخلى ذاته عن الأمجاد وأخذ شكل العبد (في ٢: ٧)، وإن كان يبقى واحدًا معه في الجوهر بلا انفصال، كما ترك أمه أي الشعب اليهودي الذي أخذ عنه الجسد خلال القديسة مريم اليهودية الجنس، ليصير هو مع عروسه جسدًا واحدًا[40].

[1] Ep. 148: 5.

[2] Ser. on N.T. 64: 3.

[3] In Eph. Hom 17.

[4] Of the Christian Faith 17: 109.

[5] Cassian: Conf. 5: 11

[6] In Eph. hom 17.

[7] In Eph. hom 17.                                                      

[8] Ibid 18.

[9] Ser. on N.T. 17: 5.

[10] Ibid 26: 5, 6.

[11] In Eph. hom 18.

[12] Ser. on N.T. 77: 7; 38: 3.

[13] In Eph. hom 18

[14] حرف “ث”، الأم ثيؤدورا.

[15] Ser. on N.T. 34: 2.

[16] Ante Nicene Prs, vol 5, p 245.

[17] In Eph. hom 19.

[18] In Eph. hom 19.

[19] Ep. 108: 12.

[20] In Eph. Hom 19.

[21] للمؤلف: الروح القدس بين الميلاد الجديد والتجديد المستمر، ١٩٨١، ص ٢٢٦ – ٢٢٨..

[22] In Eph. Hom 19.

[23] للمؤلف: الحب الزوجي، ١٩٨٤، ص ١٢ – ١٦..

[24] To his wife 2: 9.

[25] Ad. Polyc. 5.

[26] Ep. to Wegelius 19, 23: 7.

[27] Against the heresy of one Noetus 14.

[28] للمؤلف: الحب الزوجي، ١٩٨٤، ص 39.

[29] للمؤلف: الحب الزوجي، ١٩٨٤، ص ٣٨ – ٣٩.

[30] Ep. 63.

[31] In Eph. Hom 20.

[32] On Paradise 11: 50.

[33] In Eph. Hom 20.

[34] Ibid.

[35] Ep. 93: 34.

[36] Com. on an Easter Hymn.

[37] Ep. 74.

[38] In Eph. Hom 20.

[39] Ep 130: 7.

[40] راجع للمؤلف: سفر التكوين، ١٩٨٤، ص ٦٥، ٦٦.

St. Augustin: Ser. On Nt Lessons, 41: 7.

تفسير رسالة أفسس 5 الأصحاح الخامس – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة أفسس 4 الأصحاح الرابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة أفسس 4 الأصحاح الرابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة أفسس 4 الأصحاح الرابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة أفسس 4 الأصحاح الرابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

 

الباب الثاني: الحياة الكنسية العملية

 

 

 

 

  1. الوحدة وإضرام المواهب ص ٤.
  2. العبادة والسلوك ص ٥.
3. الحياة العملية والجهاد الروحي    ص ٦.

 

 

الحياة الكنيسة العامة

إذ كانت الكنيسة الجامعة في حقيقتها هي “سرّ المسيح المكتوم”، وقد أعلن لنا عن مجيء المسيح فتحققت مسرة الآب فيه، وتهلل السمائيون بنا كعروس مقدسة وكجسدٍ مقدسٍ للرأس القدوس، ضمت أعضاء الجسد من الأمم واليهود، فإن هذه الكنيسة الجامعة يلزم أن تترجم عمليًا في حياتنا الكنسية وعبادتنا وسلوكنا الأسري والاجتماعي وفي جهادنا الروحي الخفي. هذا ما أكده الرسول بولس في الأصحاحات الثلاثة الأخيرة ]٤– ٦[.

الكنيسة ليس مؤسسة، لكنها “حياة في المسيح”، تتجلى في أعماقنا كما في كل تصرف خفي أو ظاهر.

 

الأصحاح الرابع

الوحدة وإضرام المواهب

 

الله في محبته أعلن لنا “سرّ المسيح”، الذي هو سرّ الكنيسة الجامعة التي تضم الأمم لتنعم بالحياة في المسيح، لذا يليق بنا أن نقابل هذا الحب الإلهي العملي إيجابيًا باتساع قلبنا لبعضنا البعض، فنحمل وحدانية الروح. هذه الوحدانية لا تعني أن نكون نسخة متشابهة لبعضنا البعض بل نكون أشخاصًا لنا مواهبنا المتباينة التي أُعطيت لنا للعمل معًا، يكمل أحدنا الآخر لبنيان الكنيسة وبنيان نفوسنا، لعلنا نبلغ “قِيَاسِ قَامَةِ مِلْءِ الْمَسِيحِ]١٣[.

  1. المحبة ووحدانية الروح ١ – ٣.
  2. وحدة الإيمان وتنوع المواهب ٤ – ١١.
3. الوحدة وبنيان الكنيسة            ١٢ – ١٦.
  1. الوحدة والحياة الجديدة ١٧ – ٣٢.

1. المحبة ووحدانية الروح     

إن كان الرسول يشعر بالتزام نحوهم ليحقق فيهم بالنعمة “سرّ المسيح”، محتملاً الشدائد حتى الأسر لمجدهم، فإنه يليق بهم من جانبهم أن يدركوا الدعوة الإلهية التي دعوا إليها. فالعمل لا يكون من جانب الخادم وحده، وإنما يليق بكل عضو حيّ أن يلتزم بدوره، أو بمعنى أصح أن يعتز بعضوية الكنيسة خلال العمل الجاد. أما مركز هذا العمل فهو الالتزام بالمحبة الجادة الواهبة وحدانية الروح خلال انسجام كل الأعضاء معًا كجسدٍ واحد لرأس واحد.

يوصيهم الرسول:

فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ، أَنَا الأَسِيرَ فِي الرَّبِّ،

أَنْ تَسْلُكُوا كَمَا يَحِقُّ لِلدَّعْوَةِ الَّتِي دُعِيتُمْ بِهَا. بِكُلِّ تَوَاضُعٍ، وَوَدَاعَةٍ، وَبِطُولِ أَنَاةٍ، مُحْتَمِلِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي الْمَحَبَّةِ.

مُجْتَهِدِينَ أَنْ تَحْفَظُوا وَحْدَانِيَّةَ الرُّوحِ بِرِبَاطِ السَّلاَمِ]١– ٣[.

لما كان موضوع “وحدانية الروح” أو رباط السلام أمرًا له تنازلاته الكثيرة من كل عضو لذا بدأ الحديث عنه بإعلان الرسول عن تنازلاته التي هي بالحق سرّ مجده وكرامته، إذ يدعو نفسه “الأَسِيرَ فِي الرَّبِّ[1]. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [يا لها من كرامة عظيمة! إنها أعظم من كرامة الملوك أو السفراء… كان أمجد له أن يكون أسيرًا من أجل المسيح عن أن يكون رسولاً أو معلمًا أو كارزًا. من يحب المسيح يفهم ما أقوله. من دخل إلى التكريس للرب والتهب به يعرف قوة هذه القيود. مثل هذا يفضل أن يكون سجينًا من أجل المسيح عن أن تكون السماوات مسكنه. كانت اليدان أكثر مجدًا مما لو كانتا مزينتين بزينةٍ ذهبيةٍ أو بتاجٍ ملوكيٍ…[1].]

لقد خصص القديس يوحنا الذهبي الفم العظة الثامنة كلها في تفسير الرسالة إلى أهل أفسس يمجد فيها الآلام التي تُحتمل من أجل المسيح، أيًا كان نوعها أكثر من المجد الذي نتقبله حتى من يديّ السيد المسيح نفسه.

هذا بالنسبة للآلام أما بالنسبة لوحدة الكنيسة فقد امتص هذا الموضوع فكر آباء الكنيسة، فلا ندهش إن رأينا القديس يوحنا الذهبي الفم قد خصص العظة التاسعة في تفسيره للرسالة إلى أهل أفسس بأكملها لشرح العبارات الثلاث الواردة في أول هذا الأصحاح. وقد لخص القديس حديثه بكلمات قليلة في موضع آخر بقوله: [اسم الكنيسة ليس اسم الانقسام بل الوحدة والانسجام، يلزم أن تكون كنيسة واحدة في العالم، بالرغم من وجود كنائس كثيرة منتثرة في مواضع كثيرة[2].]

  • الأسقفية واحدة، تتجمع أجزاؤها معًا خلال الأساقفة (الكثيرين).

الكنيسة واحدة تمتد بثمارها المتزايدة المنتشرة بين الجمهور كأشعة الشمس الكثيرة مع أن النور واحد، وكأغصان الشجرة الكثيرة لكن الجذر واحد…

هكذا غطست الكنيسة في نور الرب لذا ترسل أشعتها على العالم لكن النور واحد يبلغ كل موضع، ووحدة الجسد لا تُنتزع منها[3].

القديس كبريانوس

  • ما أعظم سلطان قيود بولس كما يظهر هنا، فإنها أمجد من المعجزات. فإنه ليس عبثًا يتحدث عنها – كما يبدو – ولا بدون هدف، وإنما أراد أن يتلامس معهم خلالها فوق كل شيء. فماذا يقول: “فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ، أَنَا الأَسِيرَ فِي الرَّبِّ، أَنْ تَسْلُكُوا كَمَا يَحِقُّ لِلدَّعْوَةِ الَّتِي دُعِيتُمْ بِهَا]١[، كيف يكون هذا؟ “بِكُلِّ تَوَاضُعٍ، وَوَدَاعَةٍ، وَبِطُولِ أَنَاةٍ، مُحْتَمِلِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي الْمَحَبَّةِ]٢[.

لم يكن مكرمًا لمجرد كونه أسيرًا، وإنما لأنه كان هكذا من أجل المسيح! لذا يقول “فِي الرَّبِّ“، أي أنه أسير لأجل المسيح. ليس شيء ما يعادل هذا!

الآن تجتذبني القيود جدًا فتبعدني عن الحديث في الموضوع، وتدفعني للخلف (أي العودة إلى الحديث عنها من جديد)، فإنني لا أستطيع مقاومة الحديث عنها. إنني أنجذب إليها تلقائيًا، نعم وبكل قلبي، ليكون نصيبي الدائم هو الإسهاب في الحديث عن قيود بولس…

  • الآن لا تملوا، فإنني أريد أن أقدم إجابة لتساؤل يثيره الكثيرون، عندما يقولون: إن الضيقات ممّجدة، فلماذا قال بولس نفسه في دفاعه أمام أغريباس: “كنت أصلي إلى الله أنه بقليل وبكثير ليس أنت فقط بل أيضًا جميع الذين يسمعونني اليوم يصيرون هكذا كما أنا ما خلا هذه القيود” (أع ٢٦: ٢٩)؟

حاشا أن يكون قد نطق بهذا للتحقير من شأن القيود، لا، فإنه لو كان الأمر هكذا لما كان يفتخر بالقيود والسجون والضيقات الأخرى، عندما قال في موضع آخر: “فبكل سرور أفتخر بالحري في ضعفاتي” (٢ كو ١٢: ٩). فماذا هو الأمر (بالنسبة لما قاله أمام أغريباس)؟… لم يكن من يتحدث أمامهم قادرين على السماع عن جمال القيود وبهائها وبركتها، لذا أضاف: “ما خلا القيود”.

عندما كتب إلى العبرانيين لم يقل هذا، بل حثهم أن يكونوا “كمقيدين” (عب ١٣: ٣) مع المقيدين…

قدير هو سلطان قيود بولس!…

إنه لمنظر جميل مشبع أن ترى بولس مقيدًا وهو خارج من السجن، كما تنظره مقيدًا وهو داخل السجن… فإن كان القديسون في كل الأوقات يحملون منظرًا مجيدًا، إذ هم مملوؤن نعمة غنية، فإنهم يكونون هكذا بالأكثر عندما يتعرضون لمخاطر من أجل المسيح، عندما يصيرون مسجونين. وكما أن الجندي الشجاع يمثل منظرًا مبهجًا في كل الأوقات وذلك من تلقاء نفسه لكل من يتطلع إليه خاصة عندما يقف في الصفوف بجانب الملك، هكذا تأملوا بولس بأية عظمة يكون عندما ترونه يعلّم وهو في قيوده!

ألعلي أشير إلى فكرة عابرة خطرت ببالي حالاً؟! فإن الطوباوي بابيلاس الشهيد قُيّد تمامًا كما قيد يوحنا (المعمدان)، لأنه وبّخ ملكًا على عصيانه. وعند موته أوصى هذا الرجل أن تبقى القيود تلازم جسده، فيُدفن جثمانه مقيدًا. وإلى اليوم لا تزال قيوده مختلطة برفاته، هكذا كانت محبته للقيود التي قُيد بها من أجل المسيح. وكما يقول النبي عن يوسف: “في الحديد دخلت نفسه” (مز ١٠٥: ١٨). حتى النساء أيضًا قُيدن قبل الآن بهذه القيود.

  • على أي الأحوال نحن لسنا في قيود، ولست أوصيكم بها مادام الوقت ليس وقت قيود. قيد قلبك وفكرك لا يديك! فإنه توجد قيود أخرى؛ من لا يُقيد بالواحدة (أي الالتزام الروحي) فسيُقيد بالأخرى. اسمع ما يقوله المسيح: “اربطوا يديه ورجليه” (مت ٣٢: ١٣). الله لا يسمح لنا بهذا القيود![4]

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • يقول: “َأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ، أَنَا الأَسِيرَ فِي الرَّبِّ، أَنْ تَسْلُكُوا كَمَا يَحِقُّ لِلدَّعْوَةِ الَّتِي دُعِيتُمْ بِهَا]١[.

لكن ما هذه الدعوة؟ يُقال: لقد دُعيتم جسده. صار المسيح رأسًا لكم، ومع أنكم كنتم أعداء وارتكبتم شرورًا بلا حصر، غير أنه أقامكم معه، وأجلسكم معه (أف ٢: ٦). إنها دعوة عليا، دعوة لإمتيازات سامية، لا بدعوتنا لترك حالتنا السابقة فحسب وإنما بتمتعنا بإمتيازات كهذه…

لكن كيف يمكن أن نسلك فيها؟ “بِكُلِّ تَوَاضُعٍ]٢[. هذا هو أساس كل فضيلة. إن كنت متواضعًا وتأملت ما أنت عليه، وكيف خلصت، فإن هذه التأملات تدفعك لكل فضيلة. فإنك لا تنتفخ بالقيود ولا بهذه الإمتيازات التي أشرت إليها، وإنما تتواضع لأنك تعرف أن هذه جميعها إنما هي من قبيل النعمة.

الإنسان المتواضع قادر أن يكون عبدًا كريمًا وشاكرًا في نفس الوقت. فإنه “أي شيء لك لم تأخذه؟” (١ كو ٤: ٧). اسمع أيضًا قوله: “أنا تعبت أكثر منهم جميعهم، ولكن لا أنا بل نعمة الله التي معي” (١كو ١٥: ١٠).

يقول “ بِكُلِّ تَوَاضُعٍ“، ليس فقط بالأقوال ولا بالأفعال وإنما بالاحتمال حتى في نغمة الصوت. لا تكن متواضعًا مع شخص وخشنًا مع آخر. بل كن متواضعًا مع جميع البشر، سواء كانوا أصدقاء أم أعداء، عظماء أم محتقرين، هذا هو التواضع.

كن متواضعًا حتى في أعمالك الصالحة. اسمع ما يقوله المسيح: “طوبى للمساكين بالروح” (مت ٥: ٣)، وقد وضع هذا في بداية (التطويبات)[5].

القديس يوحنا الذهبي الفم

إذ دُعينا جسد المسيح الواحد، فإننا لا نستطيع أن ننعم بوحدانية الروح، ونثابر عليها بدون التواضع الحقيقي، الذي هو أساس كل فضيلة، وبداية كل تطويب.

سلوكنا بالحق كما يليق بدعوة المسيح لنا يلزمنا أن ننعم “ بِكُلِّ تَوَاضُعٍ“، فإن كان كلمة الله بتواضعه أخلى ذاته، وصار كواحدٍ منا، لكي يضمنا إليه ويثبتنا فيه كجسد للرأس الواحد، هكذا إذ يكون لنا فكره ونحمل تواضعه عاملاً فينا، نحمل وحدانية الروح مع بعضنا البعض فيه. بمعنى آخر، بالتواضع نزل إلينا الكلمة الإلهي ليهبنا الوحدة فيه، وحدتنا مع الآب بروحه القدوس، ووحدتنا مع بعضنا البعض فيه.

إذ نسلك بكل تواضع في الرب نحمل وداعة تجاه إخوتنا، محتملين بعضنا بعضًا في المحبة كأساس حيّ لحفظ وحدانية الروح. يقول الرسول:

بِكُلِّ تَوَاضُعٍ، وَوَدَاعَةٍ، وَبِطُولِ أَنَاةٍ،

مُحْتَمِلِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي الْمَحَبَّةِ.

مُجْتَهِدِينَ أَنْ تَحْفَظُوا وَحْدَانِيَّةَ الرُّوحِ بِرِبَاطِ السَّلاَمِ]٢- ٣[.

  • إن كنت لا تحتمل أخاك العبد رفيقك فكيف يحتملك السيد؟ حيث توجد المحبة يمكن احتمال كل شيء!
  • مُجْتَهِدِينَ أَنْ تَحْفَظُوا وَحْدَانِيَّةَ الرُّوحِ بِرِبَاطِ السَّلاَمِ]٣[. اربط يديك بالاعتدال. مرة أخرى نرى هذا الاسم الحسن “ بِرِبَاطِ (قيود)“. لقد تركنا الحديث عن القيود، وهذا هو يعود ثانية من تلقاء ذاته.

كانت القيود السابقة (الخاصة بأسر الرسول) حسنة، وهذه القيود أيضًا حسنة، تلك كانت ثمار هذه (أي احتمال الآلام هو ثمرة لرباط المحبة).

اربط نفسك بأخيك؛ فالذين يرتبطون معًا بالمحبة يستطيعون أن يحتملوا كل شيء بسهولة. اربط نفسك بأخيك، وهو بك؛ أنت سيد لنفسك ولأخيك؛ فمن أشتاق أن أقيمه صديقًا لي أستطيع باللطف أن أحقق هذا معه.

بقوله “مُجْتَهِدِينَ” يُظهر أن الأمر لا يتحقق بسهولة، وليس في قدرة كل أحد.

مُجْتَهِدِينَ أَنْ تَحْفَظُوا وَحْدَانِيَّةَ الرُّوحِ“؛ ما هي وحدانية الروح هذه؟ في الجسد البشري توجد روح تجمع الأعضاء معًا رغم تنوعها. هكذا الحال هنا، فقد أُعطى الروح (القدس) لهذا الغرض، ليوّحد الذين تفرقوا بسبب الجنس أو لأسباب أخرى، فيتحد الكبير والصغير، الغني والفقير، الطفل والشاب، المرأة والرجل، وتصير كل نفس معًا، متحدين أكثر من كونهم جسدًا واحدًا. هذه العلاقة الروحية أسمى من العلاقة الطبيعية؛ فكمال الوحدة هنا أكمل وأشد، لأن إتحاد النفس أكثر كمالاً بقدر ما أن النفس بسيطة ومتسقة.

كيف يمكن الاحتفاظ بهذه الوحدانية؟ “بِرِبَاطِ السَّلاَمِ“. فإنه لا يمكن أن يكون لها وجود متى وجدت العداوة والخصام. يقول (الرسول): “فإنه إذ فيكم حسد وخصام وانشقاق ألستم جسديين وتسلكون بحسب البشر؟!” (١ كو ٣: ٣). فكما أن النار متى وجدت قطعًا جافة من الخشب تلتهب معًا ليصعد منها لسان واحد من اللهب، أما متى كانت مبللة فلا تعمل فيها ولا توّحد بينها، هكذا هنا أيضًا، فإنه ليس شيء من الطبيعة الباردة يقدر أن يجلب هذه الوحدانية، أما إن كانت الطبيعة حارة فإنه في الغالب يستطيع ذلك. هكذا حرارة المحبة تنشيء الوحدانية، وذلك برباط السلام…

كأنه بنفس الطريقة يود أن يقول إن أردت أن تلتصق بآخر، لا تستطيع أن تتمم ذلك إلاَّ بأن تلصقه هو أيضًا بك. إن أردت أن تجعل الرباط مزدوجًا يحتاج هو أيضًا أن يلتصق بك. هكذا يريدنا أن نرتبط مع بعضنا البعض، فلا نكون فقط في سلام ولا أن نحب بعضنا بعضًا بل وأن يكون الكل نفسًا واحدة.

مجيد هو هذا الرباط، به ينبغي أن يرتبط كل أحد بالآخر كما بالله.

هذا الرباط لا يسبب “إزرقاقًا في الجلد”، ولا يشّل حركة اليد التي يربطها، بل بالحري يتركها حرة، يسهل لها الحركة، ويهبها شجاعة للعمل أكثر مما تمارسه الأيدي الحرة. إذ رُبط القوي بالضعيف أعانه ولا يدعه يهلك، وإذ ارتبط بشخص متهاون أنهضه وأحياه. لقد قيل: “إذا عضد أخ أخاه صارا مدينة حصينة” (أم ١٨: ١٩ LXX).

هذه القيود (رباط السلام) لا يزعزعها بُعد المسافة، ولا السماء، ولا الأرض، ولا الموت، ولا شيء آخر، بل هي أقوى من كل شيء[6].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • لقد برهن أنه لا وحدة ولا سلام يمكن أن يُحفظ ما لم يطلب الإخوة بعضهم البعض خلال الاحتمال المشترك، ويحفظوا رباط الاتفاق خلال المشاركة في الصبر[7].
  • أتظن أنك تستطيع أن تثبت وتحيا إن انسحبت وبنيت لنفسك بيوتًا أخرى ومسكنًا مختلفًا (أي تركت رباط السلام والوحدة)، بينما قيل لراحاب التي كانت رمزًا للكنيسة: “اجمعي إليك في البيت أباكِ وأمك وإخوتك وسائر بيت أبيكِ، فيكون أن كل من يخرج من أبواب بيتك إلى خارج فدمه على رأسه” (يش ٢: ١٩)؟[8]

الشهيد كبريانوس

2. وحدة الإيمان وتنوع المواهب

الرسالة إلى أفسس هي رسالة الوحدة المسيحية، إذ يقدم لنا الرسول بولس سبعة أشكال للوحدة تتفاعل معًا لتعيش الكنيسة بالإيمان الواحد:

أولاً: “جَسَدٌ وَاحِد]٤[، ربما يقصد هنا وحدة الجماعة المقدسة من جهة التنظيم الكنسي، فإن كانت الوحدة في حقيقتها روحًا داخليًا لكن لا انفصال بين الروح والجسد، وبين الحياة الداخلية والتدبير الظاهر.

وربما بقوله “جَسَدٌ وَاحِد” يشير إلى الوحدة الكنيسة النابعة عن الوحدة السرائرية القدسية[9] Sacramental Unity، خاصة خلال سرّ الإفخارستيا. فالتنظيم الخارجي للكنيسة، مهما بلغ شأنه، يُعتبر ثانويًا بالنسبة لحياتها القدسية السرائرية. الروح القدس يعمل في الكنيسة خلال الأسرار المقدسة من أجل إتحاد كل إنسان في الله. والكنيسة منذ قيامها تتطلع إلى المذبح لتجد جسد الرب الذبيح الواحد، فتجد حياتها وعلّة وجودها، خلاله تنعم بالوحدة مع المسيح الواحد، وقيامها جسدًا واحدًا حيًا له. هذا ما شهدت به الليتورچيات الأولى؛ نقدم على سبيل المثال:

  • كما أن الخبز المكسور،

كان مرة مبعثرًا على التلال،

وقد جُمع ليصير (خبزًا) واحدًا،

كذلك اجمع كنيستك من أقاصي الأرض، في ملكوتك.

(ليتورچيا) الديداكية

  • كما أن عناصر هذا الخبز، كانت فيما مضى،

قد بُعثرت مرة في الجبال،

وقد جُمعت معًا وصارت واحدًا،

كذلك ابن كنيستك المقدسة من كل أمة،

ومدينة وبلدة وقرية وبيت،

واجعل منها كنيسة واحدة حية جامعة.

ليتورچيا الأسقف سرابيون

  • الآن ما هو هذا الجسد الواحد؟ إنه المؤمنون في العالم كله، الكائنون الآن، والذين كانوا، والذين سيكونون. مرة أخرى، الذين أرضوا الله قبل مجيء المسيح هم “جسد واحد”. كيف يكون هذا؟ لأنهم هم أيضًا عرفوا المسيح. من أين يظهر هذا؟ يقول: “أبوكم إبراهيم تهلل بأن يرى يومي، فرأى وفرح” (يو ٨: ٥٦). كما قال: “لو كنتم تصدقون موسى لكنتم تصدقونني، لأنه هو كتب عني” (يو ٥: ٤٦). لم يكن ممكنًا للأنبياء أن يكتبوا أيضًا عن “الواحد” لو أنهم لم يعرفوا ما قالوه عنه، لكنهم عرفوه وعبدوه، هكذا كانوا هم أيضًا جسدًا واحدًا

ليس الجسد منفصلاً عن الروح، وإلاَّ ما كان جسدًا، هكذا جرت العادة بيننا أن ندعو الأشياء المتحدة معًا والمتجانسة تمامًا والمتلاصقة أنها جسد واحد. وأيضًا من جهة الوحدانية نقول إن ما يخضع لرأسٍ واحدٍ هو جسد؛ وحيث يوجد رأس واحد، يوجد جسد واحد.

يتكون الجسد من أعضاء، مكرمة وغير مكرمة. ليس للعضو الأعظم أن يضاد المحتقر، ولا الأخير أن يحسد الأول. حقًا لا يساهم ك عضو بنفس المقدار كغيره، لكن كل واحد يقدم ما تدعو إليه الحاجة. وإذ خُلقت جميع الأعضاء لأغراض ضرورية ومتنوعة، لذا يُحسب الكل في كرامة متساوية…

يوجد في الكنيسة أعداد كبيرة، منهم من يمثلون الرأس، مرتفعون في الأعالي، ومنهم من يشبهون العينين اللتين في الرأس، يتطلعون نحو السماويات، يقفون بعيدًا عن الأرض، ليست لهم خلطة بها، ومنهم من يمثلون الأرجل يطأون على الأرض، الأرجل السليمة، لأن السير على الأرض لا يعتبر جريمة إنما الجري نحو الشر هو كذلك. يقول النبي: “أرجلهم إلى الشر تجري” (إش ٥٩: ٧).

ليت الرأس لا تتشامخ على الرجلين، ولا تتطلع الرجلان بالشر نحو الرأس، وإلاَّ تشوه الجمال الخاص بكل عضو وتعطّل كمال عمله.

طبيعي أن من ينصب الشراك لقريبه إنما ينصبها لنفسه أولاً، وإن رفضت الرجلان أن تحملا الرأس بعيدًا عن قصدها، فإنهما في نفس الوقت تؤذيان نفسيهما بتكاسلهما وبعدم الحركة. أيضًا إذا رفضت الرأس الاهتمام بالرجلين أصابها الأذى هي أولاً …[10]

القديس يوحنا الذهبي الفم

ثانيًا: “َرُوحٌ وَاحِدٌ]٤[؛ الوحدة في جوهرها ليست تنظيمات خارجية، وإنما حياة داخلية يقودها روح الله القدوس الواحد، ليهب الكل روحًا واحدًا، وحياة داخلية متناسقة ومتناغمة معًا.

  • بالروح القدس، الذي يجمع شعب الله في واحد، يُطرد الروح الشرير المنقسم على ذاته.
  • من اختصاص الروح القدس الشركة التي بها صرنا جسدًا واحدًا لابن الله الواحد الوحيد، إذ مكتوب: “فإن كان وعظ ما في المسيح، إن كانت تسلية ما للمحبة، إن كانت شركة ما للروح” (في ٢: ١)[11].

القديس أغسطينوس

  • عندما نزل العليّ وبلبل الألسنة قسّم الأمم.

لكنه عندما وزّع ألسنة النار (الروح القدس)، دعى الكل إلى الوحدة.

لهذا باتفاق واحد، نمجد الروح كلي القداسة.

لحن عيد البنطقسطي Kantakon

(بالكنيسة الأرثوذكسية اليونانية)

  • يقول الله: “في بيت واحد يؤكل، لا تُخرج من اللحم من البيت إلى خارج” (خر ١٢: ٤٦). جسد المسيح، جسد الرب المقدس لا يمكن أن يُحمل خارجًا، لا يوجد بيت للمؤمنين غير كنيسة واحدة. هذا البيت، هذا المأوى لوحدة الروح القدس أُشير إليه وأعلن عنه حين قال: “الله مسكن المتوحدين (ذوي الفكر الواحد) في بيته” (مز ٦٧: ٦). ففي بيت الله، في كنيسة المسيح، يسكن ذوو الفكر الواحد، يحتفظون باتفاق معًا وببساطة[12].
  • إذ تتقبل الكنيسة هذه الكرازة وهذا الإيمان، فإنها وإن كانت مبعثرة في العالم كله لكنها تكون كمن تقطن في بيت واحد، بدقة تحرص على ذلك. إنها تؤمن بهذه التعاليم كما لو كان لها نفس واحدة، ولها ذات القلب الواحد؛ وهي تعلن هذه التعاليم وتعلمها وتسلمها بتناسق كامل كما لو كان لها فم واحد[13].

القديس إيريناؤس

  • الحب الذي يطلبه بولس ليس حبًا عامًا، إنما الحب الذي يثبتنا في بعضنا البعض، ويجعلنا ملتحمين معًا بغير انشقاق، فيقيم وحدة كاملة كما بين عضو وعضو. مثل هذا الحب ينتج ثمارًا عظيمة ومجيدة، لذا قال: “جَسَدٌ وَاحِدٌ“… وقد أضاف بطريقة جميلة: “َرُوحٌ وَاحِدٌ“، مُظْهِرُ أن يكون الجسد الواحد أيضًا روحًا واحدًا. إذ يمكن أن يوجد جسد واحد ولا يكون الروح واحدًا، كأن يصادق إنسان هراطقة.

بهذا التعبير أراد أن يكشف عن تظاهرهم بالاتفاق، كأنه يقول: “لقد قبلتم روحًا واحدًا، وشربتم من ينبوع واحد، لذا يجب ألاَّ تنقسموا في الفكر“. ولعله أراد بالروح هنا غيرتهم[14].

القديس يوحنا الذهبي الفم

ثالثًا: ” رَجَاء وَاحِد]٤[، عمل الروح القدس قائد الكنيسة الداخلي بعث روح الرجاء الواحد نحو الميراث السماوي، والتمتع بشركة المجد الأبدي. هذا الرجاء الواحد الذي دعينا إليه ينزع عن الإنسان رغبته في الكرامات الزمنية وحب السلطة، فيطلب الكل ما هو غير منظور، ويتسابق الكل في احتلال المركز الأخير الذي احتله الرب حين صار عبدًا وأطاع حتى الموت موت الصليب.

  • لقد أضاف: “كَمَا دُعِيتُمْ أَيْضًا فِي رَجَاءِ دَعْوَتِكُمُ الْوَاحِدِ]٤[، بمعنى أن الله دعا الكل بذات الشروط. لا يمنح واحدًا شيئًا غير الآخر، إنما يعطي الخلود للجميع مجانًا، يهب الكل الحياة الأبدية، والمجد الخالد، والأخوّة، والميراث.

إنه رأس الجميع، يقيم الجميع معه ويجلسهم معه (أف ٢: ٦) …

هل يمكن القول بأنك دُعيت بواسطة إله أعظم وغيرك دُعي بواسطة إله أقل؟! هل أنت خلصت بالإيمان وغيرك خلص بالأعمال (الناموسية)؟! هل نلت أنت المغفرة في المعمودية وغيرك لم ينل؟! …[15]

القديس يوحنا الذهبي الفم

رابعًا: “رَبٌّ وَاحِدٌ]٥[.

  • يود لنا إتحادًا مع بعضنا البعض على نفس المثال الذي لوحدة الثالوث القدوس… هذه الوحدة هي أكمل إتحاد يلزم أن تنعكس على وحدة المؤمنين[16].

القديس كيرلس الكبير

  • عمل الرب الواحد أن يضمنا معًا فيه لنصير فيه كاملين وسمائيين بروح الوحدة. إنه يطلب الكل، يرغب أن يخلص الكل، يود أن يجعل الكل أبناء الله، ويدعو كل القديسين في رجل واحد كامل.

يوجد ابن الله الواحد، الذي به نتسلم التجديد خلال الروح القدس، يود أن يأتي الكل في إنسانٍ واحد كامل سماوي[17].

القديس هيبوليتس الروماني

خامسًا: “إِيمَانٌ وَاحِدٌ]٥[.

عمل الكنيسة الأول هو تقديم الإيمان الحق والثابت للعالم، لذا يدعوها القديس كبريانوس: “بيت الإيمان[18]“. هذا الإيمان تقبلته الكنيسة كوديعة تحفظه عبر الأجيال دون انحراف، وكما يقول القديس أيريناؤس: [الكنيسة الأولى الجامعة هي وحدها تعمل في وحدة الإيمان الواحد[19].]

عبر العلامة أوريجينوس في إحدى عظاته عن الفصح عن الإيمان الواحد الذي تعيشه الكنيسة الواحدة لتخلص معلقًا على ممارسة الفصح لكل عائلة في بيت واحد (خر ١٢: ٤٦)، قائلاً: [هذا يعني أنه بيت واحد له الخلاص في المسيح، أعني الكنيسة التي في العالم، هذه التي كانت متغربة عن الله والآن تتمتع بقرب فريد لله، إذ تقبلت رسل الرب يسوع كما تقبلت راحاب قديمًا في بيتها جاسوسيّ يشوع، فتمتعت وحدها بالخلاص وسط خراب أريحا[20].]

سادسًا: ” مَعْمُودِيَّةٌ وَاحِدَةٌ]٥.[

في سرّ المعمودية يتقبل المؤمنون – من أمم كثيرة – العضوية في جسد المسيح الواحد، ويشاركونه دفنه، وينعمون بحياته المقامة التي تهيئهم ليصيروا العروس السماوية الواحدة للعريس الواحد.

  • إذ ليس لنا نحن والهراطقة إله واحد، ولا رب واحد، ولا كنيسة واحدة، ولا إيمان واحد، ولا روح واحد، ولا جسد واحد، فمن الواضح أنه لا يمكن أن تكون المعمودية مشتركة بيننا وبين الهراطقة، إذ ليس بيننا وبينهم شيء مشترك[21].

القديس كبريانوس

سابعًا: “إِلَهٌ وَآبٌ وَاحِدٌ]٦[. ترتبط الكنيسة الجامعة بالراعي الواحد والآب بالرغم من وجود قيادات كنسية كثيرة، فيبقى أبوها سرّ وحدتها، إذ يقول الرسول:

َآبٌ وَاحِدٌ لِلْكُلِّ،

الَّذِي عَلَى الْكُلِّ وَبِالْكُلِّ وَفِي كُلِّكُمْ]٦[.

أبوة الله نحو المؤمنين عجيبة، تضمنا معًا تحت حبه وعنايته فنَظْهر أبناء لأب واحد “على الكل“، يدبر كل حياتنا خلال أبوته. أما قوله “بالكل”، فإنه كأبٍ محبٍ يعمل ليس فقط كمدبر “على الكل” وإنما بالكل، أي بنا، ومن خلالنا كأعضاء في جسد ابنه المحبوب. وبقوله: “في كلكم” يؤكد سكناه فينا. بمعنى آخر أبوته تظهر في جوانب ثلاثة متكاملة:

أ. رئاسته الأبوية (على الكل).

ب. عمله بنا خلال تقديره لنا كأبناء له (بالكل).

ج. سكناه في داخلنا (في كلكم).

وقد لاحظ بعض الدارسين أن عبارات الرسول في هذا الأصحاح عن الوحدة شملت ثلاثة ثلاثيات:

أ. من جهة الكنيسة: جسد واحد، روح واحد، رجاء الدعوة الواحد ]٤[.

ب. من جهة الإيمان: رب واحد، إيمان واحد، معمودية واحدة ]٥[.

ج. من جهة أبوة الله لنا: على الكل، بالكل، في الكل ]٦[.

إذ تحدث الرسول عن سرّ الوحدة الكنسية التي تقوم خلال وحدة الجسد والروح والرجاء والإيمان والمعمودية، بإتحادنا في الله الواحد، وتمتعنا بأبوته الواحدة للكل. الآن يؤكد الرسول أن الوحدة لا تعني ذوبان الأشخاص وتطابق الكل ليكون الجميع صورة لشكلٍ واحدٍ، وإنما هي وحدة متناغمة ومنسجمة خلال المواهب المتنوعة. ففي أكثر من موضع يؤكد الرسول بولس تنوع المواهب كعلاقة على حيوية الكنيسة (رو ١٢: ٣ – ٨؛ ١ كو ١٢: ١ – ٣١). هذه المواهب تُعطى للأعضاء كهبة إلهية حسبما يرى الله بحكمته وأبوته. كأب حكيم يهب كل أحد بما يناسبه، وليس عن محاباة؛ إنه يعطي بفيض حسب كرمه الإلهي، إذ يقول الرسول: “وَلَكِنْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا أُعْطِيَتِ النِّعْمَةُ حَسَبَ قِيَاسِ هِبَةِ الْمَسِيحِ]٧[.

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم قائلاً:

[لاحظ أنه لم يقل “حسب إيمان كل واحد”، لئلا يسقط الذين ليس لهم معارف كثيرة في اليأس، لكنه ماذا قال؟ “حَسَبَ قِيَاسِ هِبَةِ الْمَسِيحِ“. يقول أن النقطة الرئيسية والأساسية هي أن الكل يشترك معًا في المعمودية والخلاص بالإيمان وأخذ الله أبًا لنا والشركة في الروح الواحد. فإن كان لهذا الإنسان أو ذاك موهبة روحية سامية لا تحزن قط، فإنه يُطالب بمتاعبٍ أكثر. فالذي أخذ خمس وزنات كان مطالبًا بخمس، أما الذي نال وزنتين فأحضر فقط وزنتين (أخريتين) ومع هذا نال مكافأة لا تقل عن الأول. لذلك فإن الرسول هنا أيضًا يشجع السامع على نفس الأساس، مظهرًا أن المواهب تُعطى لا لتكريم شخص عن آخر، وإنما لأجل العمل في الكنيسة، كما يقول بعد ذلك: “لأَجْلِ تَكْمِيلِ الْقِدِّيسِينَ، لِعَمَلِ الْخِدْمَةِ، لِبُنْيَانِ جَسَدِ الْمَسِيحِ]١٢[. لذلك يقول حتى عن نفسه: “ويل لي إن كنت لا أبشر” (١ كو ٩: ١٦). كمثال: نال هو موهبة الرسولية، لذلك الويل له – لا لأنه تقبلها – (وإنما إن كان يهمل فيها)، أما أنت فلا تسقط تحت هذا الخطر.

حَسَبَ قِيَاسِ]٧[. ماذا يعني “حسب قياس”؟

إنها تعني “ليس حسب استحقاقنا”، وإلاَّ ما كان أحد قد نال ما ناله، وإنما حسب العطية المجانية التي نلناها.

إذن لماذا ينال أحد أكثر مما ينال آخر؟

يود أن يقول بأنه ليس شيء يسبب ذلك، وإنما الأمر هو مجرد تنوّع، لكي يساهم كل أحد في “البناء”. بهذا يُظهر أن الإنسان لا ينال أكثر وغيره أقل حسب استحقاقه الذاتي، وإنما من أجل (نفع) الآخرين، حسب قياس الله، إذ يقول في موضع آخر: “وأما الآن فقد وضح الله الأعضاء كل واحد منها في الجسد كما أراد” (١ كو ١٢: ١٨)[22].]

القديس يوحنا الذهبي الفم

إذن فالعطية إلهية تُعطى حسب حكمة الله الفائقة أو حساب قياس المسيح كما يقول الرسول، لكن دون شك إضرامنا للمواهب المجانية وأمانتنا تفتح بابًا لنوال عطايا مجانية أكثر، وكما يقول القديس چيروم: [هذا لا يعني أن قياس المسيح يتغير، لكن قدر ما نستطيع أن نتقبل يسكب نعمته فينا[23].]

على أي الأحوال، ليس المجال للافتخار ولا لليأس، فإن مواهبنا هي عطية الله المجانية التي يهبها لنا لا عن استحقاقات ذاتية، وإنما لأجل العمل معًا لبناء الكنيسة الروحي. هو الذي نزل إلينا وقدم محبته العملية على الصليب وصعد ليوزع مواهبه المجانية حسب غنى حكمته. يقول الرسول: “لِذَلِكَ يَقُولُ: إِذْ صَعِدَ إِلَى الْعَلاَءِ سَبَى سَبْيًا وَأَعْطَى النَّاسَ عَطَايَا]٨[.

  • سَبَى سَبْيًا وَأَعْطَى النَّاسَ عَطَايَا]٨[.

عندما ارتفع على الصليب المقدس سمّر الخطية التي انتزعتنا من الفردوس على الصليب، وسبى سبيًا كما هو مكتوب.

ماذا سبي سبيًا؟ نتيجة سقوط آدم سبانا عدونا، وأمسك بنا، وجعلنا تحت سلطانه. عندئذ صارت نفوس البشر بعد تركها الجسد تذهب إلى الجحيم، إذ أُغلق الفردوس أمامها. لذلك إذ ارتفع المسيح على الصليب المقدس واهب الحياة اختطفنا بدمه من السبي الذي اُستعبدنا فيه خلال سقوطنا. بمعنى آخر أمسك بنا من يد العدو، وجعلنا مسبيين له بغلبته وطرده ذاك الذي سبق فسبانا. هذا هو السبب الذي لأجله يُقال: “سبي سبيًا[24].

الأب دوروثيؤس من غزة

  • وَأَمَّا أَنَّهُ صَعِدَ، فَمَا هُوَ إِلاَّ إِنَّهُ نَزَلَ أَيْضًا أَوَّلاً إِلَى أَقْسَامِ الأَرْضِ السُّفْلَى. اَلَّذِي نَزَلَ هُوَ الَّذِي صَعِدَ أَيْضًا فَوْقَ جَمِيعِ السَّمَاوَاتِ، لِكَيْ يَمْلأَ الْكُلَّ]٩-١٠[.

عندما تسمع هذه الكلمات لا تفكر في مجرد تحرك من مكان إلى مكان، وإنما ما قد قرره بولس في الرسالة إلى أهل فيلبي (٢: ٥ – ٩) يركز عليه هنا (أي الإخلاء حتى الموت موت الصليب وارتفاعه ليخضع الكل له)…

لقد أطاع حتى الموت… فبقوله “أقسام الأرض السفلى” عني قبوله الموت وذلك حسب مفاهيم البشر… فقد قال يعقوب: “تنزلون شيبتي بحزن إلى الهاوية” (تك ٤٢: ٣٨)، وجاء في المزمور: “أشبه الهابطين في الجب” (مز ١٤٣: ٧)، أي يشبه الموتى.

لماذا نزل إلى هذه المنطقة؟ وعن أي سبي يتحدث؟ إنه يتحدث عن الشيطان، إذ سبي الطاغية، أي الشيطان أو الموت واللعنة والخطية…

يقول أنه نزل إلى أقسام الأرض السفلى فلا يكون بعده أحد، وصعد إلى فوق الكل حيث لا يكون بعده أحد. هكذا يظهر طاقته الإلهية وسمو سلطانه!…

  • نزوله إلى أقسام الأرض السفلى لم يضره، ولا كان ذلك عائقًا له عن صيرورته أعلى من السماوات. هكذا كلما تواضع الإنسان بالأكثر يتمجد! ذلك كما في الماء كلما ضغط الإنسان على الماء إلى أسفل ارتفع إلى أعلى[25].

القديس يوحنا الذهبي الفم

إذ أوضح الرسول الثمن الذي دفعه السيد المسيح ليقدم لنا هبات العهد الجديد أو المواهب المتنوعة، بنزوله إلى أقصى أقسام الأرض السفلى، أي الموت، لكي يرتفع فيرفعنا معه إلى السماوات عينها، الآن يعلن أن عطايا الله لأعضاء كنيسته ليست قاصرة على أشخاص دون سواهم بل يفيض بالعطاء على الكل، وإن اختلفت العطية؛ ليس من عضو بلا موهبة أو عطية وإلاَّ فقد وجوده كعضوٍ وصار يمثل ثقلاً على الجسد عوض ممارسته العضوية، إذ يقول: “لِكَيْ يَمْلأ الْكُلَّ. وَهُوَ أَعْطَى الْبَعْضَ أَنْ يَكُونُوا رُسُلاً، وَالْبَعْضَ أَنْبِيَاءَ، وَالْبَعْضَ مُبَشِّرِينَ، وَالْبَعْضَ رُعَاةً وَمُعَلِّمِينَ]١٠-١١.

إنه “يملأ الكل”… يملأهم هبات وعطايا ليمارسوا عملهم بروحه القدوس، كأعضاء حقيقيين في جسد المسيح الدائم العمل والحركة، الجسد الذي لن يتوقف عن الحياة ولا يُصاب بشيخوخة أو يفقد سمة العمل الدائم.

  • فوضع الله أناسًا في الكنيسة، أولاً رسلاً، ثانيًا أنبياء، ثالثًا معلمين” (١ كو ١٢: ٢٨)، وكل وسائل أعمال الروح الأخرى. فمن لا يشترك في عمل الكنيسة لا يشارك هذا الروح… إذ حيث توجد الكنيسة يوجد روح الله، وحيث يوجد روح الله توجد الكنيسة وكل نوع من النعمة[26].

القديس إيريناؤس

  • أنت نفسك صرت كاهنًا في المعمودية … صرت كاهنًا من جهة أنك تقدم نفسك تقدمة لله[27].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • لقد أكمل الحديث مظهرًا عناية الله وحكمته، لأن من قام بأعمال كهذه، وله هذه القدرة، ذاك الذي لم يرفض أن ينزل حتى إلى أقسام الأرض السفلى لأجلنا لا يمكن أن يقوم بتوزيع المواهب الروحية بلا هدف.

يخبرنا في موضع آخر أن هذا من عمل الروح، قائلاً: “أقامكم الروح القدس أساقفة لترعوا كنيسة الله“. هنا (أف ٤: ١١) ينسب العمل للابن، وفي موضع آخر لله (الآب) (١ كو ٣: ٦ – ٨).

يقول: “لأَجْلِ تَكْمِيلِ الْقِدِّيسِينَ، لِعَمَلِ الْخِدْمَةِ، لِبُنْيَانِ جَسَدِ الْمَسِيحِ]١٢[. هل تدركوا كرامة هذه الوظيفة؟ كل عمل هو للبنيان، الكل يكمّل، الكل يخدم[28].

القديس يوحنا الذهبي الفم

3. الوحدة وبنيان الكنيسة

إذ تحدث الرسول بولس عن الوحدة الكنسية التي تُدعَّم أساسًا على وحدة الإيمان ]١– ٦[، عاد ليؤكد وحدة العمل بالرغم من تنوع المواهب ]٧– ١١[ حيث يتسلم الكل دوره في بناء الكنيسة من يد المسيح الواحد الذي نزل حتى الموت وصعد ليفيض على كنيسته مواهبه الإلهية. الآن ]١٢– ١٦[ يحدثنا عن وحدانية الهدف. فإن كانت المواهب متعددة، لكن الغاية واحدة هي “بيان جسد المسيح الواحد]١٢[.

المواهب هي عطية الثالوث القدوس، تارة ينسبها الرسول للروح القدس وأخرى للسيد المسيح، وثالثة للآب، لأنها هي عطية الروح القدس التي قدمت للكنيسة خلال استحقاقات الابن الذي قدم حياته مبذولة لأجلنا، تُوهب بتدبير الآب محب البشر. يقدمها الثالوث القدوس لبنيان الكنيسة كلها، كما يقول الرسول: “لأَجْلِ تَكْمِيلِ الْقِدِّيسِينَ، لِعَمَلِ الْخِدْمَةِ، لِبُنْيَانِ جَسَدِ الْمَسِيحِ]١٢[، وفي نفس الوقت لبنيان كل عضو فيها. بمعنى آخر وحدة الهدف تمجّد الكنيسة الجامعة كما تمجد كنيسة القلب الداخلي، تحقق النمو الروحي للجماعة مع بنيان كل إنسان روحيًا لكي يبلغ الكل إلى “قِيَاسِ قَامَةِ مِلْءِ الْمَسِيحِ]١٣[.

أولاً: من جهة بنيان الجماعة ككل

الآن يوضح الرسول، بشيءٍ من الإسهاب، ماذا يقصد ببنيان جسد المسيح، إذ يقول: “إِلَى أَنْ نَنْتَهِيَ جَمِيعُنَا إِلَى وَحْدَانِيَّةِ الإِيمَانِ وَمَعْرِفَةِ ابْنِ اللهِ. إِلَى إِنْسَانٍ كَامِلٍ. إِلَى قِيَاسِ قَامَةِ مِلْءِ الْمَسِيحِ]١٣[.

بمعنى آخر إذ تنوعت المواهب، إنما لكي يعمل الكل بهدفٍ واحدٍ، بغية الوصول “إِلَى وَحْدَانِيَّةِ الإِيمَانِ“. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [بمعنى إلى أن نُظهر أن لنا جميعنا الإيمان الواحد، حينما نكون كلنا واحدًا، ونكون كلنا متشابهين في معرفة الرباط المشترك. هكذا يليق بك أن تتعب عاملاً بهذا الهدف. فإن قبلت الموهبة بهذا الهدف أي بنيان الغير، فإنك لن تتوقف عن العمل إن حسدك الآخرون. لقد كرمك الله، وسامك لكي تبني غيرك. نعم بهذا الهدف كان الرسول منشغلاً، وبذات الهدف كان النبي يتنبأ ويعمل والإنجيلي يكرس بالإنجيل والراعي والمعلم يعملان، الكل يتعهد عملاً مشتركًا واحدًا. الآن إذ نؤمن كلنا إيمانًا متشابهًا توجد وحدانية، ويتحقق “الإِنْسَانٍ الكَامِلٍ[29].]

هكذا يتناغم تنوع المواهب في الكنيسة – جسد المسيح الواحد – مع وحدانية الإيمان، إذ يعمل الكل معًا، كل في موهبته، خلال عضويته الصادقة في جسد المسيح لبنيان الجماعة المقدسة، بهذا يدخل الكل إلى “َمَعْرِفَةِ ابْنِ اللهِ“، “إِلَى إِنْسَانٍ كَامِلٍ“. بمعنى أن الوحدة الكنسية القائمة على تنوع المواهب مع وحدة الهدف ووحدانية الإيمان تنطلق بالمؤمنين من حالة الطفولة الروحية إلى النضوج الروحي، إذ ينطلق الكل معًا من معرفة روحية اختيارية حية إلى معرفة أعمق فأعمق، لعلهم يبلغون “قِيَاسِ قَامَةِ مِلْءِ الْمَسِيحِ“.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [يقصد هنا بالملء المعرفة الكاملة، فكما يقف الرجل (الإنسان الكامل) بثبات بينما يتعرض الطفل للفكر المتردد، هكذا أيضًا بالنسبة للمؤمنين[30].]

نحن الآن كمن هم في حالة طفولة نامية للبلوغ إلى النضوج الكامل، لذا يدعونا الرسول في موضع آخر “أطفالاً” (١كو ١٣: ١١)، وحينما يقارن بين ما نلناه من معرفة روحية وما نكون عليه من معرفة مقبلة يحسبنا هكذا، قائلاً: “لأننا نعلم بعض العلم ونتنبأ بعض التنبؤ، ولكن متى جاء الكامل فحينئذ يبطل ما هو بعض، لما كنت طفلاً كطفل كنت أتكلم وكطفل كنت أفطن وكطفل كنت أفكر، ولكن لما صرت رجلاً أبطلت ما للطفل، فإننا ننظر الآن في مرآة في لغز لكن حينئذ وجهًا لوجه، الآن أعرف بعض المعرفة لكن حينئذ سأعرف كما عرفت” (١ كو ١٣: ٩ – ١٢).

هكذا مادمنا في جهادنا، نعمل معًا بهدف واحد في وحدانية الإيمان، ننطلق دائمًا من حالة الطفولة إلى النضوج لنبلغ “قِيَاسِ قَامَةِ مِلْءِ الْمَسِيحِ“.

ثانيًا: من جهة كل عضو

لا يمكن فصل العضو عن الجماعة، ولا الجماعة عن العضو، كل نموٍ في حياة الجماعة هو لبنيان الأعضاء، وكل نموٍ حقيقيٍ في حياة الأعضاء هو لبنيان الجماعة. لذلك إذ نسمع تعبير “قِيَاسِ قَامَةِ مِلْءِ الْمَسِيحِ” لا نحسبه خاص بالكنيسة كجماعة فحسب، ولا كأعضاء منعزلين، إنما هو حث للجماعة ككل ولكل عضو لعله يبلغ المرتفع الشاهق.

هنا المرتفع شاهق جدًا، لأن الرسول يريدنا بإرادتنا الحرة أن نجاهد بقوة النعمة بلا انقطاع سالكين في هذا الطريق بلا توقف. ليتنا إذ نسمع هذا لا نيأس، متذكرين كلمات الأب سيرينيوس: [يليق بنا ألاَّ ننسحب من جهادنا في السهر بسبب اليأس الخطير، لأن “ملكوت السماوات يُغصب والغاصبون يختطفونه” (مت ١١: ١٢). فلا يمكن نوال فضيلة بدون جهاد[31].] ويحدثنا الأب ثيوناس[32] عن الجهاد معلنًا أن الله لا يُلزمنا على صعود مرتفعات الصلاح العالية والسامية لكنه يحثنا بنصائحه وشوقنا لبلوغ الكمال بإرادتنا الحرة.

الآن بعد أن شوّقنا الرسول للارتفاع على الجبال السماوية الشاهقة لنبلغ “قِيَاسِ قَامَةِ مِلْءِ الْمَسِيحِ” حذرنا من المعوقات، مطالبًا إيانا بالجهاد بلا انقطاع، كأطفال صغار يحتاجون إلى النمو بغير توقف بالرغم من الصعاب التي تواجهنا، إذ يقول:

كَيْ لاَ نَكُونَ فِي مَا بَعْدُ أَطْفَالاً مُضْطَرِبِينَ وَمَحْمُولِينَ بِكُلِّ رِيحِ تَعْلِيمٍ،

بِحِيلَةِ النَّاسِ، بِمَكْرٍ إِلَى مَكِيدَةِ الضَّلاَلِ.

َلْ صَادِقِينَ فِي الْمَحَبَّةِ، نَنْمُو فِي كُلِّ شَيْءٍ إِلَى ذَاكَ الَّذِي هُوَ الرَّأْسُ:

الْمَسِيحُ]١٤-١٥[.

كأن السيد المسيح يعمل في أناس هم أطفال غير ناضجين، يسندهم وينميهم ليقيمهم رجالاً ناضجين روحيًا، وعوض الضعف يهبهم قوة. بمعنى آخر، يعيش كل عضو داخل الكنيسة في حركة مستمرة بلا انقطاع، ناميًا في المحبة، أي في المسيح الذي لم يرضِ نفسه (رو ١٥: ٣)، بل أحب الكل، باذلاً حياته ليقيم الكنيسة.

يقارن الرسول بولس الكنيسة بالسفينة وسط مياه هذا العالم، فإن لم يعمل كل البحارة معًا بروح واحد يصيرون كأطفال يتعرضون لمتاعبٍ كثيرةٍ، ولا يقدرون على مقاومة الرياح والأمواج فيهلكون.

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول هنا يتحدث عن الكنيسة كبناء واحد، إن لم يعمل الكل معًا فيه يتعرض للهدم ويفقد الكل حياته، إذ يعلق على هذا النص، قائلاً:

[بقوله: “لاَ نَكُونَ فِي مَا بَعْدُ” يظهر أنهم كانوا هكذا في القديم، حاسبًا نفسه أيضًا موضوع تصحيح معهم. يود أن يقول بأنه يوجد عاملون كثيرون كي لا يهتز البناء، فتكون الحجارة مثبتة لا محمولة (إلى هنا وهناك). هذه هي سمة الأطفال أن يُحملوا إلى هنا وهناك فيضطربون ويهتزون… لقد قدم هذا التشبيه ليشير إلى الخطر العظيم الذي تتعرض له النفوس[33].]

إذ كشف الرسول عن خطورة الحياة بغير وحدانية الإيمان والهدف، مشبهًا العاملين كأطفال يلهون، كل في واديه، يُحملون بريح التعاليم الباطلة، ويسقطون تحت خداع الناس، وينحرفون إلى الضلال، أوضح الالتزام بالسلوك في طريق “الوحدانية” بارتباط الكل بالحب معًا تحت قيادة “الرأس المسيح” الواحد، مشبهًا الكنيسة بالجسد فتنمو الأعضاء معًا خلال إتحادها فيه، وتنال بنيانها خلال عمله فيها ]١٥، ١٦[.

الجسد كله ينمو معًا، دون أن يفقد العضو كيانه بل يتمتع قدر قياسه، قدر ما يتسع ينال من الرأس نموه. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [تعتمد نفوس البشر عليه كأعضاء، فينعم كل عضو منفرد بعنايته الإلهية وعطية المواهب الروحية قدر ما يناسب قياسه، هذا يؤدي إلى نموهم… يليق بكل عضو ليس فقط أن يكون متحدًا بالجسد، وإنما يكون أيضًا في مكانه اللائق به، وإلاَّ فقد إتحاده بالجسد وحُرم من تقبل الروح[34].]

خلال وحدانية الهدف ننعم بالمحبة التي تربطنا معًا بالرأس، فيعمل هو فينا، كل في موقعه بما يناسبه لبنيان الجسد كله، فلا نكون مجرد جماعة عاملة معًا، وإنما أعضاء لبعضنا البعضK يعمل الرأس فينا بالحب، كل حسب موهبته التي يهبها إياه بروحه القدوس.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم:

[إن رغبنا في نوال نفع الروح (القدس) الذي من الرأس، فلنلتصق كل بالآخر.

يوجد نوعان من الانفصال عن جسد الكنيسة: الأول حين تبرد المحبة والآخر حين نجسر ونرتكب أمورًا لا تليق بانتمائنا لهذا الجسد. فإننا بإحدى الطريقتين نقطع أنفسنا عن “ملء المسيح”…

ليس شيء يسبب انقسامًا في الكنيسة مثل حب السلطة!

ليس شيء يثير غضب الله مثل انقسام الكنيسة! نعم وإن مارسنا ربوات الأعمال المجيدة فإننا إن مزقنا ملء الكنيسة نسقط تحت عقوبة لا تقل عن تلك التي يسقط تحتها من أفسدوا جسده[35].]

4. الوحدة والحياة الجديدة

لكي تكون الوحدة حياة ديناميكية متحركة بغير جمود يختم الرسول حديثه عن الوحدة الكنسية بالتجديد الدائم المنطلق خلال الإنسان القديم ولبس الإنسان الجديد في مياه المعمودية. وكما يقول كثير من الدارسين الغربيين هذا النص الخاص بالحياة الجديدة جاء يحمل تعبيرات تخص ليتورچية العماد، نذكر على سبيل المثال:

تَخْلَعُوا (الإنسان القديم)” ]٢٢[؛ ” َتَتَجَدَّدُوا بِرُوحِ ذِهْنِكُمْ” ]٢٣[؛ “َتَلْبَسُوا الإِنْسَانَ الْجَدِيدَ” ]٢٤[.

لكي يبرز قوة “الحياة الجديدة” التي صارت لنا في المسيح يسوع خلال مياه المعمودية بروحه القدوس، والتزامنا بالنمو في هذه الحياة الجديدة، أبرز أولاً الإنسان العتيق الذي خلعناه، وقد وضح بقوة في حياة الأمم وسلوكهم.

يبدأ الرسول حديثه بالقول:

فَأَقُولُ هَذَا وَأَشْهَدُ فِي الرَّبِّ،

أَنْ لاَ تَسْلُكُوا فِي مَا بَعْدُ كَمَا يَسْلُكُ سَائِرُ الأُمَمِ أَيْضًا بِبُطْلِ ذِهْنِهِمْ، إ

ِذْ هُمْ مُظْلِمُو الْفِكْرِ،

وَمُتَجَنِّبُونَ عَنْ حَيَاةِ اللهِ لِسَبَبِ الْجَهْلِ الَّذِي فِيهِمْ بِسَبَبِ غِلاَظَةِ قُلُوبِهِمْ.

اَلَّذِينَ إِذْ هُمْ قَدْ فَقَدُوا الْحِسَّ،

أَسْلَمُوا نُفُوسَهُمْ لِلدَّعَارَةِ لِيَعْمَلُوا كُلَّ نَجَاسَةٍ فِي الطَّمَعِ]١٧– ١٩[.

ويلاحظ في هذا النص الآتي:

أولاً: لما كان الأمر خطيرًا للغاية، أراد الرسول أن يُشهد الرب نفسه على قوله هذا، حتى يستطيعوا في جدية أن يقارنوا بين الحياة الأممية خارج المسيح والحياة الجديدة التي في المسيح.

ثانيًا: يحذرهم الرسول بولس من السلوك كسائر الأمم “بِبُطْلِ ذِهْنِهِمْ]١٧[. ماذا يعني بطل الذهن إلاَّ انشغال الذهن وارتباكه في الأمور الباطلة الزمنية عوض التأمل في السماويات والانشغال بالحياة الأبدية الدائمة؟!

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ما هو بطل الذهن؟ إنه انشغال الذهن بالأمور الباطلة. وما هي الأمور الباطلة سوى كل أمور الحياة الحاضرة؟! يقول عنها المبشر: “باطل الأباطيل الكل باطل” (جا ١: ٢). لكن قد يقول قائل: “إن كانت هذه الأمور باطلة فلماذا خُلقت؟ إن كانت هي خليقة الله، فلماذا باطلة؟… “ليست خليقة الله هي التي ندعوها باطلة؛ حاشا! السماء ليست باطلة، ولا الأرض باطلة؛ حاشا! ولا الشمس ولا القمر ولا النجوم ولا جسدنا، لا، فإن هذه كلها حسنة جدًا” (تك ١: ٣١). فما هو الباطل إذن؟ لنسمع ما يقوله المبشر: “(فعظمت عملي)، بنيت لنفسي بيوتًا، غرست لنفسي كرومًا… اتخذت لنفسي مغنين ومغنيات، عملت لنفسي برك مياه، وكانت لي أيضًا قنية بقر وغنم، جمعت لنفسي أيضًا فضةً وذهبًا، فإذا الكل باطل” (راجع جا ٢: ٤ – ١١). اسمع أيضًا النبي: “يذخر ذخائر ولا يدري من يضمها” (مز ٣٩: ٦). هذا هو باطل الأباطيل: المباني الفخمة والغنى السريع الفائض، قطعان العبيد والمظاهر الصاخبة (الاستعراضات) في الميادين العامة، كبرياؤك ومجدك الباطل وتشامخ فكرك والمباهاة. هذه الأمور باطلة لم تأتِ من يد الله، إنما هي من صنعنا نحن. لماذا هي باطلة؟ لأنها بلا غاية مفيدة. فالغنى يكون باطلاً متى أُنفق على الترف بينما لا يُحسب كذلك إن وُزع وقدم للمحتاجين (مز ١١٢: ٩)[36].]

ثالثًا: ربما يتساءل البعض: لماذا يُلام الأمم ما داموا مظلمي الفكر ومتغربين عن حياة الله بسبب الجهل وغلاظة قلوبهم؟

يجيب الرسول بولس مؤكدًا مسئوليتهم، إذ يقول: ” إِذْ هُمْ قَدْ فَقَدُوا الْحِسَّ، أَسْلَمُوا نُفُوسَهُمْ لِلدَّعَارَةِ لِيَعْمَلُوا كُلَّ نَجَاسَةٍ فِي الطَّمَعِ]١٩[. بمعنى آخر ان ما يمارسونه من فساد، وما يسقطون فيه من ظلمة وتجنب عن “حياة الله” إنما ينبع عن “فقدانهم الحس” بإرادتهم فيسلمون أنفسهم بأنفسهم للدعارة والطمع.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [“إِذْ هُمْ قَدْ فَقَدُوا الْحِسَّ، أَسْلَمُوا نُفُوسَهُمْ” ]١٩[، بينما تسمعون: “أسلمهم الله إلى ذهن مرفوض” (رو ١: ٢٨). فإن كانوا قد أسلموا أنفسهم فكيف أسلمهم الله؟ وأيضًا إن كان الله قد أسلمهم فكيف أسلموا هم أنفسهم؟… كلمة “أسلمهم” (في رو ١: ٢٨) تعني أن الله سمح لهم أن يُسلموا[37].]

رابعًا: يربط الرسول بولس بين الإيمان الفاسد أو الفكر الفاسد وبين السلوك الفاسد؛ فالفكر والسلوك أشبه بسلسلة مترابطة كل يؤثر في الآخر؛ حينما يمتليء الفكر بالأمور الزمنية الباطلة يُصاب بالظلمة والجهل، وحينما يصاب بالظلمة ينحدر للفساد، وهكذا يدفعه الفساد إلى ظلمة أعمق.

في هذا يقول القديس أغسطينوس أن وراء كل إلحاد (فساد فكر) شهوة! وبصورة أخرى يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ألا ترى أن الحياة الفاسدة هي أساس لتعاليم هكذا (فاسدة) أيضًا؟! إذ يقول الرب: “لأن كل من يعمل السيئات يبغض النور ولا يأتي إلى النور” (يو ٣: ٢٠)… كما لو أننا غطسنا في أعماق المياه فلا نقدر أن نعاين الشمس بسبب كثافة المياه التي فوقنا، فتصير عائقًا، هكذا تُصاب عينا الفهم بعمى القلب وفي فقداننا للحسّ لا توجد مخافة (الله) في نفس. لقد قيل: “ليس خوف الله أمام عينيه” (مز ٣٦: ١)، وأيضًا: “قال الجاهل في قلبه ليس إله” (مز ١٤: ١). الآن فإن العمى لا يصدر إلاَّ من عدم الحسّ[38].]

خامسًا: إذ يربط الرسول بأن عمى الفكر أو انحرافه بفساد السلوك، ربما يتساءل البعض كيف أستطيع أن أحفظ حياتي من الدنس؟ لذا يربط الرسول الدنس بالطمع، قائلاً: “لِيَعْمَلُوا كُلَّ نَجَاسَةٍ فِي الطَّمَعِ” ]19[. فإن كانت قداسة الحياة تبدو صعبة للإنسان، فهل السقوط في الطمع أمر إلزامي؟! بمعنى آخر ما هي حجة الأمم أو عذرهم من جهة الطمع؟ في هذا يقول الأب مرقس الناسك إنه إذ يتمم الإنسان الوصية التي في مقدوره، يعمل الله فيه ويسنده في تتميم الوصية التي ليست في قدرته. بمعنى آخر إن كنا نضبط أنفسنا من جهة الطمع فهو يضبط مشاعرنا وأحاسيسنا بعيدًا عن كل نجاسة. لنكن أمناء في الرب فيما بين أيدينا فيعمل بغنى نعمته فينا.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [كان في قدرتهم أن يشتركوا في الاعتدال في الغنى حتى في المباهج والترف، لكنهم انغمسوا بغير اعتدال فهلكوا تمامًا[39].]

بعدما عرض الرسول فساد الأمم في الذهن كما في السلوك، في نجاسات ورجاسات، عاد ليؤكد أن هذا الحال لا يليق بالمؤمنين الذين التقوا بالسيد المسيح كمعلم ومعين، واهب التجديد الذهني المستمر بروحه القدوس، إذ يقول:

وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلَمْ تَتَعَلَّمُوا الْمَسِيحَ هَكَذَا،

إِنْ كُنْتُمْ قَدْ سَمِعْتُمُوهُ وَعُلِّمْتُمْ فِيهِ كَمَا هُوَ حَقٌّ فِي يَسُوعَ،

أَنْ تَخْلَعُوا مِنْ جِهَةِ التَّصَرُّفِ السَّابِقِ الإِنْسَانَ الْعَتِيقَ الْفَاسِدَ بِحَسَبِ شَهَوَاتِ الْغُرُورِ،

وَتَتَجَدَّدُوا بِرُوحِ ذِهْنِكُمْ،

وَتَلْبَسُوا الإِنْسَانَ الْجَدِيدَ الْمَخْلُوقَ بِحَسَبِ اللهِ فِي الْبِرِّ وَقَدَاسَةِ الْحَقِّ]٢٠– ٢٤[.

هذا النص في حقيقته هو تسبحة العهد الجديد حيث يمجد المؤمن أعمال الله الفائقة في حياته، ويمدح غنى نعمة الله الفياضة التي يهبنا إياها حسب مسرته. وكما سبق فقلنا إنها في الغالب جزء من ليتورچية قداس المعمودية في العصر الرسولي، حيث تعلن عمل الله فيها. وهنا نلاحظ في النص الآتي:

أولاً: لم يقل الرسول “تتعلموا من المسيح” وإنما “ تَتَعَلَّمُوا الْمَسِيحَ“، فإن كان السيد المسيح هو المعلم الذي تلمذ الرسل والتلاميذ، فهو لا يزال حيًا في كنيسته يعلم خلال خدامه، لا يعلمنا عن آخرين إنما يعلمنا “ذاته” حيًا فينا. ربما هذا ما عناه الرسول بقوله: “ تَتَعَلَّمُوا الْمَسِيحَ“.

لقد تمتعت البشرية منذ بدء انطلاقها بالوصية يسندها الناموس الطبيعي، ثم الناموس الموسوي فيما بعد، لكن السيد المسيح جاء ليقدم أولاً “حياته” ننعم بها. نناله برًا وقداسة وقيامة تعمل فينا. لقد سمعناه وتمتعنا به فشاهدنا “الحَقٌّ فِي يَسُوعَ“، إذ قال: “أنا هو الحق”… بهذا الحق الذي صار لنا فيه لا يُمكن للباطل أن يرتبط بنا، ولا للحياة الباطلة أن يكون لها وجود في داخلنا.

ثانيًا: للمرة الثانية يربط الرسول بين التعاليم الصادقة “الحق” وبين الحياة المقدسة، إذ يؤكد أننا ما دمنا ننعم بالحق أي بالإيمان الصادق في المسيح يسوع ربنا، لابد أن نخلع الإنسان العتيق.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم:

[ما يوجد بيننا ليس بالباطل بل الحق. كما أن التعاليم حقة هكذا الحياة أيضًا حقة!

الخطية هي “باطل” وبطلان، أما الحياة المستقيمة فهي “حق”.

العفة بالحقيقة هي حق، إذ لها غاية عظيمة، أما الفجور فتنتهي إلى لا شيء[40].]

إذن ليت إيماننا الصادق بالسيد المسيح “الحق” يلتحم بسلوكنا فيه بالحق، فيتجلى فينا بالإيمان العملي الحيّ أو العامل بالمحبة كقول الرسول بولس.

ثالثًا: إذ يحملون السيد المسيح في داخلهم يلتزمون برفض أعمال الإنسان العتيق، سالكين حسب الإنسان الجديد الذي صار لهم هبة مجانية خلال مياه المعمودية. هذا الإنسان الداخلي الجديد يلزم أن ينمو بلا توقف خلال تجديده اليومي غير المنقطع كعلامة على حيوية المؤمن. هذا ما عبّر عنه الرسول بولس هنا بقوله: “َتَتَجَدَّدُوا بِرُوحِ ذِهْنِكُمْ]٢٣[. وإذ يقصد بالذهن هنا “الإنسان الداخلي ككل”، فإن روح الذهن غالبًا ما يعني تجديد أعمال الروح القدس الساكن فيكم بالتجاوب معه؛ فالتجديد لا يمس الروح بل الذهن؛ فبالروح أو في الروح يتجدد إنساننا الداخلي كل يوم، كقول الرسول: “لذلك لا نفشل بل وإن كان إنساننا الخارج يفنى، فالداخل يتجدد يومًا فيومًا” (٢ كو ٤: ١٦).

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارة (أف ٤: ٢٣) بالقول: [كيف يتم التجديد إذن؟ “في رُوحِ ذِهْنِكُمْ“، إذ من له الروح لا يتمم عملاً قديمًا إذ لا يحتمل الروح أعمال الإنسان القديم. يقول “في روح ذهنكم”، أي الروح الذي في ذهنكم[41].]

يكمل الرسول بولس حديثه، قائلاً: “وَتَلْبَسُوا الإِنْسَانَ الْجَدِيدَ الْمَخْلُوقَ بِحَسَبِ اللهِ فِي الْبِرِّ وَقَدَاسَةِ الْحَقِّ]٢٤[. فإن كان قد طالبنا بخلع أعمال الإنسان العتيق الفاسد ]٢٢[ لم يتركنا عراه، بل أسرع بالمطالبة بلبس الإنسان الجديد الحامل برّ المسيح وقداسته. ويلاحظ هنا الآتي:

أ. أنه لا توجد حالة وسطى، إما أن يُوجد الإنسان لابسًا الإنسان العتيق الفاسد لحساب عدو الخير المفسد، أو الإنسان الجديد لحساب الله. بمعنى آخر، لا يقبل الرسول أنصاف الحلول، إما أن يحمل الإنسان أسلحة الفساد أو أسلحة البرّ، منتميًا لإحدى المملكتين: مملكة إبليس أو مملكة الله!

في هذا يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لا يمكن أن يظهر الإنسان بلا عمل]، إما أن يكون عاملاً للرذيلة أو الفضيلة!

ب. الإنسان الجديد الذي نلبسه ليس من عندياتنا بل هو “الْمَخْلُوقَ بِحَسَبِ اللهِ فِي الْبِرِّ وَقَدَاسَةِ الْحَقِّ]٢٤[. إنه عمل خلقة، وكما يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم: [لقد خلقه (الله) في الحال، ليكون ابنًا، وذلك في المعمودية[42].]

البرّ الذي صار لنا في العهد الجديد هو في “َقَدَاسَةِ الْحَقِّ“، وليس كبرّ اليهود الرمزي، لأننا تمتعنا بالحق ذاته ساكنًا فينا، وعاملاً بنا على الدوام.

إن كنا قد نلنا عطية “الإنسان الجديد” كلباس برٍّ في المسيح يسوع برّنا، يليق بنا أن نجاهد لنوجد دائمًا بهذا اللباس، وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [كيف يتحدث مع أولئك الذين لبسوا (الإنسان الجديد) فعلاً؟ إنه يتحدث معهم عن الثوب النابع عن الحياة والأعمال الصالحة (في الرب). قبلاً (نالوا) الثوب خلال المعمودية، أما الآن فخلال الحياة اليومية والعمل، ليس “بِحَسَبِ شَهَوَاتِ الْغُرُورِ]٢٢[، وإنما “بِحَسَبِ اللهِ
]٢٣[[43].]

يكمل القديس يوحنا الذهبي الفم حديثه، قائلاً: [من جانبنا يليق بنا ألاَّ نخلع ثوب البرّ الذي يدعوه النبي: “ثوب الخلاص” (إش ٦١: ١٠)، فنصبح على شبه الله؛ فإنه بالحق يلبس ثوب البرّ. إذن، فلنلبس هذا الثوب. كلمة “نلبس” إذن واضحة أنها لا تعني سوى عدم الخلع نهائيًا. استمع إلى النبي القائل: “لبس اللعنة مثل ثوبه، فدخلت في حشاه” (مز 109: 18)، وأيضًا: “اللابس النور كثوبٍ” (مز ١٠٤: ٢)… إذن ليتنا لا نلتحف بالفضيلة يومًا أو يومين أو ثلاثة بل نلتحف بها أبدًا، ولا نخلع هذا الثوب قط. فالإنسان لا يشوهه خلع ثوبه مثلما يشوهه خلع الفضيلة. بالأمر الأول يرى العبيد رفقاؤه عريه، أما بالأمر الثاني فيرى ربه والملائكة عريه. إن رأيت إنسانًا يذهب إلى الحمامات العامة عاريًا ألا تتضايق؟ فإن ذهبت أنت خالعًا هذا الثوب (الذي للبرّ) فماذا تقول؟[44].]

ج. دعوة الرسول بولس هنا لخلع كل تصرف خاص بالإنسان العتيق الفاسد وتجديد الذهن المستمر في حقيقتها هي دعوة لممارسة الحياة الجديدة أو المتجددة المستمرة والمنطلقة نحو السماويات عينها حيث تكون لنا هناك التسبحة الجديدة أيضًا. بمعنى آخر هي انطلاقة روحية نحو الأبديات خلال ترك الحرف القاتل والتمتع بجدة الحياة. يقول القديس چيروم: [حيث تكون التسبحة التي نترنم بها جديدة (رؤ ١٤: ٣) ويُنزع الإنسان العتيق نسير في جدة الروح لا عتق الحرف[45].] بهذا تتحول حياتنا إلى أغنية جديدة نترنم بها أو تسبحة عملية يعزفها روح الله على أوتار حياتنا الداخلية وتصرفاتنا الظاهرة مهيئًا إيانا للحياة الأخروية حيث التسبحة جديدة غير المنقطعة.

هذه الدعوة في حقيقتها تعلن مفهوم التقدم أو النمو الروحي أو التجديد المستمر. يقول الأب ثيؤدور في مناظرته مع القديس كاسيان: [إننا نحتاج إلى ما يقوله الرسول: “وَتَتَجَدَّدُوا بِرُوحِ ذِهْنِكُمْ” (أف ٤: ٢٣)، إلى التقدم الروحي، فنفسي ما هو وراء (في ٣: ١٣). فإن تغاضي الإنسان عن ذلك تكون النتيجة الحتمية هي النكوص والتقهقر من سيء إلى أسوأ… والفشل في اقتناء سمات جديدة، يعني وجود خسارة… إذ تبطل الرغبة في التقدم يوجد خطر التقهقر إلى الوراء[46].]

بعد أن تحدث عن النمو الروحي خلال تجديد الذهن المستمر ولبس أعمال الإنسان الجديد مع خلع أعمال الإنسان القديم، بدأ في شيء من التفصيل يقول:

أولاً: “لِذَلِكَ اطْرَحُوا عَنْكُمُ الْكَذِبَ وَتَكَلَّمُوا بِالصِّدْقِ كُلُّ وَاحِدٍ مَعَ قَرِيبِهِ، لأَنَّنَا بَعْضَنَا أَعْضَاءُ الْبَعْضِ]٢٥[.

يلاحظ في حديثه عن أعمال الإنسان الجديد ]٢٥–٣٢[ يتحدث عن علاقتنا بالغير، فالحياة المقدسة تمس أعماقنا الخاصة كما تمس علاقتنا بإخوتنا، فالكذب يسيء إلى عضويتنا المشتركة القائمة على الحق، والسرقة تسلب حق الغير عوض الاهتمام باحتياجات الآخرين… وهكذا كل تصرف خاطيء إنما يحزن روح الله الساكن فينا وفي الآخرين ]٣[.

الآن يحدثنا عن طرح الكذب والنطق بالصدق، فلا يكفي الجانب السلبي إنما نلتزم بالعمل الإيجابي، لنرفض الباطل ونقبل الحق، لأننا بعضنا أعضاء البعض، وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم ان الرسول يقول: [ليت العين لا تكذب على القدم، ولا القدم على العين. فإنه لو وجدت حفرة عميقة… فهل تكذب القدم على بقية الأعضاء ولا تنطق بالحق؟ لو شاهدت العين حية أو حيوانًا مفترسًا هل تكذب على الرِجْل؟![47]] وحدة الأعضاء معًا كجسد متكامل تستلزم بالضرورة صدق الأعضاء فيما بينها وإلاَّ انهار الجسد كله خلال الخداع والكذب. لذلك يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ليته لا يخدع أحد قريبه، كما يقول المرتل هنا وهناك: “بشفاة ملقة، بقلب فقلب يتكلمون” (مز ١٢: ٢). فإنه ليس شيء، ليس ما يجلب عداوة أكثر من الخداع والخبث[48].]

ثانيًا: “اِغْضَبُوا وَلاَ تُخْطِئُوا. لاَ تَغْرُبِ الشَّمْسُ عَلَى غَيْظِكُمْ وَلاَ تُعْطُوا إِبْلِيسَ مَكَانًا]٢٦-٢٧[.

ليس مجال يهب لإبليس مكانًا بيننا مثل الغضب، فإن وجد الغضب له موضعًا ولم يشرق علينا السيد المسيح – شمس البرّ – بأشعة محبته فينا لينزع روح الغضب يستقر العدو ويملك!

  • ماذا نفعل في يوم الدينونة، نحن الذين لم تغرب الشمس على غضبنا يومًا واحدًا بل سنوات كثيرة؟!
  • أن تكون غضوبًا فهذا أمر بشري، أما أن تضع حدًا للغضب فهذا أمر مسيحي[49].

القديس چيروم

  • الغضب المملوء عنادًا يجلب بالتأكيد ضررًا للنفس الغضوبة، أيا كان الشخص الذي تغضب عليه[50].

الأب يوسف

  • أثناء النهار يقدر الكثيرون منا أن يسكنوا غضبهم، ويتغلبوا عليه، أما في الليل، فالمرء عند إنفراده، يرخي العنان لأفكاره، إذ يشتد هياج الأمواج وتثور الزوبعة بعنف عظيم، فلكي تتلافى، لذلك يطلب منا بولس الرسول أن نستقبل الليل متسالمين لكي لا يغتنم الشيطان فرصة إنفرادنا فيشعل فينا نار الغضب[51].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • إن كنتم غاضبين فلا تدعوا هذه الشمس تغرب على غيظكم… لئلا تكونوا غضبى فيغرب شمس البرّ (ملا ٤: ٢) عنكم وتمكثون في الظلام[52].

القديس أغسطينوس

  • اِغْضَبُوا وَلاَ تُخْطِئُوا]٢٦[.

لاحظ حكمته، فإنه يتحدث لكي يمنع خطأنا، ولكن إن كنا لا نصغي لا يتخلى عنا. من أجل أبوته الحانية لا يهجر من يخطىء.

كما أن الطبيب يصف العلاج للمريض، فإن لم يخضع لذلك لا يقسو عليه بل يحاول أن يقنعه حتى يحقق له الشفاء، هكذا يفعل بولس…

إنه يقول: “اطْرَحُوا عَنْكُمُ الْكَذِبَ]٢٥[. فإن كان الكذب ينتج غضبًا لذلك يكمل حديثه لعلاج الغضب. ماذا يقول؟ “اِغْضَبُوا وَلاَ تُخْطِئُوا“. حقًا إنه لأمر حسن ألاَّ تغضب قط، لكن إن سقط أحد في الألم (الغضب) ليته لا يسقط إلى درجة كبيرة؛ إذ يقول: “لاَ تَغْرُبِ الشَّمْسُ عَلَى غَيْظِكُمْ“. هل أنت مملوء غضبًا؟ يكفيك ساعة أو ساعتين أو ثلاث ساعات، لكن لا تدع الشمس ترحل وأنتما في حالة عداوة.

من أجل صلاح الله أشرق (شمس البرّ)، لا تدعه يرحل، بل يشرق…

إن كان الرب قد أرسله من أجل صلاحه العظيم (ليشرق عليك)، وقد غفر لك خطاياك، وأنت لا تريد أن تغفر لأخيك، فانظر أي شر عظيم هذا؟! …

َلاَ تُعْطُوا إِبْلِيسَ مَكَانًا]٢٧[. إذ تكون في حرب مع آخر: “تعطي مكانًا لإبليس… فإنه ليس لإبليس مكانًا مثلما في عداوتنا…

كن في عداوة، لكن ضد إبليس، وليس ضد عضو معك[53].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • بإرادتك الشريرة تعطه مكانًا، فيدخل ويملك ويستغلك، إنه لا يمتلكك ما لم تعطه مكانًا[54].

القديس أغسطينوس

  • [بخصوص الهروب من الشر]

ليس أحد يقترب نحو الخطر ويبقى في أمان لمدة طويلة، ولا يقدر خادم الله أن يهرب من إبليس إن أعاق نفسه بشباك إبليس[55].

الشهيد كبريانوس

ثالثًا: “لاَ يَسْرِقِ السَّارِقُ فِي مَا بَعْدُ، بَلْ بِالْحَرِيِّ يَتْعَبُ عَامِلاً الصَّالِحَ بِيَدَيْهِ، لِيَكُونَ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ مَنْ لَهُ احْتِيَاجٌ]٢٨[.

لا يكف السارق عن عمل الإنسان العتيق الذي هو جمع ما ليس له لحسابه الذاتي ظلمًا، وإنما يلزمه أيضًا أن يمارس أعمال الإنسان الجديد بالبذل والعطاء، فيعمل ويجاهد لكي يعطي.

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم، قائلاً: [“لاَ يَسْرِقِ السَّارِقُ فِي مَا بَعْدُ” هذا لا ينزع الخطية، وإنما كيف تُنزع؟ إن عملوا، ومارسوا علاقات الحب مع الآخرين! إنه لا يريدنا أن نعمل فحسب وإنما نعمل ونتعب. لكي نمارس علاقات ودية مع الغير. فإن السارق أيضًا له أعمال لكنها أعمال شريرة[56].]

رابعًا: “لاَ تَخْرُجْ كَلِمَةٌ رَدِيَّةٌ مِنْ أَفْوَاهِكُمْ، بَلْ كُلُّ مَا كَانَ صَالِحًا لِلْبُنْيَانِ، حَسَبَ الْحَاجَةِ، كَيْ يُعْطِيَ نِعْمَةً لِلسَّامِعِينَ]٢٩[.

مرة أخرى لا يقف الأمر عند الجانب السلبي بالامتناع عن الكلمة الرديئة، إنما الالتزام بالكلمة البنّاءة لحساب الجماعة المقدسة، أو لحساب السامعين لها.

  • لنطلب معونته لكي نتمم اجتهادنا بالعمل، ولنحفظ فمنا جاعلين عقلنا مزلاجًا له، لا يكون موصدًا دائمًا، بل ليفتح في الوقت الملائم… لذلك يقول الحكيم سليمان: “للسكوت وقت وللتكلم وقت” (جا ٣: ٣).

لو كان واجبًا أن يُفتح الفم دائمًا لما لزم له وجود باب، ولو كان واجبًا أن يغلق دائمًا لما لزمت له حراسة. فالباب والحراسة ليعمل كل شيء في وقته. يقول آخر: “اجعل لكلامك ميزانًا ومعيارًا” (سيراخ ٢٨: ٢٩)، أي أن نلفظ كلامنا باحتراس وازنين إياه ومفكرين فيه[57].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • تكلم بما يبني أخاك، ولا تزد كلمة واحدة على ذلك. فإن الله وهبك فمًا ولسانًا لهذا الهدف أن تشكره وتبني أخاك. فإن كنت تحطم هذا البناء، فخير لك أن تصمت ولا تتكلم قط… يقول المرتل: “يقطع الرب جميع الشفاه الملقة” (مز ١٢: ٣).

الفم هو علة كل الشرور؛ بالحري ليس الفم وإنما إساءة إستخدامه[58].

القديس يوحنا الذهبي الفم

إن كان الفم المقدس بروح الرب يبني الإخوة، فإن الفم الدنس يحطم البناء الإلهي فيهم، فيُحسب مقاومًا لعمل الروح القدس، لذا يحذرنا الرسول بولس، قائلاً:

وَلاَ تُحْزِنُوا رُوحَ اللهِ الْقُدُّوسَ

الَّذِي بِهِ خُتِمْتُمْ لِيَوْمِ الْفِدَاءِ]٣٠[.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم:

[هذا الأمر أكثر رعبًا وتحذيرًا، وذلك كما يقول في الرسالة إلى أهل تسالونيكي: “من يرذل لا يرذل إنسانًا بل الله (الذي أعطانا أيضًا روحه القدوس)” (١ تس ٤: ٨). هكذا هنا أيضًا، فإنك إن تفوهت بكلمة قاسية وضربت أخاك، فإنك لست تضرب أخاك إنما تُحزن الروح القدس. وقد أظهر بعد ذلك ما وُهب لك من نفع لكي يتشدد التوبيخ، قائلاً: “َلاَ تُحْزِنُوا رُوحَ اللهِ الْقُدُّوسَ، الَّذِي بِهِ خُتِمْتُمْ لِيَوْمِ الْفِدَاءِ“. إنه هو الذي يجعلنا قطيعًا ملوكيًا. هو الذي يفصلنا عن الأمور الماضية ولا يسمح لنا أن نسقط بين ما يعرضنا لغضب الله، فهل تحزنه؟

أنظر كيف أن كلماته محذرة، إذ يقول: “لأن من يرذل لا يرذل إنسانًا بل الله”، ويقطع بذلك هنا: “َلاَ تُحْزِنُوا رُوحَ اللهِ الْقُدُّوسَ، الَّذِي بِهِ خُتِمْتُمْ“. ليكن هذا الختم باقيًا على فمك؛ لا تحطم بصماته، فإن الفم الروحي لا ينطق بأمر كهذا.

لا تقل: “ماذا يعني إن نطقت بكلمة غير لائقة وشتمت إنسانًا، إنها كلا شيء!” إنه شر عظيم حتى وإن بدا لك كلا شيء…

لك فم روحي، فلتفكر أية كلمات تنطق بها وذلك حالما تتولد فيك، أية كلمات التلاميذ بفمك؟! أنت تدعو الله “أبًا”، فهل تهين أخاك في نفس الوقت؟!…

ليحفظ إله السلام ذهنك ولسانك ويحصنك بحصن منيع بمخافته، بربنا يسوع المسيح الذي له المجد مع الروح القدس إلى الأبد، آمين[59].]

إذ يذكر المؤمن أنه قد لبس الإنسان الجديد بالروح القدس الذي ختمه كقطيع ملوكي، فصار في ملكية المسيح لا في ملكية عدو الخير، لذا يليق به ألاَّ يرتد إلى أعمال الإنسان العتيق الخاصة بختم إبليس لا ختم روح الله القدوس، لهذا يقول الرسول:

لِيُرْفَعْ مِنْ بَيْنِكُمْ كُلُّ مَرَارَةٍ وَسَخَطٍ وَغَضَبٍ وَصِيَاحٍ وَتَجْدِيفٍ مَعَ كُلِّ خُبْثٍ.

وَكُونُوا لُطَفَاءَ بَعْضُكُمْ نَحْوَ بَعْضٍ، شَفُوقِينَ،

مُتَسَامِحِينَ، كَمَا سَامَحَكُمُ اللهُ أَيْضًا فِي الْمَسِيحِ]٣١-٣٢[.

هكذا وضع كل أنواع الشر الخاصة بعلاقتنا بالآخرين خاصة خلال الفم في كفة واللطف والشفقة في الكفة الأخرى المقابلة، إذ خلط بين أعمال الظلمة وأعمال النور، وبين تصرفات الإنسان القديم الفاسد والامتثال بالسيد المسيح خلال الإنسان الداخلي الجديد الموهوب لنا بروحه القدوس.

إذ يعمل روح الله فينا يتجلى “السيد المسيح” مشتهي الأمم، فنحمل عذوبة داخلية لا مرارة، نحيا في شركة الحياة السماوية العذبة عوض الحياة المرة، لذا قيل: “لِيُرْفَعْ مِنْ بَيْنِكُمْ كُلُّ مَرَارَةٍ]٣١[.

في شيء من التفصيل يحدثنا القديس يوحنا الذهبي الفم عن “المرارة” التي هي داخل الجسد متى أفرزت مادة المرارة أفسدت الجسم كله، هكذا النفس متى قدمت أعمالاً مرة، أُصيبت بمرارة داخلية ومررّت حياة الكثيرين… [ليس شيء فاقد القوة مثل المرارة، فإنها تجعل البشر أغبياء وفاقدي الحس[60].]

لننزع عنا أعمال الإنسان القديم فلا نحمل مرارة من جهة إنسان، وبالتالي لا توجد جذور للسخط أو الغضب أو الصياح أو التجديف بخبث من جهة إخوتنا، بل على العكس نحمل لطفًا وشفقةً وتسامحًا كما سامحنا الآب بدم ابنه الوحيد.

  • إذ يقودنا الطوباوي بولس بعيدًا عن الخطية يدخل بنا إلى الفضيلة. لأنه أية منفعة لانتزاع كل الأشواك إن لم تُبذر البذور الصالحة؟…

الذي لا يحمل “مرارة” ليس بالضرورة يكون “لطيفًا”، وغير “الغضوب” ليس بالضرورة يكون “شفوقًا”، فالحاجة ماسة للجهاد حتى نبلغ هذا السمو (اللطف والشفقة)… لقد انتزع البذور الرديئة، الآن يحثنا أن نضع البذور الصالحة.

َكُونُوا لُطَفَاءَ“، لأنه إذ نُزعت الأشواك بقي الحقل عاطلاً، وسينتج أعشابًا غير نافعة من جديد، الحاجة ملحة لإشغاله بما هو صالح…

لقد أنتزع “الغضب” ليضع “اللطف”، وأزال “المرارة” ليضع “الشفقة”، وخلع “الخبث” و”الدهاء” ليزرع “العفو” عوضًا عنهما[61].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • هنا نجد الحكم، إن كان المسيح غفر لك خطاياك التي هي أكثر من سبعين مرة سبع مرات، إن كان يسامحك هكذا… فهل تهمل أنت في الغفران (لأخيك)؟…

قد وجد المسيح آلاف من الخطايا فوق الخطايا، ومع ذلك غفرها جميعًا، إذن لا تنزع رحمته عنك، بل اطلب غفران هذه الخطايا الكثيرة[62].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • كَمَا سَامَحَكُمُ اللهُ أَيْضًا فِي الْمَسِيحِ]٣٢[.

هذا يحوي مقصدًا عاليًا، لم يقل سامحنا فحسب، دون مخاطرة أو تكلفة، وإنما خلال ذبيحة ابنه، فلكي يسامحك قدم ابنه ذبيحة، بينما حينما تسامح أنت غالبًا ما يتحقق ذلك دون مخاطرة من جانبك أو تكلفة، ومع ذلك فلا تهب السماح[63].

القديس يوحنا الذهبي الفم

[1] In Eph. hom 8.

[2] In 1Cor. hom 1: 1, PG 61: 13.

[3] Unity of Church 5.

[4] In Eph. hom 9.

[5] In Eph. hom 9.

[6] In Eph. hom 9.

[7] On the advantage of Patience, 15.

[8] Unity of Church 8.

[9] للمؤلف: مقدمات في علم الباترولوچى، طبعة ١٩٨٠، ص ١٣٦.

[10] In Eph. hom 10.

[11] Ser. on N.T. 21.

[12] Unity of Church 8.

[13] Adv. Haer 1: 10: 1.

[14] In Eph. hom 11.

[15] Ibid.

[16] Comm. on St. John 2: 2.

[17] Treat. on Christ and Antichrist 3.

[18] On Mortality 6.

[19] Adv. Haer 3: 3: 1.

[20] Source Chret. Vol 36, p 65.

[21] Ep. 73: 26.

[22] In Eph. hom 11.

[23] Against Jovinainus 2: 23.

[24] Comm..on Easter Hymn.

[25] In Eph. hom 11.

[26] Adv. Haer 3: 24.

[27] In 2Cor. PG 61: 417

[28] In Eph. hom 11.

[29] In Eph. hom 11.

[30] In Eph. hom 11.

[31] Cassian: Conf. 7: 6.

[32] Ibid. 21: 5.

[33] In Eph. hom 11.

[34] In Eph. hom 11.

[35] In Eph. hom 11.

[36] Ibid 12.

[37] Ibid 13.

[38] Ibid.

[39] Ibid.

[40] Ibid.

[41] Ibid.

[42] Ibid.

[43] Ibid.

[44] Ibid.

[45] Ep. 69: 7.

[46] Cassian: Conf. 6: 14.

[47] In Eph. hom 14.

[48] Ibid.

[49] Ep 13; 130: 13.

[50] Cassian: Conf. 16: 7

[51] المطران ابيفانيوس: الآمالي الذهبية في مقالات لأبينا الجليل في القديسين يوحنا الذهبي الفم، ١٩٧٢، ص ١٣٩، ١٤٠.

[52] Ser. on N.T. Lessons 8: 7.

[53] In Eph. hom 14.

[54] Ser. on N.T. 17: 4.

[55] Ep. 61: 2.

[56] In Eph. hom 14

[57] المطران يبيفانيوس، ص ٣٩.

[58] In Eph. hom 14.

[59] In Eph. hom 14.

[60] Ibid 15.

[61] In Eph. hom 16.

[62] Ser. on N.T. 33: 3.

[63] In Eph hom 17.

تفسير رسالة أفسس 4 الأصحاح الرابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة أفسس 3 الأصحاح الثالث – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة أفسس 3 الأصحاح الثالث – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة أفسس 3 الأصحاح الثالث – القمص تادرس يعقوب ملطيتفسير رسالة أفسس 3 الأصحاح الثالث – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة أفسس 3 الأصحاح الثالث – القمص تادرس يعقوب ملطي

 

الأصحاح الثالث الكنيسة الجامعة وسرّ المسيح

 

يعتبر الرسول بولس باكتشافه “سرّ المسيح”، لا بقدراته البشرية أو مواهبه إنما بإعلان الله له عن هذا السرّ المكتوم منذ الدهور، الحامل لغنى المسيح الذي لا يُستقصى. ما هو سرّ المسيح إلاَّ دعوة الأمم لشركة الميراث ونوال المواعيد في المسيح بالإنجيل؟! إنه تحقيق جامعية الكنيسة التي تمتد بين الأمم واليهود لتضم كل مؤمن ليكون له موضع “في المسيح” ويكون للمسيح موضع في قلبه.

  1. سرّ المسيح ودعوة الأمم ١ – ٨.
  2. دعوة إلهية أصيلة وسماوية ٩ – ١١.
  3. دعوة أكيدة ١٢.
  4. دعوة تحتاج إلي جهاد روحي ١٣.
  5. شفاعة الرسول عن الكل ١٤ – ٢١.

1. سرّ المسيح ودعوة الأمم

بِسَبَبِ هَذَا أَنَا بُولُسُ، أَسِيرُ الْمَسِيحِ يَسُوعَ لأَجْلِكُمْ أَيُّهَا الأُمَمُ،

إِنْ كُنْتُمْ قَدْ سَمِعْتُمْ بِتَدْبِيرِ نِعْمَةِ اللهِ الْمُعْطَاةِ لِي لأَجْلِكُمْ.

أَنَّهُ بِإِعْلاَنٍ عَرَّفَنِي بِالسِّرِّ.

كَمَا سَبَقْتُ فَكَتَبْتُ بِالإِيجَازِ]١– ٣[.

ويلاحظ في هذا النص وما يليه الآتي:

أولاً: يبدأ حديثه بقوله: “بِسَبَبِ هَذَا“… وكأن ما يتحدث عنه قديس بولس كأسير للسيد المسيح إنما بسبب “سرّ المسيح”، أي سرّ انفتاح باب الإيمان أمام الأمم كما أمام اليهود ليصير الكل بناءً واحدًا حيًا، وهيكلاً لله، إن كان القديس بولس قد صار رسولاً بل وأسيرًا إنما لأجهلم في الرب.

لقد كرر الرسول كلمة “أنا” أكثر من مرة (١: ١٥، ٣: ١، ٤: ١، ٥: ٣٢)، ليس لتقوقعه حول ذاته “ego“، وإنما لتأكيد اعتزازه بالرسالة التي أعلن الرب سرّها له، ومن أجلها صار “أسيرًا”. كانت إحساسا الرسول بولس تتركز في قبوله “الأسر” بفرح لأجل تمتع الأمم بالحرية، بل ومن أجل إخوته اليهود أيضًا (١ تس ٢: ١٤ – ١٦؛ ٢ كو ١١: ٢٤، ٢٥).

إنه يعتز برسوليته، بل وبأسره من أجل خلاص كل نفسٍ، حتى حسب لقب “أسير المسيح يسوع” شرفًا له، لقد شعر بالتزامه بالعمل الكرازي مهما بلغت تكلفته. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [سبق فذكر الرسول عناية المسيح العظيمة المتحننة، الآن يذكر عنايته هو، التي تعتبر تافهة وكلا شيء إن قورنت بعناية المسيح، لكنها كفيلة أن تقربهم إليه، لذا يقول: “أنا أيضًا ملتزم (أسير)” فإن كان سيدي صُلب لأجلكم بالأكثر أُربط أنا لأجلكم. لم يربط السيد نفسه فحسب، وإنما ألزم عبيده أيضًا بذلك لأجلكم أيها الأمم[1].]

لعله أراد بإعلان أسره في روما تأكيد مثابرته على تحقيق “سرّ المسيح” أي الكرازة باسمه وقوته بين الأمم ولأجلهم، وإن كان ثمن هذا كراهية اليهود بني جنسه له وتسليمه للأسر.

وربما كانت إحساسات الرسول بولس أثناء أسره في روما تتركز في تأمله في شدة قوة محبة المسيح التي “أسرته” (في ٣: ١٢)، لكي تنتزعه من المقاومة ضد الخدمة إلي العمل لحساب المسيح وبقوته، لذا كثيرًا ما يكرر العبارة: “حسب شدة قوته“. كان يشعر أنه أسير محبة المسيح وقوته الجذابة لتستخدمه كأداة تعمل لحساب ملكوته.

ثانيًا: يبدوا أن بعضًا ممن يكتب إليهم لم يره وإنما سمعوا عنه [٢[، فلا توجد بينهم وبين الرسول روابط علاقات شخصية، لكنه بثقةٍ يشعر أن ما وُهب إليه من نعم هو لأجلهم. إحساسات صادقة وقوية لدى الخادم أن ما لديه من عطايا ليس عن فضل خاص به ولا عن امتياز له عن غيره، لكنه هبة إلهية قُدمت له من الله لأجل المخدومين.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [هنا يلمح إلي النبوة التي أُعطيت لحنانيا في دمشق بخصوصه، حين قال له الرب: “اذهب لأن هذا لي إناء مختار ليحمل اسمي أمام أمم وملوك” (أع ٩: ١٥)؛ ويقصد بـ “ِتَدْبِيرِ نِعْمَةِ ” الإعلان الذي ظهر له، كأنه يقول: “لأني لم أقبله من عند إنسان” (غل ١: ١٢). لقد وهبني الإعلان إنما لأجلكم، إذ قال لي بنفسه: “اذهب، فإني سأرسلك إلي الأمم بعيدًا” (أع ٢٢: ٢١)[2].]

أما قوله: “كَمَا سَبَقْتُ فَكَتَبْتُ بِالإِيجَازِ]٣[، فإن الكلمة اليونانية Prographo المستخدمة هنا يمكن أن تحمل على الأقل ثلاثة معانٍ: أن ما كتبه نفس الرسالة أعلاه حيث حدثهم عن سرّ مشيئة الله الخاصة بجميع ما في السماوات وما على الأرض في المسيح يسوع (١: ٩، ٢٠) أو سرّ المسيح الخاص بمصالحة الأمم واليهود في جسد واحد خلال الصليب (2: ١١ – ٢٢). المعنى الثاني أنه يذّكر السامع بما سبق فكتبه في أحدى رسائله السابقة عن هذا الإعلان، وليس بالضرورة أن تكون رسالة موجهة إلي أهل أفسس، إذ كانت رسائله كثيرة التداول؛ والمعنى الثالث أنه سبق فكتب بصفة عامة وليس خلال رسالة معينة.

ثالثًا: يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن حديث الرسول بولس السابق عن “سرّ المسيح” الخاص بقبول الأمم في ذات الجسد جنبًا إلي جنب مع اليهود كان موجزًا للغاية لعدم قدرة السامعين على قبوله، إذ لم يكن ممكنًا لليهود أن يدركوا أو يقبلوا عظمة الغنى الذي أغدقه الله على الأمم ليصيروا شركاء في الميراث والجسد ونوال الموعد. هذا السرّ المعلن بقوة للرسول لم يُعلن لأنبياء العهد القديم بذات القوة بل جزئيًا، إذ يقول الرسول:

الَّذِي بِحَسَبِهِ حِينَمَا تَقْرَأُونَهُ تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْهَمُوا دِرَايَتِي بِسِرِّ الْمَسِيحِ.

الَّذِي فِي أَجْيَالٍ أُخَرَ لَمْ يُعَرَّفْ بِهِ بَنُو الْبَشَرِ،

كَمَا قَدْ أُعْلِنَ الآنَ لِرُسُلِهِ الْقِدِّيسِينَ وَأَنْبِيَائِهِ بِالرُّوحِ:

أَنَّ الأُمَمَ شُرَكَاءُ فِي الْمِيرَاثِ وَالْجَسَدِ وَنَوَالِ مَوْعِدِهِ فِي الْمَسِيحِ بِالإِنْجِيلِ]٤– ٦[.

كأنه يقول أن حقيقة قبول الأمم للإيمان كانت سرًا بالنسبة للأجيال السابقة، لم يُكشف هذا السرّ كما الآن، فقد أُعلن للرسل والأنبياء (أنبياء العهد الجديد) وذلك بالروح القدس.

  • الَّذِي فِي أَجْيَالٍ أُخَرَ لَمْ يُعَرَّفْ بِهِ بَنُو الْبَشَرِ، كَمَا قَدْ أُعْلِنَ الآنَ لِرُسُلِهِ الْقِدِّيسِينَ وَأَنْبِيَائِهِ بِالرُّوحِ]٥[. اخبرني، ما هذا؟ ألم يعرف الأنبياء هذا (السرّ)؟ إذن، كيف يقول المسيح ان موسى وإيليا كتبا هذا عني؟ وأيضًا: “لو كنتم تصدقون موسى وإيليا تصدقونني” (يو ٥: ٤٦)؟ وأيضًا: “فتشوا الكتب لأنكم تظنون أن لكم فيها حياة أبدية، وهي التي تشهد لي” (يو ٥: ٣٩)؟

إنه يعني إما أن هذه لم تُعلن لكل البشر، إذ أضاف: “الذي في أجيال أُخر لم يعرف به بنو بشر كما قد أُعلن الآن”، أو يعني أنها لم تُعرف بكل حقائقها وأحداثها: “كما قد أعلن الآن لرسله القديسين وأنبيائه بالروح”. تأمل: لو أن بطرس لم يُعلن له بالروح ذلك لما ذهب إلي الأمم. اسمع ماذا يقول: “هؤلاء الذين قبلوا الروح القدس كما نحن أيضًا” (أع ١٠: ٤٧)، بمعنى أنه بالروح اختار الله أن يقبلوا هذه النعمة. لقد نطق الأنبياء بذلك لكنهم لم يعرفوها معرفة كاملة، حتى الرسل لم يعرفوها بعد أن سمعوها، فقد فاقت كل الحسابات البشرية والتوقعات العامة.

  • أَنَّ الأُمَمَ شُرَكَاءُ فِي الْمِيرَاثِ وَالْجَسَدِ وَنَوَالِ مَوْعِدِهِ]٦[. ما هذا؟ “شركاء في الميراث والموعد والجسد”؟ هذه الأخيرة أمر عظيم، إذ يصيرون جسدًا واحدًا، ويقتربون إليه في علاقة قوية للغاية[3].

القديس يوحنا الذهبي الفم

رابعًا: يرى بعض الدارسين أن التعبيرات الواردة في الفقرة ٥ مثل “بني البشر، لرسله القديسين وأنبيائه” غريبة في أسلوب الرسول بولس، فهي غالبًا اقتباس نقله الرسول عن تسبحة كنسية في ذلك الحين[4].

خامسًا: يؤكد الرسول أكثر من مرة أن تحقيق “سرّ المسيح” ليس عن فضل بشري، كما لا تعوقه العقبات الإنسانية، إنما يتحقق “حَسَبَ فِعْلِ قُوَّتِهِ (قوة الله)” ] ٧؛ ١: ١٩[، أما من جهة نفسه فهو مجرد خادم أصغر من جميع القديسين أؤتمن على تحقيق خطة الله خلال غنى المسيح الذي لا يُستقصى، إذ يقول: “الَّذِي صِرْتُ أَنَا خَادِمًا لَهُ حَسَبَ مَوْهِبَةِ نِعْمَةِ اللهِ الْمُعْطَاةِ لِي حَسَبَ فِعْلِ قُوَّتِهِ. لِي أَنَا أَصْغَرَ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ أُعْطِيَتْ هَذِهِ النِّعْمَةُ، أَنْ أُبَشِّرَ بَيْنَ الأُمَمِ بِغِنَى الْمَسِيحِ الَّذِي لاَ يُسْتَقْصَى]٧ ٨[.

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول بولس إذ يتحدث عن عظمة قوة نعمة الله، يتصاغر جدًا في عيني نفسه، فيتطلع إلي نفسه كأصغر صغار جميع القديسين (Less than the least of all saints)، إذ يقول:

[إذ أوشك أن يتحدث عن عظمة نعمة الله، اسمع ماذا يقول: “لي أنا أصغر (من أصغر) جميع القديسين أُعطيت هذه النعمة“. كان تواضعًا حقًا، إذ كان ينتحب خطاياه السابقة مع أنها غُفرت له، فكان يذكرها، واضعًا نفسه مقياسًا حقيقيًا حيث دعا نفسه: “مجدفًا ومضطهدًا ومفتريًا” (١ تي ١: ١٣)… مرة أخرى يدعو نفسه: “السقط” (١ كو ١٥: ٨). أما أن يضع نفسه بعد قيامه بأعمال عظيمة صالحة فيدعو نفسه: “أصغر من أصغر القديسين” فهذا تواضع بالحقيقة عظيم وفائق.

لم يقل “أصغر الرسل” بل “من أصغر القديسين”، فإن التعبير الأول أخف.

يقول أيضًا “أنا لست أهلاً أن أدعى رسولاً (١ كو ١٥: ٩) …[5]]

لعل الرسول قد تواضع جدًا بصورة فائقة فحسب نفسه ليس فقط أصغر من الرسل وإنما الأصغر بين أصغر القديسين بوجه عام. وكان هذا التواضع لازمًا لأمرين، أولاً لأنه حيث يكون البناء شاهقًا جدًا يلزم أن تكون الأساسات عميقة للغاية. البناء الذي أمامه غاية في العلو، إذ وهبت له نعمة خاصة ليبشر “بَيْنَ الأُمَمِ“، أي يدخل وسطهم ويكون بينهم كما لو كان واحدًا منهم حتى يقدم لهم “غِنَى الْمَسِيحِ الَّذِي لاَ يُسْتَقْصَى“.

بمعنى آخر لم يقف “ضد الأمم”، ولا كرز كما من بعيد، لكنه انطلق إلي هؤلاء الذين هم عن بعدٍ شديدٍ ليدخل في وسطهم، يحفر فيهم أساسات عميقة، ليقدم البناء الحيّ اللائق بالمسيح السماوي! هذا من جانب، أما الجانب الآخر فلأنه يتحدث عن أمرٍ يصعب على كثير من اليهود قبوله، لذا يتدرع بالتواضع كسلاحٍ ضد كل هجومٍ يتعرض له. هنا يعلمنا الرسول أن نقابل المقاومين بروح التواضع الشديد فنربحهم ونربح نفوسنا معهم!

2. دعوة إلهية أصيلة وسماوية

رأينا الرسول بولس يتواضع للغاية ليعلن تمتعه بنعمة خاصة إلهية هي نعمة الكرازة بين الأمم للتمتع بغنى المسيح الذي لا يُستقصى، هذا العمل أي انفتاح الباب للأمم للدخول إلي غنى المسيح دعاه “سرّ المسيح”. هذا السرّ ليس بالأمر الذي هو من عند الرسول نفسه، ولا من وحي فكره الخاص، لكنه أداة يستخدمها الله لتحقيق مقاصده الأزلية المكتومة منذ الدهور. هذا السرّ السماوي الإلهي، كان مكتومًا، والآن انفتح ليضم الجميع وليُعلن للسمائيين أنفسهم الذين يرون في الكنيسة عجبًا. يرون الأمم الأرضيين قد صاروا سمائيين، ودخلوا معهم في شركة! إذ يقول الرسول:

وَأُنِيرَ الْجَمِيعَ فِي مَا هُوَ شَرِكَةُ السِّرِّ الْمَكْتُومِ مُنْذُ الدُّهُورِ فِي اللهِ

خَالِقِ الْجَمِيعِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ.

لِكَيْ يُعَرَّفَ الآنَ عِنْدَ الرُّؤَسَاءِ وَالسَّلاَطِينِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ بِوَاسِطَةِ الْكَنِيسَة

بِحِكْمَةِ اللهِ الْمُتَنَوِّعَةِ،

حَسَبَ قَصْدِ الدُّهُورِ الَّذِي صَنَعَهُ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا]٩– ١١[.

يلاحظ في هذا النص الرسولي:

أولاً: إن كانت نعمة الله قد أنارت عينيه ليرى “سرّ المسيح”، فبالضرورة ملتزم أن يقود، إن أمكن الجميع ليروا ما قد رآه، سرّ الله المكتوم منذ الدهور، سرّ حب الله خالق الجميع معلنًا بيسوع المسيح مخلص الكل، السرّ الأزلي في خطة الله وتدبيره.

ثانيًا: يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [حقًا، لم يُعلن (السرّ) لإنسان، فهل أنت تنير السرّ للملائكة ورؤساء الملائكة والرؤساء والسلاطين؟ يقول: “نعم” فإنه كان مكتومًا في الله، بل “فِي اللهِ خَالِقِ الْجَمِيعِ“. أتتجاسر وتنطق بهذا؟ يجيب: “نعم”. وكيف أُعلن هذا للملائكة؟ “ بِوَاسِطَةِ الْكَنِيسَةِ“… ألم تكن الملائكة تعرفه؟… ألم يعرفه حتى رؤساء الملائكة؟ حتى هؤلاء لم يعرفوه؟… لقد دعاه سرًا، لأن الملائكة لم يكونوا يعرفوه، ولا كان قد أُعلن لأحد… حقًا لقد عرف الملائكة أن الأمم مدعوون فعلاً، أما إن يكونوا مدعوين للتمتع بذات امتيازات إسرائيل وأن يجلسوا على عرش الله هذا من كان يتوقعه؟ من كان يصدقه؟![6].]

ثالثًا: لا شك أن السمائيين قد أدركوا حكمة الله منذ خلقتهم، لكنهم شاهدوا في كنيسة العهد الجديد عجبًا. لذا يقول: “بِحِكْمَةِ اللهِ الْمُتَنَوِّعَةِ“، وحسب ترجمة النص في كتابات الذهبي الفم “المتنوعة جدًا”. أقول رأوا أعماقًا جديدة في حكمة الله التي أقامت من الوثنيين ومقاومي الحق أبناءً لله، ورثه مع المسيح.

رابعًا: يرى القديس چيروم في النص الذي بين أيدينا إذ يميز الرسول بين الرؤساء والسلاطين وهما طغمتان سمائيتان تتمتعان بإدراك سرّ الله، أن الكنيسة أيضًا تضم أعضاء ينتمون إلي جسد واحد لكن لكل منهم قامته الروحية، أو كما قال الرسول: “إن نجمًا يمتاز عن نجم في المجد” (١ كو ١٥: ٤١).

يقول: [با لتأكيد من يزرع أكثر ومن يزرع أقل كلاهما على الجانب الأيمن، لكن مع انتمائهما إلي طبقة واحدة، أي طبقة الزارعين، غير أنهم يختلفان من جهة القياس والعدد…[7].]

3. دعوة أكيدة

إذ يتحدث الرسول عن هذا السرّ الإلهي الأزلي الذي أعلنه له، والذي كرس حياته لتحقيقه، أراد أن يؤكد ثقته في الله أن خطته هذه ستتحقق بالرغم من أسر بولس أو سجنه… حقًا لقد وُضع الرسول تحت قيود منظورة، لكنه يشعر بالحرية والانطلاق بثقة في تحقيق سرّ المسيح، إذ يقول: “الَّذِي بِهِ لَنَا جَرَاءَةٌ وَقُدُومٌ بِإِيمَانِهِ عَنْ ثِقَةٍ (الكلمة اليونانية Parresia تعني حرية)” ]١٢[.

  • لَنَا َقُدُومٌ” لا كأسرى، وإنما كأشخاص يطلبون المغفرة، وليس كخطاة، إذ يقول: “لَنَا جَرَاءَةٌ وَقُدُومٌ“، أي جرأة مرتبطة بثقة متهللة. من أين تأتي؟ من إيماننا به![8]

القديس يوحنا الذهبي الفم

4. دعوة تحتاج إلي جهاد روحي

هذه الدعوة لتحقيق “سرّ المسيح” لا فضل للرسول فيها، إنما هي حسب فعل قوة الله… لكن الرسول بولس لم يقف سلبيًا بل جاهد واحتمل حتى السجن، حاسبًا هذا لمجد الأمم؛ الآن يسأل الأمم أنفسهم أن يشاركوه هذا الجهاد قائلاً “لِذَلِكَ أَطْلُبُ أَنْ لاَ تَكِلُّوا فِي شَدَائِدِي لأَجْلِكُمُ الَّتِي هِيَ مَجْدُكُمْ]١٣[.

  • هكذا أحبهم الله حتى بذل ابنه لأجلهم، وسمح بالآلام لخدامه من أجلهم، فقد أُلقي بولس في السجن لكي ينالوا بركات وقوة. بالتأكيد كان هذا بسبب محبة الله الفائقة لهم. هذا ما قاله الله أيضًا عن الأنبياء، قتلتهم بأقوال فمي” (هو ٦: ٥)[9].

القديس يوحنا الذهبي الفم

5. شفاعة الرسول عن الكل

ما دام تحقيق “سرّ المسيح” هو عمل إلهي، فلا يكفي جهاد الرسول أو جهادهم، وإنما لا يكف الرسول وسط شدائده من الانحناء أمام الآب طالبًا قوته وإمكانياته، إذ يقول: “بِسَبَبِ هَذَا أَحْنِي رُكْبَتَيَّ لَدَى أَبِي رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي مِنْهُ تُسَمَّى كُلُّ عَشِيرَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَعَلَى الأَرْضِ]١٤-١٥[.

لعل الرسول بولس أراد أن يتمثل بمسيحه الذي دخل البستان ليشرب كأس الآلام لأجل مجدنا عندما انحنى على ركبتيه أمام الآب ليحمل الصليب ويحقق المصالحة. هكذا لاق بكل خادم أن يجثو أمام الآب مقدمًا الطاعة ليحمل شركة الصليب من أجل خلاص الغير.

  • ها هو يظهر روح صلاته عنهم، إذ لم يقل: “أصلي” فحسب، وإنما أظهر تضرعاته القلبية بانحناء الركب.

الَّذِي مِنْهُ تُسَمَّى كُلُّ عَشِيرَةٍ“. إنه يعني أنه لم يحسبها ضمن عداد الملائكة بل انه قد خلق عشائر في السماء من فوق، وعلى الأرض من تحت، وليس كما كان اليهود[10].

القديس يوحنا الذهبي الفم

بمعنى آخر أن الرسول بولس إذ ينحني بركبتيه كما بكل قلبه لدى الآب يطلب تحقيق مشيئته الإلهية، أن يضم السمائيين والأرضيين كعائلة مقدسة ترتبط معًا في المسيح يسوع ربنا.

ماذا يطلب الرسول في شفاعته عنهم؟ أو صلواته من أجلهم؟

أولاً: “لِكَيْ يُعْطِيَكُمْ بِحَسَبِ غِنَى مَجْدِهِ أَنْ تَتَأَيَّدُوا بِالْقُوَّةِ بِرُوحِهِ فِي الإِنْسَانِ الْبَاطِنِ]١٦[.

إن كنت بالحب الحقيقي العامل لا أكف عن أنحني بركبتي كما بإنساني الداخلي لأجلكم فإنني أطلب ليهبكم تأييدًا داخليًا في إنسانكم الداخلي، وقوة روحية، ليس من أجل صلواتي ومحبتي وإنما بالحق من أجل غنى مجده. كأنه يقول: إن صلواتي تأتي متناغمة مع مشيئة الله وغنى مجده المشتاق أن يعمل في إنسانكم الباطن أو الداخلي.

ما هو التأييد بالقوة بروحه في الإنسان الباطن إلاَّ التمتع بحلول المسيح بالإيمان في قلوبكم؟! ]١٧[. هنا يركز الرسول بولس أنظارهم نحو الإنسان الباطن ليتجلى السيد المسيح فيه، معلنًا ملكوته في داخلنا. لهذا حينما تحدث القديس يوحنا كاسيان عن الصوم كأحد التداريب الروحية، طالبنا ألاَّ نركز على التصرفات الخارجية كالامتناع عن الطعام وإنما على “الحياة الداخلية في المسيح يسوع”، إذ يقول: [عندما يصوم الإنسان الخارجي يلزم أن يمتنع الإنسان الداخلي عن الطعام الرديء بالنسبة له، إذ يحثنا الرسول الطوباوي أن يظهر الإنسان الداخلي – فوق الكل – نقيًا أمام الله، فيوجد مستحقًا لقبول المسيح ضيفًا في داخله[11].]

سرّ القوة هو “حلول المسيح” بالإيمان في قلوبنا.

  • يحل المسيح بالإيمان فيك؛

إذ يحضر الإيمان يكون المسيح حاضرًا،

استرخاء الإيمان هو نوم للمسيح. قم وحث نفسك، قائلاً: “يا رب إننا نهلك”.

لا تدع إبليس يفسد إيمانك، لا تدعه يبتلع السمكة![12]

القديس أغسطينوس

لقد سبق فأعلن السيد المسيح هذه العطية للقلوب المحبة الأمينة، إذ قال: “إن أحبني أحد يحفظ كلامي ويحبه أبي، وإليه نأتي، وعنده نصنع منزلاً” (يو ١٤ ٢٣).

ثانيًا: “وَأَنْتُمْ مُتَأَصِّلُونَ وَمُتَأَسِّسُونَ فِي الْمَحَبَّةِ،

حَتَّى تَسْتَطِيعُوا أَنْ تُدْرِكُوا مَعَ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ

مَا هُوَ الْعَرْضُ وَالطُّولُ وَالْعُمْقُ وَالْعُلْوُ،

وَتَعْرِفُوا مَحَبَّةَ الْمَسِيحِ الْفَائِقَةَ الْمَعْرِفَةِ،

لِكَيْ تَمْتَلِئُوا إلي كُلِّ مِلْءِ اللهِ]١٨، ١٩[.

كما ربط السيد المسيح حلوله في القلب بنقاوة القلب العميقة خلال المحبة الصادقة الحافظة لكلامه (يو ١٤: ٢٣)، الآن يعلن الرسول أن حلول المسيح في القلب يجعل النفس متأصلة متأسسة في المحبة الإلهية، فتنعم بعطية “الإدراك الروحي”، و”المعرفة الفائقة”.

إتحادنا بالسيد المسيح المرتكز على الحب، يكشف الأسرار الإلهية، فندرك ما هو العرض والطول والعمق والعلو، ونتعرف على محبة المسيح الفائقة المعرفة، فندخل إلي الملء. إنها سلسلة غير منقطعة بين “الإتحاد مع الله”  و”المحبة الفائقة” و”المعرفة الإلهية” و”الملء”.

هذه عطايا العريس السماوي لعروسه المتحدة به، المتمتعة بمحبته الفائقة، فتنال حق التعرف على أسراره والانطلاق في نموٍ غير منقطعٍ من ملءٍ إلي ملءٍ!

  • يحل (المسيح) في تلك القلوب المخلصة (الأمينة)، في المتأصلين في محبته، الذين يبقون ثابتين غير متزعزعين. لكي تنالوا القوة (الكاملة)، فالأمر يتطلب قوة عظيمة: ” لِكَيْ تَمْتَلِئُوا إلي كُلِّ مِلْءِ اللهِ“. ماذا يعني الرسول بهذا التعبير؟ مع أن محبة المسيح ترتفع فوق كل معرفة بشرية، لكنكم ستعرفونها إن كان لكم المسيح ساكنًا فيكم، نعم ليس فقط تعرفون ذلك منه، بل أيضًا وتمتلئون إلي كل ملء الله[13].

القديس أغسطينوس

  • العرض هو الأعمال الصالحة، والطول هو المثابرة والمداومة على الأعمال الصالحة، والعلو هو رجاؤكم في البركات العتيدة. فمن أجل هذه العلو تؤمرون: “ارفعوا قلوبكم”، اصنعوا خيرًا، ثابروا عليه من أجل جعالة الله. احسبوا الأمور الأرضية كلا شيء[14].

القديس أغسطينوس

يرى القديس أغسطينوس[15] في حديث الرسول هنا عن الطول والعرض والعلو والعمق إشارة إلي الصليب بكونه الينبوع الذي يفجر فيها معرفة محبة الله الفائقة. العلو ذاك الذي يضع السيد المسيح رأسه عليه، وهو رمزًا لتوقع المكافأة من عدل الله الفائق، كما جاء في (رو ٢: ٦، ٧) “الذي سيجازي كل واحد حسب أعماله، أما الذين بصبر في العمل الصالح يطلبون المجد والكرامة والبقاء فالحياة الأبدية”. والطول هو الصليب وقد وُضع عليه جسد السيد المسيح رمزًا للصبر والمثابرة المستمرة حسب مشيئة الله، أو “طول الأناة”. والعمق، هو الجزء المثبت في الأرض، يمثل طبيعة السرّ الخفية، سرّ الصليب، أو سرّ حب الله.

يمكننا أن نقول انه خلال السيد المسيح المصلوب فينا يكون لنا العلو حيث تتفتح عيوننا بصيرتنا بالرجاء في الأبدية، ويكون لنا العمق حيث نكون متأسسين بنعمة الله في محبته الخفية، ويكون لنا الطول والعرض أي المحبة العملية لله والناس على المستوى الرأسي والأفقي؛ بمعنى آخر في المسيح يسوع يثبت رجاؤنا وإيماننا ومحبتنا لله والناس.

أخيرًا إذ يرى الرسول أن هذه العطايا الإلهية فائقة أكدّها، معلنا أن الله يتمجد فينا خلال أعماله الفائقة في كنيسته، إذ يقول:

وَالْقَادِرُ أَنْ يَفْعَلَ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ أَكْثَرَ جِدًّا مِمَّا نَطْلُبُ أَوْ نَفْتَكِرُ،

بِحَسَبِ الْقُوَّةِ الَّتِي تَعْمَلُ فِينَا،

لَهُ الْمَجْدُ فِي الْكَنِيسَةِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ إلي جَمِيعِ أَجْيَالِ دَهْرِ الدُّهُورِ. آمِينَ[20.]

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [فعل الله “فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ أَكْثَرَ جِدًّا مِمَّا نَطْلُبُ أَوْ نَفْتَكِرُ”… إنني بالحق أصلي، لكنه هو يهب أكثر مما نطلب… فإننا لم نطلب هذه الأمور ولا توقعناها[16].]

يشعر الرسول أنه إن كان بدافع الحب يطلب بإلحاح، فإن الله في عطاياه للبشرية يفيض أكثر مما كان الرسول يطلب أو يتوقع، لذا ختم حديثه بتقديم الحمد والشكر لله الذي يتمجد في كنيسته.

ما أجمل كلماته ” لَهُ الْمَجْدُ فِي الْكَنِيسَةِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ“، فإن الأب يتمجد في الكنيسة عروس المسيح، يتجلى بقوة في حياة أعضائها.

[1] In Eph. hom 6.

[2] Ibid.

[3] Ibid.

[4] Anchor Bible, p 331.

[5] In Eph. hom 7.

[6] Ibid.

[7] Against Joviniasus 2: 23.

[8] In Eph. hom 7.

[9] Ibid.

[10] Ibid.

[11] Institutes of Cassian 5: 21.

[12] Sermon on N.T. Lessons 31: 8; 53: 6

[13] In Eph. hom 7.

[14] Ser. on N.T. 3: 15.

[15] Ibid 54: 24.

[16] In Eph. hom 7.

 

تفسير رسالة أفسس 3 الأصحاح الثالث – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة أفسس 2 الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة أفسس 2 الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة أفسس 2 الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة أفسس 2 الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

 

الأصحاح الثاني: الكنيسة وسرّ المصالحة

إن كانت الكنيسة في جوهرها هي تمتع بالثبوت “في المسيح” لننعم بحياته عاملة فينا، وننال معرفة أسراره الإلهية على مستوى الخبرة الحيّة العملية، فإن هذه الحياة لها صعيدان: صعيد رأسي وآخر أفقي. على الصعيد الرأسي ننعم بالحياة المقامة في المسيح فنجلس معه في السماويات نمارس وحدتنا مع الله، وعلى الصعيد الأفقي نقترب جميعنا نحو الرأس الواحد، فينشق الحجاب الحاجز بين اليهود والأمم، وبين الشعوب، ليشعر الكل بالعضوية لبعضنا البعض. هذان الصعيدان يتحققان معًا خلال ثبوتنا “في المسيح”. كلما اتحدنا مع الآب في ابنه نتحد أيضًا مع بعضنا البعض فيه.

  1. القيامة وسرّ المصالحة مع الله ١ – ١٠
  2. سرّ مصالحة البشرية معًا ١١ – ٢٢

1. القيامة وسرّ المصالحة مع الله

يرى القديس أغسطينوس أن الصليب يتكون من عارضيتن، عارضة رأسية وأخرى أفقية، الأولى تمثل مصالحة الإنسان مع الله وخليقته السمائية، والثانية تمثل مصالحته مع أخيه الإنسان. هذا الصليب بعمله المتكامل يتحقق في الكنيسة كما أعلن الرسول بولس في هذا الأصحاح حيث أوضح قيامة الإنسان المؤمن من موته، وانطلاقه إلي السماويات ليجلس في حضن الآب، واتساع قلبه بالحب لينضم الكل إليه كأعضاء معه في الجسد الواحد.

الآن بالنسبة للجانب الأول يقول الرسول:

وَأَنْتُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَمْوَاتًا بِالذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا،

الَّتِي سَلَكْتُمْ فِيهَا قَبْلاً حَسَبَ دَهْرِ هَذَا الْعَالَمِ،

حَسَبَ رَئِيسِ سُلْطَانِ الْهَوَاءِ،

الرُّوحِ الَّذِي يَعْمَلُ الآنَ فِي أَبْنَاءِ الْمَعْصِيَةِ،

الَّذِينَ نَحْنُ أَيْضًا جَمِيعًا تَصَرَّفْنَا قَبْلاً بَيْنَهُمْ فِي شَهَوَاتِ جَسَدِنَا،

عَامِلِينَ مَشِيئَاتِ الْجَسَدِ وَالأَفْكَارِ،

وَكُنَّا بِالطَّبِيعَةِ أَبْنَاءَ الْغَضَبِ كَالْبَاقِينَ أَيْضًا،

اَللهُ الَّذِي هُوَ غَنِيٌّ فِي الرَّحْمَةِ،

مِنْ أَجْلِ مَحَبَّتِهِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي أَحَبَّنَا بِهَا،

وَنَحْنُ أَمْوَاتٌ بِالْخَطَايَا أَحْيَانَا مَعَ الْمَسِيحِ –

بِالنِّعْمَةِ أَنْتُمْ مُخَلَّصُونَ]١– ٥[.

لكي يكشف عن قوة النعمة، وعمل المصالحة التي تمت بين الله والإنسان، أبرز أولاً حالة الموت التي بلغناها، والعبودية التي سقطنا فيها تحت سلطان عدو الخير، والفساد الذي دبّ في جسدنا لنتمم الشهوات. عندئذ أظهر غنى رحمة الله المجانية النابعة عن محبته، فقدم لنا الحياة بموت الصليب، ووهبنا الخلاص بنعمته.

يلاحظ في هذا النص الآتي:

أولاً: أن ما ورد في هذا الأصحاح ككل يقابل ما جاء في الإنجيل بحسب لوقا البشير عن الابن الضال (لو ١٥: ١١ – ٣٢)، كما يقول D. M. Stanley:

 

 

أف ٢

لوقا ١٥

الله الذي هو غني في الرحمة، من أجل محبته الكثيرة التي أحبنا بها… [4]

وإذ كان لم يزل بعيدًا رآه أبوه، فتحنن وركض ووقع على عنقه وقبّله. [20]

وأنتم إذ كنتم أمواتًا بالذنوب…[1]

لأن ابني هذا كان ميتًا فعاش. [24]

أنتم الذين كنتم قبلاً بعيدين…[13]

وسافر إلي كورة بعيدة. [14]

الذين إذ هم فقدوا الحس… [19]

اخرجوا الحلة الأولى وألبسوه [22]

لكي لا نكون فيما بعد أطفالاً مضطربين ومحمولين بكل ريح تعليم بحيلة الناس… [14-16]

فغضب ولم يرد أن يدخل، فخرج أبوه يطلب إليه … [28-32]

ثانيًا: هذا الأصحاح مشحون بالمقابلات الصارمة بين ضعف الإنسان الشديد وفاعلية عمل الله وقدرته العجيبة.

  • الأول يبلغ إلي الموت ]١[، والثاني يقيمه من جديد ]٥[.
  • الأول ينحط إلي شهوات الجسد ]٣[، والثاني يرفعه إلي السماوات ]٦[.
  • الأول يهرب إلي التغرب عن الله وعن أخيه الإنسان ]١2[، والثاني يرده ليصير أهل بيت الله ]١٩[، واحدًا مع أخيه ]١٤[.

ثالثًا: بدأ حديثه بفاعلية الخطية القاتلة لإنسانيتنا، والطامسة للصورة والتشبه بالله، وكما يقول الأب دورثيؤس من غزة: [بالخطية نطمس ما يخص شبهه فينا، لذا صرنا تحت الموت كقول الرسول: ” كُنْتُمْ أَمْوَاتًا بِالذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا” (أف ٢: ١). إذ خلقنا الله على شبهه، وهو متحنن على خليقته وشبهه صار إنسانًا لأجلنا، وقبل الموت عوضًا عنا، ليقودنا نحن الأموات، ويردنا إلي الحياة التي فقدناها[1].] هذا التفسير قدمه الأب عند عرضه لسرّ المسيح، في تفسيره لتسبحة القيامة التي وضعها القديس غريغوريوس النزينزي.

رابعًا: بالخطية انحدرنا إلي فقدان الحياة، بتركنا الله مصدر حياتنا وقبولنا العبودية لعدو الخير إبليس، بالطاعة له وعصياننا لله، وقد دعا الرسول إبليس هذا: “رَئِيسِ سُلْطَانِ الْهَوَاءِ“، كما دعانا ” أَبْنَاءِ الْمَعْصِيَةِ“.

كان ينظر إلي “الْهَوَاءِ” كمسكن للشياطين، لهذا أراد تأكيد كمال نصرة المسيح عليه قال: “سنخطف جميعًا معهم في السحب لملاقاة الرب في الهواء” (١ تس ٤: ١٧). فإن الشياطين تقطن الهواء، فسيغلبه الرب في عرينه، ويحملنا في ذات الموضع كأبناء الميراث عوض أن كنا أبناء المعصية.

هنا نلاحظ أن اليهود – ككثير من الأمم – كانوا يعتقدون أن لإبليس وجنوده مملكة تقوم في ثلاث مناطق: في المياه، وفي البرية، وفي الهواء. ولعل اختيار هذه الثلاث مناطق يقوم على استحالة استقرار الإنسان وتمتعه بالسلام فيها. ففي البحر يشعر الإنسان بالخطر من الغرق، وفي البرية يواجه القفر والجفاف مع الحيوانات المفترسة، وفي الهواء إنما يعني خروج النفس من الجسد خلال الموت لتنطلق في الهواء.

إن كانت هذه المناطق في نظر اليهود هي مراكز العدو “إبليس”، فقد أعلن السيد المسيح غلبته عليه في ذات الناطق، ففي المياه اعتمد محطمًا عدو الخير تحت قدميه، واهبًا مؤمنيه قوة الغلبة عليه خلال المعمودية. لذا كان “جحد الشيطان” خطًا واضحًا في طقس العماد، وكما يقول العلامة ترتليان: [في الكنيسة، تحت يد الأسقف نشهد أننا نجحد الشيطان وكل موكبه وكل ملائكته[2].] أما بالنسبة للبرية فقد جُرب السيد المسيح فيها وغلب المجرب وجاءت ملائكة تخدمه (مر١: ١٣). وفي الهواء فقد ارتفع السيد المسيح على الصليب كما في الهواء ليعلن بصليبه تحطيم سلطان إبليس وانهيار مملكته.

خامسًا: يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول بولس إذ أعلن بشاعة ما بلغ إليه الإنسان بالذنوب والخطايا، ألا وهو موت النفس الذي هو أمرّ من موت الجسد، بل ويمثل جريمة يسقط فيها الإنسان بإرادته، أراد أن يشجع السامعين بإعلان دور عدو الخير “رئيس سلطان الهواء” في حياة البشرية كمثير ومحرض.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ها أنتم تلاحظون لطف بولس، كيف يشجع المستمع في كل المناسبات ولا يثقل عليه. فمع أنه قال لهم: قد بلغتم أقصى درجات الشر (هذا هو معنى أنهم صاروا أمواتًا) فلكي لا يفرطوا في الحزن الشديد (إذ يخجل الناس عندما تُفضح أعمالهم الشريرة السابقة، حتى وإن كانت قد انتهت ولا تمثل خطرًا)، أوضح لهم شريكًا معهم في الجريمة، لكي لا يظنوا أن كل ما فعلوه هو من عندياتهم، وإنما يوجد شريك قوي معهم؛ من هو؟ إنه إبليس[3].]

هكذا أراد الرسول بولس أن يحمل عدو الخير المسئولية معنا، كعدوٍ عنيف يحث البشرية على الشر ويثيرها، لكنه لم يدخل إلي حياتنا قهرًا وإنما بسبب عصياننا لله، إذ يقول: “الرُّوحِ الَّذِي يَعْمَلُ الآنَ فِي أَبْنَاءِ الْمَعْصِيَةِ]٢[. فإن كان العدو شريكًا معنا لكننا مسئولون عن تصرفاتنا وعن عمل العدو فينا.

إبليس يجد موضعًا له في “أبناء المعصية“، أما “أبناء الطاعة” فلا يقتحمهم هذا الروح إنما يتجلى فيهم روح الله القدوس.

سادسًا: أوضح الرسول أن ما بلغ إليه الإنسان يستوي فيه اليهودي مع الأممي، إذ سقط الاثنان تحت سلطان الخطية، فعندما قال: “الَّتِي سَلَكْتُمْ“، عاد فقال: “الَّذِينَ نَحْنُ أَيْضًا جَمِيعًا تَصَرَّفْنَا قَبْلاً بَيْنَهُمْ فِي شَهَوَاتِ جَسَدِنَا، عَامِلِينَ مَشِيئَاتِ الْجَسَدِ وَالأَفْكَارِ، وَكُنَّا بِالطَّبِيعَةِ أَبْنَاءَ الْغَضَبِ كَالْبَاقِينَ أَيْضًا]٣[. كأن بقوله ليس فقط أنتم وحدكم أيها الأمم قد سلكتم في الخطايا، وإنما نحن أيضًا سقطنا معكم تحت الخطية وحُسبنا معكم أبناء معصية، فلا نستطيع كيهود أن نفتخر بأننا أسمى منكم (رو ٣: ٩ – ١٠).

لقد كان الكل بالطبيعة “أبناء الغضب” أو كما يقول القديس بفنوتيوس إنهم كانوا في بيت أبيهم القديم أي “إبليس” الذي سحبهم إلي أسفل، لذا وجب على الكل أن يخرجوا منه، مرتفعة أنظارهم إلي بيت أبيهم الجديد، أي أورشليم العليا، إذ يقول: [نخرج من بيت أبينا القديم… إذ كنا بالطبيعة أبناء غضب كالباقين أيضًا، مثبتين أنظارنا تجاه العلويات[4].]

كنا “بالطبيعة أبناء الغضب”، لذا وجب علينا أن نخرج من هذه الطبيعة، طبيعة الإنسان العتيق، ونلبس الإنسان الجديد (في مياه المعمودية). بهذا نكون قد انطلقنا من بيت أبينا القديم الذي خضعنا له في مذلة العبودية إلي بيت أبينا الجديد القدوس.

سابعًا: علة موتنا وعصياننا لله ليس “الجسد” بل “مشيئات الجسد وشهواته وأفكاره“. فالجسد خليقة مقدسة من عمل الله الصالح القدوس، لكنه إذ انحرف عن غايته وترك خضوعه صارت له “مشيئات متضاربة” وأفكار مقاومة لعمل روح الله. الجسد ليس شرًا، فقد صار الكلمة جسدًا (يو ١: ١٤)، لكنه فسد حين صار آلة إثم تعمل لحساب الشهوات؛ إن تقدست تتحول إلي آلة برّ تعمل لحساب ملكوت الله.

  • إذن كيف يمكننا أن نقدم أجسادنا ذبيحة حية لله (رو ١٢: ١)؟ إن كنا لا نعود نتبع مشيئات الجسد وأفكارنا الذاتية (أف ٣: ٢)، بل نسلك بالروح ولا نتمم شهوات الجسد (غلا ٥: ١٦)[5].

الأب دورثيؤس من غزة

هكذا يكشف الرسول بولس عن سرّ الموت الروحي… السلوك حسب شهوات الجسد والعمل حسب مشيئاته وأفكاره ]٣[، لكن هذا لا يعفي النفس المسئولية، فإن الإنسان الجسداني، إذ يخضع لشهوات الجسد ومشيئاته وأفكاره تشاركه النفس ويشاركه العقل حتى يصيرا كما لو كانا جسدين. بمعنى آخر، الإنسان يمثل وحدة واحدة، إما أن يكون جسديًا، فيعمل بكليته حسب شهوات الجسد، أو روحانيًا فيعمل بكليته كما لو كان روحًا. في الأول تخضع النفس للجسد كما بغير إرادتها، أما الثاني فيخضع جسده لنفسه كما بغير إرادة الجسد. ولعل هذا ما قصده الأب سرابيون حين قال: [الخطايا الجسدية هي التي تعمل على إشباع شهوات الجسد وملذاته. هذه تهيج العقل أحيانًا ليقبل رغباتها بغير إرادته[6].]

ثامنًا: بعد أن تحدث عما بلغة الكل من يهود وأمم بسبب العصيان أكدّ محبة الله الفائقة نحو الإنسان وترفقه به حتى بعد السقوط، إذ يقول: “اَللهُ الَّذِي هُوَ غَنِيٌّ فِي الرَّحْمَةِ، مِنْ أَجْلِ مَحَبَّتِهِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي أَحَبَّنَا بِهَا” ]٤[، وقد أكد “غنى” رحمة الله، مكررًا هذا التعبير خمس مرات في هذه الرسالة.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [الله ليس رحيمًا فحسب وإنما هو غني في الرحمة، وكما قيل في موضع آخر: “ككثرة رحمتك التفت إليّ” (مز ٦٩: ١٦)، وأيضًا: “ارحمني يا الله كعظيم رحمتك، ومثل كثرة رأفتك امح أثمي” (مز ٥١: ١)[7].]

تاسعًا: أوضح هذه الرحمة عمليًا، بقوله: “أَحْيَانَا مَعَ الْمَسِيحِ… أَقَامَنَا مَعَهُ، وَأَجْلَسَنَا مَعَهُ]٥-٦[. لقد تحنن علينا لا بكلمات لطيفة أو مشاعر رقيقة وإنما بنزوله إلينا لنشاركه، فنحيا مع المسيح ]٥[ ونقوم معه ]٦[ ونجلس مع في السماويات ]٦[… يؤكد الرسول الشركة مع المسيح بكل قوة!

  • وَنَحْنُ أَمْوَاتٌ بِالْخَطَايَا، أَحْيَانَا مَعَ الْمَسِيحِ]٥[.

هنا أيضًا يُذكر المسيح، وهو موضوع جدير بإيماننا، لأنه إن كان البكر حيًا، فنحن أيضًا نكون هكذا. لقد أحياه (الآب) وأحيانا نحن. انظر، أليس هذا قد قيل عن المسيح المتجسد؟ أما ترى “عَظَمَةُ قُدْرَتِهِ الْفَائِقَةُ نَحْوَنَا نَحْنُ الْمُؤْمِنِينَ” (١: ١٩)؟ الذين كانوا أمواتًا وأبناء الغضب أحياهم، انظر إلي “رَجَاءُ دَعْوَتِهِ]١٨[!

وَأَقَامَنَا مَعَهُ، وَأَجْلَسَنَا مَعَهُ]٦[.

أما ترى مجد ميراثه، واضح أنه “َأَقَامَنَا مَعَهُ“…

حقًا إنه إلي الآن لم يقم أحد فعلاً إلاَّ الرأس الذي قام فقمنا نحن معه، وذلك كما سجد يعقوب ليوسف فقيل أن زوجته أيضًا سجدت معه (تك ٣٧: ٩، ١٠). بنفس الطريقة يُقال: “أجلسنا معه نحن أيضًا“، فإذ يجلس الرأس يجلس الجسد أيضًا معه، لهذا أضيف: “في المسيح يسوع[8].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • خلال الجسد (الذي أخذه)، الذي هو عربون خلاصنا، أجلسنا في السماويات.
  • إنه أساس الكل، ورأس الكنيسة (أف ٥: ٢٣)، فيه استحقت طبيعتنا العامة حسب الجسد أن تجلس في العرش السماوي، لقد كُرم الجسد إذ وجد له نصيبًا في المسيح الذي هو الله، بل وكُرمت كل طبيعة الجنس البشري إذ وجدت لها نصيبًا في الجسد.

نحن نجلس فيه بأخذه طبيعتنا الجسدية[9].

القديس أمبروسيوس

إذن قيامة المسيح وجلوسه في السماويات كباكورة لنا حُسبا قيامة لنا وجلوسًا لنا معه في السماويات. هذا من جانب ومن جانب آخر، فإننا ننعم بذلك حقًا خلال قيامة النفس من موت الخطية وتمتعها بعربون الحياة السماوية.

قيامة النفس التي نلناها في المسيح يسوع المقام أعظم من قيامة الجسد، لأن قيامة الجسد تتحقق بدون إرادتنا. حينما قال السيد للميت: “لعازر، هلم خارجًا” (يو ١١: ٤٣)، أطاع للحال وقام الميت. وتكرر الأمر في أكثر من مرة حين أقام السيد المسيح ابنة يايرس وابن أرملة نايين. بل وبطرس الرسول إذ صلى إلي الله استطاع أن يقيم طابيثا (أع ٩: ٤) باسم المسيح.

وفي اليوم الأخير سيقيم الأموات في لحظة في طرفة عين (١كو ١٥: ٥٢). أما قيامة النفس فتتم خلال إيماننا بالمسيح المقام وتمسكنا به حتى النهاية، الأمر الذي لا يتم بطريقة آلية وإنما خلال إرادتنا الحرّة. استمع إلي عتاب السيد المسيح المؤلم: “كم مرة أردت أن أجمع أولادك ولم تريدوا” (مت ٢٣: ٣٧). الأمر الذي يستلزم خضوع إرادتنا البشرية لإرادة الله الصالحة نحونا. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [التأثير على الإرادة أصعب من التأثير على الطبيعة[10].]

عاشرًا: يقول القديس يوحنا الذهبي الفم بأنه لئلا يظن أحد أن قيامة المسيح وجلوسه في السماوات أمران يخصانه دوننا، أكد الرسول فاعليتهما في البشرية عبر العصور حتى نهاية الأزمنة، إذ يقول:

لِيُظْهِرَ فِي الدُّهُورِ الآتِيَةِ غِنَى نِعْمَتِهِ الْفَائِقَ بِاللُّطْفِ عَلَيْنَا فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ.

لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ، وَذَلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ.

هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ. لَيْسَ مِنْ أَعْمَالٍ كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ]٧– ٩[.

يقول “لِيُظْهِرَ“، هنا الكلمة اليونانية لا تعني مجرد “الكشف عن” أو “إظهار”، وإنما تعني “البرهان”… فقيامة المسيح وجلوسه في السماوات هما برهان أكيد لغنى نعمة الله الفائق الذي تفجر لحساب الكنيسة خلال الدهور، فينعم المؤمنون بلطف الآب بثبوتهم في المسيح يسوع. صار المسيح الرأس الذي يقدم تأكيدات وبراهين على ما ينعم به المؤمنون خلال إتحادهم به.

من هنا نجد أن خلاصنا يتحقق خلال إيماننا به كنعمة مجانية، أو كعطية إلهية، وليس عن استحقاق لبرٍّ ذاتي.

  • يقول: “لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ” لكي لا تدفعك عظمة البركات الموهوبة نحو التشامخ، لاحظ كيف نزل بك… حتى الإيمان ليس من عندياتنا، لأنه لو لم يأتِ (المسيح) ولو لم يدعنا كيف كان يمكننا أن نؤمن؟!… عمل الإيمان نفسه ليس من ذواتنا. إنه عطية الله، ليس من أعمال. ربما تقول هل يكفي الإيمان لخلاصنا؟ كلا…
  • اعترف أنك بالنعمة تخلص، حتى تشعر أن الله هو الدائن… فإن أسندنا لله (أعمالنا الصالحة) تكون مكافأتنا عن تواضعنا أعظم من المكافأة عن الأعمال نفسها…
  • لو كانت النعمة لا تنتظر ما يتحقق من جانبنا لانسكبت بفيض في كل النفوس، لكنها إذ تطلب ما هو من جانبنا تسكن في البعض بينما تترك البعض الآخر، ولا تظهر في البعض، لأن الله يشترط أولاً الاختيار السابق[11].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • ما أن تتكبر حتى تفقد في الحال ما نلته[12].

القديس أغسطينوس

إذن تتحقق مصالحتنا مع الآب خلال النعمة الإلهية الغنية التي فاضت بصليب ربنا يسوع، فغيّرت مركزنا من حالة العداوة إلي البنوة، ورفعتنا من الموت الروحي إلي الحياة المقامة، ومن الانحطاط إلي الجلوس في السماويات. هذا العمل في حقيقته هو أشبه بتجديد للخلقة، تكلفته أكثر من الخلقة الأولى، إذ الأولى احتاجت أن الله يقول فيكون، أما الخلقة الجديدة فثمنها تسليم الابن ذاته لتجديدنا خلال دم صليبه. لهذا يكمل الرسول بولس كلماته معلنًا عمل الله الفائق فينا بقوله:

لأَنَّنَا نَحْنُ عَمَلُهُ،

مَخْلُوقِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ لأَعْمَالٍ صَالِحَةٍ،

قَدْ سَبَقَ اللهُ فَأَعَدَّهَا لِكَيْ نَسْلُكَ فِيهَا]١٠[.

  • لاحظ الكلمات التي استخدمها. إنه يلمح هنا إلي الميلاد الجديد، الذي هو بالحقيقة خلقة ثانية. إننا وُجدنا من العدم إلي الوجود. فما كنا عليه قبلاً، أي الإنسان العتيق، إنما كنا أمواتًا. ما صرنا عليه الآن لم يكن لنا من قبل. إذن، بالحق هو عمل خلقة، نعم خلقة أنبل من الأولى. ففي الأولى صار لنا الوجود، أما بالأخيرة هذه فنلنا ما هو أعظم وأفضل، ألا وهو صلاحنا.

” لأَعْمَالٍ صَالِحَةٍ، قَدْ سَبَقَ اللهُ فَأَعَدَّهَا لِكَيْ نَسْلُكَ فِيهَا” ]١٠[. ليس فقط لكي نبدأ وإنما لكي نسلك فيها، فإننا نحتاج إلي صلاح يبقى معنا في الطريق ويرافقنا حتى يوم الممات.

إن كان علينا أن نسافر في طريق يؤدي إلي مدينة ملوكية، وعبرنا الجانب الأكبر منه ثم جلسنا وتراخينا بالقرب من المدينة جدًا، فلا ننتفع شيئًا. فرجاء دعوتنا “لأَعْمَالٍ صَالِحَةٍ” كما يقول إلا فلا ننتفع شيئًا.

إنه لا يفرح لأننا تممنا عملاً واحدًا بل كل الأعمال. فإن كان لنا خمس حواس يلزمنا أن نستخدم جميعها في الوقت المناسب، وهكذا يلزم أن تكون لنا فضائل كثيرة[13].

القديس يوحنا الذهبي الفم

2. سرّ مصالحة البشرية معًا

يكمل أن الصليب بعارضتيه الرأسية والأفقية، بلا انفصال، فبمصالحة الإنسان مع السماء تاركًا خطاياه خلال نعمة الله المجانية والحياة المقامة ينفتح قلبه بالحب نحو أخيه أيًا كان أصله! لهذا بعدما تحدث الرسول عن مصالحتنا مع الله، عالج موضوع مصالحة البشرية معًا؛ فإذ نُزع الحجاب الذي كان يفصل الإنسان عن المقادس السماوية يلزم بالضرورة، وفي نفس الوقت، أن يُنقض حائط السياج المتوسط الذي أُقيم بين اليهود والأمم.

بدأ الرسول حديثه بعرض تغّرب الأمم عن رعوية إسرائيل وتغربه أيضًا عن الله، قائلاً:

لِذَلِكَ اذْكُرُوا أَنَّكُمْ أَنْتُمُ الأُمَمُ قَبْلاً فِي الْجَسَدِ،

الْمَدْعُوِّينَ غُرْلَةً مِنَ الْمَدْعُوِّ خِتَانًا مَصْنُوعًا بِالْيَدِ فِي الْجَسَدِ،

أَنَّكُمْ كُنْتُمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بِدُونِ مَسِيحٍ،

أَجْنَبِيِّينَ عَنْ رَعَوِيَّةِ إِسْرَائِيلَ،

وَغُرَبَاءَ عَنْ عُهُودِ الْمَوْعِدِ،

لاَ رَجَاءَ لَكُمْ، وَبِلاَ إِلَهٍ فِي الْعَالَم” ِ]١١، ١٢[.

هذه هي صورة الأمم قبل قبولهم الإيمان بالسيد المسيح، يُلاحظ فيها الآتي:

أولاً: كان الأمم بلا ختان (في الغرلة)، لا يحملون علامة الميثاق مع الله التي طالب بها إبراهيم وبنيه (تك ١٧: ٩ – ١٤)، إنهم بلا عهد معه. على أن اليهود وإن كانوا قد نالوا العلامة لكنهم للأسف نالوها في الجسد دون أن تكون لها أعماق داخلية، إذ يقول “ مَصْنُوعًا بِالْيَدِ فِي الْجَسَدِ” ]١١[، إي لا تحمل اتجاهًا داخليًا، ولا تمييزًا حقيقيًا عن الأمم. وكما أوضح في رسالته إلي رومية: “لأن اليهودي في الظاهر ليس يهوديًا، ولا الختان الذي في الظاهر في اللحم ختانًا، بل اليهودي في الخفاء هو اليهودي، وختان القلب بالروح لا بالكتاب هو الختان، الذي مدحه ليس من الناس بل من الله” (رو ٢: ٢٨، ٢٩).

بعد أن عرض عمل نعمة الله الفائقة في الكل: “نَحْنُ عَمَلُهُ، مَخْلُوقِينَ فِي الْمَسِيحِ“، لم يعد بعد يوجد مجال لافتخار اليهود بختان الجسد، الذي هو ليس إلاَّ من “صنع اليد”. شتان ما بين “عمل الله” و”صنع اليد البشرية”!

نال الكل ختانًا جديدًا، ليس مصنوعًا باليد في الجسد، وإنما كما يقول الرسول: “ختنتم ختانًا غير مصنوع بيدٍ، بخلع جسم خطايا البشرية بختان المسيح، مدفونين معه في المعمودية، التي فيها أقمتم أيضًا معه بإيمان …” (كو 2: ١١، ١٢). هكذا لا وجه للمقارنة بين ختان الجسد الرمزي وبين الختان الجديد في مياه المعمودية.

ثانيًا: كان الأمم “أَجْنَبِيِّينَ عَنْ رَعَوِيَّةِ إِسْرَائِيلَ]١٢[، أي لا يحملون المواطنة الإسرائيلية، وبالتالي كانوا غرباء عن المواطنة الإلهية، الأمر الذي أفقدهم الرجاء، لأنهم لم ينالوا الشريعة الإلهية ولا تمتعوا بنبوات الأنبياء التي أشارت بقوة عن مجيء المسيا مخلص العالم.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لم يقل الرسول إنهم معزولون بل “أَجْنَبِيِّينَ عَنْ رَعَوِيَّةِ إِسْرَائِيلَ“، إي ليس لكم نصيب في هذه الرعوية. التعبير مؤثر جدًا يدل على عزل واسع جدًا. الإسرائيليون أنفسهم كانوا خارج هذه الرعوية لك ليس كغرباء بل عن إهمال، لذلك سقطوا عن العهود، لا كأجنبيين بل كغير مستحقين لها[14].]

ثالثًا: “وَبِلاَ إِلَهٍ فِي الْعَالَمِ]١٢[. التعبير هنا لا يعني أنهم كانوا ملحدين أو منكرين لوجود الله، وإنما كانوا بلا معرفة عنه، كقوله: “كالأمم الذين لا يعرفون الله” (١ تس ٤: ٥).

الآن إذ اقتربوا من السيد المسيح، وقبلوه بالإيمان تغيرت صورتهم تمامًا، وتغير مركزهم بالنسبة لله ولليهود، إذ يقول:

وَلَكِنِ الآنَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ،

أَنْتُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ قَبْلاً بَعِيدِينَ صِرْتُمْ قَرِيبِينَ بِدَمِ الْمَسِيحِ.

لأَنَّهُ هُوَ سَلاَمُنَا، الَّذِي جَعَلَ الإثْنَيْنِ وَاحِدًا،

وَنَقَضَ حَائِطَ السِّيَاجِ الْمُتَوَسِّطَ، أَيِ الْعَدَاوَةَ.

مُبْطِلاً بِجَسَدِهِ نَامُوسَ الْوَصَايَا فِي فَرَائِضَ،

لِكَيْ يَخْلُقَ الإثْنَيْنِ فِي نَفْسِهِ إِنْسَانًا وَاحِدًا جَدِيدًا، صَانِعًا سَلاَمًا]١٣– ١٥[.

في العهد القديم صار اليهود قريبين لله، لا بعلامة الختان فحسب، وإنما بدم الذبائح أيضًا، كقول موسى النبي حين أخذ الدم ورش على الشعب: “هوذا دم العهد الذي قطعه الرب معكم على جميع هذه الأقوال” (خر ٣٤: ٨)؛ أما في العهد الجديد فصار البشر قريبين إلي الله في عهد أخوة خلال ذبيحة المسيح.

إذ بذل المسيح نفسه ذبيحة حب ضمنا معه في رباط وحدة، ونقض حائط السياج المتوسط الذي أقامه اليهود حول الهيكل حتى لا يعبره غريب، هذا الحائط يمثل العداوة بين اليهود والأمم، والفصل الكامل بينهما، لا من جهة عدم العبور إلي الهيكل اليهودي فحسب، وإنما اعتزال اليهود الحياة الأممية، والانفصال عنهم في كل اتجاهات الحياة، حتى لا يتدنسوا برجاساتهم.

يخبرنا يوسيفوس أن هذا الحائط الحجري كان يرتفع ٣ بوصات يفصل الدار الخارجية للهيكل عن الدار الداخلية، وُجدت عليه علامات تهدد بالموت كل أجنبي يتعداه[15]. وفي الحفريات التي قام بها Clermont– Ganneua بأورشليم عام ١٨٧1 وُجدت إحدى هذه التحذيرات، جاء فيها: “لا يجوز لشخصٍ من أمة أخرى أن يدخل في المنطقة المسوّرة حول الهيكل، ومن يُمسك يحكم على نفسه بالموت”.

هذا الحاجز ولّد لدى الأمم اتجاهين: البعض أُعجب بنقاوتهم من الرجاسات الوثنية فقبلوا التهود، والبعض الآخر حسبوا هذا تعصبًا فامتلأوا مرارة ضد اليهود واحتقارًا لهم.

لم ينقض حائط السياج الحجري لكي يدخل الأمم مع اليهود إلي هيكل أورشليم، وإنما نزع العداوة بدمه ليدخل بالكل إلي العضوية في جسده، ” فيَخْلُقَ الإثْنَيْنِ فِي نَفْسِهِ إِنْسَانًا وَاحِدًا جَدِيدًا]١٥[.

ربما يقدم هنا تلميحًا إفخارستيًا، حيث يشترك الكل معًا في جسد المسيح الواحد، فيتحقق في الجميع تجديدًا دائمًا وانسجامًا مستمرًا حتى تعلن “الكنيسة الواحدة المتجددة”. في الإفخارستيا تلتقي البشرية المؤمنة فتجد لها موضعًا حقيقيًا للسكنى معًا على صعيد الثبوت في المسيح. هذه المصالحة التي تمت في الصليب أكدها الرسول في أكثر من موضع: “ليس يهودي ويوناني، ليس عبد ولا حرّ، ليس ذكر وأنثى، لأنكم جميعًا واحد في المسيح” (غلا ٣: ٢٨). “وأن يصالح به الكل لنفسه عاملاً الصلح بدم صليبه بواسطته، سواء كان ما على الأرض أو ما في السماوات” (كو ١: ٢٠).

  • لأَنَّهُ هُوَ سَلاَمُنَا، الَّذِي جَعَلَ الإثْنَيْنِ وَاحِدًا” ماذا يعني: “جَعَلَ الإثْنَيْنِ وَاحِدًا”؟

لا يعني أنه أقامنا إلي مركزهم الوضيع، وإنما أقامنا وإياهم إلي ما هو أعلى. لكن البركة بالنسبة لنا أعظم، لأن لهم كان الوعد، وكانوا هم أقرب منا، أما نحن فلم يكن لنا الوعد وكنا أكثر بعدًا منهم، لهذا قال: “وأما الأمم فمجدوا الله من أجل الرحمة” (رو ١٥: ٩). حقًا لقد أعطى الوعد للإسرائيليين، لكنهم لم يستحقوه، وأما نحن فلم يعطنا وعدًا وإذ كنا غرباء، وليس لنا معهم شركة في شيء ما لكننا صرنا واحدًا لا بإتحادنا معهم، وإنما بإتحادنا وإياهم معًا في واحد.

أقدم لكم تشبيهًا: هب أنه يوجد تمثالان، أحدهما من الفضة والآخر من الرصاص، وأذيب الاثنان معًا، فصار الاثنان من ذهب، هكذا جعل الاثنين واحدًا.

يمكن وضع الأمر بصورة أخرى: لنفرض أن اثنين، أحدهما عبد والآخر ابن بالتبني، وأن الاثنين أذنبا ضده، فصار أحدهما ابنًا غير مستحق للميراث والآخر شريدًا ذاك الذي لم يعرف له أبًا قط. صار الاثنان وارثين، وابنين حقيقيين. كلاهما ارتفعا إلي ذات الكرامة، فصار الاثنان واحدًا، واحد جاء من بعيدٍ جدًا والآخر من مسافة أقل، لكن العبد صار أكثر نبلاً مما كان عليه قبل أن يذنب.

  • يكمل حديثه: “وَنَقَضَ حَائِطَ السِّيَاجِ الْمُتَوَسِّطَ“، وقد فسر معنى حائط السياج المتوسط بقوله: “أَيِ الْعَدَاوَةَ التي أبطِلها بِجَسَدِهِ، نَامُوسَ الْوَصَايَا فِي فَرَائِضَ“.

حقًا يؤكد البعض أنه قصد الحائط الذي وضعه اليهود ضد اليونانيين، إذ لم يكن يُسمح لليهودي أن يختلط باليونانيين. أما بالنسبة لي فيبدو لي أن المعنى غير هذا، بل بالحري قال: “العداوة في الجسد”، الحائط المتوسط، كحاجز عام الذي يعزلنا كلنا في وجه المساواة عن الله. وكما يقول النبي: “آثامكم صارت فاصلة بينكم وبيني” (إش ٥٩: ٢)، تلك العداوة التي كانت بين الله وبين اليهود كما الأمم، بكونها حائطًا متوسطًا.

هذا الحائط لم يُنقض حين وُجد الناموس بل بالعكس تقوّى، كقول الرسول: “لأن الناموس ينشيء غضبًا” (رو ٤: ١٥). وبنفس الطريقة بقوله “الناموس ينشيء غضبًا” لم ينسب كل التأثير للناموس ذاته، وإنما يجب أن نفهم أن السبب هو آثامنا؛ هكذا هنا أيضًا يقول: “حَائِطَ السِّيَاجِ الْمُتَوَسِّطَ” لأنه خلال عصياننا نشأت العداوة.

كان الناموس سياجًا، عُمل لأجل الحماية، ولهذا دُعي “سياجًا” ليحيط بما هو في داخله. أنصت أيضًا إلي النبي القائل: “أقمت خندقًا حوله” (إش ٥: ٢).

على أي الأحوال، صار (الناموس) حائطًا متوسطًا لا لسلامهم بل ليعزلهم عن الله. وهكذا تكوّن الحائط المتوسط من السياج. ولكي يشرح ذلك أكمل: “أبْطل العداوة بِجَسَدِهِ، أي نَامُوسَ الْوَصَايَا“. كيف تم ذلك؟ بقتله (على الصليب) مبطلاً العداوة. ليس فقط بهذه الوسيلة وإنما بحفظ الناموس …[16]

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • لِكَيْ يَخْلُقَ الِاثْنَيْنِ فِي نَفْسِهِ إِنْسَانًا وَاحِدًا جَدِيدًا]١٥[. لاحظ أن الأممي لم يصر يهوديًا، بل كلاهما – هذا وذاك – صارا في حالة جديدة…. وُهب الاثنين خليقة جديدة. استخدم كلمة “خلق” في كل المناسبات وليس “غيّر”، ليظهر قوة عمله.
  • لِكَيْ يَخْلُقَ الِاثْنَيْنِ فِي نَفْسِهِ“، أي بنفسه، فلم يعهده بهذا الأمر لآخر، بل قام به بنفسه، أذاب هذا وذاك وأقام واحدًا مجيدًا… أمسك اليهود باليد الواحدة، والأمم بالأخرى، وكان هو في الوسط، فمزجهما معًا، وانتزع الخلافات التي كانت بينهما وشكّلهما من جديد من فوق بالنار والماء وليس بالماء والتراب.
  • إِنْسَانًا وَاحِدًا جَدِيدًا، صَانِعًا سَلاَمًا“، صانعًا سلامًا لكليهما مع الله، ومع بعضهما البعض.
  • فِي جَسَدٍ وَاحِدٍ” أي في جسده… إذ تحمل هو العقوبة المستحقة.
  • بِالصَّلِيبِ، قَاتِلاً الْعَدَاوَةَ بِهِ“، لا توجد كلمات حاسمة وقوية أكثر من هذا، إذ يقول الرسول أن موته قتل العداوة. لقد جرحها وقتلها، لا بتكليفه آخر ليعمل ذلك، ولا خلال عمله فقط وإنما خلال ألمه. لم يقل “حل العداوة” أو “أبطلها” بل ما هو أقوى: “قتلها”، حتى لا تقوم ثانية… مادمنا ثابتين في جسد المسيح ومتحدين معه، لا تقوم العداوة بل تبقى ميتة[17].

القديس يوحنا الذهبي الفم

إن كان السيد المسيح قد دفع ثمن هذه المصالحة في جسده المبذول عنا، فإنها مصالحة مفرحة ومبهجة للكل، لذلك يقول الرسول: “فَجَاءَ وَبَشَّرَكُمْ بِسَلاَمٍ، أَنْتُمُ الْبَعِيدِينَ وَالْقَرِيبِينَ]١٧[.

وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لم يرسل المسيح إلينا هذه الأخبار (المفرحة) على يد آخر، ولا أعلنها لنا خلال الغير، وإنما جاء بشخصه. لم يرسل ملاكًا ولا رئيس ملائكة ليتمم هذا الأمر… بل كان الأمر يستدعي مجيئه[18].]

جاء بنفسه ليبشر الكل – البعيدين والقريبين – لا بكلمات سلام، وإنما أيضًا بعمل سلام… هذه البشرى نظرها إشعياء النبي من بعيد خلال ظلال النبوة، فقال: “سلام سلام للبعيد وللقريب، قال الرب وسأشفيه” (إش ٥٧: ١٩).

المصالحة التي تتم بين الفريقين تحققت بالصليب في جسد المسيح. لكن للآب والروح القدس دورهما الإيجابي في هذا العمل. إذ يقول الرسول: “لأَنَّ بِهِ لَنَا كِلَيْنَا قُدُومًا فِي رُوحٍ وَاحِدٍ إلي الآبِ]١٨[. إنه نص ثالوثي قوي، حيث يعلن الرسول أنه خلال تجسد الابن اقترب البشر إلي الآب بفعل الروح القدس. بمعنى آخر المصالحة هي: اقتراب للآب، خلال الابن المتجسد، وذلك في الروح.

تمتع الأمم بعمل الثالوث القدوس، فنزعت عنهم الغربة القديمة وصاروا مع اليهود رعية أهل بين الله، إذ يقول: “فَلَسْتُمْ إِذًا بَعْدُ غُرَبَاءَ وَنُزُلاً، بَلْ رَعِيَّةٌ مَعَ الْقِدِّيسِينَ وَأَهْلِ بَيْتِ اللهِ]١٩[. كان الأمم واليهود طفلين غريبين ضمهما السيد المسيح في جسده بروحه القدوس في أخوّة ليصيرا ابنين للآب من “َأَهْلِ بَيْتِ اللهِ“، ليس لأحدهما فضل على الآخر.

صار للأمم – بعد قبلوهم الإيمان بالمسيح – ذات حقوق اليهود، إذ دخلوا في بناء الكنيسة الجامعة التي أساسها الرسل والأنبياء وحجر زاويتها السيد المسيح. بمعنى آخر لم يعد أنبياء العهد القديم، ولا رسل العهد الجديد، ولا المسيح نفسه، حكرًا على أمة اليهود دون غيرهم.

يقول الرسول:

مَبْنِيِّينَ عَلَى أَسَاسِ الرُّسُلِ وَالأَنْبِيَاءِ، وَيَسُوعُ الْمَسِيحُ نَفْسُهُ حَجَرُ الزَّاوِيَةِ،

الَّذِي فِيهِ كُلُّ الْبِنَاءِ مُرَكَّبًا مَعًا يَنْمُو هَيْكَلاً مُقَدَّسًا فِي الرَّبِّ.

الَّذِي فِيهِ أَنْتُمْ أَيْضًا مَبْنِيُّونَ مَعًا،

مَسْكَنًا لِلَّهِ فِي الرُّوحِ” [٢٠ – ٢٢[.

لقد تحقق باليهود كما بالأمم بناء روحي واحد أساسه الرسل والأنبياء، يربطهما معًا حجر الزاوية السيد المسيح، الذي فيه تحققت نبوات العهد القديم وباسمه تتم كرازة العهد الجديد.

إن كانت أورشليم العليا في حقيقتها هي “مسكن الله مع الناس” (رؤ ٢١: ٣)، فقد شاهد القديس يوحنا أسماء الرسل الإثني عشر مكتوبة على أساساتها (رؤ ٢١: ١٤) وأسماء الإثني عشر سبطًا على أبوابها (رؤ ٢١: ١٢).

في أكثر من موضع يشرح لنا القديس أغسطينوس دور السيد المسيح كحجر الزاوية الذي ربط اليهود مع الأمم في بناء واحد، كحائطين ذوي اتجاهين مختلفين التحما معًا. فمن كلماته: [حدث في ذلك اليوم الذي هو يُدعى ميلاده رآه الرعاة اليهود، بينما في هذا اليوم يليق أن يُدعى “الظهور الإلهي” أي “الإعلان” سجد له المجوس الأمميون… حقًا لقد وُلد كحجر زاوية للاثنين، وكما يقول الرسول: “لِكَيْ يَخْلُقَ الاثْنَيْنِ فِي نَفْسِهِ إِنْسَانًا وَاحِدًا جَدِيدًا، صَانِعًا سَلاَمًا، وَيُصَالِحَ الاثْنَيْنِ فِي جَسَدٍ وَاحِدٍ مَعَ اللهِ بِالصَّلِيبِ]١٥-١٦[.

ما هو حجر الزاوية إلاَّ ربط حائطين ذوي اتجاهين مختلفين، وكأنهما يتبادلان القبلة! المختونون مع غير المختونين، أي اليهود مع الأمم، اللذان كانا يحملان عداوة مشتركة، ولهما أمور أساسية تعزلهما عن بعضهما البعض، فاليهود كانوا يعبدون الله الواحد الحق، والأمم كانوا يعبدون آلهة كثيرة باطلة. الأولون كانوا قريبين والآخرون كانوا بعيدين. لقد قاد الفريقين إلي نفسه، ذاك الذي صالحهما مع الله في الجسد الواحد، وكما قال نفس الرسول: وذلك بالصليب قاتلاً العداوة[19].]

يرى القديس أغسطينوس[20] أنه بدعوة السيد المسيح رأس الزاوية، وهو رأس الكنيسة، بهذا تكون الكنيسة هي الزاوية التي ضمت اليهود من جانب والأمم من الجانب الآخر.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ما هو هدف هذا البناء؟ لكي يسكن الله في هذا الهيكل. كل واحد منكم هو هيكل، وكلكم معًا هيكل. الله يسكن فيكم بكونكم جسد المسيح وهيكل روحي. لم يستخدم الكلمة التي تعني مجيئنا نحن إلي الله، بل ما يعني أن الله هو الذي يحضرنا إلي نفسه. فإننا لم نأت من تلقاء أنفسنا، بل الله هو الذي قرّبنا إليه. يقول المسيح: “ليس أحد يأتي إلي الآب إلاَّ بي”، وأيضًا: “أنا هو الطريق والحق والحياة” (يو ١٤: ٦)[21].]

[1] Dorotheos of Gaza: Comm.. on an Easter Hymn.

[2] Chaplet 3.

[3] In Eph. hom 4.

[4] Cassian: Conf. 3: 7.

[5] Comm. on Easter Hymn.

[6] Cassian: Conf. 5: 4.

[7] In Eph. hom 4.

[8] Ibid

[9] Of the Christian Faith 5: 178, 180, 181.

[10] In Eph. hom 3.

[11] Ibid 4: De Gompunct. PG 47: 408.

[12] Ser. on N.T. 81: 5.

[13] In Eph. hom 4.

[14] Ibid 5.

[15] Josephus: Antiq. 15: 11, 5; Jew War. 5: 52; 6: 2: 4.

[16] In Eph. hom 5.

[17] Ibid.

[18] Ibid 6.

[19] Hom for Epiphany, Ser. 204, PL 38: 1037.

[20] Ser on N.T. 39: 4.

[21] In Eph. hom 6.

 

تفسير رسالة أفسس 2 الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة أفسس 1 الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة أفسس 1 الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة أفسس 1 الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة أفسس 1 الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

 

سرّ خطة الله “شعب الله المسياني”

  1. الكنيسة وسرّ المعرفةص ١.
  2. الكنيسة وسرّ المصالحة ص ٢.
  3. الكنيسة الجامعة وسرّ المسيح ص ٣.

 

الأصحاح الأول

الكنيسة وسرّ المعرفة

هذه الرسالة في جوهرها “تسبحة حب” تشهد النفس التي تعرفت على مركزها بثبوتها في المسيح، لا كفردٍ منعزلٍ، وإنما بالحري كعضو حيّ في الجسد المقدس خلال إتحاده بالرأس، لتكون على الدوام فيه، تنعم خلاله بمعرفة “سرّ المسيح” على مستوى الخبرة السماوية وبنظرة إنقضائية مجيدة. بمعنى آخر، حمل هذا الأصحاح خطين واضحين هما: “في المسيح“، و”معرفة سرّ الله“. فنحن كنيسة الله أو شعبه المقدس لأننا في المسيح، أما غاية إيماننا فهو المعرفة الإلهية، لا على مستوى السفسطة والجدال، وإنما على مستوى قبول إعلان الله لنا عن ذاته وأسراره.

  1. البركة الرسولية ١ – ٢.
  2. تسبحة الكنيسة: “في المسيح” ٢ – ١٤.
  3. شفاعة الرسول لنوال المعرفة ١٥ – ٢٣.

1. البركة الرسولية

بُولُسُ، رَسُولُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ بِمَشِيئَةِ اللهِ،

إلي الْقِدِّيسِينَ الَّذِينَ فِي أَفَسُسَ،

وَالْمُؤْمِنِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ.

نِعْمَةٌ لَكُمْ وَسَلاَمٌ مِنَ اللهِ أَبِينَا وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ[١- ٢].

تحمل هذه الافتتاحية روح الرسول وفكره، فغالبًا ما يقدم الرسول نفسه للكنيسة التي يكتب إليها بكلمات بسيطة تحمل عمقًا وتناسقًا مع موضوع الرسالة وهدفها، كما يبدأ بتقديم البركة الرسولية التي هي عطية الله نفسه للكنيسة. ويلاحظ في هذه الافتتاحية الآتي:

أولا: لما كان موضوع الرسالة هو “الكنيسة الجامعة”، فإن قيام هذه الكنيسة هو من عمل الله نفسه الذي أرسل ابنه متجسدًا ليقيمها جسدًا له، واهبًا إياها حياته المقدسة حياة لها، لذلك نجده يركز على النقاط التالية:

أ. أنه رسول “بِمَشِيئَةِ اللهِ“، ليس له فضل في ممارسة العمل الرسولي، خاصة بكونه رسول الأمم، يدعوهم للإتحاد مع اليهود في جسد واحد. اختاره الله بمشيئته رسولاً ليحقق غايته الإلهية فيهم. حقًا إن تعبير “بِمَشِيئَةِ اللهِ” ليس غريبًا عن الرسول في افتتاحية رسائله، لكن ما تتسم به هذه الرسالة هو تكراره التعبير ست مرات (١: ١، ٥، ٩، ١١، ٥: ١٧، ٦: ١٦)، الأمر الذي لا نجده في الرسائل الأخرى[1]، بل وفي الأسفار الأخرى سوى إنجيل يوحنا، ذلك لأن هذه الرسالة تكشف “سرّ المسيح” بكونه سرّ الكنيسة المجتمعة من اليهود والأمم، هذا السرّ يحقق مشيئة الآب الأزلية، ويتمم مسرته نحو البشرية.

يفضل بعض الدارسين ترجمة “مشيئة الله” بـ “قرار الله[2]“، إذ يرون في النص ما يعني ليس مجرد الإرادة بل حركة عمل الله الحكيم والقدير والحيّ ككائن محب للبشر، أعلن هذه الحركة الأزلية خلال التاريخ بتدبيره الإلهي.

ب. يدعوهم “قديسين” مع أنه يكتب إلي أعضاء من أصل أممي كان لا يزال بعض المسيحيين من أصل يهودي لا يستريحون للانضمام إليهم تمامًا، لذا أراد الرسول أن يؤكد بأن الله الذي اختار شعب اليهود قبلاً كشعب مقدس خاص به، قد فتح باب الإيمان – وهذا هو سرّ دعوتهم هنا بالمؤمنين – ليضّم الأمم دون أن يفقد الشعب قدسيته. لقد كرر هذا التعبين “قديسين” ١٤ مرة في هذه الرسالة، بطريقة لا نجدها إلاَّ في الرسالة إلي أهل رومية مع ملاحظة أن الأخيرة أطول منها، بمعنى آخر تكرار هذا التعبير هنا عني تأكيد استمرارية قدسية شعب الله القديم بعد اتساعه ليتقبل معه الأمم خلال المسيح يسوع[3].

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على تعبير “القديسين” هنا بقوله: [لاحظ أنه يدعو الرجال مع نسائهم وأطفالهم وخدمهم “قديسين”. هؤلاء الذين دعاهم بهذا الاسم كما هو واضح من نهاية الرسالة، إذ يقول: “أَيُّتهَا الزوجات (النِّسَاءُ) اخْضَعْنَ لِرِجَالِكُنَّ” (٥: ٢) وأيضًا: “أَيُّهَا الأَوْلاَدُ، أَطِيعُوا وَالِدِيكُمْ” (٦: ١)، “أَيُّهَا الْعَبِيدُ (الخدم)، أَطِيعُوا سَادَتَكُمْ” (٦: ٥). تأملوا مقدار البلادة التي استحوذت علينا الآن، كيف صارت الفضيلة نادرة الآن بينما كان الفضلاء كثيرين جدًا فقيل عن العلمانيين أنهم قديسون ومؤمنون[4].]

قرار الله أو مشيئته ليس فقط أن يختار القديس بولس رسولاً، وإنما أن يتمتع الأمم (رجالاً ونساءً، أطفالاً وشيوخًا، سادةً وعبيدًا) بالحياة المقدسة، وذلك خلال “المسيح” بالإيمان به.

الرسالة إلى أهل أفسس في مجملها يمكن أن تُفهم كمقالٍ عن أساس التقديس ووسائله وامتداده وغايته[5].

هذا ويؤكد العلامة أوريجينوس أن المؤمن إذ يُدعى هنا قديسًا، فذلك لأنه قد نال إمكانيات الحياة المقدسة (خلال مياه المعمودية وعمل الروح القدس)، يلتزم أن ينطلق في هذه الحياة المقدسة لينمو بلا توقف، وإلاَّ فقد قدسية الحياة.

ج. كثيرًا ما يربط الرسول النعمة بالسلام معًا في البركة الرسولية، بكونهما هبتا الله لكنيسته، غير أنه يكرر تعبير “السلام” في هذه الرسالة سبع مرات بطريقة فريدة (فيما عدا الرسالة إلي رومية) ليعلن أساس الرسالة وإمكانية الوحدة والانسجام بين كل البشر – يهودًا كانوا أم أممًا – وذلك في المسيح[6].

ويلاحظ أن الرسول بولس هنا ينسب “النعمة والسلام” للآب كما للابن بكونهما عطيتهما بلا مفاضلة بين الأقنومين؛ هما عطية الآب كما عطية الابن.

وتقديم هذه البركة الرسولية لا يعني أن مؤمني أفسس كانوا فاقدين النعمة والسلام قبل الرسالة، وإنما كانوا يتوقون دائمًا لنوال المزيد. فالنعمة كما السلام هما عطيتان غير جامدتين ينالهما المؤمن ويفرح بهما، فيشتاق إلي المزيد، لعله بالنعمة يبلغ إلي التشبه الكامل بالسيد المسيح والتمتع بشركة سماته، وبالسلام تتحقق مصالحته مع الله والناس على مستوى أعمق. بهذا يتحقق فيه التطويب: “طوبى للجياع والعطاش إلي البرّ لأنهم يشبعون” (مت ٥: ٦)، ولا يسقط تحت التوبيخ: “لأنك تقول إني أنا غني وقد استغنيت ولا حاجة لي إلى شيء، ولست تعلم أنك أنت الشقي والبائس وفقير …” (رؤ ٣: ١٧).

ثانيًا: كما سبق فأكدنا[7] أن الرسول بولس حاول معالجة تسرب بعض الأفكار الغنوسية إلي المسيحيين مثل التمييز بين إله العهد القديم كإله عادل قاسي، وإله العهد الجديد كإله رحيم مخلص. لذا إذ يقدم النعمة الإلهية والسلام السماوي ينسبهما للآب ويدعوه “أبانا” معلنًا أبوته وحنانه، وللرب يسوع المسيح معلنًا أنه واحد مع الآب في الجوهر، يحمل ذات إرادته.

2. تسبحة الكنيسة: “في المسيح”

اقتطف الرسول جزءًا من تسبحة غالبًا ما كانت الكنيسة تترنم بها في العصر الرسولي، حملت هذه التسبحة جوًا سماويًا يليق بطبيعة الكنيسة كحياة سماوية “في المسيح السماوي”، إذ يقول:

مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ،

الَّذِي بَارَكَنَا بِكُلِّ بَرَكَةٍ رُوحِيَّةٍ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيحِ[3].

يرى كثير من الدارسين[8] أن هذه التسبحة لها سمات خاصة بالمعمودية – ربما كانت تستخدم في ليتورچية العماد – إذ تشير إلي بركات المعمودية وفاعليتها، مثل التبني للآب بيسوع المسيح، وغفران الخطايا، والتمتع بالميراث، وختم الروح [5، 7، 14، 13] .

بدأ التسبحة بالتعبير الذي كانت تستخدمه السامية: “مبارك“، معلنًا أن كل عطية أو بركة سماوية هي من مراحم الله وأعماله القديرة.

وقد دعى بركات العهد الجديد “بَرَكَةٍ رُوحِيَّةٍ فِي السَّمَاوِيَّاتِ” ليميزها عما تمتع به اليهود في العهد القديم من بركات زمنية، إذ يقول القديس يوحنا الذهبي الفم:

[هنا يلمح إلي بركات اليهود، فتلك كانت بركة أيضًا، لكنها لم تكن بركة روحية، كيف؟ “يباركك ويبارك ثمرة جسدك” (تث ٧: ١٣)، “ويبارك خروجك ويبارك دخولك” (تث ٢٨: ٦). لكن الأمر هنا مختلف، كيف؟ “بكل بركة روحية”.

ماذا يعوزك بعد؟ لقد صرت خالدًا، حرًا، ابنًا، مبررًا، أخًا، شريكًا في الميراث، تملك مع المسيح وتتمجد مع المسيح. كل شيء يُوهَب مجانًا.

قال: “كيف لا يهبنا معه أيضًا كل شيء؟!” (رو ٨: ٣٢). باكوراتك تهيم بها الملائكة والشاروبيم والسيرافيم. ماذا يعوزك بعد؟ “بكل بركة روحية“! لا شيء جسدي هنا. بهذا استبعد البركات السابقة، إذ قال: “في العالم سيكون لكم ضيق” (يو ١٦: ٣٣)، لكي يرشدنا إلي هذه. لأنه كما أن الذين نالوا الجسديات لم يقدروا أن يسمعوا عن الروحيات، هكذا من يهدفون نحو الروحيات لا يستطيعون نوالها ما لم يتركوا الجسديات.

أيضًا، ما هي البركة الروحية في السماويات؟ يعني أنها ليست على الأرض كما كان الحال مع اليهود: “تأكلون خير الأرض” (إش ١: ١٩)، “إلي أرض تفيض لبنًا وعسلاً” (خر ٣: ٨)، “يبارك الرب أرضك” (تث ٧: ١٣).

لا نرى هنا شيئًا من هذا القبيل، فماذا نرى؟ “إن أحبني أحد يحفظ كلامي ويحبه أبي، وإليه نأتي (أنا وأبي)، وعنده نصنع منزلاً” (يو ١٤: ٢٣). “فكل من يسمع أقوالي هذه ويعمل بها أشبه برجل عاقل بنى بيته على الصخر، فنزل المطر، وجاءت الأنهار، وهبت الرياح، ووقعت على هذا البيت، فلم يسقط، لأنه كان مؤسسًا على الصخر” (مت ٧: ٢٤، ٢٥).

وما هو هذا الصخر إلاَّ تلك السماويات البعيدة عن كل تغير؟ يقول المسيح. “فكل من يعترف بي قدام الناس أعترف أنا أيضًا به قدام أبي الذي في السماوات، وكل من ينكرني أنكره أنا أيضًا” (مت ٢٠: ٣٢، ٣٣). وأيضًا: “طوبى للأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله” (مت ٥: ٨). وأيضًا: “طوبى للمساكين بالروح لأن لهم ملكوت السماوات” (مت ٥: ٣)، وأيضًا: “طوبى للمطرودين من أجل البرّ لأن لهم ملكوت السماوات” (مت ٥: ١١). لاحظ كيف يتحدث في كل موضع عن السماء لا عن الأرض أو الأرضيات. وأيضًا: “فإن وطننا (سيرتنا) نحن، هو في السماء التي منها أيضًا ننتظر مخلصًا هو الرب يسوع المسيح” (في ٣: ٢٠)، وأيضًا: “اهتموا بما فوق لا بما على الأرض” (كو ٣: ٢)[9]].

دعاها أيضًا بركة “روحية” نسبة إلى الروح القدس، لأننا ننال عطايا الآب خلال إتحادنا بالابن وذلك بفعل الروح القدس. بمعنى آخر الروح القدس، هو روح الشركة التي يثبتنا في الابن، فننال بفيض ما هو للابن. لهذا إذ صعد السيد المسيح إلي السماء أرسل روحه القدوس على الكنيسة يحملها إليه لتنعم بالعطايا الإلهية.

إن كان الله الآب يهب كل بركة روحية في السماويات، إنما يهبها “في المسيح[3]، فإنه إذ يرانا أبناء له بثبوتنا في الابن الوحيد “المحبوب[6] يفيض ببركاته الإلهية علينا، كأعضاء جسد المحبوب. نصير “في المسيح” محبوبين لديه كما هو محبوب.

يرى الرسول بولس أن سرّ عضويتنا الكنسية وسرّ حياتنا مع الله وتمتعنا بكل بركة هو أننا “في المسيح“، الأمر الذي امتص كل تفكيره، حتى قال أحد الدارسين ان كل أفكار الرسول بولس اللاهوتية يمكن أن تتلخص في كلمتين “في المسيح“. فحين يتحدث عن لاهوتيات أو كنسيات أو سلوكيات خاصة أو علاقات أسرية أو اجتماعية إنما من خلال هذه النظرة أننا “في المسيح”، نحمل فكر المسيح وحياته عاملة فينا. فلا عجب إن رأيناه في هذه الرسالة القصيرة يكرر هذه العبارة ومرادفاتها مثل “في المحبوب” أو “فيه” أكثر من ثلاثين مرة. ولعل تكرارها هنا على وجه الخصوص إنما لتأكيد أن إتحاد الجماعة المقدسة المختارة من الأمم يتحقق فيه وتحت قيادته.

في المسيح” ليس فقط نلنا كل بركة روحية وإنما تمتعنا باختيار الآب لنا كبنين له، إذ سبق فعرفنا كأعضاء في جسد ابنه المحبوب. هذا ما يؤكده الرسول بقوله:

كَمَا اخْتَارَنَا فِيهِ قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ،

لِنَكُونَ قِدِّيسِينَ وَبِلاَ لَوْمٍ قُدَّامَهُ فِي الْمَحَبَّةِ[4].

ماذا عني الرسول بهذا الاختيار الذي شغل فكره وقلبه وكل أحاسيسه ليتكلم عنه بطرق متنوعة في مواضع كثيرة في رسائله؟

بلا شك لا يقصد تجاهل “الحرية الإنسانية” في قبول الإيمان أو رفضه، فإن الله في محبته للإنسان لا يتعامل معه كما مع آلة جامدة أو كما مع قطع من الشطرنج يحركها بإصبعه إنما يتعامل مع كائن عاقل وهبه الحرية، له أن يقبل الله ويتجاوب مع محبته ودعوته أو يرفض دون إلزام.

إنما ما عناه الرسول أن الله الذي يريد أن الكل يخلصون، والذي في محبته يدعو الجميع لنوال فيض نعمته المجانية بسابق معرفته رآنا في ابنه المحبوب فعيننا بلا فضل فينا، اختارنا دون إلزام من جانبه عارفًا أننا نقبل دعوته، إذ يقول الرسول: “لأن الذين سبق فعرفهم سبق فعينهم ليكونوا مشابهين صورة ابنه، ليكون هو بكرًا بين إخوة كثيرين، والذين سبق فعينهم فهؤلاء دعاهمٍ أيضًا، والذين دعاهم فهؤلاء بررهم أيضًا، والذين بررهم فهؤلاء مجدهم أيضًا” (رو ٨: ٢٩، ٣٠).

لقد أراد الرسول أن يؤكد حقيقة هامة وهي أنه وإن كنا قد تجاوبنا مع دعوة الله لكن الفضل ليس فينا، وإنما ما نناله هو هبة مجانية، أُعطيت لنا في استحقاقات الابن الباذل حياته عنا، الفضل كله يرجع إلي مقاصد الله الخلاصية ونعمته، كقول الرسول: “الذي خلصنا دعانا دعوة مقدسة لا بمقتضى أعمالنا بل بمقتضى القصد والنعمة التي أُعطيت لنا في المسيح يسوع قبل الأزمنة الأزلية، وإنما أُظهرت الآن بظهور مخلصنا…” (٢ تي ١: ٩، ١٠).

هذا ما أحسه القديس إكليمنضس السكندري حينما تحدث عن الإيمان والحرية الإنسانية، مؤكدًا أن الحرية الإنسانية والعقل هما هبة إلهية، لا يقدران أن يقدما للإنسان حياة الشركة دون العون الإلهي. فإن كان الإيمان من صنع الإرادة الحرة، لكنه هبة إلهية[10]. إنه يشبه لاعب الكرة الذي له الحرية أن يمسك بالكرة أو يرفض، لكنه لا يقدر أن يمسك بها ما لم تُقذف إليه[11]. هكذا يمكننا أن نمسك بالإيمان أو نرفضه، لكننا في حاجة إلي يد الله تقدمه لنا. هذا الفكر استقاه تلميذه العلامة أوريجينوس الذي تحدث بفيض عن نعمة الله المجانية مؤكدًا: [ليس شيء من عطايا الله للبشرية يُعطى كوفاء لدين، بل كلها تُعطى من قبيل نعمته[12]]. وفي نفس الوقت يؤكد: [إن نزع عنصر حرية الإرادة عن الفضيلة تدمر كيانها[13]].

يؤكد الرسول أن اختيارنا هذا قد تحقق “فيه“، وأنه لم يحدث جزافًا بل بخطة إلهية “قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ” [٤]. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ماذا يعني: “اختارنا فيه”؟ يعني أنه تم بواسطة الإيمان فيه (به) أي في المسيح. فقد دبر هذا لنا بغبطة قبل أن نولد بل وأكثر من هذا “قبل تأسيس العالم”. ما أجمل هذه الكلمة: “تأسيس“. كأنه يشير إلي العالم على أنه ساقط من ارتفاع شاهق جدًا. نعم، إن سمو الله عالٍ جدًا بطريقة تفوق الوصف، سموه بعيد جدًا لا من جهة المكان، وإنما من جهة إمكانية الطبيعة للحديث عنه[14].]

ماهو غاية الإختيار؟

يجيب الرسول: ” لِنَكُونَ قِدِّيسِينَ وَبِلاَ لَوْمٍ قُدَّامَهُ فِي الْمَحَبَّةِ[4]. يمكننا أن ندرك مقاصد الله منا في هذه العبارة الرسولية العميقة، إذ نلاحظ:

أولاً: يريد فينا أمرين، أن يرانا الآب نحمل سماته، فنكون قديسين كما هو أيضًا قدوس، إذ يوصينا: “إني أنا الرب إلهكم فتتقدسون وتكونون قديسين لأني أنا قدوس” (لا ١١: ٤٤)؛ ويقول القديس بطرس: “لأنه مكتوب كونوا قديسين، لأني أنا قدوس” (١بط ١: ١٦). وأيضًا أن نكون “بلا لوم”؛ هذه السمة كانت لازمة وضرورية في ذبائح العهد القديم (لا ١: ٣، ١٠).

كأنه يريدنا أن نقدم أنفسنا ذبائح حية بلا عيب خلال الكاهن الأعظم والذبيح في نفس الوقت ربنا يسوع. يريدنا “َبِلاَ لَوْمٍ قُدَّامَهُ فِي الْمَحَبَّةِ”، أي ذبيحة حب دائمة تحمل رائحة المسيح الذكية. هذه هي غاية الله فينا أن يرانا نحمل سماته (القداسة) وأن نتحد بالذبيح كذبيحة حب دائمة يشتمها رائحة رضا. لذلك يقول الرسول بولس: “فأطلب إليكم أيها الإخوة برأفة الله أن تقدموا أجسادكم ذبيحة حية مقدسة مرضية عند الله عبادتكم العقلية” (رو ١٢: ١).

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم ارتباط القداسة بالحياة التي بلا لوم تحمل إشارة إلي وحدة الإيمان مع الحياة العملية، فإن كانت القداسة هي عطية الله القدوس، خلال هذه العطية يلزمنا أن نسلك بلا لوم، بمعنى آخر نترجم عطيته في سلوكنا العملي، إذ يقول: [القديس هو ذاك الشريك في الإيمان؛ والذي بلا لوم هو ذاك الذي يسلك حياة لا غبار عليها[15].]

ثانيًا: يؤكد الرسول أن هذه القداسة والحياة بلا لوم، إنما تكون “قدامه“، بمعنى أن ما تحمله الكنيسة من قداسة وحياة بلا لوم هو موضع اعتزاز الله نفسه، كالعريس الذي يريد جمال عروسه وزينتها الداخلية لنفسه كما يقدم عذوبة حبه العميق لها. ما أصعب على نفس الرجل أن يجد زوجته تحمل صورتين: إحداهما مشرقة أمام الغير والأخرى كئيبة في لقائها معه على إنفراد. فإن ما يبهجه اللقاء الداخلي والعلاقة الزوجية على صعيد الوحدة العميقة الصادقة. فالله يريدنا نحن، لنكون له، كما هو لنا. هذا ما تؤكده هذه الرسالة، إذ جاء فيها: “لِكَيْ يُحْضِرَهَا لِنَفْسِهِ كَنِيسَةً مَجِيدَةً، لاَ دَنَسَ فِيهَا وَلاَ غَضْنَ أَوْ شَيْءٌ مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ، بَلْ تَكُونُ مُقَدَّسَةً وَبِلاَ عَيْبٍ” (٥: ٢٧).

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إنه لا يتطلب مجرد القداسة والخلو من اللوم، إنما يريدنا أن نظهر هكذا “أمامه”. يوجد أشخاص يبدون أمام الناس قديسين وبلا لوم مع أنهم يشبهون القبور المبيضة ولابسي ثياب الحملان. لا يكن الأمر هكذا، وإنما كما يقول النبي: “كطهارة يدي” (مز ١٨: ٢٤). أية طهارة؟ التي تكون “أمامه”، إذ يطلب القداسة التي تتطلع إليها عين الله[16]].

ثالثًا: يؤكد الرسول أن نكون قديسين بلا لوم قدامه “فِي الْمَحَبَّةِ” [٤]. لعله يقصد أن اختيار الله تم خلال محبته الإلهية الباذلة (يو ٣: ١٨)، وأيضًا تقديسنا وسلوكنا بلا عيب يتحققان خلال نعمته المجانية التي تفيض خلال محبته الدائمة. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ما كان يمكن للفضيلة وحدها أن تخلص أحدًا بدون المحبة. اخبرني، ماذا كان ينفع بولس لو أظهر ما أظهره لو لم يدعه الله في البداية حيث أحبه واجتذبه إلي نفسه؟![17]]

ربما قصد بالمحبة أن ما يشتمه الله فينا، إذ نقف أمامه قديسين بلا لوم هذه هي “المحبة” بكونها علامة التصاقنا به وإتحادنا معه.، بل وعلامة تشبهنا به بكونه “الله محبة” (١ يو ٤: ٨). نقف قدامه، فيزول كل ماضينا لتبقى المحبة التي لا تسقط أبدًا (١كو ١٣: ٨).

رابعًا: تحققت محبة الآب الفائقة نحونا، كما تتحقق محبتنا لله خلال الحياة المقدسة التي بلا لوم خلال نعمة البنوة التي ننالها بالمسيح يسوع ابن الله “المحبوب”، إذ يقول:

إِذْ سَبَقَ فَعَيَّنَنَا لِلتَّبَنِّي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ لِنَفْسِهِ،

حَسَبَ مَسَرَّةِ مَشِيئَتِهِ،

لِمَدْحِ مَجْدِ نِعْمَتِهِ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْنَا فِي الْمَحْبُوبِ[5-6].

إن كان القول “في المحبوب” هو تعبير ليتورچي خاص بالمعمودية في غاية القوة (مر ١: ١١) كما يرى كثير من الدارسين الغربيين، بهذا نرى أن الله قد عيّن كنيسته لتنال البنوة خلال المعمودية، فتتحقق مسرة مشيئة الآب بقبول أعضاء جدد كأبناء له، لا لفضل فيهم وإنما خلال نعمة المعمودية المجانية، فيعلن بالأكثر “ِمَدْحِ مَجْدِ نِعْمَتِهِ“، بتجلي محبة الله الفائقة والمستمرة.

في المحبوب نلنا التبني فصرنا أبناء، لنا حق شركة الميراث، لكن شتان ما بين الابن المحبوب وحيد الجنس، وبين الأبناء بالتبني، إذ يقول القديس أغسطينوس: [أقام الآب شركاء في الميراث مع ابنه الوحيد، لكنهم ليسوا مولودين مثله من جوهره، إنما تبناهم ليصيروا أهل بيته[18]]، [نحن أبناء ذاك الذي أقامنا هكذا بإرادته، لكننا لسنا مولودين من ذات طبيعته. في الحقيقة نحن ولدنا لكن كما قيل بالتبني، نحن مولودون خلال نعمة تبنيه لنا وليس بالطبيعة[19].]

خامسًا: تحققت محبة الآب بقبولنا أبناء لكن “بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ[5]. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [أما تلاحظ أنه لا يتحقق شيئًا خارج المسيح؟ وأيضًا خارج الآب؟ واحد سبق فعيّن، والثاني يقربنا إليه… عظيمة حقًا هي البركات الممنوحة، ومما يزيدها عظمة أنها خلال المسيح، إذ لم يرسل عبدًا مع أنه مُرسل للعبيد، وإنما أرسل الابن الوحيد نفسه[20].]

سادسًا: إن ما تحقق بالنسبة لنا خلال محبة الآب الأزلية ونعمة ابنه وحيد الجنس لننال البنوة إنما هو موضع سرور لله، إذ يقول “حَسَبَ مَسَرَّةِ مَشِيئَتِهِ[5]. هنا يميز القديس يوحنا الذهبي الفم بين مشيئة الله السابقة حيث يريد بغيرة أن الكل يخلصون، وبسرور أن يهب البنوة للجميع، وبين المشيئة (السماح) الذي صار خلال إصرارنا على الشر، فنسقط تحت الهلاك. بمعنى آخر حسب مسرة الله وغيرته يود لنا البنوة والقداسة المتجلية في المحبة، لكنه لا يلزمنا قسرًا، فإن رفضنا يسقطنا تحت الهلاك بسماحٍ إلهيٍ كثمرة طبيعية لما قبلناه بإرادتنا.

سابعًا: إن كان الله في مسرة مشيئته قدم لنا هذه النعمة السماوية المجانية، فهي أيضًا: “لِمَدْحِ مَجْدِ نِعْمَتِهِ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْنَا فِي الْمَحْبُوبِ[6]. إذ تتجلى نعمته المجانية التي تمجده أمام الكل، خاصة الخليقة السماوية التي تدهش لغنى حبه نحو الإنسانية.

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارة، قائلاً:

[الآن إن كان بيّن لنا نعمته لمدح مجد نعمته، لكي يعلن نعمته، فعيلنا إذن أن نقطن فيها.

لمدح مجده” ما هذا؟ ومن هم الذين يمدحونه؟ ومن الذين يمجدونه؟ هل نحن أم الملائكة أم رؤساء الملائكة أم كل الخليقة؟ وماذا يكون هذا؟ إنه لا شيء، إذ لا يعوز الطبيعة الإلهية شيء. إذن هل يريدنا أن نمدحه ونمجده؟ إنما لكي تشتعل محبتنا له بالأكثر في داخلنا. هو لا يطلب منا شيئًا، لا خدمتنا ولا مدحنا ولا ما هو من قبيل ذلك. لا يريد سوى خلاصنا. هذه هي غاية كل ما يعمله. فإن من يمدح النعمة التي بيّنها ويُعجب بها إنما يزداد تقوى وغيرة[21]].

الآن يحدثنا عن فاعلية نعمة الله المجانية التي ننالها في المحبوب، والتي أبرزها في النقاط التالية:

أولاً: التمتع بالفداء إذ يقول:

الَّذِي فِيهِ لَنَا الْفِدَاءُ،

بِدَمِهِ غُفْرَانُ الْخَطَايَا،

حَسَبَ غِنَى نِعْمَتِهِ،

الَّتِي أَجْزَلَهَا لَنَا بِكُلِّ حِكْمَةٍ وَفِطْنَةٍ[7-8].

في القديم عني بالفداء تحرير الله لشعبه من عبودية فرعون ليقتنيه لنفسه (خر ١٥: ١٣؛ تث ٧: ٨)، أما في العهد الجديد فإننا إذ نجد لنا موضعًا في المسيح الفادي أو المحرّر يعتقنا من عبودية الخطية، غافرًا خطايانا بفيض غنى نعمته الفائقة، واهبًا إيانا مع غفران الخطايا كل حكمة سماوية وتمييز أو فطنة.

بمعنى آخر لم يعٌد المحرّر خارجًا عنا، بل فينا ونحن فيه، يحررنا لا من عبودية بشرية زمنية، بل بنعمته ينزع عنا خطايانا التي سقطنا تحت أسرها بإرادتنا، بل يزيننا بكل حكمة وفطنة، إذ يسكن فينا ويعلن جماله السماوي في حياتنا الداخلية.

أما قوله “الَّتِي أَجْزَلَهَا” فتعني العطاء المجاني بفيض، وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم عن هذه العطية الإلهية: [إنها غنى، وهي جزيلة، انسكبت علينا بقياس فائق الوصف، لا يمكن للكلمات أن تعبر عن البركات التي اختبرناها فعلاً، فهي حقًا غنى، وغنى جزيل.]

ثانيًا: التمتع بمعرفة الأسرار الإلهية، إذ يقول:

إِذْ عَرَّفَنَا بِسِرِّ مَشِيئَتِهِ،

حَسَبَ مَسَرَّتِهِ الَّتِي قَصَدَهَا فِي نَفْسِهِ،

لِتَدْبِيرِ مِلْءِ الأَزْمِنَةِ[9-10].

إن كان الغنوسيون يعتزون بالمعرفة “gnosis” حتى احتلت في فكرهم عوض الإيمان، وحسبوا أنهم بعقولهم وحدها قادرون على التمتع بالخلاص، فإن الرسول بولس يصحح الوضع معلنًا أن المسيحي الحقيقي “صاحب معرفة“، لكن على مستوى فائق، فإن الله لا يهبه فقط غفران خطاياه، وإنما يرفعه كابن لله إلي السماويات ليعلن له سرّ معرفته. ينال المعرفة gnosis كهبة إلهية وكإعلان سماوي حسب مسرة الله الذي له مقاصده التي تتحقق في ملء الأزمنة.

لعل الرسول يقصد هنا بالسرّ الذي يعلنه للمؤمنين هو على وجه الخصوص تحقيق خطة الله في ملء الأزمنة، حيث يعمل بكمال سلطانه وملئها لخلق جماعة مسكونية من المؤمنين في المسيح، مقدسة فيه.

في دراستنا لمدرسة الإسكندرية رأينا كثير من آبائها الأولين كانوا يتطلعون إلي “المعرفة الإلهية” كأثمن ما يقدمه المسيح للنفس البشرية، فإذ تتحد به كعروس مع عريسها يقدم لها ذاته فتتعرف على أسراره في حجاله السماوي. لذا يقول القديس إكليمنضس السكندري وتلميذه العلامة أوريجينوس أن هذه المعرفة هي هبة الله للكاملين.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [عجبًا! أية صداقة هذه؟! إذ يخبرنا بخفاياه، إذ يقول “بسرّ مشيئته“، لأن أحدًا يقول بأنه عرّفنا بالأشياء التي في قلبه. هنا حقًا السرّ المملوء حكمة وفطنة. فأية حكمة مثل هذه؟ الذين كانوا لا يساوون شيئًا رفعهم في لحظة إلي الغنى والفيض. أي تدبير حكيم هكذا؟! الذي كان عدوًا ومُبغضًا في لحظة ارتفع إلي العلا… هذا تم في الوقت المعين؛ إنه عمل الحكمة، تحقق بواسطة الصليب.]

ثالثًا: أن يجمع الكل فيه، قائلاً:

لِتَدْبِيرِ مِلْءِ الأَزْمِنَةِ،

لِيَجْمَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ،

مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ، فِي ذَاكَ[10].

جاءت كلمة “أزمنة” هنا Kairos لا تحمل المعنى البسيط المزمن مثل كلمة Chronos، وإنما تشير إلي حقبة جديدة يعمل الله فيها بكل سلطانه ليجمع كل شيء في المسيح، كما تحت رأس واحد.

يُسر المؤمن ليس فقط بتحريره من خطاياه، وتمتعه بالبنوة الإلهية، وإدراكه سرّ مشيئة الله، أي نواله المعرفة، وإنما أيضًا بنظره أن الكل يجتمع معًا – على مستوى الأرضيين والسمائيين – تحت قيادة الرأس المسيح. هذا هو ما يفرح قلب المؤمنين، أن تتحقق مشيئة الله خلال إتحاد الخليقة العاقلة المؤمنة، لتعيش كلها معًا بروح الوحدة تنعم بالحضرة الإلهية. فالمؤمن بثبوته في المسيح يفقد الأنانية والفردية ليتسع قلبه بالحب للجماعة كلها دون أن يفقده علاقته الشخصية بمسيحه.

يفرح المؤمن الحقيقي إذ يرى في مسيحه أنه لا يضمه وحده إليه لكنه يجمع مختاريه الأرضيين ليقيمهم شعبًا سماويًا، يشاركون العلويين حياتهم الفائقة.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [عانى السمائيون من الأرضيين، ولم يعد لهم رأس واحد. إلي ذلك الوقت كان نظام الخلقة هو أن إلهًا واحدًا فوق الجميع هو للكل، لكن انتهى نظام “البيت الواحد” حيث انتشر خطأ الأمم وسقطوا في العصيان… الآن أقام رأسًا واحدًا بعينه على الكل، أي المسيح حسب الجسد، فوق الملائكة والبشر. بمعنى آخر جعل للملائكة والبشر مملكة واحدة… جمع الكل تحت رأس واحد بعينه مقيمًا رباط الوحدة من فوق[22].]

يقدم لنا القديس يوحنا الذهبي الفم في نفس العظة تفسيرًا آخر لمعنى” لِيَجْمَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ“، إذ يقول: [جمع المسيح في نفسه التدابير التي استغرقت فترة طويلة (منذ السقوط حتى مجيئه متجسدًا) قاطعًا إياها.] بمعنى أن بمجيئه تحققت الوعود والعهود والنبوات التي طال انتظار تحقيقها.

رابعًا: الآن إذ يعلن الرسول بولس عن نعمة الله التي جمعت السمائيين مع الأرضيين كما في جسد واحد للرأس الواحد السماوي، وفيه تحققت النبوات والمواعيد التي طال انتظار تحقيقها، أراد أن يثير الأمم بالغيرة ليدركوا غنى هذه النعمة متمسكين بها كعربون للميراث الأبدي أو النصيب السماوي، إذ يؤكد أنه كيهودي قد نال بالمسيح النصيب المعين الذي سبق اليهود الأولون فترجوه، هذا النصيب بعينه يناله الأمم خلال كلمة الحق إنجيل الخلاص. فما ناله اليهود بعد انتظار طويل عبر الآباء والأنبياء لم يُحرم منه الأمم خلال قبولهم الإنجيل. هذا ما عناه الرسول بقوله:

الَّذِي فِيهِ أَيْضاً نِلْنَا (نحن اليهود) نَصِيباً،

مُعَيَّنِينَ سَابِقاً حَسَبَ قَصْدِ الَّذِي يَعْمَلُ كُلَّ شَيْءٍ حَسَبَ رَأْيِ مَشِيئَتِهِ،

لِنَكُونَ لِمَدْحِ مَجْدِهِ،

نَحْنُ الَّذِينَ قَدْ سَبَقَ رَجَاؤُنَا فِي الْمَسِيحِ.

الَّذِي فِيهِ أَيْضاً أَنْتُمْ (الذين من أصل أممي)،

إِذْ سَمِعْتُمْ كَلِمَةَ الْحَقِّ، إِنْجِيلَ خَلاَصِكُمُ،

الَّذِي فِيهِ أَيْضاً إِذْ آمَنْتُمْ خُتِنتُمْ بِرُوحِ الْمَوْعِدِ الْقُدُّوسِ،

الَّذِي هُوَ عَرْبُونُ مِيرَاثِنَا، لِفِدَاءِ الْمُقْتَنَى، لِمَدْحِ مَجْدِهِ[11-14].

يلاحظ في هذا النص الآتي:

أ. إن كان الرسول يردد – في هذا النص – كلمتي “نحن” و”أنتم”، قاصدًا بكلمة “نحن” اليهود، وكلمة “أنتم” الأمم، لكنه أكد أن اليهود وإن كانت لهم الأولوية من جهة الزمن لقبول المسيح المخلص، فإن الطرفين – اليهود والأمم – يشتركان معًا في التمتع بذات الحب الإلهي والاختيار ونعمة الله والعضوية في الجسد الواحد.

ب. كلمة “نصيب” هنا في اليونانية Kleroó تعني “يلقي قرعة[23]“، فنوالهم للعطايا الإلهية جاء ميراثًا أو نصيبًا تحقق كما بإلقاء قرعة. لعله بهذا يريد أن يسترجع اليهود إلي أيام آبائهم حين دخلوا أرض الموعد، وصار كل واحدٍ ينتصر بنواله نصيبه خلال القرعة، دون أي فضل له في الاختيار. فما حدث في القديم كان رمزًا لا قيمة له إلاَّ في الإعلان عن ميراث العهد الجديد. هنا أيضًا لا فضل للمتمتع بالنصيب في شيء بل غنى نعمة الله هي التي قدمت له هذا النصيب.

ولئلا يُظن أن ما يحدث الآن يتم اعتباطًا بكونه أشبه بإلقاء قرعة تتم دون تخطيط معين أكد الرسول أن ذلك يتحقق “حَسَبَ قَصْدِ الَّذِي يَعْمَلُ كُلَّ شَيْءٍ حَسَبَ رَأْيِ مَشِيئَتِهِ“. فما يتم الآن، إن كان لا يدّ لنا فيه/ لكنه في خطة الله السابقة ومشيئته الحكيمة نحونا.

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارة، بقوله:

[استخدم قبلاً الكلمة “اختارنا[4]، أما هنا فيقول: “نِلْنَا نَصِيباً (ميراثًا)[11]، ولما كانت القرعة مسألة مصادفة لا تتم عن اختيار مقترن بتدقيق، ولا مسألة فضيلة (إذ تُقترن القرعة غالبًا بجهل ما سنصل إليه بالصدفة، وكثيرًا ما تتخطى الفضلاء وتستقر على من لا قيمة لهم). لاحظ كيف صحح هذه النقطة بالذات، إذ يقول: “مُعَيَّنِينَ سَابِقاً حَسَبَ قَصْدِ الَّذِي يَعْمَلُ كُلَّ شَيْءٍ[11].

يمكننا أن نقول إننا لم نكن مجرد أصحاب نصيب، ولا مجرد مختارين (لأن الله هو الذي يختار)، ولا مجرد أصابتنا قرعة (لأن الله هو الذي يحدد النصيب)، وإنما تحقق الأمر “حَسَبَ قَصْدِ الَّذِي يَعْمَلُ“. هذا ما يقوله أيضًا في الرسالة إلي أهل رومية: “الذين هم مدعوون حسب قصده، لأن الذين سبق فدعاهم فهؤلاء بررهم، والذين بررهم فهؤلاء مجدهم أيضًا” (رو ٨: ٢٨ – ٣٠)… كأنه يقول: لقد ألقيت القرعة والله اختارنا، فتم كل شيء باختيار دقيق. لقد سبق فعيّن أناسًا اختارهم لنفسه وأفرزهم له. رآنا – كما من خلال القرعة – قبل أن نُولد، لأن علم الله سابق عجيب، فهو عالم بكل شيء قبل أن يبدأ كيانه[24].   

ج. إذ يتحدث عن الأمم الذين قبلوا الإيمان يقول: “فِيهِ أَيْضاً أَنْتُمْ، إِذْ سَمِعْتُمْ… إِذْ آمَنْتُمْ خُتِمْتُمْ بِرُوحِ الْمَوْعِدِ الْقُدُّوسِ[13]. فالأمم سمعوا فآمنوا ثم خُتموا. قبلوا الإيمان خلال السمع، لأن السيد المسيح ظهر بين اليهود خاصته، وخاصته رفضته، أما هؤلاء فلم يروه وإنما خلال السماع آمنوا، وإذ آمنوا نالوا عطية الروح القدس بختم روح الموعد القدوس.

خامسًا: التمتع بختم الروح كعربون للميراث الأبدي، إذ يقول:

خُتِمْتُمْ بِرُوحِ الْمَوْعِدِ الْقُدُّوسِ،

الَّذِي هُوَ عَرْبُونُ مِيرَاثِنَا،

لِفِدَاءِ الْمُقْتَنَى،

لِمَدْحِ مَجْدِهِ[13-14].

كان الختم علامة عامة عن الملكية، فكان بعض المكرسين للآلهة الوثنية أحيانًا يسِمون أنفسهم بعلامة في جسدهم تحمل اسم الإله الذي ينتمون إليه ويحتمون فيه. العماد بالروح هو العلامة المنظورة (الختم) لعدم الفساد في المسيح[25]. وقد سبق لنا الحديث في هذا الشأن[26]، حيث قدمنا مقتطفات لبعض أقوال الآباء عن المعمودية كختم، كعلامة الدخول في ملكية الله، والدخول تحت حمايته، والدخول في الجندية الروحية، والامتثال بالسيد المسيح، وأخيرًا كختم روحي أبدي لا يمكن أن ينفك.

في العهد القديم كان الختان الجسدي هو الختم كعلامة للعضوية في شعب الله، وبالتالي الدخول في ملكية الله، كقول الكتاب: “إن قسم الرب هو شعبه، يعقوب جبل نصيبه” (تث ٣٢: ٩).

  • أثناء العماد، عندما تأتي إلي حضرة الأساقفة أو الكهنة أو الشمامسة… اقترب إلي خادم العماد ولا تفكر في الوجه المنظور بل تذكر الروح القدس، هذا الذي نتكلم عنه الآن، لأنه حاضر ليختم نفسك. إنه سيهبك الختم الذي يرعب الأرواح الشريرة، وهو ختم سماوي مقدس، كما هو مكتوب: “الذي فيه أيضًا (إذ آمنتم) ختمتم بروح الموعد القدوس”[27].

القديس كيرلس الأورشليمي

  • كما يطبع المالك على قطيعه علامة خاصة يتعرف بها عليه، خلالها تظهر أنها ملك له، هكذا يختم الروح القدس من له في المعمودية بواسطة مسحة الزيت المقدس التي يتقبلونها في العماد[28].

القديس مار افرآم السرياني

  • النفس التي لم تستتر ولا تجملت بنعمة الميلاد الجديد، لا أعرف إن كانت الملائكة تتقبلها بعد تركها الجسد! حقًا إنهم لا يستطيعون أن يتقبلوها ما دامت لا تحمل الختم Asphragiston، ولا أي علامة خاصة بمالكها. حقًا إنها تصير محمولة في الهواء، وتتجول بغير راحة، دون أن يتطلع إليها أحد، إذ هي بلا مالك. إنها تطلب الراحة فلا تجدها؛ تصرخ باطلاً، وتندم بلا فائدة[29].

القديس غريغوريوس النيسي

  • كما يُطبع الختم على الجند هكذا يُطبع الروح القدس على المؤمنين[30].

القديس يوحنا الذهبي الفم

3. شفاعة الرسول لنوال المعرفة

بعد أن قدم الرسول هذه التسبحة الكنسية، التي تحمل “سرّ المسيح”، فتكشف عن فيض عمل الله المجاني في جمع الكل – يهودًا كانوا أم أممًا – لتحقق فيهم مقاصد الله الآب في المسيح يسوع، ويصير الكل شعبًا واحدًا مقدسًا، وجسدًا للرأس، وأبناءً للآب في الابن المحبوب، الآن يقدم الرسول صلواته وشفاعته لدى الله عن مخدوميه ليهبهم استنارة روحية، فيفتح عيون قلوبهم ويدركوا بحق “سرّ المسيح”، فتكون لهم “المعرفة” الحقيقية.

ولئلا يظنوا أنه إذ يصلي عنهم في هذا الشأن يعني عدم إيمانهم أو عدم معرفتهم، قال:

لِذَلِكَ أَنَا أَيْضاً إِذْ قَدْ سَمِعْتُ بِإِيمَانِكُمْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ،

وَمَحَبَّتِكُمْ نَحْوَ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ،

لاَ أَزَالُ شَاكِراً لأَجْلِكُمْ،

ذَاكِراً إِيَّاكُمْ فِي صَلَوَاتِي[15-16].

نلاحظ في هذا النص:

أولاً: يبرز الرسول كعادته الجوانب الطيبة، فلا يتجاهل إيمانهم ومحبتهم لذا بفرح يشكرهم… إنه يصلي من أجلهم لأجل الاستزادة. حقًا ما أحوج الكنيسة إلي رعاة كالقديس بولس الذي يسند ويعين ببث روح الرجاء بفرح، دون توقف عن الصلاة من أجل الرعية للنمو على الدوام في النعمة والمعرفة.

  • لم يكن يوجد ما يعادل حنين الرسول، ولا ما يشبه حنو وعواطف بولس الطوباوي، الذي قدم كل صلاة من أجل جميع الأمم والشعوب، حيث كتب نفس الكلمات للجميع: “لا أزال شاكرًا إلهي من أجلكم، ذاكرًا إياكم في صلواتي” (رو ١: ٩؛ ١ كو ١: ٤؛ في ١: ٣، 4؛ كو ١: ٣؛ ١ تس ١: ٢).

تأمل كيف كانوا في ذهنه، إذ يحتاج الأمر إلي تعب لتذكرهم. ما أكثر الذين كان يذكرهم في صلواته، مقدمًا الشكر لله من أجل جميعهم[31].

القديس يوحنا الذهبي الفم

ثانيًا: يربط الرسول بولس بين الإيمان بالرب يسوع والمحبة نحو جميع القديسين، فعضويتنا في المسيح لا تنفصل عن عضويتنا في الكنيسة، إيماننا بالرأس يجب أن يُترجم عمليًا بالحب لجميع القديسين.

هذا من جانب، ومن جانب آخر، إذ يربط الإيمان بالمحبة، إنما يود تأكيد الإيمان الحيّ العامل حتى لا يكون إيمانًا ميتًا خلال عقمه…

  • في كل المناسبات يقرن الإيمان بالمحبة كزوجين مجيدين[32].

القديس يوحنا الذهبي الفم

ماذا يطلب في صلواته عنهم؟

أولاً:كَيْ يُعْطِيَكُمْ إِلَهُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَبُو الْمَجْدِ، رُوحَ الْحِكْمَةِ وَالإِعْلاَنِ فِي مَعْرِفَتِهِ[17].

يطلب لهم “روح الحكمة“، كما يطلب لهم “الإعلان في معرفته“. لم يقل “في معرفة أسراره”، وإنما “في معرفته” هو، إذ يشتاق أن يدركوه هو شخصيًا ويتعرفوا عليه ككائن يتحدون معه. نحن نحتاج أن يهبنا الله روح الحكمة والمعرفة، فإن كان قد وهبنا العقل من عندياته، لكننا إن سلكنا بالعقل وحده دون الالتجاء إلي الله ننحرف عن الحكمة والمعرفة الحقة.

ثانيًا: “مُسْتَنِيرَةً عُيُونُ أَذْهَانِكُمْ، لِتَعْلَمُوا مَا هُوَ رَجَاءُ دَعْوَتِهِ، وَمَا هُوَ غِنَى مَجْدِ مِيرَاثِهِ فِي الْقِدِّيسِينَ، وَمَا هِيَ عَظَمَةُ قُدْرَتِهِ الْفَائِقَةُ نَحْوَنَا نَحْنُ الْمُؤْمِنِينَ، حَسَبَ عَمَلِ شِدَّةِ قُوَّتِهِ[18-19].

يطلب من أجل استنارة عيونهم الداخلية، أي تكون لهم البصيرة الروحية القادرة أن ترى الله بالإيمان وتتمسك بمواعيده، وتدرك غنى مجد ميراثه المُعد للقديسين فتمتلىء النفس رجاءً وتتشدد بالقوة الإلهية.

  • يحوي القلب العيون التي تنظر الله… إنها تستنير الآن بالإيمان، الأمر الذي يناسب ضعفها، أما فيما بعد فتستنير برؤية الله إذ تكون قوية. “فإذًا… ونحن مستوطنون في الجسد فنحن متغربون عن الرب، لأننا بالإيمان نسلك لا بالعيان” (١ كو ٥: ٦، ٧)[33].

القديس أغسطينوس

تسمى المعمودية “سرّ الاستنارة” كقول الرسول بولس: “الذين استنيروا مرة” (عب ٦: ٤)، إذ خلالها تفتح بصيرتنا الداخلية بنور الروح القدس لندرك الأمور الثلاثة المذكورة هنا:

أ. نعلم ما هو رجاء دعوته، فإننا إذ ندخل إلي العضوية في جسد المسيح بالمعمودية نعلم – بالخبرة الحية – دعوته لنا لنكون أبناء الآب وورثة مع المسيح فيمتليء قلبنا رجاءً فيه.

ب. غنى مجد ميراثه في القديسين. بالمعمودية ننعم بعربون الميراث الأبدي المُعد لقديسين، خلاله نختبر الغنى الأبدي غير المنطوق به.

ج. عظمة قدرته الفائقة نحونا نحن المؤمنين حسب عمل شدة قوته. إذ بالمعمودية يقيمنا كما من الموت، ويهبنا البنوة لله واهب الحياة …

  • الاستنارة وهي المعمودية… هي معينة الضعفاء… مساهمة النور… إنتفاض الظلمة.

الاستنارة مركب يسير تجاه الله، مسايرة المسيح، أُس الدين، تمام العقل!

الاستنارة مفتاح الملكوت واستعادة الحياة…

نحن ندعوها عطية، وموهبة، ومعمودية، واستنارة، ولباس الخلود وعدم الفساد، وحميم الميلاد الثاني، وخاتمًا، وكل ما هو كريم[34].

القديس غريغوريوس النزينزي

إن كنا بالمعمودية نلنا الاستنارة يمتلىء قلبنا رجاءً ونتلمس غنى مجد ميراثه، وندرك عظمة قدرته الفائقة نحونا نحن المؤمنين حسب عمل شدة قوته، فإن هذه الاستنارة لا تُعطى في المعمودية بطريقة جامدة وساكنة، إنما تُعطى لكي تتجدد أذهاننا يومًا فيومًا لندخل إلي أعماق جديدة يوميًا خلال إيماننا العامل بالمحبة، وجهادنا بنعمته المجانية الفائقة. لهذا لا يكف الرسول عن أن يصلي من أجل من يكتب إليهم – والذين بلا شك نالوا سرّ العماد – لكي لا تتوقف عطية الله هذه بل تبقى منسكبة بفيض لا ينقطع.

إذ يتأمل القديس يوحنا الذهبي الفم هذه العطية الإلهية يجدها فائقة للغاية لا يمكن للغة البشرية لا أن يعبر عنها. لهذا نقول إننا نبقى نطلب من الله أن يعمل فينا على الدوام لننعم بهذه العطية لعلنا نبلغ كمالها.

ثالثًا: “الَّذِي عَمِلَهُ فِي الْمَسِيحِ، إِذْ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، وَأَجْلَسَهُ عَنْ يَمِينِهِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ، فَوْقَ كُلِّ رِيَاسَةٍ وَسُلْطَانٍ وَقُوَّةٍ وَسِيَادَةٍ، وَكُلِّ اسْمٍ يُسَمَّى لَيْسَ فِي هَذَا الدَّهْرِ فَقَطْ، بَلْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ أَيْضاً[20-21].

يكشف لنا عن عمل الآب في الابن المتجسد لحسابنا، إذ أقامه وأجلسه وأخضع كل شيء تحت قدميه ]٢٢[… وهو لا زال يعمل هذا في جسده الذي هو الكنيسة، يقيمنا ويجلسنا في السماويات ويخضع كل شيء تحت أقدامنا. هكذا يؤكد السيد المسيح: “أبي يعمل حتى الآن” (يو ٥: ١٧).

هذا العمل مستمر ودائم، لا يقدر شيء ما أن يوقفه حتى يتحقق جسد المسيح، أي الكنيسة في ملئها، ويكمل المختارون.

يتطلع المؤمن إلي كلمة الله الذي بتجسده نزل إلينا وصار كواحدٍ منا، إذ أُقيم من الأموات (في طاعة الآب مات وقام، لكن بقوة لاهوته وليس كعطية مستمدة من الغير) وأُجلس عن يمينه في السماوات وصار فوق كل رئاسة. إنما حدث هذا كله لحسابنا، أي لحساب كل مؤمن، فينعم بهذه الإمكانيات “في المسيح”، أي خلال ثبوته فيه كعضو في جسده.

هذا وقد حمل النص: “وَإِيَّاهُ جَعَلَ رَأْساً فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ لِلْكَنِيسَةِ[22] رجاءً حقيقيًا في قلب الكنيسة أن الله لابد أن يتمم مشورته، وأن عمل المسيح في الكنيسة لابد أن يتحقق ويكمل ليعلن المسيح رأسًا للمختارين. هذا الرجاء عاشته الكنيسة الأولى وسط العقبات والإضطهادات، وقد عبّر عنه كثير من الآباء من بينهم القديس إيريناؤس، حين قال: [لابد أن يجتذب كل شيء إليه في الوقت المناسب[35].]

بقوله “ لِلْكَنِيسَةِ” يعني أن ما تحقق للرأس إنما هو لحساب الكنيسة، لذا يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم، قائلاً: [إنه لأمر مذهل أيضًا، إلي أين رُفعت الكنيسة؟! إنه كمن رفعها بآلة وأقامها في أقصى الأعالي، وجعلها على العرش هناك، فإنه حيث يوجد الرأس يكون الجسد أيضًا. لا انعزال بعد أو فُرقة بين الرأس والجسد… لقد هيأ كل جنس البشر عامة أن يتبعه ويلتصق به ويصحبه في ركبه. “الَّتِي هِيَ جَسَدُهُ“؛ (يقول هذا) لكي إذ تسمعون عن الرأس لا تفكرون في فكرة الرئاسة فحسب، وإنما في الثبوت فيه أيضًا، فلا تتطلعون إليه فقط كقائدٍ سامٍ وإنما كرأسٍ لجسد أيضًا[36]].

[1] Jerome Biblical Commentary, p 343.

[2] The Anchor Bible, p 65.

[3] Jerome Bib. 343.

[4] الرسالة إلي أفسس، عظة ١، قام قداسة القمص مرقس داود بترجمة عشر عظات من تفسير القديس يوحنا الذهبي الفم لهذه الرسالة، وقد استعنت أحيانًا به مع الرجوع لنصوص أخرى..

[5] The Anchor Bible, p 67.

[6] Jerome Bib. 343.

[7] للمؤلف: القديس بولس الرسول ومنهجه الإنجيلي …، ص ٣٠، ٣١..

[8] Jerome Biblical Commentary, p 343.

[9] In Eph. hom 1.

[10] Stromata 2: 4; 3: 7.

[11] Strom. 2: 6.

[12] Comm. Rom 22 on 4: 4.

[13] Contra Celsus 4: 3.

[14] In Eph. hom 1.

[15] In Eph. hom 1.

[16] Ibid.

[17] Ibid.

[18] Ser. on N.T. 67: 9.

[19] Ibid 89: 1.

[20] In Eph. hom 1.

[21] In Eph. hom 1.

[22] Ibid.

[23] Anchor Bible, p 92.

[24] In Eph. hom 2.

[25] Jerome Bible, p 344.

[26] للمؤلف: الروح القدس بين الميلاد الجديد والتجديد المستمر، طبعة ١٩٨١، ص ٦٢: ٦٨..

[27] Cat. Lect. 17: 15.

[28] Enchir. Patr. 712

[29] P.G. 46: 424 C.

[30] P.G. 61: 418.

[31] In Eph. hom 3.

[32] Ibid.

[33] Ser. on N.T. 3: 6.

[34] للمؤلف: الحب الإلهي، الإسكندرية، 1967، ص ٨٥٥ – ٨٥٦.

[35] Adv. Hear 3: 16: 6.

[36] In Eph. hom 3.

 

تفسير رسالة أفسس 1 الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة أفسس – المقدمة – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة أفسس – المقدمة – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة أفسس – المقدمة – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة أفسس – المقدمة – القمص تادرس يعقوب ملطي

من تفسير وتأملات الآباء الأولين

 

رسالة بولس الرسول إلى أهل أفسس

 

القمص تادرس يعقوب ملطي

كنيسة الشهيد مار جرجس باسبورتنج

 

 

من سجن روما، في أواخر حياة الرسول بولس، قدم لنا هذه الرسالة، التي مع صغر حجمها نقلت إلينا الفكر الرسولي بل والسماوي نحو مفهوم الكنيسة. جاءت هذه الرسالة فريدة في أهميتها، من هذه الزاوية، فهي رسالة ليتورچية، تحمل إلينا تعاليم لها وزنها الخاص، وتضم تسابيح وقطع ليتورچية من العصر الرسولي، وفي نفس الوقت تُحسب أشبه بدعوة حارة لتمجيد الله.

هي رسالة كنسية لاهوتية تصبغ، على المؤمنين روح البهجة والفرح، وتدخل بهم إلي سرّ الكنيسة على صعيد لاهوتي عميق روحي وواقعي. الأمر الذي دعى بعض النقاد المحدثين إلي أن يدّعوا بأن هذه الرسالة وُضعت بعد العصر الرسول بولس، وإن كان كثير من الدارسين رفضوا هذا الفكر كما سنرى.

الرب إلهنا الصالح يهبنا بروحه القدوس أن ننعم بهذا الفكر الرسولي الحيّ لنعيشه بحق وننعم به.

القمص تادرس يعقوب ملطي

 

 

رسالة بولس الرسول إلى أهل أفسس أفسس

  • “أفسس” كلمة يونانية تعني “مرغوبة”.
  • هي عاصمة المقاطعة الرومانية آسيا، على الشاطيء الأيسر من نهر الكاسيتر، في غرب آسيا الصغرى، على مسافة ثلاثة أميال من البحر، تقريبًا في المنتصف بين مدينتي سميرنا شمالاً وميليتس جنوبًا، وهي ملتقى طبيعي للطرق التجارية، خاصة الطريق الرئيسي بين روما والشرق. بُني لها مرفأ صناعي مما جعلها ميناءً بحريًا هامًا في العصور الوسطى.

اشتهرت بهيكلها العظيم أرطاميس، وهي إلهة تمثل أمًا لها في صدرها كثير من الثدي، غالبًا من أصل حثي[1]. تعتبر إلهة القمر عند اليونان، تقابل ديانا عند الرومان، تظهر كفتاة عذراء فارعة الطول وجميلة جدًا، أخت أبللو، يعتقدون أن تمثالها نزل من السماء، كثيرًا ما ترسم أيضًا في شكل صياد.

  • في القرن الحادي عشر قبل الميلاد احتلها الأيونيون Ionians الذين من أصل يوناني، وصارت إحدى إثنتي عشرة مدينة خاصة بإتحاد ولاياتهم، وصارت عاصمة أيونيا.

حوالي سنة ٥٥٥ ق.م. سقطت المدينة تحت حكم كريسس Croesus ملك ليديا (عاصمتها سادرس)، وبعد قليل سقطت تحت الحكم الفارسي. وفي عهد إسكندر الأكبر خضعت للحكم المقدوني اليوناني، وفي سنة ١٣٣ ق.م. خضعت للحكم الروماني، وصارت عاصمة ولاية آسيا.

  • في سنة ٢٩ ق.م. دُمرت المدينة بواسطة زلزال، وقام الإمبراطور طبريوس بإعادة بنائها.

تأسيس كنيسة أفسس

كان بأفسس كثير من اليهود لهم جنسية رومانية[2] (أع ١٨: ١٩؛ ١٩: ١٧). إذ كان الرسول بولس راجعًا إلي أورشليم نحو نهاية رحلته التبشيرية الثانية (حوالي سنة ٥٤م) قام بزيارة قصيرة لأفسس، حيث كرز في مجمعها. هناك ترك أكيلا وبريسكلا يكملان عمله (أع ١٨: ١٨–٢١)، ووعد اليهود أن يعود إليهم في أقرب فرصة.

في غيبته جاء أبلوس من الإسكندرية، وكان من تلاميذ القديس يوحنا المعمدان، جاهر بما عرفه من شخص السيد المسيح في المجمع، وقام أكيلا وبريسكلا بتعليمه طريق الرب بأكثر تدقيق (أع ١٨: ٢٤–٢٦).

رجع الرسول بولس حسب وعده في خريف سنة ٥٤م على الأرجح، في رحلته التبشيرية الثالثة، حيث وجد هناك بعض التلاميذ لم يقبلوا سوى معمودية يوحنا، فبشريهم بالسيد المسيح وعمدهم، وإذ وضع يديه عليهم حّل الروح القدس عليهم فطفقوا يتكلمون بلغات ويتنبأون (أع ١٩: ٣–٩).

وعظ بولس الرسول في مجمع اليهود نحو ثلاثة أشهر، ولما قاومه اليهود غير المؤمنين اعتزلهم وأخذ يعظ في مدرسة تيرانس لمدة سنتين “حتى سمع كلمة الرب يسوع جميع الساكنين في آسيا من يهود ويونانيين” (أع ١٩: ٨–١٢).

أما نتائج تبشير الرسول بولس في أفسس فقد أوضحها معلمنا لوقا البشير في سفر الأعمال، ألا وهي:

  1. قبل كثير من اليهود والأمم الإيمان بالسيد المسيح (أع ١٩: ١٠).
  2. بلغت الكرازة كل آسيا خلال عاصمتها أفسس (أع ١٩: ١٠).
  3. إذ صنع الله على يديّ الرسول بولس قوات غير المعتادة (أع ١٩: ١١)، شرع بعض السحرة في صنع عجائب باسم يسوع الذي يكرز به بولس (أع ١٩: ١٣)، بينما جاء كثيرون منهم بكتب السحر ليحرقوها علانية، قُدرت أثمانها بخمسين ألفًا من الفضة (أع ١٩: ١٩).
  4. انهارت عبادة أرطاميس، الأمر الذي دفع صنّاع الفضة أن يقوموا بثورة، حاسبين في عمل الرسول بولس إهانة شعبية للهيكل العظيم (أع ١٩: ٢٤–٢٩).
  5. يظهر تأسيس كنيسة عظيمة في أفسس لها قسوسها مما جاء في أع ٢٠، إذ أُستدعى الرسول بولس قسوس (الكهنة) الكنيسة التي في أفسس وهو في ميليتس (جنوب أفسس) عند رجوعه من الجولان في مكدونية وآخائية… وقد أنبأهم عن دخول معلمين كذبة بينهم هم ذئاب خاطفة لا تشفق على الرعية (أع ٢٠: ٢٩).

إذ ترك الرسول بولس أفسس أتى إليها تلميذه تيموثاوس وخدمها زمانًا لكي تُحفظ من التعاليم الباطلة (١ تي ١: ٣). أُرسل تيخيكس إلي أفسس مع الرسالة التي بين أيدينا (أف ٦: ٢١؛ ٢ تي ٤: ١٢) وربما قدم نسخًا منها لبقية كنائس آسيا، كما حمل رسالة خاصة بأهل كولوسي.

         كنيسة أفسس إحدى الكنائس السبع في آسيا التي وجهت إليها رسائل في سفر الرؤيا (رؤ ١: ١١؛ ٢: ١–٧). وبحسب التقليد الكنسي قضى القديس يوحنا اللاهوتي أيامه الأخيرة هناك، وتنيح في جزيرة بطمس مقابل أفسس.

في سنة ٤٣١م انعقد المجمع المسكوني الثالث بسبب نسطور بطريرك القسطنطينية، الذي جعل من يسوع المسيح شخصيتين، حاسبًا أن اللاهوت حلّ عليه عند العماد.

الآن تحقق فيها القول الإلهي بأنها تركت محبتها الأولى، وأنه مزمع أن يزحزح منارتها (رؤ ٢: ٤)، إذ تحولت إلي قرية “أفيس” التي أُقيمت في موضعها، ولا يوجد بها مسيحيون.

كاتب الرسالة

لم يطرأ أدنى شك حول هذه الرسالة من جهة أن الرسول بولس هو كاتبها، وجهها للكنيسة التي في أفسس، وذلك حتى القرن التاسع عشر. لكن جاء بعض النقاد وحاولوا التشكيك في أمر كاتبها أو في أمر الكنيسة التي أُرسلت إليها، قائلين بأن الرسالة في الغالب كتبها شخص حاول الامتثال بالرسول بولس، كتبها بعد عصر الرسول، ناقلاً الكثير من رسائل الرسول بولس، أو إن كانت من وضع الرسول فهي ليست موجهة إلي الكنيسة التي في أفسس، وقد قدموا براهين أو دلائل يمكن اختصارها في أربعة أنواع[3]، نذكرها هنا مع الرد عليها، بعد تقديم براهين إيجابية تؤكد أنها رسالة القديس بولس الرسول موجهة إلي أفسس (مع كنائس أخرى مثل كنيسة لاودكية).

وهذا هو الرأي التقليدي الذي عاشت به الكنيسة في الشرق والغرب خلال التسعة عشر قرنًا.

الأدلة الإيجابية على أنها من وضع الرسول بولس

أولاً: الشهادة الداخلية

يرى D. Guthrie أن بصمات الرسول بولس واضحة في هذه الرسالة. فنحن نعلم أن الوحي الإلهي يعمل في الكاتب ويرشده ويحفظه من الخطأ، دون أن يفقده شخصيته في كتابته، تكريمًا للإنسانية التي يستخدمها الروح القدس، ويتفاعل معها ويكرمها.

وتظهر بصمات الرسول بشكل واضح في النقاط التالية[4]:

  1. تحمل الرسالة روح بث الرجاء في النفوس مع التشجيع والشكر لله من أجل أخبار من يكتب إليهم: “إِذْ قَدْ سَمِعْتُ بِإِيمَانِكُمْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ، وَمَحَبَّتِكُمْ نَحْوَ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ، لاَ أَزَالُ شَاكِرًا لأَجْلِكُمْ، ذَاكِرًا إِيَّاكُمْ فِي صَلَوَاتِي” (١: ١٥، ١٦).
  2. يدعو نفسه “أسير المسيح يسوع” (٣: ١)، “الأسير في الرب” (٤: ١)، إذ يكتب كرسولٍ سجينٍ من أجل الإيمان.
  3. يكتب عن “سرّ المسيح” المعلن له شخصيًا، إذ يقول: “أَنَّهُ بِإِعْلاَنٍ عَرَّفَنِي بِالسِّرِّ… الَّذِي صِرْتُ أَنَا خَادِمًا لَهُ حَسَبَ مَوْهِبَةِ نِعْمَةِ اللهِ الْمُعْطَاةِ لِي حَسَبَ فِعْلِ قُوَّتِهِ” (٣: ٣، ٧).
  4. يبرز الرسول كعادته حبه العملي لمن يكتب إليهم، فيحسب شدائده إنما لأجلهم، مطالبًا إياهم ألاَّ ينشغلوا حتى بآلامه، بل ترتفع أنظارهم للمجد الأبدي فوق الآلام، حاسبًا شدائده مجدًا لا لنفسه فحسب وإنما أيضًا لهم، إذ يقول: “أَطْلُبُ أَنْ لاَ تَكِلُّوا فِي شَدَائِدِي لأَجْلِكُمُ الَّتِي هِيَ مَجْدُكُمْ” (٣: ١٣).
  5. يمارس محبته العملية نحو البشرية لا خلال الكرازة واحتمال الآلام من أجلهم فحسب وإنما أيضًا خلال الصلاة والشفاعة عنهم بروح التواضع: “بِسَبَبِ هَذَا أَحْنِي رُكْبَتَيَّ لَدَى أَبِي رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ… لِكَيْ يُعْطِيَكُمْ بِحَسَبِ غِنَى مَجْدِهِ أَنْ تَتَأَيَّدُوا بِالْقُوَّةِ بِرُوحِهِ فِي الإِنْسَانِ الْبَاطِنِ، لِيَحِلَّ الْمَسِيحُ بِالإِيمَانِ فِي قُلُوبِكُمْ…” (٣: ١٤–21).
  6. ككارزٍ للأمم دائم الدعوة للحياة الجديدة والفكر الجديد مع التخلي عن الحياة الأممية وذهنها الباطل: “لاَ تَسْلُكُوا فِي مَا بَعْدُ كَمَا يَسْلُكُ سَائِرُ الأُمَمِ أَيْضًا بِبُطْلِ ذِهْنِهِمْ… وَتَتَجَدَّدُوا بِرُوحِ ذِهْنِكُمْ، وَتَلْبَسُوا الإِنْسَانَ الْجَدِيدَ الْمَخْلُوقَ بِحَسَبِ اللهِ فِي الْبِرِّ وَقَدَاسَةِ الْحَقِّ” (٤: ١٧–٢٤).
  7. بروح التواضع يطلب الصلوات عنه وعن كل الكنيسة، إذ يقول: “مُصَلِّينَ بِكُلِّ صَلاَةٍ وَطِلْبَةٍ كُلَّ وَقْتٍ فِي الرُّوحِ، وَسَاهِرِينَ لِهَذَا بِعَيْنِه،ِ بِكُلِّ مُواظَبَةٍ وَطِلْبَةٍ، لأَجْلِ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ، وَلأَجْلِي، لِكَيْ يُعْطَى لِي كَلاَمٌ عِنْدَ افْتِتَاحِ فَمِي، لأُعْلِمَ جِهَارًا بِسِرِّ الإِنْجِيلِ” ( ٦: ١٨، ١٩).
  8. كعادته يختم الرسالة بالبركة الرسولية (٦: ٢٣، ٢٤).
  9. جاءت الافتتاحية مطابقة لافتتاحية الرسالة الثانية إلي أهل كورنثوس والرسالة إلي أهل كولوسي.
  10. تظهر بصمات الرسول بولس في التكوين الهيكلي للرسالة، الأمر الذي انفرد به دون غيره، إذ جاءت الرسالة تضم الآتي: التحية الافتتاحية، الشكر، الحديث العقيدي، الحث السلوكي، التحية الختامية ثم البركة الختامية.

ثانيًا: الأدلة الخارجية

بجانب ما حملته الرسالة من شهادة داخلية أنها من وضع الرسول بولس، فإنه توجد أدلة خارجية تؤكد ذلك، نذكر منها أنه كان لهذه الرسالة انتشار واسع المدى في منتصف القرن الثاني في الكنيسة الأرثوذكسية (المستقيمة الرأي) بل وحتى بين الهراطقة. فقد اقتبس منها الآباء إكليمنضس الروماني، وأغناطيوس أسقف أنطاكية[5]، وبوليكربس أسقف سميرنا[6]، هرماس في كتابه الراعي[7]، وأيضًا اقتبست منها الديداكية (تعليم الرب للإثني عشر رسولاً). وذكرها الهرطوقي مرقيون ضمن الأسفار القانونية (حوالي سنة ١٤٠ م) تحت اسم “الرسالة إلي اللادوكيين”، كما أدرجت في القانون الموراتاني[8] Muratorian Canon حوالي ١٨٠م ضمن رسائل بولس.

الاعتراضات على كاتب الرسالة والرد عليها

أولاً: اعتراضات خاصة بلغة الرسالة وطابعها Linguistic & Stylistic Arguments

يعترض بعض الدارسين والنقاد مثل[9] Goodspeed بأن الرسالة تحوي كثير من المفردات أو الكلمات اليونانية التي لم تستخدم في رسائل بولس الرسول hapax legomena (٣٦ كلمة)، بل وبعضها لم يستخدم في العهد الجديد كله (٤٢ كلمة). فمثلاً اعتاد الرسول أن يستخدم كلمة “Satanas (Satan)”، أما هنا فيستخدم كلمة “diabolos (devil)”  (أف ٤: ٢٧)، كما أيضًا في الرسائل الرعوية.

هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن طابعها ولغتها أقرب إلي الرسالة الأولى للقديس إكليمنضس الروماني (في عصر ما بعد الرسول بولس) منها إلي رسائل القديس بولس.

ويجيب الدارسون على هذه الاعتراضات، قائلين:

  1. علّة اختلاف المفردات vocabulary يرجع إلي اختلاف طابعها، فهي فريدة بين رسائله، “كرسالة ليتورچية”، ضمت بعض المقتطفات من التسابيح والليتورچيات الكنسية، لأن موضوعها هو “الكنيسة”، فجاءت بعض المفردات مقتطفة من الليتورچيات الكنسية.

هذا ويرى البعض أن سرّ اختلاف المفردات يرجع إلي الناسخ الذي يمليه الرسول بولس الرسالة وهو في السجن، إذ كان يستخدم نساخًا كثيرين.

  1. إن كانت قريبة إلي الرسالة الأولى لإكليمنضس الروماني، فلأن الأخيرة أخذت الكثير من هذه الرسالة.
  2. مع أن طابع هذه الرسالة ليتورچي، مختلف عن بقية الرسائل، لكنها مع هذا فهي قريبة جدًا إلي الرسول بولس، وفي جوهرها تحمل طابع وبصمات شخصيته بطريقة يصعب على آخر انتحالها، فهي بولسية تمامًا في طابعها كما سبق فرأينا.

ثانيًا: الاعتراضات الخاصة بالجانب الأدبي Literary Arguments

ركز بعض النقاد على هذه الاعتراضات بكونها أساسية، أهم هذه الاعتراضات هو التشابه القوي بينها وبين الرسالة إلي كولوسي، فإن أكثر من ربع كلمات أفسس مقتبسة من كولوسي، بينما أكثر من ثلث كلمات كولوسي مكررة في أفسس، (كما توجد ٨٣ كلمة مشتركة بين الرسالتين دون غيرهما) الأمر الذي لا نجده في الرسائل البولسية الأخرى. يقول النقاد لا يمكن لشخص كبولس الرسول صاحب الفكر المتجدد أن يكرر عبارات في رسالتين له، خاصة وأنه أحيانًا يستخدم كلمة ما بمعنى في رسالة من الرسالتين بينما ذات الكلمة تحمل معنى آخر في الرسالة الأخرى. مثال ذلك كلمة “سرّ” في كولوسي تشير إلي “المسيح”، بينما هي بعينها تشير إلي وحدة اليهود مع الأمم في أفسس.

بلغ Goodspeed إلي نتيجة خاصة وهي أن الرسالة إلي أفسس ليست من وضع الرسول بولس، إنما هي من وضع آخر بعد عهد الرسول مباشرة، أراد محاكاته مقتبسًا عبارات من كل رسائله بعد أن جُمعت هذه الرسائل، خاصة من الرسالة إلي أهل كولوسي.

ويُرد على ذلك بالآتي:

  1. الرسالة إلي أفسس، كما يرى بعض الدارسين، هي رسالة دورية لكل كنائس آسيا الصغرى خاصة لاودكية، فهي الرسالة إلي اللاودوكيون التي أشير إليها في الرسالة إلي كولوسي (كو ٤: ١٦). وقد سُجلت “الرسالة إلي أفسس” بكونها عاصمة آسيا الصغرى. وكما كانت لاودكية وكولوسي مدينتين متجاورتين لذا طالب الرسول بتبادل الرسالتين (كو ٤: ١٦)، خاصة وأنهما كُتبتا في وقت متقارب جدًا، وحملهما شخص واحد هو “تيخيكس” (أف ٦: ٢١؛ كو ٤: ٧)، وتناولا موضوعين متكاملين، فالرسالة التي بين أيدينا تتحدث عن الجسد المسيح، بينما الرسالة إلي كولوسي فموضوعها “المسيح رأس الكنيسة”. لذا يجب أن يوجد تقارب شديد بينهما. هذا التقارب لا يشكك في أن الكاتب واحد بل بالعكس يؤكد ذلك. فما حسبه النقاد برهانًا معارضًا إنما هو برهان ضدهم.
  2. لو أن كاتب آخر اقتبس من الرسول بولس من كل رسائله، لاقتبس عبارات كاملة لها رنينها الخاص، وليس كما حاول البعض وضع أعمدة بين الكلمات التي وردت في هذه الرسالة ورسائله الأخرى، حاسبين أن مجرد وجود كلمة واحدة أحيانًا علامة على اقتباسها من الرسائل البولسية. نقول العكس أن وجود كلمات مشتركة بين هذه الرسالة والرسائل الأخرى لهو تأكيد أنها رسالة بولسية.
  3. استخدام كلمات مشتركة في الرسالتين (أف، كو) بمعنيين مختلفتين لا يمثل حجه أنها غير بولسية بل بالعكس يحمل تأكيدًا أنها للرسول صاحب الفكر المتسع الذي يعطي للعبارة أكثر من معنى. فحينما يتحدث إلي أهل كولوسي عن “المسيح رأس الكنيسة” يحدثنا عن “السرّ” بكونه “سرّ المسيح”، وحينما يحدثنا في هذه الرسالة عن “الكنيسة جسد المسيح” يحدثنا عن “السرّ” بكونه إتحاد الكنيسة معًا في المسيح، سواء الذين من أصل أممي أو يهودي… فمع اختلاف المعنيين نجد انسجامًا وتكاملاً وليس تعارضًا.

ثالثًا: الاعتراضات الخاصة بالجانب التاريخي  Historical Argument

يرى بعض النقاد أن ثمة اختلاف بين هذه الرسائل والرسائل البولسية من الجانب التاريخي، من حيث أن هذه الرسالة تُظهر أن الصراع اليهودي الأممي قد استقر بينما في الرسائل الأخرى نجد الصراع حيًا وفعالاً، هذا ما جعل النقاد ينظرون إليها كرسالة متأخرة عن عصر الرسول بولس.

يُرد على ذلك بالآتي:

  1. إذ تحدث عن المصالحة بين اليهود والأمم الخلاص الصليب في جسد واحد “قاتلاً العداوة به” (٢: ١٤–١٦)، إنما تكلم بلغة لا يمكن إلاَّ أن تكون لغة الرسول بولس خادم الأمم الذي ركز أنظاره على “نقض حاجز السياج المتوسط” (٢: 1٤) قبل أن تُنقض أسوار أورشليم لتفتح للجميع.
  2. لو أن الرسالة قد كُتبت بعد الرسالة بولس لما حدث صمت عن سقوط أورشليم عندما حدث نقض الحجاب بين اليهود والأمم، الأمر الذي يؤكد أنها كُتبت في عصر الرسول.

3.غياب الحديث عن اضطهاد القرّاء يشير إلي أنها كُتبت في وقتٍ مبكرٍ جدًا من تاريخ الكنيسة، أي في العصر الرسولي.

رابعًا: الاعتراضات الخاصة بالجانب التعليمي Doctrinal Arguments

حاول بعض النقاد أن ينكروا نسبتها للرسول بولس بحجة اختلاف الأفكار التعليمية هنا عنها في الرسائل البولسية وذلك بخصوص “الكنيسة، المسيح، التعليم الاجتماعي”، ولا نريد هنا الخوض في التفاصيل إنما نريد توضيح الآتي أنه لا يوجد تناقض بين ما ورد في الرسائل الأخرى، إنما تباين وتمايز، يعطي للرسائل حيوية عوض التكرار، ويكشف أعماق الفكر اللاهوتي للرسول بولس دون جمود. خاصة وأن هذه الرسالة فريدة في موضوعها ألا وهو الكشف عن “جامعية الكنيسة”، وفريدة في اقتباسها من التسابيح والليتورچيات الكنسية.

نذكر على سبيل المثال بعض التباينات التي رآها النقاد:

  1. من جهة التعليم الخاص بالكنيسة، ففي الرسائل الأخرى يركز على الكنائس المحلية ويهتم بمشاكلها العقيدية والعملية، ويقدم تحيات خاصة بخدام أحباء عاملين في الكرم، أما هنا فلا نجد شيئًا من ذلك، ذلك لأن موضوع الرسالة هو “جامعية الكنيسة” (٤: ١–١٦)، فهو إذ يتحدث في هذا الأمر يرفعنا فوق كل ظروف كنيسة أفسس وأحداثها ومشاكلها والعاملين فيها ليعلن الكنيسة الواحدة، جسد المسيح وعروسه (راجع ٢: ٨–٩؛ ٤: ١٤؛ ٥: ٦). هذا هو الخط الواضح في الرسالة كلها متناسب ومتناغم مع الفكر الرسولي.

2.عندما يتحدث عن الرسل والأنبياء، يقدمهم كقديسين (٣: ٥)، وكأساس للكنيسة حيث المسيح حجر الزاوية (٢: ٢٠)، فظن البعض أن هذا الفكر الذي فيه توقير شديد للرسل والأنبياء يمثل ما بعد عصر الرسول، حيث كان الرسل قد رقدوا فكرّمتهم الكنيسة. هذا الاعتراض غير منطقي فإننا نجد الرسول بولس أحيانًا يدعو حتى المؤمنين أيضًا قديسين أو “مدعوين قديسين” (رو ١: ٧). أما حديثه عن الرسل بالأنبياء كأساس الكنيسة فهو فكر بولسي حق، سجله هنا عندما تحدث عن الكنيسة الجامعة.

3.عندما يتحدث عن الزواج (٥: ٢١–٢٣) يعطيه قدسية خاصة بربطه بمفهوم إتحاد الكنيسة بالمسيح، الأمر الذي لا نجده عند حديثه عن الزواج في ١ كو ٧. والسبب في هذا أنه هنا يقدم عرضًا عامًا لفهم سرّ الزواج، أما في ١ كو ٧، فيقدم إجابة خاصة بسؤال معين.

لمن أُرسلت؟

في بعض المخطوطات اليونانية القديمة لا توجد كلمتا “في أفسس”، لذا يرى بعض الدارسين أنها رسالة دورية وجهت إلي كل كنائس آسيا الصغرى لاسيما لاودكية، وأنا نسبت إلي “أفسس” بكونها عاصمة آسيا الصغرى في ذلك الحين.

هذه النظرية “إنها رسالة دورية” وجدت أيضًا اعتراضًا من بعض الدارسين، والكل فريق وجهة نظره ودلائله.

الفريق الأول يؤكد إنها رسالة دورية عامة مدللين على ذلك بعدم اهتمام الرسول بتقديم تحيات خاصة للعاملين في أفسس مع أن للرسول ذكريات كثيرة في هذه الكنيسة بكونه مؤسسها. هذا ولا نجد في الرسالة معالجة لمشاكل خاصة بكنيسة معينة كبقية الرسائل.

كما يقولون بأننا رجعنا إلي سفر الرؤيا (رؤ ٣: ١٦) نجد السيد المسيح القائم من الأموات يُعلن أنه ينزع اسم لاودكية من فمه، وبالفعل استبدلت لاودكية بأفسس.

بدأ مرقيون، في القرن الثاني، بفكرة إرسالها “إلي لاودكية”، وقد عارضه بعض آباء الكنيسة مؤكدين أنها أُرسلت إلي أفسس أصلاً. من بين الآباء المنادين بهذا الرأي: العلامة ترتليان[10]، والقديس إكليمنضس السكندري[11]، والقديس ايريناؤس[12]، والعلامة أوريجينوس، وأيضًا شهادة القانون الموراتاني.

أما الفريق الآخر المعارض لنظرية “دورية الرسالة”، فيرى أنها سُجلت في أواخر حياة الرسول، حين كان في سجن روما، موجهًا إياها لا إلي الكنيسة التي في أفسس ككل، وإنما إلي الأعضاء الذين هم من أصل أممي، إلي أشخاص لا يعرفهم، قبلوا الإيمان ونالوا العماد بعد رحيله النهائي من المدينة. فهو يعرف كنيسة أفسس التي أسسها، لكنه يتحدث هنا إلي الأمم.

هذا من جانب ومن جانب آخر فإنه إذ يكتب عن مفهوم “الكنيسة الجامعة” أراد ألاَّ يذكر أسماء ليرتفع بهم إلي ما فوق العلاقات الشخصية، بينما في الرسائل الأخرى يكتب عن مشاكل محلية، فأراد تأكيد علاقة المحبة الشخصية. إنهما فكران متكاملان ومتلازمان واضحان في حياة الرسول بولس الذي يود كراعٍ حقيقيٍ أن يعرف الرعية، إن أمكن شخصًا شخصًا، وذلك في المسيح يسوع، وفي نفس الوقت يرتفع بنظره فوق الأحداث ويرى كنيسة المسيح الواحدة والجامعة دون التحيّز لشخص أو أشخاص.

هذا ويرى هذا الفريق إن كان بعضًا من السكندريين قدموا الرسالة دون أن تعنوّن لكنسية معينة، فذلك لأنهم استخدموها في الليتورچيات الكنسية.

تاريخ كتابتها

لم يُظهر الرسول في هذه الرسالة متى كتبها ولا أين كتبها، لكنه أوضح أنه كان أسيرًا بدليل قوله: “أنا بولس أسير يسوع المسيح لأجلكم” (٣: ١)؛ “أطلب إليكم أن لا تكلوا في شدائدي لأجلكم” (١: ١٣)؛ “أنا الأسير في الرب” (٤: ١)؛ “أنا سفير في سلاسل” (٦: ٢٠).

الرأي الأرجح إنها كتبت حوالي سنة ٦٣م، حين أُذن له أن يستأجر بيتًا في روما لمدة سنتين، وقبل جميع الذين أتوا إليه، كارزًا بملكوت الله، بكل مجاهرة بلا مانع (أع ٢٨: ٣٠). في هاتين السنتين كتب كل رسائل الأسر: “كولوسي، أفسس، فيلبي، فليمون“.

غير أن الباحثين من أمثال Reuss وMayer يعتقدون أن الرسول بولس كتب الرسائل إلي أهل أفسس وإلي أهل كولوسي وإلي فليمون أبان سجنه في قيصرية (أع ٢٣: ٣٥؛ ٢٤: ٢٧) ما بين سنة ٥٨م و سنة ٦٠م. قدم ماير أربعة براهين يمكن الرد عليها[13]:

  1. أنه أكثر قبولاً أن يكون أنسيموس قد رحل إلي قيصرية عن أن يكون قد قطع رحلة طويلة ليذهب إلي روما، ويُرد على ذلك بأنه على العكس الأكثر قبولاً أن يتجه أنسيموس العبد السارق إلي روما، أولاً لبعدها عن مكان سيده (فليمون) لئلا يجده فيقتله، وثانيًا لأن روما متسعة يمكن أن يختفي فيها وليس مثل قيصرية المدينة الصغيرة حيث يمكن أن تنكشف قصته هناك.
  2. لو أن هذه الرسائل كتبت من روما كان من الطبيعي أن يعبر أنسيموس وتيخيكس حاملاً الرسائل على أفسس قبل وصولهما إلي كولوسي، وكان من الطبيعي أن يشير إليهما الرسول بولس في الرسالة إلي أفسس كما فعل في الرسالة إلي كولوسي (٤: ٩)، أما كونه لم يشر إلي الاثنين في الرسالة إلي أفسس فلأنهما جاءا من قيصرية إلي كولوسي أولاً حيث استقر أنسيموس ولم يذهب مع تيخيكس إلي أفسس، لهذا لم تكن هناك حاجة إلاَّ إلى ذكر تيخيكس، ويُرد على ذلك بأن الرسالة إلي أفسس غالبًا رسالة دورية إلي كل كنائس آسيا الصغرى فلا حاجة لذكر أنسيموس.
  3. في قوله: “ولكن لكي تعلموا أنتم أيضًا أحوالي...” (أف ٦: ٢١)، ما يشير إلي أن تيخيكس عبر أولاً على كولوسي وأخبرهم ثم ذهب إلي أفسس يخبرهم هم “أيضًا” بأحواله. وهذا يتحقق بمجيئه من جهة قيصرية لا روما. يُرد على ذلك بأن كلمة “أيضًا” تحمل تفاسير كثيرة، منها أنها تشير إلي أن الرسالة إلي أهل كولوسي قد كُتبت أولاً وحملت أخباره إلي المنطقة ككل، وجاءت هذه الرسالة تكمل الحديث لتعلن أن تيخيكس سيخبرهم بأمور جديدة أيضًا.
  4. طلب الرسول بولس من فليمون أن يعد له منزلاً (فل ٢٢) تعني أنه بالقرب منه في قيصرية. ويُرد على ذلك بأن الرسول لم يكن يتحدث عن مجيء سريع.

هذا وقد جاء التقليد الكنسي يؤكد أن رسائل الأسر كُتبت من روما وليس من قيصرية، خاصة وأن ما ورد في أف (١٦: ١٩، ٢٠) يوضح أن الرسول بولس كان يتمتع ببعض الحرية يستغلها في الكرازة بالإنجيل، هذا يناسب حاله في روما (أع ٢٨: ١٦) لا في قيصرية (أع ٢٤: ٢٣).

موضوع الرسالة

تُعتبر هذه الرسالة “كنسية” في جوهرها، موضوعها الرئيسي هو “الكنيسة” وعلاقة المسيح بها. الكنيسة بالنسبة للسيد المسيح هي الجسد بالنسبة للرأس (١: ٢٣)، والعروس لعريسها (٥: ٢٣–٣٢).

غاية الرسالة إعلان عن خطة الله في خلق شعب مسياني لله، جماعة مقدسة جديدة، متحدة بالرأس المسيح. هذا هو “سرّ محبة الله البشرية”.

بعد أن أكدّ الرسول في الأصحاحات الثلاثة الأولى عمومية الخلاص اليهودي كما للأممي أوضح في الأصحاحات الثلاثة الأخيرة (٤–٦) أن وحدة الإيمان والقداسة والسلوكيات الشخصية والاجتماعية وأيضًا أسلحة المؤمن الروحية يلزم أن تمارس من خلال الكنيسة وداخلها[14]. وقد دعاها بعض الدارسين “إكليل البولسية Crown of Paulinism”.

سماتها

اتسمت هذه الرسالة عن بقية الرسائل البولسية بالاهتمام بالفكر الكنسي الرسولي، لذا جاءت تحمل طابعًا خاصًا بها وسمات فريدة، نذكر منها:

أولاً: تمثل هذه الرسالة أنشودة كنسية أو تسبحة يلهج بها الرسول بولس المتهلل بالروح، إذ يرى الحجاب الحاجز بين اليهود والأمم قد انشق، والعداوة قد بطلت بالصليب، فجاءت رسالة ليتورچية Liturgical تسبيحية[15] Hymnodic، إذ فيها يشجع الرسول أن يتكلم كل واحد بالمزامير والتسابيح (٥: ١٩).

ثانيًا: ضمت هذه الرسالة بعض التسابيح كانت مستخدمة في عصره، أو مقتطفات منها، مثل: ١: ٣–١٤، ٢٠–٢٣؛ ٢: ٤–٧، ١٠، ١٤–١٨، ٢٠–٢٢؛ ٣: ٥، ٢٠–٢١؛ ٤: ٤–٦، ١١–١٣؛ ٥: ٢، ١٤، ٢٥–٢٧. هذه المقتطفات كان لها أثرها على لغة الرسالة كما رأينا وأسلوبها، نضيف إليها الآتي:

  1. كثرة الأفعال عن الأسماء بخلاف بقية الرسائل البولسية، فهنا نجد ٢٣١ فعلاً مقابل ١٥٨ اسمًا، بينما في غلاطية ١٣٩ فعلاً مقابل ٣٠٢ اسمًا، وفي رومية ٣٦٣ فعلاً مقابل ٣٧٧ اسمًا.
  2. كثرة حروف الجر مثل: “مثل، لأن، هكذا، لذلك الخ.”، تُستخدم في بداية المقتطف أو نهايته.
  3. تأتي العبارات المقتطفة أحيانًا في شكل عارض وسط النص.
  4. كثيرًا ما لا يذكر اسم الله إنما يكتفي بالقول: “الذي” أو “فيه” أو “خلاله”.
  5. يتحدث عن المنتفعين بإمكانيات الله في صيغة الشخص الأول الجمع، مثل “أبينا، ربنا، اختارنا الخ”.

ثالثًا:  إذ يتحدث عن الكنيسة عروس المسيح المتحدة مع الآب في ابنه، لذا أبرز الله ليس فقط كمجيدٍ (١: ١٧) وقديرٍ (١: ١٩) وإنما أيضًا كرحيمٍ (٢: ٤ الخ). تحدث عن الكنيسة بكونها “في المسيح”، إذ فيه تنال كل بركة سماوية (١: ٣)، وفيه تم اختيارها (١: ٤)، وفيه نالت الفداء (١: ٧) الخ[16]. كما أعلن قوة صليبه في المصالحة (ص ٢)، وأبرز عمل الروح القدس (٢: ١٨؛ ٣: ٥؛ ٤: ١ الخ؛ ٥: ١٨). بمعنى آخر الكنيسة هي من صنع محبة الآب محب البشر، وعمل الابن الذي ضمها إليه خلال الصليب بفعل الروح القدس واهب الشركة.

رابعًا: مادام الرسول يعلن عن الكنيسة الجامعة في إتحادها الخفي بعريسها السماوي، فقد أكدّ طبيعتها السماوية، ساحبًا قلوبنا إلي السماويات عينها. ففي الافتتاحية إذ يسبح الله يقول: “مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي بَارَكَنَا بِكُلِّ بَرَكَةٍ رُوحِيَّةٍ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيحِ” (١: ٣). نستطيع أن نقول أنه عني بقوله “في السماويات” أي “في الحياة الكنسية” بكونها تمتع بعربون السماء!

وعندما تحدث عن عمل الآب في المسيح رأس الكنيسة، قال: “أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، وَأَجْلَسَهُ عَنْ يَمِينِهِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ” (١: ٢٠) لكي به نقوم نحن من موت الخطية ونجلس في السماويات، أي نمارس الحياة الكنسية بكونها “حياة في المسيح السماوي”.

هذا ما عاد ليؤكده بقوله: “َأَقَامَنَا مَعَهُ، وَأَجْلَسَنَا مَعَهُ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ” (٢: ٦).

في الأصحاح الثالث يعلن: “لِكَيْ يُعَرَّفَ الآنَ عِنْدَ الرُّؤَسَاءِ وَالسَّلاَطِينِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ بِوَاسِطَةِ الْكَنِيسَةِ بِحِكْمَةِ اللهِ الْمُتَنَوِّعَةِ” (٣: ١٠).

حتى جهادنا ضد الشياطين إنما يتحقق لأجل السماويات، “فَإِنَّ مُصَارَعَتَنَا لَيْسَتْ مَعَ دَمٍ وَلَحْمٍ، بَلْ… مَعَ أَجْنَادِ الشَّرِّ الرُّوحِيَّةِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ” (٦: ١٢).

هكذا نرى الخط السماوي واضحًا، فالكنيسة حياة سماوية، وأبونا سماوي، ومسيحنا يجلس في السماويات ليُجلسنا معه، وعدو الخير يقاتلنا ليحرمنا من السماويات.

خامسًا: أبرزت الرسالة قدسية الكنيسة كحياة مع المسيح، حياة فائقة علوية لكنها واقعية ومُعاشة. لعل القديس يوحنا الذهبي الفم في عظته عن سقوط أتروبيوس إذ تحدث عن الكنيسة بفيض استوحى مفاهيمها القدسية من هذه الرسالة، فق جاء فيها:

[ليس شيء مستقر مثل الكنيسة، إنها خلاصكم وملجأكم!

عالية أعلى من السموات، وقريبة أقرب من الأرض.

إنها لا تشيخ، بل تبقى مزدهرة على الدوام…

آلاف الأسماء تحاول أن تعبّر عن سموها، كما يُلقب الرب بأسماء كثيرة… إنها عروس في وقتٍ ما، وابنة في وقت آخر، عذراء وأمة وأيضًا ملكة[17].]

هي عالية أعلى من السماء، لأنها ترفعنا إلي العضوية في جسد المسيح، الأمر الذي يشتاق السمائيون أن يدركوا أسراره، وهي قريبة منا جدًا أقرب من الأرض لأنها تمثل حياة نعيشها واقعيًا ونمارسها في حياتنا في الداخل كما في السلوك الظاهر.

سادسًا: لاحظ كثير من الدارسين أن هذه الرسالة، دون غيرها من رسائل معلمنا بولس الرسول، قد ركزت على السيد المسيح الممجد لا المتألم، وذلك لأنها رسالة الكنيسة الخفية التي وإن شاركت مسيحها آلامه لكنها ترجو التمتع بشركة أمجاده السماوية…

إنها رسالة إله المجد، الآب الممجد والابن الممجد. لذا في الأصحاح الأول نجده يكرر “مدح مجده” ثلاث مرات (١: ٦، ١٢، ١٤). فبممارستنا الحياة الكنسية نقدم أنشودة “مدح مجده” لا بألسنتنا فحسب، وإنما بكل حياتنا.

سابعًا: منذ سنة ١٨٣٥ حيث اعتقد F.C. Baur أن الرسالة إلي أفسس تحمل اتجاهات غنوسية ظهرت في النصف الثاني من القرن الثاني، اهتم الدارسون بمدى علاقة هذه الرسالة بالكتابات الغنوسية، خاصة بعد ظهور مخطوطات نجع حمادي الغنوسية المشهورة.

وقد ظن البعض أن الرسالة حملت أفكارًا غنوسية وضد غنوسية في نفس الوقت[18]، والسبب في ذلك أنه استخدم عباراتهم لكن بمفاهيم مختلفة تمامًا عن مفاهيمهم، وقد سبق لنا الحديث في هذا الشأن[19]، نذكر على سبيل المثال أن الرسول بولس كثيرًا ما تحدث في هذه الرسالة عن “المعرفة” لكنه لا يقدم “معرفة gnosis” حسب الفكر الغنوسي التي تعني احتلال العقل والمعرفة البشرية محل الإيمان، وإنما يتحدث عنها كعطية علوية تعلن ما هو خفي، غايتها الخلاص، تربط مقتنيها بالله كطريق حياة روحي، مركزها السيد المسيح.

أقسام الرسالة

الباب الأول: سرّ خطة الله، “شعب الله المسياني”        ص ١ – ٣.

  1. الكنيسة وسرّ المعرفة ص ١.
  2. الكنيسة وسرّ المصالحة ص ٢.
  3. الكنيسة الجامعة وسرّ المسيح ص ٣.

الباب الثاني: الحياة الكنسية العملية                    ص ٤ – ٦.

  1. الوحدة وإضرام المواهب ص ٤.
  2. العبادة والسلوك ص ٥.
  3. الحياة العملية والجهاد الروحي ص ٦.

[1] New Westminster Dictionary of the Bible, p 271.

[2] Jos. Antiq. 14: 10, 11, 13.

[3] Donald Guthrie: The N.T. Introd., p 479 ff.

  1. Cullmann: N.T. Introd., 1968 (Ep. To Ep.)

[4] الثمان نقاط الأولى مقتبسة من دونالد جاثري في كتابه “مقدمات في العهد الجديد، بشيء من التصرف”.

[5] Ep. ad Eph. 12.

[6] Ep. ad Phil 12: 1.

[7] SIm 13: 5.

[8] Line 51.

[9] Key to Ephes. 1956, VI.

[10] Adv. Marc. V: 17.

[11] Stromata 4: 6: 1.

[12] Adv. Haer. 5: 2: 36.

13 راجع مذكرة الدكتور موريس تاوضروس: “دراسات في الرسالة إلي أفسس”، ص ٩، ١٠.

[14] Oscar Cullmann: The New Testament Intr., 1968, p 78.

[15] The Anchor Bible, Ephesians, vol 1, p 6 (N.Y. 1980)

[16] للمؤلف: القديس بولس الرسول ومنهجه الإنجيلي…، ١٩٨٥، ص ٤٠.

[17] P.G. 52: 402.

[18] The Anchor Bible, p 12 – 18

[19] للمؤلف: القديس بولس الرسول ومنهجه الإنجيلي…، ص ٣٠، ٣١.

تفسير رسالة أفسس – المقدمة – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة كولوسي 4 الأصحاح الرابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة كولوسي 4 الأصحاح الرابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة كولوسي 4 الأصحاح الرابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة كولوسي 4 الأصحاح الرابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

 

الأصحاح الرابع: المسيح والحياة الخارجيّة

 

السيّد المسيح هو قانون حياتنا، والموجّه لسلوكنا الخارجي كما الداخلي. يقدم الأصحاح الأخير من هذه الرسالة مرحلة أخرى من حياتنا في المسيح، الحياة الخارجية، وقد وجدنا أَن علينا أن ننمو داخليًا، وفينا تثمر فضائل الحياة الجديدة في المسيح، لكن ثمة شيء أكثر. نريد لحياتنا الجديدة أن يراها الآخرون ويشعروا بها (4: 5) بهذا نقدم السيد المسيحَ للعالم. فإن الاسم “مسيحي” معناه: “مسحاء صغار متحدون بالسيد المسيح”. لم تنتهِ حياة المسيح بإتمام كتابة الأناجيل، فالمسيح يحيا فينا نحن. وحياته اليوم هي بالأحرف الحية التي يعرفها ويقرأها جميع الناس.

1- وصية للسادة 1.

2- الصلاة من أجل الخدمة 2-4.

3- الاهتمام بالذين في الخارج 5-6.

4- تشجيع العاملين معه 7-14.

5- الختام 15-18.

1. وصية للسادة

أيها السادة قدموا للعبيد العدل والمساواة،

عالمين أن لكم أنتم أيضا سيدًا في السماوات” [1].

إذ تحدث مع العبيد لخدمة سادتهم، في طاعة لهم من أجل الرب، يوصي الآن السادة أن يسلكوا لا بروح السلطة، بل في خضوع لسيد الكل، متذكرين أنهم سيقدمون حسابا له. “لآن فوق العالي عاليًا يلاحظ والأعلى فوقهما” (جا 5: 8). يليق بهم في معاملتهم مع العبيد أن يتعرفوا على القانون السماوي: “بالكيل الذي به تكيلون، يكال لكم” (مت 7: 2)، “لأن الحكم بلا رحمة لمن لم يعمل الرحمة” (يع 2: 13).

  • ما هو “العدل” وما هي “المساواة”؟ أن نجعلهم في وفرة، غير معوزين شيئًا من الآخرين، بل أن نعوضهم عن تعبهم وعملهم. ولأنني قلت إن لهم مجازاة عند الله، فلا تحرموهم أنتم منها. ويقول في موضع آخر “تاركين التهديد” (أف 6: 9) راغبين أن تصيروهم أكثر لطفًا، فهكذا يكون دأب الكاملين، أي “بالكيل الذي به تكيلون، يُكال لكم” (مت 7: 2)[1].

القديس يوحنا الذهبي الفم

2. الصلاة من أجل الخدمة

“واظبوا على الصلاة ساهرين فيها بالشكر” [2].

يقدم لنا الرسول أربع سمات هامة للصلاة:

  1. المثابرة أو الاستمرارية، أو الصلاة بلا انقطاع، فهي أشبه بالمحرقة الدائمة المقدمة صباحًا ومساءً، يشتمها الرب رائحة سرور وقود للرب (خر 29: 38-39)، هي أشبه بنار المذبح التي لم تكن تُطفأ. “ينبغي أن يًصلى كل حين ولا يمل ” (لو 18: 1). مداومة الإكثار من الصلاة تمكنا من بلوغ قصد الله والاتصال به، وتساعدنا في تنامى معرفتنا به، ومعرفته هي الحياة الأبدية، ولا تغير الصلاة الأشياءَ بل تغيرنا نحن”.
  2. السهر أو اليقظة الروحية، فتقدم الصلاة بفهمٍ ويقظة. “أهكذا ما قدرتم أن تسهروا معي ساعة واحدة ” (مت 26: 40).
  3. الصلاة من أجل الخدام لكي يفتح الرب لهم بابًا للكلام، ويكشفوا سرّ المسيح، أو سرّ حب الله الفائق لكل العالم.
  4. الشكر، حيث يقدم المؤمن ذبيحة شكر وتسبيح لله. وكما كتب الرسول: “لا تهتموا بشيءٍ، بل في كل شيء بالصلاة والدعاء مع الشكر، لتعلم طلباتكم لدي الله؛ وسلام الله الذي يفوق كل عقل، يحفظ قلوبكم وأفكاركم في المسيح يسوع” (في 4: 6-7).
  • لأن الشيطان يعرف مقدار عظمة الصلاة، لهذا يضغط وبشدة. وبولس أيضًا يعرف كم يصلي كثيرون بعدم اكتراث، بهذا يقول: “واظبوا على الصلاة منتبهين مع الشكر”، لأن هذه هي عادة القديسين: أن يصَّلوا وأن يشكروا لنفع الجميع[2].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • ليس للشكر مكان (موضع) في النفس والبركات الروحية فحسب، بل أيضًا للجسد ولصالح الجسد[3].

القديس إإكليمنضس السكندري

  • نقرأ أيضًا في الإنجيل كيف كان الرب يقضى الليالي كلها في الصلاة وكيف أن الرسل حينما سُجنوا كانوا يمضون الليل كله في ترنيم المزامير، حتى تزلزلت الأرض وآمن حارس السجن وامتلآ الحراس والمساجين بفزع كبير. ويقول بولس “واظبوا علي الصلاة منتبهين“. ويتحدث عن نفسه في موضعٍ آخر أنه كان “يواظب منتبهًا دائمًا”. قد ينام السهران إذا أراد، وقد يكف عن نومه. يعبر مهلك مصر والمصريين لكن فليقل (الساهر) مع داود: “هوذا لا ينعس ولا ينام حافظ إسرائيل” هكذا يأتي إلينا القدوس والحافظ، وإن هو نام بسبب خطايانا، فلنقل له “استيقظ، لماذا تنام يا رب؟” وإذا سفينتنا تلاطمها الأمواج فلنوقظه، ونقول: “يا سيد، أنقذنا إننا نهلك”[4].

القديس جيروم

“مصلين في ذلك لأجلنا نحن أيضًا،

ليفتح الرب لنا بابًا للكلام،

لنتكلم بسرّ المسيح،

الذي من أجله أنا موثق أيضًا” [3].

ألم يكن الرسول بولس ممتلئًا بالروح خبيرًا بأسرار الملكوت؟ ألم يكن مقتدرا في تقديم كلمة الله؟ فلماذا يطلب من أهل كولوسى الصلاة من أجله لكي يعطيه الرب كلمة عند افتتاح فمه؟ كان يؤمن بحاجة كل خادمٍ إلى صلوات الشعب عنه، ولكي يشترك الكل معًا في الكرازة، سواء بالصلاة أو بالكلمة. فالشعب شريك الرسل في هذه النعمة (في 1: 7).

سرّ المسيح” هو سرّ حكمة الله المكتومة منذ الدهور (1 كو 2: 7-8). كما يقصد به سرّ المسيح المعلن في الرسول نفسه ليبشر به بين الأمم (غل 1: 16). هو سرّ “الكلمة” التي سعى بولس لإعلانها، رسالة الإنجيل عمومًا وشخص المسيح بوجه خاص. يشير بولس هنا إلي الحق المعلن بشكل خاص عن ربنا يسوع، شخصه وعمله كمسيح الله.

الذي من أجله أنا موثق أيضًا” من أجل هذا السرّ، قاسى الرسول بولس الكثير من اليهود، فصار مقيدًا بسلاسلٍ (أف 6: 20)، لكنه في تواضع يطلب منهم الصلاة من أجله. “فبكل سرورٍ أفتخر بالحري في ضعفاتي لكي تحل علي قوة المسيح. لذلك أسر بالضعفات والشتائم والضرورات والاضطهادات والضيقات لأجل المسيح، لأن حينما أنا ضعيف فحينئذ أنا قوي” (2 كو 12: 9-10).

لم يسألهم بولس أن يصلوا ليخفف (الله) أحماله أو يطلق سراحه (كو 4: 18) ولم يطلب حتى أن تُنقذ حياته (فى 4: 11)، لكن في تلك الساعة الحالكة كان تفكيره منحصرًا فقط في أن “يفتح الله بابًا للكلمة” من أجلنا.

  • يا للعجب! لم يقل البطل العظيم “لكي أتحرر من وثقي” بل لأنه كان في القيود كان يحث الآخرين، ويخصهم لأجل قصدٍ عظيمٍ أن تكون له جسارة على الكلام[5].

القديس يوحنا الذهبي الفم

“كي أظهره كما يجب أن أتكلم” [4].

إذ شبع القديس بفيض غنى نعمة المسيح التي لا تستقصى (أف 3: 8)، وأدرك قوة الصليب بكونه قوة الله الخلاصي (1 كو 2: 3؛ 1: 18)، وتمتع بالمصالحة مع الله، ورأى أبواب السماء مفتوحة أمامه، وملكوت الله قائم في أعماقه، شعر بالالتزام أن يتكلم ولا يصمت.

  • إن قيوده تسنده ولا تعوقه!… أجل، إن قيودي تعطيني جسارة أعظم، لكني أصلي من أجل إعانة الله لي أيضًا، لأنني سمعتُ صوت المسيح يقول: “إذا سلموكم لا تهتموا كيف أو بماذا تتكلمون” (مت 10: 19).

يكون السجين في هلع، حينما لا يكون تحت طائلة من القيود، لكن الذي يحتقر الموت كيف يخشى السلاسل؟ إنهم يفعلون نفس الشيء وكأنهم قيدوا بالوثق بولس وأغلقوا فمه[6].

القديس يوحنا الذهبي الفم

3. الاهتمام بالذين في الخارج

“اسلكوا بحكمة من جهة الذين هم من خارج،

مفتدين الوقت” [5].

يرى القديس بولس كل بشر من خلال مسيحه، فكما نزل كلمة الله إليه لكي يدخل به إلى الحياة الجديدة السماوية، هكذا بروح الرب يقول القديس بولس مقتديًا بسيده: “صرت للكل كل شيءٍ، لأخلص على كل حال قومًا” (1 كو 9: 22).

يطالبنا الرسول بولس نحن أيضا أن نسلك مع الغير بحكمةٍ وبتدقيقٍ لكي نقتنيهم لحساب ملكوت الله. فبالسلوك اللائق يمكننا ان نشهد لمسيحنا، ونسحب القلوب إلى الصليب ليتمتع كثيرون بقوة الله للخلاص، وينفتح أمامهم باب الرجاء.

كل لحظة من لحظات عمرنا لها تقديرها، يمكن أن تكون سرّ بركة أو مرارة وهلاك، لهذا يقول: “مفتدين الوقت” [5].

“ليكن كلامكم كل حين بنعمة، مصلحًا بملح،

لتعلموا كيف يجب أن تجاوبوا كل واحد” [6].

لنحرص أن تكون كلماتنا مصلحة بملحٍ سماويٍ، ممسوحة بمسحة الوداعة ومخافة الرب. لهذا يصرخ المرتل: “ضع يا رب حافظًا لفمي وبابًا حصينًا لشفتي” (مز 141: 3). لتكن كلماتنا انعكاسًا لتقديس قلوبنا بروح الله القدوس. وكما يقول الحكيم: “للإنسان تدابير القلب، ومن الرب جواب اللسان” (أم 16: 1).

  • ما من إنسان أسعد من المسيحي، إذ له أعطي الوعد بملكوت السماوات وما من إنسان يجاهد بجسارة تفوق جسارته، لأنه يجابه كل يوم الخط الذي يحدد حياته، وما من إنسان أقوى منه، لأنه يغلب الشيطان[7].
  • المِلح جيد، وكل تقدمة يجب أن تملحَّ بملح. لهذا أوصى الرسول قائلاً: “فليكن كل كلامكم بنعمة، مملحًا كما بملح”. لكن إن فسد الملح فإنه يُطرح ولا يصلح بعد لشيء إلا لأن يُداس من الناس ويُلقى في الهاوية (الفرن) لهذا يلزم أن يسعى المؤمنون للسماء لتخصيب تربة نفوسهم[8].

القديس جيروم

4. تشجيع العاملين معه

“جميع أحوالي سيعرفكم بها تيخيكس،

الأخ الحبيب، والخادم الأمين، والعبد معنا في الرب” [7].

كان القديس بولس في السجن يتحرك بكل كيانه الداخلي في كمال حرية مجد أولاد الله للعمل الكنسي الكرازي والرعوي.

يكشف الرسول بولس في كل رسائله التي سجلها في السجن، أنه لم يكن السجن بالنسبة له عائقًا بل فرصة للرعاية والكرازة وتشجيع تلاميذه للعمل لحساب الملكوت في بلاد كثيرة,

  • يا للعجب! ويا لعظم حكمة القديس بولس! تأملوا كيف لم يودع رسائله كل شيء، بل الضروري والمِّلح، ففي المقام الأول لا يريد تشتيت أذهانهم بالإسهاب، وثانيًا يريد أن يجعل رسوله (تيخيكس) محاطًا بالتوقير بإصباغ عبارات الإقدام عليه، وثالثًا، تظهر مدى حبه ووده له، وإلا ما ائتمنه علي تلك الاتصالات[9].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • يدعو بولس العبدَ أخًا، ولهذا إذ يصف نفسه بأنه عبد المؤمنين (2 كو 4: 5) يليق بنا أن نهبط نحن جميعًا بكبريائنا ولنطأ بأقدامنا ما لنا من افتخار[10].
  • يظهر هنا حبه العظيم، عالمًا أنه قد أرسله لهذا القصد عينه، وكان ذلك سبب رحلته، هكذا أيضا حينما كتب إلي أهل تسالونيكى، قال: “لذلك إذ لم نحتمل أيضًا استحسنا أن نُترك في أثينا وحدنا، فأرسلنا تيموثاوس أخانا ” (1 تس 3: 1، 2) وقد أرسل نفس الشخص إلي أهل أفسس ولنفس القصد، “ليتعرف علي أحوالكم، وليعزى قلوبكم” (أف 6: 21، 22) تأملوا، ماذا يقول؟ لم يقل: “لتعرفوا أحوالي” بل “لأعرف أنا أحوالكم” ولم نره في أي موضع ينشغل بأحواله هو ويذكرها، ويوضح أنهم أيضًا كانوا في متاعب، بتعبير “ويعزي قلوبكم”[11].

القديس يوحنا الذهبي الفم

“الذي أرسلته إليكم لهذا عينه ليعرف أحوالكم ويعزي قلوبكم” [8].

يبعث إليهم الرسول أخاه الحبيب تيخكس، شريكه في العمل ليهتم برعايتهم ويعزي قلوبهم. إن كان في سجنه كتب رسائل لأهل أفسس وكولوسي كما كتب رسالته الثانية إلى تلميذه تيموثاوس، ورسالته إلى فليمون لتبقي هذه الرسائل سرّ تعزية للكنيسة في العالم كله عبر كل الأجيال، فقد بعث أيضًا رسائل شفوية استودعها مع تيخكس وأنسيمس.

“مع أنسيمس الأخ الأمين الحبيب،

الذي هو منكم،

هما سيعرفانكم بكل ما ههنا” [9].

توصية القديس بولس بأنسيمس في الرسالة إلى فليمون تيسِّر عودة هذا العبد الهارب، وتذكر القارئ أنه الآن أخ في المسيح.

  • يضيف أيضًا مديحًا لمدينتهم لكي يكفُِّوا عن الخجل، ليس هذا فحسب، بل ليكفوا عن التشامخ عليه[12].

القديس يوحنا الذهبي الفم

أنسيمس:، عبد فليمون اختلس من أموال سيده وهرب إلى روما حيث التقى بالرسول بولس الذي بشره بالإنجيل، وولده ثانية وهو في قيود الإنجيل (فل 10) وتأهل أن يكون أسقفًا. أرسله إلى سيده ومعه رسالة إليه (راجع الرسالة إلى فليمون). يدعو العبد أخًا أمينًا، إذ يشهد لشعب كولوسي عن غنى نعمة الله التي حولته من عبدٍ هاربٍ ولص إلى ابن لله مقدس يحمل طبيعة جديدة.

“يسلم عليكم أرسترخس المأسور معي،

ومرقس ابن أخت برنابا،

الذي أخذتم لأجله وصايا أن آتى إليكم فأقبلوه” [10].

سجن الرسول لم يجعله في عزلة عن الكنيسة، فبالروح كان في وحدة مع كل الأعضاء بكونهم جسد المسيح الواحد. وفي السجن التف حوله خدام أمناء.

أرسترخس: من تسالونيكي تعرض لوحوش أفسس كما لأخطار البحر الهائج. خاطر بمواجهة وحوش في أفسس حين اضطربت المدينة بسبب القديس بولس، واندفعت الجموع بنفسٍ واحدةٍ إلى المسرح خاطفين غايس وأرسترخس المكدونيين رفيقي بولس في رحلته من أورشليم إلى رومية، ثم تطوع أن يخدمه في السجن. يرى البعض أنه ليس هذا هو نفس أرسترخس المذكور في سفر أعمال الرسل (20: 4، 27: 2) فذاك الشخص كان مقدونيًا من تسالونيكي، أما هذا الشخص هنا فهو يهودي، وسواء صاحب بولس إلي روما أو أسر إليها سجينًا في زمن لاحق، فنحن لا نعلم. علي أية حال، فمن زنزانة في روما، يرسل أرق تحياته الطيبة إلي الإخوة في كولوسى.

انحصر أرسترخس بمحبة المسيح، ولم تكن نفسه ثمينة عنده حتى أكمل سعيه بفرحٍ، والخدمة التي تقبلها من ربنا يسوع، متمثلاً بصديقه القديس بولس.

مرقس ابن أخت برنابا“: وهو القديس مرقس الرسول كاروز الديار المصرية. انحدر عن أسرة يهودية عريقة في أورشليم وقد عرف الإنجيل مبكرًا (أع 12: 5، 12)، وكشابٍ صغيرٍ التحق بالخدمة برفقة بولس وبرنابا في أولى رحلاتهما، لكنه سرعان ما عاد من برجة بمفيلية (أع 12: 25؛ 13: 5، 13)، وقد تسبب هذا في خلاف بين الرسولين بولس وبرنابا، فأخذ الأول سيلا والثاني مرقس (أع 15: 38). وإن كان قد تصالح أخيرًا مع القديس بولس. قال عنه لتلميذه تيموثاوس: “نافع لي للخدمة” (2 تي 4: 11). طلب من أهل كولوسي أن يقبلوه، ربما لأنهم عرفوا منذ حوالي عشرة سنوات رفض الرسول بولس أن يأخذه معه في رحلته الكرازية الثانية.

  • لا شيء يفوق هذا المديح، عن ذاك الذي أتى خادمًا معه من أورشليم، فقد قال هذا الرجل أشياء أعظم من التي قالها الأنبياء، لأنهم كانوا يدعون أنفسهم “غرباء وأجانب” لكن هذا الإنسان يسمى نفسه “سجينًا” وكسجين حرب كان يُجَّر هنا هناك وحسب هوى كل فرد يعاني شرًا، بل وتساء معاملته أكثر من السجناء[13].

القديس يوحنا الذهبي الفم

 

“ويسوع المدعو يسطس الذين هم من الختان،

هؤلاء هم وحدهم العاملون معي لملكوت الله،

الذين صاروا لي تسلية” [11].

يسوع المدعو يسطس“: وهو ليس يسطس نفسه المذكور في أع 1: 23. جندي مجهول، اسمه مثل كثيرين محفوظ في سجلات السماء وإن كنا لا نعلم عنه شيئًا.

يحدثنا القديس بولس عن التعزية (التسلية) التي تلقاها من معاونيه. فالرسول بولس الذي في وسط أحلك اللحظات يقول: “سلمنا فصرنا نحمل” (أع 27: 15)، والذي كثيرًا ما يؤكد أن يسوع المسيح هو قوته وسرّ تعزيته ومسرته، لن ينكر دور الأحباء العاملين معه. عندما استقبله المسيحيون في فورت أبيوس بجوار مدخل روما، شكر الله وتشجع (أع 28: 15). مرة أخرى توقع أن يرى تلميذه تيطس، وإذ لم يجده لم يحتمل بالبقاء في المدينة فاضطر أن يتركها (2 كو 2: 13). تكشف رسائله، خاصة ص 16 من رسالته إلى أهل رومية، عن دور أحبائه ومعاونيه في حياته وفي خدمته.

  • يذكر ثلاثة أسماء يهودية (أرسترخس ومرقس ويسطس)، وثلاثة أسماء أممية (أبيفراس ولوقا وديماس)، أما تيموثاوس فكان خليطًا.
  • يقول: “العاملين معي، لملكوت الله“، فإنهم شركاؤه في التعب والكد، فهم شركاء (أيضًا) في الملكوت[14].

القديس يوحنا الذهبي الفم

“يسلم عليكم أبفراس الذي هو منكم،

عبد للمسيح،

مجاهد كل حين لأجلكم بالصلوات،

لكي تثبتوا كاملين وممتلئين في كل مشيئة الله” [12].

أبفراس: رجل صلاة يجاهد معه بالصلوات من أجل نمو ملكوت الله. بالنسبة له الصلاة ليست عملاً روتينيًا، وليست واجبًا يلتزم به، لكنها معركة ضد قوات الظلمة، حيث يطلب غنى نعمة الله لتعمل في حياة الكثيرين. الله يطلب رجل صلاة: “وطلبت من بينهم رجلاً يبني جدارًا ويقف في الثغرة أمامي عن الأرض لكيلا أفنيها، فلم أجد، فسكبت سخطي عليهم”. مع جهاده في الصلاة كان خادما أمينا للمسيح بشر كنائس نهر اللوكس (كولوسي ولاودكية وهيرابوليس كو 1: 7). الآن وهو في زيارة للرسول بولس في رومية لم يشغله هذا عن جهاده بالصلاة من أجل مخدوميه.

  • وُصفت صلوات كلمة الله المتجسد نفسه أنها قدمت بصراخٍ شديدٍ ودموعٍ وطلباتٍ وتضرعاتٍ (لو 22: 41، 44 ؛ عب 5: 7).

لم يكف رجال الله عن الصلاة من أجل الشعب (عز 9: 5-7؛ خر 32: 11-14؛ إر14: 7-9).

في بداية هذه الرسالة أيضًا، يوصى بهذا الرجل الذي أحبه، لأن المدح علامة حب، لهذا قال في البداية: “الذي أيضًا أطلعنا علي ما أنتم عليه من المحبة بالروح” (كو 1: 8) والصلاة لأجل إنسان هي أيضا علامة حب، بل وتعيد الحب من جديد… وهو يقول: “لا ينفك يجاهد عنكم في صلواته”، ولم يقل فقط: “يصلي” بل “يجاهد في الصلاة” في خوفٍ ورعدةٍ[15].

القديس يوحنا الذهبي الفم

“فإني أشهد فيه أن له غيرة كثيرة لأجلكم،

ولأجل الذين في لاودكية،

والذين في هيرابوليس” [13].

المدن الثلاث، كولوسى واللاذقية وهيرابوليس، كانت قريبة جدًا من بعضها البعض ويمكن أن يزورها المرء في يومٍ واحدٍ. وقد أرسلت تلك الرسالة إلي أهل كولوسى ولاودكية (4: 15) ولم ترسل إلي أهل هيرابوليس، مما يدل علي أن ما كان في المدينتين لم ينتشر في الأخيرة آنذاك.

“يسلم عليكم لوقا الطبيب الحبيب وديماس” [14].

لوقا الطبيب الحبيب: رافق القديس بولس في رحلتيه الثانية والثالثة، وها هو بجانبه في الرحلة الأخيرة قبل محاكمته أمام قيصر. ” لوقا وحده معي” (2 تي4: 11). وقد خدم الرب باستقامة، وكان ممتلئًا بالروح القدس وتنيح في الرابعة والثمانين من عمره.

5. الختام

“سلموا على الإخوة الذين في لاودكية،

وعلى نمفاس، وعلى الكنيسة التي في بيته” [15].

يختم الرسول رسالته بتحياته وبركاته.

من كان نِمفاس؟ وأين عاش؟ من المحتمل أن الكنيسة التي في بيته، هي نفسها كانت في هيرابوليس، طالما أن تلك المدينة لم يورد ذكرها هنا.

وكان من المألوف في أزمنة العهد الجديد أن يفتح أخ غنى بيته الواسع لأجل استقبال المؤمنين (وقت الاجتماعات).

وكانت رسالة القديس يوحنا إلي أهل اللاذقية، والتي كتبت بعد 30 سنة فيما بعد، تكشف عن تلك الكنيسة في المراحل الأخيرة للارتداد (رؤ 3: 14-19).

  • تأملوا كيف يوحدهم معًا، لا بالتحية فقط بل بتبادل الرسائل أيضًا. ثم يبعث إليهم بتحية مرة أخرى، إذ يخاطبهم فردًا فردًا. وهو لا يفعل ذلك بدون سبب، بل ليقود الآخرين أيضا ليتمثلوا بغيرته المتقدة، لأنه ليس شيئًا تافهًا أن يُهمل ذكرك بين الآخرين. تأملوا أيضًا كيف يكشف عن عظمة دور هذا الإنسان إذ كان بيته كنيسة[16].

القديس يوحنا الذهبي الفم

“ومتى قُرئت عندكم هذه الرسالة،

فاجعلوها تقرا أيضا في كنيسة اللاودكيين،

والتي من لاودكية تقرأونها أنتم أيضًا” [16].

كان القديس بولس يهتم اهتمامًا خاصًا بتلك الكنائس، حتى وإن لم يكن يعرف غالبية شعبها (2: 1).

كانت “رسالة بولس إلي اللاذقية” محل العديد من الجدل، إذ يقول القديس يوحنا الذهبي الفم [يقول البعض إن تلك لم تكن رسالة بولس إليهم، بل رسالتهم إليه، لأنه لم يقل الرسالة إلي أهل لاودكية بل التى “من لاودكية “[17].]

يرى البعض أن الرسالة إلى لاودكية هي الرسالة إلى أهل أفسس بكونها عاصمة آسيا، وهي رسالة دورية لكل الكنائس في المقاطعة بما فيها لاودكية.

“وقولوا لارخبس،

انظر إلى الخدمة التي قبلتها في الرب، لكي تتممها” [17].

لم يكن أرخبُّس في كولوسى، بل بالحري كان خادمًا في الكنيسة التي في بيت فليمون (فل 2)، لكنه كان قريبًا منهم بالدرجة التي تجعل نقل الرسالة إليه أمرًا سهلاً للغاية. ذكر أيضًا في فل 2 “أرخبس المتجند معنا”، وها هو يذكره هنا بالخدمة التي تسلمها وقبلها في الرب. اعتاد الرسول أن يذكر تلاميذه والخدام العاملين معهم بدعوتهم لكي لا تفتر محبتهم ولا تضعف أمام مقاومة عدو الخير المستمرة لهم. هذا ما فعله مع تلميذه الصريح في الإيمان تيموثاوس: “وأما أنت فأصح في كل شيء. احتمل المشقات، أعمل عمل المبشر، تمم خدمتك ” (2 تي 4: 5). وفعله أيضًا مع قسوس أفسس (أع 20: 18- 32).

  • لماذا لم يكتب إليه؟ ربما لأنه لم يكن يحتاج إليها، بل ما يحتاج إليه مجرد تذِكرة ليصبح أكثر اهتمامًا ونشاطًا[18].

القديس يوحنا الذهبي الفم

بقوله “في الرب” يذكِّر القديس بولسُ أرخيبُّس أن خدمته هي هبة روحية وليست وظيفة رسمية (قابل رو 12: 6-8، 1 كو 12: 5، أف 4: 12).

“السلام بيدي أنا بولس،

اذكروا وثقي،

النعمة معكم. آمين” [18].

يكتب الرسالة والقيود في يديه، يسجلها لا بقلمه كفكرٍ فلسفيٍ، ولكن بقيوده كخادمٍ متألمٍ محبٍ لخلاص الكل. فما يطلبه من القراء قد تممه واختبره وسط الضيقات المستمرة, وكأنه يكتب: “لست أكتب إليكم من فراغ، ولكن من منبر الصليب العملي، حيث أختبر نعمة المسيح المصلوب الغنية. ليتكم تتمتعون بنعمته كما اختبرها حتى في قيودي”. يذكِّر القديس بولس من يقرأ له بأن من يتألم لأجل المسيح له الحق في أن يتكلم نيابة عن المسيح، بهذه الملحوظة يختتم الرسول رسالته.

بعد إملاءه الرسالة، كان بولس يذكر مصداقيتها كعادته (قابل 1 كو 16: 21، غل 6: 11، 2 تس 3: 17، فل 19)، وذلك بكتابته بيده سلامًا إليهم.

  • هذا دليل علي إخلاصهم ومودتهم، أنهم كانوا يتطلعون إلي كتابة خط يده بكل الود…

اذكروا قيودي. النعمة معكم” لقد حررهم من الخوف، فبالرغم أن معلمهم في قيود، فإن “النعمة” تسند خوفهم. وهذا أيضًا بسبب النعمة، أعني أن يوثق بسبب الخدمة. اسمعوا لوقا يقول: “وأمّا هم فذهبوا فرحين من أمام المجمع، لأنهم حُسبوا مستأهلين أن يهانوا من أجل اسمه (أع 5: 41)…

هل ارتفعت بسبب أعمالكم الحسنة؟ تذكروا قيود بولس وأنكم لم تعانوا مثلما عانى، وحينئذ لن تتشامخوا ثانية…

تذكروا سلاسل بولس، وسوف ترون كم يبدو الأمر غير معقول أنه وهو في الضيقات، تكونون أنتم في سرورٍ. أيضًا هل تورطت قلوبكم في الانغماس في اللذات؟ تذكروا سجن بولس، فأنتم تلاميذه وجنود مقاتلون معه، كيف يُعقل أن تكونوا أنتم رفقاؤه في جهادٍ مكبلين بالقيود، بينما آخرون في رفاهية؟[19]

القديس يوحنا الذهبي الفم

اعتاد القديس بولس أن يذكِّر شعبه بمواظبته علي الصلاة الدائمة والبكاء بدموع لأجلهم، ومن يتمثل ببكائه لأجل خلاص الآخرين، يمتدح القديس يوحنا الذهبي الفم قيود القديس بولس ودموعه، فيقول في عظته الأخيرة على هذه الرسالة:

  • تذكروا دموعه، لمدة ثلاث سنوات، ليل نهار لم يكف عن البكاء (أع 20: 31) وبهذا تفحصون الأمر، إن تلك الدموع تشرق لا أعنى أن تبكوا لأجل الآخرين (وأنى لأود أن تفعلوا ذلك، لكن ذلك أعلى منكم) بل البكاء لأجل خطاياكم أنتم وإني أنصحكم أن تفعلوا ذلك.
  • أي نبع تشبهونه بتلك الدموع التي في الفردوس، التي تسقى الأرض كلها، لكنكم لن تذكروا شيئًا من هذا القبيل، لأن نبع الدموع هذا يغسل النفوس، وليس الأرض، فإن أرانا أحد بولس وقد اغتسل في دموعه، وهو يئن، لن يكون ذلك بأفضل من رؤية جوقات لا تُحصَى تنال الأكاليل في فرحٍ زائدٍ؟
  • هذا الأمر يجعل أعين النفس أكثر جمالاً. إنه يكبح البطن، ويملأ بكل محبة الحكمة، بكل لطف، بل إنه قادر حتى أن يلطف نفس الحجر الصلد. بهذه الدموع ترتوي الكنيسة، بها تزرع الأغصان أجل منهما كانت الانفعالات الحية والجوهرية فإن تلك الدموع تطفئها؛ إن تلك الدموع تطفىء الأدران الدنسة التي للشرير.
  • إذا ما تذكرنا نحن دموعه، نضحك ونحتقر الأمور الحاضرة، تلك الدموع التي طوبها المسيح قائلاً: “طوبى للذين يبكون وينوحون، لأنهم سيضحكون” (مت 5: 4، لو 6: 21). هذه الدموع التي بكى بها إشعياء النبي وإرميا أيضًا: إذ قال إشعياء “أتركوني وحدي، سأبكي بمرارة” (إش 22: 4 السبعينية) وأما ارميا النبي فقال: “من يعطيني أذنِّي مياها وعيني ينابيع دموع كثيرة؟ (إر 9: 1) وكأن النبع الطبيعي (للبكاء) لم يكن بكافٍ.
  • ما من شيءٍ أحلى من تلك الدموع. أنها أحلى من الضحك، ان الذين يتعرضون عليه لا يعرفون مدى التعزية التي لها، لا تظنوا أننا نزعم أن هذا الأمر مستنكر، بل هو أمر يجب الصلاة لأجله كثيرًا، لا لكي يخطىء الآخرون، بل، لكي حينما يخطئون، نحزن بانكسار قلب لأجلهم.
  • هاتان العينان (للقديس بولس) رأتا الفردوس، رأتا السماء الثلاثة، لكنني لا أحسبهما مطوبتين بسبب تلك الرؤية، إذ بسبب تلك الدموع قد رأتا المسيح. حقا طوبى لذلك المشهد، لأنه هو نفسه تمجد به، قائلاً: “ألم أرى أنا يسوع المسيح ربنا” ( 1كو 9: 1) لكي أطوب أن نبكي.
  • هكذا (بكى) المسيح أيضًا، لكي بسعادة يجب أن يِّوفر دموعه.
  • فلنتذكر نحن هذه الدموع، ولنأتِ نحن ببناتنا وكذا أولادنا ونبكي نحن حين نراهم في شر.
  • هكذا الدموع ليست مؤلمة، أجل، الدموع التي تنهمر بسبب مثل هذا الحزن هي أحلى من الدموع المنسابة بسبب اللذة العالمية. اسمعوا النبي يقول: “سمع الرب صوت بكائي، سمع الرب صوت تضرعي” (مز 6: 8).
  • حينما نعامل إنسانًا خاطئًا، يجب أن نبكي حزانى ومتنهدين، وإذا ما نصحنا أحدًا ولم يستجب، بل يمضي إلى الهلاك، يجب أن نبكي. فهذه هي دموع الحكمة السماوية، وحينما يكون إنسان في فقرٍ، أو في مرض جسماني، أو ميتًا، لا نبكي، لأن تلك أمور لا تستحق الدموع.
  • لا شيء يمسح الخطايا هكذا كالدموع.
  • ما من شيء أحلى من الدموع، لأنها هي أشرف عضو تعرفه وأجمل الأعضاء وهى بنت النفس. لهذا ننحني لها، كأننا رأينا النفس ذاتها تنوح[20].

القديس يوحنا الذهبي الفم

كُتبت إلى أهل كولوسي من رومية بيد تيخيكس وأُنسيمس.

حقا إنه يعني توقيعه، بعد اكتشاف أن آخرين قد كتبوا رسائل باسمه (2 تس 2: 2) وقد أعتاد بولس أن يوقع بنفسه في نهاية رسائله (2 تس 3: 17).

 

من وحي كو 4

حلولك فيٌ يشهد لإنجيلك!

 

  • حلولك يعطي عذوبة للجميع!

 يراك الزوج في زوجته، والزوجة في رجلها!

 يراك الوالدين في أبنائهما، وهم في والديهم!

 تتحول حياة العبيد إلى العذوبة،

 إذ يروك وأنت سيد الكل صرت لأجلهم عبدًا.

 اشتهى تلاميذك ان يستعبدوا من أجلهم!

 يراك السادة، أنك سيد السادات.

 يسلكون مع عبيدهم بالحب،

 فيشتهون أن يجدوك فيهم!

 بالحق والحب نزعت الحواجز بين البشرية،

 وعوض الطبقات المتفاوتة صار الكل سمائيين!

 

  • هب لي روح الصلاة،

 فلست أطلب ما هو لنفسي، بل خلاص كل البشر!

 تئن نفسي في داخلي،

 حتى تتوقف أنات كل النفوس.

 وتتهلل أعماقي حين تتهلل أعماق الكل بخلاصك.

 

  • بنعمتك هب لي أن أعمل في كرمك.

 هب لي أن اعمل مع خدامك بروح الحب والتواضع!

 هب لي أن أراك في الكل!

 

 

المحتويات

 

المقدمة 7

الأصحاح الأول: المسيح هو العمق 25

الأصحاح الثاني: المسيح هو العلو 69

الأصحاح الثالث: المسيح والحياة الداخليَّة 110

الأصحاح الرابع: المسيح والحياة الخارجيّة 152

 

 

[1] Homilies on Col., Hom. 10.

[2] Homilies on Col., Hom. 10.

[3] Stromata, 5:10.

[4] Letters, 109:3.

[5] Homilies on Col., Hom. 10.

[6] Homilies on Col., Hom. 10.

[7] Letters, 125:1.

[8] Letters, 125:1.

[9] Homilies on Col., Hom. 12.

[10] Homilies on Col., Hom. 12.

[11] Homilies on Col., Hom. 12.

[12] Homilies on Col., Hom. 12.

[13] Homilies on Col., Hom. 12.

[14] Homilies on Col., Hom. 11.

[15] Homilies on Col., Hom. 12.

[16] Homilies on Col., Hom. 12.

[17] Homilies on Col., Hom. 12.

[18] Homilies on Col., Hom. 12.

[19] Homilies on Col., Hom. 12.

[20] Homilies on Col., Hom. 12.

 

تفسير رسالة كولوسي 4 الأصحاح الرابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة كولوسي 3 الأصحاح الثالث – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة كولوسي 3 الأصحاح الثالث – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة كولوسي 3 الأصحاح الثالث – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة كولوسي 3 الأصحاح الثالث – القمص تادرس يعقوب ملطي

 

الأصحاح الثالث: المسيح والحياة الداخليَّة

 

حدّثنا الرسول بولس في الأصحاحين السابقين عن سمو السيّد المسيح، فهو العمق الذي يحملنا بروح الرجاء إلى السماء. وهو العلوّ الذي إذ نتأصّل فيه ونتأسّس فلن يهتز بناؤنا. الآن يحدّثنا عن المسيح السماوي الذي يقيمنا لنختبر السماويّات، وتتجدّد حياتنا فيه كل يوم، ويقود كل مشاعرنا وسلوكنا في البيت كما في الجماعة.

لا يمكن لحياتنا أن تنمو في أعماقها ولا أن ترتفع إلى أعلى ما لم تنمو داخليًا. يجب أن نعرف أن المسيح هو حياتنا، يسكن فينا. السيّد المسيح هو قانون حياتنا والموجّه لسلوكنا الخارجي كما الداخلي.

  1. الحياة مع السماوي 1-4.
  2. خلع أعمال الإنسان 5-9.
  3. التمتّع بالإنسان الجديد 10-15.
  4. التسبيح والشكر 16-17.
  5. المسيح قانون الأسرة 18-25.

1. الحياة مع السماوي

“فإن كنتم قد قمتم مع المسيح،

فاطلبوا ما فوق حيث المسيح جالس عن يمين الله” [1].

بعد أن حذرهم من البدع التي تحط من شأن السيد المسيح وعمله الخلاصي، كشف لهم عن بركات الاتحاد مع المسيح القائم من الأموات والصاعد إلى السماوات. فالمؤمن يطلب ما هو فوق، أي يشتاق ويسأل ويجاهد بالنعمة الإلهيَّة لكي يتمتّع بما هو لمملكة المسيح. هذا يتطلّب منه رفع فكره ليستقرّ هناك.

رفع القلب والفكر هو عطية إلهيّة، لكن يلزمنا أن نسعى لنوالها. سبق فتحدث عن الدفن مع المسيح في المعمودية، لا لنبقي كما في القبر بل نقوم معه، حسب وعده الإلهي: “لأني أنا حي فأنتم ستحيون” (يو 14: 19). إنه حي قائم في السماوات، يسحب قلوبنا وأفكارنا إليه، فنحيا معه متهللين في السماويات.

إذ رأى التلاميذ الرب صاعدًا إلى السماء رجعوا إلى أورشليم بفرحٍ عظيمٍ يسبحون الله ويباركونه (لو 24: 51-53). ونحن إذ نقوم معه ونصعد بقلوبنا إليه نتحرر من سلطان الخطية التي لا موضع لها في السماويات. نترنم مع الرسول قائلين: “لأن ناموس روح الحياة في المسيح يسوع قد اعتقني من ناموس الخطية والموت” (رو 8: 2).

وإذ نحن متأصلوِّن في المسيح وحياتنا هي فيه, فنحن ليس فقط نموت معه, بل نتمتع بالوحدة معه في قيامته وتصعد قلوبنا معه, ففي موت المسيح متنا عن الخطية، وفي قيامته قمنا لنحيا حياة جديدة. وبصعوده نعاين كنوز غنى ومباهج السماويات. حياتنا الجديدة في المسيح تحررنا من الاهتمام بأمور هذا العالم، فنصير “أمواتا عن العالم” ونجد أن حياتنا الحقيقية هي في المسيح الصاعد إلى السماوات ومعه. كلما نعرفه نكتشف تدريجيًا الجمال الكامن في الشركة مع ربنا يسوع، فنتمتع بالشركة في سماته، كالحب والرحمة والرأفة والوداعة والرأفة وطول الأناة [12].

كما دخل يشوع بشعب الله إلى كنعان لينال كل واحدٍ نصيبه في أرض الموعد (يش 11: 23)، هكذا يصعد بنا ربنا يسوع إلى كنعان السماوية كقائدٍ لموكب النصرة، فينال كل مؤمن نصيبه في المجد السماوي.

اُخترعت الغواصةُ لتبحرَ تحت الماء. ومع هذا تزُوِّد الغواصة بمنظارٍ مكبر, به تفتش عن الأشياء التي على سطح المياه, فهي تمخض عباب المياه، لكن سلامتها في الداخل مرتهنة بما يتوفر لديها من معرفة للأمور العلوية. ونحن نعيش في العالم, لكن فلتملاْ السماءُ أَفكارنا. إذ نثبت أنظارنا على المسيح وهو يجتذبنا إلى أَعلى.

المسيحيةُ ليست سلسلةً من أعمال التخلي فقط، بقدر ما هي تمتع بالحياة الجديدة, فكُلَّما عرفنا المسيح أفضل لا تعود أمور كثيرة تجتذب اهتماماتنا. إذ يضيف المسيح الكثير إلى حياتنا فلا تتسع لمزيد من الأمور العتيقة. به فقدنا متعة اللذة بأعمال الإنسان العتيق, وصرنا الآن منشغلين تمامًا بالحياة الجديدة في المسيح.

ربما يتساءل البعض: مادمنا نقوم مع المسيح ونطلب ما هو فوق، فلماذا نسقط في الخطية؟

  1. اتكالنا على ذواتنا دون طلب عون النعمة الإلهية خلال الشركة المستمرة مع الله بغير انقطاع.
  2. التهاون في الصغائر. إذ نحظى بالنعم الإلهية يبيد أغلبها بسبب إهمالنا.
  3. يقول معلمنا يعقوب: “كل واحد يجرب إذا انجذب وانخدع من شهوته” (1: 14). يجب ألا يكون لنا أي ارتباط بالطبيعة العتيقة, إذ يطالبنا القديس بولس أن نميت شهواتنا الشريرة. فإذ ننال حياتنا الجديدة في المسيح يسوع, نخلع الحياة العتيقة بكل أفعالها. يحثُّنا القديس بولس أن نُميت الطبيعة القديمة، فنكُف عن كل رذائلها والتي ضمها بولس في قائمة واحدة, أي الموت والفساد والنجاسة والشهوة الردية والطمع, ثم الغضب الناجم عن الأهواء الردية والنقمة وخطايا الكلام الكثيرة, فلنكف على الدوام عن تلك الخطايا, وهذا الأمر مستطاع في المسيح. هل تتخيلون كم تكون سخافتنا إِن اشترينا ثوبًا جديدًا، لكننا رفضنا أن نخلع القديم الذي لبسناه, فنصُّر على لبس الجديد دون أن نخلع عنا القديم! إن كثيرين من المسيحيين يفعلون ذلك. إنهم يحاولون أن يلبسوا ثوب الحياة الجديدة فوق طبيعتهم القديمة. وهذا لا يحدث مطلقًا. فعلينا أولا أن نترك الخطية ونحن نلبس الحياة الجديدة.
  4. التوقف عن النمو, فمع كل يوم نتمتع بما هو جديد علينا أن نتعلمه. يليق بنا أن نتشبه بالرسول بولس فنشتهي أن ننمو لنبلغ إلى قامة ملء المسيح.

سلوك المسيحي هو ما يراك الناسُ تمارسه, كما تشير الملابس إلى الكثير من طباعك. إن كنت مهملاً أم مهتمًا, إن كنت جنديًا أم مدنيًا, ملكا أم مِن العامة, هكذا فإن التعبير الخارجي يُظهِر لمن تنتمي ومَن تخدم (أع 23:27).

هذه الحياة الجديدة التي نقبلها من المسيح تتجدد دومًا كلما نمونا في معرفة ربنا ومخلصنا. لكن يليق بنا ونحن ننشغل بالامتيازات العظيمة التي لنا في المسيح, لا نهمل واجبنا من نحو رفقائنا. معرفتنا للمسيح تجعلنا نفكر بالأكثر في الآخرين فنتعلم أكثر عن تلك الحياة الجديدة: كاللطف والرأفات والوداعة وطول الأناة والغفران والحب [12-14]. أجل فإن تلك هي الأمور التي يجب أن نتحلى بها. فإن عشنا هكذا نحظى بالكمال ونحن على الأرض. ويقول القديس بولس إن تلك الفضائل تشبه قطعًا من القماش منسوجةً كُلٍ منها في موضعها كما بحزام من حب (1 كو 13). وهذا الأمر يملاْ حياتنا بسلام الله.

يوصي القديس بولس أن “نطلب ما فوق“، أي “الحياة السماوية المتهللة على مستوى عالٍ. فقلب المسيحي قلب مرتل (16:3). ويريدنا المسيح أن نتعلم كلامه, ويريدنا أن نعبِّر عن فرحنا فيه بالتسابيح والترانيم فنشارك السماويين حياتهم.

الحياة السماوية ليست بالأمر الفوري ولا السهل. إنما تتطلب جهادًا مستمرًا وطلبًا له وسعيًا لأجل إتمامها. يلزمنا أن نطلب مشيئة الله السماوي, من أجَّل الله ذاته.

  • فلنطلب ملكوته وبره (مت 33:6) لننال اتساعًا في الأرض. فلنفكر في السماويات ونتأمل فيها, حيث رُفِّع المسيحُ وارتفع. لكن هيا بنا نهجر العالم الذي هو ليس عالمنا, لنبلغ الموضع الذي دُعينا إليه, فلنرفع عيوننا عاليًا, لنرى البهاء الذي يُعلن. فلنرفع أجنحتنا كملائكة, لنرى الجسد الموضوع هناك[1].

الأب أفراحات

  • قد قمنا مع المسيح، فلنحيا فيه ونصعد معه, حتى لا تجد الحّيةُ عقبنا لتلدغه على الأرض[2].

القديس أمبروسيوس

  • يا للعجب! أنه قد رفع أذهاننا إلى فوق! وكيف ملأها بالإلهام القدير! فلا يكفي القول, “الأمور التي هي فوق” بل و”حيث المسيح كائن” بل وأكثر “حيث جالس عن يمين الله” ومن هذه النقطة كان يعدهم ليروا الأرض[3].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • يزعم البعض أن القيامة هي للجسد فقط, لهذا يقولون إن تلك القيامة الأولى (التي في سفر الرؤيا) هي قيامةُُُُ جسدانية فقط, لأنهم بحسب زعمهم, يقولون إن الذي يقوم ثانية هو شيء قد سقط, والأجساد الآن تسقط بالموت لهذا لا يمكن أن تكون هناك قيامة للنفوس, بل للأجساد. لكن ماذا هم قائلون للرسول الذي يتحدث عن قيامة النفوس؟ لأن كلامه كان موجهًا إلى الإنسان الداخلي لا الخارجي. بالتأكيد حينما قال “إن كنتم قد قمتم مع المسيح, فاطلبوا ما فوق“، ونفس المعنى نراه في عبارة أخرى “كما قام المسيحُ من الموت بمجد الأب هكذا نسلك نحن أيضًا في جِدة الحياة”[4].
  • هو قد سبقنا, ونحن قد قمنا فعلاً معه, لكننا لا نزال على الرجاء[5].
  • السماوات تعلن مجد الله” من هم السماوات؟ أولئك الذين صاروا كرسيه؛ لأنه كما يجلس الله في السماء, هكذا يجلس في الرسل، وهكذا يجلس في كارزي الإنجيل. حتى أنتم, إن أردتم, تصيرون سماءً.

هل تشتاقون أن تصيروا سماءً؟ طهروا قلوبكم من الأرض! فإذ لا تكون لكم شهوات أرضية, ولا تنطقوا عبثا: “قلوبنا هي فوق”، تصيرون سماءً . “فإن كنتم قد قمتم مع المسيح” كما يقول الرسول للمؤمنين فتشتهون ما هو فوق، ولا تشتهون ما هو بأسفل على الأرض, أفلا تصيرون سماءً؟ أنتم تحملون جسدًا, لكن بسيرتكم تحيون حياة السماء, وإِذ أنتم هكذا, فأنتم تعلنون المسيح (للناس) لأنه مَن من المؤمنين لا يُعلن المسيح؟[6]

  • الكنيسة الآن هي ملكوت المسيح وملكوت السماوات. ومن ثم, فإنه حتى الآن يحكم معه قديسون، وإن كان بشكلٍ مختلفٍ عن حكمهم معه بعد الموت. إذ ينمو الزوان مع القمح في الكنيسة، فإنهم لا يحكمون معه, لأنه لا يحكم معه إلا الذين يقول الرسول عنهم: “فإن كنتم قد قمتم مع المسيح, فاطلبوا ما فوق حيث المسيح جالس عن يمين الله, ولا تطلبوا ما على الأرض“. وعن هؤلاء يقول أيضًا إن سيرتهم هي في السماويات. وفي النهاية فإنهم يحكمون معه الذين هم هكذا في ملكوته فهم أنفسهم ملكوته, لكن بأي مفهوم يُعَّد هؤلاء ملكوت المسيح, إلا أولئك الذين بالرغم من وجود كل الرذائل في العالم وحتى زواله لا يطلبون ما للعالم بل ما للمسيح[7].
  • ليس عبثا ذكَّرهم بأن يرفعوا قلوبهم… ولم يكن عبثا ما قيل: “إن كنتم قد قمتم مع المسيح فاطلبوا ما فوق, حيث المسيح جالس عن يمين الله“. اشتهوا الأمور العلوية، ولم يطلبوا ما على الأرض. طالما أن لهم سيرتهم هناك في السماويات، فإنهم يحملون الله، وهم بذلك سماء, إنهم عرش الله وحينئذ يعلنون كلمات الله “السماوات تحدث بمجد الله”[8].
القديس أغسطينوس
  • قد دُعيتم لاهتمامات أخرى أكثر نبلاً (شرفا): “اطلبوا ما فوق حيث المسيح جالس” (كو 1:3). ارفعوا نفوسكم فوق مستوى الأرضيات, ومن السماء تستمدون قاعدة سلوكياتكم. ثبتِّوا سيرتكم في السماء، فإن موطنكم الحقيقي هي أورشليم السماوية (في 20:3) ومواطنوكم وأتباعكم هم “الأبكار المكتوبة أسماءهم في السماء” (عب 23:12)[9].

القديس باسيليوس الكبير

  • يقول القديس بولس: “فإن كنتم قد قمتُم مع المسيح فاطلبوا ما فوق“. ويضيف: “لأنكم قد مُتم، وحياتكم مستترة مع المسيح في اللَّه. متى أُظهر المسيح حياتنا فحينئذ تُظهرون أنتم أيضا معه في المجد” [1-4]. تختفي فينا الحياة حسب الجسد إذا أمَتْنا طبيعتنا الدنيئة، ثم نقلنا طموح حياتنا من الأرض إلى السماوات. كما يقول المثل: “الحكماء يدَّخرون معرفة” (أم 14:10). ثم ننتظر الحياة الحقيقية، ويظهر المسيح فينا، ونمتلئ بمجده، ونتحول إلى حالة مقدسة. دعونا الآن نستمع إلى كلمات النشيد وكأننا متنا بالجسد، فلا ننجذب إلى الكلمات ذات المعنى الجسدي. فيتحول الشخص الذي مات عن الأهواء إلى حياة القداسة، من المعنى اللفظي لكلمات النشيد إلى معانٍ نقية وغير ملوثة. ولما كان فكره خاليًا من الأمور الأرضية، لذلك يُشغل فكره بالأشياء العليا حيث المسيح الخالي من الهوى، والجالس عن يمين مجد اللَّه (كو 1:3). دعونا الآن نستمع إلى الكلمات التي تصف جمال العروس النقي. ليتنا نستمع وكأننا لا نشارك في طبيعة الجسد وننتقل إلى دائرة الروح[10].

القديس غريغوريوس النيسي

  • عندما يشخص العقل إلى داخله، يراهم (البشر) جميعًا على شكل صورة الله (تك 1: 26- 27) التي خُلقوا عليها. فلا يكن في هذه الرؤيا الخاصة بهذه الحالة بار وخاطي، ولا عبد وحر، ولا ختان وغرلة، ولا ذكر ولا أنثى، بل يرى المسيح الكل في الكل[11].

 القديس يوحنا الدلياتي

“اهتموا بما فوق، لا بما على الأرض” [2].

يمثل أدم الطبيعة البشرية وكل ما هو أرضي, أما المسيح, آدم الثاني، فإنه يمثل السماويات (1 كو 45:15-49)، فعلامَ نثبت فكرنا وقلوبنا؟

 يرى القديس جيروم أن الذي يرتفع قلبه وفكره إلى السماء يكون كعصفورٍ طائرٍ في السماء فلا تقدر الحية التي تزحف على الأرض أن تبتلعه. ويرى القديس أغسطينوس أن مثل هذا المؤمن يتحول من ترابٍ إلى سماءٍ، فلا يصير مأكلاً للحية التي تلحس تراب الأرض.

  • الجسد أرضي (ترابي), لكن لترفض أَن تكون أرضًا. ما معنى ذلك؟ “اشتهِ ما فوق, لا ما على الأرض“. إن كنتم لا تشتهون الأرضيات فلستم أرضًا, وإن لم تكونوا أرضًا, فلن تخدعكم الَّحية, التي طعامها المفضل هو الأرض[12].

القديس أغسطينوس

إذ ترتفع قلوبنا إلى السماء تسمو كل انفعالاتنا وحواسنا وعواطفنا وكل طاقاتنا لتسبح في السماويات ولا تُمتص في الأمور الجسدانية.

  • هكذا إذا ما ساد التعقل تلك الانفعالات كلها, تتحول إلى شكل من أشكال الفضيلة, إِذ يُنتج الغضب شجاعة, والخوف حذرًا، والمخافةُ طاعةً, أما الكراهية فتتحول نحو الرذيلة, وتصير قوة الحب هي الرغبة فيما هو جميل بالحقيقة. إِن روحنا الخفاقة فينا ترتفع فوق أفكارنا وأهواءِنا وتحفظها من العبودية لما هو دنيء, أجل إن الرسول العظيم يمتدح مثل هذه الرفعة الذهنية حينما يحثنا على الدوام أَن “نفتكر فيما هو فوق“، ومن ثم نجد أن كل عاطفة حينما ترتفع وتسمو بسمو عقولنا, فإِنها تماثل جمال الصورة (الأيقونة) الإلهية[13].

القديس غريغوريوس النيسي

  • انظروا كيف انطلق بأحاسيسهم إلى السماويات. لأنه كما قُلت, إذ يكرر دائمًا أن لهم ما للمسيح، وفي كل رسائله ينِّبر على هذا الأَمر, ليوضح أنهم شركاء في كل شيء مع المسيح؛ لهذا يستخدم الألفاظ رأس وجسد، ويبذل كل ما في وسعه ليوصل إليهم (هذا المعنى)[14].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • لكي نتذوق الأمور العلوية, لابد أن نؤمن أن المسيح في جلوسه لا يطيع كواحد يتلقى أوامر أو وصايا، بل هو ممجد باعتباره الابن الحبيب الوحيد. أما بخصوص جسد المسيح فيقول الأب: “اجلس عن يميني، فأضع أعداءك تحت موطئ قدميك”[15].

القديس أمبروسيوس

“لأنكم قد متم،

وحياتكم مستترة مع المسيح في الله” [3].

الموت الذي يتحدث عنه هنا ليس الموت البدني، ولا هو الانفصال عن الله. فالموت انفصال, لكن الانفصال هنا عن العالم وشروره بل هو أيضًا بمعنى أن ندير ظهورنا إلى أساليب حياتنا القديمة.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم بأن السيد المسيح كاللؤلؤة التي تظل مختفية طالما هي في قلب القوقعة الصدفية.

  • لا شيء أكثر بركة من ذلك الدفن (مع المسيح), حيث يفرح الجميع, الملائكة والبشر ورب الملائكة, في هذا الدفن لا حاجة لنا إلى ثياب ولا إلى أية أربطة ولا إلى أي شيء من ذلك, فهل ترون رمز ذلك؟ سأريكم حين دُفن الإنسان وذلك الجرن حيث قام. في البحر الأحمر غرق المصريون في القاع, لكن خرج منه الإسرائيليون سالمين, هكذا أيضًا, فإنه يدفن الواحد ويقوم الآخر. لا تتعجبوا من أن الميلاد والموت يحدثان في آن واحد داخل المعمودية[16].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • ضيق هو طريق التوبة (مت 7: 14)، لكنه يقود إلى الملكوت للصيرورة مع المسيح في الله. وواسع هو طريق الراحة والتلهي، لكنه يوصل إلى ظلمة الشيطان للصيرورة معه في جهنم[17].

 القديس يوحنا الدلياتي

  • قيل لبطرس “اذبح وكل” ولا تبتلع بسرعة، لأنه ما من إنسان يدخل جسد الكنيسة إلا الذي ذُبح أولاً، أي إلا إذا مات, ليصبح إلى ما لم يكن عليه. فمن لا يّذبح ولا تأكله الكنيسة قد يُحسب مع العدد المنظور من الشعب, لكنه لا يُحسب مع الشعب المعروف لدى الله, حيث يقول الرسول “الرب يعرف خاصته”[18].

القديس أغسطينوس

وحياتكم مستترة مع المسيح في الله” أية حياة؟ بالتأكيد ليست حياة أجسادنا، بل علاقتنا الروحية بالله، وتنفيذ مشيئته فينا. المسيح هو حياتنا، وعلينا أن نحيا كما يحيا هو (1 يو 6:2).

“متى أٌظهر المسيح حياتنا،

فحينئذ تظهرون أنتم أيضا معه في المجد” [4].

  • هنا عن الأرض, لم يكن بولس نفسه يحيا في مجدٍ. فقد كان يئن حقيقة في جسد الموت, إذ نسمعه يقول: “لأن حياتنا الآن مستترة مع المسيح في الله, وحينما يظهر المسيح حياتُنا, سنظهر نحن أيضا معه في مجد” [3-4][19].

القديس أمبروسيوس

  • إن كنا نترجى الأمور العتيدة ونئن لأجل السعادة المستقبلة, وإذ لم يظهر بعد ماذا سنكون, بالرغم من أننا فعلاً “أولاد الله” لأن “حياتنا مستترة مع المسيح في الله“، إنه ينتابنا اليأس الشديد بسبب الذين يطلبون أو يتمتعون بالسعادة في العالم[20].
  • يمتد الأصل عميقًا في الداخل, وحيث الجذر فهناك حياتنا أيضًا, فهناك حبنا مُثبَّت “وحياتنا مستترة مع المسيح في الله“. فمتى يذبل ذاك من كان هكذا متأصلاً؟ بل أين سيأتي ربيعنا؟ أين صيفنا؟ أين تكسونا كرامة الأوراق حولنا, ويُغنينا فيض الثمار؟ متى يحدث ذلك؟ اسمعوا ما يتبع: “حينما سيظهر المسيح الذي هو حياتنا, حينئذ أيضا تظهرون أنتم معه في مجد” فماذا نفعل نحن إذن الآن؟ “لا تغتاظوا بسبب فاعلي الشر، ولا تحقدوا على عمال الإثم، إذ سرعان ما يذبلون كالعشب ويفنون كزهر العشب”[21]

القديس أغسطينوس

  • يقول الرسول: “حياتنا مستترة مع المسيح في الله“، فلا يجاهِّد أحد لكي يضيء، ولا يتكبِّر أحد ولا يفتَخر أحد. فالمسيح لم يشأ أن يكون معروفًا من أحد هنا ولم يطلب أن يُكرز باسمه في الإنجيل وهو لا يزال على الأرض. بل جاء ليختبأ عن هذا العالم. فلنخفِ نحن أيضا كذلك حياتنا كما فعل المسيح (مقتدين بما فعله هو). فلنكف عن الافتخار لنكف عن أن نشتهي أن نكون معروفين. فالأفضل أن نعيش هنا في تواضع, وهناك في مجد. إذ يقول “حينما سيظهر المسيح فحينئذٍ سنظهر نحن أيضا معه في مجد[22].

القديس أمبروسيوس

  • لم يتحدث كثيرًا في الحقيقة عن أمور هذه الحياة, بل كانت معظم تأملاته في أمور السماء. “لأن سيرتنا في السماويات” (في 20:3). إذ يقول “لأن حياتنا مستترة مع المسيح في الله” [3] وأكاليلنا (حرفيا مكافأتنا) هناك. وجهادنا هو لأجل الأكاليل هناك. لأن تلك الحياة لا تنتهي بعد الموت, بل تضيء أكثر فأكثر. وفي الحقيقة فإن الذين يتبعون هذه القاعدة, لهم كرامة أعظم أكثر من الحاملين التيجان، عالمين أنهم رجال أعظم، يسعون لأجل أمورٍ أعظم[23].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • ألا يقول المرء (وهذا حق) إن الإنسان يموت عن العالم, إن رفض مباهج العالم لأجل الله؛ هكذا يعلن القديس بولس نفسه لنا, قائلاً: “حاشا لي أن أفتخر إلا بصليب ربنا يسوع المسيح الذي به صُلبَ العالم لي” (غل 14:6) وأنا للعالم, إذ نصير شركاء له بواسطة الروح القدس الذي يختن كل نجاسة فينا بدون أيادٍ, فنصير أمواتًا عن العالم, ونحيا حياة السمو التي لله[24].

القديس كيرلس السكندري

  • في أي مجد؟ مجد القيامة. في أي مجد؟ اسمع الرسول يقول عن هذا الجسم: “يُُزرع في هوان ويقوم في مجد” (1 كو 15: 43)[25].

القديس أغسطينوس

  • “فإذ ظهر المسيح الذي هو حياتكم تظهرون أنتم أيضا حينئذٍ معه في المجد” [4]. قد يشير ذلك إلى أيِّ من حادثتين: المجيء الثاني, أو تجليه بمجد في حياة المؤمن. ويعني الفعل “ظهر” أي انكشف أو أتي إلى النور (رو 21:3).

استخدام بولس لضمير (المخاطب أنتم you) لا يدلل على أن الأمر يخص المجيء الثاني, بل بالحري سمو وتمجيد الرب في حياة المؤمن. وهو يستخدم هذا الضمير، لأن القديس بولس قد صار فعلاً متشبها بالمسيح لهذا قال: “تمثلوا بي” (1كو1:11)، وهو الآن يطلب نفس الأمر لأهل كولوسي. 

  • يقول قائل, لكن أنتم أيضًا, تعطون وعودًا خاصة بهذا العالم, فبماذا وُعِدنا نحن في هذا العالم؟ غفران الخطايا وغسل التجديد. والمعمودية في المقام الأول دورها الرئيسي في الأمور العتيدة, ويتعجب بولس قائلاً: “لأنكم متم وحياتكم مستترة مع المسيح في الله” حين تظهر حياتكم, “فحينئذ أنتم أيضا تظهرون معه في مجد” [4] لكن حياتنا في هذا الزمان أيضا لها مزايا لهذا كان هذا الأمر محل تعجبهم الشديد حتى توفرت لديهم القدرة على إقناع الآخرين الذين مارسوا شرور كثيرة, أن يفعلوا ما لم يفعلوه قبلاً, مغتسلين من خطاياهم كلها، متناسين كل آثامهم, لهذا كان عجيبًا جدًا أنهم اقتنعوا[26].

القديس يوحنا الذهبي الفم

2. خلع أعمال الإنسان

“فأميتوا أعضاءكم التي على الأرض:

الزنى، النجاسة، الهوى، الشهوة الردية،

الطمع الذي هو عبادة الأوثان” [5].

فأميتوا أعضاءكم“: لا يعني هنا تدمير الأعضاء الجسدية، بل إماتة الإنسان العتيق أو الطبيعة الفاسدة التي ورثناها عن آدم، وتغلغلت فينا، وملكت على أعماقنا، فأفسدت إرادتنا وأفكارنا وعواطفنا وأحاسيسنا. وظهر آثارها على كل حياة الإنسان الداخلية وسلوكه، لهذا دعيت “الإنسان القديم“. إنها الطبيعة الفاسدة التي تثير الزنى والنجاسة والهوى والشهوة الرديئة والطمع، إن لم يكن في السلوك الظاهر ففي الفكر، وإن لم تكن بالفكر، تبقي كامنة في اللاشعور حتى تتحين الفرصة لتسيطر وتوجه كل كيان الإنسان.

ويذكر الرسول تلك الرذائل ويعددها – كما في ا تس3:4-8، لكنه يضيف هنا “عبادة الأوثان“. وفي الحقيقة, فإن أي شيء يملاْ قلوبنا وعقولنا ويحل محل الله يمكن أن يُسَّمى الشهوة أو الهوى.

لا يليق بنا أن نتهاون مع أي فكر شرير خاطئ، فهو وإن كان قد مات فإن لبعضها قوة قيامة هائلة. ففي مقدورنا أن نميتها، وفي لحظة تنبعث فيها الحياة من جديد!

  • الطمع هو أصل كل الشرور ويُدعى عبادة أوثان (كو 5:3) فلا تفضلوا إذن الأصنام عن المسيح لأجل ربح قليل. ولا تقلدوا يهوذا فتخونوا من صُلِب لأجلنا لأجل حفنة من الفضة (رشوة). لأنه بالمثل تُدعى الأراضي وأيدي الذين اقتنوا مثل ذلك الربح: “حقل دم Aceldawa (أع 19:1)[27]

القديس باسيليوس الكبير

  • كتب الطوباوي بولس إلى أهل كورنثوس أنه دائمًا يحمل في جسده إماتة يسوع, ليس افتخارًا بأنه وحده كذلك, بل يحثهم ويحثنا ونحن أيضًا, وفي هذا فلنتبعه يا إخوتي. وليكن هذا دأب افتخارنا جميعًا في كل وقت. وفي هذا اشترك داود قائلاً في المزامير “لأجلك نًمات كل النهار, حُسبنا كغنمٍ للذبح” وقد صار هذا الآن فينا, خاصة خلال أيام العيد, حينما نصنع ذكرى موت مخلصنا. لأن من صار مثله في موته, واجتهد في ممارسة الفضائل، أمات أعضاءَه التي على الأرض، وصلب الجسد مع الشهوات والأهواء ويحيا حياة الروح القدس (في الروح) متمثلاً به.

القديس أغسطينوس

  • الذين ماتوا عن العالم ونبذوا تجارته, نالوا موتًا كريمًا لأنه “عزيز في عيني الرب موتُ أتفيائه” (مز 116: 15).
  • يقصد بالأعضاء التي على الأرض الضعف البشري، إذ يكمل قائلاً: “الطمع والدنس” وباقي ما ذكره[28].

القديس أغسطينوس

  • الذين صاروا تابعين حقيقيّين للمسيح مخلصنا جميعًا يصلبون أجسادهم ويميتونها، وذلك بانشغالهم دائمًا في أتعاب وجهادات لأجل التقوى، وبإماتتهم شهوة الجسد الطبيعة[29].
  • فيه كياننا جميعًا, إذ قد أعلن ذاته إنسانًا، لكي يميت الأعضاء التي على الأرض, (كو 5:3, رو 23:7) أي شهوات الجسد، ولكي يطفىء نار ناموس الخطية التي تضطرم في أعضائنا، وحتى يقدس طبيعتنا، فيكون لنا نموذجنا الأمثل ومرشدنا في طريق التقوى، ويكملً استعلان الحق بحسب المعرفة وبحسب طريق الحياة التي تفوق إمكانياتنا الخاصة, هذا كله قد أتمه المسيح حين صار إنسانا[30].
  • قد أماتوا أعضاءهم التي على الأرض، واهتموا فقط بتلك الأمور التي لا تغضب الناموس الإلهي, وهو بالحري يستخدم الكلمة التي تحل محل كلمة مجد أو أن الذين يحكمون مع المسيح سيكونون محط حسد الآخرين مستحقين كل إعجاب[31].

القديس كيرلس السكندري

  • ماذا أسوأ من الطمع؟

إنه أسوأ من أية شهوة. إنه مثير للحزن أكثر من الجنون الذي أتحدث عنه, وأخطر من الضعف السخيف أمام الملل إذ يقول: “الطمع الذي هو عبادة الأوثان” أرأيتم إِلام يقود الشر… لا أقول لكم هذا بسبب أحزان الفقراء بل لخلاصكم، لأنه سيهلك أولئك الذين لم يقوتوا المسيح…

أخبروني إذن حينما قال: “أميتوا أعضاءكم التي على الأرض”, فهل اتهم الأرض أيضًا؟ أو هل يتكلم عن الأمور الأرضية كأنها خطايا؟

هاهو يسرد كل القائمة معًا, لأن الحسد والغضب والهوى كلها شهوات رديئة ولم يقل “عليكم” بل “على أبناء المعصية” [6][32].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • الذي يرغب في تكريس حياته لعبادة اللَّه لا يمكن أن يُعطّر بمجموعة الأعشاب العطرة المقدسة إلا إذا تحول هو نفسه إلى مرّ، أي إلا إذا أمات أعضاءه على الأرض (كو 3: 5)، بأن يُدفن مع الذي ذاق الموت لأجلنا، وأن يأخذ المر الذي كان على جسد المسيح في القبر لكي يُحنط به أعضاء جسده. ومتى تم إنجاز ذلك فإن كل العطور التي تنتج من ممارسة الفضيلة أثناء الحياة، تُطحن لكي تعطى “المسحوق العطر”، وكل من يستنشقه يصبح معطرًا ويمتلئ بروح العطر[33].

القديس غريغوريوس النيسي

  • يليق بنا أن نقدم له التقدمة التي يفرح ويسر بها في يوم قيامته مادام لم يعد يسر بالذبائح الحيوانية. يعطينا القديس غريغوريوس الإجابة عن السبب الذي لأجله لم يعد يُسر بالذبائح الحيوانية، وهو قول الرسول بولس: “قدموا أجسادكم ذبيحة حية مقدسة مرضية عند الله، عبادتكم العقلية” (رو 12: 1). لكن كيف نقدم أجسادنا ذبيحة حية لله؟ حين لا نتبع شهواتنا الشريرة وأفكارنا الذاتية، بل نسير في الروح، ولا نكمل شهوة الجسد (غل 5: 16)… وذلك بأن نقمع شهوات أعضائنا الجسدية[34].

القديس دوروثيوس من غزة

  • لهذا وأنتم راقدون على فراشكم, رددوا المرة تلو المرة: “في الليل طلبتَ من تحبه نفسي”. ويقول الرسول: “أميتوا أعضاءكم التي على الأرض“، لأنه هو نفسه فعل ذلك, لهذا استطاع أن يقول في ثقة: “أحيا لا أنا، بل المسيح يحيا في” فالذي يميت أعضاءه ويشعر أنه يسير في عرض المبنى, لا يخشى أن يقول: “صرتُ كزقٍ في العاصف”. مهما كان في داخلي من رطوبة الشهوة فقد جف فيَّ”، وأيضًا: “ركبتاي ارتعشتا من الصوم, نسيتُ أن آكل خبزي، وبسبب صوت تأوهي التصقت عظامي بجلدي”[35].

القديس جيروم

  • هذا نفسه إذن ما جاء المسيحُ ليُحييه, فكما في آدم نموت جميعًا, كما من الطبيعة الحيوانية, هكذا نحن في المسيح نحيا جميعًا, كروحيين, فلا نتخلى عن صنعة يدي الله بل نترك شهوات الجسد ونقبل الروح القدس. كما يقول الرسول في الرسالة إلى كولوسي: “أميتوا أعضاءكم التي على الأرض,” والتي كما يشرحها هو نفسه “الزنى والنجاسة والهوى والشهوة الرديئة والطمع الذي هو عبادة الأصنام“. ترك هذه الأمور هو ما يكرز به الرسول ويقول إن الذين يمارسونها إنما هم جسدانيون كما من لحم ودم فقط، ولا يمكنهم أن يرثوا ملكوت السماوات. إذ يمثل نفوسهم إلى ما هو أسوأ بانحدارها إلى الشهوات الترابية ومن ثم فهم يوصفون بأنهم أيضًا ترابيون، تلك الأمور الرديئة التي عندما يحثنا الرسول أن نتركها – يقول في ذات الرسالة “تخلعون الإنسان العتيق مع كل أعماله” [9]، لكنه حينما قال ذلك لم يُزل بالشكل القديم للإنسان، وإلا صار من غير اللائق أن نتخلص من حياتنا بالانتحار![36]

القديس ايريناوس

  • عبادة الأوثان ليست قاصرة على ذر البخور على المذبح بالإبهام والسبابة أو صب جرعات من خمر من طاسٍ معين. إنما الطمع هو عبادة أوثان أو بالحري بيع الرب بثلاثين من الفضة (حاسبًا الإنسان) أنه عمل بار!

والشهوة تشمل الدنس، وحينما يسقط الناس مع الداعرات، فيدنسون أعضاء المسيح التي يجب أن تكون “ذبيحة حية مقبولة أمام الله”.

والخداع أيضًا عبادة أوثان، وفي سفر الأعمال نقرأ عن الذين تبرعوا بممتلكاتهم، لكن البعض منهم حجزوا جزءًا منها أو من ثمنها، فهلكوا بموت ردي في الحال.

إذن اعلموا جيدا يا إخوتي, أن لا شيء لكم لتحجزوه، إذ يقول الرب: “إن كان أحد منكم لا يترك كل ما له, لا يقدر أن يكون لي تلميذًا” فلماذا تكون مسيحيًا منقسم القلب؟ half – hearted[37]

القديس جيروم

  • ينبغي علينا ليس فقط أن نأخذ حذرنا من حيازة المال، بل ننتزع أيضًا من نفوسنا تلهفنا عليه، إذ من واجبنا لا أن نتحاشى نتائج الطمع إنما بالأكثر أن نستأصل جذور كل نزوع إليه، إذ أن عدم امتلاكنا للمال لا يفيدنا مادامت فينا شهوة الحصول عليه[38].
  • من المحتمل أن إنسانًا لا يملك شيئًا يكون مستعبدًا لعلة الطمع، ولا تنفعه نعمة الفقر المدقع، لأنه لم يستطع أن يستأصل من نفسه جذور خطية الشراهة، متقبلاً مزايا الفقر لا لحسن فضائله، وراضيًا بثقل الحاجة إنما في فتور القلب. ذلك لأنه كما تعلن كلمة الإنجيل أن الذين لا يتدنسون بالجسد قد يزنون في القلب، وأن من المحتمل أن الذين لا يثقل كاهلهم عبء المال تلحقهم لعنة نزعة الطمع والاشتياق إليه لأن ما كان يعوزهم هي “فرصة” الامتلاك وليست “إرادته”، لأن الثانية هي التي يُتوجها اللَّه دون جبر، لهذا يلزمنا أن نستخدم كل حصانة، لئلا تتبدد ثمار جهودنا في غير ما يجدي. لأنه من المحزن أن يتحمل المرء أثار الفقر أو العوز، ولكنه يفقد ثماره، بسبب سقوط الإرادة المزعزعة[39].
  • قد نبذ جميع مقتنيات هذا العالم من استأصل تمامًا من قلبه الرغبة في حيازتها وامتلاكها[40].

القديس يوحنا كاسيان

“الأمور التي من أجلها يأتي غضب الله على أبناء المعصية” [6].

ماذا يعني بغضب الله؟ الله الكلي الحب والقداسة لا يحطم أحدًا، لكن إذ يعطي الإنسان لله القفا لا الوجه، يحطم الإنسان نفسه بنفسه، إذ تثمر الخطية موتًا وفسادًا. هذا ما عبر عنه الكتاب المقدس بغضب الله أو تركه لهم. فإذ يختار الإنسان الفساد يسلمه الله لشهوة قلبه. “أسلمهم الله أيضًا في شهوات قلوبهم إلى النجاسة لإهانة أجسادهم بين ذواتهم” (رو 1: 24).

لعل أوضح مثل معاصر هو الأمراض الجنسية كالإيدز التي تحطم حياة الإنسان جسديًا ونفسيًا وروحيًا، مالم يقدم الإنسان توبة ورجوع إلى الله مصدر حياته.

تشير الكلمة إلى موقف الله تجاه الذين يتمردون, أولئك الذين يرفضون أعز هباته.

“الذين بينهم أنتم أيضًا سلكتم قبلاً،

حين كنتم تعيشون فيها” [7].

يقدم لهم حياتهم قبل الإيمان مثلاً عمليًا حين كانوا يعيشون في الخطية، حتى دخلت نعمة الله في حياتهم وانتشلتهم من قيودها وحررتهم، لكن بقي لهم أن يجاهدوا بالنعمة لكي يعيشوا كما يليق بأبناء الله المقدسين.

  • “لأنه كما بمعصية الإنسان الواحد أخطأ الجميع (صار الكل خطاةً)، هكذا بطاعة الواحد سيجعل الكثيرون أبرارًا” (رو 5: 19). ونحن جميعًا نموت في آدم، وكل واحدٍ منا وُلِد من آدم فليعبر إلى أورشليم. وليخلع القديم ليُبنى جديدًا. بُقال لليبوسيين سكان أورشليم قبلاً: “اخلعوا الإنسان العتيق, والبسوا الجديد”. وبالنسبة للمبنيين في أورشليم, والمستنيرين بنور النعمة, قيل عنهم “كنتم قبلاً ظلمة, أما الآن فنور في الرب” لقد انهارت المدينة الشريرة التي كانت منذ البدء, وإلى النهاية, وشُيدت محلها المدينة الصالحة والتي أزالت الشرور. وهاتان المدينتان مختلطتان في آن واحد, لكنهما في النهاية تنفصلان. إنهما تتصارعان الواحدة ضد الأخرى, واحدة لأجل الإثم والأخرى لأجل الحق[41].

القديس أغسطينوس

“وأما الآن فاطرحوا عنكم انتم أيضًا الكل:

الغضب، السخط، الخبث، التجديف، الكلام القبيح من أفواهكم” [8].

يطالبهم الرسول أن يطرحوا عنهم ما لا يليق بهم.

الغضب“: هو انفعال الإنسان للأحداث بسبب تطلعه إلى الأحداث المحيطة به عوض الانشغال بالمسيح الساكن فيه، لهذا يفقد سلطانه في المسيح يسوع، مبررًا بأنه إنسان بطبعه انفعالي: “البطيء الغضب خير من الجبار، ومالك روحه خير ممن يأخذ مدينة” (أم 16: 32).

السخط “: حيث يتحول الغضب إلى ثورة انفعالية.

الخبث“: وهو أخطر من الغضب والسخط، إذ يلبس الإنسان صورة الهدوء والسكون بينما يحمل في داخله روح الكراهية والانتقام، وذلك كما دبر أبشالوم لقتل أخيه أمنون (2 صم 13).

التجديف“: التهجم الكاذب على الله وتدبيره وخطته من جهة البشرية، والأمجاد المعدة للقديسين.

الكلام القبيح“: كالهزل والفكاهة غير الهادفة والتهكم على الآخرين. “لا القباحة ولا كلام السفاهة، والهزل التي لا تليق، بل بالحري الشكر” (أف 5: 4).

  • يجب قلع سم الغضب القاتل من جذوره في أعماق النفس، لأنه إذا بقي روح الغضب واستقر في قلوبنا أظلمت عقولنا وفقدت قدرتها على الرؤية، لأن الغضب يصيب بالعمى وبظلمة ضارة تجعل الرؤية الروحية مستحيلة. فلا تقدر على الحكم الصائب في أمرٍ من الأمور، بل يتعذر علينا التأمل الصالح الذي ينمي الحكمة فينا، بل لا نقدر أن نثبت في الصلاح، أو نقبل النور الحقيقي الروحي، لأنه مكتوب: “عيني قد تعكرت من الغضب” (مز 6: 7).

 وقد يمدحنا الناس كحكماء، ولكننا لن نكون حكماء إذا لازمنا الغضب، لأنه مكتوب: “الغضب يسكن مستريحًا في صدر الأحمق” (جا 7: 9 LXX). وهو ما يعرضنا لفقدان ميراث الحياة الأبدية. وقد يظهر لنا أننا نفهم الطبيعة الإنسانية وندرك أسرارها، ولكن إذا ظل الغضب فينا، تم فينا ما هو مكتوب: “الغضب يدمر الحكماء” (أم 15: 1 LXX). ويحرمنا الغضب من إدراك “برّ الله”، لأننا بسبب الغضب نفقد الإفراز، ومع أن الناس قد يقولوا عنا أننا قديسون وكاملون إلا أنه مكتوب “غضب الإنسان لا يصنع برّ الله.” (يع 1: 20)[42].

  • يحاول البعض تبرير الغضب، هذا المرض القاتل للنفس، بأدلة من الأسفار الإلهية التي يفسرونها تفسيرًا غير لائق. يقول هؤلاء أن الغضب ليس ضارًا حتى إذا غضبنا على الإخوة الذين يخطئون، لأن الله نفسه يسخط ويغضب على الذين لا يريدون أن يعرفوه، أو يعرفونه ومع ذلك يرفضونه. ومن الأمثلة التي يقدمونها كلمات الأسفار: “غضب الرب واشتعل سخطه على شعبه” (مز 106: 40). أو عندما يصلي النبي ويقول: “يا رب لا توبخني بغضبك، ولا تؤدبني بسخطك” (مز 6: 1). ولا يفهم هؤلاء أنهم عندما يحاولون بهذا الإصرار على تأكيد وتبرير الغضب إنما يقودون غيرهم إلى التمسك برذيلة ضارة وفي نفس الوقت يمزجون ضلال شهوة جسدانية بنقاء الله غير المحدود والذي هو مصدر كل نقاءٍ[43].
  • عندما نقرأ أن الله غضب وسخط فأننا لا يجب أن نفكر في أن هذه انفعالات بشرية. بل يجب أن نفكر فيما يليق بالله الحر من كل هذه الانفعالات، أو بكلمات أخرى يجب أن نراه مثل القاضي الذي يحاكم وينتقم من الأعمال الشريرة ويرد الشر على فاعليه. هنا يُوصف بمفرادات خاصة تولد فينا الخوف من الله الذي سوف يحاكم على كل عمل ضد إرادته. ولكن يجب أن نتذكر أن الطبيعة الإنسانية تعودت على الخوف من الذين يغضبون ولذلك السبب تتراجع عن الشر خوفًا من غضب هؤلاء. وفي حالات القضاة المشهورين بالعدل الصارم، يخاف منهم الأشرار، لأنهم يعرفون أنهم سوف يوقعون بهم عقوبة صارمة وهذا وحده يزرع الخوف والشعور بالندم في قلوب الأشرار. ولكن القضاة العادلون لا يحكمون ولا يصدرون أحكامًا تحت تأثير انفعالات الغضب. بل هذه الانفعالات إذا وجدت فيهم تجعلهم يعجزون عن إصدار الأحكام العادلة. ومع أن القضاة لا يعرفون الغضب، إلا أن الأشرار بسبب ذنوبهم وخوفهم من الحكم، يتوقعون الغضب عندما يحاكمون وبسبب شعورهم بالذنب يخافون حتى من القضاة الودعاء المعتدلين، لأن صدور أي حكم على إنسان شرير يجعل المذنب يشعر بسخط وغضب الحكم ولا يصف قرار القاضي الذي يعاقبه إلا بأنه قرار غضب وسخط[44].

القديس يوحنا كاسيان

“لا تكذبوا بعضكم على بعض،

إذ خلعتم الإنسان العتيق مع أعماله” [9].

الكذب“: إن كان السيد المسيح هو الحق، فإن إبليس هو الكذاب وأب الكذابين. “لم يثبت في الحق، لأنه ليس فيه حق، متى تكلم بالكذب فإنما يتكلم مما له، لأنه كذاب وأبو الكذاب” (يو 8: 44).

  • ليس للكذب شركة مع الحق، كما ليس للنور شركة مع الظلمة. فإن وجود الواحد يستبعد الآخر[45].

القديس إيريناؤس

  • الحق هو نور، فإن لم نُسر حسب الحق فنحن في الظلمة[46].

هيلاري أسقف آرل

خلع الإنسان القديم“: جاء فعل “خلع” في اليونانية في الماضي ولكن مفعوله قائم، فقد تم الخلع في المعمودية، ويبقي يمارسه الإنسان بالتوبة بكونها معمودية ثانية. يبقي الإنسان في حالة خلع مستمر لهذه الطليعة الفاسدة كي لا تنحل ربطها وتقوم من جديد، بل على العكس ينمو الإنسان الجديد في برّ المسيح وقداسته.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم أن العماد هو بداية الطريق لا نهايته. فيه يُولد الإنسان كطفلٍ صغيرٍ، إن لم ينمو يوميًا يموت. العماد أشبه بغرس زرع جديد يحتاج إلى سقي مستمر، لكن الله هو الذي ينمي. “ونحن جميعا ناظرين مجد الرب يوجه مكشوف، كما في مرآة، نتغير إلى تلك الصورة عينها، من مجد إلى مجد، كما من الرب الروح” (2 كو 3: 18).

  • إن أردت فحص هذه النقطة، أي أن عماد يوحنا يخلصهم من التهديد بالنار، اسمعوا قوله: “يا أولاًد الأفاعي من أراكم أن تهربوا من الغضب الآتي” (مت 7:3) لا تكن بعد أفعى. فإذ لك جلد أفعى قديم، أي حياتك الماضية، اخلعه عنك. لأن كل أفعى تزحف في جحر وتتخلص من جلدها القديم، وبهذا يتجدد شباب جسدها. هكذا ادخل أنت أيضًا من الطريق الكرب الضيق (مت 13:7، 14)، واخلع القديم بالأصوام، واترك ذاك الذي يهلكك. اخلع الإنسان العتيق مع أعماله [9]. وقل مع عروس نشيد الأناشيد: “قد خلعت ثوبي فكيف ألبسه[47]؟!”[48].

القديس كيرلس الأورشليمي

  • عندما تشعر الحيّة بشيخوختها، عندما تشعر بثقل السنوات الطويلة تتقلص وتلزم نفسها على الدخول من ثقب، ملقية جلدها العتيق حتى تخرج إلى حياة جديدة. لتقلّدها في هذا أيها المسيحي، الذي تسمع المسيح يقول: “أدخلوا من الباب الضيّق” (مت 7: 13)، ويحدّثنا الرسول بولس قائلاً: “إذ خلعتم الإنسان العتيق مع أعماله ولبستم الجديد” (كو 3: 9؛ أف 4: 22-24). على هذا فإن الحيّة لديها ما ينبغي أن نقلّدها فيه.

لتمت، لا لأجل الإنسان العتيق، بل لأجل الذي يموت لأجل أمر زمني، يموت من أجل الإنسان العتيق، ولكن عندما تجرّد نفسك من ذلك الإنسان العتيق كله فإنك تقلّد حكمة الحيّة[49].

القديس أغسطينوس

  • لقد لوّث الشرّير الإنسان كلّه، نفسًا وجسدًا، وصار في حالة عداوة مع اللََّه، وليس خاضعًا لناموس اللََّه، بل هو بكلّيته خطية، حتى أن الإنسان لا يعود ينظر كما يشاء هو، بل ينظر بعينٍ شرّيرةٍ، ويسمع بأذنٍ شرّيرةٍ، وله أرجل تُسرع إلى فعل الشرّ، ويداه تصنعان الإثم، وقلبه يخترع شرورًا. لذلك فلنتوسّل إلى اللََّه أن ينزع منّا الإنسان العتيق، لأنه وحده القادر على نزع الخطية منّا[50].

القديس مقاريوس الكبير

  • إذ خلعتم الإنسان العتيق مع أعماله” [9]. حينما بليت الخليقة الأولى واعتراها القدم, احتاج البشر أن تتجدد الخليقة في المسيح (كما يقول الرسول, مؤكدا أننا لا يليق أن نرى في الخليقة الجديدة أي أثر للأخرى العتيقة) قائلاً “إذ خلعتم الإنسان العتيق, بأعماله, وشهواته, البسوا الجديد المخلوق بحسب الله” “وإن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة”. الأشياء العتيقة قد مضت, هوذا الكل قد صار جديدًا، لأن خالق الطبيعة البشرية في البدء وفي النهاية هو هو واحد لا يتبدل. أخذ من الأرض ترابًا وجبل الإنسان، ثم فيما بعد أخذ من العذراء ترابًا ولم يخلق مجرد إنسان بل صنع لنفسه إنسانًا formed man about himself. في البدء خَلق ثم فيما بعد خُلِقَ إذ أولاً خلق الكلمةُ جسدًا (لآدم), وفيما بعد صار الكلمة جسدًا حتى يغير جسدنا إلى روح، إذ شاركنا الجسد والدم. وعن تلك الخليقة الجديدة إذن في المسيح، والتي بدأها هو بنفسه, دُعي بكرًا, إذ هو بكر الجميع: لكل من المولودين إلى الحياة والذين يحيون بقيامة الموتى[51].
  • هكذا فإن بولس إذ ينصح القادرين من سامعيه على بلوغ الكمال, موضحًا لهم سبيل تحقيق هذا الكمال ولهذا يخبرهم “أن يخلعوا الإنسان العتيق ويلبسوا الجديد الذي تجدد بحسب صورة خالقه” فهلا رجعنا جميعا إلى النعمة الإلهية التي فيها خلق الله أولاً الإنسان, حينما قال “لنخلق الإنسان على صورتنا كشبهنا” الذي له المجد دائما أبديا آمين[52].

القديس غريغوريوس النيسي

  • إذ يحب المسيح الكنيسة مقدسةً عفيفةً وبلا دنس, فليحب الأزواج أيضًا زوجاتهم في عفة. وليعلم كل أحد كيف يحفظ إناءه في قداسة وكرامة, وليس في دنس الشهوة الردية كالأمم الذين لا يعرفون الله “لأن الله لم يدعنا (يختارنا) للنجاسة, بل للتقديس عالمين أنكم قد خلعتم الإنسان العتيق بأفعاله ولبستم الإنسان الجديد الذي يتجدد (باستمرار) لمعرفة صورة ذاك الذي خلقه![53]

القديس جيروم

  • إذ يترك (المؤمن) الخطية والإنسان العتيق وراءه, قد صار إنسانًا جديدًا في معرفة الله, وبلغ كمال منتهاه, إذ أنه من خلال معرفة إلهه, يصبح الصورة الكاملة (والأيقونة) معه. وبالصلاح يقتني عدم الموت وبعدم الموت سيحيا إلى الأبد كصورة لخالقه[54].

القديس هيلاري أسقف بواتييه

3. التمتّع بالإنسان الجديد

“ولبستم الجديد الذي يتجدد للمعرفة

حسب صورة خالقه” [10].

تجديد الإنسان الجديد للمعرفة علامة الحياة، فإنه ليس من حياة في المسيح دون نمو، وليس نمو دون استنارة بقوة الروح القدس، حتى يتشكل الإنسان الداخلي على صورة خالقه، فيصير أيقونة حية للسيد المسيح العريس السماوي.

  • هذه هي كلمة السرّ حيث بالميلاد الجديد الذي من فوق تتبدل طبيعتنا من الفاسد إلى غير الفاسد, إذ قد تجددت من “الإنسان العتيق” إلى صورة ذاك الذي خلقه في البدء على مثال اللاهوت[55].

القديس غريغوريوس النيسي

  • إن كان بينكم من هو عبد للخطية، فليستعد بالإيمان استعدادًا تامًا للميلاد الجديد في الحرية والتبني. وبخلعه عبوديته لخطاياه المرذولة وارتدائه عبوديته للرب المطوبة يصير أهلاً لميراث ملكوت السماوات.

“اخلعوا الإنسان العتيق الفاسد حسب شهوات الغرور” (أف 22:4) بالاعتراف “حتى تلبسوا الإنسان الجديد الذي يتجدد للمعرفة حسب صورة خالقه” [10].

بالإيمان خذوا “عربون الروح القدس” (2 كو 22:1) “لكي يقبلونكم في المظال الأبدية” (راجع لو 9:16)[56].

القديس كيرلس الأورشليمي

  • قبول حياة جديدة شيء, ولبسها والسلوك بها شيء آخر (رو 4:6) إن ذلك الإنسان الجديد مخلوق في البرً والقداسة (أف 24:4) يجب أن نحيا بقياس قامة ابن الله (أف 13:4)، والتي بها نُحاسب.
  • من مجيء الرب, والذي به صار الانتقال من ختان الجسد إلى ختان القلب، كانت الدعوة أن يحيا الإنسان بحسب الروح, أي بحسب الإنسان الداخلي الذي يُدعى أيضا “الإنسان الجديد” بسبب الميلاد الجديد وتجديد السيرة الروحانية[57].

القديس أغسطينوس

  • هذا المخلوق العاقل على الأرض, أعني الإنسان, قد خُلق من البدء على صورة خالقه (كو 10:3) وبحسب الكتاب المقدس, وللصورة معانٍ عديدة، فقد تكون الصورة لا بحسب نوع معين بل بحسب أنواع كثيرة, بالإضافة إلى عنصر المثال أو الشبه بالله الذي خلق الإنسان, وهو أكثر العناصر كلها وضوحًا واستعلانًا, وهو (عنصر) عدم الفساد وعدم الموت[58].

القديس كيرلس السكندري

“حيث ليس يوناني ويهودي،

ختان وغرلة،

بربري وسكيثي،

عبد حر،

بل المسيح الكل وفي الكل” [11].

  • هذه الطبيعة الجديدة (الإنسان الجديد) التي أعطيت لنا تعلمنا أن نتخطى الحواجز التي تفصل بين البشر، لأن المسيح صار فينا جميعًا، بل بالحري صرنا كلنا واحدًا فيه لأننا جسده.

القديس يوحنا الذهبي الفم

لعل أكثر الحواجز خطورة كان الجنس “اليهودي والأممي” أو “الختان والغرلة”، كما أيضًا الحواجز الطبقية، طبقة السادة الأحرار وطبقة العبيد.

في العهد الجديد تشير كلمة “يوناني” إلى الأمم (رو 16:1). البرابرة هم كل من كان لا يتكلم اليونانية كلغة الثقافة في ذلك الحين، والسكيثيون حسبوا بدائيين وكانوا مشهورين بالخشونة والوحشية، وكانوا موضع سخرية وهزأ من الناطقين باليونانية. الآن وقد جاء السيد المسيح قدم نعمته لكل البشرية دون محاباة

لا عجب إن كانت نعمة المسيح قد أزالت الفوارق، فيكتب القديس بولس رسالة إلى فليمون بخصوص أنسيمس عبده الهارب الذي سرقه “أطلب إليك من أجل ابني أنسيمس، لأنه افترق عنك إلى ساعة لكي يكون لك إلى الأبد، لا كعبدٍ في ما بعد بل أخًا محبوبًا”. واستشهدت بلاندينا جنبًا إلى جنب مع سيدتها، وكانت أكثر بطولة منها. واستشهدت فيلتيا العبدة مع سيدتها بربتوا بروح الأخوة المتبادلة.

المسيح هو الكل وفي الكل لا بالمعنى الحرفي لمصطلح الوجودي[59] panlleistic، بل هو كل شيء بالنسبة لنا ولأجلنا: الخالق والمخلص والأخ والشفيع الوسيط والهدف, فلا حاجة لنا أن نطلب آخر سواه.

  • لا يفترض أحد أنه بسبب غناه, أن يُعامل بشكلٍ آخر مختلف, ففي الكنيسة الغني هو الغني في الإيمان، لأن المؤمن يملك عالمًا كاملاً من الغنى, فما العجيب في أن يملك المؤمن العالم كله, وهو يمتلك ميراث المسيح الذي هو أكثر قيمة من العالم بما لا يُقاس؟ “قد اُفتديتم بدمٍ ثمين” (1 بط 19,18:1) هي كلمات قيلت للجميع وليس للأغنياء فقط. لكن إن كنتم أغنياء فأطيعوا ذاك الذي يقول، “كونوا قديسين في كل سيرة حياتكم” (1 بط 15:1) وهو لا يتحدث عن الأغنياء فحسب، بل عن الجميع, لأنه يحكم دون النظر إلى الأشخاص وكما يقول الرسول شاهده الأمين[60].

القديس أمبروسيوس

  • فلتكن إذن كل كلماتنا وأفعالنا بحسب المسيح (عن المسيح) الذي أتى بالحياة من الموت وخلق النور من الظلام[61].

القديس أمبروسيوس

نصائح إيجابية

“فالبسوا كمختاري الله القديسين المحبوبين،

أحشاء رأفات ولطفا وتواضعًا ووداعة وطول أناة” [12].

كمختاري الله الذين في المسيح, هم مقدسَّون ومحبوبون, كما هو أيضًا القدوس موضع سرور الآب وحبه, يتطلب هذا منا لبس ثياب الفضيلة. إن الرسول بصدد تقديم قائمة بالفضائل تكون بمثابة ثوب المسيحي في حياته. بل ويذكر نصائح معينة عن الصبر والغفران، ويشير إلى الحب كأعظم فضيلة, تقيم البنية من الفضائل وتكملها (1 كو 13:13, 1 بط 8:4)

من الجانب السلبي يطالبنا بخلع الإنسان القديم، ومن الجانب الايجابي يأمرنا أن نلبس ما يليق بالإنسان الجديد الذي نلناه في المعمودية، لأننا مؤهلون لنوال نعم متزايدة، فإنه ليس بكيلٍ يعطي الرب الروح. نحن مختارون من الله لنكون قديسين محبوبين فيلزمنا أن نلبس الرب يسوع (رو 13: 14)، نحمل شركة سماته من أحشاء رأفات ولطف وتواضع ووداعة ودول أناة.

أحشاء رأفات“، تقوم الرأفة على الأحشاء الداخلية، فالحنو نابع عن الطبيعة الجديدة التي صارت لنا، فيتسع قلبنا بالحب والحنو نحو كل بشرٍ كشركة في سمة محب البشر.

  • يظهر سهولة الفضيلة, ليقتنوها على الدوام ويستخدمونها كأعظم زينة… يقول: “أحشاء رأفات” ولم يقل “رحمة” بل يؤكد تأكيدًا أعظم باستخدامه اللفظتين ولم يتكلم كما لإخوة بل كآباء نحو أولادهم[62].

القديس يوحنا الذهبي الفم

اللطف“: إن كانت الرأفة تحمل حنوًا وترفقًا على الغير، فإن اللطف يحمل مشاعر الرغبة في الستر على أخطاء الآخرين وخطاياهم، لكن بروح الحكمة، لأجل خلاصهم.

التواضع“: مسيحنا تواضع حين اتحد بناسوتنا وارتضي أن يخفي مجد لاهوته ليكون كأقل من الملائكة (عب 2: 7، 9)، بل وصار عبدا كأقل إنسان (في 2: 6-7). أما بالنسبة لنا فالتواضع هو اكتشاف حقيقتنا، مدركين أننا لا نقدر ان نفعل شيئا بدون النعمة الإلهية.

الوداعة” هي انعكاس لهدوء النفس الداخلي، متى اتكأت على مخلصها في تسليمٍ كاملٍ لحياتها بين يديه مع ثقة في تدبيره الإلهي. ومن جانب آخر هي شركة مع المسيح يسوع في وداعته حتى في لحظات محاكمته (1 بط 2: 21- 23)، وهو الذي دعانا ان نقتدي به : “تعلموا مني، فإني وديع ومتواضع القلب”.

طول الأناة“: أي الشركة مع مسيحنا الطويل الأناة مترقبًا خلاص الخطاة والآثمة.

“محتملين بعضكم بعضًا،

ومسامحين بعضكم بعضًا،

 إن كان لأحد على أحد شكوى،

كما غفر لكم المسيح هكذا أنتم أيضًا” [13].

في طول الأناة نحتمل بعضنا البعض، كما غفر لنا مسيحنا؛ وفي احتمالنا لإخوتنا نحمل ذات غاية المسيح وهو طلب خلاص كل نفسٍ لمجد الآب وبنيانًا نفوسنًا.

إذ نركز أنظارنا على السيد المسيح الذي يشتهي أن يسكن فينا ويحل في وسطنا، لا نجد صعوبة في الاحتمال وطول الأناة، بل نجد فيها مسرة الله ومسرة نفوسنا أن نحتمل المسيئين مهما تكررت الإساءة، مشتهين أن ننال كرامة الشركة مع مسيحنا بأن نضع أنفسنا من أجل الإخوة.

لقد دفع (الرب) ثمنًا باهظًا لغفران خطايانا ولم يلزمه أحد بل فعل ذلك حبًا. سدد الثمن الكامل “للشكوى” المرفوعة ضدنا ومحا الصك واسترددنا إلى يمين الله، ولهذا يسألنا بولس أن نسامح الآخرين بنفس الطريقة: “هكذا اغفروا أنتم“.

  • عظيم هو المثل! هكذا يفعل هو دائمًا إذ يحضهم على التمثل بالمسيح[63].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • لديكم القاعدة هنا, لو كان المسيح قد غفر لكم خطاياكم “سبعين مرة سبع مرات” فقط… ورفض أن يسامح أكثر, إذن ابلغوا أنتم هذا الحد ولا تتجاوزوه – لكن إن كان المسيح قد وجد آلاف الخطايا بل وآلاف الآلاف, وقد غفرها جميعها. فلا تحجبوا إذن رأفتكم بل اطلبوا أن تغفروا كل هذا الكم الهائل (من الأخطاء)[64].
  • ما دمنا نتحدّث عن غفران الخطايا، لئلا تظنّوا أن هذا الأمر عالٍ العهد جدًا أن تتمثّلوا بالمسيح اسمعوا الرسول يقول: “مسامحين بعضكم بعضًا، كما غفر لكم اللََّه في المسيح” (كو 3: 13؛ أف 4: 32). “كونوا متمثّلين باللَّه كأولاد أحبّاء” (أف 5: 1). أنت دُعيت ابنًا، إن أردت أن ترفض الاقتداء به، فلماذا تطلب ميراثه؟[65]

القديس أغسطينوس

“وعلى جميع هذه البسوا المحبة

التي هي رباط الكمال” [14].

المحبة هي تاج كل الفضائل، والمؤشر الحقيقي لارتداء الإنسان الجديد، هي رباط الكمال. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم بدون المحبة تصير كل الفضائل السابقة بلا قيمة ولا منفعة.

تحتضن المحبة كل النعم معًا في الإنسان الجديد وتجذب المسيحي من خلالها إلى الكمال. والكلمة المترجمة “رباط” هي نفسها الواردة في أف 3:4؛ وأع 3:8, وتعني “تضم معًا كما بسلسلة”. هكذا عظيمة هي المحبة للغاية، بدونها تصبح الفضائل الأخرى مدعاة للسخرية.

  • المحبة أم الفضائل كلها وكلمات الرسول عن الإيمان والرجاء والمحبة هي كالحبل المثلث التي لا يسهل قطعه (1كو4:13-7 ,13). نحن نؤمن ونترجى، ومن خلال إيماننا ورجائنا نرتبط معًا برباط المحبة[66].

القديس جيروم

  • إن ما يريد قوله هو إن تلك الأشياء لا نفع منها, لأن جميعها تتهاوى إن لم تتم بالحب، فهو الذي يربطها جميعا معًا في رباط واحد. فمهما كان ما تفعله صالحًا إن لم يكن بالحب سرعان ما يزول أثره ويصبح كلا شيء[67].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • ليس في طبيعتنا رذيلة أو هوى في الأصل، لأن اللََّه لم يخلق الأهواء بل أوجد فينا فضائل طبيعية كثيرة، ومنها بدون شك الرحمة، إذ أن الوثنيّين أنفسهم يتحنّنون ويشفقون. ثم المحبّة، لأن البهائم عديمة النطق كثيرًا ما تحزن على فراق رفيقاتها. ثم الإيمان، لأننا نجد أنفسنا جميعًا مفطورين عليه. ثم الرجاء، إذ أننا على رجاء الانتفاع نعترض ونقترض، ونزرع، ونسافر… فإن كانت المحبّة فضيلة طبيعة فينا على ما تبيّن وهي “رباط الشريعة وكمالها” (أف 4: 3؛ كو 3: 14؛ رو 13: 10) فالفضائل بالتالي ليست بعيدة عن طبيعتنا. فليخز إذن الذين يحتجّون بعدم قدرتهم على اكتسابها[68].

القدّيس يوحنّا كليماكوس

“وليملك في قلوبكم سلام الله،

الذي إليه دعيتم في جسد واحد،

وكونوا شاكرين” [15].

 إذ نتحلى بالفضائل السابقة، خاصة المحبة، يحل سلام الله الثابت غير المتغير. هذا السلام الذي يحل بين النفس والله، ينعكس على سلام النفس مع الجسد، فيصير الإنسان في تناغم بلا صراع بين الجسد والنفس، وينطلق إلى الآخرين فلا يستطيع المؤمن إلا أن يعيش في سلام مع إخوته تحت كل الظروف.

هذا السلام الذي يتربع في القلب مع الله ومع الجسد ومع البشر بل وكل الخليقة يحول قلب الإنسان إلى قيثارة يعزف عليها الروح القدس تسبحة شكر لا تنقطع.

  • “سلام الله” هو السلام الثابت والدائم، فإن كان لك سلام بحسب الناس، فإنه سرعان ما ينحل, لكن إن كان بحسب الله لا ينتهي أبدًا…

لا تغضبوا, كما يقول, بل احكموا في المنازعات, ولا تخضعوا للأحقاد, ولا للسلام البشري, فالانتقام سمة البشر وعواقبه وخيمة, لكنه يقول ليس ذلك ما أقصده بل ذلك السلام الذي تركه لنا الرب بنفسه.

لأننا بواسطة السلام نحن جسد واحد, ولأننا جسد واحد فنحن في سلام… وحسنًا أضاف: “وكونوا شاكرين“، لأن الشاكرين والمملوءين مودة يعاملون رفقاءهم كما يفعل الله معهم, خاضعين للسيد, مطيعين معبرين عن شكرنا في كل شيء حتى إن أهاننا أحد أو اعتدى علينا بالضرب[69].

  • ويقول “كونوا شاكرين” لأن هذا هو ما يطلبه كل إنسانٍ, فالشكر أعظم الأمور الصالحة, فلنشكر إذن في كل شيء مهما يحدث, لأن هذا هو معنى الشكر[70].
  • لا شيءَ أَقدس من اللسان الذي في وقت الشر يشكر الله, فهو لا يقل أبدًا عن الاستشهاد, فلكليهما إكليل[71].

القديس يوحنا الذهبي الفم

 

4. التسبيح والشكر

“لتسكن فيكم كلمة المسيح بغنى

وانتم بكل حكمة معلمون ومنذرون بعضكم بعضًا

بمزامير وتسابيح وأغاني روحية بنعمة،

مترنمين في قلوبكم للرب” [16].

شهوة قلب الرسول أن تسكن كلمة المسيح أو تستقر بغنى في المؤمنين. فيتقبلون الحق الإلهي، لا ليقتنعوا به فكريًا فحسب، بل ويعيشوا به، فيكون دستور حياتهم وقائدًا داخليًا يوجه الفكر والكلمات والسلوك. وكما يقول المرتل: “خبأت كلامك في قلبي حتى لا أخطئ إليك”. تقتني خزانة القلب والفكر بكنز الكلمة. يطالبنا القديس يوحنا الذهبي الفم أن نقتني الكلمة وندخل في أعماقها، وكما يقول أن عدم معرفة الكتاب هي سبب كل الشرور، فيكون الشخص كمن يذهب إلى المعركة بلا سلاح، فهل يرجع سالما؟ سيف الروح هو كلمة الله (أف 6: 17).

إن كانت كلمة الله هي سلاح المؤمن في معركته ضد قوات الظلمة، فإن حياة التسبيح هي الوليمة المشبعة للنفس. تحول حياتنا إلي عيد داخلي مستمر، وتقدس كل أعمالنا وكلماتنا لنقدمها لحساب المسيح [7].

التسبيح يثير في النفس فرح الروح السماوي: “لأن ليس ملكوت الله أكلا وشربا، بل هو بر وسلام وفرح في الروح القدس” (رو 14: 17). يقول القديس انطونيوس الكبير أن النفس تتربي بالفرح الروحي، وتسعد به، وتصعد به إلى السماء. كتب العلامة ترتليان يصف اجتماعات المسيحيين بعدما يغسلون الأيادي (بعد ولائم الأغابي) يأتون بالشموع ثم يدعى كل واحد ليقدم أغنية لله أمام الجميع من تأليفه الخاص يكون قد اقتبسها من كلمات الإنجيل، معبرًا فيها عن مشاعره الخاصة نحو الله.

فلتسكن فيكم كلمة الرب بغنى“، هذه هي الوصية الأخيرة في نمو الشخصية المسيحية.

يعرض القديس بولس ثلاث طرق بها يمكن أن نعلِّم الآخرين وننذرهم: المزامير والترانيم والأغاني الروحية. وتشير المزامير إلى الأغاني المقدسة, المقتبسة من العهد القديم,خاصة من سقر المزامير. والترانيم تشير إلى أغاني التسبيح والعبادة الكنسية لله (أع 25:16؛ عب 12:2). أما الأغاني الروحية فتشير إلى الأغاني التي تنشد بشكل طبيعي من المؤمن. يطلب الله صدور تلك الترانيم من القلب.

  • صالحة هي النفس التي تكون خارج الأبواب والكلمة (اللوغوس) في أعماقها، هي خارج الجسد حتى يسكن (الكلمة) فيها[72].

القديس أمبروسيوس

  • إذ يقول الرسول “فلتسكن فيكم كلمة الرب بغنى” يختار الله الكلمة الأوقات والمراسم المناسبة لسكناه في الأشخاص. ففي حالتنا الراهنة هو ضيف فينا, إذ يضيف الرسول ثانية: “معلميِّن ومنذرين بعضكم بعضًا بكل حكمة بمزامير وترانيم وأغاني روحية مرنمين في قلوبكم لله”[73].

القديس إكليمنضس السكندري

  • فلتسكن كلمة المسيح فيكم بغنى” أي, التعليم والعقائد والنصائح الروحية, حيث يقول إن الحياة الحاضرة لا شيء ولا حتى أمورها الحسنة, فإن عرفنا ذلك, لتخلينا عن إثارة الضيقات لنا (مت 25: 46). يقول “فلتسكن فيكم بغنى” فلا تسكن فقط بل بفيض عظيم… تأملوا حكمة هذا الإنسان المبارك, فلم يقُل “فلتسكن فيكم كلمة المسيح” بل ماذا؟ “لتسكن فيكم” و “بغنى”.

هذا هو سبب كل الشرور أن نجهل الكتاب المقدس، فنخرج للقتال بدون أسلحة، فكيف لنا أن نعود سالمين؟…

إنكم تلقون كل شيء علينا, وعليكم وحدكم أن تتعلموا منا, وزوجاتكم منكم, وأولادكم منكم, لكنكم تتركون كل شيء لنا, لهذا تضاعفت متاعبنا.

تأملوا أيضًا مراعاة بولس لمشاعر الآخرين, فإذ يرى أن القراءة مجهدة, تثير الضجر إلى حد بعيد, فإنه لم يوجه أنظارهم إلى بالأسفار التاريخية بل إلى المزامير, حتى تبهجوا نفوسكم بالترنيم وبرقة تسلّون رفقاءكم, إذ يقول “بترانيم وأغاني روحية” لكن أولادكم الآن يتفوهون بأغاني ورقصات الشيطان, فالطهاة والخدم والموسيقيون, ليس منهم أحد يعرف أي مزمور, لكنه أمر يخجلون منه بل ويسخرون منه ويتهكمون عليه. وهنا مكمن كل الشرور…

علِّمه أن يرِّنم تلك المزامير الملآنة بحب الحكمة, إذ تخص العفة أو بالحري ومثل كل شيء لا تجعله يصاحب الأشرار, ما إن يستهل قراءة الكتاب (سفر المزامير)…

وحينما يتعلم بواسطة المزامير, سيعرف الترانيم أيضًا, كشيء مقدس. لأن القوات العلوية تنشد الترانيم، وليس المزامير. إذ يقول الجامعة “أن الترنيمة ليست حلوة في فم الخاطىء”

فما هي ترنيمة العلويين؟ يعرفها المؤمن. ماذا يقول الشاروبيم في العلاء؟ ماذا يقول الملائكة؟ “المجد لله في الأعالي” لهذا بعد الابصلمودية (المزامير) تأتي الترانيم, كشيء أكثر كمالاً…

حتى وإن كنتم في السوق, يمكن لكم أن تتماسكوا وترنموا لله دون أن يسمعكم أحد. لأن موسى أيضا قد صلى هكذا, وسمعه الله إذ يقول له الله, “لماذا تصرخ إلىّ”؟ (خر 15:14) مع أنه لم يقُل شيئًا. بل صرخ بأفكاره، فلم يسمعه إلا الله وحده، إذ كان يصرخ بقلب منسحق. فليس محرمًا أن يصلي الإنسان بقلبه حتى وهو سائر على قدميه, إذ يسكن (بفكره) العلاء[74].

القديس يوحنا الذهبي الفم

“وكل ما عملتم بقول أو فعل

فاعملوا الكل باسم الرب يسوع،

شاكرين الله والآب به” [17].

جوهر الحياة هو الشركة مع السيد المسيح، فيختم كلماته وأعماله بختم اسم يسوع المسيح لتفوح منه رائحة الشكر، موضع سرور الآب.

باسم” معناه “لمجد” (يو 13:14).

يليق بنا أن نكون متهللين وشاكرين الله حتى نسلك السبيل الذي يؤهلنا لاستحقاق المسيح (12:1). فبمعزل عن المسيح ليس لنا دخول إلى الله ولا حتى إلى شكره.

  • حيث ندعو باسم يسوع لا يتدنس شيء ولا يتنجس… فإن كنتم تأكلون, إن كنتم تشربون, وإن تزوجتم، وإن سلكتم, فاعملوا كل شيء باسم الرب, أي تدعونه ليعينكم, مصلين إليه قبل كل شيء… اجعلوا هذا في المقدمة، لهذا فنحن نستهل رسائلنا باسم الرب فحيث اسم الله, يبشر كل شيء بالخير والسعادة. لأنه إن كانت أسماء العظماء تجعل الكتابة ميسرة (تجعل المكاتبات موثقة وأكيدة) فكم بالحري يفعل اسم المسيح. إنكم بعد ذكر اسم الرب قولوا وافعلوا كل شيء ولا تقدموا على اسمه الملائكة!…

وحيث يوضع الاسم في أي مكان, يبشر بكل الخير, فإن كان يطرد الأرواح الشريرة, وإن كان يشفي الأمراض, فكم بالحري يجعل العمل أكثر يسرًا…

انظروا كيف أنه باسم الرب أرسل إبراهيم خادمه وباسم الرب قتل داود جليات. عجيب هو اسمه وعظيم…

لا شيء يعادل هذا الاسم. عجيب هو في كل مكان, يقول: “اسمك دهن مهراق” (نش 3:1) من ينطقه يمتلأ فورا بأريجه ومكتوب” لا أحد يمكنه أن يقول إن يسوع رب إلا بالروح القدس (1 كو 3:12) حقا إن هذا الاسم يصنع أعمالاً عظيمة. فإن قلتم باسم الآب والابن والروح القدس, بإيمان لأنجزتم كل شيء. فما أعظم الأمور التي فعلتموها…

لقد تجددنا بهذا الاسم (خُلقنا من جديد). إن كان لنا هذا الاسم, نشرق أمام الآخرين. إنه يصنع الشهداء والمعترفين. إنه قد وهبنا عطية عظيمة, حتى نحيا في مجد, ونرضي الله. ونُحسب متأهلين للخيرات التي وعد بها الذين يحبونه, بالنعمة والرأفات[75].

القديس يوحنا الذهبي الفم

 

5. المسيح قانون الأسرة

“أيتها النساء اخضعن لرجالكن،

كما يليق في الرب” [18].

إذ يرفعنا الرسول بولس إلى السماء ليكون لنا عربون السماويات، يترجم هذه الحياة في الواقع الأسري، لتصير الأسرة أيقونة الأسرة السماوية.

يطالب الرسول الزوجة أن تتشبه بالكنيسة الخاضعة لعريسها المسيح، فإن هذا الخضوع ليس مطلقًا، وإنما “كما يليق في الرب“.

هذا الخضوع هو مشاركة الكنيسة سماتها الفائقة، وفي نفس الوقت هو رد فعل طبيعي لتكريم رجلها لها وحبه وتقديره لها، إذ يليق بالرجال أن يعطوهن “الكرامة كوارثات معهم نعمة الحياة” (1 بط 3: 7). فإن كان الرجل لا يسلك كما يليق تشعر الزوجة بتكليف من ربنا يسوع للخضوع لا عن خنوع وإنما كشاهدة لإنجيل المسيح، وكما ينصحهن الرسول: “وإن كان البعض لا يطيعون الكلمة، يُربحون بسيرة النساء بدون كلمة” (1 بط 3: 1-2).

  • أخضعهن لأجل الرب, لأن هذا الأمر يكرمهن…

ولا أعني ذلك الخضوع كما لعبيد أمام سيدهم، وليست خضوع تحتمه طبيعتهن، بل هو لأجل الرب…

لأنه يمكن للإنسان الذي يحب أن يكون قاسيًا بعض الشيء, وما يقصده إذن هو, لا تتشاجرا, لأنه ما من شيء أحَّر من ذلك الشجار وخاصة حينما يقع من جانب الزوج ضد زوجته…

وإذ تجد الزوجة نفسها محبوبة, فإنها أيضا تحب وتخضع, فيبذل رجلها لأجلها ويرضخ. تأملوا كيف تسير الطبيعة نسقها: أن واحدًا يخضع والآخر يحب. لكن, إذ تخضع لكم زوجاتكم, لا يليق أن تستبدوا, وأنتن إذ يحبكن رجالكن لا تنتفخن متكبرات, وليت حب الرجل لا يصيب المرأة بالخيلاء, ولا خضوع الزوجة يجعل الزوج ينتفخ متغطرسًا… لا تخشين من خضوعكن, لأن خضوعكن لمن يحبكن لا يشكل صعوبة. ولا تخشوا الحب, إذ بالحب ترضخ لكم نساؤكم. وفي كلا الحالين يتوثق رباط (العلاقة الزوجية)[76].

القديس يوحنا الذهبي الفم

“أيها الرجال أحبوا نساءكم،

ولا تكونوا قساة عليهن” [19].

يطالب الزوج أن يعامل زوجته كسفير المسيح، ليصير البيت كنيسة مقدسة. خلال هذه الحياة المقدسة يتقدس الاثنان، ويكون لكل منهما أثره على الآخر. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم أن الزوجة المحبوبة تصير محبة، فإن أطاعت رجلها تصيره لينًا.

غالبا ما يخفق خضوع المرأة كميلٍ طبيعي لديها, إذا ما فشل الرجل في استيعاب مضمون هذه الآية. أحبنا المسيح إلى الحد الذي بذل حياته لأجل الكنيسة عروسه. هكذا فليحب الزوج زوجته كنفسه (أف 29,28:5) بل وأكثر من نفسه. ومن يحب زوجته بهذا الشكل لا يقسو عليها ولا يكون خشنًا معها. فكل هذا لا يتفق مع الحب.

“أيها الأولاد أطيعوا والديكم في كل شيء،

لأن هذا مرضي في الرب” [20].

يقوم الأبناء بالطاعة للوالدين ليس إرضاء لهم، وإنما للرب إذ يشاركون السيد المسيح سمة الطاعة. فلا تكون الطاعة بالنسبة لهم مهانة ولا تحطيمًا لشخصياتهم، بل شركة مع المسيح في سماته.

هذا والأبناء الذين يرون في الأم طاعتها للزوج، وفي الأب حب صادق للزوجة، يعيشون كما في السماء، فتصير الطاعة سمة طبيعية للجو السماوي الذين يعيشونه.

يوصي هنا بالاستماع والطاعة في خضوع، وقبول الوصية (أع 7:6؛ 13:12؛ مت 27:8)، ولا يليق بنا أن نطيع في تذمر, بل بالحري يريد الله أن يقدم كل منا طاعته بإرادته وبحب لوالديه.

  • أرأيتم كيف يريدنا أن نفعل كل ذلك لا بموجب الطبيعة فقط, بل ما هو أسبق من ذلك, مما يرضي الرب, لننال أيضًا مجازاة[77].

القديس يوحنا الذهبي الفم

“أيها الآباء لا تغيظوا أولادكم لئلا يفشلوا” [21].

كان الأب في المجتمعات القديمة هو رأس العائلة بلا منازع, وكل من يعصى أوامره يعتبر مذنبًا.

لا تغيظوا أولادكم, أي لا تضايقوهم فوق احتمالهم أو تثيرونهم. لا تدفعوهم إلى إتيان أفعال عنيفة. عاملوهم ككائنات آدمية, احترموا أفكارهم, فلا تتوقعوا منهم أشياء غير معقولة.

حقا يقول الحكيم: “لا تمنع التأديب عن الولد، لأنك إن ضربته بعصا لا يموت” (أم 23: 13). لكن لا يليق بالوالدين المبالغة في التأديب حتى وإن كان الدافع هو تربيتهم في مخافة الرب. يقول المرتل: “كما يتراءف الأب على البنين يتراءف الرب على خائفيه” (مز 103: 13). لنتشبه بالله في أبوته الحانية حتى في تأديبه لأولاده: “الرب رحيم ورؤوف، طويل الروح، وكثير الرحمة ؛ لا يحاكم إلى الأبد، ولا يحقد إلى الدهر” (مز 103: 8-9). العقاب هو لأجل التعليم وتحسين خصال الطفل, وليس لقهره أو فقدانه ثقة واحترام أبويه.

كلمة “تغيظ” تعنى التحقير أو التشهير أو التهديد أو النقد اللاذع أو الشتيمة أو تحطيم نفسه كفاشلٍ، وهذا يتنافي مع ما تتطلبه “وداعة الحكمة بالتصرف الحسن” (يع 3: 13). قيل عن الآباء المبالغين في الحزم: “وباء الشباب هو انكسار قلوبهم”.

  • لم يقل “حبوا أولادكم” لأن في هذا نافلة القول أو تحتم الطبيعة عليهم أن يفعلوا ذلك, لكن ما يحتاج إلى تقويم قوَّمه, فلكي يكون الحب هو الأكثر اتقادًا, فتكون الطاعة أعظم[78].

القديس يوحنا الذهبي الفم

وصايا للعبيد

“أيها العبيد أطيعوا في كل شيء سادتكم حسب الجسد،

لا بخدمة العين كمن يرضي الناس،

بل ببساطة القلب،

خائفين الرب” [22].

يوجه الرسول وصايا خاصة بالعبيد الذين تحطمت نفوسهم حيث كانوا يُباعون ويشترون كسلعة، ليس لهم أية حقوق، إذ يستطيع سيده إن أراد أن يقتله.

لم يكن يتوقع العبيد أن يجدوا إنسانًا حرًا روماني الجنسية يهتم بأمرهم، ويوجه إليهم حديثًا خاصًا بهم. لكنهم وجدوا في الرسول بولس الحر حامل الجنسية الرومانية يضم نفسه إليهم كواحد منهم. “فإننا لسنا نكرز بأنفسنا، بل بالمسيح ربًا، ولكن بأنفسنا عبيدًا لكم من أجل يسوع” (2 كو 4: 5).

مرة أخري إذ يضم الرسول نفسه إلى طبقتهم يرفع أنظارهم إلى السيد المسيح ليدركوا أنهم يطيعون سادتهم ليس إرضاء لهم بل لرب كل البشرية، لا ليقدم لهم أجرة، بل كأبناء ينالون ميراثًا أبديًا. أما السادة الظالمون فيدينهم سيد كل البشرية الذي لا يحابي الوجوه.

من يرضون الناس” هم الذين لا يهتمون بالوظيفة ذاتها. فكل مقصدهم أن يروا أن عملهم ظاهر، وفي نفس الوقت ينجزونه بأقل قدر مستطاع.

  • ما يتحدث عنه إلى العبيد ليس لأجل سادتهم فحسب, بل لأجلهم هم أيضًا ليكونوا موضع حب وود سادتهم, لكنه لم يعلن ذلك صراحة, لكيلا يجعلهم فاتري الهمة (نحو سادتهم) [79]

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • ولكي لا يتألم أحد, أضاف “سادتكم حسب الجسد” أما نفوسكم وهي الجزء الأفضل فهي حرة, وهو يقول إن خدمتكم لها سببها, ولهذا أنتم تخضعون.

اسمعوا النبي يقول: “بدد الله عظام الذين يرضون الناس” (مز 6:53 سبعينية) فهل رأيتم كيف يحافظ على مشاعرهم وكيف يوصيهم بالنظام. وكيف يحدث ذلك (بوحدانية القلب) “خائفين الرب“، لأن ما فعلته لم يكن بوحدانية القلب بل عن الرياء أن تتمسك بشيء وأنت تمارس شيئا آخر. وأن تظهر بمظهر حينما يأتي السيد, ثم لا يلبث أن تنقلب مواقفك إذا ما غاب[80].

القديس يوحنا الذهبي الفم

“وكل ما فعلتم فاعملوا من القلب،

كما للرب ليس للناس” [23].

قد يكون شخص ما هو رئيس العمل أو قاض اليوم وغدًا, لكن الله هو رأسنا وهو قاضينا إلى الأبد، فهو إلى الأبد على العرش وهذا هو محور اهتمامنا.

  • إنه يرغب أن يتحرروا لا من الرياء فقط, بل ومن تكاسلهم, لقد صيرهم أحرارًا بدلاً من عبيد, حين لا يحتاجون إلى إشراف سادتهم, لأن التعبير “من القلب” يعني “بإرادة صالحة” وليس كحتمية بسبب العبودية، بل بحرية وبملء الإرادة والاختيار[81].

القديس يوحنا الذهبي الفم

“عالمين أنكم من الرب ستأخذون جزاء الميراث

لأنكم تخدمون الرب المسيح” [24].

“وأما الظالم فسينال ما ظلم به وليس محاباة” [25].

ليس عند الله محاباة. فالخطية هي الخطية, حتى إن اقترفها مؤمن (عب29,28:12).

  • لكن ماذا لو كنتَ عبدًا (خادمًا)؟ ليس في هذا ما يخجلك. ونفس القول يوجهه أيضًا للسادة, كما في رسالته إلى أهل أفسس (أف 9:6) لكن يبدو هنا أنه يلمح إلى السادة اليونانيين (الأمميين), لأنه ماذا لو كان هو يونانيا, وأنت مسيحي؟ فإن ما تُفِحص ليس الأشخاص بل الأفعال, هكذا فإنه في هذه الحالة يجب أن تخدموا بإرادة صالحة ومن القلب[82].

القديس يوحنا الذهبي الفم

من وحي كو 3

لأخلع رداء الذل،

وألبس ثوب العرس!

 

  • التحفت يا كلمة الله السماوي بناسوتنا!

 وأنت السماوي لم تستكنف من بشريتنا.

 قدمتك ذاتك لباسًا إلهيًا بهيًا!

 

  • بروحك القدوس اخلع الإنسان القديم.

 ليس لأعماله لذة في داخلي،

 ولا لشهواته سلطان على أعماقي.

 أنت قوتي وخلاصي!

 أنت قاطن في أعماقي.

 

  • لأخلع الثوب الذي نسجته بفساد إرادتي.

 لأبقى بطبيعتي الفاسدة تحت قدميك.

 لأهرب إليك يا أيها الجبل الفريد،

 أهرب لحياتي فلا أهلك مع سدوم وعمورة.

 

  • أنت ثوب عرسي.

 أرتديك فأختفي فيك.

 عوض ترابي يشرق بهاؤك فيّ!

 عوض الأرض بوحلها،

 أنعم بالسماويات بمجدها.

 

  • بروحك أرتدي ثوب الفرح،

 عوض القلق والإحباط والفشل،

 تتهلل نفسي بالتسبيح والشكر!

 

  • أقدم لك تسبحة لن يسمعها أحد سواك!

 يلهج قلبي بلغة الشكر التي لن يفهمها غيرك!

 أشارك طغمات السمائيين تسابيحهم،

 وأنطق في أعماقي بلغة السماء!

 

  • إذ تسكن فيٌ تصير ناموس حياتي.

 في كل تصرف تقودني بنفسك!

 أراك في أسرتي، كنيستك المقدسة.

 أسلك فيك ولأجلك،

 فتتحول حياتي إلى سماءٍ جديدةٍ!

 

[1] Demonstrations 6 on Monks, 1.

[2] Escape from the World 7:44.

[3] Homilies on Col., Hom. 7.

[4] City of God, 20:10.

[5] On Ps. 71.

[6] On Ps. 97.

[7] City of God, 20:9.

[8] Sermons on N.T. Lessons, 3 :14.

[9] Hexmarion, Hom. 9:2.

[10] Homilies on Song of Songs, 9. ترجمة الدكتور جورج نوّار

[11] الأب سليم دكاش اليسوعي: الشيخ الروحاني- مجموعة الرسائل الروحية، بيروت 1992، رسالة 49: 9.

[12] On Ps. 104.

[13] On Creation of Man, 5.

[14] Homilies on Col., Hom. 7.

[15] On Christian Faith 2:12 (103).

[16] Homilies on Col., Hom. 7.

[17] الرسالة 43 عن التوبة ومواساة الخطاة، 24.

[18] On Ps. 124.

[19] Death is Good, 12:56.

[20] On Ps. 123.

[21] On Ps. 37.

[22] Duties of Clergies, 3:5 (36).

[23] Homilies on 2 Cor., Hom. 5:15.

[24] Sermons on John, 4:7.

[25] Sermons on N.T. Lessons, 66 :2.

[26] Homilies on 1 Cor., Hom. 7:20.

[27] Letters, 53:2.

[28] 10 Homilies on Epistles of John, 9:2.

[29] Comm. on Luke, Sermon 118.

[30] Sermons on John, 1:16.

[31] Sermons on John, 11:7, 17

[32] Homilies on Col., Hom. 8.

[33] Homilies on Song of Songs, 6.  ترجمة الدكتور جورج نوّار

[34] تأملات في مديحه للقديس غريغوريوس النزيانزي (ترجمة القمص إشعياء ميخائيل).

[35] Letters, 22:17.

[36] Adv. Haer. 5:12;3.

[37] Letters, 14:5.

[38] الدساتير، كتاب 7، فصل 21.

[39] الدساتير، كتاب 7، فصل 22.

[40] الدساتير، كتاب 7، فصل 27.

[41] On Ps. 62.

[42] De institutis caenoborum, Book 8:1.

[43] De institutis caenoborum, Book 8:2.

[44] De institutis caenoborum, Book 8:4.

[45] Adv. Haer. 3:5:1.

[46] Introductory Commentary on 1 John.

[47] في سفر النشيد (3:5) يشير النص إلى الانتظار إلى عدم القيام من السرير للسير مع الرب، لكن القديس يستخدمه هنا بمعنى مغاير.

[48] مقالات لطالبي العماد 3 :7.

[49] Sermons on N.T. Lessons, 14 :3.

[50] Homilies, 2:2. ترجمة مركز دراسات الآباء بالقاهرة

[51] Against Eunomius, 4:3.

[52] In Creation of Man, 33.

[53] Against Jovinianus 1:16.

[54] On Trinity 11:49.

[55] Against Eunomius, 2:1.

[56] مقالات لطالبي العماد 1 :2.

[57] On Ps. 6.

[58] Sermons on John, 9:14.

[59] الوجودي هو الذي يتبع المذهب القائل بأن الله والوجود أو الإنسان والطبيعة كيان واحد.

[60] Letters, 63:36.

[61] On Virgins 3:5 (24).

[62] Homilies on Col., Hom. 8.

[63] Homilies on Col., Hom. 8.

[64] Sermons on N.T. Lessons, 33:3.

[65] Sermons on N.T. Lessons, 64:3.

[66] Letters, 82:11.

[67] Homilies on Col., Hom. 8.

[68] Ladder, 26:67.

[69] Homilies on Col., Hom. 8.

[70] Homilies on Col., Hom. 8.

[71] Homilies on Col., Hom. 8.

[72] Isaac or the Soul, 8:70.

[73] Paedagogus, 2:4.

[74] Homilies on Col., Hom. 9.

[75] Homilies on Col., Hom. 9.

[76] Homilies on Col., Hom. 10.

[77] Homilies on Col., Hom. 10.

[78] Homilies on Col., Hom. 10.

[79] Homilies on Col., Hom. 10.

[80] Homilies on Col., Hom. 10.

[81] Homilies on Col., Hom. 10.

[82] Homilies on Col., Hom. 10.

 

تفسير رسالة كولوسي 3 الأصحاح الثالث – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة كولوسي 2 الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة كولوسي 2 الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة كولوسي 2 الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطيتفسير رسالة كولوسي 2 الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة كولوسي 2 الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

الأصحاح الثاني: المسيح هو العلو

 

في الأصحاح السابق حدّثنا الرسول عن عظمة شخص السيّد المسيح، وبالتالي عظمة عمله في حياة البشريَّة. رأيناه هو العمق الذي بدخل بنا إلى معرفة سرّ الحكمة الأزلية المكتومة، ويهبنا رجاءً للتمتّع بالسماويّات الفائقة. الآن في هذا الأصحاح يحدّثنا عنه بكونه العلو. فإذ نتأسس ونتأصّل فيه لا يمكن أن يهتز بناء نفوسنا، ولا نشعر بعوزٍ إلى شيء.

إنّه يسمو بنا فوق تقاليد الناس الكاذبة، ويرفعنا فوق الحكمة الباطلة والفلسفات الخادعة. يرفعنا فوق الحرف اليهودي، فنتمتّع فيه بالختان الروحي الذي يتحقق بالمعمودية لننال البنوّة للآب. يمحو الخطية فينا وآثارها، فنعيش بروحه القدّوس وننال حكمة الغلبة والنصرة على قوّات الظلمة.

أمّا غاية الكتابة في هذا الأمر فهو تمتّع الكل بسرّ معرفة الآب والابن لنوال كنوز الحكمة في داخلنا.

هكذا يكتب الرسول ويعمل مجاهدًا من أجل محبّته لمخدوميه.

  1. الحب هو الدافع، وغنى المعرفة هو الغاية 1-5.
  2. المعرفة الإلهيَّة والسلوك 6-7.
  3. التحفّظ من خداع الفلاسفة 8.
  4. حياة الملء في المسيح 9-10.
  5. الختان الروحي والمعموديّة 11-13.
  6. الغلبة على الظلمة 14-15.
  7. لا عودة للظلال 16-17.
  8. عبادة الملائكة 18-19.
  9. عظمة الموت مع المسيح 20-23.

1. الحب هو الدافع وغنى المعرفة هو الغاية

يكشف القديس بولس عن اهتمامه العظيم بالكنيسة في كولوسي كما بكل الكنائس، فهو يشتاق أن يتثبت المسيحيون ويترسخون في إيمانهم، وأن يحذروا من جهة الفلاسفة ورجال الناموس المخادعين. أما أفضل الطرق للتحفظ من مهالك شباك العالم وفلسفاته ومن الحرف القاتل للناموس فهو فهم سرّ المسيح؛ لأنه هو الكل في الكل. لذلك يسألهم الرسول أن يتأصلوا في الكلمة “اللوغوس” لئلا يجرفكم المعلمون الزائفون.

كان بعض الفلاسفة المعروفين آنذاك يُعلَّمون بأن الإنسان لا يستحق أن يصل إلى الله مباشرة، بل يحتاج إلى الملائكة للبلوغ إليه (18:2). لم يدركوا حقيقة قوة السيد المسيح أنه الوسيط الوحيد بين الله والإنسان، القائل: “أنا هو الطريق… ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بي” (يو 6:14) وقد وبخ القديس بولس أهل كولوسي لإخفاقهم في التعرف على شخص السيد المسيح، وإدراك أنه الرأس الأعلى للكنيسة والوسيط الوحيد بين الله والإنسان.

“فإني أريد أن تعلموا أي جهاد لي لأجلكم،

ولأجل الذين في لاودكية،

وجميع الذين لم يروا وجهي في الجسد” [1].

بالرغم من وجود القديس بولس في السجن، لم يعقه شيء عن الصلاة الحارة لأجلهم، ومع صلواته الكثيرة من أجلهم بعث إليهم برسالةٍ، وبأحد معاونية في الخدمة “تيخيكُس” ليشجعهم (4: 7-8).

لاودكية أو اللاذِّقية وهي مدينة على بعد 10 أو 12 ميلاً من كولوسي وأكثر اتساعًا وازدهارًا، وهي غير اللاذِّقية الميناء السوري المعروف حاليًا.

تُستخدم كلمة “جهاد” الواردة هنا في الأصل اليوناني في تصوير المصارعة في حلبة الوحوش المفترسة. هكذا دخل الرسول كما في حلبة الصراع ضدّ التعاليم الكاذبة، فكان كمن يصارع وحوشًا فتّاكة. ما يقوم به من صراع هو من أجل أبوّته لهم، معرّضًا حياته للموت لأجل إنقاذهم من الضلال.

“وجميع الذين لم يروا وجهي في الجسد” [1]. وكما كتب إلى أهل كورنثوس: “كأني غائب بالجسد، ولكن حاضر بالروح” (1 كو 5: 3). بهذا يشير إلى وحدة المسيحيين في جسد المسيح، الكنيسة، حيث لا يستطيع البعد المكاني عن عزلهم عن بعضهم البعض. وكأنه يقول: “وإن كنتُ غائبًا عنكم في الجسد، لكنني معكم في الروح، فرحًا وناظرًا ترتيبكم ورسوخ إيمانكم في المسيح [5].

  • حبه لكل كنيسة وشوقه لحل مشاكلهم، جعله حاضرًا روحيًا مع جميعهم (1 كو 5 :3).
  • إن صلاتي بحرارة هي أن تتثبت صداقتنا ثبوتا متينًا كما في المسيح، فلا تهتز بسبب بعد الزمان أو المكان[1].

القديس جيروم

  • لماذا يقول: “إن كثيرين لم يروا وجهي في الجسد“؟ إنه يوضح بطريقة إلهية أنهم يرونه على الدوام بالروح (القدس)، وأنه يشهد لحبهم العظيم[2].

القديس يوحنا ذهبي الفم

“لكي تتعزى قلوبهم،

مقترنة في المحبة لكل غنى،

يقين الفهم لمعرفة سرّ الله الآب والمسيح” [2].

القُلب هو عرش المشاعر. إن كانت الشهوات الشريرة تقود الذهن إلى مسالك وعرة ونتائج سيئة وانقسامات، فإن تعزية القلب تتحقق بالاتحاد معًا. فالحب مع التواضع يحفزاننا على الجهاد، ليتصالح الكل معًا، ويحملون فكرُا إيمانيًا واحدًا صادقًا.

موضوع جهاد الرسول خاصة في الصلاة من أجلهم، ومن أجل إخوتهم الذين في لاودكيّة والذين لم يرهم ولم يعرفهم بالاسم، هو تمتّعهم بتعزيات إلهيّة داخليّة، وحب صادق، فيدركوا غنى الفهم لسرّ اللَّه الفائق، وينالوا معرفة صادقة لسرّ خطة اللَّه الآب والابن الوحيد الجنس. فلا يكون للشك أو الارتياب أي موضع فيهم.

         إن كانت عاصفة هؤلاء المعلّمين الكذبة غاية في الخطورة، لكنّها فرصة لطلب غنى نعمة اللَّه، فيقف الكل كما بقلبٍ واحدٍ محبٍ لمواجهة قوّات الظلمة. خلال هذا الحب وتلك الوحدة الصادقة يتأهّلون لإعلان الحق الإلهي دون مباحثات ومماحكات غبيّة (1 تي 6: 4).

         مفتاح ذخائر المسيح هو الإيمان العامل بالمحبّة، فإنّهم إذ يمارسون الحب لا يُحرمون من الدخول إلى المسيح مصدر كل غنى حقيقي وحكمةٍ وفهمٍ.

         كثيرًا ما يقدّم لنا الرسول بولس الحب كمفتاح للإعلانات الإلهيّة والتمتّع بالملء. “وأنتم متأصّلون ومتأسّسون في المحبّة، حتى تستطيعوا أن تدركوا مع جميع القدّيسين… وتعرفوا محبّة المسيح الفائقة المعرفة، لكي تمتلئوا إلى كل ملء اللَّه” (اف3: 18-19).

عاش شاول الطرسوسي زمانًا تحت الظلال، ظانًّا أن ناموس موسى فيه كل الكفاية. لكن إذ التقى بالسيد المسيح، والذي رفعه من الظل إلى الحق، صارت له معرفة بأسرار عجيبة يشتهي أن يتمتّع الكل بها.

في هذه الرسالة يحدّثنا الرسول عن سرّ له جوانب ثلاثة، تتكامل معًا في حياة المؤمن:

ا. سرّ الكنيسة جسد المسيح (1: 24)، حيث ينفتح باب الإيمان للأمم أيضًا.

ب. سرّ الحياة في المسيح: “المسيح فيكم، رجاء المجد” (1: 27).

ج. سرّ اللَّه الآب والمسيح (2: 2). فإنّه يحلّ في المسيح كل ملء اللاهوت، وهو الذي يهبنا حياة الملء. ما هو سرّ اللَّه الآب والمسيح؟ هو سرّ خطة عمله، موضوع مسرّة الآب والابن معًا، وسرّ معرفة الأب خلال إعلان الابن عنه لمؤمنيه. وكما يقول السيد المسيح: “اللَّه لم يره أحد قط، الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبَّر” (يو1: 18). قبل الصليب ما كان يمكن للبشر إدراك سرّ العلاقة بين الآب والابن، التي انكشفت بالصليب والقيامة.

  • يقول “أجاهد” – لأية غاية؟ أن تجمعكم أواصر الائتلاف معًا، وما يعنيه هو شيء من هذا القبيل أن يرسخوا في الإيمان ثابتين… وأن يتحدوا بالحب لا بالقسر ولا بالإلزام… أريدكم أن تبلغوا غاية اليقين الكامل، لا “بالغنى” فقط بل “بكل غنى” حيث يكون يقينكم الكامل يقينا عظيمًا، كما في كل شيء[3].

القديس يوحنا ذهبي الفم

“المذخر فيه جميع كنوز الحكمة والعلم” [3].

كل من الحكمة والعلم أو المعرفة هو من إعلان الله عن ذاته لنا، نقتنيه فنحمل الحكمة الإلهية والمعرفة السماوية. يرى القديس أغسطينوس أن الحكمة هي القدرة على تذوق الحقائق الروحية، والتمتع بالحق يؤدي إلى مجد الله والتعبد له بمخافة البنين. ويرى القديس يوحنا الذهبي الفم الحكمة هي الإنجيل، أي التمتع بخطة الله الخلاصية المفرحة. أما العلم فهو الحيدان عن الشر (أي 28: 28)، وتقديم كلمة الخلاص للبشر.

هنا يصحح الرسول بولس مفاهيم الفلاسفة الذين يظنون أنهم قادرون بجهادهم البشرى البحت، وقدراتهم الفكرية الذاتية أن يتعرفوا على الحق ويبلغوا الخلاص. فالإنسان عاجز بذاته أن يدرك الله وتدبيره، ما لم يعلن هو عن ذاته. وكما يقول السيد المسيح: “الابن الوحيد الذي في حضن الآب هو خبر” (يو 1 : 18). وقد وعد تلاميذه بإرسال روحه القدوس الذي يأخذ مما له ويخبرهم ( يو 16: 14- 15).

كشف العهد الجديد عن الحكمة التي صارت لنا في المسيح يسوع التي من بينها الأمور الآتية:

  1. دم يسوع المسيح ابنه يطهرنا من كل خطية (1 يو 1: 7).
  2. كلما كثرت الخطية ازدادت النعمة جدًا” (رو 5: 20).
  3. الإيمان العامل بالمحبة (غل 5: 6).
  4. يخبرنا بأمور آتية ( يو 16: 13).
  5. السماء الجديدة والأرض الجديدة، وأورشليم أمنا العليا (رؤ 21).
  • يقول: “المذخر” أو “مخبأ”، حتى لا تظنوا أنكم قد أدركتم كل الحقيقة، فإن الحق مَّخبأ حتى عن الملائكة، وليس عنكم وحدكم، حتى تسألوه عن كل شيء فهو وحده يعطي الحكمة والمعرفة[4].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • تلك الأشياء يهبها المخلَّص نفسه إذ يقول: “أُعطى لكم أن تعرفوا أسرار ملكوت السماوات”. ويقول الإنجيل إن المخلص قال للرسل الكلمة في سرٍ. إذ تقول النبوة عنه” يفتح بالأمثال فمه وينطق بأسرار منذ تأسيس العالم”[5].

القديس إكليمنضس السكندري

  • اعلموا إذن من هو هذا الفقير والمحتاج. إنه المسيح! واعلموا أن فيه مذخر كل أمور الغنى، ذاك الذي ترونه أنتم فقيرًا[6].
  • إذا أخذ لنفسه فقرنا لم يفقد غناه، إذ فيه “مذخر كل كنوز الحكمة والمعرفة”. فإن جعتُ لن أسألكم شيئا لأن لي العالم كله وملئَه أيضًا. فلا تجتهدوا أن توفروا لي ما تعطونه، والذي بدونه لا يكون لي ما أريد[7].
  • نحن نعلم أنه ما من شهادات عن الله أسرع ولا أضمن ولا أقصر ولا أعلى أكثر مما في المسيح، “الذي فيه مذخر كل كنوز الحكمة والمعرفة”… في ، إذ يحاول عن طريق هذه الشهادات أن يبرهن لنا كيف يحبنا حبًا عظيمًا[8].

القديس أغسطينوس

           في حوار جرمانيوس مع الأب نسطور ببربة مصر أكد الأخير أن هذه المعرفة يمنحها السيد المسيح لأنقياء القلب.

  • جرمانيوس: إن كان من الواضح أن كل الذين لم يتقبلوا الإيمان بالسيد المسيح أو الذين فسدوا بتعاليم الهراطقة الشريرة قلوبهم غير نقية، فكيف نجد أن كثير من اليهود والهراطقة وبعض المؤمنين “التابعين للكنيسة الجامعة” الذين لهم خطايا واضحة، لهم معرفة بالكتاب المقدس، ويفخرون بعظمة تعليمهم الروحي، بينما نجد من الجانب الآخر حشود لا حصر لها من القديسين الذين تنقت قلوبهم من كل وصمات الخطية، قانعين بالتقوى الذي للإيمان البسيط دون أن تكون لهم معرفة بأسرار المعرفة الحقيقية؟! كيف تستقيم هذه الفكرة التي تنادي بها ناسبًا المعرفة الروحية لأنقياء القلب وحدهم؟

نسطور: لا يقدر أن يكتشف قيمة ما أكدته إلا الذين يزنون كل كلمة ننطق بها بميزان دقيق. فقد بدأنا الحديث عن أناس ماهرين في النقاش لكنهم عاجزين عن الدخول إلي عمق الكتاب المقدس واكتشاف معانيه الروحية. لأن المعرفة الروحية يطلبها عابدو الله وحدهم، ولا ينالها الذين قيل عنهم: “اسمع هذا أيها الشعب الجاهل والعديم الفهم الذين لهم أعين ولا يبصرون، لهم آذان ولا يسمعون” (إر 21:5). وأيضاً: “قد هلك شعبي من عدم المعرفة، لأنك أنت رفضت المعرفة، أرفضك أنا حتى لا تكهن لي، ولأنك نسيت شريعة إلهك أنسى أنا أيضًا بنيك” (هو 6:4).

 فكما قيل أنه في السيد المسيح تكمن كل كنوز الحكمة والمعرفة (كو 3:2)، فكيف يمكننا أن نقول بأن الذي يحتقر التعرف على السيد المسيح، أو عندما يجده يجدف عليه بشفتيه المدنستين، أو على الأقل يدنس بأفعاله الشريرة إيمانه الذي حسب الكنيسة الجامعة، كيف يقدر أن ينال معرفة روحية؟!

 “إن الحكمة لا تلج النفس الساعية بالمكر، ولا تحل في الجسد المسترق للخطيئة، لأن روح التأديب القدوس يهرب من الغش، ويتحول عن الأفكار السفيهة، وينهزم إذا حضر الإثم” (حك 4:1، 5).

 إذن لا يوجد طريق لبلوغ المعرفة الروحية غير ذلك الطريق الذي وصفه النبي بدقة قائلاً: “ازرعوا لأنفسكم بالبرّ، احصدوا بحسب الصلاح، احرثوا لأنفسكم حرثًا، فإنه وقت لطلب الرب حتى يأتي ويعلّمكمْ البرّ” (هو 12:10). يلزمنا أولاً أن نزرع بالبر، أي بأفعال البر نوسع الكمال العملي. بعد ذلك يجدر بنا أن نحصد رجاء الحياة، أي عن طريق نزع الخطايا الجسدية نجمع ثمار الفضائل الروحية. وهكذا سوف ننجح في إضاءة أنفسنا بنور المعرفة.

 يرى المرتل بالمزامير أيضًا أن هذا النظام يلزمنا إتباعه إذ يقول “طوباهم الذين بلا عيب في الطريق، طوباهم الذين يفحصون عن شهاداته” (مز 1:119، 2). فإنه لا يقول في الأول “طوبى للذين يفحصون عن شهاداته” وبعد ذلك “طوباهم الذين هم بلا عيب”، إنما يبدأ بالقول “طوباهم الذين هم بلا عيب”، مظهرًا أنه لا يستطيع الإنسان أن يأتي إلى فحص شهادات الله بلياقة ما لم يسلك في طريق المسيح بلا عيب بحياته العملية[9].

الأب نسطيروس Nesteros

إن كان السيد المسيح هو”المذخر فيه كل كنوز الحكمة والمعرفة”، فلماذا يقول أنه لا يعلم اليوم ولا الساعة إلا الآب وحده؟

  • يمكن لنا أن ندرك لماذا قال إنه لا يعلم اليوم (ولا الساعة). إن كنا نؤمن حقًا إنه كان يجهل فعلاً، فنحن نناقض الرسول الذي يقول: “المذخر فيه كل كنوز الحكمة والمعرفة” [3]. ففيه معرفة مخبأة، وإذ يجب أن تظل مُذخرة فيه، ينبغي لهذا القصد أحيانا أن يُعبر عنها بأنها جهالة (أو هكذا تبدو)، لأنها إن أُعلنت جهارًا ما بقيت سرًا. ولكي تظل المعرفة مخبأةً يعلن أنه لا يعلم، لكن إن كان لا يعلم، لتبقى المعرفة مخفية فيه، فليس ذلك الجهل من صميم طبيعته، إذ هو العالم بكل شيءOmniscient لأنه يجهل فقط لتبقى المعرفة مذخرة فيه (سرًا فيه)، لا لأنه من الصعب عليه تحديد اليوم والساعة، بل ليحثنا دومًا أن نسهر دون فتور وفي إيمان لا يهدأ. وهو يخفي عنا بعض المعرفة يحفظها بمنأى عنا لتظل أذهاننا منشغلةً عن التعلق بأهداب غير اليقين. فتسرع متلهفة عن يوم مجيئه الثاني، وتسهر في رجاء. وهكذا إذ نعلم أن اليوم قريب ولابد آتٍ، فإن عدم تيقننا منه تمامًا يجعلنا منتبهين غير غافلين، ساهرين، لهذا يقول الرب: “كونوا مستعدين (أسهروا) لأنكم لا تعرفون متى يأتي ابن الإنسان” (مت 24: 44) وأيضا “طوبى لذلك العبد الذي إذا جاء سيده يجده يفعل هكذا” (مت 24: 46)[10].

القديس هيلاري أسقف بواتييه

  • أي سبب حقا يجعلنا نتعجب إن كان حكمتهم العالية أخفق الناس في إدراك سرّ الله الآب والرب يسوع المسيح، الذي فيه تذخر كل كنوز الحكمة والمعرفة، (كو2: 3) هذا السرّ الذي لم يقدر حتى الملائكة علي معرفته، إلا بالاستعلان؟[11]

القديس أمبروسيوس

  • من يجد صلاحًا ما إنما يجده في المسيح الذي يحوي كل صلاح.

القديس غريغوريوس النيسى

  • المسيح هو الذي يعلن المخفي والمستور (مت 11: 25-27) ويزرع الفهم في قلوبنا، لأن فيه وبه “مذخر كل كنوز الحكمة والمعرفة” (كو 2: 3) وبه ومعه المجد والقدرة من الآب مع الروح القدس من جيل إلي جيل والى أبد الآبدين آمين[12].

القديس كيرلس السكندري

“وإنما أقول هذا لئلا يخدعكم أحد بكلام ملق (ناعم أملس)” [4].

أخبرهم أن يحترسوا من أي شخصٍ يريد أن يأسرهم بحكمة زائفة وخداع باطل حسب تقليد الناس، تلك الحكمة المؤسسة علي عناصر كونية، بدلاً من ارتكازها علي المسيح.

بدلاً من إفساد الوقت بأن نتدارس فيه الفلسفات الباطلة والتعاليم الكاذبة والأناجيل المزيفة، يجدر بنا دراسة الحق ومعرفته جيدًا لنعرف كيف نميز أي انحراف عنه.

عانت الكنيسة منذ القرن الأول من الهجمات الشرسة من الداخل (أع 15، 2 بط 2: 1-3، يه 3، 4) وينكر كثيرون الحق بأن يحذفوه سرًا.

يقوم إيماننا الأقدس على أساس الرسل والأنبياء، ويسوع المسيح نفسه حجر الزاوية (أف 2: 20). فلا يليق بنا أن نُخدع بالفلسفات الباطلة. وكما يقول القديس جيروم بأنه إن وعدك أحد بأن المسيح يوجد في برية الوثنيين أو خيام الفلاسفة أو في مجالس الهراطقة السرية، وأنه هناك تقدم معرفة أسرار الله، فلا تصدق. وإنما ليكن لك إيمان الكنيسة الجامعة الذي يضيء في الكنائس من الشرق إلى الغرب[13]. “هكذا قال الرب: قفوا على الطرق وانظروا واسألوا عن السبل القديمة، أين هو الطريق الصالح، وسيروا فيه فتجدوا راحة لنفوسكم ” (إر 6: 16).

         “ملقpithanologia، تستخدم هذه الكلمة عن دفاع بعض المحامين بأسلوب جذاب، حيث يمكنهم أن يظهروا الباطل كأنه حق. لذا يليق بالمؤمن أن يكون له روح التمييز فيفرز كلام الحكمة الإنسانية المقنع من برهان الروح المشبع للأعماق (1 كو 2: 4).

  • نحترس، بوجه خاص، لئلا ونحن نجاهد في طلب للحكمة، التي هي كائنة في المسيح وحده المذخر فيه كل كنوز الحكمة والمعرفة – أقول نحترس لئلا باسم المسيح ذاته، يخدعنا الهراطقة أو أية أحزاب فاسدة الذهن ومُحبة لهذا العالم[14].

القديس أغسطينوس

  • لا يفتخرن أحد إذن بأنه يعلم ووثيق بالمعرفة البشرية، إذ مكتوب حسنًا في سفر إرميا: “لا يفتخر الحكيم بحكمة ولا يفتخرن القوي بقوته ولا يتفاخر الغنى بغناه، بل من يفتخر فليفتخر بهذا، أنه يفهم ويعرف أنني أنا الرب الذي يتراحم ويدين بالبرّ فوق الأرض” حتى لا نتكل علي ذواتنا بل علي الرب الذي يقيم الميت” يقول الرسول: “الذي خلصنا من موت هذا ثقله حتى لا نتكل علي حكمة الناس، بل علي قوة الله” لأن الروحي يحكم في كل شيء ولكن لا يُحكم عليه في شيء” وأيضًا أنصتُ إلي كلماته هذه: “إنما أقول هذا لئلا يخدعكم أحد بكلام ملِق (مخادع) أو يتسلل أحد ليتلفكم[15].

القديس إكليمنضس السكندري

“فإني وإن كنت غائبًا في الجسد،

لكني معكم في الروح،

 فرحًا وناظرًا ترتيبكم ومتانة إيمانكم في المسيح” [5].

إن كان الرسول بولس غائبًا عنهم بالجسد لكنه كان حاضرًا معهم بالروح، يتهلل بترتيبهم وعدم تشويشهم، كما يفرح بثبات إيمانهم في المسيح يسوع. هذا ليس بالأمر الغريب، فقد كان قلب اليشع النبي يئن وهو يرافق جيحزي عندما لحق بنعمان السرياني يطلب منه هدية (2 مل 5: 20- 27). مرة أخرى يؤكد الرسول بولس لأهل كورنثوس: “فإني أنا كأني غائب بالجسد، ولكن حاضر بالروح… إذ أنتم وروحي مجتمعون” (1 كو 5: 3-4).

  • ما أعظم قوة الموهبة التي تؤهلهم أن يعرفوا الأشياء البعيدة حتى يتسنى بذلك أن يجتمع البعيدون ويصيروا واحدًا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

الكلمتان “ترتيب” و”متانة” اصطلاحان عسكريان يستخدمان في وصف الجيوش في الحرب. فالترتيب يشير إلى دقة النظام والتدبير، فيدرك كل جندي موقعه ودوره، ويتحمل مسئوليته في طاعة كاملة للقيادات. المتانة تفيد الاستعداد العسكري لمواجهة ضربات العدو الخاطفة، كجيشٍ يقظٍ متماسك، له قدراته الهجومية والدفاعية. هكذا يليق بالمؤمن أن يكون جندي المسيح الصالح الذي ينتمي إلى جيش الخلاص، لا ليقاوم إخوته في البشرية، بل عدوه الحقيقي إبليس بكل جنوده الروحيين الأشرار، وقواته وحيله وكل خداعاته.

إيمانكم في المسيح” ؛ تعبير يتكامل مع تعبير “إيمانكم بالمسيح” (كو 1: 3). فالإيمان موضوعه هو السيد المسيح، وغايته التمتع بالمسيح ذاته. هو بداية الإيمان وطريق الإيمان ونهاية الإيمان. فيه يتهلل المؤمنون، كما تتهلل نفس الرسول بولس كشركة حية معهم في بهجة خلاصهم وتهليل نفوسهم بالشركة مع المسيح.

  • كأن القول المباشر هنا هو “حتى وإن كنتُ غائبا بالجسد فأنا أعرف المخادعين”. لكن عوضًا عن ذلك يختم عبارته بالمديح: “فرحًا وناظرًا ترتيبكم ورسوخ إيمانكم في المسيح” وبقوله “ترتيبكم” يعنى ترتيبكم الصالح، ورسوخ إيمانكم في المسيح، أي إنكم لا تزالون في طريق الشركة ولم يقل إيمانكم “بل رسوخ إيمانكم كما لجنود واقفين في ترتيب ونظام حسن وفي ثبات. وما هو راسخ لا يهتز لا للخداع ولا للتجربة[16].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • اكتبوا أسماءكم جميعًا في سفر الحياة ولا تمسحوها أيضًا (لأن أسماء الكثيرين تًمحى بسقوطهم).

ليهبكم جميعًا أن تؤمنوا بالذي قام، وتتطلعوا إلى الذي صعد وسيأتي (ولكن ليس من الأرض، إذ يلزمك أن تحترس من الكذابين الذين سيأتون)، إنما يأتي ذاك الذي يجلس في العلا وهو معنا جميعًا، “ناظرًا ترتيبكم ومتانة إيمانكم” (كو 5:2).

فلا تظنوا أن بغيابه بالجسد غائب عنا بالروح، بل هو موجود في وسطنا يسمع ما يُقال عنه، متطلعًا إلى أفكاركم الداخلية فاحصًا القلوب والكلى” (مز9:7)، الذي هو الآن مستعد أن يُحضر الآتين إلى العماد بل ويُحضركم جميعًا في الروح القدس للآب قائلاً: “ها أنا والأولاد الذين أعطانيهم اللَّه” (عب 13:2، إش 18:8).هذا الذي له المجد إلى الأبد آمين[17].

القديس كيرلس الأورشليمي

2. المعرفة الإلهيَّة والسلوك

“فكما قبلتم المسيح يسوع الرب،

اسلكوا فيه” [6].

اسلكوا فيه” من يقبل السيد المسيح يسلك فيه بكونه الطريق الإلهي، فيستطيع أن يجتاز العالم بقلبه وفكره، ويعبر كما إلى حضن الآب، لتستقر أعماقه هناك على رجاء قيامة الجسد والوجود الدائم في المجد الأبدي.

حيث أن يسوع المسيح هو الفائق الكل، أيقونة الله، خالق الجميع. فلماذا يوجد فيكم اشتياق أن تطلبوا وسطاء آخرين؟ يسوع هو المسيا، مسيحُ الله، هو الكلمة، رسالة الله للإنسان، هو الرب أيضا يهوه إله العهد الجديد (فى 2: 11).

لقد قبلوا الرب بإيمان بسيط، قبلوه مخلصًِّا، مصدر الحياة والغبطة وإن كنا نحتاج إليه لينقذنا من الهلاك الأبدي فإننا نحتاجه أيضًا ليرشدنا ويوجهنا في كل جوانب الحياة (يو 6: 39، رو 8: 35-39). أوصينا أن “نسلك فيه”، فنحن جميعنا نحيا ونتحرك ونوجد في المسيح، جميعنا مسندون به (1: 17) وفي كولوسي 3: 5-17 يوضح القديس بولس كيف ينبغي أن يسلك المسيحي.

إذ قد وثقتم الآن بالمسيح ليخلصَّكم، ثقوا به، أيضًا لأجل حل المشاكل اليومية، عيشوا في اتحاد عميق حيوي معه، ولتتأصل جذوركم فيه وتقتات منه.

  • “اسلكوا فيه”، لأنه الطريق الذي يقودنا إلي الآب، وليس في الملائكة، فإنهم لا يقتدرون أن يبلغوا بنا إليه[18].

القديس يوحنا الذهبي الفم

قبلتم” جاءت نفس الكلمة في قول الملاك ليوسف: “لا تخف أن تأخذ مريم” (مت 1: 20). وكأن قبول المسيح هو اتحاد دائم في حياة مشتركة.

كان بولس دائمًا إنسانًا عمليًا، إذ يقول: نفذَّوا ما تؤمنون (به) ها قد بدأتم حسنا، فاستمروا كما بدأتم! نحن قد وثقنا بالمسيح وثبتنا فيه راسخين (23:1). لهذا عيشوا في اتحادٍ حيويٍ معه. يريد القديس بولس دومًا أن تتناغم حياتنا مع إيماننا. ومن المحزن أن يؤمن مسيحي بالمسيح ويسلك كشيطانٍ.   

إن كنا نؤمن بالمسيح ونثق فيه، فلنحيا كما يريدنا هو أن نحيا. وإن كنا متأصلين فيه فلننموا أيضًا فيه. علينا أن نبذل أكثر من مجرد أن نؤمن بحقائق عن المسيح. يجب أن نثق بالمسيح إن كنا نريد الحياة ولا يمكننا أن نكتسبها أو نشتريها فهي هبة مجانية (6:2). فنحن متأصلون في المسيح، وهذا يعني أننا نقتات عليه. فلا يمكن لنباتٍ أن ينمو دون أن يرتبط بالتربة الواهبة الحياة. تبدأ الحياة المسيحية في المسيح ثم لا تلبث أن تنمو في نعمته وعطاياه. لذلك يجب علينا أن نتكل على المسيح لأجل ثبات حياتنا، إذ هو يقيننا من جهة خلاصنا.

“متأصلين ومبنيين فيه، وموطدين في الإيمان،

كما علمتم،

متفاضلين فيه بالشكر” [7].

         متأصلون” لا يطالب بمجرد السلوك بل التأصل، حيث تتحول حياة المؤمن إلى هيكلٍ، له أساساته الخفية التي يقوم عليها البناء الروحي الشاهق الذي يعبر إلى السماء عينها. علينا أن نطلبه، ففيه وحده إشباع كل احتياجنا الروحي وكفايتنا.

  • بهذا الإيمان البسيط الثابت ينبغي أن نثبت في اللََّه، حتى يكشف لمؤمنيه بنفسه كل أسراره، إذ يقول الرسول نفسه: “المذخّر فيه جميع كنز الحكمة والعلم” [3][19].

القديس أغسطينوس

  • ما يتأصل لا يمكن زعزعته. تأملوا كم يختار من عبارات مناسبة. “ومبنيين” أي في الفكر عنه (عن المسيح) و”ثابتين” فيه، أي راسخين فيه (ممسكين به)، مبنيين كما علي أساس. إنه يكشف لهم أنهم قد انهاروا، لأن الكلمة “مبنيين” لها هذه القوة، لأن الإيمان هو في الحقيقة بنيان، يحتاج إلي أساس متين وبناء مأمون (تشييد مضمون) لأنه إن لم يُبنَ الإنسان علي أساس مضمون يهتز البناء… فإن لم يكن راسخا لن يصمد[20].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • هيا أيها الأحباء التفتوا إلى ما يقدمه لكم الرسول من نصح غالٍ، فهو يقول: “كما قبلتم المسيح يسوع ربنا، هكذا اسلكوا فيه، متأصلين ومبنيين فيه، وراسخين في الإيمان”. ففي هذا الإيمان البسيط والمؤكد يجدر بنا أن نمكث راسخين فيه، حتى يفتح هو ذاته للمؤمنين المخبأين فيه، إذ يقول نفس الرسول: “المذخر فيه كل كنوز الحكمة والمعرفة”، وهو لم يخفها عن أحد لكي يرفضوها، بل ليثير فيهم الاشتياق للأمور المذخرة[21].

القديس أغسطينوس

  • تأسيس الكنيسة هو خلق للعالم وبحسب النبي إشعياء (إش 65: 17) تُخلق سماء جديدة فيها (الإيمان بالمسيح هو الجلد، كما يقول بولس في كو 2: 5)[22].

القديس غريغوريوس النيسي

3. التحفّظ من خداع الفلاسفة

“انظروا أن لا يكون أحد يسبيكم بالفلسفة،

وبغرور باطل،

حسب تقليد الناس،

حسب أركان العالم،

وليس حسب المسيح” [8].

         بعد أن أعلن الرسول بولس فرحه بتمسكهم بالتقليد الذي تسلموه من الرسل بخصوص شخص ربنا يسوع المسيح أخذ يحذرهم من خداع الفلسفات الكاذبة. بقوله: “انظروا” يقدم تحذيرًا من السقوط في سبي الفلسفة أو الاستعباد لها. يرى في المعلمين الكذبة أشبه بتجار العبيد الذين يحملون أسرى الحرب قسرًا إلى أسواق العبيد تحت ستار الكلمات المعسولة الملقة، فيحرمونهم من حرية مجد أولاد الله.

         يدعوها “غرور باطل“، لأنها جوفاء لا تقدم إلا الفراغ، لأنها تصدر عن العالم والفكر البشري البحت، فلا تحمل قوة الله للخلاص. كان العالم أسيرا لفكرة أن أمور البشر تسير قصرًا حسب تحركات الأفلاك لذا يقول: “أتحفظون أيامًا وشهورًا وأوقاتًا وسنين؟” (غل 4: 10). وكانت الفلسفات تدعي أنها قادرة أن تخلص الإنسان من شر هذه القوات.

يقوم هذا الجزء من الرسالة علي تحذيرات ثلاثة:

أولاً: لا تنجذبوا لأية فلسفة دنيوية، تحل محل المسيح. لا تسمحوا لأي شيء يحل محل المسيح الفائق الكل، ولا تدعوا أحدًا يجعلكم تنكرونه. افتحوا عيونكم جيدًا وراقبوا واسهروا (حز 3: 17-21)، فلا يُسرق إلا الغافلون والحمقى (لو 12: 39)، ضحايا الغفلة.

الفلسفة جهد بشري لفهم الله والوصول إليه ولإدراك الكون الذي خلقه بقدرته، لكنها غالبًا ما تخفق في قصدها (1 كو 1: 21) ومن ثم فهي في نهاية الخطورة (ا تي6: 20).

“حسب تقليد الناس”: التقليد ليس بالضرورة شرًا في ذاته. فالكلمة تشير أساسًا إلي مجموعة من الأقوال أو التعاليم المسَّلمة من واحد إلي آخر (غل 1: 14؛ 1كو11: 2)، قد تكون صالحة (2 تس 2: 15؛ 3: 6) أو عديمة النفع (1 بط 1: 18)، أو حتى شريرة للغاية إذا ما تعارضت مع كلمة الله (مت 15: 1-9) وفي حالة كولوسى 2: 8 فإن التقليد هنا علي وجه التحديد هو هذا النوع الأخير، إذ هو مناقض للتعليم الصحيح كما أعلنه في المسيح.

ومن الآية 20 نكتشف أن “العناصر” أو “الأركان” إنما تشير إلى الترتيبات الدينية من أوامرٍ ونواةٍ (2: 20-23) ومهمة الإنسان أن يصل إلى الله بإنكاره للذات وبالأعمال الصالحة. والخط الكامن في كل الفلسفات أننا نقترب من الله ليست بحسب المسيح مع أنه كان يجب أن نتذكر أنه في المسيح وبالمسيح وحده يمكننا بلوغ الآب.

  • تأملوا كيف يُظهره لصًا وشخصًا غريبًا يتسلل خلسة؟… لأن لفظة “فلسفة” لها مظهر الكرامة، فيضيف “وغرور (خداع) باطل” إذ يوجد أيضًا خداع حسن، قد انخدع به كثيرون، وهو ما لا يمكن للمرء أن يطلق عليه وصف “خداع” أبدًا إذ يقول إرميا النبي: “قد أقنعتني (حرفيا غررت بي) “يا رب فاقتنعت (حرفيا فانخدعت)” (إر7:20) ومثل هذا لا يمكن لنا أن نسميه خداعًا على الإطلاق، لأن يعقوب أيضًا خدع أباه، لكن لم يكن ذلك خداعًا، بل كان تدبيرًا.

ويقول القديس بولس: “بالفلسفة وخداع باطل بحسب تقليد الناس، بحسب مبادئ العالم، وليس بحسب المسيح“، وها هو يوبخهم لحفظهم أيامًا بعينها، إذ يقصد بأركان العالم أو عناصره أو مبادئه: الشمس والقمر. كما يقول أيضًا في الرسالة إلى أهل غلاطية فكيف ترحبون أيضًا بالأركان الضعيفة الفقيرة؟ (راجع غل 9:4) وهو لم يقل: حفظ أيام، بل حفظ أمور العالم الحاضر عمومًا ليكشف عن تفاهته. لأنه إن كان العالم الحاضر لا شيء فكم بالحري عناصره (من أيام وشهور وسنين)، وإذ يكشف أولاً من مدى ما نالوه من منافع عظيمة وحنوٍ، يبدأ بعدها في توجيه اتهامه ليظهر مدى خطورته وليقتنع سامعيه[23].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • إنه بعد ذلك يدمغ الفلسفة ويدينها، ليس بصفة شاملة بل يدين الفلسفة الأبيقوريّة التي يذكرها بولس الرسول في سفر أعمال الرسل (17: 18)، تلك التي تجحد اللََّه القدير وتؤلّه اللذّة[24].

القديس إكليمنضس السكندري

  • هذا الإنسان إنسان عالمي ينتبه لتعاليم الناس، ضحية الفلسفة، لأنه لا يتصرف في المسيح بملء اللاهوت[25].

القديس هيلاري أسقف بواتييه

  • لئلا تضل النفس وتقع في خداع الفلسفة الوثنية، فإنها تقبل الدرس الأفضل الذي للولاء الأكمل للإيمان المقدس الذي علَّم به الرسول في كلمات موصى بها[26].

القديس هيلاري أسقف بواتييه

  • احذروا لئلا يفسدكم أحد عن الإيمان بالمسيح بفلسفة وخداع باطل الذي يهمل تدبير العناية الإلهية “بحسب تقليد الناس“. لأن الفلسفة التي هي بحسب التقليد الإلهي إنما تطابق وتتبع تدبير العناية الإلهية، والذي إذ أُهملِ ظهور المخلص بتدبير خلاصه في الزمن كنا منقادين بحسب “أركان العالم وليس بحسب المسيح[27].
  • لأن القديس بولس أيضًا، في رسائله لا يهاجم الفلسفة، بل يراها تنزل بمستوى الإنسان ليبلغ المعرفة الخاصة بالعالم. لا يليق به أن ينحدر إلى الفلسفة الهيلينية والتي يسمَّيها بشكل رمزي قائلاً إنها أركان العالم الحاضر، إذ هي ناقصة لم تكتمل بعد، وهي مجرد مبادئ تمهيدية للحق[28].
  • هل يقول أحدكم إن الفلسفة التي اكتشفها أهل اليونان قد جاءت نتيجة الفهم البشري، إلا أني أجد الكتاب المقدس يقول إن الفهم هو من الله ذاته. فالمرنم يعتبر الفهم أعظم هبة مجانية ويحث المؤمنين قائلاً، بأن داود بالرغم من فيض تجاربه، ومعرفته، يكتب: “علمني الرقة والحكمة والمعرفة، لأنني آمنت بوصاياك”[29].
  • بقول الرسول: “بحسب أركان العالم وليس بحسب المسيح” يؤكد أن التعليم الهيليني (اليوناني) تعليم أوليَّ، أما تعليم المسيح فكامل[30].

القديس إكليمنضس السكندري

4. حياة الملء في المسيح

“فإنه فيه يحل كل ملء اللاهوت جسديا” [9].

يرى البعض كلمة اللاهوت Theotes هنا وليس Theiotes (رو 1: 2)، فالأولى لم تتكرر في العهد الجديد، وهي تعنى الله بجوهره هذا الذي اتحد مع الناسوت، أما الثانية فتعني إشراق مجد الله الذي يمكن أن ينعكس على الخليقة.

يعلن الكاتب بأكثر وضوح أن في المسيح يحل “ملء” اللاهوت جسديًا (1 :19)، وأن المسيح هو الرأس (18:1)، رأس كل رياسة وسلطان (1: 16)، وكل ذلك له نتائجه في مجتمع الكاتب فهم يشتركون في ملء المسيح (9:1) لأنهم جسده. وكما أن الختان علامة عهد مع الله بالنسبة لليهود هكذا في معمودية الأمم صار المسيحيون شعب عهدٍ. فالمعمودية للأمم هي رمز للختان غير البدني (الروحي) الذي بها يتشبهون بالمسيح إذ يشاركونه ختانه ومعمودية موته مدفونين ومشتركين أيضًا في قيامته (رو 6: 3-5).

  • هو ذراع الآب، لأنه خلق الجميع، وهو الحكمة (1 كو 30:1) حكمة الآب… وهو قدرة الآب، لأن فيه يحل ملء اللاهوت جسديًا[31].

القديس أمبروسيوس

         يميز القديس كيرلس بين ملء اللاهوت بالنسبة للسيد المسيح وبين حلول الروح القدس في القديسين.

  • إننا نؤمن بأن العماد الذي تمّ في المسيح هو الاتّحاد الأكمل… وأما فينا نحن فمع أنه قيل أنه “حلّ فينا” إلا أن حلوله فينا هو حلول نسبي، أي بالمشاركة والنعمة، لأن فيه وحده “يحل كل ملء اللاهوت جسديًا” [9]، أي أن الحلول الكائن فيه ليس مجرد حلول نسبي أو بالمشاركة مثلنا… بل هو اتحاد حقيقي بين طبيعة الإلهية غير المحدودة وهيكل جسده المولود من العذراء[32].
  • كإنسانٍ قد صار الممسوح بيننا، بالرغم من أنه هو الذي يعطي الروح القدس للمستحقين قبوله (أع 38:10) وليس بمكيال، كما يقول المغبوط القديس يوحنا الإنجيلي (يو 34:3). ولا نحن نقول إن كلمة الله حل كما في إنسانٍ عادٍ (مجرد إنسان) في المولود من العذراء القديسة (مريم) لئلا يفتكر أحد في أن المسيح مجرد إنسان حاملٍ لله. حل الكلمة (اللاغوس) بيننا (سكن وسطنا) (يو14:1) وعن المسيح كُتب أن فيه “قد حل كل ملء اللاهوت جسديًا” (كو 9:2) ونحن لا نعتقد نه إذ صار جسدًا، فإن الكلمة (اللوغوس) قد حل فيه كحلوله في القديسين ونحن لا نعتبر أن حلول اللاهوت في المسيح يشبه ذاك الحلول في البشر فإن الله اتحد بالطبيعة ولم يتحول إلى إنسان أو جسد.

إن الكلمة (الذاتي) قد وجد حلول، كما لحلول النفس في الإنسان إذ نقول عن سكناها في جسده[33].

القديس كيرلس الكبير

  • السرّ المكتوم بالحقيقة منذ الدهور ومنذ الأجيال، لكنه أُظهر في الأزمنة الأخيرة بظهور المسيح، فإن السرّ الذي رآه (حزقيال ص 1) هو سرّ النفس التي كانت ستستقبل ربّها وتصير هي ذاتها عرشًا لمجده[34].

القديس مقاريوس الكبير

  • ملء اللاهوت الساكن فيه جسديًا يؤكد حقيقة طبيعته (الإلهية). هي هي (طبيعة الله) الذاتية ووحدة الطبيعة الحية، التي لا يمكن انقسامها بالتمايز لا يمكن انقسامها أيضًا بولادة طبيعة حية[35].
  • ليس الابن بصاحب نصيب أو جزء في الآب، إذ يشهد الابن ذاته أن كل ما للآب هو لي، وكل ما لي هو لك (أيها الآب)، وكل ما لك هو لي. ويشهد الرسول (بولس) أن فيه يحل كل ملء اللاهوت جسديًا، وبحسب طبيعة الأشياء، فإن الجزء لا يمكن أن يملك الكل، إنه هو الابن الكامل للآب الكامل، لأن من له الكل قد أعطى الكل له، ومع هذا لا يليق أن نتخيل أن الآب لم يعطِ لأنه لا يزال يملك، أو أنه فقد (ما أعطاه) لأنه قد أعطى الابن![36]

القديس هيلاري أسقف بوايتيه

“أنتم مملوءون فيه،

الذي هو رأس كل رياسة وسلطان” [10].

            إذ تحقق التجسد باتحاد اللاهوت مع الناسوت صار لنا حق التمتع بغنى المسيح خلال اتحادنا معه، إذ نصير مملوءين فيه. خلال هذا الملء صار لنا إمكانية القيامة معه، والجلوس معه في السماويات (أف 2: 6)، وأن نملك أيضا معه (2 تي 2: 12)، لا يعوزنا شيء (رو 8: 32)، إذ يصير كل شيء هو لنا (1 كو 3: 21).

يعلق القديس أغسطينوس على العبارة: “ومن ملئه نحن جميعا أخذنا، ونعمة فوق نعمة” (يو 1: 16) قائلاً بان الرب وهبنا نعمة مجانية مقابل استحقاقنا للعقوبة. بهذه النعمة وهبنا الإيمان الذي به ننال مجازاة عظيمة. يقودنا هذا الإيمان إلى معرفة الحق. بالإيمان يهبنا التبرير من خطايانا ويقدم لنا نعمة الخلود. هذا كله بشرط الاحتفاظ بهذه النعم.

  • بعد إعلانه أنه في المسيح يحل كلُ ملء اللاهوت جسديًا، يكشف فورًا عن سرّ صعودنا في الكلمات “أنتم مملوءون فيه“، فكما أن ملء اللاهوت هو فيه، فنحن قد صرنا مملوءين فيه (نلنا من ملئه)، ولا يقول الرسول أنكم قد صرتم مملوءين فيه وحسب بل فيه قد صرتم مملوءين، لأن كل من هم الآن أو من سيكونون فيما بعد، المخلوقين من جديد برجاء الإيمان بالحياة الأبدية، يمكثون حتى الآن في جسد المسيح وفيما بعد لن تحيا بعد أن يكونوا مملوءين فيه، بل في أنفسهم، في الزمان الذي يقول عنه الرسول: “الذي سيغير شكل جسد تواضعنا ليكون على صورة جسد مجده (في 21:3). لهذا فقد صرنا مملوءين فيه، أي بصعود جسده، لأن فيه يحل ملء اللاهوت جسديًا فهل رجاءنا أعلى من السلطان الذي فيه؟[37]

القديس هيلاري أسقف بواتييه

  • لقد سند المحتاجين وأعطى حياة للمائتين، حتى ندرك أنه من الجسد الذي فيه حلّ ملء اللاهوت، الجسـد الذي سكنت فيه الحياة، قد أعان عوز المعـتازين (كو 2: 9)[38].

القديس افرام السرياني

  • كلمة “ملء” تعني “الكل المتكامل The whole… فهو “الرأس” وأنتم مملوءون فيه معناها أن مالكم هو منه وليس بأقل مما له[39].

القديس يوحنا الذهبي الفم

“أنتم مملوءون (مكتملون) فيه،

الذي هو رأس كل رياسته وسلطان [10].

من أهم مميزات مفاهيم القديس بولس عبارة كوننا “في المسيح“، فيوجد إحدى وعشرون إشارة إلى علاقتنا بالرب يسوع في الإصحاحين الأول والثاني، بمعدل إشارة واحدة لكل ثاني آية تقريبًا، ومعنى غير المستطاع أن نشرح كلمة “مكتملين” هكذا بكلمة واحدة فهي تعني الامتلاء والكمال والفيض بكل أسلوب ومن كل طريق (انظر متى 48:13).

 

5. الختان الروحي والمعموديّة

“وبه أيضّا ختنتم ختانًا غير مصنوع بيدٍ،

بخلع جسم خطايا البشرية بختان المسيح” [11].

بالمسيح نكمل [10]، وبه أيضًا لنا عهد مع الله.

كان الختان الجسدي في العهد القديم علامة تُظهر علاقة عهد الإنسان مع الله (رو 11:4-12). كان أيضًا علامة انقسام بين اليهود والأمم، وعلى الصليب أباد المسيح يسوع هذا الحائط المتوسط، حاجز الانقسام (أف 14:2-18). على أسس الإيمان، نحن جميعًا يهودًا وأممين ندخل في عهد مع الله (رو 29:3، 30؛ غل 6:5).

            إذ صرنا مملوءين فيه نتمتع بالختان الروحي، أي العماد، فنخلع الإنسان القديم ونلبس الإنسان الجديد الذي على صورة خالقه. في هذا الختان لا تنزع غرلة الجسد الظاهرة، بل غرلة القلب التي تتعارض مع مشيئة الله والطاعة لوصاياه. لقد وبخ القديس اسطفانوس اليهود لأنهم قساة القلوب وغير مختونين بالقلوب والآذان (أع 7: 51)، وعاد الرسول يوضح مفهوم “اليهودي” كعضو في جسد إسرائيل الحقيقي انه مختون القلب بالروح (رو 2: 28-29).

            في الختان الجسدي الحرفي يُنزع جزء من اللحم، أما في ختان المسيح فينزع طبع الخطية فلا يعود الجسد يكون هيكلاً لها، بل يصير هيكلاً للرب. هذا الاستئصال لا يتم بسكين مادية، بل بيد غير بشرية، وهو عمل روح المسيح فينا بالإيمان.

  • كان موته من أجلنا، وهكذا أيضًا كانت قيامته، وكان ختانه[40].

القديس كيرلس الكبير

  • أسأل السلام لعفتك بحبٍ عمليٍ. حتى متى تُسمي عبدًا؟ متى ستصبح إنسانًا حرًا؟ متى تصبح سيدًا على الشعوب النجسة المحيطة بك؟ متى تقتل وتبيد أهل الغرلة الذين هم في مدينتك؟ متى تُختن بالختان التي لم تصنعها الأيدي، كل سكان بيتك (تك 17: 27)، بالختان الذي هو في الروح (رو 2: 29)؟ متى ستكون صاحب سلطان وملكًا على مدينة الأبد، ومتى ستخضع لك المدن الخمس والمدن العشر التي سبق ذكرها؟… متى ستبصر في نفسك السماوات الجدد، وهي تعلن فيك بنظام مراتبها “قدوس” الجوهر الخفي؟[41]

 القديس يوحنا الدلياتي

  • يعني بعبارة “جسد الخطايا” تلك “الحياة العتيقة”، وهو كثيرًا ما يشير إليها بشتى الطرق, كما قال قبلاً “الذي نجانا من سلطان الظلمة, وصالحنا نحن الذين كنا قبلاً غرباء” حتى نصبح “قديسين وبلا عيب”، ولم تعد بحاجة إلى الختان بنصل السكين، بل في المسيح نفسه, لأنه ما من يدٍ بشرية تهب هذا الختان أبدًا بل الروح القدس, وهو لا يختن جزءًا بعينه بل الختان، في واحد جسداني وفي آخر روحاني، لكن ليس كاليهود, لأنكم لم تخلعوا الجسد بل الخطايا, متى وأين؟ في المعمودية. وبماذا يُسِّمى الختان؟ يسميه دفنًا[42].
  • إنه يتكلم عن شيء أعظم من الختان, إذ أنه لا يطرح فقط ما أختنوا لأجله بل يبيده ويفنيه تمامًا[43].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • قد خُتنا لا ختانًا جسدانيًا بل في المسيح, أي وُلِدنا من جديد, إذ قد دُفِنا معه بمعموديته, يجب أن نموت عن الإنسان العتيق لأن لتجديد المعمودية قوة القيامة، ولا يضيء ختان المسيح بنزع الجلد بل بالموت بالكامل معه, وبهذا الموت نحيا بالكامل له لأننا نقوم ثانية به بالإيمان بالله الذي أقامه من الأموات. لهذا يجب أن نؤمن بالله الذي بعمله قام المسيحُ من الموت لأن إيماننا يقوم ثانية في المسيح وبه[44].

القديس هيلاري أسقف بواتييه

مدفونين معه في المعمودية،

التي فيها أقمتم أيضا معه،

بإيمان عمل الله الذي أقامه من الأموات” [12].

             يتحقق هذا الختان بسكين الروح بواسطة المعمودية، حيث يُدفن المؤمن مع المسيح ليقوم معه في جدة الحياة المقامة.

بقوله “التي فيها” يؤكد الرسول أن المعمودية ليست رمزًا، بل هي عمل حيث يتم الدفن مع المسيح والقيام معه.

ليس الموت فناءً, بل هو انفصال عن الله. ونحن قد وُلدِنا في الصورة الميتة صورة آدم (كو 15:1؛ تك3:5) ونبقى هكذا حتى “نحيا” بالله.

ومع هذا فإن الجسد غير المختون أفضل من القلب غير المختون (كو 11:2؛ رو 25:2-29). فالروح هو الذي يحيي، أما الجسد فلا يُفيد شيئًا (يو 63:6).

  • دُفنا مع المسيح بالمعمودية, وقمنا ثانية بالإيمان بعمل الله الذي أقامه من الموت… إن الوقت يعوزني أن أسرد عليكم كل النصوص من الكتاب المقدس التي تشير إلى فاعلية المعمودية أو أن أشرح العقيدة السرية (السرائرية) التي للميلاد الثاني التي وإن كانت بمثابة الميلاد الثاني فهي الميلاد الأول لنا في المسيح[45].

القديس جيروم

  • يتبع إيماننا قبولنا الختم الروحي، إذ نختن بالروح القدس خلال المعمودية، ليس في غرلة الجسد، بل في القلب كقول إرميا: “اختننوا للرب في غرلة قلوبكم”. وقول الرسول: “بختان المسيح مدفونين معه في المعمودية…” (كو 11:2، 12)[46]

القديس كيرلس الأورشليمي

تعبير “مدفونون معه في المعمودية” تشهد بالكيفية التي كانت تتم بها آنذاك في عصر القديس بولس، إذ كانت تتم التغطيس فقط (رو 3:6-5). يموت المعمًّدون عن الحياة العتيقة، كما تضمن قيامته قيامتنا (1 كو 20:15-23). دُعي يسوع “بكر الراقدين” أي هو ضمان قيامتنا (1 كو 20:15).

  • قد مات حقا مرةً, لكنه يموت عن كل شخص قد اعتمد بموت المسيح, حتى نُدفن مجتمعين معه ونقدم به ونسلك في جِدة حياته[47].

القديس أمبروسيوس

“وإذ كنتم أمواتًا في الخطايا وغلف جسدكم،

أحياكم معه،

مسامحًا لكم بجميع الخطايا” [13].

            ثمر الخطية هو الموت الناتج عن الانفصال عن الله مصدر الحياة، وأما الإيمان والتمتع بالمعمودية ففيهما خبرة الحياة مع المسيح غافر الخطايا، وبالتالي واهب المصالحة مع الآب.

6. الغلبة على الظلمة

“إذ محا الصك الذي علينا في الفرائض،

الذي كان ضدًا لنا،

وقد رفعه من الوسط، مسمرًا إياه بالصليب” [14].

الصك الذي محاه السيد هو أشبه بإقرار كتابي يكتبه المدين يعترف فيه بالدين أو المخالفة للقانون الإلهي، ويوقع عليه. هذا الصك يعلن عن مخالفة اليهودي للناموس المكتوب، ومخالفة الأممي للناموس الطبيعي. جاء في ارميا النبي: “خطية يهوذا مكتوبة بقلم من حديد، برأس من الماس، منقوشة على لوح قلبهم وعلى قرون مذابحكم” (إر 17: 1).

إذ صُلب ربنا يسوع أخذ معه هذا الصك وسمره على الصليب، ماحيًا بذلك مفعوله. كانت الصكوك قديما تكتب على رقوق من جلود، وعند سداد الدين تزال الكتابة عنها تمامًا، فلا يكون لها أي أثر.

بدم السيد المسيح الذي رُش رُفع الصك من وسط المشهد، فصار كأن لا وجود له، بهذا سقطت القضية، وزالت العداوة والدينونة.

  • ما هو الموت في الحقيقة إلا دفن الرذائل وإحياء الفضائل؟ لهذا كُتب: “فلتمت (ترحل) نفسي موت الأبرار، “أي” فلتُدَفن معهم (عد 10:23, كو 12:2)، لتُدفنَ خطاياها وتلبس نعمة الأبرار الذين “يحملون في أجسادهم سمات موت المسيح” (2كو10:4 ) وأيضا يحملون تلك السمات في نفوسهم[48].
  • النفس التي أوشكت أن تقبل الكلمة اللوغوس, يجدر بها أن تموت عن العالم (غل14:6) وتُدفن في المسيح (رو 4:6, كو 12:2)، فلا تجد إلا المسيحَ، فهذا هو الاستقبال اللائق الذي يطلبه منها لنفسه[49].

القديس أمبروسيوس

“إذ جرد الرياسات والسلاطين،

أشهرهم جهارًا، ظافرًا بهم فيه” [15].

لم يقف الأمر عند رفع الصك الذي سجلناه بعصياننا للوصية الإلهية، وإنما بالصليب زال سلطان قوات الظلمة علينا، فلم يعد لإبليس القتَّال للناس منذ البدء (يو 8: 44) والذي يشتكي على الصديقين أمام إلهنا ليلاً ونهارًا (رؤ 12: 10) قدرة. إذ حطم نفسه بنفسه، حين ظن أنه قادر أن يصوب سهامه ضد يسوع المسيح أثناء محاكمته وصلبه، فارتدت الضربات إليه وصلبته. بموت السيد المسيح أمات ذاك الذي له سلطان الموت أي إبليس (عب 2: 14). وكما ابتلع الحوت يونان دون أن يقدر أن يميته هكذا فقدت الحية القديمة نابها السام، وتجردت من بث سم الموت.

لم يحدث هذا في زاوية، بل علانية، فجرد السيد المسيح إبليس من سلطانه أمام جميع السمائيين. كان الملوك الرومان يقومون بعملية تجريد الملوك المهزومين علانية. إذ كان الملك الغالب وقادة الجيش يرتدون ثيابًا أرجوانية محلاة بالذهب، ويضعون أكاليل النصرة على رؤوسهم، ويحملون أغصانًا في يمينهم وصولجانا في يسارهم. ثم يقومون بتجريد الملوك المهزومين وقادتهم من أسلحتهم ثم يجرونهم في مواكب نصرتهم في مذلة، ويستعرضونهم جهارًا.

هذا ما حدث حين صُلب السيد المسيح، فنزلت نفسه إلى الجحيم، وحملت الغنائم التي كانت تترجاه، وحطم متاريس الهاوية، وأعلن هزيمة إبليس ونزع كل سلطان له على المؤمنين الحقيقيين (أف 4: 8-9). وأما البشر فقد رأوا القبور تنفتح وكثير من القديسين الراقدين قاموا (مت 27: 53). وباسمه كانت الشياطين تخرج من أجسام الكثيرين في مذلة. فلا عجب إن قال الرسول: “أنا آمرك باسم يسوع المسيح أن تخرج منها، فخرج في تلك الساعة” (أع 16: 18). في يقين النصرة يترنم الرسول: “أين شوكتك يا موت؟ وأين غلبتك يا هاوية” (1 كو 15: 55)، وأيضا: “شكرًا لله الذي يقودنا في موكب نصرته في المسيح كل حين” (2 كو 2: 14).

  • هذا هو الغرض الذي من أجله جاء الرب (إلى العالم)، لكي ما يطرحهم خارجًا ويسترجع بيته وهيكله، أي الإنسان. لهذا السبب تُسمّى النفس جسد ظلمة الخبث، طالما أن ظلمة الخطية موجودة، فتُهان لأنها تحيا لعالم الظلمة الشرّير، وهي ممسكة بشدّة هناك. لذلك يسمّيها الرسول “جسد الخطية” أو “جسد الموت”، قائلاً: “ليبطل جسد الخطية” (رو 6: 6)[50].

القديس مقاريوس الكبير

  • لا يعرف الرسول شيئًا عن الخوف من الألم وهو في المسيح, فحين يريد أن يتكلم عن تدبير الألم، يضمه في سرّ لاهوت المسيح. الذي يغفر لنا كل خطايانا ويمزق صك آثامنا الذي صرنا مسمرين إياه على الصليب, طارحين إياه بعيدًا عنا. وإذ تعرى جسديًا شهَّد بالسلاطين والقوات ظافرًا بهم جهارًا في نفسه.

تأملوا معي أية قوة تلك التي تحتمل جرح المسمار, وتنحني تحت معول المثقاب المؤلم!

أية طبيعة تلك التي تحتمل مثل كل هذا الألم؟

وإذ يتحدث القديس بولس كما على لسان حال المسيح, مظهرًا عمل الخلاص, يصف موت المسيح بأنه عَّرى جسده وفي جسارة (ونصرة) أخزى قوات (الظلمة) منتصرًا عليهم في نفسه.

فلو كان ألمه ضرورة تحتمها طبيعته، وليست هبة مجانية لخلاصكم, ولو كان الصليب مجرد معاناة للآلام والجروح, وليس لقصد أن يسِّمر في ذاته قانون الموت الذي صدر ضدكم، ولو كان موته من جراء عنف الموت وليس تعرية الجسد بقوة الله, أخيرًا لو كان موته نفسه أي شيء عدا أن يكون تشهيرًا وحطًا من كرامة القوات (الشريرة) وعملاً جسورًا وغلبة, فإنه ينسب إلى نفسه عجزًا!

لأنه كان تحت سلطان حتمية الطبيعة, حيث يُضرب ويخاف وتمتهن كرامته. لكن إن كان الأمر هو العكس تمامًا فيما يختص بسرّ الآلامات, كما كُرِز لنا به, فمن ذا الذي تصل به درجة انعدام الإحساس، فيرفض الإيمان الذي علمنا إياه الرسل، ويعكس كل مشاعرنا الدينية. وأن نلقي جزافًا بهذا الاتهام المهين للضعف البشري بدلاً من أن نعتبره فعلَ إرادة حرة, وسرًا, وإظهارًا للقدرة والجسارة وانتصارًا؟

أية غلبة أعظم من تلك, حينما قدم ذاته إلى الذين طلبوا أن يصلبوه فلم يقدروا على احتمال وجوده, فإن الذي وقف ممتثلاً لحكم الموت، هو نفسه بعد برهة قصيرة الذي جلس عن يمين القدرة, حينما صلى لأجل مضطهديه بينما المسامير تخترق جسده (المقدس)، وحينما أكمل السرّ إذ ذاق مرارة الخل، وإذ قد أحصي مع أثمه وفي ذات الآن وهب الفردوس. لأنه إذ رُفع على الصليب (الشجرة) تزلزلت الأرض, وحينما عُلِق على الصليب ماجت الشمس وارتعد النهار, حتى أنهما هربا من أمامه, أما هو فترك جسده بينما وهب الحياة لأجساد الآخرين, لقد دُفِن جسديًا وقام إلها.ة

كإنسان تحمل كل الألم والضعفات لأجلنا, وكإله انتصر عليهم جميعا[51].

القديس هيلاري أسقف بواتييه

  • لأنه هكذا مكتوب, أنه غفر للجميع “كل زلاتهم”، ممزقًا صك الخطايا الذي كان ضدنا، لماذا؟ إذن, نقيد الآخرين ونشتهي أن يوفوا لنا الديون التي لنا, بينما ننعم نحن بالصفح وغفران الخطايا؟ إن الذي غفر للجميع, يطلب من الكل أن يتذكر كل عقل أنه قد غُفِر له وأن يَغَفِر هو أيضا للآخرين[52].

القديس أمبروسيوس

يكرر مرتين تعبير “كان ضدنا“, فالناموس الذي وُهب لنا صار كما لو كان عدونا، كيف؟ لأنه فتح بصائرنا على معنى الخطية, ولم يعطنا قوةً لطاعة متطلباته (رو7:7-25). فيسوع المسيح وحده هو القادر أن يفضح الخطية ويكشف عن أعماقها, ويمنحنا القوة على دحرها. ويقول القديس بولس لنا, جامعًا نفسه مع الذين وُهبوا النعمة, إن الناموس قد بطل حتى بالنسبة لليهود.

وقف الناموس حاجزًا وفاصلاً بين اليهود والأمم, وبينهما كليهما معا وبين الله. كان حاجزًا لا يمكن اختراقه, لكن يسوع المسيح أزاله كعقبة من الطريق, ووحّد اليهود والأمم، ومنحهم إمكانية الوصول إلى الله بالمسيح (أف 14:2-18) وقد تمم ربنا تلك المصالحة بأن سمر (حكم الناموس) في الصليب (كو 20:1). إن المسامير التي اخترقت يدِّي ربنا وقدميه قد سَّمرت أيضا حكم الناموس على الصليب. ولم يعد للناموس سلطان علينا!

  • بيع المسيحُ لأنه أخذ وضعنا, ولم يأخذ خطأنا, ولم يُمسك من دين الخطية لأنه لم يفعل إثمًا (2 كو 21:5)، لهذا حرر صكًا بثمن ديوننا, لا لأجل نفسه بل أزال قيد المدين (كو 14:2) واستبعد الدائن.

حرر المدين وهو وحده سَّدد ما كان الكل مدينين به، لم يكن مسموحا لنا أن نتحرر من القيد، فقام هو نيابة عنا بربطه بنفسه, ليرفع عبودية العالم, ويستعيد حرية الفردوس، ويهبنا نعمة جديدة بالكرامة التي نلناها بمشاركته طبيعتنا عن طريق السرّ[53].

القديس أمبروسيوس

  • عند ميلاد الابن, دعا الملك كل الناس لحفل توزيع المال, حتى يصيروا جميعهم مدينين له, وجاء الملك إلينا ليسدد كل ديوننا (كو 14:2) وحرر صكًا آخر باسمه ليسدده عنا لدائننا[54].

القديس أفرام السرياني

  • حسب قول النبي, هو نفسه حمل خطايانا وقد أحصي معنا بين الآثمة (إش 12,4:53؛ كو 14:2) حتى يبررنا بنفسه, ممزقًا الصك الذي كان ضدنا، مسِّمرًا إياه في صليبه, كما قال الكتاب المقدس. وإذ هو بالطبيعة قدوس لأنه الله, وما في البشرية كلها هو شركة الروح القدس الذي يعينهم ويسندهم ويقدسهم, إلا أنه لأجلنا تقدَّس بالروح القدس، لكن ما من أحد آخر قدسَّه بل بالحري هو بذاته يقدس جسده الذاتي[55].
  • تحمل الصليب لأجلنا, حتى بالموت يبيد الموت، وحوكم لأجلنا ليخلص جميع البشر من الحكم بسبب الخطية, فأباد طغيان الخطية بالإيمان، وسَّمر في صليبه الصك (القيد) الذي كان ضدنا, كما مكتوب[56].

القديس كيرلس السكندري

  • فلنتأكد أن “كتاب الصك الذي كان ضدنا” (كو 14:2) وقيد عبوديتنا الذي أمسك بزمامه الشيطان, قد مُزِّق وانحل بدم المسيح[57].

القديس أغسطينوس

  • هكذا بميلاد نسل القديسة المباركة مريم, انتزعت الأشواك وجف الغصن, ولُعنت شجرة التين (مت 19:21)، وصار التراب ملحًا، وسُمِّرت اللعنة على الصليب (كو 14:2) وزال حد السيف أو رفع النصل من أصل شجرة الحياة وأعطي كطعامٍ للمؤمنين, ووُعِد بالفردوس للمطوَّبين والعذارى والقديسين[58].

الآب أفراحات

  • لهذا قال داود قبلاً: “طوبى للذين غُفِرت آثامهم، وسُتِرت خطاياهم. طوبى للرجل الذي لم يحسب الرب له خطية”، مشيرا إلى غفران الخطايا عقب مجيئه الذي به “مزق صك خطايانا وسَّمره على الصليب” فكأننا بشجرة (في جنة عدن) قد صرنا مدينين لله كذلك بشجرة (خشبة الصليب) أيضا ننال غفران خطايانا[59].

القديس إيريناوس

  • قد جُرحت وجَرحت آخرين, لأن دمك, حينما سُفِك ليمحو صَّك خطايانا, ما كان ليَسفك إلا من جُرحك[60].

القديس أغسطينوس

  • أيضًا فلنقدم ذبيحة الحمد أي ثمر الشفاه، وتلك القرابين ليست بحسب الناموس الذي رفع الرب صكه من الوسط وألغاه, لكنها قرابين بحسب الروح القدس, لأننا ينبغي أن نعبد الله بالروح والحق, ومن ثم قربان الإفخارستيا ليس جسديًا بل روحاني ومن ثم فهو طاهر[61].

القديس إيريناوس

  • هذا القيد ضدنا في الحقيقة كما يقول الملهم بولس, قد سمره الرب في صليبه وبه انتصر على الرئاسات والقوات ظافرًا بها (كو15,14:2) وإن لم يكن المسيح نفسه هو الذي سمر اللافتة باللقب على الصليب, بل سمرها عامل بإيعاز من ضابط يهودي إلا أنه عانى منها وكأن به قد كتبها بيده هو – إن حدث التقيد[62].

القديس كيرلس السكندري

لا ينبغي أن نخشى قوات الشياطين فننحني لهم، ولا أن نقلل من قوتهم. فهم لا يزالون أقوى من أي قديس ينفصل عن قوة الله, لكن شكرًا لله الذي يعيننا على النصرة (رو 37:8).

  • اسألوا الشيطان نفسه, اسألوه: “متى لُطِمت بتلك الضربة التي لا علاج منها؟ ألم تعد لك قوة بعد؟ أين أُسِرتَ؟ من أمسك بك وأنت تحاول الهرب؟ فإنه لن يعطيكم سوى هذه الإجابة: “الجسد المصلوب” بهذا تمزقتْ أوصاله, بهذا سُحِقتْ رأسه, بهذا شُهِر بالرياسات والقوات (الشريرة) جهارًا, ظافرا بهم في الصليب. (كو15:2)[63].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • لكن حتى إن هبط إنسان إلى الجحيم (الهاوية), ووقف مرهوبًا من الأبطال الذين انحدروا هناك, ناظرًا إليهم كآلهته, إلا أنه سيدرك حقيقة قيامة المسيح والغلبة على الموت ويشهد أن المسيح وحده هو الله والرب حقيقةً.
  • لأن الرب تلامس مع كل جزء من الخليقة وحررها وأعتقها من كل خداعات الزيف والوهم كما يقول القديس بولس إذ جرد بنفسه الرياسات والقوات, ظافرًا بهم على الصليب. حتى لا ينخدع أحد بعده بل يجد في كل مكان كلمة الله الحقيقي[64].

القديس البابا أثناسيوس الرسول

  • جرد الرياسات والقوات بنفسه“، معناه أنه جرد قوات الشيطان، لأن الطبيعة البشرية كانت قد خضعت لها, أو إن صح التعبير كان مفروضًا عليها دَين (صك)، فعندما صار إنسانًا لم يكن مدينًا بهذا الصك – لكن ما معنى “شَّهر بهم”؟

معناه أنه حقا قد شُهر بالشيطان الذي جعل من نفسه هزءًا وخزيًا. لأنه إذ توقع أن يظفر بالرب, خسر حتى ما كان لديه, وحينما سُمِّر الجسد (المقدس) على الصليب, قام الموتى.

هكذا تلقى الموت نفسه ضربة قاصمة من جسد ميت. وكبطلٍ مقدام, وحينما عرف أنه طرح عدوه أرضًا, وأمسك به بقبضة مميتة, (مات الموت) هكذا كان موت المسيح إنما هو خزي للشيطان.

لم يختبر الملائكة شيئا من هذا القبيل, فقد قام هو بكل شيء لأجل هذا القصد, مظهرًا أن لموته إنجاز عظيم وقدير – وكان إن صح التعبير – ثمة صراع واحد (اقتتلي):

فقد جرحَ الموتُ المسيحَ – لكن المسيح المجروح أمات الموت[65].

القديس يوحنا ذهبي الفم

  • إن كان أحد يخجل من صليب المسيح فقد خجل من التدبير الذي به ظفر (المسيح) بالقوات (الشريرة) [66].

أوريجينوس

7. لا عودة للظلال

“فلا يحكم عليكم أحد في أكل أو شرب،

أو من جهة عيد أو هلال أو سبت” [16].

الطقوس اليهودية من أكل وشرب وأعياد معينة وهلال وسبت؛ هذه جميعها رموز تشير إلى عمل السيد المسيح الخلاصي. وإذ أكمل السيد هذه الرموز، انتهت مهمتها. جاء النور فزالت الظلال، كمثال إذ جاء المسيح فصحنا الذي ذبح لأجلنا، صرنا لا نعيد بخميرة الشر والخبث بل بفطير الإخلاص والحق (1 كو 5: 7-8).

ليس من عودة إلى الظلال اليهودية الحرفية، مادمنا نتمم ما ورد في الناموس بالروح، إذ صار المسيح هو جوهر خلاصنا وكفايتنا، هو محررنا من عبودية الحرف. “اثبتوا إذا في الحرية التي قد حررنا المسيح بها، ولا ترتبكوا أيضا بنير عبودية” (غل 5: 1).

من جهة الأطعمة فقد حرمت الشريعة بعض الأطعمة بكونها نجسة، ليس في مادتها، وإنما في رموزها. وقد سبق لنا الحديث عنها في شيء من التفصيل في تفسير سفر العدد. هذا ومن جانب آخر فإن بعض الطرق الغنوسية حرمت أطعمة ما بكونها دنسة. أما امتناعنا عن بعض الأطعمة في الصوم فبعيد كل البعد عن هذه المفاهيم إذ كل الأطعمة طاهرة، لكن امتناعنا هو لضبط شهوة النهم، ولكي نعلن شوقنا لتقديس أجسادنا كي لا تهتم بالأطعمة الدسمة، بل تشارك النفس انطلاقها نحو السماويات.

  • ماذا إذن؟ هل نقيِّم أعيادنا بالأكل والشرب؟ لا يحكمَّن عليكم أحد في مأكل عالمين “أن الناموس روحي” (رو 14:7).[67]

القديس أمبروسيوس

  • لم يقل: “لا تحفظوها حرفيًا” بل “لا يحكمن عليكم أحد” مبينا أنهم كانوا في تعدٍ وشرور, لكنه (بالرغم من ذلك) يوجه الاتهام ضد آخرين.

لم يقل “طاهرين ودنسين” ولا في أعياد مظال, وخبز غير مختمر وبنطيقسط (يوم الخمسين) بل “في جزء من عيد” لأنهم أرادوا ألا يحفظوا العيد أو الأعياد كلها وإن كانوا يحفظونها فلا لكي يعيِّدوها فيقول “جزءًا من العيد“، مظهرًا أنهم قد تخلوا عن الجزء الأعظم من (الأعياد المقدسة) لأنهم حتى إن حفظوا السبوت فإنهم لا يحفظونها من قبيل الدقة[68].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • أوصى الرسول ألا يحكمن علينا أحد في مأكل أو مشرب أو في عيد أو أهلة أو سبوت فلماذا إذن تلك المنازعات؟ ولماذا الانشقاق؟ نحن نحفظ العيد, لكن في ضمير الخبث والشر ممزقين أوصال كنيسة الله. ونحفظ ما هو خارجها (من مظاهر) طارحين عنا الأمور الأفضل, كالإيمان والحب. وسمعنا من الكلمات النبوية أن تلك الأعياد لا ترضي الرب[69].

القديس ايريناوس

  • هو النور الذي جاء وبدَّد الظلام (الظلال)، لأن السبت الذي حفظه الرب الإله هو الذي حفظه المسيح نفسه, الذي كان مع الآب وحينما أُعطى الناس أعطاه هو, لكن في ظل الأمور العتيدة. “فلا يحكمن عليكم أحد من جهة مأكل أو مشرب أو عيد أو هلال أو سبت التي هي ظلال الأمور العتيدة“. لقد جاء الآن ذاك الذي أعلنت عنه تلك الأمور فلماذا نجعل الظلال تفرحنا؟[70]

القديس أغسطينوس

“التي هي ظل الأمور العتيدة،

وأما الجسد فللمسيح” [17].

     الظل مجرد انعكاس للشيء الحقيقي ذاته. فهو يشمل الحقيقة وذو قيمة نبوية (عب 5:8؛ 9:9؛1:10) لكن حينما يتحقق كمال الحق فلا ضرورة للظلال.

  • خلاصة الأمر كله, إن أراد البعض أن نقترب إلى الملائكة لا إلى المسيح, وهذا أمر صعب علينا (تصديقه)، لهذا يلفت الرسول أنظارهم إلى ما فعله المسيح “بدم صليبه” (20:1)، وعلى هذا الأساس يقول إنه “تألم لأجلنا”، وأنه “أحبنا” (1 بط 21:2)[71].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • الظل يظهر الحقيقة مقدّمًا، لكنّه لا يملك خدمة الروح. فإن موسى لا يستطيع بالجسد أن يدخل إلى القلب، وينتزع ثياب الظلمة الدنسة، ولا يستطيع أن يلاشي ويحل قوّة الظلمة الخبيثة إلا روح من روحٍ، ونار من نار[72]ٍ.

القديس مقاريوس الكبير

  • جاء نور العالم وأزال الظلال. فإن (وصيّته) السبت أُمرت بواسطة المسيح نفسه الذي كان مع الآب حين أُعطيت الشريعة. لقد أمر بها، ولكنها كانت ظلاً لما يأتي بعد ذلك… لقد جاء الآن الذي بمجيئه أُعلنت هذه الأمور. لماذا نبتهج بالظلال؟ افتحوا أعينكم أيها اليهود، فإن الشمس قائمة[73].

القديس أغسطينوس

8. عبادة الملائكة

“لا يخسركم أحد الجعالة،

راغبًا في التواضع وعبادة الملائكة،

متداخلاً في ما لم ينظره،

منتفخًا باطلاً من قبل ذهنه الجسدي” [18].

 تسللت بعض المبادئ الغنوسية إلى اليهود، فجاء في التلمود البابلي تعليقًا على قول الرب: “ها أنا مرسل ملاكا أمام وجهك… احترز منه… لأن اسمي فيه” (خر 23: 20-21), بأن الملاك هو يهوه الأصغر[74]. لذلك تبنى معتنقو الغنوسية اليهودية مبدأ عبادة الملائكة، مدعين أنهم أدركوا هذا خلال فلسفتهم التصوفية، وفي كبرياء كانوا يفتخرون بأنهم يعرفون الملائكة.

  • لأنكم إن تمسكتم بالرأس لاهتممتم ألا تهملوا ذاك الذي مات المسيح لأجله. إن تمسكتم بالرأس ما تخليتم عن بقية الأعضاء, بضمهم معًا بدلاً من تفريقهم… وذلك برباط المحبة وخلاص خاطئ (من ضلالة)[75].

القديس أمبروسيوس

  • ينادي البعض بأنه ينبغي أن نقترب إلى الله بواسطة الملائكة لا المسيح، وبذلك يهدمون ما صنعه المسيح لأجلنا بدم صليبه وآلامه من أجلنا.

 القديس يوحنا الذهبي الفم

يلزم ألا يختلط على المسيحي بين هذه الهرطقة التي تقوم على شفاعة الملائكة لدى الله للمصالحة بينه وبين البشر دون دم المسيح، وبين حب الملائكة كخدام للمسيح يخدمون من مات عنهم، ويقدمون صلواتهم ويتوسلون عنهم، دون أن نخلط بين هذا العمل وعمل المسيح الخلاصي الفريد.

ليس للملائكة شفاعة كفارية بل توسلية، كما جاء في سفر الرؤيا: “وجاء ملاك آخر، ووقف عند المذبح، ومعه مبخرة من ذهب، وأعطي بخورًا كثيرًا لكي يقدمه مع صلوات القديسين جميعهم على مذبح الذهب الذي أمام العرش، فصعد دخان البخور مع صلوات القديسين من يد الملاك أمام الله” (رؤ 8: 3-4). ما كان يمكنهم أن يقدموا هذا البخور أو الصلاة عنا إلا في استحقاق دم المسيح، إذ يهتفون بصوت عظيم: “مستحق هو الخروف المذبوح” (رؤ 5: 12).

“وغير متمسكٍ بالرأس،

الذي منه كل الجسد بمفاصل وربط،

متوازرًا ومقترنا ينمو نموًا من الله” [19].

مع ادعائهم بالتواضع وهم متكبرون، وعبادتهم للملائكة، فقدوا اتحادهم بالرأس ربنا يسوع، ففقدوا حياتهم إذ صاروا كجسم بلا رأس، وبالتالي فقدوا حتى ارتباطهم ببعضهم البعض، لأنه كيف يمكن للمفاصل أن تربط جسمًا بلا رأس؟ وكيف يمكن له أن يحيا؟ وكيف ينمو بدون الرب الإله رأس الجميع؟

عبارة “غير متمسك بالرأس” تساوي “ليس بحسب المسيح” في آية8 , فلا سبيل إلى استبعاد المسيح عن مركز حياتنا. وكلمة “جسد” هنا تشير إلى الكنيسة بوجه عام.

  • الرب في هيكل قدسه. الذي يتآلف من أعضاء كثيرين, كل منهم يفي بوظائفه وواجباته المحدودة. بالحب نبني بنيانًا واحدًا[76].

القديس أغسطينوس

9. عظمة الموت مع المسيح

“إذًا إن كنتم قد متم مع المسيح عن أركان العالم،

فلماذا كأنكم عائشون في العالم،

تُفرض عليكم فرائض” [20].

         إذ يتحول القديس بولس عن التحذيرات السلبية [18,16,8] يقدم بعض النواحي الإيجابية لعلاقتنا بالمسيح. فالشركة في آلام المسيح وموته هي اتّحاد مع عمله المصالحة الذي تحقّق بالصليب، والشركة في قيامته هي اتّحاد مع كل أمجاد شخصه.

إن تعاليم الناس قد رُفضت, وزال ثِقل ناموس العهد القديم [14] فهل نحن أحرار أن نطيع أو نرفض كما يحلو لنا؟ كلا! فعوضًا عن أن نتقيد بكمٍ هائل من النواميس, صرنا أحرارًا لكي نحفظ وصايا المسيح (يو 10:15).

“لا تمس ولا تذق ولا تجس” [21].

  • حقًا كثيرًا ما يخدعنا النظر، فنرى أشياء غير واقعها في معظم الأحيان, وننخدع بالسمع أيضًا, فإن كنا نريد أن لا ننخدع, فلنتأمل, لا إلى المنظور, بل إلى غير المنظور.

لكن متى لا تنخدع نفوسنا؟ أين تقتنى عرش الحق, إلا حين تنفصل عن الجسد، فلا تنخدع وتضل به؟ لأنها، أي النفس, تُضلل بالنظر وتنخدع وتضل بسماع الأذنين… لهذا ينادي الرسول قائلاً: “لا تلمسوا, لا تذوقوا, لا تأخذوا, الأشياء التي كلها للزوال” (كو 22,21:2) لأن اهتمامات الجسد هي أيضا لفساده. لهذا يرينا أنه يجد الحق، لا من خلال اهتمامات الجسد، بل عن طريق الارتفاع بالنفس والسمو بها وتواضع القلب, ويكمل قائلاً: “أما سيرتنا نحن فهي في السماء” (في 20:3)[77]

القديس أمبروسيوس

  • يقول, لستم في العالم, فكيف بكم تخضعون لعناصره, أو لمعاييره؟ تأملوا كيف يهزأ بها: “لا تلمسوا, لا تمسكوا, لا تذوقوا” وكأني بهم جبناء لا ينشغلون بالقضايا الجسام بل بأمور (تافهة) [بتلك الأشياء التي تؤول كلها بالاستعمال إلى الزوال] هكذا حط من كبرياء البعض, وأضاف “بجسد أفكار تقليد الناس”[78]

القديس يوحنا الذهبي الفم

“التي هي جميعها للفناء في الاستعمال،

حسب وصايا وتعاليم الناس” [22].

         وُضِع الناموس ليُحفَظ, لكن “استعمال” الناموس هو الذي يُهلك! فإنه لا يجدر بحياتنا الروحية أن تعتمد على الأوامر والنواهي، بل عن الحب الذي نكنه للرب يسوع. فعندما يصبح قمع النفس والتداريب والتغصب, غايات في حد ذاتها، نكون قد تجاوزنا عمق القيمة التي فيها وصرنا ننفذ أفكار الهراطقة.

“التي لها حكاية حكمة،

بعبادة نافلة وتواضع وقهر الجسد،

ليس بقيمة ما من جهة إشباع البشرية” [23].

للتداريب الخاصة بضبط النفس وقمع الجسد لها بركاتها وأهميّتها إن قدمت في المسيح يسوع، لأجل البنيان الداخلي، وخلال الاتكاء على صدر الرب والتمتع بعطية الروح وعمل النعمة الإلهيّة. أما إن تحوّلت إلى “حكاية” (أخذ المظهر الخارجي) للحكمة، مع إذلال الجسد وقهره بالعنف فلا قيمة لها، إذ لا تهب شبعًا داخليًّا.

  • لا تستحق البتوليّة المديح في ذاتها إن لم تنبع عن حب الله. يقول الطوباوي بولس عن الذين ينفرون من الزواج: “في الأزمنة الأخيرة يرتد قوم من الإيمان، تابعين أرواحًا مضلّة وتعاليم شيطانيّة… مانعين عن الزواج” (1 تي 4: 1-3). وأيضًا يقول: “لا تدعوا أحدًا يجرّدكم باستخدام الالتزام بالإماتة جبرًا وقهر الجسد[79].

القديس إكليمنضس السكندري

يرى العلامة أوريجينوس أن البعض في جهالة يمارسون ما سبق أن فعله سمعان بطرس حين رفض أن تمتد يدا السيد المسيح لغسل قدميه (يو13: 6-8). فكاد أن يفقد نصيبه مع المخلص بسبب اهتمامه بأن ينال غسل قلبه الداخلي. ف نيّة صادقة وفي رغبة صادقة نحو تكريم سيده كاد أن يفق نصيبه مؤديًا نفسه. هكذا ينشغل البعض بالقمع الزائد دون انشغال القلب بالالتصاق بالمخلص نوال نصيب معه[80].

  • وإن كانوا يظهرون كحكماء بقمعهم الجسد بعنف واهتمامهم، فلنحد عنهم. فقد يبدو الشخص متديّنًا ومتواضعًا، ويستخف بالجسد… كتب الرسول أنهم يهينون الجسد، ويحرمونه من الحريّة ويجرّدونه منها، ولا يسمحون لهم أن يضبطونه بإرادتهم. أما اللَّه فيكرم الجسد[81].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • واضح أن هذا عبوديّة وإفساد للكرامة الموهوبة لنا. يجب أن يكون النسك اختياريّا، ليس لأن الأشياء المخلوقة بغيضة إنما بكل دقة لأنها فيها لذات[82].

الأب ثيؤدورت أسقف قورش

  • لكي تكون بتولاً لا يكفي أن تكون غير متزوّج. يجب أن تكون بتوليّة روحيّة، أعني العفّة ليست غيابًا للشهوة الشرّيرة المعيبة، وليست غيابًا للزينة والاهتمامات الكماليّة، وإنما أيضًا غير ملوّثة بهموم الحياة. بدون هذا أي نفع للطهارة البدنيّة[83]؟

القديس يوحنا الذهبي الفم

 

من وحى كو 2

لألتصق بك فتحملني إلى الأمجاد

 

  • هب لي أن التصق بك،

  فأرتفع فوق حدود الجسد،

  بحبك أكون كمن هو حاضر مع كل إخوته!

  لن يقدر الجسد أن يحصرني عن الالتقاء بهم.

  بصدقٍ أقول إنني غائب في الجسد،

  لكني بك أنا حاضر بالروح!

 

  • التصق بك، فأنعم بك يا حكمة الله،

  لن تقدر كل خداعات الفلاسفة أن تسبي فكري.

  ولا أجد عذوبة في حكمة البشر.

  ولن تقدر خداعات البشر أن تصطادني بشباكها.

  بك يتقدس فكري وعقلي،

  بك أطير، وأرتفع من مجدٍ إلى مجدٍ!

 

  • من أجلي صرت إنسانًا،

  وأنت بلاهوتك تملأ السماء والأرض.

  ألتصق بك فأمتلئ بغنى حبك،

  تهبني نعمتك فلا يعوزني شيء!

 

  • التصق بك فارتفع فوق حرف الناموس.

  لا أطلب ختان الجسد،

   بل أحمل بروحك ختم ختان الروح!

 

  • بك أتمتع بالبنوة لله،

  وأُنعم بروحك ختمًا ملوكيًا!

  أصير بكليتي ملكاً لك،

  وجنديًا صالحًا في جيش الخلاص!

  لن يقف أمامي إبليس وكل ملائكته،

  لأني مستتر فيك!

  أطأ بقدمي قوات الظلمة،

  لأن نورك مُشرق في أعماقي!

 

  • أنت وحدك تحملني إلى حضن أبيك.

  دمك الثمين يشفع فيّ!

   وصليبك هو سلم السماء!

 

  • لأصلب معك،

 فالصلب معك حياة،

  وبقيامتك أقوم فلا يقوى الموت عليّ،

   بصعودك يجد قلبي له موضعًا في السماء!

   أنت بحق سرٌّ علو كل مؤمن بك!

   أنت سرّ شبع كل من ألتصق بك!

   كيف أقدر أن أعيش بدونك؟

[1] Letters, 1:5.

[2] In Colos hom. 5

[3] In Colos, hom, 5

[4] In Colos, home. 5

[5] Sromata, 5: 12

[6] On Ps. 12.

[7] On Ps. 50.

[8] On Ps. 119.

[9] Cassian: Conferences, 14:16.

[10] On the Trinity, 9:67.

[11] Of the Christian Faith, 42:1 (2).

[12] Letters, 41:25.

[13] الإنجيل بحسب متى، 1982، ص 503.

[14] Stromata 1:11.

[15] Sermon on the Mount, 25.

[16] Homilies on Colossians, homily 5.

[17] مقالات لطالبي العماد 14: 30.

[18] Homilies on Colossians, homily, 6.

[19] Sermons on N.T. Lessons, 1:5.

[20] Homilies on Colossians, homily 6.

[21] Sermons on N.T. Lessons, 1:5.

[22] Sermons on Song of Songs, 13.

[23] Homilies on Colossians, homily 6.

[24] Stromata 1 :11..

[25] On the Trinity, 8:53.

[26] On the Trinity, 1:13.

[27] Stromata 1:11.

[28] Stromata, 6:8.

[29] Stromata, 6:8.

[30] Stromata, 6:15.

[31] Concerning Virgins, 3:1 (3).

[32] PG 75:1400.

[33] Letters, 17:9.

[34] Homilies, 1:2. ترجمة مركز دراسات الآباء بالقاهرة

[35] On the Trinity, 9:1-2.

[36] On the Trinity, 2:8.

[37] On the Trinity, 9:8.

[38] On our Lord, 11.

[39] Homilies on Colossians, homily 6.

[40] Comm. on Luke, Sermon 2.

[41] الأب سليم دكاش اليسوعي: الشيخ الروحاني- مجموعة الرسائل الروحية، بيروت 1992، ص83.

[42] Homilies on Colossians, homily 6.

[43] Homilies on Colossians, homily 6.

[44] On the Trinity, 1:9.

[45] Letters, 69:7.

[46] مقالات لطالبي العماد 5: 6.

[47] Isaac or the Soul, 6:53.

[48] Death is Good, 4:15.

[49] Escape from the World, 9:55.

[50] Homilies, 1:7. ترجمة مركز دراسات الآباء بالقاهرة

[51] On the Trinity, 10: 48.

[52] Letters, 41:8.

[53] On Joseph, 4:19

[54] Hymns on Nativity, 4.

[55] Sermons On John, Book 2, 17.

[56] Sermons On John, Book 6, 10.

[57] Hom. On 1 John, 1:5.

[58] Demonstrations 4 on Monks, 6.

[59] Against Heresies, 5:17:2.

[60] On Ps., 89.

[61] Fragments on his Lost Works, 37.

[62] Hom. On John, 12:19.

[63] Homilies on 1 Cor., homily 24:7.

[64] De. Incarn. 45

[65] Homilies on Colossians, homily 6.

[66] Hom. on Matt., 12:18.

[67] On Resurrection, 2:108.

[68] Homilies on Colossians, homily 7.

[69] Fragments on his Lost Works, 38.

[70] Homilies on New Testament Lessons, 86:3.

[71] Homilies on Colossians, homily 7.

[72] Homilies, 32:4. ترجمة مركز دراسات الآباء بالقاهرة

[73] Sermons on N.T. Lessons, 86:3.

[74] F.C. Bruce: The Epistle of Colossians, 1988, p. 119.

[75] On Repentance, 1:6.

[76] On Ps. 11.

[77] Death is Good, 3:10

[78] Homilies on Colossians, homily 7.

[79] Stromata 3:51.1-3.

[80] Commentary on John, 32:57-59.

[81] Homilies on Colas, hom. 7.

[82] Interpretation to Colossians 2:23.

[83] On Virginity, 77:2.

 

تفسير رسالة كولوسي 2 الأصحاح الثانية – القمص تادرس يعقوب ملطي

Exit mobile version