تفسير انجيل متى – المقدمة – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير انجيل متى – المقدمة – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير انجيل متى – المقدمة – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير انجيل متى – المقدمة – القمص تادرس يعقوب ملطي

 

من تفسير وتأملات الآباء الأولين

 

الإنجيل بحسب القديس متى

 

القمص تادرس يعقوب ملطي

كنيسة الشهيد مار جرجس بإسبورتنج

 

بسم الآب والابن والروح القدس الله الواحد آمين

الإنجيل المقدس هو البشارة المفرحة التي يقدمها لنا الروح القدس ليدخل بنا إلى الاتحاد مع الآب في المسيح يسوع مخلصنا. حقا ما أعذب للنفس أن تتذوقه، وللقلب أن ينفتح له، وما أصعب على القلم أن يعبر عنه، واللسان أن ينطق به.

إنني إذ أقدم هذا العمل المتواضع أود ألا ندخل في دراسات عقلية بحتة، ولا في معرفة نظرية لأقوال الآباء الأولين فيه، إنما أن نتمتع بخبرة آبائنا الحية والمفرحة وسط ضيقات هذا العالم، فنعيش إنجيلنا، ويلتهب قلبنا بناره المقدسة، فندخل إلى أعماق جديدة لملكوت الله المفرح.

إبريل 1982م

القمص تادرس يعقوب ملطي

 

 

سر الكلمة المكتوبة

كان الإنسان فكرة في عقل الله حين خلق العالم كله من أجله، وإذ أقامه في الفردوس كان يلتقي به خلال أحاديث مشتركة سرية. كان آدم يسمع “صوت الرب الإله ماشيا في الجنة” (تك 3: 8)، فينجذب إليه ليناجيه، يسمعه ويتكلم معه، يتقبل الحب بالحب!

أما بعد السقوط فصارت كلمة الله بالنسبة للإنسان مرهبة ومخيفة: “سمعت صوتك في الجنة فخشيت” (تك 3: 10). كان الله يتكلم والإنسان لا يقدر أن يسمع، وإن سمع فلا يقدر أن يتجاوب معه! تحول قلب الإنسان عن الحب المملوء حنانا إلى حجر بلا إحساس، وأمام هذا التحول تقدم الله إلى الإنسان ليهبه كلمته منقوشة بإصبعه على لوحي الحجر، وكأنها على قلبه الحجري. لقد أراد أن يخترق القلب الحجري ليسجل بإصبعه أيضا روحه القدوس كلماته لعل الإنسان يقدر أن يتذوقها ويتجاوب معها؛ وكأن الكلمات الإلهية المكتوبة إنما جاءت كعلاج لضعفنا البشري.

وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [أن نعمة الله كانت كافية أن تعمل في قلوبنا ككتاب حي نقرأه، لكننا إذ لم نتجاوب مع نعمته التزم من أجل محبته أن يقدم كلمته مكتوبة.] إنه يقول: [يا له من شر عظيم قد أصابنا! فإنه إذ كان ينبغي علينا أن نعيش بنقاوة هكذا فلا نحتاج إلى كلمات مكتوبة إنما نخضع قلوبنا للروح ككتب! أما وقد فقدنا هذه الكرامة صرنا في حاجة إلى هذه الكتب[1].]

إن كان من أجل ضعفنا قدم لنا الله كلمته مكتوبة لكي نحفظها، فإن الله يهبنا نعمته لكي تتحول الكلمة إلى حياة فينا وعمل، فتسجل بالروح في قلوبنا وتعلن في تصرفاتنا. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [حقا يليق بنا لا أن نطلب معونة الكلمة المكتوبة فحسب، وإنما أن نظهر حياتنا نقية هكذا، فتكون لنا نعمة الروح عِوض الكتب بالنسبة لنفوسنا. فكما كتب بالحبر في الكتب هكذا تسجل بالروح في قلوبنا[2].]

ويرى القديس أغسطينوس[3] أن الله قدم لنا كلمته المكتوبة كمصابيح مضيئة تشهد للنهار الأبدي، قدمها من أجل ضعفنا لتنير لنا نحن الذين كنا قبلا في الظلمة وأما الآن فنور في الرب (أف 5: 8). بالكلمة المكتوبة صرنا أبناء للنور لكي ندخل إلى بهاء النور الكامل في يوم الرب العظيم، ونلتقي بالكلمة الإلهي ذاته وجها لوجه.

 

مقدمة عامة في الأناجيل الأربعة

  1. كلمة “إنجيل”

لكي نتعرف عن السبب الذي لأجله دعت الكنيسة الأسفار الأربعة الأولى من العهد الجديد بالأناجيل المقدسة، يليق بنا أن نعرف ماذا تعني كلمة “الإنجيل” في ذهن الكنيسة الأولى.

كلمة “إنجيل” مشتقة عن الكلمة اليونانية “إيفانجيليون”، والتي حملت في الأصل معان كثيرة، منها[4]:

أ. من الناحية اللغوية تعني المكافأة التي تقدم لرسول من أجل رسالته السارة، ثم صارت تطلق على الأخبار السارة عينها. كما جاء في 2 صم4: 10 (الترجمة السبعينية) “إن الذي أخبرني قائلا هوذا قد مات شاول وكان في عيني نفسه كمن يقدم لي أخبارا سارة (إنجيلا)”، وجاءت في 1 صم31: 9 (الترجمة السبعينية) عن أخبار النصر المفرحة، وفي إر 20: 15 (الترجمة السبعينية) عن ميلاد طفل[5].

ب. استخدمت أيضا في صيغة الجمع لتعني تقدمة شكر للآلهة من أجل الأخبار السارة.

ج. استخدمت عن يوم ميلاد الإمبراطور الروماني أوغسطس كبدء أخبار سارة للعالم.

د. استخدمت في سفر إشعياء في الترجمة السبعينية عن الأخبار السارة الخاصة بمجيء الممسوح من قبل الله لخلاص شعبه: “على جبل عال اصعدي يا مبشرة (مقدمة الإنجيل) لصهيون” (إش 40: 9)؛ “ما أجمل على الجبال قدمي المبشر المخبر بالسلام (المخبر بإنجيل السلام)، المبشر بالخير، المخبر بالخلاص، القائل لصهيون قد ملك إلهك” (إش52: 7).

هـ. أما في العهد الجديد فقد احتلت الكلمة مركزا أساسيا بكونها تعبر عن الرسالة المسيحية في مجملها (مر1: 1؛ 1كو15: 1)، فإن الملكوت الذي أعلنه السيد المسيح هو “بشارة الملكوت أو إنجيل الملكوت” (مت4: 23؛ 9: 35؛ 24: 14). وقد تكررت هذه الكلمة 72 مرة في العهد الجديد، منها 54 مرة في رسائل بولس الرسول، لتعبر عن أخبار الخلاص المفرحة التي قدمها لنا الله في ابنه يسوع المسيح ليدخل بنا إلى حصن أبيه بروحه القدوس.

ارتبطت كلمة “إنجيل” ببعض الأسماء أو الكلمات مثل[6]:

أولا: إنجيل الله (مر1: 14-15؛ 1تس2: 2، 8-9)، فإنه البشارة التي تعلن طبيعة الله كمحب للبشر، مقدمة منه لأجل خلاصنا. لقد تصور بعض الغنوسيين أن الله غضوب ومؤدب قاسِ أما المسيح فهو محب ومفرح، لهذا أراد الكتاب المقدس تأكيد البشارة المفرحة أنها بشارة الآب معلنة في ابنه. ولهذا السبب عينه كان السيد المسيح يؤكد أنه جاء يتمم مشيئة الآب.

ثانيا: إنجيل يسوع المسيح (مر1: 1؛ 2كو4: 4؛ 9: 13؛ 10: 14). إن كان الابن قد جاء ليعلن محبة الآب لنا، فهو يحمل ذات الحب؛ إنجيل الآب هو إنجيل الابن، يدخل بنا إلى الاتحاد مع الله في ابنه.

ثالثا: أحيانا يستخدم الرسول بولس التعبير “إنجيلي” أو “إنجيلنا” (2كو4: 3؛ 1تس1: 5؛ 2تس2: 14). غاية الإنجيل هو الإنسان، إذ يريد الله أن ننعم به ونعيشه، فإن كان هو هبة إلهية لكنه مقدم للإنسان ليقبله ويؤمن به (مر1: 15)، ويعلنه للآخرين (رو15: 19؛ 1كو9: 14، 18؛ 2كو10: 14؛ 11: 7؛ غل2: 2) ويخدمه (رو1: 1؛ 15: 16؛ في1: 12؛ 2: 22؛ 4: 3؛ 1تس3: 2)، وندافع عنه (في1: 7، 17) بحياتنا الداخلية وكلماتنا وسلوكنا العملي فلا نكون عائقين له (1كو9: 12) بهذا يحمل الإنجيل ليس حبا منفردا من الله نحو الإنسان، وإنما حبا مشتركا بين الله والإنسان، فيه لا يقف الإنسان سلبيا أو جامدا، بل إيجابيا ومتحركا بغير انقطاع ليصير على مثال خالقه.

رابعا: إنجيل جميع الناس (مر13: 10؛ 16: 15؛ أع15: 7)، فلا تقف حدوده عند اليهود، بل يضم كل لسان وجنس وأمة، ليتعرف الكل على الله، ويتمتعون بالاتحاد معه، وينعمون بحقِه في الميراث الأبدي.

بهذا نفهم الإنجيل ليس كتابا نقرأه أو فلسفة نعتنقها، لكنه حب إلهي فعال يقدمه الآب في ابنه يسوع المسيح ربنا لينطلق بالنفس البشرية إلى حضن الآب تنعم به معلنة حبها له وإيمانها به، وهي في هذا تنطلق للكرازة به والشهادة له أمام الجميع بلا عائق.

أخيرا فقد قدم لنا الرسول بولس صفات ربطها بالإنجيل، تكشف لنا عن فاعليته في حياتنا. دعاه “إنجيل خلاصنا” (أف1: 13) حيث ننعم بغفران خطايانا ونتبرر من سلطانها لنحيا بروح النصرة والغلبة. و”إنجيل السلام” (أف6: 15) حيث يدخل بنا إلى السلام الداخلي بين النفس والجسد خلال مصالحتنا مع الله والناس فيه. كما قال “نوال موعده في المسيح بالإنجيل” (أف3: 6)، ففيه تتحقق مواعيد الله لنا في ابنه. وفي اختصار، بالإنجيل نلتقي بالسيد المسيح القائم من الأموات الذي يهبنا الرجاء والخلود والميراث ويمتعنا لا بعطايا إلهية فحسب بل بالله ذاته!

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على تفسير كلمة “إنجيل” كأخبار مفرحة بقوله:

[نعم، لأنه عفو عن العقوبة، وغفران للخطايا، وتبرير وتقديس وخلاص (1كو1: 30)، وتبني، وميراث السماوات، ودخول في علاقة مع ابن الله الذي جاء ليعلن (ذلك) للكل: للأعداء والصالبين وللجالسين في الظلمة.

أي شيء يعادل مثل هذه الأخبار المفرحة؟! فقد صار الله على الأرض، وصار الإنسان في السماء، واختلط الكل معا.

اختلطت الملائكة مع صفوف البشر، وصار البشر في صحبة الملائكة والقوات العلوية الأخرى.

هوذا الإنسان يرى الحرب الطويلة قد انتهت، وتحققت المصالحة بين الله وطبيعتنا. صار إبليس في خزي، وهربت الشياطين، وباد الموت، وانفتح الفردوس، وزالت اللعنة، ونزعت الخطية من الطريق.

زال الخطأ وعاد الحق وبذرت كلمة التقوى في الموضع وترعرعت، وأقيم نظام السمائيين (العلويين) على الأرض، ودخلت هذه القوات معنا في معاملات آمنة، وصارت الملائكة تردد على الأرض باستمرار، وفاض الرجاء في الأمور العتيدة بغزارة[7].]

  1. أهمية الأناجيل

إن كانت الكنيسة قد عاشت أكثر من عشرين عاما بعد حلول الروح القدس يوم البنطقستي بلا إنجيل مكتوب لكنها عاشت الإنجيل ومارسته كحياة فائقة في المسيح يسوع، فلماذا لم تبق الكنيسة عبر العصور تعيش إنجيلها المسلم شفاها؟! هل من ضرورة للإنجيل المكتوب؟

أ. يقول[8] D. Guthrie أن التقليد الشفوي كان له أهميته الخاصة في الكنيسة وبخاصة في الشرق، وقد جاء الإنجيل المكتوب لا ليحتل مكان التقليد، إنما ليكمله ويؤكده. فالإنجيل يحفظ التقليد بلا انحراف، والتقليد يفرز الأناجيل القانونية ويحفظها بلا تحريف ويكشف عن مفاهيمها. فلا تعرف الكنيسة الثنائية، إنما تعرف إنجيلا واحدا سواء سلم إليها بالتقليد الشفوي أولا بالكتابة، تعيشه في أفكارها وعبادتها وسلوكها كحياة معاشة[9]. بهذا تلقفت الكنيسة الإنجيل ليؤكد حياتها الإنجيلية المسلمة إليها والمعاشة.

ب. للأناجيل أهميتها، خاصة بين أسفار الكتاب المقدس كله، لأنها قدمت لنا حياة السيد المسيح على الأرض، هذا الذي هو مشتهى الأمم، مخلص الكنيسة وعريسها، وموضوع لهجها ليلا ونهارا. لكن ما نود تأكيده أن الأناجيل ليست سجلا تاريخيا يعرض حياة biography السيد المسيح، إنما قدم ما هو أعمق من التاريخ، قدم لنا “شخص المسيح” لنقبله فينا ونحيا به ومعه، نشاركه آلامه وأمجاده؛ لهذا ركزت الأناجيل على فترة وجيزة من حياته واحتلت أحداث الأسبوع الأخير من دخوله إلى أورشليم حتى قيامته حوالي ثلث إنجيل مار مرقس وأقل من الثلث بقليل في بقية الأناجيل.

ج. إذ كان المسيحيون في القرنين الأول والثاني يترقبون المجيء الأخير للسيد المسيح، تلقفوا الأناجيل بشوق شديد بكونها الطريق الممهد لباروسيا الرب أو مجيئه الأخير.

د. من جهة الكرازة بين اليهود والأمم، كان الكارزون غالبا ما يعتمدون على التعليم شفاها، لكن ما أن كان يظهر الموعوظ رغبته في الإيمان ويبدأ يتساءل عن شخص السيد المسيح، إلا وكانت الأناجيل (وهي وثائق رسولية أصلية) تجيب على سؤالهم هذا. كأن الأناجيل جاءت كشهادة حق تستخدمها الكنيسة في الكرازة والتعليم خاصة بين الموعوظين.

يرى D. Guthrie أن الأناجيل لم تقف عند الدور الكرازي والتعليمي، وإنما جاءت لتقوم بدور رئيسي في حياة الكنيسة التعبدية[10]. إذ كانت الكنيسة تجتمع للعبادة استخدمت أجزاء من العهد القديم للقراءة والتسبيح، خاصة الفصول التي تتحدث عن السيد المسيح، لكن المؤمنين كانوا في حاجة إلى وثائق رسولية تتحدث عن حياة السيد المسيح وتعاليمه ومعجزاته وموته وقيامته، تعلن تحقيق ما ورد في العهد القديم، تدخل في العبادة المسيحية كعنصر أساسي فيها.

بهذا تكون الأناجيل قد تلقفتها الكنيسة الأولى بفرح شديد، وتمسكت بها، بكونها تؤكد الإنجيل المسلم إليها شفاها، وبكونها المصدر الرسولي للكشف عن حياة السيد وأعماله الخلاصية، تهيئهم لمجيئه الأخير، تسندهم في الشهادة له بين الموعوظين وتقوم بدور رئيسي في عبادتهم الليتورجية.

  1. الأناجيل في الكنيسة الأولى

قبلت الكنيسة الأولى الأناجيل المقدسة منذ البداية كأسفار قانونية مكملة لأسفار العهد القديم مع بقية أسفار العهد الجديد، وعلى نفس المستوى، بكونها جزء لا يتجزأ من الكتاب المقدس.

ففي القرن الثاني يعلن القديس إيريناؤس على وجود أربعة أناجيل رابطا إياها بأربعة جهات المسكونة، والأربعة رياح الرئيسية، والأربعة وجوه للكاروبيم، قائلا:

[لم يكن ممكنا أن تكون الأناجيل أكثر أو أقل مما هي عليه في العدد. فإنه إذ يوجد أربعة أركان للعالم الذي نعيش فيه وأربعة رياح رئيسية، وقد انتشرت المسيحية في العالم كله، ولما كان الإنجيل هو عمود الكنيسة وقاعدته (1تي3: 15) وروح الحياة، بهذا كان من اللائق أن يوجد للكنيسة أربعة أعمدة فتتنسم عدم الفساد من كل ناحية، وتنعش البشرية أيضا. خلال هذه الحقيقة واضح أن الكلمة خالق الكل والجالس على الشاروبيم، وضابط الجميع إذ أعلن عن نفسه للبشر قدم لنا الإنجيل تحت أربعة أشكال إذ كان مرتبطا بروح واحد. وكما يقول داود متوسلا إلى حضرته “أيها الجالس على الشاروبيم اِشرق” (مز80: 1)، إذ للشاروبيم أيضا أربعة وجوه لها شكل التدبير الخاص بابن الله.

يقول الكتاب إن المخلوقات الأربعة الحية الأول مثل الأسد” (رؤ4: 7) فيرمز لعمله الفعال وسموه وسلطانه الملوكي.

والثاني مثل الثور يشير إلى تدبيره الذبيحي والكهنوتي.

والثالث له شبه وجه إنسان شهادة لوصف مجيئه كإنسان.

والرابع مثل نسر طائر يشير إلى عطية الروح الذي يرفرف بجناحيه على الكنيسة.

لهذا تتفق الأناجيل مع هذه الأمور، التي يجلس المسيح يسوع في وسطها[11].]

أما القديس إكليمنضس السكندري وإن كان قد اقتبس فقرات من “إنجيل المصريين” لكنه ميز بينه وبين الأناجيل الأربعة القانونية[12].

أما العلامة ترتليان فلم يقتبس إلا من الأناجيل الأربعة القانونية، ودافع بشدة عن كتابتها بواسطة الرسل أو من هم ملتصقون بهم تماما.

استخدم القديسان إكليمنضس الروماني وأغناطيوس الأنطاكي مادة الأناجيل وإن كان بدون التزام بالنص حرفيا. وجاءت رسالة القديس بوليكربس تحوي مطابقات مع الأناجيل.

  1. الحاجة إلى أربعة أناجيل

وجود أربعة أناجيل خلق مشكلتين، إحداهما قديمة لاهوتية تدور حول التساؤل عن سر وجود أربعة أناجيل وعدم الاكتفاء بإنجيل واحد، والثانية حديثة ظهرت في الغرب تخص الثلاثة أناجيل الأولى متى ومرقس ولوقا حيث تظهر فيها مواد متشابهة وأخرى غير متشابهة، بهذا يمكن تفريغها في ثلاثة أعمدة متوازية للمطابقة فيما بينها، فتساءل بعض الدارسين عن سر التشابه، وكيف كتبت هذه الأناجيل، ومصادرها الخ. وقد سميت بالمشكلة التكاملية أو الإزائية أو السينوبتك Synoptic Problem.

أولا: المشكلة اللاهوتية   

منذ القديم ظهر هذا التساؤل: ما الحاجة إلى وجود أربعة أناجيل؟ أما كان يكفي وجود إنجيل واحد يضم ما ورد في هذه الأناجيل الأربعة؟ ففي القرن الثاني حاول تاتيان Tatian أن يضم الأناجيل الأربعة في كتاب واحد اسماه “الرباعي Diatessarton” (أربعة في واحد)، لكن الكنيسة لم تقبل هذا العمل، فإنه ليس غاية الإنجيل جمع وترتيب مادة عن حياة السيد المسيح على الأرض، لكن غايته الشهادة بطرق مختلفة ومتكاملة عن حقيقة واحدة، يقدمها الروح القدس نفسه كأسفار قانونية، أي بكونها كلمة الله المعصومة من الخطأ.

فالكنيسة تعتز بالأناجيل معا ككلمة الله الحية والفعالة، التي وضعها الروح القدس لتعليمنا وتهذيبنا بطريقة فائقة. لهذا لم يهتم الآباء بتجميع ما ورد في الأناجيل وترتيبها تاريخيا، بقدر ما اهتموا بالكشف عن أعماق ما حمله كل إنجيل من سر حياة خفي وراء كلماته، وفي نفس الوقت تحدثوا عن اتفاق الإنجيليين معا في الأحداث، موضحين ما يبدو للبعض من وجود تعارض، كما فعل القديس أغسطينوس في كتابه عن اتفاق البشيرين De consensu evanglistarum.

تحدث العلامة أوريجينوس في القرن الثاني عن اتفاق الأناجيل الأربعة معا ومع بقية الأسفار بالرغم من عرض الحقيقة في كل سفر من جانب غير الآخر، مشبها الكتاب المقدس بالقيثارة الواحدة ذات الأوتار المتنوعة لتقديم سيمفونية جميلة ومتناسقة، إذ يقول:

[كما أن كل وتر من أوتار القيثارة يعطي صوتا معينا خاصا به يبدو مختلفا عن الآخر، فيظن الإنسان غير الموسيقي والجاهل لأصول الانسجام الموسيقي أن الأوتار غير منسجمة معا لأنها تعطي أصوات مختلفة، هكذا الذين ليس لهم دراية في سماع انسجام الله في الكتب المقدسة يظنون أن العهد القديم غير متفق مع الجديد أو الأنبياء مع الشريعة أو الأناجيل مع بعضها البعض أو مع بقية الرسل. أما المتعلم موسيقى الله كرجل حكيم في القول والفعل يحسب داود الآخر، إذ بمهارة تفسيره يجلب أنغام موسيقى الله متعلما من هذا في الوقت المناسب أن يضرب على الأوتار، تارة على أوتار الناموس وأخرى على أوتار الأناجيل منسجمة مع الأولى، فأوتار الأنبياء.

وعندما تتطلب الحكمة يضرب على الأوتار الرسولية المنسجمة مع النبوية كما في الأناجيل. فالكتاب المقدس هو آلة الله الواحدة الكاملة والمنسجمة معا، تعطي خلال الأصوات المتباينة صوت الخلاص الواحد للراغبين في التعليم، هذه القيثارة التي تبطل عمل كل روح شرير وتقاومه كما حدث مع داود الموسيقار في تهدئة الروح الشرير الذي كان يتعب شاول (1 صم 16: 14)[13].]

نستطيع أن نقول أن الوحي الإلهي قدم لنا إنجيلا واحدا هو إنجيل ربنا يسوع المسيح بواسطة الإنجيليين الأربعة: متى ومرقس ولوقا ويوحنا، كل يكشف عن جانب من جوانب هذا الإنجيل الواحد. وكأنه باللؤلؤة التي يعلن عنها كل منهم من زاوية معينة. فمعلمنا متى إذ يكتب لليهود يقدم لنا السيد المسيح بكونه المسيا الملك الذي فيه تحققت النبوات وكمل الناموس. جاء ليملك قينا، ونحن نملك معه في السماويات.

ومعلمنا مرقس إذ كتب للرومان أبرز شخص السيد المسيح من الجانب العملي، صانع المعجزات وغالب قوى الشيطان، فلا يقدم الكثير من كلمات السيد وعظاته، إنما يقدم أعماله لأنه يحدث رجال حرب عنفاء (الرومان). أما لوقا البشير فإذ يكتب إلى أصحاب الفلسفات والحكمة البشرية، أي اليونان، فيقدم السيد المسيح كصديق البشرية، الذي جاء ليخلص لا بالفلسفات الجديدة، وإنما بالحب الباذل. أخيرا فإن يوحنا البشير إذ يكتب للعالم كله يعلن السيد المسيح الكلمة الإلهي المتجسد، الذي حل بيننا لكي يرفعنا إليه في سماواته.

متى                        مرقس                     لوقا                           يوحنا

  • كتب لليهود للرومان                    لليونان                     للعالم المسيحي
  • المسيا الملك المسيح غالب الشيطان      صديق البشرية                 الكلمة المتجسد
  • جاء يتمم الناموس يعمل العجائب              يخلص البشرية                 يحل في وسطنا
  • اهتم بالنبوات اهتم بالعمل                 اهتم بالتاريخ                 اهتم باللاهوت
  • رمزه وجه إنسان الأسد                      الثور النسر

إن بدت الأناجيل متشابهة، خاصة الثلاث الأناجيل الأولى، من جهة ما حوته من عرض لحياة السيد المسيح وأعماله الخلاصية. فالإنجيليون في الحقيقة ليسوا عارضين لحياة السيد ولا مؤرخين له بالمعنى العلمي للتاريخ، إنما هم شهود حق، أعلنوا الأخبار السارة التي تمس حياتنا مشرقة من نور قيامة السيد المسيح وحلول روحه علينا، وجاء التاريخ من خلال هذه الزاوية، خادما حياتنا الإيمانية واتحادنا مع المخلص القائم من الأموات.

ولكي ندرك تكامل هذه الأناجيل نقدم صورة سريعة ومختصرة عن ملامح هذه الأناجيل وغايتها:

  1. الإنجيل بحسب متى البشير: يعتبر يهودي مسيحي، إن كان قد قدم لنا شخصية السيد المسيح، لكنه في جوهره سفر تعليمي دفاعي يقدم المسيا المرفوض من قادة اليهود، بكونه مكمل الناموس ومحقق نبوات العهد القديم، فيه يتحقق ملكوت الله السماوي على الأرض. مصححا الفكر اليهودي عن المسيا كملك أرضي. هكذا يظهر هذا السفر كأنه يعكس تقليد كنائس اليهود المسيحية القوية في فلسطين قبل سقوط أورشليم[14]. أما وقد رمز له بوجه الإنسان، فلأنه قد ركز على التجسد الإلهي.
  2. الإنجيل بحسب مرقس البشير: إن كان هذا السفر يعتبر الأساس لإنجيلي متى ولوقا، لكن له طابعه الخاص به. فقد قدم للعالم الروماني المعتز بالذراع البشري، كأصحاب سلطان يؤمنون بالقوة والعنف علامة الحياة والنضوج، لهذا أبرز شخص السيد المسيح صانع العجائب وغالب الشيطان، الذي غلب بصليبه وحبه، لا بالحرب والعنف. إن كان الرومان قد انشغلوا بمملكتهم في العالم المعروف في ذلك الحين، فقد سحبهم الإنجيل إلى مملكة من نوع جديد تحتاج إلى قوة الروح والعمل الإلهي، لا إلى الذراع البشري المتعجرف والمجرد. لقد رمز له بوجه أسد إعلانا عن الغلبة والنصرة، أو علامة الملك الجديد السماوي.
  3. الإنجيل بحسب لوقا البشير: سجل لليونان أصحاب الفلسفات والأدب اليوناني، لذا جاء هذا السفر في أسلوب رائع من الجانب الأدبي، يقدم لنا حياة السيد المسيح في التاريخ ليس بطريقة كلاسيكية إنما لاهوتية تعلن عنه كمخلص البشرية كلها: للمتعلم والأمي، الفيلسوف والبسيط، الغني والفقير، الخاطئ والوثني. إنه لا يخلص بالحكمة البشرية والفلسفات، بل بذبيحة الحب، لهذا رمز إليه بوجه ثور علامة الذبيحة واهبة المصالحة مع الآب. يبدأ هذا السفر وينتهي في أورشليم بكونها المدينة المقدسة التي فيها يتحقق الخلاص، لكن الرسالة موجهة للعالم الأممي كله، الأمر الذي أوضحه فيما بعد في سفره الآخر، أعمال الرسل.
  4. إنجيل بحسب يوحنا الرسول: له طابعه اللاهوتي الخاص به، يرمز له بوجه نسر.

ثانيا: المشكلة الإزائية (السينوبتية) Synoptic Problem:

لا أريد الخوض في هذه المشكلة التي لم تعشها الكنيسة الشرقية بوجه عام، وإنما شغلت أذهان دارسي الكتاب المقدس في الغرب منذ منتصف القرن الثامن عشر، خاصة مع بدء القرن العشرين.

كلمة Synoptic مشتقة عن الكلمة اليونانية Sunarao والتي تعني رؤية الكل معا بنظرة تكاملية، فهي تخص الأناجيل الثلاثة متى ومرقس ولوقا بكونها أناجيل تحوي هيكلا متشابها ومواد متشابهة، وإن وجدت أيضا مواد غير متشابهة. فالمشكلة هي كيف حدث هذا التشابه؟ هل اعتمدت الأناجيل على بعضها البعض، أم رجعت إلى مصدر بدائي واحد، سواء كان شفهيا كالتقليد أو كتابيا، أو أكثر من مصدر؟

أول من استخدم هذا التعبير هو Griesbach في القرن الثامن عشر، ودعيت الأناجيل الثلاثة: Synoptic Gospel يترجمها البعض بالأناجيل التكاملية أو المتشابهة أو الإزائية، كما عرف الإنجيليون الثلاثة بـ Synopists.

وقبل أن ندخل في المشكلة نود أن نسأل: لماذا نقيم المقارنات بين هذه الأناجيل ونسأل عن مصدرها مادامت قد كتبت بالوحي الإلهي بالروح القدس؟

هنا نود أن نوضح الفارق بين الفكر الشرقي والفكر الغربي في دارسة الكتاب المقدس، فالشرق بوجه عام خاصة الكنيسة الأرثوذكسية يميل إلى الاتجاه الآبائي الأول، وهو الانشغال بكلمة الله أو الوحي الإلهي بكونه قبول للسيد المسيح نفسه شخصيا حيا نعيش به وفيه ومعه متجهين بفكرنا نحو الميراث الأبدي، ممتصة أذهاننا بالملكوت السماوي الداخلي أكثر من الدراسات النقدية النظرية. أما الغرب فقد صب جل اهتمامه خاصة في القرنين التاسع عشر والعشرين نحو الدراسات النقدية والأبحاث العلمية في الكتاب المقدس، الأمر الذي يمكننا أن ننتفع به كثيرا حتى في بنياننا الروحي وفهمنا لكلمة الله إن قبلناها روحيا.

قبل الدخول في تفاصيل هذه المشكلة يلزمنا أولا أن نتعرف على مفهوم الكنيسة المسيحية للوحي الإلهي، لنعرف ما هو دور رجل الله الذي أوحي له بالروح القدس ليكتب؟! فقد جاء في الكتاب المقدس: كل الكتاب هو موحى به من الله ونافع للتعليم والتوبيخ، للتقويم والتأديب الذي في البر لكي يكون إنسان الله كاملا متأهبا لكل عمل صالح” (2 تي 3: 16-17)؛ “عالمين هذا أولا أن كل نبوة الكتاب ليست من تفسير خاص، لأنه لم تأت نبوة قط بمشيئة إنسان، بل تكلم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس” (2 بط 1: 20-21). إذن فالكتاب كله موحى به من الروح القدس، والكتاب هم آله الله، أو كما يقول المرتل: “لساني قلم كاتب ماهر” (مز 45: 1).

كل كاتب أشبه بقلم في يد الروح القدس، لكنه قلم ماهر، لا يكتب إلا ما يمليه الروح دون أن يفقده شخصيته وإمكانياته ومهارته وبيئته. هذا هو العجيب في حب الله، فإنه حتى إذ يقدم لنا كلمته المكتوبة لا يستخدم الإنسان آلة جامدة يحركها آليا بجمود، إنما يتعامل معنا خلال “الحب المتبادل” وتقدير الله العجيب لمخلوقه الإنساني.

إن كان يسكب علينا حبه ويهبنا كلمته الإلهية الخالدة، لكنه لا يحتقر حبنا وفكرنا وثقافتنا ولغتنا. إنه يهب الكلمة ويحفظها ويمنح الكاتب إمكانية الكتابة في عصمة من الخطأ دون تجاهل لإنسانيته. لهذا لا عجب إن حوى الكتاب بعهديه أسفارا مختلفة بأسلوب مختلف كتبت خلال ثقافات متباينة امتدت آلاف السنين، ومع ذلك بقي ويبقى الكتاب حيا، يحمل إلينا الكلمة الإلهية التي لا تشيخ. هذا ما دفع الدارسون الغربيون إلى دراسة النقدية والتحليلية للكتاب المقدس.

ونحن إذ نقبل هذه الدراسات فبتحفظ مدركين ما قاله القديس إيريناؤس إن الكتاب حتى في أجزائه الغامضة “روحي بكليته”[15]، وما قاله الآباء أن الكتاب معصوم من الخطأ وليس فيه شيء زائد بلا نفع، حتى قال أوريجينوس: [إنه ليس حرف واحد أو عنوان كتب في الكتاب المقدس لا يتمم عمله الخاص بالنسبة للقادرين على استخدامه[16].] وبنفس الطريقة يقول القديس جيروم: [في الكتب الإلهية كل كلمة ومقطع وعلامة ونقطة تلتحف بمعنى[17].]

وبحسب القديس يوحنا الذهبي الفم حتى قوائم الأسماء الواردة في الكتاب لها معناها العميق[18]، وقد كرس عظتين لشرح التحيات الواردة في الأصحاح السادس عشر من الرسالة إلى رومية ليعلن أن كنوز الحكمة مخفية في كل كلمة نطق بها الروح[19].

بعد وضع هذا الأساس لمفهومنا للوحي الإلهي نعود إلى مشكلة الأناجيل الثلاثة الإزائية Synoptic لتفسير وجود تشابهات بينها وأيضا مواد غير متشابهة:

ا. المتشابهات[20]   

تتشابه الأناجيل الثلاثة الأولى في كثير من موادها كما في ترتيبها، فمن جهة المواد المتشابهة وردت عبارات متشابهة في الثلاثة أناجيل يمكن تسميتها بالتقاليد المثلوثة three traditions، وعبارات وردت في إنجيلين فقط نسميها التقاليد المثناة twofold traditions، وعبارات لم ترد إلا في إنجيل واحد نسميها التقاليد الفريدةunique traditions، بل وعبارات تكررت في نفس الإنجيل تسمى مزدوجاتdoublets.

هذا ويلاحظ أن إنجيل مار مرقس أكثر الأناجيل اختصارا، وردت أغلب مواده في إنجيلي متى أو لوقا أو في كليهما معا. وإن كان يصعب عمل إحصائية دقيقة للمتشابهات، لأن بعض العبارات ترد في أناجيل أخرى مسجلة في عدد أكبر من الآيات.

                   متى                     مرقس                     لوقا

إجمالي العبارات            1070                  677                           1150

التقاليد الفريدة              330                    70                        520

                           حوالي الثلث              العشر                           النصف

التقاليد المثناة              170-180             170-180                230

                           (مت – لو)              (مر- لو)                  (لو- متى)                      

                   230                    50                        50

                   (مت – لو)              (مر- لو)                  (لو- مت)

التقاليد المثلوثة             350-370             350-370                           350-370

هذا عدد المواد المتشابهة أما عن التشابه في الترتيب، فقد حملت الأناجيل الثلاثة إطارا عاما واحدا أو خطوطا عريضة متشابهة، إذ جاءت هكذا:

أ. الإعداد للخدمة.

ب. خدمة السيد في الجليل.

ج. رحلته إلى أورشليم.

د. آلامه وقيامته.

لم يقف التشابه عند المادة والإطار العام في الترتيب وإنما شملت الأناجيل بعض اقتباسات من العهد القديم أحيانا معدلة. وقد وردت بنفس التعديل في الثلاثة أناجيل، كما استخدمت مقارنات يونانية نادرة وأحيانا تأتي العبارات مطابقة لبعضها البعض كلمة بكلمة في الأناجيل الثلاثة. هذا ما دعا إلى التساؤل عن سر هذا التشابه؟

ب. الاختلافات

من جهة المواد نذكر الاختلافات في الأناجيل الثلاثة على سبيل المثال:

  1. كتب ميلاد السيد المسيح في إنجيل متى بطريقة تختلف عما جاء في إنجيل لوقا، أما إنجيل مرقس فلم يشر إليه قط.
  2. النسب كما ورد في إنجيل متى (1: 1-17) يختلف عما ورد في إنجيل لوقا (3: 23-38).
  3. التجارب الثلاث التي واجهها السيد ذكرت في إنجيل متى (4: 3-12) وفي إنجيل لوقا (4: 3-12)، مع اختلاف في الترتيب.
  4. أحداث القيامة وردت في كل إنجيل بطريقة متباينة، فمعلمنا متى تحدث عن ظهورات السيد في الجليل، أما معلمنا لوقا فتحدث عن ظهوراته في اليهودية.
  5. وردت العظة على الجبل في إنجيل متى (5-7) ولم ترد في إنجيل معلمنا مرقس.

حلول المشكلة

في العصور الأولى اهتم الآباء بكل حدث على انفراد، موضحين اتفاق الإنجيليين، أما ما حدث في الغرب فهو دراسة المشكلة ككل، وقد ظهرت عدة نظريات لحلها ليست متضاربة بل كل منها تمهد للأخرى، أهمها:

  1. نظرية الاستعمال Utilization Theory: تتلخص في أن كل إنجيل يعتمد على الإنجيل السابق أو الإنجيلين السابقين له، أي يستخدم ما قد سبقه. لعل هذه النظرية اعتمدت على ما ورد في القديس أغسطينوس أن متى البشير كتب أولا، اعتمد عليه مار مرقس، وجاء لوقا الإنجيلي يعتمد على الاثنين، لهذا جاء ترتيب الأناجيل التقليدي: متى ومرقس ثم لوقا. اقترح Griesbach نظرية مماثلة، وإنما رأى أن لوقا يسبق مرقس، وبالتالي استخدم مار مرقس إنجيلي متى ولوقا معا. عدل Lachmann النظرية عام 1835م، وWilbe عام 1838م، وقد دافع B. Buttler عنها[21].
  2. نظرية الإنجيل البدائي The Primitive Gospel Theory: لعل هذه النظرية جاءت كتطور لما ذكره بابياس في القرن الثاني أن متى وضع “أقوال يسوع” باللغة العبرية، استخدمها الإنجيليون. فقد افترض البعض وجود أصل آرامي (عبري) ترجم إلى اليونانية استخدمه الإنجيليون[22] كل على انفراد، هذا الأصل مفقود. ارتبطت هذه النظرية بـ G. E. Lessing عام 1778م، وعدلها J. Eichhorn عام 1804م. ويسمى أصحاب هذه النظرية هذا الإنجيل الأولى الذي عنه أخذت الأناجيل الثلاثة “Q”، ولما كان رأي الكثيرين منهم أنه أقرب إلى إنجيل مار مرقس لذا دعاه البعض Proto-Mark. ورأى البعض في قول القديس أبيفانيوس[23] ما يوافق هذه النظرية، وهو أن الأناجيل (أخذت عن ذات المصدر). غير أن القديس لا يقصد بهذا مصدرا معينا مكتوبا أو شفاها، إنما يقصد بالمصدر الروح القدس واهب الوحي للإنجيليين، المصدر المشترك لكل الإنجيليين.

على أي الأحوال هذه كلها مجرد افتراضات تقوم على وجود مصدر مفقود، عليه اعتمد الإنجيليون، وبالغ الدارسون في افتراض وجود تعديلات في الأصل مستمرة، حتى افترض الأسقف Marsh[24] وجود ثماني وثائق:

أ. الأصل العبري.

ب. ترجمة يونانية للأصل العبري.

ج. ظهور نسخة عن الأصل العبري مع تعديلات وإضافات.

د. نسخة أخرى للأصل العبري مع مجموعة أخرى من التعديلات والإضافات.

هـ. نسخة تضم كل التعديلات والإضافات التي للنسخة (ج) مع إضافات جديدة استخدمها مار متى البشير.

ز. نسخة تضم النسخة رقم (د) مع إضافات استخدمها مار لوقا البشير، هذا وقد استخدم أيضا النسخة (ب).

ح. نسخة عبرية متمايزة تماما تحوي وصايا السيد وأمثلته ومقالاته مسجلة بطريقة غير تاريخية استخدمها الإنجيليان متى ولوقا.

ويعترض على هذه النظرية بالآتي:

أ. إن كان كل معلومة جديدة يمكننا القول بأن مصدرها الوثيقة الأصلية مضافا إليها تعديلات جديدة، فإنه يمكننا افتراض عشرات النسخ وليس فقط ثمانية نسخ، دون وجود دليل يؤكد شيئا من هذا.

ب. لو أنه يوجد مصدر أصيل أخذ عنه الإنجيليون الثلاثة لاحتفظت الكنيسة بهذا المصدر الأولي. إن كانت الأناجيل غير القانونية قد احتفظ بها فبالأولى كان يجب حفظ هذا المصدر.

  1. نظرية القصص: تتلخص في وجود مصدر يوناني يحوي قصصا عن أحداث الآلام والمعجزات مع تجميعات لأقوال السيد المسيح، اعتمد عليها الإنجيليان متى ولوقا بجانب اعتمادها على إنجيل مرقس. اهتم بهذه النظرية Schleiermacher عام 1817م.
  2. نظرية التقليد الشفهي، ترجع إلى Herder عام 1797م، بحسبها سلك الإنجيليون حسب التقليد العام الشفهي. ويلاحظ أنه بالرغم من عدم تجاهل أغلب الدارسين لأهمية الدور الذي قام به التقليد الشفهي لكن وجود متشابهات كثيرة ودقيقة حتى في العبارات جعل البعض يؤكد الاعتماد على مصدر مكتوب بجانب التقليد الشفهي.
  3. 5. نظرية المصدرين، اهتم بها Holtzmann عام 1863م. وهي أكثر النظريات انتشارا، حيث تربط بين النظريتين الأولى والثانية، فترى أن متى ولوقا اعتمدا على إنجيل مار مرقس كل منهما على انفراد، إذ الأخير هو أقدم الأناجيل، هذا مع وجود مصدر آخر مفقود يحوي تجميعا لكلمات السيد المسيح (لوجيا) يشار إليه بالحرف Q.

الأناجيل غير القانونية

افتتاحية إنجيل معلمنا لوقا البشير: إذ كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة في الأمور المتيقنة عندنا” (لو 1: 1)، تكشف عن وجود عدد من القصص تروي حياة السيد المسيح وتعاليمه ومعجزاته وحياة والدته وموتها وإرساليات التلاميذ والرسل، انتشرت بين المسيحيين في نهاية القرن الأول. بجانب الأناجيل الأربعة الأصلية، وجدت كتابات غير قانونية نسبت للتلاميذ والرسل، دعيت بالأبوكريفا، إما أنها كتبت بهدف تقوي سجلها مؤمنون في الكنيسة، أو هراطقة سجلوها تحت أسماء التلاميذ أو الرسل أو شخصيات بارزة في الإيمان لتأييد هرطقاتهم وتعاليمهم، حوت هذه الكتابات الأناجيل المزورة، أي غير القانونية والرؤى والرسائل وأعمال للرسل.

كلمة “أبوكريفا” لا تعني أن كل ما بها ليس حق، على الأقل في أذهان الذي استخدموها أولا[25]. فإنها وإن كانت ليست قانونية لكن بعضها كان له اعتباره الخاص ككتب كنسية ذات قيمة روحية وتاريخية، وهي في الحقيقة تمثل تراثا هاما بالنسبة للمؤرخين، يكشف عن الكثير من الأفكار والاتجاهات والعادات التي اتسمت بها الكنيسة الأولى، كما تمثل النبتات الأولى للأدب المسيحي من الناحية القصصية والفلكلور الشعبي[26].

  1. إنجيل يعقوب

يعرف باسم الإنجيل الأول Proto-evangelium of James. وهو من نتاج منتصف القرن الثاني. هدفه الرئيسي هو تأكيد دوام بتولية القديسة مريم قبل ميلاد السيد وأثناء الميلاد وبعده. وهو يروي الأحداث الخاصة بميلاد العذراء مع ذكر اسمي والديها (يواقيم وحنة) وحياتها المبكرة في الهيكل، وتركها له في سن الثانية عشر، وخطبتها ليوسف، وقصة البشارة، وزيارة مريم لأليصابات وأحداث الميلاد الخ. ويختم الكتاب بقصة استشهاد القديس زكريا الكاهن والوالد يوحنا المعمدان وموت هيرودس.

أول من أشار إليه هو العلامة أوريجينوس حينما قرر أن إخوة الرب هم أبناء يوسف من زوجة سابقة. وقبل أوريجينوس ذكر القديسان إكليمنضس السكندري ويوستين الشهيد أحداثا تخص ميلاد السيد المسيح وردت في هذا الكتاب. هذا وقد اعتمد عليه القديس أبيفانيوس في القرن الرابع في رده على الهراطقة، كما أشار إليه القديس جيروم.

يوجد منه مخطوطات هي ترجمات سريانية وقبطية وأرمنية وصقلية، وإن كان لا يوجد بعد مخطوطات لاتينية له.

  1. إنجيل العبرانيين

دعي هكذا لأنه كان مستخدما في فلسطين بين المسيحيين الذين كانوا يتكلمون العبرية (الآرامية). لا يعرف كاتبه. انتشر تداوله فقط في الشرق في النصف الأخير من القرن الثاني. أشار إليه القديس إكليمنضس السكندري [27]وأوريجينوس ويوسابيوس[28] وحصل القديس جيروم على نسخة منه بالآرامية ترجمها إلى اليونانية واللاتينية[29].

  1. إنجيل المصريين[30]

من أناجيل الغنوسيين وإنتاجهم. يذكر القديس هيبوليتس أنه كان منتشرا بين إحدى شيعهم التي تسمى Nassenes، ويحتمل أنه كان منتشرا بين المسيحيين المصريين الذين من أصل أممي. أشار إليه كل من القديس إكليمنضس السكندري وأوريجينوس على أساس أن له قيمة تاريخية فقط، مع ملاحظة أن الآراء النسكية واضحة فيه.

  1. إنجيل بطرس

اكتشف V. Bouriant جزءا من هذا الإنجيل عام 1889-1887م بمقبرة راهب في أخميم بصعيد مصر وهي تروي آلام يسوع وموته ودفنه وتنمق قصة قيامته بتفاصيل مثيرة بخصوص المعجزات التي لحقتها.

أشار إليه يوسابيوس[31]كسفر رفضه صرابيون أسقف إنطاكية حوالي عام 190م بسبب اتجاهه الهرطوقي (الدوسيتون) Docetic character وقد استخدمه العلامة أوريجينوس في تعليقاته على إنجيل متى[32].

  1. إنجيل توما

أشار العلامة أوريجينوس في عظته الأولى إلى إنجيل توما. كان هذا الكتاب معروفا لدى القديس إيريناؤس وأيضا يوسابيوس. وقد نسبه القديس هيبوليتس الروماني إلى إحدى شيع الغنوسيين تسمى Nassenes، التي لا نعرف عنها شيئا. وكان له منزلة كبيرة لدى أتباع ماني، لذلك حذر منه القديس كيرلس الأورشليمي بكونه من إنتاجهم، موضحا أنه يفسد عقول البسطاء[33].

يتناول هذا الكتاب قصة طفولة يسوع وقوته ومعرفته ومعجزاته خلال سني حياته المبكرة، وقصة ذهابه إلى المدرسة، وكيف كان يصنع من الطين اثنى عشر عصفورا صغيرا أثناء لعبه مع الأطفال في يوم سبت، ولما اشتكاه أولياء أمور الأطفال ككاسر السبت أمر العصافير أن تطير، فطارت وهي تغرد![34]

  1. إنجيل نيقوديموس

يضم جزئين مختلفي التأليف والتاريخ. الجزء الأول هو ما يعرف بأعمال بيلاطس، Acts of Pilate ويتكلم عن محاكمة ربنا يسوع والتقرير الرسمي الذي قيل أن بيلاطس أرسله إلى الإمبراطور طيباريوس عن شخص يسوع، ويرجع هذا الجزء إلى القرن الثاني. هذا ونلاحظ في إنجيل بطرس محاولة المسيحيون الأول التخفيف من جريمة بيلاطس، الأمر الذي ظهر أيضا في “أعمال بيلاطس” التي احتواها إنجيل نيقوديموس. وقد أشار القديس يوستين[35] والعلامة ترتليان[36]من رجال القرن الثاني إلى أعمال بيلاطس، مستخدمين الوالي الروماني كشاهد على تاريخ صلب المسيح وقيامته وصدق الإيمان المسيحي. وقد استخدم إنجيل نيقوديوس ذات الاتجاه.

أما الجزء الثاني من الإنجيل فيحوي وصفا للنقاش الذي دار في السنهدرين بخصوص قيامة السيد المسيح (فصل 12-16) وقصة نزوله إلى الجحيم (فصل 17-27) مستشهدا بشاهدين هما ابني سمعان اللذين قاما من الأموات بعد معاينة السيد في الجحيم. هذا الجزء يمثل نوعا من الوعظ الشبيه بميامر سير الشهداء.

  1. إنجيل فيلبس

إذ تحدث القديس إبيفانيوس عن الاتجاه الغنوسي في مصر أشار إلى هذا الإنجيل وجاء بمقتطف منه يحمل ميلا غنوسيا نسكيا قويا[37]، انتشر هذا الإنجيل في مصر ابتداء من القرن الثالث.

  1. إنجيل الاثنى عشر رسولا

أورد القديس أبيفانيوس[38] مقتطفات منه، ويرجع تاريخه إلى أوائل القرن الثالث، ويسمى بإنجيل الأبيونيين The Gospel of Ebionites.

  1. توجد مجموعة من الأناجيل وضعها الهراطقة مثل إنجيل باسيليدس الغنوسي من القرن الثاني قد أشار إليه أوريجينوس والقديس أمبروسيوس وجيروم، وإنجيل أندراوس الذي أشار إليه القديس أغسطينوس[39]، وإنجيل فالنتينوس الغنوسي الذي أشار إليه العلامة ترتليان، وإنجيل مرقيون الهرطوقي، وإنجيل يهوذا الإسخريوطي الذي استخدمته طائفة غنوسية تدعى بأتباع قايين Cainites، وإنجيل تداوس وإنجيل حواء وإنجيل كيرنثوس وإنجيل أبلوس Apelles.

 

مقدمة

في

إنجيل متى

الكاتب

القديس متى الإنجيلي، هو أحد الاثنى عشر تلميذا، كان عشارا اسمه لاوي واسم أبيه حلفى. رآه السيد المسيح جالسا عند مكان الجباية فقال له: اتبعني، فقام وتبعه (مت9: 9؛ مر2: 14؛ لو5: 29). ترك لاوي الجباية التي كان اليهود يتطلعون إليها ببغضة، لأنها تمثل السلطة الرومانية المستبدة، وعلامة إذلال الشعب لحساب المستعمر الروماني المستغل. وقد سجل لنا معلمنا لوقا البشير الوليمة الكبرى التي صنعها لاوي للسيد في بيته، ودعا إليها أصدقاءه السابقين من عشارين وخطاة حتى يختبروا عذوبة التبعية للسيد المسيح بأنفسهم (لو5: 29)، الأمر الذي أثار معلمي اليهود، قائلين للتلاميذ: لماذا يأكل معلمكم مع العشارين والخطاة؟ أما هو فأجاب: لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى، لم آت لأدعو أبرارا بل خطاة إلى التوبة” (مت9: 11-12).

أما كلمة “متى” فتعني “عطية الله”، وبالعبرانية “نثنائيل”، وباليونانية “ثيودورس”، والتي عرِبت “تادرس”. وكأن الله بدعوته لمتى أشبع قلبه كعطية إلهية فانتزعت نفسه من محبة المال وأخرجت قلبه خارج الجباية.

لغة الكتابة

يقول بابياس أسقف هيرابوليس عام 118م أن متى حوى التعاليم باللسان العبري، وكل واحد فسرها (ترجمها) كما استطاع. هذا أيضا ما أكده القديس إيريناؤس والعلامة أوريجينوس[40] والقديسان كيرلس الأورشليمي[41] وأبيفانيوس[42]. ويروي لنا المؤرخ يوسابيوس أن القديس بنتينوس في زيارته إلى الهند وجد إنجيل متى باللسان العبري لدى المؤمنين تركه لهم برثولماوس الرسول.

تاريخ كتابته 

استقر رأي غالبية الدارسين أنه كتب بعد إنجيل معلمنا مرقس الرسول ببضع سنوات، وقبل خراب الهيكل اليهودي حيث يتحدث عنه كنبوة لا كواقعة قد تمت. لهذا يقدرون كتابته بالربع الثالث من القرن الأول.

مكان كتابته 

يرى التقليد أن الإنجيل كتب في فلسطين، الأمر الذي لم يشك فيه أحد من آباء الكنيسة الأولى، وإن كان بعض الباحثين رأوا أنه كتب في إنطاكية أو فينيقية.

غرض الكتابة 

  1. كتب القديس متى إنجيله لليهود الذين كانوا ولا يزالوا ينتظرون المسيا الملك الذي يقيم مملكة تسيطر على العالم. فالكاتب يهودي تتلمذ للسيد المسيح يكتب لإخوته اليهود ليعلن لهم أن المسيا المنتظر قد جاء، مصححا مفهومهم للملكوت، ناقلا إياهم من الفكر المادي الزمني إلى الفكر الروحي السماوي.

لقد كرر كلمة “ابن داود” لتأكيد أن “المسيا” هو الملك الخارج من سبط يهوذا ليملك، لكن ليس على نفس المستوى الذي ملكوا به في أرض الموعد، إنما هو ملكوت سماوي (مت13: 43؛ 25: 34)؛ (7: 21؛ 8: 11؛ 16: 28). حقا لقد كان اليهود ينتظرون بحمية شديدة مجيء المسيا المخلص ليملك. وقد جاء وملك لكن ليس بحسب فكرهم المادي!

  1. حمل هذا الإنجيل أيضا جانبا دفاعيا عن السيد المسيح، فلم تقف رسالته عند تأكيد أن فيه تحققت نبوات العهد القديم، وإنما دافع ضد المثيرات اليهودية، لهذا تحدث بوضوح عن ميلاده من عذراء، ودافع الملاك عنها أمام خطيبها، وروى تفاصيل قصة القيامة والرشوة التي دفعها اليهود للجند. لهذا دعا R. V. G. Tasker هذا الإنجيل بالدفاع المسيحي المبكر[43].
  2. يرى[44] G. D. Kilpatrick أن هذا الإنجيل في أصوله كتب بهدف ليتورجي، لتقرأ فصوله أثناء العبادة المسيحية. وقد اعتمد في ذلك على ما اتسم به الإنجيل من وضوح واختصار ومطابقات وتوازن في اللغة. لكن البعض يرى أن مثل هذه السمات لا تعني أن هذا الإنجيل كتب بهذا الهدف، إنما هي سمات الكاتب الأدبية، وأنه بسبب هذه السمات استخدم الإنجيل بطريقة واسعة في الأغراض الليتورجية[45].

سماته         

استخدم هذا الإنجيل في الاقتباسات الواردة في كتابات الكنيسة الأولى أكثر من غيره[46]. ولعل نشره للموعظة على الجبل بطريقة تفصيلية كدستور للحياة المسيحية كان له أثره على المؤمنين. أما سماته فهي:

  1. إذ كتب متى الإنجيلي هذا الإنجيل لليهود أوضح بطريقة عميقة العلاقة الأكيدة بين المسيحية والعهد القديم، موضحا كيف كانت الكنيسة مبتلعة في التفكير في نبوات العهد القديم التي تحققت روحيا في المسيح يسوع ربنا. لقد أشار إلى حوالي 60 نبوة من العهد القديم، كما تكررت كلمة الملكوت حوالي 55 مرة، وذكر السيد المسيح كابن لداود ثمان مرات، معلنا أنه الموعود به. لقد حمل هذا الإنجيل جوا يهوديا أكثر من غيره، فيفترض في القارئ معرفة العبرية (5: 19)، يستعمل التعبيرات المفضلة عند اليهود كدعوة أورشليم بالمدينة المقدسة (4: 5؛ 27: 52-53)، والهيكل بالمكان المقدس (24: 15). يتحدث عن أسس الأعمال الصالحة الثلاثة عند اليهود، أي الصدقة والصلاة والصوم (6: 1-8، 16-18)، وعن واجبات الكهنة في الهيكل (12: 5) وضريبة الهيكل (17: 24-27)، والعشور (23: 23) وغسل الأيدي علامة التطهير من الدم (27: 24) الخ.

أوضح أن السيد لم يأتِ ليحتقر العهد القديم، بل ليدخل به إلى كمال غايته، من جهة الناموس والوصية وتحقيق ما جاء به من وعود خاصة بالخلاص. هذا التحقيق لم يتم فقط خلال تعاليم السيد المسيح، وإنما أيضا خلال شخصه كمخلص وفاد.

هذا ما دفع بعض الدارسين إلى التطلع إلى هذا الإنجيل كدراسة حاخامية مسيحية تكشف عن إعلان السيد المسيح المخفي في العهد القديم.

  1. إذ يكتب متى الإنجيلي لليهود لم يغفل عن مصارحتهم بأخطائهم، فيقول عن قائد المائة الروماني: لم أجد ولا في إسرائيل إيمانا بمقدار هذا، وأقول لكم إن كثيرين سيأتون من المشارق والمغارب ويتكئون مع إبراهيم واسحق ويعقوب في ملكوت السماوات، وأما بنو الملكوت فيطرحون إلى الظلمة الخارجية” (8: 10، 12). وقوله: “ابن الإنسان يسلم إلى رؤساء الكهنة والكتبة، فيحكمون عليه بالموت” (20: 18)، وأيضا: “ملكوت الله ينزع منكم ويعطي لأمة تعمل أثماره (21: 43). منتقدا تفسيرهم الحرفي لحفظ السبت (12: 1-13)، واهتمامهم بالمظهر الخارجي للعبادة (6: 2، 5، 16)، وانحرافهم وراء بعض التقاليد المناقضة للوصية (15: 3-9)، مؤكدا لالتزامهم بالوصايا الشريعية حتى تلك التي ينطق بها الكتبة والفريسيون مع نقده الشديد لريائهم (ص23) الخ.
  2. إن كان هذا الإنجيل قد حمل جوا يهوديا أكثر من غيره من الأناجيل لكنه لم يغفل القارئ الأممي، فيشرح له بعض الألفاظ المعروفة لدي اليهود كقوله: “عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا” (1: 23)، “موضع يقال له جلجثة، وهو المسمى موضع الجمجمة” (27: 33). وشرح بعض النواحي الجغرافية، كقوله: “وأتى وسكن في كفرناحوم التي عند البحر في تخوم زبولون ونفتاليم” (4: 13). وشرح المعتقدات التي يعرفها اليهودي مثل: “جاء إليه صديقيون، الذين يقولون ليس قيامة” (22: 23)، وأيضا عادات يهودية مثل “كان الوالي معتادا في العيد أن يطلق لهم أسيرا واحدا من أرادوه” (27: 15).
  3. مع اهتمام الإنجيلي بالشئون اليهودية ليس فقط بالالتجاء إلى نبوات العهد القديم، وإنما أيضا بالالتزام بالوصايا الناموسية (5: 8)، وتعاليم الكتبة والفريسيين الجالسين على كرسي موسى (23: 2)، بطريقة روحية عميقة وجديدة، أعلن السيد أنه مرسل لخراف إسرائيل الضالة (15: 24)، ويرجع نسبه إلى إبراهيم أب اليهود، وينقسم إلى ثلاثة أقسام تتكون من 14 جيلا عن كل قسم بطريقة حاخامية، وأنه ابن داود المنتظر الذي يدخل المدينة المقدسة كغالب. هذه جميعها تشير إلى تحقيقات أمنيات اليهود لكن الإنجيلي لم يقف عند هذا الحد؛ أيضا عند الخصوصيات اليهودية بل انطلق بفكرهم إلى الرسالة الإنجيلية الجامعية، معلنا ظهور إسرائيل الجديد الذي لا يقف عند الحدود الضيقة. فقد ورد في نسب السيد أمميات غريبات الجنس، وفي طفولته هرب إلى مصر كملجأ له، معلنا احتضان الأمم لملكوته (2: 13)، وفي لقاءاته مع بعض الأمميين والأمميات كان يمدحهم معلنا قوة إيمانهم، وفي نفس الوقت هاجم الكتبة والفريسيين في ريائهم وضيق أفقهم (23)، وفي مثل الكرم تحدث عن تسليم الكرم إلى كرامين آخرين (21: 33)، وكأنه انطلق بهم من الفهم الضيق المتعصب إلى الفهم الروحي الجديد وإعلان الرسالة العظيمة الممتدة إلى جميع الأمم، حيث ختم السفر بكلمات السيد الوداعية: “اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم” (28: 19).
  4. الجانب اللاهوتي

إنجيل متى هو “إنجيل الملكوت“، مركزه “ملكوت السماوات” الذي يعلن بوضوح في الأحاديث التعليمية للسيد المسيح كما في أمثاله ومعجزاته. هذا الملكوت هو ملكوت المستقبل (25: 34؛ 7: 21؛ 8: 11؛ 16: 28)، لكنه يبدأ من الآن في حياتنا كحقيقة حاضرة (12: 28؛ 4: 17؛ 5: 3؛ 11: 3). كأن ملكوت السماوات قد بدأ فعلا بمجيء السيد المسيح وسكناه في قلوبنا ليعلن بكماله في مجيئه الأخير.

أما رب الملكوت فهو “المسيا” المخلص الذي كشف الإنجيل عن سلطانه الملوكي، موضحا أنه فيه تم المكتوب، وتحققت المواعيد الإلهية، وتمتعت الشعوب بمشتهى الأمم! إنه موسى الجديد على مستوى فريد وفائق، يصوم أربعين يوما، ويجرب على الجبل ليغلب باسم شعبه وتخدمه الملائكة، يكمل الشريعة الموسوية لا بتسلم وصايا على حجر منقوش بل يتكلم بسلطان من عنده، يشبع الجموع التي في القفر، ويتجلى أمام تلاميذه مستدعيا موسى وإيليا ومتحدثا معهما! إنه ابن الله، لكنه هو أيضا ابن الإنسان، إذ حل في وسطنا ليدخل بنا إلى أمجاده. لهذا يدعوه “ابن الإنسان” في مواقف المجد الفائق.

  1. الجانب الكنسي

لما كان إنجيل متى البشير هو إنجيل الملكوت لهذا فهو أيضا إنجيل الكنيسة بكونها سر ملكوت الله. إنه الوحيد بين الإنجيليين يسجل لنا تعاليم خاصة بالكنيسة بطريقة صريحة وواضحة على لسان السيد المسيح، الذي نسب إليه استخدام كلمة “إككليسيا” مرتين في عبارتين غاية في الأهمية: فتحدث عن أساس الكنيسة: صخرة الإيمان، قائلا لبطرس الرسول حين أعلن إيمانه به، “على هذه الصخرة ابني كنيستي وأبواب الجحيم لن تقوى عليها” (مت16: 18). كما تحدث عن سلطان الكنيسة. “وإن لم يسمع منهم فقل للكنيسة، وإن لم يسمع من الكنيسة فليكن عندك كالوثني والعشار. الحق أقول لكم كل ما تربطونه على الأرض يكون مربوطا في السماء، وكل ما تحلونه على الأرض يكون محلولا في السماء” (18: 17-18).

هذا يكشف لنا عن اهتمام الإنجيلي متى بالأمور الكنسية. والملاحظ أنه يؤكد سر الكنيسة كحضرة الله وسط شعبه، وفي قلوبهم بطريقة وبأخرى عبر السفر كله، فيفتحه بحديث الملاك للقديس يوسف عن السيد المسيح: “ويدعون اسمه عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا(1: 23). وينقل إلينا حديث السيد مع تلاميذه مقدما لنا صورة مبسطة للكنيسة المحلية، بقوله: لأنه حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي فهناك أكون في وسطهم (18: 20).

كما أوضح السيد الكنيسة الخفية في قلب الشاهد للحق، خاصة خلال عمله الرسولي بقوله: “من يقبلكم يقبلني” (10: 40)، “من قبِل ولدا واحدا مثل هذا باسمي فقد قبلني” (18: 5). كما يظهر معيته مع شعبه المحتاج والمتألم بقوله في اليوم الأخير: “بما أنكم فعلتموه بأحد إخوتي الأصاغر فبي فعلتم” (25: 40). ويرى العلامة ترتليان أن الإنجيلي متى في عرضه لملاقاة السيد مع تلاميذه داخل السفينة وسط الرياح الثائرة صورة حية للكنيسة التي تستمد سلامها من السيد المسيح الساكن فيها والمتجلي داخلها بالرغم مما يثيره الشيطان من اضطرابات ومضايقات.

أخيرا فإن الإنجيلي يختم السفر بكلمات السيد لتلاميذه أن يتلمذوا جميع الأمم ويعمدوهم ويعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصاهم به (28: 19، 20) مؤكدا معيته معهم كل الأيام إلى انقضاء الدهر (28: 20)، وكأن الكنيسة ممتدة من حيث المكان لتشمل الأمم ومن حيث الزمان إلى مجيئه الأخير لتعيش معه وجها لوجه!

  1. الجانب الإسخاتولوجي (الأخروي)

إذ هو سفر الملكوت السماوي الذي ينطلق بمجيء المسيح الأول ليعد الكنيسة لملاقاته في مجيئه الأخير أكد الإنجيلي الفكر الإسخاتولوجي (الأخروي) بصورة واضحة خاصة في الاصحاحين (24، 25). ففي الأول تحدث عن علامات انقضاء الدهر، لا لمجرد المعرفة، وإنما بقصد الاستعداد بالسهر الدائم لمجيئه الأخير. وفي الأصحاح التالي قدم لنا أمثلة رائعة عن الملكوت السماوي وملاقاتنا مع السيد على السحاب.

  1. الأرقام

إذ يكتب الإنجيلي متى لليهود يهتم بالأرقام المحببة لهم خاصة أرقام 3، 5، 7. فمن جهة رقم 3 نجده يقسم نسب السيد المسيح إلى ثلاثة مراحل (1: 17)، والتجارب التي واجهها السيد ثلاثة (4: 1-11)، وأركان العبادة ثلاثة (6: 1-18)، ويقدم ثلاث تشبيهات للصلاة: السؤال والطلب والقرع (7: 7-8)، وفي التجلي أخذ السيد معه ثلاث تلاميذ (17: 1)، وأيضا في بستان جثسيماني (26: 37)، وهناك صلي ثلاث مرات (26: 39-44) وبطرس الرسول أنكر السيد ثلاث مرات (26: 75). وسنحاول الحديث عن معنى الأرقام أثناء عرضنا لتفسير الإنجيل.

  1. من أهم ملامح هذا السفر أنه يتكون من خمس مقالات كبرى يلحقها أو يسبقها بعض القصص، حتى رأى البعض أن السفر يمثل خمسة كتب جاءت مقابل أسفار موسى الخمسة بكون السيد المسيح هو موسى الجديد. أما المقالات الخمسة فهي:

أ. الموعظة على الجبل           ص 5 – 7.

ب. العمل الرسولي               ص 10.

ج. أمثال الملكوت               ص 13.

د. تعاليم متنوعة                 ص 18.

هـ. أحاديث إسخاتولوجية         ص 23 – 25.

محتويات السفر

إذ يتحدث السفر عن المسيح الملك، جاءت محتوياته هكذا:

  1. نسب الملك وميلاده ص 1-2

لقد أكد متى البشير خلال نسب السيد المسيح حسب الشريعة اليهودية، أنه ابن داود من سبط يهوذا آخِر ملك من السبط الملوكي، بمجيئه انتهت سجلات الأنساب، إذ تحقق هدفها ولا يمكن حاليا أن يعرف يهودي أنسابه حتى آدم كما كان في أيام السيد المسيح.

  1. السابق للملك ص 3

كانت العادة الشرقية أن يوجد للملك سابق يهيئ له الطريق. هكذا جاء يوحنا المعمدان الملاك الذي يهيئ الطريق للملك السماوي.

  1. اختبار الملك ص 4: 1-11

دخول السيد مع الشيطان في معركة على الجبل ليغلب، فيهب كل شعبه روح الغلبة والنصرة.

  1. إعلان الملك ص 4: 12-25

أعلن ملكه السماوي مقاما على الأرض.

  1. دستور الملك ص 5-7

“الموعظة على الجبل”، الدستور الذي يعيش على أساسه الشعب ليتهيأوا للحياة السماوية، ويتمتعوا بالملكوت.

  1. خدمة الملك ص 8-11: 9

إذ أعلن دستوره لشعبه مارس خدمته مع كل المحتاجين، مبتدئا هنا بتطهيره الأبرص ولمسه ليؤكد أنه جاء من أجل المرذولين والمنبوذين، وأن الأبرص لن ينجس السيد. ثم شفي خادم قائد المائة ليعلن أنه جاء بالأكثر من أجل الخدم والعبيد لا يحتقر إنسانا لسبب أو آخر.

  1. رفض الملك ص 11: 10 – ص 20

خاب أمل اليهود فيه إذ كانوا ينتظرون فيه ملكا بمفهوم زمني يسيطر ويملك ويقيم دولة صهيونية تحكم العالم. اختلفت خدمته عما في أذهانهم ليفتح الباب للأمم.

  1. دخول الملك ص 21-25

دخوله الرسمي إلى العاصمة ليملك على الصليب بعد كشفه عن المفهوم الإنجيلي للملكوت.

  1. موت الملك وقيامته ص 26-28

ملك الرب على خشبة، وقام لكي يقيم المؤمنين أعضاء في مملكته السماوية.

أقسام السفر

إذ يتحدث هذا السفر عن المسيا كرب الملكوت السماوي، يمكننا تقسيم السفر هكذا:

  1. نسب الملك وميلاده 1-2.
  2. رسول الملك 3.
  3. اختبار الملك 4: 1-11.
  4. إعلان ملكوته 4: 12-25.
  5. دستور الملك 5-7.
  6. خدمة الملك 8-11: 19.
  7. رفض الملك 1: 20- ص 20.
  8. دخوله العاصمة 21-25.
  9. موت الملك وقيامته 26-28.
 

[1] In Matt. hom. 1:2.

[2] In Matt. Hom. 1:1.

[3] In Ioan. tr. 35:8.                                                                                                                        

[4] Oscar Cullmann: The N. T., 1968, P. 27.

[5] W. Barclay: N. T. words, SCM 1967, p. 101-106.

[6] Ibid.

[7] In Matt. hom 1:4.

[8] Donald Guthrie: N. T. Introduction , 1975.

[9] Fr. Malaty: Tradition & Orthodoxy , 1979, p. 14-19.

[10] N.T. Introd. p. 16.

[11]Adv. Haer 3:11: 11, 3:11:8.

[12]Guthrie , p. 17. 

[13] In Matt. , Book 2.

[14]G. E. P. Cox: The Gospel according to St. Matthew, 1958, p. 21. 

[15] C. Unom 7. PG 45:744.

[16]In Jer. hom 2. 

[17] In Jer. hom 2.

[18] In illud, Vidi dom 2:2

[19]In illud, Salutate hom 1:1. 

[20] Jerome Bibl, Comm. , Ch 39.

[21]Originality of St. Matthew, Cambridge, 1951. 

[22] Euseb , H. E. 3:19:16.

[23] Adv. Haer. 51:6.

[24] J. Murray: Holy Bible with Comm. , vol 1, 1878, p XI

[25] Quasten: Patrology, vol 1, p. 106.

[26] M. R. James: The Apocryphal N. T. , Oxford 1924, XI, XIII.

[27]Strom. 2:9:45. 

[28] Eusebius:3:25.

[29] De Viris Illustribus, ch 2.

[30] Salmon. A Historical Intr. to the study of the Books of the N. T. , London 1899, P. 308-311.

[31] H. E. 3:25;6:12.

[32] Comm. Matt. 10:17.

[33] Cat 4:36.

[34] Ch 2.

[35] Apology 1:35, 48.

[36] Apologeticum 5

[37] Adv. Haer. 26:13.

[38] Ibid 30: 13 – 16, 22.

[39] Contra Adversarios Legis et Prophetarum 1:20.

[40] Euseb. H. E. 6:25.

[41] Catech. 8.

[42] Adv. Haer. 30:3.

[43] New Bible dictionary.

[44] The Origins of the Gospel according to St. Matthew, 1946, p. 72 ff.

[45] Guthrie, p. 27.

[46] E .Massux :Infulence de L’ Evangile St. Matthieu sur la litterature  Chretienne avant St.Irenee, 1950..

 

تفسير انجيل متى – المقدمة – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير انجيل متى 1 – الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير انجيل متى 1 – الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير انجيل متى 1 – الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير انجيل متى 1 – الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

الأصحاح الأول

نسب الملك وميلاده

إذ يكتب القدّيس متّى الإنجيلي لليهود عن شخص ربّنا يسوع المسيح بكونه المسيّا الملك الذي طالما ترقبه الآباء والأنبياء ليقدّم لنا الخلاص الحقيقي، أعلن عن نسبه وميلاده:

  1. نسب المسيح 1.
  2. شجرة الأنساب 2-16.
  3. عدد الأجيال 17.
  4. مريم المخطوبة 18.
  5. حلم يوسف 19-24.
  6. ميلاد المسيح المبكّر 25.
  7. نسب المسيح

ربّما يتساءل البعض: لماذا يهتمّ الكتاب المقدّس بنسب السيّد المسيح، فيذكره الإنجيلي متّى في الافتتاحيّة، والإنجيلي لوقا بعد عماد السيّد (لو 3)؟

أولاً: نحن نعلم أن الغنوسيّة وإن كان قد ظهر كبار رجالها في القرن الثاني الميلادي لكن جذورها بدأت في وقت مبكر جدًا، فقد أنكرت حقيقة التأنُس، مدّعية أن السيّد المسيح قد ظهر كخيالٍ أو وهم، إذ يكرهون الجسد ويعادونه كعنصر ظلمة. ذكر الأنساب هو تأكيد لحقيقة التجسّد الإلهي، فيؤكّد الوحي الإلهي أن ذاك الذي هو فوق الأنساب قد صار حسب الجسد له نسب. يقول القدّيس ساويرس الأنطاكي: [لكي نعرف الذي لا يُحصى في الأنساب، إذ مكتوب عنه: من يعرف جيله؟‍‍‍! (إش 53: 8)، وبالأكثر هذا الذي كان قبل الدهور مساويًا في الأزليّة للآب ذاته، هو نفسه الذي حُسب في الأنساب حسب الجسد، لأنه إذ هو إله في الحقيقة، صار هو ذاته في آخر الأزمة إنسانًا بدون تغيير، وقد أظهره متّى مشتركًا في طبيعتنا حتى لا يقول أحد أنه ظهر كخيالٍ أو وهمِ[1].]

ثانيًا: أراد القدّيس متّى تأكيد أن يسوع هو المسيّا الملك المنتظر، لهذا يفتح سلسلة الأنساب بقوله: “كتاب ميلاد يسوع المسيح ابن داود ابن إبراهيم” [1]. يقول القدّيس جيروم: [لقد ترك متّى كل الأسماء ليذكر داود وإبراهيم، لأن الله وعدهما وحدهما (بصراحة) بالمسيح، إذ قال لإبراهيم: “ويتبارك في نسلك جميع أمم الأرض” (تك22: 18)، ولداود “من ثمرة بطنك أجعل على كرسيك” (مز 132: 11)[2].] لقد ركّز على داود الملك وإبراهيم أب الآباء ليُعلن أنه الملك الموعود به، ابن داود. إنه الملك المختفي وراء طبيعتنا البشريّة والمتخلّي عن كمال مجده وبهائه، حتى يعطي للشيطان فرصة الدخول معه في معركة كسائر البشر، فيغلب السيّد لحسابنا. هذا من جانب، ومن الجانب الآخر فإن اختفاءه يهبنا الفرصة لقبولنا إيّاه فلا نهاب بهاءه ونهرب من جلال عظمته، بل نقبل اللقاء معه والاتّحاد به والثبوت فيه. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [لا يظهر الملك على الدوام بالمظهر الخاص به، إنّما يُلقي الأرجوان جانبًا ومعه التاج متنكرًا في زيّ جندي عادي حتى لا يركّز العدوّ هجماته عليه، أمّا هنا فحدث العكس، فقد فعل (الرب) ذلك حتى لا يعرفه العدوّ ويهرب من الدخول معه في معركة، ولكي لا يرتبك شعبه (أمام بهائه)، إذ جاء ليخلّص لا ليرعب[3].]

جاء الملك الحقيقي متأنّسًا كابن لداود الملك مع أن الأخير في حقيقته عبد، لقد رضي أن يكون العبد أبًا له، حتى نقبل نحن العبيد الإله أبًا لنا، وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [سمح لنفسه أن يُدعى ابن داود ليجعلك ابن الله! سمح لعبد أن يصير له أبًا، حتى يكون لك أيها العبد الرب أبًا لك!… وُلد حسب الجسد لتُولد أنت حسب الروح! وُلد من امرأة لكي تكف عن أن تكون ابنًا لامرأة[4].]

ثالثًا: أراد بهذا النسب تأكيد أنه من نسل إبراهيم، أب جميع المؤمنين، الذي نال المواعيد إنه بنسله تتبارك جميع أمم الأرض. كأنه قد جاء كسّر بركة لجميع الأمم، مقدّمًا أبوة فائقة لا تقف عند علاقة الجسد والدم كما حصرها اليهود في علاقتهم بإبراهيم، إنّما قدّم الأبوة السماويّة لكل مؤمن من كل أمة!

  1. شجرة الأنساب

قدّم لنا معلّمنا متّى نسب الملك قبل عرضه أحداث الميلاد، بينما قدّمه معلّمنا لوقا بعد عرضه للعماد المقدّس (لو 3)، وقد اهتم كثير من الآباء بشرح هذا النسب في شيء من الإطالة، لكنّني أجد نفسي ملتزمًا بعرض مبسّط له، ألخصه في النقاط التالية:

أولاً: جاء النسب هنا في ترتيب تنازلي يبدأ بإبراهيم وينتهي بيوسف رجل مريم الذي وُلد منها يسوع الذي يُدعى المسيح، أمّا في إنجيل معلّمنا لوقا فجاء النسب في ترتيب تصاعدي من يسوع الذي على ما كان يظن ابن يوسف (لو 3: 23) إلى آدم ابن الله. يتحدّث الأول قبل أحداث الميلاد ليُعلن أن كلمة الله المتجسّد هذا وإن كان بلا خطيّة وحدث لكنّه جاء من نسل خاطئ ليحمل عنّا الخطايا التي ورثناها أبًا عن جد، لذا جاء الترتيب تنازليًا… كأن الخطايا تنحدر من جيل إلى جيل ليحملها السيّد على كتفيه. أمّا الإنجيل الآخر فيلتزم بالترتيب التصاعدي إذ يأتي بعد المعموديّة معلنًا عطيّة الرب خلالها، يرفعنا حتى يردنا إلى حالتنا الأولى “آدم ابن الله” (لو3: 38). فالإنجيلي متّى يُعلن المسيّا حامل خطايانا، والإنجيلي لوقا يُعلن تمتّعنا بالبنوّة لله فيه[5].

ثانيًا: اختلاف النسب في القائمتين مرجعه أن متّى وهو يُعلن عن السيّد المسيح كحامل لخطايانا يذكر النسب الطبيعي، حسب اللحم والدم، أمّا لوقا إذ يُعلن عن بنوتنا لله في المسيح يسوع يذكر النسب الشرّعي حيث يمكن لإنسان أن يُنتسب لأب لم يُولد منه جسديًا. نذكر على سبيل المثال كان القدّيس يوسف ابنًا ليعقوب جسديًا، لكنّه ابن هالي شرعًا، لأن هالي مات دون أن ينجب ابنا، فتزوّج يعقوب امرأته لينجب له نسلاً فلا يُمحى اسمه من إسرائيل (تث 25: 5-6؛ مت 22: 24). وكأن القدّيس يوسف خطيب القدّيسة مريم هو ابن لداود الملك حسب القائمتين: سواء النسب الطبيعي أو الشرّعي، بالرغم من اختلافهما.

ثالثًا: إذ كان متّى البشير يتحدّث إلى اليهود ليؤكّد أن يسوع هو المسيّا المنتظر، بدأ النسب بإبراهيم المختار، أمّا لوقا إذ يكتب للأمم انتهى النسب بآدم ابن الله، ليضم البشريّة كلها للبنوة لله.

رابعًا: جاء النسب خاصًا بالقدّيس يوسف لا القدّيسة مريم، مع أن السيّد المسيح ليس من زرعه، ذلك لأن الشريعة الموسويّة تنسب الشخص للأب وليس للأم كسائر المجتمعات الأبوية. فإن كان يوسف ليس أبًا له خلال الدم لكنّه تمتّع ببركة الأبوة خلال التبنّي. لذلك نجد القدّيسة مريم نفسها التى أدركت سرّ ميلاده العجيب تقول للسيد: لماذا فعلت بنا هكذا؟ هوذا أبوك وأنا كنّا نطلبك معذّبين” (لو 2: 48). فإن كانت الشريعة تقيم للميّت ابنا (تث 25: 5) متى أنجبت امرأته من الوَلي، فبالأولى ينسب السيّد المسيح كابن ليوسف وهو ليس من زرعه، وقد أعطاه الملاك حقوق الأبوّة كتلقيبه، إذ يقول له: “فستلد ابنا وتدعو اسمه يسوع”.

خامسًا: لم يذكر النسب أسماء نساء عظيمات يفتخر بهنّ اليهود كسارة ورفقة وراحيل، إنّما ذكر ثامار التي ارتدَت ثياب زانية (تك 38)، وراحاب الكنعانيّة الزانية (يش 2: 1) وبَتْشبْع التي يلقّبها “التي لأوريّا” مُظهرًا خطيّتها مع داود الملك. وكما يقول القدّيس ساويرس الأنطاكي: [ليكشف أن طبيعتنا التي أخطأت وسقطت، ودارت وتعثّرت في الشهوات غير اللائقة، هي التي جاء المسيح لعلاجها، حتى أنها عندما هربت ضُبطت، وعندما اندفعت وفي ثورتها أسرعت في الابتعاد أمسكها وأوقفها، وأتى بها وقادها إلى الطريق”، “المسيح إذن وضع على ذاته نسب هذه الطبيعة التي تنجّست لكي يطهّرها؛ هذه التي مرضت لكي يشفيها؛ هذه التي سقطت لكي يقيمها، وكان ذلك بطريقة فيها تنازل ومحبّة للبشر[6].] ويقول القدّيس جيروم: [لم يذكر في ميلاد المسيح ونسبه اسم قدّيسة، بل ذكر من شَجَبهنّ الكتاب، وهو يريد القول بأن من جاء من أجل الخطاة وُلد من خاطئات ليمحو خطايا الجميع[7].]

لقد بشر الإنجيلي بنسب الملك في حرّية دون أن يخفي ما يبدو مخزيًا، كاسرًا تشامخ اليهود الذي يكرّرون القول أنهم نسل إبراهيم؛ جاء كطبيب يعالج ضعفنا لا كديّان!

سادسًا: ذكر معلّمنا متّى في النسب بعض النساء الأمميّات مثل راعوث الموآبيّة وراحاب الكنعانيّة، ليُعلن أنه جاء من أجل البشريّة كلها ليخصّ الأمم كما اليهود. ويرى القدّيس يوحنا الذهبي الفم في راعوث رمزًا لكنيسة الأمم التي تركت بيت أبيها والتصقت بكنيسة الله وقبلت العضويّة فيها، إذ يقول: [أنظر كمثال ماذا حدث لراعوث، كيف أنها تحمل شبهًا للأمور الخاصة بنا. لقد كانت غريبة الجنس، انحطت إلى الفقر المدقع، ومع هذا لما رآها بوعز لم يحتقر فقرها، ولا اشمأز من مولدها الدنيء هكذا إذ يتقبّل المسيح الكنيسة بكونها غريبة وفي فقر شديد، يأخذها كشريكة في البركات العظيمة، لكن يجب أن تكون كراعوث، فإن لم تترك أولاً أباها وترفض بيتها وجنسها ومدينتها وأقرباءها لن تحصل على هذا الزواج. هكذا إذ تترك الكنيسة أيضًا العادات التي تقبلها الناس عن آبائهم عندئذ – وليس قبل ذلك – تصير محبوبة لدى عريسها. في هذا يحدّثها النبي قائلاً: اِنسي شعبك وبيت أبيك، لأن الملك اشتهى حسنك” (مز 45: 10-11). هذا ما فعلته راعوث فصارت أمّا للملوك كما يحدّث مع الكنيسة[8]“.

سابعًا: من بين أسلاف المسيح أشخاص لهم إخوة، ويلاحظ أن السيّد جاء بصفة عامة منحدرًا، لا من الأبناء البكر، بل ممن هم ليسوا أبكارًا حسب الجسد، مثل إبراهيم ويعقوب ويهوذا وداود ويوناثان. لقد جاء السيّد ليُعلن أن البكوريّة لا تقوم على الولادة الجسديّة، وإنما على استحقاق الروح. لقد جاء السيّد (آدم الثاني) بكر البشريّة كلها، فيه يصير المؤمنون أبكارًا، وتُحسب كنيسته كنيسة أبكار[9].

ثامنًا: ذكر معلّمنا متّى في نسب السيّد فارص دون زارح، لأن فارص يمثّل كنيسة الأمم التي صارت بكرًا باتّحادها بالسيّد المسيح البكر، بينما زارح يمثّل اليهود الذين فقدوا البكوريّة برفضهم الاتّحاد مع البكر. لقد أخرج زارح يده أولاً بكونه الابن البكر، لكنّه لم يولد أولاً، بل تقدّمه فارص، فاحتل مركزه، ونعِمَ بالبكوريّة. هكذا ظهر اليهود أولاً كبكر للبشريّة، لكنهم حُرموا من البكوريّة، وتمتّع بها الأمم عوضًا عنهم.

تاسعًا: ذكر سبي بابل ليؤكّد أنه بالرغم من تأديبات الشعب بالسبي زمانًا طويلاً لكنّه حافظ على أنسابه، ليتحقّق الوعد الإلهي بمجيء المخلّص. يُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على ذكر السبي دون الإشارة إلى التغرّب في مصر، قائلاً: [لأنهم لم يعودوا بعد يخافون المصريّين، وإنما كانوا لا يزالون يخافون البابليّين. الأول (النزول إلى مصر) أمر قديم، أمّا الثاني فكان لا يزال جديدًا، حدث مؤخّرًا. الأول لم يحدث بسبب خطايا ارتكبوها، أمّا الآخر فبسبب معاصيهم[10].]

  1. عدد الأجيال

يقسّم الإنجيلي الأجيال من إبراهيم إلى مجيء السيّد إلى ثلاث حقبات، كل حقبة تضم 14 جيلاً:

أ. من إبراهيم إلى داود، تنتهي الحقبة بالمجد الملوكي مُعلنًا في داود.

ب. من داود إلى سبي بابل، تنتهي بالعار في السبي.

ج. من السبي إلى السيّد المسيح، تنتهي بتحقيق الخلاص، ونزع العار حيث يملك المسيّا. في دراستنا لسفر الخروج (ص 33) لاحظ العلاّمة أوريجينوس أن عدد المحطات التي توقّف عندها الشعب قديمًا من رعمسيس إلى الجانب الشرقي لنهر الأردن 42 محطة، تمثّل الأجيال التي ذكرها متّى البشير (3 حقبات ×14 جيلاً = 42)، وكأن الرحلة تمثّل عبور البشريّة كلها في برّيّة هذا العالم، لتنطلق من أرض العبوديّة وأسر فرعون الحقيقي، أي إبليس، والدخول إلى أرض الموعد حيث ننعم بمجد أولاد الله. مجيء السيّد من امرأة يقدّم لكل مؤمن إمكانيّة هذا العبور ليدخل به بالروح القدس إلى حضن الآب السماوي.

وقد لاحظ القدّيس أغسطينوس[11] في هذا النسب أن يكنيا قد تكرّر مرّتين في نهاية الحقبة الثانية، وبدْء الحقبة الثالثة [11-12]، فقد عاصر يكنيا السبي البابلي بعد أن عُين ملكًا عوضًا عن أبيه. لم يذكر الكتاب المقدّس شيئًا عن خطاياه، وإنما ذكر خطايا الشعب والرؤساء. لقد نُزع عنه الملك، وأُقتيد إلى السبي من أجل خطايا الشعب. وكأن يكنيا يمثّل السيّد المسيح الذي يُحصى مرّتين، جاء لليهود ليخلّصهم، وإذ رفضوه عبر إلى الأمم (بابل) ليخلّصهم. إنه حجر الزاوية المرفوض (مز 118: 22) ربط حائط الأمم بحائط اليهود، ليُقيم كنيسة واحدة للجميع.

يرى[12] G. G. Box أن الإنجيلي متّى قسّم الأجيال إلى ثلاثة مجموعات، كل مجموعة تقوم على أساس الرقم الفلكي لاسم داود الذي في مجموع حروفه بالعبريّة “14”، وكأن القدّيس أراد تأكيد نسب السيّد المسيح لداود الملك ثلاث مرّات، أو كأن السيّد هو الملك لكل الحقبات الزمنيّة.

  1. مريم المخطوبة

“وأما ولادة يسوع المسيح فكانت هكذا:

لما كانت مريم أمه مخطوبة ليوسف قبل أن يجتمعا

وُجدت حبلى من الروح القدس” [18].

أكدّ الكتاب المقدّس أن الحبل به في أحشاء القدّيسة مريم تحقّق بالروح القدس، الذي هيّأها وقدّسها ليحل كلمة الله فيها، ابن الله الوحيد. إنه ليس من زرع بشر، إذ تحقّق الحبَل وهي مخطوبة للقدّيس يوسف. وكانت الخطبة ليوسف البار أمرًا ضروريًا، لأسباب كثيرة منها ما ذكره القدّيس جيروم[13]:

أولاً: لكي يُنسب للقدّيس يوسف قريب القدّيسة مريم، فيظهر أنه المسيّا الموعود به من نسل داود من سبط يهوذا.

ثانيًا: لكي لا تُرجم القدّيسة مريم طبقًا للشريعة الموسويّة كزانية، فقد سلّمها الرب للقدّيس البار الذي عرف برّ خطيبته، وأكّد له الملاك سرّ حبلها بالمسيّا المخلّص.

ثالثًا: لكي تجد القدّيسة معها من يعزّيها، خاصة أثناء هروبها إلى أرض مصر.

أما لماذا وُلد السيّد من امرأة أو عذراء؟ فيجيب القدّيس أغسطينوس، قائلاً:

  • لو تجنّب الميلاد منها، لظننا كما لو كان الميلاد منها ينجِّسه، مادام جوهره لا يتدنّس فلا خوف من الميلاد من امرأة.
  • بمجيئه رجلاً دون ولادته من امرأة، يجعل النساء ييأسْنَ من أنفسهن متذكّرات الخطيّة الأولى… وكأنه يخاطب البشريّة، قائلاً: ينبغي أن تعلموا أنه ليس في خليقة الله شرًا، إنّما الشهوة المنحلّة هي التي أفسدت الخليقة. انظروا، لقد وُلدت رجلاً، ووُلدت من امرأة، فأنا لا احتقر خليقتي، بل ازدري بالخطيّة التي لم أجبلها… لنفس السبب نجد النساء هن أول من بشرن بالقيامة للرسل. ففي الفردوس أعلنت المرأة عن الموت لرجلها، وفي الكنيسة أعلنت النساء الخلاص للرجال[14].

القدّيس أغسطينوس

يُعلّق هلفيديوس في أواخر القرن الرابع على قول الإنجيلي: “قبل أن يجتمعا وُجدت حبلى”، بأن في هذا دليل ضمني على اجتماعهما بعد ولادة السيد، ناكرًا بتوليّة القدّيسة مريم، وقد سبق لي معالجة هذا الأمر في شيء من التوسّع، لذا أكتفي ببعض عبارات للقدّيس جيروم في الرد عليه: [لو أن انسانًا قال: قبل الغذاء في الميناء أبحرت إلى أفريقيا”، فهل كلماته هذه لا تكون صحيحة إلا إذا أرغم على الغذاء بعد رحيله! وإن قلت أن “بولس الرسول قُيّد في روما قبل أن يذهب إلى أسبانيا”، أو قلت “أدرك الموت هلفيديوس قبل أن يتوب” فهل يلزم أن يحلّ بولس من الأسر ويمضي مباشرة إلى أسبانيا، أو هل ينبغي لهلفيديوس أن يتوب بعد موته؟… فعندما يقول الإنجيلي “قبل أن يجتمعا” يُشير إلى الوقت الذي سبق الزواج مظهرًا أن الأمور قد تحقّقت بسرعة حيث كانت هذه المخطوبة على وشك أن تصير زوجة… وقبل حدوث ذلك وُجدت حُبلى من الروح القدس… لكن لا يتبع هذا أن يجتمع بمريم بعد الولادة[15].]

  1. حلم يوسف

“فيوسف رجلها إذ كان بارًا ولم يشأ أن يشهرها،

أراد تخليتها سرًا” [19].

كانت علامات الحمل قد بدأت تظهر على القدّيسة مريم، الأمر الذي كان كافيًا لإثارة الغضب، بل وتعطيه الشريعة حق تقديمها للكهنة لمعاقبتها بالرجم، لكنّه إذ كان بارًا، وقد لمس في القدّيسة عفّتها وطهارتها ارتبك للغاية. في حنو ولطف لم يفتح الأمر مع أحد حتى مع القدّيسة نفسها، ولا فكّر في طردها وإنما “أراد تخليتها سرًا” أيضًا تطليقها. فنحن نعرف أن الخطبة في الطقس اليهودي تعطي ذات الحقوق والالتزامات الخاصة بالزواج فيما عدا العلاقة الزوجيّة الجسديّة. هذا هو السبب لدعوة الملاك إيّاها “امرأتك” [20]، الأمر الذي سبق لنا دراسته[16].

يُعلّق القدّيس يعقوب السروجي على هذا التصرّف النبيل من جانب القدّيس يوسف، قائلاً:

[نظر الشيخ إلى بطنها، تلك المخطوبة له، وتعجّب الصِدّيق!

رأى صبيّة خجولة عاقلة، فبقى داهشًا في عقله!

شكلها متواضع، وبطنها مملوءة، فتحيّر ماذا يصنع؟!

منظرها طاهر، ورؤيتها هادئة، والذي في بطنها يتحرّك!

طاهرة بجسدها، وحبلها ظاهر، فتعجّب من عفّتها والمجد الذي لها، وبسبب حبلها كان غاضبًا…

كان البار حزين القلب على حبل العذراء النقيّة، وأراد أن يسألها فاستحى… وفكّر أن يطلّقها سرًا[17].]

ربّما يتساءل البعض، وهل من ضرورة لتخليتها سرًا؟ يجيب القدّيس جيروم بأن العلامات كانت واضحة، فإن لم يتخلَ عنها يُحسب مذنبًا حسب الشريعة، فإنه ليس فقط من يرتكب الخطيّة يتحمّل وزرها، وإنما من يشاهدها ولا يتخذ موقفًا منها[18].

“ولكن فيما هو متفكر في هذه الأمور،

إذا ملاك الرب قد ظهر له في حلم، قائلاً:

يا يوسف ابن داود، لا تخف أن تأخذ مريم امرأتك،

لأن الذي حبل به فيها هو من الروح القدس” [20].

إذ رأى الله ارتباك هذا البار مع سلوكه بحكمة ووقار أراد أن يطمئنه، فأظهر له ملاكًا في حلم يكشف له عن سرّ الحبل. إنه لم يقدّم له رؤيا في يقظته، [إذ كان متزايدًا جدًا في الإيمان وليس في حاجة إلى الرؤية [19]]، كقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم.

يُعلّق القدّيس جيروم على دعوة الملاك للقدّيسة مريم أنها امرأة يوسف، قائلاً: [نحن نعرف أنه من عادة الكتاب المقدّس أن يعطي هذا اللقب للمخطوبات. هذا ما يؤكّده المثل التالي من سفر التثنية: “إذ كانت فتاة عذراء مخطوبة لرجل فوجدها رجل في المدينة واضطجع معها، فاخرجوهما كليهما إلى باب تلك المدينة ورجموهما حتى يموتا؛ الفتاة من أجل أنها لم تصرخ في المدينة، والرجل من أجل أنه أذل امرأة صاحبه، فتنزع الشرّ من وسطك[20]” (تث 22: 23-24) راجع (تث 20: 7)] كما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [هنا يدعو الخطيبة زوجة، كما تعوّد الكتاب أن يدعو المخطوبين أزواجًا قبل الزواج. وماذا تعني “تأخذ“؟ أي تحفظها في بيتك، لأنه بالنيّة قد اخرجها. احفظ هذه التي اخرجتها، كما قد عُهد بها إليك من قبل الله، وليس من قبل والديها[21].]

“فستلد ابنًا وتدعو اسمه يسوع،

لأنه يخلّص شعبه من خطاياهم.

وهذا كلّه كان لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل:

هوذا العذراء تحبل وتلد ابنا وتدعون اسمه عمانوئيل

الذي تفسيره الله معنا” [21-23].

لقد أعطى الملاك ليوسف البار هذه الكرامة أن يمارس الأبوة مع أن السيّد المسيح ليس من زرعه، فأعطاه حق تسُمّيته، وإن كان الاسم ليس من عنديّاته بل بإعلان إلهي. إنه “يسوع” التي تعني في العبريّة “يهوه يخلّص”، وكما يقول الملاك ” لأنه يخلّص شعبه من خطاياهم”. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [شعبه ليس هم اليهود وحدهم، وإنما يشمل كل من يقتربون إليه، ويتقبّلون المعرفة الصادرة عنه[22].]

أما كلمة “عذراء” ففي العبريّة “آلما Olmah”، هي تخص فتاة عذراء يمكن أن تكون مخطوبة لكن غير متزوجة، وجاءت مطابقة على القدّيسة مريم تمامًا[23]“.

  1. ميلاد المسيح المبكّر

“لم يعرفها حتى ولدت ابنها البكر،

ودعا اسمه يسوع” [25].

اعتمد هلفيديوس في إنكاره دوام بتوليّة القدّيسة مريم على هذه العبارة، قائلاً بأن كلمة “حتى” تعني أنه عرفها بعد الميلاد، وأن عبارة “ابنها البكر” تُشير إلى وجود أبناء آخرين ليسوا أبكارًا.  يجيب القدّيس جيروم بأن كلمة “يعرفها” لا تعني حتمًا المعاشرة الزوجيّة، وإن كان يمكن أن تعني هذا، وكأن القدّيس يوسف لم يعرف القدّيسة مريم فيما نالته من نعم عظيمة حتى ولدت يسوع المسيح. أما كلمة “حتى” فلا تعني أن معرفته لها – بالجانب الجسدي – تحقّق بعد الولادة، وقد أعطى القدّيس جيروم أمثله لذلك. عندما يقول الرسول: “لأنه يجب أن يملك حتى يضع جميع الأعداء تحت قدميه” (1 كو 15: 25)؛ هل سيملك الرب حتى يصير أعداؤه تحت قدميه وعندئذ يتوقّف ملكه؟ أيضًا يقول المرتّل: “أعيننا إليك يا الله حتى يتراءف علينا” (مز 123: 2)، فهل يتطلّع النبي نحو الله حتى ينال الرأفة وعندئذ يحول عينيّه عنه إلى الأرض؟! يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [استخدم هنا كلمة “حتى” لا لكي تشك وتظن أنه عرفها بعد ذلك، إنّما ليخبرك أن العذراء كانت هكذا قبل الميلاد لم يمسها رجل قط. ربّما يقال: لماذا استخدم كلمة “حتى“؟ لأنه اعتاد الكتاب أن يستعمل هذا التعبير دون الإشارة إلى أزمنة محدّدة. فبالنسبة للفَلك قيل إن الغراب لم يرجع حتى جفت الأرض (تك 8: 7) مع أنه لم يرجع قط[24].]

أما من جهة تعبير: “البكر” فلا يعني أن السيّد المسيح له إخوة أصغر منه من مريم وأنه هو بكرها. فإن كل فاتح رحم يُحسب بكرًا حتى ولو لم يكن بعده إخوة أصغر منه. يقول القدّيس جيروم في ردّه على هلفيديوس: [كل ابن وحيد هو بكر، ولكن ليس كل بكر هو ابن وحيد. فإن تعبير “بكر” لا يُشير إلى شخص له إخوة أصغر منه، وإنما يُشير إلى من يسبقه أخ أكبر منه يقول الرب لهرون: “كل فاتح رحم من كل جسد يقدّمونه إلى الرب: من الناس والبهائم يكون لك. ولكن بكر الإنسان ينبغي لك أن تقبل فداءه. وبكر البهائم النجسة تقبل فداءه” (عد 18: 15). قول الرب هنا يّعرف البكر على كل فاتح رحم[25].] لو كان يلزم أن يكون له اخوة أصاغر لكان ينبغي ألا يقدّم البكر من الحيوانات الطاهرة للكهنة إلا بعد ولادة أصاغر بعده، وما كانت تدفع فدية الإنسان والحيوان النجس إلا بعد التأكّد من إنجاب اخوة أصاغر.

[1] ميمر الميلاد للقدّيس ساويرس الإنطاكي.

[2] In Matt. 1:2.

[3] In Matt. Hom 2:4.

[4] Ibid 2:3.   

[5] St. Augustine: Sermons on N. T. hom 1.  

[6] ميمر الميلاد للقدّيس ساويرس الإنطاكي.

[7] In Matt. 1:3.    

[8] In Matt. Hom. 3:5.

[9] In Matt. Hom 4:3.

[10] In Matt. Hom 4:3.

[11] Sermons on N. T. , hom 1.

[12] Zeritschrift fur die neutestamentiche Wissenschaft, 6, 1905, p. 85.

  دوام بتوليّة القدّيسة مريم، 4

 

[14] Sermons on N. T., hom 1.

[15] دوام بتوليّة القدّيسة مريم.

[16] المؤلف: القدّيسة مريم في المفهوم الأرثوذكسي.

[17] دير السرّيان: مخطوط 208، تأمّلات في الميلاد، يناير 1958م، ص11.

[18] In Matt. 1.

[19] In Matt. hom 4:10.

[20] دوام بتوليّة القدّيسة مريم 4.

[21] In Matt. hom 4:10.

[22] In Matt. Hom., 4:14.

[23] المؤلف: القدّيسة مريم في المفهوم الأرثوذكسي.

[24] In Matt. hom. 5:5.

[25] دوام بتوليّة القدّيسة مريم، 14.

تفسير انجيل متى 1 – الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير انجيل متى 2 – الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير انجيل متى 2 – الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير انجيل متى 2 – الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير انجيل متى 2 – الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

الأصحاح الثاني

سجود الملوك للملك

إذ وُلد المسيّا الملك جاء المجوس يمثّلون كنيسة الأمم المنجذبة لعريسها الملك، تقبل حبّه وتتعبّد له، تقدّم له حياتها تقدمة حب مقابل ذبيحة حبّه اللانهائي:

  1. مجيء المجوس 1-6.
  2. ثورة هيرودس 7-8.
  3. سجود المجوس 9-11.
  4. انصراف المجوس 12.
  5. الهروب إلى مصر 13-15.
  6. قتل أطفال بيت لحم 16-18.
  7. العودة إلى الناصرة 19-23.
  8. مجيء المجوس

حقًا إن مجيء كلمة الله متجسّدًا قد شغل ذهن الله قبل خلقتنا، وقد هيأ له وسط شعبه بالآباء والأنبياء والناموس، بطرق متنوّعة، ومع هذا إذ تحقّق الأمر تجاهله الشعب تمامًا اللهمّ إلا القليل النادر. لهذا قدّم الله توبيخًا خلال الغرباء، فجاء إليه المجوس كباكورة كنيسة الأمم. جاءوا إلى بلدٍ غريبٍ ليسجدوا لطفل بسيط في مزود، وليس مولود قصر ملكي، لكن يقود موكبهم نجم سماوي، يُعلن عن وجود سرّ خفي فيه.

والمجوس هم كهنة وفي نفس الوقت ملوك كلدانيون أو فارسيون يقضون جل وقتهم في دراسة الظواهر الفلكية والتكهن بالحوادث المقبلة.

غالبًا ما جاء المجوس في موكب عظيم يتقدّمهم ثلاثة من كبارهم يحملون الهدايا للملك العجيب، هؤلاء يمثّلون كل أجناس البشريّة المتسلسلة عن أولاد نوح الثلاثة: سام وحام ويافث. وكأنهم بكور الشعوب الأممية جاءوا يلتفون مع بسطاء اليهود – الرعاة – في السجود للمسيّا، فيضمهم معًا كنيسة واحدة له. يقول القدّيس أغسطينوس: [من هم هؤلاء المجوس إلا بكور الأمم؟ لقد كان الرعاة إسرائيليّين والمجوس أمميّين. كان الأوّلون ملاصقين له، والآخرون جاءوا إ ليه من بعيد. لقد أسرع الكل إلى حجر الزاوية[1]“.]

وما هو هذا النجم؟ يرى القدّيس يوحنا الذهبي الفم أنه لم يكن نجمًا حقيقيًا كسائر النجوم، إنّما هو ملاك ظهر في شكل نجم أرسله الله لهداية المجوس العاملين في الفلك، ويعلّل ذلك بالآتي:

أولاً: أن مسار النجم الذي ظهر مختلف عن مسار حركة النجوم الطبيعيّة.

ثانيًا: كان النجم ساطعًا في الظهيرة والشمس مشرقة، وليس كبقيّة النجوم تسطع ليلاً.

ثالثًا: كان يظهر أحيانًا ويختفي أحيانًا أخرى.

رابعًا: كان منخفضًا، قادهم إلى حيث المزود تمامًا.

ويرى العلاّمة أوريجينوس أنه نجم حقيقي لكنّه من نوع فريد، إذ يقول: [إننا نعتقد أن الذي ظهر في المشرق كان نجمًا جديدًا، ليس كالنجوم العاديّة… لكنّه يُحسب في عداد المذنبات التي تشاهد في أحيان كثيرة، أو النيازك، أو النجوم الملتحمية أو النجوم التي على شكل الجرار، أو أي اسم ممّا يصف به اليونانيّون أشكالها المختلفة[2].]

لماذا استخدم النجم؟

أولاً: استخدم الله كل وسيلة للحديث مع شعبه موضّحًا لهم أسرار التجسّد الإلهي وأعماله الخلاصيّة، لكن إذا أظلمت عيون قلوبهم بظلمة الشرّ وتقسّى قلبهم، بعث إليهم غرباء الجنس كعطشى للحق يوبّخونهم. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [لتوبيخ اليهود على قسوتهم، ولينزع عنهم كل عذر يحتجّون به على جهلهم الإرادي[3].] ويقول القدّيس جيروم: [لكي يعرف اليهود بنبأ ميلاد المسيح من الوثنيّين حسب نبوّة بلعام أحد جدودهم، بأن نجمه يظهر من المشرق. وإذ أرشد النجم المجوس حتى اليهوديّة وتساءل المجوس عنه، لم يبقَ لكهنة اليهود عذر من جهة مجيئه[4].] حقًا في كل عصر إذ يتقسّى قلب المؤمنين أبناء الملكوت يحدّثهم الرب أحيانًا خلال الملحدين والأشرار الذي يقبلون الإيمان في غيرة متّقدة توبّخهم.

ثانيًا: الله الذي يحب البشريّة كلها يُعلن ذاته للجميع، محدثًا كل واحدٍ بلغته. فقد تحدّث مع اليهود بالناموس والنبوّات، واستخدم الفلسفات اليونانيّة بالرغم ممّا ضمّته من أضاليل كثيرة كطريق خلاله قبل كثير من الفلاسفة إنجيل الحق. وها هو يحدّث المجوس رجال الفلك بلغتهم العمليّة.

يحدّث الله كل إنسان باللغة التي يفهمها، فأرسل للرعاة ملائكة وللمجوس نجمًا يقول القدّيس أغسطينوس: [أظهر الملائكة المسيح للرعاة، وأعلن النجم عنه للمجوس. الكل تكلم من السماء!… الملائكة تسكن السماوات، والنجم يزيّنها، وخلال الاثنين تُعلن السماوات مجد الله[5].] ويقول الآب غريغوريوس الكبير: [كان من اللائق أن كائنًا عاقلاً، أي ملاكًا هو الذي يخبر هؤلاء الذين استخدموا عقولهم في معرفة الله، أمّا الأمم فإذ لم يعرفوا أن يستخدموا عقولهم في معرفته لم يقدهم الصوت الملائكي بل العلاّمة (النجم). لهذا السبب يقول بولس أن النبوّة ليست لغير المؤمنين بل للمؤمنين، وأما الآية (العلامة) فليست للمؤمنين بل لغير المؤمنين (1 كو 14: 22)[6].] ويرى بعض الآباء مثل العلاّمة أوريجينوس[7] أن المجوس أدركوا أن تعاويذهم قد بطلت، وشعروا أثناء عملهم أن أمرًا يفوق السحر قد حدث في العالم، فتطلّعوا إلى النجوم ليروا علامة من الله في السماء، عندئذ أدركوا كلمات بلعام: يبرز كوكب من يعقوب ويقوم قضيب من إسرائيل… (عد 24: 17). يقول القدّيس جيروم: [تعلّموا عن ظهور هذا النجم من نبوّة بلعام إذ هم من نسله[8].]

ثالثًا: يرى البعض أن المجوس تسلّموا هذا التقليد الخاص بظهور النجم عند مجيء الملك المخلّص عن دانيال النبي الذي عينه الملك كبيرًا للمجوس حين كان في السبي البابلي، وفد حدّد في نبوّاته موعد مجيئه.

رابعًا: أراد الله أن يخرج من الآكل أكلاً، ومن الجافي حلاوة، فالنجوم التي اُستخدمت كوسيلة للتضليل يعبدها الناس (عا 5: 26) صارت وسيلة للدخول بهم إلى الالتقاء مع الله. حقًا ما أعجب معاملات الله معنا، إنه لا يحطّم ما لنا حتى إن صار طريقًا للشرّ إنّما يغيّر مساره ويحوّله إلى الخير؛ عِوض أن يكون خادمًا لمملكة الظلمة يصير آلة برّ لحساب مملكة النور. كل ما وهبنا الله من طاقات ومواهب ومشاعر ودوافع إن تدنّست لا يحطّمها الله، بل بروحه القدّوس يجدّدها ويقدّسها لتصير سرّ بنياننا الروحي ووسائط للشهادة له.

والعجيب أن الله استخدم النجوم للكرازة بين الفلكيّين، فإذا ببعضهم أرادوا تأكيد مفاهيمهم الشرّيرة بذات العمل الإلهي الفائق، فادّعوا أن لكل إنسان نجمه الذي يُسيّر حياته لا يقدر أن ينحرف عنه. وقد انبرى كثير من الآباء يواجهون هذه الادعاءات مثل الآباء غريغوريوس الكبير[9]، يوحنا الذهبي الفم[10]، وأغسطينوس[11]. نذكر على سبيل المثال بعض عبارات للقدّيس أغسطينوس: [لم يكن للنجم الذي رآه المجوس السلطان على المسيح المولود حديثًا، لم يكن هذا النجم أحد النجوم التي خُلقت في بدء الخليقة ويجرى في مساره حسب قانون خالقه، إنّما كان نجمًا جديدًا ظهر في هذا الميلاد العجيب من عذراء، وعكس خدمته على المجوس الباحثين عن امرأة، فتقدّمهم ليضيء لهم الطريق حتى قادهم إلى الموضع حيث فيه كان كلمة الرب كطفل. لم يُولد الطفل لأن النجم كان هناك، وإنما جاء النجم لأن المسيح قد وُلد. إن كان يجب أن نتحدّث عن المصير بالأحرى دعنا نقول لم يحدّد النجم مصير المسيح (كما يدَّعي المنجّمون) بل المسيح الذي حدّد مصير النجم.]

خامسًا: جاء النجم يكمّل شهادة الطبيعة للسيّد المسيح. إن كانت البشريّة العاقلة لم تعرف كيف تستقبله كما يجب انطلقت الطبيعة الجامدة تشهد له بلغتها الخاصة. يقول القدّيس أغسطينوس: [شهدت له السماوات بالنجم، وحمله البحر إذ مشى عليه (مت 14: 25)، وصارت الرياح هادئة ومطيعة لأمره (مت 23: 27)، وشهدت له الأرض وارتعدت عند صلبه (مت 27: 51)[12].] هكذا قدّمت الطبيعة تمجيدًا لخاِلقها بلغتها، ونحن أيضًا إذ صرنا سماءً يليق بنا أن نشهد له بظهور نجمه فينا يقود الخطاة إلى المسيّا المخلّص، ينحنون له ويتعبّدون بالحق. ما هو هذا النجم إلا سِمة الصليب الحيّ المعلن في حياتنا الداخليّة وتصرّفاتنا في الرب. يقول القدّيس أغسطينوس: [عرفه المجوس بواسطة نجم كعلامة سماويّة وجميلة قدّمها الرب، لكنّه لا يرغب فينا أن يضع المؤمن نجمًا على جبهته بل صليبًا. بهذا يتّضع المؤمن ويتمجّد أيضًا، فيرفع الرب المتواضعين، هذا الذي في تواضعه تنازل.]

متى بدأ ظهور النجم؟

يرى القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن النجم قد ظهر مبكرًا قبل الميلاد ربّما بحوالي سنتين، حيث قاد المجوس ليبلغوا بيت لحم في وقت الميلاد. ويرى البعض أنه ظهر عند ميلاده، وقد أخذ المجوس بعض الوقت حتى بلغوا بيت لحم، لهذا إذ تحقّق هيرودس الأمر أمر بقتل الأطفال من سنتين فما دون، إذ حسب المدّة بناءً على ظهور النجم.

بالنجم التقَى المجوس باليهود

يروي لنا الإنجيلي اللقاء الذي تمّ بين المجوس واليهود على كل المستويات، خاصة الملك ورؤساء الكهنة وكتبة الشعب، إذ يقول: “ولما وُلد يسوع في بيت لحم اليهوديّة في أيام هيرودس الملك، إذا مجوس من المشرق قد جاءوا إلى أورشليم، قائلين: أين هو المولود ملك اليهود؟ فإنّنا رأينا نجمه في المشرق وأتينا لنسجد له. فلما سمع هيرودس الملك اضطرب وجميع أورشليم معه. فجمع كل رؤساء الكهنة وكتبة الشعب وسألهم: أين يُولد المسيح؟ فقالوا له: في بيت لحم اليهوديّة، لأنه هكذا مكتوب بالنبي: وأنتِ يا بيت لحم أرض يهوذا لستِ الصغرى بين رؤساء يهوذا، لأن منك يخرج مدبر يرعى شعبي إسرائيل” [1-6].

لقد وُلد السيّد في “بيت لحم” التي تعني “بيت الخبز”، فجاء إلينا خبزًا سماويًا يتناوله الجياع والعطاش إلى البرّ. للأسف جاء المجوس من المشرق يحتملون آلام الطريق وأتعابه، يبحثون عن غذاء نفوسهم، بينما بقيَ الملك ورؤساء الكهنة والكتبة في أماكنهم يرشدون الغرباء للخبز الحيّ، وأما هم فلا يقتربون إليه. لعلّهم صاروا كالعاملين في بناء فلك نوح، الذين هيّأوا فلك الخلاص ولم يدخلوه!

حقًا ما أبعد الفارق بين المجوس ورؤساء اليهود، فقد تمتّع الغرباء بسرّ الحياة، وحُرم الرؤساء منه.

يقول القدّيس أغسطينوس: [صار اليهود أشبه بالنجّارين الذين صنعوا فلك نوح، فأقاموا لغيرهم طريق النجاة، أمّا هم فهلكوا في الطوفان. إنهم يشبهون المعالم التي توضع للكشف عن الطريق لكنها تعجز عن السير فيه. السائلون تعلّموا وكمّلوا الطريق، والمعلّمون نطقوا بالتعليم وبقوا متخلّفين[13].] ويقول القدّيس يعقوب السروجي: [صاروا كارزين له وهم سائرون في الطريق، يبشّرون بأن ملكًا للعالم كلّه قد أشرق. انبسطت كرازتهم لأميال في الطريق، وكسروا قلوب الملوك الذين جازوا في تخومهم، حثّهم الحق ليكونوا له كارزين. الذين هم من الخارج صاروا شهوده وبلغوا أرض اليهوديّة… نظروها فإذا هي هادئة والسكوت يخيّم على حكمائها الذين لم يُدركوا الملك الآتي لخلاصهم. أتى البعيدون ليبشّروا القريبين بميلاد الملك. ابنة الكلدانيّين أرسلت الهدايا للمخلّص، وابنة إبراهيم التي في بيته لم تكرمه[14].]

  1. ثورة هيرودس

تكرّر اسم هيرودس بين عدد من حكّام فلسطين وملوكها أو بعض أجزاء منها أو المناطق القريبة إليها، وفي العهد الجديد ذُكر أربعة ملوك بهذا الاسم، وكان ذلك أثناء الحكم الروماني على فلسطين، من بينهم هيرودس الكبير هذا. وكان هيرودس هذا أدوميًا مولدًا، تجري في عروقه العداوة ضدّ اليهود. لم يكن له حق المُلك، لكنّه صار ملكًا على اليهوديّة، بمساعدة الرومان الذين تحالف معهم أبوه، وكان عنيفًا وشاذًا صار في أواخر أيّامه عرضة للهواجس. كان محبًا لسفك الدماء، قتل الكثير من أعضاء السنهدرين، كما قتل ابنيه الإسكندر وأرسطوبولس، وقبل موته بخمسة أيام قتل ابنه أنتياباتير. وفيما هو يسلّم أنفاسه الأخيرة أمر بقتل جميع عظماء أورشليم حتى يعم الحزن المدينة، ولا يجد الملك الجديد مجالاً للبهجة، لكنّه مات قبل أن تتحقّق أمنيته الأخيرة.

مات هيرودس بعد قتل أطفال بيت لحم بثلاثة شهور، وقد وصف المؤرخ اليهودي يوسيفوس، كيف اشتدّت شراهته في الفترة الأخيرة في أكل اللحم بدرجة بالغة، وأصيب بمرض النقرس وداء الاستسقاء، وقد تصاعدت منه رائحة كريهة جدًا، حتى لم يقدر أحد أن يقترب إليه.

هذه الصورة تكشف لنا عن مشاعر هذا الوحش المفترس، عند سماعه عن موكب المجوس ومجيئهم للسجود لملك اليهود. لقد جمع عدوّ اليهود رؤساء الكهنة والكتبة يسألهم خشية أن يسحب الكرسي من تحته. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [لقد خشيَ أن ترجع المملكة إلى يهودي، فيطرده اليهود هو وذرّيته ويقطعونهم من الملوكيّة. حقًا كثيرًا ما يتعرّض السلطان العظيم لمخاوف شديدة. فإن الأفنان (أعالي الأشجار) يمكن أن تحرّكها ريح خفيف، وهكذا الذين يسكنون الأماكن العالية تهزّهم كل إشاعة! أمّا الذين يقطنون الأماكن المنخفضة، أيّا كانت، فيكونون كالأشجار التي في الوادي غالبًا ما لا تؤثّر فيها الرياح[15].] ويقول الأب غريغوريوس الكبير: [اضطرب الملك الأرضي عندما وُلد الملك السماوي، لأن السيادة الأرضيّة تضطرب عندما تظهر العظمة السماويّة[16].]

اضطرب هيرودس الأرضي الذي اتسم بالشرّ عندما أدرك أن من تخدمه النجوم السماويّة قد جاء. حقًا إن تجلِّي رب المجد يسوع في القلب كما في مزود يزعزع هيرودس (الشيطان) الطاغية، الذي يملك بالشرّ. وكأنه إذ يملك الرب بصليبه فينا تنهار مملكة إبليس ولا تقدر أن تثبت.

أخفى هيرودس اضطرابه بمظاهر الخداع، إذ يقول الإنجيلي: “حينئذ دعا هيرودس المجوس سرًا. وتحقّق منهم زمان النجم الذي ظهر. ثم أرسلهم إلى بيت لحم، وقال: اذهبوا وافحصوا بالتدقيق عن الصبي، ومتى وجدّتموه فأخبروني، لكي آتي أنا أيضًا وأسجد له” [7-8]. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [لكي يغريهم على ذلك تظاهر بالتقوى، مخفيًا السيف وراءها. رسم بالألوان شكل البساطة على حقد قلبه. هذا هو طريق كل فاعلي الشرّ، إذ يخطّطون في الخفاء ليجرحوا الآخرين، فيتظاهرون بالبساطة والصداقة[17].]

  1. سجود المجوس

“فلما سمعوا من الملك ذهبوا،

وإذا النجم الذي رأوه في المشرق يتقدّمهم

حتى جاء ووقف فوق حيث كان الصبي.

فلما رأوا النجم فرحوا فرحًا عظيمًا جدًا.

وأتوا إلى البيت،

ورأوا الصبي مع مريم أمه،

فخّروا وسجدوا له،

ثم فتحوا كنوزهم،

وقدّموا له هدايا ذهبًا ولبانًا ومرًا” [9-11].

إذ تركوا الملك ظهر لهم النجم وصار يتقدّمهم ليدخل بهم إلى حيث كان السيّد المسيح مضجعًا. ما أحوجنا أن نخرج من دائرة هيرودس الخفي، أي دائرة الخطيّة عمل إبليس، لتتكشّف لنا علامات الطريق الملوكي بوضوح.

يرى القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن النجم الذي رآه المجوس وتقدّمهم إلى بيت لحم إنّما هو خدمة الفقراء والمحتاجين، إذ يقول: [رأوا النجم وكانوا فرحين، وها أنت ترى المسيح نفسه غريبًا وعريانًا ولا تتحرّك!… هم قدّموا ذهبًا وأنت بالكاد تقدّم قطعة خبز![18]]

برؤيتهم للسيّد استراحت قلوبهم وزالت عنهم كل المتاعب، وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [قبل رؤيتّهم الطفل كانت المخاوف والمتاعب تضغط عليهم من كل جانب، أمّا بعد السجود فحلّ الهدوء والأمان… لقد صاروا كهنة خلال عمله التعبُّدي، إذ نراهم يقدّمون هدايا[19].]

ماذا تعني هدايا المجوس؟

يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [لم يقدّموا غنمًا ولا عجول، بل بالأحرى قدّموا الأمور التي تقترب بهم إلى قلب الكنيسة، إذ جاءوا إليه ببداءة التقدمة: معرفة وحكمة وحبًا[20].]

ويقول الأب غريغوريوس الكبير: [يقدّم الذهب كجزية الملك، ويقدّم البخور تقدمة لله، ويستخدم المرّ في تحنيط أجساد الموتى. لهذا أعلن المجوس بعطاياهم السرّيّة للذين يسجدون له بالذهب أنه الملك، وبالبخور أنه الله، وبالمرّ أنه يقبل الموت… لنُقدّم للرب المولود الجديد ذهبًا، فنعترف أنه يملك في كل موضع، ولنقدّم له البخور إذ نؤمن أنه الله ظهر في الزمان، مع أنه قبل كل زمان. ولنقدّم له المرّ، مؤمنين أنه وإن كان في لاهوته غير قابل للألم، فقد صار قابلاً للموت في جسدنا. ويمكننا أيضًا بهذه العلامات أن نفهم شيئًا آخر. الذهب يرمز للحكمة كما يشهد سليمان: “كنز مشتهى في فم البار” (أم 21: 20 الترجمة السبعينيّة). والبخور الذي يُحرق أمام الله يرمز لقوة الصلاة كقول المزمور: “لتستقم صلاتي كالبخور قدامك (مز 141: 2)، والمرّ يرمز لإماتة أجسادنا، حيث تقول الكنيسة المقدّسة لعامليها الذين يعملون فيما لله حتى الموت: يداي تقطران مرًا (نش 5:5). إننا نقدّم للملك الجديد الذهب، إن كنّا في عينيّه نضيء بنور الحكمة السماويّة، ونقدّم له بخورًا إن كنّا نحرق أفكار الجسد على مذبح قلوبنا، فنرفع لله اشتياقاتنا السماويّة رائحة طيّبة. ونقدّم له المرّ عندما نُميت بالنسك شرور (شهوات) الجسد، فنقول إنه بالمرّ نحفظ الجسد الميّت من الفساد، كما نقول عن الجسد بأنه فسد متى غلبته الخلاعة، إذ قيل بالنبي، “تعفّنت الحيوانات في روثها[21]“. الحيوانات التي تهلك في روثها تُشير إلى الجسدانيّين الذي يختمون حياتهم وسط غباوة شهواتهم. إذن فلنقدّم لله مرًا لحماية أجسادنا المائتة من فساد الخلاعة ويحفظ في الطهارة[22].]

  1. انصراف المجوس

“ثم إذ أوحي إليهم في حلم أن لا يرجعوا إلى هيرودس،

انصرفوا في طريق أخرى إلى كورتهم” [2].

في بساطة الإيمان قبِل هؤلاء الرجال ما أُوحيَ إليهم في حلم، ولم يتشكّكوا في الطفل. بالإيمان تركوا طريقهم الذي قدموا منه، ليسيروا في طريق أخرى، حتى لا يلتقوا بهيرودس، مقدّمين للمؤمنين مثلاً حيًا للنفس عندما تلتقي بالسيّد المسيح، إذ لا تعود تسلك في طريقها القديم حيث هيرودس (إبليس) يملك. ويرى الأب غريغوريوس الكبير[23] إن هذا الطريق الجديد إنّما هو طريق الفردوس، الذي تلتزم النفس أن تسلكه خلال لقائها مع ربّنا يسوع. ويقول القدّيس أمبروسيوس: [لنرجع بعيدًا عن هيرودس صاحب السلطان الزمني إلى حين، فنأتي إلى المسكن الأبدي، إلى مدينتنا السمائيّة[24].]

في مرارة أقول إنه ليس شيء يحزن قلب الله مثل أن يرى منّا مجوسًا قد شاهدوا النجم السماوي، واستنار قلبهم وانطلقوا إلى حيث يوجد المخلّص، فانتزع عنهم كل تغرّب عن الله، وصاروا قريبين جدًا للآب، يحلّ فيهم ويجعلهم مقدّسا له بروحه القدّوس، لكنهم للأسف بعد أن قدّموا حياتهم هدايا ثمينة يفرح بها الرب، عادوا مرتدّين إلى طريق هيرودس، أيضًا إلى أعمال إنسانهم القديم وخضوعهم لإبليس، وكأنه – إن صح هذا التعبير – يسلّمون مسيحهم الداخلي لهيرودس، فيبيد منهم العدوّ ثمر نعمة الله السماويّة فيهم. في مرارة يوبّخهم الرسول بولس، قائلاً: “من خالف ناموس موسى، فعلى شاهدين أو ثلاثة شهود يموت بدون رأفة، فكم عقابًا أشرّ تظنّون أنه يُحسب مستحقًا من داس ابن الله، وحَسِبَ دم العهد الذي قُدِّس به دنسًا، وازدرى بروح النعمة؟” (عب 10: 28-29). إذن ليتنا لا نرتدّ إلى طريق هيرودس المخادع، فلا نسلّم يسوعنا الداخلي في يديه فيصلب مرّة ثانية – إن صح التعبير – ويشهّر به بسببنا، وينطفئ الروح الذي فينا.

  1. الهروب إلى مصر

“وبعدما انصرفوا إذا ملاك الرب قد ظهر ليوسف في حلم، قائلاً:

قم وخذ الصبي وأمه واهرب إلى مصر،

وكن هناك حتى أقول لك،

لأن هيرودس مزمع أن يطلب الصبي ليهلكه.

فقام وأخذ الصبي وأمه ليلاً وانصرف إلى مصر” [13-14].

يلاحظ القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن الملاك لم يقل عن القدّيسة مريم “امرأتك”، بل قال “أمه”، فإنه إذ تحقّق الميلاد وزال كل مجال للشك[25]. صارت القدّيسة منسوبة للسيّد المسيح لا ليوسف. لقد أراد الملاك تأكيد أن السيّد المسيح هو المركز الذي نُنسب إليه. يرى القدّيس أغسطينوس أن النفس التي ترتبط بالسيّد المسيح خلال الإيمان الحيّ العامل بالمحبّة تحمله فينا روحيًا، وكأنها قد صارت له كالقدّيسة مريم التي حملته روحيًا كما حملته بالجسد!

لماذا هرب السيّد المسيح إلى مصر؟

أولاً: الهروب إلى مصر يمثّل حلقة من حلقات الألم التي اجتازها القدّيس يوسف بفرحٍ، فإن كان الوحي قد شهد له بالبرّ، فإن حياة البرّ تمتزج بالآلام دون أن يفقد المؤمن سلامة الداخلي. يُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على كلمات الملاك ليوسف، قائلاً: [لم يتعثّر يوسف عند سماعه هذا، ولا قال: هذا أمر صعب، ألم يقل لي إنه يخلّص شعبه، فكيف لا يقدر أن يخلّص نفسه، بل نلتزم بالهروب، ونقطع رحلة طويلة، ونقطن في بلد آخر؟ فإن هذا يناقض ما وعدت به! لم يقل شيئًا من هذا، لأنه رجل إيمان! بل ولا سأل عن موعد رجوعه، إذ لم يحدّده الملاك، بل قال له: وكن هناك حتى أقول لك. لم يحزن بل كان خاضعًا ومطيعًا يحتمل هذه التجارب بفرح. هكذا يمزج الله الفرح بالتعب، وذلك مع كل الذين يتّقونه… مدبّرًا حياة الأبرار بمزج الواحدة بالأخرى. هذا ما يفعله الله هنا… فقد رأى يوسف العذراء حاملاً، فاضطرب وبدأ يشك… وفي الحال وقف به الملاك وبدّد شكّه ونزع عنه خوفه. وعندما عاين الطفل مولودًا امتلأ فرحًا عظيمًا، وتبع هذا الفرح ضيق شديد إذ اضطربت المدينة، وامتلأ الملك غضبًا يطلب الطفل. وجاء الفرح يتبع الاضطراب بظهور النجم وسجود الملوك. مرّة أخرى يلي هذا الفرح خطر وخوف لأن هيرودس يطلب حياة الطفل، والتزم يوسف أن يهرب إلى مدينة أخرى[26].]

هذه هي صورة الحياة التقويّة الحقيقية، هي مزيج مستمر من الضيقات مع الأفراح، يسمح بها الرب لأجل تزكيتنا ومساندتنا روحيًا، فبالضيق نتزكّى أمام الله، وبالفرح نمتلئ رجاءً في رعاية الله وعنايته المستمرّة.

ثانيًا: هروب السيّد المسيح من الشرّ أكّد حقيقة تجسّده، وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [لو أنه منذ طفولته المبكّرة أظهر عجائب لما حُسب إنسانًا[27].]

ثالثًا: هروبه كممثّل للبشريّة يقدّم لنا منهجًا روحيًا أساسه عدم مقاومة الشرّ بالشرّ، وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن النار لا تطفأ بالنار بل بالماء.

رابعًا: كانت مصر رائدة العالم الأممي، فكانت بفرعونها تُشير في العهد القديم إلى العبوديّة، بخصوبة أرضها تُشير إلى حياة الترف ومحبّة العالم. كان يمكن للسيّد أن يلتجئ إلى مدينة في اليهوديّة أو الجليل، لكنّه أراد تقدّيس أرض مصر، ليقيم في وسط الأرض الأمميّة مذبحًا له. في هذا يقول إشعياء النبي: “هوذا الرب راكب على سحابة خفيفة سريعة، وقادم إلى مصر، فترتجف أوثان مصر من وجهه، ويذوب قلب مصر داخلها… في ذلك اليوم يكون مذبح للرب في وسط أرض مصر، وعمود للرب عند تُخُمها، فيكون علامة وشهادة لرب الجنود في أرض مصر… فيُعرف الرب في مصر، ويَعرف المصريّون الرب في ذلك اليوم، ويقدّمون ذبيحة وتقدمة، وينذرون للرب نذرًا ويوفون به… مبارك شعبي مصر” (إش 19). اهتم الوحي بهذه الزيارة الفريدة، بها صارت مصر مركز إشعاع إيماني حيّ. وكما خزن يوسف في مصر الحنطة كسندٍ للعالم أثناء المجاعة سبع سنوات، هكذا قدّم السيّد المسيح فيض نعم في مصر لتكون سرّ بركة للعالم كله، ظهر ذلك بوضوح خلال عمل مدرسة الإسكندريّة وظهور الحركات الرهبانيّة والعمل الكرازي. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [هلمّوا إلى برّيّة مصر لتروها أفضل من كل فردوس! ربوات من الطغمات الملائكيّة في شكل بشري، وشعوب من الشهداء، وجماعات من البتوليّين… لقد تهدّم طغيان الشيطان، وأشرق ملكوت المسيح ببهائه! مصر هذه أم الشعراء والحكماء والسحرة… حصّنت نفسها بالصليب! السماء بكل خوارس كواكبها ليست في بهاء برّيّة مصر الممتلئة من قلالي النُسّاك… على أيّ الأحوال، من يعترف بأن مصر القديمة هي التي بكل خوارس كواكبها حاربت ليست في بهاء برية مصر الممتلئة من قلالي النساك… على أي الأحوال، من يعترف بأن مصر القديمة هي التي حاربت الله في برود فعبدت القطط، وخافت البصل، وكانت ترتعب منه، مثل هذا يدرك قوّة المسيح حسنًا[28].]

يتحدّث أيضًا القدّيس يوحنا الذهبي الفم عن هذه الزيارة المباركة لمصر لتقديسها، فيقول: [إذ كانت مصر وبابل هما أكثر بلاد العالم ملتهبتين بنار الشرّ، أعلن الرب منذ البداية أنه يرغب في إصلاح المنطقتين لحسابه، ليأتي بهما إلى ما هو أفضل، وفي نفس الوقت تتمثل بهما كل الأرض، فتطلب عطاياه، لهذا أرسل للواحدة المجوس، والأخرى ذهب إليها بنفسه مع أمه.] كما يقول: [تأمّل أمرًا عجيبًا: فلسطين كانت تنتظره، مصر استقبلته وأنقذته من الغدر[29].]

  1. قتل أطفال بيت لحم

“حينئذ لما رأى هيرودس أن المجوس سخروا به غضب جدًا،

فأرسل وقتل جميع الصبيان الذين في بيت لحم وفي كل تخومها،

من ابن سنتين فما دون بحسب الزمان الذي تحقّقه من المجوس.

حينئذ تمّ ما قيل بإرميا النبي القائل:

صوتٌ سُمع في الرامة، نوح وبكاء وعويل كثير.

راحيل تبكي على أولادها، ولا تريد أن تتعزّى،

لأنهم ليسوا بموجودين” [16-18].

قتل أطفال بيت لحم لم يتم بمحض الصدفة، لكنّه يمثّل جزءً لا يتجزأ من حياة المخلّص، اهتم الوحي بإعلانه في العهدين القديم والجديد. لقد رأى إرميا النبي راحيل زوجة يعقوب المدفونة هناك تبكي على أولادها (أحفادها) من أجل قسوة قلب هيرودس عليهم.

ربّما يتساءل البعض: لماذا سمح ملك السلام أن تحدث هذه الكارثة بسبب ميلاده؟ في الوقت الذي فيه انطلقت الملائكة بالتسبيح تطوّب البشريّة لتمتّعها بالسلام السماوي، وجاء الغرباء يحملون الهدايا إلى طفل المزود، إذا بالأطفال العبرانيّين يُقتلون بلا ذنب. لقد قدّم هؤلاء الأطفال عملاً كرازيًا وشهادة حق أمام العالم كله، فإنهم يمثّلون كنيسة العهد الجديد التي حملت بساطة الروح كالأطفال، التي لا يطيقها هيرودس فيضطهدها، لكنّه لا يقدر أن يكتم صوت شهادتها، إذ انطلق الأطفال كأبكار لينعموا بالوحدة مع الحمل الإلهي أينما وُجد.

عبور أطفال بيت لحم إلى فوق يمثّلون كنيسة الأبكار كموكب روحي مقدّس يتقدّمهم المصلوب البكر، يرتفعون به ومعه خلال البذل الحق ليشاركوا السمائيّين ليتورجيّاتهم وتسابيحهم العلويّة الجديدة.

في اختصار أقول أن هذا الحدث بما فيه من نحيبٍ وعويلٍ مع مرارةٍ قاسيةٍ لا يمكن إنكارها، يحمل كشفًا عن كنيسة العهد الجديد ككنيسة بسيطة بلا تعقيد، تحمل الصليب كعلامة جوهريّة تمسّ طبيعتها، كنيسة أبكار، مرتفعة إلى فوق تمارس حياتها السماويّة خلال ثبوتها في الرأس السماوي المصلوب!

  1. العودة إلى الناصرة

أوحي للقدّيس يوسف أن ينصرف إلى ناحية الجليل، فأتى وسكن في مدينة يُقال لها “ناصرة“، لكي يتم ما قيل بالأنبياء إنه سيّدعي ناصريًا.

يُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على هذا الحدث بقوله: [عاد يوسف إلى الناصرة، لكي يتجنب الخطر من ناحية، ومن ناحية أخرى لكي يبتهج بالسكنى في موطنه[30].]

ذهابه إلى الناصرة، وهي بلد ليست بذي قيمة أراد به أن يحطّم ما اتسم به اليهود من افتخارهم بنسبهم إلى أسباط معيّنة، أو من بلاد ذات شهرة. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [لأن الموضع كان قليل الأهمّية، بل بالأحرى ليس فقط الموضع وإنما كل منطقة الجليل. لهذا يقول الفرّيسيّون: فتش وانظر، إنه لم يقم نبي من الجليل (يو 7: 52). إنه لم يخجل من أن يُدعى أنه من هناك، ليظهر أنه ليس بمحتاج إلى الأمور الخاصة بالبشر، وقد اختار تلاميذه من الجليل… ليتنا لا نستكبر بسبب سموّ مولدنا أو غنانا، بل بالأحرى نزدري بمن يفعل هكذا. ليتنا لا نشمئز من الفقر، بل نطلب غنى الأعمال الصالحة. لنهرب من الفقر الذي يجعل الناس أشرارًا، هذا الذي يجعل من الغِنى فقرًا (لو 16: 24)، إذ يطلب متوسّلاً بلجاجة من أجل قطرة ماء فلا يجد[31].]

كلمة “ناصرة“، منها اشتقّت “نصارى” لقب المسيحيّين؛ وهي بالعبريّة Natzar وتعني غصن، ومنها الكلمة العربيّة “ناضر”، وقد سمّيَ السيّد المسيح في أكثر من نبوّة في العهد القديم بالغصن. فجاء في إشعياء النبي:ويخرج قضيب من جذع يسّى، وينبت غصن من أصوله، ويحل عليه روح الرب روح الحكمة والفهم، روح المشورة والقوّة، روح المعرفة ومخافة الرب… (إش 11: 1-2). وجاء في إرميا: ها أيام تأتي يقول الرب، وأُقيم لداود غصن برّ، فيملك ملك، وينجح، ويُجري حقًا وعدلاً في الأرض (راجع إر 33: 15) وفي زكريا: “هأنذا آتي بعبدي الغصن (زك 3: 8)،هوذا الرجل الغصن اسمه، ومن مكانه ينبت، ويبني هيكل الرب (زك 6: 12)… هكذا كان اليهود يترقّبون في المسيّا أنه يُدعى “الغصن”… أي “ناصري”.

[1] On Epiphany , Ser. 4.

[2] Contra Celsus 1:58.

[3] In Matt. hom 6:4.

[4] On Matt. 2:2.

[5] On Epiph. , Ser. 6.

[6] On Gospels, hom 10.

[7] Cont. Celsus 1:60.

[8] Catena Aurea.

[9] On Gospels, hom 10.

[10] In Op. Imperf. hom 2.

[11] Contra Faust 2:5.

[12] In Ioan. hom 3:5.

[13] On Epiph. Ser 2.

[14] دير السرّيان: تأمّلات في الميلاد، 1958، ص 16-17.

[15] In Op. Imperf. hom 2.

[16] On Gospels, hom 10.

[17] In Op. Imperf. hom 2.

[18] In Matt. hom 7:6.

[19] In Matt. hom 7:6.

[20] PG 51:81 (Ser. 8).

[21] ربّما يقصد يوئيل 1: 17-18.

[22] On Gospels, hom 10.

[23] On Gospels, hom 10.

[24] In Luc. hom 2.

[25] PG 57:81.

[26] PG 57:81.

[27] In Matt. hom 8:4.

[28] In Matt. hom 8:6.

[29] PG 57:81.

[30] In Matt. hom 9:5.

[31] Ibid 9:6, 8.

تفسير انجيل متى 2 – الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير انجيل متى 7 – الأصحاح السابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير انجيل متى 7 – الأصحاح السابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير انجيل متى 7 – الأصحاح السابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير انجيل متى 7 – الأصحاح السابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

الاصحاح السابع

دستور الملك 3

المبادئ الملوكيّة

عالج السيّد المسيح بعض المبادئ الأساسية الخاصة بملكوت السماوات لتكشف عن الفكر السماوي والحياة السماويّة.

  1. عدم الإدانة 1-5.
  2. الحفاظ على المقدّسات 6.
  3. السؤال المستمر 7-12.
  4. الباب الضيّق 13-14.
  5. الأنبياء الكذبة 15-23.
  6. خاتمة الدستور 24-27.
  7. اندهاش الجماهير 28-29.
  8. عدم الإدانة

مادام الرب يحدّثنا عن نقاوة القلب الداخلي حتى نستطيع بالعين البسيطة أن نُعاين ملكوت السماوات، ونحيا لله لا لمحبّة المال، ونعيش بلا همّ، وفي نفس الوقت بلا تواكل حتى في الأمور الزمنيّة، فإن هذه الأمور في جملتها تمثّل حياة خفيّة لا يمكن إدراكها بالمظاهر الخارجيّة وحدها. إن كان الإنسان يحتاج إلى عمل روح الله القدّوس لكي يكشف له ذاته مع إرشاد أب اعترافه، فكيف يمكننا أن نحكم على الغير إن كانت قلوبهم نقيّة من عدمه. فالمظاهر الخارجيّة، حتى العبادة، قد تخفي من ورائها ما لا يمكن إدراكه. إن كنّا نطلب لأنفسنا الحياة النقيّة الداخليّة يليق بنا ألا نحكم على الآخرين وعلى قلوبهم التي لا يراها سوى الله نفسه. هذا من جانب، ومن جانب آخر، فإن الحكم على الآخرين أو إدانتهم يسحب قلوبنا من التركيز على ما هو لخلاصنا وبنياننا إلى إدانة الناس والحكم عليهم، فنكون كمن يترك ميّته في بيته لينوح على ميّت أخيه. والإدانة أيضًا تفقدنا طبيعة الحب نحو إخوتنا فنخسر نعمة محبّة الله لنا الساترة علينا، ففيما نحن نحكم على الغير يُحكم علينا. وكما يقول السيّد المسيح: “لا تدينوا لكي لا تدانوا، لأنكم بالدينونة التي بها تدينون تُدانون، وبالكيل الذي به تكيلون يُكال لكم، ولماذا تنظر القذى الذي في عين أخيك، وأما الخشبة التي في عينك فلا تفطن لها؟” [1-3].

  • إن كان يُحسب شرًا ألا يرى الإنسان خطاياه، فإن شرّه يكون مضاعفًا إذ يجلس على كرسي إدانة الآخرين بينما يحمل خشبة في عينيه[1].

القدّيس يوحنا الذهبي الفم

  • أظن أننا نتعلّم من هذه الوصيّة ضرورة افتراض أحسن قصد ممكن لأعمال الآخرين التي يمكن لنا أن نشك في نيّتها[2].

القدّيس أغسطينوس

  • لو سقط أخوك في خطيّة الغضب تسقط أنت في خطيّة الكراهيّة (بإدانتك له). وهناك فرق شاسع بين الغضب والكراهيّة كما هو بين القذى والخشبة، لأن الكراهيّة هي غضب مزمن. فبطول الزمن اشتدّ القذى فصار بحق خشبة. فإنك إن غضبت على إنسان ترغب في رجوعه إلى الحق، أمّا إذا كرهته فلا يمكن لك ذلك[3].

القدّيس أغسطينوس

  • أصل الإدانة عدم المحبّة، لأن المحبّة تستر كل عيب؛ أمّا القدّيسون فلا يدينون أحدًا، لكنهم يتألّمون معه كعضو منهم، ويشفقون عليه ويعضّدونه ويتحايلون في سبيل خلاصه، حتى ينتشلونه كالصيّادين الذين يرخون الحبل للسمكة قليلاً قليلاً حتى لا تخرق الشبكة وتضيع… فإذا توقّفت ثورة حركتها حينئذ يحرّكونها قليلاً قليلاً[4].

الأب دوروثيؤس

  • الذي يدين فقد هدَم سوره بنقص معرفته.

الأنبا موسى الأسود

  • كما أن النار والماء متنافران… هكذا إدانة الآخرين لا تتّفق مع من يريد التوبة… إن رأيت إنسانًا يخطئ في اللحظات الأخيرة قبيل موته فلا تدنه، لأن قضاء الله مخفي عن البشر، فقد سقط البعض في خطايا جسيمة جهرًا لكنهم أدوا أعمالاً مجيّدة سرًا…
  • الحكم على الآخرين يعتبر سلبًا للحق الإلهي بوقاحة، أمّا الانتهار (بغير حب) فيهدم نفس الإنسان.

القدّيس يوحنا الدرجي[5]

  • يوم تدين أخاك، تنقطع عنك نعمة الروح القدس، فتتعثّر بأخيك وتكون سبب عثرة[6].

الأنبا برصنوفيوس

عدم الإدانة لا يعني السلوك بلا تمييز، فكما يقول النبي: ويل للقائلين للشرّ خيرًا وللخير شرًا، الجاعلين الظلام نورًا والنور ظلامًا، الجاعلين المرّ حلوًا والحلو مرًا” (إش 5: 20). فالمؤمن الحقيقي إذ هو مسكن للروح القدس يحمل روح التمييز، فيرى سقطة أخيه ولا يقدر أن ينكرها أو يتجاهلها، لكنّه وهو يدرك في السقطة مرارتها إنّما يشعر بها تصدر عن الضعف البشري الذي يتعرّض هو له. أخوه يسقط الآن، أمّا فهو فمعرّض للسقوط إن لم يكن الآن فغدًا، لذا عِوض أن يدين يترفّق ويصلّي في أنّات صادقة. هذا الأمر يبرز بصورة واضحة في حياة الآباء الروحيّين والجسديّين، فالأب لا يقدر أن يتجاهل أخطاء أولاده وسقطاتهم، ولا يصمت تحت دعوى عدم الإدانة، وإنما في أبوة صادقة يفتح لهم قلبه ليسندهم على القيام من سقطاتهم. لهذا يحذّرنا القدّيس يوحنا الذهبي الفم من إساءة فهم “عدم الإدانة” فيصير ذلك علّة لتجاهل أخطاء الغير، والسلوك بلا تدبير أو حزم مع الساقطين، وإذ يقول: [لننصت بحذر لئلا تحسب أدوية الخلاص وقوانين السلام كقوانين للاضطراب والهلاك[7].] مرّة أخرى يوجّه القدّيس يوحنا الذهبي الفم حديثه للأب، قائلاً: [اصلحه، ولكن ليس كعدوّ أو خصم يحدّد العقوبة وإنما كطبيب يعد الأدوية، إذ لم يقل المسيح: “لا تحتملوا المخطئين” بل قال: “لا تدينوا” بمعنى “لا تكونوا مملوءين مرارة في إعلان الحكم[8].] كما يقول: [ما هذا، ألا يجوز لنا أن نلوم الخطاة؟! نعم إن بولس يطلب عدم لوم الخطاة؛ بالأحرى نقول أن المسيح يقول بهذا خلال بولس: “وأما أنت فلماذا تدين أخاك؟ أو أنت أيضًا لماذا تزدري بأخيك؟ ومن أنت الذين تدين عبد غيرك؟” (رو 14: 4، 10). كما يقول: “إذًا لا تحكموا في شيء قبل الوقت حتى يأتي الرب” (1 كو 4: 5). وفي نفس الوقت يقول في موضع آخر: “وبّخ انتهر عظ” (2 تي 4: 2)، “الذين يخطئون وبّخهم أمام الجميع” (1تي 5: 20)… بهذا يظهر أن المسيح لم يأمر الجميع بعدم الإدانة بطريقة مطلقة، إنّما يمنع من تفشت فيهم خطيّة انتقاد الغير في أقل الأخطاء التي تصدر عنهم[9].]

الحب الذي يبعث في المؤمن روح عدم الإدانة ناظرًا إلى ضعفات أخيه أنها ضعفاته، هو بعينه الذي يهب الحكمة في التصرّف مع المخطئين، لندين الخطيّة لا الخاطي، منتشلين إخوتنا من مرارة الضعف، لا كمن هم أقل منّا أو نحن أبرّ منهم، وإنما كمن يسند أخاه مدركًا أنه شريك معه في ذات الضعف.

  1. الحفاظ على المقدّسات

لا تعطوا القدس للكلاب،

ولا تطرحوا دُرَركم قدام الخنازير،

لئلا تدوسها بأرجلها وتلتفت فتمزّقكم” [6].

لما كان جوهر عبادتنا وغايتها هو “نقاوة القلب”، حيث ننعم بالعين البسيطة القادرة على معاينة الله وإدراك أسراره ومعاملاته معنا، خشيَ السيّد المسيح لئلا تُفهم البساطة بمعنى “الجهالة” أو “عدم الحكمة”، لهذا يمزج السيّد البساطة بالحكمة. هذا ما أكّده في حديثه مع تلاميذه: كونوا حكماء كالحيّات، وبسطاء كالحمام (مت 10: 16). فإن كان الله يطالبنا بالبساطة فلا ندين أحدًا، ففي نفس الوقت يسألنا السلوك بحكمة بقوله: “لا تعطوا القدس للكلاب، ولا تطرحوا دُرَركم قدام الخنازير”. كأنه يقول لنا: اعرفوا ماذا تقدّمون؟ ولمن تقدّمون؟ يعرف الإنسان قيمة المقدّسات والدرر الثمينة فلا يهبها في سذاجة لكل إنسان، وإنما يعرف لمن يقدّمها وكيف يقدّمها.

السيّد المسيح نفسه الذي لم يبخل علينا بشيء، مقدّمًا حياته فدية لأجل خلاصنا، أحيانًا يخفي بعض أسراره مقدّمًا لنا ما يناسبنا فقط، إذ يقول: إن لي أمورًا كثيرة أيضًا لأقول لكم، ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن (يو 16: 12). إنه يشتاق أن يقدّم كل أسراره لكنّه لا يقدّم ما لا نستطيع احتماله، حتى لا يصيبنا ضرر. على هذا المنهج سلك الرسل أيضًا، فيقول معلّمنا بولس: وأنا أيها الاخوة لم أستطع أن أكلّمكم كروحيّين بل كجسديّين كأطفال في المسيح، سَقيْتكم لبنًا لا طعامًا، لأنكم لم تكونوا بعد تستطيعون بل الآن أيضًا لا تستطيعون (1 كو 3: 1-2). وبنفس الروح عاشت الكنيسة الأولى تقدّم للموعوظين ما يناسبهم ولا تكشف لهم عن الأسرار المقدّسة إلا بقدر احتمالهم، وفي الطقس الأول كانت أبواب الكنيسة تغلق بعد قداس الموعوظين بعد خروجهم فلا ينعم بسّر الإفخارستيا إلا المؤمنون المستعدون للشركة المقدّسة. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [نحتفل بالأسرار خلال الأبواب المغلقة، ونترك غير المعمّدين خارجًا، ليس عن ضعف في الإقناع بخصوص أسرارنا، وإنما لأن كثيرين لم يستعدوا بعد لها بطريقة كاملة[10].]

يقول القدّيس أغسطينوس: [يمكننا أن نفهم القُدْس والدُرَر على أنها شيء واحد، دُعي قُدسًا بسبب الالتزام بعدم إفساده، ودُررًا بسبب الالتزام بعدم الازدراء به. فالإنسان يفسد ما لا يرغب في إبقائه سليمًا، ويزدري ما يحسبه تافهًا ومنحطًا، لذا يُقال عن الشيء المحتقر أنه مدوس بالأقدام. يقول الرب: “لا تعطوا القدس للكلاب”، لأن الكلاب تهجم على الشيء لتمزّقه، حتى وإن كان هذا الشيء لا يمكن تمزيقه أو إفساده أو تدنيسه. إذن لنفكِّر فيما يرغبه هؤلاء المقاومين للروح بعنف وعداء شديد. إنهم يرغبون في تدمير الحق الذي لا يمكن تدميره. أمّا الخنازير فتختلف عن الكلاب فهي لا تهاجم لتمزّق بأسنانها، لكنها تدنّس الشيء إذ تدوسه بأقدامها في طياشة… إذن لنفهم أن “الكلاب” تُشير إلى مقاومي الحق، “والخنازير” إلى محتقريه[11].]

وإذ يتحدّث القدّيس غريغوريوس أسقف نيصص عن البتوليّة كأمر ثمين للغاية وكحياة سماويّة، يعتبر أن من يحيا كبتول جسديًا دون أن يسلك في حياته العمليّة بما يتّفق ببتوليّته يكون كمن ألقى بالدُرَر تحت أقدام الخنازير[12].

  1. السؤال المستمر

إذ يسمع المؤمن الوصيّة الإلهيّة: لا تعطوا القُدس للكلاب، ولا تطرحوا دُرَركم قدّام الخنازير ربّما يسأل: ومن أين لي القُدس والدرر؟ لذا يكمل: “اسألوا تعطوا، اطلبوا تجدوا، اقرعوا يُفتح لكم، لأن كل من يسأل يأخذ ومن يطلب يجد ومن يقرع يُفتح له” [7-8].

  • لكي تفهم ما يقصد بالسؤال والطلب والقرْع، نفترض وجود رجل أعرج، فمثل هذا يُعطى له أولاً الشفاء، أي القدرة على المشي، وهذا ما قصده الرب بالسؤال. ولكن ماذا ينتفع بالمشي أو حتى بالجري إن استخدمه في طريق منحرف؟ لذلك فالخطوة التالية هي أن يجد الطريق المؤدّي إلى الموضع المطلوب… وهذا ما قصد بالطلب. لكن ما المنفعة إن صار قادرًا على المشي وعرف الطريق، بينما كان الباب مغلقًا… لهذا يقول: “اقرعوا”[13].

القدّيس أغسطينوس

  • إن داومت السؤال فإنك ستأخذ بالتأكيد حتى وإن لم يكن في الحال… هكذا يمثِّله الرب على القرع. إنه لا يعطيك فورًا حتى تداوم على السؤال. إذن لتستمر في السؤال والطلب فبالتأكيد ستأخذ[14].

القدّيس يوحنا الذهبي الفم

  • إن كان الذي لا يرغب في العطاء (قاضي الظلم لو 18: 2)، قد أعطى بسبب اللجاجة، فكم بالأكثر يعطي ذاك الصالح وحده الذي يحثّنا على الطلب منه، والذي لا يُسر عندما نطلب منه؟! قد يبطئ الله في العطاء لكي نُقَّدر قيمة الأشياء الصالحة، وليس لعدم رغبته في العطاء. ما نشتاق إلى نواله بجهادٍ نفرح جدًا بنواله، أمّا ما نناله سريعًا فنحسبه شيئًا زهيدًا[15].

القدّيس أغسطينوس

  • لنقرع على باب المسيح الذي قيل عنه: هذا هو باب الرب والصدّيقون يدخلون فيه (مز 118: 20)، حتى متى دخلنا يفتح لنا الكنوز المخفيّة بالمسيح يسوع الذي فيه كل العلم: المُذخّر فيه كنوز الحكمة والعلم” (كو 2: 3) [16].

القدّيس جيروم

لكي يؤكّد السيّد نوالنا ما نسأله يقول: “أم أي إنسان منكم إذا سأله ابنه خبزًا يعطيه حجرًا؟ وإن سأله سمكة يعطيه حيّة؟! فإن كنتم وأنتم أشرار تعرفون أن تعطوا أولادكم عطايا جيّدة فكم بالأحرى أبوكم الذي في السماوات يهب خيرات للذين يسألونه؟!” [9-11]

يُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [هكذا إن كنت لم تأخذ ما سألته فالسبب هو أنك طلبت حجرًا. لا يكفي أنك ابن لكي تأخذ، وإنما أحيانًا ما تسأله يعوقك عن أن تأخذ، إذ تسأل ما هو ليس بنافعٍ. يلزمك إذن ألا تسأل أمرًا أرضيًا، بل روحيًا، فبالتأكيد تأخذ[17].] ويقول القدّيس أغسطينوس: [إن كنّا ونحن أشرار نعرف كيف نعطي أبناءنا ما يسألونه منّا فلا نخدعهم، بل نعطيهم أشياء صالحة ليست منّا بل من الرب، فكم بالأكثر يكون رجاؤنا في الرب أن يعطينا عندما نطلب منه أمورًا صالحة[18]؟]

يختم السيّد حديثه عن استجابته لسؤالنا بوصيّة تخص علاقتنا بإخوتنا هي مفتاح أيدينا لاستجابة طلبتنا: “فكل ما تريدون أن يفعل الناس بكم افعلوا هكذا أنتم أيضًا بهم، لأن هذا هو الناموس والأنبياء” [12] لم يضعها كوصيّة شرطيّة نلتزم بها لنوال سؤالنا من الله، إنّما تُفهم كذلك بطريقة غير مباشرة. لقد أراد أن تكون علاقتنا بإخوتنا تقوم لا على أساس المنفعة، وإنما على طبيعة الحب الداخلي دون مقابل، نحبّهم لأجل الحب، وبهذا يتحقّق فينا غاية الناموس. لكي نتفهّم حكمة هذه الوصيّة نقول بأن الآب يطالب أولاده أن يحب أحدهم الآخر، ويخدم بعضهم البعض، من أجل الأخوة في ذاتها. لكنّه كأب، إذ يراهم محبّين يطمئن لنضوجهم وحبّهم، فيفتح خزائنه ويعطي بلا كيل، مدركًا أن أولاده قد صاروا أهلاً لمحبّة أبيهم خلال طبيعة الحب التي لهم. حقًا إن انفتاح قلبنا لإخوتنا بالعطاء – أيّا كان نوعه – دون مقابل هو الطريق الذي به نرى يديّ الله مفتوحتين لتهبا بسخاء.

  1. الباب الضيق

حياة النقاوة التي تؤهّل القلب لمعاينة الله ليست إلا شركة آلام مع المسيح المصلوب، لهذا يقول الرب نفسه: “ادخلوا من الباب الضيق، لأنه واسع الباب ورحب الطريق الذي يؤدّي إلى الهلاك، وكثيرون هم الذين يدخلون منه. ما أضيق الباب، وأكرب الطريق الذي يؤدّي إلى الحياة، وقليلون هم الذين يجدونه” [13-14].

  • دُعي الطريق كربًا وضيقًا لكي يخفّف من أتعابنا، ولكي يُعلن أن الأمان عظيم والمسرّة عظيمة… الطريق كرب والباب ضيّق، لكن المدينة التي ندخلها ليست هكذا، لهذا لا نطلب هنا الراحة كما لا تتوقّع ألمًا هناك[19].

القدّيس يوحنا الذهبي الفم

  • كرب هو الطريق الذي يدخل بنا إلى الحياة، وضيّق أيضًا، لكن المكافأة رائعة وعظيمة إذ ندخله في مجد![20]

القدّيس كبريانوس

  • الباب الواسع هو الملاذ العالميّة التي يطلبها البشر، والباب الضيّق هو الذي ينفتح خلال الجهاد والأصوام كالتي مارسها الرسول بولس: في ضربات، في سجون، في اضطرابات، في أتعاب، في أسهار، في أصوام (2 كو 6: 5)، “في تعبٍ وكدٍّ، في أسهارٍ مرارًا كثيرة، في جوعٍ وعطشٍ، في أصوامٍ مرارًا كثيرة في بردٍ وعُرْيٍ (2كو11: 27). وقد شجّع الرسول بولس تيموثاوس على ممارستها: ” فتقوَّ أنت يا ابني بالنعمة التي في المسيح يسوع، وما سمعته منّي بشهود كثيرين أودِعه أناسًا أمناء يكونون أكفّاءً أن يُعلِّموا آخرين أيضًا، فاشترك أنت في احتمال المشقّات كجندي صالح ليسوع المسيح. ليس أحد وهو يتجنّد يرتبك بأعمال الحياة لكي يرضي من جنَّده، وأيضًا إن كان يجاهد لا يكلّل إن لم يجاهد قانونيًا.” (2 تي 2: 1-5)

لاحظ بتدقيق كيف يتكلّم عن كِلا البابين. فالغالبيّة العُظمى تدخل من الباب الواسع، بينما قليلون هم الذين يكتشفون الباب الضيق. إننا لا نبحث عن الباب الواسع، ولا حاجة لنا مطلقًا أن نكتشفه، إذ هو يعرض نفسه علينا تلقائيًا. أمّا الباب الضيّق فلا يجده الكل، وحتى الذين يجدونه فليس جميعهم يدخلونه، إذ كثيرون بعد اكتشافهم باب الحق تجتذبهم ملاذ الدنيا ويرجعون من منتصف الطريق[21].

القدّيس جيروم

يقول العلاّمة أوريجينوس[22] أن الطريق الرحب يحوي زوايا كثيرة، عندها يقف المراءون للصلاة كي يراهم الناس فينالون أجرتهم (مت 6: 5). وعلى العكس الطريق الكرب لا يحوي زوايا شوارع يقف عندها المؤمن، بل يسرع منطلقًا إلى الحياة الأبديّة خلال الباب الضيق. لا يجد المؤمن في الطريق ما يبهجه فيستقر عنده، لكنّه يتّجه نحو السيّد المسيح سرّ بهجته وحياته.

الباب الضيّق هو باب الملكوت الذي لن يدخله إلا رب الملكوت يسوع المسيح الذي بلا خطيّة وحده، والطريق الكرب ليس إلا صليبه الذي لا يمكن لأحد أن يعبر فيه سوى المصلوب. لهذا لن ننعم بالدخول من الباب الضيّق، ولا السير في الطريق الكرب، إلا باختفائنا في يسوع المسيح المصلوب وثبوتنا فيه. بهذا يتحوّل الكرب والضيق إلى بهجة اتّحاد مع المصلوب.

  1. الأنبياء الكذبة

كما حذرنا السيّد المسيح من الحروب الخفيّة وحب الظهور التي تفسد نقاوة القلب، وتنزع بساطة العين الداخليّة، يحذّرنا أيضًا من الحروب الخارجيّة، خلال الأنبياء الكذبة والهراطقة وضد المسيح… هؤلاء الذين يحملون مسحة التقوى الخارجيّة، بينما قلوبهم ذئاب خاطفة. يقول السيد: “احترزوا من الأنبياء الكذبة الذين يأتونكم بثياب حملان، ولكنّهم من داخل ذئاب خاطفة” [15]. هكذا يحذّرنا السيّد من الأنبياء المخادعين الذين يلبسون ثوب شعر لأجل الغش (زك 13: 4). يتظاهرون بالحياة النسكيّة وشكليّات الورع لخداع الكثيرين، أو كما يقول الرسول: مثل هؤلاء هم رسل كذبة، فعلة ماكرون مغيّرون شكلهم إلى شبه رسل المسيح(2 كو 11: 13-14)، وذلك كرئيسهم الوحش الذي يتظاهر بصورة السيّد المسيح الحمل، إذ له قرنان شبه خروف (رؤ 13: 11) وقد حذّرنا آباء الكنيسة كثيرًا من المخادعين. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [من يصرخ بما هو لله بصوت التواضع الحقيقي والاعتراف الحق للإيمان فهو حمل، أمّا من ينطق بتجاديف ضدّ الحق وعداوة ضدّ الله فهو ذئب[23].] كما يقول القدّيس جيروم: [ما يُقال هنا عن الأنبياء الكذبة يفهم عن كل من ينطق بغير ما يسلك به عمليًا، لكنّه يخصّ بالأكثر الهراطقة الذين يظهرون لابسين العفّة وصوّامين كزيّ للتقوى، أمّا روحهم في الداخل فمملوءة سمًا، بهذا يخدعون البسطاء من الإخوة[24].]

يُعلن السيّد أن الأنبياء الكذبة واضحون، يمكن تمييزهم عن أولاد الله الحقيقيّين، بقوله: “من ثمارهم تعرفونهم. هل يجتنون من الشوك عنبًا؟‍ أو من الحسك تينًا؟‍ هكذا كل شجرة جيّدة تصنع أثمارًا جيدًا، وأما الشجرة الرديّة فتصنع أثمارًا رديّة. لا تقدر شجرة جيّدة أن تصنع أثمارًا رديّة، ولا شجرة رديّة أن تصنع أثمارًا جيّدة. كل شجرة لا تصنع ثمرًا جيدًا تقطع وتلقى في النار، فإذًا من ثمارهم تعرفونهم” [16-20].

استخدم بعض الهراطقة هذه الكلمات الإلهيّة للادعاء بوجود طبيعتين متعارضتين فالبعض بطبعهم صالحون والآخرون أشرار، ولا يمكن للصالحين أن يصنعوا شرًا وللأشرار أن يصنعوا خيرًا، وكأن الإنسان مسيّرا لا يدّْ له في اختيار الطريق، إنّما طبيعته هي التي تملي عليه سلوكه. هذا الأمر يتنافى مع محبّة الله وتقديسه لحرّية الإرادة الإنسانيّة، كما يتنافى مع عدله إذ كيف يجازينا عن تصرفات ليس لنا حرّية السلوك بها أو الامتناع عنها؟

نقتطف هنا بعض كلمات القدّيس جيروم: [لنسأل هؤلاء الهراطقة الذين يؤكّدون وجود طبيعتين متعارضتين، إذ يفهمون كما لو أن الشجرة لا يمكن أن تأتي بثمر رديء (حتى إن انحرفت)، إذ كيف أمكن لموسى – الشجرة الصالحة – أن يخطئ عند ماء الخصومة؟ أو كيف أنكر بطرس الرب عند آلامه، قائلاً: لا أعرف الرجل؟ أو كيف أمكن لحمى موسى – الشجرة الرديئة – الذي لا يؤمن بإله إسرائيل أن يقدّم مشورة صالحة[25]؟] هذا القول لا يحمل تعارضًا مع كلمات السيّد المسيح، فالشجرة الصالحة لا تثمر إلا ما هو صالح مادامت في يدّ الله مستمرّة في صلاحها، لكنها إن انحرفت ولو إلى حين وتحوّلت إلى شجرة شرّيرة تخطيء لتعود بالتوبة فتأتي بالثمر الصالح من جديد. وهكذا أيضًا بالنسبة للشجرة الرديّة فإنها تبقى تعطي ثمرًا رديًا حتى متى صارت صالحة بالقدّوس الصالح تقدّم ثمرًا صالحًا. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [إنه لم يقل أن الشجرة الرديّة لا يمكن أن تصير صالحة، وإنما قال لا تحمل ثمرًا جيدًا مادامت هي رديّة[26]!]

إن كنّا شجرًا رديًا فقد جاء السيّد المسيح التفاحة الصالحة، الذي قيل عنه: “كالتفاح بين شجر الوعر كذلك حبيبي بين البنين، تحت ظلِّه اشتهيت أن أجلس وثمرته حُلوة في حلقي” (نش 2: 3). نتطعَّم فيه، فنصير أغصانًا صالحة، تأتي بثمر كثير. لهذا يقول: أنا الكرمة وأنتم الأغصان، الذي يثبت فيّ وأنا فيه هذا يأتي بثمر كثير، لأنكم بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئًا” (يو 15: 5). إذ نثبت فيه نحمله داخلنا، كسرّ صلاحنا وبرّنا، وكما يقول القدّيس غريغوريوس أسقف نيصص: [لقد صار مطيعًا ذاك الذي أخذ ضعفاتنا وحمل أمراضنا، شافيًا عصيان البشر بطاعته. فبجراحاته يشفي جرحنا، وبموته يطرد الموت العام عن البشر[27].]

كنّا أشجارًا رديّة تحمل شوكًا وحسكًا، لا نقدر أن نثمر عنبًا أو تينًا، لكننا في المسيح يسوع ربّنا تحوّل شوكنا إلى كرم يثمر عنبًا جديدًا، وحسَكنا إلى شجرة تين جديدة. خارج المسيح تكون لنا طبيعة الأرض الساقطة تحت اللعنة فتنتج حسكًا وشوكًا (تك 3: 18)، هذه التي نخلعها في مياه المعموديّة لنحمل الطبيعة الجديدة التي صارت لنا في المسيح يسوع لنحمل فينا عنبًا وتينًا. بهذا نفهم كلمات السيد: اجعلوا الشجرة جيّدة وثمرها جيدًا” (مت 12: 33).

وللقدّيس يوحنا الذهبي الفم تعليق جميل على العنب والتين، [يحوي العنب في داخل سرّ المسيح، فكما يحوي العنقود الكثير من الحبات مترابطة معًا خلال فرع العنقود الخشبي، هكذا للمسيح مؤمنون كثيرون يتّحدون معًا خلال خشبة الصليب. والتين يمثّل الكنيسة التي تضم داخله جموع المؤمنين في حضن المحبّة الحلو، وذلك كما تحوي التينة بذارًا كثيرة داخل غطائها الواحد. فالتينة تمثل المحبّة في حلاوتها والوحدة في اتّحاد البذار الكثيرة معًا. أمّا العنب فيقدّم لنا مثالاً للصبر، إذ يدخل المعصرة؛ كما يُشير إلى الفرح إذ تفرح الخمر قلب الإنسان؛ ويشير إلى الإخلاص حيث لا يمزج بماء؛ وإلى الحلاوة إذ هو شهي. أمّا الشوك والحسك فيشيران إلى الهراطقة إذ يحملون الأشواك من كل جانب. هكذا ترى خدّام الشيّاطين مملوئين بالمخاطر من كل ناحية. مثل هذا الشوك والحسك لا يقدّم للكنيسة ثمارًا[28].]

في اختصار أقول أننا في المسيح يسوع ربّنا نخلع أعمال الإنسان القديم من شوكٍ وحسكٍ، أي الأعمال الأرضيّة، لكي نحمل فينا العنب والتين الروحي. يصير كل منّا أشبه بحبة العنب التي ترتبط بإخوتها خلال الصليب (الفرع الخشبي) والتي يلزم أن تجتاز المعصرة وتحتمل الضيّق مع ذاك الذي قال: قد دست المعصرة وحدي ومن الشعوب لم يكن معي أحد” (إش 63: 3). وليدرك كل واحد منّا – مهما بلغت مواهبه أو قدراته أو مركزه الروحي أو الاجتماعي أو رتبته الكنسيّة – أنه ليس إلا بذرة في التينة المقدّسة، لا قيمة لها في ذاتها خارج الجماعة المقدّسة، ولا عذوبة لها إلا بثبوتها في غلاف المحبّة الحلو الذي الحلو الذي يضم الجميع معًا بروح الاتفاق والسلام!

هذا هو ما يفرِّح قلب الله أن نصير له خمرًا روحيًا اجتاز المعصرة، وأن نسلك بروح الحب الكنسي الحق، وليس أن نحمل مجرّد شكليّات العبادة أو ألفاظ الإيمان النظري، لهذا يقول السيّد مؤكّدًا: “ليس كل من يقول لي يا رب يا رب يدخل ملكوت السماوات، بل الذي يفعل إرادة أبي الذي في السماوات. كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم: يا رب يا رب أليس باسمك تنبّأنا؟ وباسمك أخرجنا شيّاطين؟ وباسمك صنعنا قوات كثيرة؟‍ فحينئذ أصرِّح لهم أني لا أعرفكم قط. اذهبوا عنّي يا فاعلي الإثم” [21-23].

يحدّثنا السيّد عن يوم مجيئه الأخير، حيث فيه يلتقي مع الأشرار لا كعريس مفرح بل كديّان مرهب، لا تشفع فيهم صلواتهم الطويلة الباطلة، ولا كرازتهم باسمه، ولا إخراجهم الشيّاطين وصنعهم قوات باسمه… فهو لا يعرفهم لأنهم فعلة إثم.

الله يعرف أولاده وخدّامه المقدّسين، ولا يعرف الأشرار فعلة الإثم، لهذا عندما سقط آدم في الخطيّة سأله: أين أنت؟ وكما يقول القدّيس جيروم: [كان الله يعرف أن آدم في الجنّة، ويعلم كل ما قد حدث، لكنّه إذ أخطأ آدم لم يعرفه الله، إذ قال له: أين أنت؟[29]] كأنه لا يراه، لأن آدم اعتزل النور الإلهي والبرّ، فصار تحت ظلال الخطيّة وظلمة الموت.] يُعلّق القدّيس أغسطينوس على قول السيد: “لا أعرفكم” هكذا: [لا أراكم في نوري، في البرّ الذي أعرفه[30].] فالله لا يرانا في نوره عندما نطيل الصلوات باطلاً أو نكرز باسمه أو نصنع قوّات وإنما حينما نحيا معه وبه ونسلك طريقه. وفيما يلي بعض تعليقات للآباء في ذلك:

  • إنهم يتعجّبون لأنهم يعاقبون مع أنهم صنعوا معجزات، أمّا أنت فلا تتعجّب لأن كل المواهب إنّما أُعطيت لهم كهبة مجّانيّة لم يساهموا فيها من جانبهم بشيء، لذا فهم يعاقبون بعدل، إذ هم جاحدون مَن أكرمهم… لنخف أيها الأحبّاء ولنهتم بحياتنا جدًا فلا نُحسب أشرارا لأننا لم نصنع معجزات الآن. لأن المعجزات لا تفيدنا في شيء وكما أن عدم صنعها لا يضرّنا، إنّما نهتم بكل فضيلة[31].

القدّيس يوحنا الذهبي الفم

  • كتابة أسمائنا في السماء برهان على حياتنا الفاضلة، أمّا إخراج الشيّاطين فهو هبة من المخلّص، لذلك يقول للذين يفتخرون بعمل القوات دون ممارسة الحياة الفاضلة: “لا أعرفكم”، إذ لا يعرف الله طريق الأشرار[32].

القدّيس أثناسيوس الرسولي

  1. خاتمة الدستور

يختم السيّد المسيح دستوره بالقول: “فكل من يسمع أقوالي ويعمل بها أشبِّهه برجل عاقل بنى بيته على الصخرة، فنزل المطر وجاءت الأنهار وهبّت الرياح ووقعت على ذلك البيت، فلم يسقط، لأنه كان مؤسّسًا على الصخر. وكل من يسمع أقوالي هذه ولا يعمل بها يشبّه برجل جاهل بنى بيته على الرمل، فنزل المطر وجاءت الأنهار وهبّت الرياح وصدمت ذلك البيت فسقط، وكان سقوطه عظيمًا” [24-27].

ما هذا الصخر الذي تتأسّس عليه نفوسنا كبيت يسكنه الله، إلا شخص السيّد المسيح نفسه؟ وكما يقول القدّيس أغسطينوس: [الإنسان المؤسَّس على المسيح لا يخاف من الخزعبلات المظلمة، لأنه ماذا يعني بالمطر سوى أمورًا رديئة؛ كما لا يخشى َإشاعات البشر التي كما أظن يُرمز إليها بالرياح، أنه لا يخاف الحياة الزمنيّة التي تفيض على الأرض (كالأنهار) بالشهوات الجسديّة… أمّا الإنسان الذي يسمع ولا يعمل بها فيكون في خطر من هذه الأمور الثلاثة، لأنه بلا أساس راسخ، إنه يبني دمارًا[33].]      

يرى القدّيس أغسطينوس الصخرة الحقيقيّة التي يُبنى عليها البيت الروحي هي كلمة الله المكتوبة كما هي كلمة الله المتجسّد، إذ يقول: [لنحسب كتاب الله المقدّس كما لو كان حقلاً فيه نودّ إقامة مبنى. ليتنا لا نتراخى ولا نقف عند السطح بل نحفر إلى الأعماق حتى نبلغ الصخرة، ” والصخرة كانت المسيح” (1 كو 10: 4)[34].]

ويُعلّق القدّيس جيروم على العبارات السابقة، قائلاً: [المطر الذي يعمل على هدم البيت بلا رحمة هو الشيطان، والأنهار تُشير هنا إلى أضداد المسيح، والرياح إلى قوات الشرّ الروحيّة التي في الهواء، فإن مصارعتنا ليست مع دم ولحم بل الرؤساء، مع السلاطين، مع ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر، مع أجناد الشرّ الروحيّة في السمويّات” (أف 6: 12). هذه وقعت على ذلك البيت فلم يسقط، لأنه كان مؤسّسًا على الصخرة. على هذه الصخرة أسّس الله كنيسته، ومنها استمدّ الرسول بطرس اسمه: أنت بطرس وعلى هذه الصخرة ابني كنيستي” (مت 16: 18). على هذه الصخرة لا يوجد أثر للحيّة، لذا يقول النبي في ثقة: “وأقام على صخرة رجليّ” (مز 40: 2)، وفي موضع آخر يقول: “الصخور ملجأ للوبار” (مز 104: 18). فالوبار يلجأ إلى الصخور بكونه خائفًا… (وموسى النبي إذ كان كالوبار صغيرًا) قال له الرب بعد خروجه من أرض مصر: “إني أضعك في نقرة من الصخرة، واسترك بيدي حتى اجتاز ثم أرفع يدي فتنظر ورائي” (خر33: 22-23)[35].] هكذا إذ نشعر أننا صغار في حاجة إلى صخرة نلتجئ إليها نتقدّم إلى المسيح يسوع صخر الدهور نحتمي فيه، وعليه يقوم بناؤنا الروحي، هاربين من الحيّة التي لا تقدر أن تجد لها موضعًا في الصخرة الحقيقيّة فلا تقترب إلينا.

ليتنا لا نبني إيماننا على الرمل، أي الهرطقات، لئلا يقوم البناء سريعًا وينهدم أيضًا سريعًا. إنه الطريق السهل الواسع ونهايته الهلاك.

  1. دهشة الجماهير

فلما أكمل يسوع هذه الأقوال، بهتت الجموع من تعليمه، لأنه كان يعلّمهم كمن له سلطان وليس كالكتبة” [28]. حقًا ما أحوجنا أن يمسك السيّد نفسه بأيدينا لنحفر ونعمِّق في كتابه المقدّس، فنكتشفه أمامنا بل وفينا، نراه لا كمن يقدّم وصايا مجرّدة إنّما يعطي قوّة وسلطانًا. يتكلّم فينا عاملاً في حياتنا بروحه القدّوس ليتجلّى ببهائه في حياتنا الداخليّة ويحوّل سلوكنا إلى شهادة حق للحياة السماويّة المجيدة فيه.

[1]  In Matt. hom 23:1.

[2] Ser. on Mount, 2:59.

[3] Ser. on Mount, 2:63.

[4] الحب الأخوي، 1964م، ص 441.

[5]  Ladder 10:8,14.

[6] الحب وروح الإدانة، 1974م.

[7] In Matt. Hom., 23:1.

[8] In Matt. Hom.,  23:2.

[9] المطران أبيفانيوس الأماني الذهبيّة من مقالات إكليل في القدّيسين يوحنا الذهبي الفم، 1972، ص 140-141.

[10] In Matt. hom 23:3. 

[11] Ser. on Mount 2:68. 

[12] البتوليّة 17 (ترجمة: المرحوم سامي عبد الملك).

[13] Ser. on Mount 2:72. 

[14] In Matt. hom 23:5. 

[15] Ser. on N. T. 11. 

[16] In Matt. 7:7. 

[17] In Matt. hom 23:5. 

[18] Ser on Mount. 2:73. 

[19] In Matt. hom 23:7. 

[20] Ep. 61: 5. 

[21] In Matt 7:13. 

[22] On Prayer 19:3.

[23] Op. Iperfect. 

[24] In Matt. 7:13. 

[25] In Matt.  7:18. 

[26] In Rom hom. 13.

[27] Adv. Eunomius.

[28] Op. Imperfect. 

[29] On Ps. hom 1.

[30] In Ioan 49:20. 

[31] In Matt. Hom., 24:2. 

[32] Vita S. Antonii 38.

[33] Ser. on Mount 2:87.

[34] In Ioan 23:1.

[35] In Matt. 7:25.

تفسير انجيل متى 7 – الأصحاح السابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير انجيل متى 8 – الأصحاح الثامن – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير انجيل متى 8 – الأصحاح الثامن – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير انجيل متى 8 – الأصحاح الثامن – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير انجيل متى 8 – الأصحاح الثامن – القمص تادرس يعقوب ملطي

الاصحاح الثامن

أعماله الملوكيّة 1

بعدما قدّم لشعبه دستوره السماوي، متّحدثًا معهم بسلطان، صار يحدّثهم بلغة الحب العملي، مقدّمًا تطهيرًا وشفاءً للمرضى وتعزية للمتضايقين، وتحريرًا من سلطان الشيّاطين:

  1. تطهير الأبرص 1-4.
  2. شفاء غلام قائد المائة 5-13.
  3. شفاء حماة بطرس 14-17.
  4. دعوته للكنيسة 18-22.
  5. تهدئة الأمواج 23-27.
  6. مجنونا كورة الجرجيسيّين 28-34.

لم تتم المعجزات استعراضًا لقوّة لاهوت السيّد، وإنما حملت أولاً وقبل كل شيء إعلانًا عن محبّة الله الفائقة نحو الإنسان، وقد اختار الإنجيليّون عيّنات من معجزات السيّد غير المحصاة ليقدّموا لنا فكر الله من نحونا. فالإنجيلي متّى يقدّم لنا بعد عرضه للموعظة على الجبل تطهير الأبرص اليهودي، وشفاء غلام قائد المائة الأممي، المعجزة الأولى تكشف عن رسالة السيّد نحو اليهود، ألا وهي تطهيرهم من كل دنس حلّ بهم، والثانية رسالته نحو الأمم الذين تعرّضوا للهلاك بسبب العبادة الوثنيّة.

  1. تطهير الأبرص

ولما نزل من الجبل تبعته جموع كثيرة،

وإذا أبرص قد جاء وسجد له، قائلاً:

يا سيّد إن أردت تقدر أن تطهّرني” [1-2].

يقارن العلاّمة أوريجينوس بين التلاميذ الذين تقدّموا إلى السيّد على الجبل (مت 5: 1) ليسمعوا كلماته وبين الجماهير التي بقيت عند السفح ونزل السيّد إليهم، قائلاً: [إذ كان يسوع يُعلِّم على قمّة الجبل كان معه تلاميذه، هؤلاء الذين أُعطى لهم أن يعرفوا أسرار تعاليمه السماويّة، خلالها ينعم قلب العالم الجامد بمعرفة الخلاص وتنفتح عينا الأعمى اللتان اظلمّتا بظلال الهموم الأرضيّة بواسطة نور الحق… الآن إذ ينزل من الجبل تتبعه جموع كثيرة. إنهم لم يستطيعوا بطريق ما أن يصعدوا على الجبل، إذ تثقّلوا بأحمال الخطايا، فإن لم يُنزع عنهم هذا العبء لن يستطيعوا أن يرتفعوا إلى أعالي الأسرار الإلهيّة… لقد نزل إليهم الرب، أي تنازل إلى ضعفاتهم وعجزهم مُظهرًا رحمته نحو ضعفهم وبؤسهم، فتبعته الجموع: البعض لأنهم أحبّوه والكثيرون لأجل تعاليمه، وآخرون من أجل أعماله الشفائيّة وحنوّه.] وبنفس المعنى يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [لاحظ أن التلاميذ وحدهم قيل عنهم أنهم صعدوا ليسوع على الجبل، لكنّه إذ نزل يسوع من الجبل تبعته الجموع، وبالحق جموع كثيرة لأن الجبل هو قمّة الفضيلة وبرج الكنيسة، حيث لا تقدر الجموع أن تأتي إلى المسيح وتقترب منها، إذ كانوا مثقّلين بالخطيّة أو الاهتمامات الزمنيّة… لكنّه بحنوّه السامي نزل إلى من هم أسفل هؤلاء الذين بسبب الضعف البشري لم يقدروا أن يسمعوه على قمّة الجبل، عندئذ تبعته الجموع[1].]

يقول القدّيس جيروم: [بعد إلقاء عظته وتعليمه سنحت الفرصة لعمل معجزة بها يثبّت العظة التي سُمعت حالاً[2].]

بعد إلقاء الموعظة التقى به أبرص، إذ يقول الإنجيلي:

وإذ أبرص قد جاء وسجد له، قائلاً:

يا سيّد إن أردت تقدر أن تطهّرني” [2].

يرى القدّيس أمبروسيوس في تطهير هذا الأبرص صورة رمزيّة حيّة لتطهير كل إنسان قادم إلى كلمة الله الحي،ّ لينال منه تطهيرًا عن خطاياه. لهذا يقول: [في هذه الحادثة لم يعيّن البشير اسم المكان الذي تمّت فيه المعجزة، مشيرًا إلى أن الذي شفي لا ينتمي إلى مدينة معيّنة، وإنما لشعوب العالم أجمع.] يعود فيقول: [لم يُطهِّر الرب أبرصًا واحدًا، إنّما يُطهِّر الكل قائلاً: أنتم الآن أنقياء بسبب الكلام الذي كلّمتكم به (يو 15: 3). فإن كان شفاء البرص يتم بواسطة كلمة الرب، فإن احتقار كلمة الرب هو البرص الذي يصيب الروح[3].]

ويقدّم لنا هذا الأبرص صورة حيّة للصلاة الحقيقيّة من جانبين:

أولاً: جاء للسيّد وسجد له قبل أن ينطق بكلمة تخص احتياجاته، وكأنه يقدّم العبادة لله والخضوع له أولاً. يطلب ما لله قبل أن يسأل ما لنفسه. بهذه الروح جعلت الكنيسة صلاة الشكر في مقدّمة كل الليتورجيّات والصلوات الجماعيّة والخاصة، مقدّمين ذبيحة الشكر لله قبل أن نسأله شيئًا لأنفسنا، معلنين حبّنا له!

ثانيًا: لم يطلب الأبرص شيئًا محدّدًا لكنّه يعرض آلامه على مخلّصه، تاركًا الأمر بين يديه، فلم يقل له “طهّرني”، وإنما إن أردت تقدر أن تطهّرني. يتكلّم في ثقة وإيمان بإمكانيّة السيّد وحبّه ورعايته وحكمته، تاركًا أمر تطهيره بين يديه. بنفس الروح أرسلت أختا لعازر له قائلتين: الذي تحبّه مريض”.

يُعلّق العلاّمة أوريجينوس على كلمات الأبرص وبلسانه قائلاً: [إني أعرف أنك قادر أن تفعل كل شيء. وأنا لا أسألك سلطانك، ولا أطلب قدرتك، فإني أعرف أن البشر ضعفاء، لكنّني أطلب إرادتك. فإذا ما تمتّعت بإرادتك يتبعها السلطان الذي يحقّق هذه النعمة لي… لي الربح، ولك أنت التسبيح، وللمشاهدين معرفة متزايدة للحق خلال المعجزة… أنت الذي سبق فطهّرت بخادمك إليشع نعمان الأبرص الرئيس بسوريا، آمرًا إيّاه أن يغتسل في الأردن، الآن تقدر إن أردت أن تطهّرني[4].]

أمام هذا الإيمان “مدّ يسوع يده ولمسه، قائلاً: أريد فأطهر” [3]. إذ ترك الأبرص الأمر في يديّ ربّنا الذي يحبّه؛ وفي محبّة مدّ يده قائلاً له: “أريد فأطهر” معلنًا سلطانه على البرص وإرادته الطيّبة نحو خليقته. لكن نتساءل: لماذا مدّ السيّد يده ولمسه؟

أولاً: يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [لم يقل فقط وإنما تبع القول العمل في الحال”[5].] حقًا إن السيّد هو كلمة الله صاحب السلطان الذي يقول فيكون، لكنّه ربط القول بلمس اليدّ كمثَل لنا، حتى تلتحم كلماتنا نحن أيضًا بعمل أيدينا، فلا نعيش كأصحاب كلام نظري، إنّما مع الكلمات نعمل بلا توقف. فنربط تسابيحنا وعبادتنا وقراءاتنا الإنجيليّة بأعمال المحبّة التقويّة، نحو الله والناس ونحو أنفسنا أيضًا. ليت صلواتنا تتزكّى بأعمال أيدينا بالروح القدس العامل فينا، فتصير مقبولة لدى الله! لهذا يقول الرسول: طلبة البار تقتدر كثيرًا في فعلها” (يع5: 16). سرّ اقتدارها ليس في الكلمات الخارجة، إنّما في الحياة المقدّسة في الرب، الحاملة لثمر الروح القدس العملي!

ثانيًا: يقول القدّيس كيرلّس الاسكندري: [لقد وهبه لمسة يده المقدّسة المعتنية به، وفي الحال تركه البرص وفارقه المرض[6].] ما أحوجنا إلى إدراك يدّ الله المترفّقة بنا، ورؤيتنا لرعايته الإلهيّة فيزداد إيماننا به وننال أكثر ممّا نطلب.

ثالثًا: بهذا التصرّف أوضح السيّد الفارق بينه وبين إليشع النبي، الذي لم يكن ممكنًا أن يلمس نعمان السرياني الأبرص، ولا خرج حتى للقائه، بل أرسل إليه يطلب منه أن يذهب إلى الأردن ويستحم فيه سبع مرّات. لقد خشيَ أن يتنجّس، أمّا السيّد فلمس الأبرص إذ لم يكن ممكنًا للبرص أن ينجِّسه بل يهرب البرص منه في الحال. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [لكي يوضّح الرب أنه يشفي لا كعبد بل كسيّد مطلق، لذلك لمسه أيضًا، فإن يده لا تتدنّس من البرص، بل يُطهِّر الجسد الأبرص بيده المقدّسة[7].] ويقول العلاّمة أوريجينوس: [لقد لمسه لكي يظهر أن كل شيء طاهر للطاهرين (تي 1: 15)، وأن دنس إنسان لا يلصق بغيره، ولا النجاسة الخارجيّة تنجّس طهارة القلب.] مرّة أخرى يقول على لسان السيد: [إني لا احتقر الناموس لكنّني أشفي الجرح! إنّني لا أكسر الوصيّة لكنّني أزيل البرص وأطهِّره، إذ أمدّ يدي يهرب البرص، ولا يقترب دنسه من كمالي، ولا يقاوم سلطاني[8].]

رابعًا: في دراستنا لسفر حزقيال رأينا أن “اليد” تُشير إلى أقنوم الابن، ومدّها إنّما يُشير إلى ظهوره أو تجسّده، فمدّ يد السيّد ولمس الأبرص إنّما يُشير إلى ظهوره حسب الجسد في وسط اليهود، وتلامسهم معه جسديًا كما روحيًا حتى يطهَّروا من كل دنس قد تعلّق بهم.

إذ طهّر الأبرص، “قال له يسوع: انظر أن لا تقول لأحد، بل اذهب أرِ نفسك للكاهن، وقدّم القربان الذي أمر به موسى شهادة لهم” [4].

يقول القدّيس كيرلّس الكبير: [لماذا أمره ألا يقول لأحد؟ حتى يتعلّم الذين ينالون من الله موهبة الشفاء ألا يطلبوا مديحًا ممن يشفونهم، ومجدًا من الآخرين، لئلا يسقطوا في الكبرياء الذي هو أشرّ الخطايا[9].]

لماذا أمره بالذهاب إلى الكاهن؟

أولاً: أراد السيّد تأكيد احترامه للشريعة التي هي من وضعه، فإنه ما جاء لينقضها بل ليكمّلها. لقد طالبه أن يؤكّد طهارته عن طريق الكهنة – كما في الشريعة – قبل أن يلتقي به أحد. في أكثر من موضع كشف السيّد موقفه من الكنيسة اليهوديّة، أنه ما جاء ليهدم بل ليبني، فإن هدَم إنّما يهدِم ما حملته القيادات الكنسيّة اليهوديّة من رياء وحب للظهور واهتمام بالزمنيّات وحرفيّة في الفهم وشكليّة في العبادة، لكنّه ما جاء ليثور على النظام في ذاته أو الطقس إن قدّم بروحه لا في حرفيّة قاتله. لقد جاء لكي يدخل بالرمز إلى كمال ما يرمز إليه. فإن كان مجيئه ينهي الكهنوت اللاوي لا يكون هذا بتدميره، وإنما بظهور كهنوت السيّد المسيح على طقس ملكي صادق.

ثانيًا: بإرساله للكهنة أراد شهادة عمليّة ملموسة بين يديّ الكهنة، ليدركوا أنه المسيّا المخلّص القادر على الإبراء من البرص. يقول القدّيس كيرلّس الكبير: [سمح للأبرص بذلك شهادة لهم… فقد عُرف اليهود في كل العصور بإعلانهم عن غيرتهم على الناموس، قائلين أن موسى كان خادمًا لإرادة السماء، وقد بذلوا كل طاقتهم للتقليل من شأن المسيح كمخلّص البشر، فقالوا صراحة: نحن نعلم أن موسى كلّمه الله، وأما هذا فما نعلم من أين هو” (يو 9: 29). لهذا كان من اللازم أن يقنعهم بهذه العلامات، أن كرامة موسى أقل من مجد المسيح. كان موسى مجرّد خادم أمين في بيت الله، أمّا المسيح فابن في بيت أبيه (عب 3: 5-6). شفاء الأبرص كان شهادة واضحة أن المسيح قد غيّر شريعة موسى بطريقة لا توصف. فإنه إذ تذمَّرت مريم أخت موسى عليه ضُربت بالبرص، وقد حزن موسى عليها حزنًا شديدًا، لكنّه عجز عن إزالة هذا المرض عنها. لقد سقط أمام الله يطلب منه: اللهمّ اشفها (عد 12: 13). لاحظ بعناية كيف وُجد هنا توسل مع صلاة وطلبة إلى السمو الإلهي، أمّا مخلّص البشريّة فبسلطان إلهي بحق يقول: أريد فأطهر. إذن شفاء الأبرص كان إنذارًا للكهنة، ليتعلّموا منه أن ظنّهم بأن موسى أعظم منه هو انحراف عن الحق. حقًا يليق بهم أن يكرموا موسى كخادم للناموس، معيّن للنعمة ومعروف للملائكة (غل 3: 19)، أمّا عمانوئيل فبالأكثر يُقدَّم له التسبيح والمجد بكونه ابن الآب الحق[10].]

ويقول القدّيس أمبروسيوس: [عندما يراه الكاهن (اليهودي) يتحقّق أنه لم ينل الشفاء حسب الناموس، لكن أبرأته نعمة الله التي تفوق الناموس[11].]

ثالثًا: بإرساله للكاهن أراد من اليهود أن يعيدوا النظر في طقس تطهير الأبرص (لا 14)، فيشهد لعمل السيّد المسيح الخلاصي، خاصة أمر العصفورين، حيث يذبح الواحد ويطير الآخر، إشارة إلى موت السيّد وقيامته، الأمر الذي أرجو الحديث عنه بأكثر تفصيل في دراستنا لسفر اللآويين.

رابعًا: يرى القدّيسان جيروم وأمبروسيوس في هذا التصرّف توجيه السيّد لنا بالخضوع للكهنة في الرب.

خامسًا: يرى القدّيس يوحنا الذهبي الفم في هذا التصرّف أن السيّد يعلّمنا تجنّب الكبرياء والافتخار[12]. إن كان رب المجد الذي يشفي بسلطانه الشخصي أراد أن يخفي أعماله العجيبة، فكم بالأكثر يليق بنا نحن الذين تحت الضعف أن نخفي ما ينعم به علينا السيّد، من عطايا ومواهب ونعم، حفظًا عليها من حرب محبّة مديح الناس، التي تقتل كل عطيّة صالحة. لنتمثل بوالديّ موسى النبي اللذين أخفيا الطفل جميل الصورة في بيتهما ثلاثة شهور فلم يقتله فرعون، مقدّمين لنا العظيم في الأنبياء. هكذا لنُخفِ كل فضيلة جميلة في بيتنا ولا نعرضها لفرعون الحقيقي، شيطان حب الظهور!

سادسًا: يرى القدّيس يوحنا الذهبي الفم أنه قد دفعه نحو الكنيسة ليقدّم ذبيحة شكر لله، معلقًا على هذا التصرّف بقوله: [ليتنا نقدّم لله التشكّرات على الدوام، فنجعلها تسبق كلماتنا وأعمالنا[13].] [ليتنا لا نقدّم التشكّرات فقط من أجل البركات التي تحل بنا، وإنما من أجل البركات التي تحل بالآخرين[14].] ويكمّل حديثه عن أهمّية الشكر بقوله: [هذا هو الأمر الذي يحرّر الإنسان من الأرض، ويرفعنا إلى السماء، ويجعلنا ملائكة بدلاً من أن نكون بشرًا. فإن الملائكة يشكِّلون طغمة تقدّم التشكّرات لله من أجل الصالحات الموهوبة لنا، قائلين: “المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة” (لو2: 14)[15].]

  1. شفاء غلام قائد المائة

ولما دخل يسوع كفرناحوم جاء إليه قائد مائة يطلب إليه ويقول:

يا سيّد، غلامي مطروح في البيت مفلوجًا متعذّبًا جدًا” [5-6].

لقد جاء هذا القائد الروماني يمثّل كنيسة الأمم المعذّبة جدًا في شخص العبد (الغلام) بسبب العبادة الوثنيّة، وجهلها التام عن حياة الشركة مع الله. لقد جاءت إليه تصرخ أن عبدها مطروح في البيت، مصاب بالفالج، وهكذا تقدّمت بالإيمان إلى السيّد المسيح الذي لم يقم في وسطها كما أقام في الأمة اليهوديّة، إنّما سمعت عنه خلال كلمة الكرازة، فطلبت الشفاء من الفالج الذي أصابها كل هذا الزمان.

إن كان السيّد المسيح لم يولد جسديًا وسط الأمم، لكنّه يقول لهم “أنا آتي واشفيه” [7]. إنه لا يستنكف من دخوله بيتهم الذي تدنّس بالأوثان، فهو عالم أنه بحلوله فيه تتحطّم الوثنيّة وُيطرد الشرّ، ويتحقّق الشفاء الروحي للنفوس التي تتقبّله. إنه وعد يُقدّم لكل نفس تشعر بفالج الخطيّة ومرارتها، وتصرخ إلى مخلّصها في أدب ووقار، وطرح عليه أتعابها وآلامها، لتسمع صوته المحب “أنا آتي واشفيه”. نعم تعال أيها الرب يسوع، لتحل بالإيمان فينا، أنت سرّ شفائنا.

إذ وعده السيّد بالذهاب إلى بيته ليشفي عبده، في تواضعٍ مملوءٍ إيمانًا أجاب: “يا سيّد لست مستحقًا أن تدخل تحت سقفي، لكن قل كلمة فقط فيبرأ غلامي، لأني أنا أيضًا إنسان تحت السلطان. لي جند تحت يدي، أقول لهذا اذهب فيذهب، ولآخر اِئْتِِ فيأتي، ولعبدي أفعل هذا فيفعل” [8-9]. لقد فاق الأممي اليهود أصحاب المواعيد، مظهرًا تواضعًا أمام الملك المسيّا، وإيمانًا بسلطانه الفائق.

  • دعا (قائد المائة) نفسه غير مستحق لدخول السيّد بيته، فأظهر نفسه مستحقًا لدخوله لا في بيته بل في قلبه. فلو لم ينطق قائد المائة هذه الكلمات في إيمان وتواضع ما استطاع قلبه أن يحتمل دخول من يخاف من دخوله تحت سقف بيته.

لا يُسر ربّنا كثيرًا بدخوله منزل قائد المائة قدر ما يُسر بدخوله قلبه. رب التواضع – سواء بالكلام أو العمل – جلس في منزل فرّيسي متكبّر يُدعى سمعان، ومع ذلك لم يكن في قلبه لكي يسند فيه رأسه (لو9: 58)… لم يدخل منزل قائد المائة لكنّه امتلك قلبه، أمّا زكا فقد قبل الرب في منزله كما في قلبه أيضًا (لو 19: 8).

  • لم يدخل (السيّد) منزل قائد المائة بالجسد؛ كان غائبًا عنه جسديًا، لكنّه كان حاضرًا فيه بجلاله، شافيًا غلامه… لقد كان الرب متجسّدًا بين اليهود وحدهم، فلم يُولد من عذراء ولا عاش بين شعوب الأمم… ومع هذا فقد تحقّق ما قيل عنه: شعب لم أعرفه يتعبّد لي (مز 18: 43)، ولكن كيف يتعبّد له دون أن يعرفه؟ من سماع الأذن يسمعون لي (مز 18: 44). لقد عرفه اليهود فصلبوه، وأما العالم كلّه فسمع عنه وآمن به[16].

القدّيس أغسطينوس

  • هذا السقف سِرِّيًا هو الجسد الذي يغطّي النفس، وغلق الذهن عن معاينة السماء، لكن الله لم يستنكف من أن يسكن في جسم ولا من أن يدخل تحت سقف جسدنا!

الأب خريسولوجيوس أسقف رافينا

  • حتى الآن يدخل تحت سقفنا خلال رؤساء الكنيسة القدّيسين والذين يُسر الله بهم… عندما تتناولون جسد الرب ودمه يدخل الرب نفسه تحت سقفكم، ففي تواضع ردّدوا: يا سيّد “لست مستحقًا…[17]

العلاّمة أوريجينوس

  • كن متسلّطًا على قلبك مثل ملك، لتجلس في عمق التواضع، تأمر الضحك أن يذهب فيذهب، وتدعو البكاء الحلو أن يأتي فيأتي، والجسد العبد العاصي أن يفعل هذا فيفعل[18].

القدّيس يوحنا الدرجي

فلما سمع يسوع تعجّب، وقال للذين يتبعون:

الحق أقول لكم لم أجد ولا في إسرائيل إيمانًا بمقدار هذا.

أقول لكم أن كثيرين سيأتون من المشارق والمغارب ويتّكئون مع إبراهيم واسحق ويعقوب في ملكوت السماوات.

وأما بنو الملكوت فيُطرحون إلى الظلمة الخارجيّة.

هناك يكون البكاء وصرير الأسنان.

ثم قال يسوع لقائد المائة: اذهب وكما آمنت ليكن لك،

فبرأ غلامه في تلك الساعة” [10-13].

حقًا ليس شيء يفرِّح الله مثل إيماننا به، فقد تعجّب السيّد عندما رأى في قائد المائة هذا الإيمان في قلبه ومُعلنًا على لسانه. يقول العلاّمة أوريجينوس: [لاحظ أي أمر عظيم، هذا الذي يجعل يسوع ابن الله الوحيد يتعجّب! فإن الذهب والغنى والممالك والسلاطين في عينيه كالظل أو كزهرة تذبل، ليس شيء من هذه الأمور تجعل الله يُعجب بها أو ينظر إليها كأمر عظيم أو ثمين اللهم إلا الإيمان! بهذا يعجب الله ويكرمه، ويتطلّع إليه كأمر مقبول لديه[19].]

يقول القدّيس أغسطينوس: [من الذي عمل فيه هذا الإيمان إلا ذاك الذي تعجّب منه؟!… أمّا كونه قد تعجّب إنّما لكي نعجب نحن أيضًا مقدّمًا نفسه مثالاً نقتدي به[20].]

بهذا الإيمان الذي يُعجب منه السيّد ليجتذبنا إليه، انفتح حضن آبائنا إبراهيم واسحق ويعقوب ليستقبلوا المؤمنين من الأمم، بينما حُرم منه أولادهم حسب الجسد الذين رفضوا هذا الإيمان، فلم ينعموا بالنور الإلهي معهم بل يُطرحون خارجًا في الظلمة.

لقد طُرد أبناء الملكوت – أي اليهود – من حضن إبراهيم، إذ يقول القدّيس أغسطينوس: [اليهود هم الذين تقبّلوا الناموس الحاوي أمثال الأمور المقبلة، لكنها إذ تحقّقت رفضوها[21].] ويقول القدّيس جيروم: [يدعى اليهود أبناء الملكوت، لأن سبق فملك عليهم من بين الأمم[22].] ويقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [لقد حسبهم كأبناء الملكوت هؤلاء الذين لأجلهم أُعد الملكوت، وبسبب رفضهم غضب[23].]

يُعلّق القدّيس أغسطينوس على حرمان أبناء الملكوت من الاتكاء مع آبائهم إبراهيم واسحق ويعقوب هكذا: [إن كان موسى قد قدّم لشعب إسرائيل إله إبراهيم واسحق ويعقوب وليس إله آخر، فإن هذا ما فعله المسيح. إنه لم يحاول أن يرد هذا الشعب عن إلههم، لذلك يُحذّرهم بأنهم سيذهبون إلى الظلمة الخارجيّة إذ يراهم يرتدّون عن إلههم، الذي دعا الأمم من كل العالم إلى ملكوته، ليتّكئوا مع إبراهيم واسحق ويعقوب، وذلك ليس إلا لأنهم تمسكوا بإيمان إبراهيم[24].]

يقول القدّيس جيروم: [تُدعى الظلمة خارجيّة، لأن من يسحب من عند الرب يصير النور خلفه[25].]

أما عن البكاء وصرير الأسنان فيرى القدّيس جيروم أن هذا يُشير إلى قيامة الجسد، ليشترك مع النفس في الجزاء. [إن كان يوجد بكاء للعيون وصرير للأسنان أي للعظام، فبالحق ستكون قيامة للأجساد التي سقطت.]

  1. شفاء حماة بطرس

ولما جاء يسوع إلى بيت بطرس رأى حماته مطروحة ومحمومة،

فلمس يدها فتركتها الحمى، فقامت وخدمتهم” [14-15].

أعلن السيّد اهتمامه ببيت خادمه أو تلميذه، فإن كان الخادم قد سلّم حياته في يديّ السيّد مشتهيًا أن تكون كل لحظة من لحظات عمره لحساب الخدمة، يعوِّضه الرب بالاهتمام بعائلته حتى في الأمور الزمنيّة.

إن كان في تطهير الأبرص اليهودي أعلن السيّد تطهيره لليهود القابلين الإيمان به، وبشفاء عبد قائد المائة أوضح شفاءه للأمم، فإنه بشفاء حماة بطرس أعلن اهتمامه بالنساء أيضًا إذ شفاها لتقوم فتخدمه. إنه يطلب خدمة كل إنسان.

ويُعلّق القدّيس أمبروسيوس على شفاء حماة بطرس التي أصابتها الحمى بقوله: [ربّما كانت حماة سمعان تصوّر جسدنا الذي أصابته حُمَّى الخطايا المختلفة ودفعته نحو الشهوات الكثيرة، فإن هذه الحَمى ليست بأقل من التي تصيب الجسد، إذ تحرق القلب!… لقد كانت (حماة سمعان) مطروحة ومسمّرة وأسيرة تتألّم بسبب حُمى الجسد، وكانت الضرورة تقتضي البحث عن طبيب، لكن من يستطيع أن يشفي جراحات الروح؟! أي طبيب يقدر أن يبرئ الآخرين وهو عاجز عن إبراء نفسه؟ من يقدر أن يهب الحياة للغير وهو عاجز عن الهروب بنفسه من الموت، لأن الجميع قد ماتوا في آدم، لأنه كما بإنسان واحد دخلت الخطيّة إلى العالم وبالخطيّة الموت هكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع؟ (رو 5: 12)[26].]

  1. دعوته للكنيسة

قدّم لنا معلّمنا متّى البشير أمثلة للدعوة. المثال الأول هو أن السيّد إذ رأى الجموع الكثيرة تلتف حوله أمر بالذهاب إلى العبر، فتقدّم إليه كاتب يقول له: “يا معلّم أتبعك أينما تمضي”. فقال له يسوع: “للثعالب أوْجرة ولطيور السماء أوكار، أمّا ابن الإنسان فليس له أين يسند رأسه” [18-20].

ما هي هذه الجموع الكثيرة التي التفَّت حوله إلا الطغمات السمائيّة التي تتعبّد له وتخدمه… لكنّه أمر بالذهاب إلى العبر، وكأنه قد حمل سفينة طبيعتنا البشريّة وترك سمواته ليأتي إلى أرضنا، فنلتقي به بعد العداوة التي حلّت بيننا وبينه بسبب خطايانا. لقد جاء إلينا وحلّ بيننا، فتقدّم إليه الكاتب اليهودي ممثِّلاً الأمة اليهوديّة كلها يسأله أن يتبعه، ظانًا أنه مَلكًا أرضيًا.

لقد التصق به اليهود أولاً بفكرهم المادي حاسبين أنه يخلّصهم من الاستعمار الروماني ويسيطر بهم على العالم… وبفكرهم المادي هذا وجدت الثعالب الماكرة لها أوْجرة في داخلهم، وطيور السماء المتشامخة في قلوبهم أوكارًا. سلكوا بخبث الثعالب وبكبرياء الطيور، فلم يكن ممكنًا أن يجد السيّد المسيح البسيط والمتواضع موضعًا في داخلهم يسند فيه رأسه. إن كان الآب هو رأس المسيح، فإن السيّد المسيح وهو يشتهي أن يستريح في كل قلب ليدخل بالآب فيه خلال الصليب لا يجد موضعًا للمصالحة مع الخبيث المتعالي.

ليهبنا الله قلوبًا متواضعة بسيطة فلا تجد الثعالب لها فينا أوْجرة ولا الطيور المتشامخة أوكارًا، إنّما يسند السيّد المسيح رأسه فيها، مقدّسا إيّاها هيكلاً مقدّسًا وسماءً ثانية، ومنزلاً له ولأبيه.

يقول القدّيس أغسطينوس: [لقد رفض رب المجد إنسانًا متكبّرا من تلمذته، هذا الذي أراد أن يتبعه… لقد قال له ما معناه: إن فيك خداعًا كالثعالب وكبرياء كطيور السماء، أمّا ابن الإنسان البسيط غير المخادع والمتواضع بلا كبرياء فليس له فيك أين يسند رأسه… إنه يسند رأسه ولا يرفعها، قاصدًا التواضع[27].]

يقول القدّيس جيروم: [إن هذا الكاتب قد رفضه (الرب) لأنه شهد المعجزات العظيمة وأراد أن يتبع المخلّص لينتفع من المعجزات. كان يتمنّى ما تمنّاه سيمون الساحر عندما أراد شراء الموهبة من بطرس، لهذا أدان المسيح إيمان هذا الكاتب وقال له: لماذا تريد أن تتبعني؟ هل من أجل الغنى والمكسب؟ إنّني فقير جدًا ليس لي مأوى أو حتى سقف يظلّلني![28]]

ويكتب القدّيس جيروم في إحدى رسائله موضّحًا كيف نقيم الموضع الذي فيه يسند السيّد رأسه، قائلاً: [ابن الإنسان ليس له أين يسند رأسه، فهل تخطط أنت لإقامة مبانٍ شاهقة وقاعات فسيحة؟! إن كنت تنظر أن ترث خيرات هذا العالم فإنك لا تستطيع أن تكون شريكًا مع المسيح في الميراث (رو8: 17)[29].]

المثال الثاني: “وقال له آخر من تلاميذه: “يا سيّد ائذن لي أن أمضي أولاً وأدفن أبي. فقال له يسوع: اتبعني ودع الموتى يدفنون موتاهم” [21-22].

إن كان الكاتب الأول قد تقدّم ليتبع السيّد وبسبب تمسكه بفكره المادي ورياء قلبه حُرم من التمتّع بالتلمذة له، فإن هذا الكاتب الآخر كان يمثّل الأمم الذين مات آباؤهم في عبادة الأوثان، وفي شعور بالعوز والاحتياج تقدّموا يطلبون التلمذة له. لقد قبلهم السيّد من أجل عطشهم وجوعهم للبرّ، سائلاً إيّاهم أن يتركوا الموتى أي يتركوا آباءهم الذين فقدوا حياتهم الروحيّة وعاشوا كأموات.

لعلّ هذا الكاتب كان مشتاقًا أن يتبع السيّد، وكأن العائق هو أباه الذي في سن الشيخوخة، فطلب السيّد منه أن يأذن له أن يبقى مع والده حتى يموت وعندئذ يكرِّس حياته له. طلب السيّد منه أن يترك الأموات حسب الروح أن يدفنوا من يموت حسب الجسد، أمّا هو فيتفرّغ للخدمة. وكأن السيّد أراد أن يميّز بين الأموات حسب الجسد والأموات حسب الروح.

خدمة دفن الأموات حسب الجسد أمر سهل يمكن للجميع أن يقوموا به، أمّا ما هو أهم، فهو دفن الأموات حسب الروح مع السيّد المسيح ليقوموا معه، أي خدمة الكرازة بالمسيح المصلوب القائم من الأموات حتى ينعم الأموات بالروح بالقيامة الروحيّة. بمعنى آخر يسأله السيّد ألا يبكي على الميّت حسب الجسد، حتى وإن كان والده، إنّما يبكي على الميّت حسب الروح، وإن كان ليس قريبًا له حسب الدم أو الجنس!

  • فلتبكِ بالأحرى على الذين يتركون الكنيسة بسبب جرائمهم وخطاياهم، الذين يسقطون تحت الدينونة بسبب أخطائهم[30].

القدّيس جيروم

  • كان هناك ميّت يحتاج إلى دفن، ووجد أموات أيضًا يدفنون الميّت. واحد ميّت بالجسد والآخرون أموات بالروح.
  • كيف يحدث موت للنفس؟ عندما لا يوجد إيمان! كيف يحدث موت للجسد؟ عندما لا توجد النفس! إذن فنفس النفس هو الإيمان. يقول المسيح: من آمن بي، وإن كان ميّتًا بالجسد، فإنه يحيا في الروح، حتى يقوم الجسد أيضًا ولا يموت بعد[31].

القدّيس أغسطينوس

  • كما أن الجسد يموت بفقده النفس التي هي حياته، هكذا تموت النفس بفقدها الله الذي هو حياتها.
  • يريدنا أن نموت لكي نعيش، فإنّنا نعيش لكي نموت!

القدّيس أغسطينوس[32]

  1. تهدئة الأمواج

ولما دخل السفينة تبعه تلاميذه،

وإذا اضطراب عظيم قد حدث في البحر حتى غطّت الأمواج السفينة،

وكان هو نائمًا.

فتقدّم تلاميذه وأيقظوه، قائلين: يا سيّد نجّنا فإنّنا نهلك.

فقال لهم: ما بالكم خائفين يا قليلي الإيمان؟

ثم قام وانتهر الرياح والبحر فصار هدوء عظيم.

فتعجّب الناس، قائلين: أي إنسان هذا،

فإن الرياح والبحر جميعًا تطيعه” [23-27].

دخل السيّد السفينة وتبعه تلاميذه، وفجأة حدث اضطراب عظيم، فقد عُرف بحر الجليل بالعواصف العنيفة المفاجئة، وهو بحيرة صغيرة طولها ثلاثة عشر ميلاً وأكبر أجزاء عرضها ثمانية أميال.

ما حدث إنّما يقدّم لنا صورة حيّة للكنيسة في جهادها في بحر هذا العالم، فإنها تُهاجَم بعواصف شديدة يثيرها الشيطان ضدّها، إذ لا يطيق المسيح الحالّ فيها رأسًا لها، فيظن حتى التلاميذ أحيانًا أنهم يهلكون. لكن يتجلّى مسيحها الحيّ ليعطيها سلامه. وما أقوله عن الكنيسة إنّما أكرّره بخصوص المؤمن كعضو في الكنيسة المقدّسة الذي ينعم بهذه العضويّة خلال مياه المعموديّة، فيتمتّع بسكنى السيّد المسيح فيه، ويصير ملكوتًا سماويًا وهيكلاً لله. هذا لا يعني توقُّف التجارب عن مهاجمته، بل بالعكس يزداد هجومها بالأكثر من أجل السيّد المسيح الساكن فيه. لكنها تعجز عن أن تهلكه مادام المؤمن في يدّ عريسه، في سهر روحي ويقظة بلا نوم.

يعلّل القدّيس يوحنا الذهبي الفم حدوث ذلك قائلاً:

[لقد نام لكي يعطي فرصة لظهور خوفهم، ولكي يجعل فهمهم لما يحدث أكثر وضوحًا… لكنه لم يفعل هذا في حضرة الجماهير حتى لا يُدانوا على قلّة إيمانهم، وإنما انفرد بهم وأصلح من شأنهم، وقبل أن يُهدئ عاصفة المياه أنهى أولاً عاصفة نفوسهم موبّخا إيّاهم: لماذا شككتم يا قليلي الإيمان؟ معلّمًا إيّاهم أيضًا أن الخوف سببه ليس اقتراب التجارب إنّما ضعف ذهنهم[33].]

هكذا يظهر السيّد المسيح معلّمًا مُحبًا وأبًا مترفّقا، يريد أن يكشف جراحاتهم ويظهر لهم ضعفهم دون أن يجرح مشاعرهم، إذ سحبّهم من وسط الجماهير ليعلّمهم عمليًا ما في قلوبهم وأذهانهم من ضعفات. إنه يقدّم لنا المثال الحق للأبوة الحانية التي لا تتساهل مع الخطيّة والخطأ، لكنها لا تشهِّر بالابن الخاطئ. تفضحه أمام نفسه لا أمام الآخرين، مرّة ومرّات، وأخيرًا إن احتاج الأمر يستخدم التأديب العلني كتوبيخه للكتبة والفرّيسيّين.

في أبوّته قدّم السيّد العلاج الأصيل مُظهرًا أن سرّ التعب الحقيقي ليست الرياح الخارجيّة والعواصف الظاهرة إنّما رياح النفس غير المستقرة وأمواجها الداخليّة بسبب عدم إيمانها، لهذا هدّأ نفوسهم في الداخل وعندئذ أسكت الخارج!

لقد نام السيّد في السفينة، الأمر الذي يحدث فينا حين نتعلّق بالخطايا ونتفاعل معها، ولا نترك ربّنا يسوع يعمل فينا ويقود سفينة حياتنا، لذلك يرى القدّيس جيروم أننا نوقظ السيّد بالتوبة عن خطايانا، إذ يقول: [إن كان بسبب خطايانا ينام فلنقل: استيقظ لماذا تتغافى يا رب؟! (مز 44: 23). وإذ تلطم الأمواج سفينتنا فلنوقظه قائلين: يا سيّد نجّنا فإنّنا نهلك (مت8: 25، لو8: 24)[34].]

ويرى القدّيس أغسطينوس[35] أن نوم السيّد المسيح إنّما هو تجاهلنا الإيمان له ونسياننا إياه، فيكون المسيح الذي يحلّ بالإيمان في قلوبنا (أف 3: 17) كمن هو نائم في قلوبنا. لهذا يلزمنا أن نوقظهk أي نستدعي إيماننا به. بالإيمان الحيّ نلتقي بعريسنا القادر وحده أن يهدّئ الأمواج الثائرة ضدّنا في الداخل كما في الخارج.

ويُعلّق أيضًا القدّيس أغسطينوس على هذه المعجزة سائلاً إيّانا أن نوقظ السيّد المسيح فينا بتذكُّرنا كلماته التي لها فاعليّتها فينا، إذ يقول:  

[البحارة هم النفوس التي تعبر هذا العالم في السفينة التي هي رمز الكنيسة. في الحقيقة كل إنسان هو هيكل الله، وقلبه هو السفينة التي تبحر ولا تغرق إن كانت أفكاره صالحة.

لقد سمعتَ إهانة، فهي ريح! لقد غضبتَ، فهذه موجه! إذ تهب الرياح (الإهانات) وتعلو الأمواج (الغضب) تصبح السفينة في خطر، ويصير القلب في تهلكةk يترنّح هنا وهناك.

عندما تسمع إهانة تشتاق إلى الانتقام، وتُسر بضرر الآخرين فتهلَك. لماذا يحدث هذا؟ لأن المسيح نائم فيك… إنك نسيت المسيح! أيقظه فيك، أي تذَكِّره. نبِّهه إلى اشتياقاتك بأنك تريد أن تنتقم… تذَكِّره، بتذكُّر كلماته، وبتذكُّر وصاياه…

ما قلته عن الغضب ينطبق على أية تجربة أخرى. فإنه إذ تهاجمك التجربة يكون ذلك ريحًا، وإذ تضطرب يكون أمواجًا. لتوقظ المسيح! دعه يتكلّم فيك… “أي إنسان هذا فإن الرياح والبحر جميعًا تطيعه”؟ [27] [36].]

ويرى القدّيس كيرلّس الكبير أن إيقاظ المسيح إنّما يعني الصراخ إليه وسط الضيقات والآلام والاتّكال عليه، إذ يقول: [المسيح حال وسط مختاريه، وإذ يسمح لهم بحكمته المقدّسة أن يعانوا من الاضطهاد يبدو نائمًا. ولكن إذ تبلغ العاصفة عنفها، والذين في صحن السفينة لا يقدرون أن يحتملوا، يلزمهم أن يصرخوا: قم لماذا تتغافى يا رب (مز 44: 23). فإنه يقوم وينزع كل خوف بلا تأخير. إنه ينتهر الذين يحزنوننا (أي عواصف الضيق، سواء كانت في الداخل أو الخارج، إن كانت حربًا من الشيطان أو تعبًا جسدانيًا أو مشاكل)، ويحوّل حزننا إلى فرح، ويكشف لنا سماءً مضيئة بلا اضطرابات، إذ لا يحوِّل وجهه عن الذين يتّكلون عليه.]

ويُعلّق القدّيس أغسطينوس أيضًا على خضوع الطبيعة له، قائلاً:

[لتمتثل بالرياح والبحر! أطع الخالق! لقد أصغى البحر للمسيح وأنت ألا تنصت له؟ سمع البحر وهدأت الرياح وأنت أفلا تهدأ؟ إنّني أقول وانصح بأن ما هذا إلا عدم هدوء وعدم رغبة في طاعة كلمة المسيح… لا تدع الأمواج تسيطر على قلبك فيضطرب. فإنّنا إن كنّا بشرًا لا نيأس متى هبّت الرياح وثارت عواصف أرواحنا، إذ نوقظ المسيح فنبحر في بحر هادئ ونصل إلى موطننا[37].]

وللعلامة أوريجينوس تعليق على هذا الحدث “تهدئة الأمواج” نقتطف منه الآتي:

[لم تثر العاصفة من ذاتها بل طاعة لسلطانه: “المُصعِد السحاب من خزائنه” (مز 135: 7)، “الذي وضع الرمل تُخومًا للبحر” (إر 5: 22)… فبأمره وكوصيّته ارتفعت العاصفة في البحر… لكن قدر ما تعظُم الأمواج الثائرة ضدّ القارب الصغير، يصعد خوف التلاميذ، فتزداد رغبتهم في الخلاص بأعاجيب المخلّص. لكن المخلّص كان نائمًا، يا له من أمر عظيم وعجيب!

هل الذي لا ينام ينام الآن؟! الذي يدبّر السماء والأرض، هل ينام؟…

نعم إنه ينام بجسده البشري، لكنّه ساهر بلاهوته… لقد أظهر أنه حملَ جسدًا بشريًّا حقيقيًا…

لقد نام في جسده، وبلاهوته جعل البحر يضطرب كما أعاد إليه هدوءه، نام في جسده لكي يوقظ تلاميذه ويجعلهم ساهرين.

هكذا نحن أيضًا إذ لا ننام في نفوسنا ولا في فهمنا ولا في الحكمة بل نكون ساهرين على الدوام، نمجِّد الرب ونطلب منه خلاصنا بشغف…

حقًا إن كثيرين يبحرون مع الرب في قارب الإيمان، في صحن سفينة الكنيسة المقدّسة، وسط حياة مملوءة بالعواصف، إنه نائم في هدوء مقدّس يرقب صبركم واحتمالكم، متطلّعا إلى توبة الخطاة ورجوعهم إليه.

إذن، تعالوا إليه بشغف في صلاة دائمة، قائلين مع النبي: استيقظ لماذا تتغافى يا رب؟ انتبه، لا ترفض إلى الأبد… قم عونًا واِفدنا من أجل اسمك” (مز 44: 23، 26).

إذ يقوم يأمر الرياح، أي الأرواح الشيطانيّة الساكنة في الهواء والمثيرة لعواصف البحر، والتي تسبب الأمواج الشرّيرة القاتلة… وتثير اضطهادات ضدّ القدّيسين وتسقط عذابات على المؤمنين في المسيح، لكن الرب يأمر الكل، وينتهر كل الأشياء، فيلتزم كل شيء بما عليه يدبّر كل الأمور ويهب النفس والجسد سلامًا، ويرد للكنيسة سلامها ويُعيد للعالم الطمأنينة…

إنه يأمر البحر فلا يعصاه، ويحدّث الرياح والعواصف فتطيعه!

يأمر كل خليقته فلا تتعدّى ما يأمر به، إنّما جنس البشر وحدهم هؤلاء الذين نالوا كرامة الخلقة على مثاله ووُهِب لهم النطق والفهم، هؤلاء يقاومونه ولا يطيعونه. هم وحدهم يزدرون به! لذلك فإنهم يُدانون ويعاقَبون بعدله! بهذا صاروا أقل من الحيوانات العجماوات والأشياء الجامدة التي في العالم بلا إحساس ولا مشاعر!]

  1. مجنونا كورة الجرجسيّين

يذكر معلّمنا متّى البشير أن السيّد المسيح بعد عبوره إلى البرّ شفى مجنونين بكورة الجرجسيّين، بينما يذكر معلّمنا مرقس (5: 1) ومعلّمنا لوقا (8: 26) أنه شفى مجنونًا بكورة الجدريّين، فهل هما حدث واحد أم أكثر؟

إذ يكتب معلّمنا متّى لليهود ذكر “كورة الجرجسيّين” محدّدًا المدينة وهي “جرجسة”، التي تقع على الشاطئ الشرقي لبحر الجليل، وهي لا تزال خرائب تعرف باسم “كرسة” مقابل مجدلة على مسافة خمسة أميال من دخول الأردن إلى البحيرة. وهناك بين وادي سمك ووادي فيق حيث تقترب الهضاب إلى البحر ممّا يسهل لقطيع الخنازير أن يندفع مهرولاً إلى البحر. أمّا القدّيسان مرقس ولوقا فإذ هما يكتبان للأمم لم يهتمّا بالبلدة وإنما باسم المقاطعة كلها “كورة الجدريّين”.

ويبدو أن أحد المجنونين كان شخصيّة معروفة هناك، وأن جنونه كان شديدًا بطريقة واضحة فاهتم به القدّيسان لوقا ومرقس متجاهلين المجنون الآخر.

يروي لنا الإنجيلي متّى هذه المعجزة هكذا:

“ولما جاء إلى العبر إلى كورة الجرجيسيّين استقبله مجنونان،

خارجان من القبور، هائجان جدًا،

حتى لم يكن أحد يقدر أن يجتاز من تلك الطريق.

وإذ هما قد صرخا قائلين: ما لنا ولك يا يسوع ابن الله،

أجئت إلى هنا قبل الوقت لتعذّبنا؟” [28-29]

بعد معجزة تهدئة الأمواج وإنقاذ السفينة التي هي الكنيسة قام السيّد بإنقاذ هذين المجنونين، وهما يشيران إلى عنف سطوة الشيطان على الإنسان، روحًا وجسدًا. كان المجنونان الخارجان من القبور يشيران إلى الروح والجسد، وقد خضعا لحالة من الموت بسبب الخطيّة، فقط ملك الشيطان على الروح، ففقدت شركتها مع الله، أي فقدت سرّ حياتها. وملك الشيطان على الجسد، ففقد سلامه مع الروح، وانحلّ بعيدًا عن غايته، فصارت دوافعه وأحاسيسه منصبّة نحو الذات، يطلب المتعة الوقتيّة. هذا هو فعل الخطيّة، أنها تدفن الروح والجسد كما في القبور، ويصير الإنسان كما في حالة هياج شديد لا يعرف السلام له موضع فيه، بل ولا يترك الآخرين يعبرون الطريق الملوكي. يتعثّر الآخرين، فلا ينعم بالحياة الحقيقية ويحرم الآخرين منها.

مجرّد عبور السيّد في الطريق فضح ضعف الخطيّة وأذل الشيطان الذي صرخ على لسان المجنونين: “مالنا لك يا يسوع ابن الله، أجئت إلى هنا قبل الوقت لتعذّبنا؟” هذا هو طريق خلاصنا من سلطان إبليس أن يعبّر بنا المسيّا المخلّص، الذي وحده يقيمنا من قبورنا ويحرّرنا من سلطان الخطيّة.

يقول القدّيس جيروم: [إذ رأت الشيّاطين المسيح على الأرض ظنّوا أنه جاء يحاكمهم! وجود المخلّص في ذاته هو عذاب للشيّاطين[38].]

وكان بعيدًا منهم قطيع خنازير كثيرة ترعى،

فالشيّاطين طلبوا إليه قائلين:

إن كنت تخرجنا فأذَِن لنا أن نذهب إلى قطيع الخنازير.

فقال لهم: امضوا. فخرجوا ومضوا إلى قطيع الخنازير،

وإذا قطيع الخنازير كلّه قد اندفع من على الجرف إلى البحر ومات في المياه.

أمّا الرعاة فهربوا ومضوا إلى المدينة،

وأخبروا عن كل شيء، وعن أمر المجنونين،

فإذا كل المدينة قد خرجت لملاقاة يسوع،

ولما أبصروه طلبوا أن ينصرف عن تخومهم” [30-34].

ربّما يتساءل البعض: لماذا سمح الله للشيّاطين أن تذهب إلى قطيع الخنازير؟ ما ذنب هذه الخليقة؟ وما ذنب أصحابها؟

أولاً: لم تحتمل الخنازير دخول الشيّاطين بل سقط القطيع كلّه مندفعًا إلى البحر ومات في الحال، وكأن السيّد أراد أن يوضّح عنف الشيّاطين، فما حدث للمجنونين كان أقل بكثير ممّا حدث للخنازير… معلنًا أن الله لم يسمح للشيّاطين أن تؤذي المجنونين إلا في حدود معيّنة.

يُعلن القدّيس يوحنا الذهبي الفم على ما حدث للخنازير عندما دخلتها الشيّاطين، قائلاً: [هكذا تفعل الشيّاطين عندما تسيطر! هذا مع أن الخنازير بالنسبة للشيّاطين ليست ذات أهمّية، أمّا نحن فبالنسبة لهم توجد بيننا وبينهم حرب بلا هوادة، ومعركة بلا حدود، وكراهيّة بلا نهاية. فإن كان بالنسبة للخنازير التي ليس بينهم وبينها شيء هكذا لم تحتمل الشيّاطين أن تتركها ولا واحدة منها، فكم بالأكثر تصنع بنا ونحن أعداء لهم… ماذا يصنعون بنا لو كنّا تحت سيطرتهم؟! أيِّ مضارٍ شديدة لا يحدقوننا بها!! لهذا سمح الرب لهم أن يدخلوا قطيع الخنازير حتى نتعلّم عن شرّهم بما فعلوه بأجساد الحيوانات غير العاقلة، ونعرف ما يحدث لمن تمتلكهم الشيّاطين… إنه يحدث لهم ما حدث مع الخنازير[39].]

ثانيًا: أعلن السيّد بتصرّفه هذا تقييمه للنفس البشريّة، فهو مستعد أن يترك قطيع الخنازير يهلك من أجل إنقاذ شخصين!

وكما يقول القدّيس جيروم: [ليخز ماني القائل بأن أرواح الناس والبهائم واحدة من نفس العنصر… إذ كيف يكون خلاص رجل واحد على حساب غرق ألفين من الخنازير![40]]

ثالثًا: أظهر الرب عنايته بخليقته فإنه لن تستطيع الأرواح الشرّيرة أن تدخل حتى في الخنازير بدون استئذانه. يقول القدّيس سيرينوس: [إن كان ليس لديهم سلطانًا أن يدخلوا الحيوانات النجسة العجم إلا بسماح من الله، فكم بالأحرى يعجزون عن الدخول في الإنسان المخلوق على صورة الله[41]!]

ويقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [إننا نستطيع من أمر إخراج الشيّاطين أن نُدرك كِلا الأمرين: حنوّ الله، وشرّ الشيّاطين. شرّ الشيّاطين بإقلاقهم نفسي المجنونين، وحنوّ الله عندما صدّ عنهما الشيّاطين القاسية ومنعهم. فالشيطان الذي وجد له مسكنًا في المجنون، رغب أن يؤذيه بكل قوّته، لكن الله لم يسمح له أن يستخدم كل قوّته بكاملها… بل ألزمه بالفضيحة بقوّة بعودة الإنسان إلى حواسه، وظهور الشرّ بما حدث في أمر الخنازير[42].]

رابعًا: ربّما سمح الله بذلك تأديبًا لأصحاب الخنازير، إذ كانت تربيتها ممنوعة حسب الناموس.

أما ثمرة هذا العمل الإلهي هو إنقاذ المجنونين، ولكن للأسف لم يحتمل أهل الكورة الخسارة الماديّة، فطردوا رب المجد من كورتهم. وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم [إن اللذين سقطا تحت سلطان الأرواح الشرّيرة أمكن خلاصهما منها بسهولة، أمّا الطامعون (أصحاب الخنازير) فلم يقدروا أن يحتملوا السيّد ولا أطاعوا وصيّته. الساقطون تحت سيطرة الأرواح الشرّيرة يستحقّون عطفنا ودموعنا، أمّا الساقطون تحت الطمع فهم أكثر منهم مرارة!]

وإن كان القدّيس جيروم[43] يرى في تصرّف أهل الكورة تواضعًا إذ حسبوا أرضهم ليست أهلاً لوجود السيّد عليها، ذلك كما طلب بطرس الرسول من السيّد أن يخرج من سفينته.

 

[1] PG 56:747.

[2] Catena Aurea.

[3] تفسير لو 5: 12-16 ترجمة مدام عايدة حنا بسطا.

[4] PG 56:747.

[5] In Matt. hom 25:2.

[6] PG 72:553-563.

[7] In Matt. hom 25:2.

[8] PG 56:747.

[9] PG 72:553-563.

[10] PG 72:553-563.

[11] تفسير لو 5: 12-16 ترجمة مدام عايدة حنا.

[12] In Matt. hom 25:3.

[13]  In Matt. hom 25:3.

[14] In Matt. hom 25:3.

[15] In Matt. hom 25:3.

[16] Sermon on N. T. , hom 12.

[17] Catena Aurea.

[18] Ladder, Step 7:39.

[19] Catena Aurea.

[20] Super Gen. Contra Manich 1:8.

[21] Verb Dom 5.

[22] Catena Aurea.

[23] In Matt. hom 27.

[24] Contra Faust.

[25] Hom. 27.

[26] تفسير لو 4 (ترجمة مدام عايدة حنا).

[27] Ser. on N. T. 12. 

[28] In Matt. hom 8:19,20. 

[29] Ep. 14:6.

[30] Ep. 122:1.

[31] In Ioan. 49:15.

[32] In Ioan.  23:9; 47:8.

[33] In Matt. hom 28:1.

[34] Ep. 108:3.

[35] See In Ioan. 49:9.

[36] Ser. on N. T., hom 13.

[37] Ser. on N. T., hom 13.

[38] In Matt. 8:29.

[39] للمؤلف: هل للشيطان سلطان عليك؟ 1972م، ص 35.

[40] In Matt. 8:29.

[41] Cassian: Conf. 7:22.

[42] هل للشيطان سلطان عليك؟ 1972م، ص 36.

[43] In Matt. 8:29.

تفسير انجيل متى 8 – الأصحاح الثامن – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير انجيل متى 9 – الأصحاح التاسع – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير انجيل متى 9 – الأصحاح التاسع – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير انجيل متى 9 – الأصحاح التاسع – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير انجيل متى 9 – الأصحاح التاسع – القمص تادرس يعقوب ملطي

الأصحاح التاسع

أعماله الملوكيّة 2

يستعرض معلّمنا متّى الإنجيلي جانبًا من أعماله الملوكيّة:

  1. شفاء المفلوج 1-8.
  2. دعوة متّى 9-13.
  3. مفهوم الصوم 14-17.
  4. إقامة الصبيّة 18-26.
  5. شفاء أعميين 27-31.
  6. شفاء مجنون 32-34.
  7. الكرازة في المدن والقرى 35-38.
  8. شفاء المفلوج

“فدخل السفينة واجتاز وجاء إلى مدينته” [ع 1].

ما هي مدينته؟

أولاً: من الجانب الروحي يمكن أن نفهم مدينته أي مدينة الله على أنها السماوات، فإن السيّد المسيح بعدما شفى المجنونين أي قدّم الخلاص لليهود والأمم، وإن كان قد رفضه أهل الكورة، أي أهل العالم المحبّين للعالم والمستعبدين للزمنيّات، ركب السفينة التي هي كنيسته المقدّسة ليبحر بها خلال مياه هذا العالم إلى مدينته الإلهيّة، التي هي السماوات، لتستريح هناك في الحضن الإلهي.

ثانيًا: ما هي مدينة الله إلا كنيسته التي يسكن في وسطها، ويُعلن ملكوته الأبدي في داخلها. فعودة السيّد إلى مدينته بعد رفضه في كورة الجرجسيّين إنّما يُشير إلى دخوله في حياة مؤمنيه بعدما رفضه اليهود. يقول القدّيس هيلاري أسقف بواتييه: [بطريقة سرّيّة إذ رفضته اليهوديّة عاد إلى مدينته، مدينة الله هي الشعب المؤمن، إذ دخل إليهم بواسطة السفينة، أي خلال الكنيسة[1].]

خلال هذا المفهوم يمكننا أن ندرك سرّ استخدامه السفينة في العبور إليها، فإنه كان قادرًا أن يسير على المياه دون أن يغرق. لكنّه إذ يدرك حاجة السفينة إليه، يتظاهر بحاجته إليها، لكي تقبله فيها، فيستلم قيادتها ويعبر بها إلى الميناء الأبدي بسلام. لقد نزل إلينا يحمل جسدنا لا ليسير على المياه، وإنما ليدخل السفينة كواحدٍ منّا فيقودنا، أمّا سيره على المياه إنّما يستخدمه عند الضرورة ولتأكيد غلبته على العالم الشرّير. لو سار السيّد في كل مرّة على المياه لما تأكّدنا من ناسوته، ولظن البعض خيالاً لا يحمل طبيعتنا، فنُحرم من دخوله إلى السفينة، وتحرم السفينة من قدرتها على الإبحار.

ثالثًا: من الناحية الجغرافيّة فإن مدينته هي كفرناحوم كما يظهر من إنجيل مار مرقس (2: 1)، فقد كانت هذه المدينة هي مركز خدماته وتنقّلاته في تلك المرحلة من خدمته. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [مدينته هنا تعني كفرناحوم. لقد استقبلته مدينة في ميلاده هي بيت لحم، ثم أخرى فيما بعد هي الناصرة، فثالثة استقبلته كمواطن فيها هي كفرناحوم[2].] لقد قبل في ميلاده بيت لحم أي بيت الخبز كموضع ميلاده، مقدّمًا نفسه خبزًا لكل جائع، يأتي إليه فيها البسطاء كالرعاة، والحكماء المتواضعين كالمجوس، اليهود كما الأمم. وبعد عودته من مصر يتقبّل الناصرة، أي الغصن أو المحتقر كموطن له، حتى يلتقي به كل من يقبل الاتّحاد معه كغصن في الكرمة (يو 15: 2)، وأخيرًا يقبل كفرناحوم موطنًا له، أي كفر التعزية، أو النياح, الموضع الذي فيه تجد كل نفس تعزيتها وراحتها بروحه القدّوس المعزّي.

العجيب أن الابن الكلمة الذي به كان كل شيء، إذ قبل إنسانيّتنا اشترك معنا في كل شيء ما عدا الخطيّة، فقبِل أن تكون له مدينته أو وطنه، مقدّسًا بهذا حق “المواطنة”، فيلتزم كل مسيحي بالأمانة نحو وطنه، مقدّمًا ما لقيصر لقيصر وما لله لله. كأن اتّساع قلبه لكل البشريّة إنّما يكمّله التزامه بواجباته الوطنية.

ماذا يفعل السيّد في مدينته؟

“وإذا مفلوج يقدّمونه إليه مطروحًا على فراش.

فلما رأى يسوع إيمانهم قال للمفلوج:

ثق يا بنيّ مغفورة لك خطاياك” [2].

دخل السيّد إلى مدينته، أي إلى شعبهن لكي يشفي فالج نفوسهم الداخلي، واهبًا الصحّة لنفوسهم التي فقدت كل حيويّتها، وعندئذ يشفى أجسادهم من الفالج الظاهري. هذا ما صنعه السيّد ويصنعه في كل جيل، فخلال قيامته وهب نفوسنا – بالإيمان – الحياة الجديدة، فتخرج من مياه المعموديّة مقامة معه تنعم بالميلاد الروحي الجديد، خلال هذه القيامة الداخليّة نسلك في رجاء ننتظر فداء أجسادنا، كقول الرسول: “نحن الذين لنا باكورة الروح نحن أنفسنا أيضًا، نئن في أنفسنا، متوقّعين التبنّي فداء أجسادنا، لأننا بالرجاء خلصنا” (رو 8: 23-24). نلنا فيه قيامة النفس لندخل ملكوته الألفي الذي نحياه الآن، منتظرين قيامة أجسادنا في يوم الرب العظيم إلى سماواته، فنراه وجهًا لوجه ونحيا معه بلا تغرّب.

يُعلّق القدّيس جيروم على اهتمام السيّد بالنفس قائلاً: [في هذا نجد مثالاً للنفس المريضة الراقدة في جسدها وقد خارت قواها، وها هي تُقدّم للرب الطبيب الكامل واهبًا إيّاها الشفاء[3].]

ويرى القدّيس هيلاري أسقف بواتييه في هذه المعجزة صورة حيّة لعمل السيّد المسيح داخل الكنيسة إذ يغفر الخطايا واهبًا النفس الشفاء متمتّعة بالبنوّة لله، إذ يدعوه “يا بنيّ“، الأمر الذي عجز عنه الناموس، كما يقول القدّيس: [في المفلوج أُحضر إليه كل الأمم لينالوا الشفاء… لقد دعاه “يا بنيّ” لأنه عمل الله. لقد غفر له خطاياه، الأمر الذي لم يستطع أن يفعله الناموس، إذ بالإيمان وحده (لا الناموس) يتبرّر. إنه يُعلن قوّة القيامة بحمله السرّير ليعلِّم بأن في السماء ستكون الأجساد بلا ضعفات[4].]

لقد لفت أنظار آباء الكنيسة في هذه المعجزة اهتمام الإنجيليّين بالكشف عن فاعلية حياة الشركة الروحيّة، فيستند المؤمن على إخوته في المسيح يسوع ربّنا، كما يسند هو الآخرين، ويعيش الكل كبناء واحد متكامل يرتكز على “المسيح يسوع” حجر الزاوية.

لقد حمل المؤمنون المفلوج، وشفاه الرب من أجل إيمانهم، إذ يقول الإنجيلي: “فلما رأى يسوع إيمانهم قال للمفلوج: ثق يا بنيّ مغفورة لك خطاياك” [2]. ما أحوجنا أن نُحمل بإيمان الآخرين، ونحمل نحن الآخرين بإيماننا!

  • ليتنا أول كل شيء نردّد ما سبق فقلناه، إنه إن كان أحد مريضًا فليطلب صلوات الآخرين حتى يردُّوه إلى الصحّة (مت 9: 2)، فخلال شفاعتهم يُردْ هيئة جسدنا الواهن، أي خطوات أعمالنا المتردّدة إلى الصحّة، بعلاج الكلمة السماوي. ليتهم يسندوا النفس حتى تقوم، هذه الملقاة بلا حراك في ضعف الجسد الخارجي، فإنه خلال معونتهم يحمل الإنسان كلّه ويدُلى في حضرة يسوع، فيتأهّل لأن يكون موضع رؤية يسوع.
  • هل فقدت الثقة بسبب خطاياك الخطيرة؟ أطلب صلوات الآخرين! استدع الكنيسة فتصلّي عنك، فإن الرب يتطلّع إليها ويهبك ما يرفضه بالنسبة لك.

القدّيس أمبروسيوس[5]

إن قارنّا بين شفاء هذا المفلوج وشفاء مفلوج بيت حسدا (يو 5)، نجد أن السيّد المسيح هنا ينتظر في البيت، لا لكي يدخل به أحباؤه، وإنما لكي ينقبوا أيضًا السقف ويدلّوه، أمّا الآخر فذهب السيّد نفسه إليه يسأله إن كان يريد أن يبرأ. هذا المفلوج شُفيت نفسه أولاً من الخطيّة، وعندئذ حمل سريره ومشى، أمّا الآخر فشُفى جسده أولاً، وبعد ذلك التقى به ليطالبه ألا يخطئ بعد. فهل لدى الله محاباة، يعامل إنسانًا بطريقة، والآخر بطريقة أخرى؟ إنه بلا شك الأب محب البشر الذي يعرف أن يقدّم لكل ابن ما هو لبنيانه، فهو لا يميّز بين البشر، إنّما يميّز في الوسيلة بما يناسب كل أحد. فالمفلوج هنا له أصدقاؤه الذين يحبّوه ويقدرون أن يحملوه بعدما أخبروه عن أعمال المسيّا التي انتشرت. لهذا انتظرهم السيّد ليحملوا فيهم الروح الكنسيّة الجماعيّة، وينالوا إكليل الحب الجماعي. وبدأ بشفاء نفسه، لأن المريض يدرك الكثير عن المسيح وأعماله، فأراد أن يوجّهه إلى شفاء الفالج الداخلي. أمّا مفلوج بيت حسدا فله ثمانية وثلاثون عامًا في المرض، ليس له من يسنده ولا من يعينه، تحطّمت نفسه. فهو محتاج إلى مجيء السيّد بنفسه إليه، وشفاء جسده أولاً عندئذ يوجّهه إلى حياته الداخليّة[6].

مقاومة الكتبة

إن كان المؤمنون يحملون بعضهم البعض، ويسندون بعضهم البعض لكي ينعم الكل بالحضرة الإلهيّة، ويتمتّع المريض بشفاء النفس والجسد، كما فعل حاملو المفلوج، فإنه يوجد أيضًا من هم بالكبرياء يحطّمون غيرهم. كان يلزم للكتبة أن يحملوا المفلوج للسيّد، لأنهم مؤتمنون على الشريعة التي غايتها الدخول بالنفوس المصابة بالفالج إلى المسيّا المخلّص، لكنهم عِوض أن يكرزوا لاخوتهم ويشهدوا للمسيح فينالوا الشفاء، صاروا ناقدين يشوّهون الحق ويقاومون العمل الإلهي. صاروا يجدّفون على السيّد في أفكارهم، لكن السيّد لم يتركهم في شرّهم، ولا تجاهل خلاصهم، إنّما في رقة وبّخهم، لا ليفحمهم، وإنما بالأحرى لكي ينقذ أفكارهم من التجديف المهلك، قائلاً لهم: “لماذا تفكّرون بالشرّ في قلوبكم. أيّهما أيسر: أن يقال لك مغفورة لك خطاياك، أم أن يقال: قم وأمش؟ ولكن لكي تعلموا أن لابن الإنسان سلطانًا على الأرض أن يغفر الخطايا حينئذ قال للمفلوج: قم احمل فراشك واذهب إلى بيتك” [4-6]. لقد أكّد لهم أنه الله العالم بالأفكار، فكشف لهم ما بداخلهم، وأكّد لهم أنه غافر الخطايا بطريقة ملموسة تناسب فكرهم المادي بشفائه المفلوج فورًا. لقد غفر للمفلوج خطاياه، وهاهو يفتح الباب لهم كي ينعموا هم بما ناله.

حمل السرير

بلا شك لحمل السرّير ذكريات مرّة عند المفلوج، فقد نام عليه سنوات طويلة يئن من المرض والحرمان؛ كان يمثّل القيد الذي ارتبط به زمانًا طويلاً أفقده بهجة الحياة وحيويّتها. حمْل السرّير إنّما يُشير إلى تذكُّر الخطايا الماضية فيقدّم الإنسان شكره الدائم لله واهب الحياة. حمْل السرّير يسند النفس فلا تسقط في الكبرياء، إذ تذكر سنوات العبوديّة المرة للمرض.

يرى القدّيس أمبروسيوس في حمْل هذا السرّير صورة رمزيّة لقيامة الجسد، فبعدما كانت النفس تحمل الجسد كسرير ألم مرّ، يصير في القيامة سرّ بهجة دائمًا لا يتعرّض بعد لتجربة أو ألم، إذ يقول: [ماذا يعني هذا السرّير الذي طُلب منه أن يحمله، إلا أن يقدّم جسده البشري؟ هذا هو السرّير الذي كان داود يغسله كل ليلة كما نقرأ: أغسل سريري، أغسل فراشي بدموعي” (مز 6: 7). هذا هو سرير الألم الذي تضطجع فيه نفسنا المريضة بعذاب الضمير الخطير. لكن إن حمَل أحد هذا السرّير بوصايا المسيح لا يعود بعد سريرًا للألم بل للراحة. فما كان قبلاً موتًا بدأ الآن يصير للراحة، وذلك بفعل مراحم الرب التي غيرّت نوم موتنا إلى نعمة بهجة الرب[7].]

العودة إلى بيته

أمَره السيّد: “اذهب إلى بيتك” [6]، يؤكّد الإنجيلي أنه مضى إلى بيته، فما هو هذا البيت الذي حُرم منه المفلوج طوال هذا الزمان من مرضه؟

لقد حرمت الخطيّة الإنسان من بيته الأول، أي الفردوس، فخرج منه يحمل أثقال المرارة، ويدب فيه الموت الأبدي، وقد بقيَ في الناموس الطبيعي فالموسوي كمن هو متغرّب في الشوارع، عاجز عن العودة إلى حياته الفردوسية الأولى، والراحة في البيت الذي أقامه له الرب نفسه. نستطيع أيضًا أن نقول بأنه بيته الحقيقي هو “الله” نفسه، ففيه وحده يستريح الإنسان كمن في حضن أبيه، وإذ صار بالخطيّة في عداوة مع أبيه جاء الابن الوحيد إلينا، وحملنا فيه، ليدخل بنا إلى حضن أبيه أولادا لله. هذه هي العودة إلى بيتنا الأول!

  • لم يأمره فقط أن يحمل سريره، وإنما أن يعود أيضًا إلى بيته، أي أخبره أن يعود إلى الفردوس، فإن هذا هو بيت الإنسان الحقيقي، الذي استقبله أولاً، هذا الذي فقده ليس خلال الناموس وإنما خلال الضلال. حقًا لقد أُعيد إلى بيته، إذ جاء من هو بالحق يحطم الضلال ويعيد الحق[8].

القدّيس أمبروسيوس

  • خُلق الإنسان لكي يتطلّع إلى خالقه، ويسكن في جماله، ويحيا في فرح محبّته، لكن بالعصيان فقد مسكنه وصار يتجوّل في الطرق المظلمة، وذهب بعيدًا عن مسكن النور الحقيقي.
  • الخالق نفسه هو موضع الإنسان، لكن ليس كمكان، فقد جبله ليسكن فيه. وإذ أعطى الإنسان أُذنه للمجرِّب هجر مسكنه، هجر حب الخالق. لكي يخلّصنا القدير ظهر لنا جسديًا، وإن أمكنني القول، أنه اقتفى أثر الإنسان الذي هرب منه وجاء به إليه كموضع يُحفظ فيه الإنسان المفقود.

الأب غريغوريوس (الكبير)[9]

  1. دعوة متّى

يروي لنا الإنجيلي متّى قصة دعوته لتبعيّة المسيح في كلمات مختصرة: “وفيما يسوع مجتاز من هناك، رأى إنسانًا جالسًا عند مكان الجباية اسمه متّى، فقال له: اتبعني، فقام وتبعه” [9].

كان متّى (لاوي) جالسًا عند مكان الجباية وكان قلبه وكل أحاسيسه وأفكاره قد اِمتُصِّت بالكامل في أمور هذه الحياة وغناها. وكان الأمر يحتاج إلى كلمة من السيّد المسيح: “اتبعني“، قادرة أن تفك رباطاته وتسحب قلبه إلى السماويات، دون تردّد، وبغير حاجة إلى مشورة عائلته أو أصدقائه.

لحق الإنجيلي دعوته باجتماع السيّد بالعشّارين والخطاة، أو كما يقول الإنجيلي لوقا: “صنع له ضيافة كبيرة في بيته، والذين كانوا متكئين معهم كانوا جمعًا كثيرًا من عشّارين وآخرين” (لو 5: 29).

حقًا إذ يتقبّل الإنسان نعمة الله الغنيّة يتبرّر القلب من مكان الجباية حيث دفاتر الحسابات والخزائن المكدّسة بالمال، لا ليعيش في عوزٍ، وإنما ليتقبّل السيّد المسيح نفسه سرّ شبعه وغناه. يقول الرسول بولس: “إنكم في كل شيء استغنيتم فيه” (1 كو 1: 5). يتحوّل القلب الذي كان مسرحًا للهم والقلق إلى ضيافة عظيمة ووليمة يقيمها السيّد المسيح نفسه، ليكون على رأس المتّكئين، يهبهم ذاته سرّ غناهم. وعِوض البرّيّة التي كانت سِمة القلب الخاطيء، يصير فينا فردوس الله المملوء من ثمر الروح القدس. يفرح السيّد نفسه بهذه الوليمة فيترنّم قائلاً: “قد دخلتُ جنتي يا أختي العروس، قطفتُ مرّي مع طيبي، أكلتُ شهدي مع عسلي، شربتُ خمري مع لبني. كلوا أيها الأصحاب، اشربوا واسكروا أيها الأحباء” (نش 5: 1).

في الظاهر صنع متّى الوليمة، لكن بالحق هي وليمة السيّد الذي يفرح بجنّته المثمرة في قلوب طالبيه، فيدعوا الخطاة والعشّارين ليذوقوا هذا الثمر المفرح، ويقتدوا بمن نال هذه النعم!

لقد أعلن السيّد أننا لا نصوم مادام العريس حال في وسطنا، وكأنه يسألنا إذ نحمله فينا أن نفتح قلوبنا بالحب ليأكل من ثمره المقدّس فينا وندعو الآخرين يأكلون معه، قائلين: “ذوقوا وانظروا ما أطيب الرب!”… إننا ندعوهم لينعموا بالوليمة الداخليّة التي أقامها الرب بروحه القدّوس فينا، هذه التي تسبّب تذمُّرًا بين الكتبة والفرّيسيّين، قائلين: لماذا يأكل معلّمكم مع العشّارين والخطاة؟ فيجيبهم: “لا يحتاج الأصحّاء إلى طبيب بل المرضى. فاذهبوا وتعلّموا ما هو، إني أريد رحمة لا ذبيحة، لأني لم آت لأدعو أبرارًا، بل خطاة إلى التوبة” [12].

يُعلّق القدّيس أمبروسيوس على صنع الوليمة، قائلاً:

[عندما ترك مكان الجباية تبع المسيح بقلبٍ ملتهبٍ، ثم صنع له وليمة عظيمة. فمن يقبل المسيح في قلبه يمتلئ بالأطاييب الكثيرة والسعادة الفائقة، ويود الرب نفسه أن يدخل في قلب المؤمن ويستريح!…

كل من يقبل جمال الفضيلة، ويقبل المسيح في بيته، يصنع له وليمة عظيمة أي وليمة سماويّة من الأعمال الصالحة، هذه التي يحرم منها جماعة الأغنياء ويشبع منها الفقير[10].]

هذه الوليمة يدخلها الخطاة والعشّارون الذين يشعرون بالحاجة إلى المخلّص لكي يبرّرهم، بينما يقف الفرّيسيّون خارجًا ينتقدون السيّد على محبّته المتّسعة لهم، لذلك أكّد لهم السيّد: “لا يحتاج الأصحّاء إلى طبيب بل المرضى… لأني لم آت لأدعو أبرارًا بل خطاة إلى التوبة”.

يُعلّق القدّيس أغسطينوس على هذا القول الإلهي، قائلاً: [لو لم يحب الله الخطاة ما كان قد نزل من السماء إلى الأرض[11].]

ويقول القدّيس أمبروسيوس: [إنه لا يدعو من يدعون أنفسهم أبرارًا، فإنهم إذ يجهلون برّ الله ويطلبون أن يُثبتوا برّ أنفسهم لم يخضعوا لبرّ الله (رو 10: 3). من يدعون أنفسهم أبرارًا لا تقترب إليهم النعمة. فإن كانت التوبة هي بداية النعمة فمن الواضح أن احتقار التوبة هو تخلي عن النعمة[12].]

نختم حديثنا عن دعوة متّى الإنجيلي بالمناجاة التي ينطق بها القدّيس أمبروسيوس على لسانه بعد تركه موضع الجباية وتبعيّته للسيّد المسيح:

[لست بعد عشّارًا، فقد تبررت من أن أكون لاويًا!

لقد خلعت عنّي لاوي، ولبست المسيح!

كرهت أسْري، وهربت من حياتي الأولى!

إني لا أتبع آخر سواك أيها الرب يسوع! يا من تشفي جراحاتي!

من سيفصلني عن محبّة الله التي فيك؟ أشدة أم ضيق أم جوع؟‍ (رو 8: 35).

تُسمّرني فيك بمسامير الإيمان، وتربطني بك قيود الحب الصالحة!

وصاياك هي أداة الكيّ التي سأحتفظ بها على جرحي، إنها الوصيّة التي تحرق الموت الذي في الجسد، حتى لا تنتقل العدوى إلى الأعضاء الحيّة، إنه دواء مؤلم يحمي من عفونة الجرح!

أيها الرب يسوع، اقطع بسيفك القوي عفونة خطاياي، وقيّدني برباطات الحب، نازعًا كل فساد فيّ!

أسرع وتعال لتفضح الشهوات الخفيّة والمتنوّعة!

اكشف الجرح فلا تزداد عفونته!

طهّر كل فساد بحميم الميلاد الجديد[13].] ‏‏‏

  1. مفهوم الصوم

“حينئذ أتى إليه تلاميذ يوحنا قائلين:

لماذا نصوم نحن والفرّيسيّون كثيرًا،

وأما تلاميذك فلا يصومون؟” [14].

جاءت إجابة السيّد تكشف عن مفهوم الصوم بمنظار جديد، إذ قال:

أولاً: هل يستطيع بنو العرس أن ينوحوا مادام العريس معهم؟ ولكن ستأتي أيام حين يرفع العريس عنهم فحينئذ يصومون” [15].

كأن الصوم ليس مجرّد واجب يلتزم به المؤمنون، إنّما هو عمل خاص ببني العرس الذين يصومون كمعين لهم في حياة الندامة (النوح) والتوبة، أي ليس كغاية في ذاته، وإنما من أجل الدخول إلى العريس والتمتّع بالعرس خلال التوبة. فإن كان العريس نفسه حاضرًا في وسطهم فما الحاجة إلى الصوم؟ إنه سيرتفع عنهم جسديًا فتمارس، الكنيسة صومها لتتهيّأ لمجيئه الأخير فتلتقي معه في العرس الأبدي. مادام العريس مرفوعًا لا نراه حسب الجسد، وجهًا لوجه، فيلزمنا أن نصوم لا عن الطعام فحسب، وإنما عن كل لذّة وترف من أجل طعام أفضل سماوي ولذّة روحيّة أبديّة وأمجاد علويّة هي في جوهرها تمتّع بالعريس نفسه.

ثانيًا: “ليس أحد يجعل رقعة من قطعة جديدة على ثوب عتيق، لأن الملء يأخذ من الثوب فيصير الخرق أردأ. ولا يجعلون خمرًا جديدة في زقاق عتيقة، لئلا تنشق الزقاق، فالخمر تنصب والزقاق تتلف، بل يجعلون خمرًا جديدة في زقاق جديدة فتحفظ جميعًا” [16-17].

ماذا يعني السيّد بهذا القول؟ وما هو ارتباطه بالصوم؟

إنه يؤكّد أنه بحلوله وسط البشريّة إنّما أراد تقديم حياة جديدة يعيشها المؤمنون به، لها سماتها الجديدة وطبيعتها الجديدة وإمكانيّاتها الجديدة، فلا تُمارس العبادة بالمفهوم القديم الذي ارتبط بذهن الكثيرين. فالسيّد لا يقبل فكرة الإصلاح عن طريق “الترقيع” بين ما هو قديم وما هو جديد، وإنما بهدم الحرفيّة القاتلة القديمة لبناء الفكر الروحي الجديد. بهذا يصير الصوم سرّ انطلاق للنفس بالروح القدس لتمارس الحياة العرسيّة المفرحة.

ما أحوجنا أن نلبس الثوب الجديد عِوض وضع رقعة جديدة في ثوب قديم، وأن يكون لنا الزقاق الجديد إنّما هو ثوب المعموديّة الأبيض، الطبيعة الجديدة التي توهب لنا خلال تمتّعنا بالقيامة مع مسيحنا بروحه القدّوس، والزقاق الجديد هو إنساننا الجديد الذي يتقبّل خمر الروح القدس المجدّد لحياتنا على الدوام.

  • لنحتفظ بالثوب (الجديد) الذي ألبسنا إيّاه الرب في المعموديّة. ولكن ما أسهل تمزيق هذا الثوب إن كانت أعمالنا لا تتّفق مع نقاوته، سرعان ما يفسده سوس الجسد وينجّسه ضلال الإنسان العتيق. لهذا يمنعنا الرب من الخلط بين الجديد والقديم، يحرم الرسول ارتداء الثوب الجديد فوق العتيق، إنّما نخلع العتيق ونلبس الجديد فلا نوجد عراة (كو 5: 2-4 )؛ فإنّنا نكون هكذا عراة إن سلب مكر إبليس رداءنا[14].

القدّيس أمبروسيوس

  1. إقامة الصبيّة

جاءت قصة إقامة ابنة يايرس مرتبطة بشفاء نازفة الدم بأكثر تفصيل في إنجيل معلّمنا لوقا البشير   (8: 41-56). لقد تقدّم يايرس رئيس المجمع إلى السيّد، ووقع عند قدميه، يسأله أن يدخل بيته، لأن ابنته كانت في حالة موت.

حقًا لقد أظهر يايرس رئيس المجمع اليهودي إيمانا بالسيّد، لكن قائد المائة الأممي غلبة في إيمانه (مت 8: 5-13)، إذ لم يسأله أن يحضر إلى بيته ولا أن يمد يده على غلامه ليشفيه، وإنما قال: “قل كلمة”، أمّا رئيس المجمع اليهودي فقال: “تعال وضع يدك عليها، فتحيا“. حقًا إن كثيرين يأتون من المشارق والمغارب بإيمان أعظم ممّا لبني الملكوت!

في الطريق قبل أن يسمع أن ابنته ماتت (لو 8: 49). سمح الرب بشفاء نازفة الدم ليرى بعينيّه ويلمس عمله الإلهي فلا يشك.

إن عُدنا إلى الكتاب المقدّس نجده يروي لنا ثلاث معجزات خاصة بإقامة السيّد المسيح للموتى، تمثل عمله الإلهي في إقامتنا من موت الخطيّة… هذه المعجزات هي:

أولاً: إقامة ابنة يايرس وهي بعد صبيّة صغيرة، لم تُرفع بعد عن سرير الموت في بيت أبيها، تُشير إلى النفس التي ماتت بالخطيّة خلال الفكر الخفي في الداخل، وهي تحتاج أن يدخل السيّد إلى بيتها “قلبها”، ويلمس يدها فتقوم.

ثانيًا: إقامة الشاب ابن الأرملة، وكان قد حُمل في النعش إلى الطريق، يمثّل النفس التي عاشت في الخطيّة ليس خلال الفكر فقط، وإنما ظهرت أيضًا خلال العمل، فخرجت من البيت إلى الطريق كما في نعش، تحتاج إلى أن يوقِف الله حاملي النعش، ويأمر الشاب أن يقوم ثم يدفعه إلى أمه. إنها تحتاج إلى تدخّل الله للتوقّف عن التحرّك نحو قبر الخطايا، فلا يكمّل الشرّير طريق شرّه، حتى لا تتحوّل الخطيّة فيه إلى عادة، إنّما يسمع الصوت الإلهي يناديه ليهبه روح القيامة ويدفعه إلى الكنيسة أمه.

ثالثًا: إقامة لعازر بعدما دفن في القبر أربعة أيام وحدث تعفُّن للجسد، إشارة إلى من تحوّلت الخطيّة في حياته إلى عادة، ارتبطت به وهو ارتبط بها، فصار كأنه والخطيّة أمر واحد. لقد انزعج السيّد وبكى وأمر برفع الحجر، ثم نادى لعازر أن يخرج، وطلب ممّن حوله أن يحلّوه من الرباطات! مثل هذه النفوس يبكيها السيّد نفسه، ويذهب إلى قبرها، ويأمر برفع حجر القسوة، وبكلمة فمه يقيمها ويخرجها من قبر الخطيّة، طالبًا من الكهنة أن يحلّوها من رباطاتها.

إن عدنا إلى إقامة الصبيّة نجد السيّد يقول: “تنحّوا، فإن الصبيّة لم تمت لكنها نائمة” [24]، وكأنه كان يشجّع تلاميذه على قبول الموت بلا انزعاج كمن يدخل إلى النوم ليستريح.

  • حقًا عندما جاء المسيح صار الموت نومًا!
  • إن كنت تحب الراحل يلزمك أن تفرح وتسر أنه قد خلُص من الموت الحاضر.

القدّيس يوحنا الذهبي الفم[15]

أما بخصوص شفاء نازفة الدم بلمسها هدب ثوب السيّد خفية، فقد أعلن السيّد أمرها، ويقدّم القدّيس يوحنا الذهبي الفم التعليلات التالية لتصرُّف السيّد:

أولاً: ليضع نهاية لمخاوف المرأة، لئلا تتألّم إذ ينخسها ضميرها أنها نالت العطيّة خلسة.

ثانيًا: أنه حسبها على حق أن تخفي فكرها.

ثالثًا: أعلن إيمانها للكل، ليحثّ البقيّة على الاقتداء بها، فإن وقفِه لينبوع دمها ليس بعلامة أعظم ممّا أظهره أنه يعرف كل الأمور (يعرف فكرها وإيمانها وتلامسها الخفي معه).

علاوة على هذا كان رئيس المجمع في طريقه إلى الدخول إلى عدم الإيمان وهلاكه تمامًا، فجاءت هذه المرأة لتصلح من شأنه. لقد جاءوا إليه قائلين: “قد ماتت ابنتك، لا تُتعب المعلّم” (لو 8: 49)، والذين كانوا في البيت ضحكوا عليه ساخرين به عندما قال أنها نائمة، وكان يمكن أن يكون للأب نفس هذه المشاعر، لهذا قدّم له هذه المرأة البسيطة ليُصحّح من ضعفه مقدّمًا[16].

بين كنيسة الأمم وكنيسة اليهود

ارتباط شفاء نازفة الدم بإقامة ابنة يايرس رئيس المجمع اليهودي إنّما يُشير إلى التقاء الأمم كما اليهود بالسيّد المسيح كطبيب النفوس وواهب الحياة؛ ويلاحظ في هاتين المعجزتين:

أولاً: كان عمر الصبية التي ماتت وقد استدعى والدها السيّد المسيح لإقامتها اثني عشر سنة إشارة إلى جماعة اليهود الذين ينتسبون إلى اثني عشر سبطًا، وقد سقطوا تحت الموت، فانطلق الناموس كقائد لهم يُعلن الحاجة إلى مجيء المسيّا ليقيمهم. وقد جاء السيّد إلى بيتها، لأن المسيّا وُلد بين اليهود كواحد منهم. أمّا نازفة الدم فقد عاشت اثنتي عشرة عامًا في حالة نزف دم إشارة إلى قضاء كل زمانها السابق في نجاسة الخطيّة التي استنزفت حياتها. إنها اِلتقت بالسيّد في الطريق ولم يدخل السيّد بيتها، فإن السيّد لم يأتِ بالجسد من الأمم، ولا حلّ جسديًا في وسطهم، إنّما اِلتقى بهم كما في الطريق.

  • يُفهِّم هذا الرئيس بكونه الناموس الذي يسأل الرب أن يهب حياة للشعب الميّت، هذا الناموس الذي بشَّر بالتطلّع إلى مجيء الرب[17].
  • يذهب الرب إلى بيت الرئيس كما إلى المجمع، الذي منه تخرج الأصوات كما من نحيب من ترنيمات الناموس.

الأب هيلاري أسقف بواتييه

  • نقول بأن المرأة (نازفة الدم) تمثل الكنيسة الخارجة من الأمم. إذ كان الرب في طريقه لإقامة ابنة رئيس المجمع، هذه التي تمثل الشعب اليهودي، إذ جاء الرب من أجل اليهود وحدهم، قائلاً: “لم أُرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة” (مت 15: 24). إذن كما جاء إلى ابنة رئيس المجمع، فجأة لا أعرف من أين جاءت هذه المرأة ولمست بإيمان الرب، قائلة: “إن مسست هُدب ثوبه فقط شُفيت”، وقد لمست وشفيت.

إذن عانت هذه المرأة من نزف الدم… وأنفقت كل معيشتها على الأطباء (لو 8: 43). إنها تشبه كنيسة (جماعة) الأمم البائسة التي طلبت السعادة، وسألت عن مصدر القوّة، بكل وسائل الشفاء. أي شيء عندها لم تنفقه على الأطباء الباطلين من الفلكيّين والمنجّمين ومفسدي الهياكل؟! لقد وعدها هؤلاء جميعًا بالشفاء لكنهم لم يقدروا، إذ لا يملكونه. لقد أنفقت كل ما عندها ولم تشفى. لذلك قالت: “إن مسست هدب ثوبه فقط شفيت”. لقد لمست وشفيت.

لنسأل ما هو هدب ثوبه؟…  لنفهم أن الرسل هم ثوب الرب الملاصقون له. اسأل من هو الرسول الذي أُرسل للأمم؛ تجده بولس الرسول، إذ كانت أعظم أعماله الرسوليّة بين الأمم… إنه هدب ثوب الرب، إذ كان آخر الرسل. هل يوجد أحد يُحسب كآخر هذا الثوب والأقل؟ يقول الرسول أنه كان هكذا: “آخر الكل، لأني أصغر الرسل” (1 كو 15: 8-9).

لنلمسه نحن أيضًا، أي لنؤمن فنشفَى!

  • أي شيء تمثله هذه المرأة؟ كنيسة الأمم التي نالت الشفاء التي لم تشاهد المسيح بالجسد، والتي أشار إليها المزمور: “شعب لم أعرفه يتعبّد لي، من سماع الأذن يسمعون لي” (مز 18: 43-44). لقد سمع العالم كلّه عنه وآمن به، أمّا اليهوديّة فرأته وصلبته أولاً، وبعد ذلك سيأتون إليه. سيؤمن اليهود به في نهاية العالم.

القدّيس أغسطينوس

  1. شفاء أعميين

“وفيما يسوع مجتاز من هناك تبعه أعميان يصرخان ويقولان:

ارحمنا يا ابن داود.

ولما جاء إلى البيت تقدّم إليه الأعميان،

فقال لهما يسوع: أتؤمنان أني أقدر أن أفعل هذا؟

قالا له: نعم يا سيّد.

حينئذ لمس أعينهما، قائلاً: بحسب إيمانكم ليكن لكما.

فانفتحت أعينهما” [27-30].

كان العالم في ذلك الحين وقد انقسم إلى يهود وأمم قد أُصيب كلّه بالعَمي الروحي، فقدَ اليهود بصيرتهم الداخليّة بسبب كبرياء قلبهم وحرفيّة إدراكهم للناموس وانجذابهم إلى الرجاسات الوثنيّة، وفقد الأمم أيضًا بصيرتهم بسبب العبادة الوثنيّة. وكأن هذين الأعميين اللذين كانا يصرخان: ارحمنا يا ابن داود يمثّلان العالم كله، يهودًا وأممًا، يُعلن عوزه إلى المسيّا المخلّص ابن داود لكي يعيد إليه بصيرته الروحيّة. وقد جاء السيّد إلى “البيت”، أي إلى مسكننا؛ جاء إلينا في الجسد حتى نستطيع أن نتقدّم إليه، ويمكننا أن نتقبّل لمسات يده الإلهيّة على أعيننا الداخليّة. فالبيت هنا إنّما يُشير إلى التجسّد الذي بدونه ما كان يمكننا التلامس مع ابن الله، والتمتّع بإمكانيّاته الإلهيّة، ليهب لأعيننا نوره، فتعاين النور.

جاءنا ابن الله متجسّدًا، معلنًا مبادرته بالحب. لكنّه يسأل: أتؤمنان إني أقدر أن أفعل هذا؟ بالإيمان يحلّ في قلوبنا (أف 3: 17)، فتنفتح بصيرتنا من يوم إلى يوم لمعاينة الأسرار خلال تمتّعنا بها فيه.

إن كنّا بسبب الخطيّة انطمست أعيننا من معاينة النور، فانحرفنا عن الطريق، وصرنا نتخبّط في الظلمة، فقد صرخت البشريّة على لسان المرتّل: “أرسل نورك وحقّك، هما يهديانني ويأتيان بي إلى جبل قدسك وإلى مساكنك” (مز 43: 3). وقد جاءنا من هو “نور العالم” (يو 8: 12) معلنًا: “أنا هو نور العالم، من يتبعني فلا يمشي في الظلمة”، “أنا هو الطريق والحق والحياة (يو 14: 6). جاءنا الملتحف بالنور كثوب (مز 104: 2)، الذي ليس فيه ظلمة البتة (1 يو 1: 5)، يشرق في الظلمة بنوره (إش 58: 10)، نلبسه فنصير أبناء نور وأبناء نهار (1 تس 5:5)، بل نصير به نورًا للعالم (مت 5: 14).

يصرخ القدّيس أغسطينوس في مناجاة نفسه مع الله قائلاً:

[إلهي… أنت نوري. افتح عينيّ فتعاينا بهاءك الإلهي، لأستطيع أن أسير في طريقي بغير تعثّر في فخاخ العدوّ!

حقًا، كيف يمكنني أن أتجنّب فخاخه ما لم أراها؟

وكيف أقدر أن أراها إن لم أستنر بنورك؟

ففي وسط الظلمة يخفي “أب كل ظلمة” هذه الفخاخ، حتى يصطاد كل من يعيش في الظلمة. هذا العدوّ الذي يودّ أن يكون أبناؤه محرومين من نورك ومن سلامك الكامل…

ما هو النور إلا أنت يا إلهي!

أنت هو النور لأولاد النور! نهارك لا يعرف الغروب! نهارك يضيء لأولادك حتى لا يتعثّروا…

يا نور نفسي، لا تتوقّف قط عن إنارة خطواتي![18]]

القدّيس أغسطينوس

  • أيها النور الحقيقي الذي تمتّع به طوبيا عند تعليمه ابنه، مع أنه كان أعمى! أيها النور الذي جعل اسحق – فاقد البصر – يُعلن بالروح لابنه عن مستقبله!…

أنت هو النور الذي أنار عقل يعقوب، فكشف لأولاده عن الأمور المختلفة!…

أنت هو الكلمة القائل: “ليكن نور، فكان نور”. قل هذه العبارة الآن أيضًا، حتى تستنير عيناي بالنور الحقيقي، وأميّزه عن غيره من النور. فبدونك كيف أقدر أن أميّز النور عن الظلمة، والظلمة عن النور؟!

نعم… خارج ضيائك، تهرب الحقيقة منّي، ويقترب الخطأ إليّ، ويملأني الزهو… ويصير فيّ الارتباك عِوض التمييز، يصير لي الجهل عِوض المعرفة، والعَمى عِوض البصيرة![19]

القدّيس أغسطينوس

وفي دراستنا للمعموديّة رأيناها “سرّ الاستنارة”، حيث نخلع الإنسان القديم بظلمته لنلبس الإنسان الجديد الذي على صورة خالقنا، فنحمل فينا مسيحنا سرّ استنارتنا، ويكون روحه القدّوس واهبًا لنا إمكانيّة التقديس التي بدونها لا نقدر أن نُعاين الله[20].

يقول القدّيس مار يعقوب السروجي: [المعموديّة هي ابنة النهار، فتحت أبوابها فهرب الليل الذي دخلت إليه الخليقة كلها[21].]

نعود إلى الأعميين اللذين شفاهما السيّد، إذ يقول الإنجيلي: “انتهرهما يسوع قائلاً: انظرا لا يُعلما أحد، ولكنّهما خرجا وأشاعاه في تلك الأرض كلها” [31]. لقد قدّم لنا السيّد درسًا في التواضع، فمن أجل محبّته لهما شفاهما حتى يبعث فينا روح الحب الخفي وعدم طلب المجد الباطل.

لم يخالف الأعميان أمرًا إلهيًّا حين أشاعا الخبر، فإن قوله: “أنظرا لا يُعلما أحد” لم يكن وصيّة يلزمهما بها، وإنما هو حديث حبّي فيه يُعلن عدم طَلبه مجد العالم مقابل محبّته، أمّا هما فردّا الحب بالحب خلال الشهادة له. لقد استنارت أعينهما فاشتهيا أن يتمجّد الطبيب السماوي بتفتيح أعين الكل، ليعاينوا ما يعايناه هما!

من يرى النور لا يقدر أن ينظر إخوته سالكين في الظلمة بل يدعوهم إلى النور الذي ينعم به، كما فعلت المرأة السامريّة حيث تركت جرّتها وخرجت إلى مدينتها تقول للناس: “هلمّوا، انظروا إنسانًا قال لي كل ما فعلت، ألعل هذا هو المسيح؟” (يو4: 29). وفي حديث للقدّيس يوحنا الذهبي الفم مع المواظبين على اجتماعات الكنيسة والمشتركين فيها يقول: [علِّموا الذين هم من خارج أنكم في صحبة طغمة السيرافيم، محسوبين مع السمائيّين، معدِّين في صفوف الملائكة، حيث تتحدّثون مع الرب، وتكونون في صحبة السيّد المسيح[22].]

  1. شفاء مجنون

قُدّم للسيّد المسيح إنسان أخرس مجنون، “فلما أخرج الشيطان تكلّم الأخرس، فتعجّب الجموع قائلين: لم يظهر قط مثل هذا في إسرائيل. أمّا الفرّيسيّون فقالوا برئيس الشيّاطين يخرج الشيّاطين” [33-34].

لا يمكن للبشريّة الصامتة زمانًا هذا مقداره أن تتحدّث مع خاِلقها، ولا أن تسبّحه داخليًا وتشكره، حتى وإن سبَّحته بالفم واللسان، فقد صمت اللسان الداخلي عن الحديث السرّي الخفي مع الخالق، بسبب العداوة التي نشأت كثمرة طبيعيّة للخطيّة، فصارت كمن يسكنها شيطان أخرس. لهذا جاء السيّد المسيح طاردًا روح الشرّ والخطيّة، فينطق لسانها الداخلي بالحمد والتسبيح، وتصير طبيعتها شاكرة عِوض الجحود القديم.

لقد أدركت الجموع البسيطة عمل السيّد المسيح كمخلّص بينما تعثّر أصحاب المعرفة النظريّة، الفرّيسيّون، بسبب كبرياء قلبهم وتعبُّدهم لذواتهم فرأوا فيه كرئيس للشيّاطين لا كمخلّص من الشيّاطين!

بينما جاء السيّد المسيح يفتح أعين العميان لكي تبصر بالإيمان ملكوت السماوات في القلب انفضح عمى القيادات الدينيّة المتعجرفة، انكشف الفرّيسيّون العارفون بالكتب المقدّسة كجهلاء يرفضون المخلّص ويتّهمونه برئيس الشيّاطين. أمّا سرّ عَمى بصيرتهم فهو تركهم للعمل الرعوي الحق ليرعوا كرامتهم وبطونهم وخزائنهم عِوض رعايتّهم لشعب الله، فحلّت “الأنا” عِوض “الله نفسه”، هؤلاء يقول عنهم الرسول: “يطلبون ما هو لأنفسهم لا ما هو ليسوع المسيح” (في 2: 21)، ويعاتبهم الله في مرارة، قائلاً: “ألا يرعى الرعاة الغنم؟ تأكلون الشحم وتلبسون الصوف، وتذبحون السمين، ولا ترعون الغنم! المريض لم تقووه، والمجروح لم تعصبوه، والمكسور لا تجبروه، والمطرود لم تستردوه، والضال لم تطلبوه، بل بشدة وعنف تسلّطتم عليه… أيها الرعاة غنمي صار غنيمة!” (حز 34: 2-8).

مثل هؤلاء الرعاة العميان يقودون العميان فيسقط الكل في حفرة (مت 15: 14)، وبدلاً من أن يصير قلبهم سماءً مقدّسة، ومسكنًا لله، يرتفعون بالشعب من مجدٍ إلى مجدٍ، إذ بقلبهم يلتصق بالتراب وينحدرون بالشعب من هوانٍ إلى هوانٍ حتى يبلغون بهم إلى أعماق الهاوية.

  1. الكرازة في المدن والقرى

إذ فسد الرعاة الروحيّون يلتزم الله نفسه من أجل محبّته للنفس البشريّة أن يفتقد شعبه، يقول الإنجيلي: “ولما رأى الجموع تحنّن عليهم، إذ كانوا منزعجين ومنطرحين كغنم لا راعي لها” [36]. وفي سفر حزقيال يقول الرب: “هاأنذا أسأل عن غنمي وأفتقدها (حز 34: 11)، فإنه ليس شيء أثمن لدى الله من النفس البشريّة التي أوجدها على صورته ومثاله. جاء إلينا بنفسه بكونه الراعي الصالح الذي يبذل نفسه عن الخراف (يو 10: 11).

 

[1] Catena Aurea. 

[2] Catena Aurea.

[3] Catena Aurea.

[4] Catena Aurea.

[5] PL 15: 1638.

[6] راجع كتابنا: يسوع والمفلوجان للقديس يوحنا الذهبي الفم.

[7] PL 15:1638.

[8] PL 15:1638.

[9] PL 75: 820 Morals in Job 8; 7: 9, 10.

[10] تفسير لو 5: 27-39.

[11] In Ioan 49:5.

[12] تفسير لو 5: 27-39.

[13] تفسير لو 5: 27-39.

[14] تفسير لو 5: 27-39.

[15] In Matt. hom 31:3,6.

[16] In Matt. hom 31:2.

[17] Catena Aurea.

[18] الحب الإلهي، 1967، ص 70-71.

[19] الحب الإلهي، 1967، ص 74-75.

[20] الروح القدس بين الميلاد الجديد والتجديد المستمر، 1981م، ص 82-83.

[21] ميمر عن المعموديّة.

[22] للمؤلف: رسالتك في الحياة، للقدّيس يوحنا الذهبي الفم، 1967م، ص 21.

تفسير انجيل متى 9 – الأصحاح التاسع – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير انجيل متى 10 – الأصحاح العاشر – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير انجيل متى 10 – الأصحاح العاشر – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير انجيل متى 10 – الأصحاح العاشر – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير انجيل متى 10 – الأصحاح العاشر – القمص تادرس يعقوب ملطي

الأصحاح العاشر

سفراء الملك

اختار السيّد المسيح تلاميذه ورسله كسفراء عنه، يعملون بروحه القدّوس، ليحقّقوا ملكوته فينا.

  1. دعوة الإثنى عشر تلميذًا 1-4.
  2. حدود الكرازة 5-6.
  3. موضوع الكرازة 7.
  4. إمكانيّات الكرازة 8-10.
  5. سلوكهم أثناء الكرازة 11-15.
  6. رفض العالم لهم 16-23.
  7. عدم الخوف 24-33.
  8. الحروب الداخليّة 34-42.
  9. دعوة الإثنى عشر تلميذًا

ثم دعا تلاميذه الإثنى عشر،

وأعطاهم سلطانًا على أرواح نجسة حتى يخرجوها،

ويشفوا كل مرض وكل ضعف” [1].

دعا السيّد هؤلاء الإثني عشر ليتتلمذوا على يديه، يسمعوه ويرافقوه في أعماله المعجزيّة وصلواته وحتى أثناء طعامه، لكي يتفهّموا بالروح القدس أسراره ويعيشوا بفكره. هذا الفكر هو ما نسميه بالفكر الإنجيلي أو الفكر الرسولي، عاشه الرسل إنجيلاً حيًا وتلمذوا آخرين عليه. وهكذا صار التقليد الكنسي في جوهره هو استلام هذا الفكر بطريقة حيّة عمليّة وتسليمه من جيلٍ إلى جيلٍ.

وقد ذكر الإنجيلي أسماء الإثني عشر رسولاً بعد أن أعلن السلطان الذي وُهب لهم من قبل الرب على الأرواح النجسة لإخراجها وعلى المرض وكل ضعفٍ، ويلاحظ في هذا الاختيار أمران:

أولاً: أن التلاميذ ليسوا أصحاب مواهب خارقة، أو من الشخصيّات البارزة في المجتمع، وإنما هم أناس عاديّون، بل وغالبيتّهم من طبقات فقيرة ليؤكّد أن فضل القوّة لله لا منهم.

ثانيًا: جاء الاختيار خليطًا عجيبًا من الشخصيّات، فمنهم متّى العشّار الذي يعتبره الكثيرون قد باع نفسه للرومان من أجل الربح المادي، وعلى نقيضه سمعان الغيور أو القانوني. فالغيورون هم جماعة من اليهود متعصّبون لقوميّتهم إلى أبعد الحدود يطالبون بالتحرّر من نير الحكم الروماني مهما كلّفهم الثمن. يرفضون قيام أي “ملك” غير الله نفسه، مستعدون للأسف أن يقوموا بأعمال تخريبيّة لأجل تحرير وطنهم من الرومان. ومن بينهم أيضًا سمعان بطرس المقدام، وأخوه أندراوس الذي يميل إلى الصمت، ويوحنا بن زبدي المملوء بعاطفة الحب، وتوما الكثير الشك. ففي المسيح يسوع اجتمع هؤلاء جميعًا ليتقدّسوا معًا كأعضاء بعضهم لبعض يعملون بروحٍ واحدٍ للكرازة بالإنجيل الواحد.

أما رقم 12 فكما سبق فأشرنا في أكثر من موضع يرمز إلى مملكة الله على الأرض، حيث يملك الثالوث (3) في كل جهات المسكونة الشرّق الغرب والشمال والجنوب (4).

  1. حدود الكرازة

“هؤلاء الإثنا عشر أرسله يسوع وأوصاهم قائلاً:

إلى طريق أمم لا تمضوا، وإلى مدينة للسامريّين لا تدخلوا.

بل اذهبوا بالأحرى إلى خراف بيت إسرائيل الضالة” [5-6].

في بدء كرازتهم حدّد لهم منطقة الكرازة “بالأمة اليهوديّة” دون أن يتجاوزوها إلى مدينة للسامريّين أو طريق للأم، على أنه قبيل صعوده أعلن لهم حدود الكرازة بقوله في نفس الإنجيل: “اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمّدوهم” (28: 19). فإنه لم يسمح لهم بالكرازة بين الأمم إلا بعد أن يُعلن اليهود رفضهم للمسيّا. لم يكن هذا تحيزًا لليهود على حساب الأمم، وإنما لكي لا يتشكّك اليهود في رسالته المسيحانيّة، فإذا ما رفضوه ينفتح الباب للأمم، وإن كان السيّد المسيح نفسه لم يحرم السامرة من خدمته وبعض الأمميّين من التمتّع ببركات نعمه.

ويلاحظ أن الكلمة “أوصاهم” جاءت في اليونانيّة Paragellein وهي تستخدم في ظروف معيّنة، منها:

أولاً: في القيادات العسكرية في الجيوش، وكأن السيّد يمثّل القائد الأعلى في معركة دائمة ضدّ إبليس وكل أعماله. على تلاميذه أن يتهيّأوا للخدمة، لا كطريق للكرامة، بل للجهاد الروحي المستمر والقتال ضدّ عدوّ الخير نفسه. ليس ضدّ بشر، وإنما ضدّ الشيطان والقوات الروحيّة الشرّيرة (أف 6: 10-12).

ثانيًا: تستخدم من الصديق حينما يدعو أصدقاءه للمساندة، هنا يظهر السيّد المسيح في علاقته بتلاميذه على مستوى علاقة الصداقة فوق الرسميّات والبروتوكولات.

ثالثًا: يستخدمها المعلّم أو الفيلسوف مع تلاميذه ومريديه، وكأن السيّد المسيح يتحدّث مع تلاميذه كمريديه الذي يتتلمذون على يديه ليحملوا فكره.

رابعًا: تستخدم أيضًا في الأوامر الإمبراطورية، وكأنما السيّد المسيح هو الملك الذي يرسل سفراءه، يحملون سماته شهادة حق له، ويعلنون دستوره الروحي في حياتهم كما في كرازتهم.

ويرى القدّيس كبريانوس أن هذه الوصيّة لا تزال حيّة وتلتزم بها الكنيسة، فمدينة السامريّين تعني جماعة المنشقّين، وطريق الأمم يعني طريق الهراطقة[1]. فالكنيسة مع اتّساع قلبها للعالم كلّه المؤمن وغير المؤمن لتغسل أقدام الجميع، لا تقبل في شركتها جماعة المنشقّين أو تعاليم الهراطقة، بل تحذر أولادها وتحفظهم منهم.

  1. موضوع الكرازة

وفيما أنتم ذاهبون اكرزوا قائلين:

أنه قد اقترب ملكوت السماوات” [7].

لقد حدّد موضوع الكرازة ألا وهو “التوبة“، بكونها طريق الملكوت السماوي. وقد سبق فعرّفنا التوبة أنها ليست جانبًا سلبيًا، أي مجرد تخلِّي عن الشرّ ورفض كل خطيّة، وإنما هي عمل إيجابي فعّالاً في حياة المؤمن، وهو قبول عمل الروح القدس فينا الذي يهب ويعطي ويشبع! التوبة هي تغيير لاِتّجاه القلب الداخلي والفكر وكل طاقات الإنسان، فبعدما كانت متّجهة نحو الأرضيّات تصير في المسيح يسوع ربّنا بالروح القدس متّجهة نحو ملكوت السماوات. بمعنى آخر فيما يرفض الإنسان الخطيّة وكل ما هو غريب عن الله إذ به ينعم بالله السماوي نفسه وكل ما له من نعمٍ وهباتٍ مشبعةٍ. وكأن التوبة هي تفريغ وامتلاء بغير انقطاع، ترك وأخذ، جوع وشبع في نفس الوقت.

لا يريدنا الله أن نسلك في حالة حرمان وكبت، وإنما بالعكس خلال التوبة يريدنا أن نعيش في حالة شبع وفرح وتهليل وتمتّع بالأمور الفائقة، فيسلك الإنسان على الأرض بفكر سماوي!

بهذا نستطيع أن نميّز بين التوبة العاملة فينا بالروح القدس والتوبة التي هي من صنع أنفسنا. الأولى تدخل بنا إلى ملكوت السماوات، فنعيش مع الآب في ابنه بالروح القدس، أمّا الثانية فهي حرمان ممّا هو أرضي، دون تمتّعٍ بما هو سماوي، الأولى توَلِّد فرح الروح ومحبّته وسلامه الخ. والثانية توََلِّد حزنًا قاتلاً وضيقًا في القلب وقلقًا ومرارة. الأولى تنطلق بالنفس من مجدٍ إلى مجدٍ لتبلغ إلى ذروة السماويّات، والثانية تنحدر بالإنسان من هوانٍ إلى هوانٍ، فيعيش في قنوطٍ مستمرٍ يدفع به إلى الهاوية!

  1. إمكانيّات الكرازة

“اشفوا مرضى، طهِّروا بُرصًا، أقيموا موتى، اخرجوا شيّاطين،

مجانًا أخذتم مجانًا أعطوا.

لا تقتنوا ذهبًا ولا فضّة ولا نحاسًا في مناطقكم.

ولا مذودًا للطريق ولا ثوبين ولا أحذية ولا عصا،

لأن الفاعل مستحق طعامه” [8-10].

قبل أن يسألهم عدم اقتناء ذهب أو فضّة أو نحاس، قدّم لهم إمكانيّات جبّارة تسندهم في الخدمة من شفاء للمرضى وتطهير للبرص وإقامة الموتى وإخراج الشيّاطين. وكأن السيّد لم يحرمهم من الأمور الزمنيّة إلا بعد أن قدّم لهم كنوز محبّته العميقة.

يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [إذ أراد أن يدرّبهم على كل الكمال طلب منهم ألا يفكّروا فيما يخص الغد… فإن كان يرسلهم كمعلّمين للعالم كله، هذا جعلهم وهم بشر ملائكة، مبرّرا إيّاهم من كل اهتمام أرضي حتى لا ينشغلوا إلا باهتمام واحد وهو التعليم، بل بالأحرى أراد أن يحرّرهم حتى من هذا الأمر بقوله: “لا تهتمّوا كيف أو بما تتكلّمون” [19][2].]

يلتزم التلميذ ألا يقتني شيئًا، فإن السيّد المسيح هو ذهبه وفضّته ونحاسه وطعامه وثوبه وطريقه وعصاه.

السيّد المسيح هو ذهبنا، فإن كان الذهب في الكتاب المقدّس يُشير إلى الحياة السماويّة، فإن المسيح هو سرّ الدخول بنا إلى الحياة السماويّة، أو هو كنزنا السماوي الذي يسحب قلبنا إليه. السيّد المسيح هو فضّتنا، فإن كانت الفضّة ترمز لكلمة الله (مز 12: 6)، فإنه بالحق حكمة الله الحيّ الذي يعمل فينا وبنا لكي يدخلنا إلى حضن أبيه. وهو نحاسنا، نلبسه فنصير به أقوياء ندك الطريق فلا تقدر العثرات أن تعوقنا عن الملكوت. وهو الطعام الذي به نقتات فنعيش في حالة شبع دائم، فلا نشتهي الزمنيّات ولا نطلب ملذّاتها. وهو الثوب الذي به نلتحف فيسترنا في عينيّ الآب، ونُحسب كأبرار في دمه الطاهر. إنه طريقنا الذي به ننطلق إلى أبيه لنحيا معه في أحضانه، شركاء في المجد الأبدي. إنه العصا التي حطّمت الشيطان خلال الصليب، فصار لنا الغلبة والنصرة. إذن لم يحرم السيّد المسيح تلاميذه من شيء، مقدّمًا نفسه سرّ شبع لكل احتياجاتهم.

أما بخصوص الأحذية، فإنها إذ تُصنع من جلد الحيوانات الميّتة ترمز إلى الأعمال الشرّيرة المهلكة[3]، لهذا يقول القدّيس جيروم: [لأنه عندما ألقى الجند القرعة على ثياب السيّد لم يكن معها أحذية ينزعونها عنه[4]. لأنه وإن مات السيّد بالجسد لكن لم يوجد فيه أعمال ميّتة.]

يمكننا أن نقول بأن الإمكانيّات التي قدّمها السيّد لتلاميذه هي إمكانيّات التوبة في أعلى صورها، فإنهم إذ يقتنون السيّد المسيح نفسه عِوض الذهب والفضّة والنحاس والمذود والثياب والعصا، فيكون هو كل شيء بالنسبة لهم، يستطيعون أن يطالبوا العالم بالتوبة، أي قبول المخلّص كمصدر شبع لهم عِوض الخطيّة التي قدّمت لهم الضيّق والعوز والمرارة.

لا يستطيع الكارز بالسيّد المسيح أن يقدّم للآخرين السيّد المسيح كسِر غِنى النفس وشفائها، بينما يرتبط هو بأمور العالم ويستعبد نفسه لها!

يُعلّق القدّيس أمبروسيوس على هذه الوصيّة الإلهيّة للتلاميذ الكارزين بقوله: [إنه يَقطع كما بمنجل محبّة المال التي تنمو دائمًا في القلوب البشريّة[5].] لكنّه وهو يقطع وهبهم البديل الذي به يستطيع الرسول بطرس أن يقول: “ليس لي فضّة ولا ذهب، ولكن الذي لي فإيّاه أعطيك؛ باسم يسوع المسيح الناصري قم وامش” (أع 3: 6). لم يعطه مالاً لكنّه أعطاه باسم السيّد صحّة التي هي أفضل من المال.

كما يُعلّق أيضًا ذات القدّيس بقوله: [للكنيسة ذهب لا لكي تخزنه، وإنما لتوزِّعه وتنفقه على المحتاجين[6].]

  1. سلوكهم أثناء الكرازة

“وأيّة مدينة أو قرية دخلتموها فافحصوا من فيها مستحق،

وأقيموا هناك حتى تخرجوا.

وحين تدخلون البيت سلّموا عليه.

فإن كان البيت مستحقًا فليأتِ سلامكم عليه،

ولكن إن لم يكن مستحقًا فليرجع سلامكم إليكم” [11-13].

عندما يدخلون مدينة أو قرية يبحثوا عن بيت له سمعته الطيّبة ويقيموا فيه، ولا ينتقلوا من بيت إلى آخر حتى لا تتحوّل خدمة الكلمة إلى خدمة المجاملات، وإنما يركِّزون فكرهم وجهدهم في العمل الكرازي وحده.

هذا ومن جانب آخر أراد السيّد لهم أن يعيشوا بلا همّ، ليس فقط لا يقتنون ذهبًا أو فضّة أو نحاسًا، وإنما أيضًا لا يضطربون من جهة الخدمة نفسها؛ عليهم أن يقدّموا الكلمة كما هي ولا يضطربوا إن رفضها أحد! إنهم كارزون فحسب لكن الله هو الذي يعمل بهم وفيهم.

  1. رفض العالم لهم

إن كانت رسالة التلاميذ هي إعلان السلام الروحي الداخلي بالمصالحة مع الآب في ابنه ربّنا يسوع بروحه القدّوس، فتتصالح النفس أيضًا مع الجسد ويتصالح الإنسان مع أخيه، لكن الأشرار لا يحتملون المصالحة، ولا يقبلون الحب فيواجهونه بالشراسة، إذ يقول: “ها أنا أرسلكم كغنم في وسط ذئاب” [16].

يُعلّق القدّيس أغسطينوس على هذا القول الإلهي هكذا: [تأمّلوا يا إخوتي ما يفعله ربّنا يسوع! تصوّروا لو أن ذئبًا واحدًا ذهب وسط غنم كثير مهما بلغ عددهم بالآلاف… أفلا يرتعب جميع الغنم بالرغم من عدم قدرة هذا الذئب على افتراسهم جميعًا؟ فكم تكون مشورة ربّنا يسوع المسيح، التي يشجّعنا بها، إذ لا يلقي بذئب وسط غنم، بل يُلقي بالغنم وسط الذئاب؟!… إنه لم يطلب منهم أن يقتربوا من الذئاب، بل يكونوا في وسطهم. حقًا لقد كان هناك قطيع صغير من الغنم، لكن إذ افترستها الذئاب الكثيرة تحوّلت الذئاب إلى غنم[7].]

وفي مرارة يُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم أيضًا فيقول: [لنخجل إذ نفعل نحن العكس فنقف كذئاب ضدّ أعدائنا! مادمنا نحن غنم، فإنّنا سنغلب بالرغم من وجود ربْوة من الذئاب تجول حولنا لافتراسنا، أمّا إذا صرنا ذئابًا فسنهزم إذ يفارقنا عون راعينا، الذي لا يعول الذئاب بل الغنم، بهذا يتركك وينسحب حيث لا تسمح لقدرته أن تظهر فيك.]

لماذا يرسلنا الله هكذا كغنم وسط ذئاب؟

أولاً: إذ يسلك المؤمن بروح سيّده “الحمل الحقيقي” يُحسب حملاً باتّحاده به، فيلتزم السيّد برعايته والعمل خلاله. إنه يعمل في الغنم الوديع، لا الذئاب المفترسة، معلنًا قوّته في الضعف، قائلاً لرسوله: “تكفيك نعمتي، لأن قوتي في الضعف تكمل”. بهذا يردّد الرسول: “فبكل سرور افتخر بالحري في ضعفاتي لكي تحلّ عليّ قوّة المسيح، لذلك أسر بالضعفات والشتائم والضرورات والاضطهادات والضيقات لأجل المسيح، لأني حينما أنا ضعيف، فحينئذ أنا قوي” (2 كو 12: 9-10).

ثانيًا: لا يقابل التلميذ الشراسة بالشراسة، بل بالحب العملي فيكسب غير المؤمنين للإيمان. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [إنه فوق كل شيء يعرف طبيعة الأشياء: أن الشراسة لا تُطفأ بالشراسة وإنما باللطف[8].]

يكمّل السيّد حديثه مقدّمًا لتلاميذه هذه المشورة: “فكونوا حكماء كالحيّات وبسطاء (غير ضاربين أو أنيسين) كالحمام” [16].

إن كان الله قد أرسل تلاميذه ورسله كحملانٍ وسط ذئاب، فإنه لن ينقذهم من شراسة هذه الذئاب، ما لم يتقبّلوا هذه المشورة خلال نعمته الفائقة، فيسلكون بالحكمة كالحيّات وبالبساطة كالحمام الأنيس غير الضار.

ما هي حكمة الحيّات؟

يرى القدّيس جيروم أن المسيحي في وداعته يكون كالحمامة التي لا تحمل حِقدًا ولا تلقي فخاخًا لأحد، لكنّه يلتزم بحكمة الحيّات، فلا يعطي لأحد مجالاً أن يلقي له الفخاخ. إنه يقول: [كن بسيطًا كحمامة فلا تلقي فخًا لأحد، وكن حكيمًا (بارعًا) كحيّة فلا تسمح لأحد أن يلقي بالفخ أمامك. المسيحي الذي يسمح للآخرين أن يخدعوه يكون مخطئًا تمامًا كمن يحاول أن يخدع الآخرين[9].] وبنفس المعنى يقول القدّيس أمبروسيوس: [وُضعت الحكمة أولاً، حتى لا تُصاب عدم الأذيّة (التي للحمامة) بأذى[10].]

يقول القدّيس أغسطينوس:

[إنّني أحب في الحمامة عدم حِقدها، ولكني أخشى في الحيّة سمّها، غير أن الحيّة بها ما نكرهه، وبها أيضًا ما يلزمنا أن نتمثّل به:

أ. عندما يشعر الثعبان بشيخوخته، عندما يشعر بثقل السنوات الطويلة، يتقلّص ويُلزم نفسه على الدخول من ثقب صغير فينسلخ عنه جلده العتيق، فيخرج إلى حياة جديدة، يلزمك أن تتمثل به أيها المسيحي في ذلك. اسمع ما يقوله السيّد المسيح: اُدخلوا من الباب الضيّق” (مت 7: 13)، ويحدّثنا الرسول بولس قائلاً: ” إذ خلعتم الإنسان العتيق مع أعماله ولبستم الجديد” (كو 3: 9). يلزمنا أن نتمثل بالثعبان: لنمت لا لأجل الإنسان القديم بل لأجل الحق…

ب. تمثل بالثعبان أيضًا في هذا الأمر، وهو أن تحفظ رأسك في أمان، أي لتُحتفظ بالمسيح فيك. ألم تلاحظوا ما يحدث عند قتل الأفعوان، كيف يحفظ رأسه معرضًا كل جسمه للضربات! إنه يريد ألاّ يُضرب ذلك الجزء الذي يعلم أن فيه تكمن حياته. ونحن أيضًا حياتنا هو المسيح الذي قال بنفسه: “أنا هو الطريق والحق والحياة” (يو 14: 6)، وكما يقول الرسول: “رأس كل رجل هو المسيح” (1 كو 11: 3). فمن يحتفظ بالمسيح في داخله إنّما يحتفظ برأسه الذي يحميه[11].]

ما هي بساطة الحمامة؟

يقول القدّيس أغسطينوس: [تمثل بالحمامة وأنت مطمئن. انظر كيف تبتهج الحمامة بوجودها وسط الجماعة. فالحمام يبقى دومًا كجماعات، أينما طاروا أو أكلوا، ولا يحبّون الانفراد. إنهم يبتهجون معًا في وحدة، يحتفظون بالمحبّة، فهديلهم ما هو إلا صرخات حب واضحة، وبقبلات ينجبون أطفالهم نعم، حتى عندما يتنازع الحمام على عشّه – كما نلاحظ ذلك غالبًا – إنّما يكون أشبه بنزاع سلمي. هل ينقسمون على أنفسهم أثناء نزاعهم؟ كلاّ، بل يطيرون معًا ويقتاتون معًا، ويبقى نزاعهم ودّيًا. تأمّل نزاع الحمام الذي يتحدّث عنه الرسول، قائلاً: وإن كان أحد لا يطيع كلامنا بالرسالة فسِموا هذا ولا تخالطوه لكي يخجل أي أقيموا المعركة، لكن فلتكن معركة حمام لا ذئاب، لهذا أردف يقول: “ولكن لا تحسبوه كعدوّ بل اِنذروه كأخ (2 تس 3: 14-15) إن الحمامة تحب الآخرين ولو في نزاعها، أمّا الذئب فيبغض الآخرين ولو تلّطف[12].]

في هذا يقول الأب يوحنا من كرونستادت: [اِِسْتَعر من الحيّة حكمتها فقط، ولِيبق قلبك بسيطًا نقيًا غير فاسد. كن وديعًا ومتواضعًا كما أنا، ولا تسلّم نفسك للغضب والهياج، “لأن غضب الإنسان لا يصنع برّ الله” (يع 1: 20)[13].]

يقارن القدّيس أغسطينوس أيضًا بين الحمام والغربان، فالحمامة التي أرسلها نوح عادت إليه تحمل غصن الزيتون، أمّا الغراب فخرج بلا عودة يعيش على الجيف. الحمامة تطلب ما لنوح، أي ما للمسيح، أمّا الغراب فيطلب ما لذاته ولو كان نتانة وفسادًا. هذا والحمامة أيضًا في أكلها لا تمزّق ما هو قدّامها كما يفعل الغراب، لذا صارت الحمامة علامة السلام والبساطة، أمّا الغراب فعلامة الأنانيّة والتمزيق والانقسام.

يقول القدّيس أغسطينوس: [أيضًا أن العصافير وهي طيور أصغر في الحجم من الحمام بكثير تقتل الذباب لتأكله أمّا الحمام فلا يفعل شيئًا من هذا القبيل، فإنها لا تعيش على قتل غيرها، ولا تشبع على حساب الآخرين.]

وقد سبق لنا الحديث عن البساطة في مفهومها المسيحي في كتابنا “الحب وحياة البساطة”، واكتفي هنا بتقديم مفهومها عن القدّيس يوحنا الدرجي إذ يقول: [الإنسان البسيط هو ذو النفس التي في نقاوتها الطبيعيّة التي خُلقت عليها والتي تشفع من أجل الجميع. الحقد هو فساد البساطة، طريق ماكر للتفكير تحت ستار مزيّف من البساطة[14].]، لكنّه يميّز بين البساطة بالفِطرة والبساطة المجاهدة، بقوله: [عظيمة هي أيضًا البساطة التي يتّسم بها بعض الناس بالفِطرة نعم ومباركة، لكنها لا تعادل البساطة التي تكتسب بالعناء والتعب بعد التوبة عن الخطيّة، فالأولى محميّة ومحصّنة ضدّ الكثير من التصنّع والانفعال لكن الأخيرة تقود إلى أعلى درجات التواضع والوادعة. الأولى ليس لها مكافأة عظيمة، أمّا الثانية فمكافأتها لا نهائية بلا حدود[15].]

يكمّل السيّد نصيحته لتلاميذه: “ولكن احذروا من الناس، لأنهم سيسلّمونكم إلى مجالس وفي مجامعهم يجلدونكم. وتساقون أمام ولاة وملوك من أجلي شهادة لهم وللأمم. فمتى أسلموكم، فلا تهتمّوا كيف أو بما تتكلّمون، لأنكم تُعطون في تلك الساعة ما تتكلّمون به. لأن لستم أنتم المتكلّمين بل روح أبيكم الذي يتكلّم فيكم” [17-20].

يتساءل القدّيس يوحنا الذهبي الفم : لماذا لم يعد هناك سجن ولا وقوف أمام مجامع وولاة؟ ويجيب بأن الله يسمح للإنسان بالتدريب على الصراع قدر طاقته وقامته، فالصغير يسمح له بالتدرّب على الصراع مع من يناسبه في عمره وهكذا. كأن الله لا يسمح لنا في حياتنا الروحيّة أو الرعوية بالتجارب إلا بقدر ما نحتمل.

إنه يسمح بالتجربة، مطالبًا إيّانا ألا نقلق ولا نهتم كيف نتصرّف ولا بماذا ننطق، إنّما روحه القدّوس هو الذي يعمل في المتضايقين معلنًا مجد المسيح، شاهدًا ببهائه فينا ككرازة وشهادة أمام الآخرين. يقول القدّيس أغسطينوس: [إنه يحرّركم من الخوف ويهبكم الحب الذي يشعل غيرتكم بالكرازة بي فتنبعث فيكم رائحة مجدي في العالم وتمتدحونه[16].] ويتحدّث القدّيس جيروم عن عمل الله في هذه اللحظات الصعبة، قائلاً: [ها أنتم ترون أنه ليس لدينا مخازن نخزن فيها، لكننا ننال فيضًا في اللحظة المطلوبة[17].]

كأن جوهر حياة الخادم هو “الحياة بلا همّ في المسيح يسوع”، لا يهتمّ باحتياجاته الماديّة، ولا يضطرب من جهة ثمرة الخدمة، ولا أيضًا ممّا يتوقّعه من دخول في ضيق وآلام!

إذ يتحدّث روح أبينا في وقت الضيق إنّما يُعلن حقيقة إيمانيّة هامة هي تجلّي الله في حياة المؤمن، خاصة في وقت الضيق، هو الذي يسمح بالألم وهو الذي يتقبّل الألم فينا، وهو الذي يهبنا النصرة والإكليل، وهو الذي يتقبّل الإكليل فينا. جاء في رسالة للقدّيس كبريانوس يقول: [أن ما ننطق به ونجيب به (وقت الضيق) يوهب لنا في تلك الساعة من السماء التي تمدّنا، فلا نتكلّم نحن بل روح الله الذي لا يفارق من يعترفون به ولا ينفصل عنهم بل يتكلّم فيهم ويتوّج فيهم[18].] وفي رسالة أخرى يقول: [إن عمله هو أن نغلب، وننال بإخضاع العدوّ لرمز النصرة في الصراع العظيم[19].]

وهكذا بتجلّي الله فينا نمتلئ رجاءً بالنصرة الأكيدة، وكما يقول الآب يوحنا من كرونستادت: [كل ما للعدو أنه يتعبنا، لكن ماذا تكون متاعبه إن كان قلبنا ثابتًا في الرب ومؤسّسًا فيه؟[20]]

أما المقاومة فلا تقف عند حدود، فإنها تنطلق من أهل البيت نفسه لتشمل الجميع: “وسيُسلّم الأخ أخاه إلى الموت والأب ولده، ويقوم الأولاد على والديهم ويقتلوهم. وتكونون مبغضين من الجميع من أجل اسمي، ولكن الذي يصبر إلى المنتهى فهذا يخلّص” [21-22].

إن كان السيّد قد أبرز دوره الإلهي نحوهم، مقدّمًا لهم إمكانيّاته حتى يتمّموا عملهم الكرازي، لكنّه لا يتجاهل دورهم الإيجابي، مؤكدًا: “ولكن الذي يصبر إلى المنتهى فهذا يخلّص” [22]. وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [لا تقف إرادة الله عند دوره هو، وإنما يطالبهم بممارسة الأعمال الصالحة أيضًا. لاحظ كيف أنه من البداية جعل نصيبًا يخصّه وآخر يخصّ تلاميذه. فصُنع المعجزات هو من عمله، أمّا عدم أخذ شيء (أجرة) فهو من عملهم. فتح أبواب (قلوب) كل البشر هو نعمة من فوق، أمّا عدم طلب شيء سوى الاحتياج الضروري هو من ضبط نفوسهم هم، “لأن الأجير مستحق أجرته”. عطيّة السلام هي من الله، أمّا البحث عن المستحق وعدم دخول بيت غير المستحق فهذه وصيّتهم هم. معاقبة من لا يقبلونهم عمله هو، أمّا الانسحاب منهم وتركهم بلطف بدون أن يلعنوهم أو يسبوهم، فهذا من وداعة الرسل. عطيّة الروح وعدم القلق من عمل من أرسلهم، أمّا أن يصيروا حملان وكالحمام يحتملون كل شيء بلطف، فهذا ينبع عن هدوئهم وحكمتهم[21].]

إن كان الله هو الذي يهب القوّة، لكن يليق بنا أن نصبر إلى المنتهى مجاهدين بروح الرجاء، وكما يقول القدّيس كبريانوس: [يليق بنا أن نصبر مثابرين أيها الإخوة الأحباء، حتى إذ ننعم بالرجاء في الحق والحرّية ننال الحق والحرّية ذاتها[22].]

كتب القدّيس كبريانوس يشجّع المعترفين في السجون على الجهاد إلى النفس الأخير حتى ينعموا بالخلاص خلال صبرهم إلى المنتهى، فيقول: [أيّا كان ما قبل النهاية فهي خطوة بها نصعد إلى قمة الخلاص[23].] لقد أعلن لهم أنه كلما اعترفوا محتملين الآلام يهيج العدوّ بالأكثر، فيكون الخطر أشد، لذا يجب مواجهته بالصبر[24].

الجميع حتى أهل البيت يبغضوهم، لا من أجل جريمة ارتكبوها، وإنما من أجل اسمه، فإن الله لا يتركهم بل يسندهم بعطاياه ونعمه، أمّا هم فمن جانبهم يلزمهم أن يصبروا حتى النهاية، متسلّحين بنعمته. ولكن إن طردوهم فماذا يفعلون؟ يجيب السيّد: “ومتى طردوكم في هذه المدينة، فاهربوا إلى الأخرى” [23].

هنا يقدّم لنا السيّد مبدأ هامًا، أننا لا نلقي بنفوسنا وسط العاصف فنثير المضايقين، وإنما نتركهم ليس خوفًا على حياتنا، وإنما لتكميل رسالة الله فينا التي ائْتمنّا عليها، ولكن لا نعطي الفرصة للمضايقين أن يزدادوا غضبًا وثورة. وقد ركّز القدّيس أثناسيوس الرسولي كثيرًا على هذه العبارة في دفاعه عن هروبه من أمام وجه الأريوسيّين، كما تحدّث القدّيس البابا بطرس خاتم الشهداء عن هذا الأمر بشيء من التفصيل في قانونه التاسع[25].

  • أمرَ مخلّصنا أن نهرب عندما نُضطهد، ونختفي عندما يبحثون عنّا، فلا نعرّض أنفسنا لمخاطر معيّنة، ولا نُشعل بالأكثر ثورة المضطهدين ضدّنا بظهورنا أمامهم. فإن من يسلّم نفسه لعدوّه ليقتله إنّما يفعل ذات الشيء كمن يقتل نفسه. أمّا أننا نهرب كأمر مخلّصنا بهذا نعرف وقتنا المناسب، ونُعلن اهتمامنا الحقيقي نحو مضطهدينا، لئلا إذ يعملون على سفك الدم يصيرون مجرمين عصاه للناموس القائل: “لا تقتل” (خر 20: 13)[26].

البابا أثناسيوس الرسولي

  • لم يأمرهم قط أن يبقوا مع العدوّ، بل أن يهربوا إن اضطهدوهم[27].

القدّيس يوحنا الذهبي الفم

  • يريدنا الرب أن نهرب في زمن الاضطهاد من مدينة إلى أخرى حتى لا يُلقي أحد بنفسه وسط المخاطر التي قد لا يحتملها الجسد الضعيف أو الفكر المنطلق العنّان وهو يتوق على الحصول على إكليل الاستشهاد[28].

القدّيس أمبروسيوس

  1. عدم الخوف

دخول التلاميذ إلى الألم حتى من أهل البيت ليس بلا هدف، فقد أوضح لهم الأسباب التالية حتى يقبلوه بلا خوف:

أولاً: “ليس التلميذ أفضل من المعلّم، ولا العبد أفضل من سيّده، يكفي التلميذ أن يكون كمعلّمه، والعبد كسيّده” [24]. إذ السيّد هو غالب الألم، فإنه لا ينزع الألم عن تلاميذه، إنّما يعطيهم أن يغلبوا به. وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [إرادة الله لا أن يخلّصك من المخاوف بل يحثّك على ازدرائها، فإن هذا أعظم من التخلُّص منها[29].]

ثانيًا: يقول السيّد: “فلا تخافوهم، لأن ليس مكتوم لن يُستَعلن، ولا خفي لن يُعرف. الذي أقوله لكم في الظلمة قولوه في النور، والذي تسمعونه في الأذن نادوا به على السطوح” [26-27]. يليق بالتلاميذ ألا يخافوا، لأن ما يحملونه من أمجاد إلهيّة خِفية، وما وُهبوا من بركات روحيّة، لن يبقى مكتومًا إلى الأبد، إنّما يُعلن جزئيًا في هذا الدهر وبكماله في الدهر الآتي. الكارز وهو يُدرك عطايا الله الخفيّة من بنوّة له وتمتّع بروحه القدّوس، وشركة حياة معه في الابن الوحيد، لا يخاف ضيقات العالم التي تزيد بهاءه وإكليله.

  • ماذا يحزنكم؟ هل لأنهم يسمُونكم مرائين ومخادعين؟ تمهّلوا قليلاً فيسمُّونكم منقذي العالم ومُحسنين إليه! إن الزمان سيُعلِن المكتوم ويكشف افتراء أعدائكم عليكم، فتظهر فضيلتكم إنكم منقذون ومحسنون، إن أثبتُّم ذلك بالأعمال؛ فالناس لا يصغون إلى الأقوال بل ينظرون إلى حقيقة الأعمال![30]

القدّيس يوحنا الذهبي الفم

ثالثًا: يسند السيّد تلاميذه ليقبلوا الضيق بلا خوف، معلنًا لهم أن حياتهم الداخليّة لن تؤذي بل ولا أجسادهم بدون إذن أبيهم السماوي. إن نفوسهم مصونة بالروح القدس الناري، فلا يقدر أحد أن يقترب إليها، وشعور رؤوسهم التي تسقط عندما يقوم الإنسان بتمشيطها محصيّة لدي الله!

يقول السيّد: “ولا تخافوا من الذين يقتلون الجسد، ولكن النفس لا يقدرون أن يقتلوها، بل خافوا بالأحرى من الذي يقدر أن يهلك النفس والجسد كليهما في جهنّم” [28].

  • يعلّمنا الوحي ألا نخاف ممن يخيف، وأن نخاف ممن لا يخيف… فقد قال: “لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد… بل خافوا بالأحرى من الذي يقدر أن يهلك النفس والجسد كليهما في جهنّم”.

إن الشهداء القدّيسين لم يخافوا ممن يخيف، لأن بمخافتهم لله لم يهابوا إنسانًا!…

ليقل الشهيد وهو واقف قبالة إنسان مثله: إنّني لا أخاف لأنّني أخاف (أي لا يخاف الإنسان لأنه يخاف الله)…

تستطيع أن تقتل مسكن الروح أي الجسد، لكن هل يمكنك أن تقتل الساكن فيه؟!… إنك تطلق روحي ولا تستطيع أن تؤذيها في شيء. فبصنعك هذا سيقوم جسدي مرّة أخرى، هذا الذي لك سلطان عليه. إذ تطلق الروح يقوم الجسد وتعود إليه الروح كمسكنٍ لها، وعندئذ لا يعوذ يموت الجسد بعد!

انظر! إنّني لن أخاف من وعيدك حتى بالنسبة لجسدي، فإنه وإن كان لك سلطان عليه لكن حتى شعر رأسي محصي لدى خالقي[31].

  • لا تخف أيها الشهيد من سيف مضطهدك، بل بالأحرى خف من لسانك لئلا تضطهد نفسك بنفسك، فتهلك روحك لا جسدك. لتخف على روحك لئلا تموت في نار جهنّم[32].

القدّيس أغسطينوس

  • لا تخف ولا يضعف قلبك ولا تنزعج عندما يُسحب منك المال أو الطعام أو الشرّاب أو الملذّات أو الملابس أو السكن أو جسدك ذاته، بل خف العدوّ الذي يسحب نفسك من الإيمان والاتّكال على الله ومحبّة الله والقريب، عندما يبذر في قلبك الكراهيّة والعداوة والارتباط بالزمنيّات والكبرياء وغير ذلك من الخطايا[33].

الأب يوحنا من كرونستادت

رابعًا: يقوم عدم الخوف أساسًا على اكتشاف الإنسان لرعاية الله به كأبٍ محبٍ؛ فيهتمّ به كما يهتمّ بالخلقية من أجله. هذه الرعاية تمتد في حياتنا من إحصائه لشعور رؤوسنا جميعها إلى اهتمامه بالمجد الذي يعدّه لنا في السماوات.

“أليس عصفوران يباعان بفلس،

وواحد منهما لا يسقط على الأرض بدون أبيكم؟

وأما أنتم فحتى شعور رؤوسكم جميعها محصاة.

فلا تخافوا، أنتم أفضل من عصافير كثيرة.

فكل من يعترف بي قدّام الناس،

اعترف أنا أيضًا به قدّام أبي الذي في السماوات.

ولكن من ينكرني قدام الناس،

أنكره أنا أيضًا قدّام أبي الذي في السماوات” [29-33].

يُعلّق العلاّمة أوريجينوس على إحصاء شعورنا، قائلاً: [لا يقصد بذلك الشعر الذي نقصّه بالمقص ونُلقي به في سلّة المهملات، أو الشعر الذي يسقط ويموت مع تقدّم السن، لكن الشعر المُحصَى أمام الله هو الذي من الناصريّة (الذي لشمشون) حيث تسكن فيه قوّة الروح القدس، فيهبْ الغلبة على الفلسطينيّين، أي قوّة النفس وكثرة الأفكار النابعة عن الإدراك والفهم، والتي يُرمز لها برأس التلاميذ[34].]

  1. الحرب الداخليّة

بعد أن حدّثهم عن الجهاد في الشهادة له، وقبولهم الطرد من العالم والضيق، وجّه أنظارهم إلى الحرب الداخليّة، فإن الكارز وأيضًا المؤمن يواجه مقاومة من جسده وعواطفه (أهل بيته) كما من أفراد عائلته. إنها حرب غاية في الشراسة لأنها تتم داخل النفس، يثيرها العدوّ لينقسم الإنسان على نفسه، أو داخل البيت لينقسم البيت على ذاته.

“لا تظنّوا إني جئت لألقي سلامًا على الأرض،

ما جئت لألقي سلامًا بل سيفًا.

فإني جئت لأفرّق الإنسان ضدّ أبيه،

الابنة ضدّ أمها،

والكِنَّة ضدّ حماتها.

وأعداء الإنسان أهل بيته” [34-36].        

يُعلق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على هذه الحرب القاسية، بقوله: [ليس فقط الأصدقاء والزملاء يقفون ضدّ الإنسان بل حتى الأقرباء، فتنقسم الطبيعة على ذاتها… ولا تقف الحرب على من هم في بيت واحد أيّا كانوا، وإنما تقوم حتى بين الذين هم أكثر حبًا لبعضهم البعض، بين الأقرباء جدًا[35].]

هنا يقدّم الله أولويّته على الجميع، فلا يتربّع في القلب غيره، ولا يسمح لأحد بدخول القلب إلا من خلاله، إذ يقول: “من أحبَّ أبًا أو أمّا أكثر منّي فلا يستحقَّني، ومن أحبَّ ابنًا أو ابنة أكثر منّي فلا يستحقّني. ومن لا يأخذ صليبه ويتبعني فلا يستحقّني. من وجد حياته يضيعها، ومن أضاع حياته من أجلي يجدها” [ 37-39]. حقًا إن الله الذي أوصانا بالحب، بل جاء إلينا لكي يهبنا طبيعة الحب نحوه ونحو الناس حتى الأعداء، لا يقبل أن نحب أحدًا حتى حياتنا الزمنيّة هنا إلا من خلاله. إنه يَغير علينا كعريس يطلب كل قلب عروسه، وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [الله الذي يحبّنا كثيرًا جدًا يريد أن يكون محبوبًا منّا[36].] لنترك كل أحد من أجله، لنعود فنقتني كل أحد بطاقات حب أعظم، إذ نحبّهم بالمسيح يسوع ربّنا الساكن فينا، فيكون على مستوى سماوي فائق؛ نحبّهم فوق كل اعتبارات زمنيّة.

  • يأمرنا الكتاب المقدّس بطاعة والدينا. نعم، ولكن من يحبّهم أكثر من المسيح يخسر نفسه. هوذا العدوّ (الذي يضطهدني لأنكر المسيح) يحمل سيفًا ليقتلني، فهل أفكر في دموع أمي؟ أو هل احتقر خدمه المسيح لأجل أبٍ، هذا الذي لا ارتبط بدفنه إن كنت خادمًا للمسيح (لو 9: 59-60)، ولو إنّني كخادم حقيقي للمسيح مدين بهذا (الدفن) للجميع[37].

القدّيس جيروم

  • (في حديثه مع أرملة): لا تحبي الرجل أكثر من الرب فلا تترمّلين، وإن ترمّلتي فما تشعرين بذلك، لأن لكِ معونة المحب الذي لا يموت[38].

القدّيس يوحنا الذهبي الفم

  • إن أحببنا الرب من كل القلب يجدر بنا ألا نفضِّل عنه حتى الآباء والأبناء[39].

القدّيس كبريانوس

لقد نفذت الأم باولاPaula  هذه الوصيّة كما كتب عنها القدّيس جيروم في خطابه لابنتها يوستيخوم، إذ يقول: [إنّني أعلم أنه عندما كانت تسمع عن مرض أحد أولادها مرضًا خطيرًا، وخاصة عند مرض توكسوتيوس Toxotius الذي كانت تحبّه جدًا، كانت أولاً تنفذ القول: “انزعجت فلم أتكلّم” (مز 77: 4). وعندما تصرخ بكلمات الكتاب المقدّس: “ومن أحبّ ابنًا أو ابنة أكثر منّي فلا يستحقّني” (مت 10: 37)، تصلّي للرب وتقول: يا رب احفظ أطفالك الذين كتبت عليهم بالموت، أي هؤلاء الذين لأجلك يموتون كل يوم جسديًا[40].]

مقابل هذه الحرب المرّة الداخليّة، وهذا الترك الاختياري من أجل الله، يكرم الله تلاميذه ورسله، فيعتبرهم وكلاءه؛ كل قبول لهم هو قبول له، وكل عطيّة تقدّم لهم إنّما تقدّم له شخصيًا! يا لهذه الكرامة التي يهبها الله لخدّامه الأمناء، فإنهم يحملونه فيهم، ويتقبّلون كل تصرف للآخرين من نحوهم لحسابه.

“من يقبلكم يقبلني، ومن يقبلني يقبل الذي أرسلني.

من يقبل نبيًا باسم نبي فأجر نبي يأخذ،

ومن يقبل بارًا باسم بار فأجر بار يأخذ.

ومن سقى أحد هؤلاء الصغار كأس ماء بارد فقط باسم تلميذ

فالحق أقول لكم أنه لا يضيع أجره” [40-42].

من كلمات الآباء عن تكريم خدّام الله وكهنته في المسيح يسوع ربّنا:

  • لا تنظر إلى استحقاقات الأشخاص، بل إلى وظيفة الكهنة… آمن أن الرب يسوع حاضر أثناء صلوات الكاهن، لأنه إن كان قد قال: “إن اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي فهناك أكون في وسطهم” (مت 18: 20)، فكم بالأكثر يهبنا حضوره عندما تجتمع الكنيسة وتتم الأسرار![41]

القدّيس أمبروسيوس

  • لكوني كنت جاهلاً بهذه الأمور، فقد هزأت بأبنائك وخدّامك القدّيسين، ولكن لم أربح من وراء هذا سوى ازدرائك بي[42].
  • هل نخاف من الذي يعيّنه البشر ولا نخاف ممن يعيّنه الله، فنحتقر من عيّنه الله ونذمّه ونهينه بعشرات الآلاف من التوبيخات؟[43]

القدّيس أغسطينوس

  • كرِّم الذي صار لك أبًا من بعد الله[44].

الدسقولية

  • الكاهن على المذبح يفعل عِوض السيّد المسيح[45].

القدّيس كبريانوس

  • يا لغبطة الخادم الذي من خلاله يتقبّل السيّد الكرامة والمجد[46].

القدّيس جيروم

ويرى القدّيس جيروم ليس فقط يتقبّل الخدّام من الناس كرامة باسم المسيح، وإنما يتقبّل كل مؤمن نعمة من الآب السماوي نفسه، إذ يرى ابنه الحبيب متجلِّيًا فينا، لهذا يناجي القدّيس إلهه، قائلاً: [تطلّع علينا، فإنك ترى ابنك الساكن فينا![47]]

[1] Ep. 75:6.

[2] In Matt. hom 32:7.

[3] St. Jerome: Ep. 23:4.

[4] St. Jerome: Ep. 22:19.

[5] Duties of Clergy 2:25 (128).

[6] Duties of Clergy 2: 28 (137).

[7] Ser. on N. T. , hom 14.

[8] In Matt. hom 33:3.

[9] Ep. 58:5.

[10] On Christian Faith 3:16 (130).

[11] Ser. on N. T. , hom 14.

[12] Ser. on N. T. , hom 14.

[13] My Life in Christ, Jordanville, 1967, vol 1, p. 144.

[14] Ladder 24:25.

[15] Ladder 24:25.

[16] In Matt hom. 33:6.

[17] On Ps. hom 54.

[18] Ep. 55:5.

[19] Ep. 76:5.

[20] My Life in Christ, vol 1, p. 181.

[21]. In Matt. hom 33.

[22] Treat. 9:13.

[23] Unity of Church 21.

[24] Unity of Church 21.

[25] البابا بطرس خاتم الشهداء، 1978م، ص41-43.

[26] Apol. ad Constantium 32.

[27] In Matt. hom 34:1.

[28] Duties of Clergy 1:37 (187).

[29] In Matt. hom 34:2.

[30] المطران أبيفانيوس: الأماني الذهبيّة من مقالات إكليل في القدّيسين يوحنا الذهبي الفم، 1972، ص 110.

[31] Ser. on N. T. hom 15.

[32] Ser. on N. T. hom 15.

[33] My Life in Christ, vol 1, p. 208.

[34]. In Num hom 1.

[35] In Matt. hom 35:2.

[36] In Matt. hom 35:2.

[37] Ep. 14:3.

[38] الحب الأخوي، 1964م، ص 305.

[39] الأعمال والصدقة، 16 (ترجمة: المرحوم سامي عبد الملك).

[40] Ep. 113:19.

[41] الحب الرعوي، 1966، ص 27.

[42] الحب الرعوي، 1966، ص 30.

[43] الحب الرعوي، 1966، ص 53.

[44] الحب الرعوي، 1966، ص 40.

[45] الحب الرعوي، 1966، ص 45.

[46] In Ps. hom 23.

[47] In Ps. hom 16.

تفسير انجيل متى 10 – الأصحاح العاشر – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير انجيل متى 11 – الأصحاح الحادي عشر – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير انجيل متى 11 – الأصحاح الحادي عشر – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير انجيل متى 11 – الأصحاح الحادي عشر – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير انجيل متى 11 – الأصحاح الحادي عشر – القمص تادرس يعقوب ملطي

الأصحاح الحادي عشر

قبول الملك

بعد دعوة التلاميذ والرسل كسفراء للملك المسيّا أوضح الإنجيلي متّى موقف اليهود من كرازته، فقد أرسل يوحنا تلميذين له لكي يدخل بجميعهم إلى التلمذة على يديّ الملك نفسه، وقد قابل السيّد هذا العمل بالشهادة ليوحنا.

  1. إرسال يوحنا تلميذين 1-6.
  2. شهادة السيّد ليوحنا 7-14.
  3. رفض اليهود له 16-24.
  4. قبول البسطاء له 25-30.
  5. إرسال يوحنا تلميذين

“ولما أكمل يسوع أمره لتلاميذه الاثنى عشر

انصرف من هناك ليعلم ويكرز في مدنهم” [1].

إذ دعا السيّد تلاميذه للكرازة، مقدّمًا لهم إمكانيّات العمل الروحي، وموضّحًا لهم موضوع إرساليّتهم وحدودها ومنهجها ومصاعبها، تقدّم هو بنفسه “يُعلّم ويكرز” لكي يتقبّلوا روح الكرازة لا خلال الوصايا فحسب وإنما عمليًا خلال حياته وسلوكه وكرازته. هذه هي القيادة الحيّة، إنها ليست مجرّد توجيهات وتوصيات، وإنّما دخول بالتلاميذ إلى التدرّب على الشهادة بممارسة العمل الكرازي ذاته، فيتذوّقه الشخص ويختبره عمليًا.

“أمّا يوحنا فلما سمع في السجن بأعمال المسيح

أرسل اثنين من تلاميذه،

وقال له: أنت هو الآتي أم ننتظر آخر؟!” [3]

لقد أدرك القدّيس يوحنا المعمدان أن انتقاله قد اقترب جدًا، وأن رسالته أوشكت أن تنتهي تمامًا، فبعث باثنين من تلاميذه للسيّد يسألاه ليس عن تشكّك في أمره، وإنما ليقدّم لتلميذيه الفرصة أن يلمسا بنفسيهما عمل السيّد المسيح ويتعلقا به، فينجذبا إليه ويجذبا بقيّة إخوتهما تلاميذ يوحنا ليسيروا وراءه.

لا يمكن للقدّيس يوحنا أن يشك فيه، هذا الذي شهد له وهو في أحشاء أمه حين دخلت القدّيسة مريم تحمل في أحشائها السيّد المسيح جنينًا، فركض مبتهجًا، وكان هذا هو أول عمل كرازي خفي، فيه شهد الجنين يوحنا لأمه أليصابات عن الكلمة المتجسّد. إنه أول من تقدّم بالفرح مبتهجًا، يخضع ويسجد بالتهليل وهو بعد في الأحشاء. لقد جاء القدّيس يوحنا كسابق للرب إذ قيل عنه: “ها أنا أرسل أمام وجهك ملاكي الذي يهيّئ طريقك قدامك” [10]. فكيف يهيئ الطريق ويشك فيه؟

  • تظاهر عمدًا بالجهل لا ليتعلّم، فقد كان مدركًا أسرار التجسّد، وإنما تجاهل ليحدّث تلاميذه عن تفوُّق السيّد عليه، ويقنعهم بما ورد في الكتاب المقدّس أنه هو الله قد أتى متجسّدًا، وأن جميع الناس خدّام له يمهدون الطريق لقدومه، كقول المرتّل: “مبارك الآتي باسم الرب”[1].

القدّيس كيرلّس الكبير

  • لقد خصص لنفسه تلاميذ ليكونوا شهودًا للمسيح لا لينفصلّوا عنه… وكان هؤلاء يقدِّرون معلّمهم تقديرًا عظيمًا، وقد سمعوا منه شهادته عنه وتعجّبوا. وإذ اقترب موت يوحنا أراد تثبيتهم في الإيمان بالمسيح نفسه… فقال لتلميذين منهم: “اذهبا واسألاه”… لا لأنّني أشك فيه، وإنما لأجل تعليمكما. اذهبا واسألاه، اسمعا منه ما أخبرتكما به عنه، لقد سمعتما منّي أنا الرسول، فلتُثبِّنا ما سمعتماه منّي بواسطة الديان…

أما قول المسيح فكان لأجل تعليمهما أيضًا: “العّمي يبصرون”… كأنه يقول لهما: لقد رأيتماني فلتعرفاني! لقد رأيتما أعمالي، إذن فلتعرفا صانعها… وطوبى لمن لا يعثر فيّ، وهذا أقوله لأجلكم وليس لأجل يوحنا[2].

القدّيس أغسطينوس

  • كنبي تنبأ خلال حياته بسجنه، فكان رمزًا للناموس الصامت (المسجون).

جاء الناموس ليخبر عن المسيح وغفران الخطايا واعدًا البشريّة بملكوت السماوات، الأمر الذي صنعه يوحنا ليحقّق هدف الناموس. لكن الناموس (في شخص يوحنا) قد صمت، إذ سجنه الأشرار وصار كمن في قيود السجن حتى لا يعرف أحد المسيح…

بعث الناموس (يرمز له بيوحنا) برسله لينظروا أعمال الإنجيل، ويتأمّلوا حقيقة الإيمان خلال نور هذه العجائب. وبهذا فإن الناموس الذي أُحيط بعنف الخطاة يتبرّر بفهم الحرّية التي حرّرنا بها المسيح (غل 4: 31).

بهذا لم يكن يوحنا يقصد معالجة جهل خاص به، إنّما كان يعالج جهل تلاميذه، فقد سبق فأعلن بنفسه أن المسيح يأتي لمغفرة الخطايا. والآن يرسل تلاميذ إلى المسيح لينظروا أعماله، فتثبت تعاليم المسيح لهم فلا يكرزون إلا به، غير متطلّعين إلى مسيح آخر[3].

القدّيس هيلاري أسقف بواتييه

  • كان من الطبيعي أن هذا الناموس الذي يتكلّم عن المسيح وقد صار سجينًا في قلوب المؤمنين ووُضع في الحبس أن يفتقر إلى النور، فقد قاسى عذابات خلف قضبان عدم الفهم، لهذا فهو لا يقدر أن يسير إلى النهاية كشاهدٍ للمقاصد الإلهيّة ما لم تسنده بشارة الإنجيل[4].

القدّيس أمبروسيوس

إن كان القدّيس يوحنا في السجن يحمل سرّيًا تقييد الناموس وكسره فقد أرسل تلميذين له لينعما بالإنجيل القادر أن يدخل بهما إلى ملكوت الله. هنا يسلّم الناموس البشريّة للنعمة الإلهيّة المجّانيّة. أمّا إرساله تلميذين إنّما يُشير إلى جماعة اليهود وجماعة الأمم، إن كان اليهود قد كسروا الناموس المكتوب فإن الأمم كسروا الناموس الطبيعي، وكما يقول الرسول بولس: قد شكونا أن اليهود واليونانيّين أجمعين تحت الخطيّة” (رو 3: 9)، واحتاج الكل إلى نعمة الإيمان بالمسيح للخلاص.

يرى القدّيس يوحنا الذهبي الفم[5] أن القدّيس يوحنا المعمدان قد أرسل تلميذيه للسيّد المسيح لأن الغيرة كانت قد دبّت في تلاميذه، إذ جاء في إنجيل معلّمنا يوحنا: جاءوا إلى يوحنا وقالوا له: يا معلّم هوذا الذي كان معك في عبر الأردن الذي أنت شهدت له هو يعمدّ والجميع يأتون إليه” (يو 3: 26). مرّة أخرى يروي لنا إنجيل معلّمنا متّى أن تلاميذ يوحنا جاءوا إلى السيّد قائلين: “لماذا نصوم نحن والفرّيسيّون كثيرًا وأما تلاميذك فلا يصومون؟” (مت 9: 14). وقد أخذ القدّيس كيرلّس الكبير[6] بذات الرأي.

كانت إجابة السيّد المسيح لتلميذيّ يوحنا عمليّة، إذ قال لهما: “اذهبا وأخبرا يوحنا بما تسمعان وتنظران، العُمي يبصرون، والعرج يمشون، والبرص يُطهَّرون، والصم يسمعون، والموتى يقومون، والمساكين يبشرون. وطوبى لمن لا يعثر فيّ” [4-6].

قدّم السيّد لتلميذيّ يوحنا صورة حيّة خلال السمع والرؤية، فقد سمعا كلمات محبّته الإلهيّة الفائقة نحو البشريّة ورأيا أعماله، وأخيرًا حذّرهما من التعثّر فيه. لأنه إذ يدخل إلى الآلام ويجتاز الصليب يتعثّر فيه من لا يدخل إلى أسراره العميقة. هذا التحذير ليس موجَّهًا للقدّيس يوحنا المعمدان، فقد سبق فأعلن يوحنا بنفسه عن سرّ الصليب بقوله: هوذا حمل الله الذي يرفع خطيّة العالم (يو 1: 29)، فبدعوته “حمل الله” يُعلن الصليب، الذي به يحمل خطيّة العالم. فالحديث إذن موجَّه لتلاميذ يوحنا حتى لا يتعثّروا في صليبه.

ويرى القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن تلميذيّ يوحنا قد شكّا في قلبيْهما، فكان السيّد يوبّخهما دون جرح لمشاعرهما: لقد أضاف العبارة الأخيرة موبّخا إيّاهما سريًا، إذ كانا قد تعثّرا فيه. لقد رأى في نفسيهما احتجاجهما عليه، ولم يدع أحدًا يشهد ذلك، إنّما تركهما لضميرهما، جاذبًا إيّاهما بالأكثر إليه بقوله: طوبى لمن لا يعثر فيّ”. لقد قال هذا فاضحًا نفسيهما لنفسيهما[7].

  • ماذا يعني بقوله: “طوبى لمن لا يعثر فيّ؟”… إنه كمن يقول: حقًا إنّني أصنع عجائب لكنّني لن اَستنكف من احتمال الإهانات. فإنّني إذ أسير في طريق الموت ليت الذين يكرمونني بسبب العجائب لا يحتقرونني في الموت! [8]

الأب غريغوريوس (الكبير)

  1. شهادة السيّد ليوحنا

وبينما ذهب هذان، ابتدأ يسوع يقول للجموع عن يوحنا:

ماذا خرجتم إلى البرّيّة لتنظروا؟

أقصبة تحرّكها الريح؟” [7]

لم يتحدّث السيّد المسيح عن القدّيس يوحنا المعمدان إلا بعد أن رحل التلميذان، لكي لا يبدو متملقًا للرجل[9]. مدحه السيّد قائلاً: “أقصبة تحرّكها الريح؟!” [7] وكما يقول القدّيس أغسطينوس: [بالتأكيد لم يكن يوحنا قصبة تحرّكها الريح، لأنه لم يكن محمولاً بكل ريح تعليم[10].]

  • لكن ماذا خرجتم لتنظروا، أإنسانًا لابسًا ثيابًا ناعمة، هوذا الذين يلبسون الثياب الناعمة هم في بيوت الملوك” [8]. فيوحنا كان يرتدي لباسًا خشنًا، إذ كان رداؤه من شعر الإبل.

لكن ماذا خرجتم لتنظروا، أنبيًا؟ نعم أقول لكم، وأقضل من نبي” [9]. لماذا كان يوحنا أفضل من نبي؟ لأن الأنبياء تنبّأوا عن مجيء الرب، واشتهوا أن يروه، فلم يستطيعوا، أمّا هو فنال ما طلبوه. لقد رأى الرب وأشار إليه بإصبعه، قائلاً: هوذا حمل الله الذي يرفع خطيّة العالم (يو1: 29)… بهذا قدّم يوحنا شهادة صادقة عن المسيح، كما قدّم المسيح شهادة عنه إذ قال: “لم يقم بين المولودين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان، ولكن الأصغر في ملكوت السموات أعظم منه” [11].

إنه الأصغر من جهة الزمن، وإن كان الأعظم في الكرامة… فيوحنا عظيم جدًا بين البشر، الذين ليس فيهم من هو أعظم منه سوى المسيح!

ويقصد بالأصغر في ملكوت السماوات، أي الأصغر بين الملائكة فالأصغر بين السمائيّين أعظم من يوحنا. بهذا يكون قد عرض الرب صورة عن عظمة ملكوت السماوات ليشوّقنا إليه، واضعًا أمام أعيننا مدينة ينبغي أن نشتهي السكنى فيها[11].

القدّيس أغسطينوس

  • لم يقم بين المولودين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان، ولكن الأصغر في ملكوت السماوات أعظم منه” [11]. المعنى الذي قصده هو أن يوحنا أعظم من كل البشر، إن أردت أن تعرف فهو ملاك (مت 11: 10)، لكن من كان ملاكًا (رسولاً) على الأرض فهو الأقل في ملكوت السماوات، أي أقل من رتبة الملائكة. علاوة على هذا، فمن كان الأصغر في ملكوت السماوات، أي ملاكًا، فهو أعظم ممن هو أعظم من كل البشر على الأرض[12].

القدّيس جيروم

  • كان يوحنا مثله مثل الآخرين الذين سبقوه تنسب ولادته إلى امرأة، أمّا أولئك الذين قبلوا الإيمان بالمسيح فليسوا أبناء نساء، بل أبناء الله، كقول الإنجيلي الحكيم: وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله…” (يو 1: 11-12). لقد أصبحنا أبناء الله العليّ، “مولودين ثانية لا من زرع يفنى، بل ممّا لا يفنى بكلمة الله الحيّة الباقية إلى الأبد” (1 بط 1: 23). إذن كل من ولد لا من زرع فانٍ بل من كلمة الله الباقية يفوق المولود من امرأة… لاحظوا أنه قبيل قيامة المسيح من الأموات وصعوده إلى السماء لم يوجد بين الناس روح التبنّي ولا دُعي أحد ابنًا لله (يو 7: 39)… إذن لا ينقص المسيح من مكانة الأنبياء… وإنما أراد أن يظهر ما في الحياة الإنجيليّة من سموّ أعظم بكثير من سموّ الحياة الناموسيّة[13].

القدّيس كيرلّس الكبير

لكن ماذا خرجتم لتنظروا، أإنسانًا لابسًا ثيابًا ناعمة، هوذا الذين يلبسون الثياب الناعمة هم في بيوت الملوك” [8].

  • الثياب تعني سرّيًا الجسد الذي تلبسه النفس، فيكون ناعمًا خلال الترف والخلاعة. أمّا “الملوك” فهذا الاسم (هنا) يخصّ الملائكة الساقطين، الذين يسيطرون على الناس كسلاطين للعالم. هؤلاء يلبسون الثياب المترفة ويسكنون بيوت الملوك، بمعنى أن من كانت أجسادهم منحلّة وهالكة خلال الخلاعة، إنّما هم مساكن للشيّاطين، التي تختار هذه المواضع كسكنى لهم تناسب تدابيرهم وأعمالهم الشرّيرة[14].

القدّيس هيلاري أسقف بواتييه

  • لم يلبس يوحنا الثياب الناعمة لأنه لم يتغاضَ عن الخطيّة، متملّقًا السالكين فيها، بل بالأحرى وبّخهم بقسوة، بكلمات مرّة، قائلاً: “يا أولاد الأفاعي من أراكم أن تهربوا من الغضب الآتي؟‍!” (لو 3: 7)، حيث يقول سليمان أيضًا: “كلام الحكماء كمهاميز (عصا في رأسها حديدة تنخس بها البهائم) وكمسامير منغرزة” (جا 12: 11). كلمات الحكماء تشبه بالمسامير والمهاميز فلا تداهن غباوة الخطاة بل تجرحها[15].

الأب غريغوريوس (الكبير)

“ماذا خرجتم إلى البرّيّة لتنظروا؟ أقصبة تحرّكها الريح؟” لتُفهم البرّيّة بطريقة سرّيّة أنها الموضع المحروم من الروح القدس، الذي لا يكون فيه أي مسكن لله، وتؤخذ القصبة بمعنى الإنسان الذي امتصّه مجد العالم تمامًا وفرّغ حياته، فلا يوجد في داخله ثمر الحق، إنّما يحمل مظهر الفرح من الخارج دون الداخل. إنه يستجيب لكل ريح، أي لاقتراحات الأرواح النجسة، فلا يقدر أن يقف ثابتًا.

هل ذهبتم لتنظروا إنسانًا فارغًا من معرفة الله، يستجيب لنسمات كل روح دنس؟ فإذ كان يحدّثهم بروح من يزكي القديس بوحنا وليس من يوبّخ، راغبًا في تأكيد أنهم لا يروا في يوحنا شيئًا فارغًا أو متقلّبًا.

  • ماذا يقصد بالقصبة إلا النفس البشريّة المُحبّة للعالم؟ هذه التي إن لمسها أي مديح أو ذمّ تنحرف في الحال عن الطريق الذي تريده. فإن وُجد ريح مديح يصدر عن فم بشري يلاطفها فإنها تفرح وترتفع ثم تنحني في شعور بالجميل. وإذ تهبّ ريح ذمّ من نفس المصدر الذي قدّم نسمات المديح تنحني للمرة الأخرى من الجانب الآخر وتخنع لقوة العاصفة. أمّا يوحنا فلم يكن بالقصبة التي تحرّكها الريح، فلا يتملّقه المديح، ولا يغضبه الذمّ؛ لا يرفعه النجاح ولا تطرحه المحنة. لم يكن يوحنا بالقصبة التي تحرّكها الريح، إنّما كان إنسانًا لا يتأثّر بالظروف لينحرف عن طريقه… ليتنا نحتفظ بنفس ثابتة بين رياح ألسنة الناس المتغيّرة فلا الذم يثيرنا للغضب ولا النجاح يحرّكنا لمنح عطايا ضارة[16].

القدّيس غريغوريوس (الكبير)

“ومن أيام يوحنا المعمدان إلى الآن ملكوت السماوات يُغصب

والغاصبون يختطفونه” [12].

جاء يوحنا المعمدان كسابق للسيّد المسيح فانفتح طريق الملكوت، ليستطيع كل مؤمن أن يسرقه، مختطفًا إيّاه بالجهاد الحيّ. حقًا أن الملكوت هو عطيّة الله المجّانيّة، لكنها لا تقدّم للمتهاونين المتراخين، إنّما للمجاهدين كمن يسرقها.

يتحدّث القدّيس يوحنا الدرجي عن ضرورة الجهاد والتغصّب، قائلاً: [كل الذين يبدأون النضال الصالح الذي هو صعب وضيق لكن في نفس الوقت سهل، يليق بهم أن يدركوا أنه يجب عليهم أن يقفزوا في النار، إن كانوا يودّون أن تمكث النار السماويّة فيهم فعلاً. ليفحص كل إنسانٍ نفسه، ويأكل خبزه بأعشاب مرّة، ويشرب الكأس بدموع، لئلا تؤدي خدمته إلى دينونة الذات[17].] كما يقول: [لنركض في طريقنا بحماسٍ كأناسٍ مدعوّين من إلهنا وملكنا، لئلا بسبب قصر عمرنا نوجد في يوم موتنا بلا ثمر ونهلك جوعًا[18].]

ويتحدّث الأب يوحنا من كرونستادت عن الجهاد والتغصب قائلاً: [من الذي جعل طريق المختارين ضيقًا؟ العالم يضغط على المختارين، والشيطان يضغط عليهم، وكذلك الجسد، هذا هو ما جعل طريقنا لملكوت السماوات ضيقًا[19].] كما يقول: [إن كنّا لا نجاهد يوميًا لنغلب الشهوات التي تهاجمنا ونقتني ملكوت الله في قلوبنا، فالشهوات تمتلكنا بطغيان شديد وعنف، وتسلب نفوسنا كالصوص[20].]

ويقدّم لنا الأب يوحنا من كرونستادت مثالاً عن الجهاد في الصلاة، قائلاً: [يقول الناس إن لم تشعر بميل للصلاة فالأفضل لا تصلِِّ. هذه سفسطة مخادعة وجسدانيّة. إن كنت تصلّي فقط عندما تشعر بميل للصلاة، فستتوقّف عن الصلاة تمامًا، وهذا ما يطلبه الجسد. “ملكوت السماوات يغتصب”، فلا تستطيع أن تعمل لخلاصك بدون اغتصاب نفسك[21].] كما يقول: [لا تتمّم عملك فقط عندما تشتاق إليه، تمّمه على وجه الخصوص عندما لا تشتاق إليه.

لتفهم أن هذا ينطبق على كل عمل عادي زمني، كما ينطبق على وجه الخصوص على الأعمال التي تخص خلاص النفس، كالصلاة والقراءة في كلمة الله وكتب التهذيب، والاشتراك في الخدمة الإلهيّة والأعمال الصالحة، والكرازة بكلمة الله وهكذا. لا تطِعْ الجسد الخامل المملوء شرًا، فإنه مستعد للراحة دومًا ليقودنا إلى الهلاك الأبدي خلال الهدوء الوقتي والمتعة الزمنيّة، وقد قيل: “بعرق وجهك تأكل خبزًا” (تك3: 19)[22].]

ويشدّد القدّيس أمبروسيوس على الجهاد المستمر دون تهاون، بقوله: [فقدان ساعة واحدة ليس بالأمر الهيّن، فالساعة هي جزء من حياتنا كلها[23].]

ربّما يسأل أحد: لماذا يقول السيّد المسيح “ملكوت السماوات يغتصب”؟ يجيب القدّيس جيروم: [انظر، أليس بالحق يُحسب اغتصابًا عندما يرغب الجسد أن يصير إلهًا ويصعد إلى الموضع الذي منه سقطت الملائكة، ويدين ملائكة[24]؟]

ويرى القدّيس أمبروسيوس أن الكنيسة استطاعت بالإيمان أن تغتصب الملكوت من المجمع اليهودي، تمتّعت بالنبوّة لله بينما حُرم منها.

يكمّل السيّد المسيح حديثه قائلاً: “لأن جميع الأنبياء والناموس إلى يوحنا تنبّأوا. وإن أردتم أن تقبلوا، فهذا هو إيليّا المزمع أن يأتي. من له أذنان للسمع فليسمع” [13-15].

في الوقت الذي فيه يُعلن السيّد عن يوحنا أنه إيليّا الذي سبق مجيئه مهيّئًا له الطريق، إذ بيوحنا نفسه عندما سُئل إن كان هو إيليّا يجيب: “لست أنا”؛ كيف هذا؟

يقول العلاّمة أوريجينوس: [إنه يوحنا وليس هو إيليّا في نفس الوقت، ليس شخصه، إذ لا يعرف عن نفسه أنه مارس حياة شخصيّة سابقة. بهذا يؤكّد القدّيس يوحنا المعمدان رفضه لفكره تناسخ الأرواح، بمعنى إعادة تجسّدها، لكنّه جاء يحمل ذات الفكر والاتّجاه لإيليّا النبي.]

هذا ما أكّده كثير من آباء الكنيسة مثل القدّيس يوحنا الذهبي الفم والقدّيس أغسطينوس[25] وغيرهما.

يقول الأب غريغوريوس (الكبير): [يقول الملاك لزكريّا بخصوص يوحنا: “ويتقدّم أمامه بروح إيليّا وقوّته” (لو 1: 17). كما أن إيليّا يسبق المجيء الثاني، فإن يوحنا يسبق المجيء الأول. وكما أن إيليّا هو السابق للديّان القادم، هكذا يوحنا هو السابق للمخلّص الآن. إذن فيوحنا هو إيليّا في الروح، وليس في شخصه[26].]

هكذا يقول السيّد: “من له أذنان للسمع فليسمع” أي من كانت له الأذنان الداخليّتان القادرتان على سماع الأمور الروحيّة وإدراكها، يمكنه أن يسمع ويدرك أن إيليّا قد جاء يسبق المسيّا المخلّص، الذي تنبأ عنه جميع الأنبياء ومهّد له الناموس خلال الرموز والظلال.

هاتان الأذنان هما عطيّة إلهيّة، وكما يقول القدّيس جيروم: [يقول إشعياء: “أعطاني الرب أذنًا” (راجع إش 50: 5)، فإذ لم يكن لي أذن للقلب وهبَني أذنًا اسمع بها رسالة الله[27].]

  1. رفض اليهود له

إذ كان السيّد يتحدّث عن شخص القدّيس يوحنا المعمدان ويشهد له بكونه السابق الذي أعدّ له الطريق، أوضح أن البعض رفضه كما رفضوا الملك السماوي نفسه، مقدّمين تبريرات وتعليلات خاطئة لرفضهم.

“وبمن أشبِّه هذا الجيل؟

يشبه أولادًا جالسين في الأسواق ينادون إلى أصحابهم. ويقولون:

زمّرنا لكم فلم ترقصوا، نُحنا لكم فلم تلطموا.

لأنه جاء يوحنا لا يأكل ولا يشرب،

فيقولون فيه شيطان.

جاء ابن الإنسان يأكل ويشرب،

فيقولون هوذا إنسان أكّول وشَرّيب خمر،

محب للعشّارين والخطاة،

والحكمة تبرّرت من بنيها” [16-19].

لقد رفضه الكتبة والفرّيسيّون والصدّوقيّون، ومن تتلمذوا على أيديهم، وحملوا روحهم المتكبّر، فلم يقدروا أن ينطلقوا من الذات ego ليتقبّلوا كلمة الحق ويُدركوا الحكمة. أرسل الله لهم من ينوح كيوحنا المعمدان الثائر على الخطيّة، فلم يلطموا كخطاة بالتوبة بل ثاروا ضدّه. وهوذا يأتيهم السيّد نفسه يزمِّر لهم بمزمار الحب المترفِّق، فلا يرقصون رقصات الروح المتهلّل. جاءهم النبي زاهدًا حتى في ضروريّات الحياة، من أكلٍ وشربٍ وملبسٍ لكي يسحبهم من الحياة المترفة المدلّلة، فاتهموه أن به شيطان، وجاءهم ابن الله المتجسّد حالاً في وسطهم، يشاركهم حياتهم البشريّة، لكي يجتذبهم إليه بالحب كصديقٍ لهم فإذا بهم يزدرون بسلوكه كمحب للخطاة والعشّارين.

حينما تفسد بصيرة الإنسان الداخليّة يستطيع أن يجد لنفسه كل المبرّرات لرفض العمل الإلهي، فلا يحتمل حب الله وحنانه، ولا يتقبّل تأديباته؛ لا تجتذبه الكلمات الإلهيّة الرقيقة كما لا تردعه التهديدات.

لقد جاء العهد القديم مشحونًا بالترنيمات المستمرّة ليبهج قلب العروس بعريسها، فلم يدرك اليهود هذه التسابيح المفرحة بل أغلقت الباب في وجه عريسها، وجاء الأنبياء أيضًا بمراثي كثيرة لعلّها تليّن قلبهم الحجري، لكنهم لم يرتعبوا. لم يقبلوا السيّد المسيح عريسًا يفرح قلبهم ويبهجه، ولا فاديًا خلّصهم من العقاب الأبدي!

بعدما قدّم السيّد تعاليمه وقوّاته مؤكّدًا حبّه لهم صار يوبّخهم على عدم توبتهم قائلاً: “ويل لكِ يا كورزين، ويل لكِ يا بيت صيدا، لأنه لو صُنعت في صور وصيدا القوّات المصنوعة فيكما لتابتا قديمًا في المسوح والرماد” [21]. ليس شيء يُحزن قلب الله مثل قسوة قلب أولاده، هؤلاء الذين قُدّمت لهم نعم إلهيّة كثيرة ولم تتحرّك قلوبهم، بينما لو قُدّمت هذه العطايا للغرباء ربّما يسرعون بالتوبة والرجوع إلى الله. لهذا يؤكّد السيّد أن كثيرين يأتون من المشارق والمغارب إلى ملكوت الله وينعمون بحضن إبراهيم، بينما يُحرم بنو الملكوت منه!

مرة أخرى يؤكّد السيّد أن الغرباء وإن طردوا من الملكوت، لكن مرارتهم تكون أقل من مرارة أبناء الملكوت المطرودين منه، إذ يقول: “ولكن أقول لكم أن صور وصيدا تكون لهما حالة أكثر احتمالاً يوم الدين ممّا لك” [22]. فإن الذي يعرف كثيرًا ويخطئ يُضرب أكثر!

  1. قبول البسطاء له

الذين ظنّوا في أنفسهم أنهم حكماء رفضوه، بينما قبله البسطاء، فأعلن لهم أسراره الإلهيّة، مقدّمًا تسبحة فرح وتهليل لأبيه من أجلهم:

“في ذلك الوقت أجاب يسوع وقال:

أحمدك (اعترف لك) أيها الآب رب السماء والأرض،

لأنك أخفيت هذه عن الحكماء والفهماء، وأعلنتها للأطفال” [25].

حقًا إن الله يشتهي أن يقدّم أسراره للبشريّة بلا محاباة، ولا يمنع أحدًا من معرفته، لكن الذين يظنّون في أنفسهم أنهم حكماء وفهماء كالفرّيسيّين المتعجرفين أو الغنوسيّين الذين نادوا أنهم أصحاب معرفة gnosis عقليّة قادرة على خلاصهم، هؤلاء يتثقّلون بالأنا فلا يقدرون أن يدخلوا طريق المعرفة الإلهيّة الحقّة، أمّا من يقبل المسيّا الملك في بساطة قلب ويحمل صليبه في تواضعٍ، يكون كطفل قد ارتمى في حضن أبيه، فيدخل به السيّد إلى معرفته، إذ يقول السيّد المسيح: “نعم أيها الآب لأن هكذا صارت المسرّة أمامك. كل شيء قد دُفع إليّ من أبي، وليس أحد يعرف الابن إلا الآب، ولا أحد يعرف الآب إلا الابن، ومن أراد الابن أن يُعلن له”     [26-27].

  • “اعترف لك (أحمدك) أيها الآب…” [25]. تبصَّروا الآن إن كان المسيح البعيد عن كل الخطايا يقول: “اعترف”، فإن الاعتراف لا يخصّ الخطاة فحسب بل يخصّ أحيانًا الذين يسبّحون الله أيضًا. لذلك فإنّنا نعترف بتسبيحنا لله أو باستذناب أنفسنا. وكِلا الأمرين هو اعتراف حسن، سواء في لوْمكم أنفسكم يا من لستم بلا خطيّة، أو في تسبيحكم الله الذي بلا خطيّة[28].
  • استمع إلى اعتراف الرب! “اعترف لك أيها الآب رب السماء والأرض”. هذا الاعتراف كما سبق أن قلت يعني “الحمد”. لأنك أخفيت هذه عن الحكماء والفهماء وأعلنتها للأطفال”. ما هذا يا إخوتي؟ لتفهموا (ماذا يقصد بالحكماء والفهماء) ممّا جاء بعكسهم (الأطفال)، إذ لم يقل أعلنتها للأغبياء والجهلاء، بل “أعلنتها للأطفال”… أخفاها عن هؤلاء الحكماء، الذين هم بالحق مثار سخرية ومتكبّرون، الذين يتظاهرون باطلاً أنهم عظماء، ولكنهم بالحق ليسوا إلا متكبّرين… من هم الأطفال؟ إنهم المتّواضعون… بقوله “أعلنتها للأطفال” أوضح أنه يقصد “الكبرياء” تحت اسم الحكمة والفهم…

“بينما هم يزعمون أنهم حكماء صاروا جهلاء” (رو 1: 22). هنا تجد علاجًا تعرفه من الضدّ. فإذ تزْعم أنك حكيم تصير جاهلاً! فلتعترف في نفسك أنك بذاتك جاهل فتصير حكيمًا، ولكن لتشهد بذلك بالحق. اعترف بهذا في القلب، لأن هذه هي الحقيقة.

فإن شهدت بذلك لا تشهد به أمام الناس دون أن تعترف به أمام الله، معلنًا أن كل ما يخصّك بكلّيتك مظلم… لتعترف أنك لست نورًا لنفسك بل بالحقيقة أنك عين لا نور، وما فائدة العين حتى المفتوحة والسليمة دون وجود نور؟ لتعترف أنك لست نورًا لنفسك، ولتصرخ كما هو مكتوب: “لأنك أنت تضيء سراجي. الرب إلهي ينير ظلمتي” (مز 18: 28). لأني كنت بكلّيتي ظلمة ولكنك أنت هو النور الذي يبدّد ظلمتي وينير لي. أنا لست نورًا لنفسي، ليس لي نصيب في النور إلاّ بك![29]

  • “اعترف لك أيها الآب رب السماء والأرض لأنك أخفيت هذه عن الحكماء والفهماء”. أخفيتها عن هؤلاء الذين ظنّوا في أنفسهم أنهم نور مع أنهم ظلمة… فلم يستطيعوا أن يستضيئوا. وأما الذين هم ظلمة واعترفوا بذلك، فقد كانوا أطفالاً صغارًا وليسوا بعظماء، كانوا متواضعين وليسوا متكبّرين. لقد حقّ لهم أن يقولوا: “أنت تضيء سراجي”. إنهم يعرفون أنفسهم ويمدحون الله فلم يضلّوا عن طريق الخلاص[30].

القدّيس أغسطينوس

حقًا إنه لم يمنع أحدًا عن معرفته، لكن الطريق إليه بالنسبة لنا كرب والباب ضيق، لا يقدر أحد أن يدخله سوى البسطاء المتواضعون. ما هو الطريق إلا شخص المسيح نفسه، الذي يقول: “أنا هو الطريق والحق والحياة”، يحملنا فيه بكوننا نحمل سماته من بساطة وتواضع وحب الخ. كأعضاء في جسده المقدّس، ليدخل بنا إلى حضن أبيه ونتعرّف على أسراره، فيفرح بنا الآب.

لهذا يكمّل السيّد حديثه، قائلاً: “نعم أيها الآب، لأن هكذا صارت المسرة أمامك. كل شيء قد دُفع إليّ من أبي، وليس أحد يعرف الابن إلا الآب، ولا أحد يعرف الآب إلا الابن، ومن أراد الابن أن يُعلن له. تعالوا إليّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم. احملوا نيري عليكم، وتعلّموا منّي لأني وديع ومتواضع القلب، فتجدوا راحة لنفوسكم. لأن نيري هيّن وحملي خفيف” [26-30].

لقد أوضح السيّد في حديثه الآتي:

أ. الابن هو الطريق لمعرفة الآب.

ب. يدعو الابن المتعبين للدخول إلى راحة المعرفة الحقيقيّة.

ج. يدعونا الابن لحمل نيره خلال سمتيّ الوداعة وتواضع القلب.

د. نيره الذي نحمله حلو، وحمله خفيف.

أ. الابن هو طريق معرفة الآب

لا يستطيع أحد أن يدرك من هو الآب في جوهره إلا الابن الوحيد الجنس، الواحد معه في الجوهر، ولا يقدر أحد أن يدرك من هو الابن غير الآب وحده. ولما كانت مشيئة الله أن نتعرّف عليه فنحبّه ونقبل الاتّحاد معه، لهذا جاءنا الابن يحمل طبيعتنا لكي يدخل بنا إلى المعرفة الإلهيّة، حملنا فيه حتى نقدر أن نُعاين ما لا يُرى وندرك ما لا يُدرك. ليس طريق آخر به تقدر النفس أن تتعرَّف على إلهها إلا باتّحادها بالابن الوحيد. يخاطب القدّيس أغسطينوس الآب، قائلاً: [إننا نقول أنه بالمسيح قد صار لنا باب الدخول إليك[31].]

في دراستنا لسّر الإفخارستيا، أدركنا أن ذبيحة المسيح تحملنا إلى الثبوت في المسيح يسوع الذبيح بكونه رأسنا، خلالها نتعرّف على الآب الذي يعرفه الابن. وقد ركَّزت الليتورجيّات الأولى على تأكيد سرّ الإفخارستيا كسرّ معرفة الله خلال ابنه. ففي قداس الأسقف سرابيون يُقال: لتتبارك نفوسهم بالفهم والمعرفة والأسرار لكي يشتركوا فيها، ليتبارك الكل معًا خلال الابن الوحيد يسوع المسيح[32].]

ب. يدعو الابن المتعبين للدخول إلى راحة المعرفة الحقيقيّة

ينادي السيّد جميع المتعبين، قائلاً: “تعالوا إليّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم”          [28].

ليس عجيبًا أن يدعو السيّد المتعبين جميعًا لنوال الراحة فيه بعد أن أعلن أنه وحده العارف للآب وواهب المعرفة. ففيه نكتشف محبّة الآب الفائقة ونتعرّف على حنوّه نحونا، إذ يقول الرسول بولس: “الذي لم يشفق على ابنه، بل بذله لأجلنا أجمعين، كيف لا يهبنا أيضًا معه كل شيء؟! من سيشتكي على مختاري الله؟ الله هو الذي يبرّر! من الذي يدين؟ المسيح هو الذي مات بل بالأحرى قام أيضًا الذي هو أيضًا عن يمين الله الذي أيضًا يشفع فينا!” (رو 8: 32-35). ففي المسيح يسوع عرفنا الآب كمحب البشر لم يبخل علينا بشيء بل قدّم ابنه فِدية عنّا. فماذا نطلب بعد؟! وفي المسيح رأيناه الديّان الشفيع في نفس الوقت. فممن نخاف؟! هذا هو سرّ راحة الجميع!

يُعلّق القدّيس أمبروسيوس على دعوة السيّد المسيح للمتعبين من أجل راحتهم قائلاً: [إذ يحمل الرب نحونا حنانًا يدعونا إليه ولا يرهبنا. جاء في وداعة، أتى في تواضع… إنه يلاطفنا ولا يطردنا أو يلقينا خارجًا. هكذا اختار أيضًا تلاميذ مناسبين يفسِّرون إرادة الرب إذ يجمعون شعب الله (بالحب) ولا يشتّتونه (بالقسوة).]

يناجي القدّيس يوحنا سابا ربنا يسوع كسرّ راحته، قائلاً: [طوبى للحامل في قلبه ذِكرك في كل وقت، لأن نفسه تسكر دائمًا بحلاوتك!… طوبى لذاك الذي يطلبك في داخله كل ساعة، منه تجري له الحياة ليتنعّم!…] كما يقول: [إن كنت تحزن في طلبه فستبتهج بوجوده! إن كنت تتألّم لكي تنظره بالدموع والضيق، فإنه يظهر لك حسنة (جماله) داخلك فتنسى أحزانك.]

ج. يدعونا الابن لحمل سمتيّ الوداعة وتواضع القلب

لا نستطيع أن ندخل طريق المعرفة الحقيقيّة إلا بالمسيح يسوع نفسه الوديع المتواضع القلب، نحمله فينا فنحمل سماته ونتأهّل لإدراك الأسرار الإلهيّة:

  • احملوا نيري عليكم وتعلّموا مني” [29]، لا في خلقه العالم، ولا في خلقه الأمور المنظورة وغير المنظورة، ولا في صنع المعجزات وإقامة الموتى في العالم الذي خلقه هكذا، وإنما “لأني وديع ومتواضع القلب”.

أتريد أن تكون عظيمًا؟ ابتدئ من الآخر!

أتريد أن تقيم بناءً غالبًا قويًا؟ فكِّر أولاً في أساس التواضع!…

ما هي قمّة تشييد هذا البناء الذي نؤسّسه؟ إلى أين تبلغ قمّة هذا البناء العالي؟ أقول حالاً إلى رؤية الله! ألا ترى كم هو عظيم أن تُعاين الله؟! إن من ارتفع إلى هذا الأمر يقدر أن يفهم ما أقوله وما يسمعه!… وإذ القمّة مرتفعة فكّر في الأساس. أي أساس؟ ماذا تقول؟ تعلّموا منه لأنه وديع ومتواضع القلب. لتحفر فيك أساس التواضع هذا عميقًا، فتحصل على قمّة المحبّة! [33]

القدّيس أغسطينوس

د. النير العذب

إذ يدخل البسطاء باب المعرفة الحقيقيّة خلال اتّحادهم بالسيّد المسيح نفسه. يحملونه فيهم، فيجدون نيره هيّن وحمله خفيف، فتستريح نفوسهم في داخله. حقًا لقد دعانا لحمل الصليب والإماتة معه كل، لكن مادام الصليب خاص به والموت هو شركة معه تتحوّل الآلام إلى عذوبة والموت إلى حياة والصلب إلى قيامة، بهذا يصير النير هيّنًا، لأنه نير المسيح، والحمل خفيفًا لأنه حمله هو.

  • إن كنت لا تصدّق أقوالنا اسمع من رأوا ملامح الشهداء وقت صراعاتهم، عندما كانوا يُجلدون ويُسلخون، إذ كانوا في فرحٍ زائد وسرور. حينما كانوا يُقصون على حديد محمّى بالنار يتهلّلون وتبتهج قلوبهم كمن هم ملقون على سرير من الورود. لهذا يقول بولس وهو يرحل خاتمًا حياته بموت عنيف: “أُسرّ وأفرح معكم أجمعين، وبهذا عينه كونوا أنتم مسرورين أيضًا وافرحوا معي (في2: 17-18). انظروا بأي لغة قويّة يدعو العالم كلّه ليشترك معه في بهجته؟[34]

القدّيس يوحنا الذهبي الفم

  • “احمل نيري عليك، لأن نيري طيّب وحملي خفيف”. حين أقول بأن تكفر بنفسك إذا أردت أن تتبعني، فهل تجد وصيّتي هذه قاسية وصعبة؟ ليست قاسية عليك ولا ثقيلة لأني معين لك. المحبّة تخفّف من قسوة الوصيّة!

القدّيس أغسطينوس

  • أي شيء يكون ثقيلاً وصعبًا على من احتضن بكل قلبه نير المسيح، متأسّسًا على التواضع الحقيقي، مثبِّتًا أنظاره على آلام الرب على الدوام، فرحًا بكل ما يصيبه، قائلاً: “لذلك أُسرّ بالضعفات والشتائم والضرورات والاضطهادات لأجل المسيح، لأني حينما أنا ضعيف فحينئذ أنا قوي (2 كو 12: 10)… كيف تصير حلاوة نير المسيح العجيبة مرّة؟ إلا بسبب مرارة شرّنا‍‍! كيف يصير الحمل الإلهي الخفيف للغاية ثقيلاً؟ إلا لأنه في وقاحتنا العنيدة نستهين بالرب الذي به نحمل حمله!، خاصة وأن الكتاب المقدّس بنفسه يشهد بذلك بوضوح، قائلاً: “الشرّير تأخذه آثامه وبحبال خطيّته يُمسك (أم 5: 22)؟‍ أقول أنه من الواضح أننا نحن الذين نجعل من طرق الرب السهلة السليمة طرقًا متعبة، وذلك بسبب حجارة شهواتنا الرديئة الثقيلة، إذ بغباوة نجعل الطريق الملوكي محجرًا، وبترك الطريق الذي وطأته أقدام كل القدّيسين بل وسار فيه الرب نفسه، باحثين عن طريق ليس فيه آثار لمن سبقونا، طالبين أماكن مملوءة أشواكًا، فتعمينا إغراءات المباهج الحاضرة، وبتمزّق ثوب العرس بالأشواك في الظلام… وقد تغطى الطريق بقضبان الخطايا، حتى أننا ليس فقط نتمزّق بأشواك العوسج الحادة، وإنما ننطرح بلدغات الحيّات المميّتة والأفاعي المتوارية هناك، لأنه شوك وفخوخ في طريق الملتوي (أم 22: 5)[35].

الأب إبراهيم

  • نسمع الرسول وهو تحت هذا النير الهيّن والحمل الخفيف يقول: “بل في كل شيء نُظهر أنفسنا كخُدّام الله في صبرٍ كثيرٍ في شدائدٍ في ضروراتٍ في ضيقاتٍ في ضرباتٍ الخ…” (2 كو 6: 4). وقي موضع آخر من نفس الرسالة يقول: من اليهود خمس مرّات قبلت أربعين جلدة إلا واحدة، ثلاث مرّات ضُربت بالعصى، مرّة رجمت، ثلاث مرّات انكسرت في السفينة ليلاً ونهارًا قضيت في العمق(2 كو 11: 24، 25) الخ، وبقيّة المخاطر التي حقًا يمكن إحصاءها، ولكن لا يمكن احتمالها إلا بمعونة الروح القدس. لقد كان يعاني على الدوام وبكثرة من كل هذه التجارب الثقيلة والخطيرة التي أشرّنا إليها، ولكن في نفس الوقت كان الروح القدس يعمل فيه لإبطال الإنسان الخارجي وتجديد إنسانه الداخلي دومًا فيومًا. فبتذوّقه الراحة الروحيّة في مباهج الرب الغزيرة تهون المتاعب الحاضرة، على رجاء البركة المستقبلة وتخِفّ التجارب الثقيلة. هوذا ما أحلى نير المسيح الذي حمله! وما أخف ذلك الحمل!…
  • كم يسهل احتمال الضيقات الزمنيّة من أجل تجنُّب العقاب الأبدي وإدراك الراحة الأبديّة. لم يقل الإناء المختار اعتباطًا بفرح زائد: فإني أحسب أن آلام الزمان الحاضر لا تقاس بالمجد العتيد أن يُستُعلن فينا” (رو 8: 18). انظر كيف أن ذلك “النير الهيّن والحمل الخفيف”، إن كان عسيرًا على القليلين الذين اختاروه لكنّه سهل للذين يحبّونه[36].

القدّيس أغسطينوس

  • كل شيء يقلقنا ويفسد القلب في أساسه ويضغط علينا هو من الشيطان، الذي هو نفسه الاضطراب والضيق الأبدي، أمّا الرب فهو سلام القلب وراحته[37].

الأب يوحنا من كرونستادت

يمكننا في إيجاز أن نقول أن البسطاء يقبلون الملك المسيّا ويحملون صليبه كنيرٍ عذبٍ، سرّ عذوبته أنهم فيما هم يحملونه يكتشفون ملكهم الحامل للصليب معهم وعنهم وفيهم أيضًا.

مرحِّبًا بالنير إن كان هو نير المسيح، فإنّنا لن نقدر أن نلتقي بمسيحنا خارجًا عن نيره، ولا أن نتعرّف على أبيه بدون صليبه!

[1] Comm. on Luke, Sermon 37. 

[2] Ser. on N. T. , hom 16: 3,4

[3] PL 9: 978. 

[4] تفسير لو7: 18-35 (ترجمة مدام عايدة حنا بسطا).

[5] In Matt. hom 37.

[6] Com. on Luke, Ser 37.

[7] In Matt. hom 37. 

[8] PL 76: 1095 -99.

[9] In Matt. hom 37:1.

[10] Ser. on N. T. 16:2.

[11] Ser. on N. T. 16:2.

[12] On Ps. hom 16.

[13] On Luke, Ser 38. 

[14] PL 9: 978.

[15] PL 76: 1095-99.

[16] PL 76: 1095-99.

[17] Step 1:9.

[18] Step 1:15.

[19] My Life in Christ, vol 1, p. 45.

[20] My Life in Christ, vol 1, p.  254.

[21] My Life in Christ, vol 1, p.  229.

[22] My Life in Christ, vol 1, p.  161.

[23] Ep 63.97.

[24] Ep 22:40.

[25] In Ioan , tr 4.

[26] PL 74, 1099-1103.

[27] On Ps. hom 17.

[28] Ser. on N. T. , hom 17:1.

[29] Ser. on N. T. , hom 17:8.

[30] Ser. on N. T. , hom 17:9.

[31] راجع المسيح في سرّ الإفخارستيا، 1973م،  ص 19-27.

[32] صلاة تبريك للشعب.

[33] Ser. on N. T. , hom 19.

[34] In Matt. hom 38:4.

[35] Cassian: Conf 24:24.

[36] Ser. on N. T., 20.

[37] My Life in Christ, vol 2, p.  12.

تفسير انجيل متى 11 – الأصحاح الحادي عشر – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير انجيل متى 16 – الأصحاح السادس عشر – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير انجيل متى 16 – الأصحاح السادس عشر – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير انجيل متى 16 – الأصحاح السادس عشر – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير انجيل متى 16 – الأصحاح السادس عشر – القمص تادرس يعقوب ملطي

الأصحاح السادس عشر

بنَاءُ الملكوتُ المسيحاني

لكي يقوم الملكوت المسيحاني كبناءٍ شامخٍ يبلغ السماوات يلزم حفر أساسات عميقة بهدم مملكة الظلمة لإقامة مفاهيم جديدة. بمعنى آخر يلزم أولاً هدم الإنسان القديم ليقوم الإنسان الجديد، خلال صليب ربّنا يسوع المسيح وقيامته. وقد ركّز الإنجيلي هنا على هدم “الرياء” كأساس الإنسان العتيق وقيام “الإيمان” كأساس الإنسان الجديد، أمّا تكلفة هذا العمل فهو الصلب.

  1. اتفاق الفرّيسيّين والصدّوقيّين ضدّه 1-4.
  2. هدم الرياء محطِّم الملكوت 5-12.
  3. قيام الإيمان كأساس الملكوت 13-20.
  4. الصلب تكلفة الملكوت 21-23.
  5. دورنا الإيجابي في الملكوت 24-26.
  6. الملكوت الأخروي 27-28.
  7. اتفاق الفرّيسيّين والصدوقين ضدّه

“وجاء إليه الفرّيسيّون والصدوقيون ليجرِّبوه،

فسألوه أن يريهم آية من السماء” [1].

لقد اتفق المتعارضون فكريًا معًا ضدّ السيّد المسيح، إذ لا تقبل مملكة الظلمة النور، ولا يطيق الباطل الحق حتى وإن تضارب الباطل فيما بينه. لقد اتَّفقوا معًا على تجربته، سائلين إيّاه أن يريهم آية من السماء. طلبوا علامة ظاهرة في الطبيعة، ولم يدركوا أن هذه الآيات والعلامات تسبق مجيئه الأخير للدينونة، علامة انحلال العالم وقوّات الشرّ قدامه لإقامة العالم الجديد، أي ملكوته الأبدي. أمّا الآن فقد جاء ليخلّص لا ليدين، جاء ليقدّم علاماته وآياته في حياة الناس لأجل توبتهم وتغيير طبيعتهم الداخليّة. جاء ليُعلن تحنّنه على البشريّة وترفُّقه بنا لا ليستعرض قوّته وسلطانه.

في تعامله مع فرعون ليدينه قدّم له مثل هذه العلامات الخاصة بالطبيعة ليُرهبه، أمّا مع الأصدقاء فلا حاجة لمثلها. لقد قدّم لهم الخلاص الذي تحقّق رمزيًا في يونان النبي، إذ أجاب مجرِّبيه، قائلاً: لهم: “إذا كان المساء قلتم صحو، لأن السماء مُحمَرّة . وفي الصباح اليوم شتاء، لأن السماء مُحمَرَّة بعبوسة. يا مراؤون تعرفون أن تميّزوا وجه السماء، وأما علامات الأزمنة فلا تستطيعون. جيل شرّير فاسق يلتمس آية، ولا تُعطى له آية إلا آية يونان النبي، ثم تركهم ومضى” [2-4].

لقد وهب الله الإنسان عقلاً يفكّر به ليميّز الأمور، فيستطيع أن يتعرّف على حالة الجو خلال العلامات الظاهرة في السماء، لكن للأسف لم يستخدم الفرّيسيّون والصدّوقيّون هذه العطيّة الإلهيّة لحساب ملكوت الله، مع أن بين أيديهم نبوّات الأنبياء تُعلن بوضوح عن شخص السيّد المسيح وأعماله الخلاصيّة. إنهم يقولون أن المساء صحو، لأن السماء مُحمَرة، وقد جاء مساء العالم، ملء الأزمنة، ليبذل الرب دمه لخلاصنا فرفضوه ولم يقولوا أن الوقت صحو، أي وقت مقبول لرجوعهم إليه والتمتّع بأعماله الخلاصيّة. وقد اقترب صباح الأبديّة ولم يدركوا أنهم في شتاء (برودة) الروح يفقدون الإكليل السماوي، وشركة الأمجاد الإلهيّة. صاروا يميّزون وجه السماء ماديًا، ولا يدركون أسرار الملكوت الروحي، فيبقى يونان النبي وغيره من الأنبياء شهود حق ضدّهم.

  1. هدْم الرياء محطِّم الملكوت

إن كان السيّد المسيح يُقيم ملكوته السماوي فينا، فإن هذا البناء الإنجيلي يحتاج أولاً إلى هدم المفاهيم الخاطئة لوضع أساس روحي جديد. بدون هدم رياء الفرّيسيّين والصدّوقيّين لا يمكن التمتّع بالإيمان الحيّ الخاص بالملكوت، وبدون تحطيم الإنسان القديم لا يمكن إقامة الإنسان الجديد.

يروي لنا الإنجيلي لقاءً تمّ بين السيّد المسيح وتلاميذه، نستطيع أن نقول أنه أشبه بمجمع كنسي يضم الرعاة وقد حلّ السيّد في وسطهم ليُعلن لهم أسرار ملكوته، فيما يلي تفاصيله:

ولما جاء تلاميذه إلى العَبْر نسوا أن يأخذوا خبزًا” [5]. لقد انجذب التلاميذ إلى السيّد المسيح؛ فانطلقوا إلى العَبْر الآخر كما إلى الحياة الأخرى، ليعيشوا بفكرٍ سماويٍ، تاركين كل شيء، حتى الضروريّات، إذ نسوا أن يأخذوا خبزًا.

وقال لهم يسوع: انظروا وتحرّزوا من خمير الفرّيسيّين والصدّوقيّين.

ففكّروا في أنفسهم قائلين: إننا لم نأخذ خبزًا.

فعلم يسوع وقال لهم: لماذا تفكّرون في أنفسكم يا قليلي الإيمان أنكم لم تأخذوا خبزًا؟

أحتّى الآن لا تفهمون، ولا تذكرون خمس خبزات الخمسة آلاف وكم قُفّة أخذتم؟

ولا سبع خبزات الأربعة آلالاف وكم سلاً أخذتم؟

كيف لا تفهمون إني ليس عن الخبز قلت لكم أن تتحرّزوا من خمير الفرّيسيّين والصدّوقيّين؟

حينئذ فهموا أنه لم يقل تحرّزوا من خمير الخبز

بل من تعليم الفرّيسيّين والصدّوقيّين” [6-12].

حيث يجتمع الرعاة معًا في المسيح يسوع ربنا، يقوم السيّد نفسه بقيادتهم وتوجيههم، من الجانب السلبي والإيجابي، فيُحذّرهم من الرياء كما يكشف لهم أسرار الآب [17].

فمن الجانب السلبي سألهم أن يتحرّزوا من خمير الفرّيسيّين والصدّوقيّين، وللأسف انسحب فكرهم إلى “الخمير” أو الخبز بالمفهوم المادي، بل ويبدو أنهم ارتبكوا جدًا بسبب عدم وجود طعام، فوبّخهم السيد، مذكّرًا إيّاهم بمعجزتي إشباع الجموع. بهذا عالج السيّد ضعفًا جديدًا في حياتهم، ألا وهو الارتباك بالأمور الماديّة والاحتياجات الزمنيّة.

في اختصار نقول أن السيّد عالج الجانب السلبي من ناحيتين: الأولي هي الهروب من الرياء “خمير الفرّيسيّين”، والثانية هي عدم الارتباك في التدابير الماديّة خاصة متى اجتمع بزملائه الرعاة في شخص السيّد المسيح، هذان المرضان للأسف يصيبان الكثير من اجتماعات الرعاة الكنسيّين.

لقد حذّرهم من خطيّة الرياء بكونها أخطر عدوّ للملكوت، لأن الخطايا الظاهرة يُمكن تداركها والتوبة عنها، أمّا الرياء فيتسلّل إلى حياة القادة الروحيّين والخدّام والمتعبّدين، لا ليشغلهم عن الخدمة والعبادة، وإنما ليُشعل فيهم الشوق نحو الخدمة والعبادة دون الالتقاء مع السيّد المسيح نفسه، فيرتفع الإنسان بذاتيّته وأنانيّته تحت ستار الدين والخدمة ويظهر البناء شاهقًا بلا أساس ليسقط هاويًا.

يشبّه القدّيس يوحنا الذهبي الفم الرياء باللص الذي يتسلّل خفية إلى صفوف المتعبّدين. رعاة ورعيّة، يسرق قلوبهم خلسة دون أن يكتشفوه. ويقول القدّيس أمبروسيوس: [يقدّم لنا ربّنا تأكيدًا قويًا على ضرورة حفظ البساطة مع غيرة الإيمان، فلا نكون كاليهود غير المؤمنين الذين يمارسون أمرًا ما ويتظاهرون في كلماتهم بالغيرة.]

أما عن تشبيه الرياء بالخميرة فيقول القدّيس غريغوريوس النزينزي: [عندما تُمتدح الخميرة إنّما لأنها تخص خبز الحياة، وعندما تُذم إنّما لأنها تُشير إلى المكر المرّ الذي يستقر (فيمن يعتاد عليه).]

هذا بخصوص الرياء، أمّا الجانب السلبي الآخر فهو تحذيرهم من الارتباك في التدابير الماديّة والتنظيمات أثناء اجتماع الرعاة، عِوض أن يكون “المسيح” نفسه غايتهم. فقد انشغل التلاميذ وارتبكوا بالخبز ولم يدركوا أن الحال في وسطهم هو المسيح “الخبز الحيّ” المشبع للكل!       

لقد ترك التلاميذ خدمة الموائد للشمامسة (أع 7) المملوءين بالروح القدس وشهود الحق لكي يتفرّغوا هم لخدمة الكلمة! حقًا ليست هناك ثنائيّة بين كلمة الكرازة وأعمال الحب وخدمة الفقراء وتدبير أمور الكنيسة، لكن من أجل تفرّغ كل عضو في الكنيسة للعمل اللائق به يلزم على الرعاة الروحيّين ألا ينشغلوا بخدمة الموائد، ليس تحقيرًا لها، وإنما من أجل التخصّص. فكما أن العين تنظر لحساب الجسد كلّه لكنها لا تسمع بذاتها إنّما خلال الأذن، هكذا يمثّل العمل الكنسي وحدة متكاملة معًا، كما لأعضاء كثيرة في جسدٍ واحدٍ يعمل معًا، كل في تخصّصه.

نعود إلى حديث السيّد مع تلاميذه لنلاحظ أنه إذ أراد توجيههم لم يُحذّرهم أمام الجماهير، حتى لا يجرح مشاعرهم، بل تحدّث معهم على انفراد، مقدّمًا لهم صورة حيّة عن الأبوّة الروحيّة التي تترفّق حتى عندما تُحذِّر وتُنذِر.

  1. قيام الإيمان كأساس الملكوت

بعد أن أعلن السيّد المسيح التزام التلاميذ بهدم الرياء وعدم الارتباك بالأمور الزمنيّة، قدّم لهم الجانب الإيجابي الذي يقوم عليه التعليم الإنجيلي أو بناء الملكوت، ألا وهو “الإيمان”، وذلك من خلال لقاء جديد مع تلاميذه، وكأنه اجتماع رعوي جديد. في هذا الاجتماع سأل تلاميذه قائلاً: “من يقول الناس إنّي أنا ابن الإنسان؟” [13]

بهذا السؤال أبرز السيّد جانبًا هامًا في إيماننا به بدعوته “ابن الإنسان” تأكيدًا لتأنُّسه. فإن كان الآب يُعلن لبطرس الرسول أنه ابن الله الحيّ مؤكدًا لاهوته، فإن الابن نفسه يؤكّد ناسوته. كأن إيماننا به إنّما يقوم على “تأنُّسه”… فبالتجسّد الإلهي تقدّم ابن الله كرأس للكنيسة ملكوت الله على الأرض، وباتّحادنا مع ابن الله المتأنّس ندخل – خلال مياه المعموديّة – إلى العضويّة في هذا الملكوت الروحي الجديد، ننعم بصورة خالقنا ونتمتّع بحياته فينا، فنحمله داخلنا كسرّ حياة أبديّة.

سألهم السيد: “من يقول الناس إني أنا، ابن الإنسان؟” [13]، وإذ هم من الناس لم يستطيعوا من ذواتهم أن يدركوا سرّ لاهوته، وأمام دهشتهم لتصرُّفاته قال: “قوم يوحنا المعمدان، وآخرون إيليّا، وآخرون إرميا، أو واحد من الأنبياء” [14]. حقًا إن الحاجة إلى الله نفسه لكي يُعلن لنا سرّ المسيح.

عاد السيّد يسألهم:” وأنتم من تقولون إنّي أنا؟” [15] ويرى القدّيس جيروم في قول السيّد “وأنتم…” بعد قوله “من يقول الناس…”، أن التلاميذ لم يعودوا بعد من الناس، لكنهم صاروا به آلهة، قائلاً: [كأنه يقول لهم أنهم كبشر قد فكّروا في أمور بشريّة، وأنتم كآلهة من تقولون إني أنا؟[1]]

سؤال السيّد لتلاميذه لم يكن اِستفسارًا ولا لكي يَعلم ما في قلوبهم، وإنما ليعطيهم الفرصة لنزع الأفكار البشريّة الخاطئة، وقبول الإعلان الإلهي؛ وكما يقول القدّيس كيرلّس الكبير: [أنه كان يهيّئ تلاميذه لآلامه حتى لا يتشكّكوا فيه[2].]

إذ قدّم السيّد لهم السؤال، “أجاب سمعان بطرس وقال: أنت هو المسيح ابن الله الحيّ [16]. “فأجاب يسوع وقال له: طوبى لك يا سمعان بن يونا، إن لحمًا ودمًا لم يُعلن لك، لكن أبي الذي في السموات” [17]. إيماننا بالمسيّا الملك، ابن الله المتأنّس، ليس فكرة فلسفيّة نعشقها، ولا هو وليد إيمان عقلاني نتقبّله من لحم ودم، إنّما هو إعلان إلهي يشرق به الآب بروحه القدّوس على شعبه خلال الرسل والتلاميذ، فتسلّمته الكنيسة كإعلان إلهي رسولي، كوديعة تَقدِمه من جيلٍ إلى جيلٍ، ليس كتسليمٍ بشري إنّما هو تسليم إلهي، يشرق به الله في قلوب المؤمنين خلالها. إنه عمل إلهي في داخل القلب قادر أن يربط النفس بملكها، فنعيش الحياة الملكوتيّة السماويّة. وما تمّ لبطرس الرسول يتحقّق مع كل عضو في كنيسة المسيح المقدّسة وإن كان بطرق مختلفة، خلال الكاهن أو كلمة وعظ أو كلمة مكتوبة، لكن المعلن الخفي هو الله نفسه، الذي يعمل في القلوب لإعلان الإيمان فيها.

وفيما يلي بعض تعليقات الآباء على هذه العبارة:

  • ما لم يستطع اللحم والدم أن يعلنه، تعلنه نعمة الروح القدس. لهذا السبب تقبّل (سمعان بطرس) اسمًا يعني أنه قد تسلّم إعلانًا من الروح القدس. لأن “ابن يونا” في لساننا يعني “ابن الحمامة”، وإن كان البعض يفهمها ببساطة أن سمعان الملقب بطرس هو “ابن يوحنا” معتبرين أن الاسم “ابن يونا Jona” إنّما قصد به “يوحنا Joanaa“… وكلمة “يوحنا” تعني نعمة الله. بهذا فإن الاسم يفسر سرّيًا بالحمامة أي الروح القدس أو نعمة الله أي عطيّة الروح.

القدّيس جيروم

  • طوبى لذاك الذي يُمدَح لإدراكه وفهمه الذي فوق الرؤيا بالعيون البشريّة، فلا يتطلّع إلى ما هو من الجسد واللحم، إنّما ينظر ابن الله خلال الإعلان له من الآب السماوي. لقد صار مستحقًا أن يكون أول من اعترف بلاهوت المسيح.

القدّيس هيلاري أسقف بواتييه

  • انظر كيف يُعلن الآب عن الابن، والابن عن الآب. فإنّنا لا نتعلّم عن الابن سوى من الآب. هنا يُعلن لنا أن الابن واحد مع الآب ومساوٍ له، مسجود له معه.

القدّيس يوحنا الذهبي الفم

  • آمِن إذن كما آمَنَ بطرس لتُطوَّب أنت أيضًا، وتستحق سماع الكلمات: “إن لحمًا ودمًا لم يُعلنا لك، لكن أبي الذي في السماوات”. فاللحم والدم لا يقبلان إلا الأرضيّات، وعلى العكس من يتحدّث عن الأسرار بالروح فلا يعتمد على تعاليم اللحم والدم، وإنما على الإعلان الإلهي. لا تعتمد على اللحم والدم لتأخذ منهما أوامرك، فتصير أنت نفسك لحمًا ودمًا، وأما من يلتصق بالروح فهو روح واحد (1 كو 6: 17)[3].

القدّيس أمبروسيوس

يكمّل السيّد حديثه مع القدّيس بطرس: “وأنا أقول لك أيضًا أنت بطرس، وعلى هذه الصخرة ابني كنيستي، وأبواب الجحيم لن تقوى عليها” [18].

كلمة “بطرس” مشتقّّة عن اليونانيّة “بترا Petra” أي صخرة، فقد أقام السيّد كنيسته التي هي ملكوته على الصخرة التي هي الإيمان بالسيّد المسيح المعلن للقدّيس بطرس. الإيمان بالمسيّا هو الأساس الذي يقوم عليه بناء الملكوت المرتفع حتى السماوات عينها. بالتجسّد الإلهي تقدّم ابن الله الحيّ كحجر زاوية يسند البناء كلّه فلا تقدر الزوابع أن تحطّمه ولا العواصف أن تهز حجرًا واحدًا منه.

  • إنه لم يقل له أنت صخرة tu es Petra بل أنت بطرس tu es Petrus، فإن الصخرة كانت المسيح (1 كو10: 4)، التي اعترف بها سمعان كما لو اعترفت الكنيسة كلها، لذلك دُعى “بطرس”[4].

القدّيس أغسطينوس

  • لقد عنى بهذا: أنه على هذا الإيمان وعلى هذا الاعتراف ابني كنيستي. لقد أظهر بهذا أن كثيرين يؤمنون بما اعترَف به بطرس، كما أنه بهذا رفع من روحه وجعله راعيًا.

القدّيس يوحنا الذهبي الفم

  • كما أنه هو النور ويهب تلاميذه أن يدعوا نور العالم، كذلك نالوا الأسماء الأخرى من الرب. لقد أعطى لسمعان الذي آمن بالمسيح الصخرة أن يُدعى بطرس “الصخرة”.

القدّيس جيروم

  • من يتمثل بالمسيح فهو صخرة.

العلاّمة أوريجينوس

  • عظيمة هي محبّة المسيح الذي أعطى كل ألقابه لتلاميذه، فيقول: “أنا هو نور العالم” (يو 8: 12) ومع ذلك يعطي من طبعه لتلاميذه قائلاً: “أنتم نور العالم” (مت 5: 14). يقول: “أنا هو الخبز الحيّ” (يو 6: 35)، ونحن جميعًا خبز واحد (1 كو 10: 17). يقول: “أنا هو الكرمة الحقيقيّة” (يو 15: 1)، ويقول لك: “غرستُك كرمة سورَق زرع حق كلها” (إر 2: 21).

المسيح هو الصخرة: “كانوا يشربون من صخرة روحيّة تابعتهم، والصخرة كانت المسيح” (1 كو 10: 4)، ولم يحرم تلميذه من هذا الاسم، فهو أيضًا صخرة، إذ تكون لك صلابة الصخر الراسخ وثبات الإيمان. اجتهد أن تكون أنت أيضًا صخرة، فلا يبحثون عن الصخرة خارجًا عنك وإنما في داخلك.

صخرتك هي عملك، وهي روحك، وعليها تبني بيتك فلا يقدر عاصف من عواصف الروح الشرّير أن يسقطه.

صخرتك هي الإيمان الذي هو أساس الكنيسة، فإن كنتَ صخرة تكون كنيسة، وإن كنتَ في الكنيسة فأبواب الجحيم لن تقدر عليك، هذه التي هي أبواب الموت[5].

القدّيس أمبروسيوس

وأعطيك مفاتيح ملكوت السماوات

فكل ما تربطوه على الأرض يكون مربوطًا في السماوات،

وكل ما تحله على الأرض يكون محلولاً في السماوات” [19].

إن كان ملكوت السماوات هو عمل إلهي يعلنه الآب في قلوبنا بالروح القدس في ابنه، فقد قدّم مفاتيح هذا الملكوت بين يديّ الكنيسة، لا لتسيطر، وإنما لتخدم البشريّة. لقد تسلّمت السلطان لا لتعمل بذاتها بل بالروح القدس الساكن فيها. فتشترك العروس في عمل العريس نفسه، لتنال كرامة الشركة معه على أن تتم إرادته الإلهيّة في سلوكها.

مفتاح الملكوت في الحقيقة هو في ملكيّة ابن داود نفسه الذي يفتح ولا أحد يُغلق، ويُغلق ولا أحد يفتح، فإن كان السيّد قد وهب كنيسته هذا المفتاح الإلهي إنّما يأتمنها عليه ويبقى هو العامل سرّيًا في داخلها، يعرف من يستحق فيفتح له خلالها ومن يتركه خارجًا يغلق عليه.

  • لو أن هذا قيل لبطرس وحده لما حمل أي أساس لعمل خاص بالكنيسة[6].

القدّيس أغسطينوس

  • لذلك خلال تغيير الأزمنة وتتابعها يفيض نظام الأساقفة تباعًا في تدبير الكنيسة (بالسلطان الذي أعطى لهم)[7].

القدّيس كبريانوس

  • ليت الذي يربط غيره أو يحلُّه أن يكون هو نفسه بلا لوم، فيوجد مستحقًا أن يربط أو يحلّ في السماء. من يقدر أن يغلق أبواب الجحيم بفضائله تُعطى له مفاتيح ملكوت السماوات كمكافأة. فإنه إذ يبدأ إنسان في ممارسة كل نوع من الفضيلة يكون كمن يفتح لنفسه أبواب السماء، إذ يفتحها الرب بنفسه، فتكون الفضيلة عينها هي باب السماء ومفتاحه. كل فضيلة إنّما هي ملكوت السماوات.

العلاّمة أوريجينوس

  • الأساقفة والكهنة الذين لا يفهمون هذا الأمر (فيحكمون بلا تمييز) يأخذون لأنفسهم نوعًا من كبرياء الفرّيسيّين حتى يظنّون أنهم يقدرون أن يدينوا الأبرياء ويغفروا للمجرمين؛ لكن الله لا ينظر إلى حكم الكهنة وإنما إلى حياة الذين يُدانون.

القدّيس جيروم

  1. الصلب تكلفة الملكوت

“من ذلك الوقت ابتدأ يسوع يظهر لتلاميذه

أنه ينبغي أن يذهب إلى أورشليم،

ويتألّم كثيرًا من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة،

ويُقتل وفي اليوم الثالث يقوم” [21].

إذ أعلن السيّد ملكوته بكونه هدمًا وبناءً، اِقتلاعًا وغرسًا، فيه يُهدم الإنسان القديم بأعماله لكي يقوم الإنسان الجديد؛ فإن تكلفة هذا الملكوت هو “الصلب”. لقد بدأ السيّد يتحدّث علانيّة مع تلاميذه عن التزامه بحبّه الإلهي أن يذهب إلى أورشليم، ليحُفظ هناك كفصحٍ حقيقيٍ يُقدَّم عن البشريّة كلها، فيهدم الخطيّة بمملكتها ويُقيم ملكوته بقيامته! بصليبه دان الخطيّة في جسده، هذا الذي لم يعرف خطيّة صار خطيّة من أجلنا، لكي يحطِّم مملكتها ويبدّد سلطانها، فنقوم فيه مقدّسين بدمه، أعضاء جسده المقدّس، أبناء الملكوت الجديد.

يُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على ذلك معلنًا إمكانيّة علامة الصليب في إقامة الملكوت بالقول: [كما أنها حطَّمت أبواب الجحيم وفتحت أبواب السماوات وقدّمت مدخلاً جديدًا للفردوس وهدمت حصون الشيّاطين، فلا عجب إن تغلَّبت أيضًا على المواد السامة والحيوانات الكاسرة، وما شابهها[8].]

لم يكن ممكنًا للقدّيس بطرس في ذلك الحين أن يدرك الملكوت الداخلي، وبالتالي أن يتفَّهم “سرّ الصليب”، لهذا يقول الإنجيلي: “أخذ بطرس إليه واِبتدأ ينتهره قائلاً: حاشاك يا رب، لا يكون لك هذا. فالتفت، وقال لبطرس: اذهب عنّي يا شيطان، أنت معثَرة لي لأنك لا تهتم بما لله لكن بما للناس” [22-23]. لقد ظنّ الرسول بطرس أنه إذ ينتهر السيّد رافضًا إهانته وآلامه يُعلن بذلك حبّه له. لكنّه فوجئ بالسيّد ينتهره: “اذهب عنّي يا شيطان”.

بطرس الرسول الذي تقبَّل إعلان الآب عن لاهوت الابن فصار إيمانه الصخرة التي تقوم عليها الكنيسة، وحُسب أهلاً أن يتمتّع مع التلاميذ بمفاتيح الملكوت، إذ رفض الصليب دعاه السيّد ” شيطانًا”، و”معثرة لي” و”مهتمّا بما للناس لا بما لله”. لقد جاء السيّد يُقيم مملكته خلال صليبه، فمن يرفض الصليب يرفض الفكر الإلهي، ويصير معثرة مهتمّا بالأمور الظاهرة، التي تفرِّح قلب الناس لا الله. فالصليب هو العمل الإلهي الذي شغل فكر الله منذ الأزل لأجل خلاصنا، بدونه يتعثّر الدخول إلى المملكة الإلهيّة، ويتحوّل الملكوت الإلهي إلى ملكوت بشري.

  1. دورنا الإيجابي في الملكوت

إن كان السيّد قد دفع تكلفة الملكوت على الصليب، فإنّنا لا ننعم بهذا الملكوت ولا ننمو فيه ما لم نشترك إيجابيًا فيه بحمل الصليب مع عريس الملكوت المصلوب. لهذا يكمّل السيّد حديثه مع تلاميذه عن صلبه بالتزامهم بحمل الصليب، إذ يقول الإنجيلي:

“حينئذ قال يسوع لتلاميذه:

إن أراد أحد أن يأتي ورائي فلينكر نفسه،

ويحمل صليبه ويتبعني” [24].

وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: أن السيّد المسيح بهذا قد وبّخ القدّيس بطرس الذي انتهره عن حمل الصليب، [كأنه يقول لبطرس: أنت تنتهرني لأني أريد أن أتألّم، لكنّني أخبرك بأنه ليس فقط من الخطأ أن تمنعني عن الآلام، وإنما أقول لك أنك لن تقدر أن تخلُص ما لم تمُت أنت أيضًا[9].]

إن كان ملكوت السموات هو التبعيّة للمسيّا الملك، فإنه لا يقدر أحد أن يقبل هذه التبعيّة ما لم يدخل دائرة الصليب، ويحمل سمات الملك نفسه، أي الصليب. يلتزم أن ينكر نفسه أو يجحدها أو يكْفر بها، فتُصلب ذاته على الصليب، لا ليعيش في ضعف وضيق بلا أحاسيس أو مشاعر أو إرادة، وإنما وهو يدخل بالروح القدس إلى صليب السيّد يموت عن ذاته، ليحمل السيّد نفسه في داخله. تختفي الإرادة البشريّة الضعيفة، لا ليعيش بلا إرادة، إنّما تحلّ إرادة المسيح الحكيمة والقادرة لتعمل فيه. ولا ليعيش بلا أحاسيس أو عواطف إنّما وهو يموت عن هذه جميعها يتقبّلها جديدة من يديّ الآب بالروح القدس، فتكون له أحاسيس السيّد المسيح نفسه ورقَّته ووداعته وحنوُّه، ليحيا حاملاً سمات المسيح متجلِّية فيه. هذا هو مفهوم الصليب أنه يحمل خسارة، لكن في الحقيقة هو مكسب، وفيما يبيع المسيحي كل شيء يقتني ما هو أعظم. لذلك يقول السيد: “فإنّ من أراد أن يخلّص نفسه يُهلكها، ومن يُهلك نفسه من أجلي يجدها. لأنه ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كلّه وخسر نفسه؟! أو ماذا يُعطي الإنسان فداء عن نفسه؟!” [25-26].

هذا هو الطريق الملوكي الحق الذي فيه يحتمل كل تعب، حتى هلاك حياته الزمنيّة، ليجد نفسه متمتّعا بما هو فائق للحياة، وفيما هو يترك العالم يقتني ما هو أعظم. إنه أخذ مستمر خلال الترْك والتخلِّي! لذلك كتب القدّيس أغناطيوس الأنطاكي في رسالته إلى أهل روما هكذا [ماذا تفيدني ملذّات العالم؟ ما لي وفتنة ممالك هذا العالم؟ إني أُفضِّل أن أموت مع المسيح من أن أملك أطراف المسكونة، إني أطلب المسيح الذي مات من أجلنا، وقام أيضًا من أجلنا. قد قربت الساعة التي سأُولد فيها، اغفروا لي يا إخوتي، دعوني أحيا، اُتركوني أموت. إني أريد أن أكون لله. لا تتركوني في العالم، لا تتركوني ومغريات الأرض. دعوني أبْلغ إلى النور النقي[10].]

ماذا يعني إنكار الإنسان نفسه؟

  • ينكر الإنسان ذاته عندما لا يهتمّ بجسده متى جُلد أو احتمل آلامًا مشابهة، إنّما يحتملها بصبر[11].

القدّيس يوحنا الذهبي الفم

  • إذ يحب أحد الله يبغض ذاته أي إنساننا الجسداني… ففي داخلنا وفي أفكارنا وقلوبنا وإرادتنا قوّة غير عادية تعمل دائمًا كل يوم وفي كل لحظة لتسحبنا من الله؛ تقترح علينا أفكارًا ورغبات واهتمامات ونيّات ومشاغل وكلمات، وأعمال باطلة تثير فينا الشهوات وتدفعها بعنف فينا؛ أقصد المكر والحسد والطمع والكبرياء والمجد الباطل والكسل والعصيان والعناد والخداع والغضب[12].

الأب يوحنا من كرونستادت

  1. الملكوت الأخروي

يختم السيّد حديثه عن بناء ملكوت السماوات كحياة داخليّة نعيشها هنا بالإعلان عنه كملكوت أُخروي أبدي، هو في حقيقته ليس غريبًا عن الملكوت الداخلي بل اِمتداد له. فما نعيشه الآن في المسيح يسوع خلال الإيمان ننعم به في كمال المجد خلال القيامة أخرويًا، إذ يقول: “فإن ابن الإنسان سوف يأتي في مجد أبيه مع ملائكته، وحينئذ يجازي كل واحد حسب عمله” [27].

الحياة الملكوتيّة التي نعيشها هنا وننعم بها ما هي إلا عربون للحياة الخالدة الممتدّة فوق حدود الزمن حين يظهر السيّد المسيح الملك مع ملائكته ليجازي كل واحد حسب عمله. إن كان الإيمان هو أساس الملكوت إلا أنه يلزم أن يكون “عمليًا” حتى يقدّم لنا السيّد الأكاليل الأبديّة مجازيًا “كل واحد حسب عمله”.

وإذ أراد أن يدخل بتلاميذه إلى هذا الملكوت بطريقة ملموسة سمح لثلاثة من تلاميذه أن ينعموا بتجلّيهK ليختبروا لحظات من الحياة الملكوتيّة الأخرويّة، إذ يقول: “الحق أقول لكم إن من القيام ههنا قومًا لا يذوقون الموت حتى يروا ابن الإنسان آتيًا في ملكوته” [28]. ويرى القدّيس أمبروسيوس أنه يليق بالمؤمن أن ينعم بالتمتّع بهذه الحياة السماويّة في عربونها وهو بعد على الأرض، إذ يقول: [ليس أخنوخ وحده حيّ، إذ ليس بمفرده أُخذ إلى فوق لكن بولس أيضًا أُخذ إلى فوق ليلتقي بالمسيح[13].] وكأنه يليق بنا أن نتمتّع بارتفاع النفس إلى فوق لتحيا مع السيّد المسيح السماوي فلا يغلبها الموت إلى الأبد.

 

[1] Catena Aurea.

[2] In Luc. Ser. 125.

[3] تفسير لو9: 19-26 (ترجمة مدام عايدة حنا بسطا).

[4] Retradions 1:21.

[5] تفسير لو9: 19-26 (ترجمة مدام عايدة حنا بسطا).

[6]  In Ioan 51.

[7] To the Iopsed 1.

[8] In Matt. hom 54:7.

[9] In Matt. hom 55.

[10] Ad Rom. 6.

[11] In Matt. hom 55.

[12] My Life in Christ, v2, p. 69.

[13] On belief of Resur. 2:94.

تفسير انجيل متى 16 – الأصحاح السادس عشر – القمص تادرس يعقوب ملطي

إنجيل متى ج2 (الأفكار الرئيسية للعظات الكتابية)، دليل الخادم PDF

إنجيل متى ج2 (الأفكار الرئيسية للعظات الكتابية)، دليل الخادم PDF

يتميز كتاب الأفكار الرئيسية للعظات الكتابية بأنه كتاب فريد، فهو يختلف عن أي مصدر آخر للدراسات الكتابية والعظات في أنه يقدم الأفكار الرئيسية لكل فقرة وموضوع. عندما تختار أي جزء كتابي ستجد ليس فقط الفقرة الكتابية وإنما ستكتشف أنه يوجد لها توضيح للأفكار الرئيسية عدداً بعدد. كمثال سريع، اختر أياً من الموضوعات التالية وانظر الجزء الكتابي المشار إلية فيها، وستجد أن هذا الكتاب يمدك بمعونة مدهشة لاستخدام أسرع وأسهل وأدق.

  • الغلاف: الأفكار الرئيسية للعظات الكتابية، تفسير العهد الجديد، إنجيل متى ج2، دليل الخادم
  • إنجيل متى ج2، الأفكار الرئيسية للعظات الكتابية، تفسير العهد الجديد
  • كيف تستخدم هذا الكتاب
  • شكر وتقدير
إنجيل متى ج2 (الأفكار الرئيسية للعظات الكتابية)، دليل الخادم PDF

إنجيل متى ج2 (الأفكار الرئيسية للعظات الكتابية)، دليل الخادم PDF

  • مقدمة
  • القسم الحادي عشر: إعلان المسيا المثير مسيانيته، كنيسته، وصلبه
  • القسم الثاني عشر: سلوك المسيا وسلوكهم تجاه بعضهم البعض
  • القسم الثالث عشر: تعاليم المسيا في الطريق الى اورشليم
  • القسم الرابع عشر: الأسبوع الأخير في حياة المسيا – تحدي ادعاءاته ورفضها
  • القسم الخامس عشر: نبوءة المسيا عن عودته وانقضاء الدهر – حديث جبل الزيتون
  • القسم السادس عشر: القبض على المسيح ومحاكمته وصلبه
  • القسم السابع عشر: قيامة المسيح الظافرة

إنجيل متى ج2 (الأفكار الرئيسية للعظات الكتابية)، دليل الخادم PDF

Exit mobile version