مشروع المياه النقية ف3 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

مشروع المياه النقية ف3 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

 

مشروع المياه النقية ف3 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

 

 

اقرأ وافهم
روايات إيمانية

الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

 

الفصل الثالث: مشروع المياه النقيَّة

كان بيلاطس البنطي فظاً قاسياً جشعاً ، ولهذا لم يدم السلام بينه وبين اليهود ، وبيلاطس هذا هو الوالي الخامس على اليهودية منذ أن أخضعها بومبي للحكم الروماني سنة 63 ق0م وصيرها مستعمرة رومانية ، وكان إختيار الوالي يتم غالباً من رتبة الفرسان ، حيث يقتصر عمله على ضبط المقاطعة وحفظها من أعمال الشغب ، بالإضافة إلى تحصيل الجزية لصالح الأمبراطورية ، وهكذا أُختير بيلاطس الذي إنحدر من أسرة محاربة ، فخرج للدنيا فارساً ، وإنخرط في جماعة الفرسان ، وخدم في ألمانيا تحت إشراف ” جرمانيكوس ” ، وعندما إنتقل إلى روما إلتقى بـ ” كلوديا بروكلا ” حفيدة الأمبراطور ” أوغسطس قيصر ” ، فوقعت في حبه وتزوجت به ، وكلوديا هذه إبنة غير شرعية لكلوديا إبنة أغسطس قيصر وزوجة ” طيباريوس قيصر ” ، فكان لزواج بيلاطس من كلوديا الفضل في تعيّنه والياً على اليهودية والسامرة سنة 26م ، وكان رئيسه المباشر هو الحاكم الروماني لسوريا ، وحصل بيلاطس على إمتياز لم يحصل عليه غيره من الولاة الرومان إذ سُمح له بإصطحاب زوجته معه إلى قيصرية ، غير أن بيلاطس هذا كانت تنقصه الفطنة والحنكة السياسية0

          كان يجلس في هذه الليلة الباردة أمام المدفأة ، يتسامر مع زوجته كلوديا صاحبة الفضل في وصوله إلى هذا المنصب 0

كلوديا : بيلاطي 00 لماذا لم ننزل هذا العام في قصر هيرودس ، فإنني كنت أفضل الإقامة فيه عن هذه القلعة الكئيبة التي تموج بالضباط والجنود0

بيلاطس : لقد أردت تقديم خدمة جليلة لهذا الشعب الجاهل ، فأحضرت مهندساً من الأسكندرية وآخر من أنطاكية ، لوضع تصميمات لمشروع المياه النقيَّة ، لمد أورشليم بكميات وافرة من المياه المتوفرة بالينابيع جنوب المدينة 00 بدأ العمال في شق القناة من بركة سلوام إلى داخل المدينة نحو خمسة وعشرين ميلاً ، وعقدتُ عدة إجتماعات مع أعضاء السنهدريم للتصرف في التمويل اللازم ، ولاسيما أنني أُمهد أيضاً عدة طرق لخدمة المدينة ، منها الطريق الساحلي والطريق الآخر الذي يصل بين الأردن وأريحا ، وأنشأت عدَّة حمامات في السامرة التي لم يكن بها حماماً واحداً ، ونظير هذه الأعمال العظيمة كان من المفروض أن يقيم لي هذا الشعب تمثالاً في وسط أورشليم ، ولكنهم لم يلقوا بالاً ولم يهتموا بتدبير التمويل اللازم بحجة أن المياه من مطالب الجسد 00 فلماذا إذاً الإغتسالات الكثيرة التي يقومون بها ؟! 00 في هيكلهم ياكلودي إناء كبير يضعون فيه المياه اللازمة لتنظيف الذبائح ، ولذلك قلت في نفسي مادامت المياه تُستخدم في الهيكل ، فعلى الهيكل تحمل عبء التمويل ، ولكنهم إسهجنوا قولي هذا 00 طلبت منهم قرضاً على أن يتم سداده من ضريبة تُفرض على سكان أورشليم لمدة عام فرفضوا أيضاً 00 كان أحد أحبارهم متحمساً لمشروع القناة فهجم عليه خمسة من الأرهابيين ومزقوا جسده بالسكاكين ، ولذلك لم يكن أمامي حل آخر0

كلوديا : وما هو الحل الذي رأيته يابيلاطي ؟

بيلاطس : تتبعت أخبار ضريبة الهيكل التي تفرض على يهود الشتات في آسيا ومصر والفرات ، وللأسف فقد وصلت جباية مصر إلى الهيكل دون أن أتمكن من وضع يدي عليها ، أما جباية آسيا فقد أحتجزتها في قيصرية ، وأمرت ” ماركيوس ” أن يهاجم ضريبة الفرات متى وصلت إلى أورشليم ، وبدلاً من إدخالها للهيكل يدخلها إلى هذه القلعة ، وأحسن ماركيوس التصرف ، إذ أتم هذه المهمة بدون إزهاق روح واحدة ، وبهذا حصلنا على المال الوفير مع كثير من الحُلي الذهبية والمجوهرات التي أرسلها يهود الشتات لتزيّين الهيكل0

كلوديا : يالك من داهية يابيلاطي !!

بيلاطس : ولكن هؤلاء اليهود الأغبياء لم يقفوا مكتوفي الأيدي ، بل أثاروا حشداً كبيراً لإسترداد الجباية ، ولكنني سبقت وأعددتُ العدة لمثل هذا الموقف ، حيث ضاعفتُ الحراسة على هذه القلعة ، كما دفعتُ بنحو ألف رجل من رجالي بملابس مدنيَّة يخفون سيوفهم بين طيات ملابسهم ، وصاروا يهتفون مع الهاتفين ضدي ، وعندما طلَّلت عليهم من البوابة وحاولت أن أُفهمهم أن هذه الأموال ستعود إليهم في شكل خدمات ، وإن المياه النقيَّة ستصل إلى عقر مدينتهم لأول مرة0 ثم أمرتهم بالإنصراف ، إزدادوا صراخاً ، وراحوا يقذفون القلعة بالأحجار ، ويقذفونني بأفظع الشتائم ، ويصبون عليَّ اللعنات ، ولم يكن هناك مفراً من المواجهة ، فأمرت بدق الطبول وإذ برجالي المندسين بينهم يشهرون سيوفهم وينقضون عليهم ، فصُدموا وأصيبوا بذعر كبير ، وركضوا يحتمون بالهيكل ، فأمرت رجالي بالكف عنهم بعد أن سقط منهم قتلى كثيرون0

كلوديا : يالك من داهية يابيلاطي !!

بيلاطس : جاء حنان وقيافا يطلبان مقابلتي ، فرفضت لقاءهم لأنهم هم الذين أثاروا هذه الجموع ضدي ، وتسببوا في  هذه المذبحة ، فأرسلوا وفداً يشكونني إلى القيصر 00 أعلنت قانون الطوارئ في أورشليم وحظرت التجول ومنعت الإجتماعات المشبوهة ، وعندما قبضنا على أحد شبابهم المتهور ، وكان شاباً عنيداً قوي الحجة جهوري الصوت قد أتى من طرسوس ، نصحناه بالبعد عن هذه المهاترات حتى لا يُعرّض نفسه للموت 00 قبضنا أيضاً ياكلودي على عدة فرق من الشباب الطائش الذين كتبوا على جدران المنازل والقلعة عبارات مستفزة ضدي وضد القيصر0

ثم وفد الكثير من يهود الجليل إلى أورشليم ، وعندما علموا بما كان من أمر الجباية ومصادرتها أحتجوا وثاروا ثورة عارمة ، وعندما صاروا يهتفون أمام هذه القلعة أرسلت إليهم مُحذّراً ، ولكنهم لم يكفوا عن بذائتهم 00 أمرتُ الجنود فأعملوا فيهم السيوف ، وعندما هربوا إلى فناء الهيكل كان رجالنا أسبق منهم إذ سلكوا السرداب من القلعة وظهروا في فناء الهيكل 00 كان مع الجليليين بعض الحيوانات التي سيقدمونها ذبائح ، فإختلطت دمائهم بدماء ذبائحهم 00 أما من نجا منهم فقد عاد إلى الجليل في نفس اليوم يخبر ملكهم أنتيباس بما كان ، فغضب أنتيباس مما حدث ، ولذلك نحن ياكلودي هذا العام في هذه القلعة ولم نذهب لنقيم في قصر هيرودس مثل كل عام ، مع أنني عندما علمت أنه حلَّ في أورشليم أرسلت إليه بعض الجنود لحراسة قصره 0

كلوديا : بيلاطي 00 لماذا لا تحاول أن تكون سياسياً أكثر من أن تكون عسكرياً حتى تتجنب شكاوي اليهود ؟

بيلاطس : إن هذا الشعب يجهل ما هو لخيره ياكلودي 00 لقد بلغ سكان المدينة نحو خمسين ألفاً ، وفي الأعياد يصل أعدادهم إلى مئات الألوف ، فمن أين لهم بالمياه التي تكفيهم ليشربوا ويغتسلوا 00 إنني فكرت في مصلحتهم ، واعتبرتُ مشروع المياه هذا مشروعاً قومياً يجب أن يُموّله الشعب الذي يستفيد منه ، ولذلك فعلتُ ما فعلتُ0

كلوديا : لكنك يا بيلاطي تفرح بإذلالهم وكسر أنوفهم 00 ألاَّ تذكر مشكلة البيارق ؟ وكيف حاصرونا في قيصرية لعدَّة أيام ؟

          وهنا أقبل أحد الحراس يخبر الوالي بأن قيافا رئيس كهنة اليهود في إنتظاره أسفل القلعة 00

بيلاطس : وماذا يريد في هـذه الساعة من الليل ؟! 00 دعه ينتظر 00

ومدَّ بيلاطس ساقيه وأسند رأسه للخلف وأستمر في حديثه مع زوجته 00 أوه 00 ماذا كنت تقولين ياكلودي ؟ 00 مشكلة البيارق 00

إنني كنت سياسياً بارعاً فيها ، وأنتِ تعلمين أنني أصدرت أوامري بدخول البيارق وإقامتها على أسوار القلعة ليلاً ، وفعلاً دخل الجنود تحت ستار الليل يحملون الألوية التي ترتفع فوقها صور ثلاثة من القياصرة وهم طيباريوس قيصر ، وجدكِ أوغسطس قيصر ويوليوس قيصر ، ووضعوها فوق أسوار القلعة ، وفي الشرفات ، ومن الطبيعي أن تُرى من الهيكل 00 كان ذلك عن قصد حتى يرونها ولا ينسون أنهم تحت الحكم الروماني العظيم ، وعليهم أن يخضعوا لسطوة القيصر وممثله الشرعي الذي هو أنا ، ويكفون عن عنادهم وهياجهم وثوراتهم 00 لقد قصدت كسر أنوفهم التي طالت وشمخت 00

ومع بزوغ نور الصباح ياكلودي كان أحد كهنتهم يستعد لتقديم ذبيحة الصباح ، وإذ به يلمح تلك البيارق فصرخ صرخة مدوية كأن خنجراً إخترق قلبه ، ولم يمض وقتاً طويلاً حتى كان قيافا يدق باب القلعة مطالباً ماركيوس بإنزال البيارق وإبعادها عن مرمى البصر 00 أجابه ماركيوس بأدب جم موضحاً له أن الأمر ليس في سلطته إنما في سلطة الوالي ذاته ، فرد عليه قيافا بحدة ، وأعلمه أن مجلس السنهدريم عقد جلسة طارئة وقرَّر رفع الأمر إلى القيصر رأساً بسبب هذه الإستفزازات0

وفي ساعات قليلة أحتشد الآلاف من رجال اليهود يحملون العصي والأحجار ، يعلنون نقمتهم ليس على السلطات الرومانية فحسب ، بل وعلى رؤساء كهنتهم ، متهمين إياهم بالتسيب والتساهل معنا ، فتصدى لهم قيافا وأعلمهم أنهم سيرسلون للوالي إحتجاجاً شديد اللهجة ، وسيرفعون للقيصر تقريراً يطالبون فيه بتنحيتي ، وطلب منهم ترشيح من يمثلهم لمرافقة وفد السنهدريم إلى قيصرية ، فإستطاع قيافا بخبث أن يوجه ثورة الشعب ضدي وينجو هو وأقاربه00

وجاءوا إلى قيصرية 00 مسيرة تعد بالآلاف ، حتى سدُّوا منافذ القصر والشوارع المؤدية إليه كما أبصرتِ بعينيكِ ياكلودي ، وشعرت أن أقل تحرش بهم كفيل بوقوع مذبحة رهيبة 00 إلتقى بي حنان وقيافا واليعازر بن حنان يلتمسون الخروج من المأزق حرصاً على مراكزهم وسط الشعب الهائج إلى الدرجة التي يستحيل ضبطها ، وأكدوا القول بأن قيصر روما يتفهم أمورهم الدينيَّة ، وقد أوصاني بعدم إستفزاز الشعب في عقيدته 00 طلبت من قيافا أن يصرف الشعب لحين التصرف في الأمر ، ولكنه قال إن كل ما يستطيع أن يفعله هو أن يهدئ من روع الشعب على أمل إصلاح الأوضاع سريعاً 00 ظلت الجماهير قبالة القصر كما رأيت ياكلودي عدة أيام ، وهم يزدادون إصراراً وصلابة ، فلو أنني أزعنت لمطالبهم وأمرت رجالي بإنزال البيارق لصرتُ لقمة سائغة في أفواههم ، ولإتهموني بالضعف والجبن ، ولو كنت قد إستخدمت القوة فإن الأمر لن يصل هذه المرة إلى حد إلقاء اللوم عليَّ من قبل القيصر ، بل قد يصل الأمر إلى إقالتي من منصبي0

وعندما حاولت أن أتفاوض معهم لم يكفوا عن الصراخ وصاروا مثل مجانين ، بينما أحاط بي كهنتهم كحزام أمان لي 00 أعطيت الإشارة لضباطي ليغادروا المكان مع قواتهم ليعلموا أنه ليس في نيتي إستخدام العنف ضدهم ، فهدأت ثورتهم بعض الشئ 00 وتحدثت إليهم موضحاً بأن القيصر لا يرغب في التدخل في شئونهم الدينية ، وأنني أنا شخصياً أحترم مشاعرهم ، وإن رفع البيارق مجرد إجراءاً إدارياً كما هو متبع في كل مكان يخضع لسلطة قيصر ، وطالبتهم بالإنصراف ، فعادوا إلى جنونهم وقذفوني بأبذأ السباب والشتائم ، ولم أتمالك أعصابي ، وكان لابد من الرد السريع والرادع ، فأعطيت الإشارة لجنودي فأنطلقوا يشهرون أسلحتهم وأنقضوا على الجموع ، ولكن الأمر الذي أثار ذهول الجنود أن واحداً من اليهود لم يتحرك من مكانه ، وأيضاً لم يظهروا أي نوع من المقاومة 00 لم يرتعد أحدهم من بريق السيوف ، بل إنحنى أحد قادتهم أمام أحد الجنود يطالبه بأن يذبحه ذبح الشاه صارخا ” الموت أهون علينا من رؤية هذه البيارق تشرف على الهيكل ” وأصاب موقفهم هذا جنودنا بالشلل التام ، وعندئذ أسرعت بالتدخل 00 أشرت لرؤساء كهنتهم أن يتبعوني ، وأبلغتهم كم كان تأثري لهذا المشهد الرائع 00 شعب يموت عن عقيدته 00 فشكرني رؤساء الكهنة ، وأنتِ تعلمين ياكلودي نهاية القصة الأليمة 00 أصدرت أوامري بإنزال البيارق ، ومع هذا فإن هيرودس أنتيباس قد أستغل هذه الفرصة وأبلغ القيصر بما كان مع شئ من المبالغة والتضخيم ، وقد أرسل إليَّ القيصر يشكرني ، فهو يعرف كفائتي في التغلب على مثل هذه المشاكل ، ومع ذلك فإنه وبخني على إثارة مشكلة بلا داعٍ في منطقة بهذه الحساسية من العالم 00

كلوديا : أتمنى لك يابيلاطي حظاً سعيداً 00 لتعطيك الآلهة حكمة وحنكة ، ولا تنسَ الدروس الثلاث : جباية الهيكل ، والبيارق ، ومشكلة اللوحات المنذورة التي أقمتها في قصر هيرودس وهو على مقربة من هيكلهم ، فلم يطيقوا أن يروا التقدمات تقدم للآلهة الرومانية بجوار معبدهم ، مما دفعهم للشكوى للأمبراطور طيباريوس قيصر00

بيلاطس : نعم ياكلودي 00 لن أتغافل توبيخ قيصر ، وأعلم تماماً أن الحادثة الرابعة مع هذا الشعب اليهودي الملعون ستكون بمثابة النهاية لأيامي في منصبي هذا0

كلوديا : لقد بذلتُ مجهوداً كبيراً في تسوية المشاكل السابقة ، والفضل كله يرجع إلى سيدات روما من أسرتي الأمبراطورية 0

بيلاطس : أعلم هذا ياكلودي 00 لقد قررت الحفاظ على منصبي ، ولن أهتم بأحد قط أكثر من نفسي ، حتى لو كان القيصر نفسه00

          وهكذا تغافل بيلاطس قيافا الذي كان ينتظره عند باب القلعة 0 أما قيافا الذي إعتراه القلق فقد أخذ يصرف وقته في التأمل في هذه القلعة تارة ، وفي الهيكل تارة أخرى ، هذه القلعة الجاثمة على صدر الهيكل ، والتي بناها هيرودس الكبير – محل قلعة حنانئيل التي عاصرت أرميا النبي – بطول مائتي متر وعرض مائة متر وإرتفاع يزيد عن خمسة وعشرين متراً ، وأسماها بأسم صديقه الروماني ” مارك أنطوني ” ولذلك عُرفت باسم ” قلعة أنطونيا ” وينحدر من هذه القلعة الملعونة سرداباً يصل إلى رواق الأمم بالهيكل ، ففي حالات إندلاع الشغب يندفع الجنود الرومان في ثوان إلى فناء الهيكل ، وبالقلعة أماكن تكفي لإقامة كتيبة رومانية كاملة بالدور الأرضي ، بينما يقيم بالدور العلوي الوالي ، حيث الصالات والأروقة المتسعة ، أما عن أسوأ مكان في القلعة فهو السجن الصخري الرهيب الكامن مثل الجب أسفل القلعة0

          ولكم يشق علـى الإنسان اليهودي الإقتراب من هذه الأماكن ، أما دخولها فممنوع عليه منعاً باتاً لكي لا يتنجس ، حتى أن بعض المجرمين والقتلة من اليهود الذين يقودهم حظهم العثر إلى سجن القلعة ، لا يشغلهم ما سيلاقونه من أهوال بقدر ما يشغلهم الإشمئزاز من دخول هذا المكان النجس ، وكأن جرائمهم الشنيعة لا تدنسهم بقدر ما تدنسهم هذه الأماكن التي يسكنها الأمم الغلف 00

أما الهيكل فيظهر في هذه الأيام المقدَّسة مزيناً بأبهى صوُّره ، فأضواء المصابيح الكثيرة التي تضئ رواق سليمان يَلمع ضوءها بالخارج ، والنقش الضخم لعنقود العنب الذهبي على جدار الهيكل الخارجي ينكسر عليه ضوء القمر الفضي الهادي فتراه غاية في الروعة ، ولكن توتر قيافا الزائد يمنعه من التمتع بهذا المنظر الرائع 00 كيف يتغافله الوالي وهو رئيس الكهنة المبجل ، ويتباطئ عليه إلى هذه الدرجة ؟! ولكن هذا هو بيلاطس ، الذي لن يتغير سلوكه حتى يُقال من منصبه 00 إنه يتحيَّن الفرصة لإذلال اليهود ورئيس كهنتهم ، وإضطر قيافا إلى دفع المزيد للحارس ليعود إلى بيلاطس ثانية0

          وجاء الحارس إلى بيلاطس الذي كان منهمكاً في الحديث مع زوجته كلوديا ، يخبره بأن رئيس كهنة اليهود مازال مرابضاً بباب القلعة ، ويود لقائه في أمر عاجل ومُلح ، فنهض بيلاطس وهو يقول : ماذا يظن قيافا ؟! وهل الوالي الروماني بمسئولياته الجسيمة وإنشغالاته الكثيرة رهن إشارته ، يطلبه في أي وقت يشأ فيجده تحت تصرفه ؟! وهبط بيلاطس درجات السلالم الرخامية إلى مدخل القلعة حيث يقف رئيس كهنة اليهود ، الذي ما أن رأى طلعة بيلاطس حتى رسم إبتسامة صفراء عريضة على شفتيه ، قابلها بيلاطس بمثيلتها0

بيلاطس : ما الأخبار يارئيس ؟

قيافا : لا أشك ياسيدي إنك تتبعت أخبار يسوع الناصري ، ودخوله إلى أورشليم يوم الأحد الماضي ، وكأنه قيصر روما العظيم ، ولاشك أنك تعلم جيداً أنه أصبح مصدر الخطر الوحيد في هذه المدينة الآمنة ، فقد يشعل نيران الثورة ضد كل شئ ، ضدكم وضدنا ، ولذلك رجوناك أن تقبض عليه وتحاكمه ، ولكنك تركت الأمر لنا ، والليلة نحن بصدد القبض عليه ومحاكمته أمام مجمع السنهدريم الموقر 00 لقد رصدت عيوننا يسوع في أحد منازل أورشليم ، وهو في حالة نفسية متردية كما أخبرنا بذلك تلميذه يهوذا ، وهو الآن في معزل عن الآلاف من أتباعه ، ولذلك فنحن نضمن القبض عليه في هذا الوقت أكثر من أي وقت آخر ، دون أدنى خسائر في الأرواح0

بيلاطس : وما هو العائق إذاً يارئيس ؟

قيافا : أولاً نلتمس من سماحتك مساعدتنا في هذا الأمر ، بإرسال أحد الضباط مع جنوده ليساعدنا في القبض على إنسان مارق خارج عن القانون0

بيلاطس : ليكن لك 00 وما هو الطلب الآخر ؟

قيافا : بعد إنتهاء محاكمته بمعرفة مجلسنا الموقر ، نلتمس من سماحتكم التغاضي عن الإجراءات الإدارية ، فلا يوجد وقت لتقديم إسمه وجريمته للحصول على تصديقكم أولاً قبل عرضه عليكم ، فهذا الأمر يحتاج لعدَّة أيام ، والوقت الآن مُقصّر والأيام شريرة ، لذلك نأمل أن تعفينا من هذه الإجراءات الإدارية ، والسماح بعرضه مباشرة عليكم 0

تبسَّم بيلاطس إبتسامة حقيقية إذ شعر بسلطانه على هذا الشعب العنيد ، وداعب قيافا قائلاً : ولكن كيف تقول عن هذه الأيام المقدَّسة لديكم أنها أيام شريرة ؟

قيافا : طالما يسوع على قيد الحياة ، فأنه كفيل بتحويل أيامنا المقدَّسة إلى أيام شريرة0

بيلاطس : إطمئن ياقيافا أن سيف العدالة الرومانية سيأخذ مجراه0

قيافا : هل يمكنني الحصول على وعد منكم للإهتمام بالأمر ، وإنهاء المحاكمة في أقصر وقت ممكن ، قبل فترة الأعياد ؟ 00 إننا لا نقدر أن نتنبأ بما يمكن حدوثه ؟ فقد يشعل أتباعه ثورة عارمة تأتي على الأخضر واليابس 00 علينا وعليكم00

بيلاطس : تقصد علينا وعليكم 00 الأخضر واليابس 00

قيافا : المحصلة واحدة 0

بيلاطس : إطمئن ياقيافا فإن العدالة الرومانية ستأخذ مجراها0

قيافا : معذرة سيدي ، عند حضورنا صباح الغد لن نتمكن من دخول دار الولاية بسبب إستعدادات الفصح ، فنلتمس من سماحتكم الخروج إلينا0

وهز بيلاطس رأسه مبدياً موافقته على مضض 00

وقفل قيافا عائداً إلى من ينتظرونه على أحر من الجمر ، وعاد بيلاطس إلى المدفأة حيث زوجته كلوديا ، وهي كأي إمرأة يدفعها الفضول لكشف المستور ، ظلت في صمتها تنتظر أن يخبرها بيلاطسها بما كان ، وتجاهل بيلاطس الأمر ، وعاد يُكمِل حديثه الذي قطعه قبل لقائه بقيافا 00 أما كلوديا فدفعها فضولها للسؤال المباشر : بيلاطي 00 تُرى لماذا جاء قيافا في هذه الساعة من الليل ؟!

بيلاطس : أنت تعرفين ياكلودي موضوع يسوع الذي يدعونه نبي ناصرة الجليل0

وتبسَّمت كلوديا وكأنها تسمع أخباراً سارة ، وقالت : لقد أقام العازر شقيق مريم ومرثا بعد موته بأربعة أيام 00 وبعد أن كان قد أنتن !! 00 تُرى إبن مَن من الآلهة هذا يابيلاطي ؟

بيلاطس : أنهم يريدون محاكمته 0

كلوديـا : وأي شر عمل ؟! 00 ما هي الشكاية التي يقدمونها عليه ؟ 00 أيحاكمونه لأجـل إحساناته معهم ومعجزاته التي بلا عدد ، وقد عمت الربوع ؟!!

بيلاطس : هذا هو الشعب الجاحد 00 لا تفهمين كيف يفكر !! ولكن يسوع الذي كشف عورة رؤساء كهنتهم وبقية القيادات المتعصبة لن يفلت من براثنهم 0

كلوديا : تُرى الذي شفى المرضى بكلمة من فيه ، وأقام الموتى ، يعجز عن حماية نفسه من هؤلاء ؟! 00 وهل ستوافقهم على شرهم يابيلاطي ؟! 00 وهل ستيسر لهم ما تصبوا إليه نفوسهم الحاقدة ؟!!

بيلاطس : كلاَّ يازوجتي العزيزة كلودي 00 سأبذل قصارى جهدي حتى تأخذ العدالة الرومانية مجراها ، على أن لا تؤثر هذه المشكلة على منصبي ومستقبلي 0

كلوديا : أنني أذكر يوم رأيته مع الكساندر ضابط المخابرات ورجلك الأول 00 ” لقد فوجئنا بحشد كبير من الناس يتدافعون أمامنا ويتدفقون في إتجاه البحر 00 ولم يلحظ وجودنا أحد منهم 00 وكان هؤلاء يهوداً من كل نوع ومعظمهم من الرجال الأقوياء المخلصين ، كما كان بينهم بعض المرضى والمقعدين ، منهم من كان يزحف ومنهم من حمله أصدقاءه المقربين ، وكلهم كانوا يشيرون إلى قارب يسير بمحازاة الشاطئ ، في البداية ظننتهم غاضبين لكن الكساندر أخبرني أنهم ينادون على يسوع الذي كان هناك في القارب ، ويرجونه أن يأتي ويُعلّمهم ، وكانوا يتكلمون بالآرامية التي لا أعرفها 00 وعندما رسا القارب عند البيت الريفي رأيت الناس يندفعون بسرعة نحو الشاطئ ، وأستأذن الكساندر للذهاب وراءهم ، فطلبت منـه أن يصحبني فذهبنا معـاً 0 لا تخف فإن معنا حراسة كافية 0 بعد نصف ساعة وجدنا الشاطئ يموج بالجماهير ، وكان يسوع واقفاً على ربوة عالية يعظهم ويُعلّمهم ، وفي المؤخرة كانت هناك جماعة من وجهاء أورشليم ، عندما رآهم الكساندر همس في أذني بأنهم جواسيس من أورشليم جاءوا يراقبون ويسمعون ، ثم تركني ومضى ليتحدث معهم0

لقد رأيت الواعظ  بوضوح ، وهو شخص ملئ بالثقة في نفسه مترفع ومخيف 0 في البداية كان الناس في هرج ومرج ، كما كانت هناك مقاطعة لكلامه أرتفعت بين الصفوف الخلفية التي لم تكن سامعة ، ولكنه أسكتهم ببضع كلمات ، وكأنه قائد يلقي الأوامر على رجاله فينفذون 0 وكان كلامه يدل على أنه واثق من أن الجميع سيذعنون له في كل ما يقول0

ثم بدأ حديثه هادئاً ، وشيئاً فشيئاً رفع صوته حتى صار واضحاً ومسموعاً عند الجميع 00 وقليلاً قليلاً بدأ صوته يخفت حتى صمت في خشوع وكأنه لا يشعر بهذا الحشد الهائل الملتف حوله 0 فسرت همهمة بين الجماهير لكن في غير غضب وحاولوا التقدم نحوه إلى الأمام ، وكان الكساندر شاخصاً إليه لا يقدر أن يحول بصره عنه لدرجة أنه لم ينتبه إلى أسئلتي التي كنت أوجهها إليه 00 ثم ألتفت إليَّ وقال أنه يجب أن يوافيكَ بتقرير 0

وفجأة حدث شئ غريب إذ رفع يسوع يده وقال شيئاً بصوت عال ، فتدافع الجميع نحوه ثم جلسوا كلهم على العشب في حلقة كبيرة من حوله فيما عدا أولئك الرجال الجواسيس – أنهم لم يتحركوا من أماكنهم وظلوا واقفين ، وأنا واثقة من أنه سبق لي رؤية بعضهم يذهبون إلى السنهدريم0

بعد ذلك نادى يسوع على بعض الأشخاص الواقفين قريباً معه فأحضروا له خبزاً كسره إلى كِسر 00 ثم أعطى الكِسر لهؤلاء الرجال وهم بدورهم راحوا يوزعون منها على الناس الذين راحوا يأكلون ، بينما كان الواعظ يواصل الحديث ، وكم تمنيت لو كنت أستطيع أن أفهم ما يقول 00 وعندما لاحظ الناس أنه على وشك ترك المكان هاجوا وماجوا وألتفوا حوله 0 وكان بعضهم يحملون في أيديهم النبابيت والسكاكين والعصي ، وراح بعضهم يصيح مهدداً ، والبعض الآخر يبكي متنهداً ، بينما سقط كثيرون عند قدميه 00 وفي تلك اللحظة لم يكن الكساندر معي لأنه في شبه غيبوبة وسمعته يُردّد الكلمات { ملك 00 ملك إسرائيل 00 ملك اليهود 0 المسيا } ولا أعرف ما تعنيه هذه الكلمة الأخيرة ( المسيا ) لكنك تعرف معناها بلا شك 00

وقد إستطعت أن أُلاحظ أن يسوع كان يَرُدَ الجماهير عن نفسه ولا يصغى إلى أقوالهم ، ثم أبعدهم عنه ببعض الكلمات والإشارات وأنا واثقة من أنه كان يوضح لهم أنهم قد إرتكبوا خطأً جسيماً فيما فعلوا 0 أنه دائماً عند رأيه 00 فأقام الراكعين عند قدميه وألزم الآخرين بإنزال أسلحتهم 0 وكان في ذلك اللحظة جريئاً وحاسماً 0 ثم أخذ طريقه نحو البحر وحاول بعضهم منعه من الرحيل فلم يفلحوا ، ولهذا بدت على وجوههم إمارات الخيبة والفشل ، وعندما قلت لألكساندر أنه غضب عليهم لأنهم نادوا به ملكاً عليهم ، أجابني أنه رفض أن يملك عليهم لعلمه أن هذا سيكون بداية النهاية له0

قبل أن يصعد يسوع أسرع إليه رجال أورشليم وتحدثوا معه حديثاً قصيراً 00 وأعتقد أن هؤلاء كانوا متحيرين وربما خائفين أيضاً ، أما هو فلم يظهر عليه أي أثر للخوف ، فقد كان يتحدث كمن عنده الإستعداد لمواجهة كل الإحتمالات والوقوف حتى في وجه العالم بأسره 00 وقد علمت أنهم كانوا يتوعدون يسوع لأن عيونهم كانت مثبتة عليه وهو في القارب 00 “(1) 0

 

          وكان بيلاطس ينصت لزوجته بإهتمام وهو يتصفح ملفاً ضخماً بين يديه ثم أخرج إحدى أوراقه وقال : هذا هو التقرير الذي قدمه لي الكساندر ، وقرأ منه ” الأمر في الجليل متوقف على كلمة واحدة منه لكنه لا يقولها ، والجميع هنا في حيرة من أمره حتى وهم منجذبون إليه 0 لقد شفى مرضى كثيرين من حالات يُصعب البت في صحتها ، وكانوا الناس من حوله كالطين في يد الفخاري ، لا أحد يعترض أو يعارض 0 لكن حدثت مصادمات بينه وبين كل من الكتبة والكهنة 0 فهو يهاجمهم ويهاجم ناموسهم ( يقصد تقليداتهم ) بعنف شديد ، لقد كان مرعباً ومسهباً في أقواله ضدهم ، وبهذا يهدم كل ما للكهنة من سلطان وتسلط على شعب اليهود ، ولاشك في أن هذا سوف يثير حفيظتهم عليه ، لأنهم لن يغفروا له هذا وسيقتلونه عندما يرون أن الجماهير قد بدأت تنصرف عنه ، وتوجد دلائل كثيرة تشير إلى أن الناس قد بدأوا فعلاً ينقلبون عليه لأنه خيب آمالهم فيه وصدَّهم بشدة عندما ظنوه ملكهم الجديد ومخلصهم المنتظر ، وعندما رفض أن يملك عليهم كطلبهم وتركهم ومضى عبر البحر راحوا يشيعونه بنظرات ملؤها السخط والغضب 00 أنه يهاجم السنهدريم “(2) 0

كلوديا : والآن جاء قيافا ليضع تقرير الكساندر موضع التنفيذ0

بيلاطس : وهذا ما علينا مواجهته غداً ياكلودي 00

          وبعد إنتهاء الجلسة أوت كلوديا إلى فراشها ، وصورة يسوع رجل الفضيلة والقوة لا تفارق مخيلتها 00 لماذا يحتج عليه بنو شعبه ويريدون أن يودعونه الموت ؟! وظلت تذكر ما سمعته بالأكثر من يونا زوجة خوري وكيل هيرودس التي كانت تَّتبع خطوات يسوع 00 أنه يُجسّم الفضيلة في أسمى صورها 00 فلماذا يريدون أن يذبحوا الفضيلة ؟!!

(1) رسائل من بيلاطس البنطي إلى سينكا الفيلسوف الروماني – نقلها عن الإنجليزية جاد المنفلوطي ص 68 – 73

(2) المرجع السابق ص 74

مشروع المياه النقية ف3 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

وكان الوقت ليلا ف2 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

وكان الوقت ليلا ف1 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

 

وكان الوقت ليلا ف1 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

 

اقرأ وافهم
روايات إيمانية

الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

 

الفصل الثاني: وكان الوقت ليلاً

 

          ترك يهوذا جماعة القديسين وخرج ، وكان الوقت ليلاً ، والساعة نحو الثامنة والنصف مساءاً 00 شقَّ يهوذا طريقه لايلوي على شئ إلى بيت رئيس الكهنة ، وإذ عرفته البوابة ، فهو زائر الأمس الذي أبهج رؤساء الكهنة ، لذلك أسرعت بفتح الباب ، ودعته يمرَّ إلى الوكر 00 تقدم أحد الخدام لينظر من القادم ، وإذ عرفه طلب منه الإنتظار لحظات حتى يخبر رئيس الأحبار بقدومه0

          ووقف يهوذا ، أو قل وقف الشيطان الساكن في يهوذا قلقاً مضطرباً يرى في هذه اللحظات دهراً ، حتى جاء الخادم يدعوه للدخول ، وما أن رأى قيافا حبيبه يهوذا حتى أخذه بالأحضان والقبلات مرحباً به : أهلاً صديقي العزيز 00 أسد ( سبط ) يهوذا ، وبطل يعقوب 00 ماذا تطلب في هذه الساعة من الليل ؟

وقال الخادم في نفسه : عجباً لهذه المحبة الفياضة ، وهي وليدة يوم وليلة ؟! هل حقاً هذه محبة أم أنها زيف ورياء ؟!

يهوذا : إن المعلم مع تلاميذه في بيت أرسطوبولس 00 تُرى هل هذا هو المكان المناسب والوقت الملائم لإتمام المهمة ياسيدي ؟ ألا ترى معي أن هذا المكان أفضل من بيت عنيا ؟

وهمهم قيافا قائلاً : بالطبع 00 بالطبع يايهوذا ، فالمسافة من بيت عنيا إلى أورشليم تأخذ وقتاً أطول ربما يسمح لأتباعه بالتحرك لإنقاذه 00 إنها لفتة رائعة منك أيها البطل الهمام 00 لعل رب الهيكل يباركك ، ولتحل بركتي وبركة آبائي عليك ياإبني 0

وكـان قيافا منهمكاً في التفكير بصوت يكاد يكون مسموعاً : إن هذا الناصري فعل مالم يفعله أحد قبله 00 من يتجرأ ويطرد تجار الهيكل ويقلب موائد الصيارفة ؟!! 00 إن ذلك الرجل الجليلي لا يستحق أبداً أن يعيش 00 يريد أن يشعلها حرباً طائفية بين أتباعه الذين يربو عددهم من ثمانية آلاف نفس وبين الغيورين على مجد الهيكل 00 وماذا تكون نتيجة هذه الحرب الدموية لو حدثت إلاَّ تَّدخل الرومان وإحتلالهم للهيكل ، وربما أقاموا فيه أصنامهم النجسة ؟!

وعاد ينظر إلى يهوذا قائلاً : ليكافئك الله يايهوذا ياجرو الأسد على صنيعك معنا 00 إسترح الآن ياإبني وأنا سأتصرف في الأمر0 أما عيني يهوذا فلا تستقران ولو للحظة واحدة 00 إنهما يجولان في كل إتجاه في حركات سريعة 00 ينتقلان من الأرض الفسيفساء بألوانها الزاهية ، إلى الجدران التي تزينت بالمصابيح النحاسية اللامعة التي أخذت شكل الحيات والحمام ، إلى الكراسي الضخمة التـي وُضعت عليها الأرائق الوثيرة المحشوة بريش الطيور 00

وإذ كان قيافا رئيس الكهنة يقطن ذات القصر الذي يقطنه حماه حنان ، لا يفصل بينهما سوى دهليز ، أرسل أحد الخدام يستدعي حنان رئيس الكهنة الأسبق الداهية المحنَّك الذي يخشى الكل شره حتى هيرودس ، كما إن بيلاطس يعمل له حساباً ، وبالرغم من أن ” فاليروس جراتوس ” والي اليهودية السابق قد عزله من منصبه كرئيس للكهنة ، لكنه عجز أن يحد من نفوذه الذي تخطى حدود فلسطين ، ومازال هو المسيطر الأول على كل أمور الهيكل والشعب ، ولاسيما المعاملات المالية والتجارية0 كما أن له عيوناً في كل مكان ، وبينما كانت الشريعة تأمر بأن يبقى رئيس الكهنة في منصبه طوال حياته ، فإن الولاة الرومان لم يلتزموا بهذه الشريعة ، إنما باعوا المنصب لمن يدفع أكثر ، وعلى كلٍ فإن رئاسة الكهنوت لم تخرج عن عائلة حنان بن شيث ، عائلة الرشوة والدسائس ، لمدة نحو خمسة وخمسين عاماً بدأها حنان منذ العام السابع للميلاد وحتى سنة 14 – 15 م 0 ثم إبنه اليعازر لمدة سنة واحدة ( 16 – 17م ) والآن يوسف قيافا زوج إبنة حنان ( 17 – 36م ) { ثـم أولاد حنان الأربعة يوناثان لمدة سنة ( 36 – 37م ) ثـم ثاوفيلس ( 37 – 41م ) فمتياس ( 41 – 44م ) وآخرهم حنان بن حنان ( 44 – 62م ) } 0

          وأيضاً قام قيافا بإستدعاء بعض أعضاء مجلس السنهدريم للتشاور في الأمر ، حتى يكون العمل جماعياً وليس فردياً ، وسريعاً ما جاء حنان ، وتبعه عدد ليس بقليل من أعضاء مجلس السنهدريم 00 دار حوار طويل وإحتدم النقاش وأُحيكت المؤامرة :

حنان : ياسادة 00 أرجو أن  تفهموني جيداً ، فهناك فرق شاسع بين القبض على يسوع بمعرفتنا ، وبين تسليم تلميذه له ، فتلميذه هو أقدر الناس في الحكم عليه ، ولولا أنه ضال ومُضل لما قام تلميذه يهوذا بتسليمه للقضاء0

دبارياس : حقيقة بعد الإستقبال الحافل يوم الأحد الماضي الذي إرتجت له المدينة بات من الخطورة ترك مثل هذا الإنسان 00 شكراً لأدوناي إن حماس الجماهير قد برد كثيراً ، بعد أن أضاع يسوع الفرصة السانحة في إعلان ملكه ، وخيَّب رجاء الجماهير في إعلان مملكة إسرائيل ، مع إن عواطف الكثيرين مازالت متأججة تجاهه ، وهو مازال قادراً على تحريك كل الشعب في أي طريق يريد0

الأسخريوطي : لقد هتفنا له يوم الأحد حتى بحت أصواتنا ، علَّه يُحقّّّق أحلام إسرائيل ، ولكنه خذلنا ، وترك الجماهير الثائرة تهدأ شيئاً فشيئاً وتنصرف شيئاً فشيئاً ، ولم يشأ أن يحركها بأصبعه لتشعلها ثورة حارقة تأكل بيلاطس وكل جنوده ، ويعلن قيام مملكة إسرائيل ، لقد تأكدت أنه ليس هو المسيا كما كنا نظنه ، ولذلك أتيت لأسلمكم إياه ، فكل ما يهمني هو مجد يهوه ومدينة أورشليم ومملكة إسرائيل 0

ميزا :  لننتظر 00 ربما يعود وينفخ نار الثورة ضد روما0

قيافا : كلاَّ ياميزا 00 إن الناصري الذي ينادي بمحبة الأعداء لا رجاء فيه على الإطلاق ، ولو أن هناك رجاءاً فيه لنفخنا فيه من روحنا0

الأسخريوطي : لا أدري كيف يمكن لإنسان ينادي بالمحبة والتسامح مع الأعداء أن يقيم لنا أمجاد داود وسليمان ؟!

دبارياس : حيث إنه يهيج الشعب فهو يستحق الموت0

سابس : بعد أن كشف الناصري عورتنا أمام الشعب ، وبعد أن صبَّ علينا ويلاته ، وأودعنا مذبلة التاريخ ، ليس ببعيد عليه أن يحرك الجماهير ضدنا ، وفي لحظات نصير جميعاً في خبر كان 00 لقد أمسى الأمر بالنسبة لنا هو موت أو حياة0

سارباس : مثل هذا الإنسان كان لا يجب أن يعيش 0

حنان : العيب كل العيب في الشعب الجاهل الذي لا يفهم الناموس 00 أليس مكتوباً أن المسيا يخرج من بيت لحم من قرية داود ؟ فمال المسيا بيسوع الناصري الذي خرج علينا من الناصرة ؟ أمن الناصرة يخرج شئ صالح ؟!

سمعان الأبرص : لا أدري كيف نحكم بالموت على إنسان قالوا عنه أنه بار ؟

حنان : وهل نسيت ياسمعان أنه كسر السبت مرات ومرات0

قيافا : ألاَّ تدرك ياسمعان معنى إدعائه بأنه إبن الله ؟! 00 إنه يجعل نفسه معادلاً لله 0 معاذ الله 00

سابس : إن كان باراً ياسمعان أو لم يكن ، فهو مستحق كأس الحمام ، لأنه لم يحفظ شريعة آبائنا0

سابتل : فلنقاصه ونؤدبه حتى لا يكرز ضدنا في المستقبل0

ريفاز : إجعلوه يعترف بذنبه أولاً ثم عاقبوه 00 لنظل نلاحقه حتى نصطاده بكلمة ضد قيصر أو ناموس موسى أو الهيكل ، ثم نحكم عليه بالعدل0

رحبعام : لقد ذهبت إليه مع بعض أصدقائي وأحبكنا له الشباك حبكة لا يمكن الخروج منها ، وسألناه سؤالاً محدداً حتى إذا أجاب بالإيجاب أو بالنفي سقط في الفخ 00 قلنا له  ” يامعلم نعلم أنك صادق وتُعلّم طريق الله بالحق ، ولا تبالي بأحد لأنك لا تنظر إلى وجوه الناس ” 00

وهزَّ ريفاز عمامته مسروراً : هـو فـي كلام أحلى من كده يارحبعام ؟00 وماذا عن السؤال ؟

رحبعام : قلت لـه ” قل لنا ماذا تظن أيجوز أن نُعطي جزية لقيصر أم لا ؟ “0

ريفاز : ياله من فخ مُحبَك يارحبعام 00 ومن يفلت منه ؟! 00 لو قال ” نعم ” لثار الرأي العام ضده ، ولو قال ” لا ” لثبتت عليه تهمة الخيانة للسلطات الرومانية 00

رحبعام : ومن الطبيعي أنكم جميعاً تعلمون النتيجة النهائية0

نبراس : لقد نظر إلينا ياريفاز نظرة الفاهم بما يدور في رؤوسنا وما يعتمل في نفوسنا وقال ” لماذا تجربونني يامرأؤون ! أروني معاملة الجزية 00 لمن هذه الكتابة ؟ أنها لقيصر 00 إذاً أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله “ 00 لقد أبكمنا بذكائه الحاد ، فليُطرَح في هاوية الشقاء 0

يوشافاط : ولا ننسى أننا قد أرسلنا من قبل رسلاً ليحضروه ، فعادوا إلينا بخفي حنين يخبروننا بأنه لم يتكلم قط إنسان هكذا ، فربما يسحر من سنرسلهم للقبض عليه بكلامه الجذاب كما سحر أولئك 00 هل تذكرون ، عندما قـال ” قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن “ ؟ 00 ماذا فعل الشعب ؟

حنان : نعم يايوشافاط 00 رفعوا حجارة ليجرموه لأنهم غاروا غيرة الرب ، أما هو فقد جاز في وسطهم 00 إذاًَ لنحذر جداً لئلا يجوز هذه المرة أيضاً 0

الأسخريوطي : لكنني سمعته اليوم بأذناي يتحدث عن موته ، وأنه ماض كما هو مكتوب عنه ، وقال لهم أن واحداً منكم سيسلمني 0 إذاً هو يعلم جيداً أنه ذاهب إلى نهايته المحتومة0

سوباط : أرى أن الشرائع لا تحكم على أحد بالموت بدون فحصه ومحاكمته ومنحه الفرصة الكاملة ليدافع عن نفسه0

نيقوديموس : إن شريعتنا الغراء لا تصرح بالحكم على أحد مالم تأخذ أقواله وتتأكد من أفعاله أولاً0

روسمتين : وما فائدة الشريعة إن لم تُحفَظ ؟

إن الموقف حساس للغاية وفي منتهى التعقيد يحتاج إلى ألف حساب وحساب ، حتى لا تحدث مذبحة عظيمة ، قد نكون نحن أول ضحاياها 00 لا ننسى أن قرار مجمع السنهدريم الأخير الذي إتفقنا عليه بالإجماع هو تأجيل القبض على يسوع حتى تسنح لنا الفرصة بعد العيد 00 لا يمكن القبض عليه إلاَّ في غيبة عن الجماهير0

قيافا : حقاً كان هذا قرارنا بالأمس ياروسمتين ، ولكن أستجد في الأمر جديد ، وهو تعاون يهوذا معنا ، ووعده بأن يُسلّمه لنا هذه الليلة بدون ضجة ولا ضحايا0

يهوذا : نعم ياسيدي 00 أرى أن الوقت مناسب جداً لتسليمه للقضاء عليه دون أية ضجة أو جلبة وبدون ضحايا ، فبينما الشعب مشغول جداً اليوم في الإستعداد للعيد ، سأضع يسوع بين أيديكم 00 أتعهد لكم بذلك 0

إناس : لا يجب الحكم أبداً على إنسان بالموت مالم نسمع أقواله 0

سابتل : أنا مع إناس في رأيه ، وأرى أن نلتزم جانب الأمان ، ونؤجل القبض عليه لحين إنصراف أتباعه بعد الأعياد – خليها تعدي على خير –

حنان : وما أدراكم أن الفريسة ستظل حبيسة الأسوار بعد فترة الأعياد 00 ألاَّ يمكنه الهروب إلى صور وصيدا ؟!

ميزا : ربما نلقى مقاومة أثناء القبض عليه 00 تُرى هل يستخدم سلطانه ؟! 00 تُرى هل يُنزِل ناراً من السماء فتأكل من نرسلهم إليه ؟!

قيافا : كفاك تخريفاً ياميزا 0

يوسف الرامي يتساءل متعجباً : أيهما أسهل 00 إقامة ميت بعد أربعة أيام أم إماتة أحياء ؟!

ويحتد قيافا : أصرت من أتباعه أيها الرامي ؟

يوسف : كنت واقفاً عند قبر لعازر 00

حنان : إطمئن يايوسف إننا سنقتل الأثنين معاً يسوع والعازر 0 سنرسلهما للموت ، وإن كان أحدهما يقدر على القيامة من الموت ، فليقم ونحن جميعاً سنؤمن به0

وإحتد يوسف الرامي : سيدي 00 إن لم يكن أحد يدافع عن الإنسان البرئ فهذا عار علينا0

ميزا : إن كان باراً فلنسمع منه وإن كان مجرماً فلنطرده0

هارين : سواء كان باراً أو لم يكن ، فحيث أنه هيج الشعب بكرازته فهو يستحق الموت0

يوطفار : حيث إن هذا الإنسان خدَّاع فليطرد من المدينة ، ولا يسمح له بدخول أورشليم قط ، ويُحرَم من رؤية هيكلنا العظيم إلى الأبد0

يوشافاط : نعم يايوطفار ، وإن ضُبط في أورشليم ثانية أو داخل الهيكل فليسجن مدى الحياة0

أنولوميه : عجباً 00 لماذا إنتظرنا كل هذه المدة ولم يُحكم عليه بالموت ؟

رحبعام : ياسادة إسرائيل 00 لنا شريعة وبحسب شريعتنا يجب أن يموت0

قيافا : ألم أقل لكم من قبل أنه الأجدر أن يموت إنسان واحد عوضاً عن الآمة ولا تهلك الأمة بأسرها0

يورام : نعم ياسيدي 00 فهو العاصي الذي يستحق الموت حسب الشريعة0

سارباس : إنزعوا عنه الحياة 00 إنزعوه من الدنيا0

يورام : تمهلوا قليلاً 00 لو فشلت خطتنا هذه المرة ، فربما يُعلن نفسه المسيا الآتي إلى العالم ، ويثير الآلاف من أتباعه ، وتحتدم المعركة حامية الوطيس ، ولاسيما أن المدينة تعج بالغرباء المتعطشين للثورة بسبب وبدون سبب فتزهق أرواح الأبرياء ، وتكون الفرصة للرومان ليعملوا سيوفهم في جسد أمتنا00 فلنتعقل ياإخوتي لنتجنب مكامن الخطر0

الأسخريوطي : إطمئنوا ياسادتي 00 فإنني حقيقة شعرت أن روحه تجنح هذه الليلة نحو الموت00 فلماذا لا تصدقونني ؟!

رحبعام : سيدي قيافا 00 وما رأي الوالي في هذا الأمر ؟

قيافا : لقد قصدناه من قبل ليقبض عليه فأبى وخذلنا ، فهو لا يريد أن يُدخِل نفسه في مشاكل أخرى خاصة بشعبنا ، لأن المشكلة القادمة ستكون نهاية ولايته 00 لن يتورط في ذبح يسوع كما ذبح هيرودس يوحنا ، وشعبنا الجاهل ياقوم يجل يسوع هذا أكثر من يوحنا قدسية 00 إنهم يظنون أن الناصري ليست لديه أطماعاً في ملك أرضي 00 على كلٍ لابد أن نشرك معنا السلطات الرومانية أولاً : حتى نُوهِم الشعب بأن بيلاطس هو الذي قبض على يسوع ، وثانياً : أننا عاجزين عن قتل الناصري لأن ليس لدينا سلطة لإصدار أحكام الإعدام ، وأنني أرى أن ننتهز هذه الفرصة 00 آه لو أضعناها ، فقد لا نجدها ثانية 0

         

وأخيراً إستقرت الآراء على ذهاب قيافا إلى بيلاطس لإستطلاع رأيه ، فإن وعد بتقديم المعونة وتسهيل إجراءات المحاكمة بحيث يرفع الناصري على صليبه قبل غروب شمس الغد فليتم القبض عليه ، وإلاَّ فليتم الإنتظار إلى فترة ما بعد الأعياد0

 

والساعة الآن العاشرة مساء ، وهوذا قيافا ينطلق كالسهم لا يلوي على شئ 00 إلى قلعة أنطونيا ، بينما وقف يهوذا يرتعد ولا يعرف لماذا سرت الرعدة في جسده بهذا الشكل ، فيبذل قصاري جهده لضبط نفسه من الرعشات الشيطانية التي إنتابته ، وأخذت نظراته تنتقل بين الخدم الذين يروحون ويجيئون وبعض شيوخ السنهدريم ، وكلما نظـر إلى حنان يبتسم له الثعلب إبتسامة عريضة ، وحضر رئيس حرس الهيكل مع بعض جنوده ، وقطع الصمت صوت حنان مجلاجلاً : يايهوذا ياإبن الأكابر 00 أنت أعظم شاهد على ضلالات ذاك الجليلي 00 ألم تسمعه وهو يقول قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن 00 لابد أن تشهد للحق أمام مجمع السنهدريم العظيم0

الأسخريوطي : ليس هذا فقط ياسيدي ، إنما قال لنا ” أنا في الآب والآب فيَّ ” و ” أنا والآب واحد “0

وهزَّ حنان رأسه وعبث بلحيته : نعم 00 أنت أعظم شاهد في التاريخ يايهوذا 00 ألم أقل لك ؟ 00 بك سنقضي على ضلالة العصر ، بل وكل عصر بحسبما أرى ياإبني 0

 

وأحنى يهوذا هامته ملتحفاً بزي الإتضاع ، وفي داخله يشعر أنه سمى إلى عنان السماء بفعل كلمات الثناء ، وأنه صار بطلاً في عيون الرؤساء 00 شعر بالراحة الكاذبة وهو يتحسَّس الفضة في جيبه ثمن المثمن ، وكان هناك نوعان من الفضة 00 الفضة المسبوكة التي سبكت منذ سمعان المكابي سنة 143 ق0م وتدعى بالشاقل ، والفضة الخام التي يتم التعامل بها بالوزن ، وتذكَّر يهوذا ماحدث بالأمس إذ وزنوا له الفضة ، ولم يدرك أن فعلته الشنعاء هذه قد عاينها زكريا النبي منذ مئات السنين فقال ” فوزنوا أجرتي ثلاثين من الفضة “ ( زك 11 : 12) ولم يدرك يهوذا أيضاً أن الثلاثين من الفضة هي ثمن عبد إذ نطحه ثـور فمات حسب قول الشريعة ” إذ نطح الثور عبداً أو أمة يعطي سيده ثلاثين شاقل والثور يُرجم “ ( خر 21 : 32 ) وهوذا بنو إسرائيل ينطحون العبد المتألم ، ويدفعون فديته ثلاثين من الفضة0

 

وكان الوقت ليلا ف1 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

إلى المنتهى ف1 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

إلى المنتهى ف1 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

إلى المنتهى ف1 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

 

 

اقرأ وافهم
روايات إيمانية

الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

 

بسم الآب والإبن والروح القدس

الإله الواحد آمين

 

الفصل الأول : إلى المنتهى

 

أورشليم مدينة الملك العظيم متألقة على ربوة عالية مثل عروس مزينة لرجلها ، تحيطها الأسوار المنيعة ، وتتزاحم وتتناثر على أرضها البيوت المنخفضة والتي لا تتعدى الدورين ، وشوارعها غالباً ضيقة ، ماعدا بعض الأحياء الراقية التي حوت في أحشائها بعض القصور مثل قصر رئيس الكهنة وبعض الشخصيات الهامة ، ولكن ما يُميّز أورشليم عن أي مدينة أخرى أنها ضمت في أحضانها هيكل رب الصباؤوت حيث تقدم الذبائح لله العلي ، وخارج الهيكل يستحيل على أي إنسان يهودي أن يُقدم ذبيحة لله ، ومن أجل هذا جاء يهود الشتات من مصر وروما وأسبانيا وشتى بقاع الأرض للإحتفال بعيد الفصح وعيد الفطير ، فقد حتمت الشريعة على كل ذكر يافع أن يصعد إلى أورشليم ليترآى أمام الله في مثل هذه الأعياد ، حتى لو كان يعيش بعيداً عن أورشليم واحتاج لثلاثة أشهر للوصول إليها ، وكان هناك إعتقاداً سائداً لدى اليهود وهو أن المسيا الآتي إلى العالم سيخلصهم في عيد الفصح ، فبالإضافة إلى أن عيد الفصح يحمل ذكرى النجاة من الموت والخلاص من العبودية المرَّة ، فهو يحمل أحلام بني إسرائيل في ظهور المسيا الذي يعيد إليهم حريتهم المفقودة ويخلصهم من الإحتلال الروماني ، وعيد الفصح هذا العام له طعم خاص لدى بني إسرائيل ، لأن البشارة بيسوع نبي الجليل صانع المعجزات العجيبة إنتشرت وعمَّت البلاد ، فلعله هو المسيا المنتظر ؟! ولعله يصنع خلاصاً في عيد هذا العام 00

          ولم تتسع المدينة للوافدين ، ومحظوظة هي الأسرة التي تجد لها حجرة صغيرة أو ركن على أحد الأسطح داخل المدينة ، أما الذين ليس لهم مكان فقد أعدُّوا أنفسهم ، إذ أحضروا معهم الخيام التي راحوا يقيمونها خارج الأسوار فوق المروج الخضراء ، ويقع عبء حفظ النظام والأمن وسط مئات الألوف على بيلاطس والي اليهودية ، الذي إضطر إلى ترك قصره في قيصرية والإقامة في أورشليم ، كما أستدعى بعض الكتائب العسكرية للمساعدة في حفظ النظام بالإضافة لآلاف الجنود المعسكرين بأورشليم وبالأخص في قلعة أنطونيا 00 كان بيلاطس يقيم كل عام في جناح من قصر هيرودس ، أما هذا العام فبسبب الخصام الذي شب بينهما ، فقد أقام في قلعة أنطونيا المشرفة على الهيكل0

          وكان هناك مناجاة من الشعب نحو يسوع نبي ناصرة الجليل 00 هل سيأتي إلى العيد ؟! لقد أظهر من القوة والقدرة والجبروت مالم يظهره أحد من قبل حتى البحر والرياح يطيعانه ، وبالأمس القريب – منذ عدة أيام – نادى لعازر من مدينة الأموات بعد موته بأربعة أيام ، فنفض الميت تراب الموت وإستقام مجيباً النداء وخرج من القبر مربوطاً ، فقال للذين حوله من التلاميذ حلوه ودعوه يمضي ، واليوم الأحد دخل يسوع المدينة بموكب عجيب وديعاً متواضعاً راكباً على أتان وجحش إبن أتان ففرشوا ثيابهم على الطريق ، وحمل الكثيرون سعف النخيل وأغصان الزيتون وهتفوا له ” هوشعنا 00 هوشعنا في الأعالي 00 مبارك الآتي باسم الرب 00 مباركة مملكة أبينا داود الآتية باسم الرب 00 أوصنا في الأعالي ” حتى الأطفال لم يكفوا عن الفرحة والهتاف فأرتجت المدينة أورشليم ، ولكن عندما دخل الهيكل لم يسرَّ به ، لأنه تحوَّل من بيت للتوبة والصلاة وإلتماس وجه الله إلى مكان لتجارة المواشي والخراف والحمام بحجة تقديمها للذبائح ، وجلس تُجار العملة يمارسون عملهم ، وبرع حنَّان رئيس الكهنة الأسبق في تقسيم وإدارة المكان ، فكل شبر في فناء الهيكل له قيمته ، وغضب السيد ورفع سوطه فارتعب الجميع وفروا من أمام وجهه هاربين ، وقلب موائد الصيارفة وكراسي باعة الحمام ، وهو ينتهرهم بشدة  ” مكتوب بيتي بيت الصلاة يُدعى وأنتم جعلتموه مغارة لصوص ” 00 لقد طهَّر الهيكل ، ولم يدع أحداً يجتاز بمتاع ، وجلس يُعلّم الخراف التي بلا راعٍ لها ، ويشفي المرضى 0 أما حنَّان وقيافا رغم الحقد والغل الذي ملأ قلوبهم مع بقية القيادات الدينية ، لكن واحداً منهم لم يجرؤ أن يتعرض له أو يراجعه فيما عمله 00 كل ما فعلوه أنهم تهامسوا فيما بينهم 00 من أين له هذا السلطان ؟! 00 العالم كله ذهب ورائه 00 لابد من القضاء عليه في أسرع وقت ممكن 0 أما يسوع فقد أمضى يومي الأثنين والثلاثاء يُعلّم طوال النهار في الهيكل حتى عاد للهيكل قدره ومجده ، وبالليل كان يبيت في قرية بيت عنيا مع تلاميذه ، ورغم أن الحاقدين حاولوا أن يصطادوه بكلمة ليحكموا عليه لكن دون جدوى 0

 

          اليوم الخميس ( الكبير ) وبالأمس حدثت خيانة في أورشليم لم ترَ المدينة مثلها من قبل 00 لقد ذهب يهوذا تلميذ يسوع وأحد الإثنى عشر تلميذاً إلى رؤساء الكهنة الذين كانوا قد أصدروا منشور مجمع السنهدريم ” من يعرف أين يسوع فليدل عليه ” 00 ياللعار 00 لقد ذهب يهوذا من ذاته يعرض عليهم أن يُسلّم إليهم يسوع في المكان المناسب وفي الوقت الملائم ، وفي ذات اليوم الذي فاحت فيه رائحة الخيانة فاحت فيه أيضاً في بيت عنيا رائحة الطيب ، إذ خلال جلسة هادئة للمعلم وتلاميذه ، أذابت مريم أخت لعازر مشاعرها في قارورة طيب كثير الثمن إشترتها بتحويشة العمر ، وسكبتها على رأس المعلم الذي أعاد لها أخيها من الموت ، وهي لا تعلم أنها بهذا الطيب كانت تُكفّن يسوع وهو مازال حيَّاً ، بينما عاد يهوذا من حيث كان ، ولو سأله المعلم : من أين يا يهوذا ؟ لأجاب كذباً : لم يذهب تلميذك إلى هنا أو هناك 00

          سألا بطرس ويوحنا المعلم : أين تريد أن نعد لك لتأكل الفصح ؟

فالمعلم ليس له أين يسند رأسه ، وتلاميذه تشبهوا به ، إذ تركوا بيوتهم وأسرهم وتبعوه 00 كان الفصح يجمع شمل الأسرة الواحدة ، وكوَّن المعلم مع تلاميذه أسرة من طراز جديد لا تقوم على رباط الدم إنما تقوم على وحدانية الروح الواحد ، ولهذا حق لهم أن يأكلوا الفصح معاً ، ولكن أين وليس لهم مقراً على هذه الأرض ؟

لم يشأ يسوع أن يجيبهم بصراحة أمام يهوذا الذي يتحيَّن فرصة لتسليمه ، ولذلك أجابهم بلغز خُفيَّ عن يهوذا ، حيث قال لهما :  ” إذهبا إلى أورشليم وإذا دخلتما المدينة تجدان إنساناً حاملاً جرة ماء0 أتبعاه إلى البيت حيث يدخل 00 وقولا لرب البيت يقول لك المعلم أن وقتي قريب 0 أين المكان حيث آكل الفصح مع تلاميذي 0 فيريكما علية كبيرة مفروشة فهناك أعدَّا لنا ” 0

          وكانت هذه علامة كافية لأن الذي إعتاد حمل الجرار النسوة والشابات ، وقال يهوذا في نفسه : ما معنى قول المعلم أن وقتي قريب ؟! 00 هل يشعر بروحه أن نهايته قد صارت وشيكة 00 ربما تكون هذه إرادة الله وعليَّ أن أُتمّمها سريعاً 00 ليساعدني الله لإتمام هذه المهمة الشاقة 0

 

          والآن نحو السادسة مساء وهوذا المعلم العالم بالخفايا يقطع الرحلة مع تلاميذه العشرة من بيت عنيا إلى البيت الذي سيصنع فيه الفصح الأخير 00 تقدم يسوع المسيرة طويل القامة ، ممشوق القوام ، وقد فرقَ شعره من منتصف الرأس ، وتدلَّت خصلات شعره على منكبيه ، وجهـه يشرق بالحبِ كشمس لا تغرب ، وعيناه سوداويتان تموجان بالنشاط والحيوية 00 إنه حقاً أبرع جمالاً من بني البشر ، وسار المعلم في صمتٍ ، فالصليب يدق الأبواب ، وغداً ستقطر دمائه على أراضي أورشليم وخارجها0

          سارت الجماعة في الطريق الترابي من بيت عنيا قاصدة ، أورشليم وتعفرت أقدامهم بتراب الطريق ، ومروا على الخيام التي تكاد تكون متلاصقة ، ورائحة الطعام تتصاعد وتنتشر ، والفتيات يلعبن ، والنسوة يثرثرن ، وجلس الرجال يتسامرون ، وأكثر ما شدَّهم هو الحديث عن أمجاد المسيا الآتي ، فالنسر الروماني الجاثم على مدينتهم جعلهم أشد ظمأ للحرية وأكثر إشتياقاً للمسيا ، ودخلت الجماعة إلى شوارع أورشليم التي رُصفت بالحجارة ، وقد إزدحمت جداً ، ورغم أن يهود أورشليم يشعرون بالإستعلاء على يهود الشتات الذين قد يعرفونهم من ملابسهم ، ولكن الفرحة بالعيد عمَّت الكل ، فصارت القلوب منشرحة والوجوه مستبشرة ، ومع أن اليهود قد أعتادوا عدم التحديق في وجوه الغرباء ، ولكن شهرة نبي الناصرة لفتت الأنظار فصارت النظرات تلاحقه 00 ألعله هو المسيا ؟! ولو كان المسيا لِمَ خذلنا يوم الأحد الماضي ولم يُنصّب نفسه ملكاً علينا ؟!

          ونظر المعلم إلى تلك المدينة التي طالما أحبها نظرة الحب والإشفاق ، فكم أغدق عليها من حبـه وحنانه ولكنها رفضته بجفاء ، فأعطته القفا لا الوجه ، والتزم المعلم جانب الصمت ، فهو لا يريد أن يبيح بمشاعره الخفية لخواصه المحبوبين حتى لا يُحمّلهم ما لا يحتملون ، فهو معلمهم وأبوهم ورجاؤهم وكل شئ في حياتهم بعد أن تركوا كل شئ – فعلاً كل شئ – وتبعوه 0 أما التلاميذ الذين يتابعون الأحداث ، وتصلهم الأخبار تباعاً ، يعلمون أن غضب القيادات الدينية لن يهدأ حتى يدخل في مواجهة دموية مع معلمهم ، وقد يفضل غالباً التصفية الجسدية كعادتها ، وبدأوا يشعرون أن هناك عاصفة عاتية تقف على الأبواب ، ولكنهم لم يتصوَّروا أنهم في هذه اللحظات يقفون على أعتاب هذه العاصفة ، فهل سيستخدم السيد سلطانه الذي أخضع به من قبل البحر الهائج ، وهل سيعصف بهذه العاصفة الهوجاء ؟!

          ولم يكن للتلاميذ القدرة على رؤية سطانئيل وهو يُجيّش جيوش الشر من شياطين ويهود ورومان ، في جلبة وضوضاء ومظاهر زيطة وهيصة ، يمنُّون أنفسهم بالصيد الثمين الذي أوشك على السقوط بين أيديهم ، ولم يسمع التلاميذ الشرير وهو يتنهد قائلاً :

متى أقبض على روحه وأُودعها سجن الجحيم ؟

لكم أتعبني وأجهدني هذا الإنسان 00 هل تصل به الجرأة إلى طرد ملائكتي من سكنى البشر ؟!

نعم 00 لم أنجح للآن في إسقاطه في خطية واحدة بالفعل ولا بالقول ولا بالفكر ، ولكن بعد قليل سيكون في قبضتي ، ومن يفلت من قبضتك ياسطانئيل ؟!

ولم يكن للتلاميذ قدرات خارقة تميزهم عن غيرهم ، بل كانوا من بسطاء الناس ، ولكل منهم ميوله الخاصة ، ومعظمهم من صيادي السمك بالجليل ، وإن كانوا يفتخرون بمهنتهم في جليلهم ، ولكن يهود أورشليم يتأففون منهم إذ يحملون رائحة السمك وأعشاب البحر في ثيابهم المبتلة 0 أما في هذا اليوم فإنهم جميعاً يرتدون ملابس العيد وتنساب لحاهم على صدروهم ، وتنسدل شعورهم على أكتافهم ، وغالباً لكل منهم أكثر من إسم 0 كان فيهم بطرس وشقيقه أندراوس ، ويعقوب إبن زبدي ويوحنا شقيقه ، كما إن هناك أسماء مشتركة ، فإثنان منهم بإسم يعقوب هما يعقوب بن حلفا ويعقوب إبن زبدي ، وإثنان بإسم سمعان هما سمعان بطرس وسمعان القانوي 00

وكان من الإثنى عشر وأكبرهم سناً ” يهوذا الأسخريوطي ” الذي كان يبدو دائماً قلقاً متوتراً ، وهو أمين الصندوق الذي يحتفظ ببعض الأموال في الصندوق ويخفي بعضها في كيس يحفظه بين طيات ملابسه ، وللأسف فإن يهوذا صرف جل إهتمامه في الأمور المالية من إيرادات ومصروفات وأرصدة ، وفي زحمة إهتماماته لم يهتم بتعاليم المعلم ، فبدأت الخطية تزحف نحوه شيئاً فشيئاً 00 فلم يشعر بها ، أو قل أن الشيطان نسج شبكته حول ذاك التلميذ المهم فتلة فتلة ، فصارت الخطية في قلب يهوذا كحيَّة رقطاء رابضة تحت صخرة تفرز سمومها حتى أسودَّ ذاك القلب الأبيض الذي إختاره يسوع تلميذاً له ، ولم يسعَ يهوذا للتحرر من تلك الخطية ، بل إنصرف تماماً عن تعاليم سيده ، وإن سمعها بحكم تواجده في صحبة القديسين فأذن من طين والأخرى من عجين ، وصار التلميذ يتحاشى النظر في عيني معلمه0

وكان من الإثنى عشر أيضاً ” بطرس ” أكبر الرسل بعد يهوذا ، وإسمه سمعان باريونا أو سمعان بن يونا ، ودعاه المعلم صفا أي صخرة وباليونانية بطرس ،  وهو دائماً التلميذ الغيور على معلمه وعلى إخوته ، يتمتع بصوت جهوري وقلب متسرع يقوده دائماً إلى الإندفاع ، حتى أن معلمه الرقيق رقة نسمة الربيع إضطر ذات مرة أن يزجره بشدة قائلاً  ” إذهب عني ياشيطان ” 0

ومن بين الإثنى عشر عشاراً يُدعى ” لاوي ” ، وكان مثل أي عشار آخر قاسي القلب مستبيح لأموال الأرامل واليتامى ، وعندما إلتقى به المعلم منذ ثلاث سنين قال له  ” أتبعني ” فترك مكان الجباية وتبعه ، وأعطاه إسماً جديداً ” متى ” ، ورغم أنه تعلَّم في مدارس الربانيّين فأجاد القراءة والكتابة والرياضيات ، إلاَّ أن السيد لم يشأ أن يوكل إليه أمانة الصندوق 0

أما ” توما ” فهو قلقاً بعض الشئ ، يعتمد على المحسوسات والأدلة الملموسة في أمور حياته ، ويتمتع توما بروح المغامرة ، حتى أنه عندما سمع أن لعاز قد مات والمعلم سيذهب إلى اليهودية حيث مكمن الخطر قال : لنذهب إلى هناك ، لنموت معه0

أما أصغر التلاميذ فهو ” يوحنا ” الذي كان ملاحقاً ملاصقاً لمعلمه في خطواته وفي جلساته ، في حركاته وسكناته ، ودائماً عيناه ترنو إلى المعلم فتترأى له الأزلية مع الأبدية ، فيقف مشدوهاً أمام السرمدية ، وقد يكون يسوع قد كُشف له بعض الأسرار ، فسر الله لخائفيه0

ووصلت الجماعة إلى بيت أرسطوبولس والد مرقس ، وخرج رب البيت مع مريم زوجته وإبنه مرقس يلاقون المعلم وتلاميذه بالبشاشة والترحاب ، وصعد المعلم مع تلاميذه العشرة إلى العلية الكبيرة المفروشة حيث كان بطرس ويوحنا قد سبقا وأعدَّا كل شئ ، وكان من شروط أكل الفصح أن يتراوح العدد بين عشرة وعشرين نفساً ، وهذا ما توفر لهذه الجماعة فهي ليست في حاجة إلى الإنضمام لجماعة صغيرة أخرى ، وكان الفصح يُذبح بعد غروب شمس يوم 13 نيسان أي في الساعات الأولى لليوم الرابع عشر ، لأن اليوم اليهودي يبدأ من غروب شمس اليوم السابق وينتهي بغروب شمس اليوم ، وبسبب أهمية عيد الفصح صار شهر نيسان – وكان يُدعى قبل السبي بشهر أبيب – أول شهور السنة العبرية ، ويقابل الجزء الأخير من شهر مارس والجزء الأول من شهر أبريل ، وفي هذا العام كان اليوم التالي لعيد الفصح هو يوم السبت ، لذلك إنقسم اليهود إلى قسمين ، قسم الفريسيّين المدقّقين الذي حافظوا على ميعاد الفصح ليكون غداً الجمعة 14 نيسان ، وذبحوا الفصح بعد غروب شمس 13 نيسان ، وفي هذا الوقت أكل المعلم الفصح مع تلاميذه 0 أما الصدوقيون ومن بينهم رؤساء الكهنة فقد إحتفلوا بعيد الفصح يوم السبت 15 نيسان ، وذبحوا الفصح بعد غروب شمس 14 نيسان في الوقت الذي سيملك فيه السيد على عرشه ، وكان الفصح يُذبح بين العشائين0

والآن هوذا الحمل قد ذُبح ووضع في سيخين متعامدين ويشوى على نار هادئة ، ورائحة الشواء تعبق المكان 00 رفع بطرس ويوحنا الحمل من على النار ووضعاه على المائدة ، وهتفت الجماعة ” الرب إلهنا إله واحد ” ، وجلسوا حوله فجلس يهوذا أكبر التلاميذ سناً على يمين المعلم طبقاً للطقس السائد حيث كان يجلس الإبن الأكبر والممثل الشرعي للأب عن يمينه 0 أما يوحنا بن زبدي أصغرهم سناً فجلس عن يسار المعلم ، فكان أقربهم إلى نبضات قلبه ، ويبدو أنه قد حدثت مشادة بين يهوذا وبطرس عمن هو أحق بالجلوس عن يمين المعلم ، ويبدو أن الفضة التي زواها يهوذا في جيبه ثمن الخيانة لم تحرق ضميره ولم تكسر نفسه 00 آه لو تأمل ذاك التلميذ في قطعة من الفضة المسبوكة ربما عاد إلى وعيه ، فقد نُقش على أحد وجهي العملة غصن زيتون علامة السلام ، وعلى الوجه الآخر صورة مجمرة رمز العبـادة وأسفلها ” أورشليم المقدَّسة ” 00 فأين السلام والعبادة وأورشليم المقدَّسة من الخيانة المرَّة ؟! إنه يصبوا إلى مكاسب الأرض ويود لو يحتفظ بنصيبه السمائي ، وهيهات له هذا !! 00 تصوَّر أنه سيتمتع بالمال الحرام مع ميراث السماء ، ولم يتصوَّر أن يومـه أصبح وشيكاً على المغيب ، ونجمه بات قريباً من الأفول 0 أما يوحنا فقد رَكَن إلى رُكن وهو مستريح البال ، فلا يوجد من ينافسه عليه0

وكانوا في القديم يأكلون الفصح وهم وقوف وأحقاءهم مشدودة ليتذكروا لحظات إنطلاقهم من أرض العبودية 0 أما الآن فأنهم يأكلونه وهم متكئون علامة على أنهم مَلكوا أرض الموعد ، وكان على المائدة طبق به محلول الملح والخل تُغمس فيه الأعشاب التي تُذكّرهم بعبودية فرعون ، وصَحفة بها حساء من فواكه التين والبلح الأحمر وقشور القرفة ، وجميعها بلونها الأحمر يذكرهم بالأجر ( الطوب الأحمر ) الذي كان يصنعونه في مصر تحت وطأة رؤساء التسخير0

وهنا ، والآن نقطة اللقاء بين الرمز والمرموز إليه ، فالرمز الذي ظل نحو خمسة عشر قرناً منتظراً رفع صوته أخيراً ليرحب بالمرموز إليه : أأتيت الآن يا حمل الله الحقيقي ؟!00 كم إنتظرناك قرون وقرون ؟ 00

كنا أنا وأخوتي نشير إليك ، ولكن لم يفلح أحد منا قط أن يؤدي رسالتك في الخلاص ومغفرة الخطايا0

وشكر الحمل الحقيقي الحمل الرمز الذي أدى واجبه حتى هذه اللحظة قائلاً : بعـد ساعات أجوز نيران الألم وعذابات الصليب ، ويُصفى دمي قطرة قطرة فيرضى الآب عن البشرية 00 أتدري أيها الحمل 00 أنك ذُبحتَ بجرة واحدة من شفرة حادة فما كدت تشعر بالألم ، أما أنا فإنني سأتحمل الألم إلى أقصى مداه 00 أتعلم أيها الحمل الوديع 00 أن كل من يسوقه قدره إلى الصليب يشتهي من كل قلبه أن تُقبض روحه قبل أن يدق مسمار في جسده ، أما أنا فسأتحمل عذابات الصلب التي لا تطاق 00 النيران التي إختبرتها أيها الحمل وأنت مذبوح سأجوز فيها وأنا حي 00

ثم إلتفت يسوع لتلاميذه وقال لهم :

شهوة إشتهيت أن آكل معكم هذا الفصح قبل أن أتألم 0 إني أقول لكم إني لا آكل منه بعد ، حتى آكله جديداً في ملكوت الله 00

          وبحسب التقليد السائد أمسك المعلم بالكأس الأول من عصير الكرم ، وشكر الله على ثمار الحقل ، وأعطى تلاميذه قائلاً :

مبارك أنت الإله الأبدي الذي فديت الشعب 0 مبارك ملك الوجود ، خالق ثمار الكرم0

ثم خلط الكأس بالماء ، بينما تقدم يوحنا أصغر الموجودين بالسؤال التقليدي للمعلم :

لماذا يامعلم تختلف هذه الليلة عن أي ليلة أخرى ؟

فقص يسوع قصة التحرُّر من عبودية فرعون والفداء بالدم ، ولكنه قصَّها بطريقة جديدة جعلت أندراوس يتذكر قول معلمه يوحنا المعمدان عن يسوع  ” هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم كله ” وسبَّحت الجماعة الجزء الأول من الهاليل ( مز 113 ، 114 ) 00 وشكر المعلم ، ثم قدَّس الكأس الثانية ، وبعد هذا أخذ المعلم كسرتين من الخبز وكسر الأولى ووضعها على الثانية وشكر الله الذي أخرج القمح من الأرض ، ثم مرَّر كسرة الخبز على الأعشاب المرة وغمسها في حساء الفاكهة وأكلها ، وأخذ قطعة صغيرة من لحم الحمل فأكلها ، وتبعه تلاميذه كل منهم ينتزع نصيباً من لحم الحمل ويأكله ، وعظم منه لا يكسر ، وبين الحين والآخر يزدرد كل منهم بعض الأعشاب المرة0

          وكان من المفروض أن يتقدم أحد الخدام أو أصغر الموجودين بطست في يسراه وإبريق في يمينه للجماعة ليغسلوا أيديهم ويستكملوا طقس الفصح ، ولكن التلاميذ فوجئوا بالمعلم ينهض من العشاء يخلع ردائه ، ويأخذ منشفة يئتزر بها 00 أمسك الأبريق وصب الماء في المغسل ، وحمل المغسل إلى تداوس أقرب واحد منهم ، وركع أمامه يطلب منه مدَّ رجليه ، فأطاع تداوس في خجل ، وراح يسوع يفك سيور الصندل ، وأمسك بالقدمين المتسختين بتراب الأرض وغسلهما بالماء الدافئ وجفَّفهما بالمنشفة ، ورغم أن يوحنا حاول القيام بهذا العمل إلاَّ أن المعلم لم يسمح له بذلك قط 00 ومن يطيق ومن يحتمل أن السيد يركع أمامه كعبد ليغسل أقدامه ؟! كل منهم يأبى هذا ولكن أين المفر ؟! ما عدا يهوذا الذي مدَّ قدماه بدون إستحياء إذ ماتت فيه الحياة ، وأمسك السيد بقدمي يهوذا يربت عليهما في حنان بالغ وكأنه يريد أن يقول له ” أقبل قدميك لا تُلقي بنفسك في الهلاك 00 يايهوذا ياإبني 00 أنا سائر في درب الموت بإرادتي 00 فلماذا تجلب على نفسك حكم الموت يايهوذا ؟! 00وغسل يسوع أقدام يهوذا رغم علمه في أي طريق سعت هاتان القدمان الليلة الفائتة !! 00 آه إنها أقدام ضمير قد مات 0

          أما بطرس الذي فاض قلبه بالحب لسيده فإنه لم يتململ مثل بقية إخوته من الآباء الرسل 0 بل منع رجليه عن السيد قائلاً:

ياسيد أنت تغسل رجلي ؟! 00 هذا أمر مستحيل 0

يسوع : لست تعلم الآن ما أنا أعمل يا بطرس ، ولكنك ستفهم فيما بعد0

بطرس : لا أستطيع 00 لن تغسل رجلي أبداً 0

يسوع :  إن كنت لا أغسلك ياإبني فليس لك معي نصيب 00

وبسرعة خاطفة مدَّ بطرس قدميه ويديه وأحنى هامته وهو يقول : كلاَّ ياسيد كلاَّ 00 ليس رجلي فقط بل أيضاً يديَّ ورأسي وكل جسدي0

يسوع : الذي قد أغتسل ليس له حاجة إلاَّ إلى غسل رجليه بل هو طاهر كله0

          وإذ كان يسوع عالم بالخفيات قال : وأنتم طاهرون وليس كلكم 00 إنه نداء ليهوذا الذي تخلى عن طهارته علَّه يهرب من الظلمة التي غشت حياته ، ويفئ إلى نفسه ويتوب فيعتق مما هو فيه00

وبعد هذا أخذ يسوع رداءه وإتكأ قائلاً : أتفهمون ما صنعت بكم ؟

فصمتوا ولم يجب أحد ، وتعلَّقت أعين التلاميذ ببطرس بعد أن تكلم معه المعلم عن إرتباط هذا العمل بالنصيب الصالح ، ولكن ولا بطرس أدرك ما يجري ، ولهذا لم يكن لديه لا إجابة ولا نصف إجابة 0

فقال يسوع : أنتم تدعونني معلماً وسيداً وحسناً تقولون لأني أنا كذلك 0 فإن كنت وأنا السيد والمعلم قد غسلت أرجلكم فأنتم يجب عليكم أن يغسل بعضكم أرجل بعض ، لأني أعطيتكم مثالاً حتى كما صنعت أنا بكم تصنعون أنتم أيضاً 0 فتململ يهوذا قائلاً في نفسه : مالنا وشغل الخدم والعبيد ؟

ثم أردف يسوع قائلاً :

الحق الحق أقول لكم أنه ليس عبد أفضل من سيده ولا رسول أعظم من مرسله 00 الكبير فيكم ليكن كالأصغر ، والمتقدم كالخادم ، لأن من هو أكبر ؟ 00 الذي يتكئ أم الذي يخدم ؟ 0 أليس الذي يتكئ ؟ ولكن أنا بينكم كالذي يخدم 00 أنتم الذين ثبتم معي في تجاربي 0 إن عملتم هذا فطوباكم إن عملتموه00

 

حدث هذا بينما وقف ” لوسيفر ” مشدوهاً وشياطينه قد إعترتهم الحيرة ، لأنه إستعصى عليهم فهم فكر الإتضاع ، فنظروا بإشمئزاز وقال لوسيفر لملائكته : ألم أقل لكم أنه مجرد عبد ، ولا يزيد عن كونه عبداً ، ولذلك قام بعمل العبيد 00 أليس حسناً أننا حركنا حبيبنا يهوذا ليبيعه بثمن عبد 00 آه أيها العبد 00 إنني في لهفة من أمرك 00 عندما تقطر دماءك 00 دماء العبيد على صليب العار 00 لن تستطيع فكاكاً يايسوع من فخ الصليب الذي أعدَّدته بحكمتي !!

وإضطرب يسوع بالروح ، ولأول مرة يفتح ملف التلميذ الخائن المرائي ، ويتنهد قائلاً : الحق الحق أقول لكم إن واحداً منكم سيسلمني 00

حقاً كان المعلم يعلم أن يهوذا سارق ولص يسلب الأموال التي تضعها السيدات الثريات في الصندوق ، ولكنه ستر عليه طويلاً ستراً يفوق الوصف ، وربما همست بعض النسوة في أذن بطرس بما يجري ، ولعل بطرس لفحه بنظرات الريبة والشك ، حتى توقع الخائن أن المعلم سيطالبه بتسليم حساب وكالته ، مع أن المعلم قد مكَّن له الحب إلى درجة تفوق الخيال ، وإزاء حديث المعلم صمَّ يهوذا أذناه وكأنه لم يسمع شيئاً ، أو كأن الموضوع لا يخصه ، وبدا الذئب في ثياب الحملان ، وتناسى أنه بالأمس سعى إلى رؤساء الكهنة يعرض عليهم تسليم حمل الله ، وهم فرحوا به جداً وأعطوه ثلاثين من الفضة ، فعاهدهم على تسليمه ، ولاسيما أنهم أقنعوه بأنه من المستحيل أن يكون يسوع هذا الذي ينادي بمحبة الأعداء هو المسيا 00 إنه يود لو يُضيّع الأمة ويخرب الهيكل 00 آه لو همست يايهوذا في أذن سيدك بأنك أنت الذي إتفقت مع القيادات الدينية على تسليمه ، لخلصك سيدك من الفخ الذي أمسك بك ، ولكن للأسف الشديد فإنك يايهوذا إتخذت من هيروس مثلاً أعلى لك ، ذاك الذي من أجل الأقسام ذبح المعمدان0

أما التلاميذ الأطهـار فقد وقع عليهم الخبر وقوع الصاعقة ، فأغتموا وأصابهم الأسى والأسف والحزن العميق ، وكلمات يسوع الرزينة المؤثرة ترن في آذانهم ، ففقدوا الثقة في أنفسهم ، لأن ثقتهم في معلمهم فاقت ثقتهم في أنفسهم ، ونظروا إلى بعضهم البعض نظرات الحيرة والتساؤل ، ولم يجرؤ أحدهم على الإعتراض ولا بطرس ذاته ، فما دام يسوع قال هذا فلابد أن يحدث هكذا 00 تُرى مَن منا سيسلمه ؟!

ورفع يعقوب بن حلفا إصبعه في مذلة وإنكسار قلب قائلاً : هل أنا يارب ؟

وصمت المعلم ، وصمته هذا لم يمنع بقية التلاميذ من طرح ذات السؤال : هل أنا يامعلم ؟ 00 هـل أنـا ياسيد ؟!00 هـل أنا يارب ؟!00 عجباً لتلاميذ بسطاء يشكُّون في أنفسهم ولا يشكُّون في أخيهم الذي كان لصاً ، وتباً لك يايهوذا لأنك وأنت صانع هذا الأمر بعينه تركت أخوتك يتعذبون في شكوكهم ، وكان بإمكانك أن تريحهم وتربح نفسك  00 لماذا ياهذا دفعت بنفسك في زمرة القديسين وأنت لست بقديس ؟! ومالك تضع نفسك في مجمع الأطهار وأنت لستُ بطاهر ؟!

بل وأكثر من هذا أن يهوذا ظنها تسلية ، فكل واحد يقول له : هل أنا يارب ؟ والمعلم صامت لا يجيب ، وإذ ملأ الشيطان قلبه وغطى الرياء حياته ، قرَّر أن يسأل ذات السؤال مع إستبدال كلمة يارب بكلمة ياسيد ، فقال : هل أنا ياسيد ؟

ولا عجب فإن الخطاة  ” يقتلون الأرملة والغريب ويُميتون اليتيم 0 ويقولون الرب لا يبصر إله يعقوب لا يلاحظ ” (مز 94 : 6 ، 7)0

وكان لابد للسيد أن يجيب ، لئلا يظن يهوذا في جهله أن المعلم يجهل أمره ، وإذ أراد المعلم أن تصل الإجابة إلى يهوذا فقط دون بقية التلاميذ حفاظاً على مشاعره 0 صمت قليلاً ثم همس في أذن يهوذا الجالس عن يمينه دون أن يسمعه أحد : أنت قلت0

ولم يلحظ أحد من التلاميذ ما قاله المعلم ليهوذا الذي تصنَّع الإتزان والهدوء ، وكأنه أصم لم يسمع صوت المعلم ، وتساءل يهوذا في نفسه : ألعل أحد رآه بالأمس وهو يدخل إلى قصر قيافا ، وأخبر المعلم بما كان ؟!

وتململ بطرس في جلسته ، فهو لابد أن يعرف من الذي سيسلم سيده 00 أنه على إستعداد تام للفتك به وليكن ما يكن ، فأي عار أن يخون التلميذ معلمه ؟! ومع إنفعالاته هذه ، فإنه لم توآته الشجاعة ليسأل المعلم عمن هو ، فمنذ قليل أسكته المعلم عندما إحتج على غسل الأرجل ، فآثر بطرس الصمت كمداً ، ولكنه لم يحتمل ، فأومأ للتلميذ الصغير الجالس عن يسار المعلم ، وفهم يوحنا وأطاع ، وهمس في أذن معلمه : من هو يارب ؟

ولم يشأ المعلم أن يرد ليوحنا سؤالاً ، ولم يشأ أيضاً أن يعرف بطرس من هو ، ولا يريد أن يفضح يهوذا أمام الجماعة ، فبحكمته الإلهية ضرب ثلاثة عصافير بحجر واحد ، إذ همس في أذن يوحنا دون أن يسمعه أحد : الذي يغمس يده معي في الصَّحفة هو يُسلّمني0

          وقد كان من أدب التلاميذ أنهم متى لمحوا يد السيد تتجه إلى الصَّحفة رفعوا أيديهم ، أما يهوذا إذ سكنه شيطان الكبرياء كان يزاحم معلمه في الصَّحفة ، وربما يكون الشيطان قد صوَّر له أنه هو الأحق برئاسة هذه الجماعة ، وصمت يسوع حتى إزدرد يهوذا ما في فمه ، ولكي يؤكد ليوحنا ذات المعلومة همس في أذنه قائلاً : هو ذاك الذي أغمس أنا اللقمة وأعطيه00

          وإذ كان الطقس يُفرض أن رب العائلة يغمس لقمة في صَّحفة الفاكهة ويعطيها للإبن الأكبر أو أكبر الحاضرين ، فعل يسوع هكذا ، وغمس اللقمة وأعطاها ليهوذا الذي أنتفخ ونفش ريشه أمام أخوته ، وكأنه يقول لبطرس الذي طمع في مكانه منذ قليل : أنظر تقدير ومعزَّة وإحترام المعلم لي 00 فمن أنت حتى تطمع في مكاني ومكانتي ؟!

          وكان الشيطان يغوي ويناوش يهوذا من الخارج ، أما بعد اللقمة فقال لوسيفر لأحد أتباعه العتاولة : أدخل إلى يهوذا ، فهوذا قلبه مكنوساً مزيناً ، فتربع على عرش قلبه ، وشكّل فكره ، وأجعل نظراته زائغة ، وأفقده القدرة على التركيز 00 هوذا أنت تعرف مهامك0

          أما يوحنا ففهم وأدرك 00 تأثر جداً وتأسى في نفسه 00 ختم على الأمـر ولم يفصح ، واجتهد كثيراً حتى لا تفضحه مشاعره ، وقال في نفسه : ياللهول 00 يهوذا الذي وهبه السيد سلطاناً على الشياطين ، حتى كان يطردها ويزجرها وينتهرها ، يبيع نفسه للشيطان ، ويصير مأوى للشياطين ولكل روح نجس 00 يالحزن النفس وكسرة القلب !!

يسوع : إبن الإنسان ماض كما هو مكتوب عنه ، ولكن ويل لذلك الرجل الذي به يُسلَّم إبن الإنسان0

          إنها محاولة أخيرة لعل يهوذا يرجع إلى نفسه ، ويدرك الأمور على حقيقتها 00 إن إبن الإنسان سيمضي كما هو مكتوب ، بحسب مشورة الله المحتومة 00 نعم هذا سيتم يايهوذا 00 سيتم سواء سلمتني أو لم تفعل ، فلماذا تزج بنفسك ياتلميذ في طريق الخيانة البشعة ؟!!

وإن كان العرف والتقليد يُجرّم إعتداء الإنسان  على صاحبه الذي أكل معه في صحفة واحدة ، فكم وكم بتلميذ عاش مع معلمه ثلاث سنين يأكل ويشرب وينام معه ؟! 00 لكم جرح يهوذا معلمه !!  ” لأنه ليس عدو يُعيّرني فأحتمله 0 ليس مبغضي تعظم عليَّ فأختبئ منه 0 بل أنت إنسان عديلي إلفي وصديقي 0 الذي معه كانت تحلو لنا العشرة 0 إلى بيت الله كنا نذهب في الجمهور ” (مز 55 : 12 – 14) 00  ” أيضاً رجل سلامتي الذي وثقت به أكل خبزي رفع عليَّ عقبه ” (مز 41 : 9) 00 إن رؤساء الكهنة لم يطلبوا منك يايهوذا أن تسلمني ، لأنه لم يخطر على بالهم أن تلميذاً يخون ويبيع معلمه بثمن عبد0

          ونظر يسوع بعين المستقبل القريب فإذ يهوذا صديقه الذي عاشره أكثر من ثلاث سنوات مُعلقاً مشنوقاً ، فتنهد كمن هو في كمدٍ ، وكمن أصابته خسارة جسيمة وقال : كان خيراً لذلك الرجل لو لم يولد00

وإلتقطت أذان يهوذا هذه العبارات التي تذيب الفؤاد ، وسمع أبواق التحذير التـي دوَّت عالياً لكيما توقظه قبل فوات الأوان ، ولكن مازال يهوذا يراوغ ، فقال في نفسه : ربما بلغته أنباء أن أحد المقربين إليه سيسلمه ، ولكن لعله لا يعرف من هو بالضبط 00 غير أن نظرات يهوذا صارت زائغة ، وإشتد إرتباكه أكثر مما كان يبدو في أشد المواقف حساسية0

ولنا أن نتساءل : مادام يسوع يعلم أن يهوذا سيخونه فلماذا خلقه ؟! 00 لقد خلق الله يهوذا حرَّاً مريداً ، ومقابل هذه الحرية عليه أن يتحمل مسئولية تصرفه ، فكان يمكن ليهوذا أن يكون تلميذاً مخلصاً مثل بقية أخوته ، ولكنه أختار أن يكون خائناً ، وباع سيده0

وإن تساءل أحد : مادام تسليم يهوذا لمعلمه قد ساهم في خطة الخلاص 00 فلماذا يُدَان ؟ 00 يُدان لأن ما فعله هو شر ، وقصد منه يهوذا الإساءة لسيده ، ولم يقصد على الإطلاق خلاص البشرية ، فهو مسئول عن جرمه0

وقال يسوع بصوت مسموع : يا يهوذا 00 ما أنت فاعله فأفعله بأكثر سرعة0

وقال بطرس في نفسه : أما زال المعلم يُميّزه عنا حتى أنتفخ علينا ؟! ألعله قد أرسله في مهمة عاجلة لشراء إحتياجات العيد 00

وقال تداوس في نفسه : لعل المعلم يكون قد أرسله في مهمة تخص الفقراء0

          وأدرك يهوذا أن المعلم يعرف الأمر كله ، وأن كل أوراقه صارت مكشوفة ، فتضايق جداً ، وشعر كأن شيطانه يلف حبلاً حول رقبته ، ويخنقه ، لذلك أدار ظهره للجالسين وإنطلق كالسهم الطائش ، بنظرات زائغة ويدان مرتعشتان ، وعقل فقد إتزانه ، ويده على جيبه تتحسَّس الكيس الجلدي الخفي وبه ثمن الخيانة 00 خرج يهوذا وكان الوقت ليلاً ، فغاص فـي ظلمة الليل البهيم منطلقاً إلى بيت قيافا حيث طريق الهلاك – متقولش مركّب في رجليه عجل 0

إلى المنتهى ف1 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

البابا على كرسيه ف14 – كتاب البحار المغامر – حلمي القمص يعقوب

البابا على كرسيه ف14 – كتاب البحار المغامر – حلمي القمص يعقوب

البابا على كرسيه ف14 – كتاب البحار المغامر – حلمي القمص يعقوب

 

الفصل الرابع عشر : البابا على كرسيه

 

وصدر الأمر الإمبراطوري من الإمبراطور ” مكسيميانوس دايا ” إلى والي الإسكندرية بالحكم على بطرس أسقف الإسكندرية بالإعدام بحد السيف ، وما أن وصل هذا الأمر للثغر السكندري حتى تسرَّب سريعاً ، وإنتشر إنتشار النار في الهشيم ، وبحركة عفوية ، وبدون أي تنظيم من أي شخص ، أحاط بالسجن عشرات الألوف في لحظات 00 آباء كهنة وشمامسة وعذارى 00 رجال ونساء 00 شيوخ وأطفال ، وكأن لم يبقَ إنسان مسيحي في بيته بعد 00 نحو مائة ألف أحاطوا بالسجن لا يحملون سلاحاً ، لكنهم يحملون مشاعر ملتهبة أفاضت أنهاراً من الدموع 00 الجميع بلا إستثناء على أهبة الإستعداد للتضحية بأرواحهم رخيصة جداً فداءً لباباهم الحبيب 00 مستعدون أن يُذبحوا جميعاً ولا يرون باباهم يُذبح أمامهم 00 إزدحموا حول السجـن كالحصن الحصين : ” لو أنكم قتلتمونا جميعاً ، فلن ندعكم تقتلون بابانا ورئيسنا وبطريركنا ” 00

وعلت الهتافات : ” يابابا 00 بنحبك ” 00 ” بنحبك 00 يابابا ” 00 ” نحن ماعاك ( معك ) 00 حياتنا فداك “0

         وإذ رأى القائد هذه الإنفعالات الجياشة ، تحاشى حدوث تصادم مع هذا الشعب الهادر ، وأرجأ تنفيذ حكم الإعدام للغد ، ظناً منه أنه متى خيم الظلام وأرخى الليل سدوله ، فإن المتجمهرين سينفضون إلى حال سبيلهم ، ولاسيما أن الليلة تبدو شديدة البرودة ، ليلة التاسع والعشرين مـن شهر هاتور ، ولكن يبدو أن ظنه قد خاب ، فالجميع عزموا على قضاء ليلتهم مرابضين في موقعهم أمام السجن ، لـن يسمحوا بخروج البابا من السجن إلى ساحة الإستشهاد ، وإرتفعت نبرة الهتافات التي دوَّت في سماء الإسكندرية : ” إقتلونا إذبحونا 00 من بابانا لن تحرومنا “0

         أقبل المسيحيون جميعاً يزودون عن باباهم الموت ، وأقبل غير المسيحيين ليشاهدوا منظراً فريداً لم يره أحد من قبل ، فأي سجن مثل هذا أحاط به عشرات الألوف من مختلف الأعمار والأعمال والثقافات من أجل الإفراج عن شخص واحد فقط00 وإذ بالقائد في حيرته لا يجد سبيلاً للخروج من هذا المأزق الذي يهدد المدينة بالإشتعال ، وإذ بـ ” قداسة البابا بطرس ” بحكمته وأبوته الوديعة وهو لا يريد حدوث تصادم بين قوات رومانية باطشة مسلحة وبين شعب أعزل ، ولا يريد أن تُسفك دماء سواء كانت بريئة أو غير بريئة ، رأى أن يسلم نفسه فديه عن شعبه ولا يُمَس أحد من أولاده ، فسريعاً ما وضع خطة الخروج من المأزق ، والإنسان المسيحي دائماً هو المطالب بإمتصاص الصدمات 00 أرسل يستدعي القائد ، وإلتقى به بكل حب ، وإقترح عليه أن يتسلل بعض رجاله إلى خلف السجن ، حتى يثقبوا الجدار ، فيخرج إليهم ويفعلون به ما أُمروا به ، وإستحسن القائد الفكرة جداً0

         وبعد منتصف الليل تسلل بعض الجنود بأدوات الحفر إلى خلف السجن ، وإذ شعروا بطرقات خفيفة تأتي من الداخل حدَّدوا المكان ، وبدأوا عملهم ، وإذ في الأفق صوت أزير الرياح ، وأيضاً صوت الهتافات التي تدوي ، وهذا وذاك غطى على صوت المعاول التي تنهال على جدار السجن 00

         ومن ثقب الجدار خرج ” قداسة البابا المعظم بطرس بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسة ” 0

         فأختشى منه الضابط المُكلَّف بأداء المهمة مع جنوده الرومان الأشداء الخمسة ، وسار البابا يحف به الجنود وقائدهم ، وقد إكتسب إحترامهم وتقديرهم وثقتهم 00 من يسلم نفسه للموت من أجل أحبائه لهو جدير بالتقدير والتبجيل0

         ومازالت هتافات الشعب الثائر الهادر تدوي في سماء الإسكندرية ، ولاحظ بعض رجال المخابرات الرومانية الذين يرتدون الملابس المدنية ، ويندسون وسط الجماهير ، يشاركونهم الهتافات ، ويراقبون حركاتهم وسكناتهم 00 لاحظ هؤلاء الرجال ان من أكثر الملتهبين حماساً ويلهبون حماس الجماهير أحد الأشخاص ذو البنية القوية ، فاحتالوا عليه ، ونجحوا في إجتذابه بعيداً عن الجماهير بحجة ان لديهم أخباراً سرية تخص البابا بطرس ، وسريعاً ما كان هذا الرجل مقيداً يقف ليُحاكم ليلاً أمام قاضي الظلمة :

القاضي :  من أنت ؟ وما إسمك ؟

الرجل : أنا ضابط بحري بالأسطول الروماني ، وإسمي ديمتري منسى0

القاضي : ضابط بحري بالأسطول الروماني وتهيج الشعب ضد روما 00 هل أنت روماني ؟

ديمتري : لستُ رومانياً 00 أنا من أصل يهودي وإلتحقت بالبحرية الرومانية ، وكثيراً ما عرَّضتُ حياتي للخطر من أجل سلامة وبحار الإمبراطورية 00 بعد أن أنهي خدمتي سأحصل على الرعوية الرومانية0

القاضي : إذاً أنت تحب الإمبراطورية الرومانية وتطمع في رعويتها ، وثانياً أنك يهودي ، فما بالك بمشاكل المسيحيين الخونة ؟ وإن كانوا يهتفون لبطرس أبيهم ، فما شأنك به ؟

ديمتري : قلتُ أنني من أصل يهودي ، ولم أقل أنني مازلتُ يهودياً 00 أنا مسيحي أؤمن بالسيد المسيح إبن الله الحي الذي تجسد وصُلب من أجل خلاص كل البشرية ، أما ” قداسة البابا بطرس ” فهو أب لي ، أعرفه ويعرفني معرفة شخصية ، وطالما تمتعت بأبوته 0

القاضي : إذاً أنت مسيحي ؟!

ديمتري : نعم أنا مسيحي 00 أعيش مسيحياً وأموت مسيحياً 00 أعتز وأفخر بهذا0

القاضي : ألا تعلم أنه بموجب تصريحك هذا ، الذي يعني عدم ولاءك لآلهتنا وأباطرتنا ، تستوجب الموت0

ديمتري : وهل تظن أن تماثيل الذهب والفضة والحجر والخشب هذه آلهة ينبغي لها السجود ، وكيف تكون آلهة وهي لا تنفع ولا تشفع ، لا حيلة لها ولا قوة ، وإن قلت أنها رمز فلماذا تسجدون لها وتقدمون لها الذبائح ؟! 00 أما الإمبراطور فإنني أكنُّ له الإحترام اللائق ، لكنني لا يمكن أن أؤلّهه ، فهو مجرد إنسان مثلي ومثلك0

القاضي : أنت ضابط سليط اللسان تحتاج إلى التأديب0

ديمتري : هذه نظرتك لي 0 أما نظرة السماء فهي شئ آخر 0

         وسريعاً ما أصدر القاضي حكمه على ديمتري 00

         من رأى محاكمة كهذه ، لضابط عظيم كهذا ، تجري في جناح الليل ، لا تستغرق سوى دقائق معدودة ، ومن الجلسة الأولى يصدر الحكم ؟!!

         أما ديمتري فأمضى ليلته مكبلاً بالأصفاد ، لم يغمض له جفن ، فإن قلبه هناك في السجن العام حيث باباه البابا بطرس 0

         وأخذ الضابط ديمتري يستجدي الأخبار ، فتنامى إلى سمعه أن البابا البطريرك طلب من القائد أن يثقب الجدار الخلفي للسجن ، وفعلاً تم ثقب الجدار ، وخرج البابا إلى ساحة الإستشهاد ليفدي أولاده من أي أذى ، فالتهبت مشاعر ديمتري أكثر فأكثر ، فمن يطلقه ليخلص بابا من الذبح ؟!

         وأيضاً تسامى وإرتفع قدر ” قداسة البابا بطرس ” في نظره :

الأب يسلم نفسه للموت عن أولاده 00

يهوه يصير إنساناً من أجل حياة أولاده 00

يهوه يُضرب ويُهان ويُعرى من أجل إنقاذ أولاده 00

يهوه يُصلب ويموت من أجل أحبائه 00

نعـم ” ليس لأحد حب أعظم من هذا أن يضع أحد نفسه لأجل أحبائه ” ( يو 15 : 13 )0

يهوه يُدفن ثلاثة أيام ويقوم منتصراً على الموت 00

بالموت دحر الموت 00

         وتعجب ديمتري من نفسه ، إذ بعد أن شهد ليسوع إلهه ، قد أدرك تماماً قضية التجسد والفداء 00 لم تعد عثرة في طريقه 00 هوذا العقل يسلم الراية للإيمان ، والإيمان يُكمل المشوار الذي عجز العقل عن إستكماله 00 تنهد ديمتري قائلاً :

أؤمن ياربي 00 أؤمن ياإلهي 00 أؤمن ياسيدي0

         وفي الطريـق مـن السجـن إلـى ساحة الإستشهاد طلب ” قداسة البابا بطرس ” من القائد أن يسمح له بالمرور على قبر مارمرقس ، وهل لهذا القائد أن يرد للبابا الشجاع البطل طلباً ، وهو الذي يود لو يُطلقه لولا أن هذا يعرض حياته وحياة جنوده لحكم الإعدام ، فقال له : ” أفعل ما تريد أيها الأب ، لكن بسرعة ” 0

         فتوجه البابا بطرس إلى ذاك الموضع الذي حوى جسد سلفه البطريرك الأول ، وجثا على ركبتيه ، وأخذ يناجيه قائلاً :

أيها الأب كلي التبجيل 00

كاتب إنجيل إبن الله المُخلص  ، والشاهد لآلامه 00

لقد إختارك مخلصنا لتكون أول رئيس للكهنة في مصر ، وعاموداً لكنيستها 00 عهد إليك بالكرازة في هذه المدينة وكل كورة مصر وتخومها 00

كنت ساهراً على الخدمة التي أئتمنك عليها لخلاصنا ، وجزاء لهذا العمل المجيد نلت إكليل الشهادة 00

إستحققت بذلك كرامة الإنجيلي ، وكرامة رئيس الأساقفة 00

أنت إختـرت ” أنيانوس ” الطوباوي لأنه كان مستحقاً ، ومن بعده ” ميليـوس ” ، ومـن كـان بعدهمـا ، ثم الآباء ” ديمتريوس ” و ” ياراوكـلاس ” و ” ديونسيـوس ” و ” مكسيمـوس ” والطوباوي ثاؤنا الذي قام بتربيتي منذ الطفولة وقام بتهذيب قلبي 00

         وقد صرت أنا الخاطئ غير المستحق أن أكون خليفتك على كرسيك رغم عدم إستحقاقي ، فأطلب إليك ياسيدي أن تجعلني مستحقاً لأن أكون خليفتك في بذل الروح أيضاً0

نعم 00 يالغني فيض مراحم الله عليَّ ، أن يُوهب لي أن أكون شهيداً من أجل صليبه الثمين والقيامة المُفرحة 00 ليسمح لي أن أسكب تقدمة دمي 00

الآن 00 أطلب إليك ياأبـي أن تصلي من أجلي لتسندني القوة الإلهيَّة ، فأبلغ غاية هذه الآلام بقلب شجاع وإيمان راسخ 00

أيها المثل المجيد 00 أستودعك قطيع المسيح الذي كنتُ مسئولاً عن رعايته ، متضرعاً إلى رب المجد أن يكون موت خادمه خاتمة هذا الإضطهاد ، فلا تقوم له قائمة بعد اليوم(96)0

         ثم رفع البابا بطرس صلاته الختامية ذبيحة مقبولة عن شعبه :

ياإبن الله الوحيد ، يسوع المسيح ، كلمة الآب الأبدي 00

إسمع لي طالباً رأفاتك 00

أتضرع إليـك أن تقـول سلاماً ، فتهدأ العواصف التي تهز كنيستك 00

وليكن سفك دمي أنا خادمك خاتمة هذا الإضطهاد الحال بقطيعك الناطق 0 آمين(97)0

         وكان بالقرب من هذا الموضع مسكناً تقام فيه العبادة تكريماً للإنجيلي ناظر الإله ، وكانت ساعتئذ صبية عذراء مع أبيها الشيخ ساهرة تصلي ، فسمعت صلاة البابا بطرس ، وسمعت صوتاً يقول :

” بطرس آخر شهداء هذا الإضطهاد “

         إنتهى ” قداسة البابا ” من مناجاته لمارمرقس وصلاته السهمية ، فنهض ، وإذ وجهه يضئ كوجه ملاك ، فدخل الخوف قلب الجنود 00 أكمل البابا مسيرته نحو ساحة الإستشهاد وضوء الفجر كاد ينبلج ، وفي الطريق رأى البابا شيخاً ومعه إمـرأة عجوز ، فسألهما : إلى أين أنتما ماضيان ؟ وهل أنتما مسيحيان ؟

فقالا : نعم نحن مسيحيين ، ونحن ماضيين إلى المدينة لنبيع ما معنا0

البابا : الله يعينكما ياولديَّ المؤمنين 00 هل تقفا معي ساعة0

         وإذ أدركا أن محدثهما هو البابا بطرس إنحنيا أمامه يقبلان يديه ويظهران طاعتهما وخضوعهما له ، وسارا مع البابا والجنود ، وقد أدركا أيضاً حجم الكارثة0

         ووصل موكب السلام إلى أرض الإستشهاد ففرش العجوزان الجلود التي بحوزتهما على الأرض ، وجثا ” قداسة البابا المعظم بطرس خاتم الشهداء ” على ركبتيه ، وخلع عنه البلين كاشفاً عن رقبته الطاهرة وقال لهم بقلب ثابت : إفعلوا ما أُمرتم به0

         وإذ بالجنود يلحقهم الخوف والخشية من أن تلحقهم عقوبة السماء إذا ألحقوا الأذى برجل الله ، فصار كل منهم يشير للآخر أن يضرب الرجل 00 إرتبك الجنود الرومان الشجعان وشعروا أن موقفهم صار مخزياً 0 أما قداسة البابا فقد أخذ يتعجلهم :

إسرعوا ياأولادي قبل أن يدرككم الصباح ، ويدرك المرابضون أمام السجن حقيقة الأمر 00″

         ومازالت الربكة والحيرة تأخذ بالجنود مأخذاً ، حتى قائدهم عجز عن أن يعطي أحدهم أمراً ليضرب الرجل الجاثي أمامهم 00 الدقائق تمر ثقيلة متباطئة والصمت يلف المكان0

أحد الجنود : ليدفع كل منا خمسة قطع ذهبية ، ومن يضرب رجل الله يأخذ المبلغ0

         فأخرج كل واحد من الجنود القطع الذهبية ، ووضفت على الأرض بجوار القديس ، فأثارت هذه القطع الذهبية مطامع أحدهم من محبي الفضة ، فتجرأ وضرب عنق ذاك البطل المغوار 00

         تدحرجت الرأس المقدَّسة ، وأسرع الضابط وجنوده يهربون من المكان ، تلازمهم مشاعر اللصوص القتلة 00 هربوا قبل أن يعلم الشعب الثائر فيفتك بهم ، وما أن وصل الضابط بالقرب من السجن العام ، حتى سرَّب خبر بأن البابا بطرس خرج من خلف السجن وتوجه إلى ساحة الإستشهاد 00 ركضت الجموع نحو الساحة ويكاد بعضهم يدوس البعض ، من أجل إنقاذ باباهم الحبيب من ضربة السيف 00

         وما أن وصلوا حتى وجدوا جسد البابا مسجي على الأرض ورأسه منفصلة ، وبجواره الشيخ والمرأة العجوز ينتحبان وينوحان 00 صُدِمت الجموع ، وإرتفعت أصوات البكاء والنحيب ، والتنديد بظلم المستعمر الروماني 00 أسرع الآباء الكهنة بلف الجسد مع الرأس بقطعة من الجلد ، وبصعوبة بالغة منعوا الشعب من الإقتراب إليه ، فكل إنسان يطمع في قطعة صغيرة من ثياب البابا بركة لبيته وأولاده0

         وحمل الآباء الكهنة جسد البابا الشهيد في مشهد ضم عشرات الألوف في طريقهم إلى الكاتدرائية وصاروا يهتفون بكل قوة وحماس ، وكأن البابا في وسطهم حيَّاً ، وجندياً رومانياً لم يحرك ساكناً ، وضابطاً رومانياً لم يتفوه ببنت شفة ، وكأن الرومان قد إختفوا عن وجه الأرض0 فقد أدركوا خطورة الموقف وخافوا أن تحترق الإسكندرية بكل من فيها من ثورة الغضب العارمة هذه ، فأفسحوا المجال للمسيحيين للتنفيث عن أنفسهم ، وقد علت صرخاتهم :

كيريالايسون 00 كيريالايسون ” 00

” أوكيريوس 00 أوكيريوس ” 00

†   ” الســـلام الســـلام    إحنـا أولاد ملك الســـلام “

†   ” إلهي إلهي هـو خلاصي     هو دائماً رافع راســــي “

†   ” ألف سلام وألـف تحيـة       على شهيد المسيحيــــة “

†   ” ياشهيد نـــام وإرتـاح إحنا هنكمل الكفـــــاح “

†   ” ياوالي نـام وإرتـــاح  عمـر مسيحي ماشال سلاح “

†   ” عمر مسيحي ماشال سلاح  واللي بيذبح ده سفـــاح “

†   ” أنتم معاكم سلاح ونـــار      وإحنا معانا إله جبــــار “

†   إهتف إهتف وعلـي الصوت    عمر مسيحي ماخاف من الموت

†   ” أنا مش خايف 00 أنا مش خايف    طيَّر طير طيَّر راسي “

         وإذ أخذوا يستصرخون السماء إهتزت أعتاب السموات وصدر الحكم الإلهي بنهاية وسقوط الإمبراطورية الرومانية ، أعظم إمبراطوريات التاريخ كله ، التي مثلت رجلي التمثال الذي أبصره نبوخذ نصر في حلمه المصنوعتان من الحديد ( دا 2 ) ، والتي مثلت الحيوان الهائل القوي ذو الأسنان الحديدية في رؤيا دنيال النبي ( دا 7 )0

         وصل الموكب المهيب إلى كاتدرائية العذراء ذات الألف عمود بحي راكوتيس ، فلفوا الجسد في ستائر من الحرير ، وألبسوه ملابس التقديس ، ووضعوا عليه أطياباً كثيرة ، وأجلسوه على كرسي مارمرقس الذي لم يجلس عليه قبلاً ، وهتف الشعب يحيون شجاعته وفداءه لأولاده 00 صاروا يهتفون للراعي الصالح الذي بذل نفسه عن الخراف 00 إختلطت الزغاريد بأصوات النحيب ، وإختلط التصفيق بالصرخات ، وإختلطت فرحة الإنتصار بحرقة الألم 00 إمتلأت كنيسة الألف عمود التي تسع عشرين ألف شخصاً وفاضت 00 آباء أساقفة وكهنة 00 شمامسة وعذارى 00 رجال ونساء 00 حيَّا الآباء الأساقفة قداسة البابا البطل الشجاع المقدام ، رافعين الأنظار إلى فرحة السماء بإستقبال هذا الراعي الأمين ، وتجاوبت معهم هتافات شعب يتيم ” يابابا 00 بنحبك ” 00 ” بنحبك 00 يابابا “0

         رأى البعض أن يُدفن البابا بطرس بجوار سلفه وشفيعه البطريرك الشهيد ” مارمرقس الرسول ” ، ورأى البعض أن يُدفن في الكاتدرائية ، وإنتهى الأمر إلى قرار دفنه بالمقبرة التي أعدها لنفسه في ” لوكابتس ” بغرب المدينة ( القباري ) فحملوه من الكاتدرائية بموكب مهيب رافعين الصلبان ، والآباء الأساقفة والكهنة حملوا المجامر ، والشعب سعف النخيل ، وقطع الموكب الطريق بالألحان الكنيسة حتى إهتزت أساسات المدينة 00 وإستراح البابا بطرس بعد أن جلس على كرسي مارمرقس تسعة سنوات وعشرة أشهر في إضطهادات متصلة سُفكت فيها دماء مئات الآلاف من المسيحيين الأبرياء0

         إستقر جسد البابا في مسواه الأخير ، وكانت نحو الساعة الثانية عشر ظهراً ، وإذ لفت أنظار البعض أنه بالقرب من المقبرة كان هناك صليباً مرفوعاً سُمّر عليه رجل في نحو الأربعين من عمره ، وعيناه ترنوان نحو مقبرة البابا الشهيد 00 ظنوه في البداية مجرماً 00 وإذ ” ميناس ” ينظر إلى الصليب مليئاً ، ثم يركض تجاه الأبوين ” أرشيلاوس ” و ” ألكسندروس ” يخبرهما عن المصلوب 00 يركض الآباء وميناس وخلفهم المئات تجاه الصليب 00 تحت الصليب نسوة إنحنت تفيض عيونهن دماً أقصد دمعاً وقلوبهـن تنفطر 00 إنهن ” سوسنا ” وبناتها الخادمات ” راحيل ” و ” دينه ” و ” ميراب “00

         لقد إجتمع الأصدقاء الأربعة من جديد ولكن أحدهم قد إعتلى الصليب 00 إنه الضابط الشجاع البحار المغامر ” ديمتري “ 00 إلتفت الجموع حوله ، أما الجنود المكلفين بحراسة المصلوب ، فقـد أطلقوا سيقانهم للريح 00 أراد الأصدقاء الثلاثة إنقاذ المصلوب ، أما هو فرفض بشدة 00 إنه يريد أن يختبر ما سمع عنه كثيراً أن الشهيد يحتمـل على قدر طاقته ، وأن يسوع المصلوب يشاركه آلامه 00

         وقفت الجموع تصلي في خشوع ودموع حول الضابط المصلوب 00

         وأُعلنت للمصلوب رؤيا رائعة ، إذ أشرق فجر جديد ، تلاه نهار صحو جميل ، وإذ بسحب الإضطهاد السوداء تخف حدتها كثيراً ، وإذ بالسماء تستضئ بنور سماوي لا يُعبر عنه ، وإذ بالكنائس ترتدي ثوباً قشيباً 00 ما تهدَّم منها أُعيد بناؤه 00 الأماكن الخاوية شيدت بها أبراج الصلاة ، آية من الروعة والجمال الروحاني ، وسُمع فيها صوت الدف والتريانتو مع أصوات التسبيح 00 عادت الأعياد ، وأُقيمت الإحتفالات ، ونُصبت الولائم الفخمة للفقراء ، وتوافدت الشعوب إلى المدينة المُحبة للمسيح الإسكندرية التي قدمت إثنين من بطاركتها شهداء للحمل ، مارمرقس الرسول والبابا بطرس خاتم الشهداء 00

         وإذ بالقرون تمر والسنون تفر ، سبعة عشر قرناً تعبر على ذلك اليوم بالتمام والكمال ، ولاح لديمتري في شرق المدينة كنيسة شامخة ، ترتفع منارتها إلى عنان السماء ، تحمل إسم البطريركين الشهيديـن ، تتصاعد منها الصلوات النقية ليل نهار ، فسرَّ الرب بها ، وكان لابد من الإحتفال بمرور سبعة عشر قرناً على إستشهاد باباهم الحبيب ” البابا بطرس خاتم الشهداء ” ومع الدقائق الأولى وبعد مرور واحد وعشرين دقيقة من عام 2011م سُمع صوت دوي هائل على أعتاب تلك الكنيسة هزَّ المكان ، وسُمع صوت صرخات ودماء وأشلاء متناثرة على الأرض وعلى الجدران تدشن ذلك المكان وتُعلن سرور الرب به ، وإذ بالبابا بطرس يُسرع متلهفاً يحتضن عشرين نفساً من أولاده ويقدمهم أمام العرش الإلهي ليتوَّجوا بأكاليل الشهداء 00 هؤلاء هم أيضاً شهداء 00 والشهادة تجديد لشباب الكنيسة00 بالإضافة لأكثر من مائة معترف 00

         صارت هذه الكنيسة منارةً ومزاراً 00 يتوافد إليها الأفراد والجماعات ، وتتبادل المحبة والمساندة في أسمى صوُّرها 00 صار الجميع بنفس واحدة ، وإيمان واحد يهتفون بترنيمة واحدة ، ترنيمة الحب لله وللبشرية وللوطن 00 ظل الآباء الكهنة يرفعون صلواتهم ويرعون أولادهم ، وصار الأولاد الصغار يلهون في فناء الكنيسة ، حتى صارت ألعابهم تمثل شجاعة وبطولة الشهيد إزاء قوى الظلم والطغيان 00 وصار الشعار ” محدّش يخاف ” 00

         هذا ما رآه ديمتري المصلوب في رؤياه0

         وهنا إرتسمت إبتسامة خفيفة على شفتي المصلوب ، لاحظها الأصدقـاء المرابضيـن تحـت الصليـب وتعجبوا 00 إن ” ديمتري ” لا يصرخ ولا يتلوى من شــدة الآلام التي لا تُطاق 00

         رابض الأصدقاء بجوار المصلوب بينما إنصرفت الجموع 00 أخيراً سمعوا همسات حبيبهم ديمتري :

ياربي يسوع المصلوب عني 00 أشكرك من أجل شركة آلامك

ياأبي بطرس 00 لست أنا البحار المغامر 00 إنما أنت 00

أنت البحار والربان الماهر 00

يامن قدت السفينة بمهارة 00

         ومع غروب شمس ذاك اليوم الرهيب سُمعت الهمسات الأخيرة للبحار المغامر ، البطل الشجاع ، حلو المعشر ، الضابط ” ديمتري ” :

” إذكرني يارب متى جئت في ملكوتك “

                                  الإسكندرية في 24/7/2011م

                                             17 أبيب 1727 ش

                                            شهادة القديسة أوفيمية

                                                أمام دقلديانوس

 

تمجيد للبابا بطرس خاتم الشهداء

 

أفتح فاي بالتسبيــح      وأذكر للتخليــــــد             رئيس الكهنة الشهيــد

” بنيوت أفا بطرس “

أخبركم ياأحبــــاء          عن بطرس خاتم الشهداء عظيم ورئيس آبــــاء

أبوه كان قسيـــس         مقامه رفيع ونفيـــس        طاهر ورجل قديـــس

طلــب كزكريـــا             من إله كل عطيــــة          أن يرزقــه ذريـــة

أمه نســل الأبـرار         بكت بدمـوع غـــزار           في عيد الرسل الأطهـار

رأت في رؤيا المنـام       من بشرهـا بغـــلام           بطرس وبولس الكــرام

رُزقت بهذا النزيــر        وكان فصيـح وقديــر         في العلــم والتبشيــر

رسمه البابا ثاؤنـاس      في رتبــة الشمــاس          فكاهن لقدس الأقــداس

إختارتـــه السمـاء         مدبراً فرئيـس آبـــاء          هو خاتم الشهــــداء

راعي صالـح وأميـن       حصَّن شعبه تحصيــن       من بــدع المبتدعيـن

منهم أسقـف أسيـوط      ميليتيوس صار مربـوط      بمجمع جمعه المغبــوط

ويسوع في رؤياه ناداه    عن أريوس قـد نهــاه        من أنكر إبن اللــــه

إياك ياقديـــــس            تقبل أريوس قسيـــس        ده فيه روح إبليـــس

فأطاع لصوت السماء     وجمع مجمع آبــــاء          فندوا كـــــل الآراء

حرموا أريوس حرمان     مع حزب الشيطــــان         وحفظوا لنا الإيمـــان

رأيت قوة إيســوس        على كرسي مار مرقـس      فأبيـــت الجلــوس

طلبت من إله السماء     أن تُحقن اللقـــــاء            وتكون آخر الشهــداء

أعطاك سؤال قلبــك       ومضيت إلى ربـــك           إختــارك وأحبـــك

السلام لك ياآفا بطرس    ياراعي شعب إيسـوس       وموصلهم إلى الفردوس

السلام لك ياقديــس       يا إبن القسيـــــس            يا حبر ونفيـــــس

السلام لك يامختــار       يارئيس الأحبـــــار            يامؤتمن على الأسـرار

طوباط ثم طوبـــاك         أكسيوس أكسيوس أكسيوس   يامن أكملت مسعـاك

أذكرنــا ياأبانـــا            لنكمــل مسعانــــا             ونحظى برجانـــــا

تفسير إسمك في أفواه كل المؤمنين

الكل يقولون ياإله البابا بطرس أعنا أجمعين

 

 

(96)   المرجع السابق ص 37 ، وكامل صالح نخلة – حياة البابا بطرس الأول خاتم الشهداء ص 48 ، والمستشار زكي شنودة – الشهداء ص 235

(97)   القمص تادرس يعقوب – البابا بطرس الأول خاتم الشهداء ص 38

 

البابا على كرسيه ف14 – كتاب البحار المغامر – حلمي القمص يعقوب

وصار السجن سماء ف13 – كتاب البحار المغامر – حلمي القمص يعقوب

وصار السجن سماء ف13 – كتاب البحار المغامر – حلمي القمص يعقوب

وصار السجن سماء ف13 – كتاب البحار المغامر – حلمي القمص يعقوب

 

 

الفصل الثالث عشر : وصار السجن سماءاً

 

         وفي شهر أغسطس ( أول مسرى ) سنة 311م ، ومع بداية صوم ” العذراء مريم والدة الإله ” أقامت كاتدرائية العذراء مريم ذات الألف عمود نهضة روحية ، فأقيمت القداسات صباح كل يوم والعشيات والعظات مساء كل يوم ، وإحتشدت الجموع وإرتفعت أصوات الترانيم والتسابيح 00 هوذا المسيحيون الشجعان يتحدون الموت ، فلم يعد منظر الإستشهاد وسفك الدماء ، وذبح الأباء والأبناء أمام أعينهم يهزهم ، إنما كانوا يحيطون بساحات الإستشهاد ، يطلقون صلوات سهمية تجاه السماء من أجل المتقدمين للإستشهاد ، ليصلوا بسلام إلى أورشليم السمائية حيث الأحضان الإلهيَّة ، والسماء لم تبخل أبداً عن إعلان مساندتها للشهداء ، إذ تفتح أعينهم ليعاينوا شيئاً من أمجادها ، وأيضاً تعين السماء وتعضد هؤلاء الأبرياء فيحتملون من الألم على قدر طاقتهم ، وكل مازاد عن طاقتهم لا يشعرون به على الإطلاق ، لأن سيدهم المصلوب يحملها عنهم 00

         وإختلط الإستشهاد بالأمجاد ، والموت بالحياة ، وهكذا سارت الحياة ولم تتوقف ، فالناس هنا في الإسكندرية مدينة الشهداء المحليين والوافدين إليها يعيشون حياتهم في وداعة ورضى وسلام ، بل يعيشون أمجد أيامهم ، لأن السماء قد إنفتحت على الأرض 00 حقاً أنه أمر عجيب أن تعيش في مجتمع كهذا ، فأبيك أو إبنك الذي يعيش معك اليوم ، قد لا يُكمل اليوم معك ، بل يفارقك سريعاً إلى ساحة الإستشهاد ، وينطلق منها إلى السماء ، وقد غيَّر عنوان إقامته 00 عجيب أن تعيش في حرب عجيبة وصراع غريب كهذا ، فهو حرب وصراع من جانب واحد ، متغطرس قوي ومتجبر عنيد ، أما الطرف الآخر فالوداعة هي سمته وطيبة القلب عنوان حياته 00 إنها حياة الحملان الوديعة التي لا تعرف العداوة ، إنما تحب الذئاب وتصلي بلجاجة من أجلهم ، وصلواتهم تستجاب ، حتى أن أعداد المتنصرين تفوق كثيراً أعداد الشهداء 00 إنظر كم جذب مارجرجس من نفوس ضالة وشريدة ؟!0

إن ذئباً واحداً لو أُلقي بين غنم كثير ولو بلغ عدة آلاف لأرتعب القطيع كله رغم عدم قدرة الذئب على إفتراس الكل !! لكن الكل يخافونه 00 فأي مشورة ، أو أي تدبير ، وأية قوة هذه حتى لا يبث الله ذئباً وسط الغنم ، بل يرسل غنماً وسط الذئاب !! 00 إنه لا يقترب بهم نحو الذئاب بل في وسط الذئاب0

إنظر !! 00 لقد كان هناك قطيع من الذئاب وقلة من الغنم فعندما إفترست الذئـاب الكثيـرة الغنمات القليلة 00 تحوَّلت الذئاب إلى غنم !!(94)0

         وفي قداس عيد العذراء مريم إبتهج الشعب السكندري إذ فرَّح ” قداسة البابا بطرس ” القلوب بسيامة تلميذيه المشهود لهما من الجميع ” أرشيلاوس ” و ” ألكسندروس ” ، فمنحهما نعمة الكهنوت ، إذ سامهما قسين على كنيسة الله الجامعة المقدَّسة بالمدينة العظمى الإسكندرية ، بأسميّ ” القس أرشيلاوس ” و ” القس ألكسندروس “0

         ومرت أيام قلائل ، وإذ جلبـة وضوضاء في فناء الكاتدرائية ، وأسرع أبوينا أرشيلاوس وألكسنـدروس يستطلعا الخبر ، وإذ بخمسة من كبار الضباط مع جنودهم الرومان في الفناء 00 لماذا جاءوا ؟! 00 وماذا يريدون ؟! 00 وفي لحظات إحتشد الفناء بالمسيحيين الذين أسرعوا على عجل يستوضحون الأمر ، والأمر العجيب أن هؤلاء الجنود القساة الذين ترتسم ملامح الشراسة على وجوههم في مأموريتهم هذه يبدو عليهم السلام والإطمئنان الكامل ، فهم يثقون ثقة عمياء أنهم لن يضطروا لإستخدام سيوفهم قط ، ولن يدخلوا في معركة مـع هـذا القطيـع الوديع0 وإستفسر ” أبونا ألكسندروس ” بلباقة وأدب جم من قائد المهمة عن طبيعة مهمتهــم فأخبـره القائــد بأنهـم مُرسَلين من قبل الإمبراطور ” ماكسيميان ” لإلقاء القبض على ” البابا بطرس ” أسقف الإسكندرية للأسباب الآتية :

  • تحقير البابا بطرس للآلهة ، وتحريض الآخرين على رفض السجود لآلهتنا العظيمة0
  • تجرؤ البابا بطرس على إقامة الشعائر المسيحية جهراً0
  • شكوى سقراطيس ضد البابا الذي عمد إبنيه بدون رغبته0

وإذ بباب القلاية البطريركية يُفتح ، وإذ بـ ” قداسة البابا بطرس ” يخرج وبيده عصا الرعاية ، يرتدي ملابسه وكأنه ذاهب في مهمة رسمية ، وإشراقة جميلة تطل على وجهه الوديع ، وتقدم بهدوء ووقار فحيَّا قائد الجند 00 لم يسأله : لماذا أتيت ؟! أو ماذا تريد ؟! بل تصرف وكأنه عالِم بكل شئ ، إذ قال لهذا القائد : هيا بنا 00

وحلت الدهشة والوجوم على الوجوه ، وكأن على رؤوسهم الطير ، فالكل فقد القدرة ليس على التصرف فقط ، بل حتى عن التعبير عما يعتمل من مشاعر داخل نفسه 00 فمادام البابا سلَّم نفسه بإرادته ، فمن يجرؤ أن يدافع عنه ، وجالت نظرات البابا سريعاً بين تلك الوجوه 00 إنها نظرات وداع أب عظيم لأبناء عظماء 00 يبدو الموقف وكأنك في جنازة مهيبة والمصيبة جلل 00 الكل يدرك أن خروج البابا من هذا المكان مع هؤلاء الجنود الرومان يعني أمراً واحداً لا غير ، وهو أن قداسة البابا لن يدخل هذا المكان ثانية على قدميه 00 كان من السهل على الحشد أن يعيق هذه القوة الرومانية ويمنح الفرصة للبابا للهرب ، لكن ماذا يفعلون إن كانت هذه إرادة البابا ورغبته التي إشتهاها على مدار أعوام طويلة 00 إن أحداً من الواقفين لن ينطق ببنت شفةٍ0

وإكتسب ” قداسة البابا بطرس ” إعجاب وإحترام ضباط الإمبراطور وجنوده ، فلو لم يسلم هذا الرجل الشجاع نفسه لهم ربما لإستحال عليهم تأدية المهمة المكلفين بها وسط حشد يفيض حباً ووجداناً تجاه باباه ، فكـل منهم مستعد أن يموت عشرات المرات ولا يسلـم أبيــه للمــوت ، ولاسيما أبوينـا ” أرشيلاوس ” و ” ألكسندروس ” ، والبحار المغامر الضابط ” ديمتري ” الذي توافق وجوده في هذه اللحظات الأليمة ، وهو يبدو عليه التوتر ، وأنه يبذل قصارى جهده لضبط نفسه ، حتى لا يرتكب حماقة ، وهو المتمرن على فنون القتال والمعارك ، مما يغضب أبيه الروحي ، فظل ملاصقاً للبابا لم يقدر أحد على زحزحته ، وعندما تقدم البابا ليعتلي العربة الرومانية التي يجرها إثنان من الجياد البيضاء المختارة ، وضع ديمتري في نفسه أن يرافق البابا مهما كان الثمن ، وأدرك البابا ما يمكن أن يحدث من إشتباك وسفك دماء ، وإذ بالبابا يأمر ديمتري : إبقى هنا ياإبني 00

فكان هذا أصعب أمـر يتلقاه ” ديمتري ” في حياته المدنية والعسكرية ، وبصعوبة تفوق الوصف أطاع 00

         وما أن جلس البابا في العربة بين جنديين رومانيين مفتولي العضلات حتى أطلق قائد المركبة العنان لجياده لتعبر إلى الطريق الكانوبي الذي يصل بك إلى السجن العمومي على بُعد نحو ثلاثة كيلومترات00 إنطلقت الجياد تسابق الريح ، وسط كوكبة من الفرسان ، وكأنـه موكـب إمبراطوري ، وأعين الكل تتعلق بالموكب 00

         وقف ” ديمتري ” مصدوماً ، و ” أبونا أرشيلاوس ” يطلب من الواقفين الدخول إلى داخل الكنيسة ليرفعوا شكواهم للسماء0 أما مشاعر ” أبونا ألكسندروس ” فهي كانت مشاعر إليشع ومعلمه يُخطف منه ، وليس له إلاَّ الصراخ الصامت من عمق القلب ” ياأبي ياأبي 00 مركبات إسرائيل وفرسانها “00

وسريعاً ما طارت الأخبار فعمت الأرجاء وإرتجت المدينة العظمى الإسكندرية 00 منذ أن قُبض على البطريرك الأول وسحل في شوارع الإسكندرية ، منذ أكثر من مائتي عام ، وحتى البابا بطرس السابع عشر لم يُقَد أحد من الآباء البطاركة إلى ساحة الإستشهاد ، ولهذا إرتجت المدينة العظمى لهـذا الحدث الجلل ، وتباينت المشاعر ، فالذين يعلمون شخصية البابا جيداً ، وأن هذه هي رغبته منذ سنوات ، سلموا الأمر لله ضابط الكـل ، وإرتضوا بالوضع القائم ، وعلى رأس هؤلاء أبوينا أرشيلاوس وألكسندروس ، أما البعض الآخر فكان الأمر أصعب من إحتمالهم ، فصاروا يصارعون مع الله : لماذا يارب ؟! 00 إلى متى ؟! 00 أين قوتك وعملك وسـط شعبــك ؟! 00 وعلـى رأس هؤلاء الضابط الصالح ” ديمتري ” وصديقه ” ميناس ” 00 وقليل من المسيحيين إمتلأت صدورهم بالغضب والثورة العارمة ، وجميعهم من الشباب المملوء بالحيوية والغيرة ، فأخذ ينادي أن الحل في المقاومة المسلحة للمستعمر الروماني ، فيجب أن يرحل0

لم تمر دقائق قليلة إلاَّ وكان ” قداسة البابا بطرس ” في أعماق السجن العام ، وما أن وطأت قدمـاه السجن حتى إرتج السجن ، فمئات من الكهنة والشمامسة والأراخنة الذين سبق القبض عليهم تجمعوا في غمضة عين ، وكأنهم كانوا في إنتظار البابا ، وإذ هم يقفون مواجهة أمام باباهم الحبيب ، تضاربت المشاعر ، فالقلوب تهلَّلت فرحاً برؤية باباها ، وفي نفس الوقت حلَّ بها الأسى العميق على الراعي الأمين ، فمكتوب ” إضرب الراعي فتتشتَّت الغنم ” ، لذلك لم تكن رغبة أحد منهم أن يرى باباه في هذا المكان 00

أما ” قداسة البابا بطرس ” بوجهه البشوش الوديع فقد أضفى سلاماً على تلك القلوب الواجفة ، ورحب بهم وكأنه في قلايته البطريركية ، وطلب منهم الجلوس ، فجلس الجميع ولم يعد يُسمع صوت في المكان ولو همس بسيط ، فكل ما يُسمع هو الصوت الوديع الهادئ صوت البابا بطرس المُحب الذي حمل صورة سيده الفادي ، فأخذ يعظ أولاده ويثبتهم على الإيمان : فجميع الذين يريدون أن يعيشوا بالتقوى في المسيح يسوع يضطهدون ، ولم يعد السجن ولا العذابات ولا القتل عقوبة ، إنما بركة للأجيال تجدد شباب كنيسة المصلوب من جيل إلى جيل 0 ثم سُمع بين جدران السجن صوت التسبيح ، وتحوَّل السجن إلى سماء 00 عجباً ياربي عجباً 00 أليس هذا المكان هو مكان اللصوص والمجرمين وسافكي الدماء 00 فما بالي أراه قد إمتلأ بالنفوس الوديعة البريئة حلوة المعشر ، حتى أنه بالحقيقة لم يعد هنا مكان لقاتل أو زاني ؟! 00 فقد رأت السلطات أن المتهم بالمسيحية هو الأولى بالسجن من أي مجرم آخر ، فالمسيحية هي الأشد خطراً على الإمبراطورية الرومانية من أي شر آخر 00 فرح الإمبراطور بإيداع أتباع يسوع الوديع الهادئ هذه السجون ، وفرحت السماء بهذه النفوس التي تُمجِد إسم يسوع بما تتحمله من آلام وعذابات تفوق الوصف شهادة للحق0

وفي مساء هذا اليوم عاد ” ديمتري ” إلى منزله ، وكل مشاعره منهمكة بالحدث الجلل ، وجافى النوم جفونه ، فظل مستلقياً على ظهره ، بينما حلَّقت أفكاره في الآفاق العالية علو السموات : ماذا كان يمكن أن يحدث اليوم لو لم يقل لي أبي البابا بطرس ” إبقَ هنا ياإبني ” 00

بلاشك أن الجنود كانوا سيتصدون لي ، وبلاشك أيضاً أنني لن أقدر على ضبط نفسي0 إذاً الأمر كان سيحسم بمجرد أن يبدأ ، فعدة لكمات من قبضتي وعدة طعنات نافذة من خناجرهم ، تسيل دمائي على أعتاب الكاتدرائية ، وهوذا المقابر خلف السور الغربي00

حقاً كان هذا شرف لي حُرمت منه فإن كنتُ لا أستطيع فداء أبي ، لكنني أكون قد أخذتُ فرصتي في التعبير عن حبي بدمائي 00 لكن لا تنسى ياديمتري أن إلهك قال : ” رد السيف إلى غمده فالذين يأخذون بالسيف بالسيف يؤخذون ” 00

ثم تنبه ” ديمتري ” لكلمة ” إلهك ” !! 00 وحلَّقت أفكاره أعلى وأعلى : أنظر ياديمتري أن أبيك الصالح البابا بطرس قد فداك من موت مُحقَّق اليوم وذهب إلى السجن ، فلماذا ترفض الحب الذي يقود المُحب للتضحية 00 يهوه يصير إنساناً !! 00 ربما من أجل الحب الأبوي 00 يهوه يُضرب ويُهان ويُعرى ويُصلب ويموت !! 00 ربما من أجل الحب الإلهي الذي قال لي عنه أبي البابا بطرس أنه يفوق الحب الأبوي 00 ولحظات لم يدري ديمتري بنفسه ، إذ نام نوماً هادئاً ، فلم يعد صوت العقل يزعجه ، وبدأ يستريح لفكرة التجسد الإلهي والفداء 00 وقال في نفسه : آه 00 لو كان هذا الأمر حقيقة 00 فما أجمله وما أعظمه أن يهوه يقترب مني بهذه الصورة 00 يصير إنساناً مثلي ، ويموت ليفديني ، ويقوم ويقيمني معه 00

ومرت الأيام ، والبابا قابع في سجنه ، يعمل عملاً جباراً ، فقد صيَّر السجن سماء من جهة ، ومن جهة أخرى إلتهبت الكنيسة بأصوام وصلوات قوية ، وسرت موجة عارمة من الروحانية عمت الشعب 00 صارت السماء منفتحة على أرض الإسكندرية ، فصارت الإسكندرية بكل أحياءها سماء ، لأنه لا يوجد حي واحد من أحياء الإسكندرية يخلو من الشهداء والمعترفين 0 وصار أبوينا أرشيلاوس وألكسندروس وسيلة الصلة بين قداسة البابا وشعبه ، يحملون له آمال شعبه وآلامهم ويحملون للشعب صلوات البابا ونصائحه الثمينة لهم0

وأرسل والي الإسكندرية للإمبراطور ” مكسيميانوس دايا ” يخبره بأن أوامره المقدَّسة قد تم تنفيذها بالتمام ، وهوذا ” البابا بطرس ” أسقف الإسكندرية رهن السجن ، وطلب مشورته ، هل يرسله إليه أم ماذا يفعل إزاءه ؟ 00

وفي الإسكندرية تجد شخصاً قلقاً للغاية على حياة البابا ليس بسبب محبته له ، بل بسبب محبته لنفسه ، فهو شخص لا مبدأ له ، يظهر غير ما يبطن ، ولذلك إدَّعى كذباً أنه عاد إلى الإيمان المستقيم ، ويخشى أن البابا يستشهد وهو غاضب عليه ، والحقيقة أنه كان يطمع في سماحة البابا ورضاه عنه ، لأن آماله العريضة وأحلامه المتسعة صوَّرت له أنه يمكن أن يكون البابا القادم بعد إستشهاد البابا بطرس 00

فماذا فعل ” أريوس ” ؟ 00 لقد خدع بعض الآباء الكهنة والأراخنة متمسكناً أمامهم ، طالباً وساطتهم لدى البابا ليحله من الحُرم الذي سبق وأوقعه عليه ، ونجح هذا الوفد في الحصول على تصريح جماعي للقاء قداسة البابا في سجنه0

وسعد الوفد بلقاء بقداسة البابا 00 قبلوا يديه في لهفة وشوق ، وإنحنوا أمامـه طالبيــن بركته ونصائحه ، ثم قالوا له :  نحن نتقدم إلى قداستكم ، ونلجأ إلى عطفكم وحنانكم ، ونخضع لرئاستكم ، فقد تحملت ياسيدنا الآلام والإغتراب من أجل السيد المسيح 0 حقاً دعاك الرب أيها الآب المثلث الطوبي لتقبل إكليل الإستشهاد وذلك لسمو إيمانك 00 فهل يحق لنا أن نطمع في تقواك كما إعتدنا بأن تصفح عن القس أريوس “0

وما أن سمع الآب البطريرك إسم ” أريوس ” حتى إحتد رافعاً يمينه قائلاً : ليكن أريوس محروماً في هذا العالم وفي الدهر الآتي 00

ليس له نصيب في مجد إبن الله يسوع المسيح إلهنا “0

         فارتعب الواقفون لأنهم لم يتعودوا قط من الآب البطريرك الوديع هذه الحدة ، ولم يجرؤ أحد أن يراجع قداسة البابا ، أما هو فقد إنتحى جانباً بتلميذيه القسيسين ” أرشيلاوس ” و ” ألكسندروس ” وكأنه يريد أن يطلعهما على سر خطير :

يأولادي أطلب من الرب إله السموات أن يعينني حتى أتمم شهادتي على إسمه القدوس 00

أنت ياأبونا أرشيلاوس ستأتي بعدي على هذا الكرسي وأبونا ألكسندروس يكون بعدك 00

لا تظنا إني قاسي القلب أو عنيد 00 لكن صدقوني إن خداع أريوس يفوق كل كفر ويعلو كل شر 00 إنني لا أحرمه من ذاتي00 ففي هذه الليلة بعد أن صليت ونمت ، رأيتُ وكأني واقف في قلايتي أصلي ، وإذ بصبي يبلغ حوالي الثانية عشر من عمره دخل فجأة إلى قلايتي 00 بهاء وجهه لم أقدر على معاينته ، إذ أبرق بنور عظيم ملأ القلاية كلها 00 كان يرتدي ثوباً كتانياً مشقوق إلى إثنين من الرأس حتى القدمين ، وقد أمسك بيده جانبي الثوب ، وهو يضمهما إلى صدره ليغطي عريه 00

إذ رأيتُ ذلك إنتابتني دهشة ، ولما تمالكت نفسي صرخت : من الذي شقَّ ثوبك ياسيدي ؟

أجابني : أريوس هو الذي شقـه ، فأحذره تماماً ولا تقبله في الشركة ، فإنه سيأتيك بالغد بعضاً يشفعون فيه لديك فلا يرضى قلبك عليه ، ولا تحله ، بل زيده حرماناً 00 بالحري أوصِ أرشيلاوس وألكسندروس الكاهنين اللذين يجلسان على الكرسي من بعد رحيلك ألاَّ يقبلاه ، فإنك سرعان ما تصير شهيداً 00

والآن ، ها أنتما تنظران أنه ليس للرؤيا معنى آخر 00

لقد عرفتكما بكل شئ ، وأخبرتكما بكل ما أُمرت به ، وصار الأمر بين أيديكما تفعلان ما تشاءان في هذا الأمر 00 هذا بخصوص أريوس0

         أيها العزيزان 00 أنتما تعرفان تماماً كيف كنت أسلك بينكما ، وتعرفان التجارب التي حلَّت بي من الوثنيين الذين لم يكفوا في جنونهم ، فدعوا من ليسوا هم آلهة أنهم آلهة ، إذ جهلوا الرب المخلص 00 أنتما تعرفان كيف كنتُ أهرب من موضع إلى آخر ، متجنباً ثورة مضطهدييَّ 00

         وسط كل هذه الكوارث لم أكف ليل نهار عن الكتابة لقطيع الرب الذي أؤتمنت أنا الضعيف عليه ، وكنت أثبتهم في الإتحاد بالسيد المسيح 00

         كان قلبي يئن بغير إنقطاع متألماً ، لا يجد راحة ، وليس لي سـوى تفكيـري فـي تسليم هذا القطيع بين يديَّ القدرة الإلهيَّة 00

         أنتما تعلمـان أيضـاً كيف كنت قلقاً للغاية من جهة الأساقفـة المطوبين ” فيلاس ” و” هيثيخوس ” و ” باخوميوس ”  و ” ثيؤدورس ” الذين تقبلـوا دعوة الإستشهاد باستحقاق من قبل نعمة الله ، هؤلاء الذين إحتملوا مع بقية المعترفين عذابات كثيرة من أجل الإيمان بالسيد المسيح0 فإن هذا الصراع قد ضم لا كهنة فحسب ، بل علمانيين معروفين ومعلمين0 فكنت أخاف جداً لئلا يخوروا بسبب الضغـط المستمر فيكون إرتدادهم عثرة ويسبب جحداً للإيمان ، فقد وُجد معهم أكثر من ستمائة وستين نسمة مسجونين معهم في الحبس الداخلي 00 الأمر الذي يرعبني الحديث عنه0 وبالرغم مما كنت أعانيه من ضغوط وأتعاب كثيرة لم أكفُّ عن الكتابة إليهم ، أذكَّرهم بالعبارات النبوية ، وأحثهم على نوال إكليل الشهداء ، وذلك بقوة الوحي الإلهي0

         وعندما سمعت بمثابرتهم العظيمة ، وما بلغت إليه آلامهم من نهاية مجيدة ، سجدت حتى الأرض أُمجّد السيد المسيح وأشكره من أجل عطيته لهم من جهة قوة الإيمان وثباتهم في مسيحيتهم 00 وما هيأه لهم من أكاليل المجد والغلبة ، وقد توَّج بها رؤوسهم ، كما سألته أن يحسبني معهم 00

         ولماذا أتحدث عن ” ميلتيوس ” أسقف ليكوبوليس ؟! 00 أي إضطهادات ومكائد صبَّها ضدي 00 أنكم تعرفون ذلك جيداً 00 أنه لا يخشى تمزيق الكنيسة المقدَّسة التي فداها إبن الله بدمه الثمين 00 لم يكف ” ميلتيوس ” عن زج البعض في الحبس الداخلي ، وإلقاء الأحزان على كاهل الأساقفة القديسين ، حتى هؤلاء الذين منذ قليل إخترقوا السمـوات خلال الإستشهاد 00 أحذروا حيله المملؤة خداعاً 00

         إنكم ترون كيف سلكت بالمحبة الإلهيَّة ، مفضلاً بالحري أن أُتمّم إرادة الله فوق كل شئ 00 ولا أحسب حياتي الزمنية أثمن من نفسي 00 بالحري أشتهي أن أكمل سعيي الذي قدمني إليه ربي يسوع المسيح ، وبأمانة أرد إليه الخدمة التي تقبلتها منه0

         صليـا عني ياأخوتي ، فإنكما لن ترياني في هذا الحياة بعد 00

         إني أشهد أمام الله وأمامكم إني سلكت قدامكم بكل ضمير صالح ، فإني لم أمتنع عن أن أخبركم بأوامر الرب ولا رفضت أن أعلمكم بما سيكون ضرورياً لكم 00

         كونا حذرين وإهتموا بالقطيع الذي يقيمكم الروح القدس عليه بالتتابع أنت ياأبونا أرشيلاوس أولاً ، ثم أنت ياأبونا ألكسندروس من بعده0

أتوسل إليكما ، أنتما أحشائي أن تسهروا ، فإن شدائد كثيرة تلحق بكما ، فإننا لسنا أفضل من آبائنا 00 هل تجهلان بالحق بأبي ثاؤنا الأسقف المثلث القداسة الذي قام بتربيتي ، والذي تعهدت أن أكون أميناً على كرسيه الكهنوتي 00 نعمة الله التي حفظت هؤلاء جميعاً تحفظكما أنتما أيضاً 00 أستودعكم الله وكلمة نعمته القادرة أن تحفظكم وتحفظ قطيعه (95)0

         وبعد أن أنهى البابا حديثه مع تلميذيه جثى على ركبتيه وصلى معهما ، فقبَّل تلميذاه يديه ورجليه ، ثم عاد البابا إلى بقية القسوس والأراخنة فباركهم وصرفهم بسلام0

         وما أن عاد الوفد الكنسي إلى الكاتدرائية ، وإذ أريوس في إنتظارهم على أحر من الجمر ، يمني نفسه بكرسي مارمرقس ، وإذ رأى الوجوه واجمة ، وقد أشاح القسان أرشيلاوس وألكسندروس الوجه عنه ، وإستفسر عن الأمر ، فصُدم بالنتيجة وأصيب بخيبة أمل ، وأسرع بالإنصراف من الكاتدرائية يجر أذيال الخيبة ، واضعاً في نفسه أنه لن يكف عن عناده ، وسيدافع عن عقيدته للنفس الأخير0

(94)   قول للقديس أغطسينوس أورده القمص إيسوذورس البرموسي – البابا بطرس خاتم الشهداء ص 30 ، 31

(95)   راجع القمص تادرس يعقوب – البابا بطرس الأول خاتم الشهداء ص 28 – 34

 

وصار السجن سماء ف13 – كتاب البحار المغامر – حلمي القمص يعقوب

من الهيجان للنيران ف12 – كتاب البحار المغامر – حلمي القمص يعقوب

من الهيجان للنيران ف12 – كتاب البحار المغامر – حلمي القمص يعقوب

من الهيجان للنيران ف12 – كتاب البحار المغامر – حلمي القمص يعقوب

الفصل الثاني عشر : من الهيجان للنيران

         في 8 مايو سنة 311 م إحتفل الشعب المسيحي بالإسكندرية مع قداسة البابا بطرس في كنيسة بوليكاربا بعيد كاروز الديار المصرية ، فإزدحمت الكنيسة جداً ، وكأن الكنيسة تنعم بسلام تام بينما الإضطهاد على أشده 00 عجباً إن الإضطهاد لم يعد يُرهِب الإنسان المسيحي بل قد زاده شجاعة أضعافاً مضاعفة ، ولم يعد الموت مخيفاً يفرض سطوته وجبروته على أبناء النور ، إنما صار ضعيفاً ضعيفاً ، مطروحاً تحت أقدام الشهداء ، وقد فقد بريقه وبهت لونه0

         وتحدث ” قداسة البابا بطرس ” وأفاض عن حياة وكرازة وإستشهاد مار مرقس ، وإمتزجت كلماته بمشاعره الفياضة ، فأخذ يناجي ” مارمرقس ” ويشركه في الأحداث ويلتمس منه مضاعفة الصلوات ليرفع الله الإضطهاد عن شعبه ويقرر له سلامه ، وأحسَّ الشعب أن البابا وهو يحكي عن إستشهاد سلفه الأول يحكي وكأنه شاهد عيان للحدث لحظة بلحظة ، فعاش الشعب مع مارمرقس الذي كرز ليس بكلماته فقط ، بل بدمه أيضاً ، وما أقوى كرازة الدم ؟! 00 لقد علمنا ” مارمرقس ” بحياته وسيرته قبل أن يعلمنا بكلماته وتعاليمه 00 عاش الشعب ساعات القبض على مارمرقس ، وسحله في شوارع الإسكندرية في اليوم الأول والثاني ، وظهور السيد المسيح له المجد لـه ، كمـا أحسُّوا بمدى الصلة الوثيقة التي ربطت ” البابا بطرس ” بشفيعه ” مارمرقس الرسول ” ، ومدى لهفته على لقاء حبيبه ، وكأنه يقول له : ” أما آن الأوان لأستريح في أحضانك ياأبي وشفيعي ومعلمي ؟! ” 00 وأخذ يوصيه من أجل أرواح أولاده الشهداء الذي إنطلقوا من الربوع المصرية ألوف ألوف وربوات ربوات ، ويوصيه من أجل أسر الشهداء ، ومن أجل المعترفين ، ومن أجل الذين في السجون يستعدون للإستشهاد ، وكانت لكلمات البابا بطرس وقعها القوي على أذان الشعب السكندري فعاشت الكنيسة مشاعر الإستشهاد ، وقد زهدت هذه النفوس أهواء العالم وإغراءاته وشهواته ومجده العاطل الباطل0

         وفي المساء توفرت فرصة رائعة للأصدقاء في جلسة خاصة مع أبيهم الروحي البابا بطرس ، فهو المهتم بهم سواء في حضوره أو في غيابه ، ورسائل البابا لتلميذيه لم تنقطع طوال فترة غيابه عن كرسيه00 إطمئن البابا إلى أحوالهم وهو يعلم جيداً المشكلة الإيمانية التي يعاني منها ” ديمتري ” الذي لم يستطع أن يقبل الإيمان المسيحي للآن ، فهو ليس في بساطة أمه وأخواته اللواتي نلنَ سر العماد المقدَّس سريعاً ، وقرأ قداسة البابا فصل من رسالة معلمنـا بولس الرسول إلى أهل رومية ( رو 11 : 11 – 24 ) وأدرك ” أرشيلاوس ” و ” ألكسندروس ” أن البابا يريد أن يرفع من معنويات ” ديمتري ” الذي يشعر أحياناً بالدونية ، وتساءل قداسة البابا : ” ماذا يريد أن يقول لنا الرسول بولس ؟! “0

         وصمت الجميع العارف وغير العارف ، ففي حضرة قداسة البابا لا يتكلم إلاَّ من يُطلب منه الكلام بالإسم ، وعندما يتكلم لا يستفيض في الكلام ، فقط يذكر ما قل ودل ، فهذه هي أداب التلمذة في المسيحية ، وهكذا جيل يسلم جيل 00 بدأ قداسة البابا يشرح قصد الرسول قائلاً :

         ياأبنائي عندما بدأ الإيمان المسيحي في أورشليم ، إنتشر بين اليهود أولاً ، فكان معظـم المؤمنين في الكنيسة الأولى من اليهود ، وعندما إنتشر الإيمان بين الأمم ، فاق عدد الذين قبلوا الإيمان من الأمم إخوانهم من اليهود ، ولهذا كتب بولس الرسول للمؤمنين من أصل أممي مثلنا ، يدعوهم للتواضع وعدم التفاخر على اليهود ، لأن اليهود هم أصل شجرة الزيتون ، فهم الذين نالوا التبني والمجد والعهود والإشتراع والعبادة والمواعيد 0 ولهم الآباء ومنهم المسيح حسب الجسد الكائن على الكل إلهاً مباركاً إلى الأبد آمين( رو 9 : 4 ، 5 ) فالإنجيل يعلمنا أن لا نحتقر أحداً  00 ألم يكن رسل ربنا يسوع المسيح جميعهم من اليهود ؟! 0 فهم إذاً يمثلون شجرة الزيتون اللذيذة0 أما نحن الذين كنا قبلاً من الأمم فإننا نمثل شجرة برية بلا دسم ولا طعم ولا رائحة ، فماذا فعل رب الكرم ؟ 00

         أخذ أغصان هـذه الشجرة البرية وطعَّمها في شجرة الزيتون ، فهل تفتخر هذه الأغصان البرية على أصل الشجرة ، أقصد هل يفتخم الأمم على اليهود ؟ 00 كلاَّ 00 “ فإن كان قد قُطع بعض الأغصان وأنت زيتونة برّيَّة طُعمت فيها فصرت شريكاً في أصل الزيتونة ودسمها0 فلا تفتخر على الأغصان0 وإن إفتخرت فأنت لست تحمل الأصل بل الأصل إياك يحمل0 فستقول قطعت الأغصان لأُطعَّم أنا0 حسن0 من أجل عدم الإيمان قُطعتْ وأنت بالإيمان ثبتَّ0 لا تستكبر بل خف لأنه إن كان الله لم يشفق على الأغصان الطبيعية فلعله لا يشفق عليك أيضاً ” ( رو 11 : 17 – 21 )0

         لقد ضـرب ” قداسة البابا بطرس ” عصفورين بحجر واحد ، فإزداد تلميذيه إتضاعاً ومحبة لديمتري ، وديمتري ضربه قبله إذ وقف أمام الحقيقة ، إنه أصلاً غصناً في شجرة الزيتون الحيَّة اللذيذة ، ولكنه تعرَّض للقطع بسبب عدم الإيمان ، وما هو مصير غصن مقطوع سوى أن يجف ويُحرق بالنار ؟! 00 ولاحظ قداسة البابا مدى تأثر ديمتري العميق ، ولكن هذا واجبه في إنذار إبنه ، وأكمل البابا حديثه عن الرجاء الذي لنا في الله ، فهو رجاء من لا رجاء له ، معين من لا عون له ، عزاء صغيري القلوب ، ميناء الذين في العاصف ، فقال :

         إنظروا ياأولادي أن الخلاص ليس عملية منفردة يقوم بها الإنسان بمفرده ، إنما الله شريك أساسي في عملية الخلاص 00 هو المسئول الأول عن خلاصنا ، هو الذي سعى نحو خلاصنا ونحن في الوحل “ إن كنا ونحن أعداء قد صولحنا مع الله بموت إبنه فبالأولى كثيراً ونحن مصالحون نخلص بحياته ” ( رو 5 : 10 ) وإن لم تشمل المعونة الإلهيَّة الإنسان فلن يخلص ” ليس أحد يقدر أن يقول يسوع ربُُّ إلاَّ بالروح القدس ” ( 1كو 12 : 3 )0

         وهنا إستراحت روح ديمتري وهدأت نفسه ، وأخذ يلتمس من الله عبر صلوات سهمية قوية ، أن يعبر به هذه العثرة { يهوه يصير عبداً !! 00 يهوه يُشتم ويُضرب ويُهان ويُعرى ويُصلب ويموت !! } 00 وأخذ يلتمس من يهوه أن يعبر به من العقلانية المحضة إلى العقلانية التي تقبل عمل الإيمان0

ألكسندروس : ياأبي إن صورة المرأة السريانية زوجة سقراط وإبنيها فاليريوس وفاريانوس لا تفارق ذهني0

البابا بطرس : كم هم سعداء هؤلاء الشهداء في سماء المجد مع أمنا العذراء مريم وأرواح الشهداء والقديسين0

ميناس : سمعت عن زوجة سقراط وولديها 00 كنت أود أن أعرف شيئاً عن هؤلاء الشهداء الأطهار0

         وأمام إنشغالات البابا التي لا تنقطع ، قال لتلميذه :

ياليتك ياإرشيلاوس تحكي قصة هؤلاء الشهداء لميناس وديمتري ، فأنت كنت معايناً الأحداث منذ البداية 00

وبارك البابا الأصدقاء وإنصرف إلى مسئولياته الجسيمة في هذه الأيام العصيبة0

         وفي ركن من القلاية البطريركية أكمل الأصدقاء جلستهم الرائعة ، وكان على التلميذ أن يؤدي الواجب المكلَّف به من قِبل معلمه ، فجلس يحكي لميناس وديمتري ما كان من قصة المرأة السريانية ، بينما إنشغل ألكسندروس في بعض شئون الخدمة ( ولك ياصديقي أن تتأمل في هذه الخدمة الفردية التي كانت تشغل ذهن قداسة البابا )0

أرشيلاوس : في الصباح الباكر يوم أحد التناصير منذ نحو شهر أو أكثر جاءت إمرأة شابة سريانية معها طفلين جميلين ، وأخبرتني أنها جاءت من أنطاكية وتود لقاء البابا ، وعندما سألتها عن سبب اللقاء ، قالت : أريد من قداسة البابا أن يعمد طفليَّ ، فسألها عما إذا كان لها طلبات أخرى ، فأجابت بالنفي ، فطلبت منها الإنتظار ، فإن قداسة البابا سيعمد اليوم عدداً كبيراً من الأطفال في هذا الصباح المبارك ، وأخبرتها بأنها يمكن تقديم طفليها مع بقية الأطفال لتعميدهما0

         وجاء ” قداسة البابا بطرس ” مبكراً إلى هذه الكاتدرائية ، كاتدرائية العذراء مريم ذات الألف عمود ، وإستقبله الآباء الكهنة مع الشمامسة بالألحان ، فسجد قداسته بمهابة أمام الهيكل ثم إتجه نحو جرن لمعمودية في الجهة الشمالية الغربية من الكنيسة ، وبدأ يصلي على مياه المعمودية يستدعي روح الله القدوس ليقدّسها ويمنحها قوة الولادة الجديدة ، ولفت نظره إبني المرأة السريانية فهما في نحو الرابعة والخامسة من عمرهما ، وهمستُ في أذن قداسة البابا أخبره بأن أمهما جاءت من أنطاكية لعمادهما ، وصلى قداسة البابا صلاة التحليل للأمهات بما فيهن المرأة السريانية :

ياسيدنا نطلب ونتضرع إلى صلاحك عن إمائك هؤلاء اللاتي حفظن ناموسك ، وأكملن وصاياك ، وإشتهين أن يدخلن إلى موضع قدسك ، ويسجدن أمام هيكل قدسك ، مشتاقات إلى التناول من أسرارك المحيية 0 نسأل ونطلب إليك أيها الصالح محب البشر 0 بارك عبداتك وحاللهن وطهرهن 00 “

         وخلعت الأمهات ملابس أطفالهن ، وبدأ البابا يدهن كل منهم بزيت العظة :

أدهنك يافاليريوس باسم الآب والإبن والروح القدس الإله الواحد0 زيت عظه لفاليروس في كنيسة الله الواحدة المقدَّسة الجامعة الرسولية آمين “0

         ثم بدأ قداسة البابا يدهن قلبه ويديه وهو يصلي :

هذا الزيت يبطل كل مقاومة المضاد آمين “0

         والصلوات تتصاعد من الإكليروس والشعب 00 صلوات نقية حارة وقوية ، ولاسيما من مئات الأشخاص من أسر الشهداء الأبطال الذين لم يقدر الموت على أن يفصل أحد منهم عن الكنيسة 00 الكنيسة أم الشهداء أم ولود 00 إنها سماء ، وما أجملها من سماء !! 00 عشرات من الأطفال المسيحيين ، وعشرات من الرجال الموعوظين والسيدات الموعوظات الذين تركوا عبادة الأوثان ، وقبلوا الإيمان المسيحي ، اليوم ينالون الصبغة المقدَّسة ، وينضمون لشعب الله المقدَّس ، وهوذا لحظات وتسجل أسماؤهم في سجل الملكوت ، ونظرتُ للمرأة السريانية فإذ وجهها يفيض بالتهليل والحبور وقلبها يرقص فرحاً وتنصت بمخافة للصلوات المقدَّسة أثناء الدهن بزيت العظه :

أنت دعوت عبيدك بإسمك القدوس المبارك0 أكتب أسماؤهم في كتابك وأحسبهم مع شعبك وخائفيك 00 أنت الذي دعوت عبيدك هؤلاء الداخلين من الظلمة إلى النور ، ومن الموت إلى الحياة ، ومن الضلالة إلى معرفة الحق ، ومن عبادة الأوثان إلى معرفتك ياالله الحقيقي 00 “

         ووقفت الأمهات يحملن أطفالهن على أياديهن اليسرى يتجهن للغرب ، ويتبعهن الرجال الموعوظين والسيدات الموعوظات يرفعن أيضاً أياديهن اليسرى ، وكلهم يجحدون الشيطان ويرددون وراء قداسة البابا :

أجحدك أيها الشيطان 00 وكل أعمالك النجسة 00 وكل جنودك الشريرة 00 وكل شياطينك الرديئة 00 وكل قوتك 00 وكل عبادتك المرذولة 00 وكل حيلك الرديئة والمضلة 00 وكل جيشك 00 وكل سلطانك 00 وكل بقية نفاقك 00 أجحدك 00 أجحدك 00 أجحدك

         ونفخ ” قداسة البابا ” في وجه كل واحد منهم ثلاث مرات وهو يقول :

أخرج أيها الروح النجس

         ثم إتجهت الأمهات حاملات أطفالهن للشرق يرفعن أيديهن اليمنى ، ويعترفون الإعتراف الحسن ، ويرددون وراء قداسة البابا بطرس :

أعترف لك أيها المسيح إلهي 00 وبكل نواميسك المخلصة 00 وكل خدمتك المحيية 00 وكل أعمالك المعطية الحياة 00 أؤمن بإله واحد الله الآب ضابط الكل 00 وإبنه الوحيد يسوع المسيح ربنا 00 والروح القدس المحيي 00 وقيامة الجسد 00 والكنيسة الواحدة الوحيدة المقدَّسة الجامعة الرسولية آمين

         وأخذ البابا يسأل كل أم : ” هل أمنتِ على هذا الطفل ؟ “

ويسأل كل موعوظ ، وكل موعوظة : ” هل آمنت ” 00

وتأتي الإجابة ” آمنتُ “0

         وأمسك قداسة البابا بزيت الغاليلاون وأخذ يرسم قلب وذراعي كل طفل قائلاً :

أدهنك يافاريانوس بدهن الفرح ، مضاداً لكل أفعال المضاد لتُغرَس في شجرة الزيتون اللذيذة ، كنيسة الله المقدَّسة “0

         وبدأ قداسة البابا يتابع الصلوات وقرأ الشمامسة الرسائل البولس والكاثوليكون والإبركسيس ورتلوا المزمور والإنجيل ، وبدأ قداس المعمودية ، ونفخ البابا في ماء الحميم ثلاث مرات قائلاً :

قدس هذا الماء وهذا الزيت ليكونا لحميم الميلاد الجديد0 آمين 00 حياة أبدية 0 آمين 00 لباس غير فاسد0 آمين 00 لأن إبنك الوحيد ربنا يسوع المسيح الذي نزل إلى الأردن وطهره شهد قائلاً : إن لم يولد أحد من الماء والروح لا يستطيع أن يدخل ملكوت الله0 وأيضاً أمر تلاميذه القديسين ورسله الأطهار قائلاً : أذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم 00 إلخ “0

         وجاء في الصلوات أحداث عبور بني إسرائيل إلى البحر الأحمر ، وتفجير الماء من صخرة صماء ، وذبيحة إيليا ، وشفاء نعمان السرياني بنزوله في نهر الأردن0 وإنتهى قداس المعمودية بالتسبيح بالمزمور150 00

         لقد أطال ” أرشيلاوس ” في الحديث علـى طقس المعمودية عـن قصد ، وهو تشويق ” ديمتري ” لليوم الذي سيُعمد فيه ، وليكن متفهماً كل خطوة ستتم في الطقس ، ثم أكمل ” أرشيلاوس ” حديثه قائلاً :

         وبدأ ” قداسة البابا بطرس ” في تعميد الأطفال ، فأمسك بفاليريوس وإذ بأمر عجيب يحدث ، لم يحدث من قبل ، ولا أظن أنه سيحدث فيما بعد 00 لقد إنثنيتا رجلي فاليريوس ، ولم تنفذ قدماه الصغيرتان في الماء ، لأن الماء صار مثل الثلج ، ووقفنا جميعاً مشدوهين ، وقداسة البابا بفطنة ترك فاليريوس وأخذ طفل آخر وغطسه في الماء ، فإذ بالماء ينحل ويعود إلى طبيعته الأولى ، ثم أمسك بفاريانوس ليغطسه ، وإذ بالماء يصير مصمداً كالثلج ، فتركه وأمسك بطفلة أخرى فعمدها 00 فأدرك أن هناك سر تخفيه هذه المرأة السريانية ، فطلب منها أن تنتظره بعد القداس0

         وبعد إنتهاء صلوات القداس الإلهي ، وتناول المعمدين الجدد مع بقية الشعب من الأسرار المقدَّسة ، ولم تجرؤ هذه المرأة السريانية على الإقتراب من الأسرار المقدَّسة لا هي ولا إبنيها فاليريوس وفاريانوس ، وزفَّ الشمامسة المعمدين وإرتسمت البسمة على كنيسـة متألمة جريحة0 ثم إستدعى البابا هذه السيدة وسألها : ” ما هي حكايتك ياإبنتي ؟ أشعر أن هناك سراً وراء قصتك “0

أما هي فسجدت أمامه بمهابة وقالت : سامحني ياسيدي وحاللني 00 أنا إمرأة مسيحية ، وزوجي سقراط يعمل في البلاط الملكي 00

بالرغم من أنه كان صديقاً للشهيد العظيم أبادير وإيرائي أخته ، إلاَّ أنه ضعف وأنكر الإيمان 00 أردت أن أعمد طفليَّ في أنطاكية فلم أتمكن بسبب الإضطهاد الشديد الذي يسود مدينتنا 00 طلبت من زوجي أن نأتي إلى الإسكندرية فأخبرني أن للملك عيون في كل مكان 00 وفي أحد الأيام أخذت طفليَّ وإتجهت إلى شاطئ البحر ، لا أعرف ماذا أفعل ، ولا أين وجهتي ، فقط كنت أصلي وأطلب من إلهي أن يرشدني ، وإذ ترامى إلى أذاني أن هناك مركباً ستقلع حالاً إلى الإسكندرية ، وعلى الفور إستأذنت ربانها ودفعت أجرتي وإستقليت المركب مع طفليَّ دون أن أخبر أحداً 0

         وعندما دخلت السفينة للإعماق وقطعت مسافات طويلة ، وإذ بنوء قوي وهيجان عظيم يحدث ، وإذ المركب تتأرجح وكأنها لعبة صغيرة 00

إحتضنت إبنيَّ وصرت في هلع عظيم وصرخت :

ياإلهي العارف بأعماق قلبي 00 أنت تعلم أني لا أهاب ولا أرهب الموت ، لكنني أرتعب من أجل إبني ” فاليريوس ” و ” فاريانوس ” لأنهما لم ينالا العماد بعد00 هوذا اليمُّ يبتلعنا ولجج البحر تغطينا 00 ياإلهي أنت تعلم أنني من أجلهما تركت زوجي وبيتي وبلدي 00 فهلا يهلكان ؟! 00 أرجوك أرشدني ماذا أفعل “0

  وإذ بي آخذ طفليَّ وأغطسهما في الماء ثلاث مرات باسم الثالوث القدوس ، وإذ بي أجرح ثديي وأرشم بدمي ولديَّ 00 وإذ بثورة الأمواج تهدأ ، ويكف البحر عن هيجانه ، وعاد للجو صفائه وجماله ، وسارت السفينة في سلام0 وفي اليوم الثالث من إبحارنا لمحنا ألسنة اللهب تتصاعد من الفنار كشمعة مضيئة في حجرة مظلمة تدعونا إلى النور ، ورويداً رويداً بدأ يتكشف لنا الفنار العظيم ، ورويداً رويداً مع أول ضوء الفجر ظهرت أبنية الإسكندرية وكأنها علب صغيرة تكبر وتتضح معالمها كلما إقتربنا منها ، ورويداً رويداً دخلتْ السفينة إلى الميناء ، فتركتها سريعاً وجئتُ إلى هذه الكنيسة0

فقال ” قداسة البابا بطرس ” : ليتشدد قلبك ياإبنتي 00 لا تخافي فإن الرب معك 00 في الوقت الذي جرحتِ ثديكِ ورشمتي إبنيك بدمك ، فإن الله الكلمة المتجسد صلَّب بيده الإلهيَّة على ولديك وهو الذي عمدهما 00 حقاً ياإبنتي أن المعمودية واحدة ، وقد أحتسبت السماء معموديتك لإبنيكِ في وقت الخطر صحيحة ، فهكذا علمنا الإنجيل وعلمتنا الكنيسة ” رب واحد0 إيمان واحد 0 معمودية واحدة ” ( أف 4 : 5 )0

         فـي جرن المعمودية       زي الحجر صارت المية

         الصبغة واحدة بإيمان      مثال صليب الديـــان

         وأمسك ” قداسة البابا بطرس ” بقارورة زيت الميرون المقدَّس ليتمم سر التثبيت لفاليريوس وفاريانوس ، وإذ بيد البابا تستضئ بنور سماوي ، فإن حمامة نورانية ، أو قل أن النور إتخذ شكل حمامة ظهرت أعلى قارورة الميرون 00 حقاً إن سر الميرون هو سر حلول الروح القدس داخل الإنسان المولود ولادة جديدة من الماء والروح ، وقال ” قداسة البابا ” للمرأة السريانية :

إن ” فاليريوس ” و ” فاريانوس ” سيكون لهما شأناً عظيماً ومستقبلاً باهراً

فقالت المرأة المباركة : ” بصلواتك ياسيدنا “0

         وأردف ” أرشيلاوس ” قائلاً : ” وفعلاً تحققت نبؤة ” قداسة البابا بطرس ” إذ صار لإبني سقراط وأمهما شأناً عظيماً ومستقبلاً باهراً في ملكوت السموات 00 كيف ؟ 00 هذا ما سنراه بعد قليل0

         وبعد أن رشم ” قداسة البابا بطرس ” الأخين ، كل منهما 36 رشمة ، ثمانية رشومات للرأس ، وفتحتي الأنف ، والفم ، والعينين ، والأذنين ، وهو يصلي : ” باسم الآب والإبن والروح القدس مسحة نعمة الروح القدس آمين ” ، ثم أربعة رشومات للقلب والسرة والظهر وهو يصلي : ” مسحة عربون لملكوت السموات آمين ” ، ثم ستة رشومات لكل يد ، وهو يصلي : ” دهن شركة الحياة الأبدية غير المائتة آمين 00 مسحة مقدَّسة للمسيح إلهنا ، وخاتم لا ينحل آمين ” ، وأخيراً ستة رشومات لكل رجل ، وهو يصلي : ” كمال نعمة الروح القدس ، وزرع الإيمان والحق آمين 00 أدهنك يافاليريوس بدهن مقدَّس باسم الآب والإبن والروح القدس آمين “0

         ثم وضع ” قداسة البابا ” يده على رأسيهما ، وهو يصلي : ” تكونان مباركان ببركات السمائيين ، وبركات الملائكة ، يباركما الرب يسوع ” ونفخ في وجهيهما : ” إقبلا الروح القدس ، وكونا إناءً طاهراً من قبل يسوع المسيح ربنا ” 0 ثم ألبس قداسة البابا كل منهما زناراً ( شريط أحمر ) مثال الصليب ، ووضع على رأس كل منهما إكليلاً ، فلا يوجد إكليل بدون صليب ، ولا صليب بدون إكليل0

         وأكمل ” قداسة البابا بطرس ” الصلوات :

بالمجد والكرامة كللهما 00 الآب يبارك ، والإبن يكلل 00 والروح القدس يقدس 00 إقبلا يافاليريوس وفاريانوس الروح القدس ، يامن نلت الصبغة المقدَّسة 00 إقبلا يافاليريوس وفاريانوس روح الله الذي يملأك من المسرة 00 إقبلا يافاليريوس وفاريانوس الروح المعزي والبركة السمائية من قبل مسحة الميرون المقدس أيها الطفل المبارك 00 لقد صرتما يافاليريوس وفاريانوس مسكناً للروح القدس ” وعقب كل مقطع كان الشمامسة يرتلون : ” أكسيوس 00 أكسيوس 00 أكسيوس “0

         ثم أوصى ” قداسة البابا ” المرأة السريانية :

فالآن 00 إعلمي أنك تسلمتي ولديكِ من المعمودية المقدَّسة الطاهرة الروحانية 00 إجتهدي في تعليمهما الكتب المقدَّسة وملازمة الكنيسة باكر وعشية ، وصومي يومي الأربعاء والجمعة والأربعين المقدَّسة وكل الأصوام ، ولا تمكنيهما من المضي إلى الأماكن غيـر المرضيـة كي يحرسهما الرب من التجارب الشيطانية 0 إزرعي فيهما الخصال الجميلة 00 إزرعي فيهما البر والتسبيح 00 إزرعي فيهما الطهارة 00 إزرعي فيهما الطاعة والمحبة والقداسة 00 إزرعي فيهما الرحمة والصدقة والعدل 00 إزرعي فيهما التقوى والصبر والصلاح 00 إزرعي فيهما الصدق وكل عمـل صالح يرضي الله به0 لكي بهذا تحيا نفوسكم ويحيا إبنيكِ “0

         ثم أكمل ” أرشيلاوس ” حديثه : وبعد ذلك وضع قداسة البابا ميمراً عن مراحم الله التي تتنازل لمستوى الإنسان ، وبدأ الميمر بقوله : ” أن الله هو الذي يُنزل رأفته على الناس 00 “0

وأمضت هذه المرأة السريانية وطفليها عدة أيام في ضيافة قداسة البابا ، فتذوَّقوا الأبوة والمحبة الغامرة في شخص قداسة البابا بطرس ، فقد أعطاهم من رعايته وعنايته ووقته ما أشبع قلوبهم العطشى ، وسمعت المرأة السريانية الكثير والكثير من قصص الشهداء الأبطال المعاصرين ، فإشتاقت لإكليل الشهادة ، وأخذت تتصوَّر نفسها مع طفليها لو أن الله قبلهم وحسبهم من مصاف الشهداء 00 فكم ستكون سعادتهم !! 00 وخلال هذه الفترة صارت صداقة قوية بيـن أخـي ” ألكسنـدروس ” وبيـن ” فاليريوس ” و ” فاريانوس ” ، فالحقيقة أن عقليهما أكبر بكثير من عمريهما 00

وبعد عودة هذه المرأة وطفليها إلى أنطاكية حدث أمر مرعب أدمى قلوبنا 00 لقد ظل أخي ” ألكسندروس ” أياماً تفيض دموعه بلا توقف 00 فقد سمعنا أن سقراط الرجل قاسي القلب ، زوج المرأة السريانية عندما عاد ذات يوم إلى بيته فوجد زوجته وإبنيه قد عادوا من السفر ، أطلق ضحكته الساخرة ، وصاح في زوجته : أين كنتِ ياسيدة نساء أنطاكية ؟ 00 ولم ينتظر إجابة لأنه يعلم أين كانت ؟ ولماذا ؟ 00 صفعها بكل قوته ، فاختل توازنها من هذه الصفعة الشيطانية ، ولكنها إستطاعت أن تدير خدها الآخر ، فصرخ وكأن به مس من الشيطان : أتريدين أن تحرقيني بتنفيذ وصية إلهك ؟!

وترك سقراط بيته سريعاً وهرول نحو قصر الملك ، وشكى للملك من زوجته ، وسريعاً ما أحضرها الجند لتمتثل أمام الملك0

الملك : أيتها المرأة المستحقة الموت 00 لماذا تركتِ زوجك وسعيتِ إلى الإسكندرية ، وزنيتِ مع المسيحيين ؟

الزوجة : إن المسحيين إناس أطهار قديسون لا يزنون ولا يعبدون أوثاناً ، بل أنهم لا ينظرون مجرد نظرة شريرة0

الملك :  ولماذا لا تزعنين لزوجك ؟! 00 ألم يوصيكِ إلهكِ بالخضوع له وطاعته ؟

الزوجة :  إنني أطيع زوجي فيما لا يخالف شريعة إلهي ، لأنه ” ينبغي أن يُطاع الله أكثر من الناس “0

الملك :  إننـي أتعجب 00 كيف تعبدون رجلاً ضعيفاً صُلب عرياناً ؟

الزوجة :  إنه ليس مجرد رجل ، إنما هو الله الخالق العظيم الذي تجسَّد وتأنس من أجل خلاصنا من الموت الأبدي الذي تسلط علينا 00 وإن كان صُلب عرياناً فلكيما يكسونا ، وإن كان صُلب ومات وقُبر ، فإنه إنتصر على الموت وقام من بين الأموات0

         ودار الجدل بين الملك وهذه المرأة الفاضلة المباركة التي أظهرت شجاعة فائقة ، فشعر بضعف حجته ، فأصدر أمره القاسي : ” لتُحرق هي وإبنيها “0

وتنفست الأم القديسة الصعداء وكأنها وصلت إلى مبتغاها الذي تصبو إليه ، وإستضاء وجهها بنور سماوي رائع0

وفي ساحة الإستشهاد كان إستعلان شجاعة الشجعان ، إذ شد الجنود زراعي الأم خلف ظهرها ، وربطوا إبنيها على بطنها ووضعوا عليهما الحطب والأخشاب0

فاليريوس : أماه 00 أماه 00 أنظري 00 هوذا السماء مفتوحة 00 ما أكثر الجنود القادمين إلينا من العلاء 00

الأم : إنهم جيوش الملائكة والقديسين 00 إنها المعونة السماوية التي حدثنا عنها من قبل الأخ ” ألكسندروس “0

فاريانوس : ومن هذه الملكة المنيرة التي في وسطهم ياإماه ؟

الأم : السلام لكِ ياعذراء 0 السلام لك ياأم النور0 إطلبي من إبنك ليغفر لنا خطايانا ويقبلنا إليه في ملكوته0

         وسريعاً ما أشعل أحد الجنود النيران فارتفعت ألسنة اللهب عالية ، فالوقود ليس مجرد حطب وأخشاب ، إنما أجساد بشرية0

وسريعاً ما أسلم الأبطال أرواحهم ، وسُمع في الآفاق صوت شجي لموسيقى سمائية 00 إنها تسابيح الملائكة التي حملت أرواح الشهداء الأبطال نحو دهور النور 00 بركة هؤلاء الشهداء تكون معنا0

         وهنا جاء ” ألكسندروس ” وإذ أدرك أنهم كانوا يتحدثون عن ” فاليريوس ” و ” فاريانوس ” وأمهما فاضت عيناه بالدموع من جديد0

         وتنهد ” ديمتري ” قائلاً : كثيرون ينالون أكاليل الشهادة ، وأنا أشتهي المعمودية ولا أجدها !!

أرشيلاوس : المعمودية قريبة منك جداً ياديمتري 00 ثق أنه في الوقت المناسب ستصطبغ بالصبغة المقدَّسة0

ميناس : هل سمعتم عن إصرار قداسة البابا على عدم الإستجابة لمطالب الشعب ؟

ألكسندروس : نعم 00 دائماً ترى بابانا الحبيب جالساً على درجات كرسي مارمرقس ، وعندما صاح الشعب : ” أجلس على العرش الذي رُسِمت عليه يارئيس الأساقفة ” 00 أومأ للشعب فعاد للهدوء ، وبعد إنتهاء الخدمة عاتب ” قداسة البابا بطرس ” الآباء الكهنة :

أما تخجلون أنكم تشتركون مع الشعب في صرخاتهم توبخونني ؟!

ومع هذا ، فإنني أعلم أن مشاعركم لم تصدر من عاطفة الزهو المفسد ، إنما من ينابيع الحب الخالص ، لذلك أكشف لكم سر هذا الأمر 00

إنني كلما فكرت في الإقتراب من الكرسي أرى قوة الله حالة على هذا العرش ببهاء عظيم ، فتنتابني مشاعر الفرح والخوف ، وأدرك أنني غير مستحق على الإطلاق للجلوس على هذا الكرسي ، ولولا تخوفي من عثرة الشعب فإنني بلاشك ما كنت أجسر على الجلوس على سلم الكرسي نفسه

من الهيجان للنيران ف12 – كتاب البحار المغامر – حلمي القمص يعقوب

الأسقف المحب لذاته ف11 – كتاب البحار المغامر – حلمي القمص يعقوب

الأسقف المحب لذاته ف11 – كتاب البحار المغامر – حلمي القمص يعقوب

الأسقف المحب لذاته ف11 – كتاب البحار المغامر – حلمي القمص يعقوب

 

 

 

الفصل الحادي عشر : الأسقف المُحب لذاته

 

         مرت أيام الإضطهاد بطيئة متثاقلة ، وفي أواخر ديسمبر سنة 309م إلتقى الأصدقاء بدون سابق ميعاد في مزار ” البابا ثاؤنا ” فكل منهم ذهب يلتمس صلواته من أجل بعض الأمور ، ولكن العامل المشترك بينهم هو طلبهم صلوات هذا البستاني الأمين من أجل البستان الذي يعاني من متاعب شتى من الخارج والداخل ، وتعزى الأصدقاء بصلواتهم التي تصاعدت إلى السماء كبخور عطر الرائحة ، وشعروا بأن روح أبيهـم ثاؤنا الذي أحبهم ترفرف حولهم ، فجلسوا في هذا المكان الهادئ بعيداً عن أعين الكل ودار الحديث بينهم حول مشكلة أسقف ليكوبوليس ( أسيوط ) الذي صنع إنشقاقاً في الكنيسة 0

أرشيلاوس : ما يحز في نفسي أن أبائنا الأساقفة الأجلاء في غياهب السجون يشهدون للمسيح بقوة ، و ” قداسة البابا ” عاد من أرض فلسطين لكنه غائب عن كرسيه ، لأنه يتفقد أولاده في شتى المديريات ، ويشد من أزرهم ضد إضطهاد غاشم قاسٍ ، فيشجعهم البابا علـى التمسك بالإيمان المسيحي حتى الدم وحتى النفس الأخير ، واضعاً نصب أعينهم قول مخلصنا الصالح ” كن أميناً إلى الموت فسأعطيك إكليل الحياة ” ( رؤ 2 : 10 )0 أما ” ميليتوس ” أسقف ليكوبوليس الذي ضعف أمام الإضطهاد وبخـر للأوثـان خوفـاً من الموت ، عندما أوقع عليه ” قداسة البابا بطرس ” عقوبة التأديب رفض ، بل أنه إنتهز فرصة غياب الآباء الأساقفة عن كراسيهم وأخذ يرسم أساقفة وقسوس في إيبارشياتهم0

ميناس : الأمر العجيب أنك دائماً تجد صوت الباطل هو الأعلى ، فكثيرون يشايعون ميلتيوس ، وإلتف حوله كثير من الإكليروس والرهبان والشعب بسبب شعبيته الكبيرة 00 إنني في منتهى الألم من أجل أمي الكنيسة المتألمة 00 إضطهادات من الخارج ، ونفوس تخور في الطريق ويتزعزع إيمانها ، وإنقسامات من الداخل بسبب محبة ميلتيوس لذاته ، وبدع أريوسية ترعى في الشعب00

ديمتري : سمعت أن مشايعي مليتوس يلتمسون له العذر في هذه السيامات ، لأنه أقنعهم بأن هذه الإيبارشيات التي غاب أساقفتها عنها في حاجة للرعاية الروحية ، ولذلك إضطر لهذه السيامات في هذه الظروف الإستثنائية غيرةً منه على خلاص النفوس ومجد الخدمة0

ألكسندروس : هذا لا يمنع أن ما يفعله ميلتيوس ضد تقاليد الآباء وقوانين الآباء الرسل ، التي تمنع تدخل أسقف في شئون إيبارشية غير إيبارشيته0

أرشيلاوس : إن قساوة القلب تمادت في نفس ميليتوس فلم تردعه الرسالة المؤثرة جداً التي أرسلها الآباء الأساقفة وهم في سجنهم0

ديمتري : كنت أتمنى أن أطلع على هذه الرسالة التي كُتبت في غياهب السجن0

أرشيلاوس : معي صورة من هذه الرسالة ، إحتفظت بها على سبيل البركة 0

ديمتري : هل تقرأها لنا ؟

أرشيلاوس : ” من ” هيتيخوس ” و “باخوميوس ” و ” ثيؤدوسيوس ” و ” فيلاس ” إلـى ” ميليتوس ” المحبوب وشريكنا الخادم في الرب 0 التحية0

في بساطة الذهن نخبركم أنه قد نمى إلى علمنا عنك إشاعات لا تُصدَق ، فقد أخبرنا زائرون عن بعض المحاولات0 لا بل والأعمال التي تصـدر عنك ، غريبة عن النظام الإلهي والكنسي ، هذه التي لم نكن نود تصديقها من أجل ما حملته هذه التصرفات من تهور شديد وطياشة 00 إننا لا نستطيع أن نعبر عن مدى الضيق والحزن اللذين حلا بنا كجماعة وأفراد عند سماعنا بالسيامات التي قمتَ بها في إيبارشيات ليست تحت سلطانك0

00 إنه يوجد قانون الآباء والأجداد ، إننا لا نجهله ، مؤسَّساً على أساس إلهي وكنسي 00 إنه لا يجوز للأسقف أن يقوم بالسيامة في غير إيبارشيته 00 هذا القانون الذي تسلمناه له حكمته وأهميته القصوى :

1- لكي يكون سلوك المرشحين للسيامة وحياتهم ممحصة بعناية فائقة0

2- منعاً من حدوث أي إرتباك أو إضطراب ، فكل منا لديه من الأعمال الخاصة بتدبير إيبارشيته ما يكفيه ، عليه أن يسعى باجتهاد باحثاً بعناية فائقة وإهتمام شديد ليجد خداماً مناسبين من بين الذين عاش في وسطهم كل حياته ، وتدربوا على يديه0

أما أنت فلم تعطِ إعتبارات لهذه الأمور ، ولا تطلعت إلى المستقبل ، ولا إلى شريعة آباءنا الطوباويين التي تسلموها من السيد المسيح بالتتابع ، ولا إلى كرامة أسقفنا العظيم وأبينا ( البابا ) بطرس الذي نضع فيه جميعاً الرجاء الذي لنا من الرب يسوع المسيح ، ولا ترفقت بنا من أجل حبسنا في السجن ، وما يحل بنا من ضغوط وضيقات ، تاركين كل شئ دفعة واحدة0

ربما تقول : إني صنعت هذا لأحافظ على كثيرين بعدما إرتد الكثيرون عن الإيمان ، وصارت القطعان في عوزٍ ، وهي متروكة بلا راعٍ0

لكن الأمر بكل تأكيد ليس هكذا ، ولا هم في عوزٍ شديد :

  • فإن كثيرين ( من الرعـاة ) يفتقدوزنهــم كزائريـــن ( للأيبارشية ) 0
  • إن وُجِد شئ من الإهمال نحوهم فكان يليق إستخدام الطريق السليم في شكاوي الشعب العاجلة ، أما نحن فنعمل ما في وسعنا نحوهم0

إنك قد أملت أذنك بمبالغة لخداعات البعض وكلماتهم الباطلة ، وصنعت تعديات متمماً السيامات خلسة ، فلو أن الذين معك قد ألزموك بحق أن تفعل ذلك ، وفي جهلهم أساءوا للنظام الكنسي ، كان من واجبك أن تسلك حسب النظام وتكتب إلينا ليكون تصرفك لائقاً0

إن كان البعض قد حرضك لكي تصدقهم أكثر منا 00 فإننا نقول لك بأنه كان يلزمك أن تستشير الأب الأول ( بطرس ) وتأخذ منه تصريحاً0

إن عدم مبالاتك بهذا كله ، تاركاً العنان لنفسك في تكهنات كثيرة ، متجاهلاً كل إعتبار لنا 00 خلقت إنقسامات بتصرفاتك التي لا مبرر لها ، معطياً لنفسـك حــق السيامات ، الأمر الذي أحزن الكثيرين 00 ” (90)0

ألكسندروس : إن هذه الرسالة المؤثرة التي حملت روح الحب والرجاء الحار لميلتيوس لم تؤثر فيه ، ولم يسعَ للقاء البابا بطرس لتصحيح الأخطاء التي سقط فيها ، إنما تمادى في غيه ، حتى أنه جاء إلـى مدينتنا وصار يتصرف كيفما يشاء ، ويقيم أساقفة وقسوس ، وكأنه الأسقف البديل الشرعي في غياب قداسة البابا ، ولم يحترم غيبة البابا ، ولهذا كتب ” قداسة البابا بطرس ” للآباء الأساقفة :

من بطرس إلى أخوته المحبوبين ، المتأسسين في الإيمان بالله ، سلام من الرب0

لقد جاءت تصرفات مليتوس ضد المصلحة العامة تماماً ، إذ لم يقتنع برسالة الأساقفة القديسين الشهداء ، بل إقتحم إيبارشيتي عاملاً بذلك على سحب الكهنة والموكلين بخدمة الفقراء من طوعي ، مؤكداً رغبته في الرئاسة ، بسيامة كهنة في السجن يكونون تابعين له0

إحذروه ، ولا تدخلوا معه في شركة حتى ألتقي به في صحبة بعض الحكماء المتزنين المتعقلين ونرى ما يصبوا إليه 0 وداعاً(91)0

أرشيلاوس : ولا ننسى أن ” قداسة البابا بطرس ” عقد مجمعاً مع بعض الآباء الأساقفة ، وحكم المجمع بتجريد ” ميليتوس ” من رتبة الأسقفية ، ولكن كما هو متوقع لم يلتزم ميليتوس بقرار المجمع ، ولا كفَّ عن تصرفاته ، فقد سام حتى الآن أكثر من خمسة وعشرين أسقفاً ومئات من الآباء الكهنة0

ميناس : عندما أظهر بابانا الحبيب تعاطفه مع الذين ضعفوا في الإضطهاد الشرس وتزعزع إيمانهم ، أخذ ميلتيوس يشيع أن الذي تعمدوا وإستناروا وسقطوا لا يمكن تجديدهم0

أرشيلاوس : لقد أوضح قداسة البابا معنى قول الإنجيل ” لأن الذين إستُنيروا مرة وذاقوا الموهبة السماوية وصاروا شركاء الروح القدس0 وذاقوا كلمة الله الصالحة وقوات الدهر الآتي0 وسقطوا لا يمكن تجديدهم أيضاً للتوبة ” ( عب 5 : 4 – 6 ) فالإنجيل لم يقصد أن الذين جحدوا الإيمان تُرفض توبتهم لأنهم جنود خونة جبناء كقول ميليتوس ، إنما الإنجيل أوضح أن هؤلاء لا يمكن تجديدهم ، أي لا يمكن أن تعاد معموديتهم ، لأن المعمودية تتم مرة واحدة على مثال موت السيد المسيح الذي مات مرة واحدة وقام 00 إن ” ميليتوس ” لـم يشفق على تلك النفوس التي خارت في الطريق ، أما البابا بطرس فراح يقوي ويشجع تلك النفوس الخائرة على إستكمال المسيرة والمشوار في درب الصليب والملكوت 00 فهو تعلَّم من سيده أن فتيلة مدخنة لا يطفئ وقصبة مرضوضة لا يقصف0

ألكسندروس : لقد ثبت كثيـر من المسيحيين أمام الإضطهادات المرة ، ولكن البعض تزعزع إيمانه 00 كتب أحدهم : ” أمام هذه الحملة الغاشمة تزعزع ثبات بعض المسيحيين ، فشاركوا في التضحيات الوثنية إتقاء للعذاب0 وقد كان مسلك هؤلاء موضع خلاف كبير بين المسيحيين فيما يتعلق بتوبتهم بعد ذلك0 ولكن بعضاً آخر من الرجال والنساء واجه الإضطهاد بثبات ، وتحمل العذاب المرير من ضرب بالعصي وسحل للعين وجر فوق حصى الشوارع إلى خارج المدينة(92)0

         وبينما رأى البعض مثل ” ميلتيوس ” أن توبة هؤلاء الذين أنكروا الإيان وضحوا للأوثان لا تُقبل ، ورأى البعض يجب إعادة معموديتهم ، فإن ” قداسة البابا بطرس ” أوضح أن لا هذا الرأي ولا ذاك يتفق مع مبادئ الإنجيل الذي يعلمنا أن الخطية الوحيدة التي لا تُغفر هي التجديف على الروح القدس أي عدم التوبة ، كما يعلمنا الإنجيل أن المعمودية واحدة لأنها شركة مع المسيح في موته وقيامته ، والسيد المسيح مات مرة واحدة لا أكثر ، ولما قرب عيد القيامة ( سنة 306م ) تقدم كثير من الذين جحدوا الإيمان إلى البابا بدموع وإلحاح يطلبون منه أن يحلهم من خطيتهم ويقبلهم في الكنيسة المقدَّسة وفي محبته الأبويَّة0

         فوضع ” قداسة البابا بطرس ” عدة قوانين تعالج توبة هؤلاء الراجعين إلى حظيرة الإيمان :

  • جميـع الذين زلُّوا في بداءة الإضطهاد لشدة ما قاسوه من العذاب ، ثم أظهروا توبة وندامة في أثناء الثلاث سنوات الماضية يجوز قبولهم في الكنيسة في يوم العيد الآتي ، وذلك بعد أن يصوموا أربعين يوماً صوماً عنيفاً0
  • جميع الذين عثروا في إيمانهم لداعي سجنهم فقط دون أن يُعذبوا عذاباً شديداً ، يجب أن تعطى لهم سنة كاملة فيها يُظهرون التوبة الحقيقية قبل قبولهم في حضن الكنيسة0
  • كل الذي إرتدوا عن الإيمان لمجرد الخوف والوهم فقط ولم يذوقوا عذاباً تعطى لهم أربع سنوات ليبرهنوا فيها على التوبة والندامة0
  • جميع الذين إرتدوا ولم يعودوا يطلبون التوبة والإنضمام إلى الكنيسة فلا يوجد قانون لهم بل حرى بالكنيسة أن تبكيهم وترثى لحالهم0
  • الذين نجوا من العذاب أو الموت لتظاهرهم بالبله أو الصرع أو أي حيلة أخرى تمنح لهم مهلة ستة شهور فيها يكفرون عن سيئاتهم0
  • العبيد الذين أجبرهم مواليهم للتقدم للمحاكمة عوضاً عنهم ثم سقطوا في هذه التجربة ينبغي أن يبرهنوا على توبتهم بأعمالهم في بحر سنة0
  • الموالي الذين فعلوا ما تقدم تُفرض عليهم ثلاث سنين توبة0
  • جميع الذين عثروا ثم عادوا فأصلحوا خطأهم حالاً بأن قدموا أنفسهم للسجن والعذابات يجب قبولهم في عضوية الكنيسة بدون فحص أو قصاص0
  • كل الذين قدموا أنفسهم للأخطار طوعاً وإختياراً دون أن ينتظروا إلقاء القبض عليهم أو يصبروا حتى يرى ما يحل بهم ، لا تصح محاكمتهم ومقاطعتهم بل يكتفي بتذكيرهم بأن المسيح ورسله لم يعملوا هكذا ولم يلقوا بأنفسهم في التهلكة0 أما الذين سقطوا من هذه الفئة المشار إليها فإذا كانوا من الإكليروس الذين طلبوا العودة إلى حضن الكنيسة فلا يجب قبولهم في الوظائف الكهنوتية ثانية ، بل يُقبلون كأعضاء في الكنيسة فقط0
  • أولئك الذين أنكروا حيثياتهم وأشخاصهم لأجل تشجيع الآخرين وتقوية إيمانهم في أوقات الإضطهاد أتوا عملاً حسناً فلا لوم عليهم ولا تثريب0
  • جميع الذين إفتدوا أنفسهم بدراهم دفعوها فداء عنهم فلا يلامون قط0
  • لا شئ على الذين نجوا بواسطة هربهم من الموت ولا قصاص عليهم0
  • جميع الذين أُجبروا لكي يذبحوا للأوثان والذين أفقدهم العذاب شعورهم وإحساسهم فأصبحوا لا يدركون ، يجب إعتبارهم في درجة الذين إعترفوا بالمسيح تماماً ما داموا فعلوا ما فعلوه بدون إرادتهم ، فإذا كانوا من الإكليروس يعادون إلى وظائفهم كما كانوا(93)0

ديمتري : بالرغم من أن الميلتيين يرفضون الفكر الأريوسي ، إلاَّ أنهم يتعاطفون معهم لمجرد أنهم ضد قداسة البابا بطرس0

(90)   القمص تادرس يعقوب – القديس بطرس خاتم الشهداء ص 12 – 14

(91)   المرجع السابق ص 15

(92)   د0 مصطفى العبادي – من الإسكندر الأكبر إلى الفتح العربي ص 282

(93)   أ0 لويزا بوتشر – تاريخ الأمة القبطية طبعة 1897م ص 188 – 190

 

الأسقف المحب لذاته ف11 – كتاب البحار المغامر – حلمي القمص يعقوب

أبواب السماء ف10 – كتاب البحار المغامر – حلمي القمص يعقوب

أبواب السماء ف10 – كتاب البحار المغامر – حلمي القمص يعقوب

أبواب السماء ف10 – كتاب البحار المغامر – حلمي القمص يعقوب

 

الفصل العاشر : أبواب السماء

 

مرت الكنيسة منذ القرن الأول وحتى بداية عصر دقلديانوس بتسعـة إضطهادات من الأباطرةنيرون ” (54 – 68م ) و ” دوميتيان ” (81 – 96م) و ” تراجان ” (98 – 117م ) و ” ماركوس أوريليوس ” (169 – 177م) و ” سبتيمـوس سافيروس ” (193 – 209م) و ” مكسيميانوس ” (236 – 238م) و ” ديسيوس ” (249 – 251م) و ” فاليريان ” (253 – 260م) و” أوريليان ” ( 270 – 274م )0

 وفي هذه الأيام ولأسباب عديدة شنَّ ” دقلديانوس ” ( 284 – 305م ) منذ سنة 303م سلسلة إضطهادات قاسية ومرة على المسيحيين الأبرياء ، لم يرحم شيخاً ولا إمرأة ولا طفلاً ، بل تلذذ بأن يسبح في بحيرة من دماء المسيحيين ، والشهداء في عصره يقدَّرون بمئات الألوف ويقاربون المليون شهيد 00 لقد إنتقم من المسيحييـن الذيـن لا يؤلّهونـه ولا يسجدون لتماثيله ، وهم موضع غضب آلهتـه 0 كمـا قيـل أنه في حربه مع الفرس وقع ” نيقوميدوس ” إبن ملك الفرس أسيراً في يده ، فسلَّمه لبطريرك أنطاكية ، ونجح ملك الفرس في فك أسر إبنه عن طريق رشوة البطريرك ، وعاد الإبن لساحة الوغي وسقط أسيراً للمرة الثانية في يد دقلديانوس ، وبعد عودة دقلديانوس من الحرب سأل البطريرك عن الأسير ، فأخبره أنه قد مات منذ شهرين ، فطلب منه أن يرى مقبرته وجسده ، فأراه البطريرك جسد أخيه الأكبر الذي قُتل في الحرب ، فقال له دقلديانوس : ” أما الجسد فقد رأيته بعيني ، ولكني لا أثق بقول لا يؤيده دليل ، فأقسم على المذبح بأن هذا الجسد هو جسد نيقوميدوس “0

وفي اليوم التالي أقام البطريرك القداس الإلهي وأمسك بالجسد وأقسم أن ما رآه دقلديانوس هو جسد نيقوميدوس ، فذهل دقلديانوس من جرأة البطريرك في الكذب ، وإنتظر أن تنزل ناراً من السماء تأكل هذا الرجل الكاذب المرتشي ، فلم يحدث ، فأظهر نيقوميدوس للبطريرك الذي أُسقط في يده ، وألقى دقلديانوس بالكأس المقدَّس ، وعذب البطريرك ، حتى أنه وضع في حلقه الذهب المنصهر الذي إشتهاه فمات0

وعقد ” دقلديانوس ” مشاورات سرية مع جاليروس وبعض كبار الموظفين ، وتم الإتفاق على ضرورة القضاء على العقيدة المسيحية ، وتم تحديد يوم 23 فبراير 303م لبدء هذه الحملة ، وفي ذلك اليوم كان دقلديانوس وجاليروس في نيقوميديا ، وكان عيداً للوثنيين ، فأصدر دقلديانوس ” المرسوم الأول ” للقضاء على المسيحية وشمل المرسوم :

  • هدم جميع الكنائس وإزالتها من الوجود0
  • إحراق جميع الكتب المقدَّسة في أي مكان كانت0
  • تجريد المسيحيين من وظائفهم الحكومية ، وحرمانهم من حقوقهم الوطنية ومصادرة أملاكهم0
  • لا يُعتق عبد مسيحي قط0

وعندما بادر أحد الضباط المسيحيين الشجعان بإنتزاع هذا المنشور وتمزيقه ، وهو الشهيد العظيم أمير الشهداء البطل الروماني ” مارجرجس ” ، دخل في سلسلة عذابات رهيبة إستمرت شهور وسنين تعرَّض خلالها لأنواع شتى من العذابات ، بل تعرض للموت أكثر من مرة ، والرب كان يقيمه ، وإستطاع أن يجتذب المئات للمسيحية ، ولاسيما تلك المرأة الخليعة التي أرسلوها إليه لتسقطه في الخطية وتكسر أنفه ، وإنتهت الليلة وفي الصباح إذ هي مسيحية تعترف بإله مارجرجس ، وتقول لمارجرجس : ” جئت لأسقطك بسحـر خلاعتـي فجذبتنـي بسحر طهارتك ” 0 وإنتصر ” مارجرجس ” على الإمبراطور بكل قواته وعذاباته وشياطينه ، وإنتشرت معجزاته بعد إستشهاده أكثر مما حدث في حياته آلاف المرات0 أما سيرته العطرة وشجاعته النادرة فلن يقوى الزمن أن يمحيها ، بل تزداد بريقاً ولمعاناً مع الأيام ، وحتى المجئ الثاني ، بل وفي الدهر الآتي أيضاً0

وفي اليوم الذي أصدر فيه دقلديانوس مرسومه ، كانت هناك أمام القصر ، وعلى ربوة عالية كاتدرائية ضخمة ، فأسرع الوالي مع جنود الشر وهجموا على الكنيسة وحطموا أبوابها ، ولم يكتفــوا بهــذا ، إنمـا هدموها حتى ساووها بالأرض ، ويقول ” لاكتانتيوس ” : ” بأنه تم حرق الكتب المقدَّسة ، والسماح للجميع بالسرقة والنهب والسلب والتمرد والفوضى ، وتم النقاش حول مسألة إشعال النار في الكنيسة إلاَّ أن دقلديانوس خشى أن تشتعل النار في المباني المحيطة بالكنيسة فتتأثر بذلك المباني المحيطة بها من المدينة لذا رأى أن تُهدم ، ولهذا أمر بإحضار حرس الإمبراطور مزودين بالفئوس وأدوات أخرى محطمين هذا المعبد الشهير الشامخ وجعلوه يسوى بالأرض (70)0

وبدأت موجات الإضطهاد العاتية تجتاح المدن والقرى ، ومما زاد الطينة بلة أن القصر الإمبراطوري تعرَّض لحريق مرتين في خلال أسبوعين متتاليين ، ووصلت ألسنة اللهيب إلى غرفة نوم دقلديانوس ، ولم يُعرَف المتسبب ، وإتهم ” جاليريوس ” بعض المسيحيين العاملين بالقصر ، تماماً كما إتهم ” نيرون ” من قبل المسيحيين بحرق روما وهو الذي أحرقها وراح يغني منتشياً بمشاهد الحريق ، ولكيما يزيد ” جاليريوس ” من حرارة الحريق الذي أشعله ، ترك القصر عائداً إلى مكانه بحجة أن الإنسان لا يأمن على حياته في هذا القصر0

وكانت النتيجة أن ” دقلديانوس ” أمر بتعذيب كل الخدم ، وغضب على زوجته ” بريسكا ” Prisca   وإبنته ” فاليريا ” Valeria وخيَّرهما بين السجود لآلهته أو الإعدام ، وإختارتا المسيحية مع الإعـدام ورفضتا عبادة الأوثان مع الحياة0 كما حكم ” دقلديانوس ” بالإعدام على بعض كبار موظفي القصر المسيحيين مثل ” دورثيوس ” ، و ” جورجونيوس ” ، و ” أندرياس ” ، كما أعدم ” أنتيموس ” أسقف نيقوميديا ، وإشتد حنق دقلديانوس على المسيحيين ، فسيقت أعداداً غفيرة من المسيحيين العاملين بالقصر إلى السجون ، وخضعوا للتعذيب الشديد للإعتراف بجريمة لم يرتكبوها ، وعندما فشلوا في إنتزاع هذا الإعتراف منهم سيق بعضهم للحريق ، ورُبطت أعناق البعض بالأحجار الثقيلة وطُرحوا في البحر ، وسُفكت دماء البعض بالسيف ، وعوضاً عن إعدام المسيحيين فرادي ، كانوا يشعلون كل يوم نيران عظيمة ويُلقى فيها الشهداء بالجملة ، وشدَّد دقلديانوس على شركائه في الحكم لمحو المسيحية عن وجه الأرض ، فهاج الوحوش الثلاث ” دقلديانوس ” إمبراطور الشـرق ومعاونـه ” جاليريــوس ” قيصر الشرق ، و ” ماكسيميان ” إمبراطور الغرب ضد أتباع يسوع الوديع الهادي متواضع القلب رئيس السلام ، ولاسيما أن إمبراطور الغرب كان سلوكه رديئاً وطبيعته عدوانية ” فكان حاكماً متسلطاً خاصة بعد أن إستطاع قمع سلطة مجلس الشيوخ ، مروُّعاً إياهم بأساليبه المزعجة ، وبما حمل في شخصيته من صلف وتهييج وما كان في طبعه من توحش0 تلك الصفات التي كانت تلازمه والتي ظهرت أمام من كان يُنزل بهم العقاب ، فكان عهده سيئاً مكروهاً ، وقد نعته رعاياه بعصر الحديد من شدة قسوته وإستبداده ، ومن شدة تعطشه إلى التسلط 00 هذه الصفات أضفت على شخصيته ونزعته الوحشية روحاً إنتقامية وعدوانية ، كما أن شعوره بكراهية المحيطين به وعدم إخلاصهم له ، ملأه بالشك والريبة ، فكان يندفع ليبطش بأي شخص دون ما سبب فصنع المذابح ، وقد دفعته مخاوفه ، وتحت ستار الغيرة الدينية المشوبة بالخبث والحقد أن يكون من أشد الأباطرة إضطهاداً للمسيحيين(71)0

         وبدأت تحدث فتن وإضطرابات وثورات في أرمينيا وسوريا ، هذان الإقليمان اللذان ترتفع فيهما نسبة المسيحيين ، فعزوا هذه القلاقل لرجــال الإكليـروس ولذلك أصدر دقلديانوس ” المرسوم الثاني ” في شهر مارس 303م بالقبض على جميع رجال الإكليروس والزج بهم في أعماق السجون ، فامتلأت السجون من الأساقفة والقسوس والشمامسة حتى لم يعد بها مكان للمجرمين الخارجين عن القانون ، وحلَّ الإستشهاد بكل مكان ، باستثناء بلاد الغال وبريطانيا الواقعة تحت حكم ” قنسطنطنيوس ” ، الذي أمر فقط بهدم أسوار الكنائس وبعض الجدران ، بحيث يمكن إعادة بناءها بسهولة0

         وفي صيف 303م ترك ” دقلديانوس ” نيقوميديا ، وتوجه إلى روما للإحتفال بالعيد العشرين لتوليه السلطة وفي 2 نوفمبر 303م إحتفل ” دقلديانوس ” مع ” مكسيميان ” في روما بهذه المناسبة ، وقاما بتوزيع الهدايا على الشعب وسط تهليل وهتاف الجماهير في روما ، وبنـى ” دقلديانوس ” قوس النصر تخليداً لإسمه ، وكان من المعتاد أن يُصدِر الإمبراطور في مثل هذه المناسبة قراراً بالعفو العام عن المساجين ، فكيف العمل وهو لا يريد أن يطلق رؤساء الكنائس ؟!00 ولذلك أصدر هذا العفو العام وجعله مقترناً بشرط أن يقدم هؤلاء الأساقفة والقسوس والشمامسة العبادة للآلهة ، وإلاَّ تعرضوا للتعذيب الشديد ، فكان هذا العفو الذي جر وبال التعذيب على الإكليروس المعتقلين هو بمثابة المنشور الثالث الذي نص صراحة على أن رجال الإكليروس هم أعداء للحكومة ، فلا يخلى سبيل أحد منهم إلاَّ إذا ضحى للآلهة ، فتعرَّض رجال الإكليروس للعذابات المُرة وأُقتيد كثير منهم للعمل في المناجم في ظروف قاسية 0

         وعاد ” دقلديانوس ” إلى نيقوميديا في يناير 304م وكان الوقت شتاءاً قارصاً والأمطار غزيرة ، فأصيب بمرض أخذ يشتد عليه ، وبدأ يعاني من إضطراباً عقلياً وفي سنة 305م إعتزل دقلديانوس الحكم وله من العمر 59 عاماً ، وتوارى عن الأنظار ، فصـار ” جاليريــوس ” إمبراطــوراً للشـرق ، ولم يعين إبنه ” مكسنتيوس ” Mexentius نائباً له ، إنما عيَّن ” مكسيميانوس دايا ” Maxminus Daia قيصراً معاوناً له ، وأيضاً في نفس العام 305م إعتزل ” ماكسيميـان ” إمبراطور الغرب الحكم (72) ، فصار ” قنسطنطينـوس ” هــو الإمبراطــور ، ولم يعين إبنه ” قسطنطين ” نائباً له ، إنما عيَّن ” فاليريوس سفيروس ” قيصراً معاوناً له0 وكان ” جاليريـوس ” قد إستغل فرصة مرض دقلديانوس ، فأصدر ” المرسوم الرابع ” لإضطهاد المسيحيين في ربيع 304م ، وهو المرسوم الأشد والأفظع ، وفيه أمر بأن يقدم جميع المسيحيين ، وليس الإكليروس فقط ، العبادة للآلهة والتضحيات ، حتى لو كان هذا مصحوباً بالعذابات الشرسة أو الإعدام ، فعمَّ الإضطهاد على كل المسيحيين رجالاً ونساءاً وشيوخاً وأطفالاً ، وعُلقت الإعلانات في شوارع المدن تلزم الجميع بالتوجه إلى المعابد لتقديم الذبائح للآلهة0

وهكذا إشتعلت نيران الإضطهاد شرقاً وغرباً ، وسالت دماء الأبرياء بحوراً تروي الأرض العطشى لتثمر مؤمنين جدداً0

وقال البعض عن تخلي ” دقلديانوس ” عن الحكم أنه أقام حفل الإعتزال في أول مارس 305م في سهل فسيح على بُعد 3 كم من نيقوميديا ، وله من العمر 59 عاماً ، حيث جرَّد نفسه من الأوسمة والشعارات الإمبراطورية ، وإستقل عربة خاصة وإنطلق إلى ” سالونا ” Salona  التـي إختارها مقراً لتقاعده ، كما إعتزل ” ماكسيميان ” الحكم في معبد جوبتر بميلان بناء على وعده لدقلديانوس ، وذهب إلى ” لوكانيا ” Luconia جنوب إيطاليا كمقر لتقاعده ، وأمضى ” دقلديانوس ” السنين التسع الباقية له في الحياة في قراءة الأدب والبناء والزراعة وفلاحة البساتين ، وعندما أرسل إليه ” مكسيميان ” يحفزه على إستعادة الحكم وإستعادة الحلة الأرجوانية ، أجابه دقلديانوس بأنه لو رأى الكرنب الذي زرعه بيديه في سالونا ، فإنه لن يعود يصغى لأي إغراء يدعوه للتخلي عن هذه المتعة طلباً للسلطة (73)0

كما قال البعض عن نهاية حكم دقلديانوس أنه حلَّ به المرض ، وفقد رشده فخُلع عن كرسيه ، وأصدر مجلس الشيوخ أمره بنفيه إلى جزيرة ” واروس ” الكثيرة الأحراش ، وكان في الجزيرة بعض المسيحيين الذي تعرضوا للنفي ، فكانوا يقدمون له طعامه اليومي ويهتمون به ، حتى إسترد عقله وطمع في العودة للحكم ، ولكن قادة الجيش رفضوا ذلك قائلين ” أن هذا الرجل فقد عقله وأُصيب بالبله وعزلناه من الحكم فلا نريد أن نعيده(74) فصار حزيناً يبكي حتى أظلَّم عقله وفقد بصره0

         ولـم ينتهي الإضطهـــاد بنهاية حكم دقلديانــوس لأن ” جاليريوس ” الذي هو أكثر شراً وشراسة من دقلديانوس قد تولى إمبراطوراً للشرق وحرص على تفعيل ” المرسوم الرابع ” يعاونه في هذا ” مكسيميانوس دايا ” الذي إرتكب جرائم وحشية في الإسكندرية وكل مصر والخمس مدن الغربية ، فاشتعلت النيران ، ودُقت الصلبان ، وأُطلقت الوحوش الجائعة 00

أما في الإسكندرية فقد أقبل الشهداء على وسائل القتل والنيران المشتعلة كأنها مراكب نارية تقلهم للملكوت 00 نفث الشيطان كل غيظه وحقده وسمومه ليفني المسيحية عن وجه الأرض فإذ بشجرة المسيحية ترتوي بدماء الشهداء فتنمو وتترعرع وتزدهر وتمتد أغصانها إلى السماء ، وجنت المسيحية ثمار الإستشهاد وكسبت كثيراً أكثر مما خسرت ، لقد فضحت مبادئ المسيحية السامية فساد العبادة الوثنية ، ورأى الوثنيون روح الفرح والرجاء والرضى والثقة والإيمان والصفح والمحبة التي يتحلى بها الشهيد المسيحي ، فتدافعوا يعانقون صليب الإستشهاد ويحملونه بفرح سواء كانوا من النبلاء أو عامة الشعب أو العبيد ، فصار الموت ضعيفاً ، وصارت قوته وجبروته وسلطانه باهتاً ، فجاز فيه الرجال والنساء والشيوخ والأطفال برضى وسرور وفــرح ، والإعلانـات الإلهيَّة تعين وتسند الكارزين بالدم 00

قال الشهيد ” ترتليانـوس ” فـي رسالـة إلى مضطهديه : ” إستمروا في تعذيبنا ، إصحنونا إلى مسحوق ، فإن أعدادنا تتزايد بقدر ما تحصدوننا !0 إن دماء المسيحيين لهي بذار محصولهم 00 من ذا الذي بعد إنضمامه إلينا لا يشتاق إلى التألم(75)0

وقال الشهيد الفيلسوف ” يوستين ” في دفاعه المُقدَم للإمبراطور : ” ها أنت تستطيع أن ترى بوضوح أنه عندما تُقطع رؤوسنا ، ونُصلب ، ونُلقى للوحوش المفترسة ، ونُقيَّد بالسلاسل ، ونُلقى في النار ، إننا لا نترك إيماننا ، بل بقدر ما نُعاقب بهذه الضيقات بقدر ما ينضم مسيحيون أكثر إلى إيماننا وديانتنا باسم يسوع المسيح(76)0

كما قال الشهيد ” يوستين ” أيضاً : ” لا شئ يستطيع أن يحولنا عن إيماننا ، لا سيف القاتل ، ولا صليب الضيق ، ولا أنياب الوحوش الضارية ، ولا القيود ، ولا النار ، ولا العذاب بأي نوع ، بقدر ما يزيدوا آلامنا بقدر ما يزداد عدد المؤمنين ، وبقدر ما يزداد عدد التلاميذ الذي ينحازون إلى المسيح (77)0

نعم إن الإيمان بالمسيح صـار مجازفة تكلف الإنسان حياته ، وبالرغم من أن الحكام كان يقبلون أي عمل بسيط مثل وضع حبات بخور أمام الآلهة الوثنية فيطلقون سراح المتهمين بالمسيحية ، إلاَّ أن الأيدي المقدَّسة رفضت أن تتنجس بهذا العمل الشيطاني 00 نعم إضطر البعض أن يهجر بيته ، والأغنياء هجروا قصورهم ، وتواروا عن الأنظار هرباً بإيمانهم ، فعاشوا في الجبال والقفار وشقوق الأرض من أجل عظم محبتهم في الملك المسيح0

         وكتب ” يوسابيوس القيصري ” يقول : ” إستمر التعذيب والقتل يوماً بعد يوم ، وشهراً بعد شهر ، وسنة بعد سنة ، وكان يستشهد في اليوم الواحد خمسون وثمانون ومائة ، حتى أن القتلة أنفسهم يسأمون أو يسقطون أعياء0 وكان الهمجيون من القتلة يرمون النساء والأطفال من السجون بعد جرهم على الأرض في الشوارع إلى أن تتجرَّح أجسامهم وتسيل منها الدماء0 فتروي التربة المصرية وتضيف إلى خصوبتها نعمة(78) كما كتب أيضاً يقول : ” وعلى الرغم من هذا كله فإن الشعب المصري الأرثوذكسي إندفع بشجاعة عجيبة وجرأة نادرة إلى حيث تنتظره الأهوال في رضا وحبور0 وكان المحكوم عليهم يسيرون وسط أناشيد التسبيح والتهليل كما لو كانوا ذاهبين إلى عرس (79) 0

         وكتب آخر يقول : ” على نحو ما توجد الروح في الجسد ، هكذا المسيحيون في العالم 00الروح كائنة في الجسد ، لكنها ليست منه ، والمسيحيون مقيمون في العالم ، لكنهم ليسوا من العالم 00 والمسيحيون كلما تعرَّضوا للآلام والعذابات إزدادوا عدداً(80)0

         أما نفسية الشهيد فيعبر عنها ” الشهيد أغناطيوس ” قائلاً : ” إني أشتهي الإستشهاد لكي أُظهر ذاتي مسيحياً لا بالقول فقط ، بل بالفعل 00 إنني إن أفنتني النيران وحولتني رماداً 00 أو عُلقت على صليب متجرعاً كـأس ميتة بطيئة 00 لو أُطلقت عليَّ النمور الكاسرة ، والأسود الضاريـة ، وكسرت عظامي ، وهشمت أعضائي ، وسحقت جسدي برمته ، فإني متحمل كل ذلك بفرح 00 بشرط 00 أن أحظى بيسوع المسيح 00 لأنه ملك العالم بأسره 0 إن الموت لي لأجل يسوع المسيـح ، أفضل من أن أملك كل الأقطار ، لأن قلبي تائق إلى من مات لأجلي ، ونفسي مشتاقة لمن قام من الموت لأجلي ” 0

         وفـي السنـة الثامنـة من هذا الإضطهاد القاسي ، أُصيب ” جاليريوس ” بمرض خطير ، حتى أنه صار يصرخ ويطلب الرحمة والصفح من المسيحيين ، وإعتذر عن الأفعال الوحشية التي إرتكبها في حقهم ، معللاً ذلك بأنه كان يروم الحفاظ على سلامة الإمبراطورية ، وبعد أيام قليلة مات جاليريوس0

وفي خريف 308م وبعد إعتزال دقلديانوس سنة 305م ، أصدر ” مكسيميانوس دايا ” ” المرسوم الخامس ” بإعادة هياكل الأوثان ، فأقيمت الهياكل في كل مدينة ، وعيَّن في كل مقاطعة موظفاً سياسياً بمثابة رئيس كهنة ، وألزم الجميع رجالاً ونساءاً ، شيوخاً وأطفالاً لتقديم القرابين والأضاحي للآلهة الوثنية ، وأن يُكره المسيحيون على تذوق ما ذُبح للأوثان ، وخُلطت لحوم هذه الذبائح مع اللحوم المعروضة للبيع في الأسواق ، حتى يأكل منها المسيحيون بعلم أو بدون علم ، وصار الوثنيون يأخذون المياه أو النبيذ الذي إستعمل في تقديم ذبائح الآلهة الوثنية ، ويرشونه على الخضروات والفواكه المعروضة للبيع في الأسواق ، وزادوا من عذابات المسيحيين ، ففاضت أنهار أخرى من دمائهم البريئة ، وصارت الفترة من 308 – 311م أفظع فترة في تاريخ الإضطهاد في الشرق ، فإحتجت السماء وأعلنت غضبها فامتنعت الأمطار وعمت الأمراض والأوبئة ، فكثر الموتى ، وترك الوثنيون ذويهم ولم يهتموا بهم خشية العدوى ، فإهتم بهم المسيحيون ورعوا المرضى ودفنوا الموتى منهم0 أما المسيحية فما لبثت شامخة 0

ويصف ” يوسابيوس القيصري ” جانب من هذه الأهوال فيقول : ” وكانت بعض النساء من أشرف العائلات في المدن تتجولن في الأسواق للإستجداء ، وكانت تتبين عليهن دلائل الثراء السابق من إحتشامهن في مظهرهن ووقارهن في هيئتهن0 وإذ حل الضنك بالبعض وأصبحوا على حافة الموت فعثروا وتمايلوا هنا وهنالك ، وكانوا أضعف من أن يستطيعوا الوقوف ، فسقطوا في وسط الشوارع ، وكانوا وهم منطرحين يتوسلون أن تُعطى إليهم لقمة خبز صغيرة ، وفي أخر نفس يصرخون قائلين : جائع ، ولم تكن لهم قدرة إلاَّ على أن يبعثوا هذه الصرخة الأليمة جداً 00 ظلت الجثث العارية منطرحة وسط الأسواق والأزقة أياماً طويلة دون أن تُدفن ، فكانت منظراً أليماً جداً لمن شاهدوها ، وأصبح البعض أيضاً طعاماً للكلاب 00 والأسوأ من هذا تلك الأوبئة التي كانت تقضي على بيوت وعائلات برمتها 00 هكذا كان جزاء إفتخار مكسيميانوس ، وجزاء الإجراءات التي إتخذتها المدن ضدنا ، وعندئذ ظهرت لكل الوثنيين أدلة غيرة المسيحيين وتقواهم ، لأنهم وحدهم وسط تلك المصائب أظهروا عطفهم وإنسانيتهم بأعمالهم ، ففي كل يوم إستمر البعض في إظهار عنايتهم نحو الموتى ودفنهم 00 والآخرون كانوا يحملون في مكان واحد من عضتهم المجاعة بأنيابها في كل المدينة ويقدمون الطعام لهم جميعاً0 وهكذا أُذيعت بين الجميع هذه الأنباء فمجدوا إله المسيحيين ، وإذ إقتنعوا بالحقائق نفسها إعترفوا بأن المسيحيين هم الوحيدون الأتقياء والمتدينون (81)0

وكان ” دقلديانوس ” قد عيَّن بعض الولاة المشهورين بقسـاوة القلـب والتجبـر ، فعيَّـن ” أريانوس ” والياً لأنصنا ، و ” أرمانيوس ” والياً للإسكندرية ، و ” لومبيوس ” والياً للفرما ، وهلم جرا00 فظلوا في غيهم وظلمهم وقسوتهم وعجرفتهم بعد عصر دقلديانوس ، وإزدحمت مدينتنا العظمى بالآف الشهداء السكندرييـن أو الذيـن سيقـوا من خارج الإسكندرية ليقفوا أمام ” أرمانيوس ” الوالي الشرير ، وهكذا سيق الآلاف أيضاً إلى أنصنا ليمثلوا أمام ” أريانوس ” وهناك مدن ذهب إليها ” أريانوس ” فصار في كل بيتٍ منها شهيد أو أكثر ، وهوذا مدينتي ” أخميم ” و ” أسنا ” تقفان شاهدتان أمام التاريخ ، بل يقف التاريخ أمامهما طويلاً يقدم الإحترام والتوقير والتبجيل إكراماً لإبنائهما الأبطال الذين شهدوا للمسيح إلى النفس الأخير0

وإزاء شراسة الإضطهاد الذي أثاره ” دقلديانوس ” وأتباعـه ، وإذ أخذ السيف يعمل بلا هوادة ، خشى الشعب السكندري على الأب البطريرك ” قداسة البابا بطرس ” لئلا يمسه الإضطهاد ، ولشدة محبتهم له ضغطوا عليه لكيما يذهب إلى أرض فلسطين ، فرحل البابا وكان يراسل تلميذيه ” أرشيلاوس ” و ” ألكسندروس ” ، لكنه لم يقوى على إحتمال هـذا الفراق طويلاً ، فعاد إلى الديار المصرية ، وصار ” قداسـة البابا بطرس ” ينتقل من مكان إلى آخر ، ومن بلدة إلى أخرى يشجع أولاده على عبور محنة الإستشهاد ، فالسيف يحصد في أولاده يوماً فيوماً في طول البلاد وعرضها ، وقد تحوَّلت السجون إلى أماكن للعبادة والتسابيح والتهليل ، وروح الله يعمل في هذه النفوس المجاهدة فيهبها قوة وصبراً وإحتمالاً ومعونة0 والإستشهاد هو أقصر طريق للملكوت ، فصار البابا يُصبّر أولاده الذي سُلبت ممتلكاتهم ، فأي شهيد يتم إستشهاده تقوم الدولة على الفور بمصادرة ممتلكاته ، وتترك أسرته للعوز الشديد ، ولولا معاضدة ومساندة المؤمنين لهلك ألاف الأطفال جوعاً0

وتفنَّن الأشرار في وسائل تعذيب الأبرياء ، ومن هذه الوسائل ما يلي (82) :

  • السجن : في أماكن مظلمة رطبة ، حيث توثق الأيدي خلف الظهر ، وتضبط القدمان في المقطرة ، فيتعذر على الإنسان الجلوس أو النوم ، ولولا المعونة الإلهيَّة لانهار الآلاف ، ولكن بلا شك كانت هناك معونة إلهيَّة خفية سندت الشهداء حتى وصلت بهم إلى بر الملكوت0
  • العمل في المناجم : في ظروف قاسية للغاية تحت شمس الصحراء اللافحة ، ولهيب السياط ، ومن الذين سيقوا للعمل في المناجم بعض المعترفين الذين تعرضت إحدى أطرافهم للبتر ، فيعملون ويبذلون جهداً أكبر من طاقتهم جداً جداً ولا يجدن قوت يومهم ولا كأس الماء الذي يروي ظمأهم ، فمات منهم الكثيرون الذين عدتهم الكنيسة في رتبة الشهداء0
  • إجبار البعض على لبس أحذية تبرز منها أسنان مسامير ، كما حدث مع مار جرجس0
  • التعليق في الهواء : من يد واحدة أو رجل واحدة0
  • نزع الأظافر ، وسحق الأعضاء ، حتى تبرز العظام من خلال اللحم المهراء0
  • السحل : على الأرض فتسيل الدماء لتروي الأرض كما حدث مع مار مرقس0
  • الإلقاء في بحيرات الثلج حتى الموت ، كما حدث مع الأربعين شهيداً بسبسطه0
  • سلخ الجلد : وترك الإنسان ليموت موتاً بطيئاً0
  • العصر بالهنبازين : والهنبازين عبارة عن دولاب يتحرك نصفه العلوي في إتجاه عكسي لنصفه الأسفل الذي تبرز منه سكاكين حادة تشرح جسد الشهيد0
  • الزيت المغلي ، والقار المغلي ، والرصاص السائل0
  • تعذيب الإنسان حتى يقارب الموت ، ثم يُدفن حيَّاً0
  • الغرق : ربط حجر طاحونة في رقبة الإنسان وربط يديه وإلقاءه في البحر0
  • الحرق : شوي الجسد على نار هادئة أو ربط الشهيد في سرير حديد وإشعال النيران أسفله0
  • تغطية بعض أعضاء الجسم بقطعة كتان مبللة بالزيت وإشعال النيران فيها فيذوب الشحم ويتساقط كالشمع0
  • بتر بعض الأعضاء0
  • فقأ إحدى العينين أو كليهما0
  • الضرب بالسيف أو الفأس ، وهذه أسهل الميتات جميعاً0
  • الصلب وهي أصعب الميتات0
  • الإلقاء للحيوانات المفترسة0
  • الحرق الجماعي للرجال والنساء والأطفال والشيوخ0

وأترك المؤرخ الكبير ” يوسابيوس القيصري ” كشاهد عيان ليحكي لنا القليل عن قسوة الإضطهادات :

إنه ليعسر على الكاتب الماهر أن يصف مقدار ما تجرعه الشهداء في مصر من ألوان العذابات القاسية والآلام التي تشيب من ذكرها النواصي0 فقد كانوا يأتون بأولئك الشهداء ويشقون بالخناجر أجسادهم ، ويروحون ينزعون عنها الجلد عضواً عضواً حتى تُزهق الروح 0 أما النساء فقد كانت تُربط الواحدة منهن من إحدى قدميها وتُرفع في الهواء بآلة مخصصة لذلك ، وتظل معلقة هكذا بصورة تنفر منها الإنسانية حتى تزهق روحها0 وكانوا يقربون غصنين قويين من شجرتين متقاربتين بآلة صنعوها لهذا الغرض ، ثم يجيئون بالشهيد ويربطونه بهذين الغصنين ، ثم يتركونهما ليعودوا إلى وضعهما الأول ، والشهيد بينهما تتمزق أضلاعه وتُسحق عظامه سحقاً فتتطاير أشلاء جسمه في الفضاء0 وقد كانت هذه الفظائع تستمر أعواماً طويلة ، وكثيراً ما كان يصدر حكم بقتل عشرة أشخاص في لحظة واحـدة ، وأحياناً بقتل عشرين مرة واحدة ، وأحياناً ثلاثين ، وأحياناً ستين0 وقد حكموا مرة على مائة رجل بالموت فماتوا في يوم واحد مع زوجاتهم وأولادهم الصغار ، بعد أن ذاقوا من العذابات ما تقشعر منه الأبدان(83)0

وفي حديث ” يوسابيوس القيصري ” عن شهداء مصر يقول ” مات ميتات مختلفة ألوف من الرجال والنساء والأطفال ، محتقرين الحياة الحاضرة من أجل تعاليم مخلصنا0 فالبعض أُلقوا في النيران 00 وأنواع لا عدد لها من التعذيب بطريقة تقشعر لها الأبدان حتى من مجرد سماعها0 والبعض أُغرقوا في البحر ، والبعض قدموا رؤوسهم بشجاعة لمن قطعوها ، والبعض ماتوا تحت أيدي معذبيهم ، والآخرون هلكوا جوعاً وآخرون صُلبوا بعضهم بالطريقة المعتادة لصلب المجرمين ، والآخرون بطريقة أشنع إذ كانوا يُسمرون على الصليب ورؤوسهم منكسة إلى أسفل ، ويتركون أحياء على الصليب حتى يموتوا جوعاً (84)0

كما يقول أيضاً ” وقد شاهدت بعيني بينما كنت واقفاً بقرب النطع جمعاً غفيراً من المسيحيين جُمعوا لينالوا الشهادة ولكن بطرق مختلفة ، فكان بعضهم تجز رؤوسهم وبعضهم يحرقون في آتون النار المتقدة حتى أن السيف الذي كانت تُقطع به الرؤوس تلم وكلَّ حده وتحطم تحطيماً لكثرة ما سحق من الرقاب ، وكذلك السيافون تعبوا وخارت قواهم من ذبح الآدميين ، فكانوا يستريحون هنيهة ريثما يتنفسون الصعداء 00 إننا نحن شهود عدل على ما شاهدناه بأعيينا من الغيرة الخارقة ، والقوة الإلهيَّة الصحيحة والفرح في الروح القدس الذي ملأ قلوب هؤلاء الذين يؤمنون بالمسيح إبن الله إيماناً متيناً جعلهم يتقبلون الموت بصدور منشرحة وثغور باسمة ، حتى أنه عندما كان يصدر الحكم على واحد منهم بالإعدام كان الآخرون يندفعون من كل حدب مزدحمين في المحكمة أمام القاضي معترفين له بأنهم مسيحيين غير مبالين بما يلحق بهم من عذابات مريعة وإضطهادات شنيعة ، بل كانوا يجاهرون بكل صراحة وشجاعة بديانتهم الحقيقية التي تعلّم بوجود إله واحد عظيم خالق السماء والأرض والبحر وكل ما فيها0 ومن العجيب أنه عندما يصدر الحكم النهائي بموتهم ، كانوا يقابلون هذا الحكم بفرح وتهليل ، حتى أنهم كانوا يرنمون ويرتلون أغاني الحمد والشكر لله الذي آهلهم لأن يموتوا لأجله ، وكانوا يظلون يفرحون ويطربون إلى آخر نسمة من حياتهم عندما تفارق أرواحهم أجسادهم(85)0

ويقول ” يوسابيوس القيصري ” أيضاً عن هذه العذابات البشعة ” وكانوا يقطعون أصابع المسيحيين بالحديد المحمي بالنار ، وينزعون جفونهم ويحرقون عيونهم ، حتى إذا صمد الشهيد وإحتمل كل تلك الآلام ، قادوه رغماً عنه إلى مذبح الآلهة ووضعوا النار والبخور فوق يديه ، وأعتبروه جاحداً للإيمان ، ثم ألقوا به وهو شبه ميت إلى الوحوش تلتهمه ، فإذا جاهر أحد المسيحيين بإيمانه ضربوه على فمه وأجبروه على الصمت0 فإذا صمت أعتبروه مستسلماً وخاضعاً وأعتبروا أنفسهم منتصرين عليه ، وقد حاول رجال الشرطة أن يبذروا الشك في قلوب المسيحيين بوسائل شتى ، فكانوا مثلاً يقبضون على أحد الكهنة ويسجنونه بضعة أيام ، ثم يطلقون سراحه معلنين أنه قد جحد إيمانه وخضع لأوامر الحكام ، وكانوا بين الحين والحين ينفذون حكم الإعدام في جماعات عظيمة من الأقباط ليلقوا الفزع والرعب في قلوب الآخرين المتمسكين بإيمانهم ، وكانوا يخترعون أنواعاً عديدة من العذاب ليجعلوا موت المؤمنين أقسى ألماً وأبشع وأشنع عذاباً (86)0

وحدث في الإسكندرية أنه ” أُقتيد أحد المؤمنين الغيورين وإسمه ” أغابيوس ” إلى ساحة الإستشهاد ، وقدموه إلى الوحوش الضارية مع ” القديسة تكلا ” ، لمجرد العرض المسرحي ، ثم سحبوه ، ثم أعادوه إلى هذا العرض مرة ثانية ثم سجنوه ، وفي المرة التالية كان الإمبراطور حاضراً فأتوا بالقديس ، فدخل إلى الساحة أحد المجرمين الذي كان قد قتل سيده ، وقبل إلقائهما إلى الوحوش تراءف الإمبراطور على القاتل ، قائلاً : أنه جدير بالرحمة والعطـف ، فدوَّت الساحة بالتهليل والهتاف للعفو عن القاتل0 وأما ” أغابيوس ” المتمسك بعقيدته فقد أُقتيد أمام الإمبراطور ، فطلب منه أن يجحد إيمانه حتى ينال حريته ، فأجابه ” أغابيوس ” قائلاً :

إنني لا أُحاكم من أجل جريمة إرتكبتها ، بل من أجل إيماني بدين الإله الحقيقي للعالم ، ولذلك فأنني سأحتمل بكل شجاعة كل العذاب الذي سيلحق بي 00

         وقد ألقى الحكام الوثنيون القبض على شاب آخر جاهر بمسيحيته ، فانهال عليه الجنود ضرباً ، ثم ألقوه في السجن مقيَّداً بالأغلال الحديدية 0 وعندما جئ به أمام الحاكم طلب منه أن يقدم الذبائح للآلهة فرفض ، فمزقوا لحمه حتى ظهر عظامه وتشوه وجهه من اللكمات والضربات التي إنهالت عليه0 وإذ إستمر في إيمانه بعد هذا كله ربطوا قدميه بلفائف مبللة بالزيت ثم أشعلوا فيه النار0 وبعد أن إحترق ألقوا ما تبقى منه في البحر(87)0

         لقد كانت الوحوش المفترسة أحياناً أرحم من هؤلاء الأباطرة ، ويحكي ” يوسابيوس القيصري ” بعض المشاهد عن المؤمنين الذي تم جلدهم قبل أن يُلقوا للوحوش ليستثيروا غريزة الإفتراس لديها فيقول ” ونحن أنفسنا كنا حاضرين عندما تمت هذه الحوادث ، ودوَّنا قوة مخلصنا يسوع المسيح الإلهيَّة التي تجلت 00 ظلت الوحوش الملتهمة البشر وقتاً طويلاً لا تتجاسر على أن تلمس أو تقترب من أجساد أعزاء الله هؤلاء 00 لم تجرؤ قط أن تمس الأبطال المباركين وهم واقفون وحدهم عرايا 00 كلما هجمت عليهم كانت تقف وتتراجع وكأن قوة إلهيَّة قد صدتها0 ظل هذا وقتاً طويلاً وأحدث دهشة كبيرة للمتفرجين ، وعندما كان الوحش الأول لا يفعل شيئاً كان يطلق سراح وحش ثان وثالث ضد نفس الشهيد الواحد0

         ولم يكن المرء يتمالك نفسه من الدهشة أما الثبات الذي لا يُقهر الذي أبداه هؤلاء المباركون 00 فكنت ترى شاباً لم يكمل بعد السنة الثانية والعشرين واقفاً غير مُوثَق وباسطاً يديه على شكل صليب ، بعقل غير متخوف أو غير مرتعب ، منشغلاً في صلاة حارة لله ، دون أن يتراجـع على الإطلاق عن المكان الذي وقف فيه ، بينما تكاد النمور والدبب تلمس جسده وهي تنفث تهديداً وقتلاً 00 وكنت ترى آخرين – كانوا خمسة – طُرحوا أمام ثور بري كان يقذف في الهواء بقرنيه كل من إقترب إليه من الخارج ويمزقه ويتركه بين حي وميت ، ولكنه عندما هجم بوحشية على الشهداء الأطهار ، وكانوا واقفين وحدهم ، لم يستطع أن يقترب منهم ، ورغم أنه رفس بقدميه أو بهز بقرنيه في كل جهة ونفث تهديداً وقتلاً بسبب تهيجه من الحديد المحمي الذي كان يُنخس به ، فقد تراجع إلى الوراء بقوة إلهيَّة ، وإذ لم يلحق بهم أي أذى أطلقوا عليهم وحوشاً أخرى 0 وأخيراً وبعد هذه الهجمات المروعة عليهم ، قُتلوا جميعاً بالسيف ، وبدلاً من دفنهم في الأرض طُرحوا في أعماق البحر (88)0

         ويحكي ” يوسابيوس القيصري ” أيضاً عن يأس الحكام من صمود المسيحيين فبدأوا يكتفون بقلع عيونهم فيقول ” ولكنهم في ختام هذه المصائب ، لما عجزوا نهائياً عن تدبير أنواع من القسوة أشد ، ووهنت قواهم في تنفيذ أحكام الموت ، وشبعوا بل بشموا من سفك الدماء ، تحوَّلوا إلى معاملة إعتبروها رحمة وإنسانية ، وهي أنهم تظاهروا بأنهم كفوا عن أن يدبروا أهوالاً ضدنا0 لأنهم قالوا أنه لا يليق أن تتلطخ المدن بدماء شعبهم ، أو أن تشوَّه سمعة حكومتهم 00 لذلك أمروا بقلع عيوننا وجدع أحد أطرافنا ، وأُعتبرت هذه في نظرهم شفقة 00 يستحيل التحدث عن العدد الذي لا يُحصى ممن فقئت عيونهم ، أولاً بالسيف ، ثم كويت بالنار 00 وفي كل هذا النضال أضاء شهداء المسيح النبلاء العالم كله ، وأذهلوا في كل مكان من شهد ببسالتهم ، وقد تجلت فيهم أدلة قوة مخلصنا الحقيقية الإلهيَّة التي لا يعبر عنها (89)

         وبينما جرت الإضطهادات من جانب الحكام والولاة والأباطرة ، فإن الكنيسة لم تكف عن مساندة الشهداء والإهتمام بأسرهم ، وجاء كوكب البرية ” الأنبا أنطونيوس ” ( سنة 311م ) من الصحراء الشرقية إلى مدينة الإسكندرية ، فقد كان يشتهي الإستشهاد ، فأخذ يزور السجون ويعظ المسجونين ، ويحدثهم عن زوال العالم سريعاً ومجده الباطل من جانب ، ومن الجانب الآخر يحدثهم عن أمجاد السماء وسمو الإستشهاد وسعادة ومجد وعظمة وكرامة الشهداء ، وبهذا كان يشجعهم على نوال أكاليل الشهادة ، ويشاركهم الصلاة والتسابيح ، ويحضر معهم المحاكمات ، ولا يكف عن مساندتهم 0 وفي إحدى المرات لبس ثوباً أبيض وإعتلى رابية كان الحاكم مزمعاً أن يمر بها ، معلناً مسيحيته0 أما الحاكم فأُعجب بشهامته ونظر إليه بإحترام وتركه وعبر0

(70)   معالي حسين محمد علي – رسالة ماجستير – الإمبراطور دقلديانوس ( 284 – 305م ) ص 76 ، 77

(71)   القمص مكسيموس وصفي – القديس موريس والكتيبة الطبية ص 11 ، 12

(72)  راجع  منيرة محمد الهمشري – النظام الإداري والإقتصادي في عهد دقلديانوس 284 – 305م ص 64

(73)   راجع معالي حسين محمد علي – رسالة ماجستير – الإمبراطور دقلديانوس 284 – 305م

(74)   يوحنا النفيوسي ص 418 ، 419 – كامل صالح نخلة – حياة البابا بطرس الأول خاتم الشهداء ص 19 ، 20

(75)   ملاك لوقا – البابا بطرس خاتم الشهداء ص 70

(76)   المرجع السابق ص 70

(77)   المرجع السابق ص 71

(78)   المرجع السابق ص 30 ، 31

(79)   المرجع السابق ص 31

(80)   من الرسالة إلى ديوجنيس – الأنبا يؤانس أسقف الغربية – الإستشهاد في المسيحية ص 19

(81)   ترجمة القس مرقس داود – تاريخ الكنيسة ص 427 ، 428

(82)   راجع زكي شنودة – الشهداء ص 106 – 110

(83)   المرجع السابق ص 72 ، وراجع يوسابيوس القيصري – ترجمة القس مرقس داود – تاريخ الكنيسة ص 369 ، 370

(84)   ترجمة القس مرقس داود – تاريخ الكنيسة ص 369

(85)  د0 ميخائيل مكس إسكندر – تاريخ الكنيسة المصرية لبوتشر ص 182 ، 183

(86)   زكي شنودة – الشهداء ص 72 ، 73

(87)   د0 مصطفى العبادي – من الإسكندر الأكبر إلى الفتح العربي ص 282

(88)   ترجمة القس مرقس داود – تاريخ الكنيسة ص 368

(89)   المرجع السابق ص 375 ، 376

 

أبواب السماء ف10 – كتاب البحار المغامر – حلمي القمص يعقوب

أيها المصلح لماذا؟! ف9 – كتاب البحار المغامر – حلمي القمص يعقوب

أيها المصلح لماذا؟! ف9 – كتاب البحار المغامر – حلمي القمص يعقوب

أيها المصلح لماذا؟! ف9 – كتاب البحار المغامر – حلمي القمص يعقوب

 


الفصل التاسع : أيها المُصلح 00 لماذا ؟!

 

         إحتفلت الكنيسة بأعياد الظهور الإلهي ، الميلاد والختان والغطاس ، وتركزت عظات ” قداسة البابا بطرس ” في شرح عقيدة الثالوث القدوس ، والرد على كـل الشكوك التي أثارها أريوس ، وإستفاض أبونا المحبوب بطرس في الحديث عن الظهور الإلهي للأقانيم الثلاثة في قداس عيد الغطـاس ( 19 يناير سنة 303م )0

         وفي يوم عيد الغطاس كانت فرصة لقاء طيبة للأصدقاء ، إذ سمحت الظروف بتواجد ” ديمتري ” ، الذي إستضاف أصدقائه الأحباء ، ” أرشيلاوس ” و ” الكسندروس ” و” ميناس ” ، وإذ كانت أسرة ديمتري ميسورة الحال ، وقد نالت أمه وأخواته الصبغة المقدَّسة بيد المتنيح أبونا ثيؤدوسيوس والد قداسة البابا بطرس ، صارت ” سوسنا ” والدة ديمتري إنسانــة تقيــة تصنع إحسانات كثيـرة للفقراء ، وصارت أخواتـه ” راحيل ” و ” دينة ” و ” ميراب ” خادمـات فضليـات فـي كاتدرائيـة الألف عمود 0 أما ” ديمتري ” فقد ظل كما هو ، لا هو يهودي ، ولا هو مسيحي ، والأمر العجيب أن الأصدقاء يعاملونه بكل حب وإخاء ، بالرغم من أنه يقف في محطة وسط بين اليهودية والمسيحية ، فمازال عقله يقف بمقابله : ” يهوه يصير عبداً ! 00 يهوه يُضرب ويُهان ويُصلب ويموت !! ” 00 كان الأصدقاء يوقنون أن الله لن يتخلى عن ديمتري الإنسان المُحب المُخلص الصادق الأمين ، وكما إعتاد الأصدقاء أن يجري الحديث بينهم بلا عائق ، وتتواصل الأفكار بلامانع ، فهذه قلوب عامرة بالمحبة تستأنس لبعضها البعض0

ديمتري : إننـي أعيش قول بولس الرسول لأهل روميا عن اليهود ” فإنهم إصطدموا بحجر الصدمة0 كما هو مكتوب ها أنا أضع في صهيون حجر صدمة وصخرة عثرة ” ( رو 9 : 32 ، 33 )0

الكسندروس : ولماذا لا تكمل القول ” وكل من يؤمن به لا يخزى ” ( رو 9 : 33 )0

ديمتري : نعـم كل من يؤمن !! 00 لكنني للآن لا أستطيع أن أؤمن ، أفلا ينطبق عليَّ قول الرسول بولس لأهل كورنثيوس ” نحن نكرز بالمسيح مصلوباً لليهود عثرة ولليونانيين جهالة ” ( 1كو 1 : 23 )0

الكسندروس : وأيضاً أكمل الرسول قوله ” وأما للمدعوّين يهوداً ويونانيين فبالمسيح قوة الله وحكمة الله ” ( 1 كو 1 : 24 ) وقال لأهل رومية عن اليهود ” فأقول ” ألعل الله رفض شعبه ؟ حاشا0 لأني أنا أيضاً إسرائيلي 00 لم يرفض الله شعبه الذي سبق فعينه ” ( رو 11 : 1 ، 2 )0

ديمتري : ولكن ماذا أعمل لو كنت لستُ من المعينين المختارين لملكوت السموات ؟ هل أذهب للجحيم ؟ 00 أمي وأخواتي الذي أحبهم يذهبون لمكان السعادة وأنا لمكان الشقاء ؟! 00 هل جاء المسيح ليصنع إنشقاقاً في الأسرة المتآلفة المتحابة ؟!!

السكندروس : الله لم يعين مجموعة للملكوت وأخرى لجهنم النار ، ولكن الله بعلمه السابق يعلم الذين سيقبلوه ويسلكون في وصاياه ، فعينهم للملكوت ، وبعلمه السابق أيضاً يعلم الذين سيرفضونه فهؤلاء ليس لهم نصيب في ملكوته0

ديمتري : لكنني لم أرفضه 0 فقط عقلي يقف مقابلي حجر عثرة في طريق إيماني 00 فماذا أفعل ؟

ألكسندروس : إطمئن ياديمتري ، فإن لكل شئ تحت السماء وقت 00 سيأتي الوقت الذي تؤمن فيه ، ويكون إيمانك عظيماً ، فإن الله ليس بظالم حتى ينسى تعبك ومحبتك وصدقك وأمانتك ، ولن ينسى الله صلوات أمك عنك وطلبتها بأن يضمك المصلوب إلى أحضانه ، وأيضاً أنت بالنسبة لنا أخ محبوب من أجل الآباء كقول معلمنا بولس الرسول عن اليهود ” من جهة الإنجيل هم أعداء من أجلكم0 وأما من جهة الإختيار فهم أحباء من أجل الآباء 0 لأن هبات الله ودعوته بلا ندامة ” ( رو 11 : 28 ، 29 ) 00 ونحن لسنا ننكر أننا مدينون لليهود الذين حفظوا لنا أقوال الوحي الإلهي ” إذاً ما هو فضل اليهودي أو ما هو نفع الختان0 كثير على كل وجه0 أما أولاً فلأنهم إستؤمنوا على أقوال الله ” ( رو 3 : 1 ، 2 ) 0

ديمتري : كنت أشعر أن والدي رغم أنه لم يكن متديناً ، ورغم محبته الكبيرة لنا ، فأنه كان يوقر ويحترم ويهاب ويقدس الرقوق المقدَّسة ، وأنه على إستعداد أن يضحي بنا ولا يضحي بهذه الأسفار المقدَّسة 00

أرشيلاوس : ما هي أخبار دراستك وأبحاثك ياأبو التاريخ ؟

ميناس : بعد أن إنتهيت من دراسة تاريخ الإسكندرية في العصر اليوناني ، كما حكيت لكم من قبل عن نهاية عصر حسن وبداية عصر سئ ، نهاية العصر الإغريقي ( اليوناني ) حيث كانت خيرات مصر لمصر ، وبداية العصر الروماني ، حيث تنهب روما خيرات بلادنا وتُثقل كاهلنا بالضرائب الباهظة المتعددة وتعاملنا كعبيد 00 بدأتُ الآن في دراسة التاريخ الحديث المعاصر ، فالإمبراطور ” دقلديانوس ” يبذل جهود مضنية للإصلاح ، والكنيسة بلاشك لا تكف عن الصلاة من أجله ، ولا أحد ينكر أننا نتمتع بالسلام الجزيل في هذا العهد المبارك ، وقد جفت أنهار الدماء التي روت أرض مصر0

أرشيلاوس : وهل عرفت آخر الأخبار ياأخ ميناس ؟

ميناس : وما هي ياأرشي ؟

أرشيلاوس : هذه الأخبار لا يمكن أن تخفى عن دارس مدقق وباحث ضليع في التاريخ الحديث مثلك ياميناس 00 إن دقلديانوس أوشك على تغيير سياسته نحونا 180 درجة0

ديمتري : سمعت هذا وحزنت جداً ، الرجل الذي ترك لنا الحرية الدينية ، حتى إرتفع شأن المسيحيين في كل المسكونة نحو عشرين عاماً ، يعود إلى أفعال الأباطرة البشعة 00 سمعت أن جاليريوس هو الذي يغريه لإضطهادنا0

ياأخ ميناس 00 ما هو تقييّمك لهذا الرجل الذي تفتخر به ؟

ميناس : قبل أن نقيَّم دقلديانوس دعونا نُلقي الضوء قليلاً على الأوضاع التي كانت سائدة في مصر قبل حكمه ، فإن الإمبراطورية الرومانية ، أعظم إمبراطورية عرفها التاريخ قوة وإتساعاً ، قد شهدت في القرن الثالث إضطرابات وقلاقل كثيرة ، فمثلاً في سنة 240م إخترقت جماعات البربر حدود الإمبراطورية من الغرب ، فغارت على غالة ( سويسرا وفرنسا ) ، ، وفي سنة 251م زحف القوطيون من الشمال إلى شبـه جزيرة البلقان وقتلـوا الإمبراطور ” ديكيوس ” ، وفي سنة 260م هاجم الفرس الحدود الشرقية وإستولوا على بارثيا وأسروا الإمبراطور ” فاليريان ” ( 253 – 260م ) ، وفي سنة 282م جاء الجرمانيون من الشمال ، وهم قوم يتميزون بقوة البنية والعيـون الزرقاء اللامعة ، والشعــر الأحمر ، وأغـاروا على حـدود الإمبراطورية ، وأخيـراً إستطاع ” كاروسوس ” ( 287 – 296م ) قائـد الأسطول الإستقلال بإنجلترا ، وعمت القلاقل أنطاكية فتصدى لها دقلديانوس إمبراطور المشرق ، وكذلك شمال أفريقيا فتصدى لها ماكسيميان إمبراطور الغرب ، وفي مارس 297م هزم ” نارسيس ” ملك الفرس بجيشه العرمرم الروم ، وإستولى على ولاية ما بين النهرين حتى إستعادها ” جاليويوس ” في مايو 298م ، وتزايد الصراع على عرش روما لدرجة أنه خلال القرن الثالث تولى العرش ستة وعشرون إمبراطوراً ، أُغتيل منهم خمسة وعشرين ، وكان من النادر أن يحتفظ أحد الأباطرة بالعرش لمدة عشر سنوات0 أما ” السناتو ” ( مجلس الشيوخ ) فقد تعرَّض للضعف فـي عهد الإمبراطور ” كاروس ” Carus ( 282 – 284م ) وبعد أن كان ” السناتو ” هو الذي ينعم على الأباطرة بالإمبيريوم Imperum ( سلطة قيادة الجيوش ) صارت السلطة للجيش ، فالجيش هو الذي يُنصّب الإمبراطور ، وهو الذي يعزله أو يغتاله ، أما ” السناتو ” فصار أشبه بمجلس البلدية الذي يجمع أغنياء روما ووجهاءها ، بل أن الجيش نفسه تعرَّض للضعف ، بسبب كثرة الحروب من جانب ، ومن جانب آخر سمح لمن لا يريد أن يلتحق بالجيش من الشباب أن يدفع ” البدل ” وهو مبلغ من المال مقابل الإعفاء من الخدمة العسكرية 0 هذا من الناحية السياسية0

         أما من الناحية الإقتصادية ، فقد أصاب الكساد الزراعة بسبب كثرة الحروب ، وبسبب الضرائب الباهظة ، فانتشرت ظاهرة ” الأناخوريسيس ” Anachoresis أي هروب الفلاحين من زراعة الأرض ، فيتركون ذويهـم وأراضيهم وينزون في أحد المدن البعيدة ، حتى يفلتوا من الضرائب الباهظة الكثيرة والمتشعبة ، فالضرائب تُفرض على الغلال مثل القمح والشعير ، وعلى التبن ، وعلى الكتان ، والفواكه والخضروات ، والنبيذ ، واللحوم ، وعلى الأشخاص ( ضريبة الرأس ) من سنة 14 إلى 60 سنة ، وعلى البيع والتجارة ، وعلى الوظائف والحرف والخدمات مثل النقل ، وعلى حركة البضائع ، وحركـة الأفراد ، والممتلكات ، والرهونات ، وعلى كل شئ ، وبنسبة غير محددة ، حتى أن أحد الولاة لكيما يسر قلب الإمبراطور زاد من الأعباء الضريبية ، وعندما أرسل الحصيلة إلى الإمبراطور بكته قائلاً : ” لقد كان مرادي أن تجز صوف غنمي لا أن تسلخها(60)0

         وبالإضافة للضرائب فهناك ” الخدمات الإلزامية ” Leitourgia أي ” العمل من أجل الشعب ” فيكلف الأشخاص بأعمال إلزامية مجاناً ، فمثلاً كل شخص عليه أن يعمل خمسة أيام في تطهير الترع والقنوات بلا مقابل ، ويحصل على شهادة تثبت إتمام هذه الخدمة وإلاَّ تعرَّض للمسائلة الشديدة ، ويكلَّف أحد الأشخاص الأغنياء بوظيفة ” السينولوجوس ” أي المسئول عن تجميع الضرائب العينية بلا مقابل ، بل أن الغلال التي يجمعها هو مسئول عن شحنها للإسكندرية توطئة لشحنها إلى روما ، وهو مسئول عن سد أي عجز يحدث في الكمية المتوقعة ، حتى لو بعد إنتهاء مدة تكليفه ، وإن أراد هذا الشخص الذي تم إختياره لتجميع الضرائب إعفاءه من هذه المهمة الثقيلة ، لا يُعفى إلاَّ إذا تنازل عن أمواله وممتلكاته ، وكثيرون كان يفضلون هذا ، وعندما كان يهرب أحد الفلاحين تاركاً أرضه بدون زراعة تتعرَّض أسرته للضرب والتعذيب الذي يصل إلى حد القتل للإرشاد عنه ، بل أن الدولة ترصد مكافآت مالية لمن يرشد عن هؤلاء الفلاحين الهاربين ، وأيضاً يُعاقب أهل قريته فيُلزمون بزراعة أرض الفلاح الهارب وتسديد الضرائب عنها ، فكل إهتمام روما زراعة كل شبر لكيما تضمن وصول القمح مجاناً إليها ، فمصر هي الضيعة الرومانية ، والبقرة الحلوب التي يُستدَر لبنها حتى الإستنذاف ، والشعب المصري هم سخرة لروما ، وما يقدمه المصريون للرومان من ضرائب عينية ومالية هي خطوط حمراء لا يمكن المساس بها0

         وأيضاً أصاب الكساد التجارة بسبب غزوات البرابرة ، وإنتشار أعمال القراصنة الذين يسطون على سفن البضائع وسفن الركاب ، فيأسرون الأشراف ، ويبيعونهم عبيد ، فأسواق الرقيق الأبيض يُعرَّض فيها عشرات الألوف من هؤلاء التعيسي الحظ ، الذين ساقتهم أقدارهم لفقدان أسرهم وذويهم إلى الأبد ، وسلبت منهم حرياتهم فصاروا أشياء تُباع وتُشترى ، والضيع الرومانية المتسعة إستوعبت أعداداً ضخمة منهم في أعمال الزراعة ، والبعض أُرسلوا للعمل في المناجم في ظروف قاسية للغاية ، ويكاد لا يخلو بيت من وجود العبيد ، حتى أن عدد العبيد في روما يفوق جداً عدد الأحرار فيها ، وأُستغل بعضهم في التعليم وإدارة أعمال سادتهم ، بينما عمل الآخرون كالدواب في إدارة الطواحين ، وقد عُلّقت الأجراس بأقدامهم حتى لا يتوقفوا عن العمل ، وتشوَّهت أجسادهم من ضربات الشيطان أقصد ضرباب السياط ، فحينما لا يوجد المسيح توجد كل قسوة وتجبر ، وسعداء هم العبيد الذي يعيشون في بيت من بيوت المسيحيين ، يشاركونهم الصلوات ويتمتعون بمحبتهم ورحمتهم وكأنهم أعضاء في البيت الواحد0

         ومن الناحية المالية لم تجد الإمبراطورية الرومانية كفايتها من المعادن التي تُسبك منها العملات الذهبية والفضية والنحاسية ، فلجأت للتزييف ، فخلطت العملات الذهبية بنسبة أكبر من الفضة ، والعملات الفضية بنسبة أكبر من النحاس ، حتى وصلت نسبة الفضة في عهد ” أوريليان ” ( 270 – 274م ) إلى 5 % من وزن العملة الفضية ، وخلطت العملات النحاسية بالرصاص ، فقلت قيمة العملة وإرتفعت الأسعار إرتفاعاً جنونياً ، وحدث تضخم كبير ، مما أدى إلى فقدان السلام ، وإنتشار الفقر والأوبئة ، بالإضافة للحروب والقلاقل وشر القراصنة ، وقد عبّر ” برونوس ” كاتب سيرة الإمبراطور ” نومريانوس ” ( 276 – 282 م ) عن حلمه في مستقبل يسوده السلام والرخاء فقال عن ذلك العصر :

لن يُحتاج إلى جنود ، وكذلك قريباً لن يكون هناك جنود رومان0

سوف تسود الدولة ( الرومانية ) في كل مكان ، وتحكم الجميع في أمان0

لن يصنع أحد أسلحة ولن يجهز المؤن0

سوف تحفظ الثيران لحرث الأرض ، ستُربى الخيول لأغراض السلام0

لن تكون هناك حروب ولا أسرى0

سوف يسود السلام في كل مكان ، وسيكون قضاة منا في كل مكان(61)0

         بينما كتب أحد الأشخاص الذي يعيش في قلق دائم بسبب الخدمات الإلزامية ، فقال :

هل سأبقى تحت ثقل الضغوط ؟!

هل ستصادر أموالي ؟!

عل ستُباع أملاكي في المزاد العلني ؟!

هل سأستطيع الحصول على أموال ؟!

هل سأكلف بالسفارة ؟! وهل سأصبح عضوا في المجلس البلدي ؟

هل ستنتهي مقاومتي(62)0

         فواضح أن أي شخص ميسور الحال حينذاك كان يتوقع أي كارثة تحل به ، كأن يُنتدب للسفارة ، أو يُختار عضواً في المجلس البلدي ، أو تُصادر أملاكه وتُباع بالمزاد العلني 00 إلخ0

أرشيلاوس : يبدو ياأخ ميناس أنك لم تكتفِ بالتخصص في التاريخ الحديث ، ولكنك صرت أيضاً خبيراً في الأمور الإقتصادية والمالية 00 على كلٍ لنستمع إلى تقيّمك للإمبراطور دقلديانوس 0

ميناس : ليكن كقولك ياأرشيلاوس 00

         وُلِد ” دياكلس ” Diocles في 22 فبراير سنة 245م في مدينة ” سالونا ” بولاية ” دالمتيا ” بإقليم ” إيلليريا ” المُطل على البحر الأدرياني ( غرب كرواتيا ) وكان والده يعمل كاتباً لدى السيناتور الروماني ” انوللينوس ” Anulinus ، وإلتحق بالجيش الروماني في طبقة الفرسان ، فوصل إلى رتبة ” دوق ” ( أي قائد فرسان ) ثم أصبح قائداً لقوات الحرس الإمبراطوري ، ورغم أنه لم يكن قائداً عسكرياً فذاً ، لكنه كان سياسياً مُحنكاً واسع الأفق ، له مواهبه في شئون الإدارة والسياسة ، وفي خريف سنة 284م إستطاع الوصـول إلـى عرش رومـا ، فقيل (63) أنه عندما مات ” نومريانوس ” في خلقيدونية بعد عودتـه من حرب الفرس ، دبر ” دقلديانوس ” حيلة محبوكة ، فإستطاع الحصول على تصديق من قواد الجيش لإنتخابه إمبراطوراً ، وعندما خشى من رجلاً كان أحق منه بالكرسي الإمبراطوري ، أمر بالقبض عليه ، فأحضروه أمامه مقيداً بالسلاسل والأغلال ، فلم يحقق معه ، بل إتهمه بأنه هو الذي قتل الإمبراطور ” نومريانوس ” ولم يقدمه للمحاكمة ، إنما أطاح بكل التقاليد والأعـراف الرومانية ، وفعل ما لم يفعله إمبراطوراً قبله ، إذ جرد سيفه وأطاح برأس الرجل البرئ0

         وعندما تولى دقلديانوس الحكم سنة 284م قام بإصلاحات جوهرية سياسية ، وإدارية ، وعسكرية ، ومالية وضريبية (64) :

فبالنسبة للإصلاح السياسي إختار دقلديانوس شريكاً له في الحكم ، وهو ” مكسيميان ” Maximian الذي كثيراً ما شاركه في المعارك الحربية ، فكان كل منهما يسعف الآخر ، فصار ” دقلديانوس ” مسئولاً عن الشرق ، و ” مكسيميان ” مسئولاً عن الغرب ، ومكسيميان أكبر من دقلديانوس سناً فولد نحو سنة 240م ونشأ في أسرة قروية بجانب مدينة ” سرميوم ” Sirmium ( بلجراد ) ولم يتلقى إلاَّ القليل من التعليم ، ولكن كان له قدرة عسكرية فذة ، ومنح دقلديانوس مكسيميان رتبة ” قيصر ” وهذه الرتبة لا تعطه إمتيازات دستوريـة وتشريعيـة ، ولذلك رقــاه إلى رتبة ” أغسطس ” أي ” المهيب ” أو ” المختـار بحسـن الطالع ” وهو لقب إلهي ، وكان ” مكسيميان ” يميل للقسوة والإفراط في إستخدام القوة ، يميل للخرافات ، ويعتقد بالسحر ، حتى أنه كان يفتح بطون الحبالى ، ويقدم ضحايا بشرية للشياطين ، وظل ماكسيميان وفياً لدقلديانوس رفيق السلام0 وفي سنة 293م عيَّن دقلديانوس ” جاليريوس ” Galerius زوج إبنته ” فاليريا ” Valeria مساعداً له في الحكم برتبة ” قيصر ” ، كما عيَّن ” قنسطنطينيوس ” Canstantius زوج ” ثيودورا ” Theodora إبنـة ماكسيميان مساعداً لماكسيميان برتبة ” قيصر ” ، وبذلك تغلب دقلديانوس على مشكلة من أهم المشاكل التي كانت تقابل الأباطرة ، وهي إغتيالهم ، فجعل المسئولين عن الحكم أربعة أشخاص ، حتى إذا أُغتيل واحد منهم يظل في الحكم ثلاثة آخرون يقتصـون مـن الجناة ، وكان ” قنسطنطينوس ” إبن ” يتروبيوس ” Eutropius من الأشراف ، وأمه إبنة أخت الإمبراطور ” كلاوديوس ” Claudius ( 268 – 270م ) وقد تميز بالخلق الرفيع والطبع الهادئ الرقيق ، فكان أفضلهم جميعاً ، فأحب الجميع وعاملهم بالحسنى ، ومنح حرية العبادة للمسيحيين ، ولم يستخدم أي قسوة معهـم ، ولم يضطهدهم ، ولم يصادر أملاكهـم ، إنمــا طلب منهم أن يصلوا من أجله ومن أجل حكومته (65) ، وقال عنه ” يوسابيوس القيصري ” : ” كان كل أيام حياته رحيماً برعاياه ومحباً للكلمة الإلهيَّة 00 كان أرق إمبراطور ، وأكثرهم شفقة ورحمة0 كان هو الوحيد بين أباطرة عصرنا الذي قضى كل وقت حكمه بكيفية تتناسب مع مركزه0 وعلاوة على هذا فقد تصرف مع الجميع بكل رقة وصلاح ، ولم يشهر ضدنا أقل حرب ، بل حفظ الأتقياء الذين كانوا تحت إدارته دون أن يمسهم أقل أذى0 لم يهدم أبنية الكنائس ولا دبر أي شئ آخر ضدنا ، وكانت خاتمة حياته مكرَّمة ، ومثلثة الطوبى ، فهو الوحيد الذي ترك الإمبراطورية في حالة سعيدة ومجيدة لإبنه خليفة له(66) 0

         وتولى ” دقلديانوس ” حكم آسيـا الصغرى والشرق ومصر ، فقسم مصر إلى ثلاث ولايات هي :

  • مصر الجوبترية : وتضم غرب الدلتا والإسكندرية0

2- مصر الهرقلية : وتضم شرق الدلتا ومصر الوسطى0

3- طيبة0

وعين لكل ولايـة ” إيبارخوس ” أي والياً مدة ولايته عامين ، و ” ديوكس ” dux أي قائـداً عسكرياً ، وإتخذ دقلديانوس ” نيقوميدا ” Nicomedia بآسيا الصغرى عاصمة له بدلاً من روما ، فابتعد عن مؤامرات ودسائس ” السناتو ” من جهة ، ومن جهة أخرى كانت نيقوميدا من الولايات الغنية ، ذات الكثافة السكانية العالية ، يتوفر بها أمهر الصنَّاع والتجار والمزارعين ، وأيضاً يستطيع دقلديانوس أن يصد أي هجوم فارسي قبل أن يتغوَّل في جسد الإمبراطورية 00 وترك دقلديانوس ” روما ” التي عبر زمانها وفات0

وتولى ” جاليريوس ” منطقة البلقان وجزء كبير من آسيا الصغرى ، وإتخذ ” سيرميوم ” عاصمة له0

وتولى ” مكسيميان ” إيطاليا والمناطق الشمالية من الراين والدانوب وشمال أفريقيا ، وإتخذ ” ميلان ” Milan شمال إيطاليا عاصمة له ، حتى يراقب حركات البرابرة ويتصدى لغاراتهم في وقت مبكر ، وقد تميزت هذه المدينة بمبانيها الفخمة ، وميادينها المنسقة المزينة بالتماثيل ، وأسوارها العالية0

وتولى ” قسطنطينوس ” بلاد الغال وبريطانيا وأسبانيا وموريتانيا ، وإتخذ ” تريفس ” Treves ( جنوب بلجيكا ) عاصمة له0

والجميع يخضعون لدقلديانوس الذي أرسى نظاماً جديداً للحكم يقوم على الكفاءة بدلاً من الوراثة ، بل أنه حدد مدة للحكم ، بأنه ألزم نفسه بالتخلي عن منصبه بعد عشرين عاماً ، وبعد أن كانت بعض الولايات تخضع للسناتو والبعض يخضع للإمبراطور ، جعل جميع الولايات تخضع له ، وأعاد المهابة والقداسة لمنصب الإمبراطور ، فأقام من نفسه إلهاً يستوجب العبادة ، فكان كل من يقترب منه يمر بين صفين من الخصيان والحُجَّاب وأمناء القصر ذوي الألقاب ، وعندما يصل هذا الشخص إلى عرشه يركع ويُقبّل أطراف ثوبه الحريري فإذا رفع عينيه يرى حذاءه المرصَّع بالأحجار الكريمة ، كما أن الخواتم في أصابعه مرصعة بالجواهر التي تومض ، وعقود الياقوت والزمرد تحلي صدره ، والتاج المرصَّع بالجواهر الكريمة على رأسه 00 فماذا ينقصه إذاً من مظاهر الألوهة بحسب الفكر الروماني ؟! 00 كانت عباءة دقلديانوس يحملها ثمانية أشخاص يسيرون خلفه ، ولقَّب نفسه بلقب ” جيوفيوس ” أي ممثل الإله ” جوبتر ” Jupiter 0

وبالنسبة للإصلاح الإداري فقد قام دقلديانوس بتقسيم الولايات ، حتى وصل عدد الولايات إلى أكثر من مائة ولاية ، وبذلك قلَّص من سلطات رؤساء الولايات ، وإن كان هذا النظام الجديد قد حمَّل الدولة أعباء أكثر وأرهق ميزانيتها لكنه أدى إلى إستقرار الأمن والسلام وقضى على الفتن والقلاقل داخل الإمبراطورية0 كما قام دقلديانوس بفصل الحكم الإداري عن الحكم العسكري ، فعيَّن حكاماً للقيام بالأعمال الإدارية ، وترك العمل العسكري للقادة العسكريين ، كما أنشأ كتيبة Agentes in rebus كجهاز مخابرات ، ترفع له التقارير السرية حتى شعر كل موظف أنه تحت الرقابة ولاسيما أن الفساد كان متفشياً بين كبار الموظفين الذين يبيعون الوظائف ويسرقون الشعب 0

وقام دقلديانوس بالإصلاح العسكري فقوى الحصون ، وأقام مصانع لتصنيع الأسلحة من سهام ونبال وسيوف وعجلات حربية في كل من الرها وأنطاكية ودمشق0 كما أقام مصانع لملابس الفرسان ، وصنَّع المعاطف المدرعة من الرأس للقدمين ، وكوَّن فرقة كبيرة قوية يصل عددها إلى 45 ألف فارس و 15 ألف من المشاة ، تميزت بسرعة الحركة والإنتقال من مكان إلى آخر سواء لصد الغزوات الخارجية أو لحماية السلطة الإمبراطورية ، وإن كانت قوات الجيش الضخمة التـي وصلت إلى ربع مليون من المشاة ، و 110 ألف من الفرسان قد أرهقت ميزانية الدولة ، لكن ساعدت على إستتباب الأمن0

وقام دقلديانوس أيضاً بالإصلاح النقدي فأصدر أوامره بإغلاق دور سك النقود المحلية منعاً للتلاعب ، وإقتصر سك النقود على المناطق المركزية ، وفي سنة 295م أصدر عملات موحدة لكل أنحاء الإمبراطورية سواء ذهبية ، أو فضية مدموغة بأوزانها ، أو فضية مطلية بالنحاس ذات نوعية عالية من الجودة حتى يعالج الإنهيار المستمر في قيمة العملة ، ونقش على هذه العملات تارة رأس الإمبراطور مكللاً بالغار ، وتارة رأساً لامعاً للإمبراطور ، وبذلك بدأت العملات المحلية في الإختفاء ، وخصص وزيراً للمالية أطلق عليه إسم Rationalis للإشراف على النظام النقدي ، وخصص موظفاً يسمى Chancellory يعطي الأوامر بسـك العملة ، وله إتصال مباشر بالإمبراطور0 وأيضاً لكيما يقاوم الإرتفاع الجنوني للأسعار والتضخم أصدر دقلديانوس مرسوم سنة 301م الخاص بضبط الأسعار ، والأجور ، أشار فيه للتجار الجشعين ، الذي إستغلوا ظروف الحرب فتضخمت ثرواتهم حتى أنها تكفي أمماً بأكملها ، وأوضح المرسوم الحد الأقصى لأسعار السلع المختلفة والخدمات في شتى الولايات الرومانية ، وغلَّظ عقوبة المخالفة ، أو إخفاء السلع إلى حد الإعدام أو النفي ، ومع هذا فإن مرسوم الأسعار هذا قد فشل في وقف زيادة الأسعار ، التي ظلت ترتفع ليس بين يوم وآخر ، بل بين ساعة وأخرى ، وظلت النقابات مثل نقابة الخبازين تحدد سعر الدقيق كل شهر ، وكذلك نقابة العاملين في الفضة تعلن سعر الفضة الشهري ، ولم ينجح هذا المنشور في القضاء على السوق السوداء ، وبعض التجار أخفوا السلع والآخرين أغلق المحلات0

وأيضاً قام دقلديانوس بالإصلاح الضريبي ، فبعد أن كانت هناك أنواعاً كثيرة من الضرائب ، وحَّد كل هذه الأنواعه في ضريبتين فقط أحدهما على الأشخاص ، والأخرى على الأرض ، وجعل ضريبة الأرض عينية ، فكل أرورا ( وحدة قياس الأرض ) يورد المزارع عنها عدد من أرادب القمح ، وفي 16 مارس 297م أصدر دقلديانوس مرسوماً يحدد الضريبة بناءً على إنتاجية الأرض وأصدر والي مصر منشور الإصلاح الضريبي :

أرستيوس أوبتانوس والٍ مصر يقول : أكثر أباطرتنا إعتدالاً وحكمــة ، دقلديانوس وماكسيميان الأغسطسين ، وقسطنطينوس ( وجاليريوس ) القياصرة النبلاء قد علموا أن جباية الضرائب العامة كانت ( تتم بطريقة ) ملتوية ، بحيث جعلت بعض الأشخاص يُعفَون ، أو يعاملون برفق بينما أُثقِل الآخرون0

لقد قرَّروا لصالح ولايتهم أن يزيلوا الشر الوبيل ، أو الممارسة الهدامة من جذورها ، وأن يصدروا قانوناً صالحاً ، وطبقاً لذلك من الممكن للجميع أن يعلموا مقدار الضريبة التي تُفرض على كل أرورا ( وحدة قياس الأرض ) تبعاً لنــوع الأرض ، ومقــدار ( الضريبة ) التي تُفرض على كل رأس من السكان القرويين ، والسن الأعلى والأدنى 00

فإن كرم أباطرتنا وقياصرتنا معروف جداً للجميع ، ويظل جامعوا كل نوع من الضرائب يعملون بكل دقة ، وإذا ضُبط أحدهم منتهكاً له ، فسوف يتعرض لعقوبة الموت(67)0

         وبعد أن كانت الضرائب تتغير بحسب إحتياجات الإمبراطورية من عام إلى آخر ، ثبت دقلديانوس النظام الضريبي ، فلا يتغيَّر إلاَّ كل خمسة عشر عاماً ، بالرغم من أن حركة التعمير التي قام بها دقلديانوس مثل إنشاء الطرق والكباري والحمامات والقصور إحتاجت لتمويل أكبر ، كما أن وجود أربعة قصور للحكام كانت لها تكلفتها0

         وهكذا لم يترك دقلديانوس شيئاً للصدفة ، بل مد يده في كل مناحي الحياة ، وعمل على إستقرار الصناعة ، ووفر الأمن للتجارة بالقضاء على القراصنة ، وإستطاع دقلديانوس أن ينأى بالإمبراطورية عن الحروب الأهلية ، ويقر السلام والهدوء إلى حد كبير0

ألكسندروس : لا يمكن أن ننسى الأيام الصعبة التي عشناها منذ سنوات قليلة عندما حاصر دقلديانوس مدينتنا العظمى عدة شهور ، عندما قام ” أخيلليوس ” Achilleus ( لوكيوس دوميتانوس ) Lucius Damitianus بالثورة ضد روما مستغلاً سخط الفلاحين بسبب فداحـة الضرائــب ، فأثـار مصر العليا أولاً وإنتزع إقليم ” طيبة ” وأقام نفسه ملكاً على مصر لمدة أربع سنوات ، ذاق فيها المصريون طعم الحرية ، وأصدر عملة نقدية وضع عليها إسمه ، ثم زحف إلى الإسكندرية في عام 296م ، وكان دقلديانوس في أنطاكية فجاء إلى مصر بجيش ضخم ، وحاصر مدينتنا لمدة ثمانية شهور ، لأن فقدان روما لمصر يعني ضياع ثلث مؤونة الغلال التي تصل إلى روما وتبلغ ستة ملايين أردب قمح ، وأرشد بعض الخونة دقلديانوس إلى المكان المناسب لدخول المدينة ، فاستطاع الدخول إلى المدينة بمشقة كبيرة وقتل ” أخيلليوس ” وتمكن من قمع الثورة وإعدام رؤوس الثورة ومعاوينهم ، ولكنه لم يستبح المدينة ، إنما حفظ حرمتها ، بل أنه عندما رأى معاناة الشعب السكندري ، ردَّ بعض شحنات القمح المتجهة إلى روما ، ووزعها على الشعب ، ولهذا أقام له السكندريون نصباً تذكارياً في ” معبد السيرابيوم ” وهو عمود السواري ، وقد سجل تحته عبارة ” إلى الإمبراطور العادل الإله حامي الإسكندرية دقلديانوس الذي لا يُقهر وبوستوم والي مصر أقام هذا الأثر(68)0

أرشيلاوس : إذا كانت أعمال دقلديانوس بهذه العظمة فلماذا أنقلب هذا المُصلح ضدنا ؟

ميناس : كان ” دقلديانوس ” متسامحاً مع المسيحيين حتى أن زوجته ” بريسكا ” Prisca وإبنته ” فاليريا ” Valeria إعتنقتا المسيحية ، وكثر في عهده عدد الموظفين المسيحيين في القصر الإمبراطوري ، وبعضهم تولى مراكز هامة مثل ” لوشيان دورثيوس ” و ” جورجونيوس ” و ” أندرياس ” الذي حظوا بمحبة دقلديانوس وعطفه ، بل أن دقلديانوس أوكل كرسي البلاغة اللاتيني إلى الكاتب المسيحي الشهير ” لاكتانتيوس ” وعندما زار دقلديانوس مدينة أنطاكية أبدى إعجابه بالكاهن المثقف ” دورثيوس ” Dorotheus الذي إتقن اللغة العبريـة وقرأ أصول الأسفار المقدَّسة باللغة العبرية ، وجعله مسئولاً عن أعمال الصباغة في مدينة ” تيري ” Tyre 0

         ولكن بلغ أسماع دقلديانوس أن المسيحيين يرفضون الخدمة العسكرية والإشتراك في الحروب التي تؤدي إلى سفك الدماء ، لأن المسيحية تدعو لمحبة الجميع حتى الأعداء ، لهذا خشى دقلديانوس من تفشي مثل هذه الأفكار في أرجاء الإمبراطورية ، مما يؤثر على قوة الجيش ، كما أنه نهى المسيحيون بشدة عن تكريم التماثيل التي يكرّمها الوثنيون ، أثار حقد الوثنيين على المسيحيين ، وأيضاً الصياغ والصيَّاغ خشوا كساد تجارتهم0

ألكسندروس : الإنسان المسيحي له الحرية في التسامح والصفح فيما يخص أموره الشخصية ، بل هذا مبدا إنجيلي ، ولكن فيما يخص حق الدفاع عن الدولة فلا يجب على المسيحي الذي يحب وطنه أن يقصر في أداء الواجب العسكري ، بل يقدم نفسه بسرور فداءً عن شعبه ووطنه 0

ديمتري : سمعت أيضاً أن دقلديانوس طلب من ” تاجيس ” Tages رئيس العرافين أن يفحص أحشاء الأضحية التي قدمها للآلهة ، فأخبره ” تاجيس ” بأن المسيحيين أعداء الآلهة قد أفسدوا مهمته ، وأن الآلهة غاضبة منهم ، ومادام هؤلاء الكفرة في القصر فإن الأرواح لن تتجلى ولن تظهر0

أرشيلاوس : أيضاً المسيحيون لا يؤلهون الإمبراطور ولا يسجدون له ، فبلاشك أن هذا يضايق دقلديانوس كثيراً لأنه يؤلّه نفسه0

ديمتري : وأيضاً ” جاليريوس ” لا يكف عـن إفساد ذهن دقلديانوس ، فهــو لا يطيــق المسيحيين ، كما أن أم جاليريوس ” رامولا ” Ramula الوثنية دائماً تحرضه علينا ، والجميع يعلم أن ” جاليريوس ” يؤمن بالخرافات مثل أمه ، كما أنه سكير وفاسق0 والأمر الغريب أن دقلديانوس عندما يستشعر أن القرار صائباً فهو يتخذه منفرداً لكيما يرجع إليه المديح والثناء ، أما إذا إستشعر القرار خاطئ فأنه يستشير أعوانه حتى لو حدث فشل يُنسَب إليهم ، ولذلك فهو ينصت إلى ” جاليريوس ” لأنه يشعر أن قراره في القضاء على المسيحيين قرار غير صائب0

ألكسندروس : حقاً قال العلامة ” ترتليان ” : ” فإذا فاض التيبر على الأسوار ، أو غاص النيل فلم يبلغ الحقول ، أو أُمسكت السماء عن المطر ، وإذا زلزلت الأرض ، أو حدثت مجاعة ، أو إنتشر وباء ، تتعالـى الصيحـات على الفور هاتفة : فليلقَ المسيحيين إلى الأسود(69)0

(60)  نفتالي لويس – ترجمة دكتورة أمال الروبي – الحياة في مصر في العصر الرومان 30 ق0م – 284م ص 178

(61)  منيرة محمد الهمشري – النظام الإداري والإقتصادي في عصر دقلديانوس ( 284 – 305 م ) ص 58

(62)   المرجع السابق ص 59

(63)   راجع لويزا بوتشر – تاريخ الأمة القبطية – طبعة 1897م

(64)   راجع معالي حسين محمد – رسالة ماجستير عن الإمبراطور دقلديانوس ( 284 – 305م )

(65)   راجع كامل صالح نخلة – حياة البابا بطرس الأول خاتم الشهداء ص 19

(66)   ترجمة القس مرقس داود – تاريخ الكنيسة ص 378

(67)   منيرة محمد الهمشري – النظام الإداري والإقتصادي في مصر في عهد دقلديانوس 284 – 305م ص 147 ، 148

(68)   دليل متحف الإسكندرية – تأليف برشا ص 100 ، 101 – كامل صالح نخلة – حياة البابا بطرس الأول خاتم الشهداء ص 20

(69)   د0 حسن يوسف ، د0 حسن الإبياري – تاريخ وآثار مصر في عصر الرومان ص 58

 

أيها المصلح لماذا؟! ف9 – كتاب البحار المغامر – حلمي القمص يعقوب

تتويج البابا ف8 – كتاب البحار المغامر – حلمي القمص يعقوب

تتويج البابا ف8 – كتاب البحار المغامر – حلمي القمص يعقوب

تتويج البابا ف8 – كتاب البحار المغامر – حلمي القمص يعقوب

 

الفصل الثامن : تتويج البابا

 

         شيعت الإسكندرية باباها العظيم ” الأنبا ثاؤنا ” ، الذي ظل حيَّاً في قلوب أولاده ، كما تعلَّقت كل عيون الشعب بتلميذه النجيب قدس ” أبونا بطرس ” ، فهو باباهم الذي سيجلس على عرش مارمرقس بتصريح رسمـي من رب المجد عريس الكنيسة ، وكان ” أبونا بطرس ” يناجي في صلواته ، ولاسيما في القداس الإلهي ، روح أبيه الروحي ومعلمه ومرشده الأنبا ثاؤنا ، وبلاشك أن المشاعر متبادلة ، فلابد أن البابا الذي سكن فردوس النعيم وصار قريباً من العرش الإلهي لا يكف عن الصلاة من أجل كل أولاده ، ولاسيما القس بطرس ، المزمع أن يعبر بالكنيسة أشد العصور ظلمةً وظلماً وإضطهاداً وتعسفاً ودماءً وأشلاءً 00 هذه هي الكنيسة المقدَّسة ، فهي كنيسة فوق الزمان 00 المجاهدون يصلون من أجل المنتصرين ، والمنتصرون الذين بلغوا سماء المجد يتشفعون من أجل الأحياء على الأرض ، وهؤلاء وأولئك يصلون من أجل الآتين بعدنا الذين لم يولدوا بعد0

         ومع فجر اليوم الأول من أمشير سنة 302م بدأت صلوات التسبحة في كاتدرائية السيدة العذراء مريم بالمدينة العظمى المحبة لله الإسكندرية ، وبدأ الأساقفة الذين توافدوا منذ الأمس وأول أمس يتوافدون من سكناتهم ، وكذلك الآباء الكهنة من الإسكندرية وخارجها ، كما حضر أساقفة أورشليم وأنطاكية وقبرص ، والكل يشكر الله الذي أظهـر إهتمامـه بكنيسته وأعلـن إرادته في إختيار ” أبونا بطرس ” ، فأراح الجميع من مسئولية الإختيار والتفضيل 00 وبعد أن تختار السماء من يستطيع الإعتراض ؟!0 لم تكفِ كاتدرائية الألف عمود على إستيعاب الوافدين من الأكليروس والشعب ، فإزدحمت الشوارع المحيطة بها ، بل أن الإسكندرية قد إرتجت بهذا التجمع الضخم والحشد الهائل ، وتساءل الناس : ماذا يحدث اليوم ؟! 00 وقال أحد الحاسدين : ما بال المسيحيون يخرجون من جحورهم اليوم ؟!

         وبدأت صلوات التكريس للبابا الجديد ” بطرس بطريرك الكرازة المرقسية وبينتابوليس ” ( الخمس مدن الغربية ) وإرتفعت الصلوات والإبتهالات من الآلاف من أجل البابا الجديد ، ليجعل الله عهده عهد بركة وسلام ، مثلما كان عهد سلفه البابا ثاؤنا ، ورغم طول الصلوات ومرور الساعات فإن أحداً لم يمل ولم يكل ، ولم ينصرف أحد 0

         ومما زاد فرحـة الشعب أن أول عمل قام به ” البابا بطرس ” أنــه وضـع اليد على تلميذيه ، فسـام ” أرشي ” دياكـون باســم ” أرشيلاوس ” وسـام ” إسكنـدر ” دياكون باسم ” ألكسندروس ” ، والدياكونية ( الشماسة ) هي أولى درجات الكهنوت الثلاث ( الدياكونية والقسيسية والأسقفية )0

         وإنتهت الصلوات بزفة البابا بطرس الأول ، فطاف الأساقفة والكهنة أرجاء الكنيسة يحملون المجامر ومعهم الشمامسة يحملون الصلبان ، وإستراحت روح أبينا الأنبا ثاؤنا عندما أبصر إبنه الذي رباه وتلمذه قد تسلم البستان ليرويه بعرقه ودمه ، وعمت الفرصة أرجاء الكــرازة المرقسيــة بالبابــا الجديد0

         أما الشماسان المكرسان ” أرشيلاوس ” و ” الكسندروس ” فقد زادا من طاعتهما لأبيهما الروحي الذي إعتلى السدة المرقسية ، وصارا يبذلان كل جهد في خدمتهما ، وقداسة البابا بطرس من جانبه إختصهما برعايته ومحبته ولم يبخل عليهما بشئ من خبراته الروحية ، وهو لا يدري أنه يتلمذ البطريرك القادم وبعد القادم ، وهكذا تستمر حياة التلمذة في كنيستنا المقدَّسة من جيل إلى جيل وإلى دهر الدهور أمين0

         ولمع في سماء الإسكندرية نجما جديداً ، وهو ” أريوس ” الذي وُلِـد سنـة 270م وعاش فـي ليبيا ، وكان قد تتلمذ على يد ” لوكيانوس ” الأنطاكي الذي تأثر بآراء ” بولس الساموساطي ” الذي وُلِد في ” سيمساط ” وهي مدينة صغيرة ما بين النهرين ، وكان بولس مهموماً بجمع المال والغنى ، وتمكن من الوصول إلى الكرسي الأنطاكي ، وعندما كان يسير هذا الأسقف كان يسبقه مائة خادم ويلحقه مائة آخرون ، وكان يصطحب معه إمرأتين جميلتين تصحبانه أينما توجه فيقضي معهما أكثر أوقاته ، وبدَّل ترانيم الكنيسة بمدائح لشخصه ، وكان يهين ويوبخ من لا يصفق له في عظاته ، وكلفته الملكة ” زنوبيا ” ملكة تدمر بتحصيل الخراج ، فتولى السلطة المدنية بجانب الدينية ، وأعدَّ لنفسه محكمة وعرشاً مرتفعاً ، وعند دخوله للمحكمة كان يضرب الأرض بقدمه ويضرب بيده على فخذه ، ونادى بأن السيد المسيح وُلِد إنساناً عادياً ممتلأ قوة إلهيَّة ، ثم حل فيه كلمة الله ، ولهذا دُعي بابن الله لأن الكلمة الإلهي إتحد به ، ولكن عند الصليب فارقه ، وصلب يسوع الإنسان ، وحاول البابا ديونيسيوس رقم (14) أن يثنيه عن رأيه ، وقد شرح له الإيمان المستقيم من خلال رسائل عديدة ، إلاَّ أنه كان متمسكاً برأيه ، وكلما عُقد له مجمع في أنطاكية كان يراوغ ولا يبوح بعقيدته ، فأرسل آباء أنطاكية يشكون للبابا مكسيموس ( رقم 15 ) فعقد مجمعاً سنة 268 م حضره عدد كبير من الأساقفة وحكموا بحرمه ، وتعيّن ” دمنوس ” عوضاً عنه ، ولم يرضخ ” بولس الساموساطي ” لحكم المجمع مستقوياً بقوة تدمر ، فرفع الأساقفة الأمر للإمبراطور الروماني ” أورليان ” فحكم بأن تعطى الأسقفية لمن إنتخبه المجمع0 كما إعتقد ” لوكيانوس ” أن السيد المسيح ليس هو إنساناً كاملاً ولا إلهاً كاملاً ، وتأثر أريوس بآراء هذا وذاك 00 وهكذا تنتقل البدعة كالوباء من شخص إلى آخر وتزيد وتتفرع ، ولكنها تقف عاجزة أمام الإنسان المتضع ، وليس لها سلطان إلاَّ على الإنسان المتكبر المتصلف المعتد برأيه0

         وجاء ” أريوس ” إلى الإسكندرية ، وإلتحق بالمدرسة اللاهوتية ، وتبحر في العلوم اللاهوتية ، وتعاطف مع ” ميليتوس ” ( أسقف أسيوط المنشق ) ثم أعلـن ” أريوس ” خضوعه للبابا بطرس ، فقبله البابا بمحبة وسامه شماساً ، ثم قساً ، وعينه واعظاً لفصاحته ، و ” كان أريوس لاهوتياً متعلماً ناسكاً في طبعه ، متقد غيرة ، قوي العزيمة ، له قدرة فائقة على الوعظ (48)0

         وكان ” البابا بطرس ” المتسربل بالإتضاع لا يستنكف أن يحضر عظات أريوس أو غيره ، فلاحظ قول أريوس ” إبن الله كائن بعد إن لم يكن ” 00 فظن أنه يتكلم عن ناسوت السيد المسيح ، ومن الطبيعي أن هذا القول ينطبق على الناسوت الذي لم يكن له وجود قبل أن يتكون في أحشاء العذراء البتول ، فالإبن أزلي بلاهوته ، أما الناسوت فقد مرَّ وقت لم يكن له وجود ، لأن الناسوت ليس أزلياً ، وإذ بأريوس يركز على الآيات التي تخص الناسوت ويتفادى الآيات التي تتحدث عن لاهوت السيد المسيح ، ومساواته للآب ، ولم يكن لبابا الإسكندرية حارس الإيمان الأمين أن يصمت ، إنما بمحبة وجه نظر أريوس ، ظناً منه أن هذا مجرد فكر عابر غير مقصود ، ولكنه إكتشف أن هذا الفكر غائر وعميق في قلب أريوس وعقله ، والدليل على هـذا أن ” أريوس ” لم يتخلى عن فكره ، ولم يتجاهله إكراماً لخاطر البابا ، بل ظن أنه هو الوحيد الذي يفهم الحقيقة دون الكل ، فظل يؤكد على فكره الخاطئ ، حتى أباح ( أريوس ) بأن السيد المسيح ليس مساوياً لله ، إنما هو إله تابع للرب ، وأن الآب الأزلي غير المحدود القادر على كل شئ هو الذي خلق الإبن ، وقد مرَّ وقت كان فيه الآب ولم يكن فيه الإبن ، وان عبادة الإبن نوع من الشرك والوثنية ، وإن كان الإبن كائن قبل خلق العالم إلاَّ أنه ليس أزلياً ، بل يعتمد على المعونة الإلهيَّة ، لأنه كان قابلاً للسقوط في الخطية ، وأن الإبن هو الذي خلق الروح القدس ، وبدأ أريوس يتحدث ببدع عجيبة غريبة ، وصار لساناً للشيطان0

         وعقد ” قداسة البابا بطرس ” مجمعاً بالإسكندرية حضره عدد من الآباء الأساقفة ، وإستدعوا أريوس وأخذوا يناقشونه في آراءه ، ولكن كبرياءه منعه أن يتنازل عن بدعه ، وينصاع للحق ، فانتهى المجمع إلى حرمه ، فحُرِم من الأسرار المقدَّسة ، ومن خدمة الوعظ ، ودخول الكنيسة ، ومما زاد من قسوة أريوس أنه كان يتمتع بشعبية كبيرة نتيجة عظاته الرنانة وفصاحته ، فكثيرون شايعوه مما زاد من قساوة قلبـه ، وشعر أنه في حرب مع الباطل ، فراح يعد العدة لينشر عقيدته من خلال أشعار سهلة يترنم بها أتباعه ، وهي ” الثاليا ” التي سُمِع صداها في شوارع الإسكندرية0

         أما ” البابا بطرس ” فأخـذ يحصن شعبه ضد بدع الأريوسية ، وأرسل رسائل لاهوتية إلى شتى أنحاء الكرازة المرقسية فاضحاً فكر أريوس الذي ينكر أزلية الإبن ، موضحاً أن الإبن اللوغوس هو عقل الله الناطق أو نطق الله العاقل ، فقول أريوس أنه مرَّ وقت كان فيه الآب بدون الإبن يساوي القول بأنه مرَّ وقت كان فيه الآب بدون عقل ، وشرح البابا عقيدة الثالوث القدوس وتساوي الأقانيم في الأزلية وفي كل الكمالات الإلهيَّة ، وأن الآب ليس أعظم من الإبن ولا الإبن من دون الآب ، وإن قال الإبن ” أبي أعظم مني ” فقال هذا في حالة كونه متجسداً مهاناً محتقراً من خاصته حتى إدَّعوا عليه أنه مجنون وببعل زبول يخرج الشياطين ، فكون الإبن أخفى لاهوته فهذا أظهره بمظهر أقل من الآب كثيراً ، ولكن بالقيامة أعلن مجد لاهوته ، وأن الإبن لم يتخلى عن لاهوته إنما أخفاه لكيما يرتضي عدو الخير أن يدخل المعركة معه ، فيهزمه بالصليب ويسحقه ويخلص آدم وكل بنيه من قبضته ، وهكذا ظل البابا الأمين حارس الإيمان يحفظ شعبه من الذئاب الأريوسية ، ومع هذا فإن شوكة أريوس ظلت قوية إذ وضع هدفاً نصب عينيه ، وهو أن يصل إلى كرسي مارمرقس0

         وبينمـــا طـوت مشاغل الخدمة ” أرشيــلاوس : و ” ألسكندروس ” ، وطوى الدرس والبحث ” ميناس ” ، وطوت الحياة العسكرية ” ديمتري ” ، أصبح من النادر أن يلتقي الأصدقاء معاً ، وبعد نحو عام من حبرية البابا بطرس إنتهز الأصدقاء الفرصة وإلتقوا معاً ، وسريعاً ما دلفوا من الشارع الكانوبي إلى طريق الهيباستاديوم حتى وصلوا إلى مكانهم المفضل على أحد أطراف جزيرة فاروس ، وفي مسيرتهم وجلستهم إنساب الحديث سلساً وتواصلت الأفكار :

أرشيلاوس : ما هي أخبار دراستك وأبحاثك ياأبو التاريخ ؟

ميناس :  إنتهيت من دراسة تاريخ الدولة الإغريقية ، كما حدثتكم من قبـل عـن ملكة مصر ” كليوباترا 00 هل كانت وطنية أم أنانية ؟ ” ولم نكمل الحديث 0

أرشيلاوس : نكتنـز الفرصــة اليـوم لتُكمل لنا ياأخ ميناس قضية ” كليوباترا 00 هل كانت وطنية أم أنانية ؟ “0

الكسندروس : دعنا ياأرشيلاوس نطمئن أولاً على أحوال الأخ ديمتري 00 ما هي أخبار بحارنا المغامر ؟

ديمتري : إن أهوال البحر لا تنقطع وخلال العام الماضي وبسبب ثقة القائد الزائدة بي ، شاركت في عدة مهام صعبة لقنص القناصة ، حتى عاد النشاط التجاري ونهضت الصناعات ، ومنذ ثلاثة أسابيع تعرضت لموقف صعب وكان من الممكن أن أعود إليكم بغير طرف من أطرافي ، أو أعود جثماناً ، أو لا أعود على الإطلاق0

الكسندروس : خير ياديمتري 00 حافظك حافظ إسرائيل لا ينعس ولا ينام0

ديمتري : بينما كنا نرسو بالسفينة قرب الشاطئ ، وفي وقت الغروب أراد ” فاليري ” الجندي البدين ، الذي جذبته مياه البحر بصفاءها ونقاءها وهدؤها ، أن يقفز فيها ، ولكنني حذرته لأن هذا المكان تكثر فيه أسماك القرش ، فقال لي أنه إعتاد أن يلعب معها وهي لا تؤذه ، فقلت له : الذي يلعب بالنار تلسعه ، وعلى حين غرة وجدته يقفز في الماء من على سطح السفينة بإرتفاع نحو أربعة أمتار ، ولسوء حظه أنه إصطدم بسمكة قرش ضخمة تفتح فاها فأصيب ساقه بجرح بالغ وبدأت دمائه تلون المياه الصافية ، فأدركت أنه هالك هالك ، فالدم يثير شهية أسماك القرش التي تشتم رائحته من على بُعد عدة كيلومترات ، وفي لحظة وجدت نفسي أقفز بجواره بملابس الجندية ، وأستليت الخنجرين اللذين بجانبيَّ ، فسلمت فاليري أحدهما ، وحاولنا أن ندافع عن أنفسنا ضد أسماك القرش التي تجمعت بأعداد ضخمة حولنا ، وقد ركزت هجومها تجاه ساق فاليري التي تنذف ، وإجتهدنا أن نتعلق بأطواق النجاة التي طوح بها لنا زملائنا ، وهي مربوطة بحبال إلى السفينة ، ونجحت في مساعدة الجندي المصاب ، الذي كان بخنجره يضرب في كل إتجاه ، حتى أمسك بطوق النجاة ، وفي لحظة كانت ساقه بالكامل في جوف سمكة قرش ضخمة ، فالقرش يحمل أكثر من صف من الأسنان القوية التي تأخذ شكل التروس القادرة على تحطيم عظام الإنسان ، وأمسكتُ بالطوق الآخر ، وسحبنا زملاءنا إلى سطح السفينة وأسماك القرش تتحسر إذ فلت منها هذا الصيد الثمين ، فأجرينا الإسعافات السريعة لفاليري من أجل إنقاذ حياته ، الذي إرتسمت عظم الكارثة على وجهه ، وليست الكارثة تتمثل في ساقه الذي بترته سمكة القرش بقدر ما أنه سيفقد عمله ، ولن يحصل على الرعوية الرومانية التي كان يحلم بها ولا على مكافأة نهاية الخدمة الضخمة0

ميناس : لقد حفظك الله ياديمتري حتى تنال الصبغة المقدَّسة0

ديمتري : ما يؤسفني ويؤرقني ويقض مضجعي أنني لم أعتمد إلى الآن ، فإن عقلي يقف حجرة عثرة أمامي 00 دائماً أمي تقول لي : ” إنني دائماً أطلب من المصلوب أن يضمك إلى أحضانه قبل أن يغمض الموت عينيَّ “0

أرشيلاوس : ثق أيها البحار المغامر أن محبتك التي جعلتك تضع نفسك تحت حكم الموت من أجل فاليري لن تضيع هباءً ، والله ليس بظالم حتى ينسى مثل هذا الحب وتلك التضحية 00 هل لك ياميناس أن تحكي لنا عن تاريخ مصرنا الحبيبة مع نهاية الحكم الإغريقي وبداية الحكم الروماني في عصر كليوباترا ؟

ميناس : نبدأ من حيث إنتهينا ، ونوجز القول ، لكن من يذكر ما إنتهينا إليه المرة السابقة ؟

فأجاب الأصدقاء في آن واحد : إغتيال يوليوس ، وعودة كليوباترا إلى مصر0

ميناس : برافو 00 شاطرين ومذاكرين 00 أُغتيل يوليوس قيصر في روما ، وإنسحبت كليوباترا من المشهد بعد أن تبخرت طموحاتها في عرش روما ، وكل مافازت به هو بغضة وكراهية الرومان لها ، وحيث أننا تحدثنا في المرة الماضية في ستة نقاط وهي :

1- نشأة كليوباتـــــرا0            4- يوليوس وحرب الإسكندرية0

2- صراع كليوباترا وشقيقها0    5- كليوباتـــرا ويوليـوس0

3- يوليــوس وبومبـــي            6- إغتيــال الإمبراطــور0

         والآن دعونا نستعرض بقية تاريخ مصرنا الحبيبة في تلك الحقبة في أربع نقاط أخرى وهي :

7- كليوباترا وماركس أنطونيوس0    9- معركة أكتيوم البحرية0

8- أنطونيــوس وأكتافيــوس0         10- إنتحــار الحبيبين0

7- كليوباترا وماركس أنطونيوس :  بعد قصاص أكتافيوس وأنطونيوس من قتلة يوليوس قيصر ، وإنتصارهما على جيش بروتوس وكاسيوس ، كان ” أنطونيوس ” في طرسوس وأرسل يستدعي كليوباترا لمسألتها عن تقاعسها فـي الإنتقام من قتلة زوجها ، وأيضاً طمعاً في الحصول على الدعـم المصري في حروبه ، وتلقت كليوباترا الرسالة ولم تذهب مع رسل أنطونيوس ، إنما ذهبت بطريقتها الخاصة ، إذ أبحرت بسفينتها الملكية ذات الأشرعة الكتانية بأطرافها الإرجوانية المطرَّزة ، تطل من على سطحها مظلة كليوباترا الذهبية ، والخدام يرفلون حولها يُروّحون عنها بمراوحهم الفاخرة ، ورقائق الذهب التي تغطي مؤخرة السفينة لا تكف عن البريق ، وبينما تنساب السفينة على صفحات المياه الزرقاء ، فإن رائحة وأريج العطور الشذية تفوح منها ، وصوت الموسيقى يصدح ويتجاوب مع أمواج البحـر الرقيقة ونسماته العليلة ، بينما أحاطت بالسفينة مجموعة من أسماك الدلفن التي إستهوتها تلك السفينة وهذه الموسيقى الرائعة ، فراحت تقفز في حركات بهلوانية ترحيباً بملكة مصر : ” كانت السفينة التي أقلتها أشبه شئ بالعرش اللامع 0

تلمع فوق الماء0

وكانت مؤخرتها من الذهب المطروق 0

وقلوعها إرجوانية اللون0

ومضمخة بالروائح العطرية إلى الحد الذي جعل الرياح سكري بالحب معهم0

وكانت المجاديف من الفضة0

وكانت تضرب صفحة الماء على نغمات النادي0

وجعلت الماء الذي ترتطم به يسير خلفها بسرعة أكثر كأنما هام بضرباتها0

أما هي نفسها فإنها تزيد وتعلو عن كل وصف0

كانت تضطجع في سرادقها ، المصنوع من قماش من خيوط الذهب من نسيج تزيد في صورتها على فينوس 00

وعلى الجانبين منها وقف غلمان رشيقون ، بخدودهم غمازات ، وكل منهم يشبه كيوبيد وهو يبتسم0

ومعهم مراوح ذات ألوان متعددة ، كأنما كان نسيمها الذي ترسله يزيد من حمرة الوجنات اللطيفة التي كانت ترطبها0

ثم تعود فتلقى ما عملته ، لتعمله من جديد (49)0

         وعندما وصلت سفينة كليوباترا إلى طرسوس تقاطر أهل المدينة ليروا عظمة ومجد وغنى ملكة مصر ، ونما إلى علم أنطونيوس ذاك المجد وتلك الأبهة ، وعوضاً أن تمثُل ملكة مصر أما أنطونيوس لتؤدي حساباً ، دعته للصعود إلى السفينة ، فصعد ووقف وأُخذ بجمالها وجلالها ، كما أُخذ من قبله قائده يوليوس قيصر0 كانت ” كليوباترا ” ترتدي ثوباً سندسياً تضيف عليه جمالاً من جمالها ، وشذى عطرها يفوح بقوة أنست أنطونيوس لماذا إستدعاها ؟!0 بل نسى نفسه أمامها ، وبذلك لم تكن ملكة مصر في حاجة إلى رد التهمة عن نفسها ، أو تبرير موقفها ، فترحيب أنطونيوس بها كان وافراً غامراً ، ودعاها لتناول العشاء معه ، أما هي فقد وجهت ذات الدعوة في جدية مع دلال ، ولم يكن لأنطونيوس جرأة الرفض ، فللوقت لبى الدعوة ، وعلى هذه المائدة رأى أنطونيوس ما أدهشه وسحره ، فأواني وأدوات المائدة من ذهب ، صحائف من فضة وذهب تأخذ بالألباب ، ونيران المشاعل وأنوار المصابيح تتلألأ على صفحات مياه البحر الأبيض ، وقد أحضرت كليوباترا معها أعظم طهاة مصر وأفضل الجرسونات ، من شباب وشابات يفيضون حيوية وجمالاً ، فأكل أنطونيوس أشهى المأكولات ، وشرب أفخم النبيذ المريوطي ، وبعد الوليمة أهدت ملكة مصر لأنطونيوس بعض الصحف الذهبية والطنافس ، وإنبهر القائد الروماني من هذا الغنى ، وذاك المجد ، وتلك العظمة التي لم تصل إليها روما بعد0

         وفي اليوم التالي كرَّرت ملكة مصر الدعوة والوليمة بصورة أكثر فخامة وفخفخة من الأولى ، وفي اليوم الثالث حلت كليوباترا ضيفة على أنطونيوس في طرسوس ، وشتان بين ولائم ملكة مصر الخيالية ، والموسيقى الفرعونية تصدح فتنتشي النفوس وتصفو الأرواح ، وبين وليمة أنطونيوس التي يعوزها الفن والرقة والغنى 00 هام أنطونيوس حباً بكليوباترا وطمع ليس في غناها وذهبها فقط ، بل طمع أن تكون هي بجملتها له ، وهذا ما خططت له كليوباترا ونجحت فيه إلى حد بعيد ، حتى صار كخاتم في إصبعها ، وكطفل صغير يحبو نحو صدر أمه ، لقد غرق القائد الروماني العنتيل في حـب الملكة التي ملكت كل مشاعره وأحاسيسه ، ووضعته في قلبها وأغلقت عليه ، وأنسته زوجته الرومانية تماماً0

         وأمضت ” كليوباترا ” أياماً في طرسوس عادت بعدها إلى الإسكندرية ، وهي توقن أن أنطونيوس سيسعى في أثرها ، وهذا ما حدث إذ أقبل أنطونيوس في شتاء عام 41 ق0م إلى الإسكندرية ، ودخلها كمواطن روماني عادي ، وليس كقنصل يحمل سلطة وسيادة روما ، كما فعل قائده يوليوس قيصر منذ سبع سنوات فثار عليه الشعب السكندري وقاتله ، وعاش ” أنطونيوس ” في القصر الملكي مع كليوباترا أجمل أيام عمره ، وكوَّن الأثنان نادياً باسم ” نادي الزملاء الذين لا يحكمون ” ورتبت ” كليوباترا ” لأنطونيوس جولة لزيارة معالم الإسكندرية ، فصعد إلى الفنار ونظر وإذ كل شئ مكشوف أمامه ، وتجول في الميوزيوم ، ومكتبة الإسكندرية التي ليس لهـا مثيل في العالم كله ، وتعرَّف على أقسام الميوزيوم وعلمائـه ، وذهب إلى معبد السيرابيوم ، والجمنازيوم ، ودار القضاء ، والميناء الغربي والشرقي 00 إلخ ثم رتبت له جولة أخرى في الربوع المصرية فوقف أمام الإهرامات مشدوهاً ، وأمضى ساعات طويلة في زيارة المعابد الفرعونية ، وجال بخاطر ملكة مصر الرحلة النيلية الرائعة التي صاحبت فيها من قبل يوليوس قيصر على نفس السفينة ، فيكاد كل شئ لم يتغير باستثناء تغير الشخصية الرئيسية ، فذهب إمبراطور وأتى إمبراطور ، وهذه هي سُنة الحياة ” مات الملك عاش الملك ” ، وقالت في نفسها : إن كانت الدنيا قد ضنَّت عليَّ بالرجل الذي أحببته وتزوجته وأنجبت منه إبني ” قيصرون ” فأُغتيل بأيدي أثمة ، فهــل تترك لي الدنيا زوجي الجديد أنطونيوس ؟!

         ومع كليوباترا نسى القائد الروماني واجباته في الدفاع عن أراضي الإمبراطورية ، بل نسى نفسه ، حتى أنه كان يتنكر مع كليوباترا في زي العامة ، ويطوفان شوارع الإسكندرية ويحتكان بالكتل البشرية التي تموج بها المدينة من جنسيات شتى ، ثم أسَّس الإثنان نادياً آخر باسم ” فيلوباتور ” على مستوى عالٍ من الرفاهية والبذخ ، حتى أن الآنية والكؤوس المستخدمة فيه كانت من فضة وذهب ، وصار النادي عنواناً للغنى الفاحش ، وكانت نتيجة زواج كليوباترا بأنطونيوس توأم ولد وبنت ، وهما ” بطليموس هيليوس ” أي الشمس ، و ” كليوباترا سيلين ” أي القمر0

         وكان من السهل على أنطونيوس أن يستولي على مصر ، ويغتصب كنوز البطالمة ، ولكن حب كليوباترا لأنطونيوس أتاح لمصر أن تعيش فترة أخرى كدولة مستقلة ، وظلت المدينة العظمى هي الأولى في العالم من جهة العلم والحضارة والثقافة والفن والتجارة 00 إلخ وأقامت كليوباترا ” معبد قيصريوم ” تكريماً للقائد الرومانـي ماركوس أنطونيوس وإعترافاً بالجميل الذي أسداه لوطنها ، وفرح هو بهذا : ” فأي رجل يستطيع مقاومة إغراء المناداة به إلهاً ، يُعبد في معبد فخم ( قيصريوم ) بُني خصيصاً تكريماً له ؟! كان هذا بعد زواجه منها 00 ” (50) 00 وأستيقظت طموحات كليوباترا في عرش روما مرة ثانية 00 لقد نجحت كليوباترا في أن تجعل من أنطونيوس مواطناً إسكندرياً أكثر منه رومانياً ، وبهذا تكون كليوباترا قد أنقذت مصر مرتين ، الأولى عندما سلبت قلب يوليوس قيصر ، والثانية عندما سلبت عقل ماركوس أنطونيوس ، فهل ستنجح في إنقاذ مصر للمرة الثالثة من مخالب أكتافيوس ، أم ستكون نهايتها المآسوية مع زوجها أنطونيوس ، فيقودها إلى الإنتحار وتسقط مصر في قبضة روما تستنذفها وتمتص دمائها ؟!!

8– أنطونيوس وأكتافيوس : أكتافيوس هو إبن يوليوس قيصر بالتبني ، إشترك مع أنطونيوس في القصاص من قتلة يوليوس ، وإنتصروا على جيشي بروتس وكاسيوس ، ولكن بعد أن لفَّت كليوباترا عقل أنطونيوس صار موضع سخرية أكتافيوس ومجلس الشيوخ والشعب الروماني ، وأُشيع عنه أنه ينوي نقل عاصمة الإمبراطورية من روما إلى الإسكندرية ، وأنه فقد رعويته الرومانية ، ووقفت روما ضد الإسكندرية وأكتافيوس ضد أنطونيوس ، وتدهورت العلاقة بين الصديقين أكتافيوس وأنطونيوس0

وفي سنة 40 ق0م إضطر ” أنطونيوس ” إلى ترك الإسكندرية ليصد غزوات البارثنيين في آسيا الصغرى ، وتدخل بعض العقــلاء فــي الصلــح بين أنطونيوس وأوكتافيوس في ” برينديزيوم ” في نوفمبر سنة 40 ق0م ، وإذ فارقت ” فولفيا ” زوجة أنطونيوس الحياة إنتهى الصلح بزواج أنطونيوس بأوكتافيا شقيقة أوكتافيوس ، وكانت إمرأة رومانية فاضلة رقيقة الطباع ، كثيرة الإحتمال ، بذلت قصارى جهدها لإقرار السلام بين أخيها وزوجها ، وأنجبت لأنطونيوس ” أنطونيا ” وظل أنطونيوس بالقرب منها إلى سنة 37 ق0م نحو ثلاثة سنين ونصف مبتعداً عن كليوباترا ، ولكنه لم يحتمل أكثـر من هذا فأرسل أوكتافيا إلى إيطاليا ، وأرسل يستدعي كليوباترا0

         وذهبت ” كليوباترا ” ثانية لأنطونيوس مصطحبة إبنها وإبنتها معها ، فأعلن أنطونيوس زواجه منها ، وإعترف بهيليوس وسيليني أبناء شرعيين له ، ثم أنجب منها إبناً آخر دعته كليوباترا ” بطليموس فلادلفوس الثاني ” وفي سنة 34 ق0م عاد أنطونيوس إلى الإسكندرية وإرتكب خطئين هما :

أولاً  : أقام مهرجان إنتصاره على الأرمنيين في الإسكندرية بدلاً من روما ، فتقمص دور الإله ” ديونسيوس ” مزيناً شعره بأكليل من نبات اللبلاب ، مستقلاً مركبة خاصة ، وهو يمسك صولجاناً مقدَّساً : ” لقد حطمت كليوباترا العادة ( الرومانية ) القديمة المقدَّسة التي كانت تقضي بأن الإحتفالات بمواكب النصر الرومانية لا يمكن إقامتها إلاَّ في روما فقط0 وذلك بإقامتها موكب إنتصار رائع لأنطونيوس في الإسكندرية لتخلد ذكرى حملاته الآسيوية ، وقد ركب فيها أنطونيوس عربة ذهبية تجرها جياد بيضاء في لون اللبن يسير من خلفه الملوك أسرى مصفدين في الأغلال(51)  وأُقتيد في الموكب ملك أرمينيا مقيداً بسلاسل ذهب إلى ” معبد سيرابيس ” حيث جلست ” كليوباترا ” على عرشها الفضي ، وقدم لها أنطونيوس الأسرى تحت أقدامها بما فيهم ملك أرمينيا ، وبعد الموكب أودع الأسرى في السجون ، وأقيمت وليمة ضخمة للإسكندريين حيث وزعت عليهم الأطعمة الفاخرة والأموال0

ثانياً : أقام ” أنطونيوس ” إحتفالاً رسمياً في ساحة الألعاب الرياضية بالإسكندرية ، وقسم حكم البلاد على كليوباترا وأولادها ، فوُضِعت في الإحتفال ستة عروش إثنان منهما من الفضة وسقفهما من الذهب ، وهما أعلى من العروش الأربعة الأخرى ، وخصصا لأنطونيوس وزوجته ، التي منحها لقب ” ملكة الملوك ” وثلاثة لأبنائه من كليوباترا وهم ” بطليموس هيليوس ” البالغ من العمر ست سنوات ، فوهبه والده مُلك أرمينيا ومادي وأراضي الشرق حتى الهند ، و ” كليوباترا سيليني ” وعمرها ست سنوات ، وقد وهبها والدها مُلك القيروان وجزيرة كريت ، و ” بطليموس فيلادلفوس الثاني ” وله من العمر سنتان ، ووهبه والده مُلك سوريا وفينيقيا ، والعرش السادس والأخير خُصص لقيصرون إبن كليوباترا من يوليوس قيصر ، وأشركه أنطونيوس معه في حكم مصر وقبرص ، وإعترف به إبناً شرعياً لقيصر قاصداً نزع الشرعية عن أوكتافيوس إبن قيصر بالتبني ، ودُعيت هذه الهبات بـ ” هبات الإسكندرية ” وكان على كليوباترا دفع رواتب جيش أنطونيوس ، بينما عاش أنطونيوس في رفاهية وبذخ شديد0

9- معركة أكتيوم البحرية : وقف ” السناتو ” ( مجلس الشيوخ ) مع الشعب الروماني خلف أكتافيوس الذي يدافع عن شرف روما ضد أنطونيوس الذي خان وطنه وباع قضيته ، وألقى بنفسه في أحضان إمرأة أجنبية ، أما أنطونيوس فقد دافع عن نفسه بقوله أن كليوباترا لم تعد إمرأة أجنبية بعد أن صارت زوجته الشرعية ، وقد طلَّق أوكتافيا بعد أن خطب أكتافيوس أمام ” السناتو ” مهاجماً أنطونيوس ، ووصف ” بلوتارخوس ” المؤرخ الإغريقي الأصل الروماني التبعية ” كليوباترا ” على أنها المرأة التي لعبت بقلب القائد أنطونيوس فصرفته عن واجباته العسكرية ، وعن زوجته الجميلة أوكتافيا ، ومع ذلك فإنه يعترف بإمكاناتها الجبارة فيصفها بأنها الساحرة ذات الصوت المنغَّم الصادر من آلة موسيقية متعددة الأوتار ، فتجد طريقها في أغوار نفوس الرجال ، وهي المتحدثة بعدة لغات منها المصرية والعربية واليونانية والفارسية والعبرية والحبشية والميدية ، وقلما كانت تحتاج إلى ترجمان بينها وبين قوم من الأمم ” وكان هذا يثير الدهشة لأن الكثيرين من أسلافها الملوك قلما ألموا باللغة المصرية ، وبعضهم نسى اللغة المقدونية(52)0

         وأعلن ” أوكتافيوس ” الحرب على كليوباترا وهو متيقين أن أنطونيوس سيهب لنجدتها وبذلك يظهر أنه خائن لروما ، ولم يرد أكتافيوس أن يعلن الحرب على أنطونيوس حتى لا يقال أن الجنود الرومان يتقاتلون معاً ، أما ” أنطونيوس ” فقد أرسل إلى مجلس الشيوخ الروماني يعرض تقديم إستقالته بشرط أن يفعل أكتافيوس نفس الشئ ، الأمر الذي بالطبع رفضه أكتافيوس الذي يرفع علم روما ، بل أن أكتافيوس إتجه إلى معبد الربة ” فستا ” وأخرج وصية أنطونيوس مخالفاً بذلك الشرائع الرومانية وأفصح عما فيها من إعتراف أنطونيوس ببنوة قيصرون الشرعية ليوليوس قيصر ، وأنه يرغب أن يُدفن فـي الإسكندرية حتى لو مات في روما ، وإن كان القليلون شكَّكوا في هذه الوصية ، لكن الكثيرين إعتبروا أن أنطونيوس قد جرَّد نفسه من الرعوية الرومانية ، وإرتدى ” أكتافيوس ” الزي الكهنوتي وتبعه أعضاء مجلس السناتو إلى معبد إله الحرب ” مارس ” Mars ، فأطلق السهم الأول إيذاناً ببدء الحرب مع كليوباترا ، أما ” كليوباترا ” فقد حفزت أنطونيوس ليخوض غمار الحرب ضد أكتافيوس ، ومنحته مائتي سفينة ، وألفي طِالن ( عملة نقدية كبيرة ) ووضعت كـل إمكانات مصر تحت أمره ، وشددت من أزره ، بل أصرت على الخروج للحرب معه ، فلم يعد بينها وبين عرش روما من عقبة سوى أكتافيوس0

         وفي سنة 32 ق0م وصل أنطونيوس وكليوباترا إلى جزيرة ” ساموس ” اليونانية ، وأقاما مهرجاناً عظيماً لـ ” ديونيسوس ” ثم أبحرا غرباً إلى أثينا ، وفي ربيع سنة 31 ق0م عبر ” أوكتافيوس ” البحر الأدرياني على رأس جيش من المشاة وأسطول قوامه 400 سفينة ، بينما كان جيش أنطونيوس أضخم وأكبر من جهة المشاة والفرسان والسفن ، فقد ضم 70 ألفاً من المشاة ، و 12 ألفاً من الفرسان ، و 500 سفينة ، وعسكرت قوات أنطونيوس وكليوباترا البحرية في خليج وشبه جزيرة ” أكتيوم ” Actium على الساحل الغربي لبلاد اليونان نزولاً على رغبة كليوباترا ، ولم يستمع أنطونيوس لنصيحة قواده الذين أشاروا عليه بالمواجهة البرية التي يبرع فيها ، ولم يستمع أيضاً لبعض قادته بأن يصرف كليوباترا إلى بلادها ، لأن الجنود الرومان مستعدون للحرب عن ملكهم أنطونيوس ، وليس عن ملكة أجنبية ، فلم يشأ أنطونيوس ذلك ، فتركه هؤلاء القادة وإنضموا لخصمه أكتافيوس0

         وفي 2 ديسمبر 31 ق0م إحتدمت المعركة ، وإستطاعت قوات أكتافيوس من فرض حصار بحري على قوات أنطونيوس وقطعت الإتصال بينه وبين بلاد اليونان ، فبدأ جنود أنطونيوس يعانون من نقص المؤن وتفشي الأمراض وظهور حركات التمرد ، وفي خضام المعارك ظن أنطونيوس أن سفينة كليوباترا قد أُصيبت أو أُسرت ، فانسحب من ميدان المعركة بقصد إنقاذها ، تاركاً جنوده الأوفياء ، وبذلك ظهر كخائن أمام جنوده الذين ظلوا يحاربون حتى تأكدوا من هروب قائدهم فخارت غزائمهم0 أما ” كليوباترا ” فقد إستطاعت أن تكسر الحصار وأسرعت إلى الإسكندرية يتبعها ستون سفينة ، وكانت تهدف من العودة للإسكندرية إعادة تجميع قواتها وإعادة الكرة ثانية ، وعندما إقتربت من شواطئ الإسكندرية خشت لئلا ينقلب الشعب ضدها إذ دخلت في حرب لا مبرر لها ، فرفعت على مقدمة السفن رايات النصر متظاهرة بأنها إنتصرت في المعركة0 أما سفن أنطونيوس فقد تحطم بعضها وسقط الآخر في الأسر ، ويصف ” فرجيل ” أميـر شعراء اللاتين هذه المعركة فيقول :

وإندفع الجميع في آن واحد فازبد البحر كله وتمزقت صفحته من شدة المجاذيف ومن المناطق مثلثة الأشواك0

وإلى اليم سعوا حتى لتخال الكيكلاديس ( جزر في البحر الأيجي ) قد أُقتلعت وأخذت تطفو فوق الماء أو تخال شواهق الجبال يناضح بعضها بعضاً0

وبهذه السفن الهائلة أخذ الملاحون يهاجمون المراكب ذات الأبراج0

وينثرون بأيديهم قطع الجوت المشتعلة وحديداً ينطلق طائراً بالقذائف0

وتخضبت حقوق بنتوتوس ( إله البحر ) بدماء مجزرة لم يسبق لها مثيل 0

وفي الوسط كانت الملكة تنادي جحافلها بجلجل وطنها ( آلة موسيقية كان يحملها أتباع إيزيس ) 0

ولم تلتفت بعـد وراءها لتـرى الحيَّتين خلفها ( اللتين لدغتا كليوباترا ) 00

وقد شُوهدت ( الملكة ) نفسها تدعو الرياح وتطلق لها

أشرعتها وتحل – حتى في هذه الآونة – حبالها المتراخية

وقد شحب وجهها وسط المجزرة خوفاً من الموت المرتقب0

هكذا جعلها إله النار منساقة بالأمواج والريح0

لكن قبالتها كان النيل – ذوي المجرى العظيم 0 حزيناً0

ينشر طيات ثيابه ، بل كل رداءه داعياً

المنهزمين إلى حضنه القاتم الزرقة ومياهه الآمنة(53)0

         أما الشاعر ” هوراتيوس ” فيعبر عن إبتهاج روما بهزيمة كليوباترا الملكة الهوجاء التي كانت تدبر الخراب للإمبراطورية ، واصفاً فرارها من المعركة ، وإنتحارها حتى لا تُعرَض في موكب إنتصار أكتافيوس ، فيقول :

الآن ينبغي أن نشرب أو ندق الأرض

بأقدام طليقة ( تعبير عن الرقص ) ونعد أرائك

الالهة ( إشارة إلى وضع تماثيل الآلهة أمام مائدة الطعام ) لأفخر المآدب

لقد أزف الوقت ، أيها الرفاق !

فمن قبل كان محرَّماً أن تُحضِر فاخر النبيذ

المعتق تحت الأرض بينما كانت

ملكة هوجاء تدبر الخراب

للكابيتول والدمار للإمبراطورية

مع شرذمة من رجال أنجاس

مدنَّسين بالرذيلة ( أغفل إسم أنطونيوس ) لقد أسكرتها خمر الحظ الحلوة

حتى لم تعد ( كليوباترا ) بقادرة أن تكبح نفسها

عن تمني أي شئ0 غير أن دمار أسطولها كله

بالنيران أطفأ ( أكتافيوس ) ثورة جنونها

ورد قيصر صوابها الذي أطاشته

خمر مريوط إلى واقع الفزع

وطاردها وهي تطلق ساقيها للريح مبتعدة

عن إيطاليا بمجاديفه مثلما يُطارد الباز

حماماً رخصاً أو يطارد الصياد السريع الخطأ

أرنباً يربأ فوق سهول نساليا

المغطاة بالثلوج لكي يقيد بالسلاسل

الوحش الخطير0 غير أنها قد وسعت إلى أن تموت

ميتة نبيلة لم تهلع من نصل السيف مثلما

تهلع النساء ولم تسعَ بأسطولها

السريع إلى شطآن خفية0

بل أنها إجترأت على أن ترمق قصرها النهاري

بعين ملؤها الهدوء0 وأنها لمقدامة أيضاً إذ أمسكت

بالأفاعي الشرسة لكي يُمتص

جسمها بالسم الزعاف

وقد زادها الإصرار على الموت جرأة

فاستنكفت أن تحمل – وهي متجردة من أبهة

الملك – على سفن القساة أن تُساق

في موكب النصر الفاخر0 فهي إمرأة ذات إباء(54)0

         وتبع ” أنطونيوس ” كليوباترا إلى الإسكندرية ، وقد أُصيب بحالة إحباط وإكتئاب ، فعاش منعزلاً في بيت بناه لنفسه بالقرب من فنار الإسكندرية بمنأى عن كليوباترا ، ولكنه لم يقدر على مقاومة الحنين إليها ، فخرج من عزلته ، وبدأ جولة جديدة من الحفلات مع كليوباترا تحت شعار ” الصحبة التي لا يفرقها الموت ” فقد كان الإثنان يعلمان أن أكتافيوس قادم قادم ، وفي أقدامه الموت0

10- إنتحار الحبيبين : جاء ” أكتافيوس ” إلى مصر من عبر الحدود الشرقية قادماً من سوريا ، وعندما إقترب إلى ميناء عكا أرسلت إليه كليوباترا تعرض تنازلها عن العرش لأحد أبناءها ، وأرسل إليه أنطونيوس رسالة مع إبنه أنتيلوس يعرض عليه إستعداده لإعتزال الحياة العسكرية ، بل وقدم له بعض الأموال ، التي أزادتها كليوباترا ، فاحتفظ أكتافيوس بالمـال ورد الرسل خائبين ، إذ لم يقبل مساعي الصلح هذه 0 وتقدمت مفرزة من رجال أكتافيوس نحو الإسكندرية فخرج أنطونيوس على رأس فرقة من الفرسان محققاً آخر إنتصاراته ، وإذ بأكتافيوس يقترب من الإسكندرية ، وإذ بكليوباترا تدخل إلى مقبرتها الفخمة التي أعدتها لنفسها ومعها كل كنوزها ، والتي يصعب جداً إقتحامها ، وإذ برسالة خاطئة تصل إلى أنطونيوس في أول أغسطس سنة 30 ق0م بإنتحار كليوباترا ، وإذ كان هذا أمراً متوقعاً لم يتقصى أنطونيوس الحقيقة ، إنما طلب من أحد عبيده أن يطعنه ، ولكن العبد طعن نفسه طعنة نافذة فسقط على الأرض غارقاً في دمائه ، فقال أنطونيوس ” إيه يا من هو أشرف مرات أكثر مني !! 00 لقد علمتني ما يجب عليَّ عمله ” وطعن نفسه ، وإذ بالطعنة لم تكن نافذة ، وطلب أن يرى حبيبته ، فحملوه إليها وأدخلوه من إحدى نوافذ المقبرة ، فلفظ أنفاسه الأخيرة بين يديها 00 ” حملوه وهو يعاني سكرات الموت إلى كليوباترا 00 وصحا في قلبها كل حبها القديم له عندما وقعت عليه عيناها وهو يعاني الموت ، فأخذت تقبله وهي تنتحب ، وغطته بثيابها ، ومات أنطونيوس بين ذراعيها(55) وشرعت في تحنيط جثمانه0

         ووصل ” أكتافيوس ” إلى الإسكندرية ودخلها ظافراً منتصراً بلا أدنى مقاومة ، بل خرجت المدينة بكاملها تعلن طاعتها وولائها له ، فألقى خطاباً باللغة اليونانية ، وأبدى إحترامه للإسكندر الأكبر مؤسس المدينة ، وأمَّن السكندريين على أرواحهم وعلى ممتلكاتهم ، وفعلاً برَّ بوعده ، فلم يسمح لأحد من جنوده بإستباحة المدينة وسلبها ، ومما أراح السكندريون أن الوافد الجديد قدم تقديره للإله ” سيرابيس ” ، وعندما عرضوا عليه جثمان الإسكندر الأكبر لمس موميائه وكان جزء من أنفه مكسور ، وعندما تحمس السكندريون ليروه رفات البطالمة رفض قائلاً : ” كنت أتمنى أن أرى ملوكاً وليس جثثاً ” ، وحقر أكتافيوس من نفوذهم لئلا يقوم أحد يشايعهم بعد موتهم ويستعيد الدجاجة التي تبيض كل يوم بيضة من ذهب0

         ولازت ” كليوباترا ” بمقبرتها وتحصنت بها ” وكانت كليوباترا مثل كل فرعون من الفراعنة شيدت ضريحاً ، وكان بناءً مكوَّناً من طابقين فوق ربوة صخرية بالقرب من محراب مغارة إيزيس التي أحبته وكانت تأتي لتصلي فيه منذ أن كانت طفلة 0 وملأت المقبرة السفلى بالكنوز والذهب والأمتعة الثمينة(56) ولكن ” أكتافيوس ” إحتـال عليهـا عـن طريق أثنين من أتباعه ، وهما ” بروكوليوس ” و ” كورنيليوس جاللوس ” الذي صار والياً لمصر فيما بعد ، ونقل ” أكتافيوس ” كليوباترا مع كنوزها للقصر الملكي ، ووضعها تحت حراسة مشددة ، وعندما وقفت كليوباترا أمام أكتافيوس كان شعرها متهدلاً من الحزن ، وعينيها فقدت بريقهما ، وإعتلت وجهها صفرة الموت ، وفي لقائهما إلتقت مدينتان روما المنتصرة وإسكندرية المنهزمة ، فنظر إليها ” أكتافيوس ” نظرة كبرياء وتعالي ، لأنه لم يكره إمرأة مثلما كرهها ، فهي التي أضاعت من كان في منزلة أبيه وهو ” يوليوس قيصر ” ، وهي التي هيمنت على صديقه ورفيق كفاحه وزوج شقيقته ” ماركوس أنطونيوس ” ، ولذلك أملى عليها شروطه وأصر أن تذهب معه إلى روما ، وهي فهمت قصده ، فأنه يريد أن يعرضها في شوارع روما وأمام الشعب الروماني كأسيرة ، تلك المدينة التي شاهدت غناها ومجدها وعظمتها أيام يوليوس قيصر ، ورفضت ” كليوباترا ” بإباء وشمم أن تُعرَض أسيرة ذليلة مكبلة بالأغلال كما عرض من قبل يوليوس أختها ” أرسينوي ” ، فاتخذت قرارها بالإنتحار ، وقد إستشعر أكتافيوس هذا فهدَّدها بقتل أولادها إن أقدمت على الإنتحار0

وكانت ” كليوباترا ” قد جهزت نفسها تماماً لهذا المشهد المأساوي ، إذ قررت أن يكون إنتحارها عن طريق لدغة الكوبرا ، فتاج مصر السفلي إعتلته الكوبرا ، وتاجها هي كان يعلوه العقاب رمز مصر السفلى ، والكوبرا رمز مصر العليا ، فالكوبرا في المعتقد الفرعوني هي خادمة ” رع ” إله الشمس ، ولدغتها لا تهب الخلود فقط بل تمنح الألوهة أيضاً ، وبهذا ستصير من أبناء رع 0 كما أن كليوباترا قد أجرت بعض التجارب على المجرمين لتعرف مدى الألم الذي يعاني منه الإنسان عقب لدغة الكوبرا ، وأدركت أن لدغة الثعبان لا يتبعها ألم كبير وإنفعال شديد ، إنما تؤدي إلى إرتخاء العضلات وغياب الإنسان عن وعيه وموته السريع ، فارتضت بهذه الميتة التي تكتب لها الألوهة0

         ووضعت ” كليوباترا ” خطتها بحنكة ، ففي 10 أغسطس سنة 30 ق0م وبعد إنتحار أنطونيوس بعشرة أيام ، حمل أحد غلمانها سلة تين إختبأت فيه كوبرا كامنة ، فحملت إحدى الوصيفات السلة ، دون أي إعتراض من جنود أكتافيوس المكلفين بالحراسة المشددة ، بل ربما مد أحدهم يده وإلتقط إحدى ثمار التين وأكلها ، وكتبت ” كليوباترا ” وصيتها أن تُدفن بجوار زوجها أنطونيوس ، وكان المصري القديم قبيل موته يعطي كل تركيزه للإعتراف الذي سيتلوه أمـام المحكمــة الإلهيَّة التــي تضم 42 قاضياً برئاسة ” أوزيريس ” إله العالم السفلي ، ففي هذا الإعتراف يقول الميت :

لم أشرك بالله ، ولم أقتل ، ولم أأمر بقتل أحد ، ولم أزنِ 0 لم أشتهي زوجة جاري ، لم أدنس نفسي ، لم أكذب ، لم أسرق ، لم أشهد زور 0 لم أملأ قلبي حقداً0 لم أكن سبباً في دموع إنسان ، لم أتسبب في شقاء حيوان ، لم أُعذِب نباتاً بأن نسيت أن أسقه ماء 0 أطعمت الجائع ، رويت العطشان ، كسوت العريان ، كنت عيناً للأعمـى ، ويــداً للمشلول ، ورجلاً للكسيح ، ملأت قلبي بماعت ( الحق والعدل والإستقامة ) 00 ” 0

         وردَّدت ” كليوباترا ” هذه الكلمات للمرة الأخيرة ، وهي تعلم جيداً أنها لا تنطبق عليها في كثير من بنودها ، ولكن ما يطمئن قلبها أنها تمثل روح ” إيزيس ” زوجة ” أوزيريس ” 00 فعلآم الخوف ؟! وعلآم الرعب ؟!! 00 لتنام وتسترح لأنها بمجرد أن تغمض عينيها عن هذه الحياة ستجد نفسها في أحضان أوزيريس في جنات وفراديس0

         وعرَّت ” كليوباترا ” أعلى يدها اليسرى ، وقبلت لدغة الحيَّة المقدَّسة ، ويصف ” بلوتارخوس ” الذي عاش بين القرنين الأول والثاني الميلادي هذا المشهد فيقول :

بعد أن ذرفت العبرات ، فإن كليوباترا تنهدت وقبَّلت الجرة التي تحوي رفات أنطونيوس ، وأمرت بأن يعدو لها الحمام0 وبعد أن إستحمت تمددت وتناولت غذاءاً رائعاً0 وعندما وصل رجل من الريف سأله الحراس ماذ أحضر معه ، ففتحه فظهر منه غصون التين وبان أن المحتوى كان عبارة عن سلة مليئة بالتين0 وقد إندهش الحراس من جماله وحجمه ، وإبتسم الرجل ودعاهم ليأخذوا بعضاً منه ، وبهذا قد تبددت شكوكهم وسمحوا له أن يقدم هذه الفاكهة للملكة 0 وبعد أن تناولت كليوباترا عشائها تناولت لوحاً كانت قد خطته قبلاً وقامت بإغلاقه وختمه ودفعت به إلى من يعطيه إلى ” أوكتافيوس قيصر ” وعقب ذلك صرفت كل من كان بحضرتها فيما خلا إمرأتين من خلصائها 00

         عندما فضَّ ” أوكتافيوس قيصر ” اللوح المُرسَل إليه وبمجرد أن قرأ رسالة كليوباترا بأنها سوف تُدفن مع ” أنطونيوس ” فقد خمن فوراً ما هي مُقدِمة عليه0 وكان أول ما تبادر إلى فكره هو أن يذهب هو بنفسه كي ينقذ حياتها0 لكنه كبح جماح نفسه وأوفد الرسل ليسرعوا إلى الملكة ويستجلبوا خبر ما أقدمت عليه ، لكن المأساة كانت قد أخذت طريقها بنعومة لتسبق الجميع0 تحرك الرسل بسرعة ووجدوا أن الحرس كانوا لا يزالون غير مدركين لما حدث0 لكن حين فتحوا الأبواب وجدوا ” كليوباترا ” ترقد ميتة فوق أريكة ذهبية مرتدية كامل زيها الملكي0 أما المرأتين فقد كانت أولاهما وهي  ” إيراس ” راقدة ميتة عند قدميها 0 بينما ” خارميان ” كانت تترنح وبالكاد قادرة على أن تقيم رأسها 0 وكانت تعيد ضبط التاج الذي كان قد مال عن رأس مليكتها0 عندئذ صاح واحد من الحراس بغضب ” خارميان ” : هل تم كل شئ على خير وجه ؟

فأجابت : نعم ، وبصورة تليق بملكة تنحدر من نسل العديد من الملوك العظماء0

         وبمجرد أن أفضت بهذه الكلمات سقطت ميتة بجوار الأريكة (57)0

         وبإنتحار كليوباترا إنتهى عصر وبدأ عصر جديد ، إنتهى العصر الإغريقي اليوناني وحكم البطالمة ، وبدأ العصر الروماني ، ولم ينفذ أكتافيوس تهديـده بقتـل كل أولاد كليوباترا ، وإكتفى بأخذ ” بطليموس هيليوس ” و ” بطليموس فيلادلفوس ” إلى روما وعرضهما في موكب النصر الـذي أقامه ، ثم أرسلهما مع أختهما ” كليوباترا سيليني ” إلى موريتانيا ( المغرب ) فتزوجت سيليني من ملك المغرب ، وقتل أكتافيوس ” قيصرون ” إبن كليوباترا من يوليوس قيصر حتى لا ينازعه الحكم، وضم أكتافيوس مصر إلى روما بجملة واحدة :

” لقد أضفتُ مصر لممتلكات الشعب الروماني ” (58)0

         وإهتم ” أكتافيوس ” بالضيعة الرومانية الجديدة ، فمصر هي آخر الأقطار التي ضُمت للإمبراطورية الرومانية أقوى الإمبراطوريات وأوسعها إنتشاراً على مدار التاريخ ، والتي إستغرق تكوينها مائتي عام ، وعمل ” أكتافيوس “على تحسين وسائل الري ، كما مدَّ خط مواسير من ترعة ” شيديا ” ( المحمودية الآن ) لتصل المياه النقية إلى كل أحياء الإسكندرية ، وسك عملة تذكارية تحمل صورة التمساح ، وهو أشهر الحيوانات النيلية وأحد المعبودات المصرية ، وكتب أسفلها عبارة ” Aegypto Copta ” أي ” فتح مصر ” كنوع من الدعاية السياسية ، وصارت مصر مُلزَمة أن تصدر كميات ضخمة جداً من القمح لروما بلا مقابل0

         وفي عصر ” أكتافيــوس ” ( أغسطس قيصر 30 ق0م – 14 م ) وُلِد مخلصنا الصالح ، وإختار أكتافيوس ولاة مصر من طبقة الفرسان ، وليس من أعضاء السناتو ، بل منع أعضاء السناتو والشخصيات البارزة من زيارة مصر إلاَّ بإذن شخصي منه ، وكانت مدة الوالي صغيرة ، والوالي الذي يثير مخاوف الإمبراطور لا يفقد منصبه فقط ، بل يفقد حياته أيضاً ، وكان اللقب الرسمي للوالي ” والي الإسكندرية ومصر ” 0

         وصار والي مصر يتصرف كملك ، فمن الناحية العسكرية يفرض سيطرته على القوات الرومانية المرابضة بمصر ، ومن الناحية الدينية يسلك سلوك الفرعون ، فهو الذي يصدق على قرارات تعيين الكهنة المصريين ، ومن الناحية القضائية يرأس الجهاز القضائي ويصدر الأحكام ، ويعقد مجلسه القضائي ثلاث مرات في السنة في أماكن مختلفة ، ففي شهر يناير يعقد المجلس القضائي في ” بيلوزين ” ( شرق بور سعيد ) ، وفي شهر فبراير إلى أبريل في مصر الوسطى والعليا ، وفي شهري يونيو ويوليو في الإسكندرية ، ومن الناحية المالية يقوم بجولات تفتيشية والإشراف على الجهاز المالي والإداري ، ويقر الجداول الضريبية والمبلغ المستحق على كل مديرية ، ونظام الخدمات الإلزامية ، ويصدر تصاريح السفر إلى خارج البلاد0

         أما تاريخ مصرنا الحبيبة في العصر الروماني فهو تاريخ الظلم والقهر والإستبداد ، هو قصة حزينة تفيض ألماً ودماً ، فمصر هي البقرة الحلوب التي يستنذف الرومان لبنها ، وهي الشاة التي تجز القوات الرومانية صوفها ، وهي سلة الغلال التي تطعم روما وشعبها لمدة أربعة شهور من كل عام ، وبينما الشعب المصري المستعبد يكدح ويشقى ويعرق فالشعب الروماني يحصد الثمار مجاناً0

ويصف ” فيلون ” مدى القهر الذي يتعرض له الإنسان المصري فيقول : ” في الفترة الأخيرة عُيَّن جابياً للضريبة في المنطقة التي نسكن فيها ، وعندما هرب بعض السكان لعدم قدرتهم على دفع الضرائب بسبب فقرهم وخوفهم من العقاب القاسي الذي سينزل بهم ، إتجه هذا الجابي إلى زوجات الهاربين وأطفالهم وآبائهم وأقاربهم فسامهم سوء العذاب ، ذلك أنه طرحهم أرضاً وأخذ يضربهم ويطأهم بقدميه0 ولم يترك وسيلة لإهانتهم إلاَّ وسلكها ليجبرهم على الإدلاء بمكان الهارب ، أو دفع الديون المستحقة عليه00 لم يكن يتركهم لحـال سبيلهم بل كان يعذبهم ويؤذي أجسادهم ، بل أنه لم يكن يتورع عن قتلهم بوسائل تفتق عنها ذهنه0 فكان يربطهم من رقابهم إلى زكائب مملوءة بالرمال ذات وزن ثقيل ويتركهم في العراء في ساحة السوق نهباً للرياح والشمس المحرقة وسخرية المارة وإحساسهم القاتل بالمرارة بسبب ما يعانونه 0 وإلى جانب الحمل الثقيل الذي كان يقيدهم به فأنه كان يجبرهم على خلع ملابسهم ، وكان هذا المنظر يترك أبلغ الأثر في نفوس الآخرين الذي كانوا يحدثون أنفسهم بما سوف يحل بهم ، فتغمرهم مشاعر أشد قسوة مما رأوه ، ويحدوهم ذلك إلى التفكير في القضاء على أنفسهم بسيوفهم أو بالسم أو بالشنق0 وهم في هذا كانوا يعتبرون أنفسهم أوفر حظاً لأنهم سيموتون دون أن يعذبوا (59)0

حقاً أن أيام أجدادنا منذ أكثر من مائتي سنة ليست أفضل من أيامنا ، ولا أيامنا أفضل من أيامهم0 فمنذ إنتحار ملكتنا ونحن نعاني الأمرين ، ولا ندري إلى متى سنظل نعاني !!

(48)  القمص تادرس يعقوب – البابا بطرس الأول خاتم الشهداء ص 23

(49)  تصوير شكسبير للرحلة – ونفرد هولمز – ترجمة سعد أحمد حسين – كانت ملكة على مصر ص 173 ، 174

(50)   ونفرد هولمز – ترجمة سعد أحمد حسن – كانت ملكة على مصر ص 176

(51)   المرجع السابق ص 176

(52)   نيقولا يوسف – أعلام من الإسكندرية جـ 1 ص 43

(53)   دكتور عبد اللطيف أحمد علي – مصر والإمبراطورية الرومانية في ضوء الأوراق البردية س 31 ، 32

(54)   المرجع السابق س 36 – 40

(55)   ونفرد هولمز – ترجمة سعد أحمد حسين – وكانت ملكة على مصر ص 181

(56)   المرجع السابق ص 180

(57)   د0 حسين يوسف ، د0 حسن الإبياري – تاريخ وآثار مصر في عصر الرومان ص 48

(58)   المرجع السابق ص 54

(59) د0 أبو اليسر فرج – الدولة والفرد في مصر – ظاهرة هروب الفلاحين في عصر الرومان ص 150 ، 151

 

تتويج البابا ف8 – كتاب البحار المغامر – حلمي القمص يعقوب

Exit mobile version