هل فاران في سفر التثنية 33: 2 هي نبوءة عن رسول الإسلام محمد؟
هل فاران في سفر التثنية 33: 2 هي نبوءة عن رسول الإسلام محمد؟
يعلّق الإخوة الأحباء المسلمون على نص تثنية 33: 2:
“فَقَالَ: جاء الرب من سيناء، وأشرق لهم من سعير، وتلألأ من جبل فاران، وأتى من ربوات القدس، وعن يمينه نار شريعة لهم.”
ويقولون إنها نبوءة عن رسول الإسلام، وعن فتح مكة، وفي الترجمة السبعينية جاءت عبارة “ربوات القدس” بمعنى عشرة آلاف قديس، وبالفعل عندما فتح الرسول مكة كان معه عشرة آلاف من أتباعه.
الرد:
أولا: قبل أن أرد بمعنى النص الحقيقي، أريد أن أوضح أمراً لإخوتنا الأحباء المسلمين، وهو أنني أشفق عليكم بسبب محاولاتكم اليائسة لاستخراج أي شيء من كتابنا المقدس، الذي أنتم أنفسكم تحاولون ليل نهار إثبات أنه محرّف، والآن تريدون استخراج أي نص تحاولون إلصاقه بنبيكم، الذي هو نفسه لم يوضح لكم أين تلك النبوءات أصلاً.
كان ينبغي أن يوضح لكم نبيكم، سواء في القرآن أو في الأحاديث، ما هي النبوءات المذكورة في الكتاب المقدس. فهل هي مثلاً نبوءات عن مكان ميلاده، أو عائلته، أو هجرته… إلخ؟ وكان من المفترض أن يقول مثلاً في القرآن أو الأحاديث: “قد جاء عني في سفر كذا النص كذا”، وعلى اليهود والمسيحيين الرجوع إلى تلك النصوص للتأكد: هل هي فعلاً نبوءات عن نبيكم أم لا؟
على سبيل المثال، نرى أن القديس متّى ذكر نبوءة من العهد القديم عن ميلاد المسيح من عذراء، وهي:
“هوذا العذراء تحبل وتلد ابناً، ويدعون اسمه عمانوئيل، الذي تفسيره: الله معنا.” (متّى 1: 23)
فإذا رجعنا إلى العهد القديم وجدناها في إشعياء 7: 14.
وأيضاً، عند هروب المسيح إلى مصر، ذكر القديس متّى النص القائل:
“من مصر دعوت ابني.” (متّى 2: 15)
فإذا رجعنا إلى العهد القديم وجدناها في هوشع 11: 1، وهكذا.
فلماذا لم يذكر نبيكم النبوءات التي قيلت عنه في أي حديث من آلاف الأحاديث التي تركها لكم؟ أليس هذا أمراً مهماً يستحق أن يتكلم عنه أكثر من مواضيع أخرى أقل أهمية، ومع ذلك وردت عنها أحاديث؟ وبالمثل، لماذا لم يذكر محمد أي حديث مثلاً عن نبوءة فاران، بدلاً من أن يجعلكم كالباحثين عن إبرة في كومة قش؟! الجواب: لعدم وجود أي شيء عنه.
ثانياً: بعض الإخوة منكم يقولون إن النص الأصلي يقول: “جاء نور الرب”. والرد على ذلك أن النص العبري لا يوجد فيه كلمة “نور”، ولا حتى في السبعينية، فالذي جاء هو الرب نفسه، وليس نبياً.
وإن ادّعى أحدكم أن العهد القديم أحياناً كان يلقب الأنبياء والقضاة بـ “آلهة”، فإننا نرد بأن الله له اسمان في العهد القديم، وهما: إلوهيم (אֱלֹהִ֑ים) ويهوه (יְהֹוָ֣ה). وكان بالفعل من الممكن أن يُطلق على بعض الأنبياء والقضاة “إلوهيم” لبيان أنهم أخذوا سلطانهم من الله، كما في قول الرب لموسى:
“فقال الرب لموسى: انظر، أنا جعلتك إلهاً لفرعون، وهارون أخوك يكون نبيك.” (خروج 7: 1)
وكلمة “إلهاً” هنا هي “إلوهيم” (אֱלֹהִים). فلو جاء النص بـ “إلوهيم” لكان لكم الحق في الادعاء، لكن النص في العبري هو “يهوه”، و”يهوه” اسم خاص بالله إله إسرائيل فقط.
وعندما سأل موسى الرب عن اسمه، أجابه:
“أهيه الذي أهيه. هكذا تقول لبني إسرائيل: أهيه أرسلني إليكم. وقال الله أيضاً لموسى: هكذا تقول لبني إسرائيل: يهوه إله آبائكم، إله إبراهيم، وإله إسحاق، وإله يعقوب، أرسلني إليكم. هذا اسمي إلى الأبد، وهذا ذكري إلى دور فدور.” (خروج 3: 15)
وأيضاً:
“وأنا ظهرت لإبراهيم وإسحاق ويعقوب بأني الإله القادر على كل شيء، وأما باسمي يهوه فلم أُعرف عندهم.” (خروج 6: 3)
وكلمة “يهوه” مشتقة من “أهيه”، وكلمة “أهيه” بالعبرية (אֶֽהְיֶ֖ה) تتكون من مقطعين: ” אֶֽ” وتعني “أنا”، و”הְיֶ֖ה” وتعني “يكون”. وعندما يقول الله “أنا أكون” فهذا يعني أن الله كائن موجود بذاته، لا يستمد وجوده من غيره، ووجوده دائم الاستمرارية من الأزل وإلى الأبد.
وهذا المعنى يؤكده سفر الرؤيا:
“أنا هو الألف والياء، البداية والنهاية، يقول الرب الكائن، والذي كان، والذي يأتي، القادر على كل شيء.” (رؤيا 1: 8)
فالكائن والذي كان أي ذاتيّ الوجود منذ الأزل، ولم يستمد وجوده من غيره. فالسؤال هنا لإخوتنا المسلمين: هل من المعقول أن يُسمّى رسولكم أو أي إنسان باسم له هذا المعنى؟!
ومع أنني أرى أنني بذلك قد نسفت هذا الادعاء من أساسه، إلا أنني سأفسر النص تفسيراً صحيحاً حتى يستفيد الجميع، بمن فيهم إخوتنا الأحباء المسلمون.
النص يبدأ بالآتي:
“وهذه هي البركة التي بارك بها موسى رجل الله بني إسرائيل قبل موته، فقال: جاء الرب من سيناء، وأشرق لهم من سعير، وتلألأ من جبل فاران، وأتى من ربوات القدس، وعن يمينه نار شريعة لهم. فأحب الشعب، جميع قديسيه في يدك، وهم جالسون عند قدمك، يتقبلون من أقوالك. بناموس أوصانا موسى ميراثاً لجماعة يعقوب.” (تثنية 33: 1-4)
هناك تفسير يهودي للنص يقول: إن الله عرض شريعته على بني إسرائيل، وبني عيسو، وبني إسماعيل، لأنهم كلهم من ذرية إبراهيم، ولم يقبلها إلا بنو إسرائيل. حيث يقول “ترجوم أورشليم”:
and he said: The Lord was revealed from Sinai to give the law unto His people of Beth Israel. He arose in His glory upon the mountain of Seir to give the law to the sons of Esau; but after they found that it was written therein, Thou shalt do no murder, they would not receive it. He revealed Himself in His glory oil the mountain of Gebala, to give the law to the sons of Ishmael; but when they found that it was written therein, Ye shall not be thieves, they would not receive it. Again did He reveal Himself upon Mount Sinai, and with Him ten thousands of holy angels; and the children of Israel said, All that the Word of the Lord hath spoken will we perform and obey. And He stretched forth His hand from the midst of the flaming fire, and gave the Law to His people.[1]
وقال: ظهر الرب من سيناء ليعطي الشريعة لشعبه من بيت إسرائيل، وصعد بمجده على جبل سعير ليعطي الشريعة لبني عيسو، ولكن لما وجدوا مكتوباً فيه: “لا تقتل”، لم يقبلوها. وأظهر نفسه في مجده على جبل ليعطي الشريعة لبني إسماعيل، ولكن لما وجدوا مكتوباً فيه: “لا تسرق”، لم يقبلوها. وأظهر نفسه أيضاً على جبل سيناء ومعه ربوات من الملائكة القديسين. وقال بنو إسرائيل: “كل ما تكلمت به كلمة الرب نفعله ونطيعه”، ومد يده من وسط نار اللهيب وأعطى الشريعة لشعبه.
واما بالنسبة لمقطع ربوات القدس الذي تنسبوه الى عشره الاف صحابي المرافقين لرسولكم، فهو يعود على ملائكة الله، فيهوه عندما جاء واعطى الشريعة لشعبه كان معه ربوات من الملائكة، والكتاب المقدس يوضح ان الله يخدمه ربوات من الملائكة “مَرْكَبَاتُ اللهِ رِبْوَاتٌ، أُلُوفٌ مُكَرَّرَةٌ. الرَّبُّ فِيهَا. سِينَا فِي الْقُدْسِ.” (مز 68: 17)، والقديس اسطفانوس في خطابه أكد تلك المعلومة عندما قال “الَّذِينَ أَخَذْتُمُ النَّامُوسَ بِتَرْتِيبِ مَلاَئِكَةٍ وَلَمْ تَحْفَظُوهُ».” (أع 7: 53)، فالله جاء واعطى الناموس لملائكته وهم بدورهم سلموه لموسى.
وبالنسبة لي، هذا كافٍ لهدم الشبهة من أساسها، ولست بحاجة للتكلم بعدها عن موقع برية فاران، لأن باقي أساتذتي في اللاهوت الدفاعي قد تكلموا عنه باستفاضة، ولا أستطيع أنا، العبد الحقير، أن أزيد عليهم.
سيناء، سعير، فاران، صهيون (تثنية 33) نبوءة بمجيء الإسلام؟ – ترجمة أمير سمعان
سيناء، سعير، فاران، صهيون (تثنية 33) نبوءة بمجيء الإسلام؟ – ترجمة أمير سمعان
تاريخ النشر: 28 سبتمبر، 2015
أخبرني صديق مسلم مؤخراً أن مجيء الإسلام مُتنبئ به في الكتاب المقدس، خاصةً في الآية (تثنية 2:33).
وقال موسى: “أقبل الرب من سيناء، وأشرف عليهم من سعير، وتألق في جبل فاران، جاء مُحاطاً بعشرات الألوف من الملائكة، وعن يمينه يومض برق عليهم.”
أخبرني صديقي أن الجبال الثلاثة في الآية تمثّل ثلاث نبوءات: أن جبل سيناء يمثّل الناموس الذي أنزل على موسى، وجبل سعير الإنجيل الذي أُنزل على يسوع، وجبل فاران يمثّل الإسلام لأن جبل فاران موجود قرب مكة.
صديقي مخطئ في فرضيته هذه لعدة أسباب: أولاً، في الكتاب المقدس، لا يمثّل جبل سعير الإنجيل أو يسوع. ثانياً، جبل فاران من الكتاب المقدس موجود في مملكة أدوم القديمة بجوار البحر الميت، وليس قريباً من مكة على الإطلاق، لذا لا يمكن أن يمثّل الإسلام. ثالثاً، إن التسلسل الزمني (حسب الترتيب السردي) للزيارات الربانية بخصوص تلك الجبال يبدأ في فاران وينتهي في سيناء، ما يعاكس التفسير الإسلامي لتلك الآيات.
ثمة المزيد من المشاكل المستعصية في التفسير الإسلامي للآية (تثنية 2:33)، وسأناقشها كالتالي…
جبل سعير لا يمثّل يسوع أو الإنجيل.
صحيح أن جبل سيناء يمثّل العهد الموسوي، إلا أن جبل سعير لا يمثّل الإنجيل. حسب الكتاب المقدس، فإن جبل سعير يمثّل مملكة أدوم. ينحدر الأدوميون من عيسو أخي يعقوب وأبي أسباط بني إسرائيل الاثني عشر.
ثمة الكثير من بيانات الكتاب المقدس التي تربط سعير بأدوم، وذلك بشكل صريح ودامغ. ينص الذكر الأول لسعير في الكتاب المقدس على أن سعير هو مكان إقامة الأدوميين.
(التكوين 8:36) فاستوطن عيسو، أي أدوم، جبل سعير. وهذه هي أسماء أبناء عيسو أبي الأدوميين في جبل سعير.
جبل سعير يمثّل أدوم، ولا يمثّل يسوع.
للتذكير، الجبل الذي يربطه الكتاب المقدس بيسوع المسيح هو جبل صهيون في إسرائيل. ونجد ذلك واضحاً في (مزمور 6:2-9) و(مزمور 110)، إنهما آيتان فقط من العديد من النصوص الدينية التي تؤكد ذلك.
جبل فاران لا يمثّل الإسلام ولا مكة.
في الكتاب المقدس، جبل فاران مرتبط بـتيمان، وهي منطقة ضمن أدوم. فاران ليس له علاقة بـمكة.
يذكر سفر حبقوق أن جبل فاران موجود في تيمان، وأسفار إرميا وعوبديا تذكر تيمان مع أدوم. وهكذا نستنتج أن فاران في أدوم، وليس في مكة.
(حبقوق 3:3): “الله جاء من تيمان، والقدوس من جبل فاران.”
تيمان المذكورة هي منطقة مرتبطة بـأدوم في (إرميا 7:49)، حيث يستخدم إرميا اسم تيمان كمرادف لمملكة أدوم، ويشير بذكر جزء من المنطقة إلى كامل المنطقة. وهكذا فعل النبي عوبديا (عوبديا 9:1).
(إرميا 7:49): “هكذا قال رب الجنود: ألا حكمة بعد في تيمان؟ هل بادت المشورة من الفهماء؟”
بما أن الكتاب المقدس قد حدد مكان فاران في أدوم، فلا يصحّ الربط بين فاران ومكة، ولهذا فهو لا يمثّل الإسلام.
مملكة أدوم القديمة كانت على حدود مملكة يهوذا (جنوب إسرائيل)، عند البحر الميت وجنوب الأردن (مملكة موآب القديمة)، كما أنها ممتدة وصولاً إلى صحراء النقب. أدوم بعيدة كل البعد عن مكة.
جرت زيارة فاران قبل سيناء.
ذُكرت فاران في آخر قائمة الجبال التي زارها الله عندما أنزل العهد الموسوي في سيناء. فسّر المسلمون ذلك على أنه تسلسل زمنيّ للوحي الذي نزل في سيناء أولاً، وكان الإسلام مُمثلاً بجبل فاران الذي جرت زيارته في النهاية.
أخطأ التفسير الإسلامي لهذا النص، لأنه رغم ذكر فاران في النهاية، إلا أنه قد تمّت زيارته في البداية، ذلك قبل سيناء وليس بعد سيناء.
لم يُكتب عن زيارة الرب إلى فاران في (تثنية: 2:33) فحسب، بل أيضاً في (القضاة 4:5-5) و(حبقوق 3:3-4). يجب أن يقرأ الشخص كل تلك النصوص معاً كي يفهم كيف ولماذا زار الرب فاران وسيناء.
في (تث 2:33) تشرح الصورة كيف “أشرق” الرب من سعير وفاران قبل الوصول إلى جبل سيناء بكامل سلطانه ومجده لينشر بركاته. الفجر يكون في بداية اليوم طبعاً، وليس في نهايته. وهكذا، تصف الآية (تثنية: 2:33) حركة الرب من مكان (أدوم) إلى آخر (مسكن بني إسرائيل). حقيقة ظهور الرب في سيناء من سعير/فاران/أدوم كانت جلية في (القضاة 4:5-5) التي ذكرت الحقائق ذاتها كما في (تثنية: 2:33).
“حين خرجت يا رب من سعير، وزحفت من حقول أدوم، رجعت الأرض وقطرت السماء، قطرت الغمائم ماءً، تزعزعت الجبال من وجه الرب، رب سيناء، أمام الرب إله إسرائيل.”
تحرّك الرب من أدوم إلى إسرائيل فكرة متكررة في النص المقدس.
قالت النبوة إن سكان أدوم أعداء الرب سيتعرضون للتدمير، وسينتقل الرب إلى إسرائيل لمواساتهم ومباركتهم بعد الانتهاء من تدمير أعداء إسرائيل.
وهذا ما سيحدث في المستقبل. في نهاية الزمان، في الأرمجدون، سيشرع الرب في زيارة إسرائيل عبر “الشروق” من أدوم (فاران – حبقوق: 3:3-4 – إشعياء 1:63) حيث يحكم على من يعارضه ويعارض المسيح.
من أدوم وعبر المسيح، سيتحرك الرب مرة ثانية لزيارة إسرائيل، هذه المرة سيبسط سُلطانه على جبل صهيون في أورشليم. تمّ تجسيد النبوءة عبر قراءة النصوص التنبؤية في (تث 2:33، حبقوق 3:3-4، إشعياء 11:62 – 6:63).
في أسفار إشعياء وحبقوق، سيحكم الرب على الأمم بدايةً من أدوم. يعطي إشعياء المزيد من التفاصيل أنه عند اكتمال حُكم الرب سيذهب إلى أورشليم (جبل صهيون). الرابط بين (إشعياء 62/63) و(تث 2:33) هي تحرّك الرب بين أدوم وإسرائيل (جبل سيناء، ثم جبل صهيون) حيث تُصان البركة من أجل إسرائيل.
(إشعياء 11:62 – 4:63): “الرب قد أذاع في كل أقاصي الأرض: قولوا لابنة صهيون قد أقبل مخلّصك.
من هذا المُقبل من أدوم، بثياب حمراء من بُصرة، هذ المتسربل بالبهاء، السائر بخيلاء قوّته؟
لقد دست المعصرة وحدي، ولم يكن معي أحد من الشعوب.
قد دستهم في سخطي ووطئتهم في غيظي…
لأن يوم الانتقام كان كامناً في قلبي.”
نلاحظ أن الرب ذهب إلى صهيون من أدوم بعد الانتهاء من حُكمه. إليكم صورة مُفصلة أكثر من (حبقوق 3:3-4)، كانت بذرتها في (تث 2:33). كما توضح الآيات (رؤيا 13:19-16) أن الرب المتسربل بالبهاء هو يسوع.
وهكذا كانت رحلة الرب في (تثنية 2:33) من فاران إلى سيناء. ما يعني أن التسلسل الزمني الذي يقترحه المسلمون لتفسير هذا النص غير صحيح.
الآية (تثنية 2:33) لا علاقة لها بالإسلام.
فاران – مركز تنفيذ حُكم الرب
كما لاحظنا سابقاً، حدد النبي حبقوق فاران في تيمان، وهي منطقة ضمن أدوم. ورد في (تثنية 33) أن الرب أشرق من فاران خلال إنزال العهد الموسوي.
أما حبقوق من جهة ثانية، يتنبأ أن الرب سيشرق مجدداً من فاران في المستقبل. لكن زيارة الرب المستقبلية إلى فاران لن تكون لإنزال عهد آخر، بل ستكون تنفيذاً لانتقام الرب من أعدائه الذين يكرهون إسرائيل.
بتعبير آخر، فاران هي مركز تنفيذ حُكم الرب، وليس كما يحب أن يقول المسلمون “شعب الله المختار”. سيدمر الرب أعداءه بدءاً من فاران، ولن يباركها. إذا أصرّ المسلمون على أن فاران يمثّل مكة فعليهم أن يشرحوا نبوءات الكتاب المقدس عن تدمير الرب لشعب مكة والمناطق المحيطة.
وهكذا يرينا سفر حبقوق أن التفسير الإسلامي للآية (تث 33) ضعيف. إنه لا يعكس رأي الكتاب المقدس الواضح بـفاران، حيث سيدمر الرب أعداءه في جميع أنحاء الأرض، بدءاً من فاران. من الواضح تماماً أن فاران (يعني أدوم) ستُدمر كلياً بمشيئة الرب. (إشعياء 34) مثال واحد فقط عن هذه الحقيقة.
وصفت آيات (حبقوق 3:3-4) إشراق الرب من فاران بطريقة مماثلة للآية (تثنية 2:33).
“قد أقبل الله من أدوم،
وجاء القدوس من جبل فاران.
غمر جلاله السماوات وامتلأت الأرض من تسبيحه.
إن بهاءه كالنور، ومن يده يومض شعاع،
وهناك يحجب قوّته.”
نرى تأكيداً في أول آيتين عن وصف ميعاد زيارة الرب إلى فاران، لكن تذكير (حبقوق 3) يُظهر أن الله يشرق من فاران بزيارة لتنفيذ حُكمه.
(حبقوق 5:3-7): “يتقدمه وباء، والموت يقتفي خطاه.
وقف وزلزل الأرض، تفرّس فأرعب الأمم…
لقد رأيت خيام كوشان تنوء تحت البلية
ومساكن مديان ترجف رعباً.”
وهكذا تنبأ حبقوق أن الله سيضرب فاران بالوباء والطاعون، وأن حُكمه سيمتد من هناك إلى أرض مدين (شمال غرب شبه الجزيرة العربية) ثم يمتد إلى جميع الأمم في النهاية (الآية 12). لن يكون المسلمون الأمة التي ينقذها الله ويعزيها، بل قومه المختارين شعب إسرائيل.
(حبقوق 13، 16): “خرجت لخلاص شعبك،
لخلاص مختارك… ولكن سأنتظر بصبر يوم البلية الذي يحيق بالأمة التي غزتنا.”
الرسالة في آخر إصحاحين من سفر “حبقوق” خاصة بإجابة سؤال النبي للرب “ماذا سيفعل الرب في وجه الدمار الوشيك لإسرائيل على يد أعدائها.” الإجابة هي بالرغم من تعرّض إسرائيل للغزو والتدمير في زمن حبقوق، إلا أن الرب سيخلص شعبه في النهاية، ويعزيهم وينقذهم ويدمر أعداء إسرائيل.
(حبقوق 16:3-18): “ولكن سأنتظر بصبر يوم البلية الذي يحيق بالأمة التي غزتنا… فإني أبتهج بالرب وأفرح بإله خلاصي.”
كما جرت العادة، يتصرف الرب لإنقاذ شعبه وأمته المختارة، ألا وهي إسرائيل.
لم يحدث ذلك قط من أجل مكة أو المسلمين.
إذاً لماذا تمّ ذكر فاران في الآية (تثنية 2:33)؟
لاحظنا أن سعير وفاران يمثّلان أدوم في الكتاب المقدس. هذه ضربة قاضية لفرضية المسلمين عن أن (تثنية 2:33) تمثّل مكة والإسلام. إذاً لماذا قد يضع الرب إشارة إلى سعير وفاران في نص مقدس يصف إنزال شريعة موسى على إسرائيل في سيناء؟
الإجابة هي أن (تثنية 2:33) بذرة نبوءة عن حُكم الله على أدوم. حيث زاد وضوح ودقة واتسع نطاق تنبؤات الرب عن مجيء المسيح منذ النبوءة المسيحية الأولى في (تكوين 15:3)، كما التعامل مع النبوءة عن حُكم الرب على أدوم.
يزداد الأمر وضوحاً بينما نقرأ النصوص المقدسة عن مجيء الرب إلى فاران كما ناقشنا أعلاه.
لا يشير سياق (تثنية 33) إلى الإسلام.
في القسم التالي سأقدّم المزيد من الأدلة عن عدم إشارة (تثنية 2:33) إلى الإسلام.
أولاً، يتناول السياق المباشر للآية التاريخ لا المستقبل. يتمسك المسلمون كما المسيحيون بمبدأ تفسير النص ضمن السياق. كي نفهم آية واحدة ضمن سفر التثنية، من المهم أولاً أن نقرأ الآيات التي حولها مباشرةً وكامل الإصحاح الذي ذُكرت فيه الآية.
وهكذا تصف الآيات التي تتبع الآية 2 مباشرةً عهد الآية 2. هذا العهد هو الشريعة التي أعطانا إياها موسى (الآية 4) (ليس أيّ عهد أو عهود أخرى)، والناس المباركون بالعهد هم جماعة يعقوب (الآية 4)، والذين كانوا معروفين باسم “يشورون”… أسباط إسرائيل (الآية 5).
توضح الآية 5 أيضاً أن العهد الذي أُنزل في الآية 2 هو شريعة موسى، عبر التصريح عن وقوع الأحداث عندما اجتمع قادة وأسباط إسرائيل في حضرة الرب. تلك إشارة إلى (الخروج 24). تقول الآيات من 2 إلى 5 بشكل أساسي الكلام ذاته بطرق مختلفة: أعطى الله شريعته إلى إسرائيل.
وهكذا نفهم ببساطة ووضوح أن (تثنية 2:33) تتحدث عن موسى وإسرائيل واليهود، وليس عن محمد ولا مكة ولا المسلمين.
حسب سياق (تثنية 33) فإن إسرائيل هي أرض الميعاد.
سننتقل الآن إلى سياق (تثنية 33) كإصحاح بكامله حيث نرى أن هذا الإصحاح يشكّل ذروة إتمام تعاليم موسى لإسرائيل.
معظم آيات الإصحاح (آية 6-25) هي تفاصيل البركات التي أعلنها موسى من أجل أسباط إسرائيل الـ12 حين يدخلون الأرض التي وعد بها الله إبراهيم وإسحق ويعقوب.
موسى على وشك الموت، وقبل أن يموت ينقل إليهم بركات الله للحفاظ على إسرائيل في أرض كنعان الموعودة. المقدمة (آية 2-5) عن بركة الأسباط حيث يصف موسى بركات كامل أمة إسرائيل، البركات التي توحدهم جميعاً وتجعل منهم أمة، وهي بركات علاقة العهد مع الله عبر الشريعة التي أنزلها الله عليهم: العهد الموسوي في سيناء.
تفرض المقدمة على إسرائيل وعلينا أن المصدر الأساسي لبركة إسرائيل هو العهد مع الله. ذلك هو أساس جميع البركات التي حلّت على كلّ الأسباط على حدة.
يتحدث الإصحاح عن إسرائيل، وليس عن مكة ولا عن الإسلام.
المحتوى التنبئي في (تثنية 33) يشير إلى يسوع.
أصدقاؤنا المسلمون محقون في أن (تثنية 33) يحتوي على نبوءة أبعد من المستقبل القريب لإسرائيل في أرض كنعان، لكن تلك النبوءة تشير إلى يسوع، وليس إلى محمد.
سبق ورأينا أن (الآية 2:33) هي بذرة نبوءة عن مجيء يسوع المسيح لتدمير أعداء إسرائيل، وبالتالي يبدأ حكمه وسُلطانه لأنه الرب ملك إسرائيل. بالإضافة إلى ذلك، فإن مجيء يسوع مذكور في بركة موسى.
اقرأ (تثنية 7:33): “وقال عن يهوذا:
اسمع يا رب دعاء يهوذا،
واجمع شمله بقومه.
فإنه بيديه يدافع عن قضيته.
فأعنه على أعدائه.”
النبوءة مُوجزة، لكن يجب أن تُفهم باتساق مع البركة التنبئية السابقة ليهوذا، التي ذكرها يعقوب في (تكوين 49).
أعلن يعقوب في (تكوين 10:49) عن نبوءة عن أن المسيح سيخرج من سبط يهوذا كالتالي:
“لا يزول صولجان المُلك من يهوذا،
ولا مشترع من صُلبه،
حتى يأتي شيلوه (ومعناه من له الأمر)
فتطيعه الشعوب.”
وهكذا يخبرنا الله عبر يعقوب أن الملك قادم من سبط يهوذا وأن الشعوب ستطيع هذا الملك. لا ينحدر محمد من بني إسرائيل، وطبعاً ليس من سبط يهوذا، على عكس المسيح الذي من نسل داوود.
أول مقطع من بركة موسى على يهوذا في (تثنية 7:33) هو صلاة لتنفيذ الوعد المسيحي ليهوذا، وهو أن مسيح إسرائيل الموعود سيأتي من نسلهم. يشير المقطع الثاني إلى نشاط المسيح حيث يكون عامل الخلاص الوحيد لإسرائيل بالشراكة مع الله. (أقبل أن المقطع الثاني أيضاً متصل بيهوذا ضمن الإطار الزمني لغزو أرض الميعاد بالإضافة إلى النشاط المستقبلي للمسيح.)
نلاحظ أيضاً ارتقاء مكانة يهوذا بين الأسباط. في بركة يعقوب، يُذكر يهوذا في المرتبة الرابعة من حيث الميلاد بين الأسباط الـ12. في بركة موسى، يرتقي يهوذا إلى المرتبة الثانية لإبراز ازدياد أهمية هذا السبط. روبين بكر إسرائيل يحتفظ بشرف الذكر أولاً. من بين جميع الأسباط الآخرين، يُذكر يهوذا بعده، وهذا متصل بشرف يهوذا الذي يحتفظ بميعاد سلف المسيح.
يمكن أن يكون عنصرا تفسيري للآية (تثنية 7:33) أعلاه – التأكيد على ميعاد مجيء المسيح وارتقاء يهوذا بسبب ميعاد المسيح – محط خلاف إلى حد ما. المقطع مُوجز والمعنى غير جليّ. إلا أن كبار المفسّرين يدعمون فكرة التنبؤ بالمسيح في (تثنية 7:33).
على أي حال، لا فائدة من البحث عن محمد في الكتاب المقدس. لا ذكر له في النصوص، وهذه حقيقة جلية. وبالعودة إلى موضوعنا الحالي، ميعاد مجيء المسيح من يهوذا في (تكوين 49) واضح لا لبس فيه. المسيح الذي ستطيعه جميع الأمم سيأتي عبر يهوذا. تلك الوعود متعلقة بالمسيح، من نسل داوود وملك يهوذا. لا علاقة لمحمد بيهوذا، لذا محمد ليس المسيح، وليس من ستطيعه جميع الأمم. تلك الوعود متعلقة بيسوع.
جبل سعير يمثّل أدوم، ولا يمثّل يسوع.
الأدوميون أعداء الله لا يمكن أن يمثّلوا يسوع المسيح ابن الله.
يقول الكتاب المقدس إن يسوع هو الله، وذلك واضح وجليّ في (يوحنا 1:1-14) و(رؤيا 13:22-16).
لكن دائماً ما يصف العهد القديم الأدوميين بأنهم أعداء شعب الله وأعداء الله نفسه. ثمة العديد من النصوص التي تصف كيف تعارض أدوم الله وشعبه وغايته، وكيف يعارض الله أدوم وكيف ستُدمر أدوم بالتأكيد بحُكم الله.
لا يمكن أن يعارض يسوع أو يدمر نفسه.
لا يمكن أن يكون أعداء يسوع ممثّليه.
وهكذا نستنتج أن جبل سعير وجبل فاران اللذان يمثّلان أدوم، لا يمكن أن يمثّلا يسوع.
أدوم، أعداء الله.
يوفر هذا القسم المزيد من التفاصيل عن كيفية ذكر الكتاب المقدس لأدوم على أنها موطن أعداء الله.
يستمر الكتاب المقدس بوصف أدوم ومعاداة الله وشعبه بني إسرائيل، وكيف تعادي أدوم خطط الله في محاولة لعرقلة عمله، ويقول إن أدوم تكره وترفض الله نفسه.
نرى عداء أدوم لإسرائيل أولاً خلال رحلة إسرائيل إلى أرض الميعاد بعد أن أنقذهم الله من مصر. طلب بنو إسرائيل مروراً آمناً من أدوم الكنعانية، لكن أدوم منعتهم بالقوة المسلحة، وهكذا أُجبر بنو إسرائيل على اتخاذ طريق ملتو حول حدودها (العدد 14:20-21).
لم يغضب الرب هنا من أدوم لأنهم ضايقوا إسرائيل فحسب، بل أيضاً لأنهم حرموا إسرائيل من حقوق الأسرة. بما أن أدوم من نسل عيسو أخو يعقوب، وإسرائيل من نسل يعقوب، فإن إسرائيل وأدوم كانوا إخوة أمام الرب وجميع شعوب الشرق الأوسط. لذا كان من واجب أدوم توفير الدعم لإسرائيل بدلاً من العداء. ما حدث كان إهانة عائلية خطيرة وخطيئة كبرى وفق معايير ثقافة الشرق الأوسط.
كان عداء أدوم لإسرائيل بدافع الحقد والغيرة، لأن عيسو أخو يعقوب الأكبر كان قد تجاوزه الله عندما منح حقوق عيسو البكر، ووعود العهد الموروثة من إبراهيم إلى يعقوب. وهكذا دفعت الغيرة أدوم للانتقام من إسرائيل عبر حرمانه من تحقيق تلك الوعود، خاصةً الأرض التي وعد بها الله إبراهيم. باختصار، كان أدوم يحاول عرقلة خطة الله وغاياته عبر عرقلة رحلة إسرائيل إلى أرض كنعان الموعودة.
وهكذا، عندما عارض أدوم غايات الله جعل من نفسه عدواً لله.
استمرت غيرة أدوم من إسرائيل حتى بعد إقامة إسرائيل في أرض كنعان. مع تعرّض إسرائيل للهجوم، سمح أدوم بنهب أخيه، بل ذهب لنهب إسرائيل بنفسه وهلل لأعداء إسرائيل حين دمروا أخيه في حرب دامية. كان أدوم يأمل أنه بتدمير إسرائيل سيحظى هو بأرض الميعاد.
(حزقيال 10:35-11): “لأنك قلت: إن هاتين الأمّتين [مملكتا إسرائيل الشمالية والجنوبية]، وهاتين الأرضين تصبحان لي فأمتلكهما، ولو كان الرب هناك، لذلك حيّ أنا يقول السيد الرب: لأعاملنّك بمقتضى غضبك وحسدك اللذين أبديتهما في بغضائك لهم.”
من المحزن اكتشاف أن حقد أدوم تجاه إسرائيل بات حقداً تجاه الرب نفسه. سبب كره أدوم لله هو تفضيل الله يعقوب على عيسو.
(حزقيال 13:35): “قد تباهيتم عليّ بأفواهكم، وأكثرتم من لغوكم عليّ وأنا سمعت. هكذا قال السيد الرب.”
جعل أدوم من نفسه عدوّ شعب الله والله نفسه. وهكذا سيتعرض أدوم لحُكم الله.
(حزقيال 15:35): “وكما فرحت لخراب ميراث شعب إسرائيل، كذلك أفعل بك، فتصير خراباً يا جبل سعير، خراباً وكل بلاد أدوم فتدركون أني أنا الرب.”
ببساطة، حلّ غضب الرب الأبدي على أمة أدوم. الحُكم على أدوم لا رجعة فيه.
(ملاخي 4:1): “وإن قال الأدوميون: مع أننا تحطمنا فإننا نبني الخرب. فإن الرب القدير يقول: هم يعمّرون وأنا أهدم، ويدعو الناس بلادهم أرض النفاق، وأهلها بالأمة التي سخط عليها الرب إلى الأبد.”
سعير لا يمثّل يسوع ولا إنجيله.
سعير موطن الأدوميين، أبناء عيسو وأعداء الله وغايته وشعبه، والتي تقع عليهم أحكام الله.