إيشوعداد المروزي ف9 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

إيشوعداد المروزي ف9 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

إيشوعداد المروزي ف9 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

 

 

الفصل التاسع

 

إيشوعداد المروزيّ وتفاسير النساطرة(*)

 

حين نطَّلع على ما تركه لنا النساطرة من تفاسير كتابيَّة، وهي عديدة لم تطبع بعد كلُّها، نكتشف طابعها المدرسيّ وندرك أنَّها جُمعت من كتب متنوِّعة. وها نحن نقدِّم بعضًا منها ونشدِّد على شخصيَّة بارزة في التقليد النسطوريّ هو إيشوعداد المروزيّ الذي شرح أسفار الكتاب المقدَّس في عهديه القديم والجديد.

 

أوَّلاً: تفاسير النساطرة

 

هناك أوَّلاً مقالات نرساي الكتابيَّة التي تعود إلى القرن الخامس وتَبعد بفنِّها الأدبيّ عن سائر المؤلَّفات التأويليَّة. لهذا لن نتوقَّف عندها، بل نذكر ثلاثة أسماء قدَّموا لائحة أسئلة حاولوا الإجابة عنها: تيودور بركوني ويشوع برنون (743-848) وحنانيشوع برسروشويه، مع ثلاثة تفاسير: إيشوعداد والتفسير المغفَّل وجنَّة النعيم (الأطياب). ونذكر أخيرًا مجموعتين مغفَّلتين.

 

  1. تيودور بركوني

 

وصل إلينا من تيودور بركوني كتاب الأسكوليون الذي أُلِّف، في 11 مقالة، في نهاية القرن الثامن(1)، وهو لائحة أسئلة تتطرَّق إلى التأويل والفلسفة واللاهوت والدفاع المسيحيّ. المقالات الثماني الأولى مخصَّصة للتأويل: فالمقالات (1-5) تتطرَّق إلى العهد القديم، والمقالات (7-9) تتطرَّق إلى العهد الجديد.

 

يجيب الكاتب في المقالات الثلاث الأولى عن أكثر من 300 سؤال في أسفار موسى الخمسة. ويقدِّم 63 سؤالاً وجوابًا عن الأنبياء السابقين (يشوع، القضاة، صموئيل، الملوك) في المقالة الثالثة. ونقرأ 27 سؤالاً عن الكتب الحكميَّة وأربعة أسئلة عن المزامير.

 

يَعتبر بركوني أنَّ الكنيسة قبلت في لائحتها كتاب الملوك لا كتاب الأخبار. ونشيد الأناشيد هو دفاع عن ابنة فرعون، ولهذا لا يكرِّس له الكاتب أيَّ سؤال وجواب، وكذلك نقول عن سفر الحكمة. أمّا أيّوب فمن الكفر أن نقول إنَّ موسى كتبه.

 

نشير إلى وجود مقاطع عديدة مشتركة بين بركوني وإيشوعداد، ويبدو أنَّ المفسِّرَين استقيا من ينبوع واحد.

 

  1. إيشوع برنون

 

مات إيشوع برنون سنة 828 عن 85 سنة. كان رئيس مدرسة ساليق وراهبًا وجاثليقًا. وهذا يعني أنَّ كتابه مسائل مختارة أو مباحث(2) سبق إسكوليون بركوني وتفاسير إيشوعداد. وهكذا تكون مباحث إيشوع برنون أقدم تفسير نسطوريّ للكتاب المقدَّس. هي أصغر حجمًا من إسكوليون بركوني ولا تعالج إلاَّ الكتاب المقدَّس، وهي مقسومة سبعة أقسام مخصَّصة تباعًا للبنتاتوكس (أو أسفار موسى الخمسة)، والمجالس (أو بيت موتبي) والأنبياء، والمزامير، والإنجيل، وأعمال الرسل، ورسائل القدّيس بولس، فيها 56 سؤالاً عن البنتاتوكس، و19 سؤالاً عن المجالس (سؤال واحد عن يشوع، 4 أسئلة عن القضاة، 6 أسئلة عن صموئيل، 3 أسئلة عن الملوك، 3 أسئلة عن الأمثال، سؤال واحد عن ابن سيراخ وسؤال عن الجامعة)، و45 سؤالاً عن المزامير. هناك إذًا 145 سؤالاً عن العهد القديم، وقد نقل منها إيشوعداد 136 نقلاً يكاد يكون حرفيٌّا. وهكذا نستطيع القول إنَّ مباحث إيشوع برنون هي مصدر هامّ استقى منه إيشوعداد المروزيّ.

 

  1. حنانيشوع برسروشويه

 

عاش في النصف الثاني من القرن التاسع. يقول عنه عبديشوع الصوباويّ إنَّه صاحب أسئلة في الكتاب المقدَّس. وينسب إليه السمعانيّ كتابًا عنوانه أسئلة في التدبير الإلهيّ وهو مخطوط سريانيّ في الفاتيكان (رقم 150، ونسخ سنة 1708) أغفل اسمه. نجد في التدبير الإلهيّ 40 سؤالاً تعالج البنتاتوكس و40 جوابًا قصيرًا تذكِّرنا بنصِّ إيشوعداد. وهذا ما يدفعنا إلى القول إنَّ حنانيشوع وإيشوعداد استقيا من معين واحد.

 

  1. تفاسير إيشوعداد

 

نتوقَّف هنا على مكانة تفسير إيشوعداد في تفاسير النساطرة. إنَّ تفسير إيشوعداد للبنتاتوكس بفضل كلِّ ما خلَّفه لنا الكتّاب النساطرة من آثار، لا يزاحمه في هذه المكانة إلاَّ التفسير المغفَّل الذي سنتكلَّم عنه، مع العلم أنَّه ينقل صفحات كاملة من إيشوعداد. وإذا رجعنا إلى كتاب المجالس اكتشفنا أنَّ إيشوعداد هو خير شاهد على التأويل النسطوريّ ولاسيَّما في المقدِّمة التي يستهلُّ بها تفسير كلِّ كتاب.

 

تفسير إيشوعداد تفسير ضخم فيه الموادّ المتنوِّعة. وقد احتفظ لنا إيشوعداد بقسم كبير ممّا جمعه التعليم الكتابيّ عند النساطرة: تفسير مادّيّ وتفسير روحيّ، أسئلة خاصَّة عن التأويل، عرض لاهوتيّ ودفاعيّ، ملاحظات عن التاريخ القديم والسلسلات الكتابيَّة، عن علم الكون وعلم الفلك وعلم الحيوان والنبات، تلميحات إلى أعمال ليتورجيَّة وعادات دينيَّة وشعبيَّة، ملاحظات فقهيَّة ولغويَّة. كلُّ هذه الموادِّ المبعثرة تجعل من تفاسير إيشوعداد أغنى مرجع للتفسير النسطوريّ.

 

وتفسير إيشوعداد مهمٌّ لأنَّه يطلعنا على النصِّ الكتابيّ المستعمل في عصره. فهو يستعمل الترجمة البسيطة ولكنَّه يعود إلى اليونانيَّة والعبريَّة. وهو مهمٌّ أيضًا لأنَّه يساعدنا على الاطِّلاع على العمل التأويليّ السابق. لقد وصلت إلينا مقاطع من كتب ضاعت دوَّنها يوحنّا بيت ربّان(3) وميخائيل المعلِّم النصيبينيّ(4) وجبرائيل القطريّ(5) وغيرهم. ويحمل إلينا تفسير إيشوعداد معلومات عن اتِّجاهات التأويل في أيّام إيشوعداد وعن المراجع اليونانيَّة والسريانيَّة (أفرام، تيودور المصّيصيّ، أوسيب الحمصيّ) التي أثَّرت في التأويل النسطوريّ على مرِّ العصور.

 

  1. التفسير المغفَّل

 

إنَّ المؤلَّف الذي يمتدُّ من العهد القديم إلى العهد الجديد ونجهل كاتبه موجود في مخطوطة(6) (في بطريركيَّة الكلدان في الموصل وفي مخطوطات أخرى). دوِّن الكتاب حوالى السنة 900 وربَّما في نهاية القرن الثاني عشر. وإذا كان مخطوط الموصل يتضمَّن النصَّ كلَّه، فمخطوط منغانا لا يحوي إلاَّ تفسير البنتاتوكس ويعتبره مأخوذًا من تيودور وأفرام ويوحنّا وإبراهيم بيت ربّان وميخائيل المعلِّم النصيبينيّ.

 

يشبه التفسير المغفَّل إلى حدٍّ بعيد تفسير إيشوعداد ويوازيه في مقاطع عديدة ويمكننا أن نقول إنَّ ثلثي كتاب التفسير المغفَّل موجود في تفسير إيشوعداد. لكنَّ التفسير المغفَّل ترك الأسئلة الإضافيَّة وخفَّف من نصوص الهكسبلة. ثمَّ إنَّه أورد كثيرًا من أسماء السريان ولجأ إلى ألفاظ فارسيَّة ليفسِّر الكلمات الكتابيَّة، واستعمل كذلك كلمات من لهجة قطر. كلُّ هذا يجعلنا نعتبر أنَّ قطر هو موطن الكاتب.

 

ولكن كيف نفسِّر هذا التقارب بين تفسير إيشوعداد والتفسير المغفَّل؟ هل أخذ الواحد عن الآخر؟ هناك اختلافات في المقاطع المشتركة. ثمَّ إنَّ التفسير المغفَّل يقدِّم مقاطع لجبرائيل القطريّ ويوحنّا بيت ربّان وميخائيل النصيبينيّ لا نجدها عند إيشوعداد. كلُّ هذا يدفعنا إلى القول إنَّ التفسيرين استقيا من مرجع واحد وحافظ كلُّ كاتب على شخصيَّته، ولهذا كانت الاختلافات.

 

ويمكننا القول إنَّ التفسير المغفَّل هو بعْدَ تفسير إيشوعداد أهمُّ شاهد للتأويل النسطوريّ وهو أهمُّ من جنَّة النعيم. كان مؤلَّف إيشوعداد واسعًا ولكنَّه لم يورد لنا كلَّ ما علَّمه المؤوِّلون النساطرة عن البنتاتوكس، فسدَّ التفسير المغفَّل هذه الثغرة وثابر على ذكر مراجعه السريانيَّة(7) فأطلعنا على الآداب التأويليَّة السابقة التي ضاعت.

 

  1. جنَّة النعيم

 

هو مؤلَّف ضخم يفسِّر قراءات الكتاب المقدَّس التي تتلى في صلاة الفرض على مدى السنة الليتورجيَّة عند النساطرة. هذا يعني أنَّه تفسير متقطِّع يعالج عددًا محدودًا من النصوص الكتابيَّة. ففي المخطوط الفاتيكانيّ(8) نجد 59 نصٌّا مفسَّرًا أخذت من أسفار البنتاتوكس، و27 نصٌّا من المجالس(9).

 

من دوَّن جنَّة النعيم؟ لسنا ندري من هو، ولكنَّ النسّاخ يسمُّونه »مفسِّر الأتراك«. أمّا تاريخ تدوينه فيقول إنَّه يعود إلى القرن العاشر، ولكنَّ الأصحَّ إلى القرن الثالث عشر.

 

عندما ننتقل من تفسير إيشوعداد والتفسير المغفَّل إلى جنَّة النعيم نحسُّ ببعض الخيبة. فإذا وضعنا جانبًا بضعة مقاطع قليلة، فما نجده في تفسير لأسفار البنتاتوكس قرأناه عند هذين المفسِّرين السابقين. هذه الملاحظة تدفعنا إلى البحث عن المصادر. فمرَّة نجد جنَّة النعيم قريبة من إيشوعداد ومرَّة نجدها قريبة من التفسير المغفَّل. فهل اتَّبعت هذين المصدرين، أو استقت مثلهما من المصدر المشترك نفسه؟ هذا سؤال ليس له جوابٌ في الحالة الحاضرة.

 

  1. السلسلة المغفَّلة الأولى

 

سنة 1880، طبعت أربعة كتيِّبات نسطوريَّة(10). ونجد في الكتيِّب الثالث سلسلة صغيرة عن بعض أسفار العهد القديم والعهد الجديد. ودوَّنت هذه الكتيِّبات بعد الزحف الإسلاميّ، وهناك من يقول في النصف الأوَّل من القرن الثالث عشر وبعد تدوين جنَّة النعيم. ليس هذا الكتيِّب لائحة أسئلة وليس تفسيرًا، إنَّه مجموعة تعاليق حول كلمات خاصَّة من الكتاب المقدَّس، مرتَّبة حسب ورودها. أمّا معجم البنتاتوكس فيحتلَّ الصفحات العشر الأولى من السلسلة، وما نجده من شرح يوافق ما نقرأه في تفسير إيشوعداد والتفسير المغفَّل دون أن نؤكِّد أنَّ هذين التفسيرين هما مصدر هذه السلسلة. نشير إلى أنَّ هذه السلسلة تتوقَّف عند التكوين والخروج دون سائر أسفار موسى، كما تتوقَّف عند أسفار المجالس مرتِّبة إيّاها في الشكل التالي: يشوع، القضاة، صموئيل، الملوك، راعوت، الأمثال، نشيد الأناشيد، الجامعة. ولكن ترد قبل هذا مصطلحات من الأنبياء وسفر أيّوب. وتسمّي السلسلة سفر الأمثال حكمة سليمان وهكذا يفعل التفسير المغفَّل.

 

لا يمكن لهذه السلسلة أن تزاحم مؤلَّفات أوسع مثل تفسير إيشوعداد وجنَّة النعيم والتفسير المغفَّل، ولكنَّ لها قيمتها بسبب شروح الكلمات. فهي الشاهد على الاهتمام المعجميّ الذي برز عند الكتّاب السريان وكان في أساس تأليف المعاجم التي هي فخر الأدب النسطوريّ.

 

  1. السلسلة المغفَّلة الثانية

 

إنَّ الكتيِّب الرابع الذي نشر سنة 1880 كناية عن مقاطع مأخوذة من تفسير نجهل متى كُتب، ولكنَّنا متأكِّدون أنَّه دوِّن بعد مؤلَّف إيشوعداد. ليست هذه السلسلة فقط معجمًا كالسلسلة السابقة، بل تحتوي أيضًا تعليقات أو نتفًا من تعليقات. توقَّف الكاتب عند التكوين والخروج فما زاد على إيشوعداد إلاَّ شيئًا قليلاً. أمّا عن أسفار المجالس فنجد 19 تعليقًا نقرأ منها 14 في مؤلَّف إيشوعداد. وتحدَّث الشارح عن أصل السبعينيَّة وعن سمعان، والد ابن سيراخ، وعن معطيات زمنيَّة. وهكذا نقول إنَّ معظم تعاليق هذه السلسلة المغفَّلة الثانية مأخوذة من إيشوعداد.

 

إنَّ البحث عن تفاسير النساطرة قادنا إلى الملاحظات التالية. الأولى: إنَّ المؤلَّفات التأويليَّة التي وصلت إلينا هي تجميع وتقميش. فنحن أمام موادّ متشابهة أُخذت من كتب سابقة ضاعت فاحتفظت لنا بنتف من التأويل النسطوريّ في أوَجه؛ الملاحظة الثانية: إنَّ تفاسير تيودور بركوني وإيشوعداد المروزيّ والتفسير المغفَّل تشكِّل الينابيع الحقيقيَّة لمعرفتنا بالتأويل النسطوريّ. إنَّها تقدِّم لنا خلاصة ما بقي لنا من هذا التأويل، وخارجًا عنها لا نجد إلاَّ فتاتًا بسيطًا؛ الملاحظة الثالثة: كلُّ هذه المؤلَّفات تكشف الاتِّجاهات التأويليَّة عينها. إنَّها من عصر خضعت فيه الكنيسة النسطوريَّة لتأثير الكنيسة الجامعة. وهكذا تكون هذه المؤلَّفات الشاهد على التأويل النسطوريّ الصحيح في حقبة متطوِّرة.

 

وبعد هذه النظرة السريعة إلى التفاسير النسطوريَّة، نتوقَّف على إيشوعداد المروزيّ فنتحدَّث عن حياته وآثاره، ثمَّ نقرأ مقدِّمته العامَّة عن أسفار العهد القديم قبل أن ننهي بما كتبه عن سفر المزامير.

 

ثانيًا: إيشوعداد المروزيّ وتفاسيره

 

  1. المقدِّمة

 

إنَّ التفاسير الكتابيَّة التي سطَّرها إيشوعداد المروزيّ هي تجميع وتقميش، يعني أنَّ الكاتب عاد إلى مراجع عديدة فاختار مقاطع منها وجمعها بعضها إلى بعض. وهذا التقميش فرض نفسه منذ زمن بعيد باتِّساعه وغنى مضمونه. دُوِّن في القرن التاسع ساعة عاشت الكنيسة النسطوريَّة فترة من الركود فاهتمَّ إكليروسها بتجميع إرث الماضي. وما فعله بعضهم على مستوى تاريخ الكنيسة أو الحياة الرهبانيَّة أو الحقوق الكنسيَّة والمدنيَّة، فعله إيشوعداد في علم التأويل الكتابيّ.

 

ولكن قبل أن نوغل في هذه التفاسير نتعرَّف إلى كاتبها.

 

  1. حياته وآثاره

 

أصل إيشوعداد من فارس. ولد في مستهلِّ القرن التاسع في مرو في شمالي خورسان وهي مقاطعة ضمَّتها إليها روسيّا في القرن التاسع عشر(11).

 

ظهر إيشوعداد في الكنيسة النسطوريَّة كأسقف على الحديثة(12) الواقعة قرب الموصل. فرغ الكرسيّ البطريركيّ منذ سنة 852، ومات على التوالي ثلاثة مرشَّحون بصورة فجائيَّة، فاختار الأساقفة إيشوعداد بطريركًا سنة 853 بسبب سعة علمه وحكمته وهيبته ووقاره. ولكن تدخَّل بختيشوع، طبيب الخليفة المتوكِّل، من أجل تيودوس مطران جنديسابور، وأبعد إيشوعداد. غير أنَّ تيودوس لم يهنأ طويلاً بالمنصب الجديد، فأُلقي في السجن ثلاث سنوات قاسى خلالها المسيحيّون اضطهادًا مريعًا. فشل إيشوعداد في الوصول إلى الكرسيّ البطريركيّ فكرَّس حياته للبحث والكتابة.

 

تذكر المخطوطات التي بين أيدينا اسم إيشوعداد وموطنه وكرسيَّه الأسقفيّ، وهناك مقطع من كتاب المجدل لماري(13) يسرد الحدث الوحيد من حياته الذي ذكرناه. ويتحدَّث عبديشوع الصوباويّ(14) في فهرسه عن إيشوعداد وآثاره الأدبيَّة بطريقة منقوصة فيقول: كان إيشوعداد أسقف الحديثة. ألَّف باختصار تفسير العهد الجديد وكتاب المجالس(15).

 

هذا يعني أنَّ عبديشوع الذي كان نسطوريٌّا مثل إيشوعداد لم يكن يعرف من تفاسير إيشوعداد على العهد القديم إلاَّ كتاب المجالس. ولكن ما لا شكَّ فيه هو أنَّ كاتبنا فسَّر العهد القديم كلَّه ويشهد على ذلك المخطوطات التي بين أيدينا(16).

 

أمّا تفسير العهد القديم فيتضمَّن أربعة أجزاء: الجزء الأوَّل أسفار الشريعة الخمسة: الخليقة (أي التكوين)، الخروج، كتاب الكهنة (أي اللاويّين)، الإحصاء (أي العدد)، إعادة الشريعة (أي تثنية الاشتراع). الجزء الثاني عشرة أسفار بيت موتبي أو المجالس: وهي يشوع بن نون، شفطي أو سفر القضاة، صموئيل (الأوَّل والثاني)، الملوك (الأوّل والثاني)، أمثال سليمان، ابن سيراخ، قهلت (أو الجامعة)، نشيد الأناشيد، راعوت، أيّوب. الجزء الثالث كتب الأنبياء وهي: إشعيا، الاثنا عشر، إرميا، حزقيال، دانيال. الجزء الرابع المزامير.

 

لم يفسِّر إيشوعداد سفري الأخبار ولكنَّه يستعمل موادَّهما ليتلافى ما يعتبره نقصًا في سفري الملوك. فسَّر سفر المراثي بعد سفر إرميا، وألحق بسفر الجامعة بعض الآيات من سفر الحكمة كما أخذها من الهكسبلة(17) وعنوانها: جزء من الحكمة الكبرى. حين فسَّر دانيال، أغفل ذكر خبر سوسنَّة وألمح إلى خبر بال والتنّين، وأتبع كلَّ هذا بنظرة إلى التاريخ اليهوديّ منذ العودة من الجلاء إلى المسيح.

 

  1. طريقة إيشوعداد في التفسير

 

عنوان الكتاب هو كما يقول النصُّ: شرح (أو: أضواء على) الجمل الصعبة والألفاظ الغامضة التي في الكتب المقدَّسة. إنَّه يختار ألفاظًا أو آيات غير واضحة ويحاول أن يلقي الضوء عليها. نحن إذًا أمام تفسير متقطِّع وجزئيّ. يقدِّم الكتاب تأويلاً حرفيٌّا ثمَّ يعرض مسائل تعليميَّة وتاريخيَّة وتسلسليَّة وعلميَّة على مثال المؤوِّلين اليونان، ويختار من عند هؤلاء المؤوِّلين مقاطع عديدة. وإذ يتوقَّف إيشوعداد عند هذه اللفظة أو تلك الآية، يقدِّم نصٌّا من الهكسبلة ليقابله بالنصِّ الوارد في كتابه.

 

إنَّ إيشوعداد استقى كلَّ مضمون التفسير والمسائل ونصوص الهكسبلة من مراجع متنوِّعة. لقد قام بعمليَّة تجميع وتقميش فأخذ موادَّه حيث وجدها. فنقل مراجعه أو اختار مقاطع نظَّمها حسب هواه. يورد الآية الواحدة ويقدِّم الشروحات الآتية من مصادر مختلفة، وبعد أن يكون شرح الآية يقدِّم شرحًا آخر أخذه من مصدر آخر. وإذ يعرض مسألة من المسائل، يقحم مقاطع أخذها من كتّاب آخرين. هذا الكتاب هو إذن مجموعة مقتطفات جاءت من أماكن متعدِّدة ورُتِّبت ترتيبًا ينقصه المنطق مرارًا.

 

إنَّ شخصيَّة إيشوعداد تشهد على أنَّ التفسير نسطوريّ. هذا ما نتثبَّته من الإجلال لشخص المفسِّر (أي تيودور أسقف المصّيصة) ومن إيراد أقوالٍ لكتّابٍ نسطوريّين. وقد اعتبر بعضهم أنَّ التعليق على تك 18:21(18) يشير إلى مجمع أفسس (431) الذي حكم غيابيٌّا على نسطور. ولكنَّ أفرام السريانيّ يفسِّر النصَّ تفسيرًا مماثلاً. لهذا سنتوقَّف عند التعليم عن يسوع المسيح.

 

هناك ألفاظ تدلُّ على سكن الكلمة في الإنسان المأخوذ(19). وبها فسَّر تيودور المصّيصيّ طريقة الاتِّحاد بين الطبيعتين في المسيح. وفي نظر إيشوعداد، الناسوت هو الهيكل الذي تقبَّله الكلمة من سام (ابن نوح) أو من إبراهيم ليكون مسكن اللاهوت. ويقول في مكان آخر: الناسوت لباس الكلمة ومعطفه. ولكنَّ هذه العبارات نجدها عند القدّيس أفرام أو عند يوحنّا فم الذهب. وهناك عبارة نسطوريَّة خاصَّة وضعها إيشوعداد على فم الله وهي تذكِّرنا بتحديد الوحدة الشخصيَّة كما عبَّر عنها باباي الكبير(20): مِن الذي آخذه من إسحق الذي هو نموذجه، أجعل ابني بالاتِّحاد مع ابن طبيعتي. وقال إيشوعداد إنَّ الكلمة صار جسدًا »حسب رأي الآخرين« وإنَّه لم يصر إنسانًا إلاَّ في الظاهر، وإنَّه سكن في طبيعة بشريَّة. أمّا العبارة التي تقول إنَّ لاهوت المسيح لم يتألَّم، بل ناسوته، فقد فهمها إيشوعداد ابتعاد اللاهوت في وقت ألم المسيح وموته، وهو ابتعاد لا يلغي قربًا فاعلاً.

 

  1. مراجع التفسير

 

لا يذكر إيشوعداد مراجعه إلاَّ قليلاً، فاقتضى مقابلة تفسيره مع تفسير سائر الكتّاب السريان أو اليونان. رجع إيشوعداد إلى المصادر الأوَّليَّة، وقد يكون عاد إلى مقتطفات مختارة.

 

يشير في تفسيره إلى مار أفرام، مار نرساي، زكريّا البليغ(21)، حنانيا الحديابيّ(22)، ميخائيل المعلِّم النصيبينيّ(23)، باباي الفارسيّ(24)، برحدبشابا عربايا(25).

 

ويذكر من الآباء اليونان: أوريجان (+253) لوقيان الأنطاكيّ (+312)، باسيل أسقف قيصريَّة (+379)، واللاهوتيّ غريغوار النازينزيّ (+390)، أبولينار أسقف اللاذقيَّة (+390)، ابيفان في باناريون، يوحنّا فم الذهب، المفسِّر وهو تيودور أسقف المصّيصة (+428)، ديونيسيوس الأريوباجيّ (نهاية القرن الخامس) وسويريوس الأنطاكيّ (+528).

 

وترد أسماء هومير وهيسيود وأرسطو وديودور المؤرِّخ اليونانيّ الذي عاش في القرن الأوَّل ق.م. ويوسيفُس المؤرِّخ اليهوديّ (+95) ومرقيون الرومانيّ والمانويّين. ويذكر إيشوعداد كتاب اليوبيلات(26)، وكتب التاريخ الأربعين التي دوَّنها ديودور المذكور أعلاه، والهكسبلة وشرح مار أفرام عن سفر التكوين، وشرح الخليقة وتفسير متّى للمفسِّر تيودور المصّيصيّ والتاريخ الكنسيّ لزكريّا البليغ. وهناك مقاطع مأخوذة من أوسيب الحمصيّ ومن سلسلة بروكوب ومن كهف الكنوز الذي يعود إلى القرن السادس ويرتبط بالتقاليد اليهوديَّة عن آدم.

 

هذا في سفر التكوين. أمّا في أسفار الشريعة الأربعة الباقية فنقرأ الأسماء التالية: الحكيم الفارسيّ (أفراهاط + بعد 345) عن الصلاة، أفرام في شرحه للتكوين، نرساي، مار أبّا (+552)، إبراهيم ويوحنّا بيت ربّان، حنانا الحديابيّ، ميخائيل النصيبينيّ، جبرائيل القطريّ، يوحنّا برفنكايي (القرن السابع)، دانيال برمريم (القرن السابع)، يعقوب الرهاويّ، إيشوع برنون. ويذكر كاتبين من اليونان: أثناز وتيودور. ويذكر أيضًا فيلون الإسكندرانيّ ويوسيفُس المؤرِّخ اليهوديّ.

 

وفي أسفار المجالس (بيت موتبي) يذكر إيشوعداد كلاٌّ من أفراهاط، أفرام، إسحق تلميذ أفرام، يوحنّا الأفاميّ أو يوحنّا سابا(27)، نرساي، مار أبا، إليشاع برقوزبايي(28)، إبراهيم ويوحنّا بيت ربّان، بولس النصيبينيّ، حنانا الحديابيّ، جبرائيل القطريّ، يعقوب الرهاويّ (+708) في رسالته الثالثة عشرة، إيشوع برنون. ويذكر من اليونان أفريكان وغريغوار النازيانزيّ اللاهوتيّ وغريغوار النيصيّ وأوغريس ويوحنّا فم الذهب وثيودور المصّيصيّ (المفسِّر) وتيودوريه (القرن الخامس). ويذكر يوسيفُس ومقالات إسحاق الأنطاكيّ وكتاب اليوبيلات.

 

وفي إشعيا والاثني عشر يرد اسم أفرام، حنانا، القطريّ، دانيال برمريم، ومن اليونان: باسيل، غريغوار النازينزيّ، تيودور، كيرلُّس الإسكندرانيّ، تيودوز. كما يذكر أيضًا يوسيفس. وفي إرميا وحزقيال ودانيال يرد اسم أفرام، مار أبا، يوحنّا بيت ربّان، حنانا القطريّ. ومن اليونان باسيل، النازينزيّ، فم الذهب، تيودوريه القورشيّ، سويريوس الأنطاكيّ.

 

وفي تفسير المزامير يرد اسم حنانا الحديابيّ (+610) وإيشوعياب الجداليّ(29). ومن اليونان أغناطيوس الأنطاكيّ (+110) وقردون ومناندريس (القرن الثاني) وهما هرطوقيّان كتبا مزامير تعارض الإيمان، وأوريجان الإسكندرانيّ (+253) وأبولينار أسقف اللاذقيَّة (+390) وفم الذهب (+407) وتيودور (+428). وورد اسم زرادشت لتعليمه ألوهيَّة الشمس، وأرسطو لنظرته عن ألوهيَّة السماء والكواكب، وماني لنظرته الثنائيَّة.

 

  1. بعض أسلاف إيشوعداد

 

نودُّ هنا أن نتوقَّف عند بعض الأشخاص، وأوَّلهم حنانا الحديابيّ، ذلك الهرطوقيّ الذي طُرد من كنيسته وكان إيشوعداد أوَّل من تجرَّأ فذكر اسمه وأورد مقتطفات من كتبه. وإذا قمنا بإحصاء وجدنا اسمه يرد أكثر من أيِّ اسم آخر في تفاسير إيشوعداد (72 مرَّة). كان حنانا مؤوَّلاً شخصيٌّا مبتكرًا وقد اهتمَّ بصورة خاصَّة بنصوص الترجمة البسيطة. وممّا لا شكَّ فيه أنَّ إيشوعداد ارتبط بحنانا ارتباطًا وثيقًا. ولكنَّه ذكر مع حنانا جبرائيل القطريّ أو كيرلُّس الإسكندرانيّ وسويريوس الأنطاكيّ، كما أنَّ بعض ما قاله حنانا يرِدُ قُربَ ما قاله تيودور المصّيصيّ.

 

بالنسبة إلى المزامير نذكر يوحنّا برفنكايي الذي دوَّن في نهاية القرن السابع كتاب النقاط الرئيسيَّة في تاريخ العالم الزمنيّ وشرَحَ فيه المزامير المسيحانيَّة الأربعة خلال مقالة طويلة عن نبوءات العهد القديم(30). هذا التفسير عقائديّ أكثر منه تأويليّ، وهو ينحصر في تعليم هذه المزامير عن يسوع المسيح. يطبِّق الكاتب بالتفصيل كلمات كلِّ مزمور على المسيح، ويثبّت تطبيقه بآيات من العهد الجديد. ثمَّ إنَّنا نجد داخل العرض توسُّعات تعليميَّة طويلة. أمّا الخاتمة فتبدأ بجملة طويلة تدلُّ على الهدف الذي وضعه الكاتب: »انظرْ، يا عزيزي، كيف تَوافقَ الأنبياء والرسل في ما يتعلَّق بالمسيح وكيف حافظوا على التمييز في الطبيعتين والوحدة في الأقنوم، فيتكلَّمون (عن يسوع) بصيغة المفرد ويعلِّمون عن الاثنين«. إذًا نحن هنا أمام تعليم نسطوريّ عن يسوع المسيح(31).

 

ونشير أخيرًا إلى شرح الربّان دنحا(32) الذي عاش في القرن التاسع وكان تلميذًا لإيشوع برنون (+828). وضع شرحًا لمزامير داود وتعازي وأمورًا أخرى في الأحكام الكنسيَّة. يتألَّف هذا الشرح(33) من ثلاثة أقسام: مقدِّمة إلى المزامير، شرح المزامير، شرح أناشيد العهد القديم التي تُتلى في صلاة الفرض الإلهيّ. نحن إذًا أمام كتاب ليتورجيّ. وسنتوقَّف على القسمين الأوَّلين: المقدِّمة والشروح.

 

في المقدِّمة وعنوانها »شرح دوافع مزامير الطوباويّ داود«، نجد ثمانيَ وثائق تعود إلى مصادر مختلفة وتتطرَّق إلى المزامير.

 

الوثيقة الأولى: دافع المزامير لمار أحوب القطريّ (القرن العاشر) الذي ضاع تفسيره للمزامير. تعالج هذه الوثيقة نفع سفر المزامير وفوائد نشيد المزامير وفضائل داود المثاليَّة.

 

الوثيقة الثانية: لا نعرف مَن دوَّنها. إنَّها مأخوذة من عرض كتاب الفرض البيعيّ(34) وتبدو في ثلاثة أسئلة. السؤال الأوَّل يتوسَّع في الأسباب التي لأجلها تبنَّت الكنيسة سفر المزامير ككتاب صلاة رسميّ لها؛ السؤال الثاني يعرض سبب تقسيم سفر المزامير (مع الأناشيد الملحقة) إلى 21 تهليلاً و60 مرماية؛ السؤال الثالث يبيِّن أنَّ التهاليل والمرمايات تتوالى فترمز إلى الأحداث الكتابيَّة والكنسيَّة التي مرَّت والتي ستمرُّ منذ الخلق إلى نهاية العالم.

 

الوثيقة الثالثة(35) ترتَّب المزامير في سبع عشرة فئة. هذه الوثيقة هي الشاهد النسطوريّ الوحيد في اللغة السريانيَّة عن ترتيب مفصَّل للمزامير في الترجمة البسيطة.

 

الوثيقة الرابعة هي مقتطف من مسائل مختارة لإيشوع برنون بالنسبة إلى المزمور 119.

 

الوثيقة الخامسة هي دافع المزامير التي ألَّفها مار نتنائيل أسقف شهرزور (+620). يشدِّد الكاتب على سموِّ سفر المزامير. أمّا تفسيره للمزامير فقد ضاع.

 

الوثيقة السادسة تورد المزمور 151 من السبعينيَّة.

 

الوثيقة السابعة هي ردٌّ على الرمزيّين كما في إيشوعداد.

 

الوثيقة الثامنة تورد لائحة باسم المفسِّرين (33 اسمًا) المقبولين في الكنيسة النسطوريَّة. نشير إلى أنَّنا نجد لائحة مماثلة في جنَّة النعيم(36).

 

أمّا شرح الربّان دنحا فهو نسخة مصحَّحة لمخطوط ساخو 215(37)، نقله دنحا وزاد عليه بعض الشيء دون أن يمسَّ بروح تيودور المسيطرة على الكتاب. كان التفسير متناسقًا فمُزجت بموادِّه موادّ غريبة. كان هناك عنوان مستلهم من تيودور، فوُضع قربه عنوان آخر يختلف عنه شكلاً ومضمونًا(38). وزيدت على النصِّ تعاليق كتُبت بالحبر الأحمر، فابتعدت عن التفسير التاريخيّ للنصِّ الكتابيّ وعن التطبيقات المسيحانيَّة العديدة. قال بعضهم: إنَّ صاحب التعاليق هو حنانا الحديابيّ. وقد زيدت فيها بعد مقتطفات من أحوب القطريّ كما زيدت المقدِّمة. نلاحظ تقاربًا بين الربّان دنحا وإيشوعداد. هل أخذ الواحد عن الآخر، هل استقى الاثنان من معين واحد؟ لا نستطيع الإجابة ما دمنا لا نعرف الزمن الذي دوِّن فيه ما يسمّى شرح دنحا.

 

ونطرح السؤال الأخير: ما علاقة إيشوعداد بتيودور المصّيصيّ؟

 

  1. إيشوعداد وتيودور المصّيصيّ

 

إنَّ أهمَّ المنابع اليونانيَّة التي استقى منها إيشوعداد هي كتابات تيودور المصّيصيّ. لا نستطيع أن نقوم بمقابلة بين الاثنين فيما يخصُّ إشعيا لأنَّ تفسير تيودور لإشعيا ضاع. ولكنَّنا نستطيع أن نقابل تفسير الاثني عشر عند تيودور وإيشوعداد(39). فهناك 250 تعليقًا دوِّنت انطلاقًا من تيودور فشكَّلت أكثر من ثلث الكتاب. مرّات ينقل المرجع حرفيٌّا، ومرَّات يزيد أو ينقص، مرّات يترجم المعلِّم ومرَّات يلخِّصه أو يكيِّفه حسب نصِّ البسيطة. وما نكتشفه هو أنَّ روح المعلِّم وأسلوبه ظاهران في تفسير إيشوعداد. فهناك اتِّجاهان: وضع الأحداث التي أعلن عنها النبيّ في زمن سابق للمسيح والتقليل من عدد النبوءات المسيحانيَّة.

 

يطبِّق إذًا إيشوعداد أقوالاً نبويَّة على أحداث من التاريخ سبقت المسيح. فإذا أخذنا الفصول الخمسة الأولى من إشعيا، نرى أنَّ كيرلُّس الإسكندرانيّ وتيودوريه القورشيّ يفهمانها حصرًا بالنسبة إلى المسيح والكنيسة. أمّا إيشوعداد فيعتبر 2: 2ي فقط نصٌّا مسيحانيٌّا ويطبَّق سائر النصوص على أحداث قريبة من النبيّ. فبحسب كتابنا، نظر الأنبياء إلى الزمان السابق للسبيّ فأعلنوا للشعب الخاطئ اجتياحات الأشوريّين والبابليّين التي انتهت بسقوط السامرة ثمَّ أورشليم. أبرزَ إشعيا دورَ حزقيّا مخلِّص المدينة المقدَّسة ومدشِّن سلام شامل لوقت محدود. وتوجَّه الأَنبياء إلى الأمم المعادية فأنبأ ناحوم بسقوط نينوى. ونظر الأنبيـاء إلى كـورش، محرِّر الشعب، وإلى زربّابل الذي من نسل داود والذي يخلِّص أورشليم من دمار ثانٍ.

 

هناك أقوال مسيحانيَّة في إشعيا: أصله يكون زرعًا مقدَّسًا (إش 6: 13). ها إنَّ العذراء تحبل وتلد ابنًا (إش 7: 14-16). يملأ سعة أرضك، يا عمّانوئيل (إش 8: 8)، صارت الرئاسة على كتفه (إش 9: 5). ثمَّ هناك نشيد عبد الله الرابع كلُّه (إش 52: 13-53: 12). أمّا قول إش 2: 2ي (= مي 4: 1ي: يوطَّد جبلُ بيت الربّ في رأس الجبال) فهو قول مسيحانيّ مهما كانت تردُّدات تيودور. وهناك أقوال يعتبرها البعض مسيحانيَّة والبعض غير مسيحانيَّة. يورد إيشوعداد هذه الآراء ولا يتَّخذ موقفًا. وهي: إش 65: 8؛ مي 5: 3؛ حب 3: 2؛ زك 11: 7؛ ملا 3: 1ي، ويورد إيشوعداد رأي تيودور في ملا 4: 4-6 الذي يلمِّح إلى مجيء المسيح في آ4 وإلى مجيئه الثاني في آ6، ولكنَّ إيشوعداد يورد أيضًا رأي أفرام الذي يعتبر أنَّ الآيات الثلاث تشير إلى مجيء المسيح الأوَّل.

 

وهناك أقوال تنطبق على أشخاص من العهد القديم ولكنَّها تشير أيضًا إلى المسيح بوضوح. إنَّها تسعة: إش 11: 1 (يخرج قضيب من جذر يسّى) ينطبق على حزقيّا، ولكنَّه يقال حقٌّا عن المسيح؛ إش 28: 16 (ها أنا واضع في صهيون) يقال الآن في حزقيّا ولكنَّه يتمُّ في المسيح؛ إش 42: 3 (قصبة مرضوضة لا يكسر) يقال عن زربّابل ويتمُّ بوضوح في المسيح؛ إش 49: 5 (كوَّنني في البطن) يقال عن زربّابل والشعب ولكنَّه تمَّ في المسيح؛ إش 61: 1 (روح الربِّ عليَّ) قيل في زربّابل وتمَّ في ربِّنا؛ في يوء 3: 1 (أفيض روحي على كلِّ جسد) يتكلَّم النبيّ الآن عن أنبياء اليهود وعن الشعب، ولكنَّ حقيقة هذه الكلمة تمَّت في المسيح وفي المؤمنين؛ مي 5: 1 (وأنت يا بيت لحم) يقال في زربّابل ويتمُّ في المسيح؛ زك 3: 9 (على حجر واحد سبع أعين) يقال في زربّابل ولكنَّه تمَّ في المسيح؛ زك 9: 9 (ها ملكك يأتي) قيل في زربّابل وتمَّ في المسيح. وفي هذا يقول إيشوعداد: »بما أنَّ المسيح يخرج منهم، فما يشير إليه تمثَّل فيهم كما في علامة. وقال أيضًا: هذا قيل عن زربّابل في معنى رمزيّ، ولكنَّ الحقيقة ظهرت في المسيح الذي لأجله أعطيت كلُّ المواعيد التي تمَّت لإبراهيم وداود. لقد توجَّه العهد القديم كلُّه نحو المسيح فترتَّب كلُّ شيء بحيث يكون صورة مسبقة عن التدبير الجديد. ولهذا فالأشخاص نماذج وصور مسبقة عن المسيح وعمله، وما قيل عنهم قيل عن المسيح الذي تتمُّ فيه هذه النبوءات«.

 

اختلف تيودور عن كيرلُّس وتيودوريه، كما قلنا، فتبعه إيشوعداد في هذا المجال. رفض تيودور النظرة الرمزيَّة التي تجد في كلِّ سطر من الكتاب المقدَّس نبوءة عن المسيح، فما اعتبر نصوصًا مسيحانيَّة إلاَّ المقاطع التي طبَّقها العهد الجديد على المسيح.

 

وهكذا يمكننا القول إنَّ إيشوعداد أخذ العنصر الأساسيّ من نظريَّة تيودور أي الطابع النموذجيّ. ولكنَّه لا يُبدي رأيه في قيمة التفاسير المسيحانيَّة التي يأخذ بها العهد الجديد ولا يُبرز استعارات الأسلوب النبويّ. بسط نظريَّة تيودور وابتعد عنها بعض المرّات (مثلاً زك 3: 9). ولكنَّ إيشوعداد يبقى في الواقع أمينًا للمعلِّم فلا يجد في الأنبياء الاثني عشر إلاَّ أربع نبوءات مسيحانيَّة(40).

 

وما قلناه عن الأنبياء نقوله عن سفر المزامير(41) حيث تأثير المفسِّر ظاهر. فإيشوعداد عرف تيودور إمّا مباشرة وإمّا عبر مختارات. ولكنَّنا لا نقول إنَّ إيشوعداد اكتفى بنقل تيودور، وإلاَّ كان حكمنا خاطئًا. فإيشوعداد يكتب للسريان ويوضح لهم البسيطة التي تختلف عن السبعينيَّة. ثمَّ إنَّ إيشوعداد هو جامع، ولهذا اعتاد أن يصف عددًا من التفاسير أخذها من مواقع عديدة. وهذا يدلُّ على أنَّه حافظ على روحه النقديَّة والكنسيَّة حين استقى من الكتّاب المتعدِّدين ولاسيَّما من تيودور المصّيصيّ.

 

ثالثًا: الأسفار القانونيَّة

 

ما هو عدد الأسفار القانونيَّة؟ لا نستطيع أن نعطي جوابًا عن هذا السؤال لأنَّ إيشوعداد لا يقدِّم لائحة بأسفار العهد القديم، ولكنَّه يعدِّد في مقدِّمة سفر التكوين الأسفار المقدَّسة التي نُقلت إلى السريانيَّة في عهد سليمان وهي أسفار الشريعة الخمسة، يشوع بن نون، القضاة، راعوت، صموئيل، المزامير، الأمثال، الجامعة، نشيد الأناشيد، أيّوب. وهو يقدِّم لنا تفسيرًا لكلِّ هذه الأسفار. وهناك أسفار جاءت بعد سليمان هي الملوك ويشوع بن سيراخ. وأخيرًا يورد إيشوعداد بعض آيات من سفر الحكمة. فما لا شكَّ فيه هو أنَّ كلَّ هذه الأسفار جزء من الكتاب المقدَّس.

 

ويتبع إيشوعداد التقليد النسطوريّ فينفي من اللائحة القانونيَّة كتاب الأخبار. يذكِّرنا أنَّ السريان يختلفون عن العبرانيّين واليونان الذين يعتبرون هذا الكتاب جزءًا من الكتاب المقدَّس، أو يؤكِّد بطريقة واضحة أنَّ كنيسته تقبل بكتاب الملوك لا بكتاب الأخبار. ولكن يبقى لكتاب الأخبار، رغم نفيه من اللائحة، مكانة عظيمة عند النساطرة. ولهذا يورد منه إيشوعداد مقاطع مهمَّة ليسدَّ النقص في أسفار صموئيل والملوك. وتبقى أسفار عزرا ونحميا وطوبيّا ويهوديت وأستير والمكابيّين. فنحن لا نجد أيَّة إشارة إلى وضع هذه الأسفار بالنسبة إلى اللائحة القانونيَّة.

 

والسؤال الثاني المطروح هو: أيَّة سلطة لهذه الأسفار؟ الجواب بسيط بالنسبة إلى أسفار البنتاتوكس والأنبياء السابقين، فإنَّها تتميَّز بسلطة إلهيَّة لأنَّها دوِّنت بيد أنبياء. موسى دوَّن أسفار الشريعة، ويشوع سفر يشوع، وصموئيل دوَّن القضاة وصموئيل الأوَّل، وياهو أسفار صموئيل الثاني والملوك. ونقدر أن نقول الشيء نفسه بالنسبة إلى الأنبياء اللاحقين. فلا مشكلة لأسفار إشعيا والاثني عشر وإرميا والمراثي وحزقيال من جهة وجودها في اللائحة القانونيَّة وسلطتها الإلهيَّة التامَّة. الأنبياء دوَّنوا كتبهم بأنفسهم أو بواسطة تلاميذهم. وأن تكون المراثي دوِّنت في مصر أو في فلسطين فهذه مسائل ثانويَّة بالنسبة إلى الأمور القانونيَّة. لا يَعتبر إيشوعداد باروك نبيٌّا مع أنَّ بعضهم يقول إنَّه نال موهبة النبوءة فيما بعد. أمّا سفر دانيال فهو قانونيّ، يجعله إيشوعداد في اللائحة القانونيَّة ويفسِّره ويعارض الرأي اليهوديّ فيؤكِّد أنَّ دانيال نال الموهبة النبويَّة. وكانت اعتراضات على سفر يهوديت كما كان على سفر دانيال، فردَّ عليها إيشوعداد وبيَّن أنَّ هذا السفر التاريخيّ يدخل في اللائحة القانونيَّة. ويرجعنا إيشوعداد إلى سفر عزرا ثلاث مرّات وإلى كتاب المكابيّين، ولكنَّه لا يجزم بقانونيَّة هذه الأسفار. أمّا سفر المزامير فيُعدُّ مع أسفار الأنبياء لأنَّ مؤلِّفه هو داود النبيّ.

 

وماذا نقول عن الأسفار الباقية؟ نتوقَّف أوَّلاً عند الأسفار التي دوَّنها سليمان (حسب رأي إيشوعداد): الأمثال، الجامعة، نشيد الأناشيد وربَّما سفر راعوت. لا يعتبر الكتاب المقدَّس سليمان نبيٌّا بل حكيمًا تمتَّع بموهبة إلهيَّة. هنا نفهم أهمِّيَّة هذا التمييز لاسيَّما بالنسبة إلى الأمثال والجامعة. كان تيودور قال فيهما: إنَّ سليمان ألَّفهما لتعليم الناس، ولم يكن حصل على نعمة النبوءة بل نعمة الفطنة التي تختلف عن النبوءة، كما يقول الرسول. أمّا في نظر إيشوعداد، فسليمان هو حكيم وحكمته أعطاه إيّاها الله، ولهذا فكلماته هي كلمات الله. ويبقى وضع نشيد الأناشيد. فهل هو نشيد حبٍّ بشريّ لم يكتب بالروح النبويَّة؟ أم هل هو نشيد يحتفل بحبِّ المسيح للكنيسة كما يعلِّم غريغوار النيصيّ؟ إذا أخذنا بالرأي الأوَّل وجب علينا أن نقول إنَّه، وإن كان النشيد أحد الأسفار المقدَّسة، إلاَّ أنَّه لا نفع منه في الإيمان والحياة المسيحيَّة. وإذا أخذنا بالرأي الثاني اكتشفنا كتابًا نبويٌّا مملوءًا بالغذاء الروحيّ. غير أنَّ إيشوعداد لا يتَّخذ موقفًا من هذين الرأيين مع أنَّه يعتبر نشيد الأناشيد أحد الأسفار المقدَّسة. وسيكون إيشوعداد واضحًا بالنسبة إلى سفر راعوت الذي هو خبر تقويّ وصل إلى سليمان عبر تقليد عائليّ. إنَّه يقدِّم لنا أمثالاً عن الفضيلة ويعرِّفنا بأجداد المسيح ويعلِّمنا انحطاط اليهود في الزمن المتأخِّر. إذًا الكتاب مفيد وإن لم يُكتب في الروح القدس.

 

وماذا عن أسفار ابن سيراخ وأيّوب والحكمة؟ يقول لنا إيشوعداد إنَّ ابن سيراخ لم يتمتَّع بالنعمة التي حصل عليها سليمان، ومع ذلك ألَّف كتابه بمعرفة طبيعيَّة وعلم مكتسب. إنَّه كتاب مفيد وهو ثمرة معرفة وحكمة بشريَّة. أمّا الحكم على سلطة سفر أيّوب فترتبط بمسألة الكاتب. هل دوَّنه موسى أم أحد اليهود العلماء ممّن اطَّلعوا على الثقافة اليونانيَّة، كما يقول تيودور؟ لا يتَّخذ إيشوعداد موقفًا من هذين الرأيين، بل يكتفي بعرضهما في تفسيره دون أن يقول شيئًا عن سلطة الكتاب. ويورد إيشوعداد بضع آيات من سفر الحكمة دون مقدِّمة أو تفسير. في هذه الحالة يبدو من المفيد أن نسمع إيشوعداد يحدِّثنا عن هذه الأسفار الثلاثة في تفسيره لرسالة القدّيس يعقوب. إنَّه يعبِّر بوضوح عن فكره الذي لا يختلف عن فكر المفسِّر. يقول: رأينا المفسِّر يقدِّم براهين مأخوذة ليس فقط من الأسفار المكتوبة في الروح القدس بل من سفر أيّوب والحكمة الكبيرة وابن سيراخ التي كُتبت حسب العلم البشريّ.

 

وخلاصة القول إنَّ الأسفار القانونيَّة كتبت بالروح النبويَّة وهي تتمتَّع بسلطان كامل. كتب موسى أسفار الشريعة، والأنبياء أسفار المزامير وأسفار الأنبياء السابقين واللاحقين، ودُوِّن سفرا الأمثال والحكمة بحكمة معطاة من فوق فكفلت حقيقتهما. وهناك أسفار دوِّنت بعلم بشريّ وهي مفيدة إن لم يكن للإيمان فعلى الأقلّ للأخلاق. وهي راعوت، أيّوب، الحكمة الكبيرة. ولكنَّ السؤال يبقى معلَّقًا بالنسبة إلى نشيد الأناشيد.

 

وهكذا، فعندما يميِّز إيشوعداد درجات في الأسفار القانونيَّة فهو يتبع التقليد النسطوريّ الذي هو من تقاليد كنائس الشرق كلِّها.

 

ونتساءل أيضًا: ما هي التوراة التي رجع إليها إيشوعداد؟

 

عندما يتحدَّث إيشوعداد عن الكتاب المقدَّس فهو يعني التوراة السريانيَّة. وعندما يقابلها بترجمات أخرى فهو يسمِّيها (النصّ) السريانيّ أو النسخة السريانيَّة أو (النصّ) الذي لنا. هذه التوراة سوف تُسمَّى »البسيطة« في ما بعد، وهي الترجمة الرسميَّة في الكنائس السريانيَّة المختلفة.

 

إذا عدنا إلى سفر التكوين نجد 850 إيرادًا من التوراة السريانيَّة. بين نصِّ إيشوعداد ونصِّ البسيطة اختلافات طفيفة، ولكنَّ هناك نصوصًا قريبة من نصِّ السبعينيَّة اليونانيَّة. فهل نحن أمام نصِّ البسيطة المنقَّح أم أمام تعليق جاء مع نصِّه من اليونانيَّة فأخذه إيشوعداد كما ورد؟

 

ويرد أكثر من مئة نصٍّ من العهد الجديد، بينها 40 من الأناجيل يعود أكثرها إلى البسيطة وبعضها إلى الدياتسّارون أو النسخة السريانيَّة العتيقة.

 

وهناك أيضًا أكثر من 200 نصٍّ مأخوذ من الهكسبلة تعطي التفسير وجهًا علميٌّا. وهكذا نجد اسمَي أوريجان ولوقيان الأنطاكيّ، ونصوصًا من السبعينيَّة وأكيلا وسيماك وتيودوسيون. نشير إلى أنَّ النصوص اليونانيَّة هذه توافق الترجمة السريانيَّة للهكسبلة التي قام بها بولس مطران تل موزلت سنة 616-617، واستعملها النسطوريّون حتّى سنة 819 مع أنَّها عمل يعقوبيّ.

 

ويعود إيشوعداد 43 مرَّة إلى النصِّ العبريّ ويعامله كنصِّ الهكسبلة، ويبدو أنَّ الشارح عرف هذه النصوص العبريَّة من تقاليد التلمود.

 

ما اكتشفناه في تفسير سفر التكوين نكتشفه في تفسير سائر أسفار موسى حيث نجد أكثر من 900 إيراد من الترجمة البسيطة بينها 250 تقتصر على كلمات يوضح الكاتب معناها.

 

وسيسير إيشوعداد على هذا المثال في تفسير التوراة كلِّها فينطلق من نصِّ الترجمة السريانيَّة البسيطة يفسِّره ويقابله بالنصوص اليونانيَّة والعبريَّة.

رابعًا: مقدِّمة إلى أسفار العهد القديم

 

يبدأ إيشوعداد تفاسيره بمقدِّمة عن العهد القديم(42) تبدأ على الشكل التالي: بقوَّة الثالوث الأقدس نبدأ بكتابة شرح الجمل الصعبة والكلمات الغامضة التي في الكتب المقدَّسة. ألَّفها مار إيشوعداد أسقف الحديثة.

 

1- يحدِّثنا إيشوعداد عن نصوص التوراة المتعدِّدة. ويبدأ أوَّلاً بالنصِّ العبريّ الذي أحرق يوم السبي إلى بابل ولكنَّ الكاهن عزرا كان قد حفظه غيبًا فاستعاده بعد الرجوع من المنفى وكتبه من جديد.

 

2- أمّا الترجمات اليونانيَّة فهي ستّ: الترجمة السبعينيَّة التي تمَّت في جزيرة فاروس تجاه الإسكندريَّة بيد 72 شيخًا متضلِّعين من العبريَّة واليونانيَّة، في عهد الملك بطليمُس فيلادلفُس، ملك مصر. وهناك ترجمة أكيلا الذي كان وثنيٌّا فآمن وتعمَّد. ولكنَّه انتقل إلى الديانة اليهوديَّة ونقل التوراة بنيَّة غير صافية محاولاً أن يكذِّب السبعينيَّة. وهناك ترجمة سيماك ذلك السامريّ الذي صار يهوديٌّا. نقل التوراة ليهدم التفاسير المعروفة لدى السامريّين. والنصّ الرابع هو ترجمة تيودوسيون الذي كان من تبّاع مرقيون ومن منطقة البنطس. ارتدَّ إلى اليهوديَّة ونقل العبريَّة نقلاً قريبًا إلى السبعينيَّة. والترجمة الخامسة وجدت في أريحا في أيّام الإمبراطور أنطونين في جرار مع كتب أخرى عبريَّة ويونانيَّة، والترجمة السادسة وجدت في نيكوبوليس قرب أكسيوم في اليونان. ثمَّ جاء أوريجان وبعده لوقيان فقابلا النصوص وصحَّحا الأخطاء.

 

3- أمّا السريانيَّة فتمَّت في أيّام سليمان وبناء على طلب حيرام ملك صور. ويعدِّد إيشوعداد الأسفار التي نُقلت في ذلك الوقت وهي: (أسفار) الشريعة (الخمسة)، يشوع بن نون، القضاة، راعوت، صموئيل (سفران)، داود (أي المزامير)، الأمثال، الجامعة، نشيد الأناشيد، أيّوب. أمّا ما تبقّى من أسفار، فنُقل مع أسفار العهد الجديد في أيّام الملك أبجر وبهمَّة أداي وسائر الرسل. وهناك رأي آخر ينسب النقل إلى كاهن اسمه أسيا أرسله إلى السامرة ملك أشور.

 

4- عدد الأسفار المقدَّسة في العهد القديم 22 سفرًا(43)، إذا حسبنا أيضًا كتاب الأخبار الذي يدخل في اللائحة العبريَّة واليونانيَّة (لا في اللائحة السريانيَّة). ويعلِّل إيشوعداد هذا الرقم: فهناك 22 خليقة كوَّنها الله في أيّام الخلق الستَّة، وهناك 22 حرفًا في العبريَّة والسريانيَّة، وهناك 22 رئيسًا من آدم إلى يعقوب.

 

الفنون الأدبيَّة عشرة: هي: النبوءة، التاريخ، التشريع، الصلاة، الحكمة، اللاهوت، الشكر، التهديد، العقاب، التشكّي. إنَّها ينابيع الخلاص التي تروي العطاش بكلمات الحياة التي تتضمَّنها.

 

5- ويتحدَّث إيشوعداد عن أوَّل كتاب ظهر وعن أوَّل الحروف الأبجديَّة. أوَّل كتاب أعطاه الله لتعليم البشر هو كتاب الخليقة (أي سفر التكوين). لا شكَّ في أنَّ أحداث الخروج تمَّت قبل أن يبدأ موسى بالكتابة، ولكنَّ موسى دوَّن كتبه لا حسب الترتيب الزمنيّ بل حسب ترتيب التدبير الإلهيّ، حسب ترتيب نشاط الخلق عند الله.

 

6- ويقدِّم إيشوعداد النظريّات عن أصل الكتابة. هناك من قال إنَّ الكتابة وُجدت قبل موسى، وهو بهذا يشير إلى النظريَّة القائلة إنَّ الكتابة بدأت في مصر(44) والنصّ يقول إنَّ موسى تأدَّب بكلِّ حكمة المصريّين (أع 7: 22). يرفض إيشوعداد هذا الرأي ويعلن: إن لم يعد استعمال الكتابة عند الشعوب إلى موسى، فأيَّ جديد أعطاه الله. ويؤكِّد إيشوعداد أنَّ الكتابة عند اليونان أحدث عهدًا. ويورد قول ديودور الصقلّيّ(45): بدأ موسى فاخترع الحروف العبريَّة، فأخذها الفينيقيّون عن العبرانيّين، واليونان عن الفينيقيّين. وسبق موسى كلَّ حكماء اليونان فلم توجد حروف الكتابة قبله.

 

7- اخترع موسى أحرف الكتابة ودوَّن بها الشريعة أي الأسفار الخمسة. واخترع سليمان الأحرف السريانيَّة وسلَّمها إلى حيرام ملك صور. وهكذا انتشرت الكتابة في العالم. أمّا الكتابة الفارسيَّة فاخترعها رجل من ميشنيا اسمه نبو(46)، درس الحروف العبريَّة والسريانيَّة ثمَّ كتب الحروف الفارسيَّة. وهكذا رفع إيشوعداد من قدر العبرانيّين والسريان على حساب اليونان والفرس.

 

8- هنا يطرح إيشوعداد مشكلة فلسفيَّة: إذا كان الله أزليٌّا فلماذا لم يخلق الكون منذ الأزل؟ ويجيب: الله وحده لا بداية له ولا نهاية، أمّا الخليقة فلها بداية ولها نهاية. فلو خلق الله الكون منذ الأزل لكان مساويًا لله في الوجود. ولكن لا يمكن أن تتساوى الخلائق مع الخالق. ولكن لماذا خلقه في ذلك الوقت ولم يخلقه قبل ذلك الوقت؟ هذا سؤال لا جواب له.

 

وخلق الله الكون من أجل الخلائق العاقلة. لم يخلقه لأنَّه أُجبر على ذلك، أو لأنَّه أراد شرٌّا بالإنسان، أو لأنَّه حسد الخلائق العاقلة. خلقه لأنَّه رأى فيه خيرًا للخلائق. هيَّأ الله لنا عالمين، عالمًا فاسدًا ندخل فيه أوَّلاً، وعالمًا غير فاسد.

 

9- لماذا خلق الله الكون؛ هناك قول سلبيّ: لم تكن فيه حاجة إليه. أمّا الأقوال الإيجابيَّة فثلاثة: خلق الله الكون ليدلَّ على صلاحه. كان وحده موجودًا فأراد أن يشرك بالوجود غير الموجودين. ثانيًا، خلق الكون ليدلَّ على حكمته. ثالثًا، خلق الكون ليدلَّ على قدرته. وهنا يقابل الكاتب بين صلاح الله وعدالته. كان صالحًا لمّا بدأ بخلق السماء والأرض وانتهى بخلق الإنسان. وكان عادلاً حين فرض الناموس والعقاب على آدم. وكلّ هذا تمَّ بيسوع المسيح الذي خلَّصنا من ناموس الخطيئة والموت (رو 8: 2).

 

10- ما هي العلاقات بين الكائنات العاقلة والكائنات غير العاقلة ؟ أوَّلاً، يحتاج بعضها إلى الآخر. ثانيًا، تنظر الكائنات العاقلة إلى الكائنات المنظورة وهي عديدة ومتنوِّعة فيتعلَّمون الكثير عن قدرة الله وحكمته. وإذ يعرفون الله يعرفون نفوسهم أيضًا: إنَّهم متقلِّبون يحتاجون إلى أن يتعلَّموا من الكائنات العاقلة. من جهة ثانية تحتاج الكائنات غير العاقلة إلى حماية الكائنات العاقلة. أما سلَّمَ الله إلى آدم مهمَّة الاهتمام بالخلائق؟ هناك إذن خالق واحد، وما يجمع الخليقة بعضها مع بعض هو المحبَّة.

 

11- ما الفرق بين العالم والخليقة؟ عندما نتحدَّث عن الخليقة نتذكَّر اسم الخالق. وعندما نقول الخالق نشير إلى الخليقة التي خلق. وحين نتكلَّم عن العالم فنحن نعني أمورًا عديدة: الطبائع والأوقات والأزمنة والبشر(47).

 

12- هنا يطرح إيشوعداد أساليب التعبير في الكتاب المقدَّس. هناك أسلوب واضح ومعنى طبيعيّ. مثلاً: في البدء خلق الله السماء والأرض (تك 1: 1). وهناك أسلوب غامض لا بدَّ من فهمه. مثلاً: الله خلق الخير والشرّ (سي 37: 21). أيحدث شرٌّ في المدينة لم يصنعه الله؟ (عا 3: 6) وقسّى الله قلب فرعون (خر 10: 1). وهناك أسلوب رمزيّ مبنيّ على الاستعارة. ننسب إلى الأشياء ما ننسبه إلى الأشخاص كأن تقول الأبوابُ: من هو هذا ملك المجد (مز 24: 8-10)؟ وهناك قول يقلب النظام المحدَّد، وهناك فكرة ستتَّضح فيما بعد. قال الآباء: إنَّ الطبيعة الإلهيَّة لا مبدأ لها ولا نهاية، وقالوا: إنَّ الابن مساوٍ للآب في الجوهر. لم تُذكَر هاتان الحقيقتان بوضوح بل استنتجهما الآباء من نصوص مثل هذه: أنا الأوَّل والآخر (إش 44: 6). أنا والآب واحد (يو 10: 30). ومرَّات يقول الكتاب شيئًا يعارض الطبيعة كأن يقول: السماء من نحاس (تث 28: 23)، ومرَّات يورد رأي الآخرين: ها هو آدم صار واحدًا منّا (تك 3: 22).

 

13- كيف يتحدَّث الكتاب عن الناس؟ بثلاث طرق: إمّا كما هم في الحقيقة، كأن نقول: كان الإنسان الأوَّل أرضيٌّا من الأرض (1 كو 15: 47)؛ وإمّا أسمى ممّا هم، كأن نقول: إنَّهم من الآلهة (مز 82: 6) أو من الملائكة (ملا 2: 7)؛ وإمّا أدنى ممّا هم. سُمُّوا حيّات (مت 23: 33)، أسودًا (مز 22: 21)، ثعالب (لو 13: 22) نسورًا (تث 28: 49).

 

14- كيف يسمّي الكتاب المقدَّس الله؟ بطريقتين: إمّا كما هو »يهوه« أو الكائن (خر 3: 14)؛ أو أقل ممّا هو كأن نقول إنَّه غضب (تث 1: 34) أو ندم (1 صم 15: 11). ولكن لا شيء أسمى من الله. ويتوقَّف الكاتب عند كلمة الله ومعناها. فالله هو السيِّد والخالق، علَّة كلِّ شيء، الديّان(48). وينهي إيشوعداد هذه اللائحة فيقول: يُكنّى الله بأسماء عديدة وكثيرة وهذا عائد إلى كثرة أعماله العجيبة، ولكن لا اسم له في طبيعته. غير أنَّ الكتاب احتفظ له باسمين، واحد في العهد القديم: أنا هو الذي هو(49)، وواحد في العهد الجديد: آب وابن وروح قدس (مت 28: 19).

 

ويبدأ إيشوعداد بشرح الأسفار المقدَّسة مبتدئًا بالتكوين(50) منتهيًا بالمزامير.

 

خامسًا: تفسير المزامير

 

إنَّ تفسير المزامير(51) هو نهاية مؤلَّف إيشوعداد المروزيّ عن العهد القديم، يحتوي على مقدِّمة تضمُّ 13 فصلاً وتفسيرٍ يَشرح المزامير المئة والخمسين. وهكذا يكون تفسير المزامير أكبر تفاسير إيشوعداد بعد تفسير سفر التكوين.

 

وها نحن نقدِّم معلومات عن سفر المزامير كما وردت في مقدِّمة التفسير الذي يعتبر سفر المزامير كتابًا ليتورجيٌّا وكتابًا نبويٌّا.

 

أوَّلاً: معلومات عن سفر المزامير

 

  1. من دوَّن المزامير؟

 

يعتبر التقليد الحقيقيّ أنَّ المؤلِّف الوحيد لكلِّ المزامير هو داود(52). ونعلن أوَّلاً، وبخلاف ما يقول الجهّال أنَّ داود كان نبيٌّا حقيقيٌّا(53) بل أعظم أنبياء العهد القديم، لأنَّه نال، حين مُسح، كالرسل يوم العنصرة، وحيًا إجماليٌّا عن التدبير الإلهيّ في الماضي وفي المستقبل. نال هذا الوحي ككنز وكان ينهل منه كما يشاء(54). ولهذا نقول إنَّه بإلهام الروح ألَّف المزامير(55) حتّى تلك التي يقرُّ فيها بخطيئته(56)، ومع أنَّها لا تخلو من الزلل(57). وكان داود ثانيًا مبتكر النشيد الليتورجيّ في المزامير من أجل فائدة المؤمنين(58). لقد أضاف الموسيقى إلى قصائده فنوَّع الأنغام تنويعًا يوافق نشيد المزامير في آية بسيطة أو في آيتين(59). وما زالت هذه العادة سارية في الكنيسة النسطوريَّة. دشَّن داود ولادة المزامير في جوقتين وأدخل عادة إنشاد الفرض البيعيّ كلَّ يوم وفي ساعات محدَّدة(60).

 

2- ما هي قيمة المزامير؟

 

إنَّ سفر المزامير هو رأس جسد الكتب المقدَّسة. إنَّه أسمى الكتب النبويَّة وهو يشكِّل شميلة كلِّ وحي العهدين ومجمل تاريخ التدبير الإلهيّ منذ الخلق إلى الدينونة الأخيرة، مرورًا بالمسيح وعمله. إنَّنا نجد فيه نخبة وافرة من الأناشيد الدينيَّة المتنوِّعة التي لا تتضمَّن شيئًا غير لائق، كما نجد في سائر الأسفار المقدَّسة. وهو يتجاوب مع كلِّ حاجات المؤمنين الروحيَّة ويوافق حالات النفس المتنوِّعة. إنَّه يجمع الموسيقى والشعر إلى التعليم والصلاة ويناسب التلاوة في جوقتين. ثمَّ إنَّه يقف بوجه الأناشيد الخلاعيَّة ومزامير الهراطقة. إذًا، كانت الكنيسة محقَّة حين جعلت سفر المزامير كتاب صلاتها الرسميّ(61).

 

3- ماذا يتضمَّن سفر المزامير؟

 

الكتاب هو مجموعة من 150 مزمورًا(62). لا نقرأ المزمور الواحد مرَّتين، لأنَّ كلَّ مزمور أُلِّف على حدة وهو يختلف عمّا سواه(63). لا شكَّ أنَّ هناك مزامير تتشابه لأنَّها تشترك في بعض العناصر(64)، كما أنَّ غيرها يتوسَّع في الموضوع نفسه(65). إلاّ أنَّ المزامير لم تقسم بالشكل ذاته في النصِّ العبرانيّ وفي النصِّ اليونانيّ وفي النصِّ السريانيّ(66). ولكنَّ إيشوعداد يفسِّر المزامير كما هي موزَّعة في النصِّ السريانيّ. ويورد الشارح المزامير حسب أرقامها أو حسب بدايتها أو حسب الاثنين معًا، وهو يتبع ترقيم الترجمة البسيطة الذي يختلف بعض الشيء عن ترقيم النصِّ العبريّ ونصِّ السبعينيَّة(67).

 

4- كيف قسم سفر المزامير؟

 

قسم خمسة أقسام، وهذه القسمة خاصَّة بالنصِّ العبريّ كما قال إيشوعداد مرارًا(68). أمّا التقسيم إلى تهاليل ومرمايات (أو صلوات وجيزة) فهو يُذكَر مرَّة واحدة(69). وأمّا التقسيم إلى إصحاحات كما تفعل النسخة السريانيَّة التي تقسم سفر المزامير إلى 29 إصحاحًا، فهذا ما لا نجده في المخطوطات(70).

 

5- كيف تترتَّب المزامير؟

 

سفر المزامير خليط من المزامير الداوديَّة وُضعت دون ترتيب زمنيّ أو موضوعيّ. فآخر مزمور ألَّفه داود في نهاية حياته يحتلُّ المرتبة الثامنة عشرة، لا المرتبة الأخيرة(71). وهذه الفوضى التي نجدها أيضًا في الأسفار النبويَّة تعود إلى تقلُّبات التاريخ. ثمَّ يفسِّر إيشوعداد سبب تبدُّل صيغ الأفعال في الأسفار النبويَّة وفي المزامير(72).

 

6- بنية المزامير

 

تتألَّف المزامير من سلسلة من الفتغامات (أو الجمل). ولكنَّ الفتغامات أقصر من الشعر العبريّ ومن الآيات، ولهذا فهي أكثر عددًا(73). لا يقسم إيشوعداد المزامير إلى أبيات ما عدا المزمور 119(74)، ولا يشير إلى مزامير إبجديَّة في العبريَّة إلاَّ مز 119، 145(75). لا شكَّ في أنَّ اليونانيّ والسريانيّ لم يستطيعا أن يحافظا على الوزن والشكل الأبجديّ كما في العبريَّة، ولكنَّهما أبرزا بعض الخصائص الأسلوبيَّة التي لجأ إليها داود بسبب الوزن. هذا ما يشير إليه إيشوعداد(76).

 

7- عنوان المزامير

 

لن نهتمَّ بالعناوين اليونانيَّة والعبريَّة، لأنَّها لم تكتب في البداية بل وضعها أناس عديدون حسب نظرتهم الخاصَّة. والبرهان على ذلك أنَّ كثيرًا من العناوين تنسب إلى المزمور موضوعًا لا يتوافق ومضمونه. لذلك نتمسَّك بالعناوين التي وضعها المفسِّر تيودور المصّيصيّ(77). نشير هنا إلى أنَّ تيودور ترك عناوين النصِّ العبريّ والنصِّ اليونانيّ ولكنّه لم يؤلِّف عناوين حقيقيَّة. بل قدَّم لكلِّ مزمور عرضًا طويلاً أو قصيرًا حدّد فيه موضوع المزمور، وذكر الظروف التاريخيَّة التي افترضها له وردَّ على الآراء المخالفة. ومنذ القرن السادس أخذ المفسِّرون النساطرة يستخرجون من هذه المقدِّمات عناوين حقيقيَّة يربطونها بتيودور. ومع ذلك، حين قدَّم إيشوعداد تفسيره لم يورد دومًا هذه العناوين(78).

 

8- مواضيع المزامير

 

إنَّ كلَّ المواضيع التي وردت عند إيشوعداد هي التي أشار إليها تيودور. فإذا عدنا إلى هذه المواضيع، رأينا أنَّ أكثر المزامير ترتبط بأحداث من التاريخ اليهوديّ، أحداث عاصرت داود أو جاءت بعده فتنبَّأ عنها. ولكن ليست المزامير وثائق تاريخيَّة، لأنَّ الكاتب ينظر إليها من الزاوية الدينيَّة أو الأخلاقيَّة. إنَّها صلوات وتراتيل وتعاليم وتحريضات وتنبيهات يعبِّر فيها داود عن أفكاره وعواطفه حسب الظروف التي عاشها شخصيٌّا أو عرفها نبويٌّا. فالمزامير هي من هذا القبيل تعليم وتنبيه لمعاصري داود وللذين جاءوا بعده. ولكنَّها تتوجَّه أيضًا إلى كلِّ الأجيال التي ستتعاقب عبر العصور والتي ستعرف حالات مماثلة.

 

9- الفنون الأدبيَّة

 

سفر المزامير هو السفر المقدَّس الوحيد الذي تتمثَّل فيه »تاوريات« أو الفنون الأدبيَّة العشرة التي نجدها في سائر أسفار الكتاب المقدَّس وهي: النبوءة، التاريخ، التشريع، الصلاة، الحكمة، اللاهوت، الشكر، التهديد، العقاب، التشكّي(79). ويمكن أن يجمع المزمور الواحد فنونًا عديدة(80). أمّا تنوُّع الفنون في المزامير فعائد إلى تنوُّع المواهب التي أغدقها الروح على داود وهي موهبة النبوءة والحكمة والتعليم… وكما أنَّ كلَّ مزمور يمثِّل عادة فنٌّا أدبيٌّا محدَّدًا، فكلُّ مزمور ينطلق من موهبة محدَّدة يعطيها الروح فتكسب وجهًا خاصٌّا يختلف عن سائر المزامير(81). غير أنَّ إيشوعداد لم يهتمَّ بأن يبحث في دراسة كلِّ مزمور عن الفنِّ الأدبيّ الذي يمثِّله أو عن الموهبة التي أوحت به. كلُّ ما نجده هو ملاحظات عابرة(82).

 

10- ترتيب المزامير

 

لم يهتمَّ إيشوعداد بترتيب المزامير ترتيبًا منسَّقًا، فاكتفى بأن يلاحظ أنَّ المزامير تتنوَّع حسب مواهب الروح، وبأن يبيِّن إلى أيِّ فنٍّ أدبيٍّ ينتمي هذا المزمور أو ذاك، وبأن يشير إلى أنَّ المزمور ألَّفه داود باسم شخص من الأشخاص، وبأن يُعلِمنا بموضوع ثلاثين مزمورًا. ولكنَّ هذه النتف لا تكفي من أجل ترتيب عامٍّ للمزامير حسب إيشوعداد.

 

ثانيًا: التأويل عند إيشوعداد

 

قبل أن نعالج التأويل في وجهه المثلَّث كتأويل تاريخيّ وتأويل نبويّ وتأويل مسيحانيّ نتوقَّف عند أسلوب إيشوعداد في التأويل.

 

1- أسلوب التأويل

 

إنَّ تفسير المزامير هو كسائر التفاسير تفسير متقطِّع. فإنَّ إيشوعداد يكتفي بأن يوضح بعض الآيات من كلِّ مزمور، تلك التي يجد من المناسب أن يشرحها. هو يبدأ حالاً بالشرح دون أن يعلمنا عن موضوع المزمور(83). وهكذا، وإذا اكتفينا بشرح إيشوعداد ولم نضع أمام عيوننا نصّ المزامير مع العناوين النسطوريَّة، يستحيل علينا، مرَّات عديدة، أن نكوِّن فكرة عامَّة وأن نعرف الفكرة الرئيسيَّة وتسلسل الأفكار. لا نستطيع أن نقول إنَّ كتاب إيشوعداد هو تفسير، بل هو مجموعة تعاليق على آيات مختارة من المزامير.

 

ونقول ثانيًا إنَّ التفسير هو تجميع وتقميش. فإيشوعداد يأخذ من سابقيه ولاسيَّما من تيودور المصّيصيّ. فهو يأخذ من تيودور المواضيع المعيَّنة للمزامير كما يأخذ مقاطع عديدة يكتبها بطريقته الخاصَّة. وهو ينهل من ينابيع أخرى عديدة فيرتِّب التفاسير المختلفة الواحد قرب الآخر. ليس التفسير إذًا عمل فكر يبتكر، بل عمل جمّاع اجتهد فاستخرج الغنى من مؤلَّفات سابقيه.

 

دوَّن إيشوعداد تفاسيره فاحتفظ لنا بغنى هامّ يساعدنا على الاطِّلاع على التأويل النسطوريّ الذي لم يبقَ لنا منه إلاَّ النزر القليل.

 

2- التأويل التاريخيّ

 

يقاسم إيشوعداد نظرة تيودور إلى تأويل الكتاب الرمزيّ، فيكرِّس فصلاً كاملاً لعرض هذه النظريَّة والردّ عليها لأنَّها لا تفسِّر شيئًا ممّا هو كما هو(84)، ولكنَّه لا ينكر أنَّ داود لجأ إلى الاستعارات. ففي الفصل 13 من المقدِّمة يقدِّم لائحة أمثلة من المفسِّر عن لغة المزامير الرمزيَّة. ولكن إن فهمنا هذا الأسلوب نرى أنَّه لا يغيِّر المعنى التاريخيّ والحرفيّ الذي لا يلغي واقع الأمور ولا يضع شيئًا مكان آخر. يفسِّر إذًا إيشوعداد المزامير حسب المعنى الحرفيّ. وهو يفهم المزامير على طريقة تيودور، فيفرض لها نقطة استناد ملموسة في التاريخ اليهوديّ، ويربطها بأحداث معروفة من العهد القديم. ففي نظره نجد عشرين مزمورًا تفرض أمورًا صنعها داود أو كان شاهدًا عليها. وهناك مئة مزمور ترتبط بأمور حدثت بعد داود تمتدّ من زمن سليمان إلى زمن المكابيّين. وما تبقّى أربعة مزامير لاهوتيَّة أو أدبيَّة توافق كلَّ زمان. هذه النظرة التاريخيَّة إلى المزامير هي في أساس تفسير إيشوعداد.

 

3- التأويل النبويّ

 

ألِّفت المزامير على يد داود النبيّ ويمكننا أن نسمِّيها كلَّها مزامير نبويَّة في المعنى العامّ للكلمة. ولكن بما أنَّ الأمور التي ترتبط بها مزامير عديدة ستتِّم بعد أجيال عديدة، فمن الواضح أنَّ المرتِّل عرفها بفضل معرفته النبويَّة السابقة. ونقول الشيء عينه عمّا هو موضوع المزامير الخاصّ أي أفكار وعواطف واستعدادات الناس الذين سيعيشون هذه الأحداث الآتية. فنستطيع أن نقول إنَّ هذه المزامير هي نبويَّة بالمعنى الحصريّ(85).

 

نجد هنا كما في تفاسير الأنبياء اتِّجاهين يعودان إلى تيودور ويقومان بأن نطبِّق الأقوال النبويَّة على أحداث سبقت المسيح وبالتالي أن نخفِّف من عدد النبوءات المسيحانيَّة. من أجل هذا سنحدِّد المزامير التي اعتبرها إيشوعداد غير نبويَّة، والمزامير التي اعتبرها نبويَّة وغير مسيحانيَّة، والمزامير التي اعتبرها مسيحانيَّة.

 

المزامير غير النبويَّة هي 35: 17 مزمورًا قيلت في شخص داود وألَّفها بمناسبة أحداث عاشها وهي: 3، 6، 7، 9، 11، 12، 17، 18، 22، 36، 38، 39، 64، 68، 70، 120، 140؛ ثم 8 مزامير قالها داود من أجل الشعب اليهوديّ العائش في أيّامه وهي: 16، 78، 82، 105، 111، 113، 114، 115، 150؛ وأخيرًا 10 مزامير عقائديَّة أو أدبيَّة وهي: 1، 4، 10، 12، 19، 37، 49، 104، 112، 148.

 

المزامير النبويَّة وغير المسيحانيَّة هي 111 مزمورًا: مزمور واحد يتحدَّث عن سليمان (72)، و25 مزمورًا تعود بنا إلى زمن حزقيّا، ومزمور واحد يشير إلى الحرب مع أحاز والد حزقيّا (46)، و24 مزمورًا تشير إلى زمن حزقيّا والحرب الأشوريَّة، و3 مزامير تتحدَّث عن وقاحة سنحاريب وربشاقا (14، 52، 53)، و21 مزمورًا ترتبط بحزقيّا أو شعبه (15، 20، 21، 27، 29، 30، 32، 33، 34، 41، 48، 54، 75، 76، 87، 91، 92، 116، 117)، و45 مزمورًا تشير إلى زمن السبي منها مزمور واحد في شخص إرميا (35) و44 مزمورًا تفترض السبي (5، 24، 25، 26، 31، 40، 42، 43، 50، 51، 61، 63، 65، 67، 71، 81، 85، 88، 89، 90، 94، 95، 97، 98، 99، 101، 102، 106، 119، 121، 122، 123، 126، 130، 131، 132، 137، 139، 141، 142، 143، 145، 146)، و23 مزمورًا تشير إلى زمن العودة من السبي (23، 73، 77، 84، 93، 96، 100، 103، 107، 118، 124، 125، 127، 128، 129، 133، 134، 135، 136، 138، 146، 147، 149)، و17 مزمورًا تعود بنا إلى زمن المكابيّين، منها مزمور واحد قيل عن شخص أونيّا (55) و16 مزمورًا مكابيٌّا وهي (44، 47، 56، 58، 59، 60، 69، 74، 80، 83، 108، 109، 144).

 

أمّا المزامير المسيحانيَّة فهي أربعة: 2، 8، 45، 110.

 

4- التأويل المسيحانيّ

 

في الفصل الثاني عشر من المقدِّمة يلوم إيشوعداد الرمزيّين لأنَّهم يعتبرون كلَّ نصوص العهد القديم التي يطبِّقها العهد الجديد على المسيح نصوصًا مسيحانيَّة. والحال أنَّ هناك نصوصًا تشير حقٌّا إلى المسيح وأخرى لا تتمتَّع بأيِّ بُعد مسيحانيّ بل طبِّقت بسبب تشابه الأمور، طبِّقت ملائمة. ثمَّ إنَّ إيشوعداد يعتبر خلال التفسير بعض النصوص حقٌّا مسيحانيَّة لأنَّها تشير حصرًا وبطريقة مباشرة إلى المسيح، ويعتبر البعض الآخر أنَّها تشير في زمانها إلى أشخاص من العهد القديم، ولكنَّها تمَّت حقٌّا في المسيح. نسمّي هذه النصوص الأخيرة نبوءات تحمل تطبيقين اثنين. وقبل أن نعطي حكمًا على تأويل إيشوعداد المسيحانيّ سنميِّز النصوص المسيحانيَّة حصرًا، والنبوءات ذات التطبيقين، والأقوال المطبَّقة على المسيح موافقة.

 

أ- نبوءات مسيحانيَّة حصرًا

 

يسلِّم إيشوعداد بأنَّ هناك أربعة مزامير مسيحانيَّة كلِّيٌّا وحصرًا. المزمور 2 الذي قيل عن آلام المسيح وارتفاعه. المزمور 8 الذي يتنبَّأ على المسيح، على تدبيره وعلى طبيعته، على مجد وسلطان بشريَّته باتِّحادها بالله الكلمة، على انتشار الإنجيل الشامل. المزمور 45 الذي يحتفل بالمسيح الملك واتِّحاده بالكنيسة. المزمور 110 الذي يعلن المسيح الممجَّد ربٌّا وكاهنًا أعظم. ونضيف إلى هذه المزامير الأربعة آيتين مأخوذتين من مزمورين، مز 11: 7 تقبل تفسيرين: إنَّها تشير، حسب التفسير الأوَّل، إلى الشعب المسبيّ في بابل، وتقال عن المسيح الكلمة حسب التفسير الثاني؛ مز 82: 8 هي صلاة موجَّهة إلى الله وبالأحرى إلى المسيح الممجَّد.

 

ب- نبوءات ذات تطبيقين

 

يستعمل إيشوعداد لفظتين: في زمانهم، بوضوح تنطبق أقوال هذه النبوءات على أشخاص من العهد القديم. مز 16: 10 يقال عن الشعب. مز 21: 4 يقال عن حزقيّا. مز 24: 7 يقال عن أورشليم. مز 61: 6 يقال عن الشعب المسبيّ في بابل. مز 87: 5 يقال عن حزقيّا. مز 89: 29 يقال عن داود. مز 118: 2 يقال عن زربّابل. ولكنَّ كلَّ هذه المزامير تنطبق على المسيح حسب الحقيقة أو بوضوح. وهناك مزموران يفسِّران تفسيرين يتعارضان، مز 22: هو، في تفسير أوَّل، يشير إلى داود يضطهده أبشالوم، وفي تفسير ثانٍ قيل عن المسيح كما قيل في أشخاص آخرين. مز 72: أشار في البداية إلى سليمان دون غيره. ولكنَّ المزمور تمَّ في المسيح مع أنَّه قيل في زمن سليمان.

 

ج- أقوال طبِّقت على المسيح ملائمة

 

هناك قولان قالهما المسيح على الصليب (22: 1؛ 31: 4). وهناك آيات أخرى طبَّقها الرسل على شخص المسيح (22: 16-18، 68: 18)، وهناك نصوص طبَّقها الرسل لا على المسيح بل على الزمن المسيحيّ (14: 1-3؛ 32: 1؛ 69: 21، 25؛ 109: 8؛ 117: 1).

 

يبدأ إيشوعداد فيشرح مز 72 ويعرض رأي المفسِّر، ثمَّ يقول إنَّ النصوص تشير إلى سليمان. ولكنَّه ينهي التفسير بهذه الكلمات: أمّا أنا فأقول: مع أنَّ هذه الكلمات قيلت في وقتها في سليمان، إلاَّ أنَّها تمَّت حقٌّا في المسيح. والكلمات الواردة في مز 21: 4، 24: 7، 61: 6 تطبَّق أوَّلاً على أشخاص من العهد القديم. ثمَّ يعلن إيشوعداد أنَّها تمَّت في المسيح. وتعليق 40: 7، يتألَّف من تفسيرين، الأوَّل يعرض الكلمة على أنَّها قيلت في الشعب المنفيّ. والتفسير الثاني يعارض تفسير تيودور. هناك آخرون يقولون: قيلت الكلمة عن المسيح الكلمة. لا يتَّخذ إيشوعداد موقفًا بل يترك للقارئ أن يختار بين تفسيرين. ويطبِّق إيشوعداد مز 22 على داود يضطهده أبشالوم. ولكنَّه يقول في المقدِّمة: نبوءات كثيرة قيلت في المسيح، مع أنَّها طبِّقت سابقًا على أشخاص آخرين. ويقول في معرض شرحه 16: 10، ما يلي: حين يبني ملك بيتًا ويتأخَّر في السكن فيه، يأتي أشخاص يسكنون في بيت الملك بانتظار الملك. هكذا نقول عن النبوءات التي طبِّقت على المسيح، ولكنَّها طبِّقت سابقًا على أشخاص آخرين لئلاَّ تَضيع وتُنسى مع الوقت.

 

خاتمة

 

يرتبط التأويل المسيحانيّ عند إيشوعداد بتأويل تيودور. هناك أربعة مزامير مسيحانيَّة فقط. ولكنَّ هناك نبوءات لها تطبيقان: تنطبق على أشخاص من العهد القديم ولكنَّها تليق جدَّا بالمسيح. ثمَّ إنَّ إيشوعداد يقبل تفاسير مسيحانيَّة تعارض نظريّات تيودور. ما الذي دفع إيشوعداد إلى هذا الموقف؟ هل هناك إصلاح تأويليّ بدأ به حنانا وتبنّاه إيشوعداد؟ الأمر ممكن ولكن ما يمكن القول هو أنَّه كان تطوّر في الكنيسة فتبعه إيشوعداد وهو أصدق مَن مثَّل التأويل النسطوريّ في عصره.

(*) ظهر هذا المقال في المسرة 76 (1990) 424-457.

 

(1) A. SHER, Theodorus Bar Koni, Liber Scholiorum, Louvain, Texte I, 1910, II, 1912. (CSCO 55, 69). Traduction française. I, 1981. 1982 (CSCO 431, 432). C’est la recension de Sert. La recension d’Urmiah est publiée et traduite par R. HESPEL, Théodore Bar Koni, Livre des Scolies, Louvain, 1983 (CSCO 447, 448). Enfin on a les collections annexées par Sylvain de Gander (CSCO 464, 465), Louvain, 1984.

 

(2) لم يزل الكتاب مخطوطًا. مكتبة الجامعة في كمبريدج رقم 2017. نُسخ سنة 1706.

 

(3) يقول تاريخ المسعوديّ: إنَّ يوحنّا عمل كتابًا في مسائل وتفسير أربعة أسفار من التوراة. ويقول عبديشوع الصوباويّ: وضع يوحنّا شروحًا في سفر الخروج واللاويّين والعدد وأيّوب…

 

(4) توفّي في أواسط القرن السابع. له مسائل على النصِّ الكتابيّ في ثلاثة أجزاء وقد ضاع.

 

(5) يرد في تفسير إيشوعداد اسم القطريّ (أي الذي من قطر). ولكنَّ هناك مفسِّرَين لُقِّبا بهذا الاسم وهما جبرائيل القطريّ وأحوب القطريّ. فإلى من يلمِّح إيشوعداد؟ يبدو أنَّه يلمِّح إلى جبرائيل الذي علَّم في ساليق في القرن السابع وألَّف كتابًا عن المسائل المختارة في الكتاب المقدَّس. كلُّ المقاطع التي يوردها إيشوعداد على اسم القطريّ نجدها أيضًا في التفسير المغفَّل تحت اسم ربّان. هذا يعني أنَّ ربَّان المذكور في التفسير المغفَّل هو جبرائيل القطريّ. أمّا صاحب جنّة النعيم فيسمّي جبرائيل القطريّ المفسِّر، لأنَّ وظيفة ربّان أو رئيس مدرسة كانت من نصيب أستاذ الكتاب المقدَّس الذي يسمَّى المفسِّر (مفشقونو في السريانيَّة).

 

(6) لم يزل مخطوطًا. أُخذ من مطرانيَّة ديار بكر للكلدان (وكان رقمه 22) وجُعل في الموصل تحت رقم 13. نُسخ سنة 1606، أمّا مخطوطة منغانا في برمنغام رقم 553 فقد نُسخت عن مخطوطة من سنة 1887 التي تعود بدورها إلى المخطوطة 21 من مجموعة سعرد والتي تعود إلى سنة 1605.

 

(7) على سبيل المثال: يذكر إيشوعداد جبرائيل القطريّ 30 مرَّة. أمّا التفسير المغفَّل فيذكره 121 مرَّة تحت أسماء متعدِّدة. نشير في النهاية إلى أنَّ التفسير المغفَّل يُفرد ستَّ ورقات لشرح المزامير، وهي غير كافية لتعطينا فكرة واضحة عن نظرة الكاتب إلى المزامير.

 

(8) فاتيكان سريانيّ رقم 494، هو شرح لقراءات العهد القديم والعهد الجديد. يتضمَّن المخطوط 421 ورقة وقد نسخ سنة 1925 عن مخطوط يعود إلى سنة 1887، وهذا الأخير نسخ عن مخطوط سعرد رقم 28 الذي يعود إلى القرن الرابع عشر. نُشر جزء أول، آحاد المجيء

 

(9) 16 نصٌّا من يشوع، نصٌّ واحد من القضاة، 4 من صموئيل، 5 من الملوك، نصٌّ واحد من ابن سيراخ.

 

(10) , éd. G. HOFFMANN, Kiel, 1880Opuscula Nestoriana

 

(11) ألبير أبونا، أدب اللغة الآراميَّة، بروت، 1970، ص 346-347.

 

. ORTIZ DE URBINA, Patrologia syriaca, Rome, 1965, p. 217-218; C. VAN DEN

 

EYNDE, Commentaire d’Isodad de Merv sur l’Ancien Testament, I, Genève, Louvain, 1955, p. II-IV.

 

(12) أسَّس العرب (المدينة) الحديثة وكانت تقع على الضفَّة الشرقيَّة من نهر دجلة بعد مصبِّ الزاب الكبير فيه.

 

(13) عاش ماري بن سليمان في القرن الثاني عشر. أمّا كتاب المجدل فلا يتحدَّث فقط عن البطاركة. وبقي القسم الأكبر منه مخطوطًا.

 

  1. Gismondi, Maris, Amri et Slibae de Patriarchis Nestorianorum commentaria, I, Maris Textus arabicus p. 78, 80; II, Amri et Slibae textus, p. 71-72.

 

(14) كان أسقفًا على صوبة (أو نصيبين) وتوفِّي سنة 1318، يرد النصُّ في

 

  1. S. ASSEMANI, Bibliotheca Orientalis Clementino-Vaticana III, 1, p. 210-212

 

(15) في السريانيَّة: بيت موتبي الذي يذكر في ما يذكر ملوك بني إسرائيل.

 

(16) بين أيدينا 5 مخطوطات: كمبريدج القسم السريانيّ عدد 1973، أورشليم بطريركيَّة الروم الأرثوذكس في أورشليم عدد 10، المتحف البريطانيّ القسم الشرقيّ عدد 4524، منغانا في برمنغام عدد 553، مكتبة الفاتيكان، القسم السريانيّ عدد 457.

 

(17) الهكسبلة هي عمل أوريجان الذي وضع في ستَّة عواميد النصَّ العبريّ والنصوص اليونانيَّة المختلفة. وعنها أخذ السريان النصَّ المسمّى سريانيَّة الهكسبلة. نشير هنا وبطريقة عابرة إلى أنَّ تفسير العهد الجديد قد نشر مع ترجمة إلى الإنكليزيَّة.

 

The commentaries of Ishodad of Merv, bishop of Hadatha (C. 850 A.D) in Syriac and English, With an introduction by J. R. HARRIS, 6 vol. éd. M.D. GIBSON dans Semiticae, t. V, VI, VII, X, XI, XII, Cambridge, 1911-1916

 

نشر فوبوس البنتاتوكس سنة 1975

 

  1. V00ِِBUS, The Pentatuch in the Version of the Syro-Hexapla – A Facsimile Edition of a Midyat Ms. Discovered 1964 (CSCO 369), Leuven 1975

 

  1. VِِBUS, The Book of Isaiah in the version of Syro-Hexapla. A Facsimile Edition of Ms St. Marc in Jerusalem with an Introduction (CSCO 449) Leuven, 1983.

 

(18) نقرأ ما ترجمته: إذا كان العالم بكلِّ شيء يتقصَّى القضيَّة بجدّ قبل أن يعاقب، فكم بالأحرى يفرض عليهم أن يتقصُّوا.

 

(19) الابن الكلمة أخذ الجسد، فهو الآخذ والجسد هو المأخوذ Homo assumptus.

 

(20) من مشاهير الكتّاب النساطرة (553-628).

 

(21) كاتب مونوفيسيّ توفّي بعد سنة 536.

 

(22) من حدياب، توفِّي سنة 610 وفسَّر كلَّ العهد القديم والعهد الجديد ولكنَّ تفسيره ضاع.

 

(23) توفِّي في أواسط القرن السابع، له مسائل على النصِّ الكتابيّ في ثلاثة أجزاء وقد ضاع اليوم.

 

(24) هو أيضًا باباي الصغير. عاش في القرنين السادس والسابع. كتب الردود المتعدِّدة وقد ضاع.

 

(25) عاش في القرنين السادس والسابع. دوَّن كتاب الكنوز الذي نجهل كلَّ شيء عنه وكتبًا أخرى.

 

(26) كتاب يهوديّ منحول دوِّن في نهاية القرن الثاني ق.م. ولكن يبدو أنَّ النسخة المذكورة هي نسخة سريانيَّة خاصَّة. رج كتاب اليوبيلات أو التكوين الصغير، الخوري بولس الفغالي، الرابطة الكتابية، 2000، على هامش الكتاب، 5.

 

(27) ترك تفسير سفر الجامعة، وهو محفوظ في دير القدّيسة كاترينه في جبل سيناء، تحت رقم سريانيّ 16.

 

(28) خلف نرساي على رأس مدرسة نصيبين. له تفسير أيّوب وقد ضاع.

 

(29) ألَّف تفسير المزامير وقد ضاع. توفّي حوالى سنة 645.

 

(30) لم يزل هذا النصُّ مخطوطًا، كمبريدج شرقيّ 1318 وهو منسوخ مرَّتين متتاليتين.

 

(31) نجد شرحًا مماثلاً للمزامير المسيحانيَّة الأربعة دوَّنه يوحنّا برزعبي (القرن الثالث عشر) في أشعار سباعيَّة. عنوان الكتاب هو نسيج مرتَّب يعالج موضوع الإيمان. وهو عرض للإيمان النسطوريّ.

 

(32) ينسب البعض شرح المزامير إلى الراهب غريغوار الذي يقول البعض إنَّه عاش في القرن الرابع والبعض الآخر في القرن السادس أو السابع. راجع ألبير أبونا، أدب اللغة الآراميَّة، ص 93، 341.

 

(33) لم يزل الكتاب مخطوطًا: منغانا 58، كمبريدج 1318، أمّا أقدم المخطوطات والتي تعود إلى القرن الثالث عشر (سعرد رقم 29) فهي موجودة في المكتبة الوطنيَّة في باريس. سريانيّ رقم 367.

 

(34) يعود هذا الكتاب إلى القرن التاسع وهو بشكل سؤال وجواب.

 

Anonymi auctoris Expositio officiorum Ecclesiae, 2 vol., éd. et tr. R. H. CONNOLLY dans CSCO 64, 71, 72, 76, Louvain, 1953-1954.

 

(35) نشرها فوسته ونسبها خطأ إلى أحوب القطريّ.

 

  1. M. VOSTE, « Sur les titres des psaumes dans la Peshitta », surtout d’après la recension orientale, dans Biblica, t. XXV, 1944, p. 228-233

 

(36) نشير إلى أنَّ هذه المقدِّمة غير موجودة في أقدم مخطوط (راجع حاشية 23) ولهذا نجهل اسم جامعها وزمن جمعها.

 

(37) مؤلَّف يضمُّ 186 ورقة وهو تفسير متَّصل وإسهابيّ يكاد يورد كلَّ آيات المزامير والأناشيد ويشرحها بطريقة مقتضبة. إنَّه تفسير لمزامير البسيطة وهو يغرف من الموادّ التي تركها تيودور المصّيصيّ دون أن يكون ترجمة له.

 

(38) W. BLOEMENDAAL, The headings of the Psalms in the East Syria Church, Leyde, 1960, p. 7.

 

(39) نقرأ نصوص تيودور كاملة في أصلها اليونانيّ ., t. LXVI, col. 124-632.PG Migne M. G. DIETRICH, Isodadh’s Stellung in der Auslegungsgeschichte des Alte Testaments an seinen Commentaren zu Hosea, Joel, Jona, Sacharja 9-14 und einigen angehنngten Psalmen veranshanlicht dans Beihefte zur Zeitschrift für die alttestamentliche Wissenshaft, fasc 6, Giessen, 1902,

 

(40) نشير إلى أنَّ إيشوعداد لا يورد اسم المفسِّر في تفاسير إرميا وحزقيال ودانيال. ثمَّ إنَّ مؤلَّفات تيودور في هذا المجال ضاعت، فلا نستطيع أن نقيم المقابلات بين تفاسير تيودور وتفاسير إيشوعداد.

(41) R. DEVRESSE, Le Commentaire de Théodore de Mopsueste sur les Psaumes (I-LXXX), Citta del Vaticano, 1939.

 

  1. VAN ROMPAY, Théodore de Mopsueste, Fragments syriaques du Commentaire des Psaumes (Psaume 118 et Psaumes 138-148) CSCO 435, 436, Louvain, 1982

 

(42) راجع تفسير سفر التكوين، النصّ السريانيّ ص 1-10 الترجمة الفرنسيَّة ص 1-12.

 

  1. M. VOSTE, “L’Introduction de Mar Isodad de Merv (+850) aux livres de l’Ancien Testament, dans Biblica, t. XXVI (1945), p. 12-36.

 

(43) هي التكوين، الخروج، اللاويّين، العدد، التثنية، يشوع، القضاة، صموئيل، الملوك، الأخبار، عزرا، نحميا، إشعيا، إرميا والمراثي، حزقيال، دانيال، الاثنا عشر، نشيد الأناشيد، الجامعة، الأمثال، أيّوب، أستير، راعوت، المزامير.

 

(44) يقدِّم إيشوعداد رأي البعض القائل إنَّ الله أعطى يوسف الحروف العبرانيَّة فكان أوَّل من استعملها. وحين دخل الشعب إلى مصر علَّمهم إيّاها لأنَّه كان وحده يعرفها. راجع تفسير سفر التكوين النصّ السريانيّ ص 206 الترجمة الفرنسيَّة ص 223.

 

(45) هذا النصّ غير موجود في ديودور ولكنَّ كيرلُّس الإسكندرانيّ يورده في كتابه ضدَّ يوليان. يبدو أنَّه يعود إلى أوبوليم المؤرِّخ اليهوديّ الذي عاش في القرن الثاني ق.م. وأعلن أنَّ موسى اخترع الكتابة.

 

(46) كان نبو إله الكلدانيّين الأكبر وكان الأشوريّون يعتبرونه مخترع الكتابة.

 

(47) يورد إيشوعداد نصَّين إنجيليَّين: يو 15: 9؛ 14: 9، العالم (أي البشر) أبغضكم، العالم (أي البشر) لن يراني.

 

(48) نحن هنا أمام آراء مختلفة، وكلُّ رأي يعطي تحديدًا لله.

 

(49) خر 3: 14. نشير إلى أنَّ السريانيَّة البسيطة حافظت على شكل الجملة كما وردت في العبريَّة فقالت: » أهيه أشير أهيه «.

 

(50) L’oeuvre a été publiée à Louvain. Outre la Genèse qui a été citée et le livre des Psaumes qui sera cité, on a les volumes suivants : II Exode-Deutéronome, CSCO 176-179, Louvain, 1958. III Livre des Sessions, CSCO 229-230, Louvain, 1962. IV Isaïe et les Douze, CSCO 303-304, Louvain, 1962. V Jérémie, Ezéchiel, Daniel, CSCO 328-329, Louvain, 1972

 

(51) C. VAN DEN EYNDE, Commentaire d’Isodad de Merv, sur l’Ancien Testament, VI, Psaumes, Louvain, 1981 (CSCO 433-434

 

(52) مز 78: 20. عندما نورد مزمورًا إنَّما نورده حسب الترقيم الماسوريّ العبريّ، نشير إلى أنَّ البسيطة تختلف عن النصِّ الماسوريّ. فالمزمور 114-115 في الماسوريّ يقابل مز 114؛ مز 116-146 في النصِّ الماسوريّ يقابل مز 115-145؛ مز 147 في النصِّ الماسوريّ يقابل في البسيطة 146-147.

 

(53) المقدِّمة ف 7.

 

(54) المقدِّمة ف 6.

 

(55) المقدِّمة ف 8.

 

(56) مقدِّمة مز 13.

 

(57) مز 19: 2؛ 78: 20.

 

(58) المقدِّمة ف 4.

 

(59) المقدِّمة ف 3.

 

(60) المقدِّمة ف 2.

 

(61) المقدِّمة ف 5.

 

(62) لا يذكر إيشوعداد المزمور 151 الذي نجده في السبعينيَّة ولا مز 152-155 التي نقرأها في المراجع السريانيَّة.

 

(63) هناك بعض الاختلاف بين مز 14 ومز 53.

 

(64) مقدِّمة مز 64، 91، 108.

 

(65) مقدِّمة مز 69، 73، 89، 108، 148.

 

(66) مقدِّمة مز 9، 116.

 

(67) مقدِّمة مز 14، 53. إذا كانت البداية هي هي في مزمورين، وضع إيشوعداد إشارة: المزمور الأوَّل والثاني.

 

(68) مقدِّمة ف 1. رج مقدِّمة مز 42، 73، 90، 107، وخاتمة التفسير.

 

(69) مقدِّمة ف 3، يقسم سفر المزامير إلى 21 تهليلاً ويتضمَّن كلٌّ من التهاليل العشرين الأول من 3 إلى 12 مزمورًا، ويقسم أيضًا إلى مرمايات وتتضمَّن كلٌّ من المرمايات السبع والخمسين الأول مزمورين أو 4 مزامير. وقد تتألَّف المرماية من مزمور واحد إذا كان ذاك المزمور طويلاً.

 

(70) نجد في مز 119: 65 أثرًا للإصحاحات: الإصحاح 25 وذلك في كلٍّ من مخطوط أورشليم ولندن.

 

(71) إنَّ أوَّل مزمور ألَّفه داود هو المزمور 144. نقرأ في المقدِّمة: هذا أوَّل مزمور ألَّفه داود حين قتل جليات.

 

(72) مقدِّمة ف 9.

 

(73) مز 1: 2. إنَّ فتغام المزامير النسطوريَّة أقصر من الآيات الحديثة التقسيم.

 

(74) مقدِّمة مز 119.

 

(75) مقدِّمة مز 119، 145.

 

(76) مز 13، 36: 2، 97: 2.

 

(77) مقدِّمة ف 10.

 

(78) هناك 38 مزمورًا تبدأ بمقدِّمة. وفي 30 منها يقدِّم إيشوعداد موضوع المزمور أو عنصرًا من عناصره.

 

(79) راجع مقدِّمة سفر التكوين، الترجمة ص 5: 7-11. نشير إلى أنَّ إيشوعداد ينفرد في هذه النظريَّة. أمّا التعليم التقليديّ فيميِّز أربعة فنون أدبيَّة هي: التشريع والتاريخ والحكمة والنبوءة.

 

(80) مقدِّمة مز 21.

 

(81) مقدِّمة ف 8-9.

 

(82) أعرف أنَّ مزامير داود قيلت بنعمة الروح القدس. غير أنَّ بعضها قيل بموهبة النبوءة وهي التي تتكلَّم عن المستقبل وأهمُّها التي تتعلَّق بالمسيح. وبعضها الآخر قيل بموهبة الحكمة مثل: طوبى للرجل (مز 1)، لا تغر (مز 37)، اسمعوا هذا (مز 49)، وبعضها الآخر قيل بموهبة التعليم وفيها يتكلَّم داود عن نفسه بسبب اضطهاد شاول أو أبشالوم له. وخلاصة القول، لكلِّ مزمور شيء خاصٌّ به يميِّزه عن غيره (المقدِّمة مز 8).

 

(83) هناك 38 مزمورًا يبدأ فيها الشرح بمقدِّمة تتَّسع أو تضيق. وهناك 30 مزمورًا يعرض فيها إيشوعداد موضوع المزمور أو عنصرًا من عناصره.

 

(84) المقدِّمة مز 12.

 

(85) يقول إيشوعداد في مقدِّمة مز 8: يطبِّق اليهود السفهاء المزمور 8 على آدم، ولكنَّه يتنبَّأ بالحقيقة على المسيح، على تدبيره من أجلنا، على طبيعته، على الكرامة والمجد والسلطان الشامل الذي ناله في بشريَّته باتِّحاده بالكلمة الإله وعلى انتشار إنجيله في كلِّ المسكونة.

 

إيشوعداد المروزي ف9 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

ابن أبو الفرج ابن العبري ف8 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

ابن أبو الفرج ابن العبري ف8 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

ابن أبو الفرج ابن العبري ف8 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

 

الفصل الثامن

 

غريغوار ابن أبو الفرج ابن العبريّ (1226-1286)

 

في الذكرى المئويَّة السابعة لوفاته(*)

 

مضت سبعماية سنة على وفاة أحد كبار فلاسفة الشرق ولاهوتيّيه، العلاّمة أبو الفرج الملقَّب بابن العبريّ، فاحتفلت الكنائس السريانيَّة بهذه الذكرى في دمشق وحلب وحمص والقامشلي وبيروت؛ وأفردت العراق يومين، يومًا في دير مار متّاي حيث دُفن ويومًا في الموصل؛ ونظَّمت الجامعة اللبنانيَّة سلسلة من المحاضرات دامت ثلاثة أيّام، تطرَّق فيها الباحثون إلى المجالات التي غاص فيها ابن العبريّ: اللاهوت والأخلاقيّات والكتاب المقدَّس والشعر والتاريخ؛ ونشرت دار المشرق تاريخ الزمان ببيروت. فمن هو هذا العظيم الذي احتفلنا بذكراه؟

 

أوَّلاً: حياة ابن العبريّ

 

  1. مولده

 

وُلد ابن العبريّ في ملطية، عاصمة أرمينيا الصغرى، سنة 1226. ونال في العماد اسم يوحنّا. واتَّخذ اسم غريغوار يوم رُسم أسقفًا سنة 1246. أمّا اسمه الكامل فهو أبو الفرج جمال الدين مار غريغوار ابن تاج الدين هارون بن توما المَلطيّ. انتمى إلى أسرة عريقة في المسيحيَّة والشرف، وكان أبوه هارون طبيبًا عالمًا، وجيهًا في قومه، نافذ الكلمة في أهل بلده(1).

 

كان لهارون أولاد نجباء هم ميخائيل وموفَّق ودمنيا ويوحنّا (غريغوار) وبرصوم. والظاهر أنَّهم توفُّوا جميعًا قبل غريغوار، ما عدا برصوم الصفيّ الذي كان شمّاسًا لأخيه، ثمَّ خلفه على كرسيّ المشرق سنة 1288، وظلَّ يشغل هذا المنصب حتّى وفاته في 1 من كانون الأوَّل سنة 1307. ونشير هنا إلى أنَّ برصوم أنجز ترجمة أخيه وأكمل التاريخ الكنسيّ الذي بدأه غريغوار وتوقَّف عنه سنة 1285، فأكمله أخوه حتّى سنة 1288.

 

أمّا عن لقب ابن العبريّ، فيقول المستشرقون(2) إنَّ أباه كان يهوديّ الأصل اهتدى إلى النصرانيَّة فلقِّب بابن العبريّ وانتقل هذا اللقب إلى أولاده. إلاَّ أنَّ البطريرك اغناطيوس أفرام الأوَّل برصوم(3) دحض مقال المستشرقين موردًا بيت شعر قاله ابن العبريّ عن نفسه: »إذا كان سيِّدنا المسيح سمّى نفسه سامريٌّا فلا غضاضة عليك إن دعوك ابن العبريّ، لأنَّ مصدر هذه التسمية نهر الفرات لا دينًا معيبًا ولا لغة عبريَّة«(4). فالأرثوذكس عامَّة ينكرون هذا التعليل ويقولون إنَّ هذا اللقب أطلق على العائلة لولادة أحد آبائها أو لولادة هارون نفسه في أثناء عبور نهر الفرات. أمّا بولس بهنام مطران بغداد السابق فيربط بين قرية كبيرة تسمّى »عبري« من أعمال جوباس، وملطية موطن غريغوار أبي الفرج فيقول: جلا جدُّ أبي الفرج عن هذا القرية إلى ملطية، إلاَّ أنَّ اسم القرية لاحقه فبقيَتْ النسبة في أحفاده(5).

 

  1. حداثته

 

عكف ابن العبريّ منذ حداثته على الدراسة والحفظ والتحصيل، فأتقن السريانيَّة والعربيَّة بعلومهما، وقرأ الطبّ على أبيه فتعلَّم منه شيئًا كثيرًا، وكذلك على غيره من أطبّاء العصر المشهورين. واشتغل أيضًا بالفلسفة واللاهوت فدرس مبادئهما على يد والده وحصَّل الكثير وهو لم يبلغ الثامنة عشرة من عمره.

 

ولكنَّ الكوارث التي حلَّت ببلده اضطرَّته موقَّتًا إلى الانقطاع عن التحصيل. فقد هجم المغول في صيف 1243 على ملطية واستولوا عليها، فهاجر معظم سكّانها إلى سورية ونزح هارون مع أسرته إلى أنطاكية وكانت آنذاك في يد الصليبيّين، فلمّا وصلوا إليها اعتزل ابنُ العبريّ العالمَ وتنسَّك في إحدى المغاور المجاورة. غير أنَّ البطريرك اغناطيوس سابا صرفه عن حياة العزلة هذه بعد أن وصل إليه خبر علمه وفضيلته فطلب إليه متابعة تثقُّفه علميٌّا وروحيٌّا ليستعدَّ لخدمة الكنيسة والمجتمع. وهكذا ذهب أبو الفرج إلى طرابلس (لبنان) مع رفيق له يدعى صليبا فتابع دراسة الطبِّ والبيان والمنطق على عالِم من علماء النساطرة اسمه يعقوب(6).

 

  1. الأسقف غريغوار

 

في سنة 1264، دعا البطريرك اغناطيوس (1222-1252) غريغوار ورفيقه، فرسم صليبا أسقفًا على كنيسة عكّا، وغريغوار أسقفًا على أبرشيَّة جوباس الصغيرة في منطقة ملطية وهو ابن عشرين سنة. ولم تمضِ سنة حتّى نقله البطريركُ إلى لاقبين في المقاطعة نفسها.

 

توفِّي البطريرك اغناطيوس سابا وخلفه ديونيسيوس عنجور (1252-1261) الذي تحزَّب له ابن العبريّ على خصمه ابن المعدنيّ. فنقل ديونيسيوس ابن العبريّ إلى كرسيّ حلب، إلاَّ أنَّ هذه المدينة كانت موالية لابن المعدنيّ فرفضت قبول الأسقف الجديد. حينئذٍ اضطرَّ غريغوار إلى الذهاب إلى دير مار برصوم وأقام عند بطريركه سنتين، ثمَّ قصد دمشق فنال حظوة عند الملك الناصر فرفع مكانته وأعاده إلى كرسيِّه مكرَّمًا. واستفاد ابن العبريّ من هذه الفترة من حياته فأكبَّ على المطالعة وأتمَّ دروسه الفلسفيَّة واللاهوتيَّة وأحكم اللغة العربيَّة، وبدأ يستعدُّ لحقبة جديدة في حياته.

 

ومن ثمَّ عاد إلى حلب بعد أن تحسَّنت علاقاته بابن المعدنيّ سنة 1258، ولكن حدثت في تلك السنة الغزوة المغوليَّة التي ضربت بغداد وقوَّضت الدولة العبّاسيَّة وزرعت الدمار في بلاد العراق وبعض أطراف الشام. وذهب ابن العبريّ لملاقاة هولاكو ليستعطفه على شعبه، ولكنَّ المغول أسروه وأعملوا السيف في رقاب سكّان حلب المدينة المنكوبة من مسيحيّين ومسلمين على حدِّ سواء(7). ولكنَّه في الأخير نال حظوة لدى هولاكو نفسه، نظرًا إلى مهنة الطبِّ التي كان يُتقنها.

 

  1. مفريان المشرق

 

قُتل البطريرك ديونيسيوس في كرسيِّه سنة 1261، ولم يعش البطريرك ابن المعدنيّ بعده طويلاً، فلحقه سنة 1263، وكان، قبل وفاته، قد اختار ابن العبريّ ليحلَّ محلَّه في مفريانيَّة الشرق. ولمّا خلفه اغناطيوس الثالث يشوع في كرسيّ البطريركيَّة سنة 1264، أقرَّ اختيار ابن العبريّ. وجرت حفلة التنصيب بأبَّهة فائقة في مدينة سيس بحضور الملك هايتوم الأرمنيّ وعظماء بلاطه، مع أساقفة اليعاقبة وأساقفة الأرمن في 19 من كانون الثاني سنة 1264. لا يخفى على القارئ أنَّ رتبة المفريان هي الرتبة الثانية في الكنيسة السريانيَّة، وصاحبها يأتي مباشرة بعد البطريرك، وله السلطة على الأساقفة في مفريانيَّته(8). أمّا مفريانيَّة المشرق فكانت تشمل الناحية الشرقيَّة من بلاد الرافدين والعراق العجميّ ومنطقة أشور، أي كلّ ما كان يدخل سابقًا في المملكة الساسانيَّة، فهي رعيَّة واسعة جدٌّا ومنتشرة في مناطق شاسعة.

 

أخذ المفريان الجديد يجوب أنحاء رعيَّته وظلَّ على هذا المنوال 22 سنة يعمل بغيرة ونشاط وإخلاص. تنقَّلَ بين نينوى ودير مار متّاي وبغداد والموصل ومراغة وتبريز، وكان يتفقَّد المؤمنين ويشجِّعهم. ومرَّ في بغداد مرَّتين، ولاقى إكرامًا لدى جثالقة المشرق، وزار تكريت سنة 1277 بعد أن مرَّ فيها التتر فأحدثت زيارتُه فرحًا عظيمًا لمدينة لم تحظَ بزيارة مفريان منذ ستّين سنة(9).

 

وزار هولاكو، الملك التتريّ، فحظيَ بعطفه ونال منه ثلاث براءات: واحدة له، وواحدة للبطريرك، وثالثة لأسقف قيساريّة قبادوقية (في تركيّا) اليعقوبيّ. وسهر على استتباب الأمن والراحة بين أبناء الرعيَّة، وأنشأ الكنائس والأديرة، واهتمَّ بكنيسة برطلة وهو في أواخر حياته سنة 1285. ويروي في تاريخه الكنسيّ أنَّه أقام خلال حياته اثني عشر أسقفًا ممَّن تميَّزوا بالفضيلة والعلم. ولم يقتصر نشاطه على أبناء رعيَّته، بل اتَّصل بالمسيحيّين من مختلف المذاهب من روم وأرمن ونساطرة. واتَّصل كذلك برجال الدولة المسلمين وبأرباب العلم والثقافة، فكثر أصدقاؤه في الأوساط المختلفة.

 

ومع كلِّ هذا النشاط، لم يألُ ابن العبريّ جهدًا في الاطِّلاع على خزائن الكتب والمحفوظات في الأديرة والمعابد. واستفاد خصوصًا ممّا وجده في مدينة مراغة، من أعمال أذربيجان، من وثائق ستساعده على تدوين كتبه التاريخيَّة.

 

وظلَّ ابن العبريّ على هذا المنوال في نشاطه إلى أن وافته المنيَّة في 30 من تمُّوز سنة 1286 في مدينة مراغة، وكان فيها مار يبلاها الثالث، جاثليق النساطرة التتريّ الأصل، فرأى أن يقام لابن العبريّ جنازة فخمة، فشارك فيها الروم والأرمن فضلاً عن اليعاقبة(10). ولقد وضع جثمانه في مذبح كنيسة السريان في مراغة ثمَّ نقل فدفن في دير مار متّاي، وهو لا يزال هناك إلى يومنا هذا موضع إكرام وتقدير.

 

ثانيًا: آثار ابن العبريّ

 

يقول السمعانيّ: »لم يكفَّ ابن العبريّ عن القراءة والكتابة منذ العشرين من عمره وحتّى نهاية حياته«. وكتاباته خير شاهد على علمه الشامل الذي تطرَّق إلى كلِّ فروع المعارف البشريَّة، وقد أحصى منها أخوه برصوما 31 كتابًا وصل إلينا أكثرها وأهمُّها.

 

  1. الآثار الفلسفيَّة

 

كانت الفلسفة الجامعة على الطريقة الأرسطاطاليَّة سهلة المنال مستقرَّة المقام بين المسيحيّين أبناء اللغة السريانيَّة، كما كان مفكِّرو المسلمين يأخذون بها أمثال الفارابي وابن سينا وابن رشد. وجاء ابن العبريّ فكان وريث ثقافة مزدوجة، فألَّف في العربيَّة والسريانيَّة، وهذه مؤلَّفاته الفلسفيَّة التي وصلت إلينا.

 

أ) بعض المؤلَّفات الفلسفيَّة

 

رسالتان في النفس دبَّجهما في العربيَّة: الأولى مقالة مختصرة في النفس البشريَّة، نشرها الأب لويس شيخو(11) سنة 1898، ويبدو أنَّ ابن العبريّ اقتدى فيها برسالة سريانيَّة بالعنوان نفسه للكاتب السريانيّ موسى بركيفا الذي نقل بدوره عن كتاب يونانيّ عنوانه في النفس البشريَّة لططيانس، نُسب خطأ إلى القدّيس غريغوار العجائبيّ(12). والرسالة الثانية مختصر في علم النفس الإنسانيَّة. نشرها القسّ بولس سباط في مصر سنة 1928 فجاءت في 74 صفحة(13)، وقد ألَّفها ابن العبريّ بناء على طلب ديونيسيوس عنجور أسقف ملطية قبيل سنة 1252، ووصلت منها نسخة نفيسة، أنجزت في أواخر القرن الثالث عشر أو أوائل القرن التالي، إلى يد البطريرك اغناطيوس برصوم فنشرها في »المجلَّة البطريركيَّة«(14) ثمَّ على حدة في حمص سنة 1938.

 

ب) الأحداق (كتوبو دبوبوتو):

 

كتيِّب في المنطق والفلسفة لا تتجاوز صفحاته الأربعين، ألَّفه بعد سنة 1275 فجاء في سبعة أبواب مبنيَّة على أورغانون (المنطق) أرسطو. نعرف منه ثلاث نسخ، واحدة في جامعة روكفلر بشيكاغو كُتبت سنة 1290، وثانية في لندن (رقم 1017)، وثالثة في كمبريدج (رقم 2005) والأخيرتان تعودان إلى سنة 1579، وهناك أيضًا نسخة في البطريركيَّة السريانيَّة الأرثوذكسيَّة وثانية في دير الشرفة(15).

 

ج) حديث الحكمة (سود سوفيا):

 

كتاب صغير يتضمَّن أربعة أبواب: المنطق، الفيزياء، الربوبيَّة، الأخلاق. نُشرت منه مقاطع في مجلَّة المعهد الطبّيّ العربيّ في دمشق، ونشره سنة 1940 البطريرك برصوم عن ترجمة عربيَّة عُملت بعد زمن المؤلِّف بمدَّة يسيرة وجاءت نسختها من سنة 1608(16).

 

وقبل أن نتطرق مطوَّلاً إلى كتاب زبدة الحكمة في الفلسفة، نشير هنا إلى كتاب تجارة الفوائد في المنطق والفلسفة، وهو مجلَّد يختصر كتاب زبدة الحكمة، وضعه المؤلِّف قبل سنة 1276 وبقيَتْ منه ستّ نسخ أقدمها خُطَّت في 20 من أيّار سنة 1276(17). قيل إنَّ هذا الكتاب نُقل من العربيَّة إلى السريانيَّة، والأمر يحتاج إلى دليل(18). ونشير هنا إلى أنَّ ابن العبريّ نقل من العربيَّة إلى السريانيَّة كتاب الإشارات والتنبيهات في المنطق والفلسفة وما وراء الطبيعة لابن سينا إجابة إلى رغبة القسّ شمعون آل توما الشرقيّ، رئيس أطبّاء الملك هولاكو(19)، كما نقل كتاب زبدة الأسرار في الفلسفة لأثير الدين الأبهريّ المتوفّى سنة 1264، ولكنَّ هذا الكتاب مفقود.

 

د) زبدة الحكمة (حاوت حكمي)

 

أهمُّ كتاب فلسفيّ تركه لنا ابن العبريّ هو زبدة الحكمة، يقع في مجلَّدين من 951 صفحة ولا يزال مخطوطًا. للمجلَّد الأوَّل نسختان قديمتان، الأولى في فلورنسا (عدد 186)، تعود إلى سنة 1340 وقد خطَّها القسّ الراهب نجم، والثانية في أوكسفورد (هونت 1)، خطَّها الراهب القسّ يوسف الكرجيّ سنة 1498، وأربع نسخ حديثة في كندناط (بلاط الملابار) وحلب ودير السيِّدة (خطَّت سنة 1818) وبرمنغام. وللمجلَّد الثاني نسختان قديمتان الأولى خُطَّت على عهد المؤلِّف وقد نُقلت في أواخر سنة 1285 وأوائل سنة 1286 وهي موجودة في الخزانة البطريركيَّة للسريان الأرثوذكس، والثانية موجودة في خزانة آمد الكلدانيَّة، ونسختان حديثتان، الواحدة في الخزانة البطريركيَّة وأخرى في برمنغام.

 

يتطرَّق المجلَّد الأوَّل إلى العلم المنطقيّ الفلسفيّ وفيه تسعة كتب: الأوَّل إيساغوجي أو المدخل؛ الثاني كتاب المقولات العشر كالجوهر والعرض؛ الثالث كتاب بريرمنياس أي العبارة؛ الرابع الأنالوطيقي الأوَّل وهو تحليل القياس؛ الخامس الأنالوطيقيّ الآخر أي البرهان؛ السادس كتاب طوبيقي أو ديالقطيقي وهو الجدل؛ السابع السوفسطيقي أي المغالطة أو الحكمة المموَّهة؛ الثامن ريطوريقي أي الخطابة؛ التاسع فوايطيقي أي الشعر.

 

في هذا المجلَّد الذي يقع في 365 صفحة اتَّبع ابن العبريّ طريقة أرسطو في طرح المواضيع، وقال في خاتمته: »هذا كلُّ ما وقفنا عليه من تعليم أستاذنا الفيلسوف الكبير أرسطاطوليس في كتاب الشعر، ويُخال لي أنَّ جزءًا غير يسير فضل منه، إمّا لم يُنقَل من اليونانيَّة أو السريانيَّة أو العربيَّة، أو نُقل ولم يصل إلينا. وإذا شاء الله وكان في الأجل نسخة فإنَّنا ننوي وضع كتاب كافٍ في هذا الفنّ، نستقصي فيه من الأقيسة ما وافق هذه اللغة وحسُنَ فيها وقعه وتتَّفق ألفاظه وتحمل معانيه التي تصادف قابليَّة طبيعيَّة للتخيُّل، كاجتماع الأضداد والمجانسة والاستعارة والمضادَّة والتتابع والمقايسة والمساواة والدلالة والتحقُّق وغير ذلك«(20).

 

أمّا المجلَّد الثاني فهو يتطرَّق إلى الطبيعيّات وفيه جزءان. في الجزء الأوَّل ثمانية كتب: الأوَّل كتاب السماع الطبيعيّ ويُعرف بسمع الكيان، يتضمَّن خمسة أبواب وفيه تعريف بالأمور العامَّة لجميع الطبيعيّات (أو الفيزياء) مثل المادَّة والصورة والحركة الطبيعيَّة والأسباب والنهاية وغير النهاية وتعلُّق الحركات والنهاية إلى محرِّك أوَّل واحد غير متحرِّك وغير متناهي القوَّة لا جسم له ولا هو في جسم؛ الثاني كتاب السماء والعالم، يتضمَّن خمسة أبواب وفيه تعريف بأحوال الأجسام، بالعناصر الأربعة وحركاتها ومواضعها، وبالحكمة في صيغتها وتفصيلها؛ الثالث كتاب الكون والفساد، فيه أربعة أبواب يشرح فيها حال الكون والفساد والتوالد والنشوء والاستحالات، ويبيِّن عدد الأجساد القابلة لهذه الأحوال؛ الرابع كتاب المعادن، فيه يذكر حال الكائنات الجماديَّة وما في المعادن والجبال والينابيع وحركة الأرض ووضع المسكونة؛ الخامس كتاب الآثار العلويَّة ويُسمَّى مترولوجيا، يتضمَّن أربعة أبواب وفيها يتكلَّم على الأحوال التي تعرض في العناصر الأربعة وتأثير السماوات والشهب والغيوم والصواعق والرياح والزلازل والبحار والجبال؛ السادس كتاب النبات، في أربعة أبواب، يبحث عن الكائنات النامية؛ السابع كتاب الحيوان، بأبوابه الستَّة، وفيه يعرف طبائع الحيوان وحال الكائنات الحيوانيَّة؛ الثامن كتاب النفس، في أربعة أبواب وهو يشتمل على معرفة النفس والقوى الداركة والمحرّكة التي في الحيوان وخصوصًا في الإنسان.

 

ويبقى الجزء الثاني من المجلَّد الأوَّل الذي يتضمَّن خمسة كتب: الفلسفة، العلم الإلهيّ ويسمّى أيضًا ما بعد الطبيعة وهو القسم النظريّ، والإيثيقيون، أي كتاب الأخلاق أو الحكمة الخلقيَّة وهو القسم العلميّ، تدبير الذات والمنزل، سياسة المدن(21).

 

  1. الآثار اللاهوتيَّة

 

كان ابن العبريّ أسقفًا ورئيس أساقفة، وكان أوَّل همومه تثقيف كهنته ورهبانه ليعلِّموا بدورهم الشعب المؤمن. لهذا صرف معظم وقته في تدبيج الكتب اللاهوتيَّة، فتطرَّق إلى الكتاب المقدَّس، وإلى ما نسمِّيه اللاهوت النظريّ أو التعليم في العقيدة، وإلى ما نسمِّيه اللاهوت الأدبيّ أي التعليم في الأخلاق والمسلك المسيحيّ والنسكيّات.

 

أ) مخزن الأسرار (أوصر روزي)

 

مخزن الأسرار مجلَّد ضخم فسَّر فيه ابن العبريّ أسفار العهدين القديم والجديد وفرغ من تدوينه سنة 1278(22). هذا المصنَّف لم يزل مخطوطًا، نَشر منه المستشرقان سبرنكلن وغراهام المجلَّد الأوَّل الذي يبدأ بسفر التكوين وينتهي بسفر صموئيل الثاني فجاء في 363 صفحة بحجم كبير(23). ولقد طبع كذلك كيتش وبرنستين المقدِّمة وبعض الشروح لمقاطع من سفر أيّوب في مختارات سريانيَّة(24)، وكان قد سبقهما العلاّمة يوسف شمعون السمعانيّ فنشر مقتطفات ونقلها إلى اللاتينيَّة(25). ثمَّ إنَّ الطلاّب الجامعيّين الألمان درسوا مخزن الأسرار، ونقلوا بعض أجزائه إلى اللاتينيَّة أو إلى الألمانيَّة بشكل أطروحة دكتورا. ونذكر على سبيل المثال أنَّ لارساو عُني في ليبزيغ بشرح الفصلين الأوَّلين من سفر التكوين، وأنَّ كلامروث اهتمَّ بأعمال الرسل والرسائل الكاثوليكيَّة، وأنَّ شوارتز درس إنجيل يوحنّا، وسبانوث إنجيل متّى(26).

 

هذا الكتاب الذي سخَّر له علمه بأسره تناول أسفار العهد القديم كلِّه، القانونيَّة الأولى والقانونيَّة الثانية(27)، وأسفار العهد الجديد، ولم يستثنِ منها إلاَّ سفر الرؤيا لأنَّ التقليد السريانيّ لم يجعله في رتبة سائر الكتاب القانونيَّة.

 

في هذا الكتاب الذي تعدَّدت نسخاته المخطوطة فأنافت على العشرين(28)، عاد ابن العبريّ إلى السبعينيَّة والبسيطة وأفاد من الحرقليَّة والهكسبلة(29) واستشهد بالأرمنيَّة والقبطيَّة ليضبط النصَّ الذي يفسِّر، فشرح الآيات مستندًا إلى تفاسير الأقدمين أمثال أوريجان المصريّ وأوسيب القيصريّ، وأثناز الإسكندرانيّ وأفرام السريانيّ وغريغوار النازينزيّ وفيلوكسين المنبجيّ وسويريوس الأنطاكيّ وغيرهم. غير أنَّه لم يقرأ مباشرة هذه النصوص بل وجدها في شُرّاح السريان السابقين. وهنا نشير إلى أنَّ ابن العبريّ يقف على مفترق طريقين: الطريق النسطوريَّة من تيودور بركوني وإسكوليّاته(30) التي جمعها في نهاية القرن الثامن، إلى المسائل المختارة لإيشوع برنون (+828) إلى إيشوعداد المروزيّ وحنانيشوع برسروشويه، إلى الشرح المجهول الاسم، إلى جنَّة الأطياب (أو: جنّة النعيم)، والطريق السريانيَّة ابتداءً من تيودور المبسوسطيّ وفيلوكسين المنبجيّ (+523) إلى يعقوب الرهاويّ (+708) وموسى بركيفا وديونيسيوس الصليبيّ.

 

شرح ابن العبريّ الكتاب المقدَّس شرحًا لفظيٌّا ولغويٌّا، وهذا ما نسمِّيه المعنى الحرفيّ، وشرحه شرحًا روحيٌّا ورمزيٌّا فاكتشف في نصوصه المعنى النهائيّ للكتاب وهو يسوع المسيح وكنيسته.

 

ب) منارة الأقداس

 

منارة الأقداس موسوعة كبيرة تحتوي عرضًا شاملاً للتعاليم الأرثوذكسيَّة، وسيوجزها ابن العبريّ في كتاب الأشعَّة(31). أمّا نحن فنتحدَّث عن منارة الأقداس.

 

هذا الكتاب الذي ذكره السمعانيّ في حديثه عن المكتبة الشرقيَّة الفاتيكانيَّة وصل إلينا في مخطوطات عدَّة توزَّعت بين الشرق والغرب. الأوَّل مخطوط الفاتيكان (عدد 168) يعود إلى القرن الرابع عشر وهو أفضل المخطوطات التي نَقلت إلينا منارة الأقداس لكتابته الواضحة ونصِّه الصحيح الذي لا تشويه فيه. الثاني مخطوط برلين (رقم 190) الذي دوَّنته يدان مختلفتان واحدة سنة 1430، وأخرى سنة 1693، فجاء قريبًا من مخطوط الفاتيكان. ودُوِّن مخطوط فلورنسا في عمودين (سنة 1387) بخطٍّ جميل مع بعض الكلمات المشطوبة والتصحيحات. ويعود مخطوط كمبريدج بإنكلترا إلى القرن الخامس عشر وهو يرتبط بمخطوط فلورنسا، والأخطاء مشتركة ما بينهما. والخامس مخطوط باريس (رقم 210) يعود إلى سنة 1404، كُتب بخطٍّ كبير واضح. تشوَّهت بعضُ كلماته فحاول أحد النسّاخ تصحيحها في ما بعد (سنة 1587). يرتبط مخطوط باريس في بعض عناصره بالفئة الأولى الممثَّلة بمخطوط الفاتيكان ومخطوط برلين، وفي بعضها الآخر بالفئة الثانية الممثَّلة بمخطوط فلورنسا وكمبريدج. ويجدر القول إنَّه منه انطلقت الترجمات العربيَّة لمنارة الأقداس في القرنين السابع عشر والثامن عشر.

 

هذا في الغرب، أمّا في الشرق فهناك مخطوط دير القدّيس مرقس بأورشليم القدس الذي دُوِّن سنة 1590 فجاء ببعض موادِّه قريبًا من مخطوطي الفئة الأولى، ومخطوط مطرانيَّة السريان الأرثوذكس في بيروت الذي يعود إلى القرن الرابع عشر ومخطوط الحسَكة في الجزيرة الذي يعود إلى سنة 1405.

 

نقل كتابَ منارة الأقداس إلى العربيَّة الشمّاس سرجين ابن الأسقف يوحنّا بن غرير الدمشقيّ وتوزَّعت نسخاته على المكتبة الوطنيَّة بباريس (سنة 1656) والمكتبة البودليّة في أوكسفورد (سنة 1656) ومكتبات لندن وكمبريدج، والشرفة والشرقيَّة في لبنان.

 

تتألَّف منارة الأقداس من اثني عشر ركنًا أو بابًا، وكلُّ باب يتضمَّن فصولاً وأقسامًا.

 

الباب الأوَّل: العلم بوجه العموم وفيه فصلان، يتطرَّق الفصل الأوَّل إلى إمكانيَّة اقتناء العلم، والفصل الثاني إلى المنطق. بعد مقدِّمة دوَّنها ابن العبريّ فأبان فيها أنَّ عصره يستخفُّ بالإيمان الحقِّ والعلم الحقّ، يعلن هو أنَّ هذا ما دفعه إلى جمع تعاليم الفلسفة والعلوم والطبيعة في موسوعة ونقدها وتمحيصها بطريقة فلسفيَّة. أمّا هدف الباب الأوَّل فهو القول بأنَّ قمَّة الكمال هي عند الإنسان، الكائن العاقل الباحث عن العلم الذي نقتنيه عن طريق الحواسّ والعقل. ويورد ابن العبريّ الشواهد المأخوذة من الكتاب المقدَّس والآباء المعلِّمين من يونان وسريان. وبعد أن يرسم صورة عن الإنسان المثاليّ يرُدُّ على أعداء الحكمة وعلى الرافضين حقيقة العلم بواسطة الحواسّ والعقل(32).

 

ويصف الكاتبُ في الباب الثاني العالمَ كما خُلق في ستَّة أيّام. عاد ابن العبريّ إلى الأدب السريانيّ من خلال تعليم موسى بركيفا عن الستَّة أيّام فاستقى المادَّة اللاهوتيَّة. واستند إلى الفكر اليونانيّ فقرأ أرسطو عند السريان والعرب، ولم ينسَ كتبًا مثل تاريخ الهند للبيرونيّ، ومروج الذهب ومعادن الجوهر للمسعوديّ، وتقويم البلدان لأبي الفداء. في الفصل الأوَّل يعالج قضيَّة العالم الأزليّ ويعتبر أنَّه مرتبط بالزمن، وفي الفصل الثاني يتطرَّق إلى زوال العالم، وفي الفصل الثالث يعدِّد الخلائق التي كوَّنها الله(33).

 

الباب الثالث يتحدَّث عن اللاهوت: تأكيد وجود الخالق، واجب الوجود والمعبود في كيانه، الله الأزليّ الدائم، الله الخالق الذي لا جسم له مع أنَّنا نقول عنه إنَّه يَسمع ويَرى. الخالق يعرف ذاته وكلَّ الخلائق، هو لا يُرَى بعين الجسد، وهو الخفيّ الذي لا يُدرك. ويُعلن ابن العبريّ أنَّ الله واحد وأنَّه مثلَّث الأقانيم في طبيعة واحدة. وهذا يعني أنَّ الابن والروح القدس ليسا مخلوقين كما يقول أتباع آريوس ومقدونيوس، بل مساويان للآب في الجوهر(34).

 

ويتطرَّق ابن العبريّ في الباب الرابع إلى سرِّ التجسُّد وإمكانيَّة حدوثه فيعود إلى المحصول في الفقه لفخر الدين الرازيّ ليدافع عن عقيدته من الوجهة العقليَّة. ويورد النبوءات والمعجزات التي تسند عقيدة التجسُّد(35). وفي الباب الخامس يبرهن عن وجود الملائكة وعن عددهم وخلقهم وطبيعتهم ودورهم في مخطَّط الله، فيستند إلى ديونيسيوس المنتحَل الذي يُعتبر حجَّةً عند اليعاقبة ويوحنّا الدمشقيّ في كتابه الإيمان الأرثوذكسيّ وموسى بركيفا في كتابيه خلق الملائكة والرتب الملائكيَّة اللذين ضاعا في السريانيَّة ووُجدا في العربيَّة في مكتبة كمبريدج. ويستفيد ابن العبريّ أيضًا من الفلاسفة العرب ولاسيَّما الفارابي وابن سينا(36).

 

بعد الباب السادس الذي يتحدَّث عن الكهنوت(37) يعود ابن العبريّ في الباب السابع إلى كائنات روحيَّة أخرى هم الأرواح الشرّيرة: وجودهم وطبيعتهم. يورد الكاتب آراء المانويّين الذين يعتبرون الشرَّ كائنًا يواجه إله الخير، وأولئك القائلين بعدم وجود الشياطين فيردَّ عليهم راجعًا إلى البراهين العقليَّة وتلك المأخوذة من الكتب المقدَّسة(38). موضوع الباب الثامن، النفس العاقلة(39) والباب التاسع، الحرِّيَّة والإرادة. هنا يتحدَّث الكاتب عن الخير والشرّ، عن العناية الإلهيَّة والإرادة الإلهيَّة، عن حرِّيَّة الإنسان ونهاية حياته(40). موضوع الباب العاشر، إحياء الموتى أو قيامة الأجساد(41). في هذا الباب ثلاثة فصول، الفصل الأوَّل: عودة الفاني إلى الوجود والأمر ممكن رغم معارضة المعارضين؛ الفصل الثاني: القيامة أو تجديد الأجساد البشريَّة التي تقوم حقٌّا يوم القيامة. قال الكتاب: »أنا المميت وأنا المحيي«(42)، وقال أيضًا: »ها أنت تصنع للأموات عجائب فيقوم الجبابرة ويمدحونك والذين في القبور يحدِّثون بنعمتك«(43)، وقال أيضًا: »أمواتك يحيون وجثثهم تقوم«(44). ويورد مقال الصادوقيّين الذين يُنكرون قيامة الموتى ويردُّ عليهم. وفي الفصل الثالث يتطرَّق الكتاب إلى المسألة التالية: كيف تكون الأجساد عندما تقوم؟

 

في الباب الحادي عشر وعنوانه النهاية والدينونة ومجازاة الأخيار والأشرار(45)، يتوقَّف ابن العبريّ عند علامات نهاية الأزمنة، عند سعادة الأخيار وشقاء الأشرار، عند ارتباط الإيمان بالأعمال والمجازاة في العالم الآخر. والباب الثاني عشر عنوانه: فردوس عدن والنظريّات المتعلِّقة بحالة السعادة(46). الفردوس أين يوجد وكيف تكون الحياة فيه؟ ماذا نعني بشجرة الحياة، وشجرة معرفة الخير والشرّ والحيَّة التي أغوت بيت آدم؟

 

  1. في اللاهوت الأدبيّ

 

نتوقَّف في هذا المجال عند ثلاثة كتب تجمع بين القوانين والأخلاق والنسكيّات. وهذه الكتب هي: النوموكانون أو كتاب التوجيهات (كتوبو درمزي)، الإيثيقون أو علم الأخلاق، الحمامة (كتوبو ديونو) وهو مختصر في ترويض النسّاك.

 

أ) النوموكانون

 

النوموكانون أو مجموعة القوانين اسمه في السريانيَّة كتوبو دهودويي أو كتاب الهدايات في الشرع الدينيّ والمدنيّ. نشره في السريانيَّة(47) الأب بول بيجان اللعازريّ سنة 1898 ونقله إلى العربيَّة دانيال بن الخطّاب (+ 1382) تحت عنوان القوانين البيعيَّة كما نقله يوحنّا بن غرير (نهاية القرن السادس عشر) وأسماه الهدايات، وفيلوكسين يوحنّا الدولبانيّ سنة 1929 وأسماه الهدى أو الهدايات، ولكن هذه الترجمات لا تزال مخطوطة. يقع كتاب الهدايات هذا في أربعين فصلاً نورد بعضًا منها: العماد، الميرون، القربان، الأصوام والأعياد، الجنائز، الدرجات والرتب الكهنوتيَّة، الأملاك والزواج، الوصايا، الوراثة، البيع والشراء…

 

يَرجع ابن العبريّ في كتابته إلى تعليم أداي ومجامع أنقره ونيوقيساريَّة ونيقية وأنطاكية واللاذقيَّة وقسطنطينيَّة وسليق وخلقيدونيا، ويستفيد ممّا كتبه الآباء الأقدمون: إقليميس، ديونيسيوس الأثينيّ، وفيلوكسين ويوحنّا التلّي وسويريوس الأنطاكيّ ويعقوب الرهاويّ. كما نقل قوانينَ وجدَها عند البطاركة السريان أمثال جرجس الأوَّل (758-790) وقرياقس (793-817) وديونيسيوس الأوَّل التلمحريّ (818-845) وميخائيل الأوَّل الكبير (1166-1199) وغيرهم.

 

ب) الإيثيقون

 

الإيثيوقون أو علم الأخلاق لحسن السلوك في الدين والدنيا. أتمَّ ابن العبريّ تأليفه بمراغة في 15 تمّوز 1279 ونشره بول بيجان(48) ونقله إلى العربيَّة داود الحمصيّ ويوحنّا بن غرير. وهاتان الترجمتان لا تزالان مخطوطتين، ونقله أيضًا المطران بولس بهنام ونشره في مجلَّة المشرق الموصليَة قبل أن ينشره على حدة في القامشلي سنة 1967.

 

يُقسَم الكتابُ إلى أربعة أبواب، الباب الأوَّل: تنظيم الحركات التي تساهم في تهذيب الجسد وقمعه (الصلاة، السهر، الطقوس، الألحان، الأصوام، العزلة، الحجّ إلى أورشليم)؛ الباب الثاني: أعمال الجسد من أكل وشرب وزواج شرعيّ وطهارة جسديَّة وواجبات الحال والأشغال اليدويَّة والصدقة؛ الباب الثالث: الأهواء المنحرفة وكيفيَّة التخلُّص منها: تهذيب النفس، الشراهة، العهارة، خطايا اللسان…؛ الباب الرابع: تزيين النفس بأنواع الفضائل: كيف نكتسب فضائل العلم والإيمان والصبر…

 

الباب الأوَّل والثاني يتوجَّهان إلى جميع المسيحيّين، أمّا الثالث والرابع فإلى طلاّب معرفة الله عن طريق النسك والتوحُّد.

 

تأثَّر ابن العبريّ في كتاب الإيثيقون هذا بإسحق النينويّ ويوحنّا الدلياتيّ ويوحنّا رئيس الدير أو يوحنّا السلَّميّ وبالأخصّ بالأنبا أواغريس الذي يمثِّل الحركة الأوريجانيَّة المتطرِّفة، كما تأثَّر بالمواضيع التي طرقها الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين.

 

ج) كتاب الحمامة

 

آخر ما ألَّفه ابن العبريّ كتاب الحمامة (كتوبو ديونو) وهو مختصر في ترويض النسك. أنشأه باقتراح بعض عشّاق النسك وأسماه الحمامة رمزًا إلى الروح القدس الذي يعمل في قلوب الكاملين. نشره الأب بول بيجان في باريس وليبزيغ بعد كتاب الإيثيقون(49)، والأب قرداحي في رومه سنة 1898، ويوحنّا دولبانيّ في دير الزعفران سنة 1916، والمطران شيشق في هولنده سنة 1983. نُقل إلى العربيَّة سنة 1299 وسُمِّي كتاب الورقاء في علم الارتقاء، ونقله أيضًا الخوري يوحنّا بن غرير الزربابيّ الشاميّ في منتصف القرن السابع عشر. ثمَّ نقله الأب يوسف حبيقه ونشره في مجلَّة المشرق البيروتيَّة(50)، ونشر البطريرك زكّا عيواص النصَّ السريانيّ مع ترجمته العربيَّة في بغداد(51).

 

يُقسَم كتابُ الحمامة إلى أربعة أبواب، الباب الأوَّل: التمارين الجسديَّة الواجب القيام بها في الدير؛ الباب الثاني: العمل الروحيّ في القلاّية؛ الباب الثالث: في الراحة الروحيَّة التي تغمر النفس وكأنَّها تغطِّيها بالسحاب حيث يسكن الربّ؛ الباب الرابع: قسم شخصيّ يتحدَّث فيه المؤلِّف عن كيفيَّة عودته إلى الخير والصلاح بقراءة كتابات أواغريس والنسّاك الآخرين. وفيه يشبه ابنُ العبريّ الغزاليّ في كتابه المنتقذ من الضلال. ويضيف الكاتب إلى القسم الرابع مئة حكمة عبَّر فيها بطريقة مكثَّفة عن اختباراته الروحيَّة السامية.

 

  1. المصنَّفات التاريخيَّة

 

يضيق بنا المقام إن نحن توقَّفنا عند مصنَّفات ابن العبريّ النحويَّة – وقد وضع في هذا المجال كتاب الأضواء وكتاب الغراماطيق – أو عند مصنَّفاته الشعريَّة التي تدور حول الوصف والحكَم والإخوانيّات. ولذا ننتقل حالاً إلى المصنَّفات التاريخيَّة التي هي أهمُّ آثار ابن العبريّ وأدعاها لتقدير علماء العصر. نتحدَّث عن تاريخ الزمان، والتاريخ الكنسيّ، وتاريخ مختصر الدول.

 

ترك لنا ابن العبريّ في السريانيَّة مؤلَّفًا واحدًا فسيحًا هو التاريخ (مكتبنوت زبني). يُقسم إلى قسمين الواحد دينيّ والآخر مدنيّ. إلاَّ أنَّه فُصل بينهما في الطبعات الحديثة فكان منهما كتابان مستقلاّن: التاريخ السريانيّ أو تاريخ الزمان والتاريخ الكنسيّ. وأخذ الكاتب بالأسلوب المتَّبع في عصره، والذي كان يقضي بأن تُجمع في عهد الملك الزمنيّ أو الرئيس الدينيّ، أشهر الأحداث والمعلومات المتنوِّعة، حتّى الأخبار والنوادر. وإليك على سبيل المثال ما حدث في أيّام الخليفة العبّاسي الناصر بن المستضيء الذي بدأت خلافته سنة 1180 وانتهت سنة 1225. لما بُويع بالخلافة قبض على الوزير ابن العطّار وزجَّه في السجن… وفي سنة 1181 زحف صلاح الدين ليناوش السلطان قلبح… الذي كان يسيء معاملة زوجته… وفي تلك الغضون سرَّح البرنس صاحب أنطاكية امرأته اليونانيَّة الشرعيَّة واتَّخذ امرأة زانية… وفي تلك السنة مات سيف الدين… صاحب الموصل… وفي السنة 1181 مرض الملك الصالح إسماعيل صاحب حلب…(52).

 

أ-تاريخ مختصر الدول

 

امتدَّت كتابة التاريخ العام حتّى سنة 1285، ولكنَّه كان في السريانيَّة فرغب إليه بعض أصدقائه من وجهاء العرب في مراغة أن ينقل إلى العربيَّة تاريخه السريانيّ فلبّى الطلب وأقبل على العمل فأتمَّه إلاَّ بعض صفحات منه في نحو شهر، بإنشاء على جانب من التهذيب والوضوح متوخِّيًا فيه الاختصار. إلاَّ أنَّه ضمَّنه أمورًا كثيرة لا تُوجَد في المطوَّل السريانيّ ولاسيَّما في ما يتعلَّق بدولتَي الإسلام والمغول، وتراجم العلماء والأطبّاء خاصَّة. وهكذا كان لنا من يد ابن العبريّ بالذات تاريخ مختصر الدول(53).

 

يذكر ناشر الكتاب الأب صالحانيّ في مقدِّمة الطبعة الأولى أنَّ هذا التاريخ طُبع لأوَّل مرَّة سنة 1663 في مدينة أوكسفورد بالعربيَّة واللاتينيَّة بمراجعة العلاّمة بولوك(54)، ونُقل إلى الألمانيَّة سنة 1783 على يد العلاّمة باور. »ولمّا عزَّ الآن وجود الطبعة الأولى، يقول الأب صالحانيّ، استفزَّتنا محبَّة هذه البلاد إلى إعادة طبع هذا التاريخ«. قابل المخطوطات بعضها ببعض فتسنّى له أن يكمِّل ما كان من النقص في النسخة المطبوعة في أكسفورد.

 

وندخل في بداية كتاب تاريخ مختصر الدول منطلقين ممّا قاله ابن العبريّ: »وبعد فهذا مختصرٌ في الدول قصدت في اختصاره الاقتصار على بعض ما أُوتي في ذكره اقتصاص إحدى فائدتي الترغيب والترهيب من أمور الحكّام والحكماء خيرها وشرّها على سبيل الالتقاط من الكتب الموضوعة في هذا الفنّ بلغات مختلفة سريانيَّة وعربيَّة وغيرها مبتدئًا من أوَّل الخليقة ومنتهيًا إلى زماننا. وهو مرتَّب على عشر دول داولها الله تعالى بين الأمم فتداولها تداولاً بعد تداولب55. ويبدأ الكاتب من دولة الأولياء، من آدم إلى قضاة بني إسرائيل وملوكهم إلى الكلدانيّين واليونان والعرب المسلمين حتّى يصل إلى ملوك المغول.

 

ب- التاريخ الكنسيّ

 

وقبل أن نرجع إلى تاريخ الزمان، نقول كلمة في التاريخ الكنسيّ الذي نشره أبيلوس ولامي في لوفان(56)، ونقلاه إلى اللغة اللاتينيَّة. كما نقل القسّ إسحق أجزاء منه إلى اللغة العربيَّة في المشرق البيروتيَّة(57).

 

يتطرَّق التاريخ الكنسيّ إلى التاريخ الدينيّ والكنسيّ في الشرق وهو يُقسم إلى قسمين: يبدأ القسم الأوَّل بذكر أحبار العهد القديم منذ هارون ويواصل سلسلة بطاركة أنطاكية المونوفيسيّين (أي السريان أصحاب الطبيعة الواحدة) منذ سويريوس الأنطاكيّ أي منذ سنة 512. في هذا القسم يرتبط ابن العبريّ بميخائيل السريانيّ الكبير ويكاد ينقل تاريخه نقلاً حرفيٌّا. أمّا القسم الثاني من التاريخ الكنسيّ فيتطرَّق إلى الكنيسة السريانيَّة الشرقيَّة منذ بداية النسطوريَّة في القرن الرابع الميلاديّ فيورد سلسلة الجثالقة والبطاركة النساطرة المقيمين في ساليق وقطيسفون وسلسلة المفارنة المونوفيسيّين المقيمين في تكريت. هذا القسم الثاني هو مصدر مهمّ جدٌّا لمعرفة تاريخ الكنيسة السريانيَّة في الشرق. وكما عاد ابن العبريّ في القسم الأوَّل إلى البطريرك ميخائيل السريانيّ، عاد في القسم الثاني إلى ماري بن سليمان (القرن الثاني عشر) في كتابه المجدل الذي وضعه بالعربيَّة.

 

نشير هنا إلى أنَّ ابن العبريّ واصل هذا التاريخ إلى سنة 1285، ثمَّ جاء أخوه المفريان برصوم فأكمله إلى سنة 1288، وبعد ذلك واصل الكتابة فيه أدي السبيرينيّ حتّى سنة 1496.

 

ج- تاريخ الزمان

 

هذا الكتاب لقي اهتمام المؤرِّخين منذ القرن الثامن عشر فنشروا منه مقاطع عديدة ونقلوها إلى اللغات اللاتينيَّة والفرنسيَّة والإنكليزيَّة والألمانيَّة(58). ثمَّ نُشر كاملاً على يد الأب بول بيجان(59) ونقله إلى الإنكليزيَّة العلاّمة واليس(60) وإلى العربيَّة القس إسحق أرملة(61).

 

يبدأ تاريخ الزمان أو التاريخ المدنيّ بعهد آدم ملك الأرض كلِّها. وينقلنا ابن العبريّ إلى عهد الآباء، نوح وإبراهيم وإسحق ويعقوب، ثمَّ إلى القضاة مثل جدعون ويفتاح وشمشون فيصل بنا إلى عهد داود الملك وخلفائه. بعد هذا ننتقل إلى مملكة الكلدان فمملكة الفرس الأولى أي الأخيمينيّين فإلى عهد الإسكندر فالبطالسة حتّى كليوبترا، فإلى عهد أوغسطس. ومنذ عهد الهجرة يحتلُّ الخلفاء المسلمون محلَّ الأباطرة البيزنطيّين بانتظار أن يُفسحوا المجالَ لملوك المغول والتتر الذين عاش ابن العبريّ في أيّامهم.

 

ونستفيد من المقدِّمة التي دوَّنها الأب فيّيه في بداية تاريخ الزمان فنقول كلمة في ابن العبريّ المؤرِّخ. فهو على غرار ما نجده عند المؤرِّخين العرب كابن العميد في المجموع المبارك والتاريخ لابن الأثير وتاريخ الأمم والملوك لأبي جعفر الطبريّ، يورد ما حفظه من أعمال سابقيه ثمَّ يضيف معلومات تتناول الحقبة المعاصرة له. لم يكن ابن العبريّ أوَّل من كتب في التاريخ بين السريان. فقد سبقه بطريرك أنطاكية ميخائيل الأوَّل الملقَّب بالسريانيّ الكبير الذي وصل بتاريخه إلى سنة 1196، والرهاويّ المجهول الذي كتب حتّى سنة 1234؛ هذا فضلاً عن الذين يذكرهم البطريرك ميخائيل وهم يوحنّا الأفسسيّ ويعقوب الرهاويّ وديونيسيوس التلمحريّ وديونيسيوس الصليبيّ وغيرهم. يبدو أنَّ ابن العبريّ لم يستفد كثيرًا من الرهاويّ المجهول، ولكنَّه أكمل تاريخ ميخائيل السريانيّ حتّى سنة 1285(62).

 

لم يعش ابن العبريّ في عزلة بعيدًا عن الملوك والأمراء. فأبوه كان طبيبًا لأحد قادة المغول، ولمّا صار صاحب المقام الأعلى لكنيسته في المملكة المغوليَّة اعترف المغول بسلطته وأعطوه وثيقة بذلك، وبفضل هذه الوثيقة شارك في احتفالات البلاط الرسميَّة وبالأخصّ في تنصيب الخان أحمد تكودار. ثمَّ إنَّه خلال إقامته في مراغة، إحدى عواصم المغول، استفاد من مكتبتها ووثائقها فدوَّن تاريخ حقبة هامَّة. ولم يكمِّل أحد تاريخ المغول بعده حتّى قام بتلك المهمَّة المؤرِّخ رشيد الدين الطبيب والسياسيّ الإيرانيّ المتوفّى سنة 1318.

 

الخاتمة

 

تحدَّثنا وأطلنا الحديث عن غريغوار أبي الفرج ابن العبريّ، والموضوع واسع. فهو المفكِّر الذي اكتنه الفلسفة اليونانيَّة فروى أخوه عن بعض المسلمين قولَهم: »كلَّما سمعوا المفريان غريغوار يشرح لهم قضيَّة يتصوَّرون أنَّهم يتلقَّون العلم مباشرة عن أرسطو نفسه«. وهو اللاهوتيّ الذي شبَّهه المستشرقون بالقدّيس ألبرتُس الكبير أو القدّيس توما الأكوينيّ ففاقهما بسعة معارفه وتشعُّبها. وهو المؤرِّخ الذي نقل تاريخ ميخائيل السريانيّ مضيفًا إليه تسعين سنة فأعطانا عن المغول خاصَّة فكرة صحيحة لم نكن لنصل إليها لو أنَّنا اكتفينا بالمؤرِّخين العرب.

 

قالوا فيه إنَّه كتب في كلِّ مطلَب وفنٍّ فنقصه الاختصاص الذي هو شرط أساسيّ في تقدُّم العلم الإنسانيّ. ولكنَّهم نسوا أنَّه المعلِّم لشعبه والراعي الذي يهمُّه تثقيف القطيع ثقافة تساعده على عيش إيمانه والردِّ على المعارضين لهذا الإيمان. من أجل ذلك عرض ابن العبريّ للمعارف التي تمثَّلها بسرعة ودقَّة، فأمكنه إخراجها بترتيب ووضوح في مختلف الميادين التي جال فيها نشاطه العجيب. هو الذي عاش في حقبة من القلاقل والاضطرابات تضاءلت فيها المعرفة وانحطَّت الدراسات العلميَّة. كان عليه واجب استخلاص كنز السريان الثمين وتنسيقه ونشره للأجيال المقبلة، فوُفِّق إلى ذلك واستحقَّ تكريم اللاحقين فسمُّوه: علم الهدى وكهف التقى وتاج الأمَّة وإمام الأئمَّة وأعجوبة من أجلِّ أعاجيب الدهر

 

(*) ظهر هذا المقال في المسرة 73 (1987) ص 51-72.

 

(1) يطلعنا ابن العبريّ على نواحٍ كثيرة من حياته. راجع تاريخه الكنسيّ، الجزء الثاني، ص 431؛ راجع أيضًا سيرته المنظومة ومقالة فيه للشمّاس بهنام حبوكني. مكتبة فلورنسا، عدد 208.

 

(2) F. NAU, Bar Hébraeus, in Dict. de Théologie Catholique IX, (Paris, 1932), col. 402; J. B. CHABOT, Littérature Syriaque, Paris, 1934, p. 131

 

بولس موترد، »ابن العبريّ« في دائرة المعارف (المجلّد الثالث). بيروت، لبنان، 1960، ص 352.

 

(3) رج اغناطيوس أفرام الأوَّل برصوم، كتاب اللؤلؤ المنثور في تاريخ العلوم والآداب السريانيَّة، طبعة أولى بحمص 1943، طبعة ثانية بحلب 1956، ص 511-512.

 

(4) راجع ديوان ابن العبريّ، دير مار مرقس، القدس، 1929، ص 71.

 

(5) الأب ألبير أبونا، أدب اللغة الآراميَّة، بيروت، 1970، ص 494.

 

(6) Bonn, 1922, p. 313. Geschichte der Syrischen Literatur, A. BAUMSTARK,

 

(7) راجع تاريخ الزمان لأبي الفرج جمال الدين ابن العبريّ، دار المشرق، بيروت، 1986، ص 313-316، نقرأ في ص 316: »وبعدما احتلَّ التتر المدينة (حلب) حينئذٍ فتحوا (السكّان) أبواب القلعة وانحدروا. وأمر ملك المغول فقُتلوا بأسرهم رجالاً ونساءً وبنات ورضعانًا ولم يفلت منهم إلاَّ رجل حدّاد أرمنيّ«.

 

(8) I. ZIADE, Eglise Syrienne, Dict. de Théologie Catholique, 14 (Paris, 1941), col. 3072-3073.

 

(9) J. S. ASSEMANI, Bibliotheca Orientalis, II (Rome, 1721), p. 254- ) (255.

 

(10) أسِف لموته السريان والنساطرة والأرمن وحتّى المسلمون أنفسهم. وأمر يبلاها جميع مسيحيّي مراغة أن يمتنعوا عن العمل يوم الجنازة ويلبسوا الحِداد على ركن النصرانيَّة هذا. رج ألبير أبونا، المرجع المذكور، ص 497.

 

(11) الأب لويس شيخو، »مقالة مختصرة في النفس البشريَّة لابن العبريّ«، المشرق، 1898، ص 745-749، 827-833، 934-938، 1084-1087، 1113-1120. وقد أوجز الأب بولس سباط هذه الرسالة في مجلَّة الشرق المسيحيّ. Revue de l’orient Chrétien, 22 (1920-1921) 197-198.

 

(12) بولس موترد، المرجع المذكور، دائرة المعارف، ص 354.

 

(13) رج ما كتبه فؤاد افرام البستانيّ بصددها في مجلَّة المشرق البيروتيَّة، 33 (1935)، ص 639-640.

 

(14) رج المجلَّة البطريركيَّة، 5 (1938)، ص 79-97، 113-137، 169-192، 225-243.

 

(15) نُقلت إلى الألمانيَّة , Leipzig, 1918.Buch der Pupillen K. STEYER, ونُشرت في شيكاغو ونُقل منها إلى الإنكليزيَّة المقدِّمة والفصول الثلاثة الأولى H. F JANSSENS,

 

“Bar Hebraeus Books of the Pupils of the Eye” in the American Journal of Semitic Languages and Literatures 47 (1930), p. 26-49; 94-134; 48 (1931), p. 209-263; 52 (1936), p. 1-21.

 

(16) رج المجلَّة البطريركيَّة، 7 (1940)، ص 224، ومجلَّة النجم الموصليَّة، 1 (1938)، ص 277. يظنُّ الأب فيّيه الدومينيكانيّ أنَّ ترجمة النصِّ الذي نشره برصوما يعود إلى القرن الرابع عشر. نُقل نصُّ حديث الحكمة إلى الفرنسيَّة بعنوان: L’entretien de H. F. JANSSENS Trad. franc. et comm., Liège-Paris, 1937.la sagesse

 

(17) مخطوط كمبريدج (عدد 2003). ونشير أيضًا إلى مخطوط فلورنسا (عدد 200) الذي يعود إلى القرن الرابع عشر، ومخطوط القدس (عدد 231) الذي خُطَّ سنة 1574.

 

(18) في مخطوط برمنغام (عدد 45) نقرأ في نسخة بخطِّ المطران إفريم القوبمي أنجزها عام 1575، أنَّ الكتاب نُقل من العربيَّة إلى السريانيَّة. رج اللؤلؤ المنثور، ص 420.

 

(19) هناك نسخة في خزانة فلورنسا نقلها يوحنّا بن باخوس في برطلة عام 1278، وأخرى في كندناط من بلاد الملابار في الهند بخطِّ الراهب القس توما الكليبينيّ سنة 1547، ونسخة باريس سنة 1633، والفاتيكانيَّة سنة 1654، ونسخة في بطريركيَّة السريان الأرثوذكس تعود إلى سنة 1907. صفحات هذا الكتاب 218 بالقطع الكبير والخطِّ الدقيق.

 

(20) رج اللؤلؤ المنثور، ص 417-418.

 

(21) فصول هذا المجلَّد 232، وصفحاته 586.

 

رج H. F. JANSSENS, “Crème de la science ou Science des Sciences”, le vrai titre d’un ouvrage de Bar Hebraeus, dans Le Muséon, 43 (1930), p. 365-372..

 

(22) يقول اغناطيوس برصوم في اللؤلؤ المنثور، ص 514 إنَّ ابن العبريّ دوَّن بخطِّ يده على مخطوط يبدو أنَّه الآن في لندن أنَّه أنهى تدوين مخزن الأسرار سنة 1278، ولكنَّه يفضِّل الرأي الذي يقول إنَّه انتهى من تدوينه في 15 كانون الأوَّل 1271. رج Anciennes littératures R. DUVAL,

 

, II, La Littérature syriaque, Paris, 1907, p. 69.Chrétienne

 

(23) M. SPRENGLING – W. C. GRAHAM, Barhebrei Scholia on the Old Testament, (Genesis-Sammel II), Chicago, 1931.

 

(24) G. KITSCH & G. H. BERNSTEIN, Barhebraeus in Horreum mysteriorum premium in Chrestomathia Syriaca, Leipzig, 1832, p. 143-145, Scholia in Jobum, ibid, p. 186-210; voir aussi N. P. WISEMAN, Horae Syriacae, Romae, 1828, où on lit la preface de “awsar razé”, le grenier des mystères.

 

(25) J. S. ASSEMANI, Bibliotheca Orientalis, vol. II, Rome, 1721, p. 274-284.

 

(26) كلُّ هذه المعلومات نجدها في:

 

  1. MOSS, Catalogue of Syriac printed Books and related Literature in the British Museum, London, 1962.

 

(27) القانونيَّة الأولى هي التي وصلتنا في اللغة العبريّة، والقانونيَّة الثانية هي التي وصلتنا في اللغة اليونانيَّة. فابن العبريّ شرح حتّى أسفار الحكمة والمكابيّين وهي من الأسفار القانونيَّة الثانية.

 

(28) خزانة فلورنسا عام 1275، مكتبة برلين خُطَّت سنة 1298، خزانة بطريركيَّة السريان الأرثوذكس في صدر القرن الرابع عشر.

 

(29) الترجمة السبعينيَّة هي أهمّ ترجمة يونانيَّة للعهد القديم، والبسيطة هي الترجمة السريانيَّة الأكثر شيوعًا عند السريان. الهكسبلة السريانيَّة نصُّ يستفيد من أبحاث أوريجان، والحرقليَّة نصٌّ سريانيّ للكتاب المقدَّس نقَّحه توما الحرقليّ في القرن السابع المسيحيّ.

 

(30) الإسكوليّات هي شروح مدرسيَّة

 

وعلى هذا ذهب بيترس إلى القول إنَّ ابن العبريّ كان نسطوريٌّا ثمَّ انتقل إلى مذهب السريان الأرثوذكس.

(31) يتألَّف كتاب الأشعَّة من عشرة أبواب: الخليقة، العلم اللاهوتيّ، التجسُّد، الملائكة، الأرواح الشرّيرة، النفس، الكهنوت، السلطة الذاتيَّة، نهاية العالم، الفردوس. هذا الكتاب ما زال مخطوطًا: المكتبة الفاتيكانيَّة (عدد 169) بخطِّ الراهب القسّ يشوع النجّار البليدري الحصكفي، وباريس (رقم 213) وقد خُطَّ سنة 1353، ولندن (عدد 1017) سنة 1364، ومكتبة دير الزعفران بخطِّ المفريان سليمان سنة ..1509. نشير هنا إلى أنَّ باب الفردوس قد نشر في مجموعة الباترولوجيّا الشرقيَّة، الجزء الأربعون، الكُتيِّب الثالث، الكرّاسة 184 (باريس 1981)، ص 461-503.

 

(32) Première base: Du savoir en general : JAN BAKOS, in Patrologia Orientalis (P.O), t. 22, fasc. 4, n. 110 (Paris, 1930), p. 509-541.

 

(33) Deuxième base: De la nature de l’univers: JAN BAKOS, id. p. 542-627, et P.O., t. 24, fasc. 3, n. 188, Paris, 1933.

 

(34) Troisième base: De la Théologie: FRANCOIS GRAFFIN, P.O., t. 27, fasc. 4, n. 133, Paris, 1957.

 

(35) Quatrième base: De l’incarnation: JOSEPH KHOURY, P.O., t. 31, fasc. 1, n. 148, Paris, 1965.

 

(36) Cinquième base: Des anges: ANTOINE TORBEY, P.O., t. 30, fasc, 4, n. 146, Paris, 1962

 

(37) Sixième base : Du sacerdoce : RADBERT KOHLHASS, Jakobitische Sakramententheologie im 13, Jahrhundert. Der Liturgiekommentar des Grégorius Barhebraeus (Liturgiewissenschaftliche Quellen und Forschungen Heft 36), Munster, 1959.

 

(38) Septième base: Des démons : MICHELINE ALBERT, P.O., t. 30, fasc. 2, n. 144, Paris, 1961.

 

(39) Huitième base: De l’âme raisonnable: JAN BAKOS, Psychologie de Grégoire Aboulfaradj dit Barhebraeus d’après la huitième base de l’ouvrage le Candélabre du Sanctuaire, Leiden, 1948.

 

(40) Neuvième base: Du libre-arbitre: PAUL-HUBERT POIRIER, P.O., t. 43, fasc. 2, n. 194, Paris, 1985.

 

(41) Dixième base: De la resurrection: ELISE ZIGMEUD-CERBÜ, P.O., Fasc 2, n. 164, Paris, 1969.

 

(42) تث 22: 39.

 

(43) مز 88: 10-11.

 

(44) إش 26: 19؛ رج أيضًا دا 12: 13؛ يو 5: 21؛ أع 22: 6؛ 2 كو 4: 1-11.

 

(45) Onzième base: Du jugement dernier: NICOLAS SED, P.O., t. 41, fasc. 3, n. 188, Paris, 1983.

 

(46) Douxième base: Du paradis: NICOLAS DED, P.O., t. 40, fasc. 3, n. 184, Paris, 1981.

 

(47) , Paris, 1898.Barhebraei Nomocanon P. BEDJAN,

 

(48) , Paris, 1898.Liber Ethicon seu moralia P. BEDJAN,

 

(49) راجع كتاب الأب بيجان الذي ورد في الحاشية 48، ص 519-591.

 

(50) المشرق، 50 (1965)، ص 17-66.

 

(51) المجمع العلميّ السريانيّ، بغداد سنة 1974. أُعيد نشر الكتاب في طرابلس لبنان سنة 1983، نشير هنا إلى ترجمة إنكليزيَّة لكتاب الحمامة:

 

A.J.WENSINK, Berhebraeus, Book of the Dove together with some chapters from his Ethikon, Leyden, 1919.

 

راجع ما كتبه بهذا الصدد الأب لويس شيخو في المشرق 18 (1920)، ص 475-476.

 

(52) تاريخ الزمان (حاشية 7)، ص 195-199.

 

(53) تاريخ مختصر الدول للعلاَّمة غريغوار الملطي المعروف بابن العبريّ وقف على طبعه ووضع حواشيه الأب أنطون صالحانيّ اليسوعيّ، في طبعة أولى سنة 1890، وأُعيد طبعه سنة 1958 في المطبعة الكاثوليكيَّة، بيروت (لبنان).

 

(54) سمّاه لمع من أخبار العرب. by E. POLOCKE, Oxford, 1650 Specimen Historiae Arabum

 

(55) تاريخ مختصر الدول، ص 1.

 

(56) J. B. ABBELOOS – Th. Lamy, Chronicon Ecclesiasticum… 2 vol. Louvain, 1872-1879.

 

(57) في البطريركيَّة الأنطاكيَّة، المشرق، 21 (1923)، ص 494-507، 589-599، 660-671، ثمَّ جثالقة المشرق ومقارنة السريان، المشرق، 22 (1924)، ص 182-192، 272-281، 364-372، 417-427، 519-527، 604-614. ونشير أيضًا إلى أنَّ جرجس القسّ يوسف نشر في المشرق الموصليَّة مقتطفات قصيرة: المثل الأعلى للتواضع 1 (1946)، ص 230-232؛ مار ميخائيل الكبير البطريرك الأنطاكيّ 1 (1946)، ص= =274-278، 318-321؛ أمّا يوسف شمعون السمعانيّ فنشر في المكتبة الشرقيَّة الجزء الثاني (رومة 1721) مقاطع عن بطاركة أنطاكية (ص 311-321) وعن مفارنة النساطرة وجثالقتهم (321-414).

 

(58) نذكر على سبيل المثال لا الحصر

 

  1. J. BRUNS, “Ein excerpt aus… Barhebräus Syrische Chronik”, in

 

Repertorium für bibliscke und morgenländische Litteratur (Leipzig, 1780), p. 183-199. {{F:58}نقرأ هنا ما يتعلَّق بوجود ريكاردس الأوَّل ملك إنكلترا في الأراضي المقدَّسة. نُشر النصّ مع ترجمة ألمانيَّة. راجع في المجموعة ذاتها (ليبزيغ سنة 1785) ما نشر عن الخليفة المصريّ الحاكم بأمر الله. سنة 1789 نشر قسم كبير من هذا الكتاب مع ترجمة لاتينيَّة. رج:

 

  1. J. BRUNS, “Ein excerpt P. J. BRUNS & G.G. KIRSCH, Gregorii Abulpharagii sive Bar Hebraei Chronicon Syriacum, 2 vol., Leipzig, 1789

 

(59) , Paris, 1890.Bar Hebraei Chronicon Syriacum P. BEDJAN,

 

(60) E. A. WALLIS, The Chronography of Bar Hebraeus being the first part of his political History of the World, 2 vol. Oxford, 1932. نقل تاريخ الزمان أيضًا إلى اللغة التركيَّة على يد عمر رزا دغرول وطبع بجزءين في أنقره سنة 1945-1950.

 

(61) راجع مجلَّة المشرق البيروتيَّة 43 (1949)، ص 463-502؛ 45 (1951)، ص 25-70، 181-199، 351-364، 517-532؛ 46 (1952)، ص 7-28، 385-400، 514-554؛ 47 (1953)، ص 3-25، 423-470؛ 48 (1954)، ص 418-457؛ 49 (1955)، ص 736-749؛ 50 (1956)، ص 3-16، 129-152، 257-274، 386-414. وقد أُعيد نشر الحقبة العاشرة والحادية عشرة في جزء واحد عن دار المشرق سنة 1986، رج الحاشية السابقة (60). رج جريدة الأنوار البيروتيَّة، الاثنين 1 كانون الأوَّل 1986. ونشير هنا أيضًا إلى ترجمات تاريخ الزمان إلى العربيَّة بدون تاريخ. الأولى قام بها عبد المطلب أمين بمعاونة نعمة الله دنّو وبطرس سابا، والثانية قام بها متّاي قاشا وأسماها التاريخ المطوَّل لابن العبريّ.

 

(62) نشير هنا إلى أنَّ القسّ إسحق أرملة لم ينقل إلى العربيَّة بداية الكتاب، أي التاريخ القديم، منذ آدم حتّى إمبراطوريَّة البيزنطيّين. ثم إنَّ جان موريس فيِّيه ناشر تاريخ الزمان حذف كلَّ ما يختصُّ بصدر الإسلام والخلفاء الأمويّين، فابتدأ بالخلفاء العبّاسيّين.

 

نقله إلى اللاتينيَّة يوسف لويس السمعانيّ وطبعه أنجلوماي سنة 1737. أعاد المطران شيشق نشر النصِّ السريانيّ في هولنده سنة 1984. نشير هنا إلى أنَّ كتاب الفتات (الذي طُبع في أورميه سنة 1898) نَشر مقتطفًا منه خاصٌّا بكنيسة المشرق (ص 46-57). نشير هنا إلى أنَّ المطران شيشق أعاد طبع هذا الكتاب في هولنده، سنة 1984.

 

ابن أبو الفرج ابن العبري ف8 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

في الإنسان ف7 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

في الإنسان ف7 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

 

 

 

الفصل السابع

في الإنسان

 

اخترنا ثلاثة نصوص من كتاب نميسيوس أسقف حمص، من كتابه في طبيعة الانسان، وجعلنا عنوانًا لكل نصّ: جسد الانسان، في النفس، إجتماع النفس والجسد.

 

1- جسد الانسان

 

ومن أجل أنَّ جسد الإنسان مركَّبٌ من الطبائع، يُصيبه ما يُصيب الطبائع الأربع من التغيير والهراقة والقَطع. فإنَّ هذا التهيُّج الذي سمَّينا، هو للجسد لأنَّ الجسد يتغيَّر من اختلاف(1) الطبائع ويُفرَّغ، وإنَّ الحيَّ لا يزال يهراق من نحو القوَّة الدافعة، وعامَّة القوَّة الدافعة هي بيِّنة، ومنها ما يخفى من الرَّشْح، وسنقول في تفصيل ذلك حتّى نُبيِّنه ونُفصِّله بعدما قلنا فيه.

 

فإنَّ كلَّ شيء يُفرَّغ من الجسد، فلا بُدَّ له من أن يُسدَّ مكانُه وإلاَّ هلك الحيّ من هراقة التفريغ. فمن أجل أنَّ الذي يفرَّغ إنَّما هو يابس ورطبٌ ولطيف، يحتاج إلى أطعمة(2) يابسة ورطبة وإلى لطيف للنَفَس. فإنَّما الطعام للطبائع التي رُكِّبت منها الأجساد، وإنَّ كلَّ شيء من الأشياء إنَّما يُطعم شبهَه ويتداوى بما يخالفه(3). ولأنَّا نُطعَم أحيانًا بعضَ الطبائع الأربع كما هي مِثل الماء وأحيانًا مخلوطةَ الشرابِ والزيت وسائر الأطعمة المختلفة. وكذلك أيضًا ننالُ الهواءَ حتّى نستنشقه وأحيانًا يُخالِط طعامَنا وشرابَنا؛ وكذلك ننال من النار ما نستدفئ به، وأحيانًا تُخالِط طعامَنا وشرابَنا، وإنَّ طبيعة النار تدخُل في كلِّ قليل وكثير؛ وأمّا الأرض فلا ينالُها جسدُنا ولكن ينال ما يخالطها وتختلط به وما يكون منها فإنَّه يكون منها الطعام؛ وكثير من الحيوان ينالها كماهية أحيانًا وحدها كالعصافير والحمام والحجل(4) والأفاعي.

 

وكذلك أقول(5): إنَه لم يتكوَّن للإنسان جِلد غليظ كجُلود البقر وما أشبهها من الحيوان، ولا شعرٌ طويل على جلده كشعر المعَز وأمثال ذلك، ولا صوف كالضأن، ولا وبَرٌ كوبر الجمال، ولا قُشور كالحيّات والحيتان، ولا أصداف كبعض ما يكون لدواب البحر، ولا ريش كالطير؛ فاعتزل ذلك كلَّه عنه لاعتداله ولصُورة الحُسن والجمال، ولأنَّ الإنسان أفضل في الحسِّ من سائر الحيوان، فلذلك يحتاج الإنسان إلى اللباس لتمام ما نقصت طبيعتُه من طبيعة سائر الحيوان؛ فجعل له بحيلته الكِنّ ليسكُنَ فيه ويتحرَّز به ممّا يُؤذي طبائعه، وعلِم الطبَّ بفطنته ليشفي ما اعترض جسده من داءٍ من نُقصان الطبائع أو زيادتها؛ ومن أجل ذلك احتاج الإنسان إلى الطعام والشراب ليسدَّ ما فُرِّغ منه، ويحتاج إلى غطاء لأنَّه ليس من طبيعته ما يُغطِّيه، ويحتاج إلى الكنّ من أجل الأمطار والحرِّ والبرد، ويحتاج إلى الطبّ لِما يحسُّ به من الأوجاع؛ فإنّا لو لم نحسّ لم نألَم، ولو لم نألم لم نحتج إلى الشفاء وبلينا قبل أن نعلمَ ما الذي يُصيبنا(6).

 

وأقول: إنَّ الإنسان متفكِّر بموت يقبل العِلم، وإنَّه حرّ لأنَّه صميم، ذو نفس محسَّة. وإنَّما قلتُ إنَّه متفكِّر، لتمييزه، من البهائم التي لا تتفكَّر؛ وقلتُ إنَّه يموت، لتمييزه ممّا يخلد؛ وقلتُ إنَّه يقبل العِلم، من أجل أنَّ علمه بالتعليم ولأنَّه يقبل التعليم، ولأميِّزه من الجنّ الذين علمهم بغير تعليم.

 

والخلق كلُّه مختلف، منه ما تكوَّن لنفسه ومنه ما تكوَّن لغيره. فأمّا الذي تكوَّن لنفسه، فهو الإنسان المتفكِّر الحيّ العالِم؛ وأمّا الذي تكوَّن لغيره، فالذي لا يتفكَّر وما لا نفس له. ومن أجل أنَّ الإنسان هو أعلى الطبائع كلِّها جوهرًا، إنَّما تكوَّن لنفسه ولم يتعبَّد لشيء من الخَلق لكمال طبائعه، وتعبُّد الأشياء لنُقصانها. فينبغي ألاَّ يخدُمها إذ صار أتمَّ منها وصار مسلَّطًا عليها لا يعجزه ولا يغلِبه ولكن يقصد ويترك الشهوات ويبرأ من أعمال الجسد الغليظ.

 

فكما قلتُ: إنَّ جميع الخلق إنَّما تكون للإنسان، كذلك أقول: إنَّ الأشياء أيضًا تكوَّنت بعضها لبعض، فكان بعضُها لبعض سببًا، وذلك أنَّها لم تتكوَّن من أجل أنفسها، إنَّما تكوَّنت بعضها لبعض. فالأرض، إنَّما تكوَّنت للنبات؛ وكذلك أقول: إنَّ أسباب النبات لم تتكوَّن لطبائعها، إنَّما تكوَّنت من أجل النبات ولأنَّ أسباب النبات الأمطار والرياح اللوافح. وكذلك أقول: إنَّ سبب الأمطار هي حركة الرياح وسبب حركة الرياح حركة الفلك والشمس والقمر، فالشمس والقمر والكواكب إنَّما تكوَّنوا من أجل النبات، والنبات إنَّما تكوَّن من أجل الإنسان والبهائم.

 

وإنَّ البهائم التي لا أحلام لها والتي إنَّما غلبتها حركةُ اشتهاء الطبيعة ونظرها تحت الأرض والتي خلْقُها وشكلُها للتعبُّد إنَّما تكوَّنت من أجل الإنسان ومن أجل أنَّ الإنسان فيه شبه كلِّ شيء، فلذلك يعرف كلَّ شيء. وأقول: إنَّ في الإنسان القوَّة المتفكِّرة والتي لا تفكُّر لها، وكذلك أقول: إنَّ التي لا تفكُّر لها هي متعبِّدة للمتفكِّر.

 

فأمّا التفكُّر فهو الآمِر، والاشتهاء والغضب مأمور للحاجات التي يأمر بها المتفكِّر إذا كانت طبيعة الإنسان صافية؛ فأمّا إذا كان الذي لا يتفكَّر يأمر المتفكِّر، حينئذٍ تغيَّرت المراتِب وانقلبت الطبائعُ وأبتْ البهائمُ أن تتعبَّد لنا؛ وإنَّما يكون الذي لا يتفكَّر متعبِّدًا للمتفكِّر، وبيانُ ذلك أنَّ كثيرًا من الحيوان هي لخدمة الإنسان من الحوامِل والعوامِل والطير ودوابّ الماء ما يأكل الناس منه ويتلذَّذ الناس به.

 

ولعلَّ قائلاً يقول: إنَّ بعض هذه الأشياء لم تتكوَّن للإنسان لأنَّها تضرُّه، وإنَّما جاءت المضرَّةُ للإنسان باجتراء الأشياء عليه وإنَّما اجترأت عليه حين يعبُد الذي لا يتفكَّر المتفكِّر، وهو الاشتهاء والغضب، وتسلَّط ذلك على التفكُّر اجترأت الأشياءُ عليه لأنَّه صار في طبائعها وهو ضدُّها. فلذلك ضرَّ به.

 

فأمّا إذا كان المتفكِّر قاهِرًا للذي لا يتفكَّر لم تضرَّه الأشياء ولم تجترئ عليه، ورجع إلى الجوهر الأوَّل الذي ابتدأ له أنَّ الذي لا يتفكَّر متعبِّدًا للمتفكِّر.

 

فمن يُطيق أن يحصي فضائل الإنسان وقد صار وصلاً بينما يموت وبينما يخلُد وبين المتفكِّر والذي لا يتفكَّر، فإن عمل بعمَل المتفكِّرة عُدَّ في المتفكِّرة، وإن عمل بالشهوات عُدَّ فيمَن لا يتفكَّر، وإن عمل في إبطان الموت وإظهار الحياة صار خالدًا، فمن عمل بعمل المتفكِّرة وأبطن أعمال من لا يتفكَّر، عُدَّ في المتفكِّرة وهو أتمُّ الخلائق طبعًا. يقطع البُحور ويصعد في السماء ويهبط في الأرض، ويبلغ الأطراف ويعلم حركة النجوم ومسافة ما بينها ويتعاهد ما يغيب عنه بأمره درايةً وكتابةً، ويبلغُ ما كان غائبًا. فمن يستطيع أن يُحصي فضائلَ الإنسان!

 

2- في النفس

 

قد أُخبرت بعلَّة العالم الأكبر وما يكون فيه من الحيوان والنبات والمعادن، اختلفوا وأنا قائلٌ في النفس وواصفٌ اختلاف الحكماء فيها لأن الحكماء اختلفوا في النفس اختلافًا شديدًا وذلك من لطافتها ودقَّة كيانها.

 

قد قال إبقورس(7) وديموقريطوس(8): إنَّ النفس جسد. فتوافقوا في هذه الكلمة، ثمَّ اختلفوا في صميم النفس.

 

وأمّا أصحاب الأسطوان(9) فقالوا: إنَّما النفس ريح كهيئة النار.

 

وأمّا قرطياس(10) فقال: إنَّما النفس دم.

 

وأمّا إيبُن(11) فقال: إنَّما هي ماء.

 

وأمّا ديموقريطوس فقال: إنَّما هي نار. وقال: إنَّما هذا الذي نرى من شعاع الشمس إذا دخلنا في البيوت نار يعرج بعضها في بعض فتكون أنفسًا.

 

وأمّا إيراقليطوس(12) فزعم أنَّ النفس عامَّة وأفراد؛ فأمّا النفس العامَّة فبخارٌ من رطوبة؛ وأمّا أنفس الحيوان فمن بُخار النفس العامَّة الخارج ومن بخار الأجساد الباطن.

 

فاختلف أيضًا هؤلاء الذين زعموا أنَّ النفس جسدٌ. فقال بعضهم: إنَّما النفس صميمٌ (= أصلٌ وخالصٌ)، خالدة، وقال آخرون: إنَّ النفس ليست بجسد ولا صميم ولا خالدة.

 

وقال ثالِس(13): إنَّ النفس تتحرَّك من نحو طبيعتها ولا يُحرِّكها شيء. حركتُها دائمة.

 

وأمّا فيثغور(14) فقال: إنَّما هي عددٌ يتحرَّك من نحوها.

 

وقال أفلاطون(15): هي صميم (= قائمة في ذاتها) معقولة تتحرَّك بتوفيق من طبيعتها.

 

وأمّا أرسطوطاليس(16) فقال: هي ابتداء حركة جسد ذي طبيعة ذات إناء فيه قوَّة الحياة.

 

وأمّا دينركوس(17) فقال: هي توفيق امتزاج الأربع طبائع السخونة والبرودة والرطوبة واليبوسة.

 

والآن نُبيِّن أنَّ عامَّة هؤلاء الذين اختلفوا في النفس يزعمون أنَها صميم؛ وأمّا أرسطوطاليس ودينركوس فكانا يقولان: إنَّ النفس ليست بصميم. وكانا يقولان: إنَّ أنفس كلِّ شيء واحدة غير أنَّها تُقسَّم في الأجرام بالزيادة والنقصان، وقال قطرنوس(18): بل الأنفس كثيرة شتّى لكلِّ شرحٍ نحوه.

 

فمن أجل أنَّهم اختلفوا كما قصصنا في هذا الكتاب، ينبغي لي أن أبيِّنه وأفصِّله وأبدأ بنقض قول كلِّ الذين قالوا: إنَّما هي جسد، وسيكفيني في كلِّ شيء ما قالوا هؤلاء الذين اختلفوا قولَ أمونيوس(19) معلِّم بلُطينوس(20) وقول نومينيوس(21)، فإنَّهما قالا: إنَّ الأجساد من سوس (= مطلق) طبيعتها أن تتغيَّر وتتفرَّق وتتفصَّل إلى أجزاء لا عدد لها، فمن أجل ذلك تحتاج إلى ما يجمعها ويضمُّها ويملكها وليس شيء يملكها إلاَّ النفس لأنَّها تحييها وتجمعها. فإن كانت النفس كما يقولون جسدًا لطيفًا، فإنَّ النفس إذا كانت جسدًا تحتاج إلى كلِّ ما يجمعها ويضمُّها، ولأنَّ كلَّ ذي جسد ذي طبيعة يحتاج إلى ذلك؛ فإن كانت جسدًا فإنَّها تحتاج لا تزال، كما يقولون، إلى ما يجمع أجزاءها ويؤلّف بين المتباين كالذي ذكرنا حتّى ننتهي إلى نفسٍ ليست بجسد، فتلك هي التي تجمع بين أجزاء الجسد كما قلنا(22).

 

وإن كانت كما يزعم أهل الأُسطوان لها حركتان، إحداهما خارجة من داخل فهي التي تعظِّم والأخرى تدخل من خارج، فأمّا ما كان خارجًا من داخل فهي التي تُعظِّم الجسد، وأمّا ما كان داخلاً من خارج فهي تضُمُّه(23)، فقلنا لهم: أخبرونا ما هذه الحركة التي تذكرون وأيُّ شيء يُحرِّكها؟ فإن كانت من قوَّة شيء فما هذه القوَّة وما صميمُها؟ وإن كانت القوَّة من عنصر فإنَّها تعود إلى ما قلنا من شأن الأجساد، وإن لم تكن عنصرًا وكانت شيئًا يُرى في العنصر فإنَّه إذًا شيء ويكون ذلك الشيء إمَّا جسدًا وإمّا عنصرًا. فإن كان أحدهما فقد احتاج إلى ما يُحرِّكه وإمّا ألاّ يكون عنصرًا أو لا جسدًا فقد بطل قولُهم.

 

وإن قالوا: إنَّ كلَّ جسد ذو ثلاث مساوف (= أبعاد) من أجل أنَّ النفس متداخلة في الجسد، وإنَّ النفس إذا كانت ذات ثلاث مساوف فهي إذًا جسد. وإنّا نرجع إليهم في ذلك فنقول: ليس كلُّ ذي ثلاث مساوف متداخلة جسدًا، فإنَّ المكان والصورةَ(24) كلّ واحد منهما على حدته ليس واحد منهما الجسد ولكن يكونان في الإجساد من الأحداث. فكذلك النفس إذا كانت على حدتها، فليست لها مسافة من أجل أنَّ الجسد ذو ثلاث مساوف.

 

وأقول أيضًا في جواب ما قالوا: إنَّ كلَّ جسد تحرّكُه من داخل ومن خارج. فما كانت حركته من خارج، فهو جسد ليس له نفس؛ وما كانت حركته من داخل فهو جسد ذو نفس. فإن كانت النفس كما يزعمون جسدًا وكانت حركتها من خارج فإنَّها جسد لا نفس لها(25). وإن كانت حركتها من داخل فإنَّها ذات نفس. ولم يُصِب هؤلاء الذين قالوا: إنَّ للنفس نفس أخرى أو النفس غير النفس. فقد تبيَّن بهذا القول أنَّ النفس ليست بجسد.

 

وقال إكسانوقراط فيما قال أصحاب الأسُطوان: إن كانت النفس تأكل، فإنَّما طعامها شيء، ليس بجسد(26)، وإنَّما طعام النفس العِلمُ وليس بشيء من الأجساد طعامُه إلاَّ الجسد، فلذلك لا تكون النفس جسدًا. فإن كانت النفس لا تأكل جسدًا، فكلُّ أجساد الحيوان تأكل الجسد. فهذا قولنا للذين زعموا: إنَّما النفس جسد(27).

 

وأمّا الذين قالوا: إنَّما النفس دم أو بُخار لأنَّه إذا فارق الجسد الدم أو البخور كان ميِّتًا، فإنَّ ناسًا أجابوهم في ذلك بغير صواب فقالوا: كان ينبغي في قولكم إذا هُريقَ يعضُ الدم أن تروا أنَّ بعض النفس قد هُريقت! ولم يُصيبوا. فإنَّ اشتباه الأجزاء القليل منها والكثير سواء. فإنَّ الماء قد قلَّ منه أو كثُر يُقال له ماء، وكذلك الورق والذهب وكلّ شيء لا تختلف أجزاؤه، وكذلك ما بقي من الدم على مثل ذلك، فإن كان الدم نفسًا، فقد بقيت نفس في الجسد وإن كان قد هُريق بعضها.

 

ولكنَّا لا نقول ذلك ولا نرُدّ عليهم هذا الردّ ولا نراه، ولكنّا نقول لهم: إن كان كما تقولون أنَّ الدم إذا فارق الجسد كان ميِّتًا. فلذلك تزعمون أنَّها نفس؛ فنحن حقيقون إذًا أن نقول: إنَّ كلَّ شيء فارق الحيَّ فمات فهو نفس؛ فإنَّ البلغَم والمِرَّتَين والكبد والدماغ والقلب والمعدة والكليتَين والأمعاء إذا فارق شيء منها الحيَّ مات؛ فقد كان حقُّهم أن يجعلوا كلَّ واحد ممّا عددنا نفسًا على حدته. ونقول في نحو آخر: إنَّ كثيرًا مِمَّا لا دمَ له ذوات أنفس من ذوات البحر مثل الصدف والسراطين وأشباه ذلك من حشرات الأرض فإن كانت أشياء تكون ذوات أنفس لا دم لها، فقد تبيَّن لنا أنَّ النفس ليست بدم.

 

وأمّا الذين قالوا: إنَّ النفسَ ماء لأنَّه لا حياة لشيء إلاَّ به، فإنّ نقول في ذلك: إنَّه يخالف ما قالوا أشياء كثيرة. فأوَّل ذلك أنَّهم لا يستطيعون العيش بغير طعام. فإن كانوا صادقين فإنّا حقيقون أن نعُدَّ كلَّ طعام على حدته نفسًا. ونقول في ذلك أيضًا: إنَّ كثيرًا من الحيوان لا يشرب الزمن الطويل، فإنَّها إذًا لا تبقى حيَّةً لا أنفُس لها مِثل العقبان والحجل وكثير من الطير. والهواء إذًا أحقُّ أن يقال هو نفس من الماء وسائر ما عددنا لأنَّا نعيش إن شئنا حينًا بغير ماء؛ وأمّا الهواء فلا حياة لنا إلاَّ به ولا ساعة. ولسنا نقول هو نفس ولكنَّ كثيرًا من الحيوان هو لا يستنشي الهواء مثل النحل والذَّرّ والنمل وكلّ شيء ليست له رئة وكثير من دوابّ البحر وكثير بما لا يستنشق الهواء ويعيش بغير الهواء(28).

 

وأمّا قلينثس(29) من أصحاب الأُسطوان وكرُسيبوس(30) قالا قولاً لسنا نصمُت عليه حتّى نقول فيه. فأمّا قلينثس فزعم إنَّما النفس جسدٌ لأنَّ الولد لا يُشبه الوالد في الجسد فقط ولكنَّه يشبهه في التهيُّج والسِّمت (= والحركة) والعلم؛ فإنَّ الشبه وغيرَ الشبه إنَّما هو للأجساد وليس لشيء سواها. فلذلك يقول قلينثس: إنَّ النفس جسدٌ: وهذا وهم في قوله أنَّ الشبه لا يكون في شيء ليس بجسد؛ فإنَّ الشبه يكون في العدد. وإنَّ العدد يُشبه بعضه بعضًا. فإنَّ الستَّة تُشبه الأربعة والعشرين لأنَّ الستَّة تزيدهنَّ الاثنين والثلاثة والأربعة والعشرين تزيدهنَّ الأربعة والستَّة؛ فكما يوافق الأربعة للاثنين من الضعف فكذلك توافق الستَّة للثلاثة؛ وإنَّ العدد ليس بأجساد. وكذلك أشكال مقادير الأرض يُشبه بعضها بعضًا إذا كانت زواياها متَّفقة؛ وهم يوافقونا في هذا.

 

وقال أيضًا قلينثس: لا نجد شيئًا ليس بجسد يُصيبه ما يُصيب الجسد ولا جسدًا يُصيبه ما يصيب ما ليس بجسد. فإنّا نجد النفس يصيبها ما يصيب الجسد في الأمراض وفي الجراح ويصيب الجسد أيضًا ما يصيب النفس، فإنَّ النفس إذا فرحت احمرَّ الوجه، هو جسد. وإذا ماتت أو حزِنت اصفرَّ الوجه. فلذلك يقول: إنَّ النفس جسد.

 

وأيضًا نقول فيما قال قلينثس من الذي ذكر أنَّه ليس غير ذي جسد يُصيبه ما يصيب الجسد في الاشتهاء والغضب حين تتغيَّر الأجساد.

 

وأمّا كرُسيبوس فقال: إنَّما الموت فراق ما بين النفس والجسد ولا يُفارق الجسد ما ليس بجسد، فإنَّه لا يُلابس الجسد ما ليس بجسد؛ فإن كانت النفس تلابس الجسد وتُفارقه فهي إذًا جسد.

 

فأمّا قول كرسيبوس: إنَّ الموت فراق بين الجسد والنفس، فقد صدق. وأمّا قوله: إنَّ الذي ليس بجسد لا يلابس الجسد، فقد أخطأ حين جعلها عامَّة، فأمّا في خاصَّة النفس فقد صدق؛ ولأنّا نجد أشياء تلابس الجسد وليست بجسد كالحُمرة والبياض. وقد صدق في أنَّ النفس ليس تلابس جسدًا؛ فإنَّها لو لابست الجسد لصقت به لأنَّه لا يستطيع كلّ الجسد يلتصق في كلِّ الجسد، فلذلك لا يستطيع أن يكون كلُّ الجسد ذا نفس. ولو كانت النفس تلابس الجسد كانت جسدًا فلا تستطيع أن تكون في كلِّ الجسد. ولكنّا نرى أنَّ النفس تكون في الجسد الذي تكون فيه كلّه، فقد تبيَّن لنا أنَّ النفس لا تلابس الجسد وأنَّها ليست بجسد(31).

 

وأمّا من قال: إنَّ النفس ليست بصميم، (= كيان واقعيّ) فسنجيبُهم إلى ذلك. فإنَّ دينركوس كان يقول: إنَّما النفس كتوفيق الألحان والأوتار؛ وقال سيمياس(32) وهو يُنازع سقراط مثل ذلك أيضًا سواء. وقال دينركوس وسيمياس: النفس شبه توفيق الألحان وشبه الجسد بالمعزَف فيستعين بعضها ببعض. فنحن ننقض قول هؤلاء كما نقضه أفلاطون في مُصحَف فيدون(33)، وأوَّل ما نقول في ذلك: إنَّ العلم إنَّما هو التذكير. فمن أجل أنَّ العِلم تذكير، كانت الأنفس قبل أن تُخلَق الأجساد. فإن كانت النفس كما يقولون مثل توفيق الألحان، فلم تُخلَق إذًا قبل الجسد ولكن كانت بعد ما خُلق؛ فإنَّ توفيق الألحان تكون الأوتار قبلها، ثمَّ تكوّن التركيب بعد ذلك فإنَّما يكون كلُّ تركيب بعدما يكون الذي في تُركَّب.

 

ونقول أيضًا: إنَّ النفس تخالف الجسدَ وتملكه وإنَّ التوفيق لا يملُك الأوتارَ ولا يخالفها؛ فلذلك ليست النفس كتوفيق الأوتار.

 

ونقول أيضًا: يكون التوفيق بالزيادة والنقصان في رفع الوصت وخفضه؛ فأمّا النفس فلا تزيد ولا تنقُص من صميم أجزاء النفس ليست النفس كتوفيق الأوتار.

 

ونقول أيضًا: إنَّ النفس تقبل الفضيلة وخلافَها، وأمّا التوفيق فلا يستطيع أن يكون توفيقًا وخلافًا للتوفيق؛ فلذلك ليست النفس كتوفيق الأوتار(34).

 

ونقول أيضًا: إنَّ النفس تقبل الفضيلة كلّ واحد ممّا يُخالف على حدته ؛ وأمّا توفيق الأوتار فإنَّما هو شيء يُرى في الصميم؛ وذلك الشيء فهو شيء على حدته، وأمّا الصميم فهو شيء آخر، فلذلك الصميم ليس كتوفيق الأوتار.

 

وأمّا أن نقول: إنَّ النفس تقبل التوفيق، فليس ذلك بالذي يجعلها توفيقًا، لأنّا نذكر فضيلة النفس إذا عملت الفضائل ولا تُسمّى النفسُ فضيلة.

 

وأمّا جالينوس فلم يقُل في شأن النفس شيئًا، وتبرَّأ ممّا كان تُرجِم من كتاب البيان(35) ولكنَّه قال: إنَّ النفس تمزيج يتَّبع في ذلك قول بقراط(36). فإن كانت النفس تمزيجًا (= مركّبات الجسد) كما يقول، فقد تبيَّن أنَّ النفس ميِّتة ولكن لم يكن يقول: إنَّ كلَّ نفس تمزيج غير أنَّه كان يقول: ما كان من أجزائها غير متفكِّر فإنَّه تمزيج. وأمّا في المتفكِّر، فكان يقول (…): لا يستطيع التمزيج أن يكون نفسًا. فبيان ذلك أنَّ كلَّ جسد ذي نفس أو غير وإن كانت النفس تمزيج الأجساد كما يقولون، فإنه لا يكون من الأجساد ذي نفس إنَّما هو من امتزاج الأربع الطبائع، فإنَّ من تمزيجهنَّ تكون الأجساد شيء ليست له نفس لا الحجارة ولا الخشب ولا الحديد، إن كانت النفس تمزيجًا.

 

فإن قالوا: ما نقول: كلُّ تمزيج الأجساد نفس، ولكنَّ بعضها، فلتخبرونا أيُّ التمزيج هو الذي يجعل للحيوان أنفسًا، فإنَّه لا يذكر من التمزيج شيئًا إلاَّ نجده في الأجساد التي لا أنفس لها. فإنَّه قد قال فيما ذكر من التمزيج: إنَّ التمزيج تسعة أنحاء، فأمّا أحدهنَّ فهو التمزيج الموفّق، وأمّا الثمانية فهو التمزيج الذي لا يكون موفَّقًا في زيادة الطبائع ونقصانها، ومن ذلك يكون السقم. وكان يقول لاطس(37): إنَّ تمزيج الإنسان إنَّما هو من الموافقة؛ فأمّا سائر الحيوان فإنَّ امتزاجها على غير الاتِّفاق في الزيادة والنقصان في استرخائها وشدَّتها وكان يقول جالينوس: إنَّا نجد فيما لا أنفُس لها التمزيج التسعة. وكان يقول أرجانس(38): إن كانت النفس تمزيجًا فإنّا نجد التمزيج يتغيَّر في كلِّ صنف من السنة وفيما يأكل، فتتغيَّر النفس إذًا وليست النفس إذًا واحدةً، وإن كانت تتغيَّر في كلِّ حين تكون أحيانًا نفسَ أسد وأحيانًا نفس شاةٍ وأحيانًا نفس شيء آخر.

 

وكان يقول موطوس(39): إن كانت النفس تمزيجًا والتمزيج إنَّما هو ائتلاف على صورة، فإنَّ الصورة تكون في الشيء فتُفارقه ولا يبلى الصميم إذا فارقته الصورة. فكان حقُّ الجسد إن كانت النفس صورةً ألاَّ يبلى إذا فارقته النفس، فلذلك يُعلَم أنَّ النفس ليست بتمزيج ولا صورة. فإنَّهم لا يستطيعون أن يقولوا: إنَّه لا بدَّ من أن يكون في الحيّ بعضُ ما يخالف كما نرى في النار أنَّه لا بُدَّ من أن تكون في الدفاءة. فأمّا التمزيج فيغيِّره دواءُ الأطبّاء.

 

وقال أيضًا: كلُّ الجسد يُحسّ، فأمّا النفس فلا تُحَسّ؛ فلذلك النفس ليست بجسد.

 

وأقول: إنَّ تركيبَ الجسد من لحمٍ وعصب وعظمٍ بامتزاج الطبائع الأربع، الحرارة والبرودة واليبس والرطوبة، إنَّما هي الصحَّة وهي توفيق الطبائع، وحُسن الجسد مع حسن اللون. فإن كان تمزيج الصحَّة والقوَّة والحسن هي الأنفس، فقد كان حقّ الإنسان ألاَّ يمرض ولا يضعُف ولا يكون غير حسن ما دام حيٌّا. ولكنَّ الإنسان لا يكون حسنًا ولا صحيحًا ولا قويٌّا وهو حيّ؛ فلذلك ليست النفس تمزيجًا.

 

وقد سأل قوم في زمن قسطنطين: كيف تكون في الإنسان الفضائل والشرّ؟ من نحو تمزيج الجسد، كما يكونون ناسٌ من تمزيجهم صحاحًا ومراضًا؛ فكذلك يكون من الناس خبثاء من كثرة المرّة السوداء، ويكون أناس آخرون لهم فخر وجُرأة من نحو كثرة الدم، ويكون ناس آخرون حلماء من نحو كثرة البلغم. وإن كان ناس يحجزون أنفسهم من هذه الشرور بحسن التأديب، فإنَّهم يملكون بتأديبهم التمزيج، وقد تبيَّن لنا أنَّ المالك والمملوك شيء فكذلك النفس والتمزيج شتّى، ولكنَّ الجسد إناءُ النفس لأنَّ الجسد، إذا اعتدل باعتدال التمزيج، أعان النفسَ على الخير إلاَّ أن يُفسِد النفسَ بأدب السوء. وإن لم يكن تمزيج الجسد باتِّفاق فإنَّه يمنع فضائل النفس وحينئذٍ يغالب النفس بالتضاد لِما لم يتَّفق. فينبغي أن يتعاهد المحتجز التمزيج بالاتِّفاق لئلاّ تغلب عليه الأضداد. ومثل ذلك المعزَف والذي يُضرَب به، فإنَّ الذي يضرب بالمعزف إذا لم يتعاهد توفيق أوتار المعزف وتقويمها فينبغي للنفس أن تتعاهد الجسدَ في التفكُّر وحسن التأديب، لأنَّه كما لا تُقوَّم المعزفة فلا يستقيم لصاحبها الذي يُريد منها إذا اختلف أوتارُها، كذلك النفس وتمزيج الجسد إذا لم تتعاهد النفس الجسد.

 

وأمّا أرسطوطاليس فكان يقول: إنَّما النفس في الجسد كهيئة البصر للحيّ أو لتمام الحيّ. وكان يقول: إنَّ النفس لا تستطيع أن تكون بغير جسد وليست بجسد؛ ولكنَّها للجسد وفي الجسد وينبغي لها ولا تستطيع أن تكون وحدها.

 

فقيل له: إنَّما سمِّيتَ النفسَ وميَّزتَ منها التفكُّر وكنتَ حقيقًا أن تسمّي النفسَ كلَّها جميعًا ولا تأخذ أضعفَ أجزائها، فإنَّك سمِّيتَ النفسَ كلها من أضعف أجزائها.

 

وكان يقول أيضًا: إنَّ النفس قوَّة الحياة، وإن لم يكن في الجسد النفس. فإن كان كما يقول، فقد كان حقُّ الذي يقول فيه قوَّة الحياة أن يكونَ جسدًا قبل أن يكون فيه الحياة. فلا يستطيع أن يكون جسدًا قبل أن يكون فيه قوَّة الصورة؛ فإنَّ العنصر ليس بجسد مصوَّر، وإنَّه لا يستطيع ما لم يكن مصنوعًا أن يكون له قوَّة يصنع بها شيئًا. فإن كان إنَّما قوَّة الجسد مبتدعة، فكيف تكون قوَّة الجسد حياة وهي في أشياء أخرى؟ فإنَّ الشيء يكون في الشيء، يكون قوَّة ولا يعمل به كهيئة البصر؛ فإنَّ البصير إذا نام لم يعمل ببصره وفيه البصر. وأمّا النفس فلا يستطيع من كانت فيه إلاَّ أن يعمل؛ فإنَّ النائم لا يُعدَم عملَ النفس، لأنَّه يُطعَم وهو نائم من قبل القوَّة الطاعمة ويتغذّى ويتنفَّس ويحلُم؛ وذلك بيان الحياة. فمن هنالك نعلم أنَّه لا يستطيع أن يكون في شيء قوَّةُ الحياة وليس بحيّ. فإنَّ عمل الحياة هو الذي يُبيِّن النفس، وليس يُبيِّن النفسَ شيءٌ سوى ذلك لأنَّ الحياة في النفس، والجسد ميِّتٌ لا حياة فيه وإنَّما حياته من النفس؛ فلذلك قول من قال: إنَّ الصحَّة في الجسد كهيئة الحياة في النفس. فهو كذب، لأنَّ الذي يقول ذلك ليس يعني حياة النفس ولكن يعني حياة الجسد، ولكنَّه لا يدري ما يقول لأنَّ صميم الجسد يقبل ما تخالف من الصحَّة والمرض؛ فأمّا صميم النفس ولا يقبل ذلك لأنَّ صميم النفس لا يقبل الحياةَ والموت، كما يقبل الجسد الصحَّة والمرض، ولكن إنَّما يقبل الموتَ والحياة صميمُ الجسد. فلذلك لا تستطيع النفس أن تكونَ صنعًا ولكنَّها روحًا غير جسد ولكنَّها تقبل الفضيلة والشرّ.

 

وكان يقول أرسطوطاليس: إنَّما النفس صنعٌ لا تتحرَّك من نحو طبيعتها ولكن إنَّما الحركة تحدث فيها من قبَل الجسد. فكيف أمكنه القولُ أن يقول: إنَّ النفس لا تتحرَّك وتُحرِّك الجسد لأنَّ الحسن يحرِّك ولا يتحرَّك؟ وإنّا نقول في ذلك: إنَّ الحسن لا يتحرَّك وهو يُحرِّكنا؛ فإنَّه لا يحرِّك شيئًا لا حركة له، ولكنَّه يحرِّك ما كان من طبيعته الحركةُ. فإن كان الجسد يتحرَّك على حدته من دون النفس لم يقل: إن شيئًا يحرِّكه ما لا يتحرَّك، ولكن لا يستطيع الذي لا يتحرَّك من طبيعته أن يُحرِّكه ما لا يتحرَّك، فمن أين يكون للجسد الحركة إلاَّ من قبل النفس، لأنَّ الجسد لا يتحرَّك من نحوه، ولكنَّ النفس هي حركة وإنّما الحركة بدءٌ وثني (= يُعاد مرتين)؛ فأمّا بدء الحركة فهو حركة لما يتحرَّك. وأمّا الثني فحركة ما كانت له طبيعة الحركة. فإن كانت النفس كما يقول أرسطوطاليس لا تتحرَّك وتُحرِّك الجسد كهيئة فإنَّه شبيهها، وقال: إنَّ الحسن لا يتحرَّك وهو يُحرِّك، فكذلك النفس(40).

 

فإن كان كما يقول، فهي إذًا حركةٌ بالطبيعة، فمن أين للأجساد بدء الحركة؟ فإن قالوا: إنَّما حركة الأجساد من الطبائع لأنَّ بعضَها خفيف وبعضها ثقيل، فقد أخطئوا لأنَّ الخفَّة والثقل لو كانا حركة لم يزالا عاملَين أبدًا لا يبطُلان لأنَّه ليس شيء من الخفاف ولا الثقال إلاَّ يَسكن إذا صار إلى آخِر طبيعته فلا يتحرَّك. فلذلك لا تكون الخفَّة ولا الثقَل سبب بدء حركة، ولكنَّها الخِفَّة والثقَل يلي الطبائع. فإن كانت الطبائع كما يقولون، فإنَّ الخفَّة والثقَل لا يتفكَّران ولا يحسّان. وإن كانت الخِفَّة والثقل لا يحسّ ولا يُفكِّر، فإنَّ الأجساد كذلك. وإن كانت النفس كما يقولون، إنَّما تحدُث فيها حركة من أجل الأجساد، وإنَّما تحرُّك الأجساد من نحو طبائعها، فقد كان ينبغي للجسد أن يتحرَّك وإن فارقته النفس؛ وإنَّه لو كان كذلك كان الجسد حيٌّا بغير نفس، وهذا هو الكذِب والباطل.

 

ونقول لمن لم يُصِب منهم، أنَّ كلَّ شيء يتحرَّك من طبيعته يتحرَّك مجشَّمًا، وما تحرَّك مجشَّمًا فإنَّ له طبيعة حركة. وقد أبطل من قال ذلك، (= احتمالاً) لأنّا نرى السماء تتحرَّك من طبيعتها ولا تُجشِّمها الحركة. وقالوا: إنَّ كلَّ شيء يتحرَّك من طبيعته يعود إلى أن يسكنَ من طبيعته كهيئة النار والتراب. وقد أبطلوا، لأنَّ السماء والشمس والقمر وسائر الكواكب بتحرُّك من طبائعها وليس تعود إلى أن تسكنَ من طبيعتها، لأنَّها لو سكنت كان ذلك بلاها (= بلاءها) وكلُّ شيء دائم الحركة لو عاد إلى أن يسكن بلي. فكفانا ما قد تبيَّن لنا من شأ النفس وما ذكرنا أنَّها لست بصنع ولا شيء ممّا لا يتحرَّك وإنَّ سببَ قوَّاتها ليس بجسد.

 

وأمّا فيثغوراس فإنَّه كان يُشبِّه كلَّ شيء بالعدد؛ فكان يجعل حدَّ النفس عددًا يتحرَّك من نحوه، واتَّبع في ذلك قول إكسينوقراط؛ ولم يكونا يقولان: إنَّ النفس عدد، لكنَّهما كانا يقولان: هي مّمّا يُعدّ، ويقولان: إنَّ النفس هي التي تُعدِّل الأشياء بعضها ببعض ويكون كلُّ شيء بعدد؛ فلذلك النفس من العدد(41). وقد قالوا مع ذلك: إنَّ النفس تتحرَّك من نحو طبعها.

 

فأمّا الذين قالوا: إنَّ النفس تتحرَّك من نحوها، فقد صدَّقوا. وأمّا الذين قالوا: إنَّها من العدد، فلم يُصيبوا لأنَّ العدد كم والنفس صميمٌ؛ فلذلك لا تكون النفس عددًا.

 

ونقول أيضًا: إنَّ النفس صلة؛ وأمّا العدد فليس بمتواصل، فليست النفس عددًا. ونقول أيضًا: إنَّ العدد شفعٌ أو وتر(42)؛ وأمّا النفس، فليست بشفع ولا وتر. ونقول: إنَّ العدد(43) يزيد وينقُص في الزيادة والنقصان؛ وأمّا صميم(44) النفس فليس يزيد ولا ينقص. ونقول أيضًا: إنَّ النفس تتحرَّك من نحوها؛ وإنَّ العدد لا يتحرَّك من نحوه.

 

وأقول: إنَّ العدد ما دام واحدًا لا يستطيع أن يتغيَّر؛ فأمّا النفس، فإنَّها واحدة وإنَّ لها قوَّة متغيِّرة، تكون عالِمة بعد الجهالة، وتكون صالحة بعد أن كانت طالحة؛ فليست إذًا النفسُ عددًا.

 

وأمّا أنوميوس(45) فحدَّ النفس صميمًا (كائنًا) غير جسدٍ وجعل سبب عملها كهيئة سبب الجسد؛ فجمع في قوله حقٌّا وباطلاً. فأمّا قوله: إنَّ النفس صميم غير جسد، فقد صدق؛ وأمّا قوله: إنَّ سبب خلق النفس كهيئة سبب الجسد، فإنَّما أخذ ذلك من قول أرسطوطاليس؛ فقد اختلف قوله أنوميوس (…) وأنا أقول: إنَّ كلَّ شيء يُشبه الجسد يبلى ويموت؛ وإنَّما هو أحد أمرين، إمّا أن يقول كما قال أصحاب الأُسطوان: إنَّ قوَّةَ النفس كهيئة الجسد، وإمّا أن يقول: هي صميم غير جسد. فإن قلنا: هي صميم غير جسد، فلا نقول: إنَّ قوَّة النفس كهيئة قوَّة الجسد؛ فإنَّا نجعلها جسدًا كهيئة أنفس البهائم، ثمَّ ليس لها معقول.

 

3- اجتماع النفس والجسد

 

قد أخبرنا بعلل النفس وما تكلَّمتْ فيها الحكماء، والآن أقول كيف يجتمع النفس والجسد الذي لا نفس له. فإنَّ في الْتماس ذلك مؤونة وشدَّة على العلماء. فكيف بالجهّال! قد قال رجال من الحكماء أنَّ العقلَ شيء سوى النفس: فذلك من أغلق أمر لأنَّ كلَّ شيء يجتمع في تقويم صميم واحد يختلط، وكلُّ شيء يختلط يتغيَّر ولا يبقى على ما كان قبل ذلك. وسيستبين لنا في أمر الطبائع الأربع أنَّ الأشياء إذا اجتمعت تكوَّن منها شيء سواهنَّ. فكيف تجتمع النفس التي لا جسد لها، وهي صميم على حدتها، في جسد، وتكون جزءًا من الحيّ وتحفظ صميمَها غير مغيَّرة ولا بُدَّ من أحد أمرين: إمّا أن تجتمع النفس والجسد ويُعين بعضها بعضًا كهيئة الطبائع؛ فإن كان كذلك فإنَّ الأجساد التي هي فيها من الأربع المبتدعات لا تكون أجسادًا حتّى يتغيَّر الجسد بالمبتدعات، وإمّا اللواتي تَلصَق كما يلصق الشيءُ بعضه في بعض أو يمتزجنَ كالطلاء والماء.

 

فإن قلنا: إنَّ النفس تلصق بالجسد، فقد أخطأنا لأنَّه قد تبيَّن فيما قد ذكرنا قبل ذلك من قولنا، إنَّ النفس لو التصقت بالجسد كما يلصق الشيء بعضه في بعض، لم يكن الجسدُ كلُّه ذا نفس إلاَّ الذي تلصق به مع أنّا لا نستطيع أن نقول: إنَّ الذي يلصق بعضه ببعض شيء واحد.

 

وإن قلنا: إنَّ النفس تمتزج بالجسد كما يمتزج الطلاء بالماء، لم نُصِبْ أيضًا؛ فإنَّ امتزاج الطلاء بالماء بعد أن يختلطا لا يكون ماءً خالصًا ولا طِلاءً مع أنَّه يكاد يكون شيئان امتزاجهما كهيئة الالتصاق، وإذ كنّا لا نستطيع أن نبلغَ عِلم ذلك من أجل دِقَّة اختلاطهما، فإنَّك إن صبغتَ الإسفنجة في الزيت، ثمَّ جعلتَها في الطلاء والماء الممزوجين، نشفت الماء وحده وبقي الطلاء. فأمّا الشيء الذي يتَّحد كهيئة النفس والجسد فلا يُستطاع أن يُفرَّق كلُّ واحد منهما على حدته ما داما متوحِّدَين. وإن كانت النفس والجسد لا يتوحَّدان ولا يمتزجان ولا يلتصقان، فأيُّ شيء هذا الذي يجعل النفسَ والجسدَ حيٌّا واحدًا؟

 

وأمّا أفلاطون فمن أجل هذا السبب الذي ذكرنا، لم يكن يُسمّي الجسد والنفس حيٌّا ولكنَّه كان يقول: إنَّما النفس تعلو الجسدَ كهيئة اللباس واللابس؛ وفي هذا القول قلتُ: إنَّه لا يستطيع أن يكونَ كاللباس ولا يُشبِه شيئًا واحدًا؛ وأمّا النفس والجسد فيُقال لهما حيٌّا واحدًا.

 

قد فسَّر هذا القول وبيَّنه أمّونيوس معلِّم أفلوطين فقال: إنَّ المعقولة طبيعة تستطيع أن تتوحَّد معها يقبَلها من الأجساد كهيئة امتزاج الأجساد التي يغيِّر بعضهنَّ بعضًا وتبقى بعدما تتوحَّد طبيعتها لا تتغيَّر كهيئة الذي يلتصق بعضه ببعض.

 

فأمّا اتِّحاد الأجساد التي تكون من طبائع شتّى، فلا بُدَّ أن تتغيَّر الطبائع من أجل أنَّها تغيَّرت إلى جسد سوى الذي كانت قبل ذلك. ويكون من الطبائع الأطعمة ومن الأطعمة يكون الدم ومن الدم يكون اللحم وسائر أجزاء الجسد.

 

ويكون في المعقولة اتِّحادٌ ولا يتَّبعه تغيُّر؛ فإنَّ طبيعة صميم المعقولة لا تتغيَّر ولا تهلك من أجل أنَّها خالدة والنفس هي حياة؛ فلو أنَّها تتغيَّر حين تكون في الجسد لم تكن ولما كانت النفس، إذًا انتفع الجسد إن لم يكن جسدًا ينال منها الحياة. فلذلك وصفتُ في كتابي هذا ما وصفتُ من أمر النفس وقلتُ: إنَّ النفس لا تتغيَّر وإن اتَّحدت مع الجسد، لأنَّ صميم المعقولة لا يتغيَّر ولا يُصيبها بلى مع الجسد الذي تتَّحد فيه.

 

فمن هنالك تبيّن لنا أنَّ النفس تتَّحد مع الجسد ولا يُغيِّرها الجسد، وبيان ذلك أنَّ النفس توجَد في الجسد لأنَّها يُهيِّجها ما يُهيِّج الجسد من الأوجاع. فبيان ذلك أنَّ النفس لا تتغيَّر في الجسد عند النوم، لأنَّ النفس كأنَّها تفارق الجسد في النوم وتتركه كالميِّت إلاَّ ما يبقى في الجسد من الحياة، وهي كمِّيَّةُ البخار لئلاّ يهلك الجسد. فأمّا النفس فإنَّها تبقى وتعمل عملها في النوم وهو الرؤيا؛ فإنَّها تكاد تعلَم ما هو كائن.

 

وإنَّ النفس تتفكَّر وحدها فتعلم عِلم طبائع الأجساد من غير أن يشاركها الجسد. ولو أنَّها كانت جسدًا لم تدخُل في الأجساد وتعلم طبائعهنَّ. ومن أجل أنَّ طبيعة النفس لا تتغيَّر بالجسد الذي اتَّحدت فيه من نحو كيانها، وإنَّما النفس كشبه الشمس والجسد كشبه الهواء، فكُلَّما دنت الشمس من الهواء ازداد الهواء استنارة وتغيَّر ويُوجَد في الهواء نورها، ولا تتغيَّر الشمس. فمن أجل هذا الذي قلتُ اتَّحدت الأنفس في الأجساد ولا تتغيَّر.

 

أقول: إنَّ شكل النفس يُخالف شكلَ الشمس، لأنَّ الشمس جسد وهي محدودة تحتاج إلى مكان ويمُنح ضوء الشمس أن يكون في مكان أجساد أُخَر. وكما أنَّ نورَ الشمس يُحَدّ، كذلك نور النار يكون في الحطب أو فيما كانت فيه يمتنع نورُها أن يكون في مكان آخر.

 

وليس كذلك النفس لأنَّها ليست بجسد ولا تُحدّ في مكان، ولكنَّها تدخل في كلِّ شيء من الجسد فتُنوِّر الجسد كلَّه وأجزاءه لأنَّ الجسد لا يملك النفس، ولكنَّ الجسد فيها من أجل أنَّها معقولة. ولا تمنع الأجساد النفسَ أن تدخل في كلِّها وتكونَ فيها، ولا يستطيع مكانٌ أن يحدَّها أو يمنعها أن تدخل فيه أو تخرج منه.

 

فإنَّها في كلِّ مكان معقولة، فبيان ذلك حين تُفكِّر النفس وتعقل لأنَّها ليست لها جثَّة ولا أجزاء متجسِّدة، فلذلك لم تحتج إلى مكان يحصُرها ويحبِسها، وكيف تستطيع أن تُحاطَ بالذي لا أجزاء له. وهو ألطف اللطيف، أو تحبَسَ في مكان، لأنَّ المكان هو للأجساد ذوات الجثَّة، فإنَّ حدَّ المكان هو المنتهى الذي يُحيط بما يحاط به.

 

فلو أنَّ رجلاً قال: إنَّ النفس إذا تفكَّرت الإسكندريَّة كانت بها، أو أرمينية أو الصين كان لا يحدُّها في مكان، ولكن كان يُقال ذلك، ولا يكون. فإنَّ ذلك لو كان حقٌّا لم تستطع أن تكون النفس حين يتفكَّر ذلك المتفكَّر في المشرِق أو في المغرِب في حفظه. ولكنّا نقول: إنَّما تذكر المكان الذي تفكَّرت فيه ولا تكون فيه.

(1) الاختلاف يعني تبدُّل الصفة qualité. والهرق (يهراق) flux يبدّل الوسع volume، والقطع يحوّل الشكل .

 

(2) الطبائع (أو: العناصر) الأربع حاضرة في الجسد، بنسة خاصّة وبصفةٍ تتوازن فيها الأمزجة وتحدّد الحياة والصحّة. والعناصر الأربعة عينها حاضرة في نسب خاصّة، في مختلف أنواع الأطعمة. وهكذا يُسند الطعامُ الحياة والصحّة حين يضع في الجسد ما ضاع من عناصر.

 

(3) هنا أدخل نميسيوس موضوعًا جديدًا: الطبيعيّ physique أو العناية. فنظريَّة الصحَّة هي التي أخذها نميسيوس عن جالينوس (131-201) Galien الطبيب اليونانيّ الذي اكتشف اكتشافات هامَّة في علم تشريح الأجساد وتركيبها ومن التقليد الطبّي لدى اليونان، جعل الصحَّة تقوم في المحافظة على توازن مثاليّ بين الصفات، وهذا ما يشكّل المزاج tempérament عند الإنسان.

 

(4) افترض الأقدمون أنَّ الطيور تتغذّى من الأرض، بينما هي تأكل النمل وسائر الحشرات المخفيَّة في الأرض.

 

(5) مجد الإنسان أن تغطّيه الثياب الحلوة، لا الطبيعة (جلد الحيوان). اعتُبر الإنسان »لا عريانًا« في الجنَّة. وجاءه العري بعد الخطيئة (تك 3:10).

 

(6) أخذت هذه الملاحظات من عالم الكيمياء والطبّ والزوؤلوجيا (أو: علم الحيوان) في خطّ Posidonius (135-51 ق.م.) الفيلسوف اليونانيّ الذي علَّم في رودس وكان من تلاميذه شيشرون خطيب رومه، وبومبيّوس القائد الرومانيّ.

 

(7) Epicure (341-270). فيلسوف يونانيّ. أسَّس في أثينة مدرسة، البستان، كما أطلق الإبيقوريَّة (بحث عن اللذَّة الطبيعيَّة والضروريَّة).

 

(8) Démocrite (460-370 ق.م.). تأثّر به إبيقور. هو فيلسوف يونانيّ سابق لسقراط. قسَّم الطبيعة إلى ذرات تتفاعل في فراغ لا حدود له.

 

(9) Stoa أو الرواق. هم الرواقيون Stoïciens الذين أسَّسهم زينون الفينيقيّ. هذا التيَّار هو عقلانيّة تربط رباطًا لا ينقطع بين المنطق والطبيعة والخلقيَّة، ويعتبر الكون »مدينة« يحكمها العقل.

 

(10) Critias (450-404 ق.م.). رجل سياسة أثينيّ. تلميذ سقراط وقريب أفلاطون. هو افتراض، ويمكن أن يكون شخص آخر.

 

(11) Hippone. من المدرسة الأيَّونيَّة ionienne في الفلسفة الماديَّة. ازدهرت في القرن السادس ق.م. ترك كتاب الطبيعيّ أو كتاب الطبيعة. اعتبر الحرارة والماء الوجودين الأساسيّين.

 

(12) Héraclite الأفسسيّ (540-475 ق.م.). انتقد النظريّات الماديَّة، وشدَّد على لاواقعيّة الحواسّ. فالمعرفة الحقَّة تنطلق من العقل ومن الذهن.

 

(13) Thalès de Milet (القرن السابع ق.م.) هو أبو الفلسفة اليونانيَّة.

 

(14) Pythagore (القرن السادس ق.م.) صاحب معتقد متصوّف.

 

(15) Platon (427-348/347)، فيلسوف يونانيّ من أصل أرستوقراطيّ تلميذ سقراط. ترك العديد من المؤلَّفات.

 

(16) Aristote (322-427). فيلسوف يونانيّ. تلميذ أفلاطون في الأكادميَّة، ومعلِّم الإسكندر المقدونيّ. له كتب عديدة، وهنا في البيولوجيا.

 

(17) Dinarque (361 ق- ؟). ابن كورنتوس العائش في أثينة. تلميذ أرسطو.

 

(18) لا نجد هذا الاسم في اللاتينيَّة بل »المانويّين« الذين حسِبَ نميسيوس تعليمهم موازيًا لتعليم اليونان.

 

(19) Ammonius Saccas جاء من الهند وأقام في الإكسندريَّة، فدرس النيوأفلاطونيَّة. من تلاميذه أفلوطين (205-270).

 

(20) Plotin هو صورة مميَّزة في النيوأفلاطونيّة.

 

(21) Numénius عُرف في آفامية (قلعة المضيق) كفيلسوف نيوفيثاغوريّ، في نهاية القرن الثاني المسيحيّ.

 

(22) إنَّ مفهوم الجسد الحيّ يكون له مبدأ يقود إلى العبث إذا افترض هذا المبدأ جسديٌّا في ذاته. هنا نستطيع القول إنَّ نميسيوس كان أمامه شرح نيوأفلاطونيّ لأرسطو حول النفس.

 

(23) قياس الجسد وصفته اعتبرا مزعجين للناظر. هذا ما ينسبه الرواقيّون إلى رفع خارجيّ للجسد باتّجاه الناظر. فالجسم لا يتفكَّك بل يبقى هو هو لأنَّ انشدادًا داخليٌّا يحلُّ فيه.

 

(24) نذكر اللون. فجسد أبيض متين هو أبيض في ثلاثة أبعاد (= مساوف) أمّا البياض فلا أبعادَ له في ذاته.

 

(25) هو مثل مأخوذ من أفلاطون في Phèdre.

 

(26) Xénocrate الخلقيدونيّ. وُلد سنة 396 ق.م. كان الكاتب عند أفلاطون. قال زينون (مؤسِّس الرواقيّين) وإبيقور إنَّهما سمعاه في أثينة. أمّا النظرة فهي تعليم عن النفس كأنَّها عدد، في الخطِّ الفيثاغوريّ.

 

(27) توجَّه هجوم نميسيوس على بعض الأنبياء الشرقيّين أو السحرة الذين وصلت آراؤهم إلى حمص.

 

(28) النتيجة التي وصل إليها نميسيوس هو أنَّ النفس ليست النسمة.

 

(29) Cléanthe (301-255). خلف زينون كرئيس للمدرسة الرواقيَّة في أثينة.

 

(30) Chrysippe (280-206 ق.م.). كان تلميذ Cléanthe وخلفه. اشتهر بمهارته في الجدل.

 

(31) ردَّ نميسيوس هنا على الرواقيّين الذين اعتبروا النفس »جسديَّة«. فالجسد له شكل هندسيّ فلا يدخل فيه شيء خارجٌ عنه. ولكنَّ »البياض« صفة فهو لاجسديّ لهذا يستطيع أن يمتزج بالجسد. فلا يستطيع الجسد أن يكون مع النفس، كما يكون مع اللون الأبيض. فالنفس لا ترتبط بالجسد على المستوى المكانيّ دأبًا وعادة (ديدنًا).

 

(32) Simias de Thèbes صاحب حوارات. في Criton الذي ألَّفه أفلاطون قيل عنه إنَّه أتى بالمال ليشتري تحرير سقراط من السجن.

 

(33) Phédon أحد كتب أفلاطون فيه نقاش بين الرأي الحقيقيّ والمعرفة.

 

(34) قالوا: النفس تشبه تناسق الأوتار في آلة موسيقيَّة، ممّا يعني أنَّها تأتي بعد الجسد. رفض نميسيوس هذا الموقف: فالنفس جوهر سابقٌ للجسد.

 

(35) كتب جالينوس في البيان مؤلَّفًا في خمسة كتب. بقيَتْ أجزاء منه في اللغة العربيَّة. سوف يذكر نميسيوس الكتاب الثالث من هذا المؤلَّف.

 

(36) Hippocrate هو أبو الطبّ. وُلد حوالي سنة 460 ق.م. أقام قرب Asclépios إله الطبّ. قال: الطبيعة هي مبدأ الصحَّة.

 

(37) .Latès وربَّما Thalès (625-547 ق.م.) عالِمٌ وفيلسوف يونانيّ من إيّونية، وأحد حكماء اليونان السبعة.

 

(38) Origène (185-251 ق.م.). ابن الإسكندريَّة والمعلِّم فيها قبل أن ينتقل إلى قيصريَّة فلسطين ويموت في صور (لبنان).

 

(39) Mothosلم نجد عنه شيئًا. يقول: الطبع أهمّ من اللون. فلا جسد بدون طبع، كما لا نار بلا حرارة. إذًا الطبع صفة ولا يمكن أن يكون النفس.

 

(40) عاد نميسيوس إلى تعليم أرسطو حول النفس وتركه لكي يعود إلى النيوأفلاطونيَّة وإلى النظرة المسيحيَّة.

 

(41) شدَّد فيثاغور على أهميَّة العدد. فالتجانس يعطي الصحَّة والنموّ للجسد. ولكن لا يمكن أن نجعل النفس تحت العدد.

 

(42) شفع أم وتر: عبارة تعني: زوج أم فرد.

 

(43) تشديد على quantité. تزداد وتنقص.

 

(44) النفس كائنٌ يتحرّك من ذاته فلا يضاف إليه شيء.

 

(45) .Eunomius ابن القرن الرابع. وُلد على الحدود بين الكبادوك وغلاطية سنة 356. تتلمذ على يد Aetius ونظَّم نسخة جديدة عن الأريوسيَّة، مع احتقار للتقليد الكنسيّ.

الفصل الثامن

 

غريغوار ابن أبو الفرج ابن العبريّ (1226-1286)

 

في الذكرى المئويَّة السابعة لوفاته(*)

 

مضت سبعماية سنة على وفاة أحد كبار فلاسفة الشرق ولاهوتيّيه، العلاّمة أبو الفرج الملقَّب بابن العبريّ، فاحتفلت الكنائس السريانيَّة بهذه الذكرى في دمشق وحلب وحمص والقامشلي وبيروت؛ وأفردت العراق يومين، يومًا في دير مار متّاي حيث دُفن ويومًا في الموصل؛ ونظَّمت الجامعة اللبنانيَّة سلسلة من المحاضرات دامت ثلاثة أيّام، تطرَّق فيها الباحثون إلى المجالات التي غاص فيها ابن العبريّ: اللاهوت والأخلاقيّات والكتاب المقدَّس والشعر والتاريخ؛ ونشرت دار المشرق تاريخ الزمان ببيروت. فمن هو هذا العظيم الذي احتفلنا بذكراه؟

 

أوَّلاً: حياة ابن العبريّ

 

  1. مولده

 

وُلد ابن العبريّ في ملطية، عاصمة أرمينيا الصغرى، سنة 1226. ونال في العماد اسم يوحنّا. واتَّخذ اسم غريغوار يوم رُسم أسقفًا سنة 1246. أمّا اسمه الكامل فهو أبو الفرج جمال الدين مار غريغوار ابن تاج الدين هارون بن توما المَلطيّ. انتمى إلى أسرة عريقة في المسيحيَّة والشرف، وكان أبوه هارون طبيبًا عالمًا، وجيهًا في قومه، نافذ الكلمة في أهل بلده(1).

 

كان لهارون أولاد نجباء هم ميخائيل وموفَّق ودمنيا ويوحنّا (غريغوار) وبرصوم. والظاهر أنَّهم توفُّوا جميعًا قبل غريغوار، ما عدا برصوم الصفيّ الذي كان شمّاسًا لأخيه، ثمَّ خلفه على كرسيّ المشرق سنة 1288، وظلَّ يشغل هذا المنصب حتّى وفاته في 1 من كانون الأوَّل سنة 1307. ونشير هنا إلى أنَّ برصوم أنجز ترجمة أخيه وأكمل التاريخ الكنسيّ الذي بدأه غريغوار وتوقَّف عنه سنة 1285، فأكمله أخوه حتّى سنة 1288.

 

أمّا عن لقب ابن العبريّ، فيقول المستشرقون(2) إنَّ أباه كان يهوديّ الأصل اهتدى إلى النصرانيَّة فلقِّب بابن العبريّ وانتقل هذا اللقب إلى أولاده. إلاَّ أنَّ البطريرك اغناطيوس أفرام الأوَّل برصوم(3) دحض مقال المستشرقين موردًا بيت شعر قاله ابن العبريّ عن نفسه: »إذا كان سيِّدنا المسيح سمّى نفسه سامريٌّا فلا غضاضة عليك إن دعوك ابن العبريّ، لأنَّ مصدر هذه التسمية نهر الفرات لا دينًا معيبًا ولا لغة عبريَّة«(4). فالأرثوذكس عامَّة ينكرون هذا التعليل ويقولون إنَّ هذا اللقب أطلق على العائلة لولادة أحد آبائها أو لولادة هارون نفسه في أثناء عبور نهر الفرات. أمّا بولس بهنام مطران بغداد السابق فيربط بين قرية كبيرة تسمّى »عبري« من أعمال جوباس، وملطية موطن غريغوار أبي الفرج فيقول: جلا جدُّ أبي الفرج عن هذا القرية إلى ملطية، إلاَّ أنَّ اسم القرية لاحقه فبقيَتْ النسبة في أحفاده(5).

 

  1. حداثته

 

عكف ابن العبريّ منذ حداثته على الدراسة والحفظ والتحصيل، فأتقن السريانيَّة والعربيَّة بعلومهما، وقرأ الطبّ على أبيه فتعلَّم منه شيئًا كثيرًا، وكذلك على غيره من أطبّاء العصر المشهورين. واشتغل أيضًا بالفلسفة واللاهوت فدرس مبادئهما على يد والده وحصَّل الكثير وهو لم يبلغ الثامنة عشرة من عمره.

 

ولكنَّ الكوارث التي حلَّت ببلده اضطرَّته موقَّتًا إلى الانقطاع عن التحصيل. فقد هجم المغول في صيف 1243 على ملطية واستولوا عليها، فهاجر معظم سكّانها إلى سورية ونزح هارون مع أسرته إلى أنطاكية وكانت آنذاك في يد الصليبيّين، فلمّا وصلوا إليها اعتزل ابنُ العبريّ العالمَ وتنسَّك في إحدى المغاور المجاورة. غير أنَّ البطريرك اغناطيوس سابا صرفه عن حياة العزلة هذه بعد أن وصل إليه خبر علمه وفضيلته فطلب إليه متابعة تثقُّفه علميٌّا وروحيٌّا ليستعدَّ لخدمة الكنيسة والمجتمع. وهكذا ذهب أبو الفرج إلى طرابلس (لبنان) مع رفيق له يدعى صليبا فتابع دراسة الطبِّ والبيان والمنطق على عالِم من علماء النساطرة اسمه يعقوب(6).

 

  1. الأسقف غريغوار

 

في سنة 1264، دعا البطريرك اغناطيوس (1222-1252) غريغوار ورفيقه، فرسم صليبا أسقفًا على كنيسة عكّا، وغريغوار أسقفًا على أبرشيَّة جوباس الصغيرة في منطقة ملطية وهو ابن عشرين سنة. ولم تمضِ سنة حتّى نقله البطريركُ إلى لاقبين في المقاطعة نفسها.

 

توفِّي البطريرك اغناطيوس سابا وخلفه ديونيسيوس عنجور (1252-1261) الذي تحزَّب له ابن العبريّ على خصمه ابن المعدنيّ. فنقل ديونيسيوس ابن العبريّ إلى كرسيّ حلب، إلاَّ أنَّ هذه المدينة كانت موالية لابن المعدنيّ فرفضت قبول الأسقف الجديد. حينئذٍ اضطرَّ غريغوار إلى الذهاب إلى دير مار برصوم وأقام عند بطريركه سنتين، ثمَّ قصد دمشق فنال حظوة عند الملك الناصر فرفع مكانته وأعاده إلى كرسيِّه مكرَّمًا. واستفاد ابن العبريّ من هذه الفترة من حياته فأكبَّ على المطالعة وأتمَّ دروسه الفلسفيَّة واللاهوتيَّة وأحكم اللغة العربيَّة، وبدأ يستعدُّ لحقبة جديدة في حياته.

 

ومن ثمَّ عاد إلى حلب بعد أن تحسَّنت علاقاته بابن المعدنيّ سنة 1258، ولكن حدثت في تلك السنة الغزوة المغوليَّة التي ضربت بغداد وقوَّضت الدولة العبّاسيَّة وزرعت الدمار في بلاد العراق وبعض أطراف الشام. وذهب ابن العبريّ لملاقاة هولاكو ليستعطفه على شعبه، ولكنَّ المغول أسروه وأعملوا السيف في رقاب سكّان حلب المدينة المنكوبة من مسيحيّين ومسلمين على حدِّ سواء(7). ولكنَّه في الأخير نال حظوة لدى هولاكو نفسه، نظرًا إلى مهنة الطبِّ التي كان يُتقنها.

 

  1. مفريان المشرق

 

قُتل البطريرك ديونيسيوس في كرسيِّه سنة 1261، ولم يعش البطريرك ابن المعدنيّ بعده طويلاً، فلحقه سنة 1263، وكان، قبل وفاته، قد اختار ابن العبريّ ليحلَّ محلَّه في مفريانيَّة الشرق. ولمّا خلفه اغناطيوس الثالث يشوع في كرسيّ البطريركيَّة سنة 1264، أقرَّ اختيار ابن العبريّ. وجرت حفلة التنصيب بأبَّهة فائقة في مدينة سيس بحضور الملك هايتوم الأرمنيّ وعظماء بلاطه، مع أساقفة اليعاقبة وأساقفة الأرمن في 19 من كانون الثاني سنة 1264. لا يخفى على القارئ أنَّ رتبة المفريان هي الرتبة الثانية في الكنيسة السريانيَّة، وصاحبها يأتي مباشرة بعد البطريرك، وله السلطة على الأساقفة في مفريانيَّته(8). أمّا مفريانيَّة المشرق فكانت تشمل الناحية الشرقيَّة من بلاد الرافدين والعراق العجميّ ومنطقة أشور، أي كلّ ما كان يدخل سابقًا في المملكة الساسانيَّة، فهي رعيَّة واسعة جدٌّا ومنتشرة في مناطق شاسعة.

 

أخذ المفريان الجديد يجوب أنحاء رعيَّته وظلَّ على هذا المنوال 22 سنة يعمل بغيرة ونشاط وإخلاص. تنقَّلَ بين نينوى ودير مار متّاي وبغداد والموصل ومراغة وتبريز، وكان يتفقَّد المؤمنين ويشجِّعهم. ومرَّ في بغداد مرَّتين، ولاقى إكرامًا لدى جثالقة المشرق، وزار تكريت سنة 1277 بعد أن مرَّ فيها التتر فأحدثت زيارتُه فرحًا عظيمًا لمدينة لم تحظَ بزيارة مفريان منذ ستّين سنة(9).

 

وزار هولاكو، الملك التتريّ، فحظيَ بعطفه ونال منه ثلاث براءات: واحدة له، وواحدة للبطريرك، وثالثة لأسقف قيساريّة قبادوقية (في تركيّا) اليعقوبيّ. وسهر على استتباب الأمن والراحة بين أبناء الرعيَّة، وأنشأ الكنائس والأديرة، واهتمَّ بكنيسة برطلة وهو في أواخر حياته سنة 1285. ويروي في تاريخه الكنسيّ أنَّه أقام خلال حياته اثني عشر أسقفًا ممَّن تميَّزوا بالفضيلة والعلم. ولم يقتصر نشاطه على أبناء رعيَّته، بل اتَّصل بالمسيحيّين من مختلف المذاهب من روم وأرمن ونساطرة. واتَّصل كذلك برجال الدولة المسلمين وبأرباب العلم والثقافة، فكثر أصدقاؤه في الأوساط المختلفة.

 

ومع كلِّ هذا النشاط، لم يألُ ابن العبريّ جهدًا في الاطِّلاع على خزائن الكتب والمحفوظات في الأديرة والمعابد. واستفاد خصوصًا ممّا وجده في مدينة مراغة، من أعمال أذربيجان، من وثائق ستساعده على تدوين كتبه التاريخيَّة.

 

وظلَّ ابن العبريّ على هذا المنوال في نشاطه إلى أن وافته المنيَّة في 30 من تمُّوز سنة 1286 في مدينة مراغة، وكان فيها مار يبلاها الثالث، جاثليق النساطرة التتريّ الأصل، فرأى أن يقام لابن العبريّ جنازة فخمة، فشارك فيها الروم والأرمن فضلاً عن اليعاقبة(10). ولقد وضع جثمانه في مذبح كنيسة السريان في مراغة ثمَّ نقل فدفن في دير مار متّاي، وهو لا يزال هناك إلى يومنا هذا موضع إكرام وتقدير.

 

ثانيًا: آثار ابن العبريّ

 

يقول السمعانيّ: »لم يكفَّ ابن العبريّ عن القراءة والكتابة منذ العشرين من عمره وحتّى نهاية حياته«. وكتاباته خير شاهد على علمه الشامل الذي تطرَّق إلى كلِّ فروع المعارف البشريَّة، وقد أحصى منها أخوه برصوما 31 كتابًا وصل إلينا أكثرها وأهمُّها.

 

  1. الآثار الفلسفيَّة

 

كانت الفلسفة الجامعة على الطريقة الأرسطاطاليَّة سهلة المنال مستقرَّة المقام بين المسيحيّين أبناء اللغة السريانيَّة، كما كان مفكِّرو المسلمين يأخذون بها أمثال الفارابي وابن سينا وابن رشد. وجاء ابن العبريّ فكان وريث ثقافة مزدوجة، فألَّف في العربيَّة والسريانيَّة، وهذه مؤلَّفاته الفلسفيَّة التي وصلت إلينا.

 

أ) بعض المؤلَّفات الفلسفيَّة

 

رسالتان في النفس دبَّجهما في العربيَّة: الأولى مقالة مختصرة في النفس البشريَّة، نشرها الأب لويس شيخو(11) سنة 1898، ويبدو أنَّ ابن العبريّ اقتدى فيها برسالة سريانيَّة بالعنوان نفسه للكاتب السريانيّ موسى بركيفا الذي نقل بدوره عن كتاب يونانيّ عنوانه في النفس البشريَّة لططيانس، نُسب خطأ إلى القدّيس غريغوار العجائبيّ(12). والرسالة الثانية مختصر في علم النفس الإنسانيَّة. نشرها القسّ بولس سباط في مصر سنة 1928 فجاءت في 74 صفحة(13)، وقد ألَّفها ابن العبريّ بناء على طلب ديونيسيوس عنجور أسقف ملطية قبيل سنة 1252، ووصلت منها نسخة نفيسة، أنجزت في أواخر القرن الثالث عشر أو أوائل القرن التالي، إلى يد البطريرك اغناطيوس برصوم فنشرها في »المجلَّة البطريركيَّة«(14) ثمَّ على حدة في حمص سنة 1938.

 

ب) الأحداق (كتوبو دبوبوتو):

 

كتيِّب في المنطق والفلسفة لا تتجاوز صفحاته الأربعين، ألَّفه بعد سنة 1275 فجاء في سبعة أبواب مبنيَّة على أورغانون (المنطق) أرسطو. نعرف منه ثلاث نسخ، واحدة في جامعة روكفلر بشيكاغو كُتبت سنة 1290، وثانية في لندن (رقم 1017)، وثالثة في كمبريدج (رقم 2005) والأخيرتان تعودان إلى سنة 1579، وهناك أيضًا نسخة في البطريركيَّة السريانيَّة الأرثوذكسيَّة وثانية في دير الشرفة(15).

 

ج) حديث الحكمة (سود سوفيا):

 

كتاب صغير يتضمَّن أربعة أبواب: المنطق، الفيزياء، الربوبيَّة، الأخلاق. نُشرت منه مقاطع في مجلَّة المعهد الطبّيّ العربيّ في دمشق، ونشره سنة 1940 البطريرك برصوم عن ترجمة عربيَّة عُملت بعد زمن المؤلِّف بمدَّة يسيرة وجاءت نسختها من سنة 1608(16).

 

وقبل أن نتطرق مطوَّلاً إلى كتاب زبدة الحكمة في الفلسفة، نشير هنا إلى كتاب تجارة الفوائد في المنطق والفلسفة، وهو مجلَّد يختصر كتاب زبدة الحكمة، وضعه المؤلِّف قبل سنة 1276 وبقيَتْ منه ستّ نسخ أقدمها خُطَّت في 20 من أيّار سنة 1276(17). قيل إنَّ هذا الكتاب نُقل من العربيَّة إلى السريانيَّة، والأمر يحتاج إلى دليل(18). ونشير هنا إلى أنَّ ابن العبريّ نقل من العربيَّة إلى السريانيَّة كتاب الإشارات والتنبيهات في المنطق والفلسفة وما وراء الطبيعة لابن سينا إجابة إلى رغبة القسّ شمعون آل توما الشرقيّ، رئيس أطبّاء الملك هولاكو(19)، كما نقل كتاب زبدة الأسرار في الفلسفة لأثير الدين الأبهريّ المتوفّى سنة 1264، ولكنَّ هذا الكتاب مفقود.

 

د) زبدة الحكمة (حاوت حكمي)

 

أهمُّ كتاب فلسفيّ تركه لنا ابن العبريّ هو زبدة الحكمة، يقع في مجلَّدين من 951 صفحة ولا يزال مخطوطًا. للمجلَّد الأوَّل نسختان قديمتان، الأولى في فلورنسا (عدد 186)، تعود إلى سنة 1340 وقد خطَّها القسّ الراهب نجم، والثانية في أوكسفورد (هونت 1)، خطَّها الراهب القسّ يوسف الكرجيّ سنة 1498، وأربع نسخ حديثة في كندناط (بلاط الملابار) وحلب ودير السيِّدة (خطَّت سنة 1818) وبرمنغام. وللمجلَّد الثاني نسختان قديمتان الأولى خُطَّت على عهد المؤلِّف وقد نُقلت في أواخر سنة 1285 وأوائل سنة 1286 وهي موجودة في الخزانة البطريركيَّة للسريان الأرثوذكس، والثانية موجودة في خزانة آمد الكلدانيَّة، ونسختان حديثتان، الواحدة في الخزانة البطريركيَّة وأخرى في برمنغام.

 

يتطرَّق المجلَّد الأوَّل إلى العلم المنطقيّ الفلسفيّ وفيه تسعة كتب: الأوَّل إيساغوجي أو المدخل؛ الثاني كتاب المقولات العشر كالجوهر والعرض؛ الثالث كتاب بريرمنياس أي العبارة؛ الرابع الأنالوطيقي الأوَّل وهو تحليل القياس؛ الخامس الأنالوطيقيّ الآخر أي البرهان؛ السادس كتاب طوبيقي أو ديالقطيقي وهو الجدل؛ السابع السوفسطيقي أي المغالطة أو الحكمة المموَّهة؛ الثامن ريطوريقي أي الخطابة؛ التاسع فوايطيقي أي الشعر.

 

في هذا المجلَّد الذي يقع في 365 صفحة اتَّبع ابن العبريّ طريقة أرسطو في طرح المواضيع، وقال في خاتمته: »هذا كلُّ ما وقفنا عليه من تعليم أستاذنا الفيلسوف الكبير أرسطاطوليس في كتاب الشعر، ويُخال لي أنَّ جزءًا غير يسير فضل منه، إمّا لم يُنقَل من اليونانيَّة أو السريانيَّة أو العربيَّة، أو نُقل ولم يصل إلينا. وإذا شاء الله وكان في الأجل نسخة فإنَّنا ننوي وضع كتاب كافٍ في هذا الفنّ، نستقصي فيه من الأقيسة ما وافق هذه اللغة وحسُنَ فيها وقعه وتتَّفق ألفاظه وتحمل معانيه التي تصادف قابليَّة طبيعيَّة للتخيُّل، كاجتماع الأضداد والمجانسة والاستعارة والمضادَّة والتتابع والمقايسة والمساواة والدلالة والتحقُّق وغير ذلك«(20).

 

أمّا المجلَّد الثاني فهو يتطرَّق إلى الطبيعيّات وفيه جزءان. في الجزء الأوَّل ثمانية كتب: الأوَّل كتاب السماع الطبيعيّ ويُعرف بسمع الكيان، يتضمَّن خمسة أبواب وفيه تعريف بالأمور العامَّة لجميع الطبيعيّات (أو الفيزياء) مثل المادَّة والصورة والحركة الطبيعيَّة والأسباب والنهاية وغير النهاية وتعلُّق الحركات والنهاية إلى محرِّك أوَّل واحد غير متحرِّك وغير متناهي القوَّة لا جسم له ولا هو في جسم؛ الثاني كتاب السماء والعالم، يتضمَّن خمسة أبواب وفيه تعريف بأحوال الأجسام، بالعناصر الأربعة وحركاتها ومواضعها، وبالحكمة في صيغتها وتفصيلها؛ الثالث كتاب الكون والفساد، فيه أربعة أبواب يشرح فيها حال الكون والفساد والتوالد والنشوء والاستحالات، ويبيِّن عدد الأجساد القابلة لهذه الأحوال؛ الرابع كتاب المعادن، فيه يذكر حال الكائنات الجماديَّة وما في المعادن والجبال والينابيع وحركة الأرض ووضع المسكونة؛ الخامس كتاب الآثار العلويَّة ويُسمَّى مترولوجيا، يتضمَّن أربعة أبواب وفيها يتكلَّم على الأحوال التي تعرض في العناصر الأربعة وتأثير السماوات والشهب والغيوم والصواعق والرياح والزلازل والبحار والجبال؛ السادس كتاب النبات، في أربعة أبواب، يبحث عن الكائنات النامية؛ السابع كتاب الحيوان، بأبوابه الستَّة، وفيه يعرف طبائع الحيوان وحال الكائنات الحيوانيَّة؛ الثامن كتاب النفس، في أربعة أبواب وهو يشتمل على معرفة النفس والقوى الداركة والمحرّكة التي في الحيوان وخصوصًا في الإنسان.

 

ويبقى الجزء الثاني من المجلَّد الأوَّل الذي يتضمَّن خمسة كتب: الفلسفة، العلم الإلهيّ ويسمّى أيضًا ما بعد الطبيعة وهو القسم النظريّ، والإيثيقيون، أي كتاب الأخلاق أو الحكمة الخلقيَّة وهو القسم العلميّ، تدبير الذات والمنزل، سياسة المدن(21).

 

  1. الآثار اللاهوتيَّة

 

كان ابن العبريّ أسقفًا ورئيس أساقفة، وكان أوَّل همومه تثقيف كهنته ورهبانه ليعلِّموا بدورهم الشعب المؤمن. لهذا صرف معظم وقته في تدبيج الكتب اللاهوتيَّة، فتطرَّق إلى الكتاب المقدَّس، وإلى ما نسمِّيه اللاهوت النظريّ أو التعليم في العقيدة، وإلى ما نسمِّيه اللاهوت الأدبيّ أي التعليم في الأخلاق والمسلك المسيحيّ والنسكيّات.

 

أ) مخزن الأسرار (أوصر روزي)

 

مخزن الأسرار مجلَّد ضخم فسَّر فيه ابن العبريّ أسفار العهدين القديم والجديد وفرغ من تدوينه سنة 1278(22). هذا المصنَّف لم يزل مخطوطًا، نَشر منه المستشرقان سبرنكلن وغراهام المجلَّد الأوَّل الذي يبدأ بسفر التكوين وينتهي بسفر صموئيل الثاني فجاء في 363 صفحة بحجم كبير(23). ولقد طبع كذلك كيتش وبرنستين المقدِّمة وبعض الشروح لمقاطع من سفر أيّوب في مختارات سريانيَّة(24)، وكان قد سبقهما العلاّمة يوسف شمعون السمعانيّ فنشر مقتطفات ونقلها إلى اللاتينيَّة(25). ثمَّ إنَّ الطلاّب الجامعيّين الألمان درسوا مخزن الأسرار، ونقلوا بعض أجزائه إلى اللاتينيَّة أو إلى الألمانيَّة بشكل أطروحة دكتورا. ونذكر على سبيل المثال أنَّ لارساو عُني في ليبزيغ بشرح الفصلين الأوَّلين من سفر التكوين، وأنَّ كلامروث اهتمَّ بأعمال الرسل والرسائل الكاثوليكيَّة، وأنَّ شوارتز درس إنجيل يوحنّا، وسبانوث إنجيل متّى(26).

 

هذا الكتاب الذي سخَّر له علمه بأسره تناول أسفار العهد القديم كلِّه، القانونيَّة الأولى والقانونيَّة الثانية(27)، وأسفار العهد الجديد، ولم يستثنِ منها إلاَّ سفر الرؤيا لأنَّ التقليد السريانيّ لم يجعله في رتبة سائر الكتاب القانونيَّة.

 

في هذا الكتاب الذي تعدَّدت نسخاته المخطوطة فأنافت على العشرين(28)، عاد ابن العبريّ إلى السبعينيَّة والبسيطة وأفاد من الحرقليَّة والهكسبلة(29) واستشهد بالأرمنيَّة والقبطيَّة ليضبط النصَّ الذي يفسِّر، فشرح الآيات مستندًا إلى تفاسير الأقدمين أمثال أوريجان المصريّ وأوسيب القيصريّ، وأثناز الإسكندرانيّ وأفرام السريانيّ وغريغوار النازينزيّ وفيلوكسين المنبجيّ وسويريوس الأنطاكيّ وغيرهم. غير أنَّه لم يقرأ مباشرة هذه النصوص بل وجدها في شُرّاح السريان السابقين. وهنا نشير إلى أنَّ ابن العبريّ يقف على مفترق طريقين: الطريق النسطوريَّة من تيودور بركوني وإسكوليّاته(30) التي جمعها في نهاية القرن الثامن، إلى المسائل المختارة لإيشوع برنون (+828) إلى إيشوعداد المروزيّ وحنانيشوع برسروشويه، إلى الشرح المجهول الاسم، إلى جنَّة الأطياب (أو: جنّة النعيم)، والطريق السريانيَّة ابتداءً من تيودور المبسوسطيّ وفيلوكسين المنبجيّ (+523) إلى يعقوب الرهاويّ (+708) وموسى بركيفا وديونيسيوس الصليبيّ.

 

شرح ابن العبريّ الكتاب المقدَّس شرحًا لفظيٌّا ولغويٌّا، وهذا ما نسمِّيه المعنى الحرفيّ، وشرحه شرحًا روحيٌّا ورمزيٌّا فاكتشف في نصوصه المعنى النهائيّ للكتاب وهو يسوع المسيح وكنيسته.

 

ب) منارة الأقداس

 

منارة الأقداس موسوعة كبيرة تحتوي عرضًا شاملاً للتعاليم الأرثوذكسيَّة، وسيوجزها ابن العبريّ في كتاب الأشعَّة(31). أمّا نحن فنتحدَّث عن منارة الأقداس.

 

هذا الكتاب الذي ذكره السمعانيّ في حديثه عن المكتبة الشرقيَّة الفاتيكانيَّة وصل إلينا في مخطوطات عدَّة توزَّعت بين الشرق والغرب. الأوَّل مخطوط الفاتيكان (عدد 168) يعود إلى القرن الرابع عشر وهو أفضل المخطوطات التي نَقلت إلينا منارة الأقداس لكتابته الواضحة ونصِّه الصحيح الذي لا تشويه فيه. الثاني مخطوط برلين (رقم 190) الذي دوَّنته يدان مختلفتان واحدة سنة 1430، وأخرى سنة 1693، فجاء قريبًا من مخطوط الفاتيكان. ودُوِّن مخطوط فلورنسا في عمودين (سنة 1387) بخطٍّ جميل مع بعض الكلمات المشطوبة والتصحيحات. ويعود مخطوط كمبريدج بإنكلترا إلى القرن الخامس عشر وهو يرتبط بمخطوط فلورنسا، والأخطاء مشتركة ما بينهما. والخامس مخطوط باريس (رقم 210) يعود إلى سنة 1404، كُتب بخطٍّ كبير واضح. تشوَّهت بعضُ كلماته فحاول أحد النسّاخ تصحيحها في ما بعد (سنة 1587). يرتبط مخطوط باريس في بعض عناصره بالفئة الأولى الممثَّلة بمخطوط الفاتيكان ومخطوط برلين، وفي بعضها الآخر بالفئة الثانية الممثَّلة بمخطوط فلورنسا وكمبريدج. ويجدر القول إنَّه منه انطلقت الترجمات العربيَّة لمنارة الأقداس في القرنين السابع عشر والثامن عشر.

 

هذا في الغرب، أمّا في الشرق فهناك مخطوط دير القدّيس مرقس بأورشليم القدس الذي دُوِّن سنة 1590 فجاء ببعض موادِّه قريبًا من مخطوطي الفئة الأولى، ومخطوط مطرانيَّة السريان الأرثوذكس في بيروت الذي يعود إلى القرن الرابع عشر ومخطوط الحسَكة في الجزيرة الذي يعود إلى سنة 1405.

 

نقل كتابَ منارة الأقداس إلى العربيَّة الشمّاس سرجين ابن الأسقف يوحنّا بن غرير الدمشقيّ وتوزَّعت نسخاته على المكتبة الوطنيَّة بباريس (سنة 1656) والمكتبة البودليّة في أوكسفورد (سنة 1656) ومكتبات لندن وكمبريدج، والشرفة والشرقيَّة في لبنان.

 

تتألَّف منارة الأقداس من اثني عشر ركنًا أو بابًا، وكلُّ باب يتضمَّن فصولاً وأقسامًا.

 

الباب الأوَّل: العلم بوجه العموم وفيه فصلان، يتطرَّق الفصل الأوَّل إلى إمكانيَّة اقتناء العلم، والفصل الثاني إلى المنطق. بعد مقدِّمة دوَّنها ابن العبريّ فأبان فيها أنَّ عصره يستخفُّ بالإيمان الحقِّ والعلم الحقّ، يعلن هو أنَّ هذا ما دفعه إلى جمع تعاليم الفلسفة والعلوم والطبيعة في موسوعة ونقدها وتمحيصها بطريقة فلسفيَّة. أمّا هدف الباب الأوَّل فهو القول بأنَّ قمَّة الكمال هي عند الإنسان، الكائن العاقل الباحث عن العلم الذي نقتنيه عن طريق الحواسّ والعقل. ويورد ابن العبريّ الشواهد المأخوذة من الكتاب المقدَّس والآباء المعلِّمين من يونان وسريان. وبعد أن يرسم صورة عن الإنسان المثاليّ يرُدُّ على أعداء الحكمة وعلى الرافضين حقيقة العلم بواسطة الحواسّ والعقل(32).

 

ويصف الكاتبُ في الباب الثاني العالمَ كما خُلق في ستَّة أيّام. عاد ابن العبريّ إلى الأدب السريانيّ من خلال تعليم موسى بركيفا عن الستَّة أيّام فاستقى المادَّة اللاهوتيَّة. واستند إلى الفكر اليونانيّ فقرأ أرسطو عند السريان والعرب، ولم ينسَ كتبًا مثل تاريخ الهند للبيرونيّ، ومروج الذهب ومعادن الجوهر للمسعوديّ، وتقويم البلدان لأبي الفداء. في الفصل الأوَّل يعالج قضيَّة العالم الأزليّ ويعتبر أنَّه مرتبط بالزمن، وفي الفصل الثاني يتطرَّق إلى زوال العالم، وفي الفصل الثالث يعدِّد الخلائق التي كوَّنها الله(33).

 

الباب الثالث يتحدَّث عن اللاهوت: تأكيد وجود الخالق، واجب الوجود والمعبود في كيانه، الله الأزليّ الدائم، الله الخالق الذي لا جسم له مع أنَّنا نقول عنه إنَّه يَسمع ويَرى. الخالق يعرف ذاته وكلَّ الخلائق، هو لا يُرَى بعين الجسد، وهو الخفيّ الذي لا يُدرك. ويُعلن ابن العبريّ أنَّ الله واحد وأنَّه مثلَّث الأقانيم في طبيعة واحدة. وهذا يعني أنَّ الابن والروح القدس ليسا مخلوقين كما يقول أتباع آريوس ومقدونيوس، بل مساويان للآب في الجوهر(34).

 

ويتطرَّق ابن العبريّ في الباب الرابع إلى سرِّ التجسُّد وإمكانيَّة حدوثه فيعود إلى المحصول في الفقه لفخر الدين الرازيّ ليدافع عن عقيدته من الوجهة العقليَّة. ويورد النبوءات والمعجزات التي تسند عقيدة التجسُّد(35). وفي الباب الخامس يبرهن عن وجود الملائكة وعن عددهم وخلقهم وطبيعتهم ودورهم في مخطَّط الله، فيستند إلى ديونيسيوس المنتحَل الذي يُعتبر حجَّةً عند اليعاقبة ويوحنّا الدمشقيّ في كتابه الإيمان الأرثوذكسيّ وموسى بركيفا في كتابيه خلق الملائكة والرتب الملائكيَّة اللذين ضاعا في السريانيَّة ووُجدا في العربيَّة في مكتبة كمبريدج. ويستفيد ابن العبريّ أيضًا من الفلاسفة العرب ولاسيَّما الفارابي وابن سينا(36).

 

بعد الباب السادس الذي يتحدَّث عن الكهنوت(37) يعود ابن العبريّ في الباب السابع إلى كائنات روحيَّة أخرى هم الأرواح الشرّيرة: وجودهم وطبيعتهم. يورد الكاتب آراء المانويّين الذين يعتبرون الشرَّ كائنًا يواجه إله الخير، وأولئك القائلين بعدم وجود الشياطين فيردَّ عليهم راجعًا إلى البراهين العقليَّة وتلك المأخوذة من الكتب المقدَّسة(38). موضوع الباب الثامن، النفس العاقلة(39) والباب التاسع، الحرِّيَّة والإرادة. هنا يتحدَّث الكاتب عن الخير والشرّ، عن العناية الإلهيَّة والإرادة الإلهيَّة، عن حرِّيَّة الإنسان ونهاية حياته(40). موضوع الباب العاشر، إحياء الموتى أو قيامة الأجساد(41). في هذا الباب ثلاثة فصول، الفصل الأوَّل: عودة الفاني إلى الوجود والأمر ممكن رغم معارضة المعارضين؛ الفصل الثاني: القيامة أو تجديد الأجساد البشريَّة التي تقوم حقٌّا يوم القيامة. قال الكتاب: »أنا المميت وأنا المحيي«(42)، وقال أيضًا: »ها أنت تصنع للأموات عجائب فيقوم الجبابرة ويمدحونك والذين في القبور يحدِّثون بنعمتك«(43)، وقال أيضًا: »أمواتك يحيون وجثثهم تقوم«(44). ويورد مقال الصادوقيّين الذين يُنكرون قيامة الموتى ويردُّ عليهم. وفي الفصل الثالث يتطرَّق الكتاب إلى المسألة التالية: كيف تكون الأجساد عندما تقوم؟

 

في الباب الحادي عشر وعنوانه النهاية والدينونة ومجازاة الأخيار والأشرار(45)، يتوقَّف ابن العبريّ عند علامات نهاية الأزمنة، عند سعادة الأخيار وشقاء الأشرار، عند ارتباط الإيمان بالأعمال والمجازاة في العالم الآخر. والباب الثاني عشر عنوانه: فردوس عدن والنظريّات المتعلِّقة بحالة السعادة(46). الفردوس أين يوجد وكيف تكون الحياة فيه؟ ماذا نعني بشجرة الحياة، وشجرة معرفة الخير والشرّ والحيَّة التي أغوت بيت آدم؟

 

  1. في اللاهوت الأدبيّ

 

نتوقَّف في هذا المجال عند ثلاثة كتب تجمع بين القوانين والأخلاق والنسكيّات. وهذه الكتب هي: النوموكانون أو كتاب التوجيهات (كتوبو درمزي)، الإيثيقون أو علم الأخلاق، الحمامة (كتوبو ديونو) وهو مختصر في ترويض النسّاك.

 

أ) النوموكانون

 

النوموكانون أو مجموعة القوانين اسمه في السريانيَّة كتوبو دهودويي أو كتاب الهدايات في الشرع الدينيّ والمدنيّ. نشره في السريانيَّة(47) الأب بول بيجان اللعازريّ سنة 1898 ونقله إلى العربيَّة دانيال بن الخطّاب (+ 1382) تحت عنوان القوانين البيعيَّة كما نقله يوحنّا بن غرير (نهاية القرن السادس عشر) وأسماه الهدايات، وفيلوكسين يوحنّا الدولبانيّ سنة 1929 وأسماه الهدى أو الهدايات، ولكن هذه الترجمات لا تزال مخطوطة. يقع كتاب الهدايات هذا في أربعين فصلاً نورد بعضًا منها: العماد، الميرون، القربان، الأصوام والأعياد، الجنائز، الدرجات والرتب الكهنوتيَّة، الأملاك والزواج، الوصايا، الوراثة، البيع والشراء…

 

يَرجع ابن العبريّ في كتابته إلى تعليم أداي ومجامع أنقره ونيوقيساريَّة ونيقية وأنطاكية واللاذقيَّة وقسطنطينيَّة وسليق وخلقيدونيا، ويستفيد ممّا كتبه الآباء الأقدمون: إقليميس، ديونيسيوس الأثينيّ، وفيلوكسين ويوحنّا التلّي وسويريوس الأنطاكيّ ويعقوب الرهاويّ. كما نقل قوانينَ وجدَها عند البطاركة السريان أمثال جرجس الأوَّل (758-790) وقرياقس (793-817) وديونيسيوس الأوَّل التلمحريّ (818-845) وميخائيل الأوَّل الكبير (1166-1199) وغيرهم.

 

ب) الإيثيقون

 

الإيثيوقون أو علم الأخلاق لحسن السلوك في الدين والدنيا. أتمَّ ابن العبريّ تأليفه بمراغة في 15 تمّوز 1279 ونشره بول بيجان(48) ونقله إلى العربيَّة داود الحمصيّ ويوحنّا بن غرير. وهاتان الترجمتان لا تزالان مخطوطتين، ونقله أيضًا المطران بولس بهنام ونشره في مجلَّة المشرق الموصليَة قبل أن ينشره على حدة في القامشلي سنة 1967.

 

يُقسَم الكتابُ إلى أربعة أبواب، الباب الأوَّل: تنظيم الحركات التي تساهم في تهذيب الجسد وقمعه (الصلاة، السهر، الطقوس، الألحان، الأصوام، العزلة، الحجّ إلى أورشليم)؛ الباب الثاني: أعمال الجسد من أكل وشرب وزواج شرعيّ وطهارة جسديَّة وواجبات الحال والأشغال اليدويَّة والصدقة؛ الباب الثالث: الأهواء المنحرفة وكيفيَّة التخلُّص منها: تهذيب النفس، الشراهة، العهارة، خطايا اللسان…؛ الباب الرابع: تزيين النفس بأنواع الفضائل: كيف نكتسب فضائل العلم والإيمان والصبر…

 

الباب الأوَّل والثاني يتوجَّهان إلى جميع المسيحيّين، أمّا الثالث والرابع فإلى طلاّب معرفة الله عن طريق النسك والتوحُّد.

 

تأثَّر ابن العبريّ في كتاب الإيثيقون هذا بإسحق النينويّ ويوحنّا الدلياتيّ ويوحنّا رئيس الدير أو يوحنّا السلَّميّ وبالأخصّ بالأنبا أواغريس الذي يمثِّل الحركة الأوريجانيَّة المتطرِّفة، كما تأثَّر بالمواضيع التي طرقها الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين.

 

ج) كتاب الحمامة

 

آخر ما ألَّفه ابن العبريّ كتاب الحمامة (كتوبو ديونو) وهو مختصر في ترويض النسك. أنشأه باقتراح بعض عشّاق النسك وأسماه الحمامة رمزًا إلى الروح القدس الذي يعمل في قلوب الكاملين. نشره الأب بول بيجان في باريس وليبزيغ بعد كتاب الإيثيقون(49)، والأب قرداحي في رومه سنة 1898، ويوحنّا دولبانيّ في دير الزعفران سنة 1916، والمطران شيشق في هولنده سنة 1983. نُقل إلى العربيَّة سنة 1299 وسُمِّي كتاب الورقاء في علم الارتقاء، ونقله أيضًا الخوري يوحنّا بن غرير الزربابيّ الشاميّ في منتصف القرن السابع عشر. ثمَّ نقله الأب يوسف حبيقه ونشره في مجلَّة المشرق البيروتيَّة(50)، ونشر البطريرك زكّا عيواص النصَّ السريانيّ مع ترجمته العربيَّة في بغداد(51).

 

يُقسَم كتابُ الحمامة إلى أربعة أبواب، الباب الأوَّل: التمارين الجسديَّة الواجب القيام بها في الدير؛ الباب الثاني: العمل الروحيّ في القلاّية؛ الباب الثالث: في الراحة الروحيَّة التي تغمر النفس وكأنَّها تغطِّيها بالسحاب حيث يسكن الربّ؛ الباب الرابع: قسم شخصيّ يتحدَّث فيه المؤلِّف عن كيفيَّة عودته إلى الخير والصلاح بقراءة كتابات أواغريس والنسّاك الآخرين. وفيه يشبه ابنُ العبريّ الغزاليّ في كتابه المنتقذ من الضلال. ويضيف الكاتب إلى القسم الرابع مئة حكمة عبَّر فيها بطريقة مكثَّفة عن اختباراته الروحيَّة السامية.

 

  1. المصنَّفات التاريخيَّة

 

يضيق بنا المقام إن نحن توقَّفنا عند مصنَّفات ابن العبريّ النحويَّة – وقد وضع في هذا المجال كتاب الأضواء وكتاب الغراماطيق – أو عند مصنَّفاته الشعريَّة التي تدور حول الوصف والحكَم والإخوانيّات. ولذا ننتقل حالاً إلى المصنَّفات التاريخيَّة التي هي أهمُّ آثار ابن العبريّ وأدعاها لتقدير علماء العصر. نتحدَّث عن تاريخ الزمان، والتاريخ الكنسيّ، وتاريخ مختصر الدول.

 

ترك لنا ابن العبريّ في السريانيَّة مؤلَّفًا واحدًا فسيحًا هو التاريخ (مكتبنوت زبني). يُقسم إلى قسمين الواحد دينيّ والآخر مدنيّ. إلاَّ أنَّه فُصل بينهما في الطبعات الحديثة فكان منهما كتابان مستقلاّن: التاريخ السريانيّ أو تاريخ الزمان والتاريخ الكنسيّ. وأخذ الكاتب بالأسلوب المتَّبع في عصره، والذي كان يقضي بأن تُجمع في عهد الملك الزمنيّ أو الرئيس الدينيّ، أشهر الأحداث والمعلومات المتنوِّعة، حتّى الأخبار والنوادر. وإليك على سبيل المثال ما حدث في أيّام الخليفة العبّاسي الناصر بن المستضيء الذي بدأت خلافته سنة 1180 وانتهت سنة 1225. لما بُويع بالخلافة قبض على الوزير ابن العطّار وزجَّه في السجن… وفي سنة 1181 زحف صلاح الدين ليناوش السلطان قلبح… الذي كان يسيء معاملة زوجته… وفي تلك الغضون سرَّح البرنس صاحب أنطاكية امرأته اليونانيَّة الشرعيَّة واتَّخذ امرأة زانية… وفي تلك السنة مات سيف الدين… صاحب الموصل… وفي السنة 1181 مرض الملك الصالح إسماعيل صاحب حلب…(52).

 

أ-تاريخ مختصر الدول

 

امتدَّت كتابة التاريخ العام حتّى سنة 1285، ولكنَّه كان في السريانيَّة فرغب إليه بعض أصدقائه من وجهاء العرب في مراغة أن ينقل إلى العربيَّة تاريخه السريانيّ فلبّى الطلب وأقبل على العمل فأتمَّه إلاَّ بعض صفحات منه في نحو شهر، بإنشاء على جانب من التهذيب والوضوح متوخِّيًا فيه الاختصار. إلاَّ أنَّه ضمَّنه أمورًا كثيرة لا تُوجَد في المطوَّل السريانيّ ولاسيَّما في ما يتعلَّق بدولتَي الإسلام والمغول، وتراجم العلماء والأطبّاء خاصَّة. وهكذا كان لنا من يد ابن العبريّ بالذات تاريخ مختصر الدول(53).

 

يذكر ناشر الكتاب الأب صالحانيّ في مقدِّمة الطبعة الأولى أنَّ هذا التاريخ طُبع لأوَّل مرَّة سنة 1663 في مدينة أوكسفورد بالعربيَّة واللاتينيَّة بمراجعة العلاّمة بولوك(54)، ونُقل إلى الألمانيَّة سنة 1783 على يد العلاّمة باور. »ولمّا عزَّ الآن وجود الطبعة الأولى، يقول الأب صالحانيّ، استفزَّتنا محبَّة هذه البلاد إلى إعادة طبع هذا التاريخ«. قابل المخطوطات بعضها ببعض فتسنّى له أن يكمِّل ما كان من النقص في النسخة المطبوعة في أكسفورد.

 

وندخل في بداية كتاب تاريخ مختصر الدول منطلقين ممّا قاله ابن العبريّ: »وبعد فهذا مختصرٌ في الدول قصدت في اختصاره الاقتصار على بعض ما أُوتي في ذكره اقتصاص إحدى فائدتي الترغيب والترهيب من أمور الحكّام والحكماء خيرها وشرّها على سبيل الالتقاط من الكتب الموضوعة في هذا الفنّ بلغات مختلفة سريانيَّة وعربيَّة وغيرها مبتدئًا من أوَّل الخليقة ومنتهيًا إلى زماننا. وهو مرتَّب على عشر دول داولها الله تعالى بين الأمم فتداولها تداولاً بعد تداولب55. ويبدأ الكاتب من دولة الأولياء، من آدم إلى قضاة بني إسرائيل وملوكهم إلى الكلدانيّين واليونان والعرب المسلمين حتّى يصل إلى ملوك المغول.

 

ب- التاريخ الكنسيّ

 

وقبل أن نرجع إلى تاريخ الزمان، نقول كلمة في التاريخ الكنسيّ الذي نشره أبيلوس ولامي في لوفان(56)، ونقلاه إلى اللغة اللاتينيَّة. كما نقل القسّ إسحق أجزاء منه إلى اللغة العربيَّة في المشرق البيروتيَّة(57).

 

يتطرَّق التاريخ الكنسيّ إلى التاريخ الدينيّ والكنسيّ في الشرق وهو يُقسم إلى قسمين: يبدأ القسم الأوَّل بذكر أحبار العهد القديم منذ هارون ويواصل سلسلة بطاركة أنطاكية المونوفيسيّين (أي السريان أصحاب الطبيعة الواحدة) منذ سويريوس الأنطاكيّ أي منذ سنة 512. في هذا القسم يرتبط ابن العبريّ بميخائيل السريانيّ الكبير ويكاد ينقل تاريخه نقلاً حرفيٌّا. أمّا القسم الثاني من التاريخ الكنسيّ فيتطرَّق إلى الكنيسة السريانيَّة الشرقيَّة منذ بداية النسطوريَّة في القرن الرابع الميلاديّ فيورد سلسلة الجثالقة والبطاركة النساطرة المقيمين في ساليق وقطيسفون وسلسلة المفارنة المونوفيسيّين المقيمين في تكريت. هذا القسم الثاني هو مصدر مهمّ جدٌّا لمعرفة تاريخ الكنيسة السريانيَّة في الشرق. وكما عاد ابن العبريّ في القسم الأوَّل إلى البطريرك ميخائيل السريانيّ، عاد في القسم الثاني إلى ماري بن سليمان (القرن الثاني عشر) في كتابه المجدل الذي وضعه بالعربيَّة.

 

نشير هنا إلى أنَّ ابن العبريّ واصل هذا التاريخ إلى سنة 1285، ثمَّ جاء أخوه المفريان برصوم فأكمله إلى سنة 1288، وبعد ذلك واصل الكتابة فيه أدي السبيرينيّ حتّى سنة 1496.

 

ج- تاريخ الزمان

 

هذا الكتاب لقي اهتمام المؤرِّخين منذ القرن الثامن عشر فنشروا منه مقاطع عديدة ونقلوها إلى اللغات اللاتينيَّة والفرنسيَّة والإنكليزيَّة والألمانيَّة(58). ثمَّ نُشر كاملاً على يد الأب بول بيجان(59) ونقله إلى الإنكليزيَّة العلاّمة واليس(60) وإلى العربيَّة القس إسحق أرملة(61).

 

يبدأ تاريخ الزمان أو التاريخ المدنيّ بعهد آدم ملك الأرض كلِّها. وينقلنا ابن العبريّ إلى عهد الآباء، نوح وإبراهيم وإسحق ويعقوب، ثمَّ إلى القضاة مثل جدعون ويفتاح وشمشون فيصل بنا إلى عهد داود الملك وخلفائه. بعد هذا ننتقل إلى مملكة الكلدان فمملكة الفرس الأولى أي الأخيمينيّين فإلى عهد الإسكندر فالبطالسة حتّى كليوبترا، فإلى عهد أوغسطس. ومنذ عهد الهجرة يحتلُّ الخلفاء المسلمون محلَّ الأباطرة البيزنطيّين بانتظار أن يُفسحوا المجالَ لملوك المغول والتتر الذين عاش ابن العبريّ في أيّامهم.

 

ونستفيد من المقدِّمة التي دوَّنها الأب فيّيه في بداية تاريخ الزمان فنقول كلمة في ابن العبريّ المؤرِّخ. فهو على غرار ما نجده عند المؤرِّخين العرب كابن العميد في المجموع المبارك والتاريخ لابن الأثير وتاريخ الأمم والملوك لأبي جعفر الطبريّ، يورد ما حفظه من أعمال سابقيه ثمَّ يضيف معلومات تتناول الحقبة المعاصرة له. لم يكن ابن العبريّ أوَّل من كتب في التاريخ بين السريان. فقد سبقه بطريرك أنطاكية ميخائيل الأوَّل الملقَّب بالسريانيّ الكبير الذي وصل بتاريخه إلى سنة 1196، والرهاويّ المجهول الذي كتب حتّى سنة 1234؛ هذا فضلاً عن الذين يذكرهم البطريرك ميخائيل وهم يوحنّا الأفسسيّ ويعقوب الرهاويّ وديونيسيوس التلمحريّ وديونيسيوس الصليبيّ وغيرهم. يبدو أنَّ ابن العبريّ لم يستفد كثيرًا من الرهاويّ المجهول، ولكنَّه أكمل تاريخ ميخائيل السريانيّ حتّى سنة 1285(62).

 

لم يعش ابن العبريّ في عزلة بعيدًا عن الملوك والأمراء. فأبوه كان طبيبًا لأحد قادة المغول، ولمّا صار صاحب المقام الأعلى لكنيسته في المملكة المغوليَّة اعترف المغول بسلطته وأعطوه وثيقة بذلك، وبفضل هذه الوثيقة شارك في احتفالات البلاط الرسميَّة وبالأخصّ في تنصيب الخان أحمد تكودار. ثمَّ إنَّه خلال إقامته في مراغة، إحدى عواصم المغول، استفاد من مكتبتها ووثائقها فدوَّن تاريخ حقبة هامَّة. ولم يكمِّل أحد تاريخ المغول بعده حتّى قام بتلك المهمَّة المؤرِّخ رشيد الدين الطبيب والسياسيّ الإيرانيّ المتوفّى سنة 1318.

 

الخاتمة

 

تحدَّثنا وأطلنا الحديث عن غريغوار أبي الفرج ابن العبريّ، والموضوع واسع. فهو المفكِّر الذي اكتنه الفلسفة اليونانيَّة فروى أخوه عن بعض المسلمين قولَهم: »كلَّما سمعوا المفريان غريغوار يشرح لهم قضيَّة يتصوَّرون أنَّهم يتلقَّون العلم مباشرة عن أرسطو نفسه«. وهو اللاهوتيّ الذي شبَّهه المستشرقون بالقدّيس ألبرتُس الكبير أو القدّيس توما الأكوينيّ ففاقهما بسعة معارفه وتشعُّبها. وهو المؤرِّخ الذي نقل تاريخ ميخائيل السريانيّ مضيفًا إليه تسعين سنة فأعطانا عن المغول خاصَّة فكرة صحيحة لم نكن لنصل إليها لو أنَّنا اكتفينا بالمؤرِّخين العرب.

 

قالوا فيه إنَّه كتب في كلِّ مطلَب وفنٍّ فنقصه الاختصاص الذي هو شرط أساسيّ في تقدُّم العلم الإنسانيّ. ولكنَّهم نسوا أنَّه المعلِّم لشعبه والراعي الذي يهمُّه تثقيف القطيع ثقافة تساعده على عيش إيمانه والردِّ على المعارضين لهذا الإيمان. من أجل ذلك عرض ابن العبريّ للمعارف التي تمثَّلها بسرعة ودقَّة، فأمكنه إخراجها بترتيب ووضوح في مختلف الميادين التي جال فيها نشاطه العجيب. هو الذي عاش في حقبة من القلاقل والاضطرابات تضاءلت فيها المعرفة وانحطَّت الدراسات العلميَّة. كان عليه واجب استخلاص كنز السريان الثمين وتنسيقه ونشره للأجيال المقبلة، فوُفِّق إلى ذلك واستحقَّ تكريم اللاحقين فسمُّوه: علم الهدى وكهف التقى وتاج الأمَّة وإمام الأئمَّة وأعجوبة من أجلِّ أعاجيب الدهر

 

في الإنسان ف7 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

مفهوم الحرية عند نميسيوس ف6 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

مفهوم الحرية عند نميسيوس ف6 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

مفهوم الحرية عند نميسيوس ف6 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

 

الفصل السادس

 

مفهوم الحرِّيَّة عند نميسيوس الحمصيّ(*)

 

الحرِّيَّة في الإنسان هي قمَّة الإنسان. فما يميِّز الإنسان هو أنَّ وجوده لا يرتبط بحتميَّة تامَّة وصارمة كسائر المخلوقات. إنَّه مدعوٌّ إلى أن يحقِّق كيانه. وهو عندما يتخلَّى عن سمةٍ تكوِّن جوهره، يتخلَّى عن ذاته. الإنسان مسؤول عن حرِّيّته، فيختار أن يعمل هذا العمل أو ذاك، أن يمتنع عن هذا العمل أو ذاك. وهذا يفترض أن لا يكون إكراهٌ يحملنا على ما لا نرضى به، أو ضرورة تفرض ذاتها علينا، ليكون مبدأ عملنا في ذاتنا، لا في قوَّة خارجة عنّا.

 

عندما نتحدَّث عن الحرِّيَّة من الوجهة الأدبيَّة والأخلاقيَّة، تطالعنا مشكلةُ المسؤوليَّة وما يتبعها من ثواب وعقاب. وعندما نتحدَّث عن الحرِّيَّة من الوجهة الفلسفيَّة واللاهوتيَّة تقفُ أمامنا مشكلةُ الجبريَّة أو سلطة القضاء والقدر، ومشكلة حرِّيَّة الإنسان تجاه إله يعرف كلَّ شيء ويقدر على كلِّ شيء.

 

في هذا الإطار من التساؤلات يندرج فكر نميسيوس، هذا الفيلسوف الحمصيّ الذي عاش في الجيل الرابع المسيحيّ وألَّف كتابًا سمّاه طبيعة الإنسان. انطلق من ثقافته اليونانيَّة وعقيدته المسيحيَّة، فقدَّم لنا نظرة عن الإنسان متكاملة تحدَّث فيها عن النفس والجسد قبل أن يعرض علينا مفهومه لحرِّيَّة الإنسان، والإنسان بدون حرِّيَّة لا يعود إنسانًا.

 

نتعرَّف في مقالنا هذا إلى نميسيوس الحمصيّ وإلى كتابه، ونرافقه في البحث عن كيان الإنسان، ونتوقَّف بصورة خاصَّة على هذه الحرِّيَّة التي تقف بين جبريَّة القضاء والقدر وعناية الله، فتجعل الكائن البشريّ قمَّة الخلائق وشريك الله ورفيقه في تقرير مصيره.

 

  1. نميسيوس الحمصيّ وكتابه في طبيعة الإنسان

 

أ- من هو نميسيوس؟

 

نتعرَّف إلى شخصيَّة نميسيوس من خلال كتابه طبيعة الإنسان الذي هو تقريبًا مرجعنا الوحيد. عاش في سورية وكتب في نهاية القرن الرابع المسيحيّ(1). اهتدى من الوثنيَّة إلى المسيحيَّة، ثمَّ انتُخِبَ أسقفًا على حمص التي كانت في ذلك الوقت مركزًا علميٌّا هامٌّا في سورية.

 

هل كان طبيبًا قبل أن يُنتخَب أسقفًا؟ هذا ما لا يمكن تأكيده، غير أنَّ ما يبدو واضحًا هو أنَّه اطَّلع على أمور الطبّ، وقرأ تآليف الأطبّاء أمثال جالينوس وهيبوكرات(2)، وهو يورد الكثير من المعطيات الطبِّيَّة من علم التشريح وعلم وظائف الإنسان(3).

 

ترك لنا كتابًا وحيدًا في طبيعة الإنسان، فكان تأثيره عظيمًا على الفكر المسيحيّ شرقًا وغربًا استقى منه الكثيرون، وبعضهم أورد نصوصه حرفيٌّا، أمثال مكسيم المعترف (580-662) وأنستاز السينائيّ ويوحنّا الدمشقيّ (640-750) في كتابه الإيمان المستقيم(4).

 

دُوِّن هذا الكتاب باللغة اليونانيَّة وتُرجم إلى اللاتينيَّة مرّات عديدة وإلى الأرمنيَّة والجيورجيَّة… نقله إلى العربيَّة اسحاق بن حنين(5) ونسبه إلى غريغوار النيصيّ (335-394) الذي كان معاصرًا لنميسيوس. ولكنَّ بعض المخطوطات اليونانيَّة تنسبه إلى أدامنتيوس الحمصيّ(6).

 

هذا كلُّ ما نعرفه عن نميسيوس الحمصيّ. ولكن ما يهمُّنا بعد الشخص هو الأثر المهمّ الذي تركه لنا.

 

ب- كتاب طبيعة الإنسان

 

يتألَّف كتاب طبيعة الإنسان من أربعة وأربعين فصلاً مقسَّمة على الشكل التالي. بعد المقدِّمة عن طبيعة الإنسان من نفس وجسد (ف 1)، يدرس الكاتب النفس واتِّحادها بالجسد (ف 2-3)، ثمّ الجسد والعناصر والمخيِّلة والحواسّ الخمس، ثمَّ العقل والذاكرة والفكر (4-14). بعد ذلك يعرض وجهة أخرى عن النفس (ف 15) بما فيها من ميول وأهواء، من لذَّة وألم وخوف وغضب (ف 16-22)، وهي حقول لا يمارس فيها العقلُ سلطتَه، ولذلك تسمَّى الجزء اللاعقليّ. ثمَّ يأتي الجزء الخاصّ بالتغذية الذي يرتبط بحياة الحيّ، ويتعلَّق بالإرادة والتنفُّس والأعمال الإراديَّة واللاإراديَّة (ف 23-34)؛ أمّا الفصول التالية (ف 35-38) فهي تحارب الجبريَّة أو مذهب القضاء والقدر. وينتهي الكتاب بدفاع عن حرِّيَّة الإرادة (ف 39-41) وعن عرض للتعليم المسيحيّ عن عناية الله واهتمامه بالكون والإنسان (42-44).

 

هذه اللائحة المتنوِّعة تدلُّ على أنَّ نميسيوس لم يُتَح له أن يُنهي كتابه فنقصته وحدةُ الموضوع وغاب المنطقُ في التنظيم. ووعدنا الكاتب المرَّة بعد المرَّة أنَّه سيعود إلى هذه النقطة أو تلك ليشبعها درسًا، ولكنَّه لا يعود. أيكون أنَّ الموت عاجله قبل أن يعيد النظر في ما ألَّفه من كتابه؟

 

يبدو نميسيوس من خلال كتابه رجلاً صاحب ثقافة يونانيَّة منفتحة، ملمٌّا بالفلسفة والعلوم الطبِّيَّة، وعارفًا بالسيكولوجيا والفيزيولوجيا. يقرأ كتابَه عالمُ الفقه واللغة ودارس تاريخ الفلسفة، فيجد كلٌّ منهما الكثير من المعلومات. أراد نميسيوس أن يكون كتابه دفاعًا عن الدين المسيحيّ، ولكنَّه لم يكن لاهوتيٌّا بقدر ما كان فلسفيٌّا، وهذا ما يجعلنا نغوص فيه لندرسه من الزاوية الفلسفيَّة. أراد أن يَبني على أسُس أفلاطونيَّة تعليمًا عن النفس وعن اتِّحادها بالجسد، يتوافق ومصادر الوحي، فانطلق لا من الإيمان بحدِّ ذاته، بل سعى إلى الاتِّصال بالفكر غير المسيحيّ وإلى عرض آراء الفلاسفة القدامى. وبعد هذا العرض، شرع يغربل النظريّات المتعدِّدة قبل أن يختار منها ما يلائم نظرته على ضوء العقيدة المسيحيَّة. ناقش أفلاطون وأرسطو وإبيقور والرواقيّين، وجادل جالينوس وإئيتيوس وأمونيوس وبورفير ويامبليك وكثيرين غيرهم. اتَّفق وأفلاطون على وجود سابق للأنفس، ولكنَّه رفض الأخذ بالنظرة الثلاثيَّة التي قالت بها الأفلاطونيَّة الجديدة. سار وراء أرسطو في تعليمه عن ملكات النفس، وأخذ عنه مقاله عن حرِّيَّة الإرادة والاختيار. عرف أن يكتسب المعلومات حيث وجدها، فجاء كتابه لائحة بالآراء المتنوِّعة قبل أن يكون نظامًا فلسفيٌّا متماسكًا متناسقًا(7).

 

ولكي نتعرَّف إلى الوجه الفلسفيّ الذي يتحلَّى به هذا الكتاب، يكفي أن نقابله بكتاب غريغوار النيصيّ في خلق الإنسان(8). فعَرْضُ غريغوار يرتبط، بصورة دقيقة، بخبر سفر التكوين عن خلق الإنسان. يستوحي النصَّ الموحى به فيبيِّن كرامة الإنسان وعظمته مشدِّدًا على طبيعة النفس الروحيَّة وبنية الجسد المنظَّمة. في هذا الإطار، يتطرَّق غريغوار إلى مسألة اللغات والألسنة، إلى العلاقات الزوجيَّة، إلى طبيعة النفس اللامادِّيَّة والخالدة، إلى الوجود السابق للنفس وإلى قضيَّة التقمُّص. يعلِّمنا الكتاب المقدَّس أنَّ الإنسان خُلق على صورة الله ومثاله. من هذا المعطى ينطلق غريغوار، فيتحدَّث إلى المؤمنين، ويبيِّن لهم أنَّ كلمات الكتاب الملهم تجد برهانًا لها على كلِّ الأصعدة وفي كلِّ مجالات الفكر الحاضر.

 

أمّا موقف نميسيوس فيختلف عن موقف غريغوار. هو لا يوجِّه حديثه إلى المؤمنين بل إلى غير المؤمنين. ولهذا نراه يرجع مرارًا إلى فلسفة اليونان وعلومها ليحدِّثنا عن مكانة الإنسان في الكون، عن طبيعة الأنفس واتِّحادها بالجسد، عن حرِّيَّة الإرادة، عن القدر والعناية، وعن تنظيم الجسد، فيورد الكثير من المعلومات الثمينة المأخوذة من كتب اليونان، لا من الكتاب المقدَّس. ونراه يتبسَّط في عرض كلِّ ما يعرفه، وهمُّه أن يثبِّت لقرّائه أنَّه هو أيضًا تشرَّب من الثقافة اليونانيَّة وأنَّه لا يجد تناقضًا بين إيمانه المسيحيّ والثقافة التي حصَّلها على مقاعد الدراسة. وهو إن وقف بوجه التيّارات المادِّيَّة، وإن عارض مسألة الجبريَّة كما وجدها عند هذا أو ذاك من مفكِّري اليونان، فهو إنَّما يفعل ذلك بعد أن يكون درس بنفسه الكتاب وتمعَّن في التعاليم التي يفنِّدها ويخطِّئها9.

 

وهكذا يبدو كتاب نميسيوس لا تفسيرًا لسفر التكوين، بل عرضًا منسَّقًا يتطرَّق فيه المؤلِّف من الوجهة الفلسفيَّة إلى المسائل الكبرى المتعلِّقة بطبيعة الإنسان. غير أنَّه لا يسير كلِّيٌّا على خطى أرسطو الذي يجعل من نظريَّة المعرفة مقدِّمة لعرضه عن طبيعة النفس التي تتجلّى بصورة خاصَّة من خلال البحث في أشكال المعرفة المتنوِّعة(10)، بل هو ينطلق من بحث في الحرِّيَّة. لا شكَّ في أنَّ درس نشاط الإنسان العارف شغل بال نميسيوس، ولكنَّ قضيَّة حرِّيَّة الإرادة كانت قضيَّة حادَّة حامية بعد أن تفشَّت التعاليم عن القضاء والقدر بطريقة واسعة في صفوف المسيحيّين والوثنيّين على حدّ سواء(11)، لذلك أخذ على عاتقه أن يبسِّط فكرته في هذا المجال فيشدِّد على القدر والعناية ويلقي تعليمه في الحرِّيَّة.

 

ج- الأنتروبولوجيّا أو علم الإنسان عند نميسيوس

 

إنَّ كتاب نميسيوس يسجِّل ولادة الأنتروبولوجيّا المسيحيَّة. هذه الملاحظة التي أبداها أحد دارسي طبيعة الإنسان(12) استنتجها بعد أن بيَّن التقاء الفكر الهلّينيّ بالفكر المسيحيّ. فالفكر الهلّينيّ ابتعد بعض الشيء عن التيّار الأفلاطونيّ الذي كان يعتبر الجسد مقبرة للنفس وعنصر الفساد في الإنسان، وتوجَّه إلى الكلام على عظمة الإنسان نفسًا وجسمًا. والفكر المسيحيّ الذي تأثَّر بعض الشيء بالتيّارات النسكيَّة والصوفيَّة التي تعتبر إذلال الجسد مزيَّة وفضيلة، عاد مع بعض فكر أوريجان ومؤلَّفات باسيل الكبير وغريغوار النيصيّ إلى ينابيع الكتاب المقدَّس، ليتعلَّم الكثير عن عظمة الإنسان المخلوق على صورة الله والمدعوّ للحياة والسعادة والتفتُّح على الكون.

 

إذًا، كانت محاولات لبناء رؤية مسيحيَّة عن الإنسان، ولكنَّ نميسيوس سيمتدُّ بهذه المحاولة فيبيِّن أنَّه من الممكن أن ندمج الفلسفة اليونانيَّة بالأنتروبولوجيا المسيحيَّة. في وقت انتشرت المسيحيَّة في صفوف المثقَّفين، عرض نميسيوس تعليمًا مسيحيٌّا صريحًا عن حقيقة الإنسان، وعبَّر عن هذا التعليم عبر مقولات استمدَّها من الفكر اليونانيّ. وهكذا جاء كتاب طبيعة الإنسان، فعقلن العقيدة المسيحيَّة للمسيحيّين وقدَّمها بطريقة يقبل بها المثقَّفون الوثنيّون. قال: لا يتوجَّه كلامي فقط إلى المؤمنين، بل وأيضًا إلى الوثنيّين لأدلَّهم على وجود العناية(13).

 

إنَّ جوهر الكتاب لا يكمن في المعطيات الطبِّيَّة العديدة أو في مقاطع الجدل اللاهوتيَّة، بل في مضمونه الفلسفيّ المستمدّ من الفكر اليونانيّ. وهو في الحقيقة مقالة مختصرة في الأنتروبولوجيّا(14) تتطرَّق إلى طبيعة الإنسان ومكانته في الكون.

 

الكتاب نشيد لعظمة الإنسان. قال نميسيوس: »ولكن لكي لا يظهر لأحد أنَّنا نكتب مديحًا عن الإنسان، فضلاً عن تبيان طبيعته كما قصدناه، نوقف مقالتنا عن الإنسان(15). إنَّ الإنسان خلقَته العنايةُ الإلهيَّة كوحدة متشعِّبة تتضمَّن مكوِّنات الواقع المادّيّ واللامادّيّ ليكون في طبيعته صورة حيَّة عن الكون، ليكون كونًا مصغَّرًا في الكون الكبير(16). والإنسان يقف بجسمه في قمَّة عالم الأجساد، ويرتبط بنفسه بالكائنات اللاجسديَّة العاقلة. إنَّه كائن موقعه على الحدِّ الفاصل بين عالم الحسّ وعالم العقل، وفيه يلتقي هذان العالمان ويتَّحدان(17). إذًا، وجود الإنسان في الكون ليس وجودًا جاء بالعرض أو بالصدفة من دون رؤية أو قصد. إنَّه وجود جوهريّ جُعل ليساعد على التواصل بين العالم الجسديّ والعالم اللاجسديّ فيوحِّد بينهما داخل الخليقة. عندما نتأمَّل واقع الإنسان، أنكون بالغنا في الحديث عن مكانته في الكون؟ فالإنسان يجمع في شخصه الخلائق المائتة والخلائق الخالدة ويؤلِّف نقطة الاتِّصال بين الكائنات العاقلة والكائنات اللاعاقلة«(18).

 

في هذا الجوّ يتطرَّق نميسيوس إلى مواضيع عديدة يبحث فيها ويتوقَّف على ثلاث نقاط رئيسيَّة هي: الطابع الروحيّ للنفس البشريَّة واتّحادها بالجسد. بنية الجسم البشريّ ونشاطاته المتعدِّدة. مسألة حرِّيَّة الإنسان وعلاقتها بالقدَر والعناية. أمّا نحن فنحصر حديثنا بموضوع الحرِّيَّة كما نجده خاصَّة في القسم الأخير من كتاب طبيعة الإنسان.

 

د- بين الحرِّيَّة والعناية

 

خصَّص نميسيوس ما يقارب ثلث الكتاب للبحث في حرِّيَّة الإنسان، ونظر خاصَّة إلى مسألة الجبريَّة والعناية الإلهيَّة. فالجبريَّة هي تسلسل الأمور بطريقة إلزاميَّة بالنسبة إلينا كما يرتِّبها القضاء والقدر فلا يكون لنا أيُّ سلطة عليها. أمّا العناية فهي تلك الحكمة السامية التي بها يسوس الله كلَّ شيء ويدبِّره ويتولّى أمره.

 

قبل أن يعارض تعاليم الجبريَّة المنتشرة في عصره داخل العالم الهلّينيّ، يميِّز نميسيوس فيها خمسة تيّارات مبنيَّة على الأسترولوجيَّة، أو فنّ التنجيم، وعلى فلسفة الرواقيّين وعلى تعاليم الأفلاطونيَّة. هناك جبريَّة جذريَّة تعتبر أنَّ كلَّ ما يحدث في الكون يحدَّد بالضرورة بتحرُّكات الأجرام السماويَّة(19). وهناك جبريَّة مخفَّفة ملطَّفة ترتبط ببعض الفلاسفة الرواقيّين الذين يعتبرون أنَّ الجبريَّة لا تتعارض وحرِّيَّة الإنسان: »كما أنَّ ميزة المياه أن تكون باردة والشجرة أن تعطي ثمرًا، كذلك سمة الكائن الحيّ العاقل تقوم بالتوافق مع الأمور التي يدركها«(20). وهناك تعليم يُنسَب إلى حكماء مصر الذين يقولون بأنَّه وإن كان ما يحدث في الكون يرتبط بتحرُّكات الأجرام، إلاَّ أنَّ ما يحدث يمكنه أن يتبدَّل بفضل الصلوات والذبائح التي نرفعها إلى الكواكب وإلى الآلهة لتأخذ بيدنا في الظروف الصعبة(21). وهناك نظريَّة رابعة يقول بها أحكم حكماء اليونان، أي الرواقيّون: لنا اختيار مبادرتنا الحرَّة، أمّا نتيجة النشاط البشريّ فبيد القدر(22). وهناك أخيرًا نظريَّة أفلاطون التي أثَّرت في تطوُّر اللاهوت المسيحيّ والتي أعطت كلمة القدر مضمونين متمايزين: فالقدر هو نفس العالم، بما أنَّه جوهر. وبما أنَّ نشاطه يرتبط بشريعة إلهيَّة غير متبدِّلة تنبع من علَّة لا نستطيع تجنُّبها. وهذه الشريعة أعطاها الله لنفس العالم لتخلق الكون وتسوسه. إنَّ القدر يدبِّر كلَّ شيء ولكنَّه يدخل في إطار العناية كجزء لا يتجزَّأ منها(23).

 

رفض نميسيوس النظرة الأولى لأنَّها تَنبذ العناية الإلهيَّة وكلَّ شكل من أشكال الدين وتنفي كلَّ حرِّيَّة. وقال في الثانية: إذا كانت هذه الأمور أُثبتت منذ الأزل فكيف يمكنها أن تحدث، وإذا كان نشاطنا تابعًا لعلل لا يمكن تجنُّبها، فما الذي يبقى في مقدورنا أن نفعل(24)؟ ويجيب إلى الثالثة بأنَّه إن كان في مقدور الناس أن يبدِّلوا مجرى الأحداث التي يسوسها القدر، ففي مقدورهم أيضًا أن يبدِّلوا رأسًا على عقب مجرى التاريخ. ونظريَّة الرواقيّين الحكيمة تنتهي إلى الحتميَّة المطلقة فلا يبقى مكان للحرِّيَّة. وينتقد نميسيوس نظرة أفلاطون من وجهة واحدة: أنَّ نتيجة القرارات التي نتَّخذها لا يمكنها أن تكون من عالم الضرورة، وإذا كانت نتيجة نشاطنا خاضعة لعناية الله ويمكنها إلاَّ أن تكون عرضيَّة، لا ضروريَّة.

 

إنَّ تعليم نميسيوس عن الجبريَّة يبدو بمجمله إسهامًا في التفسير المسيحيّ لمفهوم الحرِّيَّة، بمعنى أنَّه يشدِّد على استقلاليَّة السلوك البشريّ، وعلى حرِّيَّة الله الذي لا يمكن أن يكون خاضعًا لأيِّ نوع من الإكراه، لأنَّه الحرِّيَّة بالذات. بمثل هذا التعليم يعارض نميسيوس الأسترولوجيا وكلَّ نظريّات الجبريَّة في العالم الهلّينيّ.

 

وهكذا نصل إلى تعليمه عن العناية الإلهيَّة، وعملُها يشمل كلَّ الأحداث التي لا تتعلَّق بنا. بالنسبة إلى اليهوديّ أو إلى المسيحيّ، لا حاجة إلى البرهان على العناية الإلهيَّة، والاعتقادُ بها جزء من الإيمان. أمّا بالنسبة إلى الوثنيّ، فلا بدَّ من لفت انتباهه إلى ثبات الكون في الوجود، إلى النظام والتناسق في الكون، وبالأخصّ حركات الكواكب وتعاقب الليل والنهار(25).

 

في حديثه عن العناية يتساءل نميسيوس إن كانت العناية تهتمُّ بتدبير العالم بطريقة عامَّة، أم إنَّها تتدخَّل في حياة كلِّ فرد، فيورد رأي أفلاطون وأرسطو والرواقيّين. ثمَّ يطرح مشكلة الشرّ في العالم: إذا كانت العناية الإلهيَّة تسوس كلَّ إنسان بمفرده، فمن أين يأتي الظلم في العالم، ولماذا يكون الأبرار ضحيَّة الأشرار؟ لن نتوسَّع في هذا الموضوع وهو يخرج عن نطاق حديثنا، بل نكتفي بإعلان النتيجة التي توصَّل إليها نميسيوس: لا نحكم على الأمور بحسب ظواهرها الخارجيَّة، ولنتيقَّن أنَّ كلَّ ما يصدر عن العناية الإلهيَّة هو كمالٌ جديرٌ بالدهشة والإعجاب، وأمّا الشرّ الحقيقيّ الموجود في العالم فهو الأعمال السيِّئة التي تنتج عن قرارات يتَّخذها الإنسان بحرِّيَّته.

 

وهكذا يعلن نميسيوس تواجد حرِّيَّة الله وحرِّيَّة الإنسان إلى درجة تجعل حرِّيَّة الله تقف عند حرِّيَّة الإنسان(26).

 

2- مفهوم الحرِّيَّة عند نميسيوس الحمصيّ

 

دُفعنا إلى الحديث مطوَّلاً عن نميسيوس وعن كتابه، واضطررنا إلى عرض فكرته عن الإنسان وموقع الحرِّيَّة بين الجبريَّة والعناية، وهمُّنا بذلك أن نعرِّف بكاتب وكتاب لست أدري بوجود مرجع عربيّ عنهما. والآن نستطيع أن نبحث في موضوع حرِّيَّة الإنسان كما يفهمُهُ هذا الكاتب المشرقيّ الذي كان لكتابه الأثر الكبير، وهو الذي كان، كما قلنا، أوَّل من وضع الأسس الحقيقيَّة للأنتروبولوجيا المسيحيَّة.

 

تقف الحرِّيَّة بين الجبريَّة الآتية من الأفلاك وبين العناية الآتية من الله، وهي مستقلَّة القرار عن هذا التأثير أو ذاك. أجل، سيجعل نميسيوس من حرِّيَّة الإنسان كيانًا مطلقًا فيرفع الإنسان إلى مستوى الألوهة. وهذا ما نجده عند فيلسوف حديث هو جان بول سارتر الذي يعتبر وجدان الإنسان خارج حتميَّة الزمان والمكان ويجعل الشخص حرٌّا بحرِّيَّة لا مفرَّ منها. وما يقوله سارتر عن حرِّيَّة الإنسان هو نفسه ما يقوله ديكارت عن حرِّيَّة الله27.

 

إنَّ البحث في الحرِّيَّة كما نقرأه في كتاب طبيعة الانسان هو أهمّ ما ترك لنا الفكر القديم. فنميسيوس يعرض أوَّلاً الأفعال الإراديَّة والأفعال اللاإراديَّة (ف 28-31)، ثمَّ مفهوم الاختيار الذي ينتج عن مزج عناصر ثلاثة هي المداولة والحكم والرغبة (ف 32)، ويتكلَّم على الإنسان كمبدأ حقيقيّ لبعض أفعاله (ف 38) ويبيِّن حقل مبادرتنا الحرَّة (الفعل الأخلاقيّ والتقنيّ، النشاط العقليّ والسيكولوجيّ، ف 39)، وينتهي بالحديث عن حرِّيَّة الإرادة (ف 40) التي هي حقٌّا أصل حرِّيَّة الإنسان.

 

أ- الفعل الإراديّ والفعل اللاإراديّ

 

بدأ نميسيوس درسه للحرِّيَّة ببحث عن الأفعال الإراديَّة والأفعال اللاإراديَّة. فالأولى تنبع حقٌّا من الإنسان نفسه، وفيها يكون الإنسان مبدأ فعله، فلا يحدُّ من حرِّيَّته إكراهٌ خارجيّ أو داخليّ، ويكون واعيًا للظروف الخاصَّة التي تحيط بعمله. والثانية تصدر عن كائن يقع تحت تأثير الإكراه أو الجهل. ثمَّ يتساءل: هل نحسب نشاط الطبيعة (كتطوُّر الهضم والنموّ مثلاً) بين الأفعال الإراديَّة أو اللاإراديَّة؟ والجواب: ليس فعلاً إراديٌّا ولا إراديٌّا، لأنَّ النشاط الطبيعيّ (الفيزيولوجيّ) لا يرتبط بمقولة الأشياء التي ترجع إلى مبادرتنا الخاصَّة28. أمّا الذي نقوم به مدفوعين برغباتنا (من غضب أو تمتُّع) فيمكن أن نعتبره فعلاً إراديٌّا، لأنَّه يمكن أن يكون أهلاً للذمّ أو المديح، ولأنَّ إتمامه ترافقه اللذَّة والألم، ولأنَّ ينبوعه يكمن في الفاعل. فرغبات الإنسان لا تجتذبه بالضرورة إلى ما لا يريد، وكلّ فرد يستوحي سلوكه من التربية الأخلاقيَّة التي حصل عليها.

 

ويطرح نميسيوس سؤالاً ثانيًا: هل بإمكان كلٍّ من الحيوان والولد أن يقوم بأعمال إراديَّة؟ ويجيب بالإيجاب. الحيوان كالولد يسعى إلى تغذية ذاته دون أيِّ إكراه خارجيّ، عارفًا ما يفعل ومحقِّقًا نشاطه بلذَّة أو ألم بحسب الظروف29.

 

نلاحظ أوَّلاً أن نميسيوس أراد أن يبيِّن أنَّه لا يمكن أن ننكر مسؤوليَّتنا الأدبيَّة في بعض الأعمال، فخصَّص أربعة فصول (28-31) لدرس سيكولوجيَّة العمل الذي يدلُّ على أنَّ الفعل المتعمِّد ليس المثل الوحيد عن الفعل الإراديّ في حياة الإنسان. يقول: إنَّ هذه الدراسة معقَّدة جدٌّا بسبب امتزاج ظروف حياتنا بما هو إراديّ في سلوكنا. وكشخص يدافع عن قضيَّة، يبدأ نميسيوس بحثه الأخلاقيّ من مستوى العلم والفلسفة، لا من مستوى الكتاب المقدَّس، كما أسلفنا، ويتقدَّم خطوة خطوة إلى النتيجة التي تقول بها العقيدة المسيحيَّة.

 

ونلاحظ ثانيًا أنَّه رجع إلى كتاب أرسطو في الأخلاق30 الذي يعلِّم أنَّ الفضيلة تقوم بالاعتدال المعقول، الذي يعلِّمنا أن نتجنَّب الزيادة من جهة والنقص من جهة ثانية. إنَّ الفضيلة تقف بين نقيضين. أن يكون الإنسان خاليًا من أيِّ هوى طبيعيّ فذلك عيب، لا فضيلة، وكذلك إن هو ترك العنان كاملاً لمثل هذا الهوى. هذا التحديد قِبَل به نميسيوس لأنَّه يفترض الإقرار بأنَّه يقوم داخل مراقبة الإنسان لنفسه بقدر ما يستسلم لهواه. إنَّ هذا التعليم كان معروفًا في عصر نميسيوس إلى درجة جعلته يورده من دون أيِّة تهيئة أو تحضير.

 

ونلاحظ ثالثًا أهمِّيَّة الأهواء في الأفعال. يبدو نميسيوس ملتصقًا بعلم الأخلاق الأرسطيّ، وتبعًا لهذا العلم فكلُّ عمل فضيلةٍ يفترض وجود هوى نمارسه بدرجة معتدلة. يمكننا أن نقول إنَّه يفترض توازن الآهواء. إنَّ آباء مدرسة الإسكندريَّة، مثل كليمان وأوريجان، توخُّوا التقدُّم عبر الاعتدال المعقول إلى عدم التأثُّر أو إلى نفي الهوى. بحسب هؤلاء الآباء، تكون الفضيلة المسيحيَّة السامية ثمرة هوى واحد هو الرغبة بالله. هذا التعليم دفع بقضيَّة التصوُّف إلى الأمام. يبدو واضحًا أنَّ نميسيوس أخذ بعين الاعتبار التصوُّف المسيحيّ، إلاَّ أنَّه سار في خطِّه فانطلق من أخلاقيَّة أرسطو ومن تعليمه عن الوسط الذي يقف بين نقيضين، فشدَّد على عظمة الإنسان وعلى أهمِّيَّة الزهد والنسك كسبيل لضبط الأهواء.

 

ويُنهي هذا الفصل فيقول: »لا أحد يدعو فعلاً لاإراديٌّا ذلك الذي نفعله بعد تبصُّر واختيار واعٍ حرّ، حيث الباعث والهدف يأتيان من داخلنا وحيث نلمُّ بمعرفة الظروف إلمامًا كاملاً. وهكذا برهنّا أنَّ الأفعال التي تصدر من داخل ذاتنا هي أفعال إراديَّة. ولكن بما أنَّنا ألمحنا إلى الاختيار الحرّ وإلى الأمور التي تقع داخل سلطانه، علينا الآن أن نبحث عن طبيعة الاختيار الحرّ(31)«.

 

ب- فعل الاختيار

 

ويتساءل نميسيوس: أيُّ علاقة بين الاختيار والفعل الإراديّ، وهل من تماثل بينهما؟ بالنسبة إليه يبدو أنَّ الإراديّ هو أوسع من الاختياريّ، لأنَّ الفعل الإراديّ ليس تخيُّرًا من كلِّ الحالات، وإن يكن كلّ تخيُّر فعلاً إراديٌّا في كلِّ الحالات32. ولكي يحدِّد نميسيوس التخيُّر بدقَّة ووضوح، يقابله بغيره من أنواع النشاط البشريّ. فالتخيُّر هو غير الرُّغب (بضمّ الراء)، وهو غير التمنّي. فالتخيُّر يرتبط بأمور تتعلَّق بنا، أمّا التخلّي فيمكنه أن يستند إلى أشياء مستحيلة33. بالإضافة إلى ذلك، فالتمنّي يتَّجه إلى غاية من الغايات، بينما يستهدف التخيُّر الوسائل التي تُوصل الإنسان إلى الهدف المنشود. والاختيار هو غير الرأي. فالرأي يمكنه أن يستند إلى أمور أزليَّة، يمكنه أن يكون صوابًا أو خطأ، ويعتمد على الشمول، وكلُّ هذه الصفات لا تنطبق على الاختيار. وأخيرًا يتميَّز الاختيار عن التداول لأنَّه نتيجة التداول. إنَّ الاختيار برأي نميسيوس ينتج عن مزج ثلاثة عناصر: التداول والحكم والرغبة(34).

 

أجل، إنَّ فعل الاختيار الحرّ هو أمر متشعِّب جدٌّا، وهو ما يبيِّنه نميسيوس في هذا الفصل، على خطى المعلِّم أرسطو، فيبدو كلامه درسًا في علم اللغة أكثر منه في علم النفس. إنَّ التوسُّع في سيكولوجيَّة التداول انطلاقًا من الاستعمال اللغويّ للكلمات، هو أحد الاهتمامات المنطقيَّة النموذجيَّة في القرن الرابع، ويمكن لنميسيوس أن يكون أخذ بهذه الطريقة في خطى أحد معاصريه في تفسيره لكتاب الأخلاق(35).

 

ج- الإنسان مبدأ أفعاله

 

يخصِّص نميسيوس فصلاً كاملاً يتساءل فيه إن كانت أفعال الإنسان من مبادرته الشخصيَّة بحيث يُعتَبر مبدأَ هذه الأفعال ومصدرها. إنَّ الكثير من الوثنيّين والمسيحيّين يجيبون على هذا التساؤل بالإيجاب، ويعطي براهينه على ذلك عارضًا الافتراضات المتعدِّدة مستبعدًا الافتراض بعد الآخر.

 

أوَّلاً: لا نستطيع أن ندعو الله علَّة أعمالنا، لأنَّ بعضًا منها سيّئ وجائر. ثانيًا: إنَّ أعمالنا لا ترتبط بالله بالضرورة، لأنَّها ليست دومًا هي هي من دون أن تتغيَّر. ثالثًا: لا نستطيع أن ننسب أعمالنا إلى القدر، لأنَّ القدر لا يقبل باحتمالات عديدة، بل باحتمال واحد لا مفرَّ منه. رابعًا: إنَّ أفعالنا ليست من عمل الطبيعة لأنَّ ميدان الطبيعة هو عالم النبات والحيوان. خامسًا: لا نستطيع أن ننسبها إلى الطالع، لأنَّ الطالع يختصُّ بأحداث خارقة وغير منتظرة، ولا إلى الصدفة، لأنَّ لا وجود للصدفة إلاَّ في عالم الحيوان وعند الكائنات الجامدة36. وبعد أن يستبعد هذه الافتراضات، يستنتج أنَّ الإنسان هو مبدأ وسيِّد أفعاله.

 

فلو لم يكن مبدأ أفعاله ومصدرها، فكلُّ تداول لا موضوع له، وكلّ حياة أخلاقيَّة لا تعود ممكنة. والحال إنَّ الإنسان هو مصدر الفضائل التي فيه والتي يحصل عليها بالممارسة وتكرار الأعمال عينها. بالإضافة إلى ذلك، أيَّة قيمة لتنبيه أو تحذير، لتشجيع أو تشريع إن لم يكن الإنسان سيِّد أعماله؟ فإن نحن قلنا إنَّ لا قدرة للإنسان على أعماله لم يكن كلامنا مقبولاً وعارضنا معرفة الإنسان لنشاطه(37).

 

»فكلُّ نصيحة وموعظة تدلُّ على أنَّ هناك أمورًا تقع داخل سلطاننا، لأنَّه لا أحد على الأرض ينصح شخصًا أن لا يكون جائعًا أو عطشان، أو أن لا يأخذ أجنحة ليطير بها، لأنَّه ليس في مقدورنا أن نستفيد من هذه النصيحة. إذًا، من الواضح أنَّ الأمور التي نقبل النصح بأن نعملها هي أمور تقع داخل سلطاننا. وننهي باعتبار أخير فنقول: أيَّة فائدة من الشرائع إن لم يكن لنا شيء ضمن نطاق سلطاننا«(38).

 

في هذا الفصل وفي الفصول الثلاثة اللاحقة يتطرَّق نميسيوس إلى التعليم عن حرِّيَّة الإرادة، فيبدأ بقوله إنَّ الحرِّيَّة ليست وهمًا ومظهرًا خدَّاعًا. لا شكَّ في أنَّ مصدر تعليمه الأخير هو أخلاقيّات أرسطو. هو يتوصَّل إلى اكتشاف الظروف السيكولوجيَّة التي تحدُّ من ممارسة الحرِّيَّة كالأفكار المسبقة والنظرة الضيِّقة وما إلى ذلك. ولكنَّه يقف قريبًا من تيودور المصيصيّ، فيستعمل كلمة »سيادة على النفس«(39) لا حرِّيَّة الإرادة، على مثال أرسطو. وهذا ما يحدونا إلى القول إنَّ الينبوع الذي استقى منه نميسيوس ليس أرسطو بالذات، بل شرح متأخِّر لأخلاقيّات أرسطو كتبه اسكندر الأفروديسيّ الذي ذكرناه سابقًا أو أحد السريان من أصل مسيحيّ.

 

ولكن أيُّ أفعال تدخل في نطاق مبادرتنا الحرَّة؟ الأفعال الإراديَّة، أي تلك التي نقوم بها طوعًا ورضى، وبالأخصّ الأفعال التي ترتبط بعالم النفس. فعالم الفرد الداخليّ هو المكان المميَّز لمبادرتنا الحرَّة، وهو ما يعتبره الرواقيّون الموضوع الوحيد الذي بقي للإنسان ليمارس فيه حرِّيَّته. إن كان نميسيوس لم يذهب إلى ما ذهب إليه الرواقيّون، إلاَّ أنَّه بالنسبة إليه، كلُّ فعل يكون نتيجة تداول سابق واختيار يرتبط بمبادرتنا. وهذا الاختيار يقوم به الروح الذي هو مبدأ سلوكنا البشريّ ومصدره.

 

ولكن ما معنى هذا الكلام في حياة الإنسان الملموسة؟ لأنَّ كلَّ أفعالنا الأخلاقيَّة وعملنا التقنيّ ونشاطنا النفسانيّ والعقليّ تتعلَّق بإطار مبادرتنا40. ولكنْ هناك صعوبتان تعترضان ما قاله نميسيوس: علاقة نشاطنا البشريّ بالعناية الإلهيَّة وتأثير حالتنا كجسديّين على سلوكنا. لا شكَّ في أنَّ العلاقة واضحة بين المبادرات البشريَّة وتدبير الله للكون. ويُطرَح السؤال: هل تستطيع العناية الإلهيَّة أن تقف حاجزًا بيننا وبين ممارسة حرِّيَّة اختيارنا؟ لا شكَّ في ذلك، والحرِّيَّة البشريَّة ليست حرِّيَّة لا محدودة، وهي تمتزج بعمل الله وتولِّيه أمر الكون(41). ويجيب نميسيوس على الصعوبة الثانية فيقول: إنَّ الإنسان هو وحدة النفس والجسد، وإنَّ أسمى نشاطنا لا يمكنه أن يتهرَّب من تأثير حالتنا كجسديّين. نحن لا نستطيع أن ننسب أعمالنا السيِّئة إلى تكوين الجسد الناقص المتخلِّف عن النفس، فنجعل كلَّ أنواع المسؤوليَّة في عالم الضرورة ونبرّئ ذاتنا من كلِّ خطأ. لا، إنَّ الجسد لا يحتِّم علينا هذا السلوك أو ذاك، وفي بعض الحالات تكون حالة الجسد الناقصة من مسؤوليَّة الشخص الذي نتحدَّث عنه.

 

وهكذا انطلاقًا من العلاقة المتبادلة بين حرِّيَّة إرادة الإنسان والعناية الإلهيَّة، نظر نميسيوس إلى طبيعة الحرِّيَّة في المبادرة البشريَّة وامتدادها في الكون. يبقى علينا القول: لماذا أُعطي الإنسان حرِّيَّة الإرادة؟

 

د – حرِّيَّة الإرادة

 

إنَّ أصل حرِّيَّة الإرادة ومصدرها يكمنان في حرِّيَّة الإنسان. إذًا، لا بدَّ من الكشف عن هذه الحرِّيَّة. إنَّ الإنسان وُهب له العقل، فهو لذلك قادر على أن يختار اختيارًا حرٌّا، لأنَّ الكائن العاقل قادر على تداول الأمور. إنَّ الظروف التي تحيط بالإنسان لا تفرض عليه حتميَّتها، وهو يمتلك القدرة على النظر من بُعد وتفحُّص عناصر حالة من الحالات. وسلطة التداول هذه هي عديمة الفائدة إن لم يكن الإنسان قادرًا على العمل بحسب حدسه الخاصّ واختياره. لا شكَّ في أنَّ المعرفة التي يتحدَّث عنها ليست معرفة نظريَّة أو بحثًا علميٌّا، بل هي حدس عمليّ وحسٌّ داخليّ، تبيِّن لنا كيف نتصرَّف في حالة من الحالات. فالحياة البشريَّة صيرورة دائمة، وهي لا تثبت أبدًا في حالة أُعطيت لها بطريقة لا تختلف عن سابقتها. إنَّ الحياة البشريَّة هي اندماج بتطوُّر الكون، وهي جزء منه. وهذا الميل إلى التحرُّك عند الإنسان ينبع من سمات كيانه الأساسيَّة، ومنها أنَّ حياته تبدأ في وقت محدَّد، وإنَّ بنيته تفترض وجود مبدأ مادّيّ(42).

 

إنَّنا نفهم مثل هذا التفسير على ضوء الفلسفة الأرسطيَّة. وأعطى اسكندر الأفروديسيّ، وهو أحد شرّاح أرسطو، في كتابه عن القدر، براهين تشبه إلى حدٍّ بعيد براهين نميسيوس(43). فإن كانت علامة الوجود البشريّ أنَّ له بداية، فهذا يعني أنَّه عرضيّ في صميمه، وأنَّه يحمل في ذاته إمكانيَّة عدم الوجود، لأنَّه لم يكن موجودًا في وقت من الأوقات. والحديث عن ولادة الإنسان يقودنا إلى الحديث عن إمكانيَّة فساده، وحياة الإنسان هي تدرُّج في مسيرة الولادة والفساد. من جهة ثانية، كلُّ مبدأ مادّيّ هو مبدأ مبهَم وغير محدَّد، وهو ينفتح على ما يحدِّده فيما بعد، وهذا المبدأ حاضر دومًا لا في بداية الوجود البشريّ فحسب، بل وفي كلِّ مسيرته اللاحقة.

 

عندما نتطلَّع إلى قابليَّة التحوُّل، علينا بالنسبة إلى نميسيوس، أن نميِّز فيها درجات عديدة. فالكائنات الروحيَّة العائشة قريبًا من الأرض والمشاركة للإنسان في نشاطه، تندمج في الصيرورة أكثر من الكائنات الروحيَّة السامية التي هي أبعد من الأولى عن تقلُّب الكون وعدم ثباته(44). ونتيجة ذلك هو أنَّ الحرِّيَّة مطبوعة بطابع قابليَّة التحوُّل ذاته، أي إنَّها تتطوَّر في هذه الوجهة أو في تلك. ولهذا نقول إن ليس الله علَّة الأعمال السيِّئة التي يتمِّمها الإنسان، وكلُّ إنسان مسؤول عن تصرُّفاته وسلوكه. في هذه الحال يتساءل نميسيوس: أما تكون الحرِّيَّة البشريَّة شرٌّا؟ لا ثمَّ لا. وإنْ كان سلوك الإنسان شرّيرًا، فذلك يرجع إلى إمكانيَّة الاختيار عنده، بل لأنَّ ملكاته التي حصل عليها عبر أعمال قبل بها حرٌّا، هي شرّيرة. لا، ليست الحرِّيَّة بحدِّ ذاتها شرٌّا، لأنَّ بعض الناس يستعملون إمكانيَّة الاختيار استعمالاً سيِّئًا. فالحرِّيَّة هي خير لأنَّها عطيَّة الله الكلّيّ الكمال فينا. وهكذا دافع نميسيوس عن الله الخيِّر في الطبيعة البشريَّة وسيدافع عنه في عنايته مشدِّدًا على حرِّيَّة الإنسان الكاملة في اختيار طريق الشرّ أو طريق الخير.

 

خاتمة

 

الإنسان هو سيِّد أعماله، الإنسان هو المسؤول عن سلوكه الأخلاقيّ والأدبيّ، الإنسان هو سيِّد مصيره، تلك هي خلاصة كتاب نميسيوس: طبيعة الإنسان. أمّا البرهان الرئيسيّ الذي يستند إليه ليدافع عن قضيَّته فهو أنَّ الإنسان قبل موهبة العقل فصار قادرًا على المداولة، وهذه المداولة تكون من دون معنى إن لم يستطع الإنسان أن يختار سلوكه بطريقة حرَّة وواعية. وإن كان الله كوَّن الإنسان بهذه الطريقة، فلأنَّ هذا التداول له معناه وهو إمكانيَّة الاختيار واتِّخاذ القرار. لا يتساءل نميسيوس كيف أنَّ العقل هو مصدر الحرِّيَّة، ولا كيف يستطيع الإنسان أن ينظر مليٌّا إلى القيم الخاصَّة التي يلتقيها في حياته، ولا كيف يجتذب الخيرُ الإنسانَ دون مقاومة. إنَّ نميسيوس لا يتطلَّع إلى العقل، ليستنتج تلك القوَّة الإراديَّة التي هي في أساس قرارنا الحرّ. إن تحدَّث عن أشكال الشهيّات الحسِّيَّة، فهو لا يتحدَّث عن شهيَّة تقف على مستوى سام، ثمَّ تتميَّز عن المعرفة العقليَّة مع أنَّها عقليَّة هي أيضًا. وهكذا فالبراهين التي قدَّمها نميسيوس للدفاع عن حرِّيَّة الإنسان مأخوذة من خبرة الحياة اليوميَّة، وهي لا تدَّعي أنَّها توصَّلت إلى إعطائنا تفسيرًا ميتافيزيقيٌّا لمشكلة الحرِّيَّة45.

 

ولكن، لماذا نريد أن نفرض على نميسيوس أن يعطينا ما لم يعدنا به. انطلق من المنابع الفلسفيَّة والعلميَّة والدينيَّة ليعطي تفسيرًا عن وجود الإنسان في الكون، فدفعنا إلى مرافقته في بحثه وتأمُّله، ومات قبل أن ينتهي من تدوين كتابه كاملاً. يبقى علينا نحن قرَّاءه اليوم أن ننطلق من معطيات عصرنا كما انطلق هو لنؤلِّف من العناصر التي أمامنا نظامًا فكريٌّا يطرح مشكلة الإنسان والحرِّيَّة في زمن صار الإنسان سلعة رخيصة والحرِّيَّة بضاعة نادرة.

 

1 كيف عرفنا الزمن الذي عاش فيه نميسيوس؟ من خلال أسماء معاصريه الذين يحدِّثنا عنهم. يذكر أوَّلاً أونوميوس الذي توفِّي سنة 393. كان أسقفًا على توزيكة، قرب القسطنطينيَّة، وقد رفض القبول بما أعلنه المجمع المسكونيّ الثاني الذي عُقد سنة 381، كما إنَّه دخل في جدال مع باسيليوس الكبير (330-379) وغريغوريوس النيصيّ (325-394). ويذكر ثانيًا أبوليناريوس الذي كان أسقفًا على اللاذقيَّة سنة 363-392. أخذ نميسيوس موقفًا من أحد تآليف أبوليناريوس الذي يورد فيه نظرة تركيب الجسم الثلاثيَّة (الروح والنفس والجسد) كأساس لتعليمه عن المسيح، وهو تعليم شجبه مجمع القسطنطينيَّة الأوَّل (381). ويذكر ثالثًا تيودور المبسوسطيّ (350-428) الذي كان أسقفًا منذ سنة 392 والذي عرفه نميسيوس شخصيٌّا. ويورد نميسيوس أفكار أوريجان غير أنَّه لا يلمِّح إلى أفكاره وتعاليمه التي شجبت في الإسكندريَّة سنة 399 وفي رومة سنة 400. كلُّ هذه التلميحات تدلُّنا على أنَّ نميسيوس كتب طبيعة الإنسان في نهاية الجيل الرابع. راجع طبيعة الإنسان 40/87 حيث نقرأ: حدَّد اونوميوس النفس بجوهر لا جسديّ في جسد مخلوق. بالنسبة إلى أبوليناريوس راجع طبيعة الإنسان 4/14-15، 42/28-29. يذكر نميسيوس تيودور في طبيعة الإنسان 46/6 وأوريجان في 57/53، 87/71، 121/13.

 

ملاحظة: عندما نورد نصٌّا من طبيعة الإنسان نستند إلى النسخة اللاتينيَّة المحقَّقة. (راجع الحاشية 5، ثزض .ا، وذلك بانتظار الطبعة اليونانيَّة التي يحقِّق فيها العلاّمة خدسزءخة . فنذكر الصفحة والسطر).

 

نرجو أن نوفَّق لنشر النصِّ العربيّ كما نقله اسحاق بن حنين في الجيل العاشر

(*) ظهر هذا المقال في مجلة دراسات 12 (1984) ص 1-23.

 

(1) كيف عرفنا الزمن الذي عاش فيه نميسيوس؟ من خلال أسماء معاصريه الذين يحدِّثنا عنهم. يذكر أوَّلاً أونوميوس الذي توفِّي سنة 393. كان أسقفًا على توزيكة، قرب القسطنطينيَّة، وقد رفض القبول بما أعلنه المجمع المسكونيّ الثاني الذي عُقد سنة 381، كما إنَّه دخل في جدال مع باسيليوس الكبير (330-379) وغريغوريوس النيصيّ (325-394). ويذكر ثانيًا أبوليناريوس الذي كان أسقفًا على اللاذقيَّة سنة 363-392. أخذ نميسيوس موقفًا من أحد تآليف أبوليناريوس الذي يورد فيه نظرة تركيب الجسم الثلاثيَّة (الروح والنفس والجسد) كأساس لتعليمه عن المسيح، وهو تعليم شجبه مجمع القسطنطينيَّة الأوَّل (381). ويذكر ثالثًا تيودور المبسوسطيّ (350-428) الذي كان أسقفًا منذ سنة 392 والذي عرفه نميسيوس شخصيٌّا. ويورد نميسيوس أفكار أوريجان غير أنَّه لا يلمِّح إلى أفكاره وتعاليمه التي شجبت في الإسكندريَّة سنة 399 وفي رومة سنة 400. كلُّ هذه التلميحات تدلُّنا على أنَّ نميسيوس كتب طبيعة الإنسان في نهاية الجيل الرابع. راجع طبيعة الإنسان 40/87 حيث نقرأ: حدَّد اونوميوس النفس بجوهر لا جسديّ في جسد مخلوق. بالنسبة إلى أبوليناريوس راجع طبيعة الإنسان 4/14-15، 42/28-29. يذكر نميسيوس تيودور في طبيعة الإنسان 46/6 وأوريجان في 57/53، 87/71، 121/13.

 

ملاحظة: عندما نورد نصٌّا من طبيعة الإنسان نستند إلى النسخة اللاتينيَّة المحقَّقة. (راجع الحاشية 5، ثزض .ا، وذلك بانتظار الطبعة اليونانيَّة التي يحقِّق فيها العلاّمة خدسزءخة . فنذكر الصفحة والسطر).

 

نرجو أن نوفَّق لنشر النصِّ العربيّ كما نقله اسحاق بن حنين في الجيل العاشر.

 

1 جالينوس هو طبيب يونانيّ (حوالى 131-201ب.م.). له اكتشافات خطيرة في التشريح. تُرجمت كتبه إلى العربيَّة فكن من أكبر مراجع أطباء العرب. يرد اسمه في طبيعة الإنسان 32/5، 48/68، 74/191. ويرد أيضًا اسم هيبوكراتيس (460-370) وهو أبو الأطبّاء في 32/8، 68/79. لقد كتب هيبوكراتيس مقالة عن طبيعة الإنسان، غير أنَّ مضمونها غير مضمون كتاب نميسيوس. فالأوَّل يشدِّد على الوجهة الطبِّيَّة، بينما يشدِّد الثاني على الوجهة الفلسفيَّة والمسيحيَّة دامجًا في كتاب الكثير من المعطيات الطبِّيَّة. (راجع مقدِّمة الترجمة اللاتينيَّة للعلاّمة سصةدجج، والتي طبعها سنة 1565 في مدينة أنفرز (َّْمٌَّء) في بلجيكا.

 

(3) A. SICLARI, L’antropologia di Nemesio di Emesa, Padova, 1974, p. 10ss (Pour le texte grec, voir Patrologie Grecque (PG de Migne), XL, p. 508-818); voir aussi; MAXIMUS, Opuscula theologica et polemica, PG, XCI, p. 91-286 et surtout p. 277.

 

JEAN DAMASC(4)بNE, De fide orthodoxa, PG, XCIV, p. 789-1228. Comparer par ex. : La foi orthodoxe de Jean (cf. 39) et Némésios (ch. 38, p. 142, 81- 144, 26); ANASTASIUS, Questiones, XVIII, PG, LXXXIX, p. 851-1078

 

(5) هو طبيب وفيلسوف نسطوريّ (توفّي سنة 1191). نقل إلى العربيَّة الكتب العديدة

 

ومنها طبيعة الإنسان. لم ينشر الكتاب بعد، ومخطوطاته موجودة في الشام والقاهرة.

 

Voir G. VERBEKE et J. R. MONCHO, Némésius d’Emèse, de Natura Hominis,

 

Leiden, Brill, 1975 (publication critique du texte latin); voir aussi S. VAN RIET, « Stoicorum Veterum fragmenta arabica. A propos de Némésius d’ةmèse », dans Mélanges d’islamologie, volume dédié à la mémoire d’Armand Abel, édité par P. Salomon, Brill, 1974, p. 254-263

 

(6) إنَّ نسبة الكتاب إلى غريغوريوس النيصيّ ترتقي إلى الجيل التاسع، وهي تفسَّر في أنَّ النقّاد اعتبروا الفصلين الثاني والثالث من طبيعة الإنسان على أنَّهما مقالة عن النفس لغريغوريوس. ثمَّ انطلاقًا من الجزء نسبوا الكلَّ إلى هذا العلاَّمة الكبير. Voir J. BRAESEKE, “Ein Testimonium

 

Voir J. BRAESEKE, “Ein Testimonium Ignatianum”, dans Zeitschrift für Wissenschaft Theologie, t. 47 (1903) 505-512

 

(أمّا نسبة الكتاب إلى أدامنتيوس فالنقد يردُّها اليوم بقدر ما إنَّه لم يجد أيُّ أثر لشخص اسمه أدامانتيوس الحمصيّ الذي كان فيلسوفًا وطبيبًا في الجيل الرابع. لماذا لا يكون هذا الشخص هو نميسيوس بالذات وكلُّ الدلائل تدلُّ عليه؟ راجع:

 

TELFER, Cyril of Jerusalem and Nemesius of Emesa, The Library of Christian Classics, vol IV, London, 1955, p. 203ss

 

(7) Voir E. AMANN, “Némésius d’Emèse”, dans DTC, t. XI, Paris, 1931, col. (62-67; W. VANHAMEL, « Némésius d’ةmèse », dans Dictionnaire de Spiritualité, vol. 11, Paris, 1981, col. 92-99; J. LIEBAERT, « Némésius d’ةmèse », dans Catholicisme, vol. IX, Paris, 1982, col. 1152-1155; J. QUASTEN, Initiation aux Pères de l’ةglise, t. III, Paris, 1962, p. 495-503.

 

(8)Cf. PG, XLIV, p. 125-256; cf. J. LAPLACE, “Grégoire de Nysse, la creation de l’homme”, dans Sources Chrétiennes, 6, notes de J. Daniélou, Paris, 1943.

 

(9) Dictionnaire de Spir., op. cit., col 94s.

 

(10)راجع أرسطو عن النفس بأجزائه الثلاثة وبالأخصّ الجزء الثالث الفصل الثاني

 

VERBEKE, op. cit., p. LXIIss

 

Voir D. AMAND, “Fatalisme et liberté”, dans L’Antiquité Grecque, (11)

 

Recueil de travaux d’histoire et de philosophie, 3. série, fasc. 9, Louvain, 1945, le ch. 14 parle de Némésius, p. 549-569.

 

(12) W. TEFLER, “The Birth of Christian Anthropology”, in Journal of Theological Studies, XIII, part. 2, oct. 1962, p. 342-354

 

(13) طبيعة الإنسان 153/30-31. الفصل 41 وعنوانه العناية.

 

(14) نقرأ في هوامش المخطوطات العديدة هذه العبارة \’بشكل مختصرب في اليونانيَّة \’َّمللمحىفٌفوِمً َُّهٌُب، للإشارة إلى أنَّنا أمام ملخَّص كتب عديدة قرأها نميسيوس واستنتج منها ما استنتج.

 

(15) طبيعة الإنسان 22/95-98. في الفصل الأوَّل وعنوانه الإنسان. راجع أيضًا 4/6-8.

 

(16)طبيعة الإنسان 21/80-82 (الفصل الأوَّل) راجع العبارة المعروفة َِّب: microcosme dans un macrocosme”

 

(17) طبيعة الإنسان 6/49-52. نرى هنا كيف أنَّ نميسيوس لا يقبل بما تقوله الأفلاطونيَّة الجديدة عن ثلاثيَّة الإنسان (روح ونفس وجسد) لأنَّها تقطع التواصل بين ملكات العقل (أو الروح، راجع كلمة \’نوسب اليونانيَّة) السامية وبين القوى الدنيا للنفس والجسد.

 

(18) طبيعة الإنسان 21/79-80. هذا المديح للإنسان الذي به ينهي نميسيوس فصله الأوَّل يذكِّرنا بتعليم بوسيدونيوس الآفاميّ عن الإنسان الذي هو قمَّة النظام الطبيعيّ. راجع جورج عطيَّه، بوزيدونيوس الآفاميّ في آفاق، العدد 3، السنة الأولى، شتاء 1959، ص 35-46. W. JAEGER, Nemesius von Emesa, Quellenforschungen zum Neoplatonismus und seinen Anfngen bei Poseidonios, Berlin, 1914, p. 134;voir aussi CICERON, Sur la nature des dieux, 11, 153.

 

(19) طبيعة الإنسان 133/59 (الفصل 34).

 

(20)طبيعة الإنسان 133/78-134/36. يذكر نميسيوس اسم كريسيب (حوالى 280-206) الرئيس الثالث لمدرسة الرواقيّين، وفيلوباتور الذي ألَّف كتابًا في القدر يدافع فيه عن وجهة نظر كريسيب رابطًا بين الحرِّيَّة والقدر دون أن يتخلَّى عن هذا أو تلك.

(21)طبيعة الإنسان 135/14-21 (الفصل 35).

 

(22)طبيعة الإنسان 137/60-63 (الفصل 36).

 

(23) طبيعة الإنسان 139/96-112 (الفصل 37).

 

(24) طبيعة الإنسان 134/86ي. يلمِّح نميسيوس إلى بلوتارك (حوالى 46-120ب.م.) المؤرِّخ وعالم الأخلاق اليونانيّ في كتابه عن القدر.

 

(25) طبيعة الإنسان 153/17-154/40. كان الخلاف مستفحلاً بين الرواقيّين والإبيقوريّين في نظرة كلٍّ منهم إلى العناية الإلهيَّة. كان الأوَّلون يدافعون عن عناية الله ويعتبرونها ملازمة للكون كعقل قدير وينبوع كلّ ما هو عقلانيّ. وكان الآخرون يعارضون هذا الرأي ولا يقبلون أن يتدخَّل الآلهة في شقاواتنا ونقائصنا وهم العائشون بعيدًا عن الأرض في هدوء عالم السماء.

 

Voir C. BAILEY, The Greek Atomists and Epicurus, Oxford, 1928, p. 468

 

(26) طبيعة الإنسان 147/75-148/99 (الفصل 39).

 

(27) Voir ses livres: L’Imagination, Paris, 1936; L’Imaginaire, Paris, 1940; voir aussi, A. D. WAELHENS, « Sartre », dans Encyclopaedia Universalis, vol. 14, 1968, p. 14ss.

 

(28) طبيعة الإنسان 125/92-99 (الفصل 31).

 

Voir ARISTOTE, Ethique à Nicomaque, III

 

(29) طبيعة الإنسان 125/1-126/19 (الفصل 31).

 

(30)طبيعة الإنسان 125/1-126/19 (الفصل الثاني، 6-8) Ethique à Nicomaque,

 

(31)طبيعة الإنسان 126/16-21.

 

(32) طبيعة الإنسان 126/24-26 (الفصل 32).

 

(33) طبيعة الإنسان 127/35-128/52. الأخلاق لأرسطو الثالث، 4.

 

(34)طبيعة الإنسان 128/52-70. راجع أخلاق أرسطو الثالث، 4-5. هذا التعليم يقابل تعليم الإسكندر (فيلسوف مشائيّ عاش في الجيل 2-3 المسيحيّ) لا تعليم إسباسيوس الذي قال بوجود عنصرين، هما التداول والرغبة. في اليونانيَّة (بولي βουληوأوركسيسαυραξΙς)

 

Voir E. DOBLER, Nemesius von Emesa und die Psychologie des menschlichen Aktes bei Thomas von Aquin, Werthenstein, 1950, p. 105

 

يبرز نميسيوس أهمَّيَّة التداول الذي يفترض قرارًا نتَّخذه، ويميَّزه عن البحث الذي لا يلزمنا في أعمالنا، كأن نعرف أنَّ الشمس أكبر من الأرض أم لا. طبيعة الإنسان 129/89-93 (الفصل 33).

 

(35) Voir B. DOMANSKI, Die Psychologie des Nemesius, coll. BGPM, 3/1, Münster, 1900, p. 145-147.

 

(36) طبيعة الإنسان 143/88-144/8 (الفصل 38).

 

(37)طبيعة الإنسان 144/30-145/39.

 

(38) طبيعة الإنسان 144/30-145/35.

 

(39) راجع كلمة في اليونانيَّةαυτεξουσιον autexousion وفي اللاتينيَّة Liberium arbitrium

 

طبيعة الإنسان 48/57، 110/87، 142/80-81. Voir DOMANSKI, op. cit., p. 151- 154

 

(40) طبيعة الإنسان 146/57-147/74 (الفصل التاسع).

 

(41) طبيعة الإنسان 147/75-148/99. هنا يرسم نميسيوس حدٌّا واضحًا يفصل بين قرارات الإنسان الحرَّة وبين عمل العناية الإلهيَّة، وكلاهما يمتزجان في صيرورة العالم. ولهذا فما يحدث في الكون هو مزيج، والنتيجة تكون مواقة لقرار الإنسان الحرّ أو لمخطَّط العناية الإلهيَّة أو للاثنين معًا. راجع 192/77.

 

(42) طبيعة الإنسان 149/23-150/51 (الفصل 40).

 

(43) Voir G. BERBEKE, “Aristotélisme et stoïcisme », dans Le De Fatod’Alexandre d’Aphrodisias, Louvain, 1967, p. 87.

 

(44) طبيعة الإنسان 150/63-151/73. في هذا الإطار يستعمل نميسيوس كلمتين تميَّز بهما الرواقيّون في اليونانيَّة απαλλαρικω، وفي اللاتينيَّة َُALIENO (ابتعد، تحرَّر)، في اليونانيَّة ωِπροσοικειλ، وفي اللاتينيَّة FAMILIAREM FACIO(كان شبيهًا ولائقًا).

 

مفهوم الحرية عند نميسيوس ف6 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

نميسيوس الحمصي ف5 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

نميسيوس الحمصي ف5 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

نميسيوس الحمصي ف5 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

 

الفصل الخامس

 

نميسيوس الحمصيّ ونظرته إلى الإنسان(*)

 

حين نتحدَّث عن نميسيوس الحمصيّ، نتذكَّر أوَّل ما نتذكَّر كتابه في طبيعة الإنسان. هو ذاك الأسقف الذي تولَّى أبرشيَّة حمص في القرن الرابع المسيحيّ. وحين نتحدَّث عن نميسيوس الحمصيّ، نتذكَّر تيّارًا فلسفيٌّا واسعًا عرفته سورية ولبنان، سواء على مستوى الأفلاطونيَّة المحدثة، أو في خطِّ آباء الكنيسة، السريانيَّة منها واليونانيَّة. ما هو الإنسان، وما علاقة النفس بالجسد؟ هل الجسد سجين لها؟ وحين نتحدَّث عن نميسيوس الحمصيّ، نتذكَّر التيّارات الآتية من الشرق والغرب. من الشرق وعِلْم الكواكب التي تؤثِّر على مسيرة الإنسان وحرِّيَّته. ومن الغرب مع كلام على قدَرٍ أعلَى لا يستطيع الإنسان شيئًا تجاهه، فكان لا بدَّ من العودة إلى كلام الكتاب المقدَّس حول الإنسان الذي هو على صورة الله. والكلام بالتالي عن حرِّيَّة الإنسان، هو الذي يختار، ولهذا يمكن أن يجازى على أعماله، شرٌّا كانت أم خيرًا.

 

هذا ما دفعنا إلى التكلُّم عن نميسيوس الحمصيّ الذي كتب في اليونانيَّة، في بلاد الشامّ. وانتقل كتابُه إلى العربيَّة أكثر من مرَّة. عرف اللغة السريانيَّة التي كانت لغة الشعب الذي يسوسه في أبرشيَّته. وأتقن اليونانيَّة فجُعل في خطِّ جالينس (131-201) الطبيب اليونانيّ وصاحب الاكتشافات في تشريح جسم الإنسان وفي خطِّ أوريجان وبورفير وتيودور المصّيصيّ ويوحنّا الدمشقيّ، ولاسيَّما في دراساته عن النفس والخلق، عمّا تتذكَّره النفس وعمّا تصير إليه من كمال يرتبط بالكمال الأوَّل.

 

  1. نميسيوس الحمصيّ

 

نبدأ كلامنا فنتعرَّف إلى الشخص قبل أن نصل إلى الكتاب الذي خلَّد ذكره.

 

كان نميسيوس(1) أسقف حمص، وخلف أوسابيوس الذي وُلد في الرها حوالي سنة 300، وتتلمذ على يد أوسابيوس القيصريّ (265-340) الذي سُمِّي »أبا التاريخ الكنسيّ«. قد يكون أسقفُ حمص الذي تمرَّس في دراسة الكتاب المقدَّس، وترك عظات حول الأناجيل، أخذ اسمُ معلِّمه حين صار أسقفًا(2).

 

خلف نميسيوسُ أوسابيوس هذا، وهو ابن سورية على ما يبدو. كان وثنيٌّا واهتدى إلى المسيحيَّة. قيل إنَّه كان في البدء طبيبًا. فقد اطَّلع على أمور الطبِّ وقرأ تآليف الأطبّاء أمثال جالينس وهيبوكرات. ورد اسمُ جالينس ثلاث مرّات في كتاب طبيعة الإنسان (32: 5؛ 48: 68؛ 74: 191). أمّا هيبوكرات (460-370) الذي دُعي »أبا الأطبّاء« وكتَبَ مقالة في طبيعة الإنسان، فقد ورد اسمه أيضًا ثلاث مرّات (32: 8؛ 58: 73؛ 68: 79). نشير بطريقة عابرة إلى أنَّ نميسيوس قد يكون أخذ بعنوان مقال هيبوكرات. ولكن شدَّد هذا الأخير على الوجهة الطبِّيَّة. أمّا نميسيوس فاستفاد من المعطيات الطبِّيَّة ليُبرزَ الوجهة الفلسفيَّة والمسيحيَّة.

 

هذا الأسقف عاش في القرن الرابع، ودوَّن كتابه في نهاية الرابع، الذي كان العصر الذهبيّ بالنسبة إلى الكنيسة في الشرق. من كبادوكية إلى الرها وأنطاكية والإسكندريَّة، هذا فضلاً عن مدن مثل أفامية (قلعة المضيق) وحمص وحماة وبيروت وصور. نذكر على سبيل المثال أميليوس (226-300) الذي كان أستاذًا في أفامية، ساعة كان بورفير هناك. وبورفير (234-304) تربّى في صور، وأَمَّ مكتبة قيصريَّة في فلسطين، وجمع أقوال معلِّمه أفلوطين في التاسوعات وشَرَحها، فبدت آثارٌ من شرحه في نصٍّ عربيّ نُسب خطأ إلى أرسطو. وعرفت أفامية قبل المسيح (130-50) فيلسوفًا رواقيٌّا وُلد فيها: بوسيدون الذي ترك موسوعة في العلوم.

 

وحمص حيث أقام نميسيوس كانت مركزًا علميٌّا هامٌّا. ذكرنا أوسابيوس الذي درس علم التفسير في أنطاكية، والفلسفة في الإسكندريَّة. وصار صديق جاورجيوس أسقف اللاذقيَّة. حين عُيِّن أوسابيوس أسقفًا على حمص، رفضه شعبُ المدينة، لأنَّه لا يريد أسقفًا متبحِّرًا في العلوم، بل راعيًا يهتمُّ بالنفوس.

 

ونودُّ أن نذكر في بلاد الشامّ فلاسفة آخرين. يمبليك الذي وُلد في خلقيس (هي اليوم عنجر في البقاع اللبنانيّ) وتربّى على يد أناتول الذي كان تلميذ بورفير. درَّس الفلسفة في أفامية، فمزج الأفلاطونيَّة مع الإخفائيَّة والتنجيم. وقد أثَّر في الإمبراطور يوليان الجاحد. وأناتول الذي جاء وراء بورفير على مستوى الفكر في عصره. أمّا نيكوماك فوُلد في جرش، في فلسطين. قال في ما قال: الجوهر الفرد هو الإله السامي الذي يضمُّ في ذاته كلَّ النقائض، والإله السامي هو صانع الكون. أمّا المثلَّث الخاصّ بهذا الفيلسوف فيضمُّ الله (الجوهر الفرد) إلى المادَّة بثنائيَّتها، إلى اللوغس (الكلمة) الإلهيّ. كلُّ شيء ينطلق من الجوهر الفرد ويعود إلى الجوهر الفرد. ويوحنّا الأفاميّ عاش في القرن 4-5، فاعتُبر المعلِّم الذي يأتي إليه الناس من البعيد ليسمعوا كلامه. ترك وراءه الحوارات والمقالات التي تحدَّثت عن نشاط النفس، عن مسألة الشرّ. عاش نميسيوس وتفاعل مع فكر سابقيه كما مع فكر معاصريه(3).

 

وذكر هذا »الفيلسوف« في كتابه عددًا كبيرًا من الذين عاصروه. ذكر أونوم (+394) أسقف قوزيكه، قرب القسطنطينيَّة، الذي اشتهر ببلاغته وترك آثارًا عديدة. فردَّ عليه ديديم الأعمى وباسيل وغريغوار النيصيّ. ودخل نميسيوس في جِدال مع باسيل الكبير (330-379) وغريغوار النيصيّ (363-392). هذا يعني أنَّ نميسيوس عاش في ذلك القرن الرابع. في 40: 78، تحدَّث عن أونوم الذي حدَّد النفس على أنَّها جوهر لاجسديّ في جسد مخلوق. واتَّخذ موقفًا من أحد تآليف أبّولينار، أسقف اللاذقيَّة (363-392) الذي قدَّم نظرة حول تركيبة الجسم الثلاثيَّة (الروح، النفس، الجسد) كأساس لتعليمه عن المسيح. كلُّ هذا يدعونا إلى الكلام عن الأثر الوحيد الذي تركه نميسيوس وهو طبيعة الإنسان.

 

  1. كتابه في طبيعة الإنسان

 

نكتشف، حين نتصفَّح كتاب طبيعة الإنسان، رجلاً تمعَّن في الفلسفة وفي الطبّ، وكانت معلوماته واسعة على مستوى السيكولوجيا والفيزيولوجيا، على مستوى دراسة النفس وعلم وظائف الأعضاء. ومقالُه هذا يفيض غنى لطالب معرفة في فقه اللغة وتاريخ الفلسفة. أراد أن يكون كتابه دفاعًا عن الإيمان المسيحيّ، فإذًا ما كتبه لا يفيد اللاهوتيّ كثيرًا. فهمُّه فلسفيٌّ قبل أن يكون لاهوتيٌّا. هو يتحدَّث إلى الإنسان المثقَّف، سواء كان مسيحيٌّا أم وثنيٌّا. لهذا انطلق من أفلاطون وتعليمه عن النفس واتِّحادها بالجسد. وحاول أن يوفِّق بين هذا التعليم والوحي الإلهيّ. من أجل هذا، عالج في المقدِّمة (ف 1) طبيعة الإنسان، المؤلَّفة من نفس وجسد، المخلوقة لكي تكون جسرًا بين عالمين: بين ما هو ظاهر، وما هو معقول. فالعالَم خُلق من أجل الإنسان، ومن أجله وُجدت خلائق الدنيا. وينتهي هذا الفصل الأوَّل مع تقريظ أو مديح للإنسان:

 

حين ننظر إلى هذه الأمور في ما يخصُّ الإنسان، كيف نستطيع أن نُبرز كرامة الموقع الذي يمثِّله في الكون؟ فالإنسان يجمع في شخصه الخلائق المائتة واللامائتة، ويجعل الكائنات العاقلة تتَّصل بالكائنات التي حُرمت من العقل. هو يحمل في طبيعته أفكار الخليقة كلِّها، لهذا يُدعى »مكروكوسموس« أو »كون صغير«. هو الخليقة التي جعلها الله أهلاً لعناية خاصَّة، بحيث إنَّ كلَّ الكائنات نالت وجودها بسببه، سواء تلك الموجودة الآن أو تلك التي ستأتي. هو الخليقة الذي لأجله صار الله إنسانًا، لكي تدرك اللاّفساد وتُفلت من الفساد، لكي تملك على الأعالي، وهي التي صُنعت على صورة الله ومثاله. هذه الخليقة تقيم مع المسيح كابن الله وتجلس فوق كلِّ ناموس وكلِّ سلطان.

 

وإذ نعرف النُبلَ الذي نشارك فيه، وأنّنا غرس السماء، فلا نقترف شيئًا يسلِّم طبيعتنا إلى العار أو يبيِّن أنَّنا غير أهلٍ بأن ننعمَ بمثل هذا الصلاح العظيم. لا نخدَعْ نفوسنا مع كلِّ هذه القدرة وهذا المجد وهذه البركة، فنقايض التنعُّم بالأمور الأبديَّة بحقبة قصيرة من اللذّات لا يمكن أن تدوم. بل لنحافظ على عظمتنا فنعمل الخير ونتجنَّب الشرّ، ونجعل أمام عيوننا هدفًا صالحًا. من أجل كلِّ هذا نعتاد أن نطلب نعمة الله. هذا يعني أنَّنا لا ننسى الصلاة(4).

 

بعد هذا الكلام الرفيع عن الإنسان، درس نميسيوس النفس في الفصل الثاني، واتِّحادها بالجسد في الفصل الثالث، ثمَّ الجسد والعناصر وملكة التخيُّل والنظر واللمس والذوق والسماع والشمّ والعقل والذاكرة والفكر. ومع الفصل الخامس عشر، يقترح هذا »الفيلسوف« طريقة جديدة في تقسيم النفس: قسمٌ فيه الأهواء والشهوة والملذّات والألم والخوف والغضب. وقسمٌ لا سلطة فيه للنفس: التغذية، دقّات القلب، الإيلاد. أمّا الفصول 35-38 فتجابه نظرية القدر. وينتهي الكتاب بدفاع عن الإرادة الحرَّة (ف 39-41) وعرض للتعليم المسيحيّ حول العناية الإلهيَّة (ف 42-44).

 

اعتبر عددٌ من الباحثين أنَّ كتاب نميسيوس هو ولادة الأنتروبولوجيّا المسيحيَّة. هذا لا يعني أنَّه لم تكن قبلَهُ محاولات من أجل صياغة نظرة مسيحيَّة إلى العالَم، بل لأنَّ نميسيوس بيَّن أنَّه من الممكن إدخال الفلسفة اليونانيَّة في نظرة مسيحيَّة شاملة إلى الإنسان. ساعة كانت المسيحيَّة في ملء امتدادها لكي تصل إلى المثقَّفين، قدَّم طبيعةُ الإنسان تعليمًا مسيحيٌّا حقيقيٌّا حول الواقع البشريّ. استعان هذا »الفيلسوف« بمقولات أخذها من الفكر اليونانيّ. فكَّر فيها من جديد وأعاد التعبير بمضامينها. إذًا لا يكمن جوهرُ الكتاب في المعطيات الطبيعيَّة العديدة، ولا في الجدالات اللاهوتيَّة، بل في مضمونه الفلسفيّ. وهكذا نجعله في إطار تاريخ الفلسفة قبل أن نجعله في إطار تاريخ اللاهوت.

 

  1. نسخات الكتاب

 

دُوِّن طبيعة الإنسان في اليونانيَّة، لغة الثقافة في عدد من مدن الشرق. ولكنَّه خرج سريعًا من لغته الأصليَّة، لكي ينتشر في الشرق والغرب.

 

نتعرَّف أوَّلاً إلى نسخات هذا الكتاب في العالَم الغربيّ، قبل أن نعود إلى العالم الشرقيّ. ونتوقَّف مطوَّلاً عند النسخات العربيَّة.

 

أ- العالم الغربيّ

 

أقدم نصٍّ يونانيّ نعرفه، وُجد في كودكس، في جزيرة بطمس. وهو يعود إلى القرن العاشر. ولكنَّ النصَّ اليونانيّ انتشر سريعًا. فالقدّيس يوحنّا الدمشقيّ (675-749) يستقي منه الكثير في الفصول المتعلِّقة بالإنسان (2: 12-29) في كتابه عن الإيمان الأرثوذكسيّ. غير أنَّ الدمشقيّ لم يذكر المرجع الذي استقى منه(5). وبعد قرن من الزمن، عرف الكتابَ ميليثيوسُ الراهب في دير الثالوث الأقدس قرب طبريابوليس (في فريجية، تركيّا). وأورد نصَّه إيرادًا حرفيٌّا وبشكل واسع بحيث شكَّلت إزائيَّة آراء آباء الكنيسة والفلاسفة المشهورة حول تكوين الإنسان نصٌّا لنميسيوس نستفيد منه لتثبيت النصِّ اليونانيّ. ما ذكر ميليثيوس المرجع الذي أخذ منه. ثمَّ إنَّ كتاب نميسيوس مُزِجَ مع كتاب غريغوار النيصيّ حول صنع الإنسان. وحين تُرجم طبيعة الإنسان إلى الأرمنيَّة، نسبه المترجم إلى غريغوار. في الواقع، بدأ الباحثون، منذ القرن التاسع، معتبرين الفصلين الثاني والثالث من طبيعة الإنسان على أنَّهما مقال عن النفس لغريغوار. وانطلاقًا من الجزء، نسبوا الكلَّ إلى هذا العلاّمة الكبير الذي كتب صُنع الإنسان ليكمِّل عظات باسيل شقيقه حول الأيّام الستَّة.

 

أوَّل من ذكر طبيعة الإنسان هو مكسيم المعترف الذي وقف في وجه المونوتيليَّة (أصحاب المشيئة الواحدة في المسيح) الذي تُوفِّي سنة 663. أورده إيرادًا حرفيٌّا في ثلاثة من مؤلَّفاته: إلى الكاهن مارينو. أسئلة إلى تيودور الراهب. الغوامض(6). بعد ذلك، قرأ الكتاب أناستاز السينائيّ، رئيس أساقفة نيقية الذي تُوفِّي بعد سنة 700. أخذ منه مقاطع في الأسئلة والأجوبة، ولاسيَّما السؤالين 18، 24 (مفتاح الآباء اليونان 7746).

 

منذ القرون الوسطى، تمَّ نقل كتاب نميسيوس إلى اللاتينيَّة. أوَّل نقلٍ نعرفه تمَّ على يد نيقولا ألفان (+ 1085) أسقف سالرنو (جنوب إيطاليا). هي ترجمة ناقصة ومليئة بالأخطاء(7). وتبعتها ترجمة كاملة نشرها سنة 1165 المحامي بورغوندا في بلدة بيزا، في إيطاليا(8)، وقدَّمها إلى فرديدريك بربروس (1121-1190) إمبراطور ألمانيا، الذي سار في الحملة الصليبيَّة الثالثة، فمات غرقًا في قيليقية ودُفن في صور، في لبنان. أورد هذه الترجمة كتَّابُ القرون الوسطى مثل ألبير الكبير، ووسَّعوا نسبة الكتاب إلى غريغوار النيصيّ. ثمَّ ظهرت ثلاث ترجمات في عهد النهضة الأوروبيَّة: جورج فالا(9)، سنة 1499؛ جان كونو(10)، سنة 1512؛ إلابود(11)، سنة 1565.

 

ب- العالم الشرقيّ

 

لن ننتظر الكثير من الدراسات عن نميسيوس في العالم الشرقيّ. فهو غير معروف عندنا، شأنه شأن الكتّاب العديدين في السريانيَّة أو العربيَّة أو القبطيَّة. فنحن ما زلنا متخلِّفين في هذا المجال، لاسيَّما وأنَّ المخطوطات الهامَّة موجودة في الغرب. وما تبقّى منها كان في حالة يُرثى لها. وأرجو أن تكون الأحوال تبدَّلت.

 

في الأرمنيَّة، جاءت ترجمة أولى في القسطنطينيَّة، سنة 716. وكانت ناقصة. واستندت إلى هذه الترجمة، تلك التي نُشرت سنة 1880(12). في السريانيَّة، تمَّت ترجمة جزئيَّة، في العصور الوسطى(13)، وقد نُشرت في ألمانيا سنة 1903. ذكر تيموثاوس الأوَّل الذي كان الجاثليق النسطوريّ في بغداد من سنة 780 إلى سنة 823، طبيعة الإنسان في رسالة بعث بها إلى ربّان باثيون، ونسبها بشكل صريح إلى »فيلسوف يُدعى نميسيوس«. ووصف هذا المقال مكتفيًا بالفصل الأوَّل المقسوم خمسة أقسام(14). وفي القرن التاسع، عرف الكتابَ موسى بركيفا الذي كان الأسقف السريانيّ الغربيّ في الموصل حوالى سنة 863 قبل أن يصبح مطران تكريت حيث مات سنة 903. استلهم بشكل واسع طبيعة الإنسان، وأورد بشكل حرفيّ مقاطع من الفصل الثاني جعلها في كتابه عن النفس (ف 3-4) ولكنَّه لم يذكر اسم الكاتب(15). وعُرف طبيعة الإنسان في اللغة الجيورجيَّة. وكان كلام عنه في إيطاليا بالاتِّصال مع الدراسة حول الترجمة الأرمنيَّة(16).

 

ج- الترجمات العربيَّة(17)

 

أوَّلاً: وضع طبيعة الإنسان لنميسيوس في الدراسات العربيَّة

 

في البداية، نتأسَّف أن لا نجد دراسة واحدة شاملة حول نميسيوس الحمصيّ في لائحة الأدب العربيّ التي أوردها كارل بروكلمان بين سنة 1908 وسنة 1942. ولكنَّه في الملحق الذي ظهر سنة 1937، تحدَّث عن ترجمة عربيَّة قام بها حنين بن اسحق، وذلك في سفر واحد: غريغوار النيصيّ، كتاب الأبواب على رأي الحكماء والفلاسفة (سباط 1010). إنَّ عنوان الكتاب الذي يتضمَّنه مخطوط 1010(18) لبولس سباط يُقرأ: »كتاب الفصول على رأي الحكماء والفلاسفة«. ويُشير إلى غريغوار النيصيّ. في دائرة المعارف الإسلاميَّة، لا نجد مقالاً عن نيمسيوس ولا عن طبيعة الإنسان. وفي النهاية، كان جورج غراف أوَّل من قدَّم حاشية حول نميسيوس العربيّ. في الجزء الأوَّل من تاريخ الأدب العربيّ المسيحيّ، الذي ظهر سنة 1944، ذكر مرَّتين طبيعة الإنسان. في مرَّة أولى، تحدَّث عن هذا الكتاب الذي نُسب خطأ إلى غريغوار النيصيّ في بعض التقليد اليونانيّ، وفي التقليد العربيّ. نقله النسطوريّ حنين بن اسحق المتوفّى سنة 873 أو 877. وسوف يتحدَّث عن استعمال هذا الكتاب على يد الملكيّ أبي الفتح عبدالله بن الفضل، في الجزء الثاني. ومرَّة ثانية، أشار إلى طبيعة الإنسان الذي نُسب خطأ إلى غريغوار النيصيّ(19).

 

وفي الجزء الثاني من كتاب غراف (ص 95)، ذُكر طبيعة الإنسان مرَّتين. مرَّة أولى في معرض الحديث عن كتاب المنفعة الكبير لأبي الفتح عبدالله بن الفضل الأنطاكيّ. قال: »وهناك مجموعة أخرى (ف 51-70) تتطرَّق إلى الأسئلة الأنتروبولوجيَّة والسيكولوجيَّة، في ارتباط وثيق مع نميسيوس الحمصيّ«. أمّا الحاشية الثانية فستكون أوسع (ص 130). تحدَّث غراف عن اسحق بن حنين فنسب إليه ترجمة طبيعة الإنسان وأورد أربعة مخطوطات منها سباط 1010. وأشار إلى تلميح نقرأه عند أبي البركات وابن كبر وإلى استعمال أبي اسحق المؤتمن ابن العسّال لهذا الكتاب.

 

بعد سنة 1967، توالت الدراسات، وطُبعت مقاطع من طبيعة الإنسان لارتباطها بالعالم الرواقيّ أو بكتّاب أخذوا من مؤلَّف نميسيوس.

 

ثانيًا: طبيعة الإنسان كما ورد في النصوص

 

أقدم إيراد عربيّ لكتاب نميسيوس نقرأه في سرِّ الخليقة الذي نُسب إلى أبولون التيّاني. نقرأ هنا 18 سطرًا من الفصل الأوَّل، ولكنَّ المقطع لا يرد بشكل حرفيّ. ويبدو أنَّ هذه الترجمة تمَّت حوالى سنة 815-816. وأورد الفيلسوف الكنديّ (+ 873) تحديدًا حرفيٌّا للغضب أخذه من نميسيوس. وحوالى سنة 950، نقل الراهب أنطونيوس من دير مار سمعان قرب أنطاكية الإيمان الأرثوذكسيّ للقدّيس يوحنّا الدمشقيّ، وفيه مقاطع واسعة من طبيعة الإنسان. وحوالى سنة 990، قدَّم ابن النديم في الفهرست (ص 315) لائحة بجميع الكتب المؤلَّفة في العربيَّة أو المنقولة. فقال في الفصل الأوَّل من القسم السابع: غريغوار أسقف نوسا. وله من الكتب: كتاب طبيعة الإنسان.

 

في منتصف القرن الحادي عشر، ترك أبو الفتح عبدالله ابن الفضل الأنطاكيّ كتاب المنفعة الذي أخذ مقاطع واسعة من نميسيوس حول الأنتروبولوجيّا والسيكولوجيّا. حوالى سنة 1265، أورد مؤتمن الدولة أبو اسحق ابن العسّال مقاطع من الفصول 3، 30-43 من طبيعة الإنسان في مجموع أصول الدين. وحوالى سنة 1320، ذكر شمس الرياسة أبو البركات ابن بكر في كتابه مصباح الظلمة في إيضاح الحكمة كتاب نميسيوس بين كُتُب غريغوار النيصيّ، شقيق باسيل القيصريّ. فقال: الخامس، كتاب الأبواب في طبيعة الإنسان. ترجمه من اللغة اليونانيَّة إلى اللغة العربيَّة حنين بن اسحق المتطبِّب، وعدَّتها 43 بابًا.

 

ثالثًا: مخطوطات طبيعة الإنسان

 

– مخطوط دمشق. المكتبة الظاهريَّة. يعود إلى القرن الحادي عشر. نُسخ في العراق في خطٍّ نسخيّ قريب من الكوفيّ. والعنوان: هذا كتاب غريغوار أسقف نوسا المعروف بكتاب الأبواب في طبيعة الإنسان، وهي ثلاثة وأربعون بابًا.

 

– مخطوط البطريركيَّة القبطيَّة في القاهرة. لاهوت 224. انتهى الناسخ من نسخه في 20 كانون الأوَّل 1744. نقرأ: كتاب الأبواب تأليف القدّيس غريغوار أسقف نوسا (وهي الجزيرة) في طبيعة الإنسان. وعدَّة أبوابه ثلثة وأربعون (كذا) بابًا. نقله اسحق بن حنين من اليونانيّ إلى العربيّ.

 

– مخطوط البطريركيَّة القبطيَّة أيضًا، لاهوت 225. يعود إلى القرن السابع عشر. وإليك العنوان: كتاب هذه (كذا) الأبواب على رأي الحكماء والفلاسفة. وهو كتاب غريب عجيب. تأليف القدّيس غريغوار أسقف نوسا (وهي الجزيرة) في طبيعة الإنسان. وعدَّة أبوابه ثلثة وأربعون بابًا. فهو عجيب (كذا) الكتب وأحسنها. نقله اسحق بن حنين من اليونانيّ إلى العربيّ.

 

– مخطوط حلب. مؤسَّسة جورج وماتيلد سالم. العنوان: كتاب الأبواب على رأي الحكماء والفلاسفة…

 

يبدو مخطوط المكتبة الظاهريَّة من أصل إسلاميّ. والمخطوطات الثلاثة الباقية تنتمي إلى أسرة واحدة، وقد ارتبطت بالعالَم القبطيّ(20). ونصُّ نميسيوس لم يُنشر بعد في العربيَّة، كلُّ ما نُشر هو مقاطع في »سرِّ الخليقة«(21).

 

نذكر هنا مقطعًا قصيرًا من النسخة الكاملة:

 

وقد ذَكَر العبرانيّون أنَّ الإنسان، منذ أوَّل أمره، خُلق على التُخوم بين الطبيعة المائتة وبين الطبيعة التي ليست بمائتة. ليكون إن مال إلى الانفعالات الجسمانيَّة واتَّبعها، وقع في التغاير (؟) الجسمانيَّة. وإن هو آثَر فضائل النفس، نال البقاء الدائم ولم يمت.

 

ويحتجُّون في ذلك بأنَّ الله (عزَّ وجلّ) لو كان جعل الإنسان من أوَّل أمره مائتًا، لم يكن عند المعصية، إنَّما يُعاقبُه بالموت، لأنَّه ليس لعقوبة المائت بأن يُجعل مائتًا وجهٌ.

 

ولو كان أيضًا، منذ خلقه إيّاه، خلقَه غير مائت، لم يكن ليجعله محتاجًا إلى الغذاء. لأنَّه ليس شيء من الجواهر التي ليست بمائتة تحتاج إلى غذاء جسميّ(22).

 

ثالثًا: ترجمات مختلفة أو مترجم واحد

 

حين قابل الأب سمير هذه النصوص المختلفة، سواء تلك التي نجدها في المخطوطات أو في الكتب التي تورد بعض طبيعة الإنسان، رأى الاختلافات الواسعة. فتساءل: هل نحن أمام مخطوطات لترجمة واحدة، بل لعدَّة ترجمات؟ فالنسخة التي نقرأها في أبولون تلفت النظر بلغتها المقعَّرة، أمّا النصّ السينائيّ فهو مختصر يُغفِل الأسطر العديدة بل الصفحات. أمّا لغته فبسيطة وواضحة. هي قريبة من النصِّ اليونانيّ، وتورد وحدها اسم الكاتب الحقيقيّ: نميسيوس الحمصيّ.

 

ووصل النصُّ الكامل في مخطوط دمشق والمخطوطات القبطيَّة. اعتبر بعضهم أنَّ مخطوط دمشق الذي يعود إلى القرن الحادي عشر، يتفوَّق على سائر المخطوطات. على مستوى الألفاظ بشكل خاصّ، ترك كلمة »الأسطقسات stoiceia« وأخذ »العناصر«؛ ترك »التبرُّم« وأخذ »الضجر«. »الآلام« هي عنده »الانفعالات«. لن نطيل الكلام، بل نقدِّم الخلاصة: النصُّ الأوَّل هو نصُّ القاهرة. وقد أعاد صياغَته نصُّ دمشق.

 

فهل نستطيع أن نحدِّد تاريخ هذه الترجمات؟ هنا نعود إلى الكنديّ الذي توفِّي سنة 873، في السنة التي فيها توفِّي حنين بن اسحق. بما أنَّ الكنديّ يورد نصٌّا حرفيٌّا من نميسيوس، وبما أنَّه يقول: »واسم الدحل في اللغة اليونانيَّة، مشتقّ من الكمّون والرصد«، نعتبر أنَّ الكنديّ لم ينقل النصَّ عن اليونانيَّة، بل أخذه عن ترجمة عربيَّة. هذا يعني أنَّ نصَّ نميسيوس نُقِل قبل موت الكنديّ. وإذا قابلنا نسخة القاهرة مع نصِّ الكنديّ، نجد تضاربًا لا نجده مع نصِّ دمشق(23). ولكن تبقى الاختلافات طفيفة بالنظر إلى التشابه بين مختلف النصوص.

 

وهل نستطيع أن نحدِّد الكاتب؟ يبدو أنَّه حنين بن اسحق أكبر المترجمين العرب. معرفته للغة اليونانيَّة لا تقبل الشكّ. ولغته العربيَّة متينة. وقد دلَّ على مسيحيَّته من خلال معرفته للكتاب المقدَّس. فحين يورد نميسيوس نصٌّا كتابيٌّا، لا يذكر المرجع. أمّا حنين فلا يهمله. فهو يضيف ما لم يجده في نصِّ نميسيوس.

 

قال نميسيوس: »وسُمِّي، كما قال بولس الرسول، أرضيٌّا ترابيٌّا وكان \’\’إنَّك أرضيّ وإلى الأرض مصيرك\’\’، إنَّه قيسَ بالبهائم التي لا عقل لها«. أضاف حنين بن اسحق. الأولى: »على ما قيل في التوراة. والثانية: على ما قيل في الزبور«. وهكذا صار النصُّ كما نقله حنين: »وسمّي كما قال بولس الرسول أرضيٌّا ترابيٌّا، وكان، على ما قيل في التوراة، إنَّك أرضيّ وإلى الأرض مصيرك، وعلى ما قيل في الزبور إنَّه قيس بالبهائم التي لا عقل لها(24). وكان متشابهًا لها«.

 

  1. فكر نميسيوس في طبيعة الإنسان

 

هذا الكتاب الفلسفيّ في الدرجة الأولى، الذي عرفه الغرب، كما عرفه العالم العربيّ معرفة واسعة، بدا أنَّ مترجمه واحد. ويبدو شبه أكيد أنَّه حنين بن اسحق. أمّا الترجمة فتمَّت قبل موت الكنديّ الذي يورد نصٌّا من نصوصه عن الغضب، أي سنة 873م. وانتقلت ترجمة حنين إلى مخطوطات القاهرة، مع أنَّها متأخِّرة، قبل أن تعود إلى مخطوط دمشق الذي بدا تحسينًا للنصِّ الذي نقرأه في مخطوطات القاهرة.

 

ما يكون الفكر الذي نجده لدى نميسيوس، أسقف حمص، في القرن الرابع؟

 

أ – مضمون الكتاب

 

بدأ الكاتب فحدَّد موقع الإنسان في الكون. ولاحظ كيف أنَّ العناية الإلهيَّة التي خلقته، جعلته صلةَ وصلٍ بين العالم المادّيّ والعالم اللاّمادّيّ. هو عالَم صغير في عالَم كبير(25). إنَّه قلب الكون ومحوره. ومن أجله صُنع الكون.

 

رفض القسمة المثلَّثة حسب أفلاطون وأبّولينار، فاعتبر الإنسان من نفس وجسد. وما تكون النفس؟ رفض نميسيوس التعاليم المادّيَّة، كما رفض رأي أرسطو الذي جعل من النفس كمال(26) الجسد، وبالتالي عنصرًا مادّيٌّا هو الجسد يكمُل فيصير نفسًا. وأخذ نميسيوس برأي أفلاطون الذي يحدِّد النفس على أنَّها جوهر لا جسديّ، وبالتالي هي خالدة. وحين تحدَّث أسقف حمص عن طبيعة النفس بحَثَ عن أصلها، فأخذ بفكر أفلاطون حول وجود سابق للنفوس. ورفض ثلاث مقولات: خلق النفس كما تُخلق المادَّة (أبّولينار). ولادة النفس كما يُولد الجسد. انتقال النفس من جسد إلى جسد بحيث نصل إلى التعليم عن التقمُّص (كما عند أبّولينار). كلُّ هذا يقود إلى رفض خلود النفس. غير أنَّ نميسيوس لبث في خطِّ العالم اليونانيّ الذي اعتبر أنَّ النفس لا يمكن أن تكون خالدة إلاَّ إذا وُجدت منذ البداية، ولم تنتظر خلق الجسد لتوجَد معه.

 

شعر بعضهم أنَّ نميسيوس تبع يامبليك في كلامه عن التقمُّص. في الواقع، تحدَّث عن التقمُّص بشكل غير مباشر، لكي يبيِّن أنَّ الفلاسفة القدماء اعتقدوا بخلود النفس. كلُّ هذه الجدالات تملأ الفصل الثاني الذي هو طويل جدٌّا بالنسبة إلى ما يجاوره. في هذا المناخ، طُرحت مسألةُ مراجع نميسيوس. فنحن نجد في طبيعة الإنسان معلومات دقيقة عن الفكر اليونانيّ من تاليس (625-547 ق.م.) وهيراكليت (550-480 ق.م.) إلى أفلاطون وبورفير. وعرضُهُ حول تنظيم الجسد البشريّ، يعكس المعارف الطبِّيَّة التي تناقلها عصره. من أجل هذا، تحدَّث بعض الباحثين عن نظرة إنتقائيَّة، فيها يختار الكاتب من هنا وهناك ليكوِّن نهجًا يعتبره خاصٌّا به.

 

لا شكَّ في أنَّ نميسيوس تأثَّر أكثر ما تأثَّر بأفلاطون وأفلوطين. ولكنَّه لبث مدينًا لأرسطو الذي يرد اسمه 25 مرَّة. كما ارتبط بالرواقيّين الذين دعاهم أحكم الفلاسفة، وبشكل خاصّ ببوسيدون. عاد نميسيوس إلى جالينس وأخذ الكثير من نصوصه ولاسيَّما في ف 4-27. كما عاد إلى أوريجان في شرحه لسفر التكوين، بحيث تساءَل بعضهم كيف لم يُحرَم نميسيوس. نشير هنا إلى أنَّ هذا الكاتب لم يقرأ كلَّ فيلسوف بمفرده، بل عاد إلى أحكام الفلاسفة(27) التي عرفها عصرُه. ولكنَّه درس في العمق جالينس. كما عرف في العمق بعض مقالات أرسطو مثل »الإتيقون إلى نيكوماك« أو »تاريخ الحيوانات« أو »النفس«. فهو يعطي معلومات خاصَّة حول سيكولوجيَّة هذا الفيلسوف الكبير(28).

 

حين عرض نميسيوس مختلف الآراء، ما اكتفى أن يكون »كاتبًا، ناسخًا لها. بل هو تحقَّق منها وانتقدها حسب نظرته الخاصَّة. غير أنَّه لم يدخل في جدالات ماورائيَّة تتعدَّى فهم قرّائه، مثل براهين أفلاطون حول خلود النفس. بل اكتفى بأن يقدِّم تعليمًا عاديٌّا نقصته أصالةُ الفلاسفة الكبار، لاسيَّما وأنَّه لم يتوقَّف عند الفلسفة، بل وصل إلى اللاهوت. فقد رفض مثلاً أن تكون وحدة الثالوث واللاهوت على المستوى الأدبيّ، بل على المستوى الجوهريّ. هذه الوحدة ليست فقط نتيجة نعمة الله، بل أساسها هو في الطبيعة. هنا بدا نميسيوس وكأنَّه يردّ على تيودور، أسقف المصيصة، في كتابه حول التجسُّد. قال نميسيوس موجزًا فكره حول هذه الوحدة:

 

لا يقبل الكلمةُ الإلهيّ أيَّ تحوُّلٍ في اجتماعه بالنفس والجسد. إذ جعلهما يقاسمانه لاهوته الخاصّ. ما قاسمهما ضعفهما. هو واحد معهما، ومع ذلك فهو يستمرُّ في الحالة التي كان فيها قبل الدخول في هذه الوحدة. هذا الشكل من المزج أو الوحدة، هو شيء جديد كلَّ الجدَّة. امتزج الكلمة بالجسد والنفس، ومع ذلك لبث بكلِّيَّته دون مزج ولا خلط ولا فساد ولا تحوُّل. هو لا يقاسمهما انفعالهما، بل نشاطهما فقط. هو لا يفنى معهما. ولا يتبدَّل مثلهما، بل يعمل من جهة في نموِّهما، ومن جهة ثانية لا يصيبه انحطاط في اتِّصاله بهما. وهكذا يبقى لامتبدِّلاً ولامخلوقًا، لأنَّه لا يشارك إطلاقًا في أيِّ شكل من التحوُّل(29).

 

ب- نظرة نميسيوس إلى النفس

 

بعد أن انتهى هذا المفكِّر من المسألة الماورائيَّة، عاد إلى وحدة النفس والجسد. أدرك إدراكًا عميقًا دقَّة المسألة التي يطرحها: اتِّحادٌ جوهريّ في مركَّب واحد. ما أراد أن يتكلَّم عن مزج وكأنَّنا أمام شيئين مادّيَّين. فجوهر النفس غير جوهر الجسد. هي روحيَّة، وهو مادّيّ. ولا هو قبِل أن يكون الجوهرُ قرب الآخر، وكأنَّهما شيئان يسيران معًا في الطريق وما يعتِّمان أن يفترقا. وما قبِل بفكر أفلاطون الذي قال إنَّ الجسد هو لِباس النفس، بل أخذ بالنظرة الأفلاطونيَّة المحدثة(30). تبع أنوميوس ساكاس معلِّم أفلوطين قال نميسيوس.

 

إنَّ وحدة طبيعة لامادّيَّة مع جسم، ليست مثل وحدة بين جوهرين جسميّين. فالكائن اللامادّيّ يبقى مميَّزًا عن الكائن المادّيّ وغير فاسد. ثمَّ إنَّ الوحدة تتمُّ دون أن ينتج عنها تبدُّل. إذن، تتَّحد النفس بالجسد دون أن تُخلَط معه، بحيث لا نقدر أن نُميِّز بين الاثنين. فهي تستطيع أن تعزل ذاتها معه، في شكل من الأشكال، خلال النوم مثلاً؟ أو من المشاهدة؟ إذا كان الجسد ينام، فالنفس لا تنام. وفي المشاهدة التي هي أسمى مراتب المعرفة ترتفع النفسُ وحدها، بينما يظلُّ الجسد ملتصقًا بالأرض. وكما أنَّ الشمس بحضورها تحوِّل الهواء إلى نور فتجعله مضيئًا، وكما أنَّ النور يتَّحد بالهواء دون أن يختلط الواحد بالآخر، كذلك النفس: إذ هي تتَّحد بالجسد، تبقى مميَّزة عنه.

 

وثبَّت نميسيوس شرحه عائدًا إلى وحدة الكلمة الإلهيّ مع الإنسانيَّة. ولكنَّه لا يطيل الكلام في هذا المجال، بل يكرِّس القسم الأكبر من كتابه لِما نسمّيه اليوم السكولوجيّا الاختباريَّة. فحاول أن يكتشف نواميس تنظِّمُ تصرُّف الإنسان بحيث نستطيع أن ندرسها ونراقبها. في هذا المجال، توقَّف عند الحواسّ وأعضائها ووظائفها. ووجد عند جالينس ما يحتاج إليه على مستوى علم التشريح والتركيب الداخليّ في الجسم، وعلى المستوى الفيزيولوجيّ أو وظائف الأعضاء(31). ودرس نميسيوس الحواسّ الداخليَّة، مثل دور الذاكرة والإدراك الواعي، والمعرفة العقليَّة التي هي قريبة من نظريَّة التذكُّر عند أفلاطون. قال:

 

هناك تذكُّر لا يكون موضوعه ما أدركتهُ الحواسُّ أو العقل، بل المفاهيم المرتبطة بالطبيعة. والمفاهيم الطبيعيَّة هي تلك التي يعرفها الجميع دون الحاجة إلى درس مسبَّق، مثل وجود إله. وهذا ما يسمّيه أفلاطون تذكُّر المثل(32).

 

ج- نميسيوس والحريَّة البشريَّة(33)

 

كرَّس نميسيوس ثلث كتابه للكلام عن الحرّيَّة البشريَّة، وتطرَّق إلى مسائل متعلِّقة بالقدريَّة وبالعناية الإلهيَّة. فالقدَر يتحدَّث عن قوَّة فائقة تحدِّد مسبقًا مسيرة الأحداث، بشكل عامّ، على مستوى المجتمعات. وبشكل خاصّ على مستوى الإنسان، بحيث نصل إلى نفي الحرّيَّة البشريَّة. في هذا المجال، يتحدَّث المفكِّرون عن ناموس يتفوَّق على الإنسان، ويحدِّد له هدف حياته قبل أن يُولد. قالوا: لا إرادة حرَّة عند الإنسان، ولا سلطان له بأن يقوم بعمل أو يمنع خطرًا. مثل هذا الموقف رفضه نميسيوس.

 

في العالَم اليونانيّ، ثلاثة ألفاظ تتحدَّث عن المصير والقدر. الأوَّل »moira« الذي ينطلق من فعل قسم فيدلُّ على قوَّة توزّع الحصص بين الناس. لكلِّ واحد قسمته، حظُّه. هذا ما كُتب له. اللفظ الثاني »anagkh«، الضرورة بطابعها الهائل الذي يسحق الإنسان سحقًا. وأخيرًا، »pronoia« أي المعرفة المسبقة، النظرة المسبقة(34). هذا ما ندعوه العناية. هي الاهتمام بالغير مهما كلَّفنا ذلك من جهد. وهي ترتبط بالعين التي تنظر إلى الشخص المحبوب، تحرسه، تنتظره. والعناية في المعنى الدينيّ تدلُّ على حكمة الله السامية، التي بها يسوس الكونَ والأشخاصَ والأشياء.

 

رفض نميسيوس التعاليم عن القدريَّة التي انتشرت انتشارًا واسعًا في العالم الهلنستيّ. فميَّز خمسة منها تأسَّست على الأسترولوجيّا أو التنجيم، على الرواقيَّة وعلى الأفلاطونيَّة. ميَّز بين الحرِّيَّة البشريَّة وحرِّيَّة الله اللتين تتواجدان معًا. فحرِّيَّة الله لا تُلغي حرِّيَّة الإنسان، بل ترفعُها إلى أعلى مستواها. فالله الذي خلق الإنسان وكلَّ ما فيه، بما في ذلك الحرِّيَّة، أتراه يشوِّه ما خلق؟ أتراه يأخذ بيدٍ ما أعطاه بالأخرى؟ خَلَقنا أحرارًا وهو يحترم حرِّيَّتنا إلى آخر حدود الاحترام. أمّا عنايته فلا تُلغي شخصيَّة الإنسان، بل تعتني بكلِّ المخلوقات وتسوسها، بحيث لا يمكن أن يوجَد نظام للكون أكمل من ذلك الموجود. غير أنَّ الإنسان، بعقله المحدود، لا يستطيع أن يفهم كلَّ الفهم عناية الله التي تسوس الكون. سيبقى هناك موضع للسرِّ الإلهيّ يدخل فيه الإنسان دون أن يتمكَّن من سبر أغواره.

 

بهذه الطريقة ردَّ نميسيوس على »المدارس الثلاث« التي ذكرها. على مستوى الأسترولوجيّا، رفض أن تكون الأجرام السماويَّة هي التي تحدِّد ما يحدث في الكون، وفي حياة البشر. تلك كانت الجبريَّة الجذريَّة، وفيها نحسُّ أنَّنا مجبرون بحيث لا نقدر أن نتخلَّص ممّا يُفرَض علينا. مثلُ هذه الجبريَّة تنبذ العناية الإلهيَّة. وقال الرواقيّون إنَّ النشاط البشريّ هو في يد القدَر. إذا كان الأمر كذلك، لا نستطيع أن نعمل شيئًا. وبالتالي لا يمكن الله أن يحاسبنا على أفعالنا، شرًا كانت أم خيرًا. وقالت الأفلاطونيَّة بشريعة إلهيَّة وُجدت منذ الأزل، وهي غير متبدِّلة، ونحن لا نستطيع تجنُّبها. جاء جواب نميسيوس جوابين. الأوَّل: استقلاليَّة السلوك البشريّ. الثاني: حرِّيَّة الله الذي لا يمكن أن يكون خاضعًا لأيِّ إكراه، وإلاَّ عدنا إلى المفهوم الوثنيّ حيث الآلهة تخضع للقدر ولا تستطيع شيئًا ضدَّه.

 

وفي النهاية، تفحَّص نميسيوس الأعمال الإراديَّة واللاّإراديَّة، ومفهوم الخيار الذي يضمُّ ثلاثة عناصر: التداول أو التشاور. الحكم. الرغبة. فالإنسان هو المبدأ الحقيقيّ لبعض الأعمال، حيث يكون مفتوحًا حقلُ مبادرتنا الحرَّة، على مستوى الفعل الخلقيّ، والعمل التقنيّ، والنشاط النفسيّ والعقليّ. وأخيرًا، هناك حرِّيَّة الاختيار أي تلك القوَّة التي تجعلنا نتَّخذ القرار بإرادتنا وحدنا، وخارجًا عن كلِّ اجتذاب خارجيّ.

 

الخاتمة

 

تلك كانت مسيرتنا للتعرُّف إلى المفكِّر الذي عاش في العصر الذهبيّ للفكر المسيحيّ، في القرن الرابع، وترك أثرًا بعيدًا في الفكر الغربيّ والشرقيّ على السواء، بحيث تُرجم إلى أكثر من لغة، وانتشر في اللغة العربيَّة في أكثر من نصٍّ وفي أكثر من مخطوط. أُخذ منه كتابُه الوحيد الذي وصل إلينا، ونُسب إلى غريغوار النيصيّ. ولكن في النهاية، عرفنا صاحب طبيعة الإنسان في اليونانيَّة، كما عرفنا مترجمه إلى العربيَّة، وهو حنين بن اسحق. ودخلنا في فكره حول الأنتروبولوجيّا، حول ما يتعلَّق بالإنسان، وبيسوع المسيح الإنسان والإله، كما نزلنا إلى أعماق النفس لنكشف صفاءها وعمق الحرِّيَّة فيها. طبيعة الإنسان كتابٌ يعطي صورة عن القرن الرابع، كما عن الفلسفة اليونانيَّة. منذ القرن السادس ق.م. نُشر في اليونانيَّة واللاتينيَّة، فمتى يأتي باحث ينشر في العربيَّة فلسفة من عندنا تتوجَّه اليوم إلى الفكر المشرقيّ كما توجَّهت في القرن الرابع، فرافقت مفكِّرين عديدين زرعوا الشرق بفكرهم من مصر إلى العراق مرورًا بسورية ولبنان وفلسطين؟

 

(*) هذا المثال محاضرة قيلت في دمشق خلال المؤتمر التاسع في التراث السرياني، الذي انعقد سنة 2004 وعنوانه: السريان نقلة حضارات. خبرة بلاد الشام في العصر الأموي.

 

ونُشر في السريان نقلة حضارات، مركز الدراسات، أنطلياس، 2005، ص 197-217.

 

1) J. QUASTEN, Initiation aux Pères de l’Église, Paris, Cerf, 1962, t. III, p. 495, 501; voir E. AMAN, « Némésius d’Émèse » in DTC, II (1931), vol 62-67; V. VALDENBERG, « La philosophie byzantine au IVe-Ve siècle » in Byz, 4 (1929) 237-268; D, AMAND DE MENDETTA, Fatalisme et liberté dans l’antiquité grecque, Louvain, 1945; R. ARNOV, « Nestorianisme et néoplatonisme: l’unité du Christ et l’union des intelligibles », Greg 17, 1936), p. 116-131.

 

(2) , p. 491-495.op. cit. QUASTEN,

 

(3) بالنسبة إلى هؤلاء الفلاسفة، راجع Encyclopédie Philosophique : universelle, Les Oeuvres philosophiques, Paris, PUF, t. I, 1992. Voir les noms suivants : Platon, Plotin, Porphyre, Jamblique, Némésius, Nicomaque de Ferasa, Jean Damascène, Amélius, Anatolius. Avec la biographie qui suit chaque nom.

 

(4) , en latin: De natura hominisPeri jusewV anqrwpoV En grec:

 

(5) Peri jusewV anqrwpoV, éd. N. Ebellodius (gr/lat), Anvers, C.Platinus, 1565; Ed. C.F. MATTHEI (gr/lat). Halle 1802 dans J.P. MIGNE (gr/lat) in Patrologia Graeca. XL, Paris, 1857, p. 508-818. Pour ce qui est de la tradition manuscrite, voir Moreno MORANI, La tradizione manoscritta del “De natura hominis” di Nemesio (Milano 1981).

 

(6) Ad Marinum (Clavis Patrum Graecorum cura et studio Mauritii Ceerano’ 7697/1. Ex quaestionibus a Theodoro monacho illi propositis CPG 7697/26; Ambigua 7705. Sur le rapport entre Maxime le Confesseur et Nemesius, voir L. Thumberg, Microcosm and Mediator, the Theological Anthropology of Maximus the Confessor, Lund, 1965.

 

(7) , Edité à Leipzig en 1917 par C. J. BurkhardPremnon Physicon Nicolas ALFANO,

 

(جذع العلوم الطبيعيَّة)

 

8) Ricardus Burgundio de Pise, Ed. Récente. G. VERBEKE et J. R. MONCH, Némésius d’Émèse, De Natura Hominis, Leyde, 1975 in Corpus commentarionum in Aristoteleum Graecorum, suppl. 1. Cette édition tient compte de la révision du Texte grec par B. Einarson qui prépare une nouvelle édition à Chicago. En outre, elle donne en marge la page de l’Éd. Grecque courante (suivie d’une traduction latine de Matthaei qui a été réimprimée à Hildesheim en 1967). Voir Willy VANHAMEL, « Némésius d’Émèse » in Dict. de Spir. T. 11, col. 92-99. Ici col. 94.

 

(9) Geores Valla (+ 1499) publiée par Gaudentinus Meriula, à Lyon en1538

 

(10) Jean de Cono. C’est la revision humaniste de la traduction de Burgundio, Strasbourg, 1512. Ce texte fut incorporé à l’éd. De Grégoire de Nysse, Bâle, 1562.

 

(11) Nicasius Ellebodius, chez Plantin, Anvers, 1565.

 

  1. TEZA, “La Natura dell’Uomo di Nemessio e le vecchie traduzioni in italiano e in armeno”: Reg. Veneto di scirunze, lettere ed arti 9, ser. 7 (1892), p. 1239-1279.

 

(13) J. DRAESEKE, “Ein Testimonium Ignatianum” in Zeitschrift für wissenschaftliche Theologie 46 (1909), p. 505-512.

 

(14) O. BRAUN, “Der Katholikos Timotheus I und scine Briefe” in Oriens Christianus 1 (1901), p. 138-152. Voir Morani, op. cit., p. 97-98.

 

(15) G. BRAUN, Moses bar Kepha und sein Buch von du Scele, Freiburg im Br, 1897, p. 40-45; voir Morani, op. cit., p. 100.

 

(16) A. ZANOLLI, “Sulla versione georgiano del trattalo di Nemessio: Atti dell’Istituto Veneto di scienze lettere ed arti; classi di scienze morali e lettere, 107 (1948-1949).

 

(17) Kh. SAMIR, s.j., “Les versions de Mémésius de Homs” in : l’eredita classica nelle lingue orientali (Roma – Enciclopedia Italiana, 1986), p. 99-151.

 

(18) C. BROCKELMANN, Geschischte der arabischen Litteratur, supplementband I, Leyde, 1937, p. 369, n. 6, 4e

 

(19) Georges GRAF, Geschischte der christlichen arabischen Litteratur , coll. Studi e Testi. Vol I, n. 118, 1944; vol. n. 133, Cite du Vatican هنا الجزء الأوَّل ص 319، 333 19471..

 

(20) نحن مدينون في هذين المقطعين لمقال الأب خليل سمير في مقاله المذكور في حاشية 17.

 

(21) V. WEISSER, Buch über das Geheimnis der Schöpfung und die Darstellung der Natur (Buch der Unsachen Ivon Pseudo-Apollonius von tyana Alep, 1979, pp. 537-633.

 

(22) حاشية 16، ص 115.

 

(23) الدحل هو حقدٌ معه ترصد فرصة الانتقام (الكنديّ). القاهرة؛ وأمّا الدحل فإنَّه حقد يقع مع ترصُّد الفرصة للانتقام. دمشق؛ وأمّا الدحل فإنَّه رصد لانتهاز فرصة الانتقام. سقط من مخطوط دمشق »حقد يقع مع«. قرأنا عند الكنديّ: »اللغة اليونانيَّة«. ونحن نقرأ في مخطوطي دمشق والقاهرة: في لغة اليونانيّين. لا شكَّ في أنَّ هذه العبارة لا تُوجَد في النصِّ اليونانيّ. فهذا يعني أنَّ النصوص الثلاثة لم تكن نقلاً مباشرًا ولا ترجمة عن اليونانيَّة، بل نسخة عن نصٍّ سابق.

 

(24) حاشية 17، ص 149. وفي مقطع آخر، أضاف حنين: »كما قال رسول الحقِّ بولس« في إيراد لما في الرسالة إلى كورنتوس: »إنَّ الأرضيّين مثل الشيء الأرضيّ، والسماويّين مثل الشيء السماويّ« (15: 48).

 

(25) “Microcosme” dans un “macrocosme”.

 

(26) Entéléchie: Toute réalité parvenue à son être d’achèvement

 

(27) Placita philosophorum

 

(28) الإنسان في طبعه حيوان سياسيّ، فتكون السياسة أساس السلوك في الحياة

 

Ethique à Nicomaque.(29) طبيعة الإنسان، ف 3، الباترولوجيا اليونانيَّة، 4: 601ب، الترجمة ترجمتنا.

 

(30) بولس الفغالي، الإسكندريَّة والحركة الأفلاطونيَّة المحدثة، المنارة 44 (العددان 2-3، 2003)، ص 291-312.

 

31) R. GOULET, “Porphyre, Ammonius, les deux Origène et les autres », in Revue d’histoire et de philosophie religieuse, 57 (1977) 471-496; Ammonius dit Saccas in Dict. des philosophes antiques I, Paris, éd. Du CNRS, 1989, p. 165-168.

 

(32) :Réminiscence تنبُّه النفس بعد اتِّصالها بالبدن إلى معارفها من حياة سابقة. طبيعة الإنسان، ف 13، الباترولوجيّا اليونانيَّة 40: 661 ج. , col 62-64.op. cit. Voir DTC,

 

(33) بولس الفغالي، مفهوم الحرِّيَّة عند نميسيوس الحمصيّ، دراسات 2 (عدد 12/1984)، ص 5-23.

 

(34) Encyclopédie philosophique universelle, Les Notices philosophiques, Paris, PUF, 1990, p. 957-966 stt, p. 963; Voir D. AMAND, Fatalisme et liberté dans l’antiquité grecque, Louvain, 1954 p. 2-16.

 

ترجمة خاصَّة بنا. آباء اليونان 40: 532 ج.

 

نميسيوس الحمصي ف5 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

كتاب شرائع البلدان لبرديصان ف4 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

كتاب شرائع البلدان لبرديصان ف4 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

كتاب شرائع البلدان لبرديصان ف4 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

 

 

الفصل الرابع :كتاب شرائع البلدان لبرديصان الرهاوي

كتاب شرائع البلدان من المصنَّفات الفلسفيَّة المسيحيَّة الأولى. كتبه في السريانيَّة برديصان الرهاويّ الذي كان وثنيٌّا وتنصَّر. ثمَّ تورَّط في معتقدات فاسدة، ممّا دفع الكنيسة إلى إخراجه من صفوفها(1).

 

1- من هو برديصان؟

 

وُلد برديصان في الرها(2) في 11 تمّوز 154 ب.م. وتوفّي في أرمينيا سنة 222. نشأ في قصر الملك معن الثامن ونال مع ابنه أبجر قسطًا وافرًا من العلم والأدب. بعد أن تنصَّر، سيم شمّاسًا، وقال بعضهم إنَّه رُسم كاهنًا، ولكنَّ الأمرَ لا يبدو صحيحًا(3).

 

في بادئ الأمر أخذ برديصان يكتب ضدَّ الهرطقات والبدع المنتشرة هناك، ولكنَّه سرعان ما انجرَّ في نظريّات مرقيون وفالنتين. أمّا مرقيون(4) ففصل بين إله العهد القديم وإله العهد الجديد، بين إله الخير وإله العدل الذي خلق الكون لا من العدم بل من الهيولى التي هي مبدأ كلِّ شرّ. وأمّا فالنتين(5) فكان غنوصيٌّا مسيحيٌّا مزج الفلسفة الأفلاطونيَّة والتقاليد الأسطوريَّة بالعقيدة المسيحيَّة. أخذ برديصان بتعليم فالنتين لصبغته الشرقيَّة ولكنَّه اشمأزَّ من مرقيون لصرامة زهده، فأنكر قيامة الأجساد، وأعلن أنَّ النفس لا تُولَد ولا تموت، وأنَّ الجسد آلة لها يرافقها بصورة عابرة، وأنَّ يسوع لم يكن له جسد حقيقيّ فاتَّحد شخصه بشبح لا قوام له(6).

 

أنشأ برديصان شيعة عُرفت بالديصانيَّة(7) ضمَّت طبقة من أصحاب الثقافة والثراء. وقويت هذه الشيعة فحاربها أفرام السريانيّ حين وصل إلى الرها سنة 363، وهدى المطران ربّولا الرهاويّ (+435) أكثر أتباعها إلى إيمان الكنيسة الجامعة. أمّا من بقي منهم فانتشر في بلدان عديدة وخصوصًا في بلاد فارس، وظلَّ لهم وجود منظَّم حتّى القرن العاشر ب.م.(8)

 

ترك برديصان آثارًا عديدة فقالوا إنَّه أوَّل من ألَّف في علم الفلك، فأشاروا إلى كتابه الذي ضاع والذي يذكره جرجس أسقف العرب(9). وقالوا إنَّه كتب مزامير سليمان، ولكنَّ هذا القول يبقى مجرَّد افتراض. وأشار أفرام السريانيّ إلى أنَّه دوَّنَ مئة وخمسين نشيدًا على غرار مزامير داود وضمَّنها تعليمه ولقَّنها للمؤمنين. إلاَّ أنَّه لم يبقَ لنا شيء من آثار برديصان إلاَّ كتاب شرائع البلدان.

 

2- كتاب شرائع البلدان

 

كتيِّب يقع في ثلاث عشرة ورقة من مخطوطة موجودة في المتحف البريطانيّ بلندن رقمها 14658 (129أ-141أ). اكتشفها البحّاثة الإنكليزيّ وليم كيورتون ونشرها سنة 1855(10). أعاد الباحث الفرنسيّ فرنسوا نو نشر النصِّ السريانيّ وأرفقه بترجمة لاتينيَّة(11) ثمَّ بترجمة فرنسيَّة(12). أمّا نحن فنأخذ بالنصِّ السريانيّ كما نشره نو ونتبع ترقيم المقاطع الوارد في هذه الطبعة.

 

هذا الكتيِّب دوَّنه فيلبُّس، أحد تلامذة برديصان، فجاء بشكل حوار بين »لمعلِّم« و»تلميذ« يُدعى عويدا، نقطة انطلاقه علاقة الإنسان بالشرّ.

 

موضوع هذا الكتيِّب أنَّ الإنسان حرٌّ وإن خضع للطبيعة والقدَر.

 

الطبيعة تخضع لشرائع لا تتغيَّر، والقدَر هو السلطة التي وهبها الخالق للكواكب لكي تبدِّل أوضاع الحياة البشريَّة. وأمام الطبيعة والقدر تقف الإرادة الحرَّة التي تسمح بعمل الخير أو الشرّ مهما كانت الظروف. لا شكَّ في أنَّ الطبيعة تؤثِّر على الإنسان، والقدَر على طالع كلِّ واحد منّا، لكن لا شيء يمنعنا من عمل الخير أو يدفعنا إلى عمل الشرّ خارجًا عن حرِّيَّتنا.

 

هذا الكتيِّب الذي حسبه أبناء الغرب اليونانيّ(13) يتحدَّث عن القدر، اتَّخذ في السريانيَّة عنوان كتاب شرائع البلدان(14)، لأنَّ القسم الثاني يجول بنا في البلدان، فيحدِّثنا عن عادات الشعوب، ويبيِّن لنا أنَّ الإنسان لا يرتبط بمنطقة من المناطق ليتحتَّم عليه أن يعيش على طريقة الساكنين في تلك المناطق.

 

لن أحلِّل نصَّ كتيِّب برديصان(15) فأترك للقارئ أن يكتشف بنفسه غنى هذا النصِّ الذي يذكِّرنا بحوار سقراط مع تلاميذه، يسألهم ويدفعهم إلى اكتشاف الحقيقة.

 

3- نصّ الكتاب

 

  1. قبل أيّام دخلنا لنزور أخانا شمشجرم، وجاء برديصان فوجدَنا هناك. وبعد أن جسَّ (المريض) ورأى أنَّه يتحسَّن سألَنا: »عن أيِّ شيء كنتم تتكلَّمون، فقد سمعت أصواتَكم من الخارج حين كنت أدخل (هذا المكان)«. اعتاد (برديصان) عندما يجدنا نتكلَّم في شيء ما قبل وصوله أن يسألنا: »عن أيِّ شيء كنتم تتكلَّمون« ليستطيع التحدُّث معنا (في هذا الموضوع). فقلنا له: \’قال لنا عويدا (الحاضر) هنا: »إن كان الله واحدًا، كما تقولون، وإن كان حين خلق البشر(16) أرادهم أن يعملوا بما أمرهم به، فلماذا لم يخلق البشر بحيث لا يستطيعون أن يفعلوا الشرّ(17) فيعملون في كلِّ وقت ما هو خير. أما بهذا تتمُّ إرادته«؟

 

  1. فأجابه برديصان: »قل لي رأيك، يا ابني عويدا، أليس إله الكلِّ واحدًا؟ ألا يريد، وهو الواحد، أن يَسلك البشرُ بطريقة بارَّة ومستقيمة«؟

 

قال عويدا: »سألتُ أقراني هؤلاء علّي أجد لديهم جوابًا«.

 

  1. أجابه برديصان: »إن أردتَ أن تتعلَّم، فأفضل لك أن تتعلَّم ممَّن هم أكبر سنٌّا من هؤلاء، وإن (أردت) أن تعلِّم فلا يجب أن تطرح عليهم الأسئلة بل أن تقنعهم ليسألوك هم عمّا يريدون (أن يعرفوه). فهناك معلِّمون يُسألون ولكنَّهم لا يَسألون، وإن سألوا فلكي يوجِّهوا فكر السائل ليطرح السؤال الصالح فيعرفوا مقصده. إنَّه لعمل صالح أن يعرف الإنسان كيف يسأل«(18).

 

  1. قال عويدا: »أردتُ أن أتعلَّم، ولهذا بدأتُ أوَّلاً فسألت إخوتي هؤلاء (وما سألتك أنت) لأنّي خجلت منك«.

 

أجاب برديصان: »بالشكل الملائم تكلَّمتَ، ولكن اعرف أنَّ من يطرح سؤاله بطريقة صالحة وهو يريد أن يقتنع، ومن يقترب إلى طريق الحقِّ بدون (روح) خصام، فهذا يجب ألاّ يَخجل لأنَّه بما يقوله من كلام يحمل العذوبة إلى من يطرح عليه السؤال. إذًا، يا ابني، إذا فكَّرتَ في شيء تريد أن تسأل عنه (وتستوضحه)، فقل لنا كلِّنا ونحن نوافقك إن كان سؤالك حسنًا، وإن لم يكن حسنًا نفرض على نفوسنا أن نبيِّن لك لماذا لم نستحسن (سؤالك). وإن كان هذا الشيء الوحيد الذي أردتَ أن تعرفه وليس في فكرك شيء آخر بالنسبة إليه، وإن كنت تشبه إنسانًا اقترب منه تلاميذ حديثو العهد فشرع يطرح عليهم الأسئلة، أقول لك: يجب ألاّ تفارقنا فارغ اليدين، وإن لذَّ لك ما نقوله لك في هذا الأمر، سنقول لك أقوالاً أخرى، وإن لم يلذَّ لك نكون قد قلنا ما عندنا دون عنف أو شدَّة«.

 

  1. قال عويدا: »وأنا أيضًا أحبُّ كثيرًا أن أسمع وأقتنع، لأنَّ الكلام (الذي قلتُه) لم أسمعه من أحد آخر، بل خطر في فكري فقلتُه لأخوتي هؤلاء، أمّا هم فما أرادوا أن يقنعوني بل (اكتفوا) بالقول لي: آمن إيمانًا (ثابتًا) فتقدر أن تعرف كلَّ شيء. أمّا أنا فلا أقدر أن أؤمن إن لم أقتنع«.

 

  1. أجاب برديصان: »ليس عويدا وحده هو من لا يريد أن يؤمن، بل هناك أيضًا كثيرون (مثله) لا إيمان في داخلهم فلا يقدرون أن يقتنعوا. هم في كلِّ وقت يهدمون (البراهين) ويبنونها ويجدون نفوسهم في فراغ من كلِّ معرفة حقيقيَّة. أمّا عويدا فهو لا يريد أن يؤمن، وأنا أتلو عليكم، أنتم المؤمنين، السؤال الذي يطرحه علَّه يسمع منكم شيئًا يزيد (به علمه)«.

 

  1. وشرع يقول لنا: »هناك أناس كثيرون لا إيمان في داخلهم، وهم مع ذلك لا يقبلون (أن يأخذوا) المعرفة من الحكمة الحقيقيَّة. لأجل هذا لا يستطيعون أن يتكلَّموا أو يقرِّروا ولا يميلون بسهولة إلى السماع. ليس لهم أساس من الإيمان يبنون عليه، وليس لهم رجاء يتَّكلون عليه. ولأنَّهم يشكُّون بالله، فمخافته ليست في قلوبهم تلك التي تنقذهم من كلِّ أنواع المخاوف. من ليس فيه مخافة الله تستعبده كلُّ المخاوف، والذين لا يؤمنون بأشياء وأشياء يعرفون أنَّهم لا يؤمنون حسنًا، بل يتيهون في أفكارهم ولا يستطيعون أن يثبتوا (على رأي). أفكارهم تافهة في فمهم فلا طعم لها، وفي كلِّ وقت يستولي عليهم الخوف والرهبة (وروح) الوقاحة«.

 

  1. قال عويدا: »لماذا لم يَخلقنا الله بلا خطيئة ولا إثم«؟

 

– »إذا كان(19) الإنسان مخلوقًا على هذا الشكل، فهو لا يمتلك نفسه ولكنَّه أداة في يد من يحرِّكه. وواضح أنَّ من يحرِّك (شيئًا) كما يريد فهو يحرِّكه نحو الخير أو الشرّ. إذًا، بماذا يفترق الإنسان عن كنّارة يعزف بها أحدهم أو مركبة يقودها شخص فرد. فالمديح والملامة يعودان إلى (العامل) الماهر. فالكنّارة لا تعرف ما يُعزف عليها والمركبة لا تعلم إن كانت تُقاد في الوجهة الصالحة. كلاهما آلة صُنعت لإفادة من يملك المعرفة. أمّا الله الجوّاد فما أراد أن يخلق الإنسان على هذا الشكل بل (وهبه) الحرّيَّة(20) فرفعه فوق الخلائق العديدة وساواه بالملائكة. انظروا الشمس والقمر وجلدَ السماء وسائر الخلائق التي هي أعظم منّا بشيء من الأشياء. لها ما وُهبت الحرِّيَّة الشخصيَّة فشُدَّت إلى ما أُمرت به، وما استطاعت أن تفعل إلاَّ ما أُمرت به. فلا تقول الشمس يومًا: أنا لا أشرق في الوقت (المحدَّد) لي، ولا (يقول) القمر: لا أتحوَّل من حال إلى حال فأصير صغيرًا أو كبيرًا، ولا يقول أحد من الكواكب: لا أشرق، ولا أغرب. ولا (يقول) البحر: لا أحمل السفن ولا أقف عند حدودي. ولا (تقول) الجبال: لا نثبت في الأمكنة التي وُضعنا فيها. ولا تقول الرياح: لا نهبُّ، ولا (تقول) الأرض: لا أحمل ولا أتلقّى كلَّ ما هو فوقي. ولكنْ كلُّ هذه الخلائق تعمل خاضعة لأمر واحد لأنَّها أدوات (بيد) حكمة الله التي لا تخطئ. إذا كان كلُّ شيء يَخدم فمن الذي يُخدم، وإذا كان كلُّ شيء يُخدم فمن الذي يَخدم؟ إذًا لا يتميَّز شيء عن شيء. فالشيء الذي هو واحد ولا تمييز فيه هو كائن لم يُخلق إلى الآن، أمّا الأشياء المعدَّة للخدمة فهي مشدودة بقدرة الإنسان. فلأنَّ (الإنسان) خُلق على صورة الله أُعطيَت له هذه (المخلوقات) لتخدمه(21) بالفرح زمنًا طويلاً، وهو يدبِّرها بإرادته الخاصَّة. وإن أراد(22) صنَعَ كلَّ ما استطاع أن يصنعه وإن لم يرُد فلا يصنع، وهو يبرِّر نفسه أو يخطئها. فإن خلَقَ (الإنسان) بحيث لا يقدر أن يصنع الشرّ أو يزلّ، فالخير الذي يصنعه ليس له ولا يقدر أن يتبرَّر به. فالذي لا يعمل بإرادته الخير أو الشرّ فتبريره وتأثيمه يقومان على حظِّه وسعده من عمله.

 

  1. »من أجل هذا أنتم ترون أنَّ نعمة الله كثُرت للإنسان الذي وُهبت له حرِّيَّةً تفوَّق بها على كلِّ هذه العناصر التي عنها تحدَّثنا. بهذه الحرِّيَّة يزكّي الإنسان نفسه ويتدبَّر (أمره) بطريقة إلهيَّة فيختلط بالملائكة الذين يملكون هم أيضًا حرِّيَّة شخصيَّة. فلو لم يكن لهم حرِّيَّة شخصيَّة لما (قدروا) أن يشاركوا بنات الناس (في الإثم)(23) ولما كانوا خطئوا ولا سقطوا في مقامهم. ونقول الشيء عينه عن الآخرين الذين عملوا إرادة ربِّهم بقرار اختياريٍّ(24) فارتفعوا وتقدَّسوا وقبلوا المواهب العظمى. كلُّ كائن يحتاج إلى ربِّ الكلّ الذي لا حدود لمواهبه، فاعلموا إذًا أنَّ هذه المخلوقات التي قلتُ عنها إنَّها قائمة بأمر (الله) ليست محرومة حرمانًا كلِّيٌّا من أيَّة حرِّيَّة(25)، ولهذا فهي تخضع كلُّها للدينونة في اليوم الأخير«.

 

  1. قلتُ له(26): »كيف يخضع للدينونة (مخلوقات) مشدودة (إلى الأمر الإلهيّ)«؟

 

أجابني: »يا فيلبُّس، العناصر لا تُدان لأنَّها مشدودة، بل لأنَّها مسلَّطة، فالكائنات ما حُرمت من كيانها حين خُلقت، بل نقصت قوَّةُ الترابط فيها حين امتزجت بعضها ببعض فخضعت لقوَّة خالقها. فهي إذًا لا تُدان بما هي فيه خاضعة، بل بما هو خاصٌّ بها«.

 

  1. قال عويدا: »ما أحسن ما قلتَ، ولكنَّ الوصايا المعطاة للبشر ثقيلة وهم لا يستطيعون أن يعملوا بها«.

 

أجاب برديصان: »مثلُ هذا الكلام هو جواب من لا يريد أن يصنع الصالحات فيفضِّل أن يسمع للعدوِّ ويخضع له. فالبشر ما أُمروا أن يصنعوا إلاَّ الذي يقدرون أن يصنعوا، ووُضعت أمامنا وصيَّتان تليقان بالحرِّيَّة وتَجملان بها. الأولى أن نبتعد عن كلِّ شرٍّ نكره أن يكون فينا، والثانية أن نصنع كلَّ صلاح نحبُّه ونرغب في أن يكون فينا. فمن هو هذا الإنسان الضعيف الذي لا يستطيع إلاَّ أن يسرق أو يكذب، أو يفجُر ويزني، أو يبغض ويغدر؟

 

  1. »كلُّ هذه خاضعة لروح الإنسان، وهي خاضعة له لا بقوَّة الجسد بل بإرادة النفس. فلو كان الإنسان فقيرًا أو مريضًا أو شيخًا أو كسيحًا، أما يستطيع أن يمنع نفسه عن هذه (الخطايا)؟ وكما يمكنه أن يمتنع عنها، هكذا يستطيع أن يحبَّ ويبارك ويقول الحقيقة ويصلّي لأجل معارفه، وإن كان صحيح (الجسم) يستطيع في غناه أن يعطي ممّا له، كما يستطيع أن يُسند بقوَّة جسده المريضَ والكسير. فما هو هذا اللامستطاع حتّى يتذمَّر ناقصو الإيمان؟ لست أدري. ولكنّي أعتبر قدرة الإنسان حاضرة في هذه الوصايا أكثر من أيِّ شيء آخر. (فالوصايا) سهلة ولا يستطيع أحد أن يفسدها. نحن لم نؤمر بأن نحمل أحمالاً ثقيلة من الحجر أو الخشب أو أيِّ شيء آخر ممّا لا يستطيع أن يفعله إلاَّ أصحاب الأجسام القوَّية، ولا أن نبنيَ القلاع ونؤسِّس المدن، وهو أمر لا يستطيع أن يعمله إلاَّ الملوك، ولا أن نقود السفينة وهو أمر لا يعرفه إلاَّ الملاّحون، ولا أن نمارس واحدًا من هذه الفنون التي أُعطيَت لبعض الناس وحُرم منها البعض الآخر. ولكن وُهب لنا بحسب عذوبة الله وصايا سهلة يستطيع(27) كلُّ إنسان فيه نفسٌ أن يعمل بها والفرح في قلبه. فما من إنسان إلاَّ ويفرح عندما يصنع الصلاح، وما من إنسان إلاَّ ويجد لذَّة عندما يحتفظ ممّا هو بغيض، اللهمَّ هؤلاء الذين لم يُخلَقوا لهذا الخير فدُعوا زؤانًا(28). فالذي يوبِّخ إنسانًا على شيء لم يستطع فعله، يكون ديّانًا جائرًا«.

 

  1. قال له عويدا: »أتقول إنَّه سهل علينا أن نقوم بهذه الأعمال، يا برديصان«؟

 

أجاب برديصان: »قلتُ وأقول إنَّها سهلة لمن يريد، وهي (تهب) القيادة الحسنة لروح الأحرار وللنفس التي لا تتمرَّد على من يقودها، وإن وقفت أمور كثيرة في وجه عمل الجسد (العاديّ) ولاسيَّما الشيخوخة والمرض والفقر«.

 

قال عويدا: »يستطيع الإنسان أن يبتعد عن أمور بغيضة(29)، ولكن أيُّ إنسان يمكنه أن يفعل الخير«؟

 

  1. أجاب برديصان: »إنَّه لأسهل عليك أن تفعل الخير من أن تبتعد عن الشرّ. فالخير طبيعيّ في الإنسان، ولهذا يفرح حين يفعل الخير، أمّا الشرّ فهو مِن صُنع العدوّ، ومن أجل هذا يضطرب الإنسان ويقتل كيانه حين يفعل الأمور البغيضة. فاعرف، يا ابني، أنَّه لأسهل على الإنسان، أن يمتدح صديقه ويباركه من أن يذمَّ مبغضه ويشتمه. هذا ليس سهلاً وحسب بل ممكنًا. وعندما يفعل إنسان صلاحًا، تَسعد روحه ويرتاح ضميره ويرغب في أن يرى كلّ واحد ما عمله. أمّا حين يخطأ (إنسان) ويؤذي (الغير)، فهو يرتاع ويضطرب ويمتلئ سخطًا وغضبًا ويتألَّم في نفسه وفي جسده. وإذ هو في هذه الحالة لا يرغب في أن يراه أحد، ويتبرَّأ من تلك الأشياء التي كان يفرح بها والتي نال على أثرها المديح والبركة. فبعد الارتياع يعملون أعمالاً نجسة، ولكنَّهم لا (يرتاحون) حين يعملونها وحين يستحقُّون المديح ولأجل رجاء صالح، (وإن ارتاحوا) فهذه العذوبة لا تدوم لهم (طويلاً). فالراحة الآتية من (ضمير) صحيح (والمبنيَّة) على رجاء صالح، هي غير الراحة الآتية من (ضمير) مريض والمؤسَّسة على رجاء شرّير. الرغبة غير الحبّ، والصداقة غير الزمالة، فيجب علينا أن نفهم بسهولة أنَّ الحبَّ المزيَّف يُسمّى الشهوة، وهو وإن حوى راحة ساعة من الوقت، إلاَّ أنَّه بعيد كلَّ البعد عن الحبِّ الحقيقيّ الذي لا تفسد راحته ولا تزول«.

 

  1. قلتُ له: »هذا ما قاله عويدا أيضًا حين أعلن أنَّ الإنسان يميل بطبعه إلى الشرّ، فإن لم يكن مدفوعًا بطبعه إلى الشرِّ فهو لا يفعل الشرّ«.

 

أجاب برديصان: »إذا عمل الناس جميعًا العمل الواحد وفكَّروا بطريقة واحدة، هذا يعني أنَّ طبيعتهم تقودهم، لا الحرِّيَّة التي تحدَّثت عنها. ولكن لكي تفهموا ما هي الطبيعة وما هي الحرِّيَّة، أزيد فأقول لكم: طبيعة الإنسان في أن يولد وينمو وترتفع قامته ويُنجب (أولادًا) ويشيخ حين يأكل ويشرب وينام ويقوم (وفي النهاية) يموت. هذه الأمور الخاصَّة بالطبيعة نجدها عند جميع البشر، وليس فقط عند البشر بل وأيضًا عند كلِّ الحيوانات التي تملك نفْسًا، كما نجد بعضها في الأشجار. هذا هو عمل الطبيعة أن تفعل كلَّ شيء وتصنعه وتنتجه كما أُمرت، وهذه الطبيعة نجدها محفوظة عند الحيوانات في أعمالها. فالأسد من طبعه يأكل اللحم، ولهذا فكلُّ الأسود آكلة لحوم، والنعجة تأكل العشب ولهذا فكلُّ النعاج آكلة عشب، والنحلة تنتج العسل ومنه تقتات، ولهذا كلُّ النحل هو منتج للعسل، والنملة تجمع المؤونة في الصيف لتقتات منها في الشتاء، ولهذا كلُّ النمل يفعل هكذا، والعقرب تجرح بمنخسها من لم يلحق بها أذى، ولهذا تفعل كلُّ العقارب هكذا. أجل، كلُّ الحيوانات تحافظ على طبيعتها، فلا يأكل العشبَ آكلُ اللحم، ولا يأكل اللحمَ آكلُ العشب.

 

  1. »أمّا الناس فلا يتصرَّفون على هذا الشكل، ولكنَّهم في ما يتعلَّق بأجسادهم يحافظون على طبيعتهم مثل الحيوان؛ أمّا في ما يتعلَّق بروحهم فهم يفعلون ما يريدون كأحرار مسلَّطين على نفوسهم على مثال الله. فمنهم من يأكل اللحم ولا يقرب الخبز، ومنهم من يميِّز (فيأكل) لحمًا دون آخر، ومنهم من لا يأكل لحم أي حيوان فيه نفس (حيَّة). منهم من يجامع أمَّه وأخته وابنته، ومنهم من لا يقرب امرأته، ومنهم من يثأر لنفسه كالأسد والنمر، ومنهم من يؤذي الذي لم يسئ إليه كالعقرب، ومنهم من يُقاد كالنعاج فلا يؤذون من يقودهم. منهم من يتصرَّف بحسب صلاح (قلبه)، ومنهم بحسب العدالة (المتعارف عليها) أو بشرِّ (قلبه). ويقول قائل: لكلِّ واحد طبيعته التي تدفعه إلى أن يعمل على هذا الشكل، ولكنَّنا نرى أنَّ الأمر ليس هكذا. فهناك زناة وسكّيرون وصل إليهم التأديب والمشورة الصالحة فصاروا أعفّاء زاهدين واحتقروا شهوة أجسادهم. وهناك أناس تصرَّفوا بالعفَّة والزهد، ولكنَّهم أهملوا التأديب الحقّ وأشاحوا بوجوههم عن وصايا الله (ومشورة) معلِّميهم، فسقطوا وحُرموا طريق الحقِّ وصاروا زناة شرهين. وهناك من يتوب عن سقطته من جديد، فتحلُّ عليه مخافة (الله) فيعود إلى الحقِّ الذي كان قائمًا فيه.

كتاب شرائع البلدان لبرديصان الرهاوي

 

  1. »إذًا أين هي طبيعة الإنسان؟ ها إنَّ جميع البشر يتميَّزون الواحد عن الآخر في تصرُّفاتهم ورغباتهم، والذين يَثبتون على فكر واحد ورأي واحد يُشبهون بعضهم بعضًا، أمّا الذين ما زالت شهوتهم تخدعهم وسخطهم يقودهم، ثمَّ يبغون في أن يحمِّلوا خالقهم خطيئتهم ليجدوا نفوسهم بدون خطيئة ويحكمون بكلمة فارغة على الذي خلقهم، فهم لا يدرون أنَّ الطبيعة لا ناموس لها(30). لا يُلام الإنسان لقامته الطويلة أو القصيرة، (للونه) الأبيض أو الأسود، لوسع عينيه أو ضيقهما أو بسبب عاهة في جسمه، بل يُلام إذا كان سارقًا أو كاذبًا أو عاملاً بالغشّ أو مسمِّمًا لأحد أو شاتمًا له أو عاملاً بشيء يشبه ذلك. من هنا يتَّضح أنَّه لا يحكم علينا في ما ليس في أيدينا ولا نُزكّى بما جاءنا من الطبيعة. فما نفعله بحرِّيَّتنا الشخصيَّة نُزكَّى عليه ونُمدح إذا كان صالحًا، ونُلام عليه ونُشجب إن كان بغيضًا«.

 

  1. ومن جديد سألناه وقلنا له: »يقول البعض إنَّ الناس يقودهم قرار القدر(31) مرَّة إلى الشرِّ ومرَّة إلى الخير«.

 

فأجابنا: »يا فيلبُّس بريمو، وأنا أيضًا أعرف أنَّ هناك أناسًا يسمَّون كلدانيّين وآخرين غيرهم، يحبُّون التعرُّف إلى هذا الفنّ، كما إنّي أنا أحببته في وقت من الأوقات. وقيل لي في مكان آخر: إنَّ نفس الإنسان تتوق أن تعرف شيئًا لا يعرفه الكثيرون، وهؤلاء الناس (أي الكلدانيّون) يرغبون في الشيء نفسه: كلُّ ما يفعلونه من شرٍّ أو من خير، وكلُّ ما يحصل لهم من فقر أو غنى، من مرض أو صحَّة أو ضعف في الجسم، كلُّ هذا يُرجعونه إلى إدارة هذه الكواكب المسمّاة سباعيَّة وهم يُقادون بها. وهناك آخرون يقولون عكس ما يقوله أولئك، بحيث يعتبرون أنَّ هذا الفنَّ هو كذب من عند الكلدانيّين وأنَّ القدر غير موجود وإن هو إلاَّ اسم من دون مُسمّى، وكلُّ ما في يد الإنسان، صغيرة أو كبيرة، ضعف الجسد وعجزه، كلُّ هذا يحصل للإنسان بالصدفة. وهناك آخرون يقولون: كلُّ ما يفعله الإنسان بإرادته، فهو إنَّما يفعله بالحرِّيَّة التي وُهبت له، أمّا ما يحصل له من عجز وضعف وسوء حال فهو عقاب يتقبَّله من يد الله.

 

  1. »يبدو لي بحسب ضعفي أنَّ في هذه الآراء الثلاثة بعض الحقّ وبعض الخطأ. هي حقٌّ لأنَّ الناس يتكلَّمون بحسب ما يتصوَّرون، ويرون الأمور كما تُعرض أمامهم. وهي خطأ لأنَّ حكمة الله أغنى من (حكمة البشر) وهي التي أقامت العالم والبشريَّة، وخلقت الإنسان، ورتَّبت »المدبِّرين«، ووهبت لكلِّ واحد السلطة التي تليق به. وأنا أقول إنَّ هذه السلطة هي لله والملائكة والمسلَّطين والمدبِّرين والعناصر والناس والحيوانات. وكلُّ هذه الطغمات التي تكلَّمت عليها لم توجَب لها السلطة على كلِّ شيء. المسلَّط على كلِّ شيء هو واحد، وأمّا (الباقون) فهم مسلَّطون على شيء ولا مسلَّطون على شيء آخر، كما قلت، لتظهر (في النهاية) جودةُ الله في الذين لهم سلطان؛ أمّا الذين لا سلطان لهم فيعرفون أنَّ لهم الربّ. إذًا، هناك القدر، كما يقول الكلدانيّون، بحيث لا يكون شيء بحسب إرادتنا. وهذا الأمر واضح في أنَّ كثيرًا من الناس يريدون أن يكونوا أغنياء ومسلَّطين على الآخرين، أو يتمتَّعوا بصحَّة الجسد وأن تخضع لهم الأمور كما يرغبون. غير أنَّ الغنى لا يوجد إلاَّ عند القليلين والسلطة إلاَّ عند بعضهم، ولم تُعطَ صحَّة الجسد لجميع الناس. والأغنياء لا يتمتَّعون كاملاً بغناهم، والمسلَّطون لا يُطاعون كما يريدون. وسيأتي وقت لا يُطاعون كما لا يريدون وسيأتي وقت يغتني فيه الأغنياء كما يرغبون، ويأتي آخر يفتقرون فيه كما لا يرغبون. والذين يفتقرون افتقارًا كاملاً يَحيون كما لا يريدون ويعيشون في العالم كما لا يرغبون، ويتمنّون أشياء ولكنَّ هذه الأشياء تهرب منهم. كثيرون يُنجبون أولادًا ولا يربّونهم، وآخرون يربّونهم ولا يتمتَّعون بهم، وآخرون يحتفظون (بأولادهم) فيكون لهم منهم الذلُّ والعذاب. آخرون يغتنون كما يريدون ويمرضون كما لا يريدون. آخرون يتمتَّعون بالصحَّة كما يريدون ويفتقرون كما لا يريدون. هناك من له الكثير ممّا يريد والقليل ممّا لا يريد، وهناك من له الكثير ممّا لا يريد والقليل ممّا يريد. وهكذا فالغنى والمجد والصحَّة والمرض والأبناء وكلّ ما نشتهيه موضوعٌ تحت (حكم) القدر ولا سلطان لنا عليه. فنحن نبتهج ونفرح بالأشياء التي تحصل كما نريد ونحن نُدفَع رغمًا عنّا إلى ما لا نريد. فيبدو واضحًا أمام الأشياء التي صارت لنا، ونحن ما رغبنا فيها أو رغبنا فيها، أنَّها صارت لنا لا لأنَّنا أردناها، بل هي صارت لأنَّها صارت ونحن نرغب في بعضها ولا نرغب في بعضها الآخر. وهكذا فنحن البشر تقودنا الطبيعةُ بالتساوي والقدر بطرق مختلفة، ولكنَّ كلَّ إنسان يسير بحرِّيَّته كما يشاء.

 

  1. »إذًا نقول الآن ونبيِّن أنَّ القدر لا يتسلَّط على كلِّ شيء لأنَّه هو نفسه المدعوّ القدر إنَّما هو ترتيب مسيرة (الكون) كما وهبها الله للسلاطين والعناصر(32). وبحسب هذه المسيرة والنظام، تختلف العقول بنزولها إلى النفس وتختلف النفوس بنزولها إلى الأجساد، وهذا الاختلاف يسمّى القدر والطالع لهذه المجموعة التي تُغربَل وتُنقّى لتساعد من حصل ويحصل على حنان الله وجوده حتّى النهاية. إذًا يُقاد الجسد بالطبيعة فيما النفس تتألَّم معه وهي تدرك، غير أنَّ الجسد لا يحسُّ بضيق أو مساعدة من القدر في كلِّ ما يفعله. فالرجل لا يكون أبًا قبل أن يبلغ الخامسة عشرة ولا تصير المرأة أمٌّا قبل الثالثة عشرة، والشيخوخة أيضًا لها ناموسها فتحرم النسوة من الإيلاد ويخسر الرجال القوَّة التي تجعلهم يُنجبون. أمّا سائر المخلوقات الحيَّة (الحيوانات) التي تُقاد هي أيضًا بطبيعتها، فهي لا تنجب فقط قبل هذه السنوات التي ذكرت بل تشيخ ولا تستطيع الإيلاد مثل أجسام البشر التي لا تعود تُنجب الأولادَ في الشيخوخة. لا يستطيع القدر أن يعطيهم أولادًا في وقت لم تعد طبيعة الجسد قادرة على ذلك، ولا يستطيع القدر أن يحفظ جسد الإنسان في الحياة دون أن يأكل وأن يشرب، كما لا يعطيه عدم الموت إن هو أكل وشرب. هذه الأمور وكثير غيرها هي خاصَّة بالطبيعة.

 

  1. »ولكن عندما تكتمل الأزمنة وأشكال الطبيعة، يبرز القدر بينها ويصنع أمورًا مختلفة. مرَّة يساعد الطبيعة ويقوّيها ومرَّة يؤذيها ويذلُّها. من الطبيعة النموُّ وكمال الجسم، وخارجًا عن الطبيعة، ومن القدر، أمراض الجسد وفساده. من الطبيعة مجامعة الذكور والإناث وراحة هؤلاء وأولئك، ومن القدر البغض وانفصال شركة (الزواج) وكلّ نجاسة وعمل لا أخلاقيّ يفعله البشر بسبب شهوتهم عند المجامعة. من الطبيعة الولادة والأبناء، ومن القدر يكون أنَّ الأولاد مرَّة يفسدون ومرَّة يُرمون ومرَّة يموتون بعمر مبكِّر. من الطبيعة الشبع الكامل لكلِّ الأجساد، ومن القدر نقص القوت وضيق الأجساد. بالإضافة إلى ذلك، من القدر الشراهة والفسق وكلاهما غير ضروريّ. الطبيعة تأمر الشيوخ أن يكونوا قضاة للشبّان وحكماء للجهّال، والأقوياء أن يكونوا رؤساء على الضعفاء، والشجعان على الجبناء. ولكنَّ القدر يجعل الأولاد قوَّادًا للشيوخ والجهّال للحكماء، وفي وقت الضيق يسوس الضعفاء الأقوياء والجبناء الشجعان. وتيقَّنْ أنَّ الطبيعة تبعد في كلِّ وقت عن طريقها القويم، والذي يسبِّب هذا الابتعاد هو القدر لأنَّ الرؤساء والمدبِّرين الذين منهم يأتي الاختلاف والذين يدعون الطالع، يواجه الواحد الآخر. فالذين عن اليمين يُدعَون مساعدين للطبيعة ويزيدون على جمالها عندما تساعدهم المسيرة(33)، فيقفون في مقام عال في المنطقة المخصَّصة لهم. والذين عن اليسار يُسمّون أشرارًا. هؤلاء عندما يمسكون بمقام رفيع يكونون معارضين للطبيعة وهم لا يضرُّون الناس وحسب، بل أحيانًا الحيوان والشجر وثمر (الحقل) ونتاج السنة وينابيع الماء وكلّ ما يقع تحت تأثيرهم في الطبيعة.

 

  1. »وبسبب هذا الانقسام واختلاف الرأي بين السلاطين، نجد أناسًا يعتبرون أنَّ العالم مدبَّر بدون قاعدة، لأنَّهم لا يعرفون أنَّ هذا الانقسام والاختلاف في الرأي والبرارة والخطأ يعود إلى النظام الذي وهبه الله في الحرِّيَّة بحيث أنَّ هذه الكائنات الفاعلة بسلطة ذاتيَّة تكون بارَّة أو خاطئة. فكما رأينا أنَّ القدر (يستطيع) أن يسحق في الطبيعة، هكذا نقدر أن نرى كيف أنَّ حرِّيَّة الإنسان تتغلَّب على القدر وتسحقه، لا في كلِّ شيء، كما أنَّ القدر لا يتغلَّب على الطبيعة في كلِّ شيء. وهكذا يجب على كلٍّ من هذه الثلاثة أي الطبيعة والقدر والحرِّيَّة أن يحفظ طريقته الخاصَّة في الوجود إلى أن تتمَّ المسيرة ويمتلئ الكيل والعدد، فيبرز أمام الذي يأمر مسكن ونهاية كلِّ الخلائق وقيام كلِّ الكائنات والطبائع«.

 

  1. قال عويدا: »لا يفعل الإنسان الشرَّ بسبب طبيعته، هذا ما اقتنعتُ به انطلاقًا من برهانك، ولا يتصرَّف الناس (كلُّهم) بطريقة ذاتها. والآن إن كنتَ تستطيع أن تبيِّن أنَّ الذين يفعلون الشرّ، إنَّما يفعلون بسبب القدر والحظّ، حينئذٍ يقترب من الصالحات ويتجنَّب البغيضات، ومن أجل هذا يُدانٍ بعدل في اليوم الأخير«.

 

  1. أجاب برديصان: »رأيتَ أنَّ الناس لا يتصرَّفون بالطريقة ذاتها فاقتنعتَ أنَّهم لا يفعلون الشرَّ بسبب طبيعتهم (وحدها). والآن سأقودك إلى الاقتناع أنَّهم لا يفعلون الشرَّ أبدًا بسبب قدرهم. وسنبيِّن لك أنَّ الأقدار والسلاطين لا يحرِّكون البشر قطعًا وبالمساواة، بل هي الحرِّيَّة الشخصيَّة التي تمنعنا أن نخدم الطبيعة أو نتحرَّك أمام توجيه القدر«.

 

  1. قال عويدا: »بيِّنْ لي هذا فأقتنع به، وكلّ ما تأمرني به أفعله«.

 

أجاب برديصان: »هل قرأتَ كُتُبَ كلدان بابل وفيها كُتبَ عن تأثير الكواكب المتزاوجة على طالع الناس؟ (هل قرأتَ) كُتب المصريّين التي تروي كلَّ هذه الأنواع التي تحصل للبشر«؟

 

قال عويدا: »قرأت الكتب التنجيميَّة ولكنّي لم أعرف كتب البابليّين من كتب المصريّين«.

 

أجاب برديصان: »(ما قرأته) هو ما يعلِّمه هذان البلدان«.

 

قال عويدا: »أعرف أنَّ الأمر هو هكذا«.

 

أجاب برديصان: »فاسمع الآن (وحاولْ) أن تفهم أنَّ كلَّ الناس على الأرض لا يفعلون ما تحدِّده لهم الكواكب بواسطة قدرهم وقسمتهم؛ فالناس يضعون الشرائع في كلِّ بلد بهذه الحرِّيَّة التي وهبها الله لهم، وهذه الموهبة تعارض قدر السلاطين الذين يأخذون ما لم يُعطَ لهم. وها أنا أبدأ فأتكلَّم عن (هذه الشرائع) بقدر ما أتذكَّر، وأبدأ من الشرق الذي هو أوَّل العالم كلِّه«(34).

 

  1. »للشيريّين(35) شرائع تمنعهم أن يقتلوا ويزنوا ويعبدوا الأوثان. في كلِّ (قطر) الشيريّين لا نجد وثنًا أو زانية، لا قاتلاً ولا مقتولاً مع أنَّهم هم أيضًا مولودون في أيَّة ساعة وأيِّ يوم. وحتّى المرّيخ القويّ الرابض في وسط السماء لا يضايق حرِّيَّة الشيريّين بحيث يجعل الإنسان يسفك دم صاحبه بسيف من حديد. والزهرة الموضوعة مع المرّيخ لا تَفرض على الرجل الشيريّ أن يضاجع امرأة صاحبه أو امرأة أخرى. هناك (في تلك البلاد) تجد الأغنياء والفقراء والمرضى والأصحّاء والمتسلِّطين والخاضعين لأنَّ هذه الأمور موهوبة لسلطة المدبِّرين«.

 

  1. »ونجد أيضًا في الهند شرائع البراهمة(36) الذين يشكِّلون آلافًا وربوات عديدة: هم لا يقترفون قتلاً ولا يهابون وثنًا ولا يزنون ولا يأكلون اللحم ولا يشربون الخمر. أجل، بينهم لا يحدث شيء من هذا، وها مرَّت آلافُ السنين على هؤلاء الناس الذين يمارسون هذه الشريعة التي وضعوها لنفوسهم«.

 

  1. »وهناك شريعة أخرى في الهند(37) في إقليم يقيم فيه أناس ليسوا من جماعة البراهمة ولا يأخذون بتعليمهم. هم لا يعبدون وثنًا ولا يقترفون الزنى أو القتل، ولا يصنعون شرٌّا آخر لا يحسن في عيني البراهمة. وفي أقاليم الهند، هناك أناس تعوَّدوا أن يأكلوا اللحوم كسائر الشعوب الذين ياكلون لحم الحيوان. فالكواكب الشرّيرة لم تفرض على البراهمة أن يعملوا شرٌّا ونجاسة، والكواكب الخيِّرة لم تَدفع سائر الهنود أن يصنعوا شرٌّا. فالكواكب الموضوعة في مكان مؤاتٍ وفي بروج الناس، لم تقنع أكلة لحوم البشر أن يستعملوا في مأكلهم ما هو نجس وبغيض«.

 

  1. »والفرس(38) أيضًا وضعوا لنفوسهم شرائع، بموجبها يتزوَّجون أخواتهم وبناتهم وبنات بناتهم، ومنهم من يبالغون فيتزوَّجون أمَّهاتهم. بعض هؤلاء الفرس انتشروا وعاشوا في ماداي وفي أرض الفرات وبلاد الفرات ومصر وفريجيا، وهم الذين يُسمّون مجوسًا. وهم في كلِّ البلدان والأقاليم التي يقيمون فيها، يتصرَّفون بحسب الشريعة التي وضعها آباؤهم. ونحن لا نستطيع أن نقول إنَّ كلَّ المجوس وسائر الفرس يقيمون حيث الزهرة موضوعة مع القمر ومع زحل في بيته وتخومه، وعطارد حاضر شاهد.

 

»هناك مناطق عديدة في مملكة الفراتيّين حيث الرجال يقتلون نساءهم وأخوتهم وأولادهم، فلا يلحقهم من جرّاء ذلك عقاب. أمّا من يقتل أحدًا من هؤلاء عند الرومان أو اليونان، فهو يستوجب عقاب النقمة الكبير«.

 

  1. »عند الجيليّين(39) النساء يزرعنَ ويحصدنَ ويبنينَ (البيوت) ويَقمنَ بكلِّ الأعمال. هنَّ لا يلبسن ملابس ملوَّنة ولا ينتعلن أحذية ولا يستعملن زيوتًا مطيِّبة. لا يوبِّخهنَّ أحد إن هنَّ زنين مع الغرباء، أو ضاجعن عبدًا في البيت. أمّا رجال هؤلاء الجيليّات فهم يلبسون لباسًا ملوَّنًا، ويتزيَّنون بالذهب والحجارة الكريمة ويدَّهنون بالزيوت الطيِّبة، وهم يتصرَّفون على هذا الشكل، لا لأنَّهم مخنَّثون بل تجاوبًا مع الشريعة الموضوعة لهم. كلُّ الرجال فيهم مولعون بالصيد والحرب. ونحن لا نستطيع أن نقول إنَّ كلَّ النساء جُعلن في منطقة الزهرة، أو الجدي أو الدلو، في مكان الحظِّ التعيس، ولا نستطيع أن نقول إنَّ (الرجال) الجيليّين جُعلوا في منطقة عطارد والحمل والزهرة في المكان الذي كُتب عنه أنَّ فيه يولد رجال أشدّاء ومخنَّثون«.

 

  1. »عند البوحراتيّين، ويسمّون أيضًا القوشان(40)، تتزيَّن النساء بلباس الرجال الجميل وبالذهب الكثير والحجارة الكريمة الحسنة، ويخدمهنَّ من العبيد والإماء أكثر ممّا لبعولهنَّ. يركبن الخيل ويتزينَّ بالذهب والحجارة الكريمة. لا يحافظن على الطهارة بل يضاجعن عبيدهنَّ والأغراب الذين يأتون إلى بلدهنَّ، فلا يوبِّخهنَّ بعولُهنَّ. هنَّ لا يَخِفن بعولهنَّ الذين يحسبون نساءهم أسيادًا عليهم. ولكنَّنا لا نستطيع أن نقول إنَّ النساء البوحراتيّين جُعلن في منطقة الزهرة والمرّيخ، وإنَّ المشتري يكون في بيت المرّيخ وسط السماء حيث تولد الغنيّات والفاجرات اللواتي يخضعن لبعولهنَّ في كلِّ شيء«.

 

  1. »عند الرقميّين والرهاويّين والعرب(41) لا تُقتل فقط المرأة الزانية، بل تُعاقب أيضًا تلك التي يقع عليها الشكّ«.

 

  1. »وُضعت شريعة في حطرا(42) يُعاقب بموجبها بالرجم كلُّ من سرق شيئًا زهيدًا ولو قليلاً من الماء. أمّا عند القوشان فمن يقترف مثل هذه السرقة يُبصَق في وجهه. ومن يسرق سرقة صغيرة عند الرومان يُجلد ثمَّ يُترك (حرٌّا). فمن عِبْر الفرات إلى المشرق، من شُتم كسارق أو كقاتل لا يغضب، أمّا إن شُتم كمضاجع للذكور فهو يلاحَق حتّى القتل«.

 

  1. »… عند… الشبّان… الشريعة(43) لا تحكم عليهم. ثمَّ، في كلِّ بلاد المشرق الذين يشتمون بمعرفة يقتلهم آباؤهم وإخوتهم وأحيانًا لا يُدفنون«.

 

  1. »في الشمال وفي بلاد الجرمان(44) وجوارها يكون الغلام الجميل كامرأة للرجل وتقام له حفلة عرس، ولا يكون ذلك فضيحة أو لعنة بسبب الشريعة المعمول بها. ولا يمكن لكلِّ الذين في غالية الذين يُسامون بهذه الفضيحة أن يكون طالعهم عطارد مع الزهرة في بيت زحل وعلى حدود المرّيخ وفي أبراج الغرب. فالرجال الذين ولدوا هكذا، كُتب أنَّهم يُحتقرون كما لو كانوا نساء«.

 

  1. »عند البريطانيّين(45) يتزوَّج الرجال العديدون امرأة واحدة«.

 

  1. »عند الفراتيّين(46) يتزوَّج رجل واحد نساء عديدات وكلُّهنَّ يطعن أوامره بشأن الطهارة، لأنَّ تلك هي الشريعة الموضوعة لهنَّ في ذلك البلد«.

 

  1. »الأمازون(47) شعب كامل (من النساء) لا أزواج لهنَّ. هنَّ كالحيوانات، يعبرن النهر مرَّة في السنة، في الربيع، ويخرجن من تخومهنَّ. بعد هذا، يُقمن على الجبل عيدًا عظيمًا فيأتي الرجال من هذه المناطق ويقضون معهنَّ أربعة عشر يومًا، يضاجعوهنَّ فيَحبلن منهم ثمَّ يعبرن (النهر) من جديد (ويعدن) إلى موطنهنَّ. وعندما يلدن يطرحن الذكور ويربّين البنات. ومعروف أنَّهم يفعلن هذا كما تأمرهنَّ الطبيعة. فكلُّهنَّ يحبلن في شهر واحد ويلدن في شهر واحد أو قبل ذلك بقليل أو بعده بقليل. وكلُّهنَّ، كما سمعنا، شُجاعات ومحاربات ولا يستطيع كوكب أن يساعد هؤلاء الذكور، فلا يُطرحون«.

 

  1. »كُتبَ في كتاب الكلدانيّين(48) أنَّه عندما يقف عطارد مع الزهرة في بيت عطارد فهو يصنع المصوّرين والرسّامين والصيارفة، ولكن عندما يقف في بيت الزهرة فهو يصنع العطّارين والراقصين والمغنّين والشعراء. وفي بلاد بني طيء والشرق، وفي ليبيا ونوميديا العليا وموريتانيا التي على فم الأوقيانس وفي جرمانيا الخارجيَّة وسرمطيا العليا وفي إسبانيا وكلِّ البلدان الواقعة غربيّ البنطس وفي بلد الهلّينيّين والألبانيّين والصصويّين وفي بروسا التي في عبر دورا، لا تجد نحّاتًا ولا مصوِّرًا ولا عطّارًا ولا حرّافًا ولا شاعرًا. إذًا، لا تأثير لعطارد والزهرة على مدار العالم كلِّه. وفي كلِّ ماداي عندما يموت إنسان يُرمى للكلاب ولو بقي فيه قليل من الحياة. فالكلاب تأكل كلَّ موتى ماداي. فهل نستطيع أن نقول أنَّ كلَّ المادايّين وُلدوا حين كان القمر واقفًا مع المرّيخ في يوم السرطان تحت الأرض؟ وكلّ الهنود يُحرَقون بالنار عندما يموتون، وتُحرَق معهم نساؤهم الكثر وهنَّ أحياء. فهل نقدر أن نقول إنَّ كلَّ نساء الهند اللواتي يُحرقن وُلدن حيث يقيم المرّيخ مع الشمس في ليل الأسد تحت الأرض كما يُولد الناس الذين يُحرقون بالنار.

 

»والجرمان كلُّهم يموتون خنقًا ما عدا الذين يموتون في الحرب. فمن المستحيل أن يكون كلُّ الجرمان وُلدوا عندما يكون القمر والساعة بين المرّيخ وزحل«.

 

  1. »إلاَّ أنَّه في كلِّ البلدان، يُولَد الناس كلَّ يوم وكلَّ ساعة ولادات تختلف الواحدة عن الأخرى، غير أنَّ شرائعهم تتغلّب على قرار (القدر) فيتدبَّرون (أمورهم) بحسب عوائدهم. فلا يضيّق القدَرُ على الشيريّين ليقترفوا جريمة قتل إن هم لم يريدوا، ولا يجبر البراهمة على أكل اللحم، ولا يمنع الفرس من التزوُّج ببناتهم وشقيقاتهم، والهنود من أن يُحرَقوا، والمادايّين من أن تأكلهم الكلاب، والفراتيّين من أن يتزوَّجوا نساء عديدات، والبريطانيّين من أن تتزوَّج امرأةٌ الواحدة رجالاً عديدين، وأهل الرها من أن يكونوا أعفّاء، واليونان من أن يمارسوا الرياضة (وهم عراة)، والرومان من احتلال البلدان في وقت واحد، والغاليّين من مضاجعة بعضهم بعضًا، والأمازون من تربية الذكور. وطالعُ الإنسان لا يجبره في مسيرة الكون على استعمال فنّ ربَّة الشعر. ولكن كما قلت، كلُّ الناس في كلِّ شعب وكلِّ بلد، يتصرَّفون بحرِّيَّتهم الطبيعيَّة كما يريدون، ويخضعون للقدر وللطبيعة بسبب الجسد الذين يلبسون، مرَّة بإرادتهم ومرَّة بدون إرادتهم. ففي كلِّ بلد وفي كلِّ شعب، هناك أغنياء وفقراء، وأسياد وعبيد، أصحّاء ومرضى، حسب قدر كلِّ واحد منهم وطالعه«.

 

  1. فقلت له: »يا أبانا برديصان، أقنعتنا بذلك فعرفنا أنَّها أمور حقيقيَّة، ولكن أعلم أنَّ الكلدانيّين يقولون إنَّ الأرض مقسومة إلى سبعة أقسام اسمها سبعة أقاليم، وعلى كلِّ قسم منها يتسلَّط واحد من هؤلاء السبعة، وفي كلِّ واحد من هذه البلدان تستظهر إرادة هذا السلطان الذي يُسمّى الشريعة«.

 

  1. أجابني (برديصان): »أوَّلاً، اعرف يا ابني فيلبُّس أنَّ الكلدانيّين وجدوا هذا التعليم لينشروا به ضلالهم. فإن كانت الأرض مقسومة إلى سبعة أقسام، إلاَّ أنَّ كلَّ قسم من هذه الأقسام يتمتَّع بشرائع عديدة تميِّزه عن الآخر. فنحن لا نجد سبعَ شرائع في العالم على عدد الكواكب السبعة، ولا اثنتي عشرة (شريعة) على عدد البروج، ولا ستًا وثلاثين على عدد درجات الفلك، ولكن هناك شرائع عديدة في كلِّ مملكة وفي كلِّ بلد، وفي كلِّ منطقة ومكان يفترق الواحد عن الآخر. فأنتم تتذكَّرون أنّي قلت لكم إنَّه في إقليم الهند الواحد، هناك أناس لا يأكلون لحم الحيوان، وهناك آخرون يأكلون لحوم البشر. وقلت لكم أيضًا عن الفرس والمجوس الذين يتزوَّجون بناتهم وشقيقاتهم لا في إقليم فارس وحسب، بل في كلِّ مكان ذهبوا إليه، وهم بذلك يعملون بشريعة آبائهم ويحافظون على الممارسات السرّيَّة التي سلَّموها إليهم. وتذكَّروا أيضًا أنَّ شعوبًا عديدة سمَّيتُها لكم تدور في كلِّ الأرض، لا في إقليم واحد، بل في كلِّ ريح وإقليم، ولكن ليس لها الفنّ الذي يعطيه المرّيخ والزهرة عندما يتَّحد الواحد بالآخر. فإن كانت الشرائع مرتبطة بالمناخات، فهذا لا يمكن أن يكون، ولكن ما يحصل هو أنَّ هؤلاء الناس البعيدين يمتنعون في طريقة حياتهم عن الامتزاج بأناس أخر كثيرين.

 

  1. »فكِّروا: كم هم الرجال الحكماء الذين أبطلوا شرائع بلدانهم حين بدت لهم سيِّئة، وكم من الشرائع أُبطلت بسبب الضرورة، وكم هم الملوك الذين احتلّوا بلدانًا ليست لهم فأبطلوا الشرائع القائمة وجعلوا مكانها الشرائع التي أرادوا. عندما تمَّ ذلك، لم يقدر كوكب من الكواكب أن يحافظ على الشريعة، وهذا أمرٌ تلاحظونه أمامكم. منذ زمن غير بعيد احتلَّ الرومان بلاد العرب وأبطلوا كلَّ شرائعهم السابقة ولاسيَّما (شريعة) الختان التي اعتادوا أن يمارسوها. الإنسان المسلَّط على نفسه، يَخضع لشريعة وضعها له آخر مسلَّط على نفسه أيضًا. وأكثر من هذا، أستطيع أن أقنع الجهّال وضعاف الإيمان فأقول لهم: كلُّ اليهود الذين قبلوا الشريعة على يد موسى، يختنون أولادهم الذكور في اليوم الثامن ولا ينتظرون مجيء الكواكب ولا يأخذون بعين الاعتبار البلد (الذي يقيمون فيه). فالكوكب المسلَّط على الإقليم (الذي يقيمون فيه) لا يسوسهم بالقوَّة القاهرة، ولكنَّهم يعملون بالشريعة التي وضعها لهم آباؤهم أكانوا في أدوم أو في بلاد العرب، في اليونان أو في بلاد فارس، في الشمال أو في الجنوب. ومن المعروف أنَّهم لا يفعلون ذلك بسبب البروج، لأنَّه يستحيل على كلِّ اليهود الذين يُختنون في اليوم الثامن أن يكون المرِّيخ مواليًا لهم بحيث يمرُّ الحديدُ عليهم فيسيل دمهم.

 

  1. »وفي البلد الذي يقيمون فيه هم لا يعبدون الأوثان، ويمتنعون عن العمل هم وأولادهم يومًا واحدًا في الأسبوع، فلا يقومون بسفَر في ذلك اليوم ويمتنعون عن الشراء والبيع. لا يذبحون حيوانًا في يوم السبت ولا يوقدون نارًا ولا يذهبون إلى القضاء. ومع ذلك لا يُوجَد واحد أمرَه القدر في يوم السبت أن يدخل في محاكمة فتبرأ ساحته أو يحكم عليه، أن يهدم أن يبني، أن يعمل شيئًا ممّا يعمله الناس الذين لا يأخذون بهذه الشريعة. ولهم أيضًا فرائض أخرى فلا تسير حياتهم كحياة سائر البشر وإن كانوا في هذا اليوم عينه يَلدون ويُولدون، يمرضون ويموتون، لأنَّ هذه الأمور لا تتعلَّق بسلطة البشر.

 

  1. »في سورية والرها اعتاد الرجال أن يُخصوا ذواتهم إكرامًا لترعتا، ولكن لمّا آمن الملك أبجر (بالله) أمر بقطع يد كلِّ إنسان يخصي نفسه. ومن ذلك اليوم لم يعد أحد يخصي نفسه في بلاد الرها.

 

  1. »وماذا نقول عن شعبنا المسيحيّ الجديد الذي أقامه المسيح حين جاء في كلِّ بلد وفي كلِّ ناحية. نحن كلُّنا، في كلِّ مكان، نسمَّى باسم المسيح الواحد الذين في غالية لا يتزوَّجون الذكور ولا الذين من بلاد الفرات يتزوَّجون بامرأتين، ولا الذين في اليهوديَّة يُختنون. وإخوتنا عند الجيليّين القوشان لا يضاجعون الأغراب، والذين يعيشون في بلاد فارس لا يتزوَّجون بناتهم. والذين يعيشون في ماداي لا يهربون من موتاهم ولا يدفنونهم وهم أحياء ولا يجعلونهم مأكلاً للكلاب. والذين يعيشون في الرها لا يقتلون نساءهم أو شقيقاتهم اللواتي أُخذن في زنى، بل يبتعدون عنهنَّ ويسلِّمونهنَّ لدينونة الله، والذين في حطرا لا يرجمون السارقين. ولكن في أيِّ مكان أقام (المسيحّيون) وفي أيِّ محلٍّ وُجدوا، تفصلهم شرائعُ البلدان عن شريعة مسيحهم، ولا يفرض عليهم قدر المدبِّرين أن يمارسوا ما يبدو لهم نجسًا.

 

  1. »غير أنَّ المرض والصحَّة والغنى والفقر، وكلُّها لا تتعلَّق بحرِّيَّتهم، تَعرض لهم في كلِّ مكان يقيمون فيه. وكما أنَّ حرِّيَّة الإنسان لا تخضع لضرورة (الكواكب) السبعة، وإن خضعت فهي تستطيع أن تقف بوجه مدبِّريها. كذلك لا يقدر هذا الإنسان المنظور أن ينجو بسرعة ممّا يأمره به مدبِّروه، فهو إذًا عبد ومستعبد. فإذا قدرنا أن نعمل كلَّ شيء فنحن كلَّ شيء، وإن لم نتوصَّل أن نعمل شيئًا صرنا آلة بيد الآخرين. وعندما يريد الله أن تكون كلُّ الممكنات بغير اختلال، فأيّ شيء يستطيع أن يقف بوجه إرادته الكبيرة والمقدَّسة. والذين يحسبون أنَّهم يستطيعون أن يقفوا بوجه (هذه الإرادة)، فهم يتصرَّفون لا انطلاقًا من قوَّتهم بل من شرِّهم وضلالهم. وهذا ممكنٌ لزمن قصير، لأنَّ (الله) صالح ويجيز للطبائع أن تكون قائمة في كيانها وأن تتدبَّر بحسب إرادتها. غير أنَّها تبقى أسيرة الأعمال التي تعملها والأفعال التي أُتقنت لمساعدتها. وهذا النظام والتدبير اللذان وُهبا ومُزج الواحد بالآخر، يخفِّفان من قوَّة الطبائع فلا تضرُّ إطلاقًا ولا يُصيبها ضررٌ كما أضرَّت ونالت الضرر قبل خلق العالم. وسيأتي وقتٌ تزول فيه إمكانيَّة الضرر القائمة عندها بسبب التعليم المؤسَّس على مزج واحد بآخر. وبقيام العالم الجديد، ستسكن كلُّ التحرُّكات الشرّيرة وتنتهي كلُّ التمرُّدات ويقتنع الجهّال ويعمُّ السلام والأمان بموهبة ربِّ كلِّ الطبائع«.

 

انتهى كتاب شرائع البلدان.

(*) ظهر هذا المقال في مجلة دراسات 22 (1987) ص 5-28.

(1) اغناطيوس افرام الأوَّل برصوم، اللؤلؤ المنثور في تاريخ العلوم والآداب السريانيَّة، حلب، 1956، (طبعة أولى، حمص، 1943)، ص 192، 238.

(2) الرها (أورفا اليوم في تركيّا وإديسا اليونانيَّة) مدينة في مقاطعة أسروينا. كانت مركزًا تجاريٌّا وثقافيٌّا هامٌّا. راجع ألبير أبونا، أدب اللغة الآراميَّة، بيروت، 1970، ص 29-30، راجع أيضًا:

R. JANIN, “Edesse”, dans Dictionnaire d’Histoire et de Géographie ecclésiastique (cité DHGE), vol. XIV (1960), col. 1420-1424 ; J. DAUVILLIER, « Edesse », ibid., col. 1424-1430; A. VAN ROEY, « L’école d’Édesse », ibid, col. 1430-1432. G. BARDY, « Edesse », in Catholicisme, 3 (1952), col 1331-1334; H, LECLERCQ, « Edesse », dans Dictionnaire d’Archéologie chrétienne et de liturgie, 6 (1914), col. 2055-2110; J. B. SEGAL, Edessa, the Blessed City, Oxford, 1960.

(3) للتعرُّف إلى حياة برديصان راجع أدب اللغة الآراميَّة، ص 58-64، راجع أيضًا:

G. BARDY, “Bardesane”, in DHGE, vol. 6 (1930), col. 765-767; in Catholicisme, I, (1948), col 1245-1246; F. NAU, Dictionnaire de Théologie Catholique (cité DTC), 12 (1932) col. 391-398; R. DUVAL, Anciennes littératures chrétiennes, II, la littérature syriaque, Paris, 1907, p. 235-240; I. ORTIZ DE URBINA, Patrologia Syriaca, Romae, 1965, p. 42-43; et surtout H.J.W. DRIJVERS, Bardaisan of Edessa, Assen, 1966;

(4) ولد مرقيون على شاطئ البحر الأسود وجاء إلى رومة سنة 140، وهناك أطلق تعليمه فلقي معارضة من السلطات الدينيَّة. راجع:

J. QUASTEN, Initiation aux Pères de l’Église (tr. J. Laporte), I, Paris, p. 305-310; E. G. BLACKMAN, Marcion and his Influence, London, 1948; J. KNOX, Marcion and the New Testament, Chicago, 1942.

(5) أخذت الغنوصيَّة عن الديانات الشرقيَّة الاعتقاد بثنائيَّة مطلقة: الله والعالم، النفس والجسد، وبنظريَّة أصل الخير وأصل الشرّ من مبدأين منفصلين. وأخذت نظريَّة الوسطاء بين الله والعالم عن الأفلاطونيَّة الحديثة كما سيفعل الفلاسفة العرب فيما بعد. راجع: J. QUASTEN, op. cit., p. 289-298; F. M. SAGNARD, La gnose valentinienne et le témoignage de saint Irénée, Paris, 1947; B. LEYTON, (éd.), The Rediscovery of Gnosticism, vol I, The School of Valentinius, Leiden, 1980

(6) R. DUVAL, Histoire d’Édesse, Paris, 1892, p. 115-116; EUSEBE DCÉSARÉE, Histoire Ecclesiastique, IV, 30, tr. G. Bardy, SC 31, Paris, 1968, p. 214-215.

(7) A. ABEL, “Daysaniyya” in Encyclopédie de l’Islam, II, 26, London, 1963, p. 199; G. BARDY, « Bardesanites », in DHGE, 6 (1930), col. 767-769; F. NAU, « Bardesanites », in DTC, 2 (1932), col. 398-401.

(8) يورد ابن النديم (سنة 1988) في كتاب الفهرست (ليبزيغ 1871-1872) ص 161 جدالاً بين تبّاع ماني وتبّاع برديصان حول طبيعة الظلام. وكتب ابن حزم (994-1064) عن الظلمة التي هي حيَّة عند ماني وميتة عند برديصان. راجع الفصل في الملل والأهواء والنحل، القاهرة، 1317ه/1898م، الجزء الأوَّل، ص 36: 3-6؛ راجع أيضًا المقدسي الذي يقول إنَّ النور بحسب برديصان هو خالق الخير وأنَّ الظلام هو خالق الشرّ، والشهرستانيّ الذي قال موردًا رأي برديصان : النور كائن حيّ وفاعل والظلمة كائن ميت لا يستطيع أن يفعل شيئًا أو يدرك شيئًا.

(9) راجع الدرّ المنثور، ص 205.

(10) W. CURETON, Spicilegium syriacum containing remains of Bardesane, Meliton Abrosie and Mara bar Serapion, ed. With English translation and notes,)London, 1855.

(11) F. NAU, Bardesanes, “Liber Legum Regionum cujus syriacum vocalium signis instruxit, latine vertit”, in: Patrologia Syriaca, pars prima, tomus secundus, col 536-611.

نشير هنا إلى المقدِّمة الطويلة (492-535) التي كتبها نو والحواشي التي وضعها المستشرق نولدكه.

(12) F. NAU, Bardesanes l’Astrologue, le Livre des Lois des Pays, texte syriaque et trad. Française, Paris, 1899.

(13) راجع أوسابيوس القيصريّ، التاريخ الكنسيّ، 4: 30؛ سوزومين، التاريخ الكنسيّ، 3: 16؛ تيودوريه، التاريخ الكنسيّ، 1: 22.

(14) اسمه في السريانيَّة »ܩܬܘܒܘ ܕܢܡܘܣܝ ܕܐܬܪܘܬܐܘ « أي كتاب نواميس الأماكن.

(15) راجع بولس الفغالي، »من أجل فكر مشرقيّ – برديصان الرهاويّ وحواره في القدر«، المسرَّة، 685-686، 1983، ص 62-82.

(16) »ܐܩܝܢ« أي اعطى كيانًا وطبعًا. الصيغة اللاحقة في المتكلِّم، ولكنَّنا جعلناها في صيغة الغائب.

(17) »ܣܟܠ « أي صنع جهلاً وحماقة. يرد هذا الفعل 15 مرَّة في صيغه المتعدِّدة في هذا النصّ.

(18) أهمِّيَّة طرح السؤال على الطريقة السقراطيَّة. أمّا المحاورون فهما عويدا وفيلبُّس كاتب هذا النصّ، وأمّا السامعون فسائر تلاميذ المعلِّم.

(19) لا شكَّ أنَّ هذا المقطع هو جواب برديصان وإن لم يشِر النصّ إلى ذلك. هنا يبدأ الحديث عن الطبيعة.

(20) ما أرادنا الله أن نكون آلة بين يديه، فوهبنا الحرِّيَّة. ترد كلمة » حيروت « في هذا النصّ 21 مرَّة.

(21) الإنسان سيِّد الخلائق واللّه كوَّنها لخدمة هذا الإنسان.

(22) »ܣܒܘ« أراد، ترد أربعين مرَّة، »ܣܒܝܘܢܘ« الإرادة ترد 11 مرَّة. إذًا موضوع حديثنا الإرادة والحرّيَّة
) الإنسان سيِّد الخلائق واللّه كوَّنها لخدمة هذا الإنسان.

 

(22) »صبو« أراد، ترد أربعين مرَّة، »وصبيونو« الإرادة ترد 11 مرَّة. إذًا موضوع حديثنا الإرادة والحرّيَّة.

 

(23) نجد هنا إشارة إلى ما ورد في سفر التكوين 6: 2. رأى بنو الله (أي الملائكة بحسب بعض الشرّاح) بنات الناس أنَّهنَّ حسنات فاتَّخذوا لهم نساء. نشير هنا إلى أنَّ أفرام السريانيّ يعتبر أنَّ بني الله هم أبناء شيت البارّ وبنات الناس هنَّ نسل قايين الشرّير: راجع تفسيره لسفر التكوين.

 

Sancti Ephraem Syri in Genesim et in Exodum commentarii, éd. R. M. TONNEAU, (CSCO 152-153), Louvain, 1955, vi, 1-3

 

(24) »شولطن نفشهون« أي سلطة على نفوسهم، سلطة ذاتيَّة.

 

(25) الإنسان حرّ ولكن سائر المخلوقات لم تعدم الحرّيَّة بل تتمتَّع ببعض الحرِّيَّة، ولهذا فهي تخضع للدينونة كالإنسان.

 

(26) هنا يتدخَّل فيلبُّس التلميذ الذي دوَّن كتاب شرائع البلدان.

 

(27) »اشكح« أي يستطيع. ترد هذه الكلمة 52 مرَّة في صيغ الفعل المتعدِّدة.

 

(28) الزؤان هم بنو الشرّير، راجع إنجيل متّى 13: 38.

 

(29) »سينوتو « أي الأمور البغيضة والسيِّئات وهي تقابل الأمور الخيِّرة.

 

(30) الناموس يدعو الحرِّيَّة، والإنسان وحده يتمتَّع بالحرِّيَّة الكاملة.

 

(31) »حلقو« أي القدر. ترد هذه الكلمة 31 مرَّة في النصّ. وأساس الفعل يعني: وزَّع الشيء على الناس وفرَّقه. وهنا يبدأ برديصان حديثَه عن القدر.

 

(32) »شلطني « أي المسلَّطون على ما يحدث لكلِّ إنسان ولا يكون مرتبطًا بالطبيعة. ويسمّيهم أيضًا »المدبِّرين« (مدبرني) وهو ما نجمِّله بكلمة القدر والقضاء. أمّا العناصر فهي الشمس والقمر والكواكب.

 

(33) المسيرة أي طريقة سير الكواكب التي تحدِّد مسيرة الإنسان وطالعه.

 

(34) هنا يورد الكاتب شرائع البلدان المتعدِّدة ليدلَّ على تفلُّت الحرِّيَّة من سلطة القدر. نذكر أنَّ هذا القسم من الكتيِّب أعطاه عنوانه كتاب شرائع البلدان.

 

(38) ها هي شريعة الفرس.

 

(39) الجيليّون يقيمون على الشاطئ الجنوبيّ الغربيّ لبحر قزوين.

 

(40) القوشان احتلُّوا بوحترات ودخلوا أرض الهند قبل أن يخضعهم قبائل الهون في القرن الخامس ب.م.

 

(41) الرقميون.

 

(42) حطرا Hatra. مدينة في الجزيرة على وادي ترتر.

 

(43) لا وجود لكلمة اليونان في نصِّ برديصان، ولكنَّنا نستنتج وجودها من أوسيب القيصريّ. ثمَّ إنَّ هناك ما يقارب عشرين كلمة حُكَّت في هذا المكان من المخطوط.

 

(44) هل يعني هذا العنوان الذي لا يوافق المضمون أنَّ الكاتب انتهى من المشرق وانتقل إلى المغرب؟ فهو سيتكلَّم عن الجرمان (أي الألمان اليوم) وأبناء غاليا (فرنسا اليوم) والبريطانيّين.

 

(45) البريطانيّون

 

(46) الفراتيون Parthes

 

(47) الأمازون هنَّ نساء محاربات أقمن في سقيته، شماليّ البحر الأسود.

 

(48) هنا نكتشف دور النجوم والكواكب.

كتاب شرائع البلدان لبرديصان ف4 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

برديصان الرهاوي ف3 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

برديصان الرهاوي ف3 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

برديصان الرهاوي ف3 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

 

 

القسم الثالث

برديصـــان الرهـاوي وشــرائــع البــلدان

 

برديصان. أو ابن نهر ديصان، موطنه الرها (أورفا الحالية في تركيا)، عاصمة مملكة أسرونيا بلغتها السريانية. بحسب المؤرخين وُلد في 11 تموز سنة 154. أخذ بالحضارة الهلنيّة ولكنه كتب في السريانية. اهتدى إلى المسيحيّة في شبابه فألّف بعض القصائد التي استلهمت إيمانه. غير أنه عُرف خصيصًا كمعلّم الفلسفة المسيحية. ضاعت آثارُه كلها تقريبًا، غير أن تلميذًا من تلاميذه عرف نهج معلّمه: فكتاب شرائع البلدان يبدو بشكل حوار بين المعلّم وتلاميذه في ردّ على الفكر الشرقي الذي استلهم العالم الكلداني القديم حول القدر. ونحن في هذا القسم نقرأ فصلين:

 

1- برديصان الرهاوي وحواره عن القدر

 

2- كتاب شرائع البلدان لبرديصان الرهاوي.

 

ونلاحظ ثانيًا أنَّ الشرَّ هو عمل كثُرت في هذه الآونة الأخيرة الكتُب المترجمة أو الموضوعة عن الفلسفة وما تفرَّع عنها من موادّ في علم النفس والإنسان والاجتماع، وبدأت تظهر، وإن بطريقة حيّية وخجلة، بعض الدراسات عن تاريخ الفلسفة منذ أفلاطون وأرسطو إلى العصر الوسيط فالحديث. تُرجمت آثار عن الغرب، ولكن ظلَّت آثار الشرق بأكثريَّتها مجهولة. فمَن لنا بطرح أفكار أبناء الشرق، من خلال آثارهم، لا من خلال ما كَتب لنا الغربُ عنهم؟ كيف نريد أن نبتكر فلسفة إن لم نغرز جذورنا في أساس تقليدنا الشرقيّ الذي عمره ثلاثة آلاف سنة أو أربعة قبل المسيح؟ وكيف نجابه الغرب ونحاوره إن كنّا لا نعرف تراثنا؟ أيكون المشرق وعاء فارغًا لا بدَّ من أن نملأه بما يأتينا من عالم الغرب؟ إنَّ عالم المشرق يزخر بالتيّارات الفكريَّة التي طبعتْ روحانيَّةَ أفلاطون واجتذبت إليها الرواقيَّة فكان إمامها زينون، الفينيقيّ الأصل، وأحد معلِّميها بوسيدون ابن أفامية (قلعة المضيق) في سورية. وكان لعالم الشرق تأثيره في القرون الوسطى بما انتقل عبر العربيَّة إلى اللاتينيَّة من طبّ ابن سينا وشروحات ابن رشد وعلم اجتماع ابن خلدون.

 

ونسأل: أين تأثيرنا اليوم؟ وهل يمكن أن يكون لنا دورٌ نلعبه في الفكر العالميّ إن بقيَتْ معرفتنا لتراثنا معرفة سطحيَّة لا تتعدَّى ما تعلَّمناه في سنوات البكالوريا؟ يا ليتنا نتعرَّف إلى نميسيوس الحمصيّ الذي كتب »عن طبيعة الإنسان« في بداية القرن الرابع المسيحيّ، ومكسيم الصوريّ الذي عاش في القرن الثاني المسيحيّ فسبق مفكِّرًا آخر من صور، اسمه بورفير (حوالي 234-300) كان له الفضل الكبير في إيصال فكر أفلوطين المصريّ إلينا عبر كتاب »التاسوعات«! ويا ليتنا تعرَّفنا إلى برديصان الرهاويّ، وتاتيان السوريّ، وأفرام السريانيّ الذي علَّم في نصيبين وأسَّس مدرسة الرها في القرن الرابع المسيحيّ! وكيف ننسى ماني ومرقيون، وكلَّ عالَم الغنوصيَّة الذي قدَّم مفاهيم جديدة للتيّارات الفكريَّة في المسيحيَّة والإسلام؟

 

لا شكَّ في أنَّ هؤلاء الكتّاب لم يتكلَّموا باللغة العربيَّة، بل دوِّنتُ آثارهم في لغات نحن نجهلها اليوم، في اليونانيَّة والسريانيَّة واللاتينيَّة وغيرها. ولكن متى كانت اللغة حاجزًا؟ إنَّ هي إلاَّ سبيل لإيصال الحقيقة إلى الإنسان. سبقنا العربُ في العصر العبّاسيّ وترجموا بعضها، وها هو تاريخنا يدعونا إلى نشرها ونقل ما لم يُترجم منها، فتصبح في متناول يدنا نصوصٌ ما زلنا نعيش منها في عمق لاوعْينا.

 

هذا هو هدفي من هذا المقال عن برديصان الرهاويّ.

 

1- من هو برديصان؟

 

عندما نشر البحّاثة الإنكليزيّ وليام كيورتون سنة 1855 كتابه آثار سريانيَّة ملتقطة(1)، ونقل محتوياته عن مخطوطة وجدها في المتحف البريطانيّ رقمها 14658، وهي من القرن السادس أو السابع. أخذ العلماء يبحثون عن وجه رجل حيَّر الناس في عصره وما زال يقسم الباحثين بشأن الأثر الوحيد الذي بقي لنا منه وهو كتاب شرائع البلدان أو حوار في القدر. وهذا الرجل اسمه برديصان.

 

قالوا عن هذا الكاتب الذي ترك لنا أوَّل أثر في السريانيَّة بعد ترجمة الكتاب المقدَّس، إنَّه كان مؤمنًا فأثَّر في ملك الرها ليدين بالنصرانيَّة. وقالوا عنه أيضًا إنَّه كان هرطوقيٌّا مبدعًا. وعرفنا من التواريخ متى وُلد ومتى مات، وكأنَّ حياته لا تزال محفوفة بالأساطير. وجعلوا منه رسول أرمينيا وأحد دعاتها إلى النصرانيَّة، كما أعطوه دورًا في مجيء البعثة الهنديَّة التي زارت إيلاجبلوس، حوالي سنة 220. وقالوا عند ذلك إنَّه ابن الفراتيّين، واعتبرته أرمينيا ابنًا لها بارٌّا، واستأثرت به الرها، عاصمة الأسروان، وكلٌّ يريد شرف القربى إليه(2).

 

وُلد برديصان في الرها أو في جوارها سنة 154ب.م.، فجاء اسمه يربطه بالنهر الذي يمرُّ بالمدينة فيجعلها جنَّة، أي نهر ديصان(3). اسم أبيه »نوحومو« واسم أمِّه »نحشيرام«، وما كانا، على ما يبدو، من السوريّين، بل جاءا إلى سورية من بلاد الفراتيّين في السنة الخامسة عشرة لملك شهروت بن فرس، ملك الفرس، أي سنة 455 يونانيَّة (144 مسيحيَّة).

 

كان برديصان صديقًا للملك أبجَر (179-216) التاسع الكبير ابن معنو الثامن، بعد أن كان رفيقه على مقاعد الدراسة، وكانت له مكانة سامية في القصر الملكيّ. وهناك لاقى يوليوس الأفريقيّ وعرف فيه أمهر الرامين بالسهام في بلاد الأسروين(4). وهكذا تتلمذ له أعظم شخصيّات العاصمة بفضل قوَّته وعلمه ومهارته.

 

لمّا كان الملك أبجر مولعًا بالعلوم والفنون، سُرَّ برديصان بأن يقضي في البلاط الملكيّ السنين الطوال ويقضي على طريقة الفراتيّين حياة هادئة بين تلاميذ يكنُّون له كلَّ احترام وتقدير. وفي ذلك الوقت حار أتباع مرقيون، وارتبطوا بعلاقة مع أبيركيوس الذي حارب هو أيضًا البدعة المرقيونيَّة(5)، كما أنَّه اطَّلع على الديانة المسيحيَّة مدفوعًا بعامل الحشريَّة الدينيَّة، وعلى تيّارات عصره الدينيَّة والفلسفيَّة، فكوَّن لنفسه نظامًا فكريٌّا. وقالوا فيه إنَّه أخذ بتعاليم ولنتنين الغنوصيّ قبل أن يهاجم الولنتيّين وينهي حياته كرئيس شيعة مستقلَّة.

 

وعندما احتلَّ الإمبراطور كركلاَّ (سنة 216 أو 217) مدينة الرها، قتلَ ملكَها وأخذ ابنَي الملك رهينة، وبدأت فترة من التضييق والاضطهاد على أبناء المدينة. وهذا أمر يذكره أوسيب القيصريّ(6). أمّا برديصان فكان يعشق الحرِّيَّة، ولهذا ترك الرها وذهب إلى أرمينيا، وهناك عاش متنقِّلاً من مدينة إلى أخرى. وكان له، خلال إقامته في البلاد، أن اتَّصل ببعثة هنديَّة(7) جاءت سنة 217 للقاء الملك إيلاجبلوس (217-222). أمّا وفاته فجاءت، على ما يبدو، سنة 222، عن عمر يناهز الثمانية والستّين(8).

 

2- تلامذة برديصان

 

ذكر مخائيل السريانيّ اسم اثنين من أبنائه هما أبجارون وحسدو، ولكنَّه لم يقل عنهما شيئًا. أمّا سوزومين، المؤرِّخ اليونانيّ في أواسط الجيل الخامس، فحدَّثنا في تاريخه الكنسيّ (3: 16) عن ابنه هرمون قائلاً إنَّه كان متضلِّعًا من اللغة اليونانيَّة وإنَّه كتب في لغته السريانيَّة الوطنيَّة أشعارًا ظلَّ الناس ينشدونها بعد موته(9). ولاحظ أفرام السريانيّ (306-373) أنَّ الناس ما زالوا يتذوَّقون أسلوبه الأنيق ولغته الموسيقيَّة، فيَضلّون بآرائه التي أخذها عن أبيه وعن فلاسفة اليونان، وفيها من المغالطات ما يخصُّ النفس وولادة الأجساد والتقمُّص.

 

لم يكن لتلامذة برديصان عبقريَّة معلِّمهم ليجمعوا شتات أفكارهم في وحدة منظَّمة، لذلك راحوا يتأثَّرون بالغنوصيَّة والمانويَّة فابتعدوا عن التعليم الأساسيّ. وعندما سيهاجم أفرام السريانيّ المبدعين، سيجمع ماني ومرقيون وبرديصان معًا بعد أن تقاربت أفكارهم(10).

 

في عهد ربولا الرهاويّ(11) الذي توفِّي سنة 435، لاحقت السلطة البرديصانيّين واضطهدتهم مع من اضطهدت من اليهود والوثنيّين، وهدفها اقتلاع بذور الوثنيَّة من البلاد، إذ لم تكن ترى علاقة لعلم التنجيم الفارسيّ بالإيمان المسيحيّ. وهكذا تقوَّض تنظيم البرديصانيّين وهُدمت أماكنُ اجتماعاتهم فاهتدى عدد كبير منهم إلى الأرثوذكسيَّة بينما التحق قسم آخر بالمانويَّة دون أن يذوب فيها.

 

سيَذكر يعقوبُ الرهاويّ (633-708) أنَّه لاقى برديصانيّين في عصره(12)، ولكنَّه لا يقول هل كانوا أفرادًا أو جماعات. وسيذكر كتاب الفهرست الموضوع في نهاية القرن العاشر فيقول إن الشيعة البرديصانيَّة ما زالت موجودة في البصرة(13). ونعرف من ذيول الكتب العديدة أنَّ أتباع برديصان لعبوا دورًا كبيرًا في نقل علم اليونان والفرس إلى العرب، فحافظوا على الخطِّ الذي رسمه لهم معلِّمهم ووجَّهوا الفكر شطر العلوم والفلسفة، مبتعدين عن التيّار الأفراميّ الذي رفض فلسفة اليونان ودعا تلامذته ليعودوا إلى التأمُّل في الكتاب المقدَّس، ولو سلخهم هذا التأمُّلُ عن العالم الذي يعيشون فيه.

 

3- مؤلَّفات برديصان

 

يبدو أنَّ برديصان ألَّف في السريانيَّة كتبًا عديدة ترجمها فيما بعد تلامذتُه إلى اليونانيَّة. ويورد أوسابيوس، أسقف قيصريَّة فلسطين، في كتابه التاريخ الكنسيّ (الجزء الرابع 30: 1) أنَّ برديصان ألَّف 150 نشيدًا على غرار أناشيد الملك داود (أي المزامير)، وأكَّد أفرام السريانيّ كلام أوسابيوس؛ إلاَّ أنَّه لم يصل إلينا من هذه الأناشيد إلاَّ بضع شذرات.

 

ويذكر هيبوليت في ردِّه على كلِّ الهرطقات(14) أنَّ برديصان ألَّف حوارات عديدة يهاجم فيها المرقيّونيّين، ويشير أوسابيوس إلى أنَّه كتب مقالات للدفاع عن المسيحيّين المضطهدين في عهد الإمبراطور كركلاّ، ويلمِّح الأسقف جورج العربيّ إلى كتاب عن الأسترولوجيا أو علم التنجيم. أمّا كتاب الفهرست(15) فيورد أسماء ثلاثة كتب لبرديصان هي كتاب النور والظلمة، وكتاب روحانيَّة الحقّ، وكتاب المتحرِّك والجماد. وينهي كلامه بقوله: »وله كتب كثيرة، ولرؤساء المذهب في ذلك أيضًا كتب كثيرة لم تصل إلينا«.

 

ونسب الباحثون إلى برديصان كتبًا كثيرة في الأدب القديم، منها موشَّحات سليمان(16) التي دُوِّنت في القسم الأوَّل من القرن الثاني، وأعمال توما(17) التي كُتبت في السريانيَّة في بداية القرن الثالث، ودفاع مليتون السرديسيّ(18) المكتوب على عهد الإمبراطور كركلاّ. هذه الكتب الثلاثة وُضعت في عصر برديصان الرهاويّ وفي محيطه الجغرافيّ، فتأثَّر بها أو تأثَّرت به. ونستنتج أنَّه إنّ نُسب إلى هذا المفكّر العديد من الكتب، فهذا يدلُّ على المكانة الفريدة التي احتلَّها في عصره بفضل سعة علومه وكثرة اطِّلاعه في الرها، في تلك المدينة الواقعة على الحدود بين المملكة الرومانيَّة ومملكة الفراتيّين والمؤلَّفة نقطة التقارب بين الثقافة الهلِّينيَّة الآتية من الغرب وثقافة بلاد الرافدين المتأثِّرة بالعالم الفارسيّ.

 

أمّا المؤلَّف الذي اشتهر به برديصان ووردت بعض نصوصه في كتب اليونان، فهو »كتاب شرائع البلدان« أو »حوار في القدر«(19). ذكره أبيفان ثمَّ أوسابيوس(20) الذي أقحم بعضًا من نصوصه في كتابه التهيئة الإنجيليَّة (6: 9)، وأورد بسودو كليمان مقاطعَ عنه في كتب الاستطلاع (9: 19-29).

 

هذا المؤلَّف هو حوار بين برديصان والمدعوّ »عويدا« الذي يريد أن يقتنع قبل أن يؤمن. حضر هذا الحوار تلامذةُ برديصان وكتب أحدُهم، وهو فيلبُّس، ما تفوَّه به المعلِّم من آراء.

 

يعتبر برديصان أنَّ الإنسان يخضع لعوامل ثلاثة هي الطبيعة والقدر والإرادة. الإرادة هي حرَّة. والقدر يمثِّل السلطان الذي أعطاه الله الواحد والخالق للكواكب لكي تؤثِّر في ظروف حياة الإنسان منذ ساعة ولادته. أمّا الطبيعة فهي خاضعة لشرائع لا تتبدَّل، والإنسان، وهو جزء من الطبيعة، يتأثَّر بهذه الشرائع ويخضع في بعض جوانب حياته لقدرة الكواكب، غير أنَّه يتمتَّع بحرِّيَّةٍ تسمح له بأن يفعل الخير والشرّ.

 

يبرهن برديصان أنَّ الإنسان خاضع للطبيعة في ما يتعلَّق بوظائفه الحياتيَّة البدائيَّة. أمّا أحداث حياته فتقع تحت حتميَّة القدر الذي يتجسَّم في الكواكب والنجوم. وخارجًا عن ذلك فالإنسان حرّ أن يفعل ما هو قويم وأن يمتنع عن كلِّ سوء.

 

إذًا، هناك حدٌّ يقف عنده سلطانُ القدر المطلق وهو حرِّيَّة الإنسان. والبرهان على ذلك وجود الشرائع والنواميس المتعدِّدة التي يخضع لها الإنسان فلا تُبدَّل أو تَنسَخ. وطالعُ الإنسان لا تأثير له في الأعمال التي يقوم بها طوال حياته، لأنَّ شرائع الإنسان أقوى من القدر. ويأتي برديصان، داخل هذا العرض، بمجموعة من المعطيات التي نجدها في الأجناس والعروق البشريَّة. تحدَّث برديصان عن الحرِّيَّة والقدر فسُمّي كتابه حوار في القدر، وأورد شرائع البلدان فسُمّي كتاب شرائع البلدان.

 

4- نظرة برديصان إلى الإنسان في الكون

 

ننطلق من كتاب شرائع البلدان لنرسم الخطوط العريضة لنظرة برديصان إلى الإنسان في الكون.

 

نقطة الانطلاق

 

يبدأ الكتاب بسؤال يطرحه عويدا: »إن كان الله واحدًا، كما تقولون، وإن كان كوَّن البشر فأراد بذلك أن تفعلوا ما يأمركم به، فلماذا لم يخلق البشر بحيث لا يستطيعون أن يأثموا، بل يحسنون دائمًا في ما يفعلون؟«(21)

 

هذا السؤال، سعى تلامذة برديصان إلى الإجابة عنه فما أقنعوا عويدا، واكتفوا بالقول: »آمنْ لكي تستطيع أن تعرف كلَّ شيء«. غير أنَّ عويدا رفض هذا المنطق وأجابهم: »لا أستطيع أن أؤمن إلاَّ إذا اقتنعت«(22).

 

وهكذا ينطلق الحوار بين برديصان وعويدا بحضور فيلبّس. أخذ برديصان بطريقة سقراط فسأل عويدا: »قل لي، يا ابني عويدا، ما هو رأيك: أليس إله الكلِّ واحدًا؟ أم لا يريد، وهو الواحد، أن يسير البشرُ سيرةً بارَّة ومستقيمة؟«

 

هذا السؤال يجعلنا نعتبر مع برديصان أنَّ الله واحد هو، وهذا ما يجعله يتعارض والغنوصيَّة التي عرفها برديصان عبر مرقيون، والتي كانت تقول بوجود إله الشرِّ في وجه إله الخير لتحلَّ مشكلة الخير والشرِّ في الإنسان(23).

 

ينظر برديصان إلى الإنسان نظرة مثاليَّة: إنَّه يعيش بطريقة بارَّة أو بحسب الطبيعة(24)، وهذا ما يجعلنا نستشفُّ تأثير الرواقيّين في كتاب شرائع البلدان، وهم الذين نادوا بالعيش بحسب الطبيعة. بالإضافة إلى ذلك، نحن لسنا أمام خلاص يتمُّ بخروجنا من العالم، بل يقوم بحياة داخل العالم. هنا نلتقي أيضًا والرواقيّين الذين يريدون للإنسان أن ينخرط في الحياة السياسيَّة والاجتماعيَّة. فإبيكتات كان يعتبر أنَّ تعليمه يهيّئ تلاميذه للوظائف العامَّة، وكان يندِّد بالشبّان الذين يطيلون المكوث على مقاعد الدراسة، ويقول إنَّ حياة الإنسان العاديَّة هو حياته كزوج وكمواطن وكصاحب منصب في الدولة(25).

 

ونلاحظ كلامًا يقابل القول المأثور: \\\’أؤمن لكي أفهم، وأفهم لكي أؤمنب. غير أنَّ برديصان لا يفصل بين العلم والإيمان، ويعتبر أنَّ اللامؤمن فريسة الخوف ولا يعرف شيئًا معرفة أكيدة. فحالته ترسم صورة قاتمة عن الذين لم تصل إلى قلبهم نعمة الإيمان(26).

 

ب- الحرّيَّــة

 

بعد هذه المقدِّمة يدخل برديصان في صلب الموضوع، ويطرح على بساط البحث مشكلة الحرِّيَّة. يقول أوَّلاً إنَّ الله لم يخلق الإنسان كأداة تتصرف من دون فهم، بل خلقه حرٌّا، على خلاف الخلائق التي هي خاضعة لشريعة ثابتة: فالشمس والقمر والبحر والأرض هي في يد الله وهو يحرِّكها كما يشاء. ويقول ثانيًا إنَّ الله أعطى الإنسان الحرِّيَّة والإرادة، فرفعه على سائر المخلوقات وساواه بالملائكة. أجل، إنَّ الإنسان المخلوق على صورة الله يتصرَّف بحرِّيَّة ويأمر الأشياء المخلوقة، ويفعل ما يشاء أو يمتنع عن عمل يريد الامتناع عنه. هنا لا ينظر برديصان إلى الحرِّيَّة على أنَّها ما يكوِّن جوهر الإنسان، بل ينظر إليها في ممارستها: إنَّها إمكان العمل أو الامتناع عن العمل؛ إنَّها إمكان اتِّخاذ القرار المناسب. والنتيجة هي: من يستطيع أن يفعل الخير يستطيع أن يفعل الشرّ، ومن لم يكن في مقدوره أن يفعل الشرّ ليس في وسعه أن يفعل الخير. إنَّ حرِّيَّة الاختيار والأرادة سيف ذو حدَّين.

 

يجعل برديصان الخلائق خاضعة للإنسان، إلاَّ أنَّه لا ينفي كلَّ حرِّيَّة عن تلك التي نسمِّيها اليوم خلائق جامدة. فالشمس والقمر والكواكب ليست محرومة كلَّ الحرمان من الحرِّيَّة. وإذا كان ما يدلُّ على حرِّيَّة الإنسان هو أنَّه سيمثُل أمام الله الديّان، فهذه الخلائق ستمثُل هي أيضًا إلى القضاء في اليوم الأخير لأنَّها تتمتَّع ببعض الحرِّيَّة. حينئذٍ يسأل فيلبُّس برديصان: »كيف ستُدان المخلوقاتُ التي هي خاضعة لحتميَّة النظام؟« إنَّ العناصر ستُدان لا في ما هي فيه مقيَّدة، بل في ما هي فيه متمتِّعة بالحرِّيَّة. فالكائنات لا تُحرَم من كيانها عندما تكوَّن، إنَّما تتناقص قوَّتها عندما يمتزج الواحد بالآخر فتخضع لقدرة خالقها. إذًا، هي لا تُدان في الأمور التي تكون فيها خاضعة للحتميَّة، بل في تلك التي هي خاصَّة بها(27).

 

ويستنتج برديصان: الشمس والقمر والكواكب والأرض هي حرَّة، وهي أيضًا خاضعة لحتميَّة شريعة ثابتة. وبما أنَّها تتمتَّع بالحرِّيَّة، وإن جزئيَّة، فهي تخضع لدينونة الله في آخر الزمان، لأنَّه حيث لا حرِّيَّة فهناك لا ثواب ولا عقاب. وبما أنَّ الحرِّيَّة هي جوهر الكائنات كلِّها فكلُّ كائن له ذرَّة من الحرِّيَّة، أو بالحريّ العناصر الأربعة الأولى التي عرفتها الفلسفة، وهي النار، أو النور، والريح والماء والأرض، وهذه العناصر تبقى حرَّة ما زالت واحدة موحَّدة في البساطة، وهي تخسر القليل أو الكثير من حرِّيَّتها عندما يمتزج بعضها ببعض.

 

نجد هنا تفسيرًا لوجود الشرِّ في العالم كما عرفته الفلسفات الشرقيَّة: الشرُّ في التركيب والتمازج والكثرة، لأنَّه حيث تكون الكثرة يدخل العدوُّ الذي هو عالم الظلمة، دون أن يدري به أحد، وعندما يدخل إلى الكون لن يستطيع الكون أن يتخلَّص منه دون صلاة إلى الله الذي يرسل إليه المخلِّص.

 

ولكن داخل هذه النظرة إلى الكون يبقى الإنسان فريدًا من نوعه، لأنَّ حرِّيَّته تختلف عن حرِّيَّة سائر الكائنات. فحرِّيَّة الكائنات حرِّيَّة أصليَّة كانت لها عندما تكوَّنت، ثمَّ خسرت قسمًا كبيرًا منها عندما تمَّت عمليَّة المزج في العالم. أمّا حرِّيَّة الإنسان فهي حرِّيَّة الإرادة التي تجعل الإنسان فوق العوالم وتساعده على أن يفعل الخير والشرَّ كيفما أراد.

 

غير أنَّ عويدا لم يقتنع بأنَّ للإنسان إرادة حرَّة، واعتبر أنَّ الوصايا هي من الثقل بحيث يعجز الإنسان عن حملها والعمل بها. فيجيب برديصان مشدِّدًا على قوى الإنسان الجسديَّة، بل على قواه الروحيَّة التي هي قوَّة النفس. قال:

 

»أنت تجيب جواب من لا يريد أن يحسن في عمله، وجواب من يسمع لعدوِّه فيخضع له. إنَّ البشر لم يؤمروا إلاَّ بفعل ما يستطيعون فعله. والحال أنَّ هناك وصيَّتين وُضعتا أمامنا وهما تجمِّلان الحرِّيَّة وتزيِّنانها، واحدة تدفعنا إلى أن نتفرَّق عن كلِّ ما هو شرّ وعن كلِّ ما لا نريده أن يكون لنا، وثانية تدفعنا إلى أن نعمل ما هو صالح وما نحبُّ وما نرغب في أن يكون لنا. فأيُّ إنسان هو أضعف من أن يمتنع عن السرقة والكذب، وعن الفجور والزنى، وعن البغض والغشّ«؟

 

كلُّ هذه الأعمال خاضعة لروح(28) الإنسان. ليست تحت سلطة جسده، بل هو يفعلها بإرادة نفسه. وإن يكن الإنسان فقيرًا ومريضًا وشيخًا، وفاسدًا في عضو من أعضائه، فهو يستطيع أن يمتنع عن كلِّ هذه الأعمال. وكما يستطيع أن يمتنع عنها، يستطيع كذلك أن يحبَّ الآخرين ويدعو لهم بالبركة ويقول الحقَّ ويصلّي طالبًا الخير لكلِّ معارفه(29).

ج- الطبيعـة

 

عندما اعترض عويدا على أنَّ الإنسان يستطيع أن يتجنَّب الشرَّ دون أن يعمل الخير، أدخل برديصان فكرته عن طبيعة الإنسان فقال إنَّ الخير يرتبط بطبيعة الإنسان الحقَّة، لا بتلك التي تشوَّهت بفعل امتزاجها بالعالم. قال:

 

»إنَّه لأسهل علينا أن نعمل الخير من أن نتحفَّظ من الشرّ. فالخير خاصّ بالإنسان، ولأجل ذلك نراه يفرح عندما يصنع خيرًا. أمّا الشرُّ فهو عمل خاصٌّ بالعدوّ، ولهذا عندما يصنع الإنسان أعمالاً منحرفة يكون مضطربًا ولا يكون صحيحًا في كيانه«(30).

 

نلاحظ أوَّلاً أنَّ برديصان يفرِّق بين الطبع (فوسيس في السريانيَّة) والكيان والطبيعة (كينو في السريانيَّة). فكلمة الطبع تستعمَل دومًا في معنى عامّ، فيما كلمة الكيان تُستعمَل في معنى خاصّ. فالحيوانُ طبعٌ والإنسان طبع والنبات طبع، غير أنَّ طبيعة الإنسان هي غير طبيعة الحيوان، وهي ليست بمحصورة في وظائف نباتيَّة. الجسم خاضع للطبيعة، ولكن مع ذلك هناك مكان لأمور الروح، وحقل يكون فيه الإنسان حرٌّا، لأنَّ الحرِّيَّة مرتبطة بروح الإنسان.

 

إنَّ الإنسان يستطيع أن يوجِّه حياته بحرِّيَّة كاملة داخل إمكاناته التي يحدِّدها كيانه. يستطيع أن يأكل اللحم أو لا، أن يضاجع امرأة أو أن يعيش حياة عفيفة. نجد أناسًا يُشبهون الأسود المفترسة شراسة، ونجد غيرهم لا يؤذون نملة. بالإضافة إلى ذلك يستطيع الإنسان أن يغيِّر سلوكه فينتقل من الخير إلى الشرّ، والعكس بالعكس.

 

انطلاقًا من هذه الظواهر نستنتج أنَّ الإنسان لا يخطأ بسبب هذا الكيان الذي يشارك فيه كلُّ إنسان، وإن اختلف الإنسان عن الآخر. فالذين يعتبرون أنَّ الإنسان يخطأ بسبب كيانه أو طبيعته، يحمِّلون الربَّ مسؤوليَّة خطيئتهم لكي يبرِّئوا نفوسهم منها. إنَّهم لا يفهمون أنَّ الشريعة لا تطبَّق على الطبيعة، لأنَّ الإنسان وحده يعاقَب أو يبرَّر بسبب ما يفعله بإرادة حرَّة. إنَّ الشريعة لا تطبَّق إلاَّ على الحرِّيَّة(31).

 

العدوّ الذي يجرح طبيعة الإنسان الحقَّة، إذ بهذه الطبيعة (أو الكيان) يرتبط عمل ما هو قويم. مُزجت العناصر وهجم الظلام عليها فامتزج بها. لهذا يُلام الظلام على ما فعل عندما أدخل الشرَّ إلى العالم. أجل، إنَّ الظلام هو بصورة خاصَّة عنصر شرٍّ في العالم وعدوُّ سائر الكائنات، وهو يصيب الإنسان فيصبح مهيَّأ لعمل الشرّ. إنَّ الإنسان الذي يسير باستقامة يتمتَّع براحة ضمير تدوم فيه كلَّ أيّام حياته، وهو يعرف سلامًا يشبه السلام الذي عرفته الكائنات قبل أن يضع فيها الظلام بلبلته وفتنته.

 

ويعترض عويدا على كلام برديصان ويعتبر أنَّ الإنسان يخطأ بطبيعته، أي بسبب تركيبه الطبيعيّ. فكما أنَّ الأسد، وكلّ أسد، يأكل اللحم بسبب تركيبه الطبيعيّ، وكما أنَّ النعجة، وكلّ نعجة، تأكل العشب بسبب تركيبها الطبيعيّ، وكما أنَّ النحلة تجمع العسل، والنملة تخزن الحبَّ في الصيف لأيّام الشتاء، وكما أنَّ العقرب، وكلَّ عقرب، تجرح من يقترب منها بسبب تركيبها الطبيعيّ، كذلك يُولَد الإنسان وينمو ويُنجب أولادًا ويشيخ، ويأكل ويشرب وينام ويستيقظ، وأخيرًا يموت(32). هذه الأمور الخاصَّة بالإنسان يشارك فيها الحيوان: فطبيعة الحيوان هي مجموع أعماله الغرائزيَّة، وأعمالُ الإنسان هي تعبيرٌ عن طبيعته. ومجموعةُ هذه الطبائع المتنوِّعة هي عملُ الطبع الذي يعمل كلَّ شيء ويخلق كلَّ شيء ويحقِّق كلَّ شي بحسب الأمر المعطى له.

 

د- القدَر(33)

 

وطرح عويدا وفيلبُّس سؤالاً قالا فيه إنَّ الناس ينقادون بحسب ما يقضي لهم القدَر ويفرض عليهم من أعمال، وهكذا تنتفي حرِّيَّتهم وتتأثَّر طبيعتهم فتميل عن الخطِّ الذي حدَّده الله لها. قال برديصان مجيبًا:

 

»وأنا أيضًا، يا فيلبُّس وبَريَمو، أعرف أنَّ هناك أناسًا يسمَّون الكلدانيّين، وأعرف آخرين غيرهم كان فنُّ التنجيم محبَّبًا إليهم كما كان يومًا من الأيّام محبَّبًا إليّ. وقلتُ في مكان آخر إنَّ نفس الإنسان تتوق إلى معرفة ما لا يعرفه كثيرون غيرها. وهؤلاء الكلدانيّون يتوهَّمون أنَّهم يقدرون أن يحصلوا على ذلك. وكلُّ ما يفعلونه من خطأ أو صلاة، وكلُّ ما يحصل لهم من أمور في الغنى والفقر والمرض والصحَّة وفساد الجسد، إنَّ هو إلاَّ من صُنْع الكواكب المسمّاة سبعة«(34).

 

نلاحظ أوَّلاً اسم »بَريَمو« الذي يعني ابن اليمّ والبحر، وهو لقب لمرقيون الذي وُلد على شاطئ البحر الأسود فلقِّب بابن اليمّ كما لقِّب برديصان بابن ديصان، نهر مدينة الرها.

 

ونلاحظ ثانيًا أنَّ فنَّ الكلدانيّين هو فنُّ التنجيم وأنَّه تركه الآن. هذا الفنُّ الذي بدأ منذ التاريخ القديم مع السومريّين والأكاديّين والبابليّين قبل أن ينتقل إلى اليونان والرومان، لم يسلم منه أيُّ مفكِّر في الشرق أكان برديصان أم ماني أم بوسيدون أم بطليموس، دون أن نستطيع التمييز بين ما هو علم الفلك (الأسترونوميا) وما هو فنّ التنجيم (الأسترولوجيا)، بين ما هو توقُّع وتبصُّر مبنيٌّ على أُسس علميَّة وحسابيَّة، وما هو تنبُّؤ وتكهُّن يرتبط بعلم المعرفة وأساليبها المطبوعة بالسرّيَّة.

 

اتَّسم في هذا المجال فكرُ برديصان بعناصر أسترولوجيَّة وعناصر مأخوذة من الفكر المسيحيّ، وامتزج التيّاران في ما كُتب بحيث لا نستطيع أن نفصل الواحد عن الآخر. وهذا التمازج بين الأسترولوجيا والفلسفة سبق الرواقيّون وعرفوه فنظَّموا فلسفة كاملة عن الحياة والكون. كلُّ هذا عرفه برديصان، ولمّا جاء إلى المسيحيَّة مدفوعًا بنزعة فضوليَّة، دمج فلسفتَه القديمة بعناصر معرفته الجديدة.

 

ذكرنا في ما سبق شروحًا عن أمور تقع خارج إرادة الإنسان، الغنى والفقر، المرض والصحَّة، العيب في الجسم، وهذه يسبِّبها القدر المتجسِّد في الكواكب. يقول برديصان:

 

»بالنسبة إليَّ، يبدو لي، بحسب ضعفي، أنَّ هذه البدع الثلاث التي ذكرناها، فيها من الصحَّة وفيها من الخطأ. هي صحيحة لأنَّ الناس يتكلَّمون بحسب الشبه الذي يتراءى لهم، وهم يرون الأمور كما تعرض لهم. وهي خاطئة لأنَّ حكمة الله أقامت العوالم وخلقت البشر ورتَّبت المدبِّرين ووهبت للخلائق والعناصر والبشر والحيوانات، وكلُّ هذه الطغمات التي تكلَّمت عليها لم يُعطَ لها أن تتسلَّط على كلِّ شيء. فالمسلَّط على كلِّ شيء هو واحد، أمّا الباقون فهم مسلَّطون على شيء وغير مسلَّطين على شيء آخر، كما قلت، لتظهر نعمة الله في الذين أعطيَ لهم سلطان والذين لم يعطَ لهم سلطان«(35).

 

إنَّنا نجد أنَّ كلَّ سلطة في الكون ترجع في النهاية إلى الله، وأنَّ الله يفوِّض سلطته بالتسلسل، فيكون لبعض الخلائق سلطان على البعض الآخر. هذه السلطة تنحدر من أعلى إلى أسفل، وتبقى هكذا سلطة الله هي التي تعمُّ الكون بطريقة مباشرة أو غير مباشرة عبر ما تعطيه لبعض الخلائق من سلطان. أجل، إنَّ كلمة الله بسلطتها الخلاّقة قسمت هذه السلطة، ولكن داخل حدود. وهذا يعني أنَّ عناصر الكون، ومنها الإنسان، هي حرَّة من جهة وغير حرَّة من جهة ثانية، لها سلطان على أشياء وليس لها على غيرها. إنَّ امتلاك السلطة هو نتيجة الحرِّيَّة الآتية من الله.

 

قرأنا في النصِّ الذي أوردناه كلمتين لهما مدلولهما في عالم فنِّ التنجيم: المتسلِّط (شليطفو في السريانيَّة) والمدبِّر (مدبرنو في السريانيَّة). يستعمل الكاتب الكلمتين بصيغة الجمع ليدلَّ على الكواكب التي تتمتَّع بسلطان على عالم الأرض، وعلى النجوم التي بظهورها ومكانتها في السماء تدبِّر حياة البشر وتسوسهم وترشدهم وتنير لهم الطريق. أمّا السبعة فهي الكواكب الخمسة مع الشمس والقمر. وأمّا العناصر فهي الأرض والبحار. إنَّ سلطة الكواكب والقدَر تبدأ حيث تنتهي سلطة الإنسان ومدى حرِّيَّته.

 

هنا يبيِّن برديصان كيف أنَّ القدَر الذي يمثِّل سلطة أبراج السماء على الأرض، يدبِّر أمور الإنسان في مجال لا سلطة للإنسان عليه. نودُّ كلُّنا أن نتمتَّع بالغنى والصحَّة والسلطة، ولكنَّ الغنى والصحَّة والسلطة ليست ملك الجميع، إنَّ هي إلاَّ مُلك الأقلِّيَّة الضئيلة. أولادُنا يُفرحوننا أو يؤلموننا، بعضنا يحصل على أكثر ممّا يتمنّى ويحصل بعضنا الآخر على ما لا يريد، تصيبنا الأحداث فنقبلها أو لا نقبل، ومن الواضح أنَّ لا سلطة لنا عليها. هذا هو حظُّنا من القدَر، ويُنهي برديصان كلامه فيقابل بين القدَر والطبيعة وبين دور كلٍّ منهما فيقول:

 

»نتكلَّم الآن فنعطي برهانًا على القدَر: ليس له سلطان على كلِّ شيء، لأنَّه، وهو المدعوُّ قدرًا، ليس إلاَّ ترتيب المسيرة التي وهبها الله للمسلَّطين (أي الكواكب والشمس والقمر) والعناصر (أي الأرض والبحر). وبحسب هذه المسيرة وهذا النظام، تتغيَّر الأرواح من حالة إلى أخرى بانحدارها إلى النفس، وتتغيَّر الأنفس من حالة إلى أخرى بانحدارها إلى الأجساد. وهذا التغيُّر هو ما يسمَّى القدَر والطالع(36). إنَّ هذا التجمُّع يُغربَل ليكون في عون من ساعده الله وسوف يساعده بحنانه ونعمته إلى نهاية كلِّ شيء. ينقاد الجسد بحسب الطبيعة، بينما تتألَّم النفس وتشعر معه، غير أنَّ القدَر لا يضايق الجسد ولا يعينه في كلِّ أمر فرد يقوم به. فالرجل لا يكون أبًا قبل الخامسة عشرة من عمره، ولا تكون الإمرأة أمٌّا قبل الثالثة عشرة. وكما أنَّ لبداية الإنجاب ناموسًا، كذلك لنهاية الإنجاب في الشيخوخة ناموس، فتُحرم النساء من الحبَل ويخسر الرجال قوَّة الإنجاب الطبيعيَّة… ولا يستطيع القدَر أن يعطيهم أولادًا في وقت لم يعد للجسد فيه قدرة طبيعيَّة على الإنجاب، كما لا يستطيع القدَر أن يحفظ جسد الإنسان من الموت إن هو لم يأكل ولم يشرب، ولا يستطيع أن يجعله لا يموت إن هو أكل أو شرب. هذه الأمور وكثير غيرها هي خاصَّة الطبيعة.

 

»ولكن عندما تكتمل الأزمنة وأنواع الطبيعة، حينئذٍ يأتي القدَر… فيساعد الطبيعة مرَّة… ويحرمها مساعدته مرَّة أخرى…«(37).

 

بالنسبة إلى الطبيعة، كلُّ البشر ينقادون بالتساوي؛ أمّا بالنسبة إلى القدَر فبطريقة مختلفة؛ وأمّا بحرِّيَّتنا فكما يريد كلُّ واحد منّا. فالطبيعة تقف عند مستوى وظائف الحياة النباتيَّة، والقدَر على مستوى الأحداث الخارجة عن سلطتنا، والحرِّيَّة عند مستوى الآداب والأخلاق حيث الشرائع والنواميس تعلِّم الإنسان أن يكون سيِّد نفسه.

 

من الضروريّ أن نبيِّن أن ليس للقدَر سلطان على كلِّ شيء، فهو ليس إلاَّ نظامًا لمسيرة الكون كما حدَّدها الله، وهو هنا ليساعد مَن يريد المساعدة. فالقدَر وضعه الله وجعله مسيرة ثابتة ترسمها الكواكب في كلِّ الفلك. ولهذا فكلُّ قوَّته تأتيه من الله، وهي تؤهِّله ليؤثِّر على الأرواح والأنفس النازلة عبر دائرة (أو حلقة. راجع الكلمة السريانيَّة »حلقو« التي تعني القدَر) الكواكب المختلفة إلى جسم الإنسان. عندما تنزل روح الإنسان ونفسه إلى جسمه في وقت الولادة، تحدِّد مجموعة أفلاك السماء حينئذٍ مصير حياته في ما بعد: أيكون غنيٌّا أم فقيرًا؟ أيكون له المرض أم الصحَّة؟

 

هـ – الإنسان

 

انطلاقًا من كلِّ ما قلناه، يمكننا أن ننظر إلى الإنسان كما يتصوَّره برديصان. الإنسان مركَّب من الروح والنفس والجسد. لا يستعمل برديصان كلمة »روحو« السريانيَّة ليعبِّر عن عنصر الروح، مع أنَّ الكلمة مشتركة بين اللغات الساميَّة (ونقرأها في الكتب المقدَّسة). والسبب في ذلك هو، ولا شكَّ، أنَّ كلمة »روحو« السريانيَّة تعني الروح والريح، والريح هي أحد العناصر الأربعة الأولى، التي هي من عالم الأرض، بينما روح الإنسان هي من عالم السماء. فهو إذًا يستعمل كلمة »مدعوّ«(38) التي تدلُّ على العِلم والمعرفة والعقل، وهذا ما يجعلنا قريبين من التيّار الغنوصيّ الذي يجعل خلاص الإنسان في العِلم والمعرفة(39). أمّا النفس فهي صلة الوصل بين عالم الأرض وعالم السماء. فإذا كانت الروح تعرف الأمور تكون أداة الإحساس والإدراك البشريّ. وهكذا نستطيع القول، في خطِّ فكر برديصان، إنَّ الروح هي عالم الحرِّيَّة، والنفس عالم القدَر، والجسد هو عالم الطبيعة.

 

إنَّ هذه الثلاثيَّة التي نقرأها في برديصان تلتقي وما نعرفه عن ثلاثيَّة اليونان (Trichonomie). فكلمة nouV اليونانيَّة تقابل »مدعوّ« (أو »رعينو«) السريانيَّة التي ترجمناها بكلمة الروح، وكلمة yuch اليونانيَّة تقابل في السريانيَّة »نفشو« أو النفس، وكلمة »swma« ومعناها الجسد، تقابل السريانيَّة »فغرو«.

 

إنَّ الفكر اليونانيّ عرف منذ القديم أن يميِّز بين معطيات الكون إجمالاً. فهناك nouV، أي العقل والروح، الذي يقف بعيدًا عن عناصر الكون والذي هو نقيٌّ بحيث لا يعرف أيَّ تركيب؛ جاء إلى العالم فجعل النظامَ حيث كانت الفوضى مسيطرة على عناصره؛ وسوف يشدِّد أفلاطون على خلود الروح وعلى معرفتها المثُل لأنَّها من عالمها(40). ثمَّ إنَّ هناك النفس(41)، وتعني الحياة التي تترك الحيَّ عند موته عبر الفم أو عبر جرح من جروحه(42). وهناك الجسد الذي هو بالنسبة إلى الإنسان »سجن« أو »قبر«. فنستطيع القول بأنَّ الإنسان يملك جسمًا، أو بأنَّ النفس هي صورة الجسد الجوهريَّة.

 

ونعود إلى نظرة برديصان فنرى أنَّ الروح تأتي مباشرة من الله الذي أعطى الإنسان الحرِّيَّة. وهكذا ترتبط الحرِّيَّة بروح الإنسان. أمّا الحدود الموضوعة للحرِّيَّة فتأتيه من القدَر المتجسِّد في حلقة النجوم والكواكب. وأمّا النفس فترتبط بالقدَر الذي يحدِّد حظوظ الإنسان. وأمّا البنية الطبيعيَّة فهي خاصَّة بالجسد. وهكذا تجتمع، من جهة، الروح والنفس والجسد، وتجتمع، من جهة أخرى، الحرِّيَّة والقدَر والطبيعة. في داخل الجسم البشريّ تشكِّل النفس والروح وحدة متماسكة، وتنزلان سويَّة عبر حلقة الكواكب، فتُحدِّد مسيرة الإنسان، وفي الوقت ذاته تتمسَّك الروح بالحرِّيَّة المعطاة لها من الله.

 

كلٌّ من البنية الطبيعيَّة والقدَر والحرِّيَّة له حقله الخاصّ، وحيث يتوقَّف تأثيرُ الواحد يبدأ تأثير الآخر. فقدرة الإنسان على الإنجاب مثلاً ترتبط ببنيته الطبيعيَّة، ولكن عندما تنتفي هذه القدرة، فالقدَر نفسه لا يستطيع أن يفعل شيئًا ليساعده على الإنجاب. لا يستطيع الإنسان أن يعيش من دون طعام، وهذا أمر يتعلَّق بالبنية الطبيعيَّة، والقدَر أيضًا لا يستطيع أن يحفظ الإنسان على قيد الحياة من دون طعام.

 

هناك ظروف نرى فيها القدَر يتدخَّل فيُعين الطبيعة أو يعارضها. لا يعطي برديصان أمثلة عن قدرة القدَر على مساعدة الطبيعة، بل يذكر أمثلة عن إمكان معاكسة القدَر للطبيعة: فالقدَر يلعب دوره أمام صعوبات الزواج، ويكون سبب موت طفل في عمر مبكِّر أو تكوينه تكوينًا معاهًا. ولولا القدَر لما كان المرض والجفاف، ولولاه لما انقلب النظام الاجتماعيّ رأسًا على عقب فسيطر الصغار على الكبار والجهّال على العقلاء.

 

ويلقي برديصان كلامه بلهجة تأكيديَّة فيقول: »أعرف معرفة صريحة أنَّ كلَّ مرَّة تفسد الطبيعة فتبتعد عن استقامتها، ففسادُها سبَبُه القدَر«(43). من هذا الكلام وغيره نستنتج أنَّ في الطبيعة بعض الاستقامة، وأنَّ بنية الإنسان الطبيعيَّة هي طبيعته الحقَّة، وهي الشكل المثاليّ لوجوده البشريّ. غير أنَّ القدَر يؤثِّر في الطبيعة شرٌّا أو خيرًا. فالصدق والاستقامة عند الإنسان يعنيان الحياة بحسب الطبيعة، كما يقول الرواقيّون؛ وعندما تنتفيان من الإنسان، قُلْ هو القدَر، هي الحرِّيَّة.

 

النقاوةُ في الإنسان أمرٌ أوَّليّ، غير أنَّه ككلِّ الكائنات لا يحافظ على نقاوته الأولى وطبيعته الحقَّة، لأنَّه مبنيٌّ من عناصر امتزجت بالظلمة فخسرت بعضًا من طبيعتها. وبما أنَّ الظلمة تشكِّل جزءًا من الإنسان، لم يعد الإنسان يتمتَّع بطبيعته الصحيحة السليمة كما أُعطيت له، وهذا ما يجعلنا قريبين من المانويَّة(44).

 

أجل، إنَّ القدَر يستطيع أن يضع البلبلة في الطبيعة، ولكنَّ الحرِّيَّة أقوى من القدَر، إن لم يكن في كلِّ شيء، فأقلَّه في أمور محدَّدة. يقول برديصان:

 

»وكما رأينا أنَّ القدَر يسحق الطبيعة، هكذا نستطيع أن نرى حرِّيَّة الإنسان ترمي القدَر أرضًا وتسحقه. هي لا تسحقه في كلِّ شيء، كما أنَّه هو لا يسحق الطبيعة في كلِّ شيء. فيجدر بهذه الثلاثة، أي الطبيعة والقدَر والحرِّيَّة، أن يحافظ كلُّ واحد منها على طريقته الخاصَّة بالحياة، إلى أن تتمَّ المسيرة«(45).

 

وتبقى المسألة الأخيرة: إذا كانت بنيةُ الإنسان الطبيعيَّة لا تدفعه أصلاً إلى أن يخطأ، فهل يكون للقدَر أن يحدوه على عمل السوء؟ لا، يقول برديصان، لأنَّ للإنسان حرِّيَّة الإرادة التي تدفع طبيعته إلى الاقتراب من الخير والحذر من الشرّ. وهكذا تبدو طبيعة الإنسان مرتبطة بطريقة غير مباشرة بعالم الأخلاق. أجل، إنَّ الطبيعة، بما فيها من طبيعة محض، تتوجَّه دومًا شطر الخير فلا يبلبلها القدَر أو يُفسدها. وسوف يبيِّن أنَّ القدَر لا يؤثِّر في أعمال الإنسان الأخلاقيَّة أو الاأخلاقيَّة، فينطلق في عمليَّة تقصٍّ واسعة في شرائع البلدان المختلفة.

 

إنَّ قرار القدَر لا يدفع كلَّ إنسان إلى أن يعمل بالشكل ذاته. ومن هنا يستنتج برديصان أنَّ الإنسان لا يخطأ بسبب قدَره المتجسِّد في مجموعة النجوم ساعة ولادته(46). بما أنَّ الناس في البلد الواحد وُلدوا تحت مجموعة نجوم متنوِّعة، وبما أنَّهم يعملون بشرائع ونواميس واحدة رتَّبوها ونظَّموها، فهذا يعني أنَّ حرِّيَّة الإنسان أقوى من القدَر وتأثيرِ الكواكب. وهكذا نقول إنَّ القدَر لا يحدِّد سلوك الإنسان، وإنَّ الإنسان لا يخطأ بسبب تأثير القدَر. إنَّ ما يحدِّد سلوك الإنسان هو الحرِّيَّة، وإنَّ الإنسان يستطيع، مهما كانت الظروف، أن يوجِّه حياته شطر الخير أو شطر الشرّ، وهو عندما يخطأ يفعل ذلك لا مدفوعًا بالقدَر والقضاء، بل بحرِّيَّة الإرادة والاختيار.

 

الخاتمة

 

تلك بعض لمحات سريعة عن برديصان الرهاويّ، عن حياته التي امتزج فيها الواقع بالأسطورة، وعن فكره الذي اتَّخذ منحى جديدًا لم يكن لأحد أن يتوقَّعه. كتب كتابه عن القدَر ولجأ إلى أمثلة مأخوذة من شرائع البلدان ليدلَّ على أنَّ الحرِّيَّة هي أسمى ما في الإنسان، ففهم الناس من بعده أنَّ كتابه نفي للحرِّيَّة وبرهان على وجود القدَر. غريب أمر هذا الرجل الذي أثَّر فكره في ماني وتلاميذه وأفرام ومدرسته، وظلَّ الناس يتحدَّثون عنه أجيالاً بعد موته. أما يستحقُّ أن نخصَّه بدراسة وافية تبيِّن حضوره في عالم الشرق وتُظهر كيف انتقل فكره إلى الفلسفة المسيحيَّة والإسلاميَّة، فدرسه السريان واليونان والعرب وأعطونا نواحي مختلفة عن رجل يمثِّل الكثير من تراثنا الفكريّ؟

 

(1) W. CURETON, Spicilegium syriacum containing remains of Bardesane, Meliton, Ambrose and Mara bar Serapion, ed. With English transl, and notes, London, 1855

 

(2) عن سيرة برديصان، راجع: B. ALTANER, Précis de Patrologie, Paris, 1961, p. 139; G. BARDY, Bardésane, les bardésanites, dans DHGE, VI, col 765-769; Catholicisme, I, col. 1245-1247, Paris, 1948; F. CAYRE, Précis de Patrologie, Paris, 1927, pp. 365-366; F. NAU, Bardésane… dans DTC, II (1923), col 291-401; J. QUASTEN, Initiation aux Pères de l’Eglise, vol I, pp. 300-302, Paris, 1955; H.J.W. DRIHVERS, Bardaisn of Edessa,Assen 1966.

 

– ألبير أبونا، أدب اللغة الآراميَّة، بيروت، 1970، ص 58-66.

 

– كامل مراد ومحمَّد البكري، تاريخ الأدب السريانيّ من نشأته إلى الفتح الإسلاميّ، مصر، 1949، ص 57-65.

 

– البطريرك أفرام برصوم، اللؤلؤ المنثور، حلب، 1956، ص 240.

 

(3) الرها واسمها الحالي أورفا. أمّا اليونان والرومان فلقّبوها بأوذيسا بسبب غزارة مياهها، بعدما سمّاها سلوقس الأوَّل على اسم مدينة في مقدونية. R. JANIN, dans DHGE, XVI (1960), col. 1420-1421; G. BARDY, Edesse, dans : Catholicisme, III (1952), col. 1331-1334; J.B. SEGAL, Edesse, the Blessed City, Oxford, 1970

 

(4) اسمه الكامل: سكستوس يوليوس أفريكانوس (+ 240). رافق سبتيموس ساويروس، الإمبراطور الرومانيّ (193-211) إلى الرها سنة 195، وهناك شاهد برديصان ولقَّبه بالفراتيّ. ويسمّي المدينة الرها الفراتيَّة (راجع: QUASTEN, op.cit., vol. II, pp. 165-166

 

(5) يقول أبيركيوس عن نفسه إنَّه خلال سفره الطويل إلى المشرق عبَرَ الفراتَ وزار الرها وسائر كنائس بلاد الرافدين حيث عمل بنجاح ضدَّ المرقيونيّين والتقى ببعثة من المسيحيّين على رأسها برديصان المشهور بأصله وغناه.

 

Th. NISSEN, Die Petrusakten und ein bardesanistischer Dialog, dans der Aberkiosvita, II, ZNW, 9 (1908), pp. 315-328 et surtout p. 328; H. GREGOIRE, Bardésane et S. Abercius, dans Byzantion, T. 25-27 (1955-1957), pp. 363-368.

 

(6) Voir EUSèBE DE CéSARéE, Histoire Ecclésiastique, IV, 30.

 

(7) Voir JéROME, Adv. Jov. 2, 14; P.L. XXIII, col. 317 et De Viris illustribus, XXXIII

 

(8) بالنسبة إلى سنة ولادته وسنة وفاته، راجع مخائيل السريانيّ: J. B. CHABOT, Paris, 1900-1901, en 4 volumes, vol. I, p. 109-111; P.O., XIII, P. 255-256, Paris, 1916

 

(9) SOZOMENE, P.G., LXVII, col. 953-1630, et le corpus de Berlin, J. BIDEZ, Sozomenus Kirchengeschichte, GCS, 50, Berlin, 1960

 

(10) راجع أناشيد أفرام ضدَّ المبدعين، 1/9-18؛ 2/1؛ 3/7-8. ببرديصان طارت ضلالة اليونان، فعلَّم أنَّ الربَّ خلق كلَّ شيء وأتقن كلَّ شيء. ثمَّ بماني تسلَّط الكذب الآتي من بلاد الهند، فأدخل قوَّتين تحارباننا. ثمَّ ذكر مرقيون ثلاثة أصول. وهكذا كثَّروا عدد الآلهة ليكونوا بدون إله (3/7).

 

(11) يقول ربّولا هذا الكلام عندما كتب سيرة حياته. راجع: J. J. OVERBECK, S. Ephraemi Syri, R. Balaei aliorumque opera selecta, Oxonii 1865, pp. 159-209. Pour la traduction française, voir F. NAU, dans: Revue histoire des Religions, 103 (1931), pp. 97-135.

 

(12) كتب يعقوب اثنتي عشرة رسالة إلى العموديّ يوحنّان مجيبًا إلى سؤال عن أصول مختلفة.

 

يذكر يعقوب ولنتين ومرقيون دون أن يتحدَّث عن علاقتهما ببرديصان.

 

(13) ابن النديم، الفهرست، الطبعة الألمانيَّة (Z.D.N.6)، سنة 1859، الجزء الثالث عشر، ص 642.

 

راجع أيضًا المسعوديّ، كتاب التنبيه والإشراف، طبعة لايدن، سنة 1898، ص 101.

 

وابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، القاهرة، 1317/1899، الجزء الأوَّل، ص 35-36.

 

(14) Philosophoumena ou Réfutation de toutes les heresies (VII, 31, 1). Voir, P. WENDLAND, Hippolytus Werke, 3o Band, Refutatio omnium haeresium, GCS, 26, Leipzig, 1916. Trad. frse. A. SIOUVILLE, Philosophoumena ou Réfutation… trad. et notes (coll. Les texts du Christianisme), Paris, 1928.

 

(15) راجع: Mani seine Lehre und seine Schrift aus dem Fihrist… Von G. Flügel, Leipzig, 1862, pp. 161-162

 

(16) اكتشفت في مخطوطة سريانيَّة سنة 1905 وهي تتكوَّن من أربعين موشَّحًا. راجع ترجمة جورج صابر، بيروت، 1973. لا يمكن الموشَّحات أن تكون من وضع برديصان، فهي تتحدَّث عن حياة شظف وتقشُّف، بينما عرف برديصان الأرستقراطيّ أن يفيد من مباهج الحياة، راجع: , pp. 183ss.op. cit. QUASTEN,

 

A.F. J. KLIJN, The Acts of Thomas, Suppl. Nov. Test. V, Leiden, 1962(17)

 

ترجمت هذه الأعمال إلى اليونانيَّة والأرمنيَّة والحبشيَّة واللاتينيَّة. يبدو أنَّ كاتب هذا الكتاب هو من شيعة البرديصانيّين. راجع: pp. 158-160 op. cit, QUASTEN,

 

(18) أسقف سرديس في ليدية (تركيّا اليوم). عاش في القرن الثاني والَّف كتبًا لم يبقَ لنا منها إلاَّ بضعة مقاطع قصيرة مبعثرة في بطون الكتب. نُسب إليه دفاع عن الدين المسيحيّ في السريانيَّة. راجع: , pp. 273-281.op. cit QUASTEN,

 

(19) ترجم كتاب شرائع البلدان إلى اللغات الأوروبّيَّة المتعدِّدة.

 

H.J.W. DRIJVERS, The Book of the Laws of Countries, Dialogue onFate of Bardesane of Edesse, Assen, 1965.

 

  1. NAU, Bardésane l’Astrologue, le Livre des Lois des Pays. Texte syriaque et trad. frse., Paris, 1899; G. LEVI DELLA VIDA, Bardesane. Il dialogo delle Leggi dei Paesi, Roma, 1921; H. WIESMANN, Die Schrift über die Gesetze der LنnderJahre Stella Matutina Feldkirche, 1931, pp. 553-572.

 

(20) EUSEBIUS, Preparatio Evangelica, GCS, 43, 1, Berlin, 1954; EPIPHANE,

 

Panarion, Bd II, GCS, 31, Leipsig, 1922.

 

(21) شرائع، 1. نورد النصَّ بناء على المرجع السريانيّ كما حقَّق فيه وترجمه إلى اللاتينيَّة F. NAU, Patrologia Syriaca, pars prima, tomus secundus, col. 536-611, Paris, 1907

 

مقابلة بين ما هو جهل وحماقة وإثم وخطأ (سكلو في السريانيَّة)، وما هو طيِّب (طوب في السريانيَّة) وجيِّد وحسن.

 

(22) شرائع، 5. الإيمان والاقتناع. الأوَّل يستند إلى الوحي والثاني إلى العقل (رعينو في السريانيَّة).

 

(23) راجع: E. C. BLACKMANN, Marcion and his influence, London, 1949; A. VON HARNACK, Marcion, Das Evangelium von fremden Gott, Darmstadt, 1960, p. 93-102.

 

(24) العبارة المعروفة عند الرواقيّين: ما يوافق الطبيعة (jusin atak في اليونانيَّة) وما يعارض الطبيعة. راجع:

 

  1. BRéHIER, Histoire de la Philosophie, t. I : L’Antiquité et le Moyen Age, Fasc 2, période hellénistique et romaine, Paris, 1967, p. 284ss; G. FURLANI, “Sur le Stoïcisme de Bardésane d’Edesse”, Archiv. Orient., IX (1937), pp. 347-352

 

(25) راجع: أبيكتات، المقالات. المقالة الثانية 14: 7؛ المقالة الثالثة 26: 35.

 

(26) شرائع، 6-7. لأنَّ الكثيرين لا إيمان لهم فإنَّهم لا يستطيعون أن يقتنعوا، فيهدمون في كلِّ وقت ويبنون.

 

(27) شرائع، 10. نحن هنا أمام نظرة شرقيَّة انتقلت إلى عالم اليونان، وهي تعتبر أنَّ البساطة كمال وأنَّ التركيب نقص. عندما تمتزج الكائنات البسيطة تتدخَّل الظلمة ويمتلئ العالمُ شرٌّا.

 

(28) الروح تترجم لا الكلمة السريانيَّة روحو بل رعينو التي تقابلها في اليونانيَّة كلمة »nouV« والتي تعني العقل والفكر والروح وهي قمَّة الإنسان.

 

(29) شرائع، 10-11. الكلمة الأساسيَّة »اشكح « في السريانيَّة، وهي تعني استطاع، قدر على الشيء وأطاقه. نحن أمام حرِّيَّة الإرادة والاختيار: أن تقدر أن تفعل الخير أو الشرّ، أن لا تقدر أن تفعل الخير أو الشرّ.

 

(30) شرائع، 14. ترجمنا الكلمة السريانيَّة »كيونو« بالعربيَّة »كيان« أو الطبيعة والخليقة، وسوف نترجم كلمة »فوسيس « السريانيَّة (راجع: jusiV اليونانيَّة وتعني nature, manière d’être بالطبع. راجع: A. W. KLIJN, The Word k’jan in Aphraates, Vigiliae christianae, 12 (1958), pp. 57-67

 

(31) شرائع، 16-17. أين هي طبيعة الإنسان، والبشر يتميَّزون الواحد عن الآخر بأعمالهم ورغباتهم؟…

 

(32) شرائع، 15. كلُّ حيوان يتصرَّف محافظًا على طبيعته الخاصَّة به، وكذلك الإنسان.

 

(33) القدَر ترجمة للكلمة السريانيَّة »حلقو«، والفعل منها يعني وزَّع الشيء وفرَّقه. هناك كلمتان يونانيَّتان الأولى moira وتعني القدَر المشخصن، والثانية Eimarmenh وتعني النصيب كما يحدِّده القدَر.

 

(34) شرائع، 18. هذا رأي، ويقابله رأي آخر يقول إنَّ القدر غير موجود وهو اسم فارغ.

 

(35) شرائع، 19.

 

(36) الطالع يترجم السريانيَّة »بيت يلدو«، وهو ما يتفاءل به من السعد أو النحس بطلوع الكواكب عند ولادة الولد.

 

(37) شرائع، 20-21. هناك ابتعاد عن المعنى الحرفيّ للنصّ، وهو موجز جدٌّا، ليسهل فهمه.

 

(38) يستعمل برديصان أيضًا كلمة »رعيونو« وهي مرادفة لكلمة »مدعوّ« وهي تعني الرأي والضمير والعقل، والفكر والنيَّة.

 

(39) راجع كلمة gnwsiV في اليونانيَّة. E. BUONAIUT, Le gnosticisme, Roma, 1907; E. DE FAYE, Gnostiques et gnosticisme, Paris, 1913; H. LIESEGANG, Die Gnosis, Stuttgart, 1955.

 

(40) راجع: vol. Encyclopaedia Universalis, S. PETREMENT, Dualisme, dans:

 

V, col 826.

 

(41) النفس: animus. راجع anima في اللاتينيَّة، وتعني الريح والنفس. ثمَّ جاءت كلمة qumoV، وهي ترتبط بالدم وتدلُّ على الهوى والإرادة والروح، وكلمة yuch التي تدلُّ على الحياة وترتبط بفعل التنفُّس وتذكِّرنا بالنفَس المنعش عندما يتنفَّس الكائن الحيّ. إنَّه من المدهش أن نجد ما قرأناه عند اليونان حاضرًا في اللغة العربيَّة حيث النفْس (بتسكين الفاء) تعني الروح والدم، وحيث النفَس (بفتح الفاء) تعني نسيم الهواء والريح الذي يدخل ويخرج من فم الحيّ!

 

(42) , I, col 841ss.Ency. Universalis H.D. SAFFREY, L’âme, dans:

 

(43) شرائع، 21.

 

(44) راجع: H.C. PUECH, Le Manichéisme, Paris, 1949, pp. 74ss; G. .

 

; G. WIDENGREN, Mani und der Manichism, Stuttgart, 1961, pp. 48ss.

 

(45) شرائع، 22. هنا يذكر برديصان المدَّة اللازمة لكي تتمَّ هذه المسيرة: ستَّة آلاف سنة. هذه الفكرة توسَّع فيها جاورجيوس، أسقف العرب، مبيِّنًا كيف حسب برديصان هذه الستَّة آلاف سنة، منطلقًا من الفترة التي يحتاج إليها كلُّ كوكب لكي يكمل مسرته. راجع: F. NAU, Journal Asiatique, 1901, pp. 209-215; T. JANSMA, L’Hexaméron de Jacques de Sarough, dans L’Orient Syrien, IV (1959) 26ss et 277ss.

 

(36) شرائع، 23-24. قال عويدا: الإنسان لا يخطأ بسبب طبيعته. هذا ما اقتنعتُ به من برهانك أنَّ كلَّ الناس لا يتصرَّفون بطريقة مماثلة. فإن كان لك أن تبرهن لنا أنَّ الذين يخطأون لا يخطأون بسبب القدَر (حلقو في السريانيَّة) والقضاء (فوسقو في السريانيَّة)، فحينئذٍ يجب أن نعتقد بأنَّ للإنسان حرِّيَّة خاصَّة به وأنَّه بطبيعته يتقرَّب إلى الخير ويحذر الشرّ، ولأجل ذلك هو يُدان بعدل في اليوم الأخير.

 

لا بدَّ من التنويه بالنظرة السامية القديمة التي نقرأ شكلاً من أشكالها في الكتاب المقدَّس. في هذا الإطار يبدو الإنسان مكوَّنًا من ثلاثة عناصر: النفس ( )، بثر (اللحم والجسم. راجع »بشر« في العربيَّة) والروح . فالنفس تعني الحلق، وجهة التنفُّس، وتدلُّ كذلك على كلِّ شهوة ورغبة، وأيضًا على »الأنا«؛ »نفش« هي الشخص. أمّا »بثر « فهي التعبير الملموس عن النفس، أي القلب والكلى والكبد، يعني الجسم كمعبّر عن عواطف النفس. غير أنَّ ما يضمن وجود المركَّب »نفش- بثر ) هو الروح الذي انتقل إلى الإنسان من الله عندما نفخ فيه نسمة الحياة (تك 2: 3). فالروح هو ما يربط الإنسان بالله، هو حضور الله في الإنسان.

 

برديصان الرهاوي ف3 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

أخبار ادم في الأسفار المنحولة ف2 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

أخبار ادم في الأسفار المنحولة ف2 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

أخبار ادم في الأسفار المنحولة ف2 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

 

 

الفصل الثاني

أخبار آدم في الأسفار المنحولة وكتاب »مغارة كنوز«(*)

 

آدم هو أبو الجنس البشريّ ولهذا احتلَّ مكانة خاصَّة في التقاليد اليهوديَّة. فتحدَّث عنه الرابينيون (أي المعلِّمون) منذ زمن بعيد. لم يستطع الخبر الكتابيّ أن يرضي حشريَّتهم فصار نقطة انطلاق لروايات متنوِّعة جاءت تنسج إطارًا حول الصفحات الأولى من سفر التكوين. بدأت عمليَّة التجميل هذه في القرون الأولى (ق.م.) وهذا ما نلاحظه في أسفار اليوبيلات وأخنوخ السلافيّ وعزرا الرابع ورؤيا باروك السريانيَّة وفي كتب فيلون الإسكندرانيّ والمؤرِّخ اليهوديّ يوسيفس.

 

سنذكر في مقالنا بعض الأسفار المنحولة حول آدم ونتوقَّف بصورة خاصَّة على مغارة الكنوز فنتعرَّف إلى تقاليد قديمة علقت بتصوُّراتنا وردَّدها الآباء والوعّاظ في كتبهم وتآليفهم.

 

1- أسفار آدم المنحولة

 

أ- حياة آدم وحوّاء ورؤيا موسى

 

وصلت إلينا حياة آدم وحوّاء في اللاتينيَّة. أمّا رؤيا موسى فوصلت إلينا في اليونانيَّة وعنوانها: خبر حياة آدم وحوّاء كما كشفها الله لعبده موسى وعلَّمه إيّاها ميخائيل رئيس الملائكة. وها نحن نقرأ الكلمات الأولى: »إليك خبر آدم وحوّاء بعد خروجهما من الفردوس«. وبعد هذا لن يذكر اسم موسى لأنَّ الخبر يتعلَّق بآدم وحوّاء. هناك نسخة في السلافيَّة اسمها: حياة آدم وحوّاء، ونسخة في الأرمنيَّة.

 

حين طُرد آدم وحوّاء من جنَّة عدن جاعا فطلبا الطعام في كلِّ مكان. وإذ لم يجدا طعامًا شبيهًا بما ذاقاه في الفردوس عزما على التوبة: فغاصت حوّاء حتّى الرقبة في مياه دجلة مدَّة 37 يومًا، وآدم في مياه الأردنِّ مدَّة 40 يومًا، وهما يرجوان الحصول على عفو الله. ولكن بعد 18 يومًا تحوَّل الشيطان، إلى ملاك نور وظهر أمام حوّاء وأعلن لها أنَّ الله غفر لها خطيئتها، وجاء بها إلى آدم الذي عرف حالاً الكذبة التي كانت رفيقتُه ضحيَّتها. وبَّخ آدم وحواء الشيطان فأجاب أنَّه سقط بسبب الإنسان: رفض أن ينحني أمامه، ولهذا فهو يُضمر له حقدًا شديدًا.

 

وتروي حياة آدم بعد هذا مولد قايين وهابيل وموت هابيل قتلاً بيد أخيه، وتتحدَّث عن مولد شيت ونبوءة آدم عليه، عن مرض آدم وسفَر شيت إلى الفردوس ليطلب زيت الرحمة (ولكن بلا جدوى)، عن موت آدم ودفنه، وعن موت حوّاء.

 

تشدِّد حياة آدم على سموِّ آدم. فقد كان قبل السقطة أرفع من الملائكة. ولهذا، بأمر من الله، كان الملاك ميخائيل أوَّل من انحنى أمام آدم الذي هو صورة الربِّ الإله (تك 1: 26). ونشير إلى أنَّ خطيئة الشيطان هي في أنَّه رفض أن ينحني أمام آدم. نلاحظ أنَّ هذا التقليد اليهوديّ عن خطيئة الشيطان انتقل إلى العالم الإسلاميّ. وهناك موضوع الطعام العجيب. بعد أن طُرد آدم وحوّاء من الفردوس، طلبا الطعام بعد أن حُرما من ذلك الذي حصلا عليه بلا تعب ومشقَّة. أمّا الآن فسيحصلان على طعام يشبه طعام الحيوانات بالتعب وعرق الجبين (تك 3: 17-19). فما هو هذا الطعام الفردوسيّ الذي يختلف عن الطعام المعطى للحيوانات والبهائم؟ يقول النصّ: »في ليالي الخلق كوَّن الله المنَّ العجيب واستطاع آدم أن ينعم به قبل السقطة. حُفظ المنُّ في أهراء السماء والربُّ يُنزله ساعة يشاء كما فعل مع شعبه« (خر 16: 4ي).

 

وتتحدَّث رؤيا موسى عن شجرة الحياة والمسحة بالزيت. شجرة الحياة أهمُّ من شجرة المعرفة. وحين مرض آدم، أرسل حوَّاء مع ابنه شيت إلى الفردوس ليجلبا زيت الشفاء الذي يسيل من شجرة الحياة. ولكنَّ هذه الشجرة ترتبط بنهاية الأزمنة ولهذا لم يُعطَ زيتُها لآدم الذي يجب أن يموت. فعلى الإنسان أن ينتظر نهاية الزمن ليحصل على الحياة.

 

وتتحدَّث أيضًا عن القلب الشرّير والقلب الذي تعلَّم الخير. نجد أساس هذا الموضوع في أقوال إرميا (31: 31-34) وحزقيال (36: 25-27) اللذين شدَّدا على تجديد الإنسان وخلقه مرَّة ثانية. وهذا ما تقوله رؤيا موسى: إنَّ القيامة التي يُعلن عنها الملاك، هي خلق ثانٍ للمختارين الذين يحصلون على قلب جديد عوض القلب الشرّير. بعد هذا لن يكون لهم أن يخطأوا. ونلاحظ أنَّ الكتاب لا يعرف إلاَّ قيامة الأبرار (فالأشرار لا يقومون).

 

وتروي رؤيا موسى موت آدم ودفنته، متوسِّعة في شعائر الجنازة. فالله نفسه يُفهم الملائكة كيف يَدفنون آدم. وسيعلِّم ميخائيلُ بدوره شيتًا كيف يقوم بواجباته تجاه حوّاء المائتة وتجاه كلِّ الموتى. يبرِّر هذا النصُّ الشعائر الجنائزيَّة في فلسطين في القرن الأوَّل ب.م.

 

وتتضمَّن الجنازة بصورة خاصَّة مسح الجثَّة بالزيت، وهو زيت شجرة الحياة الذي طلبه آدمُ المريض وبحث عنه شيت وحوّاء دون أن يعثرا عليه. هذا يعني أنَّ الزيت الذي مُسحت به جثَّة آدم (ونسله من بعده) يدلُّ على القيامة. هنا نتساءل: أما يجب أن نفهم ما فعلته المرأة في بيت عنيا عند سمعان الأبرص (مر 14: 3ي) على ضوء هذا الاعتقاد؟ قال يسوع: »طيبَتْ جسدي سلفًا للدفن« (مر 14: 8).

 

وخُتم القبر. ختمه الله بنفسه ليمنع من أن يُنتهك خلال الأيّام الستَّة التي تفصل موت حوّاء عن موت آدم. كانت هناك عادةٌ في القرن الأوَّل المسيحيّ بسبب قلَّة المدافن: يُخرجون جثَّة ميْت ويضعون مكانها جثَّة ميْت آخر.

 

وتتحدَّث رؤيا موسى عن دفن هابيل التقيّ. حين قُتل رفضت الأرض أن تقبل جثَّته مع أنَّ الملائكة أنفسهم قاموا بدفنه. والسبب: لأنَّ الجسد لم يُمسح بالزيت ولم يُلفَّ بكتّان، لأنَّه عُرِض على صخر ولم يوارَ التراب. وهذا أتعس مصير يصيب إنسانًا من الناس (إر 16: 4؛ 22: 18-19). أمّا الدفنة الثانية فستكون طقسيَّة. عوملت جثَّة هابيل كما عوملت جثَّة آدم، فدُفنت في قبر محفور ومشغول. وهكذا كانت لهابيل دفنتان.

 

وهناك بعضُ ملاحظات متفرِّقة. فالموت هو خروج آدم من جسده والروح تنتقل إلى الله، والنفس تترك الأرض. ولكن يبدو الجسد في مجمل الكتاب وكأنَّه العنصر الرئيسيّ ومركز الشخصيَّة. ومن الملفت للنظر أنَّ جسد آدم هو الذي يحاور الله. فالرجاء الوحيد هو القيامة. أجل تتحدَّث رؤيا موسى عن قيامة عامَّة تصيب الأبرار والأشرار، »كلُّ سلالة البشر الذين خرجوا من زرع آدم«. هذا القول يختلف عمّا سبق. فقد تكون يدٌ مسيحيَّة صحَّحت النصَّ ورفضت أن تحصر القيامة بالأبرار دون الأشرار.

 

ب – كفاح آدم وحوّاء

 

هذه هي الكلمات الأولى لأبوكريف (كتاب منحول) حُفظ في الحبشيَّة والعربيَّة (نُقل النصُّ الحبشيّ عن النصِّ العربيّ): كفاح آدم وحوّاء بعد طردهما من الجنَّة وخلال إقامتهما في مغارة الكنوز بأمر من الربِّ خالقهما.

 

يُقسَم الكتاب ثلاثة أقسام: الكفاح، قصَّة آدم وحوّاء منذ ولادة قايين حتّى موتهما وقصَّة الآباء حتّى إقامة ملكيصادق كاهنًا على الجلجلة، ملخَّص سريع لتاريخ بني إسرائيل حتّى ولادة المسيح. وينتهي الكتاب فجأة بوصول المجوس إلى بيت لحم.

 

أوَّلاً: الكفاح: ما إن خرج آدم وحوّاء من الجنَّة حتّى وجدا نفسيهما عرضة لعدَّة صعوبات. جعلهما الربُّ يقيمان في مغارة محفورة في الصخر فبكى المنفيّان بحرارةٍ الجنَّةَ الواسعة والمليئة بالنور التي تركاها. خافا من الظلمة بعد ضوء النهار، خافا من الحيَّة التي تريد أن تقتلهما، تألَّما من الحرِّ وتعرَّضا لمحاولات الشيطان ليخدعهما ويجعلهما يتجاوزان أيضًا وصايا الله.

 

فجاء الله إلى عونهما وهو المليء بالرحمة تجاههما، وأعلن لهما أنَّه بعد خمسة أيّام ونصف اليوم، أي بعد 5500 سنة سيخلُصان ويستطيعان مع كلِّ الأبرار أن يعودا إلى الجنَّة حيث لا ألم ولا وجع، بل يسود فرح دائم. وأراد أن يعطيَهما ذِكرًا من الفردوس ليعزِّيهما. أمر ميخائيل فحمل إليهما قضبان الذهب، وبحث جبرائيل في الجنَّة عن البخور (أو اللبان) ورفائيل عن المرّ. غُطِّست هذه الثلاثة في ينبوع ماء قريب من شجرة الحياة وسُلِّمت إلى آدم الذي وضعها في المغارة التي ستسمّى مغارة الكنوز. أراد آدم وحوّاء أن يتوبا ليُعادا إلى الجنَّة فغطسا في الماء. ولكنَّ الشيطان غشَّ حوّاء فأخرجها قبل الوقت المحدَّد الذي هو 40 يومًا. ضايقهما الجوع والعطش والتعب والعناء وتألَّما من العري، فعلَّمهما الله أن يسدّا حاجاتهما. حاول الشيطان أن يدفعهما إلى اليأس مدمِّرًا مغارتهما بالنار، ثمَّ دحرج عليهما صخرة كبيرة ليقتلهما فتبقى الأرض كلُّها ملكه. لكنَّ الله حفظهما، بل أعلن لآدم أنَّ الدم الإلهيّ سيسيل يومًا على رأسه في الجلجلة فيكون ينبوعَ حياة له وللذين يؤمنون من نسله. وأنَّ الله سيُغلَق عليه ثلاثة أيّام في الصخر ثمَّ يقوم. وما زال الشيطان يصليهما حربًا ويحاول أن يؤذيهما بكلِّ الوسائل. كان آدم يقدِّم ذبيحة، فرماه بحجر فجرحه في الخاصر الأيمن، فجرى دم وماء. فقال الله لآدم: هذا ما سيصير لي على الأرض. سأُجرَح وسيخرج من جنبي دم وماء. هذه هي الذبيحة الحقيقيَّة التي ستُهرَق على المذبح كتقدمة كاملة. وآخر هجوم شنَّه كان على عفَّتهما. دفعهما الشيطان إلى أن يتجامعا في فعل الزواج قبل أن يسمح لهما الله بذلك. ولكنَّ ملاك الله ظهر لهما وأمرهما أن يقضيا 40 يومًا في الصلاة والصوم قبل أن يتجامعا. وهذا ما فعلاه. وتزوَّج آدم حوّاء بعد الخروج من الفردوس بمئتين وثلاثة وعشرين يومًا. وهكذا انتهت حرب الشيطان على آدم وحوّاء.

 

ثانيًا: التاريخ حتّى ملكيصادق: وَلدت حوّاءُ في الألم قايين وابنةً هي لوبا الجميلة. وبعد أن قدَّم آدمُ وحوّاء ذبيحة، حملا ولديهما إلى مغارة الكنوز ليباركاهما بعلامة الجنّة. ثمَّ ولدت حوّاء هابيلَ وابنةً هي أكليان (ستسمّى في ما بعد لوي). وكبر الأولاد وبرزت فكرة الزواج. أقنع الشيطان قايينَ أنَّ والديه يريدان أن يزوِّجاه توأم هابيل التي كانت قبيحة وأن يحتفظا بلوبا الأخت الجميلة لهابيل. ونفخ في قلبه الحسد والرغبة في قتل أخيه. وحين رأى قايين أنَّ الله رذل ذبيحته وقبل ذبيحة هابيل، اتَّخذ قراره. فدعا هابيل ليخرج إلى البرِّيَّة، فاقترب من خلفه وضربه بعصا ثمَّ أجهز عليه رغم توسُّلاته، فحطَّم جمجمته بحجر كبير. حزن الوالدان وحملا جثَّة هابيل ووضعاها في المغارة. وتزوَّج قايين لوبا رغم إرادة والديه وأقام عند سفح الجبل.

 

ووُلد شيت وكان جميلاً جدٌّا. أراد أن يعيش في البتوليَّة من دون زواج. ولكنَّه أطاع والديه وتزوَّج من لوي توأم هابيل. وقبل أن يموت آدم، دعا إليه شيتًا وكلَّ أبناء شيت وباركهم ووجَّه إليهم وصاياه الأخيرة: على شيت أن يبقى في الطهارة ويحتفظ بنفسه أمينًا بارٌّا في مخافة الله وألاَّ يقع في حبائل الشيطان. هذه النصائح هي له ولكلِّ الأجيال الآتية. فعلى كلِّ أب أن ينقلها إلى أولاده. وحنَّط شيت جثمان آدم ووضعه في المغارة. وبعد الوصيَّة كان تنبُّؤ عن الطوفان وأمرٌ بأخذ الجسد ووضعه في وسط الأرض. إلى هناك سيجيء الله ويخلِّص كلَّ نسلنا.

 

وعاش الشيتيّون على الجبل المقدَّس حياةً من التقوى والبرارة. وصارت المغارة التي وضعت فيها العلامات المقدَّسة وجثمانُ آدم مركزَ العبادة المؤدّاة لله. وكان لامك أعمى. وإذ أراد أن يحمي قطيعه من اللصوص قتل قايين دون أن يعرفه. وقاد شيتٌ وأنوش وقينان ومهللئيل، على التوالي، شعب الله وماتوا وهم يتذكَّرون وصيَّة آدم ووُضعوا في المغارة. ولكن في أيّام يارد، توصَّل الشيطان بواسطة القايينيّين إلى أن يُنزل المئات من بني شيت عن الجبل إلى السهل ويجعلهم يتزوَّجون بنات قايين. وتبعهم آخرون، فلم يبقَ على الجبل إلاَّ قلَّة قليلة.

 

ومات يارد. أمّا ابنه أخنوخ فنُقل إلى أرض الحياة، إلى مسكن الأبرار والصُلاّح. أفلت من عالم الموت حتّى اليوم الذي يريد فيه الله أن يموت. وظلَّ متوشالح ولامك ونوح على الجبل وحدهم. وحَفظ نوح نفسه بتولاً حتّى بلغ 500 سنة ولم يتَّخذ امرأة إلاَّ بأمر الله. وبنى السفينة. اتَّحد الشيتيّون بالقايينيّات فولدوا الجبابرة. هنا يعترض الكاتب بشدَّة على الحكماء القدماء الذين ظنُّوا أنَّ »ملائكة الله« المذكورين في تك 6: 2-4 كانوا ملائكة حقيقيّين. لا، ليس هذا بحقٍّ لأنَّه يخالف طبيعة الملائكة الروحيَّة. إنَّهم لا يتجامعون مع النساء.

 

ونبَّه نوحًا صوتٌ من السماء فأخذ جسد آدم من المغارة وتبعه أبناؤه الثلاثة الذين حملوا الذهب والبخور والمرّ (رمز الملكيَّة والكهنوت والنبوءة التي منحها الله لآدم) فوضعوا كلَّ هذا في السفينة. نفخ نوح في البوق فتجمَّعت الحيوانات حول السفينة. صعدت الحيوانات الكبيرة إلى الطبقة الأولى، والعصافير والزحّافات إلى الطبقة الثانية، ونوح وعائلته إلى الطبقة الثالثة حول جسد آدم. أقامت النساء إلى الشمال ونوح وبنوه إلى اليمين.

 

وكان الطوفان وذبيحة نوح وسكره ولعنته لحام. وقبل أن يموت نوح طلب إلى ابنه سام أن يأخذ من السفينة جسد آدم ويحمله مع ملكيصادق ابن قينان إلى وسط الأرض حيث سيتمُّ فداء العالم. وبعد موت نوح، ظهر على ملكيصادق الملاك ونبَّهه، فاقترب من السفينة التي انفتحت بطريقة عجائبيَّة. وبعد أن أعلنه صوت من السماء كاهنًا وملكًا ونبيٌّا، أخذ الجسد من السفينة. وسار سام وملكيصادق بقيادة الملاك ثلاثة أيّام ووضعا أخيرًا جسد الإنسان الأوَّل في وسط الأرض، وهناك سيُرَشُّ على جمجمته في يوم من الأيّام دمُ كلمة الله. قدَّم ملكيصادق ذبيحة الخبز والخمر ونزل الروح القدس على التقدمة، فتناول منها سام وملكيصادق. وأُعلن ملكيصادق من جديد كاهنًا بواسطة كلمة الله وظلَّ بعد هذا متمنطقًا بالنار ليخدم الله أمام جسد آدم.

 

ثالثًا: تاريخ الكون منذ موت سام حتّى يسوع المسيح: هنا تخفُّ قيمة الخبر. ونحن نورد فقط بعض الأمور. عارض الكاتب الحكماء الكثيرين فقال: إنَّ عبادة الأوثان بدأت بعد الطوفان. وأظهر أنَّ الشيطان هو الذي صنع الأصنام وكوَّن عادة ذبح الأولاد، وهو الذي جعل الفُرس يعبدون النار ويتزوَّجون من أقرب أقاربهم. في أيّام ناحور، أرسل الربُّ ريحًا قويَّة فحطَّمت كلَّ الأصنام. لم يعبد إبراهيم الأصنام، ولكنَّه أكرم أباه تارح الذي عبد. وخرج إبراهيم من الكلداي والتقى ملكيصادق وشاركه في الأسرار المقدَّسة التي باركها بيده. وأحيط ملكيصادق بهالة من الإكرام بحيث إنَّ الشعوب طلبت بركته، وإن اثني عشر ملكًا بنوا له مدينة هي أورشليم وتعني وسط الأرض.

 

ونقرأ خبر إسحق ويعقوب وموسى وملوك إسرائيل ويهوذا ودمار السامرة على يد ملك الموصل (= نينوى) وسقوط أورشليم وحريق الهيكل. جمع الكاهن سمعان رمادَ الكتب المقدَّسة وعلَّق فوقها مبخرة. وأفسد الكتبة والمفسِّرون الكتب المقدَّسة وحوَّرها العبرانيّون وأضاع منها السوريّون واليونانيّون قسمًا كبيرًا. وكان المنفى وإعادة الشعب والمدينة. دخل الكاتب عزرا إلى القبو المعقود الذي وضع فيه سمعانُ رمادَ الكتب المقدَّسة وبسط يديه على رماد أسفار الشريعة والأنبياء وأخذ ثلاث جرعات من الرماد. أخيرًا حلَّ عليه روح الله فدوَّن الشريعة والأنبياء. ووُلد المسيح من مريم العذراء وجاء المجوس من المشرق وهم يحملون الذهب والبخور والمرّ.

 

وبعد هذا يذكر الكاتب حياة يسوع وآلامه وقيامته وصعوده.

 

مؤلِّف هذا الكتاب مسيحيّ، وهو يلمِّح مرارًا إلى الفادي، إلى موته على الصليب. فمن خلال لوحة محَن آدم وحياة آباء ما قبل الطوفان، نستشفُّ مشهد الجلجلة. وإذا كان جسد آدم أُكرم كلَّ هذا الإكرام وتركَّزت الأنظار عليه في القسم الثاني، فلأنَّه سيُحمل إلى وسط الأرض، إلى أورشليم فيتقبَّل دم المسيح المائت.

 

عاد الكاتب إلى موادّ أخذها من العالم اليهوديّ. فما نقرأه في القسم الأوَّل قريب ممّا في كتاب اليوبيلات وحياة آدم وحوّاء ورؤيا موسى وسائر الروايات اليهوديَّة. أمّا في القسم الثاني فيتركَّز الانتباه على دفن آدم على الجلجلة. هذه الرواية المسيحيَّة نقرأها أيضًا في نصوص سلافيَّة مستقلَّة عن الأخبار التي نحن بصددها. حين مات آدم أخذ الملائكة جسده ودفنوه في وسط الأرض، في أورشليم، في الموضع الذي صُلب فيه الربّ. أمّا النصّ السلافيّ فيقول إنَّ الأردنَّ فاض فحمل جسد آدم إلى أورشليم في أيّام يسوع. ولكن يبدو، كما يقول أوريجان وترتليان وغيرهما، أنَّ جسد آدم دُفن في الجلجلة. وأنَّ أورشليم هي وسط الأرض.

 

ج- وصيَّة آدم

 

هو نصٌّ نقرأه في السريانيَّة والعربيَّة والحبشيَّة ونقرأ قسمًا منه في اليونانيَّة. نجد فيه ثلاثة أقسام.

 

القسم الأوَّل: ليتورجيَّة ساعات الليل والنهار. ساعة الليل الأولى: مديح الشياطين. في تلك الساعة يمتنعون عن أذيَّة الإنسان. الساعة الثانية: مديح الحمائم. الساعة الثالثة: مديح الأسماك والنار وكلّ هوَّة سفلى. الساعة الرابعة: تريزاغيون (قدّوس الله) السرافيم: قبل خطيئتي، سمعت في الفردوس حفيف أجنحة السرافيم حين كانوا ينشدون التريزاغيون. ولكن بعد خطيئتي لم أعد أسمع شيئًا. الساعة الخامسة: مديح المياه التي فوق السماوات. سمعت أنا والملائكة ضجَّة الأمواج القويَّة حين أثارتها إشارة من الخالق فمجَّدته. الساعة السادسة: تجمُّع الغيوم والرعب العظيم الذي يسيطر على منتصف الليل. الساعة السابعة: رؤية (أو راحة) الجيوش عينها حين رقدت الأمواه. في تلك الساعة يأخذ كاهن الربِّ الزيت ويمسح المتألِّمين فيجدون الراحة. الساعة الثامنة: حين ينزل الندى من السماء ينمو عشب الأرض. الساعة التاسعة: مديح الكروبيم. الساعة العاشرة: مديح البشر: انفتح باب السماء فدخلت فيه صلوات كلِّ كائن حيّ، وبعد أن سجدتْ خرجت. في تلك الساعة ينال الإنسان كلَّ ما يطلب من الله. الساعة الحادية عشرة: تفرح كلُّ الأرض حين تطلع الشمس من الفردوس والمشرق وتُطلُّ على الخلائق. الساعة الثانية عشرة: انتظار البخور والصمت وسط جوقات النار والروح إلى أن ينتهي الكهنة من تقديم البخور للاهوت. ثمَّ تنسحب كلُّ الجوقات والجيوش السماويَّة. وهكذا تنتهي ساعات الليل.

 

وإليكَ ساعات النهار. ساعة النهار الأولى: صلاة الكائنات السماويَّة. الساعة الثانية: صلاة الملائكة. الساعة الثالثة: صلاة العصافير. الساعة الرابعة: صلاة الحيوانات. الساعة الخامسة: مديح الكائنات التي تحت السماء. الساعة السادسة: مديح الكروبيم الذين يتشفَّعون عن خطايا البشر. الساعة السابعة: تدخُل الصلوات أمام الله وبعد أن تسجد تخرج. الساعة الثامنة: مديح النار والمياه. الساعة التاسعة: توسُّل الملائكة الواقفين أمام عرش العظمة. الساعة العاشرة: ينزل الروح القدس ويرفرف على المياه والينابيع. فإن لم يرفرف روح الربِّ على المياه والينابيع، يحلُّ ضرر كبير بالبشر، ويُهلك الأبالسةُ كلَّ الذين ينظرون إليها. وإن أخذ كاهن الربِّ ماء ومزجه بالزيت المقدَّس ومسح به المرضى فإنَّهم يستعيدون الصحَّة. الساعة الحادية عشرة: فرح الأبرار الكبير. الساعة الثانية عشرة أي ساعة السماء: يتوسَّل البشر طالبين رضى الربِّ الذي هو إله كلِّ شيء.

 

في أحد المخطوطات السريانيَّة نجد العنوان التالي: وصيَّة أبينا آدم. ولكن إذا وضعنا جانبًا تلميحَيْ آدم عن حالته قبل السقطة، لا نجد شيئًا يشير إلى الإنسان الأوَّل ولا إلى الوصيَّة. وفي مخطوط سريانيّ آخر نقرأ: حين سقط آدم في مرض الموت دعا ابنه شيتًا وقال له: يا ابني، إنَّ الذي صنعني من التراب علَّمني كيف أسمّي بهائم الأرض وعصافير السماء. وعلَّمني أيضًا عن ساعات النهار والليل. أمّا أحد المخطوطات العربيَّة فيعطينا مقدِّمة كاملة بشكل وصيَّة تقدِّم آخرَ تدابير آدم: »هذه هي وصيَّة آدم أبي الجنس البشريّ، وجَّهها إلى ابنه شيت. وصل إليه هذا الوحي حين كان في الفردوس«.

 

القسم الثاني: نبوءات قالها آدم لابنه شيت. أعلن آدم تجسُّد المسيح الإله في حشا عذراء، وعجائب عديدة سيصنعها يسوع. تحدَّث عن موته وقيامته وصعوده وعن تأليه الإنسان بواسطته. وأنبأ أيضًا بالطوفان ونهاية العالم بعد هذه الكارثة بستَّة آلاف سنة.

 

تعلن النسخة الأولى متحدِّثة عن الطوفان: ستَغرق الأرضُ كلُّها بسبب بنات أخيك قايين الذين غار على أختك لبودة فقتل أخاك هابيل. فالخطيئة وُلدت بسبب أمِّك حوّاء. نحن هنا قريبون جدٌّا من كفاح آدم وحوّاء ومن مغارة الكنوز. أمّا النسخة الثانية فتتضمَّن تفصيلاً خاصٌّا بها: وأنا شيت قلت لأبي آدم: ما هي الثمرة التي أكلتَ منها؟ أجاب: التين، يا ابني. فالباب الذي به دخل الموت عليَّ وعلى أبنائي هو ذلك الذي به يدخل الخلاص لي ولأبنائي. هذا يعني أنَّ الصليب الذي به يفدي ربُّنا العالم كان من خشب شرقيِّ الفردوس. ووُضعت هذه الوصيَّة في مغارة الكنوز إلى اليوم. ولكنَّ النسخة الأولى والنسخة الثانية تتوسَّعان في هذه الخاتمة. وأنا شيتٌ كتبت هذه الوصيَّة. ومات أبي ودُفن شرقيَّ الفردوس، تجاه أخنوخ التي هي أوَّل مدينة بنيت على الأرض. وأقام الملائكة مع الجيوش السماويَّة جنازته لأنَّه خُلق على صورة الله. وأظلمت الشمس والقمر ودامت العتمة سبعة أيّام. وختَمْنا هذه الوصيَّة ووضعناها في مغارة الكنوز مع الهدايا التي أخذها آدم من الفردوس وهي الذهب والبخور والمرّ. وسيأتي المجوس وهم أبناء الملوك فيحملونها إلى ابن الله في مغارة بيت لحم.

 

ويبدو الكتاب وكأنَّه انتهى ولكن هناك مخطوطًا نقرأ فيه: أيضًا من وصيَّة أبينا آدم.

 

القسم الثالث: تعداد الأجواق الملائكيَّة التسعة ووظائفهم. ترتيب الملائكة نقرأه عند ديونيسيوس الأريوباجيّ في الهيراركيا (=التراتبيّة) السماويَّة. ولكنَّ الوظائف المعطاة لهم هي وظائف مادِّيَّة. ينفِّذ رؤساء الملائكة وصايا الله بالنسبة إلى البهائم والعصافير والزحّافات والأسماك. وظيفتهم هي تدبير الخلائق الحيَّة ما عدا الإنسان. وتهتمُّ الرئاسات بالظروف الجويَّة، فتُرسل الشتاء والبرد والثلج والرعود والبروق. أمّا القوّات فتدير الشمس والقمر والنجوم. الصفات تمنع الشياطين من تدمير خليقة الله حسدًا من الإنسان. السادات ينظِّمون مصير المعركة فيعطون النصر أو الهزيمة كما فعلوا في أيّام سنحاريب ويهوذا المكابيّ. الكاروبيم يحملون عرش الله والأختام. والساروفيم يخدمون في غرفة ربِّنا. وينتهي هذا القسم: أنهينا، بمعونة ربِّنا، وصيَّة أبينا آدم.

 

يبدو القسم الأوَّل وكأنَّه القسم الأصليّ في وصيَّة آدم. أمّا القسم الثاني فملخَّص لأخبار قرأناها في كفاح آدم وحوّاء أو سنقرأها في مغارة الكنوز.

 

د- كتب عن آدم حفظت في الأرمنيَّة

 

الأوَّل: حياة آدم وحوّاء. هو ترجمة حرفيَّة لرؤيا موسى.

 

الثاني: موت آدم. طُرد آدم من الفردوس فلم يجد شيئًا يعزِّيه عن فقدان هذه النعمة فظلَّ خمسة أيّام لا يأكل. فجاء ملاكٌ يعزِّيه، وحمل إليه أدواتٍ للعمل. ووُلد قايين وابنة توأم هي قينان، ووُلد هابيل وابنة توأم هي إيمة، ووُلد شيت وابنة توأم هي أستير، وحصل شيت (أي المعزّي) على نعمة هابيل. روت حوّاء لشيت خبر السقطة، فحلف شيت أنَّه لن يأكل ثمرة في حياته. ورأيا في الحلم كيف أنَّ آدم حُمل من بيته بالقوَّة واقتيد إلى قصر، ومثلُ أمام ثلاثة أشخاص جالسين على العروش، فاستُقبل بعد أن تشفَّع به أحد الثلاثة. وفي الصباح وُجد آدم مريضًا، فاجتمعت كلُّ العائلة حول سريره. أعطى ابنَه شيتًا وصيَّة ورقد رقدته الأخيرة. وفي الساعة الثالثة من ذلك اليوم أسلمت حوّاء الروح. وفي منتصف الليل، ظهرت امرأة جميلة وهي تحمل في ذراعيها طفلاً. اقتربت من حوّاء فامتلأ المنزل من النور الباهر. تقبَّلت حوَّاء الولد بين يديها وبكت من الفرح. وفي الغد أمر ملاك بأن يُدفَن آدم وحوّاء. وظلَّ آدم في القبر إلى أن أمر الملاك نوحًا بأن يفتح القبر ويأخذ آدم وحوّاء إلى السفينة.

 

نحن هنا قريبون من كفاح آدم وحوّاء ومن مغارة الكنوز. وهناك تلميحات إلى الثالوث وإلى تشفُّع الابن الكلمة وإلى مريم العذراء التي تحمل ابنها بين ذراعيها. ولكنَّنا لا نجد أثرًا لدور المغارة في دفن أبوينا الأوَّلين.

 

الثالث: قصَّة الخلق وسقوط آدم. بعد أن خلق الله السماء والأرض صنع جيش الملائكة. ولكنَّ شدائيل تكبَّر وأراد أن يرفع عرشه ويجعله مساويًا لعرش الله، فأحدره من السماء مع محازبيه، السرافيمُ المسلَّحون بالمطارق وجبرائيلُ العظيم وميخائيلُ الرهيب ومصافُّ الملائكة التسعة. وخلق آدم وحوّاء. لو حفظ آدم الوصيَّة لرُفع في المجد فوق أورشليم وحلَّ محلَّ الملائكة الساقطين. وغار الشيطان فعلَّم الحيَّة (وكانت لها أجنحة حينذاك وتعرف أن تتكلَّم) أن تطغي أبوينا الأوَّلين. أكلت حوّاء من الثمرة المحرَّمة فعُرِّيت حالاً من النور. وحزن آدم حين رأى حوّاء في تلك الحالة وظلَّ ثلاث ساعات يمسك بالثمرة في يده وهو يقاوم توسُّلات رفيقته. ولكن غلبه جمال المرأة التي أفقدته عقله، فلم يقدر أن ينفصل عنها فتجاوز أمر الله. خسر النور، وغطّى الاثنان عريَهما بأوراق التين. وجاء حكم الله على آدم وحوّاء والحيَّة. خرج أبوانا من الجنَّة ووصلا إلى مكان مظلم ومخيف ولبثا فيه لا يأكلان شيئًا، بل كانا يبكيان دائمًا. في اليوم السادس تحنَّن الله عليهما فأرسل إليهما ملاكه فأخرجهما من ذاك المكان المرعب وقادهما إلى النور وبيَّن لهما كيف يقتاتان من ثمار الأرض.

 

الرابع: قصَّة طرد آدم وحوّاء. خرج آدم وحوّاء من الجنَّة ففرحا حين رأيا الشمس والقمر. ولكن حين مال النهار حلَّت الظلمة فبكيا حتّى الصباح. وعند صياح الديك ظهر لهما الشيطان بشكل ملاك ووعدهما بأن يردَّ إليهما النور إن التزما بخدمته هما ونسلهما. قَبِلَ آدم، فدعاهما الشيطان لينظرا إلى جهة الشرق فيريا النور. فرح آدم وحوّاء حين رأيا طلوع الشمس. وعاد الشيطان ومعه حجر، فقال لآدم: ضع يدك على الحجر وقل: كلُّ نسلي يكون عبيدًا لك. نفَّذ آدم ما طُلب منه، فحمل الشيطان الحجر وخبَّأه في نهر الأردنّ. وهكذا صار السنَدُ في يدِ الشيطان. ولكن عرف آدم وحوّاء خطأهما فأشفق الله عليهما وأرسل إليهما ملاكًا يردُّ السندَ إلى آدم. وأعلن الله أنَّ ابنه سيتجسَّد بعد 6000 سنة في حشا عذراء قدّيسة نقيَّة. سيكون »ابن الروح القدس« فيمزِّق السند وينجّي آدم من أسر الشيطان ويردّ إليه المجد الأوَّل.

 

الخامس: قصَّة ابني آدم، قايين وهابيل. بعد الخطيئة صام آدم خمسة أيّام فأرسل إليه الله ملاكًا ينبئه بفداء العالم بواسطة التجسُّد الإلهيّ. وعلَّمه أن يدجِّن البقر وأن يفلح الأرض ويستعمل ثمار الأرض طعامًا له، وأمره أن يقدِّم قسمًا من هذه الثمار ذبيحة لله، وولد قايين وهابيل مع أبناء وابنة. وقدَّم كلٌّ من هابيل وقايين ذبيحته. اختار الأوَّل أفضل خراف قطيعه فامتلأ الجوُّ رائحة عذبة وشعَّ نور سماويّ وهتف صوتٌ من السماء قال إنَّ الله رضي عن الذبيحة. وقدَّم قايين السنابل المهترئة فبدَّدت العاصفة تقدمته وسقط البَردُ على وجهه فغضب واستعدَّ للقتل. دعا أخاه إلى نزهة في البرِّيَّة. كان هابيل أقوى منه فلم يقدر عليه. حينئذ لجأ إلى حيلة فقيَّد أخاه إلى جذع الكرمة ولكنَّه لم يكن يعرف كيف يقتله. حينئذٍ جاء الشيطان بذئب وحيوان آخر يتقاتلان بالحجارة. فهِم قايين فأخذ الحجر وهجم على هابيل. توسَّل إليه هابيلُ أن يعفو عنه. أراد أن يؤثِّر عليه فنبَّهه إلى الحزن الذي سيصيب والديه وذكَّره بالدينونة الأخيرة. لم يسمع قايين بل حطَّم جبين هابيل بحجر. طالب الله قايين وفرض عليه سبعَ عقوبات. لم يعرف لامكُ قايين فجرحه بحربة. صلَّت امرأة لامك فشُفي. وظلَّ جسدُ هابيل بلا فساد. وامتنع آدم وحوّاء عن المجامعة ثلاث سنوات. ولمّا عادا وُلد شيت.

 

نلاحظ تقاربًا بين هذا الخبر وتقاليد الرابينيّين. كان هابيل أقوى من قايين. وهناك فكرة الدينونة الأخيرة. يقول ترجوم أورشليم في تك (4: 8): غضب قايين حين رأى الله يرذل ذبيحته فأعلن: لا دينونة أخيرة ولا ديّان ولا حياة أخرى ولا مجازاة للأبرار ولا عقاب للأشرار. أمّا هابيل فقال عكس ذلك.

 

السادس: الوعد بشيت. ظهر ملاك الربِّ على آدم وأمره أن يقترب من حوّاء رغم مخاوفه. سيولد له ولد هو شيت الذي سيعزِّيه، فتكون الأرض لنسله. ولكن يجب ألاَّ يختلط أبناؤه بنسل قايين. عرف أخنوخ ابنُ شيت ما الذي سبَّب شقاء آدم، فغرس كرمًا ذاق الآخرون من ثماره. أمّا هو فمنع نفسه عنه ليكِّفر عن الخطيئة التي اقترفها آدم حين أكل من الثمرة المحرَّمة. فجازاه الله لبتوليَّته وحياته العفيفة فنقله بواسطة الملائكة مع جسده إلى الجنَّة، وهو لا يزال هناك إلى الآن. وهناك كثيرون يقتدون بمثَله فيعيشون كالنسّاك في البتوليَّة. وتكاثرت الفتيات في نسل قايين وخدعنَ النسّاك (وكان عددهم 520) الذين من نسل شيت فاجتذبنهم إلى كلِّ النجاسات. وظلَّ نوح وحده بتولاً. غضب الله وعزم على معاقبة الناس بالطوفان. أمر نوحًا أن يبني السفينة، وأجبره على الزواج مع أنَّه كان راغبًا في البتوليَّة: إنَّه سيكون »آدم« العالم. وجاء الطوفان وتوقَّفت السفينة على جبل ماسيتا. وقدَّم نوح الذبيحة فأطلَّت قوسُ قزح.

 

السابع: توبة أبوينا الأوَّلين آدم وحوّاء. حزن آدم وحوّاء بعد خروجهما من الجنَّة، وحلَّ الرعب بهما حين جاء الليل. ظلاَّ بقرب الجنَّة وفكَّرا بمرارة بمكان التنعُّم هذا، بجمال الأشجار وخفَّة النبتات، بألوان الورود ورائحة الزهور، ببهاء الأوراق ولذَّة الأثمار، بصوت السرافيم الرخيم وبنشيد الملائكة المتناسق، بأقوال الكائنات السماويَّة العذبة وبألحان الجيوش الروحانيَّة. حينئذٍ حمل الملاكُ جبرائيل إلى آدم فرعًا من أشجار الجنَّة كعلامة على ولادة شيت القريبة. ورأت حوّاء في الحلم مقتل هابيل (كما نقرأه في رؤيا موسى). خرج آدم فوجد هابيل مقتولاً. ربطه قايين إلى شجرة وقتله بحجر. حين أراد آدم وحوّاء أن يدفناه لم يجدا جسده. فالملائكة أنفسهم دفنوه. وفرض الله على قايين سبع عقوبات. وذكر الكاتب الأسباب العشرة التي جعلت الحزن يسيطر على آدم وحوّاء. ومرض آدم وأعلن لحوّاء أنَّها ستموت معه وستُدفن معه. أرسلها لتَجلب زيت الرحمة الذي يخفِّف من آلامه. ذهبت مع شيت، ولكن ما إن وصلا بقرب الفردوس حتّى أنبأهما الملاك جبرائيل أنَّ آدم مات. وماتت حوّاء بعد آدم بثلاث ساعات. خُلق الإنسان الأوَّل صباح الجمعة، وكُوِّنت حوّاء من ضلعه في الساعة الثالثة. وبكى الأولاد آدمَ وحوّاء ووضعوا جسديهما مع الطيب في كتّان وجعلوهما في تابوت من خشب. وظلَّ الجسدان موضوعَ إكرام لدى الأجيال التالية. حملهما نوحٌ في السفينة وبعد الطوفان سلَّمهما إلى سام، فدَفن آدم في الجلجثة، في وسط الأرض، فصَلب اليهودُ المسيحَ فوق رأس آدم. أمّا جسد حوّاء فجعله في مغارة في بيت لحم وسيُولد المسيح من مريم العذراء فوق قبر حوّاء.

 

الثامن: أقوال آدم إلى شيت: ليس لنا هنا مسكن ثابت، لأنَّ المكان هو موطن الحيوانات البرِّيَّة. كان مسكننا في عدن، في الشرق. ويروي آدم السقطة، ليسمع له شيت ويصوم 40 يومًا و40 ليلة. وجاءه ملاك حمل إليه غصنًا يعزّي به أباه. أعطى الغصن لآدم الذي وضعه على عينيه، فعرف أنَّه من الشجرة التي أطعمته ثمرَ الموت. وقال شيت لأبيه: إعلم، يا أبي. فكما حمل الغصنُ الموت (من الشجرة) سيحمل أيضًا (خشب الصليب) الحياة ويهب النور. ونقل شيت إلى أنوش أقوال آدم وخبرَ السقطة وكيف حُرم آدم من النور وطُرد من الفردوس. فصام أنوش هو أيضًا 40 يومًا و40 ليلة. وبعد هذا، هيَّأ بستانًا وضع فيه كلَّ شجر مثمر وأقام فيه 540 سنة. وبعد ذلك وضع جسده في الأرض وعُدَّ أهلاً للمجد الإلهيّ والنور.

 

نتوقَّف هنا عند الغصن الذي يحمله الملاك من الفردوس. ففي كفاح آدم وحوّاء نرى آدم متشوِّقًا لأن يحصل على شيء من الفردوس يذكِّره بالأفراح السابقة ويعزّيه عن محنه. فحمل إليه الملائكة من الجنَّة الذهب والبخور والمرّ. جُعلت هذه العطايا في المغارة وستكون يومًا تقدمة المجوس للطفل يسوع. أمّا هنا فالعطيَّة غصن من شجرة كانت ثمرتها قاتلة، حمله إليه الملاك. وهناك نصٌّ في حياة آدم وحوّاء حسب النسخة اللاتينيَّة يقول: أعطى الملاك شيتًا، فضلاً عن الأعشاب المعطّرة، غصنًا ذا ثلاثة فروع من شجرة المعرفة. فلمّا عبر شيت الأردنَّ وقع الغصن في الأردنّ. ردَّه آدم فوجد الغصن وسط الماء. فرح آدم حين رآه وأمر أبناءَه أن يزرعوه يومًا قرب قبره. وصار هناك شجرة كبيرة. قطع الشجرةَ رجالُ سليمان ووضعوها في الهيكل. ولكن حين أنبأت ملكةُ سبأ أنَّ واحدًا سيموت على هذه الشجرة ويدمِّر مملكة اليهود، رُميت الشجرة في بركة فصنعت أشفية عجيبة. وأخيرًا صُلب يسوع على هذه الشجرة على الجلجلة.

 

إذا ألقينا نظرة إلى هذه الكتب الأرمنيَّة نعرف أوَّلاً أنَّها تعود إلى أصل سريانيّ. ثمَّ نفهم أنَّها مطعَّمة باللون المسيحيّ. فهناك تلميحات إلى الثالوث الأقدس والتجسُّد والفداء، واحترام البتوليَّة والتوبة.

 

هـ – كتاب بنات آدم

 

نحن أمام رواية قديمة قرأناها في كفاح آدم وحوّاء، وفي وصيَّة آدم، وسنراها في مغارة الكنوز. وُلد لكلٍّ من قايين وهابيل بنتٌ توأم. وأراد آدم أن يتزوَّج كلٌّ من ابنيه توأم أخيه. غضب قايين من هذا التدبير الذي يعيطه زوجةً قبيحة، فقتل أخاه.

 

و- كتاب آدم أو الكنز

 

هو كتاب مقدَّس لدى المانويّين. وهو يتضمَّن أساطير عن نشوء الكون وتحريضات أخلاقيَّة ونظريّات غريبة فتمتزج النصوص البيبليَّة بالتعاليم المانويَّة والأسترولوجيَّة وبعالم السحر البابليّ. نجد في الكتاب ميلاً معاديًا للمسيحيَّة ولأهميَّة النسك فيها. هناك عناصر قديمة، ولكنَّ نصَّ الكتاب شأنه شأنَ سائر كتب المانويّين، دُوِّن بعد مجيء الإسلام. لسنا ندري لماذا سمِّي هذا الكتاب كتاب آدم. لا شكَّ في أنَّه يذكر آدم وحوّاء ولكنَّهما لا يلعبان إلاَّ دورًا بسيطًا، وهذا الدور لا يتوافق وما نقرأه في التوراة.

2 – مغارة الكنوز

 

بعد هذه اللمحة السريعة إلى أسفار منحولة تتوسَّع في أخبار آدم، نتوقَّف بصورة خاصَّة عند مغارة الكنوز الذي انتشر انتشارًا واسعًا فكثرت مخطوطاته وتوسَّعت إلى نصٍّ شرقيّ ونصٍّ غربيّ وتوزَّعت على السريانيَّة والعربيَّة والحبشيَّة والجيورجيَّة والقبطيَّة. ولكنَّ النصَّ الأصليّ هو النصُّ السريانيّ.

 

كتاب مغارة الكنوز (م ع رت ) هو نقل للتاريخ المقدَّس يبدأ منذ خلق العالم وينتهي في العنصرة. قال العلماء إنَّه تقميش لعدَّة أسفار منحولة مثل رؤيا موسى (أو حياة آدم وحواء في اليونانيَّة)، وسفر أخنوخ وكتاب آدم وحوّاء ووصيَّة آدم. وهو قريب من النصوص المسماريَّة، كما نجد فيه أفكارًا سترد في كتاب النحلة الذي جمعه سليمان أسقف البصرة في القرن الثالث عشر. وهناك تفاسير كتابيَّة ونصوص روائيّة ودفاعيَّة في أساس هذا الكتاب.

 

أ- العنوان

 

هناك عنوان أوَّل تتَّفق عليه المخطوطات: مغارة الكنوز. وهناك عنوان ثانٍ يرافق في المخطوطات العنوانَ الأوَّل: مقال في سفر التكوين، كتاب في تسلسل الأجيال، كتاب نظام تسلسل الأجيال من آدم إلى المسيح. هذه العناوين نجدها في رأس المخطوطة أو في الكولوفون. وإنَّ هذه العناوين المتنوِّعة تدلُّ على أنَّ مغارة الكنوز هي مجموعة مؤلَّفات عديدة، وهي عكس بيت الكنز (بيت غازو) الذي كان جزءًا من مؤلَّف عنوانه الفردوس، فاقتُطع منه في القرن السادس وألَّف كتابًا مستقلاٌّ.

 

انطلاقًا من هذه الملاحظة نستطيع القول إنَّ العنوان الحاليّ مغارة الكنوز ينتج عن مزج بين عنصرين: المغارة من جهة والكنز من جهة ثانية. ومعنى هذين العنصرين يبدو واضحًا إن نحن وضعناه في إطار التقاليد الشرقيَّة أكانت مسيحيَّة أم لا. فالكنز يدلُّ على الفردوس وبالأحرى على الفردوس الأرضيّ. والمغارة تعود إلى التقاليد الروائيّة المتعلِّقة بقبر آدم وهي تقاليد نجدها في الآداب الرابينيّة السامريَّة وغيرها. وبما أنَّ الكاتب توسَّع مطوَّلاً في هذين العنصرين سُمِّي الكتاب مغارة الكنوز.

 

ولكنَّ عبارة مغارة الكنوز تكتسي في صلب الكتاب بمدلول آخر. فهي تدلُّ على المكان الذي وَضع فيه آدم الذهبَ والمرَّ والبخور (أو اللبان) الذي أخذه معه حين ترك الفردوس والذي فيه قام آدم وآباءُ ما قبل الطوفان بالخدمة الليتورجيَّة أمام الله، والذي فيه سيُدفَنون. فهذا التقليد الذي يجعل من المغارة موضع صلاة وعبادة يرتبط بالمعنى الآخر لكلمة مغارة: قلاّية الراهب أو الناسك. ونحن نجد انتقالات من معنى إلى آخر في 5/17: »بارك آدم المغارة وكرَّسها لتكون بيت صلاة له ولأولاده ولهذا سمّاها مغارة الكنوز«. ثمَّ إنَّنا لا ننسى أنَّ قصَّة الآباء كما ترويها مغارة الكنوز تعكس مناخًا نسكيٌّا. ونحن نجد التقليد عينه في وصيَّة آدم التي تجعلنا في جوٍّ أكثر روحانيَّة: »ختمنا هذه الوصيَّة وجعلناها في مغارة الكنوز حيث بقيت إلى هذا اليوم مع الكنوز التي جلبها آدم من الفردوس: الذهب والمرّ والبخور. وسيأتي أبناء الملوك المجوس فيأخذونها ويقدِّمونها لابن الله في مغارة بيت لحم في يهوذا«. وهذه النظرة ستتوسَّع فيها الكرونيكة المنسوبة إلى ديونيسيوس التلمحريّ الذي يتكلَّم على »مغارة كنوز الأسرار الخفيَّة«.

 

وفي النهاية قد يعني أيضًا عنوان مغارة الكنوز مجموعة من المقالات كما يدلُّ على ذلك المخطوطُ 25875 من المكتبة البريطانيَّة الذي يشير إلى سبعة مؤلَّفات باسم مغارة الكنوز. ونلاحظ أيضًا أنَّ المانويّين يسمُّون كتاب آدم الكنز وهو يتضمَّن مجموعة من الأخبار والتقاليد.

 

ب- كاتب مغارة الكنوز

 

كلُّ المخطوطات ما عدا مخطوط هيدلبرغ (شرقيّ 111) وبرمنغام (منغانا سريانيّ 11) تنسب مغارة الكنوز إلى القدّيس مار أفرام. ولكن مجمل البحّاثة يفضِّلون أن ينسبوا هذا الكتاب إلى مدرسة أفرام لا إلى أفرام نفسه. وقد راح بعضهم يرفض أن تُنسب مغارة الكنوز إلى مدرسة أفرام أيضًا، وراح البعض الآخر يبيِّن تأثير مغارة الكنوز على أفرام.

 

ونحن نجد في مخطوط رايلاند سريانيّ 41، ص 745 لمؤلَّف سريانيّ يعود إلى القرن العاشر (اسمه أي جنَّة النعيم) أنَّ مؤلِّف مغارة الكنوز هو موديوس أو ميتوديوس المزعوم (كما يسمّيه النساطرة) الذي تأثَّر بمغارة الكنوز حين كتب سفر الرؤيا.

 

وتذكر كرونيكة منسوبة إلى ديونيسيوس التلمحريّ (حوالي القرن الثامن) كتاب مغارة الكنوز دون أن تسمّي المؤلِّف. ولكنَّ الكرونيكة المغفَّلة التي تصل إلى سنة 1234 والتي تبدو قريبة من مخطوط برلين (ساخو 9) تجعل أفرام صاحب سلسلة القبائل التي نقرأها في مغارة الكنوز: فقد اليهود سلسلة الأجيال ولم يستطيعوا أن يبيِّنوها في الكتب العبريَّة أو اليونانيَّة… ولكنَّ مار أفرام بيَّن بوضوح أنَّه، حين عاد بنو إسرائيل من بابل، وَلَد زربّابلُ أليهودَ من ملكة بنت عزرا الكاتب (رج المغارة 44/1-5). ونجد ملاحظة في المخطوط الفاتيكانيّ (سريانيّ 164، ورقة 63) الذي يشير إلى الإفخارستيّا والمعموديَّة لكاهن نسطوريّ اسمه سمعان، وقد قال: كما كتب مار تيودور، مفسِّر الأسفار الإلهيَّة، نعرف ما يوجد في كتابه الذي يسمّى الأعماق، ويشهد عليه مار أفرام في مغارة الكنوز (يعود هذا النصّ إلى القرن الثالث عشر).

 

أمّا الترجمات العربيَّة والحبشيَّة فتنسبان مغارة الكنوز إلى كليمان. فالنصّ العربيّ الذي هو سابق للنصِّ الحبشيّ يعود إلى سنة 750-760. والنصُّ الجيورجيّ الذي يعود إلى القرن الحادي عشر يقول إنَّ أفرام هو صاحب مغارة الكنوز. فينتج من هذه المعطيات أنَّ نسبة مغارة الكنوز إلى أفرام السريانيّ لا تعود إلى أبعد من القرن الحادي عشر.

 

ج – أين ومتى دُوِّن كتاب مغارة الكنوز؟

 

هنا يختلف البحّاثة. فحين نسبت المخطوطات هذا المؤلَّف إلى مار أفرام، قالوا: في الرها. منذ القرن الرابع إلى القرن السادس كانت الرها مدينة مهمَّة بالحركة الأدبيَّة التي ولَّدت مؤلَّفات عديدة. وقال آخرون: في شمال بلاد الرافدين. في نصيبين أو الرها، لأنَّ هذه الأرض هي مكان الاتِّصالات والجدالات. ولكنَّ تيارًا آخر جعل مغارة الكنوز تُكتب في المحيط الرهبانيّ المصريّ، وتيّار آخر جعلها في إيران أو سورية أو فلسطين.

 

ومتى دُوِّنت؟ قال أحد البحّاثة: إنَّ مغارة الكنوز تألَّفت في البداية من ثلاثة نصوص مختلفة نمت في عالم غنوصيّ وفي شيعة الشيتيّين. وهذه النصوص الثلاثة هي: كتاب آدم، نسب مريم العذراء، أبوكريف حياة يسوع. وزاد: جمعَ الأصلَ منذ سنة 350 كاتبٌ أبيونيّ وأدخلَ فيه تواريخ ترتبط بالتوراة ثمَّ زيدت أخبار عن موسى وسليمان والأنبياء. أمّا الكتاب في شكله الحاليّ فقد دوَّنه كاتب نسطوريّ في بداية القرن السادس وزاد عليه ملحقًا لا نجده في النسخة العربيَّة. والذي دفع البحث إلى الكلام عن كاتب نسطوريّ هو وجود اسمي علم في جملة موجَّهة ضدَّ أصحاب الطبيعة الواحدة (29/10) ضدَّ تبّاع كيرلُّس الأثيم (+ 444) وسويريوس الحقير (+ 538) اللذين ربطا الآلام بالكيان الأزليّ.

 

أوَّل كتاب يَرِدُ فيه نصٌّ من مغارة الكنوز يعود إلى القرن السابع (مجموعة ديونيسيوس المزعوم). وبعد القرن السابع أثَّرت مغارة الكنوز على رؤيا ميتوديوس المزعوم، وعلى كرونيكة من القرن الثامن تُنسب إلى ديونيسيوس التلمحريّ، على كرونيكة مغفَّلة تصل إلى سنة 1234.

 

4- مضمون مغارة الكنوز

 

يبدأ الكتاب على الوجه التالي: »بقوَّة ربِّنا يسوع المسيح نبدأ بكتابة مقال التكوين الذي هو مغارة الكنوز. وهو يفسِّر كيف خُلق آدم ويتحدَّث عن تدابير الله نحوه ونحو الأجيال اللاحقة. ساعدني، يا ربّ برحمتك ووجِّهني حتّى أتمَّه. آمين«. هذا في النصِّ الشرقيّ. أمّا في النصِّ الغربيّ فنقرأ: »نكتب بفضل الله مغارة الكنوز الذي ألَّفه القدّيس مار أفرام السريانيّ«.

 

ونقسم الكتاب ثلاثة أقسام. يتوازى القسمان الثاني والثالث مع كفاح آدم وحوّاء. أمّا القسم الأوَّل من الكفاح الذي يتحدَّث عن صراع آدم وحوّاء مع الشيطان فقد حلَّ محلَّه في مغارة الكنوز تصويرٌ لعمل الخلق.

 

القسم الأوَّل:

 

خبر الخلق. في البدء، في اليوم الأوَّل أي في يوم الأحد المقدَّس الذي هو بداية كلِّ الأيّام وبكرها، خلق الله السماء والأرض والمياه والهواء والنور والقوى غير المنظورة أي الملائكة. ورفَّ الروح على المياه ليُخصبها ويجعلها خمير الخلق. وخلق آدم في اليوم السادس، أي يوم الجمعة، في الساعة الأولى. وتكوَّن جسده من أربعة عناصر: التراب، الماء، الهواء، النار. وتمَّ هذا الخلق في أورشليم. وَضع آدم قدميه حيث وُضع صليبُ المسيح. وتكلَّل الإنسان الأوَّل بالمجد وانحنى أمامه كلُّ الملائكة إكرامًا له، ما عدا رئيس جوقة الملائكة السفليّين. فأُحدر الملاك المتمرِّد من السماء في الساعة الثانية وسمِّي بعد ذلك الوقت: شيطان (المنحرف)، شيدو (الساقط)، ديوو (الخبيث). وصعد آدم في الفردوس ليقيم في المكان الذي فرغ بسبب الملاك الساقط. كان ذلك يوم الجمعة، الساعة الثالثة. وخُلقت حوّاء. وعرف أبوانا الأوَّلان السعادة في عدن التي هي الكنيسة المقدَّسة. والكنيسة هي رحمة الله. والتحف آدم وحوّاء بالمجد ثلاث ساعات وامتلكا سعادة كاملة. وكان آدم الكاهنَ والملكَ والنبيّ. وجاءت السقطة. فدخل الشيطان في الحيَّة وانتظر الوقت الذي كانت فيه حوّاء وحدها فدفعها إلى أن تأكل من ثمرة الشجرة. ثمَّ أعطت زوجها فأكل.

 

دخلا الفردوس في الساعة الثالثة، ونعما ثلاث ساعات بعطايا الله. وظلَّ عريُهما مكشوفًا ثلاث ساعات. وفي الساعة التاسعة خرجا من الفردوس. وإذ أراد الله أن يعزِّيهما وعدهما بفادٍ يُولَد من عذراء. وأمر آدم بأن يطلب من أولاده أن يحنِّطوا جسده ويضعوه في مغارة إلى يوم يترك نسله جوار الفردوس. والذي يبقى حيٌّا يأخذ الجسد ويجعله في وسط الأرض لأنَّه هناك سيُمنَح الخلاصُ لآدم ولكلِّ أبنائه. وأوحى الله إلى آدم كلَّ المستقبل وأعلمه أنَّ الابن سيتألَّم عنه.

 

وترك آدم وحوّاء الفردوس وكانا بعد بتولين، واختبأا في مغارة وجداها في جوار قمَّة الجبل. وقبل أن يتجامعا في فعل زواجيّ، أخذ آدم من على حدود الفردوس الذهبَ والمرَّ والبخور ووضعها في المغارة التي باركها وقدَّسها لتكون موضع صلاة له ولأبنائه وسمّاها مغارة الكنوز.

 

في هذا القسم يعود الكاتب إلى نصِّ التوراة ويتوسَّع فيه على طريقة الرابينيّين أو معلِّمي اليهود ولا ينسى أن يطعِّمه بالعقيدة المسيحيَّة. يتحدَّث عن الأحد ويقول فيه: »في هذا الأحد رفَّ الروح القدس على المياه بشكل الأقانيم المعبودة، أقانيم الثالوث الأقدس« (1/4). ويقول في خلق الإنسان (2/2-3): »في اليوم السادس الذي هو الجمعة، في الساعة الأولى، وإذ كان الصمت يسيطر على كلِّ قوات الأجواق الروحانيَّة، قال الله: لنصنع الإنسان كصورتنا ومثالنا، فدلَّ بحرف النون (نصنع) بدل الألف (أصنع) على أقنوم الابن وأقنوم الروح الممجَّدَين«.

 

وهنا نورد ما قاله النصُّ الغربيّ عن آدم (2/12-25):

 

وجبَل آدم بيديه المقدَّستين على شكله ومثاله. وإذ رأى الملائكة صورة آدم ومنظره المجيد اضطربوا من جمال شبهه. رأوا شبه وجهه يشتعل نورًا مجيدًا مثل لباس الشمس: كان نور عينيه كشعاعات الشمس وشبه جسده كنور البلُّور المجيد. وإذ تمدَّد قام في وسط الأرض ووضع قدميه في المكان الذي غرس فيه صليب مخلِّصنا. هناك ارتدى لباس الملكوت ووضع على رأسه إكليل مجد. هناك صار ملكًا وكاهنًا ونبيٌّا. هناك أجلسه الله على عرش الملكوت. هناك اجتمعت كلُّ الحيوانات والطيور والبهائم وعبَرت أمام آدم فأعطاها اسمًا، فحنَت رأسها وسجدت أمامه. وسمع الملائكة وقوّات السماء أيضًا صوت الله يقول لآدم: ها أنا جعلتك ملكًا وكاهنًا ونبيٌّا وسيِّدًا ورئيسًا ومدبِّرًا لكلِّ الخلائق والبرايا. لك وحدك أعطيتك إيّاها وسلَّطتك على كلِّ ما خلقت. فحين سمع الملائكة وعظماء الملائكة والجلاّس والسادات والكروبيم والسرافيم وكلُّ القوّات السماويَّة هذا الصوت، حنوَا ركبهم وسجدوا أمامه.

 

القسم الثاني: الخبر حتّى ملكيصادق.

 

نزل آدم وحوّاء من الجبل وحبلت حوّاء فولدت ابنًا هو قايين وابنةً هي لبودا. وولدت أيضًا توأمين هما هابيل وأخته قليمات. وحين كبروا قال آدم لحوّاء: سيَّتخذ قايين قليمات زوجةً له وهابيل لبودا. ولكن لبودا كانت جميلة فرغب قايين في أن يتزوَّجها. ودخل الشيطان في قايين وأوحى إليه بأن يقتل هابيل بسبب أخته لبودا، ولأنَّ الله لم يقبل قربانه. قتل قايين هابيل فصدر عليه الحكم. بكى آدم وحوّاء هابيل مئة سنة ثمَّ تجامعا من جديد فولدت حوّاء شيتًا الذي كان رجلاً جميلاً وجبّارًا وكاملاً مثل آدم. وكان أبا كلِّ الجبابرة الذين عاشوا قبل الطوفان. وولد شيت أنوش، وولد أنوش قينان، وولد قينان مهللئيل. كلُّ هؤلاء وُلدوا في أيّام آدم.

 

وأعطى آدم توصياته الأخيرة إلى شيت: حنِّط جسدي وضعْه في المغارة ليُنقل في الوقت المناسب إلى وسط الأرض حيث سيتمُّ الخلاص. تجنَّب كلَّ علاقة مع أولاد قايين. ومات آدم يوم الجمعة في الساعة التاسعة، في الساعة عينها التي فيها أسلم ابن الله روحه للآب على الصليب. وانفصل أولاد شيت عن أولاد قايين. حياة طاهرة وسعيدة للأوَّلين، على الجبل قرب جسد آدم. حياة ماجنة للآخرين. وكان لامك أعمى فقتل قايينَ في الغابة بعد أن حسبه وحشًا. ومات الآباء الواحدُ بعد الآخر ونقلوا الوصايا التي تركها آدم. وفي وقت يارد بدأ أولاد شيت ينزلون من الجبل واتَّحدوا مع النسل الملعون. ونقل الله أخنوخ إلى بلاد الحياة، إلى المنازل العذبة التي تحيط بالفردوس، إلى الأرض التي لا تعرف الموت. وولد الجبابرة حين تزوَّج أبناء شيت من بنات قايين.

 

واعترض الكاتب على الذين يظنُّون أنَّ أبناء الله (تك 6: 2-4) هم الملائكة. أعلن: ليس هذا بصحيح. فليس هذا العمل من طبع الملائكة لأنَّ لا جنس لهم.

 

ونقل نوحٌ جسد آدم وحوّاء إلى السفينة وحمل سام الذهبَ وحامٌ المرَّ ويافتُ البخور (أو اللبان). وفُصل الجنسان في السفينة كما يُفصلان في الكنيسة، في جماعة المؤمنين. وكان الطوفان. وبعد موت نوح أخذ سام وملكيصادق من السفينة جسد آدم وسارا بقيادة الملاك ووضعاه في وسط الأرض، في الجلجثة. فانفتحت الأرض بشكل صليب وقبلت الجثمان ثمَّ انغلقت على ذاتها. ولهذا سُمِّي ذاك المكان موضع الجمجمة. وأُعلن ملكيصادق كاهنًا بفم سام.

 

هنا يترك النصُّ التوراة إلاَّ في بعض مقاطع مثل تصوير سفينة نوح (ف 14). ولكنّ الفصول 18-21 تُبرز تأويلاً نمطيٌّا سنكتشفه حين نتحدَّث عن إبراهيم وملكيصادق وموسى. أعاد المؤلِّف كتابة النصِّ التوراتيّ وضمَّ إليه عناصر روائيّة انتقلت بطريقة شفهيَّة. في النصِّ الشرقيّ في 21/19 أقحم الكاتب النسطوريّ عبارةً هاجم فيها أصحاب الطبيعة الواحدة: وهذا ليسكت الهراطقة الذين يقولون إنَ الله صلب. دعاه الربّ، كما يقول بطرس في أعمال الرسل: إنَّ يسوع الذي صلبتموه قد جعله الله ربٌّا ومسيحًا (أع 2: 36).

 

وينتهي الخبر في 24/2 بدفن جثمان آدم على الجلجثة وموت سام. بعد هذا الخبر، أي بعد قصَّة أرفكشاد، إلى رواية نمرود في 27/22، يعود النصُّ إلى الفنِّ الأدبيّ الخاصّ بسفرَي الأخبار.

 

القسم الثالث: لمحة على تاريخ الكون منذ موت سام إلى موت سيِّدنا يسوع المسيح. في ف 28-34 (من إبراهيم وملكيصادق إلى موسى) نجد أخبارًا بيبليَّة وُضعت فيها عناصر إخباريَّة عديدة انتقلت بطريقة شفهيَّة. وكلُّ عنصر إخباريّ يتبعه تأويل نمطيّ: ذبيحة إسحق، حلم يعقوب، لقاء يعقوب برحيل، رمز راحيل وليئة. أمّا التوسُّعات الدفاعيَّة عن الصلب (29/10) وعن نسَب ملكيصادق (30/12-17) فأُقحمت لاحقًا في النصّ. ويبدأ توسُّع جديد في 34/10 وينتهي مع ف 41 فيورد مقاطع من أسفار القضاة والملوك والأخبار ويقدِّم لنا تقاليد من خارج التوراة تتعلَّق بحزقيّا (ف 39) واستشهاد إشعيا (ف 40). وترد في ف 42-43 أخبار عن الأسفار المقدَّسة، عن زربّابل وعزرا. ثمَّ يعرض نسَب مريم العذراء. ويزيد النصُّ على السلسلة المتّاويَّة أسماء نساء الآباء وأصل كلٍّ منهنَّ. وفي النهاية (ف 44-54) نقرأ مقالاً دفاعيٌّا موجَّهًا إلى أخينا نموسايا فيعدِّد أوَّلاً في 44 – 63 الأجيال منذ آدم إلى المسيح، ويذكر النسوة مع درجة قرابتهنَّ. ويتضمَّن هذا المقال أيضًا أبوكريفًا عن حياة يسوع (ف 45-51) (هنا نشير إلى أنَّ النسخة العربيَّة تنتهي في 44/48) وتأويلاً نمطيٌّا عن آدم والمسيح يستعيد ما قيل في القسمين الأوَّل والثاني ومراجعة سلسلة الأنساب من آدم إلى المسيح (ف 52) وتوسيعًا دفاعيٌّا مبنيٌّا على عرض إخباريّ للفترة الواقعة بين الصلب والعنصرة (ف 53-54). وهكذا يكون تقارب بين هذا المقال وبين الحقبة التي تمتدُّ من الخلق إلى دفنة آدم.

 

وقبل أن نقدِّم بعض الملاحظات نودُّ أن نورد نصٌّا يتحدَّث عن يسوع على الصليب (ف 51):

 

وسقَوه خلاٌّ بإسفنجة مُزج فيها الخلُّ والمرّ. بالخلِّ الذي أعطوه أقرُّوا أنَّهم بدَّلوا طبعهم القديم ومالوا عن الخير إلى الشرّ. وبالمرِّ دخل فيهم سمُّ الحيَّة الماكرة. ودلُّوا أنَّهم شربوا من هذا الخمر الذي أفرح الأنبياء والملوك والكهنة. بما أنَّهم كانوا ورثة أردياء وما أرادوا أن يَفلحوا كرمَ الحبيب أنتجوا خرّوبًا بدل العنب، فحمض النبيذ الذي عصروه من الخرّوب. وإذ صلبوا الوارث على خشبة الصليب مزجوا مرارة شرٍّ حموضتهم مع الخمر وأعطوه إيّاه ليشرب من عنب كرمة الأمم فلم يشأ. وقال: أسقوني من الكرمة التي أخرجها أبي من مصر… يا نموسايا أخي، إنَّ الطوباويّ موسى رأى مسبَّقًا بعين الروح ما سيعملونه للمسيح… لم يسقوه في كأس بل على إسفنجة ليدلُّوا على أنَّه محا منهم ومن بيوتهم بركة آبائهم… حين تمَّت الشريعة والأنبياء، وحين عُرِّي آدم وحُفر ينبوع المياه الحيَّة التي أرسلت من العلاء لخلاصه، ضرب المسيح بالرمح فخرج من جنبه الدم والماء ولم يمتزجا. لماذا خرج الدم قبل الماء؟ لسببين. الأوَّل: ليعيد إلى آدم الحياة بالدم. وبعد الحياة تأتي القيامة لأنَّ الماء هي المعموديَّة. بالدم سيكون الخلود وبالماء الموت ووجود الألم. انحدر الدم والماء في فم آدم. وحين نجا آدم من الموت ولبس ثوب المجد سطَّر المسيح بدمه قرار عودته وأرسله إليه بواسطة اللصّ.

 

وها نحن نسوق ملاحظات ثلاث: الأولى. إنَّ الأخبار البيبليَّة انتقلت بطريقة شفهيَّة فتنظَّم كلُّ مقطع حول أحداث أو أشخاص من التوراة. وهكذا نستطيع أن نميِّز ثلاثة مستويات. المستوى الأوَّل: تتبعُ الأخبار التأويل بفضل إيرادات قصيرة من سفر التكوين (ف 1-5). المستوى الثاني: تتبعُ التأويلات النمطيَّة الأخبار وقد ارتبطت بنصوص من المزامير أو العهد الجديد (ف 18-21؛ 28/1-34/10؛ 42/1-43/5). المستوى الثالث: منذ موت آدم حتّى دفنه على الجلجثة (ف 6-17؛ 22-23)، تسيطر الأخبار الروائيّة التي جمعت في القسم الأوَّل من مغارة الكنوز حسب الترتيب الزمنيّ للتوراة مع إقحام ف 24-27. أمّا المقاطع الدفاعيَّة حول نسَب ملكيصادق (30/12-17)، وصلب المسيح (29/10)، فقد أقحمت هي أيضًا. نجد المقطع عن نسب ملكيصادق في كلِّ المخطوطات، أمّا المقطع عن نسَب المسيح فلا نجده في المخطوطات الغربيَّة ولهذا يعتبر البحّاثة أنَّ كاتبًا نسطوريٌّا زاده على النصّ.

 

الملاحظة الثانية. يتكوَّن المقال الأخير من مغارة الكنوز من مؤلَّف دفاعيّ نقرأه في ف 44-45. فالذي أُرسل إليه هذا المقال يدعى نموسايا (أي رجل الناموس) وهو يهوديّ متعلِّق بالشريعة. في هذا المقال نجد »كتاب سلسلة القبائل« وهو عنوان مغارة الكنوز في بعض المخطوطات.

 

الملاحظة الثالثة. نشير أخيرًا إلى النسَب البيبليّ الذي أُقحم في 34/11-41/22. إنَّه يرتكز على نصِّ الترجمة السريانيَّة البسيطة وقد وُضع في الكتاب في زمن متأخِّر.

 

مغارة الكنوز (مثل كفاح آدم وحوّاء) كتاب مسيحيّ استعمل موادَّ يهوديٌّة. فالتقليدُ اليهوديّ عرف مغارة آدم. فنحن نقرأ في الزوهار:

 

قبل موت آدم أشفق القدّوس (تبارك اسمه) عليه وسمح له أن يدفن في جوار جنَّة عدن. فإنَّ آدم كان قد صنع مغارة قريبة من جنَّة عدن واختبأ فيها مع امرأته حتّى ساعة موتهما. كيف استطاع آدم أن يعرف أنَّ هذه المغارة تقع بقرب جنَّة عدن؟ رأى شعاع نور يخرج من عدن، من حيث طرد.

أخبار ادم في الأسفار المنحولة ف2 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

خمسة مزامير لداود ف1 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

خمسة مزامير لداود ف1 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

خمسة مزامير لداود ف1 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

 

 

 

مقدمة

حين نقرأ المجلات العلمية في أوروبا وفي أميركا، نكتشف الغنى الذي يزخر به الشرق القديم، سواء اليوناني أو السرياني أو القبطي أو الأرمني. ولكن هل يعرف الشرقيون ما عندهم من كنوز؟ توقّفوا عند فترة من الزمن واعتبروا أن التاريخ يبدأ هنا، مع أن الحضارات تغرز جذورها منذ آلاف السنين قبل المسيح، سواء في مصر أو في بلاد الرافدين التي يشكل العراقُ القسم الأكبر منها، هذا دون أن ننسى أوغاريت وصور وصيدا وجبيل، تلك المدن الكنعانية التي كانت الحدود الغربيّة تجاه عدنان، الحدود الشرقيّة وبينها قحطان.

 

من أجل هذا كان كتابٌ يغوص في أعماق الشرق. عنوناه: »فيوض في الفكر المشرقي«. أردناه رفيقًا لمن يريدون أن يكتشفوا تراثهم، فقدّمنا فيه النصوص والاسماء الكبيرة والتيارات الفكرية التي ما زالت تتفاعل في حضارتنا اليوم وفي عاداتنا.

 

كتاب قدّمناه في أربعة أقسام:

 

في القسم الأوّل قرأنا في التقاليد السريانيّة مزامير أضيفت إلى المزامير، وأخبار آدم وحواء وصولاً إلى »مغارة الكنوز«. في القسم الثاني تعرّفنا إلى أول الفلاسفة السريان، إلى برديصان الرهاوي الذي ترك لنا فيما ترك شرائع البلدان في كلام عن الحرية والقدر. القسم الثالث ينقلنا إلى سورية، وإلى حمص حيث برز في من برز نميسيوس الحمصي، ابن الحضارة الأراميّة والكاتب في اليونانية كتابه في طبيعة الانسان أو كتاب انتربولوجي يحاول أن يقرأ الفلسفة اليونانيّة في إطار مسيحي.

 

أما القسم الرابع والأخير فهو يقدّم لنا شخصيات شرقيّة وصلت إلينا آثارها في السريانية، سواء كُتبت في السريانية أو في اليونانية أولاً. غريغوار أبو الفرج ابن العبري. هذا الفكر الموسوعي الذي شبّهه الغربيون البير الكبير أو توما الأكويني. بل هو راح أبعد من اللاهوت وصولاً إلى اللغة والشعر والتاريخ. والشخصيّة الثانية هو من كنيسة الشرق، ايشوعداد المروزي الذي جمع غنى التفسير السرياني على مدى قرون في ما تركه من شروح للكتاب المقدس بعهديه. ونمضي إلى مصر مع أثناز أسقف الاسكندرية وبابا الكرازة المرقسيّة. نُقلت كتبه إلى السريانية وها نحن نقرأ مقاله »في تجسد ربّنا وفي الثالوث«. ومن الاسكندرية إلى القسطنطينية مع نسطور الذي ظُلم في مجمع أفسس فدوّن فكره في كتاب ضاع في اليونانية ووصل إلينا في السريانية تحت عنوان غريب تجارة هرقليد. نقرأه فلا نجد فيه أثرًا للهرطقة ولكن سيطرة اللغة اليونانيّة على مفردات سريانية. فما الفرق أن تكون مريم والدة الله أم والدة المسيح؟ وننهي هذا القسم مع عملاق من عمالقة انطاكية: البطريرك سويريوس. ترك قرابة أربعة آلاف رسالة عدا الكتب اللاهوتية والمواعظ، وكل هذا ضاع في اليونانية بعد أن أمر الامبراطور باتلافها، ولكنه وُجد في السريانية، ونحن نقرأ بينها خطب المنابر التي هي عظات الاسقف في كاتدرائيته.

 

فإلى مثل هذه الرحلة ندعو القارئ ليفرح كما فرحنا حين اكتشفنا أن تراثنا غني جداً، وتأسفنا لأن القليل القليل يعرفونه

 

الفصل الأول

خمسة مزامير لداود

 

لم تُكتب في لائحة المزامير(*)

 

هذا هو العنوان الذي يسبق خمسة مزامير منحولة: هي لم تدخل في عِداد المزامير التي نقرأها في الكتاب المقدَّس. فما هو أصل هذه المزامير وكيف وصلت إلينا؟

 

1- أصل هذه المزامير

 

من المعلوم أنَّ النصَّ العبريّ عرَف مئة وخمسين مزمورًا نُسبَت إلى داود في القديم، وشرحها العلماء في العصور الحديثة، فوجدوا أنَّها تُليَت في أوقات مختلفة من تاريخ شعب الله. جعلها التقليد على اسم داود، كما جعل الكتب الحكميّة على اسم سليمان، كما ربط كلَّ ما ورد في كتب الشريعة باسم موسى.

 

عرف التقليد المسيحيّ المزمور 151 في النصّ اليونانيّ السبعينيّ(1). وفي الهكسبلة(2) السريانيّة(3). ولكنَّ أحدًا لم يعرف بوجود خمسة مزامير تُزاد على المئة وخمسين مزمورًا التي نقرأها في الكتاب المقدَّس، إلى أن اكتشفها يوسف شمعون السمعانيّ في مخطوط سريانيّ من المكتبة الفاتيكانيّة(4). وانتظرنا قرنًا ونيّف لينشر العالم الإنكليزيّ رايت هذه المزامير عن مخطوط وجده في كمبريدج (يعود إلى نهاية القرن السابع عشر) وينقلها إلى الإنكليزيّة(5). وتبعه منغانا سنة 1927 فاستفاد من مخطوطين جديدين في مكتبة رندل هاريس(6) ونقل هذه المزامير إلى الإنكليزيّة(7). أمّا مارتن نوت الألمانيّ فنشر بطريقة علميّة هذه المزامير وألحقها بترجمة ألمانيّة وحاول أن يعيد كتابةَ ثلاثةٍ منها في نصِّها الأصليّ أي العبرانيّ(8).

 

وتســـاءل النقـــّاد: من أين جـــاءت هـذه المزامـير الخمســـة الــتي لا نقـــرأها إلاّ في الســـريانيّـة، فوجدوا أنّهــا تعود إلى محيط أسيانيّ(9). وصدق حدثُهم(10) فيما بعد يوم اكتشف العلماء في مغاور قمران القريبة من البحر الميت بعض المزامير المدوَّنة في العبريّة(11).

 

2- نصّ هذه المزامير السريانيّة

 

سنة 1972 نشر العالِم بارس النصّ السريانيّ لهذه المزامير بطريقة علميّة في إطار نصوص الكتاب المقدَّس كما وردت في البسيطة(12) واستند إلى المخطوطات التالية:

 

مخطوط بغداد (كان قبلاً في الموصل) في مكتبة بطريرك الكلدان (رقم 1113). كتبته يدٌ متقنة في القرن الثاني عشر تقريبًا. فصار المخطوط الأساسيّ لنشرة ليدن الأخيرة. يتضمَّن هذا المخطوط المزامير الخمسة المنحولة 151-155، في ترتيب لا نجده في أيِّ مخطوط آخر(13). نلاحظ في الهامش قراءات مختلفة عن النصّ الأساسيّ سنجدها في سائر المخطوطات، وهذا يدلّ على قدم مخطوط بغداد وعلى عناية الذين قاموا بنسخه.

 

مخطوط برلين. نجده في مكتبة الدولة الألمانيّة (شرقي 3122). نقرأ المزامير في نهاية الكتب النبويّة. يبدو أنّ الناسخ أخذ النصّ عن مخطوط إيليّا الأنباريّ(14) ونسخه في القرن الرابع عشر.

 

أمّا ما تبقّى من مخطوطات، فكلُّها أُخذت عن كتاب الدرس(15) للمطران إيليّا الأنباريّ: منغانا 31 (القرن الرابع عشر) وتنقصه الحركات، ومخطوط مكتبة كمبريدج (رقم 1995) يعود إلى القرن السابع عشر، ومخطوط آخر من برلين (3120) مؤرَّخ بسنة 1699، ومخطوط لندن المؤرَّخ بسنة 1733، ومخطوط الفاتيكان رقم 183 (1703) ومخطوط ساخو في برلين رقمه 132 (سنة 1880).

 

نُشير هنا إلى أنّ أقدم مخطوط للمزمور 151 يعود إلى سنة 598/599. نقرأه في ترجمة سريانيّة لشرح المزامير للقدّيس أثناز الإسكندرانيّ(16). عرف هذا المزمور التقليدُ السريانيّ(17) والملكيّ(18) والمارونيّ(19) ونقلته بعض الكتب الليتورجيّة إلى العربيّة(20).

 

3- كيف تبدو هذه المزامير في نسختها السريانيّة

 

قبل المزامير نقرأ عبارة: »وأيضًا مزامير خمسة لداود لم تُكتب في صفّ المزامير«. في أقدم مخطوط للمزمور 151 نجد مقدِّمة صغيرة هذه ترجمتها: »هذا المزمور المئة وواحد وخمسون كتبه داود وهو خارج العدد (الرسميّ)«. أمّا في مخطوط بغداد فتصادفنا مقدِّمة طويلة: »المزمور 151 لا وجود له في العبريّة. لا نجد السبب الذي لأجله كُتب هذا المزمور بحسب كلام أوسيب«. أمّا أثناز العالِم فيقول: »هي كلمات الافتخار بالربّ. فإن طلب منك، وأنت صغير أن تقوم بخدمة لإخوتك، فلا تتكبَّر عليهم. أمّا والله اختارك، فإن كنتَ لا تعطي المجدلة (فالويل لك)«. والطوباويّ مار ثاودور المفسِّر لم يكتب السبب. وهذه صورته في النسخات السريانيّة.

 

هذا في البداية، أمّا في النهاية، فإليك ما يقول مخطوط بغداد: »تمّ بعون ربِّنا مزامير الطوباويّ داود النبيّ والملك مع خمسة مزامير لم تحصَ في (النسخة) اليونانيّة ولا في (النسخة) العبريّة. أمّا وقد وُجدت في السريانيّة فنحن كتبناها لمَن طلبها(21)«.

 

ثمّ إنَّنا نجد قبل كلِّ مزمور مقدِّمة صغيرة على مثال ما نقرأ في كثير من المزامير القانونيّة(22). هذه المقدَّمات جاءت متأخِّرة. وحين زيدت على نصّ المزمور، ما عاد أحد يفهم التلميح إلى المحيط الذي خرجت منه. ولكن سيأتي وقت يكتشف فيه العلماء الجوّ الأسيانيّ الذي دُوِّنت فيه هذه المزامير المنحولة ووُضعت لها المقدِّمات المناسبة.

 

4- المزمور 151

 

والآن نعود إلى نصّ المزامير المنحولة الخمسة. المزمور الأوّل (151) عنونه الناشر: »فعل شكر لداود«. وأسبقه بمقدِّمة صغيرة يقول فيها: »(مزمور) لداود إذ قاتل جليات وحده«.

 

1 كنتُ صغيرًا بين إخوتي

 

وفتى من بيت أبي.

 

إذ كنت أرعى قطيع أبي

 

وجدتُ أسدًا ودبٌّا

 

فقتلتهما ومزّقتهما تمزيقًا(23).

 

2 يداي صنعتا آلة

 

وأصابعي ركَّبت كنارة.

 

3 من يدلُّني على ربّي؟

 

هو الربّ لي. هو الله لي.

 

4 أرسل ملاكه وانتزعني (وأخذني) من بين نعاج أبي ومسحني بزيت المسحة.

 

5 إخوتي حسان المنظر وطوال القامة، ولكنّ الربّ لم يرضَ بهم.

 

6 خرجت للقاء الفلسطيّ فلعنني بأوثانه،

 

7 فاستللت سيفه وقطعت رأسه، واقتلعت (انتزعت) العار من بني إسرائيل.

 

المزمور 151 هو مزمور مسيحانيّ، بمعنى أنّه يوجّه أنظارنا إلى الملك المسيح الآتي، وهو يروي كيف دعا الله داود ومسحه بالزيت المقدَّس. هذا المزمور معروف من زمان بعيد وقد أوردته التوراة السبعينيّة والهكسبلة السريانيّة. ما نلاحظه في السبعينيّة والكودكس الأمبروزيانيّ والهكسبلة السريانيّة ومخطوط الدير السريانيّ في أورشليم (رقم 1472) هو غياب الآية: »صادفت أسدًا ودبٌّا فقتلتهما ومزّقتهما تمزيقًا«. هذه العبارة التي أُقحمت في هذا المزمور نقلاً عن المزمور 153، ربطت هذا المزمور بحياة داود وأرفقته بالمزامير الأربعة الباقية المولودة في محيط أسيانيّ. أمّا المزمور 151 فهو شاهد على الجماعة اليهوديّة العائشة في الإسكندريّة بمصر.

 

5- المزمور 152

 

هذا المزمور يقابل المزمور الرابع في كلِّ المخطوطات. أمّا في مخطوط بغداد فنقرأ: المزمور 152. ليس من أسباب قيل لأجلها هذا المزمور لا في نظر أوسيب ولا أثناز ولا مار ثاودور المفسِّر. ولكن دوِّنت هذه المزامير الأربعة على الوجه التالي.

 

بعد هذه التوطئة، تأتي مقدِّمة المزمور: »قاله داود يوم قاتل الأسد والدبّ اللذين أرادا أن يأخذا نعاجًا من قطيعه.

 

1 إلهي إلهي(24)، تعال إلى معونتي، ساعدْني وخلِّصني، ونجِّ نفسي من القاتلين.

 

2 هل أنزلُ إلى الجحيم في فم الأسد؟

 

أم يَظفُر بي الأسد فلا أكون(25)؟

 

3 لم يكفهما أنّهما كمنا لغنم أبي، ومزَّقا نعجة من القطيع(26) (الحظيرة). هما يطلبان نفسي ليُهلكانها!

 

4 أشفقْ أيّها الربّ على مَن اخترت، ونجِّ مَن طهَّرتَ (نقيّك) من الهاوية(27).

 

لبِثَ على تسابيحك كلَّ أوقات حياته ويسبِّح اسمك العظيم(28).

 

5 فأنت خلَّصته (عبدك) من الموت(29) المفسد(30)، وأعدتني من الأسر(31) من فم الوحوش(32).

 

6 أسرع يا سيّدي(33). أرسل من أمامك (لدنك، عندك) منقذًا، وانتشلْني من الهوّة التي تفغر فاها وتريد أن تحبسني في أعماقها.

 

هذا المزمور هو شكوى فرديّة فيه يقابل المرتِّل أعداءه بوحوش مفترسة. ولكن يجب أن نفسِّره تفسيرًا رمزيٌّا، فلا نكتفي بالقول إنّه يرسم أمامنا مشهدًا من حياة الرعاة: لمّا كان داود فتى يرعى قطيع والده هاجمه أسد ودبّ. فالمرتِّل يطلب من الله أن ينجّي نفسه من القاتلين، كما يحدِّثنا عن أسر الراعي داود وسط الوحوش المفترسة. نفهم الأسر هنا بالمعنى الرمزيّ. كان المرتِّل أسيرًا بين أعدائه وكان مكلَّفًا بجماعة دينيّة هي قطيع أبيه الذي هاجمه الأعداء وأرادوا أن ينتزعوا بعضًا منهم. وما اكتفوا بالهجوم على القطيع وحده، بل طلبوا حياة داود. هذا ما نقرأه في المدائح (2: 21): »حفظتَني من فخاخ الهاوية، لأنّ أشدّاء طلبوا حياتي«.

 

6- المزمور 153

 

هذا المزمور يقابل المزمور الخامس في سائر المخطوطات. وهذه مقدِّمته: »قاله داود حين شكر الله الذي خلَّصه من الأسد والدبّ، وقتل الاثنين بيديه«.

 

1 هلّلوا للربّ يا كلَّ الشعوب، سبّحوه وباركوا اسمه.

 

2 لأنّه نجّى نفس صفيِّه من أيدي الموت، وأنقذ تقيَّه من الهاوية.

 

3 خلّصَني من أشراك الجحيم وأخرجَ نفسي من الهوّة التي لا تُسبر أعماقها.

 

4 فلولا قليل، لو لم يأتِ (يخرج) خلاصي من عنده، لصرتُ قطعتين لوحشين.

 

5 ولكنّه أرسل ملاكه، فسدَّ عنّي الأفواه الفاغرة، وأنقذ حياتي من الهاوية.

 

6 لتسبِّحْه نفسي، ولتعظِّمْه على كلِّ نعمه التي صنعها ويصنعها لي.

 

هذا المزمور هو كسابقه شكوى فرديّة يُطلقها المؤمن، وهو يتجاوب مع المقدِّمة. نُقل عن العبريّة فجاءت كلماته قريبة ممّا نقرأ في مدائح قمران. فأشراك الجحيم (أو مثوى الموتى أكانوا أشرارًا أو أخيارًا)، تذكّرنا بالعبارة العبريّة »موقشي شحت« التي نقرأها في العمود الثاني السطر 21. وما نقرأ في الآية الخامسة من هذا المزمور، يجد صداه في مدائح قمران 5: 9-11: »سددتَ أفواه الأشبال التي أسنانها كسيف… نواياهم أن يمزّقوا. كمنوا، ولكنّهم لم يفتحوا عليّ أفواههم، لأنّك أنت يا إلهي سترتني من وجه بني آدم«. ونشير أخيرًا إلى كلمة »صفيّه« التي نجد فيها تلميحًا إلى المزمور 16: 10: »لا تترك في الجحيم نفسي، ولا تدع صفيَّك يرى الهاوية«. هذا المزمور الذي يحمل معنى مسيحانيٌّا، طَبع بطابعه المزمور 153.

 

7- المزمور 154

 

ما زلنا نقرأ النصّ السريانيّ كما ورد في نصّ بطريركيّة الكلدان في بغداد، ونتبع تسلسل مزاميره. أمّا المزمور 154 فهو يقابل المزمور الثاني في سائر المخطوطات، وهذه مقدِّمته: »صلاة حزقيّا حين أحاط به الأشوريّون(34)، فسأل الله أن ينجّيه منهم. كما أخذ الشعبُ من كورش أمرًا ليرجعوا إلى بلادهم، وسألوا الله أن يتمِّم مبتغاهم«.

 

1 سبّحوا الله بصوتٍ عالٍ، أسمعوا تمجيده في الجماعة الكبيرة(35).

 

2 بين المستقيمين الكثيرين سبّحوه وامدحوه(36)، ومع الأمناء أخبروا بتسبيحه.

 

3 شاركوا الأخيار والودعاء في تسبيح العليّ.

 

4 إجتمعوا معًا وعرّفوا بقدرته، ولا تضجروا من إظهار مجده للبسطاء(37).

 

5 ولكي يعرف محبّو الربّ، أُعطيَت الحكمة.

 

6 ولكي تُروى أعماله، عُرفتِ الحكمة لدى البشر.

 

7 ليعرّفوا البسطاء بقوّته، وليُفهموا مجده للناقصي اللب،

 

8 البعيدين عن مدخله، المفصولين(38) عن بابه.

 

9 لأنّ ربّ يعقوب عليٌّ هو، وعظمته فوق كلِّ صنائعه.

 

10 والإنسان الذي يسبّح العليّ، يرضى عنه العليّ كما لو قرّب السميذ،

 

11 كما لو قرّب تيوسًا وعجولاً، كما لو صبَّ دهنًا على المذبح بوقائد عديدة، ومثل رائحة الأطياب من يد الصدّيقين.

 

12 من أبواب الصدّيقين يُسمع صوتَه(39)، ومن قول الأبرار نصيحتَه.

 

13 عندما يأكلون يشبعون بالحقّ، وعندما يشربون على مائدتهم معًا.

 

14 أحاديثُهم(40) في نشر شريعة العليّ، وكلامُهم للتعريف بقوّته.

 

15 ما أبعد كلامه عن الأشرار ومعرفتَه عن كلِّ الأثمة.

 

16 ها عين الربّ على أهل الخير لترحمهم.

 

17 وعلى مسبّحيه يُكثر المراحم، ومن الزمن الشرّير يُنقذ نفوسهم(41).

 

18 تبارك الربّ الذي خلّص البائسين من يد الأغراب، وأنقذ الودعاء من يد الأشرار.

 

19 الذي يقيم قرنًا(42) من يعقوب وقاضي الأمم من إسرائيل.

 

20 الذي يُديم مسكنه في صهيون ويُهيّئه في أورشليم إلى أبد الآبدين.

 

عنوان المزمور يربطنا بحدثين من تاريخ شعب الله. الحدث الأوّل: حصار أورشليم على يد سنحاريب الملك سنة 701 ق.م. الربّ سينجّي مدينته فيعود الأشوريّون إلى بلادهم. الحدث الثاني: نداء كورش برجوع جميع المسبيّين من الشرق، كلٌّ إلى بلاده. كان ذلك سنة 539، فعاد بعضُ اليهود إلى أورشليم، ورمَّموا مذبح المحرقات بانتظار أن يبنوا الهيكل ويرمّموا أسوار أورشليم(43).

 

أمّا جسم المزمور وصوَرُه ومفرداته، فتنقلنا إلى عالم الأسيانيّين، وهذا واضح انطلاقًا من الكلمات التي تدلّ على جماعة قمران. منذ البداية نقرأ: الجماعة الكبيرة أو جماعة الكثيرين، وهي نقل عن عبارة عبريّة (هعده هربيم) تشير إلى الأسيانيّين. وفي الآية الثانية تعود كلمة الكثيرين التي تشير إلى أعضاء هذه الشيعة العائشة في برّيّة يهوذا. وتتوافد التسميات: المستقيمون، الأمناء(44) والودعاء(45) والبسطاء(46) والبائسون(47). أبناء قمران يحبّون النصيحة والتعليم (آ12)، وهم يشتركون معًا في وليمة ليتورجيّة يفصلون فيها الخبز عن الخمر(48). يقدِّمون ذبائح ومحرقات ووقائد، شأنهم شأن سائر اليهود، ولكنَّهم يعتبرون أنّ نشيد الحمد يساوي كلَّ الذبائح إن لم يتفوّق عليها. فقوانين الجماعة (9: 4-5) تقول: »نستطيع أن نكفِّر عن التمرُّد الخاطئ وعن ذنب الكفر ونحصل على النعمة خارجًا عن لحم المحرقات وشحم الذبائح«.

 

وينتهي المزمور في انطلاقة رجاء مسيحانيّة. فالقرن يطلع من يعقوب، وقاضي الشعوب ينهض من بني إسرائيل. نتذكَّر هنا المزمور 132: 17 حيث نقرأ: »أنبتُ لداود قرنًا وأعدُّ لمسيحي سراجًا«. أقيم لداود نسلاً وأحافظ على دوره كملك. أخذته ومسحته بالزيت المقدَّس.

 

8- المزمور 155

 

إنّ المزمور 155 الذي يقابل المزمور الثالث في سائر المخطوطات، هو فعل شكر شخصيّ ترافقه شكوى: المؤمن مُتَّهم وهو بريء. لهذا يرفع صلاته إلى الربّ بعد أن حصل على عون الربّ وحصل على نعمة الشفاء. القسم الأوّل (1-7) يقدِّم لنا صراخ رجل في الضيق. والقسم الثاني (8-14) يرينا ذلك الرجل واقفًا أمام الربّ، طالبًا أن تخفّ حدّة العدالة وأن ينقلب ألمه خبرة في معرفة شريعة الله. في القسم الثالث (15-21) يُعلن المرتِّل أنّه إن نجا فسيُعلن طرق الربّ ويحدِّث بأعماله أمام الكثيرين. أجل بعد أن صرخ فاسترعى انتباه الربّ وطلب أن يطهَّر من آثامه ولا يدخل في تجربة، حوّل شكواه إلى نداء من أجل المغفرة والرحمة.

 

وبعد، هذه هي مقدِّمة المزمور: صلاة حزقيّا حين أحاط به الأشوريّون فسأل الله أن ينجّيه منهم(49). وهذا هو نصّ المزمور:

 

1 أيّها الربّ إليك أصرخ، أنصتْ إليّ

 

2 بسطتُ(50) يديَّ نحو ديارك المقدَّسة.

 

3 أمِل أذنك وهب لي ما أسأل،

 

4 ولا ترفضْ لي طلبتي،

 

5 أطلبْ(51) نفسي ولا تخرِّبها،

 

6 ولا تعرِّها أمام الأشرار.

 

7 يا ديّان الحقّ، رُدَّ عنّي الذين يتجاوزون الشرّ.

 

8 أيّها الربّ لا تحكم عليّ بحسب خطاياي، لأنّه لا يبرُّ أمامك كلُّ حيّ.

 

9 أفهمْني أيّها الربّ شريعتك، وعلِّمْني أحكامك(52)،

 

10 فيسمع الكثيرون بصنائعك ويمدح الشعوب وقارك.

 

11 أذكرْني ولا تنسَني، ولا تُدخلْني بين الذين يقسون عليّ.

 

12 أجز عنّي خطايا صباي، ولا تذكر لي تمرُّدي.

 

13 نقّني أيُّها الربّ من البرص السيّئ فلا يَعُد إليّ من بعد.

 

14 إجعل أصولَه يابسة فلا تنبت أوراقُه فيّ.

 

15 منيع وعظيم أنت يا ربّ، لهذا تستجيب سؤالي أمامك.

 

16 إلى مَن أرفع شكواي، فيهبني (الخلاص)، وماذا تزيدُني قوّةُ البشر؟

 

17 من عندك أيّها الربُّ اتّكالي. دعوتُ الربّ فأجابني وشفى كسر قلبي.

 

18 رقدتُ ونمتُ وحلمتُ واستيقظتُ،

 

19 والربّ عضدني. أشكر(53) الربّ لأنّه نجّاني.

 

20 الآن أشاهدُ خزيَهم. رجوتُك فلا أخزى. هب المجد لك إلى الأبد وإلى أبد الآبدين.

 

21 خلِّص إسرائيل صفيَّك وبيت يعقوب الذي اخترته(54).

 

وينتهي النصّ بالخاتمة: »كمُل بمعونة ربِّنا كتابُ المزامير للطوباويّ داود النبيّ والملك. مع خمسة مزامير ليست في اللائحة اليونانيّة ولا في اللائحة العبريّة. ولكنَّها وُجدَت، كما يقولون، في اللغة السريانيّة فكتبناها لمَن يطلبها«.

خاتمة : تلك هي المزامير الخمسة التي وجدها أوّل مَن وجدها العلاّمة يوسف السمعانيّ سنة 1759 في مخطوط سريانيّ، في المكتبة الفاتيكانيّة. وذاك هو ارتباطها بعالم الأسيانيّين العائشين في مغاور قمران. أمّا موقعها فنجده بين المزامير القانونيّة كما نقرأها في الكتاب المقدَّس، وبين عدد من المزامير عرفها العالم اليهوديّ المتأخِّر فوردت في كتب الصلاة لدى قمران كما في مزامير سليمان التي دوِّنت بعد سقوط أورشليم سنة 63 ق.م. على يد بومبيوس الرومانيّ، فارتبطت بعالم الفرّيسيّين.

(*) ورد هذا المقال في المشرق 71 (1997) ص 41-55.

 

(1) نذكّر القارئ أنّ السبعينيّة هي إحدى أهمّ ترجمات الكتاب المقدَّس إلى اليونانيّة. سُمِّيت كذلك بسبب الرواية التي تقول إنّ سبعين مترجمًا عملوا في الترجمة سبعين يومًا.

 

(2) الهكسبلة نسخة للكتاب المقدَّس في ستّة عواميد قام بها أوريجان المفسِّر الكتابيّ المصريّ الذي عاش في القرن الثالث ب.م. وسار على خطاه السريان واللاتين.

 

(3) لا نجد المزمور 151 في الترجمة البسيطة. سنة 1908 اكتشف سبوير النصّ السريانيّ لهذا المزمور في دير السريان الأرثوذكس في أورشليم في مخطوط يعود إلى سنة 1472. وطبعه في مجلّة ألمانيّة: 1908, p. 65-67. Zeitschrift für die alttestamentliche Wissenschaft,

 

(4) Bibliothecae Apostolicae Vaticanae: Codicum Manuscriptorum catalogus, Romae, 1759, 1, 3, p. 385-386.

 

(5) W. WRIGHT, Some Apocryphal Psalms in Syriac, in Proceding of the Society of Biblical Archaeology, IX (London, 1887), p. 257-266

 

(6) Rendel Harris Library.

 

(7) Christian Documents in syriac, Arabic and garshuni, edited and translated with a critical apparatus by A. MINGANA, with introduction by Rendel Harris I (1927) in Bulletin of the John Ryland\’s Library, V, II, 1927, p. 492-498 (avec comme titre: Uncanonical Psalms).

 

يعود المؤلِّف إلى مخطوطين: منغانا 31 جاء إلى لندن من كردستان وهو من سنة 1340، ومنغانا 51 يرجع إلى حوالى 1550.

 

(8) M. NOTH, “Die fünf syrisch überlieferten apocryphen Psalmen” in Zeitschrift für die alttestamentliche Wissenschaft, 1930, p. 1-23

 

(9) الأسيانيّون جماعة يهوديّة تعود إلى زمن الحشمونيّين (القرن الثاني ق.م.) مارست شبه حياة رهبانيّة، معتزلة حياة المدينة، ورافضة إقامة صلواتها في هيكل نجّسته سلالة كهنوتيّة مغتصبة. إقترح بعض العلماء أن تعود كلمة »أسيانيّ« إلى السريانيّة »حسيو« أي الطاهر والنقيّ، وعلّلوا ذلك بغياب حرف الحاء في اليونانيّة. ولكنّني أعتقد أنّ \’\’أسيانيّ\’\’ ترجع إلى كلمة \’\’أسا\’\’ المستعملة في السريانيّة (معناها شفى وأبرأ) واسم الفاعل هو أسيا كما في العربيّة. راجع: LUCIUS, Der Essenismus in seinem Verhaltnis zum Judentum, Strasbourg, 1881, p. 90, note 1. Voir aussi G. VERMES, “The Etymology of Essenes”, dans Revue de Qumran, 7(1960), p. 429.

 

يعتبر هذا الأخير إن كلمة »حسيو« وإن وُجدت في الآراميّة وسريانيّة الرها، إلاّ أنّها غير موجودة في لغة فلسطين.

 

(10)

 

يعتبر فيلوننكو أنّ هذه المزامير (ما عدا المزمور 151) تدلّ على صورة المعلِّم الصادق الذي تنتظره جماعة الأسيانيّين.

 

(11)

 

نشير هنا إلى أنّ العلماء اكتشفوا في مغاور قمران مخطوطًا من الرقّ نُسخت فيه مزامير قمران على ثمانية عشر عمودًا. هناك ستّة وستّون جزءًا فيها لا أقلّ من ثلاثين مزمورًا تبدأ بهذه الكلمة \’\’هودكه\’\’ أي أمدحك، ولهذا سُمّي الكتاب »هودايوت« أي المدائح.

 

(12) The Old Testament in Syriac, Pshitta “Apocryphal Psalms de. by W. BAARS in

 

Version, Part IV, 6, Leiden, 1966.

 

(13) نشير هنا إلى أرقام هذه المزامير في مخطوط بغداد وفي سائر المخطوطات

 

بغداد سائر المخطوطات

 

151 – الأوّل

 

152- الرابع

 

153- الخامس

 

154- الثاني

 

155- الثالث

 

(14) إيليّا الأنباريّ أو النصيبينيّ. وُلد في نصيبين (؟) في نهاية القرن التاسع، ورُسم مطرانًا على الأنبار سنة 922. وصلنا من تآليفه »رأس العلوم« أو كتاب المئويّات وهو مقالة في اللاهوت. راجع ألبير أبونا، أدب اللغة الآراميّة، بيروت، 1970، ص 404.

 

,La littérature syriaque , II,Anciennes littératures chrétiennes R. DUVAL,

 

Paris, 1907, p. 393.

 

)15) في السريانيّة »كتوبو ددوروشو«.

 

(16) المتحف البريطانيّ بلندن رقم 14568. هذا النصّ القديم يمكن أن يدلَّنا على أنّ المزمور 151 لا يعود إلى الهكسبلة وإن وُجدت نصوصه في الهكسبلةِ مشابهةً بعض الشيء لما نقرأ في هذا المخطوط. A. JUCKEL, Der Ktaha D-Durrasa (Ktaha D-Ma’Wata) des Elija Al-Anbari, Memra I-II (CSSO 559-560), Louvain, 1996.

 

(17) المتحف البريطانيّ 17111، 17125، بطريركيّة الكلدان في بغداد 211، رومة مكتبة أنجليكا 26، والفاتيكان في أساسه البرجيانيّ رقم 25، والفاتيكان السريانيّ 261.

 

(18) ليننغراد. انتقل إلى نيويورك في المكتبة العامّة 19، المتحف البريطانيّ 14674 (نجده أيضًا في دير السريان بوادي النطرون، رقم 25)، رومة الأساس البرجيانيّ 23.

 

(19) ميلانو، المكتبة الأمبروزيّة 31. لا نجد نصّ المزمور 151 في الترجمة البسيطة قبل القرن العاشر.

 

(20) الصهيونيّ رج حاشية 23. ثم في »البوليغلوتا أو المتعدّدة اللغات، باريس 1628. رج الخوري بولس الفغالي، المحيط الجامع في الكتاب المقدس والشرق القديم، المكتبة البولسية وجمعية الكتاب المقدس، 2003، ص 339

 

(21) راجع حاشية 16.

 

(22) على سبيل المثال: مز 51؛ 52؛ 53؛ 54 نقرأ في مقدِّمة هذا الأخير: لإمام المغنّين على ذوات الأوتار. قصيدة لداود عندما أتى الزيفيّون وقالوا لشاول: أليس داود مختبئًا عندنا؟ أمّا في السريانيّة فنجد عنوانًا آخر: لداود. إذ أرسل (داود) يوآب وجيشَه ليحاربوا أبشالوم.

 

(23) هذه العبارة غير موجودة في مخطوط بغداد، ولكنّنا نقرأها في سائر المخطوطات. تُرجمت العبارة في الماضي: »صادفت أسدًا وذئبًا«. ولكن ما نقرأه في 1صم 17: 34-36 جعلنا نقرأ: »صادفت أسدًا ودبٌّا«، والكلمة السريانيّة (دابو) تحتمل التفسيرين: ذئب ودبّ. نشير هنا إلى ترجمة الصهيونيّ في كتاب المزامير ص 439-440.

 

Liber psalmorum Davidis Regis et prophetae ex Arabico Idiomate in Latinum translatus a Gabriele Sionita Edeniensi & Victorio Scialac Accurensi Maronitis, e Monte Libano, Romae, 1614.

 

نقرأ في الهامش باللاتينيّة: لا نجد هذا المزمور لا في العبريّة ولا في النصّ اللاتينيّ الذي تستعمله الكنيسة الرومانيّة.=

 

.(hic psalm non est in hebr. neque in latino codice quo utitur eccl. romana) =

 

وإليك النصّ كما ورد عند الصهيونيّ. (1) صغيرًا كنت في إخوتي، حدثًا ببيت أبي راعيًا غنمه. (2) يداي صنعتا الأرغن، أصابعي عملت القيثار. (3) من الآن اختارني الربّ إلاهي (كذا) واستجاب لي. (4) أرسل ملاكه وأخذني من غنم أبي، ومسحني بدهن مسحته. (5) إخوتي حسان وأكبر منّي، الربّ لم يسرّ بهم. (6) خرجت متلقِّيًا للفلسطينيّ الغريب الجبّار، فدعا عليّ بأوثانه. (7) فرميته بثلثة أحجار في جبهته بقوّة الربّ. (8) فصرعته واستللت سيفه وقطعت به رأسه، ونزعت العار عن بني إسرائيل.

 

(24) نجد هنا تلميحًا إلى ما نقرأ في المزمور 22 ونحن لا نقول: الله، الله، بل إلهي إلهي. رج مت 27: 46 حيث ياء ضمير المتكلِّم حُذفت في البسيطة بعد أن انقطع الناس عن لفظها.

 

(25) أو: »أرسلتُ جوابًا إلى الذين أرادوا أن يبتلعوني وتوبيخًا للذين يهجمون عليّ«. الآية الثانية تلمّح إلى المزمور 16 فتطبع المزمور 152 بطابع داوديّ. صحّح المترجمون »بليل« (راجع في العربيّة ظفر) إلى »بلع« فترجموا: »هل يبتلعني الدبّ« (بدل الأسد)، فرأوا أنّ هذا الكلام ينطبق على المعلِّم الصادق مستنيرين بما قرأوا في تفسير سفر حبقوق: »تفسيرُ هذا يدلّ على الكاهن الكافر الذي اضطهد المعلِّم الصادق فابتلعه بحدّة غضبه في بيت منفاه«. راجع: تفسير حبقوق الذي وُجد في المغارة الأولى بقمران 11: 4-5. رج أيضًا »المدائح« 11: 8-9 حيث نقرأ: »وأرسلتُ جوابًا إلى الذين أرادوا أن يبتلعوني وتوبيخًا للذين يهجمون عليّ«.

 

(26) القطيع صورة عن الجماعة (راجع إنجيل يوحنّا الفصل العاشر). ولكنّ المقصود هنا لا الراعي الصالح الذي يضحّي بنفسه، بل حماس الكافرين الذين يهجمون على الراعي رئيس الجماعة.

 

(27) حرفيٌّا. أو: من الفساد. ولكنّنا أخذنا كلمة الهاوية تمشّيًا مع ما نقرأ في المزامير: 16: 10؛ 49: 10؛ 103: 4. يبدو أنّ المزمور 152 لم يؤلِّفه المعلِّمُ الصادق، ولكنْ أحد أبنائه الذي اكتشف في هذا المزمور الداوديّ شخص معلِّمه. لا شكّ في أنّ الرابينيّين (أو المعلِّمين اليهود) لم يهتمّوا للمزمور 16: 10، ولكن هذه الآية هي جزء رئيسيّ من البرهان الكتابيّ في خطبة بطرس يوم العنصرة (أع2: 25-31). وفي خطبة بولس في أنطاكية بسيدية (أع 13: 34-37). إذًا هي تدلُّ على المسيح المنتظر.

 

(28) حرفيًا: إسم عظمتك. كلّ أوقات حياته. حرفيٌّا: كلّ أوقاته.

 

(29) أو الأسد كما في سائر المخطوطات.

 

(30) أو الدبّ المؤذي.

 

(31) أو من أيادي، أظافر.

 

(32) الآية 5 تذكّرنا بنصّ نقرأه في مدائح قمران حيث يشبّه المعلِّمُ الصادق أعداءه بأسود خلّصه منها الربّ (5: 6-7): »جعلت نفسي للدينونة وسط أسود هيّأتُها لأبناء الهاوية«. أو في 5: 13: »نجّيتَ نفسَ المسكين في جبّ الأسود الذين سنّوا لسانهم السيف«.

 

(33) في الأصل »أدونيوهي«. والصحيح »أدوني« التي هي نقل عن العبريّة »أدوني« وتعني: يا سيّدي. راجع مخطوط برلين ومنغانا 31 وكمبريدج.

 

(34) في سائر المخطوطات: الأعداء.

 

(35) حرفيٌّا: في جماعة الكثيرين.

 

(36) حرفيٌّا: سبّحوا حمده.

 

(37) »شبري« أي الأولاد البسطاء. والبسطاء هنا يقابلون الأقوياء والأغنياء وأصحاب المعرفة والحكمة. أمّا الله فيلتفت إلى المساكين ويرفعهم.

 

(38) راجع كلمة »بذر« التي تعني: فرّق وفصل.

 

(39) نقرأ في بعض المخطوطات »ترعيك« بدل »ترعي« فتصبح الترجمة: »من أبوابك البارّة«. ولكنّ النصّ العبريّ يدفعنا إلى المحافظة على الترجمة التي قدَّمنا. راجع النصّ في: J.A. SANDERS,

 

, p. 64op. cit.

 

(40) إقترح المترجمون في الغرب تصحيح »شوعتيهون« التي تعني أحاديثهم، بكلمة »شكينتهو« التي تعني مسكنهم. ولكن لا نرى ضرورة لهذا التغيير. ., o. 38,op. cit M. PHILONENKO,

 

, p. 308Hymnes de Qumran

 

(41) حرفيٌّا: من زمن الشرّ ينقذ نفسهم.

 

(42) القرن يرمز إلى القوّة والجبروت. أمّا هنا فالكلمة تدلّ على شخص المسيح، وستكون إحدى وظائفه أن يكون، لا قاضيًا في بني إسرائيل وحسب، بل في الأمم الوثنيّة. هذا يعني أنّه سيملك على العالم.

 

(43) عز 3: 1-13؛ نح 2: 11-3: 10؛ حج 1: 1-15.

 

(44) راجع سي 1: 15 كما في البسيطة. الكلمة السريانيّة »شريري« تقابل العبريّة »انشيه امت« أي أناس الأمانة. راجع تفسير حبقوق في المغارة الأولى 7: 10؛ »والمدائح« 14: 2.

 

(45) »تميمي« أي الودعاء. يُرجع بعضهم الكلمة إلى العبريّة »تميميم« التي تدلّ على التمام والكمال (راجع فعل تمَّ في العربيّة). فأبناء قمران كانوا يسمّون نفوسهم »الكمّال«. راجع كتاب القوانين 3: 3.

 

(46) البسطاء أي »شبري« في السريانيّة. تقابل »فتييم« في العبريّة. راجع كلمة فتى في العربيّة. كان الأسيانيّون يسمّون نفوسهم »البسطاء«. راجع »تفسير حبقوق« 12: 4؛ »المدائح« 2: 9؛ 15: 4.

 

(47) البائسون. أو »بيشي« في السريانيّة. تقابل »أبيونيم« في العبريّة. هو اسم أبناء جماعة قمران. راجع »تفسير حبقوق« 12: 3، 6، 10؛ تفسير المزامير 2: 10؛ »المدائح« 11: 9، 13؛ 13: 14. راجع أيضًا »مزامير سليمان« 10: 6؛ 15: 1.

 

(48) راجع »كتاب القوانين« 6: 3-5.

 

(49) هذه مقدِّمة مخطوط بغداد. أمّا في سائر المخطوطات فنقرأ المقدِّمة التالية: »حين أخذ الشعب أمرًا من كورش بأن يعودوا إلى أرضهم«. نلاحظ هنا أنّ عنوان المزمور 154 جزّئ إلى اثنين، فأخذ مخطوط بغداد الجزء الأوّل، وسائر المخطوطات الجزء الثاني: هذا يؤكِّد قول النقّاد إنّ المقدِّمات وُضعت فيما بعد فلم تعد لها علاقة خاصّة بالمزمور.

 

(50) في سائر المخطوطات (وفي هامش مخطوط بغداد نقرأ) »أريمت« أي رَفعتُ. أمّا في النصّ العبرانيّ فنجد »فرشتُ« أي بسطتُ كما في العبريّة.

 

(51) في سائر المخطوطات وفي هامش مخطوط بغداد نقرأ »بنيه« أي ابن. في النصّ العبرانيّ نجد »بنا« أي ابنِ.

 

(52) يبحث المرتِّل عن تفسير جديد للشريعة يفتح طريق الخلاص للأمم الوثنيّة. تلك كانت رسالة المعلِّم الصادق. فهو يعلن في »المدائح« (6: 10-12): »خلقتَني لأتمِّم الشريعة ولأعلِّم الناس نصيحتك بفمي… فتعرف الأمم كلُّ الأمم حقيقتك وجميعُ الشعوب مجدك«.

 

(53) الكلمة السريانيّة تعني: أقبل.

 

خمسة مزامير لداود ف1 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

الإرسالية القبطية الحبشية – الأنبا متاءوس – أنطون نجيب

الإرسالية القبطية الحبشية – الأنبا متاءوس – أنطون نجيب

الإرسالية القبطية الحبشية – الأنبا متاءوس – أنطون نجيب

 

الإرسالية القبطية الحبشية في البلاد الروسية

نيافة الأنبا متاءوس في بلاد الروس

الإرسالية القبطية الحبشية – الأنبا متاءوس – أنطون نجيب

مقدمة

فُطر الإنسان على الولوع باستطلاع الحقائق والوقوف على ماجَريات الأحوال، وخصوصًا ما كان منها متعلقًا بالمسائل التاريخية والحوادث الهامة، وما تركه السلَف للخلَف من جميل الآثار وجليل المآثر؛ ولذلك ترى أبناء الأمة القبطية يلَذُّ لهم كثيرًا مطالعةُ تاريخ أحبارهم العظام ورُعاتهم الكرام الذين نقش لهم التاريخ بين صفحاته بأحرفٍ ذهبيةٍ الأثَر الحميد والذكر الخالد؛ مثل غبطة الأب الجليل والراعي النبيل الأنبا كيرلس الأكبر مصلح الأمة العظيم، ونيافة المرحوم مطران القدس الشريف، وغيرهما من فطاحل الأمة وقادتها الأفاضل، الذين تركوا لهم بين ظَهرانَينا من آثار الغَيرة الشريفة والهمة العالية ما لا يقوى على محوه مُرورُ الأيام وكُرورُ الأعوام.

وليس يخفى أن نيافة الحَبْر المفضال الأنبا متاءوس مطران الحبشة نال القدح المُعلَّى واليد الطولى في خدمة أمته وبلاده، وكانت له الأيادي البيضاء والمآثر الغرَّاء في توطيد دعائم المحبة والوداد بين الأُمتَين القبطية والحبشية، وتأييد سلطة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في هاتيك الأصقاع النائية والديار القاصية. وقد ترك له بين أبناء الأمة القبطية مدة زيارته للقطر المصري الأخيرة من الحب الأكيد والميل الشديد والإخلاص العظيم ما جعل الكل يتشوَّقون على الدوام للوقوف على تاريخ أعماله الجليلة ومشروعاته النافعة، ولا يملُّون من استطلاع أخباره السارة، ومطالعتها بمنتهى اللذة والارتياح. وقد كنا نلاحظ ذلك كلما سنحَت لنا الظروف بنشر شيءٍ مما كان يأتينا من أنباء الحبشة في جريدة الوطن.

ولا نخال القارئ الكريم قد برح من ذاكرته ما كان من أمر سياحة نيافة الأنبا متاءوس في البلاد الروسية مندوبًا من قِبل جلالة الإمبراطور مناليك في مهمةٍ عالية ومأموريةٍ خطيرة، وقد انتدب نيافتُه أحد الأدباء من أبناء الأمة لمرافقته في هذه السياحة بصفته ترجمانًا للوفد، وقد عُني هذا الأديب بكتابة نبذةٍ مفيدة في تفصيل أخبار هذه السياحة، وما صادفه الوفد من مظاهر الإجلال، وما كان من مقابلته لجلالة قيصر الروس، وما دار يومئذٍ بينهما من الحديث، مع وَصفِ ما في تلك البلاد من الآثار والعادات والأخلاق، وكذلك مقابلة نيافة الأنبا متاءوس لجلالة السلطان عبد الحميد، وما شاهده في دار السعادة من جميل المشاهد وبديع الآثار؛ كل ذلك بإيضاحٍ وافٍ وتفصيلٍ كافٍ شافٍ مما تلَذُّ مطالعتُه وتفيد مراجعتُه. ولما كانت هذه السياحة لا تخلو من الحقائق التاريخية والفوائد الجزيلة، فلا يصح إغفالها ولا سيما لأن الجرائد لم تفِها وقتئذٍ حقَّها من التوسُّع والتفصيل، بل كانت تقتصر على مجرد ذكر أخبار سفر الوفد وإيابه، وانتقاله من بلدة إلى أخرى؛ لذلك لم نرَ بدًّا من طبع تلك النبذة لتكون أثرًا تاريخيًّا خالدًا ينطق بفضل نيافة هذا الحَبر الجليل (مطران الحبشة)، ويُذَكِّر أبناء الأمة على الدوام بأعمال قادتها الأفاضل ورُعاتها الكرام. ونؤمِّل أن تقع خدمتنا هذه الحقيرة لدى مواطنينا موقع القبول والإقبال، والله ولي الهداية والتوفيق على كل حال.

إدارة الوطن

 

الرحلة

قال الراوي:

كنت من تلامذة القسم التجهيزي بالمدرسة الكلية الكبرى. وفي يوم الثلاث ١٧ يونيو استدعاني كلٌّ من حضرات وهبي بك ناظرها وأرمنيوس بك مراقب إدارة البطركخانة، وسألاني إذا كنتُ أريد السفر مع نيافة مطران الحبشة للشام مدة أسبوعَين أو ثلاثة، فأجبتُهما أني أستعد لتأدية الامتحان للحصول على شهادة الدراسة الثانوتية في السنة الآتية (سنة ١٩٠٣)، ولا يمكنني إضاعة الوقت بدون مذاكرة، فلم يُصغيا لكلامي، بل أخذاني حيث مثلتُ أمام يدَي غبطة بطريركنا المعظَّم ونيافة المطران المذكور وقدَّماني لهما، فسألني غبطة البطريرك عن اسمي ونسبي فأجبتُه عن ذلك، فتذكَّر غبطته أنه يعرف عائلتنا، وكان ذلك في الساعة ١٠ وربع من يوم الثلاث المذكور، فأمرني بأن أُجهِّز ملابسي الضرورية وأستعد للسفر، فقصدتُ محل سكني، وأحضرتُ كل ما أحتاج إليه، وتوجَّهتُ معهم للمحطة حيث فارقنا العاصمة الساعة ١١ صباحًا، بعدما ودَّعْنا سعادة إسكندر باشا فهمي مدير السكك الحديدية، وسعادتَي أرمنيوس بك ووهبي بك، وكثيرين من أعيان الطائفة، فسِرنا حيث وصلنا بورسعيد في مساء ذلك اليوم، وكان في انتظارنا على رصيف المحطة جناب قنصل دولة الروسيا، ورزق الله بك سميكة، ورئيس النيابة، وعددٌ عظيم من أعيان الطائفة، وساروا بنا إلى الكنيسة الأرثوذكسية حيث أقمنا فيها ٥ أيام لغاية يوم السبت ٢١ يونيو. وفي أثناء ذلك زار نيافته جميع الذين تشرَّفوا باستقباله على رصيف المحطة.

وما أقبل صباح السبت إلا وحضر جناب وكيل القنصل يدعونا للسفر، فسرنا معه للمينا حيث أبحرنا في الساعة ١ بعد ظهر هذا اليوم. وبعد أن ودَّعنا جناب القنصل وتحرَّك الوابور، دعاني نيافة المطران إلى حضرته، وأخذ يُحدِّثني بلطفه المعهود، فقال: لمَّا كنا في مصر علمتُ أنهم أخبروك بالسفر معي للشام، فالآن لا تخف يا ولدي، أنت معي، وإن شاء الله سنقصد الروسيا حيث نحظى بمقابلة جلالة الإمبراطور في عاصمتها بطرسبرج، فلا تتفكر شيئًا ما دمت معي، فإني مستعدٌّ يا ولدي لتأدية واجباتك وكل ما تطلبه مني أعطيك إياه في الحال، فاصبر على هذا السفر الطويل، واطلب من الله أن يُوصلَنا بالسلامة. فعند ذلك أجبتُ نيافته بأني لستُ مستحقًّا أن أكون في حمى آبٍ حنونٍ مثلك؛ فأنا أعلم أن معاملتك إياي ستكون أفضل من معاملة آبٍ لولده، وإني أشكر الله يا سيدي الذي وفَّق لي آبًا مكرمًا مثل نيافتكم، فإني أحسد زماني الذي منَّ عليَّ بهذه السياحة السعيدة التي ستكون عاقبتها الخير والفائدة لي ولأمتي، وبعد هذا قبَّلتُ يدَيه الكريمتَين وانصرفتُ قاصدًا مخدعي وقد طاب خاطري من كلامه الصالح، ورفعتُ يديَّ نحو السماء وطلبتُ منه تعالى أن يُديم حياة هذا الآب الجليل.

ومن ثَمَّ سارت بنا الباخرة في وسط البحر العجاج المتلاطم بالأمواج، حتى وصلنا مدينة بيريه من البلاد اليونانية في الساعة الثالثة من مساء يوم الإثنين الموافق ١٩ من الشهر المذكور. وبينما نحن سائرون كنا نشاهد الأمواج المتلاطمة التي كانت تُناطح الباخرة وتكاد تُعطِّلها عن المسير، وكنا ننظر وقتئذٍ إلى السماء والماء، ولما وصلنا بيريه سارت بنا الباخرة إلى موضعٍ محاطٍ بالجبال حيث مكثنا به خمسة أيام، وفي يوم السبت ٢٨ يونيو حضر دكتوران بالباخرة، وأخذا في تعداد ركاب الدرجة الأولى والثانية، وأما ركاب الدرجة الثالثة فخرجوا جميعًا على الشاطئ حيث طهَّروهم، وفي الساعة ٣ بعد ظهر ذلك اليوم سارت بنا الباخرة إلى الميناء فأقمنا فيها نحو ثلاث ساعات، وفي الساعة السادسة قصدنا مدينة أزمير. وفي أثناء سيرنا كنا نُشاهد الجزائر بعضها على بُعد ساعة والبعض الآخر على بُعد ساعتَين، وكلها مكسوة بثوبٍ أخضرٍ جميل، وشجر اللوز والجوز والبندق يزينُ تلك الجزائر التي تُبهج النظر وتُسبِّب للناظر انشراحًا عظيمًا، فكنا ننظرها بالنظَّارة المعظِّمة. وفي الساعة التاسعة من مساء ذلك اليوم شاهدنا جزيرة قولين على بُعد ١٠ أميال تقريبًا، وهذه الجزيرة مضاءةٌ بالنور الكهربائي، وتشبه جزيرة سيلان في طقسها اللطيف، وما زلنا نشاهدها من أربع أو خمس ساعات إلى أن غابت عنا.

وفي اليوم الثاني (يوم الأحد ٢٩ يونيو الساعة ٣ ونصف) وصلنا أزمير، ولشدة هيجان البحر والأمواج المرعبة أمر جناب القبطان بإبقائنا تلك الليلة، فكان الركاب ينزلون إلى البر ويذهبون إلى المدينة يتنزهون فيها؛ حيث ضاقت صدورهم من البقاء في الباخرة مدة السفر. ولما نظرتُ أكثر الركاب يتوافدون على المدينة طلبتُ من نيافة المطران أن يسمح لي بالتجوُّل فيها فسمح لي بذلك، وفي الحال أخذتُ قاربًا مع بعضٍ من الركاب وقصدنا المينا، فشاهدنا من أول وهلة مركبات الترامواي تمر على المينا وبجانبها الأيسر مرسحٌ عظيم وقهوةٌ أشبه بمدينة. وبعد ذلك سار بنا المرشد إلى الشوارع التي كانت صاعدةً فوق الجبل، ورأينا على جانبَيها قصورًا عظيمةً تعلو بالتدريج إلى أن تصل إلى قمة الجبل، وهذه حالة أغلب شوارعها، فبعدما صرفنا نحو ثلاث ساعاتٍ عدنا إلى الباخرة حيث كانت في انتظارنا وأخذنا القارب الذي أنزلنا، فعند ذلك برز شخصٌ من رجال الضبط، وطلب منا أن نُريه «جواز السفر» فأجبنا طلبه في الحال، ثم قصصتُ ما شاهدتُه لنيافة المطران. وعندما أظلم الجو صرنا نشاهد المدينة بهيئةٍ جميلة ومنظرٍ بديع كأنها زينةٌ جميلة ومهرجانٌ بهيج. وفي الساعة ٣ من مساء اليوم الثاني ٣٠ يونيو سارت الباخرة إلى الآستانة، فوصلناها في الساعة ٥ من مساء يوم الثلاث، وبعدما عبرنا الدردانيل في الصباح مكثنا فيه نحو ساعة، وأخذنا نُشاهد في طريقنا «بحر مرمرة» وجزائر عديدة تكسوها الخضراوات والأتمار وأشجار البندق واللوز. وقبل وصولنا إلى عاصمة الخلافة بساعتَين كنا نشاهد جامع أجيا صوفيا بالنظارات المعظِّمة، وهذا المسجد تعلوه أربعُ مآذنَ مرتفعة ارتفاعًا هائلًا (وسيأتي الكلام إن شاء الله على وصف هذا الجامع المشهور عند قصة عودتنا من الروسيا)، فلما وصلنا المدينة وقفنا على بُعد ميل من المينا إلى أن تلقَّينا الأمر باستمرار المسير إلى موضعٍ يبعُد عن البحر الأسود بمسافةٍ قليلة يُقال له غلاطة؛ أعني من بحر مرمرة للبحر الأسود. وفي أثناء عبورنا كنا نشاهد شواطئ هذا البوغاز مرتفعة من ١٠٠ متر إلى ١٥٠ مترًا، وعلى انحدارها ترى البيوت فوق بعضها كما فصَّلنا في وصف أزمير، وأكثرها من خشب، وأما الجزء الخالي من ذلك فمحصَّن بالمدافع شِمالًا ويمينًا، والبوغاز نفسه على هيئة خطوطٍ منحنية، ثم على فم البحر الأسود نقطةٌ يُقال لها بيوكديره، وفيها محلات جميع سفراء الدول يُمضون فيها فصل الصيف، وعلى نصف ميلٍ نقطة تمكُث فيها الباخرات مدة؛ الكرنتينة، وقد أقمنا بها ليلتَين عند توجُّهنا إلى الروسيا منتظرين البوستة من بيت السفارة المسكوبية. وهذا البوغاز مُكتسٍ بالخضروات من الأعلى إلى الأسفل، ولا يمكنِّي أن أُعبِّر أكثر من ذلك حيث لا يُمكنني أن أقُصَّ للقُراء كل ما نظرت. وفي يوم الخميس ٣ يوليو طرحَتنا الباخرة في وسط البحر الأسود، وغبنا عن الصواب من شدة الأمواج التي كانت تُناطح الباخرة، وتعمل على تعطيلها عن المسير، فكان المسافرون في خوفٍ عظيم وكل واحدٍ منهم قد لازم سريره، فكان لا يصعد فوق الباخرة خوفًا من منظر تلك الأمواج المدهش.

وبقينا على هذا المنوال إلى أن وصلنا أودسا (المينا المقصودة) حيث كان ذلك في يوم السبت ٥ يوليو الساعة ٧ مساء، وفي أثناء سفرنا في هذا البحر الأسود لم نكن نشاهد غير السماء والماء؛ فمدة سفرنا في هذا البحر كانت ٢٧ ساعة. ولمَّا وصلنا الأقطار الروسية كان جمعٌ عظيمٌ على رصيف المينا ينتظرنا، فما كادت الباخرة (نقولا الثاني) تُلقي مراسيها إلا واستقبلَنا هذا الجمع يتقدَّمه جناب رئيس المينا، ورئيس الكرنتينة، وجناب محافظ البلدة، وكثير من الأعيان، ثم مندوبٌ معينٌ لخدمتنا من وزارة الخارجية، وبيده صِنية من الفضة فوقها «خبز وملح» فتناول نيافة المطران بيده الكريمة قليلًا منها، وأمر أتباعه أيضًا ففعلوا مثلما فعل. وبعد ذلك ساروا بنا إلى نُزل «بطرسبرج» حيث أمضينا تلك الليلة. ولما أشرق صباح يوم الأحد ٦ منه حضر مندوبنا المذكور ومعه العربات المعدة لنا لنقلنا؛ حيث كان ينتظرنا خارج القاعة المعدة لاستقبالنا حضرات من شرفوا رصيف المينا بالأمس لمقابلتنا، فاستمر الحديث مع كل شخصٍ منهم بضع دقائق إلى أن نادانا القطار للسفر، فأخذناه في الساعة ٩ صباحًا، فسار بنا مدة ٥ ساعات في وسط مزروعات من الغلال، وبعد ذلك كنا ننظر الغابات الكثيفة إلى أن وصلنا للعاصمة، فكانت هذه الغابات تُحيط بنا يمينًا وشمالًا على حافتَي السكة الحديد، وأغلبها مزروعة من الخيار والخرشوف، وأشجار هذه الغابات ترتفع نحو ثلاثين مترًا تقريبًا. وفي أثناء تناول الطعام كان حضرة وكيلنا يُرسل تلغرافًا إلى المحطة التي نكون فيها بعد ذلك، وعند الوصول إليها كان بعض أهاليها يقابلنا على رصيفها بغاية الترحاب وقد فرشوا لنا بساطًا من باب العربة لأودة المائدة، وكانوا ينتظرون واقفين حتى انتهاء الأكل. وكانوا يُعِدُّون لنا مائدتَين؛ الأولى يجلس عليها نيافة المطران وسكرتيره وجناب الوكيل المعيَّن لخدمتنا، والثانية لحاشيته الذين يبلغ عددهم سبعة أشخاص أنا في جملتهم، وهم الكاتب والصَّرَّاف ورئيس الحرس واثنان لخدمة نيافته الخصوصية، والسادس خادم جناب سكرتيره، وبعد انتهاء المائدة كنا نُحيِّي المستقبِلين، وهكذا مدة الثماني وأربعين ساعة. وأما مواعيد الطعام فهي: في الساعة ٩ صباحًا كنا نتناول الشاي مع الكونياك وقليل من الخبز مع القهوة، ثم الفطور ظهرًا (بعده أو قبله بقليل حسب وصول القطار للمحطة المعدة للطعام)، وفي المساء أيضًا يُسمَّى غَداء، وقبل الرقود بقليل كنا نتعاطى الشاي أيضًا مع الكونياك، ونتناول الطعام في المحطات، وأما الشاي فكنا نتناوله في نفس القطار.

عاصمة الروس

ولمَّا وصلنا مدينة بطرسبرج في الساعة ٩ والدقيقة ٤٠ من صباح يوم الثلاث ٨ يوليو، استقبلنا على رصيف المحطة أولًا بعض الوزراء، ثم مطران العاصمة وجملة من الكهنة، ثم عددٌ عظيم من موظَّفي النظارات ومحافظ العاصمة وشرذمة من البوليس وناظر المحطة ومستخدميها. وبعد التحية المعتادة قدَّموا لنيافة المطران صِنية من الفضة منقوشة بأعظمِ نقشٍ وعليها خبز وملح مثلما فعلوا في أودسا. وأخيرًا سار بنا الموكب إلى نُزلٍ يُدعى «اللوكندة العظمى بشارع مورسكايا الصغير»، وهذه اللوكندة تشتمل على طبقتَين خلاف البدرون، وفي مدخلها أناسٌ يحملون «البلطوات» للزائرين الأجانب، وعلى يمين المدخل في موضعٍ يرتفع ٦ درجات يوجد نادٍ، وعلى شماله يصعد الإنسان على ٦ درجات أيضًا ويجد على آخر الدرجة السادسة أودة الحسابات، وإذا استمر في سيره يجد غرفًا عديدةً على اليمين يختلف إيجار كل واحدةٍ من ثلاثة روبلات فما دون لغاية روبل واحد (والروبل يساوي ١٠ قروش صاغ). وبجانب أودة الحسابات المذكورة ودرجات اللوكندة (السلالم) يبتدئ الصاعد بأول درج من الجهة القبلية ويصعد ١٠ درجات ثم يلتفت يمينًا ويصعد قَدْر الأول، وفي آخر ذلك درجةٌ مستطيلة الشكل، فإذا تركها الإنسان على اليسار يعبُر رَدْهةً عظيمة على يسارها حجرةٌ كبيرة إيجارها ١٤ روبلًا؛ أي ١٤٠ قرشًا تقريبًا كل يوم، وبداخلها مخدعٌ صغير فيه سريران، وعلى يمينها حجرةٌ صغيرة بثلاثة روبلات (أي ٣٠ قرشًا). وهكذا على جانبَي هذه الردهة التي يبلُغ طولها نحوًا من ثمانين لمائة متر.

وفي الرَّدْهة الأخيرة التي على شمال سلالم النُّزل، الشقة التي أُعدت لنيافة المطران ووكيله على يمين الردهة، وهذه الشقة تحتوي على غرفة الاستقبال أولًا، وعلى يمينها أودة الوكيل المُوصلَة إلى بلكون على باب اللوكندة، وبها دروة داخلها سريران من النحاس الأصفر ودولاب لحفظ الملابس، وعلى باب هذه الرَّدهة ٦ كراسٍ مفروشة بقماش مثل ورق الرَّدهة المذكورة، وأمامها يُوجد باب المائدة، ثم في انتهائها أودة المطران، وعند دخولها يجد الإنسان مائدة فوقها شمعدانٌ كهربائي ورياشٌ فاخرة، وعلى يمينها حاجز أيضًا داخله سريران، وإيجار هذه الشقة ٣٠ روبلًا في اليوم الواحد؛ أي ٣٠٥ قروش تقريبًا. وأما أودة الاستقبال فيُوجد بداخلها ديوانٌ عجيب و١٢ كرسيًّا وكلها بالاستك ومكسوَّة بالحرير، ومائدة فوقها شمعدانٌ كهربائي وداخلها ثُريةٌ بالنور الكهربائي، ومن جهة الشارع شُباكان عليهما ستاير بالحرير البني مثل باقي المفروشات، وأمام هذه الشقة أودتان يُوجد بهما سريران لشخصَين من أتباع نيافته، وفي الأودة الثانية بابٌ يُفتح على الرَّدْهة، وعلى الأمام نافذة تُطل على حوش اللوكندة، وعلى يمينه مرآةٌ كبيرة وصورٌ مختلفة. وإذا مشى الإنسان من الردهة الثانية التي يُفتح عليها باب الأودة الثانية يجد أودتَين وفي وسطهما أودة المائدة التي كنا نتناول فيها الطعام (نحن السبعة). وعلى يمين الأودة المذكورة أودة الكاتب، والثانية جهة اليمين وبها كان ينام رئيس الحرس وخادم الوكيل، وأمام باب الشقة العظمى يُوجد شقةٌ خصوصية داخلها أودة استقبال الزائرين قبل مقابلة نيافة المطران، ثم أودة مخدعي، ثم أودة الصرَّاف وهكذا، وإيجار هذه الشقة ١٤ روبلًا يوميًّا (١٤٥ غرشًا صاغًا). وأودة الاستقبال الثانية تشابه الأولى إلا أن المفروشات مختلفة اللون وأقل اتساعًا منها، وقبل وصول هذه الشقة بمترين يوجد ردهةٌ أخرى كبيرةٌ جدًّا على شمال العابر. وبالجملة فإن هذه اللوكندة تحتوي على ست ردهات، وأقل ردهةٍ يبلغ طولها نحوًا من ٤٠ مترًا وأكبرها ١٠٠ متر أيضًا وهكذا في الدور الثاني، وكل ردهةٍ مفروشة ببساطٍ طويل يكفيها. وأما مطبخ هذه اللوكندة فهو في آخر ردهة جهة الشرق من الدور الأسفل. وأما المنوطون بخدمة الأود فهن خادمات في غاية النظافة يُنظفن السراير ويُغيِّرن فرشها. وفي صباح كل يوم يأتي الفراشون فينظفون الأحذية والملابس، وإذا أراد الإنسان أن يستحم فيدفع أولًا أربعة فرنكات أجرةً خصوصية للوكندة وبخشيشًا للذي يكون في خدمته، والحمام البارد بنصف هذه القيمة. وإذا طلب الإنسان شيئًا ودق الجرس دفعةً واحدةً فيحضُر له غلام في الحال، وإذا دقَّ مرتَين تحضر الخادمة، أو ثلاثًا يحضُر الفراش الذي ينظف الملابس وغيرها.

ولما بزغ صباح اليوم الثاني (من وصولنا) ركب نيافة المطران العربات ووكيله والوكيل المعيَّن لنا، وقصدوا سراي وزير الخارجية حيث مكثوا مع عطوفته نحو عشرين أو ثلاثين دقيقة، وبعد ذلك مروا على كلٍّ من سراي الوزراء، وترك نيافته بطاقة زيارة في كلٍّ منها، ثم عادوا إلى النُّزل في الساعة العاشرة حيث تناولوا الغذاء، وبعد الظهر ردَّ الزيارة بعض الوزراء وكذا وزير الخارجية. وهكذا دامت الزيارات كل يومٍ لغاية يوم السبت ١٢ يوليو سنة ١٩٠٣. ولما أصبح يوم السبت المذكور كان عيد الرسل فحضر نيافته الصلاة في كنيسة ماري إسحاق حيث مكثنا فيها للساعة واحدة بعد الظهر (وسنصف هذه الكنيسة عند وصف الكنائس التي شاهدناها حال وجودنا في بطرسبرج). وقد أعدوا لنا مكانًا مخصوصًا أمام باب الهيكل. ولما انتهت الصلاة قصدنا النُّزل حيث لم يكن يُوجد وقت. وفي الساعة ٢ بعد الظهر انتهى الغداء. وفي الحال ركب جناب المطران ووكيله وصرَّافه والوكيل المعيَّن وقصدوا موضعًا يُدعى «بترهوف» حيث كان ينتظرهم جلالة القيصر في الوقت الذي خصَّصه لاستقبالهم، فلما وصلوا المحطة كانت في انتظارهم ثلاث عرباتٍ بيضاء اللون منقوشة بماء الذهب، يقود كل واحدة رأسان من الخيل الملوكي السوداء، فركب نيافة المطران العربة الأولى منفردًا، وفي الثانية كان جناب الوكيل المعيَّن، وفي الثالثة حضرة وكيل المطران والشخص الآخر الذي توجَّه معهم، وكان في انتظارهم على رصيف المحطة جملة من موظَّفي المعية الملوكية، فسار بهم الموكب لغاية البلاط الملوكي، فدخلوا القصر الإمبراطوري حيث صَعِدوا إليه بواسطة سلالم ترفع الإنسان إلى الطبقة المطلوبة، ولم يشعروا إلا وقد وجدوا نفسهم في الطبقة الثانية. ولمَّا دخلوا أودة المقابلة وجدوا جلالة القيصر والقيصرة واقفين بكل خشوع ووقار واحترام، فتشرف جلالتُهما بتقبيل الصليب الذي كان بيد نيافة المطران، ولبثوا واقفين نحو ثلاثين دقيقة، وكان الترجمان جناب الوكيل المعيَّن لذلك حيث كان يعرف قليلًا من اللغة العربية. وفي الحال أبرز نيافته خطابًا من جلالة ملك الحبشة مكتوبًا باللغة الحبشية فأخذه جلالة القيصر فقبَّله، ثم أمر جلالته أن يتعاطَوا قليلًا من الشاي وغيره. وبعد ذلك زاروا الطبقة الثانية كلها فاندهشوا من تلك المناظر العجيبة والمفروشات المختلفة الألوان مما لا يمكنني أن أُعبر عنه بطريقةٍ وافية، وأما مخدع جلالته فبسيط للغاية. ويُوجد بهذا القصر حجرةٌ مخصوصة فيها أيقونة العذراء وجملة قديسين حيث يؤدي صلاته الخصوصية فيها صباحًا ومساءً، فتعجَّبوا كثيرًا من بساطة هذا الملك وتمسُّكه بالدين. وأما «بترهوف» السابق ذكرها فهي بلدةٌ صغيرة تبعُد عن العاصمة بمسافة ١٥ كيلومترًا يقطعها الإنسان بقطار السكة الحديد، وفيها يُوجد السراي التي يُمضي فيها القيصر فصل الصيف.

ثم إن نيافة المطران لبث في سراي «بترهوف» لغاية الساعة ٤ من مساء يوم السبت، وعاد للمحطة بالعربات الخصوصية التي كانت في انتظارهم أولًا، وسار القطار بعد بضعة دقائق قاصدًا بطرسبرج. وأخيرًا وصلوا النزل في الساعة الخامسة وقلوبهم تهتز من شدة الفرح لما توسَّموه من ميل هذا الملك السعيد إلى عمل الخير وزهده الدنيا بحيث إنه لا يلبس لبس الملوك والسلاطين، بل كأحد أفراد العساكر، وطلبوا من المولى تعالى أن يزيد في شوكة هذا القيصر الكريم. وفي جملة ما قاله جلالته لنيافة المطران: إني سعيد اليوم لزيارة شخصٍ موقَّر مثلكم، وخصوصًا لأنك من عند حبيبنا الملك مناليك.

وفي يوم الأحد الموافق ١٣ من الشهر أمضينا الصلاة في كنيسة تُدعى ألكسندرفسكي (إسكندر) فأعدُّوا لنا أيضًا محلًّا مخصوصًا مثلما فعلوا بكنيسة ماري إسحاق المتقدِّم ذكرها، وبعد الصلاة دخلنا الهيكل وشاهدنا الأيقونات الموجودة به وباب الهيكل المصفَّح بالفضة، وبه قبر فيه جثة صاحب الكنيسة، ونظرنا الملابس الكهنوتية المصنوعة من القصب بأعظمِ اعتِنا وأبدعِ شكل. وبعد ذلك ساروا بنا في دير الكنيسة حيث تناولنا الغذاء، وفي أثناء ذلك صارت الكهنة والشمامسة تُرتِّل أثناء الطعام، وبقينا هناك لغاية الساعة الثالثة بعد الظهر، ثم ركبنا العربات وتوجَّهنا إلى اللوكندة. وفي عصاري ذلك اليوم تنزَّهنا على شاطئ بوغاز منلند الموصل إلى البحر البلطيقي بنقطة تُدعى الجزائر، فصارت العربات تمشي بنا الهوينَى حتى أشبعنا النظر منها، وهذا المحل كله أشجارٌ غير مثمرة وروائحُ زكية، وفي وسط هذه الأشجار شوارعُ منتظمة جدًّا وكلها مضاءة بالنور الكهربائي، وهذا الموضع يبعُد عن المدينة نحو عشرة كيلومترات، ثم عدنا في الساعة الثامنة.

المتحف الروسي

وفي يوم الأربعاء ١٤ منه في الساعة ٩ صباحًا سارت بنا العربات إلى الأنتكخانة ثم القصر الإمبراطوري؛ فأولًا دخلنا الأنتكخانة، وهنا يقصُر اللسان عن إيضاح جميعِ ما شاهدناه من التحف التي تُوجِب العجب وتُصيِّر الإنسان مدهوشًا متحيرًا.

كان دخولنا إلى الأنتكخانة في الساعة ٩ من صباح اليوم المذكور؛ فأولًا وجدنا فسحةً عظيمة مُوصلَة إلى السلالم، وعلى كلٍّ من يمينها وشمالها أودتان لرؤساء هذا المتحف، وعندما يصعد الإنسان في الدور الثاني يجد على شماله غرفةً عظيمة يبلغ طولها ١٢ مترًا وعرضها ٨ أمتار وكلها مزيَّنة بصور بعض القياصرة وبعض القُوَّاد الذين شهد لهم الزمان بالشجاعة في الحروب، ثم دخلنا حجرة من داخل حجرة إلى أن وصلنا إلى ردهةٍ عظيمة ترى فيها على الشمال صندوقًا عظيمًا بداخله صورة إسكندر الأكبر وأمامه جواده الخصوصي وكلباه، وإذا مشى الإنسان قليلًا يجد السرج الذي كان يضعه على هذا الجواد المرصَّع بالجواهر الثمينة، ولربما يبلغ ثمنه عشرة ملايين جنيه؛ إذ فيه نحو ثلاثة كيلوجراماتٍ وأكثر من الألماس خلاف الحجارة الأخرى، وأمام هذا السرج صندوقٌ من الزجاج داخله علب نقود ودخان مختلفة القياس ومرصَّعة بالجواهر أيضًا. وبالجملة فإن هذه الحجرة العظيمة ممتلئة من الألماس والجواهر المختلفة، ثم نظرنا في جهةٍ أخرى صورًا عديدةً مصنوعةً من الزلط الرفيع. وبعد أن أشبعنا النظر في الطبقة العليا قصدنا الطبقة السفلى، فأول ما شاهدناه آلات الحرب القديمة بأجمعها من مدافع وأسلحة وبنادق وما شاكل ذلك، وصور الأبطال راكبين جيادهم ورافعين السلاح إشارةً إلى الهيئة التي كانوا بها أثناء الحروب. وبعدئذٍ دخلنا غرفًا عديدةً فيها صور القديسين، فشاهدنا أولًا صورةً عظيمة يبلغ طولها من ثلاثة لأربعة أمتار وعرضها نحو مترين، وهي صورة بطرس الرسول عندما صُلب منكَّس الرأس واليهود بكثرة حوله، ثم صورة إبراهيم الخليل عندما أراد ذبح ولده الوحيد وجاء مَلَك من السماء وأمسك بيده ووضع الكبش بجانبه، وأكثر الصور يبلغ ٣ × ٤ أو ٢ × ٥. ثم أيقونة أُم المخلِّص، وبعد ذلك دخلنا أودةً عظيمة بها نحو من ٢٠ أيقونة، وكل واحدة معلقٌ أمامها قنديل من الفضة لا ينطفئ ليلًا ونهارًا.

وقد سُهي عليَّ أيها القُراء أن أذكُر لكم أولًا صورة الملكة زوجة بطرس الأكبر وصورته عندما أسلم الروح، ثم صورته وهو راكب جواده، ثم عند وضعه في القبر، والعصا التي تدُل على قياسه والسيوف المرصَّعة بالجواهر التي كانت له، والشماسي والعِصِي التي كانت له ولزوجته. وبعد أن انتهينا من مشاهدة هذا المحل العظيم دخلنا القصر الإمبراطوري، فعَبَرنا ردهةً موصلة من دار التحف إلى القصر المذكور، وهنا يعجز اللسان عن التعبير ولا يمكنه أن يصف هيئة القصر كما شاهده الإنسان بعينه، دخلنا ونحن نعجب من ارتفاع تلك القصور الهائل والكراسي المزخرفة والمفروشات العظيمة الموجودة به، فصرنا نعبُر حجرةً بعد أخرى حتى وصلنا صالة كبيرة وهي المُعدَّة لمقابلة الملوك، فهذه الصالة فيها يشاهد الإنسان نهر نيفا وطولها نحو من ٣٠ مترًا وعرضها ١٠ تقريبًا، وعلى يمينها ويسارها عدَّة كراسي، ومن الجهة البحرية يُوجد الكرسي الملوكي، ويُوجد في هذه الصالة ٢٤ ثُريةً يبلغ ضوء كل واحدةٍ منها ٤٠٠ شمعة وهي بالنور الكهربائي. وبعد ذلك دخلنا حُجَرًا عديدةً كلها مزخرفة، ومن ضمنها أودة جد الإمبراطور الحالي، فلما دخلناها نظرنا في شمالها مائدة وعليها دفاتره، وعلى اليمين وفي وسط هذه الأودة مائدةٌ أخرى للأشغال الخصوصية، فنظرنا فوقها الساعة التي كان يحملها وعقاربها واقفةٌ عند ساعة موته، ثم شاهدنا أيضًا النقود التي كانت في زمانه، وفم السيجارة وبعض ملابسه، وآخر سطر كتبه حيث كان الدفتر مفتوحًا، ووراء كرسيه كرسيٌّ آخرٌ عليه دفاترُ أخرى، وعلى يمين هذا الكرسي دروة فيها السرير الذي أسلم عليه الروح، فتعجَّبنا من الاهتمام بحفظ هذه الآثار في مواضعها حيث مضى عليها نحو ٢٥ سنة، ثم دخلنا محلات أخرى بها صورة الوقائع الحربية ومن جملتها الحروب التي كانت بين الروسيا والدولة العلية، وكل صورة من هذه الصور تبلغ مساحتها ٣ أمتار × ٤ أو ٢ × ٤ بالتقريب، وكلها مرسومة بالألوان الجميلة، ثم شاهدنا بستانًا في الطبقة الثالثة تبلغ مساحته ٢٠٠ مترٍ مربع (٢٠ × ١٠) وبه أشجارٌ مرتفعة تشبه شجر «الصرو» وبه عدة مماشٍ وفي وسطه بئرٌ لري هذا البستان العظيم. وهكذا أخذنا نسير مدة ثلاث ساعات ونصفًا حتى تعبنا فركبنا العربات وعدنا للنُّزل في الساعة الواحدة بعد الظهر. وفي مساء ذلك اليوم تنزَّهنا في الجزائر السابقة الذكر فأمضينا فيها للساعة ٩ مساء. ومما يُوجِب العجب أن غروب الشمس في عاصمة الروسيا في فصل الصيف يكون بعد غروب الشمس عندنا بربع ساعة وهكذا في فصل الصيف. وأما في فصل الشتاء فيكتسي الجو بالظلام من الساعة ٣ بعد الظهر لغاية صباح اليوم التالي، وتكتسي الأرض بالثلج حتى لا يمكن للإنسان أن يعبُر الطريق إلا إذا لبس حذاءً كبيرًا. وفي أثناء سقوط الثلج تتجمَّد المياه حتى يمكن للعربات المسير على المياه نفسها، ثم يصنعون قناياتٍ في وسط الثلج الذي يسقط في الأنهر حتى يتمكنوا من وجود ماء للشرب، ويبلغ عمق القنايات نحو متر ونصف تقريبًا.

وفي يوم الثلاث ١٥ منه الساعة ٩ صباحًا ركبنا قطار السكة الحديد وقصدنا موضعًا يُدعى «كراتنويسلو» يبعُد عن العاصمة نحو ٢٠ كيلومترًا تقريبًا، فعند وصولنا للمحطة ركبنا العربات التي كانت مُعدَّة لنا وسرنا إلى موضعٍ يبعُد عن المحطة بنصف ساعةٍ لمشاهدة استعراض الجيش الروسي، فاستقبلونا في محلٍّ مخصوصٍ كان قد أُعد لنا ولعائلات الوزراء وأكابر التجار وبعض أكابر القوم أيضًا، وبجانب هذا المكان يوجد كشكٌ مخصوصٌ لجلالة الإمبراطور وملك إيطاليا وبعض العائلات الملوكية، فما حلَّت الشمس وسط الأفق إلا ومرَّ جلالة القيصر راكبًا جواده أمام الجيش ورافعًا سلاحه رمزًا إلى تحية أمته السعيدة، وتلاه شقيقه الدوك مخائيل وراءه، ثم وزير الحربية وجمعٌ عظيمٌ من القواد، فاستمرت الأورط تمر أمام الجميع مدَّة ثلاث ساعات ونصف، ومن ضمن هذا الجيش العظيم تلامذة المدارس الحربية والبحرية، ثم مرَّ نحو ٤٠٠ مدفعٍ وكل واحدٍ منها يقوده ٦ من جياد الخيل، وكل جواد يركبه جندي، والمدفع نفسه يركبه ثمانية جنود. وكل أورطة مؤلفة من ثمانية صفوف، فسُررنا بمشاهدة هذا الجيش العظيم الذي يبلغ ٤٠ ألف جندي في العاصمة فقط، وأما مجموعه فيبلغ نحو مليون وهو متفرق في أقطار الروسيا كلها.

وهذا الاستعراض كان لمناسبة وجود جلالة فيكتور عمانويل الثالث ملك إيطاليا. وفي الساعة الرابعة من مساء ذلك اليوم عدنا بالعربات إلى المحطة حيث تناولنا الغذاء في لوكندة الإمبراطور الخصوصية المُعدَّة لجلالته لتناول الطعام في الأوقات التي يكون جلالته مترددًا في الأماكن المجاورة لها، ثم أخذنا القطار وعُدنا للعاصمة.

المعامل الروسية

وفي صبيحة اليوم الثاني ١٦ منه عند الساعة ١٠ صباحًا قصدنا معامل الحديد، فاستقبلَنا جناب الرئيس العمومي وبعض المهندسين ورؤساء الورش، ودخلوا بنا إلى فابريقة المدافع الصغيرة الموضوعة على فرع من نهر نيفا، فنظرنا كيفية العمل وكيفية وضع الرصاص وإطلاقه. وبعد ذلك ركبنا باخرةً صغيرة (رفاص) وسرنا إلى الشاطئ الثاني حيث كان يُوجد نحو ١٠ مدافعَ صغيرة، فأطلقوها أمامنا ثلاث دفعاتٍ فكنا نسُد آذاننا من شدة الضجة. وبعد بضعة دقائق عُدنا بالباخرة وأخذنا وابورًا صغيرًا للوصول إلى الفابريقة الأخرى؛ حيث كل واحدة تبعُد عن الثانية بنحو كيلومتر تقريبًا، فوصل بنا إلى الفابريقة التي يصنعون فيها أعظم المدافع، فلما شاهدناها زاد بنا العجب والاندهاش؛ إذ شاهدنا من المدافع ما يبلغ طول البعض منها ١٣ مترًا وارتفاع الدائرة ٤٥ سنتيمترًا، والبعض الآخر ٨ أمتار وارتفاع الدائرة ٢٠ سنتيمترًا. وأخذنا نجول في هذه الورش الهائلة مدَّة ٣ ساعات تقريبًا. وشاهدنا أيضًا الحديد عندما يصير كالماء الجاري، ثم آلاتٍ بخارية للمراكب الحربية وثمن البعض منها ٥ آلاف جنيه والآخر ٨ آلاف، والمدافع الكبيرة يبلغ ثمن البعض منها ١٠ آلاف جنيه والأخرى ستة آلاف. ومن العجيب أنه في كل ورشة أودةٌ مخصوصة بها أيقونة أحد القديسين وأمامها قنديل لا ينطفئ، وكذا في أغلب الشوارع والأزقَّة، ثم تناولنا الغذاء في الساعة الثانية من مساء اليوم المذكور، وبعدئذٍ عُدنا لمحل إقامتنا.

زيارة الكنائس

ولمَّا أصبح اليوم التالي (يوم الخميس ١٧ منه) قصدنا زيارة الكنائس، فدخلنا أولًا كنيسة ماري إسحاق التي كانت تبعُد عن النُّزل بنصف كيلومتر، ودخلناها في الساعة العاشرة من صباح اليوم المذكور، وكان في انتظارنا حضرات كهنتها وأكثر من ٥٠ تلميذًا (شماس) فأنشد الجميع في الحال التراتيل الدينية وهتفوا بصوتٍ واحد: فليعش الإمبراطور مناليك والإمبراطور نقولا الثاني ونيافة مطران الحبشة و«عباس الثاني». ثم ساروا بنا أمام الهيكل فنظرنا الباب كله مموهًا بالفضة، ومنقوشًا عليه رسم نحو مائة قديس، وفي أربعة أركانه ملائكةٌ يحملون الصلبان، وأمام هذا الباب العجيب على بعد ٣ أمتار أيقونة أم المخلِّص وابنها الحبيب موضوعة على قطعة من النحاس الأصفر ترتفع عن الأرض بنحو متر، وكان دائرها مرصَّعًا بالجواهر الكريمة، وفوق كلٍّ من رأس السيدة وابنها الحبيب قطعة من الألماس تشبه البندقة، والاسمان مكتوبان بالحجارة الكريمة أيضًا. وبجانب هذه الأيقونة نسخة الإنجيل الذي يبلغ ثمن غطائه ٨ آلاف جنيه؛ لأنه مرصَّعٌ بالجواهر، وعلى بعد ١٥ مترًا على باب الهيكل أيقونة المخلِّص وهو مدفون في قبره رمزًا إلى موته المجيد، وفي الأربعة أركان ملائكةٌ يحملون الصليب أيضًا، ثم قبر صاحب الكنيسة وأيقونته أمامها قنديل لا ينطفئ دائمًا، وفي الجهة الغربية من هذه الكنيسة غرفة ناظر حساباتها، وأمامها مائدةٌ عظيمة مستطيلة عليها شمعٌ كثير يأخذ الإنسان عددًا معلومًا ويُشعِله أمام من يريد من القديسين إذا كان عليه نذرٌ بعد دفع الثمن المحدَّد لكل شمعة، وتكاليف هذه الكنيسة ٢٩ مليون روبل (٣ ملايين جنيه تقريبًا). وأما ارتفاعها فغريبٌ جدًّا يبلغ ٤٠ مترًا وطولها ٥٠ مترًا وعرضها ٢٥، وبها ٢٠ عمودًا من الرخام الأزرق المنقوش، وكذا جدارها بالرخام أيضًا، وقد مكثنا بها نحو ساعة مندهشين من فخامة هذه الكنيسة، ثم غادرناها في الساعة ١١، وقصدنا كنيسة أخرى، ألا وهي كنيسة القديسة مريم، فكان في انتظارنا على بابها جملةٌ من الكهنة والشمامسة وكلهم بالملابس الكنايسية، فساروا بنا بموكبٍ عظيم داخل الكنيسة، فرأينا باب الهيكل المفضَّض منقوشًا عليه جملة من القديسين مثلما تقدَّم في باب هيكل كنيسة ماري إسحاق المتقدم ذكره، ثم أيقونتها مرصَّعة بالجواهر وتبلغ قيمتها ٥ آلاف جنيه، واسمها واسم ابنها المخلِّص منقوشَين بالألماس أيضًا، وكذلك أواني الكنيسة جميعها. وأما ملابس الكهنة فمنقوشة أعظم نقش وبعضها مزيَّن بالجواهر، ثم صورة أم المخلِّص مدفونة في قبر من الرخام الأبيض وعليه صليبٌ عجيب من الذهب، ثم أيقونتها فوق ذلك القبر وأمامها قنديل من الذهب الروسي الأبيض، وأما تكاليف هذه الكنيسة فتبلغ ٧٥٠ ألف جنيه. وهي أقل ارتفاعًا من الكنيسة السابقة الذكر، ويعلوها قباب منها أربعٌ صغيرة والوسطى كبيرةٌ جدًّا، وبها أربعة أجراس، وفي الجهة الغربية منها تُوجد أودة الحسابات وبجانبها أودةٌ صغيرة لحساب النذور فقط، ثم مائدة أمام هاتَين الأودتَين مخصوصة لشمع النذور، فمكثنا في كل كنيسة نحو ساعة، وفي الظهر قصدنا النُّزُل حيث تناولنا الغذاء.

وفي الساعة ٢ من مساء ذلك اليوم ساروا بنا إلى كنيسةٍ صغيرة داخلها قبور الملوك السالفين وعائلاتهم، فكنا نشاهد كل قبر من الرخام الأبيض وعليه صليبٌ من الذهب الخالص وأيقونة الميت على الرأس وأمامها قنديلٌ مشتعل، وقد أحصيتُ نحو ٩٠ قبرًا بهذه الصفة، وهناك أُقيمت الصلاة على روح والد جلالة القيصر الحالي واستمرت نحو ساعة وربع، وكنا نقبض على الشمع أثناء الصلاة، ونرى على كل قبرٍ ملكًا ماسكًا الصليب. والموكَّلون على هذا المحل نحو ١٥ شخصًا غير الكهنة والشمامسة، وبداخله أشجارٌ كثيرة ورياحينُ متنوِّعة، وإذا تأمل الإنسان لهذه الكنيسة يجدها شعلةً تتلألأ بالقناديل الموضوعة أمام كل قبر من هذه القبور. وكان خروجنا منها في الساعة ٣ بعد الظهر، فقصدنا محلَّا صغيرًا منفردًا، فوجدنا بداخله أول قاربٍ صنعه بطرس الأكبر، وهذا القارب معلقٌ في سلسلة من الحديد ترتفع عن الأرض بنحو نصف متر تقريبًا، وفيه أيضًا الرايات التي كانت في أيام ذلك القيصر مرفوعة حول القارب المذكور، وبعد ذلك سرنا لموضعٍ آخرَ يُوجد بداخله كرسيٌّ وخزانةٌ صنعهما القيصر المذكور وهما منقوشان أعظم نقش، وفيه مقصورة السيدة العذراء وأيقونتها، وكنا نُشاهِد أناسًا كثيرين يتوافدون على هذا المكان للتبرُّك به.

وفي يوم الجمعة ١٨ منه استرحنا لغاية الظهر، وفي الساعة ٤ مساءً أخذنا العربات وتنزَّهنا في الجزائر المتقدِّم ذكرها، فلبثنا فيها نحو ثلاث ساعات، وكان نيافة المطران في زيارةٍ خصوصية.

ولمَّا أقبل صباح السبت ١٩ منه سرنا إلى مينا مخصوصة على نهر نيفا، فأخذنا رفاصًا كان أُعد لنا، فسار بنا إلى محل تُصنع فيه المراكب، وفي أثناء سيرنا كنا نشاهد المراكب بكثرة في هذا النهر، وعند وصولنا استُقبلنا في كشكٍ مخصوص كان معدًّا للسفراء وللعائلة الملوكية. وأمام هذا الكشك كانت العساكر مصطفةً بأجمل نظام وبجانبهم بعض قواد الجيش ثم الوزراء وعددٌ عظيم من موظَّفي النظارات، وعلى جهتَي الباخرة كان يُوجد عددٌ عظيم من أعيان القوم ينتظرون الباخرة. وفي الساعة ١١ و٥ دقائق حضرَت جلالة الملكة أم القيصر الحالي فاستقبلها وزير الخارجية وبعض القُواد، وصدحَت الموسيقى إكرامًا لها فألقت التحيات للحاضرين، ثم حضر جلالة القيصر فقابله جميع السفراء وصافحهم فقط يدًا بيد، إلا نيافة المطران فإنه تكلَّم معه، فقال: كيف صحتك اليوم؟ هل نظرت مركبًا قبل نزولها المياه مثل هذه؟ فأجابه: كلا. فقال جلالته: انظر الآن. وتركه ومضى، فتعجَّب الحاضرون من كلام جلالته هذا، وصار البعض يستفهم من الآخر عن نيافة المطران وكيف تحدَّث معه القيصر، وما وافت الساعة ١٢ وربع إلا وتركَت الباخرة موضعها الأصلي وسارت في المياه، ففي الحال هلَّلَت الناس وهتفَت بصوتٍ واحد: «فليعش جلالة الإمبراطور» ثلاث دفعات، وأُطلق ٤١ مدفعًا، وهذه الباخرة يبلغ طولها ٣٠٠ ذراع وعرضها ٣٥ وارتفاعها ١٨ ذراعًا، وهي تشبه مدينةً عائمة على وجه المياه، وبلغَت تكاليفها مليونًا من الجنيهات. وفي الساعة ١٢ و٥ دقائق عاد جلالة الإمبراطور ووالدته وسفراء الدول الذين حضروا ووزير الخارجية، وبعد ٥ دقائق أخذنا الرفاص وعدنا للميناء ومنها إلى النُّزل. وفي يوم الأحد ٢٠ منه أدَّينا الصلاة في كنيسةٍ أخرى باسم العذراء، فظلَلنا لغاية الساعة ١١ وأخيرًا عُدنا للنُّزل وتناولنا به الغداء. وفي الساعة ٣ بعد الظهر زار نيافة المطران جلالة والدة الإمبراطور وكان معه الوكيل المعيَّن فقط حيث تناول الشاي بعد المقابلة، ولبث لغاية الساعة ٥ وعاد بالقطار؛ لأن قصرها ﺑ «بترهوف» بجانب قصر الإمبراطور الذي يُمضي في فصل الصيف كما تقدَّم، وقد تعجَّب نيافة المطران من تواضُع هذه الملكة وتواضُع ابنها الإمبراطور أيضًا، فخرج من حضرتها وقلبه ممتلئ من العجَب، وأخذ يطلب منه تعالى أن يديم لها وللأمة المسكوبية هذا الملك العادل.

ومن يوم ٢١ لغاية ٢٥ منه كنا نأخذ لنفسنا الراحة كل يومٍ لغاية الساعة ٨ مساءً نتردَّد في الجزائر تارةً وحدنا وأخرى مع نيافة المطران.

حديقة الحيوانات

وفي يوم ٢٥ الساعة ٣ مساءً قصدنا زيارة حديقة الحيوانات، فلبثنا بها نحو ساعتَين وشاهدنا في جهة الشمال منازل الحيوانات الصغيرة كالهر والنسناس والببغاء ونحوها، وشاهدنا من الجهة الأخرى منازل الحيوانات المفترسة كالنمر والسبع والضبع ونحوها. وفي الشمال الغربي يوجد فيلان كان يلاعبهما المكلَّف بأكلهما فصارا يلعبان على الموسيقى والطبل أمامنا مدة ربع ساعة، ونظرنا جملة حيواناتٍ أخرى كثيرة أغلبها يُوجد في حديقة حيوانات مصر.

وفي صباح الأحد ٢٧ منه توجَّهنا إلى كنيسة العذراء، فأدَّينا فيها الصلاة في موضعٍ خاص أمام باب الهيكل، وبعد انتهاء القُدَّاس تهافَت الشعب على نيافة المطران، وأخذوا يقبِّلون يدَيه نحو ساعة من الزمان.

الضربخانة

وفي يوم الإثنين ٢٨ منه الساعة ٣ قصدنا زيارة الضربخانة، وهنا يعجز القلم عن إيضاح ما شاهدناه من المدهشات لما دخلنا هذا المحل العظيم المبني من الحديد، ووجدنا جناب مديره ينتظرنا مع بعض الضباط، فساروا بنا أولًا إلى محلٍّ كبير هو خزينة النقود وبداخله قوالبُ من الذهب الخالص، حجم الواحدة ١٢ مترًا و٢٠ سنتيمترًا، وارتفاعها ٢ سنتمترات، ويبلغ وزنها ١٨ كيلوجرامًا.

ثم ساروا بنا إلى محلٍّ يشبه هذا المحل وبداخله قوالبُ أخرى مثل هذه، وفي أثناء مرورنا كنا نشاهد الذهب والفضة المستخرجة، وهي غير الخالصة، كانت مطروحةً أمامنا على الأرض، ثم شاهدنا الآلة التي تصفِّي الذهب والفضة، وقد أهداها عم جلالة الإمبراطور الحالي للضربخانة المشار إليها.

ولما صَعِدنا إلى أعلى هذا المحل العظيم في المكان الذي يصُبُّون فيه هذه المعادن كنا ننظر لقوالب الذهب السابق ذكرها يقطِّعونها إرْبًا إرْبًا، ويأخذون كل قطعة فيمُدُّونها بواسطة النار حتى تصير شبه قضيب، ثم يأخذون هذا القضيب ويضعونه تحت آلةٍ تجعله سمكًا واحدًا، ثم يضعونه تحت آلةٍ أخرى تقطِّعه قِطعًا في حجم الجنيه، ثم يأخذون هذه القِطع ويضعون قطعةً بعد أخرى تحت آلة تزنُها، فالقطعة المضبوطة تسقط تحت الآلة في محلٍّ مخصوص، والقطعة الزائدة تأخذ منها تلك الآلة مقدار الزيادة، وأما الناقصة فتطرحها خارجًا. وبعد ذلك يأخذون جميع القِطع ويضعونها تحت آلةٍ أخرى للطبع، وكذلك يفعلون في الأخرى. وأما الجزء الباقي من بعد تقطيع المعادن فيسكُبونه أيضًا، وتجري عليه العملية المشار إليها مرةً أخرى.

ولما سألنا مدير الضربخانة عن القيمة التي تُخرِجها الضربخانة في اليوم الواحد أجاب أنها ١٠٠ ألف جنيه، وهكذا لبثنا نحو أربع ساعاتٍ ونحن في غاية الاندهاش، ثم ساروا بنا أيضًا إلى المحل الذي يجهِّزون فيه النياشين والمداليات، فناول جنابُ المدير نيافةَ المطران مداليةً من البُرنز تذكارًا لدخوله هذا المحل، وكلَّفه بكتابة اسمه وتاريخ زيارته عليها ففعل.

أما النقود الروسية فهي الكوبك (أي مليم وكسور) وهي قطعة من النحاس، واثنان كوبك (قطعة أكبر منها مرتَين)، وخمسة كوبك (قطعة من فضة)، وعشرة كوبك (قطعة من فضة)، و١٥ كوبك (قطعة من فضة)، و٢٠ كوبك (قطعة من فضة)، ثم ٥٠ كوبك (قطعة من فضة)، و١٠٠ كوبك (قطعة من فضة) وتُسمَّى روبلًا، ثم ٥ روبلات (قطعة من ذهب) نصف جنيهٍ مسكوبي، و١٠ روبلات (قطعة من ذهب) وتساوي ١٠٠٠ كوبك وتُسمَّى جنيهًا مسكوبيًّا، ثم خرجنا من هذا المحل في الساعة ٧. ومن ذلك اليوم إلى آخر الشهر لم نزُر محلًّا آخر سوى الجزائر في عصاري كل يوم.

العودة

وفي يوم الثلاث ٢٩ منه صباحًا أمر جلالة القيصر بالنياشين فقدَّمها لنا جناب الوكيل المعيَّن بالنُّزُل، وفي الساعة ٣ مساءً تشرَّف نيافة المطران ومن كان معه في أول دفعةٍ بزيارة جلالته ليُقدِّموا له الشكر الخالص ويستأذنوا في السفر، فظلُّوا هناك ﺑ «بترهوف» نحو ٤٥ دقيقة وهم جالسون مع جلالته يتحدثون، وأخيرًا ودَّعهم جلالة القيصر وآخر كلمة قالها هي: «إني أتمنى لكم سفرًا سعيدًا كي تقدِّموا واجب التحيات لجلالة الإمبراطور مناليك.»

وبعد ذلك تناولوا الشاي وعادوا إلى محل إقامتهم في الساعة ٦ مساءً بعدما زاروا وزير الخارجية، وقد عزم نيافة المطران على السفر في اليوم الثاني لزيارة الإمبراطور، ولكن المرض كان منتشرًا وقد اتُخذت الاحتياطات ضد أودسا؛ ولذا أُجِّل ذلك ليوم أول أغسطس حيث ركبنا القطار في الساعة ٩ والدقيقة ٤٠ صباحًا قاصدين سباستبول (كريمه) بعدما ودَّعنا بالمحطة جميع من تشرَّفوا بالمقابلة حال وصولنا للعاصمة (بطرسبرج). فظل القطار سائرًا نحو ٥٠ ساعة، وقد عبَرنا موسكو العاصمة القديمة في الساعة ٩ والدقيقة ٥ من مساء اليوم عيْنه أول أغسطس، فأخبرني شخصٌ على رصيف المحطة أنه يُوجد بهذه المدينة نحو ألف وخمسماية كنيسة منها ٥٠٠ كبيرة والأخرى صغيرة، وفي كل منزلٍ حجرةٌ صغيرة للصلاة، وقيل إن هذه المدينة هي أعظم مدينةٍ في العالم من حيث انتشار الدين.

وكنا نشاهد المدينة مضاءة بالنور الكهربائي، واستمر القطار نحو عشر دقائق يسير بجانبها.

وفي الساعة ٦ من صباح اليوم التالي (٢ أغسطس) عبَر القطار بلدةً صغيرة بها نحو مائة كنيسة، وهكذا ما كنا نشاهد إلا المدن المجاورة بعضها لبعض المرتفعة ارتفاعًا هائلًا، وفي الساعة ٥ والدقيقة ٥ من مساء ذلك اليوم وصلنا مدينة «كرشوف»، فدعانا جناب الوكيل الخصوصي لتناول الغداء، وكان في استقبالنا عددٌ عظيم من الكهنة يتقدَّمهم نيافة مطرانها ثم محافظها وبعض رجال البوليس وجمعٌ عظيم من الناس، وهكذا كنا نتناول الغداء في أثناء عبورنا بالمحطات الكبرى التي يُوجد بها لوكندات كما تقدَّم.

وفي أثناء وجودنا في الأقطار المسكوبية لم نكن نشعر بحرارة في الطقس؛ حيث كانت درجتها ١٦ لغاية ١٨، وبقيَت هكذا لغاية قبل وصول القطار لسباستبول (أعني في العودة) فاشتدت الحرارة حيث بلغت درجتها ٢٤ و٢٥؛ وذلك لأننا كنا نعبُر جبالًا وصحراء ليس بها أشجار.

وفي الساعة ١٠ والدقيقة ٤٠ حضر فرملجي القطار وأشعل الشموع، وبعد خمس دقائقَ عبَر القطار ثلاثة خنادق في الجبل يبعُد كلٌّ منها عن الثاني أربعة كيلومترات، والثاني عن الثالث ٣، واستمر القطار مدة ١٥ دقيقة في الأول، ودقيقتَين في الثاني، ودقيقة في الثالث. وأخيرًا وصلنا في الساعة ١٢ صباحًا لسباستبول، فكان في انتظارنا على رصيف المحطة جناب محافظ البلدة وبعض الكهنة ورجال البوليس وناظر المحطة وكثير من الأعيان، ثم تناولنا الغذاء في الساعة ١٢ بها.

وفي الساعة واحدة حضر مطران تلك المدينة وقدَّم واجب التحية، واستمر نحو ربع ساعة مع نيافة مطران الحبشة، فركبنا العربات في الساعة ٢ بعد الظهر، وسرنا إلى المينا بالباخرة أوليج فظلَلْنا بها نحو ساعتَين، وفي الساعة الرابعة أخذنا رفاصًا صغيرًا وقصدنا زيارة ديرٍ يبعُد عن المدينة بأربعة أميال، وكان في انتظارنا نيافة المطران وعددٌ عظيم من الرهبان، فساروا بنا إلى الكنيسة حيث أُقيمت الصلاة نحو نصف ساعة، وكان يوجد عددٌ عظيم من الناس يتزاحمون لمشاهدتنا، وبعد انتهاء الصلاة ساروا بنا إلى أعلى الكنيسة فوجدنا كنيسةً أخرى مشيَّدة فوقها، وأخيرًا تناولنا الشاي والقهوة وعُدنا إلى الرفاص، فودَّعنا نيافة المطران وسار معنا إلى درَج ذلك الدير، وصافح نيافة مطران الحبشة جميع الحاضرين يدًا بيد، ثم عُدنا إلى الباخرة في الساعة ٦ مساء. وما بزغ صباح الإثنين ٤ منه إلا وودَّعنا الديار المسكوبية بسلامٍ شاكرين أهلَها على لطفهم وحسن معاملتهم.

دار السعادة

هكذا ظلَّت الباخرة (أوليج) سائرة بنا مدة ٢٧ ساعة، إلى أن وصلت مدينة القسطنطينية في ظهر اليوم الثاني (الثلاث ٥ منه)، فاستقبلنا جناب المسيو مايكوف الترجمان الثاني للسفارة المسكوبية، وسار بنا لدار السفارة المذكورة التي تبعُد عن شاطئ البحر الأسود بمسافة كيلومترٍ واحد، وكان في انتظارنا جناب المسيو نشارباتشوف وكيل السفير وجميع مستخدَمي السفارة، فتناول نيافتُه الغداء في الساعة ٢ بعد الظهر وظل هناك ساعة ونصفًا، وأخيرًا ساروا بنا إلى فندق بجانب السفارة المُومَى إليها يُدعى «لوكندة المنظر الجميل» وهذه اللوكندة واقعة في غرب البوسفور، وعلى ارتفاع ٦٠ مترًا منه، ولها طريقان؛ الأول من جهة البوغاز المذكور، والثاني من عطفةٍ واقعة جهة الشمال، وحولها بعض الأشجار وبساتينُ صغيرة، وأما مدخلها فهو من جهة الشمال، وهي مؤلَّفة من طبقتَين ومبنية من الخشب، ومنها يطل الإنسان على البوغاز المذكور من الجهة الشرقية. وقبل الدخول يجد الإنسان على اليمين ردهةً عظيمة لتناول الطعام، وعلى بُعد ٥ أمتارٍ منها يجد على الشمال مطبخَ هذا الفندق، وخلفه وبجانب الصالة الكبرى صالة صغيرة ببلكون يُطل على البوغاز، وهي مخصَّصة لأشغال المسافرين الخصوصية، وأمامها درَج الفندق، فإذا صَعِد الإنسان يجد طرقةً عظيمة وعلى يسارها عشرين حجرة وكلها لجهة البوغاز، وعلى اليمين غرفٌ أخرى، والجزء الباقي يُطل على بستانٍ من البساتين السابقة الذكر، ثم يعبُر مثلما عبَر أول دفعةٍ فيجد الطبقة الثانية، وهي كالطبقة الأولى، وفي الطبقة الثانية صالةٌ خصوصية كان يتناول فيها الطعام نيافةُ المطران وجنابُ وكيله، وبجانبها حجرته، ولها بابان أحدهما من الصالة والثاني من ذات الطرقة، وبجانبها حجرة الوكيل ثم الصرَّاف الخصوصي ثم الترجمان (المؤلِّف)، ومن الجهة الأخرى حُجَر باقي الأشخاص، وأجرة كل نازل في الطبقة الثانية ١٣ فرنكًا يوميًّا، وفي الثانية ١٠ فرنكات بما فيه الأكل.

وقد مكثنا في هذه اللوكندة مدَّة ٥ أيام لغاية يوم السبت، ففي اليوم الأول (الثلاث ٥ منه) لم تتيسَّر لنا الزيارة.

وفي اليوم الثاني (الأربع ٦ منه) الساعة ٩ صباحًا قصدنا زيارة قداسة بطريرك الروم بالقسطنطينية، وكان معنا جناب المسيو مايكوف الوكيل المعيَّن لنا من قِبل السفارة الروسية، فأخذنا الرفاص المُعَد لنا أثناء الإقامة بالآستانة لكي ننتقل به من مكانٍ لآخر لغاية المدينة التي تبعُد عن محل إقامتنا بمسافة ٢٠ كيلومترًا بالبوغاز المشار إليه، وعندما استقر الرفاص ركبنا العربات ولبثنا سائرين مدة نصف ساعة، وفي أثناء الطريق عبَرنا كبريًا مبنيًّا على البوسفور طوله نحو كيلومترٍ واحد، ولمَّا وصلنا استقبلنا خارج القصر جناب وكيل البطركخانة وجملة من الكهنة، وساروا إلى قداسته فاستقبلنا على بُعد مترَين من كُرسيه، وبعد التسليمات والتحيات جلس نيافة مطران الحبشة على يمينه ودار الحديث بينهما باللغتَين اليونانية والفرنساوية، وكان ترجمانُ قداسته يُلقي إليَّ الكلام من اللغة اليونانية والفرنساوية وأنا أنقل بالعربية، ثم تناولنا القهوة والشاي ولبثنا نصف ساعة، فخرجنا في الساعة ١١ بعدما ودَّعنا قداسته على باب الرَّدْهة، وطلب من نيافة المطران إبلاغ التحيات لجلالة ملك الحبشة، وقبل الخروج زار نيافته كنيسة البطركخانة. وبعد بضعة دقائقَ ركبنا العربات وقصدنا اللوكندة بالمدينة حيث تناولنا الغذاء فيها.

وفي الساعة واحدة عُدنا بالرفاص إلى محل إقامتنا بعدما عبَرنا عدَّة شوارع في المدينة على سبيل التفرُّج، وفي اليوم الثالث من إقامتنا، وفي يوم الخميس (أو صيام العذراء) قصدنا في الساعة ١١ صباحًا زيارة جامع أجيا صوفيا، فدخلناه في الساعة ١٢ وخمس دقائق، فعبَرنا أولًا طرقةً عظيمة يبلغ ارتفاعها نحو أربعين مترًا وهي مجوَّفة من جهة الشمال، وبابًا آخر مرتفعًا نحو ثلاثة أمتار وهو باب الصلاة، فعندما دخلنا منه نظرنا ردهةً كبيرة وعلى يمينها وشمالها على ارتفاع ١٥ مترًا تقريبًا محلات أشبه ببلكونات حول هذه الردهة، وهكذا على بابها وفي وسطها عدة أعمدة من الرخام الأزرق الملوَّن المنقوش، وفوق البعض منها كنا نشاهد كتابةً نصُّها «لا إله إلا الله محمد رسول الله» وأخرى «عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه» وأخرى «عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه» وهكذا. وأما من الجهة الشرقية فكنا نشاهد بابًا هائلًا ارتفاعه نحو أربعة أمتار وعرضه متران وفوقه نقشٌ بديع في الحائط نفسه، وكذا حول الباب العظيم، ثم قبة أعلاه وقبتَين مستطيلتَي الشكل أمام كلٍّ من البلكونات التي حول الردهة المتقدم ذكرها؛ أعني الجزء المحصور بين الأعمدة والبلكونات.

ومن باب مدخل هذا الجامع للباب الشرقي المغلَق وهو محصور بين صفَّي الأعمدة المتقدم ذكرها وبأعلاه ثلاث قُبَّات؛ واحدة منها أمام باب المدخل، وأخرى أمام الباب المغلق، وبين هاتَين القبتَين القبة الثالثة العظيمة التي تظهر للمسافرين على بُعد ٤٠ كيلومترًا من بحر مرمرة، وأما على يسار الباب المغلَق فيُوجد محلٌّ مرتفع أشبه بكشكٍ عظيم، وهو الموضع الذي كان الملك يُمضي فيه الصلاة، وبالحائط آثار بعض الملوك القدماء، وفي هذا الجامع يُعلِّمون الأولاد القرآن الشريف، فخرجنا منه في الساعة الثانية مساءً متعجِّبين من هذا الجامع المصنوع كله من الرخام الملوَّن.

وفي اليوم نفسه دعانا جناب وكيل السفير لزيارة المراكب الحربية المعدَّة للسفارة المُومَى إليها، فصاحبَنا جناب وكيلنا الخصوصي وسار بنا لأول مركب، فكان في انتظارنا جناب القبطان والضباط العشرة وكانت البحَّارة مصفوفةً بأجمل نظام، فلما دخلناها صرخ هؤلاء البحَّارة بصوتٍ واحد: «فليعش الإمبراطور مناليك ملك ملوك الحبشة، فليعش الإمبراطور نقولا الثاني إمبراطور الروسيا، فليعش نيافة مطران الحبشة المعظَّم.» وبعد التسليمات والتحيات مرَّ نيافته على الصفوف وحيَّاهم بالسلام.

ثم صَعِدوا بنا أعلى الباخرة فشاهدنا المدافع مصفوفةً حولها، وكان البعض منها كبيرًا والبعض صغيرًا، فكانت البحَّارة تضع بها الرصاص أمامنا، وكانوا يفرضون أن الأعداء على مقربةٍ منهم، فيُصوِّبون الطلقة عليهم، ثم أخرجوا الرصاص ثانيًا وفرضوا حدوث حريقٍ في تلك الباخرة، فما كنا ننظر إلا وجميع البحَّارة مسرعون بأخذ الطلمبة وإخماد تلك النيران، ثم فرضوا أيضًا أن شخصًا قد سقط في المياه، فنزل عددٌ من البحَّارة ومعهم قاربٌ صغير ينقذونه من هذا الخطر، ثم نزلوا بنا إلى أسفل المركب فكنا نجد جميع الأشياء الدقيقة التي تحتاج إليها تلك الباخرة، ثم بعض حُجَر للمرضى، وشاهدنا مريضَين فطلب نيافة المطران منه تعالى أن يهب لهما الشفاء العاجل، وبعد بضع دقائق صَعِدنا ثانيًا فتناولنا الشاي وما طاب من الفاكهة، وشرب الجميع على صحة جلالتَي الإمبراطور مناليك وإمبراطور الروسيا ونيافة المطران وجميع من شرَّف هذا المحفل العظيم.

وما دقَّت الساعة الثانية إلا وودَّعنا جميع من كان في الباخرة ونحن في أشد العجب من محبة أفراد هذا الشعب العظيم لبعضهم البعض، وبالأخص لطفهم مع الزائرين. ولمَّا غادرنا الباخرة الأولى قصدنا الثانية التي تبلُغ ثلاثة أرباع حجم الأولى، فوجدنا بها ٦ ضباط وثمانين بحريًّا، فاستقبلنا جناب القبطان على باب الباخرة، وكذا جميع الضباط، وكانت البحَّارة مصفوفةً على الجانبَين، وبالجملة عاملونا تلك المعاملة نفسها وتناولنا ما طاب لنا، ولبثنا نحو ٤٥ دقيقة ثم ودَّعناها ونحن آسفون على فراق هذا الشعب الحالَّة عليه نعمة الرحمن، ولما أصبح صباح الجمعة كان هو اليوم الذي طالما كنا ننتظره في كل أيام حياتنا.

مقابلة جلالة السلطان

إن هذا اليوم يُعَد من الأيام المعدودة في حياتنا، كيف لا وهو اليوم العظيم الذي قد حظينا فيه بمقابلة مولانا وولي نعمتنا جلالة السلطان الأعظم. أجل، هو يومٌ عظيم أشرقَت فيه شموسه وسطعَت أنواره، وفيه قد أنعم علينا جلالتُه بالوسامات التي خلَّدَت لنا ذكرًا مجيدًا بمقابلة جلالته. رفع نيافة المطران خطابًا نفيسًا من جلالة ملك الحبشة مكتوبًا باللغة الحبشية ومترجمًا بالفرنساوية، وهو يتضمَّن أعظم التحيات والتسليمات لجلالة السلطان، وإني أذكُر للقراء تفصيل هذه المقابلة:

في صباح اليوم المعهود دعاني جناب المسيو مايكوف الوكيل المعيَّن، وكلَّفني أن أُترجم خطاب جلالة السلطان باللغة الفرنساوية، وكان قد أُرسِلَ في منتصف الليلة السابقة.

وفي الساعة السابعة من اليوم التالي (يوم الجمعة) حظينا بترجمته وكتبتُه أنا بخطي، وما اقتربَت الساعة الحادية عشرة إلا وحضر شخصٌ من المعية السنية، وبيده أمر جلالته يدعونا للامتثال بين يدَي السلطان، وفي الوقت نفسه سرنا بالرفاص للمدينة حيث تركنا العربات ومررنا وسط الجيش المُعَد للحرس في كل يوم جمعة عادةً لخروج جلالته للصلاة، ويبلغ عدده ٣٠ ألف جنديٍّ مصفوفة في الشوارع المجاورة لجامعه الخصوصي الذي يبعُد عن قصره (سراي يلدز) بخمسين مترًا.

ولما دخلنا السراي استقبلنا على بابها جماعة من رجال المعية حيث ساروا بنا إلى سلاملك السراي الذي ينظر فيه جلالته عند ذهابه وإيابه من الصلاة، ولما اقتربت الساعة الحادية ونصف دعانا سعادة السر تشريفاتي للمثول بين يدي جلالته، فامتثل أولًا نيافة المطران والوكيل المعيَّن، وبعد التحية سأل جلالته عن وجود بعضٍ من حاشية المطران، فدُعينا نحن أيضًا للمثول بين يدَيه وبعد ذلك قبَّلنا يدَي جلالة السلطان، ما خلا نيافة المطران الذي سلَّم على جلالته، ودار الحديث بينهما باللغة التركية وكان الترجمان من حاشية جلالة السلطان.

  • أولًا: سأل جلالته عن صحة الملك مناليك، فأجابه أنها جيدة.
  • ثانيًا: قال: نحن عندنا ١٥٠ حبشيًّا وكلهم في راحة وسلام. فأجابه: والمسلمون الموجودون في الحبشة هم في مثل هذه الراحة.
  • ثالثًا: هل توجهتم للبلاد المسكوبية؟ فأجابه: نعم.
  • رابعًا: في أي يومٍ تقصدون الديار المصرية؟ فأجابه: غدًا (السبت).

أخيرًا كلَّفه بإبلاغ تحياته لجلالة الإمبراطور مناليك.

وأما الخطاب الذي قدَّمه نيافته لجلالة السلطان فهذا نصه:

غلب الأسد الذي من سبط يهوذا مناليك الثاني المكرز من الله ملك ملوك الحبشة.

يصل إلى المكرَّم المعظَّم جلالة السلطان عبد الحميد ملك الممالك الإسلامية، يعطيكم السلام أبونا المكرَّم أنبا متاءوس، من مدةٍ طويلة، بواسطته كان لنا ولمملكتنا السلام والرجاء، وحيث إنه سيحظى بمقابلتكم فطلبنا منه أن يخبركم عما في القلب من المحبة لكم ولمملكتكم؛ لأنه ليس لنا آبٌ مكرمٌ نظيره.

أما حضرته وجميع عائلته فهم من ضمن رعاياكم الذين في مصر، وحيث إن الله تعالى أراد مقابلته مع جلالتكم سواء كان لوطنه أم لمملكتنا يفيدنا فائدةً كبرى، والله يديم عليكم سلامه واطمئنانه، آمين.

تحريرًا في أديس أبابا في شهر هتور سنة ١٨٩٤ حبشية ودسمبر سنة ١٩٠١

هذه صورة الخطاب الذي تُرجم بالفرنساوية مثلما سبق، والترجمة وُضعَت داخل مظروف الخطاب الحبشي، وقد لبثنا نحو ١٠ دقائق بين يدَي جلالة السلطان، وأنعم جلالته بالعثماني الأول على نيافة المطران، وعلى جناب وكيله بلاتة بولس بالمجيدي الثاني، وعلى بجرند يوسف بالعثماني الرابع، وعلى ترجمانه (المؤلِّف) أنطون نجيب وقبر سلاس بالمجيدي الرابع، وعلى باقي حاشيته بالمجيدي الخامس؛ فخرجنا وعلامة الفرح تلُوح على وجوهنا وتَعَجَّبنا من المعاملة الحسنة التي أظهرها لنا جلالة السلطان، وطلبنا منه تعالى أن يُديم عزَّه مدى الأعوام، ثم قصدنا سراي الصدر الأعظم حيث ترك نيافة المطران بطاقة زيارته وزرنا عطوفة وزير الخارجية، فتشرَّف بمقابلته جميع من تشرَّفوا بمقابلة جلالة السلطان، ودار الحديث باللغة الفرنساوية، وكنتُ أنا مترجمًا بينهما، وقد جاء تفصيل هذه المقابلة في العدد ٢٣٥٢ من جريدة الوطن الغرَّاء في حينه، ودونك هو:

«ثم زار عطوفة وزير الخارجية فدار بينهما الحديث باللغة الفرنساوية وكان الترجمان بينهما أنطون أفندي نجيب، فتكلَّموا عن طقس البلاد الحبشية في الفصل الحاضر، وعن الحيوانات التي تسكن تلك البقاع وسأل عن كيفية صيدها، فأجابه نيافتُه عن كل ذلك، ثم سأل دولة الوزير جناب المترجم عما إذا كان حبشيًّا أو مصريًّا فأجابه أنه مصري الجنس وتعلَّم اللغة الفرنساوية في المدرسة القبطية، فتعجَّب عطوفته وأثنى على فصاحته، ثم قصدوا البوسفور حيث كان ينتظرهم اليخت الذي خُصِّص لهم عند وصولهم لينتقلوا من جهة لأخرى، فسار بهم إلى محل إقامتهم، وزارهم هناك جناب قنصل المسكوف، وقدَّم لنيافة المطران ورجال حاشيته الوسامات التي منحها لهم جلالة السلطان، وفي صباح اليوم التالي ردَّ نيافته الزيارة لجناب القنصل فقُوبل من جنابه ورجال القنصلية بالإكرام الزائد، وعند الساعة واحدة بعد ظهر يوم السبت الماضي قصد أفراد الوفد وابور البرنس عباس قاصدين الديار المصرية.»

 

صورة الوفد الحبشي المؤلَّف من الأنبا متاءوس مطران الحبشة وبلاتة بولس والجنرال ليكوموكاس وأحد رؤساء الأديرة وبعض العساكر والحاشية.

الإرسالية القبطية الحبشية – الأنبا متاءوس – أنطون نجيب

 

الإرسالية القبطية الحبشية – الأنبا متاءوس – أنطون نجيب

Exit mobile version