مفهوم الحرية عند نميسيوس ف6 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

مفهوم الحرية عند نميسيوس ف6 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

مفهوم الحرية عند نميسيوس ف6 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

 

الفصل السادس

 

مفهوم الحرِّيَّة عند نميسيوس الحمصيّ(*)

 

الحرِّيَّة في الإنسان هي قمَّة الإنسان. فما يميِّز الإنسان هو أنَّ وجوده لا يرتبط بحتميَّة تامَّة وصارمة كسائر المخلوقات. إنَّه مدعوٌّ إلى أن يحقِّق كيانه. وهو عندما يتخلَّى عن سمةٍ تكوِّن جوهره، يتخلَّى عن ذاته. الإنسان مسؤول عن حرِّيّته، فيختار أن يعمل هذا العمل أو ذاك، أن يمتنع عن هذا العمل أو ذاك. وهذا يفترض أن لا يكون إكراهٌ يحملنا على ما لا نرضى به، أو ضرورة تفرض ذاتها علينا، ليكون مبدأ عملنا في ذاتنا، لا في قوَّة خارجة عنّا.

 

عندما نتحدَّث عن الحرِّيَّة من الوجهة الأدبيَّة والأخلاقيَّة، تطالعنا مشكلةُ المسؤوليَّة وما يتبعها من ثواب وعقاب. وعندما نتحدَّث عن الحرِّيَّة من الوجهة الفلسفيَّة واللاهوتيَّة تقفُ أمامنا مشكلةُ الجبريَّة أو سلطة القضاء والقدر، ومشكلة حرِّيَّة الإنسان تجاه إله يعرف كلَّ شيء ويقدر على كلِّ شيء.

 

في هذا الإطار من التساؤلات يندرج فكر نميسيوس، هذا الفيلسوف الحمصيّ الذي عاش في الجيل الرابع المسيحيّ وألَّف كتابًا سمّاه طبيعة الإنسان. انطلق من ثقافته اليونانيَّة وعقيدته المسيحيَّة، فقدَّم لنا نظرة عن الإنسان متكاملة تحدَّث فيها عن النفس والجسد قبل أن يعرض علينا مفهومه لحرِّيَّة الإنسان، والإنسان بدون حرِّيَّة لا يعود إنسانًا.

 

نتعرَّف في مقالنا هذا إلى نميسيوس الحمصيّ وإلى كتابه، ونرافقه في البحث عن كيان الإنسان، ونتوقَّف بصورة خاصَّة على هذه الحرِّيَّة التي تقف بين جبريَّة القضاء والقدر وعناية الله، فتجعل الكائن البشريّ قمَّة الخلائق وشريك الله ورفيقه في تقرير مصيره.

 

  1. نميسيوس الحمصيّ وكتابه في طبيعة الإنسان

 

أ- من هو نميسيوس؟

 

نتعرَّف إلى شخصيَّة نميسيوس من خلال كتابه طبيعة الإنسان الذي هو تقريبًا مرجعنا الوحيد. عاش في سورية وكتب في نهاية القرن الرابع المسيحيّ(1). اهتدى من الوثنيَّة إلى المسيحيَّة، ثمَّ انتُخِبَ أسقفًا على حمص التي كانت في ذلك الوقت مركزًا علميٌّا هامٌّا في سورية.

 

هل كان طبيبًا قبل أن يُنتخَب أسقفًا؟ هذا ما لا يمكن تأكيده، غير أنَّ ما يبدو واضحًا هو أنَّه اطَّلع على أمور الطبّ، وقرأ تآليف الأطبّاء أمثال جالينوس وهيبوكرات(2)، وهو يورد الكثير من المعطيات الطبِّيَّة من علم التشريح وعلم وظائف الإنسان(3).

 

ترك لنا كتابًا وحيدًا في طبيعة الإنسان، فكان تأثيره عظيمًا على الفكر المسيحيّ شرقًا وغربًا استقى منه الكثيرون، وبعضهم أورد نصوصه حرفيٌّا، أمثال مكسيم المعترف (580-662) وأنستاز السينائيّ ويوحنّا الدمشقيّ (640-750) في كتابه الإيمان المستقيم(4).

 

دُوِّن هذا الكتاب باللغة اليونانيَّة وتُرجم إلى اللاتينيَّة مرّات عديدة وإلى الأرمنيَّة والجيورجيَّة… نقله إلى العربيَّة اسحاق بن حنين(5) ونسبه إلى غريغوار النيصيّ (335-394) الذي كان معاصرًا لنميسيوس. ولكنَّ بعض المخطوطات اليونانيَّة تنسبه إلى أدامنتيوس الحمصيّ(6).

 

هذا كلُّ ما نعرفه عن نميسيوس الحمصيّ. ولكن ما يهمُّنا بعد الشخص هو الأثر المهمّ الذي تركه لنا.

 

ب- كتاب طبيعة الإنسان

 

يتألَّف كتاب طبيعة الإنسان من أربعة وأربعين فصلاً مقسَّمة على الشكل التالي. بعد المقدِّمة عن طبيعة الإنسان من نفس وجسد (ف 1)، يدرس الكاتب النفس واتِّحادها بالجسد (ف 2-3)، ثمّ الجسد والعناصر والمخيِّلة والحواسّ الخمس، ثمَّ العقل والذاكرة والفكر (4-14). بعد ذلك يعرض وجهة أخرى عن النفس (ف 15) بما فيها من ميول وأهواء، من لذَّة وألم وخوف وغضب (ف 16-22)، وهي حقول لا يمارس فيها العقلُ سلطتَه، ولذلك تسمَّى الجزء اللاعقليّ. ثمَّ يأتي الجزء الخاصّ بالتغذية الذي يرتبط بحياة الحيّ، ويتعلَّق بالإرادة والتنفُّس والأعمال الإراديَّة واللاإراديَّة (ف 23-34)؛ أمّا الفصول التالية (ف 35-38) فهي تحارب الجبريَّة أو مذهب القضاء والقدر. وينتهي الكتاب بدفاع عن حرِّيَّة الإرادة (ف 39-41) وعن عرض للتعليم المسيحيّ عن عناية الله واهتمامه بالكون والإنسان (42-44).

 

هذه اللائحة المتنوِّعة تدلُّ على أنَّ نميسيوس لم يُتَح له أن يُنهي كتابه فنقصته وحدةُ الموضوع وغاب المنطقُ في التنظيم. ووعدنا الكاتب المرَّة بعد المرَّة أنَّه سيعود إلى هذه النقطة أو تلك ليشبعها درسًا، ولكنَّه لا يعود. أيكون أنَّ الموت عاجله قبل أن يعيد النظر في ما ألَّفه من كتابه؟

 

يبدو نميسيوس من خلال كتابه رجلاً صاحب ثقافة يونانيَّة منفتحة، ملمٌّا بالفلسفة والعلوم الطبِّيَّة، وعارفًا بالسيكولوجيا والفيزيولوجيا. يقرأ كتابَه عالمُ الفقه واللغة ودارس تاريخ الفلسفة، فيجد كلٌّ منهما الكثير من المعلومات. أراد نميسيوس أن يكون كتابه دفاعًا عن الدين المسيحيّ، ولكنَّه لم يكن لاهوتيٌّا بقدر ما كان فلسفيٌّا، وهذا ما يجعلنا نغوص فيه لندرسه من الزاوية الفلسفيَّة. أراد أن يَبني على أسُس أفلاطونيَّة تعليمًا عن النفس وعن اتِّحادها بالجسد، يتوافق ومصادر الوحي، فانطلق لا من الإيمان بحدِّ ذاته، بل سعى إلى الاتِّصال بالفكر غير المسيحيّ وإلى عرض آراء الفلاسفة القدامى. وبعد هذا العرض، شرع يغربل النظريّات المتعدِّدة قبل أن يختار منها ما يلائم نظرته على ضوء العقيدة المسيحيَّة. ناقش أفلاطون وأرسطو وإبيقور والرواقيّين، وجادل جالينوس وإئيتيوس وأمونيوس وبورفير ويامبليك وكثيرين غيرهم. اتَّفق وأفلاطون على وجود سابق للأنفس، ولكنَّه رفض الأخذ بالنظرة الثلاثيَّة التي قالت بها الأفلاطونيَّة الجديدة. سار وراء أرسطو في تعليمه عن ملكات النفس، وأخذ عنه مقاله عن حرِّيَّة الإرادة والاختيار. عرف أن يكتسب المعلومات حيث وجدها، فجاء كتابه لائحة بالآراء المتنوِّعة قبل أن يكون نظامًا فلسفيٌّا متماسكًا متناسقًا(7).

 

ولكي نتعرَّف إلى الوجه الفلسفيّ الذي يتحلَّى به هذا الكتاب، يكفي أن نقابله بكتاب غريغوار النيصيّ في خلق الإنسان(8). فعَرْضُ غريغوار يرتبط، بصورة دقيقة، بخبر سفر التكوين عن خلق الإنسان. يستوحي النصَّ الموحى به فيبيِّن كرامة الإنسان وعظمته مشدِّدًا على طبيعة النفس الروحيَّة وبنية الجسد المنظَّمة. في هذا الإطار، يتطرَّق غريغوار إلى مسألة اللغات والألسنة، إلى العلاقات الزوجيَّة، إلى طبيعة النفس اللامادِّيَّة والخالدة، إلى الوجود السابق للنفس وإلى قضيَّة التقمُّص. يعلِّمنا الكتاب المقدَّس أنَّ الإنسان خُلق على صورة الله ومثاله. من هذا المعطى ينطلق غريغوار، فيتحدَّث إلى المؤمنين، ويبيِّن لهم أنَّ كلمات الكتاب الملهم تجد برهانًا لها على كلِّ الأصعدة وفي كلِّ مجالات الفكر الحاضر.

 

أمّا موقف نميسيوس فيختلف عن موقف غريغوار. هو لا يوجِّه حديثه إلى المؤمنين بل إلى غير المؤمنين. ولهذا نراه يرجع مرارًا إلى فلسفة اليونان وعلومها ليحدِّثنا عن مكانة الإنسان في الكون، عن طبيعة الأنفس واتِّحادها بالجسد، عن حرِّيَّة الإرادة، عن القدر والعناية، وعن تنظيم الجسد، فيورد الكثير من المعلومات الثمينة المأخوذة من كتب اليونان، لا من الكتاب المقدَّس. ونراه يتبسَّط في عرض كلِّ ما يعرفه، وهمُّه أن يثبِّت لقرّائه أنَّه هو أيضًا تشرَّب من الثقافة اليونانيَّة وأنَّه لا يجد تناقضًا بين إيمانه المسيحيّ والثقافة التي حصَّلها على مقاعد الدراسة. وهو إن وقف بوجه التيّارات المادِّيَّة، وإن عارض مسألة الجبريَّة كما وجدها عند هذا أو ذاك من مفكِّري اليونان، فهو إنَّما يفعل ذلك بعد أن يكون درس بنفسه الكتاب وتمعَّن في التعاليم التي يفنِّدها ويخطِّئها9.

 

وهكذا يبدو كتاب نميسيوس لا تفسيرًا لسفر التكوين، بل عرضًا منسَّقًا يتطرَّق فيه المؤلِّف من الوجهة الفلسفيَّة إلى المسائل الكبرى المتعلِّقة بطبيعة الإنسان. غير أنَّه لا يسير كلِّيٌّا على خطى أرسطو الذي يجعل من نظريَّة المعرفة مقدِّمة لعرضه عن طبيعة النفس التي تتجلّى بصورة خاصَّة من خلال البحث في أشكال المعرفة المتنوِّعة(10)، بل هو ينطلق من بحث في الحرِّيَّة. لا شكَّ في أنَّ درس نشاط الإنسان العارف شغل بال نميسيوس، ولكنَّ قضيَّة حرِّيَّة الإرادة كانت قضيَّة حادَّة حامية بعد أن تفشَّت التعاليم عن القضاء والقدر بطريقة واسعة في صفوف المسيحيّين والوثنيّين على حدّ سواء(11)، لذلك أخذ على عاتقه أن يبسِّط فكرته في هذا المجال فيشدِّد على القدر والعناية ويلقي تعليمه في الحرِّيَّة.

 

ج- الأنتروبولوجيّا أو علم الإنسان عند نميسيوس

 

إنَّ كتاب نميسيوس يسجِّل ولادة الأنتروبولوجيّا المسيحيَّة. هذه الملاحظة التي أبداها أحد دارسي طبيعة الإنسان(12) استنتجها بعد أن بيَّن التقاء الفكر الهلّينيّ بالفكر المسيحيّ. فالفكر الهلّينيّ ابتعد بعض الشيء عن التيّار الأفلاطونيّ الذي كان يعتبر الجسد مقبرة للنفس وعنصر الفساد في الإنسان، وتوجَّه إلى الكلام على عظمة الإنسان نفسًا وجسمًا. والفكر المسيحيّ الذي تأثَّر بعض الشيء بالتيّارات النسكيَّة والصوفيَّة التي تعتبر إذلال الجسد مزيَّة وفضيلة، عاد مع بعض فكر أوريجان ومؤلَّفات باسيل الكبير وغريغوار النيصيّ إلى ينابيع الكتاب المقدَّس، ليتعلَّم الكثير عن عظمة الإنسان المخلوق على صورة الله والمدعوّ للحياة والسعادة والتفتُّح على الكون.

 

إذًا، كانت محاولات لبناء رؤية مسيحيَّة عن الإنسان، ولكنَّ نميسيوس سيمتدُّ بهذه المحاولة فيبيِّن أنَّه من الممكن أن ندمج الفلسفة اليونانيَّة بالأنتروبولوجيا المسيحيَّة. في وقت انتشرت المسيحيَّة في صفوف المثقَّفين، عرض نميسيوس تعليمًا مسيحيٌّا صريحًا عن حقيقة الإنسان، وعبَّر عن هذا التعليم عبر مقولات استمدَّها من الفكر اليونانيّ. وهكذا جاء كتاب طبيعة الإنسان، فعقلن العقيدة المسيحيَّة للمسيحيّين وقدَّمها بطريقة يقبل بها المثقَّفون الوثنيّون. قال: لا يتوجَّه كلامي فقط إلى المؤمنين، بل وأيضًا إلى الوثنيّين لأدلَّهم على وجود العناية(13).

 

إنَّ جوهر الكتاب لا يكمن في المعطيات الطبِّيَّة العديدة أو في مقاطع الجدل اللاهوتيَّة، بل في مضمونه الفلسفيّ المستمدّ من الفكر اليونانيّ. وهو في الحقيقة مقالة مختصرة في الأنتروبولوجيّا(14) تتطرَّق إلى طبيعة الإنسان ومكانته في الكون.

 

الكتاب نشيد لعظمة الإنسان. قال نميسيوس: »ولكن لكي لا يظهر لأحد أنَّنا نكتب مديحًا عن الإنسان، فضلاً عن تبيان طبيعته كما قصدناه، نوقف مقالتنا عن الإنسان(15). إنَّ الإنسان خلقَته العنايةُ الإلهيَّة كوحدة متشعِّبة تتضمَّن مكوِّنات الواقع المادّيّ واللامادّيّ ليكون في طبيعته صورة حيَّة عن الكون، ليكون كونًا مصغَّرًا في الكون الكبير(16). والإنسان يقف بجسمه في قمَّة عالم الأجساد، ويرتبط بنفسه بالكائنات اللاجسديَّة العاقلة. إنَّه كائن موقعه على الحدِّ الفاصل بين عالم الحسّ وعالم العقل، وفيه يلتقي هذان العالمان ويتَّحدان(17). إذًا، وجود الإنسان في الكون ليس وجودًا جاء بالعرض أو بالصدفة من دون رؤية أو قصد. إنَّه وجود جوهريّ جُعل ليساعد على التواصل بين العالم الجسديّ والعالم اللاجسديّ فيوحِّد بينهما داخل الخليقة. عندما نتأمَّل واقع الإنسان، أنكون بالغنا في الحديث عن مكانته في الكون؟ فالإنسان يجمع في شخصه الخلائق المائتة والخلائق الخالدة ويؤلِّف نقطة الاتِّصال بين الكائنات العاقلة والكائنات اللاعاقلة«(18).

 

في هذا الجوّ يتطرَّق نميسيوس إلى مواضيع عديدة يبحث فيها ويتوقَّف على ثلاث نقاط رئيسيَّة هي: الطابع الروحيّ للنفس البشريَّة واتّحادها بالجسد. بنية الجسم البشريّ ونشاطاته المتعدِّدة. مسألة حرِّيَّة الإنسان وعلاقتها بالقدَر والعناية. أمّا نحن فنحصر حديثنا بموضوع الحرِّيَّة كما نجده خاصَّة في القسم الأخير من كتاب طبيعة الإنسان.

 

د- بين الحرِّيَّة والعناية

 

خصَّص نميسيوس ما يقارب ثلث الكتاب للبحث في حرِّيَّة الإنسان، ونظر خاصَّة إلى مسألة الجبريَّة والعناية الإلهيَّة. فالجبريَّة هي تسلسل الأمور بطريقة إلزاميَّة بالنسبة إلينا كما يرتِّبها القضاء والقدر فلا يكون لنا أيُّ سلطة عليها. أمّا العناية فهي تلك الحكمة السامية التي بها يسوس الله كلَّ شيء ويدبِّره ويتولّى أمره.

 

قبل أن يعارض تعاليم الجبريَّة المنتشرة في عصره داخل العالم الهلّينيّ، يميِّز نميسيوس فيها خمسة تيّارات مبنيَّة على الأسترولوجيَّة، أو فنّ التنجيم، وعلى فلسفة الرواقيّين وعلى تعاليم الأفلاطونيَّة. هناك جبريَّة جذريَّة تعتبر أنَّ كلَّ ما يحدث في الكون يحدَّد بالضرورة بتحرُّكات الأجرام السماويَّة(19). وهناك جبريَّة مخفَّفة ملطَّفة ترتبط ببعض الفلاسفة الرواقيّين الذين يعتبرون أنَّ الجبريَّة لا تتعارض وحرِّيَّة الإنسان: »كما أنَّ ميزة المياه أن تكون باردة والشجرة أن تعطي ثمرًا، كذلك سمة الكائن الحيّ العاقل تقوم بالتوافق مع الأمور التي يدركها«(20). وهناك تعليم يُنسَب إلى حكماء مصر الذين يقولون بأنَّه وإن كان ما يحدث في الكون يرتبط بتحرُّكات الأجرام، إلاَّ أنَّ ما يحدث يمكنه أن يتبدَّل بفضل الصلوات والذبائح التي نرفعها إلى الكواكب وإلى الآلهة لتأخذ بيدنا في الظروف الصعبة(21). وهناك نظريَّة رابعة يقول بها أحكم حكماء اليونان، أي الرواقيّون: لنا اختيار مبادرتنا الحرَّة، أمّا نتيجة النشاط البشريّ فبيد القدر(22). وهناك أخيرًا نظريَّة أفلاطون التي أثَّرت في تطوُّر اللاهوت المسيحيّ والتي أعطت كلمة القدر مضمونين متمايزين: فالقدر هو نفس العالم، بما أنَّه جوهر. وبما أنَّ نشاطه يرتبط بشريعة إلهيَّة غير متبدِّلة تنبع من علَّة لا نستطيع تجنُّبها. وهذه الشريعة أعطاها الله لنفس العالم لتخلق الكون وتسوسه. إنَّ القدر يدبِّر كلَّ شيء ولكنَّه يدخل في إطار العناية كجزء لا يتجزَّأ منها(23).

 

رفض نميسيوس النظرة الأولى لأنَّها تَنبذ العناية الإلهيَّة وكلَّ شكل من أشكال الدين وتنفي كلَّ حرِّيَّة. وقال في الثانية: إذا كانت هذه الأمور أُثبتت منذ الأزل فكيف يمكنها أن تحدث، وإذا كان نشاطنا تابعًا لعلل لا يمكن تجنُّبها، فما الذي يبقى في مقدورنا أن نفعل(24)؟ ويجيب إلى الثالثة بأنَّه إن كان في مقدور الناس أن يبدِّلوا مجرى الأحداث التي يسوسها القدر، ففي مقدورهم أيضًا أن يبدِّلوا رأسًا على عقب مجرى التاريخ. ونظريَّة الرواقيّين الحكيمة تنتهي إلى الحتميَّة المطلقة فلا يبقى مكان للحرِّيَّة. وينتقد نميسيوس نظرة أفلاطون من وجهة واحدة: أنَّ نتيجة القرارات التي نتَّخذها لا يمكنها أن تكون من عالم الضرورة، وإذا كانت نتيجة نشاطنا خاضعة لعناية الله ويمكنها إلاَّ أن تكون عرضيَّة، لا ضروريَّة.

 

إنَّ تعليم نميسيوس عن الجبريَّة يبدو بمجمله إسهامًا في التفسير المسيحيّ لمفهوم الحرِّيَّة، بمعنى أنَّه يشدِّد على استقلاليَّة السلوك البشريّ، وعلى حرِّيَّة الله الذي لا يمكن أن يكون خاضعًا لأيِّ نوع من الإكراه، لأنَّه الحرِّيَّة بالذات. بمثل هذا التعليم يعارض نميسيوس الأسترولوجيا وكلَّ نظريّات الجبريَّة في العالم الهلّينيّ.

 

وهكذا نصل إلى تعليمه عن العناية الإلهيَّة، وعملُها يشمل كلَّ الأحداث التي لا تتعلَّق بنا. بالنسبة إلى اليهوديّ أو إلى المسيحيّ، لا حاجة إلى البرهان على العناية الإلهيَّة، والاعتقادُ بها جزء من الإيمان. أمّا بالنسبة إلى الوثنيّ، فلا بدَّ من لفت انتباهه إلى ثبات الكون في الوجود، إلى النظام والتناسق في الكون، وبالأخصّ حركات الكواكب وتعاقب الليل والنهار(25).

 

في حديثه عن العناية يتساءل نميسيوس إن كانت العناية تهتمُّ بتدبير العالم بطريقة عامَّة، أم إنَّها تتدخَّل في حياة كلِّ فرد، فيورد رأي أفلاطون وأرسطو والرواقيّين. ثمَّ يطرح مشكلة الشرّ في العالم: إذا كانت العناية الإلهيَّة تسوس كلَّ إنسان بمفرده، فمن أين يأتي الظلم في العالم، ولماذا يكون الأبرار ضحيَّة الأشرار؟ لن نتوسَّع في هذا الموضوع وهو يخرج عن نطاق حديثنا، بل نكتفي بإعلان النتيجة التي توصَّل إليها نميسيوس: لا نحكم على الأمور بحسب ظواهرها الخارجيَّة، ولنتيقَّن أنَّ كلَّ ما يصدر عن العناية الإلهيَّة هو كمالٌ جديرٌ بالدهشة والإعجاب، وأمّا الشرّ الحقيقيّ الموجود في العالم فهو الأعمال السيِّئة التي تنتج عن قرارات يتَّخذها الإنسان بحرِّيَّته.

 

وهكذا يعلن نميسيوس تواجد حرِّيَّة الله وحرِّيَّة الإنسان إلى درجة تجعل حرِّيَّة الله تقف عند حرِّيَّة الإنسان(26).

 

2- مفهوم الحرِّيَّة عند نميسيوس الحمصيّ

 

دُفعنا إلى الحديث مطوَّلاً عن نميسيوس وعن كتابه، واضطررنا إلى عرض فكرته عن الإنسان وموقع الحرِّيَّة بين الجبريَّة والعناية، وهمُّنا بذلك أن نعرِّف بكاتب وكتاب لست أدري بوجود مرجع عربيّ عنهما. والآن نستطيع أن نبحث في موضوع حرِّيَّة الإنسان كما يفهمُهُ هذا الكاتب المشرقيّ الذي كان لكتابه الأثر الكبير، وهو الذي كان، كما قلنا، أوَّل من وضع الأسس الحقيقيَّة للأنتروبولوجيا المسيحيَّة.

 

تقف الحرِّيَّة بين الجبريَّة الآتية من الأفلاك وبين العناية الآتية من الله، وهي مستقلَّة القرار عن هذا التأثير أو ذاك. أجل، سيجعل نميسيوس من حرِّيَّة الإنسان كيانًا مطلقًا فيرفع الإنسان إلى مستوى الألوهة. وهذا ما نجده عند فيلسوف حديث هو جان بول سارتر الذي يعتبر وجدان الإنسان خارج حتميَّة الزمان والمكان ويجعل الشخص حرٌّا بحرِّيَّة لا مفرَّ منها. وما يقوله سارتر عن حرِّيَّة الإنسان هو نفسه ما يقوله ديكارت عن حرِّيَّة الله27.

 

إنَّ البحث في الحرِّيَّة كما نقرأه في كتاب طبيعة الانسان هو أهمّ ما ترك لنا الفكر القديم. فنميسيوس يعرض أوَّلاً الأفعال الإراديَّة والأفعال اللاإراديَّة (ف 28-31)، ثمَّ مفهوم الاختيار الذي ينتج عن مزج عناصر ثلاثة هي المداولة والحكم والرغبة (ف 32)، ويتكلَّم على الإنسان كمبدأ حقيقيّ لبعض أفعاله (ف 38) ويبيِّن حقل مبادرتنا الحرَّة (الفعل الأخلاقيّ والتقنيّ، النشاط العقليّ والسيكولوجيّ، ف 39)، وينتهي بالحديث عن حرِّيَّة الإرادة (ف 40) التي هي حقٌّا أصل حرِّيَّة الإنسان.

 

أ- الفعل الإراديّ والفعل اللاإراديّ

 

بدأ نميسيوس درسه للحرِّيَّة ببحث عن الأفعال الإراديَّة والأفعال اللاإراديَّة. فالأولى تنبع حقٌّا من الإنسان نفسه، وفيها يكون الإنسان مبدأ فعله، فلا يحدُّ من حرِّيَّته إكراهٌ خارجيّ أو داخليّ، ويكون واعيًا للظروف الخاصَّة التي تحيط بعمله. والثانية تصدر عن كائن يقع تحت تأثير الإكراه أو الجهل. ثمَّ يتساءل: هل نحسب نشاط الطبيعة (كتطوُّر الهضم والنموّ مثلاً) بين الأفعال الإراديَّة أو اللاإراديَّة؟ والجواب: ليس فعلاً إراديٌّا ولا إراديٌّا، لأنَّ النشاط الطبيعيّ (الفيزيولوجيّ) لا يرتبط بمقولة الأشياء التي ترجع إلى مبادرتنا الخاصَّة28. أمّا الذي نقوم به مدفوعين برغباتنا (من غضب أو تمتُّع) فيمكن أن نعتبره فعلاً إراديٌّا، لأنَّه يمكن أن يكون أهلاً للذمّ أو المديح، ولأنَّ إتمامه ترافقه اللذَّة والألم، ولأنَّ ينبوعه يكمن في الفاعل. فرغبات الإنسان لا تجتذبه بالضرورة إلى ما لا يريد، وكلّ فرد يستوحي سلوكه من التربية الأخلاقيَّة التي حصل عليها.

 

ويطرح نميسيوس سؤالاً ثانيًا: هل بإمكان كلٍّ من الحيوان والولد أن يقوم بأعمال إراديَّة؟ ويجيب بالإيجاب. الحيوان كالولد يسعى إلى تغذية ذاته دون أيِّ إكراه خارجيّ، عارفًا ما يفعل ومحقِّقًا نشاطه بلذَّة أو ألم بحسب الظروف29.

 

نلاحظ أوَّلاً أن نميسيوس أراد أن يبيِّن أنَّه لا يمكن أن ننكر مسؤوليَّتنا الأدبيَّة في بعض الأعمال، فخصَّص أربعة فصول (28-31) لدرس سيكولوجيَّة العمل الذي يدلُّ على أنَّ الفعل المتعمِّد ليس المثل الوحيد عن الفعل الإراديّ في حياة الإنسان. يقول: إنَّ هذه الدراسة معقَّدة جدٌّا بسبب امتزاج ظروف حياتنا بما هو إراديّ في سلوكنا. وكشخص يدافع عن قضيَّة، يبدأ نميسيوس بحثه الأخلاقيّ من مستوى العلم والفلسفة، لا من مستوى الكتاب المقدَّس، كما أسلفنا، ويتقدَّم خطوة خطوة إلى النتيجة التي تقول بها العقيدة المسيحيَّة.

 

ونلاحظ ثانيًا أنَّه رجع إلى كتاب أرسطو في الأخلاق30 الذي يعلِّم أنَّ الفضيلة تقوم بالاعتدال المعقول، الذي يعلِّمنا أن نتجنَّب الزيادة من جهة والنقص من جهة ثانية. إنَّ الفضيلة تقف بين نقيضين. أن يكون الإنسان خاليًا من أيِّ هوى طبيعيّ فذلك عيب، لا فضيلة، وكذلك إن هو ترك العنان كاملاً لمثل هذا الهوى. هذا التحديد قِبَل به نميسيوس لأنَّه يفترض الإقرار بأنَّه يقوم داخل مراقبة الإنسان لنفسه بقدر ما يستسلم لهواه. إنَّ هذا التعليم كان معروفًا في عصر نميسيوس إلى درجة جعلته يورده من دون أيِّة تهيئة أو تحضير.

 

ونلاحظ ثالثًا أهمِّيَّة الأهواء في الأفعال. يبدو نميسيوس ملتصقًا بعلم الأخلاق الأرسطيّ، وتبعًا لهذا العلم فكلُّ عمل فضيلةٍ يفترض وجود هوى نمارسه بدرجة معتدلة. يمكننا أن نقول إنَّه يفترض توازن الآهواء. إنَّ آباء مدرسة الإسكندريَّة، مثل كليمان وأوريجان، توخُّوا التقدُّم عبر الاعتدال المعقول إلى عدم التأثُّر أو إلى نفي الهوى. بحسب هؤلاء الآباء، تكون الفضيلة المسيحيَّة السامية ثمرة هوى واحد هو الرغبة بالله. هذا التعليم دفع بقضيَّة التصوُّف إلى الأمام. يبدو واضحًا أنَّ نميسيوس أخذ بعين الاعتبار التصوُّف المسيحيّ، إلاَّ أنَّه سار في خطِّه فانطلق من أخلاقيَّة أرسطو ومن تعليمه عن الوسط الذي يقف بين نقيضين، فشدَّد على عظمة الإنسان وعلى أهمِّيَّة الزهد والنسك كسبيل لضبط الأهواء.

 

ويُنهي هذا الفصل فيقول: »لا أحد يدعو فعلاً لاإراديٌّا ذلك الذي نفعله بعد تبصُّر واختيار واعٍ حرّ، حيث الباعث والهدف يأتيان من داخلنا وحيث نلمُّ بمعرفة الظروف إلمامًا كاملاً. وهكذا برهنّا أنَّ الأفعال التي تصدر من داخل ذاتنا هي أفعال إراديَّة. ولكن بما أنَّنا ألمحنا إلى الاختيار الحرّ وإلى الأمور التي تقع داخل سلطانه، علينا الآن أن نبحث عن طبيعة الاختيار الحرّ(31)«.

 

ب- فعل الاختيار

 

ويتساءل نميسيوس: أيُّ علاقة بين الاختيار والفعل الإراديّ، وهل من تماثل بينهما؟ بالنسبة إليه يبدو أنَّ الإراديّ هو أوسع من الاختياريّ، لأنَّ الفعل الإراديّ ليس تخيُّرًا من كلِّ الحالات، وإن يكن كلّ تخيُّر فعلاً إراديٌّا في كلِّ الحالات32. ولكي يحدِّد نميسيوس التخيُّر بدقَّة ووضوح، يقابله بغيره من أنواع النشاط البشريّ. فالتخيُّر هو غير الرُّغب (بضمّ الراء)، وهو غير التمنّي. فالتخيُّر يرتبط بأمور تتعلَّق بنا، أمّا التخلّي فيمكنه أن يستند إلى أشياء مستحيلة33. بالإضافة إلى ذلك، فالتمنّي يتَّجه إلى غاية من الغايات، بينما يستهدف التخيُّر الوسائل التي تُوصل الإنسان إلى الهدف المنشود. والاختيار هو غير الرأي. فالرأي يمكنه أن يستند إلى أمور أزليَّة، يمكنه أن يكون صوابًا أو خطأ، ويعتمد على الشمول، وكلُّ هذه الصفات لا تنطبق على الاختيار. وأخيرًا يتميَّز الاختيار عن التداول لأنَّه نتيجة التداول. إنَّ الاختيار برأي نميسيوس ينتج عن مزج ثلاثة عناصر: التداول والحكم والرغبة(34).

 

أجل، إنَّ فعل الاختيار الحرّ هو أمر متشعِّب جدٌّا، وهو ما يبيِّنه نميسيوس في هذا الفصل، على خطى المعلِّم أرسطو، فيبدو كلامه درسًا في علم اللغة أكثر منه في علم النفس. إنَّ التوسُّع في سيكولوجيَّة التداول انطلاقًا من الاستعمال اللغويّ للكلمات، هو أحد الاهتمامات المنطقيَّة النموذجيَّة في القرن الرابع، ويمكن لنميسيوس أن يكون أخذ بهذه الطريقة في خطى أحد معاصريه في تفسيره لكتاب الأخلاق(35).

 

ج- الإنسان مبدأ أفعاله

 

يخصِّص نميسيوس فصلاً كاملاً يتساءل فيه إن كانت أفعال الإنسان من مبادرته الشخصيَّة بحيث يُعتَبر مبدأَ هذه الأفعال ومصدرها. إنَّ الكثير من الوثنيّين والمسيحيّين يجيبون على هذا التساؤل بالإيجاب، ويعطي براهينه على ذلك عارضًا الافتراضات المتعدِّدة مستبعدًا الافتراض بعد الآخر.

 

أوَّلاً: لا نستطيع أن ندعو الله علَّة أعمالنا، لأنَّ بعضًا منها سيّئ وجائر. ثانيًا: إنَّ أعمالنا لا ترتبط بالله بالضرورة، لأنَّها ليست دومًا هي هي من دون أن تتغيَّر. ثالثًا: لا نستطيع أن ننسب أعمالنا إلى القدر، لأنَّ القدر لا يقبل باحتمالات عديدة، بل باحتمال واحد لا مفرَّ منه. رابعًا: إنَّ أفعالنا ليست من عمل الطبيعة لأنَّ ميدان الطبيعة هو عالم النبات والحيوان. خامسًا: لا نستطيع أن ننسبها إلى الطالع، لأنَّ الطالع يختصُّ بأحداث خارقة وغير منتظرة، ولا إلى الصدفة، لأنَّ لا وجود للصدفة إلاَّ في عالم الحيوان وعند الكائنات الجامدة36. وبعد أن يستبعد هذه الافتراضات، يستنتج أنَّ الإنسان هو مبدأ وسيِّد أفعاله.

 

فلو لم يكن مبدأ أفعاله ومصدرها، فكلُّ تداول لا موضوع له، وكلّ حياة أخلاقيَّة لا تعود ممكنة. والحال إنَّ الإنسان هو مصدر الفضائل التي فيه والتي يحصل عليها بالممارسة وتكرار الأعمال عينها. بالإضافة إلى ذلك، أيَّة قيمة لتنبيه أو تحذير، لتشجيع أو تشريع إن لم يكن الإنسان سيِّد أعماله؟ فإن نحن قلنا إنَّ لا قدرة للإنسان على أعماله لم يكن كلامنا مقبولاً وعارضنا معرفة الإنسان لنشاطه(37).

 

»فكلُّ نصيحة وموعظة تدلُّ على أنَّ هناك أمورًا تقع داخل سلطاننا، لأنَّه لا أحد على الأرض ينصح شخصًا أن لا يكون جائعًا أو عطشان، أو أن لا يأخذ أجنحة ليطير بها، لأنَّه ليس في مقدورنا أن نستفيد من هذه النصيحة. إذًا، من الواضح أنَّ الأمور التي نقبل النصح بأن نعملها هي أمور تقع داخل سلطاننا. وننهي باعتبار أخير فنقول: أيَّة فائدة من الشرائع إن لم يكن لنا شيء ضمن نطاق سلطاننا«(38).

 

في هذا الفصل وفي الفصول الثلاثة اللاحقة يتطرَّق نميسيوس إلى التعليم عن حرِّيَّة الإرادة، فيبدأ بقوله إنَّ الحرِّيَّة ليست وهمًا ومظهرًا خدَّاعًا. لا شكَّ في أنَّ مصدر تعليمه الأخير هو أخلاقيّات أرسطو. هو يتوصَّل إلى اكتشاف الظروف السيكولوجيَّة التي تحدُّ من ممارسة الحرِّيَّة كالأفكار المسبقة والنظرة الضيِّقة وما إلى ذلك. ولكنَّه يقف قريبًا من تيودور المصيصيّ، فيستعمل كلمة »سيادة على النفس«(39) لا حرِّيَّة الإرادة، على مثال أرسطو. وهذا ما يحدونا إلى القول إنَّ الينبوع الذي استقى منه نميسيوس ليس أرسطو بالذات، بل شرح متأخِّر لأخلاقيّات أرسطو كتبه اسكندر الأفروديسيّ الذي ذكرناه سابقًا أو أحد السريان من أصل مسيحيّ.

 

ولكن أيُّ أفعال تدخل في نطاق مبادرتنا الحرَّة؟ الأفعال الإراديَّة، أي تلك التي نقوم بها طوعًا ورضى، وبالأخصّ الأفعال التي ترتبط بعالم النفس. فعالم الفرد الداخليّ هو المكان المميَّز لمبادرتنا الحرَّة، وهو ما يعتبره الرواقيّون الموضوع الوحيد الذي بقي للإنسان ليمارس فيه حرِّيَّته. إن كان نميسيوس لم يذهب إلى ما ذهب إليه الرواقيّون، إلاَّ أنَّه بالنسبة إليه، كلُّ فعل يكون نتيجة تداول سابق واختيار يرتبط بمبادرتنا. وهذا الاختيار يقوم به الروح الذي هو مبدأ سلوكنا البشريّ ومصدره.

 

ولكن ما معنى هذا الكلام في حياة الإنسان الملموسة؟ لأنَّ كلَّ أفعالنا الأخلاقيَّة وعملنا التقنيّ ونشاطنا النفسانيّ والعقليّ تتعلَّق بإطار مبادرتنا40. ولكنْ هناك صعوبتان تعترضان ما قاله نميسيوس: علاقة نشاطنا البشريّ بالعناية الإلهيَّة وتأثير حالتنا كجسديّين على سلوكنا. لا شكَّ في أنَّ العلاقة واضحة بين المبادرات البشريَّة وتدبير الله للكون. ويُطرَح السؤال: هل تستطيع العناية الإلهيَّة أن تقف حاجزًا بيننا وبين ممارسة حرِّيَّة اختيارنا؟ لا شكَّ في ذلك، والحرِّيَّة البشريَّة ليست حرِّيَّة لا محدودة، وهي تمتزج بعمل الله وتولِّيه أمر الكون(41). ويجيب نميسيوس على الصعوبة الثانية فيقول: إنَّ الإنسان هو وحدة النفس والجسد، وإنَّ أسمى نشاطنا لا يمكنه أن يتهرَّب من تأثير حالتنا كجسديّين. نحن لا نستطيع أن ننسب أعمالنا السيِّئة إلى تكوين الجسد الناقص المتخلِّف عن النفس، فنجعل كلَّ أنواع المسؤوليَّة في عالم الضرورة ونبرّئ ذاتنا من كلِّ خطأ. لا، إنَّ الجسد لا يحتِّم علينا هذا السلوك أو ذاك، وفي بعض الحالات تكون حالة الجسد الناقصة من مسؤوليَّة الشخص الذي نتحدَّث عنه.

 

وهكذا انطلاقًا من العلاقة المتبادلة بين حرِّيَّة إرادة الإنسان والعناية الإلهيَّة، نظر نميسيوس إلى طبيعة الحرِّيَّة في المبادرة البشريَّة وامتدادها في الكون. يبقى علينا القول: لماذا أُعطي الإنسان حرِّيَّة الإرادة؟

 

د – حرِّيَّة الإرادة

 

إنَّ أصل حرِّيَّة الإرادة ومصدرها يكمنان في حرِّيَّة الإنسان. إذًا، لا بدَّ من الكشف عن هذه الحرِّيَّة. إنَّ الإنسان وُهب له العقل، فهو لذلك قادر على أن يختار اختيارًا حرٌّا، لأنَّ الكائن العاقل قادر على تداول الأمور. إنَّ الظروف التي تحيط بالإنسان لا تفرض عليه حتميَّتها، وهو يمتلك القدرة على النظر من بُعد وتفحُّص عناصر حالة من الحالات. وسلطة التداول هذه هي عديمة الفائدة إن لم يكن الإنسان قادرًا على العمل بحسب حدسه الخاصّ واختياره. لا شكَّ في أنَّ المعرفة التي يتحدَّث عنها ليست معرفة نظريَّة أو بحثًا علميٌّا، بل هي حدس عمليّ وحسٌّ داخليّ، تبيِّن لنا كيف نتصرَّف في حالة من الحالات. فالحياة البشريَّة صيرورة دائمة، وهي لا تثبت أبدًا في حالة أُعطيت لها بطريقة لا تختلف عن سابقتها. إنَّ الحياة البشريَّة هي اندماج بتطوُّر الكون، وهي جزء منه. وهذا الميل إلى التحرُّك عند الإنسان ينبع من سمات كيانه الأساسيَّة، ومنها أنَّ حياته تبدأ في وقت محدَّد، وإنَّ بنيته تفترض وجود مبدأ مادّيّ(42).

 

إنَّنا نفهم مثل هذا التفسير على ضوء الفلسفة الأرسطيَّة. وأعطى اسكندر الأفروديسيّ، وهو أحد شرّاح أرسطو، في كتابه عن القدر، براهين تشبه إلى حدٍّ بعيد براهين نميسيوس(43). فإن كانت علامة الوجود البشريّ أنَّ له بداية، فهذا يعني أنَّه عرضيّ في صميمه، وأنَّه يحمل في ذاته إمكانيَّة عدم الوجود، لأنَّه لم يكن موجودًا في وقت من الأوقات. والحديث عن ولادة الإنسان يقودنا إلى الحديث عن إمكانيَّة فساده، وحياة الإنسان هي تدرُّج في مسيرة الولادة والفساد. من جهة ثانية، كلُّ مبدأ مادّيّ هو مبدأ مبهَم وغير محدَّد، وهو ينفتح على ما يحدِّده فيما بعد، وهذا المبدأ حاضر دومًا لا في بداية الوجود البشريّ فحسب، بل وفي كلِّ مسيرته اللاحقة.

 

عندما نتطلَّع إلى قابليَّة التحوُّل، علينا بالنسبة إلى نميسيوس، أن نميِّز فيها درجات عديدة. فالكائنات الروحيَّة العائشة قريبًا من الأرض والمشاركة للإنسان في نشاطه، تندمج في الصيرورة أكثر من الكائنات الروحيَّة السامية التي هي أبعد من الأولى عن تقلُّب الكون وعدم ثباته(44). ونتيجة ذلك هو أنَّ الحرِّيَّة مطبوعة بطابع قابليَّة التحوُّل ذاته، أي إنَّها تتطوَّر في هذه الوجهة أو في تلك. ولهذا نقول إن ليس الله علَّة الأعمال السيِّئة التي يتمِّمها الإنسان، وكلُّ إنسان مسؤول عن تصرُّفاته وسلوكه. في هذه الحال يتساءل نميسيوس: أما تكون الحرِّيَّة البشريَّة شرٌّا؟ لا ثمَّ لا. وإنْ كان سلوك الإنسان شرّيرًا، فذلك يرجع إلى إمكانيَّة الاختيار عنده، بل لأنَّ ملكاته التي حصل عليها عبر أعمال قبل بها حرٌّا، هي شرّيرة. لا، ليست الحرِّيَّة بحدِّ ذاتها شرٌّا، لأنَّ بعض الناس يستعملون إمكانيَّة الاختيار استعمالاً سيِّئًا. فالحرِّيَّة هي خير لأنَّها عطيَّة الله الكلّيّ الكمال فينا. وهكذا دافع نميسيوس عن الله الخيِّر في الطبيعة البشريَّة وسيدافع عنه في عنايته مشدِّدًا على حرِّيَّة الإنسان الكاملة في اختيار طريق الشرّ أو طريق الخير.

 

خاتمة

 

الإنسان هو سيِّد أعماله، الإنسان هو المسؤول عن سلوكه الأخلاقيّ والأدبيّ، الإنسان هو سيِّد مصيره، تلك هي خلاصة كتاب نميسيوس: طبيعة الإنسان. أمّا البرهان الرئيسيّ الذي يستند إليه ليدافع عن قضيَّته فهو أنَّ الإنسان قبل موهبة العقل فصار قادرًا على المداولة، وهذه المداولة تكون من دون معنى إن لم يستطع الإنسان أن يختار سلوكه بطريقة حرَّة وواعية. وإن كان الله كوَّن الإنسان بهذه الطريقة، فلأنَّ هذا التداول له معناه وهو إمكانيَّة الاختيار واتِّخاذ القرار. لا يتساءل نميسيوس كيف أنَّ العقل هو مصدر الحرِّيَّة، ولا كيف يستطيع الإنسان أن ينظر مليٌّا إلى القيم الخاصَّة التي يلتقيها في حياته، ولا كيف يجتذب الخيرُ الإنسانَ دون مقاومة. إنَّ نميسيوس لا يتطلَّع إلى العقل، ليستنتج تلك القوَّة الإراديَّة التي هي في أساس قرارنا الحرّ. إن تحدَّث عن أشكال الشهيّات الحسِّيَّة، فهو لا يتحدَّث عن شهيَّة تقف على مستوى سام، ثمَّ تتميَّز عن المعرفة العقليَّة مع أنَّها عقليَّة هي أيضًا. وهكذا فالبراهين التي قدَّمها نميسيوس للدفاع عن حرِّيَّة الإنسان مأخوذة من خبرة الحياة اليوميَّة، وهي لا تدَّعي أنَّها توصَّلت إلى إعطائنا تفسيرًا ميتافيزيقيٌّا لمشكلة الحرِّيَّة45.

 

ولكن، لماذا نريد أن نفرض على نميسيوس أن يعطينا ما لم يعدنا به. انطلق من المنابع الفلسفيَّة والعلميَّة والدينيَّة ليعطي تفسيرًا عن وجود الإنسان في الكون، فدفعنا إلى مرافقته في بحثه وتأمُّله، ومات قبل أن ينتهي من تدوين كتابه كاملاً. يبقى علينا نحن قرَّاءه اليوم أن ننطلق من معطيات عصرنا كما انطلق هو لنؤلِّف من العناصر التي أمامنا نظامًا فكريٌّا يطرح مشكلة الإنسان والحرِّيَّة في زمن صار الإنسان سلعة رخيصة والحرِّيَّة بضاعة نادرة.

 

1 كيف عرفنا الزمن الذي عاش فيه نميسيوس؟ من خلال أسماء معاصريه الذين يحدِّثنا عنهم. يذكر أوَّلاً أونوميوس الذي توفِّي سنة 393. كان أسقفًا على توزيكة، قرب القسطنطينيَّة، وقد رفض القبول بما أعلنه المجمع المسكونيّ الثاني الذي عُقد سنة 381، كما إنَّه دخل في جدال مع باسيليوس الكبير (330-379) وغريغوريوس النيصيّ (325-394). ويذكر ثانيًا أبوليناريوس الذي كان أسقفًا على اللاذقيَّة سنة 363-392. أخذ نميسيوس موقفًا من أحد تآليف أبوليناريوس الذي يورد فيه نظرة تركيب الجسم الثلاثيَّة (الروح والنفس والجسد) كأساس لتعليمه عن المسيح، وهو تعليم شجبه مجمع القسطنطينيَّة الأوَّل (381). ويذكر ثالثًا تيودور المبسوسطيّ (350-428) الذي كان أسقفًا منذ سنة 392 والذي عرفه نميسيوس شخصيٌّا. ويورد نميسيوس أفكار أوريجان غير أنَّه لا يلمِّح إلى أفكاره وتعاليمه التي شجبت في الإسكندريَّة سنة 399 وفي رومة سنة 400. كلُّ هذه التلميحات تدلُّنا على أنَّ نميسيوس كتب طبيعة الإنسان في نهاية الجيل الرابع. راجع طبيعة الإنسان 40/87 حيث نقرأ: حدَّد اونوميوس النفس بجوهر لا جسديّ في جسد مخلوق. بالنسبة إلى أبوليناريوس راجع طبيعة الإنسان 4/14-15، 42/28-29. يذكر نميسيوس تيودور في طبيعة الإنسان 46/6 وأوريجان في 57/53، 87/71، 121/13.

 

ملاحظة: عندما نورد نصٌّا من طبيعة الإنسان نستند إلى النسخة اللاتينيَّة المحقَّقة. (راجع الحاشية 5، ثزض .ا، وذلك بانتظار الطبعة اليونانيَّة التي يحقِّق فيها العلاّمة خدسزءخة . فنذكر الصفحة والسطر).

 

نرجو أن نوفَّق لنشر النصِّ العربيّ كما نقله اسحاق بن حنين في الجيل العاشر

(*) ظهر هذا المقال في مجلة دراسات 12 (1984) ص 1-23.

 

(1) كيف عرفنا الزمن الذي عاش فيه نميسيوس؟ من خلال أسماء معاصريه الذين يحدِّثنا عنهم. يذكر أوَّلاً أونوميوس الذي توفِّي سنة 393. كان أسقفًا على توزيكة، قرب القسطنطينيَّة، وقد رفض القبول بما أعلنه المجمع المسكونيّ الثاني الذي عُقد سنة 381، كما إنَّه دخل في جدال مع باسيليوس الكبير (330-379) وغريغوريوس النيصيّ (325-394). ويذكر ثانيًا أبوليناريوس الذي كان أسقفًا على اللاذقيَّة سنة 363-392. أخذ نميسيوس موقفًا من أحد تآليف أبوليناريوس الذي يورد فيه نظرة تركيب الجسم الثلاثيَّة (الروح والنفس والجسد) كأساس لتعليمه عن المسيح، وهو تعليم شجبه مجمع القسطنطينيَّة الأوَّل (381). ويذكر ثالثًا تيودور المبسوسطيّ (350-428) الذي كان أسقفًا منذ سنة 392 والذي عرفه نميسيوس شخصيٌّا. ويورد نميسيوس أفكار أوريجان غير أنَّه لا يلمِّح إلى أفكاره وتعاليمه التي شجبت في الإسكندريَّة سنة 399 وفي رومة سنة 400. كلُّ هذه التلميحات تدلُّنا على أنَّ نميسيوس كتب طبيعة الإنسان في نهاية الجيل الرابع. راجع طبيعة الإنسان 40/87 حيث نقرأ: حدَّد اونوميوس النفس بجوهر لا جسديّ في جسد مخلوق. بالنسبة إلى أبوليناريوس راجع طبيعة الإنسان 4/14-15، 42/28-29. يذكر نميسيوس تيودور في طبيعة الإنسان 46/6 وأوريجان في 57/53، 87/71، 121/13.

 

ملاحظة: عندما نورد نصٌّا من طبيعة الإنسان نستند إلى النسخة اللاتينيَّة المحقَّقة. (راجع الحاشية 5، ثزض .ا، وذلك بانتظار الطبعة اليونانيَّة التي يحقِّق فيها العلاّمة خدسزءخة . فنذكر الصفحة والسطر).

 

نرجو أن نوفَّق لنشر النصِّ العربيّ كما نقله اسحاق بن حنين في الجيل العاشر.

 

1 جالينوس هو طبيب يونانيّ (حوالى 131-201ب.م.). له اكتشافات خطيرة في التشريح. تُرجمت كتبه إلى العربيَّة فكن من أكبر مراجع أطباء العرب. يرد اسمه في طبيعة الإنسان 32/5، 48/68، 74/191. ويرد أيضًا اسم هيبوكراتيس (460-370) وهو أبو الأطبّاء في 32/8، 68/79. لقد كتب هيبوكراتيس مقالة عن طبيعة الإنسان، غير أنَّ مضمونها غير مضمون كتاب نميسيوس. فالأوَّل يشدِّد على الوجهة الطبِّيَّة، بينما يشدِّد الثاني على الوجهة الفلسفيَّة والمسيحيَّة دامجًا في كتاب الكثير من المعطيات الطبِّيَّة. (راجع مقدِّمة الترجمة اللاتينيَّة للعلاّمة سصةدجج، والتي طبعها سنة 1565 في مدينة أنفرز (َّْمٌَّء) في بلجيكا.

 

(3) A. SICLARI, L’antropologia di Nemesio di Emesa, Padova, 1974, p. 10ss (Pour le texte grec, voir Patrologie Grecque (PG de Migne), XL, p. 508-818); voir aussi; MAXIMUS, Opuscula theologica et polemica, PG, XCI, p. 91-286 et surtout p. 277.

 

JEAN DAMASC(4)بNE, De fide orthodoxa, PG, XCIV, p. 789-1228. Comparer par ex. : La foi orthodoxe de Jean (cf. 39) et Némésios (ch. 38, p. 142, 81- 144, 26); ANASTASIUS, Questiones, XVIII, PG, LXXXIX, p. 851-1078

 

(5) هو طبيب وفيلسوف نسطوريّ (توفّي سنة 1191). نقل إلى العربيَّة الكتب العديدة

 

ومنها طبيعة الإنسان. لم ينشر الكتاب بعد، ومخطوطاته موجودة في الشام والقاهرة.

 

Voir G. VERBEKE et J. R. MONCHO, Némésius d’Emèse, de Natura Hominis,

 

Leiden, Brill, 1975 (publication critique du texte latin); voir aussi S. VAN RIET, « Stoicorum Veterum fragmenta arabica. A propos de Némésius d’ةmèse », dans Mélanges d’islamologie, volume dédié à la mémoire d’Armand Abel, édité par P. Salomon, Brill, 1974, p. 254-263

 

(6) إنَّ نسبة الكتاب إلى غريغوريوس النيصيّ ترتقي إلى الجيل التاسع، وهي تفسَّر في أنَّ النقّاد اعتبروا الفصلين الثاني والثالث من طبيعة الإنسان على أنَّهما مقالة عن النفس لغريغوريوس. ثمَّ انطلاقًا من الجزء نسبوا الكلَّ إلى هذا العلاَّمة الكبير. Voir J. BRAESEKE, “Ein Testimonium

 

Voir J. BRAESEKE, “Ein Testimonium Ignatianum”, dans Zeitschrift für Wissenschaft Theologie, t. 47 (1903) 505-512

 

(أمّا نسبة الكتاب إلى أدامنتيوس فالنقد يردُّها اليوم بقدر ما إنَّه لم يجد أيُّ أثر لشخص اسمه أدامانتيوس الحمصيّ الذي كان فيلسوفًا وطبيبًا في الجيل الرابع. لماذا لا يكون هذا الشخص هو نميسيوس بالذات وكلُّ الدلائل تدلُّ عليه؟ راجع:

 

TELFER, Cyril of Jerusalem and Nemesius of Emesa, The Library of Christian Classics, vol IV, London, 1955, p. 203ss

 

(7) Voir E. AMANN, “Némésius d’Emèse”, dans DTC, t. XI, Paris, 1931, col. (62-67; W. VANHAMEL, « Némésius d’ةmèse », dans Dictionnaire de Spiritualité, vol. 11, Paris, 1981, col. 92-99; J. LIEBAERT, « Némésius d’ةmèse », dans Catholicisme, vol. IX, Paris, 1982, col. 1152-1155; J. QUASTEN, Initiation aux Pères de l’ةglise, t. III, Paris, 1962, p. 495-503.

 

(8)Cf. PG, XLIV, p. 125-256; cf. J. LAPLACE, “Grégoire de Nysse, la creation de l’homme”, dans Sources Chrétiennes, 6, notes de J. Daniélou, Paris, 1943.

 

(9) Dictionnaire de Spir., op. cit., col 94s.

 

(10)راجع أرسطو عن النفس بأجزائه الثلاثة وبالأخصّ الجزء الثالث الفصل الثاني

 

VERBEKE, op. cit., p. LXIIss

 

Voir D. AMAND, “Fatalisme et liberté”, dans L’Antiquité Grecque, (11)

 

Recueil de travaux d’histoire et de philosophie, 3. série, fasc. 9, Louvain, 1945, le ch. 14 parle de Némésius, p. 549-569.

 

(12) W. TEFLER, “The Birth of Christian Anthropology”, in Journal of Theological Studies, XIII, part. 2, oct. 1962, p. 342-354

 

(13) طبيعة الإنسان 153/30-31. الفصل 41 وعنوانه العناية.

 

(14) نقرأ في هوامش المخطوطات العديدة هذه العبارة \’بشكل مختصرب في اليونانيَّة \’َّمللمحىفٌفوِمً َُّهٌُب، للإشارة إلى أنَّنا أمام ملخَّص كتب عديدة قرأها نميسيوس واستنتج منها ما استنتج.

 

(15) طبيعة الإنسان 22/95-98. في الفصل الأوَّل وعنوانه الإنسان. راجع أيضًا 4/6-8.

 

(16)طبيعة الإنسان 21/80-82 (الفصل الأوَّل) راجع العبارة المعروفة َِّب: microcosme dans un macrocosme”

 

(17) طبيعة الإنسان 6/49-52. نرى هنا كيف أنَّ نميسيوس لا يقبل بما تقوله الأفلاطونيَّة الجديدة عن ثلاثيَّة الإنسان (روح ونفس وجسد) لأنَّها تقطع التواصل بين ملكات العقل (أو الروح، راجع كلمة \’نوسب اليونانيَّة) السامية وبين القوى الدنيا للنفس والجسد.

 

(18) طبيعة الإنسان 21/79-80. هذا المديح للإنسان الذي به ينهي نميسيوس فصله الأوَّل يذكِّرنا بتعليم بوسيدونيوس الآفاميّ عن الإنسان الذي هو قمَّة النظام الطبيعيّ. راجع جورج عطيَّه، بوزيدونيوس الآفاميّ في آفاق، العدد 3، السنة الأولى، شتاء 1959، ص 35-46. W. JAEGER, Nemesius von Emesa, Quellenforschungen zum Neoplatonismus und seinen Anfngen bei Poseidonios, Berlin, 1914, p. 134;voir aussi CICERON, Sur la nature des dieux, 11, 153.

 

(19) طبيعة الإنسان 133/59 (الفصل 34).

 

(20)طبيعة الإنسان 133/78-134/36. يذكر نميسيوس اسم كريسيب (حوالى 280-206) الرئيس الثالث لمدرسة الرواقيّين، وفيلوباتور الذي ألَّف كتابًا في القدر يدافع فيه عن وجهة نظر كريسيب رابطًا بين الحرِّيَّة والقدر دون أن يتخلَّى عن هذا أو تلك.

(21)طبيعة الإنسان 135/14-21 (الفصل 35).

 

(22)طبيعة الإنسان 137/60-63 (الفصل 36).

 

(23) طبيعة الإنسان 139/96-112 (الفصل 37).

 

(24) طبيعة الإنسان 134/86ي. يلمِّح نميسيوس إلى بلوتارك (حوالى 46-120ب.م.) المؤرِّخ وعالم الأخلاق اليونانيّ في كتابه عن القدر.

 

(25) طبيعة الإنسان 153/17-154/40. كان الخلاف مستفحلاً بين الرواقيّين والإبيقوريّين في نظرة كلٍّ منهم إلى العناية الإلهيَّة. كان الأوَّلون يدافعون عن عناية الله ويعتبرونها ملازمة للكون كعقل قدير وينبوع كلّ ما هو عقلانيّ. وكان الآخرون يعارضون هذا الرأي ولا يقبلون أن يتدخَّل الآلهة في شقاواتنا ونقائصنا وهم العائشون بعيدًا عن الأرض في هدوء عالم السماء.

 

Voir C. BAILEY, The Greek Atomists and Epicurus, Oxford, 1928, p. 468

 

(26) طبيعة الإنسان 147/75-148/99 (الفصل 39).

 

(27) Voir ses livres: L’Imagination, Paris, 1936; L’Imaginaire, Paris, 1940; voir aussi, A. D. WAELHENS, « Sartre », dans Encyclopaedia Universalis, vol. 14, 1968, p. 14ss.

 

(28) طبيعة الإنسان 125/92-99 (الفصل 31).

 

Voir ARISTOTE, Ethique à Nicomaque, III

 

(29) طبيعة الإنسان 125/1-126/19 (الفصل 31).

 

(30)طبيعة الإنسان 125/1-126/19 (الفصل الثاني، 6-8) Ethique à Nicomaque,

 

(31)طبيعة الإنسان 126/16-21.

 

(32) طبيعة الإنسان 126/24-26 (الفصل 32).

 

(33) طبيعة الإنسان 127/35-128/52. الأخلاق لأرسطو الثالث، 4.

 

(34)طبيعة الإنسان 128/52-70. راجع أخلاق أرسطو الثالث، 4-5. هذا التعليم يقابل تعليم الإسكندر (فيلسوف مشائيّ عاش في الجيل 2-3 المسيحيّ) لا تعليم إسباسيوس الذي قال بوجود عنصرين، هما التداول والرغبة. في اليونانيَّة (بولي βουληوأوركسيسαυραξΙς)

 

Voir E. DOBLER, Nemesius von Emesa und die Psychologie des menschlichen Aktes bei Thomas von Aquin, Werthenstein, 1950, p. 105

 

يبرز نميسيوس أهمَّيَّة التداول الذي يفترض قرارًا نتَّخذه، ويميَّزه عن البحث الذي لا يلزمنا في أعمالنا، كأن نعرف أنَّ الشمس أكبر من الأرض أم لا. طبيعة الإنسان 129/89-93 (الفصل 33).

 

(35) Voir B. DOMANSKI, Die Psychologie des Nemesius, coll. BGPM, 3/1, Münster, 1900, p. 145-147.

 

(36) طبيعة الإنسان 143/88-144/8 (الفصل 38).

 

(37)طبيعة الإنسان 144/30-145/39.

 

(38) طبيعة الإنسان 144/30-145/35.

 

(39) راجع كلمة في اليونانيَّةαυτεξουσιον autexousion وفي اللاتينيَّة Liberium arbitrium

 

طبيعة الإنسان 48/57، 110/87، 142/80-81. Voir DOMANSKI, op. cit., p. 151- 154

 

(40) طبيعة الإنسان 146/57-147/74 (الفصل التاسع).

 

(41) طبيعة الإنسان 147/75-148/99. هنا يرسم نميسيوس حدٌّا واضحًا يفصل بين قرارات الإنسان الحرَّة وبين عمل العناية الإلهيَّة، وكلاهما يمتزجان في صيرورة العالم. ولهذا فما يحدث في الكون هو مزيج، والنتيجة تكون مواقة لقرار الإنسان الحرّ أو لمخطَّط العناية الإلهيَّة أو للاثنين معًا. راجع 192/77.

 

(42) طبيعة الإنسان 149/23-150/51 (الفصل 40).

 

(43) Voir G. BERBEKE, “Aristotélisme et stoïcisme », dans Le De Fatod’Alexandre d’Aphrodisias, Louvain, 1967, p. 87.

 

(44) طبيعة الإنسان 150/63-151/73. في هذا الإطار يستعمل نميسيوس كلمتين تميَّز بهما الرواقيّون في اليونانيَّة απαλλαρικω، وفي اللاتينيَّة َُALIENO (ابتعد، تحرَّر)، في اليونانيَّة ωِπροσοικειλ، وفي اللاتينيَّة FAMILIAREM FACIO(كان شبيهًا ولائقًا).

 

مفهوم الحرية عند نميسيوس ف6 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

حرية الخليقة في المسيحية

حرية الخليقة في المسيحية

حرية الخليقة في المسيحية

اعتمادية الخليقة تنطوي على مفهوم حرية الخليقة

إن المفهوم الكامل لاعتمادية الخليقة، يحمل في طياته فكرة أن علاقة الله بالكون ليست هي علاقة جزافية (أي إنها لم تأتِ بمحض الصدفة)، كما أنها ليست علاقة الضرورة (أي إن وجودها لم يكن ضروريًّا بالنسبة لله)، وإنما هي علاقة ناتجة عن حرية نعمة الله وحرية إرادته، حيث إن الله قد خلق الكون انطلاقًا من حبه البحت وجعله معتمدًا على كلمته الذاتي (اللوغوس)[1].

وكما أن اعتمادية الخليقة تنطوي على مفهوم اعتماد عقلانية الخليقة على عقلانية الله، فعلى نفس النمط فإن اعتمادية نظام الكون على إرادة الله تحمل معها فكرة حرية الخليقة التي تعتمد بالكامل على حرية الله. فالله لم يبخل على خليقته بحرية كاملة، بالضبط كما لم يضنّ عليها بوجودٍ أو بحقيقة مختلفة عن نفسه، بل على العكس فهو يمنح خليقته أن تشارك أيضًا بصورة مناسبة في حريته الخاصة الفائقة.

 

الخليقة أُحضرت إلى الوجود بحرية الله الكاملة

وكما سبق وأشرنا، فإن الله كانت له الحرية المطلقة في أن يخلق الكون أو لا يخلقه، مما يعني أن الكون كان من الممكن ألاّ يُوجد على الإطلاق، فلم تكن هناك ضرورة تحتم على الله أن يخلق أي شيء، وكان من الممكن أن يضع نهاية لوجود الخليقة إن كانت هذه هي مشيئته لأنه لا توجد ضرورة بأن يكون الكون موجودًا إلى الأبد[2]. وعليه فإن التداخل الفريد بين الاعتماد والاستقلال داخل مفهوم “الاعتمادية” يجب أن يُنظر إليه من جهة الله وأيضًا من جهة الخليقة.

وكما اعتاد جورج فلوروفسكي أن يؤكد، فإنه ينبغي علينا أن نفكر في الأمر من منطلق “اعتمادية ثنائية”: أي من جهة عمل الله الحر الخلاّق؛ إذ لم يكن الله مضطرًّا إلى أن يصنع ما قد صنعه (اعتمادية من جهة الوجود من العدم)، وأيضًا من جهة ما أوجده الله بالفعل والذي كان من الممكن ألاّ يحدث بهذا الشكل أو حتى لا يحدث على الإطلاق (اعتمادية من جهة شكل الوجود)[3]. وهذا لا يعني بالطبع أن عمل الله الحر والسيادي في الخلق كان عملاً غير عقلاني أو عملاً جزافيًّا بأي شكل، لأن الخليقة وكل ما فيها لها سببها ومنطقها الإلهي[4].

 

حرية الخليقة في الفكر اليوناني

هذا الاعتقاد المسيحي في حرية الكون، كان جديدًا تمامًا بالنسبة للعالم القديم الذي كانت تسوده أفكار عن حتمية عدم تغيُّر الطبيعة وعن أزلية العالم، وذلك بسبب مفهوم تكون (ونشأة) الطبيعة مع الله[5]. وكان هذا وراء ظهور فكرة “عجلة القدر” ذات الطبيعة العنيدة والتي انعكست في الأدب الكلاسيكي اليوناني والروماني القديم، كما كان هذا أيضًا وراء ظهور فكرة المعادلة بين الضرورة والعقلانية والتي نجدها منتشرة في كل فلسفتهم وعلومهم.

ولم يتوان المدافعون عن العقيدة المسيحية في الكنيسة الأولى مثل أثيناغوراس الأثيني، في إظهار كيف أن النظرة المسيحية إلى الله والخليقة كان لها الفضل في كسر الصلة الجائرة في عقول الناس بين الله وبين القدر المجهول المتسلط على الكل، كما كان لها أيضًا الفضل في تحريرهم من السطوة الخرافية للعرافة والتنجيم[6].

 

كيف نشأ مفهوم حرية الكون أو حرية الطبيعة؟

هذا المفهوم جاء بلا شك من النظرة الجديدة إلى العالم وتاريخه، والتي تولّدت من رسالة الإنجيل التي نادت بأنه: بتجسد الكلمة، فإن الخالق ذاته قد جاء بنفسه ليفدي ويحرر جنس البشر من أربطة الخطية والذنب ومن الفساد والموت[7]. غير أن هذا الفداء وهذا التحرر ينطبق على الخليقة جمعاء، لأن المسيح هو رأس كل الخليقة، وهو أصلها وغايتها. فبواسطته قد خُلقت كل الأشياء، وفيه تقوم ومن خلاله تتصالح مع الله.

إذن ففي يسوع المسيح قد أسس الله وأمَّن علاقة جديدة بينه وبين الخليقة، ومن خلال هذه العلاقة أُعطيت الخليقة حرية مؤسسة على حرية الله الفائقة وغير المحدودة. وكان مفهوم الفداء وتجديد الخليقة بأسرها في المسيح أقوى بكثير في الفكر الآبائي اليوناني (أي عند الآباء الذين كتبوا باليونانية) عنه في الفكر الآبائي اللاتيني (أي عند الآباء الذين كتبوا باللاتينية)، وكان ذلك بسبب العلاقة المتبادلة العميقة بين عقائد التجسد والفداء والخلق في الفكر اللاهوتي لآباء الإسكندرية وكبادوكية.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى بسبب الثنائية الضارة بين عالم المدركات (أي الأشياء التي تُدرك بالعقل) وعالم الحسيات (أي الأشياء المحسوسة) في فكر القديس أوغسطينوس. ففي الشرق، سادت حقيقة أن الذي تجسد هو بذاته الخالق الأصل والمصدر المطلق لكل وجود ولكل نظام ولكل عقلانية، والذي تغلغل بنفسه إلى داخل موتنا وانتصر عليه بموته وقيامته وهذا معناه أن الكون كله مرتبط من جهة وجوده (كيانيًّا) بالمسيح الابن المتجسد والقائم، وبالتالي فالكون كله قد دُعيّ للمشاركة في حرية الخالق.

وبالضبط كما أن الكون قد أخذ بدايته في الكلمة، هكذا أيضًا من خلال الفداء والتقديس والتجديد سيأخذ اكتماله فيه.

 

حرية الخليقة تعتمد على حرية خالقها الفائقة

لنتوقف قليلاً لنتأمل فيما تعنيه حرية الخليقة هذه. فبما أن هذه الحرية هي حرية كون “عرضي”، فإنها ستكون بالضرورة حرية عرضّية وبالتالي حرية محدودة. لأنه لو أُعطيت حرية غير محدودة لعالم “عرضي” لانطوى ذلك على تناقض بيِّن. ولكن كون حرية العالم المخلوق هي حرية عرضّية فإن ذلك يعني أنها محكومة بتلك الحرية الفائقة الإدراك التي لله والتي تمثل بالنسبة لها أساسها الحقيقي الذي تعتمد عليه بحكم كونها حرية عرضّية أو اعتمادية.

وهنا أيضًا نرى مرّة أخرى التداخل العجيب بين الاعتماد والاستقلال الذي وجدناه في مفهوم الاعتمادية. غير أنه لو كان الكون مرتبطًا فعلاً بحرية الله اللانهائية وغير المحدودة، ولو كان الكون منفتحاً بصورة مستمرة على قوة الله الخلاّقة، فإن هذا يعني أن حرية الخليقة لا بد وأن تعكس حرية الله وأن تكون بصورة ما غير محدودة ولا نهائية بطريقتها الخاصة وعلى مستواها المخلوق الخاص بها. أي إنه بسبب علاقة الخليقة الاعتمادية بالله، فإنه يوجد في الكون المخلوق إمكانيات غير محدودة ولانهائية، وهذا مبدأ جوهري في مفهوم الاعتمادية.

وبسبب أن الكون يتصف بهذا النوع المحيِّر وغير المحدَّد من لاعتمادية، فإننا لا نستطيع أن نحقق أية اكتشافات علمية عن الكون عن طريق أساليب التفكير المنطقية الاستنتاجية. وبسبب قدر الاستقلالية الحقيقية المعطاة للكون والمؤيدة من الله فنحن نقدر أن نكشف عن أسرار الطبيعة، فقط من خلال تجارب نقدم فيها أسئلتنا للطبيعة، ثم ندع الطبيعة تخبرنا هي عن نفسها دون أن نفرض عليها الافتراضات المسبقة المخبأة في أسئلتنا.

وكان البعض من آباء الكنيسة قد أدرك بالفعل هذا الأمر، ولذا كانوا معارضين لفرض أية نماذج من الفكر المنطقي أو الإستنتاجي على الطبيعة[8]. ولا يمكن القول إنهم كانوا مستعدين في تلك المرحلة لأن يضعوا تعليمًا كافيًا عن الطبيعة، ولكن ما أقروه بالفعل هو أن الطبيعة في علاقتها المرتبطة بحرية الله يجب اعتبارها غير كاملة في حد ذاتها[9].

وبالتحديد لأنها كذلك فقد منحها الله انفتاحًا وتلقائية وحرية تفاجئنا بها على الدوام. فكل أعمال الله وطرقه في الطبيعة لها نفس خاصية المفاجأة والتي تتحدى بها أية توقعات من جانبنا. إلاّ أنه في داخل حرية الطبيعة هذه كما هو الحال بالطبع في حرية الله ولكن بصورة فائقة يوجد ثبات وانتظام مذهل يمكن الاعتماد عليه.

وكان المفكر الوحيد في الكنيسة الأولى الذي حسب معرفتي قد أدرك بالفعل هذه الحقيقة وطبقها بصورة ذات معنى هو يوحنا فيلوبونوس السكندري، حيث أصرَّ على رفض آراء أفلاطون وأرسطو عن أزلية العالم، بل وتبنى أفكارًا مميزة عن طبيعة النور[10]، فقد نظر إلى نور الكون المخلوق على أنه انعكاس مخلوق لنور الله غير المخلوق وبالتالي فهو مرتبط بصورة اعتمادية بثبات الله وعدم تغيره. وهكذا ينبغي علينا بالتأكيد أن نفكر بنفس الطريقة في العلاقة بين حرية الكون المخلوقة وحرية الله غير المخلوقة.

 

كيف تستقيم حرية الخليقة مع ثباتها؟

إنه في إعلان الله عن ذاته في يسوع المسيح الكلمة المتجسد ومن خلاله، نستطيع أن ندرك شيئًا من هذا الجمع بين: الحرية والثبات، تلقائية الطبيعة وإمكانية الاعتماد عليها، أحداث الطبيعة التي لا يمكن التنبؤ بها والنظام الدقيق الذي في الطبيعة. غير أن كل شيء يتوقف على ما نفهمه عن محبة يسوع المسيح وعدم تغيره (ثباته) وأمانته كرب ومخلِّص، وعما إذا كان ما يعلنه عن طبيعة الله هو بالفعل ما هو حقيقي عن الله الآب ضابط الكل خالق السماء والأرض ما يُرى وما لا يُرى.

هل توجد علاقة أمانة مطلقة بين إعلان الله عن ذاته في التجسد وبين مَن هو الله في جوهره الذاتي الأزلي؟ فإذا كانت هناك مثل هذه العلاقة من الأمانة المطلقة والثبات المطلق، إذن فيسوع المسيح في محبته الفادية وفي نعمته المحررة، هو الضمان الإلهي* لما نفهمه عن حرية الخليقة وتكاملها وإمكانية الاعتماد عليها حتى في نظامها الطبيعي وسلوكها المادي[11].

وقد لا يكون من السهل علينا اليوم أن نقدِّر مدى الأهمية العظمى لهذا الاكتشاف بالنسبة للكنيسة الأولى التي كان عليها أن تجاهد لتكوين صورة مترابطة للكون باعتباره له نظام عقلاني خاص به، وهذا النظام ليس نظامًا جزافيًّا (أي بمحض الصدفة) ولا نظامًا ضروريًّا (أي من المحتم وجوده)، ولكن رغم أن الكون “عرضي” في طبيعته حيث كان من الممكن أن لا يأتي إلى الوجود على الإطلاق، أو أن يكون مختلفًا تمامًا عما هو بالفعل إلاّ أنه مع ذلك مستقر وثابت ويمكن الاعتماد عليه، بل إنه أيضًا منفتح لعناية الخالق في إتمام قصد محبته. وكان كل هذا إظهارًا في ضوء إنجيل المسيح لما أشار إليه العهد القديم عن الخلق بأنه “حسن” لأنه جاء من يد الله، وبالتحديد هو حسن في تكامله وحقيقته.

وقد نجح المسيحيون بالفعل في الجمع بين عرضية الخليقة وثباتها، وأيضًا بين مرونة الخليقة وإمكانية الاعتماد عليها، كصفات أساسية للواقع المخلوق والذي دأبنا على تسميته بالطبيعة. ولم يكن هذا بالأمر السهل بالنسبة لأناس كان يسيطر عليهم مفهوم حتمية ارتباط أو تطابق الله مع الطبيعة (dues sive natura). أما فكرة أن هذا الكون الواقعي أي عالم الحسيات والوجود المادي له ثباته ووحدته الخاصة به، فقد كانت غريبة تمامًا بالنسبة للحضارة الكلاسيكية.

وكانت لهذه النظرة الجديدة تمامًا على العالم، جذور عميقة كما قد رأينا في التقليد اليهودي، مع الفارق في أن العامل الحاسم في الفهم المسيحي للكون الذي صنعه الله كان يتمثل في ثبات محبة الله في يسوع المسيح.

ولذلك ففي التحليل الأخير، تظهر عقيدة الخلق وهي متصلة بشدة بمفهوم الوحدانية في ذات الجوهر، لأنه بيسوع المسيح الذي له ذات الجوهر الواحد مع الآب كان كل شيء، كما قرر قانون الإيمان بنيقية. وهذا الموضوع الهام هو ما سنتناوله في الفصل القادم.

 

 

[1] انظر بالأخص ق. أثناسيوس في تصميمه على أن يسوع المسيح نفسه هو إرادة الله:

Con. Ar., 1.20; 2.2; 2.24f; 3.60ff. Cf. Con. Ar., 2.31; 3.63.

127 Athanasius, Con. Ar., 1.20; 2.24, 29f.

128 Georges Florovsky, ‘The Concept of Creation in Saint Athanasius’, Studia Patristica, 1962, p. 37; Collected Works, vol. II, pp. 48f, 57ff

129 Basil, Hex., 5.4; Athanasius, Con. Ar., 2.31

130 Origen, Con. Cel., 5.7; Basil, Hex., 1.3; cf.

131 Athenagoras, Leg., 6.3-4; 20.3; 22.12; 25.2; De res., 19.1-3. See also Con. gent., and De inc. of Athanasius.

132 Athanasius, Con. Ar., 1.48f; 2.14, 56, 61ff, 67-69, 70-72; Ad Ant., 7.

133 E.g., Basil, Hex., 3.8.

134 Thus Basil, Hex., 2.1f.

135 John Philoponos, De op. mundi, 2.1ff.

* لأنه إذا كان الله أمينًا في إعلانه عن ذاته لنا (في يسوع المسيح)، وإذا كان ثابتًا في محبته لنا، فهذا هو الذي يضمن ثبات الخليقة ووحدانيتها والاعتماد عليها. (المترجم)

136 Aristides, Ad Aut., 1.4. See Athanasius, Con. Ar., 1.9, 35ff, 51f; 2.6-10; 3.36; De decr., 14; cf. De syn., 27.12; Con. Apol., 1.12, 15.

حرية الخليقة في المسيحية

هل أنا حُر ولي سلطان على ذاتي وقادر على أن أفعل ما شئت كما أُحب ووقت ما أُريد!!!

هل أنا حُر ولي سلطان على ذاتي وقادر على أن أفعل ما شئت كما أُحب ووقت ما أُريد!!!

هل أنا حُر ولي سلطان على ذاتي وقادر على أن أفعل ما شئت كما أُحب ووقت ما أُريد!!!

الواقع العملي المُعاش دائماً ما يكشف لنا ما نقرأة ونسمعه وما نظنه ونعرفه عن أنفسنا، هل هو حقيقة واقعية أم هوَّ مجرد كلمات في كُتب نستشعر روعتها ولكن يستحيل تطبيقها، أو مجرد كلام خيالي لا يخرج عن إطار أحلام اليقظة، لأن في واقعنا المُعاش لا توجد مثل هذه الحُرية التي نقرأها في الكُتب ويقنعنا بها الآخرين فكراً، لأن من بعد سقوط الإنسان وهو يفتقر إلى حُريته الكاملةـ لأنه قد صار مربوطاً بأشياء مختلفة كثيرة.

وبدأ كل شيء يضغط عليه ويستعبده في هذه الدنيا، وعلى الأخص رغباته الخاصة، والناس من حوله، والمجتمع الذي يعيش فيه، وأيضاً طموحة الذي لا يستطيع ان يحققه بالتمام لأسباب معقدة متعددة.. الخ، فحياة الإنسان لم تعد بسيطة، بل معقدة وكل يوم تزداد تعقيداً، لأن هذه طبيعة السقوط: “التعقيد الشديد في كل شيء”، مثل الحبل المعقد الذي يزداد تعقيد ولا تُفك عقده إلا بالقطع.

ففي الواقع الإنسان ليس له إلا الحرية في الاختيار بين طريق الحياة والموت من جهة قربه أو عزلته عن الله، ولكن حرية الاختيار هذه لا تُعطيه القدرة على التغيير الداخلي، ربما يقدر أن يُغير نفسه من الخارج، لكن من الداخل لا يقدر – على الإطلاق – أن يُغير معدن طبيعته، هذا هو المستحيل عينه، أو حتى يقدر أن يواجه الموت وفساد الجسد ليقهرهم أو ينتصر عليهم أو يعبر فوقهم عبوراً، أيضاً مستحيل.

لأن من يستطيع أن ينتصر على الموت أو يقوم منه، فالميت لا يقدر أن يقوم من ذاته، ولا الجسد الترابي يقدر أحد أن يجعله سماوي، ولا الظلمة يستطيع أحد أن يجعلها نور، ولا النور يقدر أحد ان يجعله ظلمة، فأن لم يأتي الرب من السماوات ويغير طبعنا ويَحلَّنا من كل رباطات الدنيا وميول النفس المنحرفة، فيستحيل علينا أن نصير أحراراً مهما ما فعلنا أو صنعنا حتى من أعمال البرّ بحسب الجسد، لأننا عبيد تحت عبودية الموت الذي يعمل فينا بالفساد:

+ ألستم تعلمون أن الذي تُقدمون ذواتكم له عبيداً للطاعة، أنتم عبيد للذي تطيعونه: إما للخطية للموت أو للطاعة للبر (رومية 6: 16) + من يعمل الخطية هو عبد للخطية والعبد لا يبقى في البيت إلى الأبد، أما الابن فيبقى إلى الأبد (يوحنا 8: 34، 35) + ما انغلب منه أحد فهو له مستعبد أيضاً (2بطرس 2: 19)

فكل ما نطيعة قسراً نحن مستعبدين لهُ، والإنسان حينما يصير عبد ليس له القدرة أن يفك قيود ذاته، أو يعطي فداء عن نفسه وهو عبد فقير عاجز لا يقدر أن يفتدي نفسه، لأن ليس له لا مال ولا جاة أو سلطان، يحتاج للقوي لكي يفك قيوده ومن يفتدي نفسه ويستطيع أن يشتريه ويعطيه الحرية الحقيقية، لذلك الرب قال لليهود في يوحنا 8 أن حرركم الابن فبالحقيقة تكونون أحرار، لأن الابن الوحيد أتى إلينا في نفس ذات الجسد الذي يخصنا ليحرر الأسرى التي كانت حياتهم كلها تحت العبودية، لأنه أتى ليلبسنا ذاته ويجعلنا خليقة جديدة لها إرادة سماوية تغلب بقوة الله التي فيها كل عبودية وتعيش في الحرية:

+ وجاء إلى الناصرة حيث كان قد تربى ودخل المجمع حسب عادته يوم السبت وقام ليقرأ، فدُفِعَ إليه سفر أشعياء النبي، ولما فتح السفر وجد الموضع الذي كان مكتوبا فيه: روح الرب عليَّ، لأنه مسحني لأُبشر المساكين، أرسلني لأشفي المنكسري القلوب، لأُنادي للمأسورين بالإطلاق، وللعمي بالبصر، وأرسل المنسحقين في الحرية؛ فابتدأ يقول لهم أنه اليوم قد تم هذا المكتوب في مسامعكم (لوقا 4: 16 – 18؛ 21)

فكل ما نملكه اليوم هو أن نختار يا إما المسيح المُحرر، يا إما نستمر في حياة الشر والفساد ونتذوق مرارتها الذي يزداد كل يوم، فأن لم يحررنا مسيح القيامة والحياة فلا يوجد أمل لحرية ولا لحياة راحة قلبية من الداخل، ولن نستطيع أن نحيا بسلطان المجد الذي للإنسان حينما خُلق على بهاء مجد صورة الله الحي، لأنه فقدها بسماع آخر غير الله وبذلك فقد كل سلطانة وتمردت علية الخليقة كلها ولم يعد شيئاً خاضعاً لهُ لأنه تحت سلطان أهواء الشرّ التي تحركه وتجعل أعضاءه آلات إثم للخطية، لأن عند مواجهة شهوات قلبه تغلبه وتهزمه بل وأحياناً تسحقه وتورطة في مشاكل لا حصر لها.

بل وأيضاً حُزنه على ضياع رجاءه في الحياة وعدم القدرة على تحقيق طموحه يطحنه ويُحطم نفسيته ويكسرها، وليس من شافي لأن كل أمل لهُ يتحطم أمام عينيه مع الأيام، لأن العالم لا يقدر ان يُشبع أحد قط، بل ربما يزيده فقراً ولو حتى حقق كل ما يتمناه فيه فأنه – مع ذلك – يزداد تعاسة

لأن الفرح على الأرض فرح وهمي، يأخذ وقته القصير ويمضي، لأنه دائماً مؤقت لا يستمر طويلاً أبداً، والإنسان بيسأم أموره سريعا، فلو تذكرنا حياتنا والنجاح الذي حققناه، سنراه مجرد ماضي صار بلا قيمة أمام أعيننا، فكم فرحنا وصنعت لنا أسرتنا حفلات في نجاحنا في الدراسة، منذ الروضة إلى الجامعة أو حتى في الخطوبة أو الزواج.. الخ، ومع الأيام لم نعد نذكرها لأنها صارت بلا قيمة ونسينا فرحتها تماماً، وهكذا كل نجاحاتنا لم تستمر فرحتها أبداًَ مع الأيام.

لذلك أن أردنا الحرية فعلاً فلنسعى إليها ونطلبها لأن الرب المسيح المُحرر هو أمس واليوم وإلى الأبد، لا زال يجول يصنع خيراً ليشفي جميع الناس المتسلط عليهم إبليس:

+ الذي يؤمن بالابن له حياة أبدية والذي لا يؤمن بالابن لن يرى حياة بل يمكث عليه غضب الله (يوحنا 3: 36) + لأن هذه مشيئة الذي أرسلني أن كل من يرى الابن ويؤمن به تكون له حياة أبدية وأنا أُقيمه في اليوم الأخير (يوحنا 6: 40) + الحق الحق أقول لكم من يؤمن بي فله حياة أبدية (يوحنا 6: 47) + قال لها يسوع أنا هوَّ القيامة والحياة من آمن بي ولو مات فسيحيا (يوحنا 11: 25)

وحينما نؤمن بمسيح القيامة والحياة ونطلبه بكل قلبنا لأننا سأمنا من حياتنا التي تعبنا فيها ولم نصطاد شيئاً، ولم نستطع سوى أن نحفر لأنفسنا آباراً مشققة لا تضبط ماء:

+ فشكراً لله أنكم كنتم عبيداً للخطية ولكنكم اطعتم من القلب صورة التعليم التي تسلمتموها، وإذ أُعتقتم من الخطية صرتم عبيداً للبرّ، لأنكم لما كنتم عبيد الخطية كنتم أحراراً من البرّ، وأما الآن إذ أُعتقتم من الخطية وصرتم عبيداً لله فلكم ثمركم للقداسة والنهاية حياة أبدية. (رومية 6: 17، 18، 20، 22)

فأن كنا فعلاً آمنا ودخلنا في حرية البنين، إذاً كلام الرسول هو لنا نحن الذين دخلنا في سرّ حرية مجد أولاد الله، لأن في تلك الساعة فقط سنُنفذ كلام الإنجيل بسهولة وفرح لأن لنا القوة من الله حاضرة فينا، قوة الإنسان الجديد:

+ وتلبسوا الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله في البرّ وقداسة الحق (أفسس 4: 24) + ولا تقدموا أعضاءكم آلات إثم للخطية، بل قدموا ذواتكم لله كأحياء من الأموات وأعضاءكم آلات برّ لله (رومية 6: 13)

رائحة المسيحيين الكريهة – هل للمسيحيين رائحة كريهة؟ الرد على احمد سبيع

المذيع محمود داود يُعلن إيمانه في الكتاب المقدس

هل أنا حُر ولي سلطان على ذاتي وقادر على أن أفعل ما شئت كما أُحب ووقت ما أُريد!!!

Exit mobile version