تصحيح مفاهيم خاطئة في البدلية العقابية – ملمح الدين ج3 – د. أنطون جرجس
تصحيح مفاهيم خاطئة في البدلية العقابية – ملمح الدين ج3 – د. أنطون جرجس
نستكمل معًا أحبائي سلسلة من المقالات كنت قد بدأتها عن ملمح الدَّين ومفهومه عند آباء الشرق الأرثوذكسي، مبينًا الاختلاف بين مفاهيم آباء الشرق والغرب عند استخدام نفس المصطلحات كمصطلح الدَّين في سياق شرح تدبير الخلاص.
نبدأ من عند ق.باسيليوس الكبير الذي يفهم الدَّين على أنه دَّين الموت، وإنه لو لم يتجسد الرب، ويسدد دَّين ابموت عنا، فلن يتم إبادة حكم الموت. وبالتالي معنى “إيفاء الدَّين” عند ق.باسيليوس الكبير مثله مثل ق.أثناسيوس الرسولي هو إبادة حكم الموت، وهكذا يختلف مفهوم الدَّين عند ق.باسيليوس وق.أثناسيوس عنه عند لاهوتي العصر الوسيط كأنسلم والأكويني وغيرهم، ولاهوتي عصر الإصلاح مثل لوثر وميلانكتون وكالفن وآخرين.
حيث يرى اللاهوت الغربي إنه الآب قَبِلَ ابنه كمقابل لديون البشر أي خطاياهم، بينما يقول ق.باسيليوس التالي:
“إن كان مجيء الرب في الجسد لم يحدث، فإن الفادي لن يسدد دَّين الموت عنا، ولن يبدد حكم الموت نفسه. لأنه إن كان الخاضع للموت شيئًا، والذي أخذه الرب شيئًا آخر، لما أوقف الموت أيًا منهما عاملاً أعماله الذاتية، ولما صارت آلام جسد الله ربحًا لنا، ولما أباد الخطية في الجسد، ونحن الذين مُتنا في آدم، ما صرنا أحياءً في المسيح، وما كان قد سقط لا يمكنه أن ينصلح، وما تبعثر ما تمت استعادته، وما اغترب عن الله بخداع الحية، قد جعله الله خاصته من جديد”.
(رسالة رقم ٢٦١ إلى شعب سوزوبوليس، PG 32, 969)
ننتقل إلى ق.كيرلس عمود الدين، ولنا معه وقفة، حيث يرى أن الله خلصنا وسدد عنا ديوننا مجانًا بلا مقابل بسبب إحسانه ومحبته، وذلك في سياق شرحه لشريعة تحرير العبيد وإيفاء الديون في السنة السابعة، فيما يعرف بشريعة سنة اليوبيل. ونرى بوضوح المنحى الشفائي الخلاصي عند ق.كيرلس، حيث يرى ق.كيرلس إنه غاية تدبير المخلص هو شركة الروح القدس، وشركة الطبيعة الإلهية أي التأله بالنعمة.
وبالتالي نجد مفهوم ق. كيرلس الكبير عن الدَّين في سياق شرح تدبير خلاص الرب بعيد تمامًا عن مفهومه عند اللاهوت الغربي بشقيه المدرسي والبروتستانتي، حيث يقول التالي:
“وقد خلصنا مجانًا بنعمة الله من دون أن نعطي أي مقابل لحياتنا واشترينا مجد الحرية، لكننا نلنا البر بسبب إحسان السيد ومحبته، وهذا ما عبَّر عنه في سفر التثنية قائلاً:
هل رأيت كيف تشرق الحقيقة من داخل الظلال؟ وبوضوح تام سوف يظهر تدبير المخلص لأجلنا؛ بمعنى أنه حرر الذين اقتربوا إليه من ديونهم بواسطة الإيمان، وصرنا أخوةً بمشاركة الروح القدس. ولكي يصيروا شركاء الطبيعة الإلهية (أنظر ٢بط١: ٤)، حررهم دون أن يدفعوا شيئًا. حقًا، لم يفرض عليهم عقابًا بسبب عصيانهم، مع أنهم مديونون بإعطاء جواب عن أعمالهم”.
(السجود والعبادة بالروح والحق، المقالة السابعة)
كما يؤكد ق.كيرلس في سياق شرحه لتدبير الخلاص على وجودنا الكياني في المسيح أثناء صلبه وهكذا معموديتنا في اسمه بسبب احتوائنا في المسيح، حيث يقول التالي:
“إذًا، بما أن المسيح لم يُوزع، بل الكل ملكه، والجميع خاصون به، وبما أنه صُلب لأجلنا واعتمدنا في اسمه، فمن الواضح أننا أحتُوينا فيه، ولا ننتمي لإنسان مثلنا، بل إلى الله. بالتالي المسيح لنا هو الله”.
(الرسالة التوضيحية الأولى إلى الملكات، ص١٠٨)
وهكذا أحبائي كما قد رأينا التفاوت الواضح بين مفهوم الدَّين عند آباء اللاهوت الشرقي عنه عند آباء اللاهوت الغربي، حيث يرى آباء الأرثوذكسية أن الدَّين هو دَّين الموت، وإيفاء الدَّين هو إبادة الموت، ورد الحياة للإنسان الذي أضاعها بالخطية، فجلب على نفسه حكم الموت. ولما كان الإنسان المخلوق من العدم ليس له الحياة في ذاته، بحيث يستطيع أن يغلب الموت، لذا أقتضت حكمة الله أن يجوز مَن كان هو الحياة بطبيعته الموت بجسده، ويقوم من الموت، فيرد الحياة للمائتين.
تصحيح مفاهيم خاطئة في البدلية العقابية – ملمح الدين ج3 – د. أنطون جرجس
تصحيح مفاهيم خاطئة في البدلية العقابية – ملمح الدين ج1 – د. أنطون جرجس
تصحيح مفاهيم خاطئة في البدلية العقابية – ملمح الدين ج1 – د. أنطون جرجس
كنت قد بدأت من فترة الحديث عن مفاهيم وملامح البدلية العقابية من منظور اللاهوت الغربي، وقدمت أيضًا تصحيحًا لتلك المفاهيم والملامح الخاطئة من منظور اللاهوت الشرقي الأرثوذكسي، وتحدثت عن ملامح العقوبة والغضب والفدية والعدواة ومفاهيمها المختلفة تمام الاختلاف عند آباء الأرثوذكسية خاصة الآباء اليونانيين.
وإنه حتى لو استخدموا نفس المصطلحات، لأنها مصطلحات كتابية بالأساس، إلا إنهم يفهمونها بصورة مختلفة وبعيدة تمامًا عن مفاهيم نفس المصطلحات في اللاهوت الغربي. وأستكمل الآن معكم أحبائي ملمحًا آخر من ملامح تدبير الخلاص وهو ملمح الدَّين.
تعبير “الدَّين” هو تعبير تجاري بالأساس وله بعد حضاري وتاريخي معروف سواء في البيئة الحضارية اليونانية والرومانية، حيث عندما يقترض أحد من شخص آخر، يصبح هذا القرض دينًا عليه إيفائه حسب المواعيد المحددة لسداده. ولكن استخدمه المسيح والرسل في العهد الجديد كتعبير عن الخطايا والزلات، ولكن سياق استخدامه مختلف تمامًا عن استخدامه التجاري الحضاري، فقد كان على سبيل المجاز والاستعارة لتقريب معاني روحية ولاهوتية غير منطورة وغير محسوسة.
كما أننا نجد في سياسة الديون إنه ينبغي تسديد الدين في موعده المحدد، ولا يسقط استحقاقه أبدًا في سياق استخدامه التجاري في البيئتين الحضاريتين اليونانية والرومانية، بل ينبغي أن يتم سداد الدين سواء من خلال الشخص المديون نفسه، أو آخر يدفع عنه ديونه. هذا هو المفهوم التجاري البحت.
ولكننا نجد هذا المفهوم مختلف في مثل العبد الشرير (مت١٨: ٢٣- ٣٤)، حيث نجد سيد هذا العبد يسامحه بلا مقابل عن سداد ديونه ويعفيه منها، وهنا يشير المثل بصورة رمزية إلى تعاملات الله الصالح المحب معنا، حيث إنه لا يطلب مقابل لكي يغفر لنا خطايانا، بل يسامحنا من دون أي مقابل، ويقدم غفران غير مشروط بأي شيء لنا.
ولكن هذا لم يفهمه لاهوتيو الغرب الذين كانوا في البيئتين الحضاريتين اليونانية والرومانية ومن بعدها في العصور الوسطى وعصر الإصلاح، بل رأوا إنه ينبغي سداد الدين عن طريق ابن الله بأن يقدم ذاته في مقابل خطايانا، لكي يصفح ويغفر الله لنا مقابل ابنه الوحيد، أي أن الله الذي يغفر بلا مقابل، صار في تدبير الخلاص بحسب اللاهوت الغربي فجاءةً يطالب بالمقابل، ويطالب بتسديد دين الخطية بمقابلٍ، وهذا المقابل كان ابنه الوحيد الذي تجسد لأجل خلاصنا.
وكأنه حدث تغير في طبيعة الله الصالحة التي تغفر بلا شروط أو مقابل، كما أوضح مثل العبد الشرير، الذي صفح عنه سيده بلا مقابل عن دينه الكبير. بل ويطالب الله بسداد الدين أي دين الخطية والثمن والمقابل هو ابنه الوحيد، يا له من تسطيح وتهميش للمفاهيم الإيمانية الخلاصية بشكل مؤسف.
نبحث الآن معًا أحبائي مفهوم الدين في اللاهوت الشرقي الأرثوذكسي، وكيف فهم الآباء اليونانيون مصطلح “الدين” الوارد في الكتاب المقدس.
نبدأ بالعلامة أوريجينوس أمير شراح الكتاب المقدس، حيث يرى أن الخطايا هي الديون، ولكنه لم يخطر بباله أبدًا أن يتم سداد هذه الديون بمقابل هو الابن الوحيد، بل يرى أن اجرة الخطية هي موت، ولكنه لم يجد أجرة البر هي حياة أبدية، لأن الله يمنح هذه الحياة الأبدية على سبيل الهبة والنعمة فقط بلا مقابل، بينما لم يفهم لاهوتيو الغرب ذلك، حيث يقول التالي:
“لهذا السبب أيضًا، يقول الرسول في نص آخر: ‘اجرة الخطية هي موت’ (رو٦: ٢٣). ولم يواصل القول على نفس النمط، لكن أجرة البر هي حياة أبدية. بل قال: ‘أما هبة الله فهي حياة أبدية’ (رو٦: ٢٣) لكي يعلمنا أن الأجرة، والتي من المؤكد أنها تُقارن بدينٍ أو مجازاة هي عقوبة وموت، لكن ليعلمنا أيضًا أن الحياة الأبدية تؤسس على النعمة فقط.
ووفقًا لهذا المعنى، أعتقد أنه يجدر بنا أن نفسر النص على أنه يشير إلى الأعمال الشريرة، وهو ما كُتب في الإنجيل: ‘بالكيل الذي به تكيلون يُكال لكم’ (مت٧: ٢؛ لو ٦: ٣٨). لأن الله لم يضع على نعمته أي مكيال، لأنه مكتوب: ‘لأنه ليس بكيل يعطي الله الروح’ (يو٣: ٣٤)”. (تفسير رسالة رومية ٣: ١١: ١٥)
وهذا ما نجده أيضًا عند ق. أثناسيوس حين يستخدم مصطلح “الدَّين” في سياق سوتيرلوجي (خلاصي)، حيث يفهم” الدَّين” على أنه دَين الموت الذي كان الجميع مدينًا به لله مانح وواهب الحياة للجميع، فالإنسان بخطيته جلب الموت على نفسه، وبدد هبة الحياة التي أعطاها الله له، فصار مدينًا لله بحياته التي بددها بموته، فكان ينبغي أن يوفي أحد هذا الدين بأن يعيد الحياة المفقودة من الإنسان مرة أخرى بموته ليسدد دين الموت، ويهب الحياة للإنسان الذي فقد حياته بإرادته بالخطية والموت.
وهنا لم يطلب الله مقابل الدين، بل ساعد الله نفسه الإنسان بتجسده ليعيد ما فقده الإنسان من حياة بموته ليهب له الحياة، حيث يقول التالي:
“وهكذا تم في جسد المسيح فعلان متناقضان في نفس الوقت: الأول، هو أن موت الجميع قد تم في جسد الرب على الصليب، والثاني، هو أن الموت والفساد قد أُبيدا من الجسد بفضل اتحاد الكلمة به، فلقد كان الموت حتميًا، وكان لا بد أن يتم الموت نيابة عن الجميع لكي يوفي الدين المستحق على الجميع”.
(تجسد الكلمة ٢٠: ٥)
وهكذا يفهم ق. غريغوريوس النيسي مصطلح “الدَّين” بأنه الخطية، ولكننا كما نصلي في الصلاة الربانية: ‘أترك لنا ما علينا (أي ديوننا) كما نترك نحن أيضًا ما لنا عند الآخرين’، حيث يرى كما أننا نغفر أو نسامح أو نترك للذين يسيئون إلينا أو لنا عليهم ذنوب أو ديون من ناحيتنا، فبالأولى يسامحنا الله الصالح ومصدر كل صلاح بلا مقابل، حيث أننا بذلك العمل نتشبه بالله ونصير آلهة بالنعمة، لأننا نترك ما لنا عند الآخرين بلا مقابل مثله، حيث يقول التالي:
“وبالتالي فمَّن يمارس القساوة على مَن له عليه بسبب دينه المستحق، يحرم نفسه بتصرفه هذا من الصدقة الإلهية، إذ أنه ما هي العلاقة بين الصدقة والقساوة؟ وبين المحبة والضراوة؟ والأمر ينطبق أيضًا من جهة أخرى على كل الأشياء التي يمكن إدراكها من خلال الاختلاف بينها وبين الشر، حيث أنه هذا الاختلاف لا يمكن تجاوزه.
وكل مَن امتلأ بواحدة من هذه الصفات يكون بالتأكيد منعزلاً عن الصفة المعاكسة. هذا يعني أن مَن وصل إلى الموت، لا يكون موجودًا في الحياة. ومَن يشارك في الحياة، يكون مفصولاً عن الموت. هكذا فإن مَن يقترب من صدقة الله يجب أن يكون مجردًا من كل قسوة. ومَن يكون بعيدًا عن كل ما يعنيه الشر يصبح بطريقة ما إلهًا بسلوكه هذا، لأنه حقق لنفسه ذاك الذي يراه المنطق محيطًا بالطبيعة الإلهية”.
(شرح الصلاة الربانية ٥: ١)
ثم يعلق ق. يوحنا ذهبي الفم على مثل العبد الشرير في (مت ١٨: ٢١)، ويشرح كيف عفا الله مُمثَّلاً بالسيد في المثل عن كل دين العبد أي البشر بلا مقابل، وإن هذه كانت مشيئته منذ البدء، ولكنه أراد من العبد أي البشر أن يطلبوا ويتوسلوا لهذه المشيئة، كي ما يكون هذا سبب تكليل لهم، حيث يقول التالي:
“أرأيتم الإحسان الفائق مرة أخرى؟ لقد سأل العبد مجرد تمهل وإبطاء، لكن سيده أعطى أكثر مما سأل: الصفح وإعفاء كل الدين. فقد كانت مشيئته أن يمنحه هذا من البداية، لكنه لم يرغب أن تكون العطية عطيته فقط، بل أن تأتي أيضًا من توسل هذا الإنسان حتى لا يمضي غير مكلل، لأن كل شيء كان منه”.
(شرح إنجيل متى ١٩: ١١)
وهذا ما يشرحه ذهبي الفم في موضع آخر، ولكن لم يفهمه لاهوتيو الغرب المنظرين لنظرية “الدَّين” بمفهومها الخاطئ في سياق شرح تدبير الخلاص، حيث يقول:
“لهذا دعوني أضيف، لقد اورد السيد محبته للإنسان لكي بالمقارنة، كما يقول، تتعلم أنك ولو كنت تغفر سبعين مرة سبع مرات، ولو أنك تسامح قريبك دائمًا بكل خطاياه تمامًا، كمثل نقطة مياه في بحر لا نهاية له، هكذا كثيرًا، أو بالحري أكثر بكثير تقصر محبتك للإنسان بالمقارنة بصلاح الله غير المتناهي الذي تحتاج إليه، لأنك ستُحاكم وستقدم حسابًا”.
(شرح إنجيل متى ٦١: ١)
ويؤكد ذهبي الفم على الغفران بلا مقابل والصفح غير المشروط من قِبل الله، والذي ينبغي أن يكون لدى البشر أيضًا، حيث يقول في سياق شرحه لآية (مت٦: ١٤، ١٥) التالي:
“فكم فادح هو العقاب الذي يجب أن يستحقه الذين، بعد كل هذا، يتضرعون إلى إله طلبًا للثأر من أعدائهم؟ فبما أن المحبة هي أصل كل صلاح، فإن السيد يزيل كل ما يفسدها من جهة، ويجمعنا معًا، ويلصقنا الواحد بالآخر. فلا يوجد أحد -سواء كان أبًا أو أمًا أو صديقًا- قد أحبنا مثل الله الذي خلقنا”.
(شرح إنجيل متى ١٩: ١١)
بهذا أحبائي نجد اختلاف مفهوم الدَّين في سياق شرح تدبير الخلاص بين اللاهوت الشرقي واللاهوت الغربي، حيث يرى اللاهوت الشرقي أن الله قدم غفرانًا للخطايا بلا مقابل للبشر، بينما يرى اللاهوت الغربي أن الله أخذ دم ابنه الوحيد كمقابل وتعويض وبديل وثمن لدين الخطية التي اقترفها جميع البشر.
تصحيح مفاهيم خاطئة في البدلية العقابية – ملمح الدين ج1 – د. أنطون جرجس
تصحيح مفاهيم في البدلية العقابية – ملمح العقوبة – د. أنطون جرجس
تصحيح مفاهيم في البدلية العقابية – ملمح العقوبة – د. أنطون جرجس
سوف نورد بعض التفسيرات والشروحات الآبائية التي تفسِّر مفهوم العقوبة الإلهية في الكتاب المقدس، وكما فهمها آباء الكنيسة الجامعة كالتالي:
يتحدث العلامة أوريجينوس عن قيمة العقوبة التربوية من الله، وإنها لتقويم وتصحيح الخطاة، وليس المقصود إهلاكهم وفنائهم، حيث يرد على ادعاءات الغنوسيين بقسوة إله العهد القديم وبصلاح ورأفة إله العهد الجديد بحسب زعمهم الباطل بوجود إلهين في الكتاب المقدس بعهديه، يقول:
”ليتهم يخبرون عن فضيلة ففضيلة منكبين على فحص الكتب، فلا يسعوا إلى التملص بقولهم: إنّ الله الذي يجازي كل أحد بحسب أعماله يجازي على السوء بسوءٍ حنقًا منه على الأشرار؛ وإنه لا يبادر الذين أخطئوا وهم في احتياج إلى العناية بهم بأدوية ناجعة، بعلاجٍ يبدو أنه يحمل الألم إليهم في الآن الحاضر لأجل إصلاحهم.
فهم لم يقرأوا ما كُتِبَ عن رجاء الذين لقوا حتفهم في أثناء الطوفان، الرجاء الذي قال عنه بطرس في رسالته الأولى: لقد مات المسيح بحسب الجسد، ولكنه محيي بحسب الروح، وبهذا الروح مضى وبشّر الأرواح المضبوطة في السجن، تلك التي عصت قديمًا إذ كان حلم الله يتأنى، أيام كان نوح يبني الفلك الذي نجا فيه، بالماء، عدد يسير من الناس -ثمانية أنفس بالضبط. وأنتم أيضًا يخلصكم اليوم بالعماد على النحو نفسه.
ويا ليتهم يقولون لنا، في موضوع سدوم وعمورة، هل يعتقدون بصدور الأقوال النبوية عن الله، الذي نُقِلَ عنه أنه أمطر عليهم وابلاً من نار وكبريت! ماذا يقول حزقيال عن هاتين المدينتين؟ ستعود سدوم إلى قديم حالها. فإذ إنه اقتصّ من الذين استحقوا القصاص، ألم يفعل ذلك لمنفعتهم؟ فقد قال مخاطبًا بنت الكلدانيين: عندك حجر، فاقعدي عليه يُثبِك خيرًا.
وفي شأن الذين سقطوا في البرية، ليصغي الزنادقة إلى ما جاء خبره في المزمور 77، منسوبًا بعنوانه إلى آساف: إذ كان يقتلهم كانوا يلتمسونه. لم يق إنّ بعضًا منهم إذ قُتِلوا، كان آخرون يلتمسونه، بل إنّ الذين قُتِلوا قد لقوا حتفهم، بحيث إنهم كانوا يلتمسون الله عندما قضوا نحبهم. فهذا كله يُظهِر أنّ الله العادل والصالح، إله الناموس والأناجيل، إله واحد هو هو نفسه، وأنه يعمل الخير بعدلٍ، ويعاقب بصلاحٍ، إذ ليس الصلاح دون العدل، ولا العدل دون الصلاح، علامة منزلة الطبيعة الإلهية“.
(في المبادئ 2: 5: 3).
يستمر العلامة أوريجينوس بالرد على الغنوسيين وادعاءاتهم الفاسدة بإلهين في الكتاب المقدس في سياق تفسيره لشفاعة موسى وهارون أمام الله أثناء حادثة تمرد قورح وداثان وأبيرام وانتشار الوباء بين العبرانيين (عد16: 46). حيث يُذكِّر العلامة أوريجينوس بلطف الله الذي تمتع به تلاميذ المسيح، لكيلا يتزعزع أحد بتأثير الهراطقة فهم يقولون إنّ رب الشريعة ليس محبًا لكنه عادل، وإن شريعة موسى لا تُعلِّم المحبة بل العدل.
فلينظروا هؤلاء المحاربون لله، والمحاربون للشريعة كيف أنّ موسى نفسه وهارون هذان الرجلان في العهد القديم قد خضعا مقدمًا لتعاليم الإنجيل. موسى “أحب أعداءه وصلى لأجل مضطهديه”. هذا ما علّمته بكل دقة تعاليم المسيح في الأناجيل. لنتعلم حقًا كيف سجدا ووجههما للأرض، وصليا لأجل الثائرين الذين أرادوا أنْ يقتلوهما. إذًا، نجد قوة الإنجيل في الشريعة، ولا تُفهم الأناجيل إلا على أساس الشريعة.
(عظات على سفر العدد 9: 4).
*كما أن هناك مغالطة كبيرة جدًا تقول إن أوريجينوس هو الوحيد الذي تحدث عن العقوبات التأديبية الشفائية وهذا عكس ما سنرى من كتابات أباء الكنيسة كالتالي:
يرى ق. كيرلس الأورشليمي إن الخطية هي شر مرعب للغاية، لكنها ليست بالمرض المستعصي شفائه، هي مرعبة لمَّنْ يلتصق بها، لكن مَنْ يتركها بالتوبة يُشفى منها بسهولة.
(مقالات الموعوظين 2: 1)
ثم يؤكد ق. كيرلس الأورشليمي على عظم محبة الله للبشر، وترفقه وطول أناته الشديدة عليهم من أجل توبتهم، ويُعدِّد أمثلة رحمة ورأفة الله بالخطاة، وتعامله معهم كما يتعامل الطبيب الماهر مع مرضاه، فيذكر طول أناته على جبابرة الأرض الخطاة خمسمائة عامًا يهدّدهم بالطوفان لكي يهبهم مهلة للتوبة، فلو أنهم تابوا لما أخفقوا في التمتع بمحبة الله المترفقة.
ونفس الشيء صنعه الله مع راحاب الزانية الوثنية، ومع هارون عندما أخطأ في حق أخيه موسى، وترفقه بداود الساقط، ورحمته بسليمان وآخاب ملك السامرة، ويربعام الملك عابد الأوثان، ومع منسى الملك الشرير، ومع حزقيا الملك، ومع نبوخذ نصر الملك وغيرهم الكثيرين.
(مقالات الموعوظين 2: 6- 20)
كما يواجه الأورشليميّ هرطقة الغنوسيين القائلين بإلهين في الكتاب المقدس، واحد للعهد القديم والآخر للعهد الجديد، أنَّ الأسفار المقدسة وتعاليم الحق تعرفنا بإله واحد وحده، مدبر كل الأمور بقدرته، يتحمل كثيرًا بإرادته. إنه صاحب سلطان على الوثنيين، وبطول أناته يحتملهم. له سلطان على الهراطقة الذين لا يقيمونه عليهم إلهًا، وبطول أناته يحتملهم.
له سلطان على الشياطين وبطول أناته يحتملهم، ليس لأنه محتاج إلى سلطان كمَّن هو ضعيف، لقد سمح للشياطين أن تعيش لغرضين: لكي تخزي نفسها بنفسها بالأكثر في حربها، ولكي يتكلل البشر بالنصرة. يا لعناية الله الحكيمة! التي تستخدم نية الشرير كأساس لخلاص المؤمنين! لا شيء يفلت من سلطان الله الذي يحكم الكل وبطول أناته يحتمل حتى المجرمين واللصوص والزناة محدّدَا وقتًا معينًا لمجازاة كل أحد، لكن إنْ أصّر مَن يحذّرهم على عدم التوبة من القلب ينالون دينونة عظيمة.
(مقالات الموعوظين 8: 4، 5).
يوضّح ق. غريغوريوس النيسي مفهوم العقوبات الإلهية في سياق تفسيره للضربات العشرة التي حلت بالمصريين إنه يجب ألا نستنتج أنَّ هذه الضربات التي حلت بمَّن يستحقونها جاءت مباشرةً من الله، بل يجب أن نلاحظ أنّ كل إنسان يجلب على نفسه الضربات بإرادته الحرة بسبب ميوله، ويخاطب بولس الرسول مذلة هذا الشخص، قائلاً: “ولكنك من أجل قساوتك وقلبك غير التائب تذخر لنفسك غضبًا في يوم الغضب واستعلان دينونة الله العادلة، الذي يجازي كل واحد حسب أعماله” (رو2: 5)، ويؤكد أيضًا أننا عندما نقول أنّ الانتقام المباشر يحل من الله على مَّن يسيئون استخدام إرادتهم الحرة، فمِن المنطقيّ أنْ نلاحظ أنّ أصل هذه المعاناة وسببها هو في أنفسنا، حيث لا يمكن أنْ يحلّ بنا شر إلا باختيارنا الحر.
(حياة موسى 2: 85- 88).
ينتقد ق. كيرلس عمود الدين القدرية والجبرية وإنزال العقوبات من قِبل الله في سياق حديثه عن ادعاء الشعراء الوثنيين الذين ينسبون المتاعب والشرور والانفعالات لآلهتهم الوثنية، حيث يقول هوميروس في أشعاره إن الإله “ذياس” يتحدث مع آلهة أخرى عن زنى “إيجيستوس” وعن الجزاء الذي يستحقه. ويا للأسف، كيف يتهم البشر الزائلون الآلهة باتهامات ثقيلة، ويقولون إن الشرور تأتي من الآلهة، وهكذا فإن أولئك يتألمون بعصيانهم، وليس من القَدَرَ.
فلأي سبب ينسب البعض للآلهة متاعبهم، ولا ينسبونها إلى أخطائهم التي تسبب لهم النكبات؟ فإذا اختار المرء أنْ يعيش حياة مستقيمة، وتكون حياته مملوءة بالحكمة واللياقة، فإن عليه أن يسلك بثباتٍ متخطيًا الصعاب، وذلك بناءً على قراره الصحيح والمشورة المستقيمة، ولا يترك نفسه أسيرةً للأعمال الشريرة. لأن في مقدورنا أن نرى الاتجاهين، أقصد الخير والشرير.
والذين يقدِّرون الطريق الصحيح سوف يصلون إلى جمال الفضيلة، أما الذين يحبسون أنفسهم في الشر ويفضِّلون الظلم، هؤلاء يفسدون الحياة نفسها، ويكونون هم سبب هلاكٍ لأنفسهم.
(السجود والعبادة بالروح والحق: المقالة 6).
يتحدث ق. كيرلس أيضًا في سياق تفسيره لشريعة القتل في الناموس الموسويّ عن مفهوم العقوبة الإلهية الممزوجة بالمحبة، حيث إذا حدث وقتل شخص أحد عن غير عمد، فإن الناموس يحاكمه بعقوبة الهروب المستمر، إذ يمزج الله هنا العقوبة بمحبته للبشر؛ حيث لا يجعل عقوبة الجريمة التي هي عن غير قصد، في نفس مستوى جرائم العمد، لذلك أمر الناموس أن تُحدَّد ثلاثة مدن اسماها مدن الملجأ لكي يلجأ إليها الذين يرتكبون أخطاءً غير مقصودة.
ويعقد مقارنة بين تلك الشريعة وبين الخطاة الذين أُسِروا بخطاياهم، كأنهم قاتلون لأنفسهم، بالرغم من أنهم انجرفوا إلى هذا الوضع السيء دون إرادتهم، وصاروا مخالفين لله، كما يقول الكتاب: “لأنَّ تصوّر قلب الإنسان شرير منذ حداثته” (تك8: 21). فكما ساد ناموس الشهوة الجسدية غير الملجمة على أعضاء الجسد، هكذا تُعاقب نفس الإنسان التعيسة، بالهرب من العالم ومن الجسد في منفى، كما لو كان في مدينةٍ بعيدةٍ.
وهذا يشير إلى أقسام الأرض السفلى، أي الهاوية التي تنزل إليها النفس بالموت، كما حدث قديمًا، وقضت النفوس أزمنةً هناك، ولكن عندما جاء رئيس الكهنة المسيح ومات من أجل الجميع، ونزل إلى الجحيم، فتح أبوابه، وحرّر النفوس من القيود.
(المرجع السابق: المقالة )
كما يرى ق. كيرلس ضلال عبادة الأوثان عند اليونانيين الذين يختارون الأشجار التي تحمل فروعًا جيدة، وكل غابة كثيفة الظلال ليبنوا فيها هياكل من أجل تقديم ذبائح للشياطين فيها، ويرتّبون بعض المتع العالمية التي تشغل الذهن بسبب الضعف؛ الذي هو المرض الطبيعيّ للمزيفين، الذي يحتاج للعلاج. (المرجع السابق: المقالة 10).
يوضّح القديس إيسيذوروس الفرمي مفهوم العقوبة الإلهية، ويرى أنَّ تقويم وتصحيح الخطايا الذي يقوم به الله لأجل تحسيننا، لا يجب أنْ نسميه غضبًا ولا سخطًا، بل بالحري نُصحًا وموعظةً. لكن لو اعتبره البعض غضبًا، قاصدين بذلك الإعلان عن محبة الله للبشر، فذلك لأنهم يؤمنون بأنَّ الله يتنازل إلى مستوى الأهواء والعواطف بسبب البشر، وصار إنسانًا لأجلهم. (رسالة إلى سلوانس 344)
ويؤكد نفس المفهوم الشفائيّ والتربويّ عن العقوبة الإلهية في موضع آخر، حيث يرى أن الطبيعة الإلهية وغير الدنسة قد أعطتنا كل أمثلة العقوبات مكتوبةً؛ حيث فُرِضَت عن حقٍ للخطايا، حتى بالخوف من الجحيم ذاته، نتجنب الشركة في الأعمال الخاطئة. إذًا، إنْ خاف أحد التأديبات، ليته يحافظ على احترام العقائد. (رسالة إلى الدياكون إيسيذوروس 467).
كما يناقش ق. باسيليوس موضوع الدينونة الإلهية والعقاب، ويفسرها وكأنه يتحدث بلسان حال أيامنا الحاضرة كالتالي:
” الحديث عن الدينونة تكرر في مواضع كثيرة من الكتاب المقدس، باعتباره أمر ملزم، وقادر أن يحفظ أولئك الذين آمنوا بالله في المسيح يسوع في تعليم التقوى. ولأن الكلام عن الدينونة قد كُتب بطرق مختلفة، فمن الواضح أنه أحدث التباسًا لدى أولئك الذين لا يميزون المعنى بدقة. […] ولكن من الواضح أن كلمة “أدان” نتقابل معها في الكتاب المقدس، تارة بمعنى “أُجرب”، وتارة أخرى بمعنى “أحكم على نفسي” […]
وقيل أيضًا إن الرب سيدين أو سيجازي كل إنسان، أو يحاسب كل إنسان، أي عندما يفحص الله كل إنسان، سيضع ذلك الإنسان نفسه في مواجهة الدينونة أو القضاء، وسيضع الله مقابل وصاياه أعمال أولئك الذين أخطأوا. وسيبين في دفاعه أن كل ما كان منوط به عمله لأجل خلاص جميع المدانين، فهذا قد عمله وتممه، حتى يقتنع ويثق الخطاة أنهم مذنبين، بسبب ما ارتكبوه من خطايا، وبعدما يقبلون بالقضاء الإلهي، سيقبلون العقوبة المفروضة عليهم بإرادتهم“
(عظات على المزامير 2: 4).
ويستطرد ق. باسيليوس في نفس السياق موضحًا معنى العقوبة الإلهية كالتالي:
” فالمجاعات والسيول هي نكبات مشتركة تأتي على المدن والأمم لكي توقف وتحجّم فعل الشر المتفاقم. إذًا مثلما نصف الطبيب دائمًا بأنه محسن وكريم حتى لو تسبب في إيلام الجسد أو النفس (لأنه يحارب المرض وليس المريض) هكذا الله هو صالح يدبر الخلاص من خلال محصلة بعض الإجراءات“ (عظة الله ليس علة الشر).
كما يشرح ق. غريغوريوس اللاهوتي النزينزي معنى العقاب والدينونة الإلهية كظلمة وعمى روحيين وانفصال عن التنعم بمعاينة الله كالتالي:
” فآمن أنت يا هذا بالقيامة والدينونة والمجازاة العادلة من عند الله. وافهم هذه المجازاة على أنها نور للمطهرين في أذهانهم أعني أنهم سيرون الله وسيعرفونه كل واحد على قدر الطهارة التي هو فيها، وهو ما نسميه “الملكوت السماوي”. وافهم أيضًا أن العقاب إنما هو ظلمة للذين عموا وضلوا عن جادة الحق والصواب. أي تغرب عن الله هو بنسبة ما عندنا هنا من العمى“ (عظة المعمودية والمعمدون).
كما ينقل ق. يوحنا كاسيان رأي الأب ثيؤدور عن مفهوم العقوبة الإلهية كعقوبة تأديبية شفائية كالتالي:
” اعتاد الكتاب المقدس أن يستخدم بعض التعبيرات في غير معناها الأصلي. فيستخدم كلمة “الشرور” عن “الأحزان والضيقات” ليس لأنها شر، أو طبيعتها شريرة، بل لأن مَن تحل بهم هذه الأمور لأجل صالحهم يعتبرونها شرًا. فحينما يتحدث الحكم الإلهي مع البشر، يتكلم معهم حسب لغتهم ومشاعرهم البشرية.
فالطبيب يقوم بقطع أو كي الذين يعانون من القروح لأجل سلامة صحتهم، ومع هذا يراه مَن لا يقدرون على احتماله أنه شر. والمنخاس أو السوط يكون مفيدًا للحصان الجموح. والتأديب يُعتبر مرًا بالنسبة للمؤدبين، إذ يقول الرسول: “ولكن كل تأديب في الحاضر لا يُرى أنه للفرح بل للحزن، وأما أخيرًا فيعطي الذين يتدربون به ثمر بر السلام” (عب12: 11)، “الذي يحبه الرب يؤدبه ويجلد كل ابن يقبله فأي ابن لا يؤدبه أبوه؟!” (عب12: 6، 7)“
(المناظرات 6: 6).
تصحيح مفاهيم في البدلية العقابية – ملمح العقوبة – د. أنطون جرجس