مفهوم الفدية عند ق. كيرلس الإسكندري – د. أنطون جرجس

مفهوم الفدية عند ق. كيرلس الإسكندري – د. أنطون جرجس

مفهوم الفدية عند ق. كيرلس الإسكندري – د. أنطون جرجس

استكمالاً لما قد بدأناه من سلسلة مقالات لتوضيح مفهوم الفدية عند آباء الكنيسة ردًا على المشككين والجهلاء من البعض، نستعرض الآن مفهوم الفدية عند ق. كيرلس الإسكندري.

وأود التنويه في البداية أن نصوص ق. كيرلس عن موضوع الفدية كثيرة ومتنوعة ومتعددة الجوانب في مفاهيمه حول موضوع الفدية، ولكن السمة الغالبة عند ق. كيرلس في موضوع الفدية هي أن الفدية هي موت المسيح للقضاء على الموت والفساد، وليس كما يدَّعي البعض عن جهل أنها تسديد لعقوبة الموت من الآب على البشرية، فالابن لم يكن في موضع المعاقب من الآب لأجل البشر.

كما أن الموت هو نتيجة سقوط الإنسان وتعديه، وليس الله هو علة الموت، أو يميت البشر، لأن الله حياة وليس موت. فالموت ليس أحد صفات جوهر الثالوث القدوس منذ الأزل، بل دخل الموت إلى العالم بحسد إبليس وبالخطية. الله لا يميت أحدًا، ولا يعاقب أحدًا بالموت، فالله لا يسره موت الخاطئ مثلما يرجع ويحيا، فهلاك الأحياء لا يسره كما نقرأ في الكتاب المقدس، ونصلي في الليتورجية، وفي الأجبية.

فعل الإماتة لم يكن في الله منذ الأزل، ولم يمارس الله صفة الموت أو الإماتة بين أقانيمه الثلاثة منذ الأزل، فلم نر الآب يميت الابن، والعكس صحيح، لم نر الابن يميت الآب، وهكذا لم نر الروح القدس روح الحياة، يمارس فعل الإماتة مع الأقنومين الأخرين، فهذا تجديف على الله! حاشا! الله الثالوث هو الحياة ومصدر وينبوع الحياة، ولم يكن في أي وقت من الأوقات موت أو ينبوع ومصدر الموت.

فلم يقل المسيح أبدًا في الإنجيل أنا هو الموت، ناسبًا صفة الموت أو الإماتة لنفسه، بل قال أنا هو القيامة والحياة، وأنا هو الطريق والحق والحياة. لذا إدعاء البعض عن جهل أن الله يُعاقب البشر بالموت هو محض تجديف على الله!

 

ننتقل إل مفهوم الفدية عند ق. كيرلس الإسكندري، حيث يؤكد ق. كيرلس – مثلما أكد الآباء السابقين عليه – على تقديم المسيح جسده كفدية للموت كالتالي:

“لذا كان من الضروري أن يقدم ابن الآب الحي جسده الخاص للموت كفدية* عن حياة كل البشر، لكي عن طريق جسده المتحد بالكلمة يمهد الطريق لأجسادنا المائتة حتى تستطيع أيضًا أن تنتصر على رباطات الموت”.

كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج ٢، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٥)، تعليق على (يو ١٨: ٧- ٩)، ص ٤٢٥.

ونجد هنا ق. كيرلس الإسكندري يتبع الآباء السابقين عليه في التأكيد على تقديم المسيح الفدية للموت كالتالي.

حيث يشير ق. أثناسيوس إلى تقديم المسيح الفدية للموت كالتالي:

“فإن مجيء المخلص متجسدًا، قد صار فديةً* للموت وخلاصًا لكل الخليقة”.

أثناسيوس (قديس)، المسيح في رسائل ق. أثناسيوس (الرسالة إلى أدلفيوس المعترف)، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد ود. صموئيل كامل، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٧)، الفصل ٦، ص ٢٩.

ويتحدث ق. باسيليوس الكبير أيضًا عن تقديم المسيح الفدية للموت في الليتورچية البيزنطية الخاصة به قائلاً:

“فطهّرنا بالماء وقدّسنا بالروح القدس، وبذل نفسه فديةً* للموت الذي كان مستوليًا علينا ارقاءً تحت الخطية”.

 

باسيليوس الكبير (قديس)، الأفخولوجي الكبير (ليتورجية ق. باسيليوس)، ترجمة: الأسقف رافائيل هواويني، (لبنان: بيرثوث وقلفاط، ١٩٥٥)، ص ١٤٢.

وهذا ما يؤكده أيضًا ق. كيرلس الأورشليمي أن المسيح قدم جسده كطُعم للموت قائلاً:

“لذلك صار جسده طُعمًا للموت*، وإذ صار موضع أمل للوحش [الشيطان] أن يقبض على المخلص، قبض المخلص عليه. لأنه ‘يبلع الموت إلى الأبد، ويمسح السيد المسيح الدموع عن كل الوجوه’ (إش ٢٥: ٨)”.

تادرس يعقوب ملطي (قمص)، القديس كيرلس الأورشليمي (حياته – مقالاته لطالبي العماد – الأسرار)، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس اسبورتنج، ٢٠٠٦)، المقالة ١٢: ١٥، ص ١٧٢.

نعود مرة أخرى إلى مفهوم الفدية عند ق. كيرلس الإسكندري، حيث يؤكد ق. كيرلس على تقديم المسيح جسده كفدية لحياتنا جميعًا كالتالي:

“وعندما قدّم جسده كفدية لحياتنا جميعًا”.

 

كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل لوقا، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٦)، عظة ١٥٣، ص ٧٥٠.

ويؤكد ق. كيرلس على تقديم المسيح ذاته فديةً للجميع كالتالي:

“لأنه هكذا خلص المسيح الكل باذلاً ذاته فديةً للصغير والكبير، للحكيم وغير الحكيم، وللغني والفقير، ولليهودي واليوناني”.

كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير سفر يونان، ترجمة: د. جورج عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٧)، تعليق على (يون ٤: ١٠- ١١)، ص ٤٧.

ويؤكد ق. كيرلس أيضًا على تقديم المسيح للفدية نفسه لأجل نفوسنا، وجسده لأجل أجسادنا كعطية ثمينة لأجلنا كالتالى:

“لقد أعطانا حقًا عطية ثمينة، جسده لأجل جسدنا، ونفسه فديةً* لأجل نفوسنا، ورغم ذلك قام، إذ إنه كإله بطبيعته هو الحياة ذاتها”.

كيرلس الإسكندري (قديس)، حوار حول تأنس الابن الوحيد، ترجمة: د. جورج عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٢)، الفصل ٧، ص ٧٧.

وهكذا يؤكد ق. كيرلس أن الفدية لأجل الجميع لإماتة الموت وإقامة طبيعة الإنسان الساقطة كالتالي:

“(يقول الرب): إني أموت من أجل الجميع لكي أُحيي بذاتي الجميع، وقد جعلت جسدي فديةً* لأجل الجميع، لأن الموت سيموت بموتي، ومعي سوف تقوم ثانيةً طبيعة الإنسان الساقطة”.

كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج ١، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدرسات الآبائية، ٢٠١٥)، ٤: ٢، تعليق على (يو ٦: ٥١)، ص ٤٠٣.

وهذا ما يؤكده ق. كيرلس أن المسيح أعطى جسده فديةً لأجلنا كالتالي:

“إذًا، فقد افتُدينا، طالما أنه أعطى جسده لأجلنا فديةً*، فإذا أعتقدنا أنه إنسان عادي، كيف يكون دمه كافيًا لحياة الكل؟ بينما لو أعتقدنا أنه هو الله بالجسد الأكثر جدراةً من الجميع، سيكون فداء كل العالم بدمه كافيًا للدَّين، وهذا صحيح جدًا”.

كيرلس الإسكندري (قديس)، الإيمان القويم إلى الملكات، ترجمة: د. جورج عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٩)، الرسالة التوضيحية الأولى، ص ١٦٢.

ويؤكد ق. كيرلس على أن المسيح افتدانا من إبليس الذي كان يأسرنا، وليس الآب. فلم يتحدث ق. كيرلس أبدًا عن أننا كنا مأسورين عند الآب، وتوجب دفع الفدية لديه ليطلقنا من الأسر، بل يؤكد ق. كيرلس مرارًا وتكرارًا – مثله مثل جميع الآباء- على أننا كنا مأسورين عند الشيطان قائلاً:

“ويعلن بالأثنين التالي: طالما أنه افتدانا* ربنا يسوع المسيح من مصر وأشور أي من استبداد أولئك الذين أسرونا (وهؤلاء هم الأشرار والشياطين الدنسة)، نقلنا إلى أرض مليئة بالأشجار والثمار، أي الكنيسة”.

كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح سفر زكريا، ترجمة: د. جورج عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدرسات الآبائية، ٢٠١٧)، الفصل ٧٣، تعليق على (زك ١٠: ١٠)، ص ١٥٢.

ويؤكد ق. كيرلس أيضًا أننا كنا مأسورين عند الشيطان وليس عند الآب قائلاً:

“وكانوا أسرى وفي قبضة الشيطان*، وذلك لأنهم قاوموا الله، لأجل هذا رُفضوا وفقدوا كل العناية السماوية”.

المرجع السابق، الفصل ٢، تعليق على (زك ١: ١- ٢)، ص ١٨.

وهكذا يؤكد ق. كيرلس على أن المسيح قام بأسر الشياطين – الذين كنا مأسورين عندهم، وليس عند الآب – باذلاً دمه لأجلنا لإبعاد الموت، وإبطال الهلاك، ومنح الحياة لنا كالتالي:

“نفس الأمر أيضًا، ربنا يسوع المسيح الذي انتصر على جميع الشياطين النجسين، وقام بأسرهم باذلاً دمه* لأجلنا، هكذا أبعد الموت، وأبطل الهلاك، وجعلنا خاصته، إذ لا نحيا بعد حياتنا، بل حياته؛ لأنه لو لم يمت لأجلنا لما خلُصنا، ولو لم يُحسب من بين الأموات، لما انهدمت حصون مملكة الموت”.

كيرلس الإسكندري (قديس)، الجلافيرا على سفر الخروج، ترجمة: د. جورج عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٨)، المقالة ٢، ص ١٦٣.

ويؤكد ق. كيرلس أيضًا على أن المسيح افتدانا من الموت ومن يدي الهاوية، إذ قدم ذاته فديةً للموت كالتالي:

“لأنه افتدانا* من يدي الهاوية، أي من بطش الموت، وأن موت المسيح يُدرك كطريقة للفداء*. لأنه تعرض لأجلنا للموت فوق الصليب، وانتصر على الرؤساء والسلاطين مسمرًا عليه الصك الذي علينا (أنظر كو ٢: ١٤، ١٥) […] يسوع المسيح الذي مات لأجلنا، أو الأفضل ‘الذي بذل نفسه فديةً* لأجل الجميع، الشهادة في أوقاتها الخاصة’ (١تي ٢: ٦)، الأكثر استحقاقًا من الكل، بواسطته وبه* صرنا أغنياء (أنظر ١كو ١: ٥)، لكي نرجع ثانيةً إلى عدم الفساد”.

كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير سفر هوشع، ترجمة: د. جورج عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠٢٠)، تعليق على (هو ١٣: ١٤)، ص ٣١٤، ٣١٥.

ويؤكد ق. كيرلس على أن الآب نفسه هو الذي  بذل وقدّم ابنه كفدية وثمن لأجل خلاصنا كالتالي:

“وإنه حق وقد تم التيقن من الحقائق ذاتها أن الآب بذل ابنه لأجل خلاصنا. وبالتالي، كما يقول بولس: ‘قد اشتُريتم بثمن* فمجّدوا الله’ (١كو ٦: ٢٠)، فنحن لسنا ملكًا لذواتنا. ويقول أيضًا: ‘وهو مات لأجل الجميع كي يعيش الأحياء فيما بعد لا لأنفسهم، بل للذي مات لأجلهم وقام”.

كيرلس الإسكندري (قديس)، الجلافيرا على سفر الخروج، ترجمة: د. جورج عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٨)، المقالة ٢، ص ١٦١، ١٦٢.

كما يؤكد ق. كيرلس على دفع الفدية من أجل الإنسان لكي ما يحيا، لأن الله لم يُسر بهلاك الإنسان مثلما يحدث مع الشياطين قائلاً:

“فلا يُسر بأن يحدث للإنسان كما يحدث للشياطين الدنسة التي هلكت (أنظر مت ٨: ٢٨- ٣٤)، فأمر بأن تُدفع الفدية* لأجله [أي للإنسان]، ونحن نعترف بأننا مديونون له بحياتنا. […] بينما الفدية الحقيقية المقدمة عن الجميع هي المسيح، الذي بواسطته انتصرنا على الموت، لأنه قدم ذاته لأجلنا”.

المرجع السابق، ص ١٦٥، ١٦٦.

لذلك، إن كان الآب هو مقدِّم الابن وباذله لأجل خلاصنا، فكيف يكون الآب هو نفسه المقدِّم للفدية والمقدَّم إليه الفدية، هل الآب يقدم ابنه فديةً لنفسه؟ هل هذا معقول؟ لو لم يكن مفهوم تقديم الابن الفدية للآب له مفهوم آخر عند ق. كيرلس، غير مفهوم لاهوت العصر الوسيط، ومفهوم الإبدال العقابي البروتستانتي، الذي ينسبه البعض عن جهل ودون وعي خطاءً للأرثوذكسية ولتعاليم آباء الكنيسة الشرقيين عامةً، وق. كيرلس الإسكندري خاصةً. هذا ما يوضحه ق. كيرلس كالتالي:

“والمسيح قدم نفسه رائحة طيبة لله، لكي يقدمنا نحن بواسطة نفسه وفي ذاته لله الآب، وهكذا يلاشي العداوة الناشئة من عصيان آدم، ويُبطل الخطية التي استعبدتنا جميعًا، لأننا نحن الذين كنا نصرخ منذ زمن طويل قائلين: ‘التفت إليَّ وارحمني’ (مز ٢٥: ١٦)”.

كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل لوقا، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٦)، عظة ٣، ص ٤٦.

أخيرًا، نستنتج أحبائي أن الفدية تم تقديمها للموت من أجل تطويق الموت والقضاء عليه نهائيًا ليقدم المسيح للآب الجنس البشري جنسًا مقدسًا، وطاهرًا، وحيًا، فيه وبه.

مفهوم الفدية عند ق. كيرلس الإسكندري – د. أنطون جرجس

تصحيح مفهوم ناتج عن التعليم بالبدلية العقابية – د. أنطون جرجس

تصحيح مفهوم ناتج عن التعليم بالبدلية العقابية – د. أنطون جرجس

تصحيح مفهوم ناتج عن التعليم بالبدلية العقابية – د. أنطون جرجس

أحد نتائج التعليم بالبدلية العقابية هو الادعاء بأنه كانت هناك خصومة بين الآب والبشرية المتمثلة في ناسوت المسيح المتألم على الصليب.

هذا يصور أن اللاهوت قد كان في خصومة مع ناسوت المسيح في المسيح الواحد، طالما الآب كان في خصومة مع ناسوت المسيح الذي أتحد به لاهوت الكلمة في التجسد. وهذا للأسف أحد نتائج التعليم بالبدلية العقابية.

يرد ق. أثناسيوس على ذلك رافضًا ترك الآب للناسوت، أو أن هناك خصومة بين الآب وناسوت المسيح قائلاً:

“لذلك لا يمكن أن يُترك الرب من الآب، وهو كائن دائمًا في الآب قبل أن يتكلم وأثناء نطقه بهذه الصرخة”

(ضد الآريوسيين ٣: ٢٩: ٥٦)

يرد على ذلك ق. يوحنا ذهبي الفم داحضًا فكرة وجود عداوة بين الله والناسوت كالتالي:

“يقول: إيلي إيلي لما شبقتني (مت٢٧: ٤٦) حتى يروا أن السيد كان يكرم أباه حتى الرمق الأخير، وأنه لم يكن عدوًا لله”

(عظة على انجيل متى ٨٨: ١).

يرد أيضًا ق. غريغوريوس اللاهوتي على ذلك رافضًا أية خصومة بين الآب وناسوت المسيح المتألم على الصليب:

” إنه لم يُترك، لم يتركه أبوه، ولا تركته ألوهته، كما ظن البعض، وكأنها تفارق مَن يتألم لخوفها من الموت – ومَن الذي أكرهه على الولادة الأرضية أولاً، أو على الارتفاع على الصليب”.

(الخطاب اللاهوتي ٣٠: ٥).

يرد ق. كيرلس داحضًا التعليم بأن يكون هناك خصومة أو انفصال بين الآب وناسوت المسيح قائلاً:

“وقد أظهره الله الآب متجسدًا ومنظورًا وشبيهًا بنا للرسل القديسين، عندما صرخ قائلاً: “هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت. له اسمعوا” (مت١٧: ٥) فهل انتبهت إذًا إلى أنه لم “يقل هذا الجسد”، بل “هذا هو ابني”، وذلك حتى لا نعتبره مجزءًا ومنفصلاً الواحد عن الآخر، بل هو – تدبيريًا- واحد بالاتحاد […] فالله الآب يشهد – بطريقة فريدة خاصة- على أن المتجسد الذي أخذ شكل العبد هو ابنه الحقيقي، وكيف لا يكون؟”

(حوار حول تأنس الابن الوحيد : ٨).

تصحيح مفهوم ناتج عن التعليم بالبدلية العقابية – د. أنطون جرجس

مفهوم الفدية في تعاليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس

مفهوم الفدية في تعاليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس

مفهوم الفدية في تعاليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس

 

لقد استخدم السيد المسيح تعبير “فدية” عن نفسه، حيث يقول:

 (مت 20 اية 28) “كَمَا أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ، وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ”

كما استخدمه بولس الرسول عن المسيح ليوضح عمل الفداء الذي قام به المسيح كالتالي:

 (١تي ٢ :٦) “الَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً لأَجْلِ الْجَمِيعِ، الشَّهَادَةُ فِي أَوْقَاتِهَا الْخَاصَّةِ”.

ولكن يتتبع البروفيسور راشدال فكرة الفدية وأصولها في العهد القديم ويقول التالي:

“نجد تعبير الفدية في [الأَخُ لَنْ يَفْدِيَ الإِنْسَانَ فِدَاءً، وَلاَ يُعْطِيَ اللهَ كَفَّارَةً عَنْهُ]. (المزامير7:49) وفي [إِنْ وُجِدَ عِنْدَهُ مُرْسَلٌ، وَسِيطٌ وَاحِدٌ مِنْ أَلْفٍ لِيُعْلِنَ لِلإِنْسَانِ اسْتِقَامَتَهُ، يَتَرَاَءَفُ عَلَيْهِ وَيَقُولُ: أُطْلِقُهُ عَنِ الْهُبُوطِ إِلَى الْحُفْرَةِ، قَدْ وَجَدْتُ فِدْيَةً].  (أيوب24-23:33) وفي [«مِنْ يَدِ الْهَاوِيَةِ أَفْدِيهِمْ. مِنَ الْمَوْتِ أُخَلِّصُهُمْ. أَيْنَ أَوْبَاؤُكَ يَا مَوْتُ؟ أَيْنَ شَوْكَتُكِ يَا هَاوِيَةُ؟ تَخْتَفِي النَّدَامَةُ عَنْ عَيْنَيَّ»]. (هوشع14:13). كما يأتي تعبير λύτρον في النص السبعيني بصيغة الجمع τά λύτρα ١٧ مرة من أصل ٢٠ مرة، وتعادل الكلمات العبرية التالية:

 

١. فدية kopher (الأصل kaphar, kipper) كما في (خر٢١: ٣٠، ٣٠: ١٢) حيث يتم شرحها عادةً في اللغة العربية بمعنى ‘غطاء’ أو عطية استرضائية، ولكن المعنى الأصلي على الأرجح أكثر موجود في اللغتين البابلية والآشورية. حيث استخدام فعل “تسديد الدين” من خلال فعل طقسي تعبدي، وكذلك في اللغة السريانية “تسديد الدين”.

كما يشير درايفر Driver (Art. Expiation in Encycl. Of Religion & ethics) إلى أنه فكرة ‘التطهير’ في اللغة العبرية صاحبت الكلمة مبكرًا، لذلك الفكرة هي عن التطهير بالحري وليس عن ‘الاسترضاء’. ولا يكون الله أبدًا موضوع أو هدف ‘kipper’ أو ίλάσκομαι كما في النص السبعيني، لأنها حالة ثابتة عند الكُتاب الوثنيين.

 

٢. فداء g’ullah (الأصل ga’al أي “إزالة المطالبة بالدعوى” وكذلك “تبرئة” أو “استرداد”) وهو فعل أو حق الاسترداد، والخلاص والتعويض من أجل حقل أو عبد كما في (لا٢٥: ٢٤)، والتسديد مصنوع من أجل الخلاص أو تسديد الدين كما في  (لا٢٥: ٢٦، ٥١).

 

٣.فدية pidhyon, p’dhuyium (الأصل padhah) كما في (خر٢١: ٣٠) و (عد٣: ٤٨، ٥١) عن الثمن المدفوع كفدية.

 

٤.الربح أو الثمن أو المهر m’hir (فعل غير مستخدم) كما في (إش٤٥: ١٣)، وإن استخدمه ربنا، فالمعنى المحتمل أكثر يبدو أنه kopher أي كفارة بالشكل الآرامي. وإن كانت الكلمة تعود إلى البشير أو إلى التقليد، فلا نحتاج للاعتقاد بالمقابل الآرامي. يمكن تخليص فكرة λύτρον بسهولة من الفكرة العامة للفداء άπολύτρωσις.

حيث قد افتدى الله إسرائيل أي اشتراه، وهكذا جعله خاصته، وهي فكرة منتشرة في العهد القديم، وتحولت في العهد الجديد إلى إسرائيل الروحي كما في (أف١: ١٤؛ أع٢٠: ٢٨). وبالتالي، لا تحتاج الفكرة لإعطاء إجابة على سؤال لمَن دُفعت الفدية؟ ولا حتى إجابة محددة بعينها على سؤال مما تم خلاص شعب الله: الفكرة الرئيسية هي أنهم تم شرائهم لله، أي للملكوت، والخلاص، والسعادة الأبدية.

ولا توجد كلمة λύτρον عند ق. بولس، بالرغم من أن لدينا كلمة άπολύτρωσις عدة مرات، والفكرة موجودة في (١كو٦: ٢٠، ٧: ٢٣): “اشتريتم بثمن”. الكلمة التي قالها المسيح عن نفسه كفدية موجودة في (١تي٢: ٦)، حيث القراءة الصحيحة هي άντίλυτρον. يعلق M. Riviére في كتابه (Le Dogme de la Rédemption, p. 49) أنه “في العهد الجديد – وعادةً أكثر عند الآباء أيضًا- نجد فقط حرف الجر άντί عند تسميتها بكلمة ‘فدية’.

حيث أنه من الملاحظ إنه يُقال أحيانًا عن الله أنه ‘فدية’ λυτροϋν لشعبه بمعنى ‘يحرر’ أو ‘يخلص’ في آيات لا يوجد بها أي نوع من دفع الثمن أو المقابل كما في (خر٦: ٦) ga’al و (تث٢١: ٨) padhah وكذلك في (إر١٨: ٢٣؛ مز٧٨: ٣٨)، حيث تستخدم كلمة kipper عن فعل الله، وسوف تمثل كلمة “يطهر بعيدًا” الفكرة، حيث يترجم درايفر Driver الكلمة ‘يطهر’، بينما تقترب الفكرة عند ليرت  Leart من pardon أي الغفران أو الصفح.

الفكرة الرئيسية المفترضة من تعبير ‘فدية’ هي فكرة الثمن المدفوع من أجل تأمين المنافع للآخر- أو على وجه التحديد، الثمن المدفوع لتأمين الحياة أو الحرية”.

Hastings, Rashdul, Idea of atonement in christian theology, (London: MACMILLAN & CO., 1919), P. 32& 33 n. 3.

 

أما عن مفهوم الفدية عند الآباء ينقسم الآباء فيه إلى ٣ آراء:

١.الرأي الأول:

 يقول بأن الفدية قدمها الابن إلى الآب ونجد هذا الرأي عند كل من التالي:

ق. أثناسيوس، حيث يقول:

“وعندما أراد الآب أن تُقدم الفدية لأجل الجميع، وأن تُعطى النعمة الكل، عندئذ مثلما أرتدى هارون الجبة أخذ الكلمة جسدًا من الأرض متخذًا له من مريم الجسد كما من أرض بكر حتى إذ يكون له – كرئيس كهنة – شيء يقدمه، فهو يقدم ذاته للآب ويطهرنا جميعًا من الخطايا بدم نفسه ويقيمنا من بين الأموات” (ضد الآريوسيين ١: ١١: ٤١).

ويتفق مع هذا الرأي أيضًا ق. كيرلس الأورشليمي حيث يقول:

“وإذ كان فينحاس عندما زادت غيرته ذبح فاعل الشر، فرد سخط الرب، فهل يسوع الذي لم يذبح غيره، بل بذل نفسه فدية ليرد السخط الذي كان من جهة الجنس البشري؟”. (العظات للموعوظين ١٣: ٣).

٢.الرأي الثاني:

يقول بأن الفدية قدمها المسيح للشيطان وهذا يقول به مجموعة من الآباء كالتالي:

ق.ايرينيؤس حيث يقول:

“وهو الذي فدانا بطريقة تناسب العقل، أعطى نفسه كفدية لأولئك الذين واقعوا في الأسر. وحيث أن الارتداد (إبليس) طغى علينا ظلمًا، رغم أننا بالطبيعة ملك الإله كلي القدرة، فإن الارتداد (إبليس) جعلنا غرباء عن الله ضد الطبيعة، إذ جعلنا تلاميذه، فإن كلمة الله القوي في كل شيء، وليس ناقصًا من جهة عدله قام ضد ذلك الارتداد بطريقة عادلة، وأفتدى خاصته منه لا بوسائل عنيقة، مثلما تسلط الارتداد علينا في البداية، حينما انتزع بدون شبع ما لم يكن له.

بل عن طريق الإقناع كما يليق بإله المشورة، الذي لا يتعامل بوسائل عنيفة ليحصل على ما يريد، حتى أنه لا تنتهك العدالة من ناحية، ولا يهلك صنعة يدي الله من ناحية أخرى، وحيث إن الرب قد فدانا بدمه هكذا، باذلاً نفسه عن نفوسنا وجسده عن أجسادنا”.

(ضد الهرطقات ٥: ١: ١).

العلامة أوريجينوس حيث يقول:

“فإذا كنا قد اُشترينا بثمن، كما يؤكد بولس الرسول، فبلا شك فإننا اُشتُرينا من شخص كنا عبيدًا له، وقد طالب أيضًا بالثمن الذي أراده، لكيما يحرر من سلطانه مَن هم في قبضته. الآن كان إبليس هو مَن يمسكنا، الذي أُُخذنا له بسبّب خطايانا. لذلك فقد طالب بدم المسيح كثمن له. وبالتالي متى قُدم دم المسيح الذي كان ثمينًا جدًا، بحيث يكفي وحده لفداء الكل”. (تفسير رومية ٢: ١٣: ٢٩).

ق.باسيليوس الكبير حيث يقول:

“فطهرنا بالماء وقدسنا بالروح القدس وبذل نفسه فديةً للموت الذي كان مستوليًا (إبليس مَن له سلطان الموت بحسب عب ٢) علينا ارقاءً تحت الخطية، وانحدر بالصليب إلى الجحيم ليمتلئ الكل منه، فحلّ أوجاع الموت وقام في اليوم الثالث”. (ليتورجية ق. باسيليوس بحسب الطقس البيزنطيّ/ الافخولجي الكبير ص ١٤٢).

ق.غريغوريوس النيسي حيث يقول:

“وبالتالي نظر العدو هذه القوة فيه (أي في المسيح) ورأى فيه أيضًا الفرصة من أجل التقدم، وفي المبادلة بحسب قيمة ما يحتويه، ولهذا السبب أختاره (أي إبليس) كفدية لهؤلاء القابعين في سجن الموت”. (العظة التعليمية الكبرى: ٢٣).

كما يؤيد ق.أوغسطينوس فكرة دفع الفدية للشيطان، حيث يقول:

 “لأن دم المسيح في هذا الفداء، قد أُعطي ثمنًا لأجلنا بموافقة وقبول إبليس الذي لم يكن مُستغنيًا، بل مُقيدًا لكي ما يطلقنا من قيوده”. (الثالوث ١٣: ١٥: ١٩).

ويقول في موضع آخر في نفس السياق:

“لأن ثمننا الذي عرضه عليه على صليبه يشبه مصيدة فأر، وكطُعم موضوع عليها بدمه”. (عظة١٣٠: ٢، عظة ١٣٤: ٦).

ولقد كان مِن مؤيدي تقديم الفدية للشيطان من الآباء اللاتين أيضًا ق. أمبروسيوس وق. جيروم.

ويؤيد البابا لاون الكبير فكرة تقديم الفدية للشيطان كالتالي:

“أصر اللص عديم الضمير والسارق الجشع على الهجوم عليه (أي المسيح) ، مَن ليس له فيه شيء يخصه، وتخطى بتنفيذ الحكم العام على الخطية الأصلية القيد الذي أوثقه (أي إبليس) به، وطالب بمعاقبة الإثم ممَن لم يجد فيه أي ذنب، وبالتالي، تم إبطال المواعيد المؤذية للصك المميت، وتم إلغاء الدين كله من خلال ظلم الثمن الفاحش”. (عظة ٢٢: ٣، ٤).

 ويؤيد البابا غريغوريوس الكبير نفس الفكرة قائلاً:

” خدعه الرب مثل عصفور، عندما أظهر أمامه في الآلام ابنه الوحيد كطُعم، ولكنه أخفى حبل المشنقة”. (الأخلاق ٣٣: ١٥ على “أي ٤٠: ٢٤”).

٣.الرأي الثالث:

 يرفض فكرة تقديم المسيح الفدية لإبليس ويعتبر الفدية هي القضاء على الفساد والموت والالتفاف عليهما، وهذا نجده عند كلٌّ من:

ق.غريغوريوس اللاهوتي حيث يقول:

“والآن إن لم تكن الفدية لأجل مَن كان تحت العبودية، فإني أتساءل: لمَن قُدمت؟ ولأيّ سبب؟ إذا قُدمت للشرير، فليُبعد عني مثل هذا التجديف! إن كان اللص يأخذ فدية لا من الله فقط، بل الله نفسه، ويأخذ أجرًا عظيمًا لاستبداده بالبشر حسب رغبته”. (العظة الفصحية الثانية رقم ٤٥).

كما يرفض في نفس العظة تقديم الفدية للآب أيضًا حيث يقول:

“أما إذا كان قد دفع للآب، فأنا اتساءل أولاً: كيف؟ لأن الآب لم يمسكنا كرهينة. لماذا سُر الآب بدم ابنه الوحيد، وهو الذي لم يقبل إسحق حين قدمه إبراهيم ذبيحة محرقة كاملة، بل بدّل الذبيحة بكبش؟ أليس الأمر واضحًا، أن الآب قد قبِل الذبيحة ليس لأنه طلبها أو كان في إحتياج لها، ولكن لأجل تدبيره: لأن الإنسان لابد أن يُقدس بإنسانية الله؛ والله نفسه يجب أن يخلصنا بأن يغلب المستبد بقوته هو، وأن يردنا إليه بواسطة الابن الذي يفعل هذا كله لمجد الله الذي أطاعه في كل شيء” (العظة الفصحية الثانية رقم ٤٥).

*وهنا نجد النزينزي يؤكد فكرة تقديس البشرية بإنسانية المسيح وانتصار المسيح على إبليس بقوة قيامته ونصرته على مَن بيده سلطان الموت أيّ إبليس.

ق.كيرلس الاسكندري رفض أيضًا تقديم المسيح الفدية لإبليس وللآب حيث يقول:

“لقد أعطانا حقًا عطية ثمينة، جسده لأجل جسدنا ونفسه فديةً لأجل نفوسنا، ورغم ذلك قام إذ إنه كإله بطبيعته هو الحياة ذاتها” (حوار حول تأنس الابن الوحيد: ٧). وهنا يؤكد ق. كيرلس على نفس مفهوم ق. غريعوريوس اللاهوتي أن يعطينا الحياة والنصرة على الفساد والموت بموته وقيامته.

الأب يوحنا الدمشقي رفض أيضًا تقديم المسيح الفدية للشيطان حيث يقول عن المسيح:

“إنه قدم ذاته فديةً عنا، وبذلك يحلنا من الحكم علينا ولكن حاشا أن يكون دم الرب قد تقرّب للطاغية (إبليس)” (المائة مقالة في الإيمان الأرثوذكسي ٣: ٧١: ٢٧). ويؤكد الدمشقي أيضًا على أن الفدية هي حل قيود الإنسان من حكم الموت والفساد الذي جلبه على ذاته بالعصيان والخطية.

مفهوم الفدية في تعاليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس

البدلية العقابية تحت المجهر – د. انطون جرجس

البدلية العقابية تحت المجهر – د. انطون جرجس

البدلية العقابية تحت المجهر – د. انطون جرجس

بحث حول موضوع البدلية العقابية ومفاهيم تدبير الخلاص

البدلية العقابية تحت الجهر – د. انطون جرجس

تصحيح مفاهيم خاطئة في البدلية العقابية – ملمح الدين ج3 – د. أنطون جرجس

تصحيح مفاهيم خاطئة في البدلية العقابية – ملمح الدين ج3 – د. أنطون جرجس

تصحيح مفاهيم خاطئة في البدلية العقابية – ملمح الدين ج3 – د. أنطون جرجس

نستكمل معًا أحبائي سلسلة من المقالات كنت قد بدأتها عن ملمح الدَّين ومفهومه عند آباء الشرق الأرثوذكسي، مبينًا الاختلاف بين مفاهيم آباء الشرق والغرب عند استخدام نفس المصطلحات كمصطلح الدَّين في سياق شرح تدبير الخلاص.

نبدأ من عند ق.باسيليوس الكبير الذي يفهم الدَّين على أنه دَّين الموت، وإنه لو لم يتجسد الرب، ويسدد دَّين ابموت عنا، فلن يتم إبادة حكم الموت. وبالتالي معنى “إيفاء الدَّين” عند ق.باسيليوس الكبير مثله مثل ق.أثناسيوس الرسولي هو إبادة حكم الموت، وهكذا يختلف مفهوم الدَّين عند ق.باسيليوس وق.أثناسيوس عنه عند لاهوتي العصر الوسيط كأنسلم والأكويني وغيرهم، ولاهوتي عصر الإصلاح مثل لوثر وميلانكتون وكالفن وآخرين.

حيث يرى اللاهوت الغربي إنه الآب قَبِلَ ابنه كمقابل لديون البشر أي خطاياهم، بينما يقول ق.باسيليوس التالي:

“إن كان مجيء الرب في الجسد لم يحدث، فإن الفادي لن يسدد دَّين الموت عنا، ولن يبدد حكم الموت نفسه. لأنه إن كان الخاضع للموت شيئًا، والذي أخذه الرب شيئًا آخر، لما أوقف الموت أيًا منهما عاملاً أعماله الذاتية، ولما صارت آلام جسد الله ربحًا لنا، ولما أباد الخطية في الجسد، ونحن الذين مُتنا في آدم، ما صرنا أحياءً في المسيح، وما كان قد سقط لا يمكنه أن ينصلح، وما تبعثر ما تمت استعادته، وما اغترب عن الله بخداع الحية، قد جعله الله خاصته من جديد”.

(رسالة رقم ٢٦١ إلى شعب سوزوبوليس، PG 32, 969)

ننتقل إلى ق.كيرلس عمود الدين، ولنا معه وقفة، حيث يرى أن الله خلصنا وسدد عنا ديوننا مجانًا بلا مقابل بسبب إحسانه ومحبته، وذلك في سياق شرحه لشريعة تحرير العبيد وإيفاء الديون في السنة السابعة، فيما يعرف بشريعة سنة اليوبيل. ونرى بوضوح المنحى الشفائي الخلاصي عند ق.كيرلس، حيث يرى ق.كيرلس إنه غاية تدبير المخلص هو شركة الروح القدس، وشركة الطبيعة الإلهية أي التأله بالنعمة.

وبالتالي نجد مفهوم ق. كيرلس الكبير عن الدَّين في سياق شرح تدبير خلاص الرب بعيد تمامًا عن مفهومه عند اللاهوت الغربي بشقيه المدرسي والبروتستانتي، حيث يقول التالي:

“وقد خلصنا مجانًا بنعمة الله من دون أن نعطي أي مقابل لحياتنا واشترينا مجد الحرية، لكننا نلنا البر بسبب إحسان السيد ومحبته، وهذا ما عبَّر عنه في سفر التثنية قائلاً:

‘فِي آخِرِ سَبْعِ سِنِينَ تَعْمَلُ إِبْرَاءً. وَهذَا هُوَ حُكْمُ الإِبْرَاءِ: يُبْرِئُ كُلُّ صَاحِبِ دَيْنٍ يَدَهُ مِمَّا أَقْرَضَ صَاحِبَهُ. لاَ يُطَالِبُ صَاحِبَهُ وَلاَ أَخَاهُ، لأَنَّهُ قَدْ نُودِيَ بِإِبْرَاءٍ لِلرَّبِّ. الأَجْنَبِيَّ تُطَالِبُ، وَأَمَّا مَا كَانَ لَكَ عِنْدَ أَخِيكَ فَتُبْرِئُهُ يَدُكَ مِنْهُ. إِلاَّ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِيكَ فَقِيرٌ. لأَنَّ الرَّبَّ إِنَّمَا يُبَارِكُكَ فِي الأَرْضِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَصِيبًا لِتَمْتَلِكَهَا’  (تث١٥: ١-٤).

هل رأيت كيف تشرق الحقيقة من داخل الظلال؟ وبوضوح تام سوف يظهر تدبير المخلص لأجلنا؛ بمعنى أنه حرر الذين اقتربوا إليه من ديونهم بواسطة الإيمان، وصرنا أخوةً بمشاركة الروح القدس. ولكي يصيروا شركاء الطبيعة الإلهية (أنظر ٢بط١: ٤)، حررهم دون أن يدفعوا شيئًا. حقًا، لم يفرض عليهم عقابًا بسبب عصيانهم، مع أنهم مديونون بإعطاء جواب عن أعمالهم”.

(السجود والعبادة بالروح والحق، المقالة السابعة)

كما يؤكد ق.كيرلس في سياق شرحه لتدبير الخلاص على وجودنا الكياني في المسيح أثناء صلبه وهكذا معموديتنا في اسمه بسبب احتوائنا في المسيح، حيث يقول التالي:

“إذًا، بما أن المسيح لم يُوزع، بل الكل ملكه، والجميع خاصون به، وبما أنه صُلب لأجلنا واعتمدنا في اسمه، فمن الواضح أننا أحتُوينا فيه، ولا ننتمي لإنسان مثلنا، بل إلى الله. بالتالي المسيح لنا هو الله”.

(الرسالة التوضيحية الأولى إلى الملكات، ص١٠٨)

وهكذا أحبائي كما قد رأينا التفاوت الواضح بين مفهوم الدَّين عند آباء اللاهوت الشرقي عنه عند آباء اللاهوت الغربي، حيث يرى آباء الأرثوذكسية أن الدَّين هو دَّين الموت، وإيفاء الدَّين هو إبادة الموت، ورد الحياة للإنسان الذي أضاعها بالخطية، فجلب على نفسه حكم الموت. ولما كان الإنسان المخلوق من العدم ليس له الحياة في ذاته، بحيث يستطيع أن يغلب الموت، لذا أقتضت حكمة الله أن يجوز مَن كان هو الحياة بطبيعته الموت بجسده، ويقوم من الموت، فيرد الحياة للمائتين.

تصحيح مفاهيم خاطئة في البدلية العقابية – ملمح الدين ج3 – د. أنطون جرجس

مفهوم البدلية العقابية في اللاهوت اللاتيني – د. أنطون جرجس

مفهوم البدلية العقابية في اللاهوت اللاتيني – د. أنطون جرجس

مفهوم البدلية العقابية في اللاهوت اللاتيني – د. أنطون جرجس

سأبدأ أولاً من عند ق. أوغسطينوس، الذي يعتبره الكثير من الباحثين أبو اللاهوت اللاتيني، نجده يتحدث عن مفهوم البدلية العقابية كالتالي:

”لأن الله نفسه لم يكن علة الموت، بل أُصيب الخاطئ بالموت بالدينونة العادلة جدًا، تمامًا مثلما يوقع القاضي العقوبة على المذنب، ولكنها ليست عدالة القاضي، بل استحقاق الجريمة هو علة العقاب […] وبالتالي كما أن موتنا هو عقوبة الخطية، هكذا قد صار موت المسيح ذبيحةً لأجل الخطية“

(الثالوث 4: 12: 15).

*وهنا يتحدث ق. أوغسطينوس عن المسيح كذبيحة كفارية لتسديد عقوبة الخطية.

كما يتحدث في موضع آخر عن ترضية وتسكين غضب الله على البشرية بموت المسيح الذي سنراه بأكثر وضوحًا عند أنسلم الكانتربري، فيقول التالي:

”هل كان هذا بالحقيقة عندما غضب الله الآب علينا، فرأى موت ابنه لأجلنا فرضى عنا؟ وهل كذلك كان ابنه بالفعل راضيًا عنا جدًا، لأنه تنازل ليموت عنا، ولكن مازال الآب غاضبًا جدًا، لأنه من دون موت ابنه عنا، كان لن يرضى علينا؟ […] فأقول أن الآب بالفعل كان راضيًا عندما بذل ابنه، ولم يشفق عليه لأجلنا“

(الثالوث13: 11: 15).

*وهنا يتجلى واضحًا التعليم بالترضية وتسكين غضب الآب على البشرية عن طريق بذل ابنه عنا.

ثم نتحول إلى البابا غريغوريوس الكبير وأحد أهم أعلام اللاهوت اللاتيني في الغرب، يشرح مفهوم البدلية العقابية كالتالي:

”لأن مخلص الجنس البشري، مَن صار وسيطًا بين الله والإنسان في الجسد، بيد أنه ظهر وحده بارًا بين البشر، وبالرغم من أنه بلا خطية، ولكنه أُؤخذ مع ذلك إلى عقوبة الخطية، وقام بدور كل من الإنسان المذنب، والذي لم يخطئ، وظلّ الإله الذي لا يعذب؟ أعطى مثالاً للبراءة، واحتمل عقوبة الخطية. وهكذا عن طريق الألم، أرضى كل من الواحد والآخر، بحيث أنه أدان خطية الإنسان عن طريق إلهام البر، وهدأ غضب القاضي باجتياز الموت، وبالتالي، بحسب العمل الذي دبّره بيده، يعطي البشر أمثلةً لكي ما يتبعوها، مقدمًا لله في ذاته تلك الأعمال؛ التي يمكن أن يتصالح بها مع البشر“

(الأخلاق، تفسير سفر أيوب 9: 39).

*نرى هنا أيضًا عند غريغوريوس الكبير مبدأ ترضية الله بموت المسيح مخلص البشرية وتهدئة غضب الله بعقاب المسيح عنا.

ثم نتوقف قليلاً عند أنسلم رئيس أساقفة كانتربري للحديث عن مفهوم الترضية والبدلية العقابية عنده. يتحدث أولاً عن ماهية الخطية كإهانة لله، وسلب لحقه في الإكرام، وحط من قدره كالتالي:

”فمَن لا يؤدي واجب الإكرام هذا لله، يكون قد سلب الله حقه، وحطّ من كرامته […] وكذلك مَن حطّ من كرامة صاحبه، فلا يكفي أن يرد له الإكرام الواجب، ينبغي عليه أيضًا التعويض الكافي عن طريق ترضيته عن الاهانة. ومن الملاحظ في هذا الشأن أن المغتصِب الذي يرد المال المغتصَب، ينبغي عليه أن يعطي شيئًا، لم يطالب به، لو لم يعتد على غيره في ماله. وبالتالي، ينبغي على كل مَن يفعل الخطية أن يرد لله الإكرام الواجب الذي سلبه. وهذا هو الإيفاء المطلوب من الخاطئ لله“

(لماذا تجسد الله؟ 1: 10)

ثم يقول في موضع آخر:

”لا يليق بالله أن يغفر خطية من دون عقاب عليها“

(المرجع السابق 1: 11).

ثم يستطرد قائلاً:

”لا يوجد شيء ينبغي الحفاظ عليه عند الله أكثر من كرامة مقامه“ ثم يتساءل: ”أنسلم: هل يبدو لك إذا سمح الله بحدوث هذا النهب، ولم يسترد الشيء المنهوب، ولم يعاقب الناهب، أنه بذلك يحافظ على كرامته العالية المحافظة الحقيقية التي لا يشوبها أي شيء. بوزو: لا أستطيع قول ذلك. أنسلم: بناءً على ذلك، ينبغي أن يسترد الكرامة المهانة، أو يفرض العقاب، وإلا لن يسير كل من العدالة والقوة الإلهية في مسارهما، ولا يمكن تصور ذلك على الإطلاق“.

(المرجع السابق 1: 12)

ثم يشرح بمثال إيفاء المسيح لهذا القصاص كالتالي:

”حيث كان من الصعب لأحد غيره أن يجد منفذًا من حكم القصاص. وكان ابنه الأمين والصادق هذا له مكانة عظيمة عند ذلك الأب، وهو يحب كثيرًا أولئك الأولاد المجرمين، فأراد بما له من القدرة أن يصالح كل الذين يثقون بمشورته مع الأب بعمل خدمة مرضية جدًا، حيث كان عليه واجب أن يعملها في يوم محدد بحسب مشيئة الأب […] وحيث كان من الصعب على الذين يريدون الخلاص أن يحضروا جميعًا حينما أكمل المسيح ذلك الفداء، كانت قوة موته فعّالة بهذا القدر، حتى أن غير الموجودين في الزمان والمكان، يمكنهم استنتاج ذلك“

(المرجع السابق 2: 15).

ثم ننتقل إلى برنارد من كليرفو وهو أحد اللاهوتيين اللاتين المعروفين في العصر الوسيط، والمتأثرين بأنسلم متحدثًا عن مفهوم الخلاص بالدم ورافضًا لمفهوم بيير أبيلارد غريمه أن موت المسيح على الصليب هو ذبيحة حب من الله للإنسان كالتالي:

” لم يطالب الآب بدم الابن، ولكنه قَبِله مع ذلك عند تقديمه، غير متعطشًا للدم بل للخلاص؛ لأنّ الخلاص كان بالدم -الخلاص بالطبع، وليس كما يعتقد ويكتب ذاك الأحمق إنه الإعلان المجرد عن الحب. لأنه يلخص سلسلة الإهانات؛ التي يتقيأها بعدم تقوى وبدون حذر ضد الله، بالقول إن السبب الحقيقي من أجل ظهور الله في الجسد كان لتعليمنا، أو كما يقول أدناه؛ لإرشادنا من خلال كلمته ومثاله. لقد كان السبب الحقيقي من أجل آلامه وموته هو الإعلان أو التأكيد على محبته تجاهنا“

(الرسالة إلى البابا إينوسنت الثاني 190:

*نرى هنا جليًا فكرة الخلاص بقبول الآب لدم الابن، ومعارضة مفهوم أبيلارد عن موت المسيح كذبيحة حب لنا.

ويقول في موضع آخر متحدثًا عن مفهوم الترضية التالي:

” حيث قد تُنسَب ترضية الواحد للجميع، حتى لو حمل الواحد خطايا الجميع، وليس واحد أخطأ، وآخر صنع الترضية؛ لأنّ الرأس والجسد مسيح واحد. ولذلك صنع الرأس الترضية من أجل الأعضاء“.

(المرجع السابق: 6).

كما يشرح هيو من سان فيكتور أحد أعلام اللاهوت المدرسي، وأحد المتأثرين بأنسلم، مفهوم البدلية العقابية وتسديد المسيح الدين لله عن البشرية كالتالي:

” لقد أعطى الله بحرية للإنسان؛ ذاك الذي قد يدفعه الإنسان كدين لله، ولذا أعطى للإنسان هذا الإنسان (المسيح) الذي يستطيع أن يدفع للإنسان؛ الذي يُصنع به ما يستحق المجازاة. لم يكن مساويًا له، بل أعظم من الإنسان السابق. حيث يمكن إعطاء هذا الإنسان (المسيح) الأعظم من أجل الإنسان، لذا صار الله إنسانًا من أجل الإنسان.

وهكذا دفع المسيح بميلاده دين الإنسان للآب، وكفّر بموته عن ذنب الإنسان، وبالتالي، حيث أنه أجتاز من أجل الإنسان الموت؛ الذي لم يكن مدينًا به، لكي ما يهرب الإنسان بعدلٍ من خلال ذلك الموت من الموت؛ الذي كان مدينًا به. وهكذا لا يجد إبليس أي سبب للشكوى، بما أنّ السلطان على الإنسان لم يكن من حقه، واستحق الإنسان حريته“.

(حوار حول الأسرار: 4).

مفهوم البدلية العقابية في اللاهوت اللاتيني – د. أنطون جرجس

مفهوم الفدية عند ق. غريغوريوس اللاهوتي – د. أنطون جرجس

مفهوم الفدية عند ق. غريغوريوس اللاهوتي – د. أنطون جرجس

مفهوم الفدية عند ق. غريغوريوس اللاهوتي – د. أنطون جرجس

الرد على المشككين والمضللين في صحة ما قلناه عن مفهوم الفدية عند ق. غريغوريوس اللاهوتي، حيث خرج البعض علينا عن جهل وعن عدم دراسة ليشكك في قولنا بأن ق. غريغوريوس اللاهوتي لم يقل بتقديم الفدية للآب، ويتهمنا بالتزويير، ولكننا سنبين لهم أنهم هم المزورين، والمضللين، ويرمون الباحثين بالباطل والكذب.

في الواقع، رفض ق. غريغوريوس اللاهوتي تقديم الابن كفدية للآب، وهذا سوف نقوم بإثباته من خلال نصوص ق. غريغوريوس اللاهوتي التي تحدثت عن مفهوم الفدية. ثم سنقوم بعرض آراء الأساتذة واللاهوتيين المعروفين على مستوى العالم التي تدعم طرحنا بخصوص مفهوم الفدية عند ق. غريغوريوس اللاهوتي، ثم سنقدم تفسيرنا لهذا النص محل النقاش الذي تدعمه آراء الأساتذة اللاهوتيين المعروفين في العالم الأكاديمي، ولهم ثقل كبير في هذه الأمور.

يستخدمون نص ق. غريغوريوس اللاهوتي في عظته الفصحية الثانية رقم ٤٥ والتي تحدث فيها عن موضوع الفدية لمن قُدمت؟ وسوف أقوم بعرض ترجمتين مختلفتين لهذا النص أحدهما من ترجمة القس لوقا يوسف عن مجموعة الآباء اليونان باترولوجيا جريكا PG والترجمة الأخرى ترجمتي أنا لنفس النص من مجموعة آباء ما بعد نيقية السلسلة الثانية والمجلد السابع NPNF.

يناقش معلمنا ق. غريغوريوس اللاهوتي في عظته الفصحية الثانية موضوع الفدية كالتالي:

“والآن لنفحص حقيقة أخرى والتعليم اللذين أغفلهما الكثيرون، والتي بالنسبة إلىَّ تستحق فحصها بتوسع: إلى مَن أُعطي الدم الذي سُفك من أجلنا؟ ولأي شيء سُفك الدم العظيم والمعروف جيدًا، دم الإله ورئيس الكهنة والذبيحة في الوقت نفسه؟ لأننا نوجد تحت عبودية الشرير، ومبيعون بالخطيئة مقابل تمتعنا بالشر والرذيلة.

والآن، إن لم تكن الفدية لأجل مَن كان تحت العبودية، فإني أتساءل: لمَّن قُدمت؟ ولأي سبب؟ إذا قُدمت لأجل الشرير، فليبعد عني مثل هذا التجديف! إن كان اللص يأخذ فدية ليس من الله فقط، بل الله نفسه، ويأخذ أجرًا رفيعًا من أجل استبداده بالبشر حسب رغبته، فلأجل مَن يكون من العدل أن يشفق علينا؟ إن كان لأجل الآب، فسؤالي الأول هو: كيف؟ لأننا لم نكن مُقيدين من قِبله. وسؤالي الثاني هو: لأي سبب كان دم الوحيد الجنس مسرةً الآب*، الذي لم يقبل حتى إسحاق حينما كان أبوه يقدمه كذبيحة، بل بدّل الذبيحة واضعًا حملاً عوضًا عن الذبيحة العقلية؟

ومن ثم، فإنه من الواضح أن الآب يأخذ دون أن يسأل أو يلتمس، ولكن من أجل تدبير الخلاص، ولأنه كان يجب أن تتقدس الإنسانية بإنسانية الله، حتى يحررنا المسيح نفسه، ويقهر الشيطان الطاغية، ويجذبنا إلى نفسه بوساطة ابنه الذي دبر هذا كرامةً لأبيه الذي يعطي الابن كل شيء. لقد تحدثنا كثيرًا عن المسيح، وبقى أن نكرمه بالأكثر بصمتنا”. (تمت الترجمة من PG 36: 624- 663).

غريغوريوس اللاهوتي (قديس)، عظات القيامة (العظة الفصحية الثانية)، ترجمة: القس لوقا يوسف، مراجعة: الأنبا إرميا، (القاهرة: المركز الثقافي القبطي الأرثوذكسي، ٢٠١٥)، عظة ٤٥: ٢٢،  ص ٣٨، ٣٩.

سأقوم بعرض ترجمتي الخاصة لنفس النص من مجموعة آباء ما بعد نيقية لمقارنة النص المترجم عن اليوناني والنص المترجم عن الإنجليزي للوصول إلى أفضل فهم لمعنى النص كالتالي:

“ينبغي أن نفحص الآن حقيقة أخرى، وتعليم يهمله أغلب الناس، ولكنه يستحق في رأيي البحث فيه. لمَّن قُدم هذا الدم المسفوك لأجلنا؟ ولماذا سُفك؟ أقصد الدم الثمين والمعروف جدًا لإلهنا ورئيس الكهنة والذبيحة. لقد قيدنا الشرير في العبودية، مباعين بالخطية، ومستمتعين في المقابل بالشر.

الآن، ما دامت الفدية تخص فقط مَن يستعبدنا، لذلك أتساءل لمَّن قُدمت هذه (الفدية)؟ ولأي سبب؟ إن كانت للشرير، فإنني أستنكر هذه الإساءة! إذ أن السارق يأخذ الفدية، لا فقط من الله، بل الفدية هي الله نفسه، ويمتلك هذا الثمن الغالي من أجل استبداده، الثمن المستحق الذي سعى من أجله لكي يحررنا تمامًا. ولكن إن كانت للآب، فأتساءل

أولاً: كيف؟ لأنه لم يكن هو الذي كنا تحت سطوته.

وثانيًا، على أي أساس يسُر الآب دم ابنه الوحيد، الذي لم يقبل حتى بإسحاق عندما قدمه أبوه، بل استبدله بذبيحةٍ، واضعًا كبشًا عوضًا عن الذبيحة البشرية*؟ أليس من الواضح قبول الآب له، ولكنه لم يطلبه، ولم يحتاجه، بل من أجل التجسُّد، ومن أجل أن البشرية ينبغي أن تتطهر ببشرية الله، لكي ما يخلصنا لنفسه، ويغلب الطاغية، ويجتذبنا إلى نفسه بوساطة ابنه، الذي دبر ذلك كرامةً للآب، الذي من الواضح أنه يطيعه في كل شيء؟ وهكذا قد تحدثنا كثيرًا عن المسيح، وأعظم ما يمكننا قوله هو إكرامه في صمت”.

Gregory of Nazianzus (St.), The Second oration on Easter (NPNF 2- 07), Trans. By Charles Gordon & James Edward, Edit. By Philip Schaff, (Michigan, CCEL, Grand Rapids, 1819- 1893), Or. 45: 22, p. 847, 848.

للأسف الشديد يُحرّف البعض معنى نص الفدية الذي للقديس غريغوريوس اللاهوتي بذهنية وعقلية لاهوت العصر الوسيط، واللاهوت المدرسي، والبروتستانتي، ليجعله مناسبًا لقناعاته المغلوطة والخاطئة عن تدبير الخلاص، حيث يرى أن العقوبة من الآب، والآب يأخذ الابن ليعاقبه فديةً بدلاً عنا وعن عقوبة خطايانا، وهذا ضلال وبهتان، وبعيد كل البعد عن المعنى المقصود في النص.

حيث يرفض النزينزي تقديم الابن كفدية للآب، لأن الآب لم يأسرنا ولم يسبينا، ولا يمكن أن يُسر برؤية دم ابنه الوحيد مسفوكًا، كأنه إله سادي يتلذذ ويُسر ويستمتع بسفك دماء ابنه الوحيد، يا لضلال! ويا لفداحة! ويا لسادية! هؤلاء الذين لا يقبلون ذلك على أبنائهم، ويقبلونه ببساطة على الآب أن يصنعه في ابنه لكي يستمتع بسفك دمائه، واحسرتاه! إنهم فقدوا عقولهم، وعميت أبصارهم، وأظهروا طبائعهم غير الآدمية.

سأقوم بعرض نصوص أخرى عن الفدية عند ق. غريغوريوس اللاهوتي للوقوف على أفضل تصور لمفهوم الفدية عنده، حيث يتحدث في عظة رقم ١٤ عن محبة الفقراء بخصوص تقديم الابن نفسه كفدية من أجل حياة العالم، ويعدد بعد ذلك بركات هذه الفدية وسر الخلاص الجديد من الحصول على طريق الحياة، والقضاء على الموت، وإكليل النصرة على الذي هزمنا، وعطايا الشركة في الروح القدس قائلاً:

“لقد أظهر الرحمة نحونا بطرق عظمى، وفوق كل شيء، بإعطاءنا الناموس والأنبياء، وحتى قبلهما بإعطاءنا ناموس الطبيعة غير المكتوب، معيارًا للحكم على جميع أعمالنا، يفحصنا، وينصحنا، ويدربنا، وأخيرًا، قد أعطى نفسه فديةً من أجل حياة العالم. وقد أنعم علينا بالرسل، والإنجيليين، والمعلمين، والرعاة، والأطباء، والعلامات المذهلة، طريقًا يقود إلى الحياة، والقضاء على الموت، وإكليل النصرة على مَن هزمنا، وعهدًا في الظل، وظلاً في الحقيقة، وعطايا جعلتنا نشترك في الروح القدس، سر الخلاص الجديد”.

Brian E. Daley, Gregory of Nazianzus (The early Church Fathers), Edit. By Carol Harrison, (London, New York: Routledge, 2006), Or. 14: 27, p. 90, 91.

ويناقش ق. غريغوريوس اللاهوتي موضوع الفدية في قصيدة لاهوتية له، حيث يرفض تقديم الابن كفدية للشيطان، كما يستنكر أيضًا تقديم الابن كفدية للآب، لأن الآب لم يأسرنا أو يسبينا، أو يضعنا في الأسر، ويتعجب ق. غريغوريوس كيف يمكن أن يتم سبي ماسح المسيح (أي الله) ووضعه في الأسر، ويقول إننا نقبل بهذه النماذج المقبولة في عالم السماويات، أي يمكننا قبول هذه كرموز ونماذج للأمور المقبولة في السماويات قائلاً:

“لذا أتساءل: لمَّن سُفك دم الإله؟ إن كان للشرير – فيا للأسف! أن يُقدم دم المسيح للشرير! ولكن إن قلت لله – كيف يمكن أن يكون هذا، في حين أننا كنا مستعبدين لآخر (غير الله)؟ فالفدية تخص مَن يحتجز الأسرى دائمًا. أ يمكن أن يكون هذا حقًا، أن يُقدم ذبيحةً لله لكي ما ينتزعنا الله نفسه بعيدًا عن سلطان مَن يأسرنا، ويأخذ المساوي لمَّن أنزل المسيح؟ لأنه لا يمكن أن يؤخذ ماسح هذا المسيح في الأسر. وهذا هو ما نعتقده. ولكننا نقبل بالنماذج المقبولة في السماويات”.

Poemata Dogmatica, I, VIII, 65- 69, Migne XXXVII, 470.

ونستعرض نص آخر للقديس غريغوريوس اللاهوتي يتحدث فيه عن مفهوم الفدية، حيث يرى أن الفدية والمصالحة تتمثل في استردادنا لحريتنا بأخذ الابن لشكل العبد، وارتفاعنا بنزوله، وتمجيدنا بإهانته، وخلاصنا بموته، وانتشالنا من محنة الخطية بقيامته كالتالي:

“لقد أخذ شكل العبد لكي ما نسترد حريتنا، نزل لكي ما نرتفع، جُرب لكي ما ننتصر، أُهين لكي ما يُمجِّد، مات لكي ما يخلص، قام لكي ما يجتذبنا إلى نفسه، نحن الذين كنا راقدين في محنة الخطية. أعطى الجميع، وقدم الجميع، لمَّن أسلم ذاته فديةً ومصالحةً لأجلنا”.

Oliver B. Langworthy, Gregory of Nazianzus’s Soteriological Pneumatology, (Germany, Tunmbingen: Mohr Siebeck, 2019), Or. 1. 5. SC 247, 78, p. 53.

سوف أستعرض الآن آراء الأساتذة الأشهر في العالم الذين قرأوا وفسروا نص الفدية للقديس غريغوريوس اللاهوتي بلغته اليونانية، وكيف إنهم لم يروا أن ق. غريغوريوس اللاهوتي يتحدث عن تقديم الابن كفدية للآب. ونصيحة للأخوة المشككين والمضللين، لا يمكننا أن نقرأ نصوص الآباء ونفسرها بقناعاتنا المسبقة وبحسب أهوائنا الشخصية، بل لا بد من الرجوع إلى المتخصصين والأساتذة في علم الآباء وتاريخ العقائد لنتأكد هل فهمنا للنص صحيح وعليه إجماع أكاديمي من أشهر الأساتذة في هذا المجال أم لا؟ حتى لا نضل أنفسنا ونضل الآخرين بخزعبلات وتأويلات شخصية خاصة بنا لنصوص الآباء.

يتحدث البروفيسور جوستاف ألين Gustave Aùlen وهو أسقف ولاهوتي سويدي لوثري (بروتستانتي)، وصاحب أشهر كتاب عن عقيدة الفداء والخلاص باسم “كريستوس فيكتور” عن مفهوم الفدية عند ق غريغوريوس اللاهوتي، حيث يؤكد ألين أن ق. غريغوريوس اللاهوتي يرفض تقديم الابن كفدية للآب قائلاً:

“في النهاية، يرفض ق. غريغوريوس النزينزي فكرة الفدية تمامًا، ولا يسمح بدفع الفدية سواء للشيطان، ولا حتى لله، لأننا لم نكن، كما يقول، مأسورين ومستعبدين لله”.

Gustave Aùlen, Christus Victor: An Historical Study of The Three Main Types of The Idea of Atonement, Trans. By A. G. Hebert, Forwarded by Jeroslav Pelikan, (London: S. P. C. K., 1975), P. 50.

ويتحدث البروفيسور جون كيلي John Kelly أستاذ تاريخ العقيدة بجامعة أكسفورد بإنجلترا عن مفهوم الفدية عند ق. غريغوريوس اللاهوتي، ويوضح رفض ق. غريغوريوس اللاهوتي لفكرة تقديم الابن كفدية للآب كالتالي:

“استمر ق. غريغوريوس (النزينزي) في إثبات أن دم المسيح لم يكن فديةً مدفوعةً، بالمعنى الدقيق للكلمة، لله الآب أيضًا، لأنه لا يُعقل أنه قد استمتع بدم ابنه الوحيد. بل على العكس، حقيقة قبول الآب لها، لم يكن بسبب أنه قد طالب بها، أو أحتاج إليها، بل بسبب أنه كان يليق في تدبير الخلاص أن يتم استعادة التقديس للطبيعة البشرية من خلال البشرية (الناسوت) التي أتخذها الله. أما بالنسبة إلى إبليس، فقد هُزِم بالقوة”.

  1. N. D. Kelly, The Early Christian Doctorines, (London: Adam & Charles Black, 1968), p. 383, 384.

ويتحدث البروفيسور هستنجس راشدال Hasings Rashdall أستاذ تاريخ العقيدة المعروف عن مفهوم الفدية عند ق. غريغوريوس اللاهوتي، ويؤكد على أن ق. غريغوريوس اللاهوتي يرفض مفهوم الفدية على الإطلاق سواء للشيطان أو للآب، ويستعرض أسباب ق. غريغوريوس اللاهوتي في ذلك قائلاً:

“ولكن يرفض [ق. غريغوريوس] أن تكون فدية على الإطلاق في الخطبة المخصصة تحديدًا لعقيدة الخلاص: لأنه من المستهجن الاعتقاد بأن السارق يمكنه أن يأخذ الله نفسه كثمن مدفوع لأجلنا، لذلك يتساءل: إن كانت مدفوعة للآب.

فأولاً، قد يتساءل المرء: كيف؟ لأنه لم يكن [الآب] هو الذي احتجزنا كسجناء.

ثانيًا، كيف يمكن أن يُعقل أن الآب يُسر ويستمتع بدم الابن الوحيد، وهو الذي رفض إسحاق، عندما قدمه والده، بل وضع كبشًا عوضًا عن الذبيحة العقلية. وبالتالي، يتضح أنه إذا قَبِل الآب دم ابنه، فليس لأنه قد طالب به، أو كان في حاجة إليه، بل بسبب تدبير الخلاص، وبسبب حاجة الإنسان إلى التقديس بما كان إنسانيًا في الله لكي ما يخلصنا في ذاته، منتصرًا على الطاغية بالقوة، ولكي ما يرجعنا إلى ذاته بوساطة ابنه، الذي قد صنع كل شيء من أجل مجد الآب، الذي يبدو واضحًا أنه قد خضع له في كل شيء

.Oration 45, 22, Migne 36. 654.

Hastings Rashdall, The Idea of Atonement in Christian Theology, (London: MacMillian & Co., 1919), p. 309, 310.

سوف استكمل في بوستات قادمة باقي الردود على المشككين والمضللين في النقاط التي أثاروها ضد مقالاتي لإظهار تزييفهم، وتحريفهم، وجهلهم، بمعاني نصوص الآباء كما قالها الآباء، وفهمها الشراح من الأساتذة والباحثين المرموقين على مستوى العالم.

يُتبع

مفهوم الفدية عند ق. غريغوريوس اللاهوتي – د. أنطون جرجس

مفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير – د. أنطون جرجس

مفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير – د. أنطون جرجس

مفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير – د. أنطون جرجس

نستكمل معًا أحبائي سلسلة الرد على الجهلاء، والمزورين، والمشككين في فهمنا لفكر الآباء عن موضوع الفدية عامةً، وبالخصوص ق. باسيليوس محل نقاشنا في هذه المقالة.

لا بد من التنويه أولاً أن موضوع الفدية هو نوع من مجاز الحروب والمعارك والأسر، استخدمه الكتاب المقدس ليشرح به أمور روحية تشبه الحرب والأسر، ولكنها للأسف غير منظورة، فهي حرب روحية بين الله وملائكته والبشر وبين أجناد الشر الروحية في السماويات.

لذا لجأ الآباء إلى تفسير موضوع الفدية من خلال التقليد والكتاب المقدس، وكان في فكرهم أنه ما دام الشيطان هو الذي يأسر أرواح البشر في الجحيم قبل مجيء وتجسد وخلاص المسيح، فلا بد أنه هو المسيطر عليهم بإرادتهم لأنهم أرادوا الاستمتاع بالشر والخطية تحت سلطانه، لذا منطقيًا البشر مأسورين تحت عبودية إبليس، ولا بد من فك أسرهم من إبليس، ويتطلب هذا دفع الفدية لفك سبي هؤلاء المأسورين تحت إبليس.

وهذا المجاز الحربي كان منتشر بين أوساط التدين الشعبي، كما نرى هذه الأيام، وفي نفس الوقت يتحدث الكتاب المقدس عن تقديم المسيح نفسه كذبيحة كفارية لله، لذا كان ق. باسيليوس الكبير يتأرجح ما بين منطقية تقديم الفدية للشيطان لأنه هو الذي يأسر البشر، وليس الله هو الذي يأسر البشر، وفي نفس الوقت، تقديم المسيح نفسه كذبيحة كفارية لله عن البشر باعتباره الإله المتأنس القادر على خلاص البشرية.

للأسف يتهمني المزورين بأنني مَن أحذف وأقتطع من نفسي النصوص لهدف ما في فكري، ولكنني سأتغاضى عن ذلك الهراء، ولكنني أراهم هم الذين يقتطعون أجزاء كاملة عند مناقشتهم لموضوع الفدية عند ق. باسيليوس الكبير، حيث لم يذكروا الجزء الخاص بتقديم الفدية للشيطان عند باسيليوس، وذكروا فقط الجزء الذي يخدم مصلحتهم وأهوائهم الشريرة. لذا سأعرض النص كاملاً على الرغم من طول الفقرة، لكي يتضح إلى القارئ العزيز مدى كذب وتدليس هؤلاء، وصدق عرضنا لموضوع الفدية عند ق. باسيليوس الكبير.

يتحدث ق. باسيليوس الكبير في عظته على مز ٤٨ أو ٤٩ في العظة رقم ١٩ عن تقديم الفدية للشيطان وتقديم المسيح ذبيحة كفارية لله كالتالي:

“اسمعوا أنتم محتاجون إلى الفداء لكي تربحوا حريتكم التي فقدتموها، لأنكم هُزمتم من عنف الشيطان* الذي بعدما جعلكم تحت سلطانه، لن يترككم تتحرروا من استبداده السابق، قبل أن يقتنع بفدية كبيرة ذات قيمة ترضيه*، ويريد أن يقاضيكم بها. إذًا، يجب ألا تكون الفدية مساوية للأسرى*، بل أن تكون مختلفة كثيرًا بحسب القياس، طالما أنه يكون مزمعًا بإرادته أن يحرر الأسرى*.

إن الأخ لا يستطيع أن يحرركم أو يفديكم، ولا يوجد إنسان قادر أن يُقنِع الشيطان* بأن يفك أسر مَن قبض عليه قبلاً من سلطانه*، وذلك بسبب خطايا الإنسان الخاصة، فلا يستطيع أن يقدم ذبيحة كفارية لله. […] فلينصت إلى حقيقة الأمر كله أن كل نفس إنسانية قد خضعت لنير العبودية لعدونا المشترك*، وبعدما فقدت الحرية التي وهبها لها الخالق، تصبح أسيرة الخطية*.

إن كل أسير يحتاج فدية لأجل تحريره*. ولا يقدر أحد أن يفدي نفسه، لأن الفادي لا بد أن يكون أسمى بكثير من الذي هو بالفعل أسير وعبد. لكن على وجه العموم، لا يوجد إنسان له سلطان بالنسبة لله، حتى أن يطلب غفرانًا للخاطئ، لأنه هو نفسه تحت دينونة الخطية، أو تحت حكم الخطية، لأن الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله، متبررين مجانًا بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح”.

باسيليوس الكبير (قديس)، تفسير سفر المزامير ج٢، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠٢١)، عظة على مز ٤٩، ص ٩٣- ٩٥.

سوف أستعرض الآن آراء الأساتذة والباحثين المعتبرين في العالم كله عن مفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير للوقوف على أفضل تصور لمفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير، حيث يعرض هؤلاء الأساتذة الكبار آراء ومفاهيم الأب بكل حيادية وموضوعية، وسوف نجد أن طرحهم يتفق مع طرحنا السابق وطرحنا في هذا المقال لمفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير، الذي كان يفسر موت المسيح متأرجحًا ما بين فرضيتي تقديم المسيح الفدية للشيطان بصورة تقليدية ومنطقية، وتقديم المسيح ذبيحة كفارية لله بصورة كتابية فيما يلي.

يتحدث البروفيسور موزلي Mozley أستاذ تاريخ العقيدة في جامعة كامبريدج بإنكلترا عن مفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير باعتبارها ثمن فوري مدفوع للشيطان الذي أسر البشر عنده لأنهم كانوا عاجزين عن إيفاء ما أراده الله كالتالي:

“يربط (باسيليوس) في موضع آخر معنى محدد أكثر بموت المسيح، مفسرًا إياه في أحد عظاته بأنه ثمن مدفوع فوريًا لإبليس*، الذي كان يأسر البشر، وكفارة έξίλασμα عن جميع البشر، لأنهم كانوا عاجزين عن إيفاء ما أراده الله”.

K. Mozley, The Doctrine of The Atonement, (New York: Charles Scribner’s Sons, 1916), p. 109.

ويعلق البروفيسور موزلي في حاشية رقم ٣ على طرحه السابق هذا مؤكدًا على تأرجح فكر ق. باسيليوس ما بين فكر الشيطان وفكر الله قائلاً:

“حيث الانتقال من فكر الشيطان إلى فكر الله يتم بصورة متأرجحة. لأنه يعتمد على المنطق في نقطته الأولى (الفدية للشيطان)، وعلى الكتاب المقدس في نقطته الثانية (ذبيحة كفارية لله). ولكنه لا يتوصل إلى أنها تمثل نظرية حقيقية”

Ibid, n. 3.

ويشرح البروفيسور جون كيلي John Kelly أستاذ تاريخ العقيدة بجامعة اكسفورد مفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير أنها كانت مدفوعة للشيطان كالتالي:

“لقد لاقت نفس النظرية تمامًا عن حق الشيطان في إبقاء البشرية تحت العبودية حتى يُمنح تعويضًا مناسبًا، دعمًا مع أخيه الأكبر باسيليوس [المقصود غريغوريوس النيسي الأخ الأصغر للقديس باسيليوس الكبير]. حيث علم (باسيليوس) بخضوع جميع البشر لسلطان رئيس هذا العالم، ولكن المسيح هو وحده القادر على أن ينادي (راجع يو ١٤: ٣٠) بأنه ليس له فيَّ شيء. ومن ثم فإن الفدية ضرورية، إن كان سيتم تحريرهم، ولا يمكن أن تشمل أي إنسان عادي.

لأنه من الصعب إقناع الشيطان بتسليم أسراه عن طريق القبول بمجرد إنسان عادي، لأن مثل هذا الإنسان يحتاج في جميع الأحوال فداءً عن نفسه. ولكن ما نحتاجه هو شخص يفوق الطبيعة البشرية – في الواقع، نحتاج يسوع المسيح الإله-الإنسان. وهكذا نلاحظ أن صور غريغوريوس الغريبة عن الطعم والخطاف (الصنارة) غائبة هنا، ولا يبدو أن باسيليوس يركز على هذه النظرية. ولكنه يتأرجح في نفس السياق بين تفسير موت المسيح على أنه فدية مدفوعة للشيطان وذبيحة مقدمة لله”.

N. D. Kelly, The Early Christian Doctrines, (London: Adam & Charles Black, 1968), p. 382, 383.

يشرح البروفيسور هستنجس راشدال Hastings Rashdall مفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير موضحًا أن ق. باسيليوس نادى بتقديم المسيح الفدية للشيطان كلغة معتادة في ذلك العصر بين الأوساط الشعبية لتفسير طبيعة وماهية موت المسيح كالتالي:

“وهناك فقرات يتحدث (باسيليوس) فيها بالطريقة المعتادة عن الحيلة التي تم خداع الشيطان بها لتطويقه بموت المسيح، والبحث عن القضاء عليه. وبالتالي، يقبل باسيليوس اللغة التقليدية دون دفاع أو تفسير، ولكن التركيز على حقوق الشيطان أقل من التركيز على القيمة العليا أو الجدارة لمَّن عُرض عليه كفدية.

إن الفدية ليست أكثر من مجرد وسيلة للتعبير عن ضرورة موت المسيح من أجل مغفرة الخطايا، والتي اعترف بها باسيليوس بشكل رسمي مثله مثل الآباء اليونانيين الآخرين، على الرغم من رغبتهم العامة في جعل الخلاص يعتمد على التجسد ككل.

فيبدو واضحًا أن الطريقة العرضية التي يتطرق بها هؤلاء الكُتاب إلى فكرة دفع الفدية للشيطان، قد لعبت دورًا أكثر في التدين الشعبي اكثر منه في اذهان المتعلمين. لأنها (الفدية) تنتمي إلى التقليد المقبول عامةً، وربما لمجرد أنها كانت مقبولة بالإجماع، لم تكن موضوعًا قابلاً للنقاش، أو أساسًا للتفكير”.

Hastings Rashdall, The Idea of Atonement in The Christian Theology, (London: MacMillian & Co., Limited, 1919), p. 311.

مفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير – د. أنطون جرجس

لماذا الموت هو عقوبة الخطية؟ عوض سمعان

لماذا الموت هو عقوبة الخطية؟ عوض سمعان

لماذا الموت هو عقوبة الخطية؟ عوض سمعان

إن شعور الخطاة في الأبدية بالآلام الذاتية المتعددة التي ذكرنا طرفاً منها في الفصل السابق، لا يعفيهم من توقيع القصاص الإِلهي عليهم بسبب خطاياهم. ولا غرابة في ذلك، فشعور المجرمين بالحسرة والندم بعد القبض عليهم لا يعفيهم من توقيع القصاص القانوني عليهم. فالخطاة لا بد أن ينالوا من اللّه عقاب خطاياهم

 

الخطية والعقوبة الإلهية الأبدية 

1 – عدالة العقوبة الإِلهية:

إن شعور الخطاة في الأبدية بالآلام الذاتية المتعددة التي ذكرنا طرفاً منها في الفصل السابق، لا يعفيهم من توقيع القصاص الإِلهي عليهم بسبب خطاياهم. ولا غرابة في ذلك، فشعور المجرمين بالحسرة والندم بعد القبض عليهم لا يعفيهم من توقيع القصاص القانوني عليهم. فالخطاة لا بد أن ينالوا من اللّه عقاب خطاياهم، كبيرها وصغيرها، حتى إن كانوا قد نالوا قصاصاً عنها في دنياهم بواسطة المحاكم الأرضية، لأن عقاب هذه المحاكم ليس عن الإِساءة إلى اللّه، بل عن الإساءة إلى المجتمع الذي يعيش فيه الناس.

2 – مدى العقوبة الإلهية:

يتناسب قصاص الإساءة طردياً مع مكانة الشخص المُسَاء إليه، فإذا وقعت إهانة على شخص قليل الشأن، كان قصاصها لا يُذكر، وكان تعويضها (إن كان لا بد من تعويض) ضئيلاً. أما إذا وقعت الإهانة على شخص عظيم القدر كملك أو حاكم، كانت جريمة شنيعة تستحق عقاباً جسيماً لا مجال للتعويض فيه بحال. وبما أن الخطية هي إهانة للّه الذي لا نهاية لمجده ولا حدّ لسموّه، إذاً فالعقوبة المستحقَّة عنها هي عقوبة لا نهاية لها. فلا عجب إذا كان اللّه قد قال لآدم إنه يوم يأكل من الشجرة التي نهاه عنها موتاً تموت (تكوين 2: 17) . ومن مواضع كثيرة في الكتاب المقدس يتضح لنا أن الله قصد بهذا الموت المؤكد، الموت بأنواعه الثلاثة: الأخلاقي والجسدي والأبدي. وقد تحدثنا فيما سلف عن النوعين الأولين من هذا الموت.

أما الموت الأبدي فهو الذي يدعوه الكتاب المقدس الموت الثاني أو العذاب الأبدي (رؤيا 20: 14) . وهو قصاص لا نهاية لمدته، لأن الخطية جريمة ضد اللّه الذي لا نهاية لمجده، ولا حد لسموّه. لذلك قال الوحي عن الأشرار إن نصيبهم هو البحيرة المتقدة بنار وكبريت الذي هو الموت الثاني (رؤيا 21: 8) . وهذه البحيرة هي جهنم التي لا تُطفأ نارها ولا يموت دودها (مرقس 9: 44) . والنار هنا ليست طبعاً ناراً مادية، لأن المادة (بالمعنى المعروف لدينا) هي من خصائص الأرض. ومع ذلك فمن المؤكد أن تأثيرها سيكون للأسباب السابق ذكرها، أشد من تأثير النار المادية بنسبة لا حدّ لها، لأن الفرق بين الاثنين هو الفرق بين الحقيقة والصورة الخاصة بها، وهذا الفرق شاسع للغاية. كما أن الدود الوارد ذكره مع جهنم ليس دوداً بالمعنى الحرفي، إذ أن المراد به وخزات الضمير وتأنيباته اللاذعة، التي تحدثنا عنها في الفصل السابق.

مذكرة توضيحية عن جهنم:

كلمة جهنم مشتقة من كلمة جي هنوم أو وادي هنوم الذي كانت تُحرق فيه الضحايا البشرية كل يوم قرباناً للوثن مولك (2ملوك 23: 10) ، وكان ما لا تصيبه النار من هذه الضحايا، يصبح مأكلاً للدود. فاتَّخذ الوحي اسم جي هنوم الذي يعرفه الناس وأطلقه على مكان عذاب الأشرار الأبدي الذي لا يعرفونه. وجهنم ليست هي الهاوية، لأن الهاوية بقسميها هي المكان العام الذي تنطلق إليه الأرواح بعد خروجها من أجسادها. والقسم الأول خاص بأرواح الذين لهم علاقة حقيقية مع اللّه، ويدعى الفردوس(لوقا 23: 43) ، والقسم الثاني خاص بأرواح الذين ليست لهم مثل هذه العلاقة معه، ويدعى السجن (1بطرس 3: 19) . ولا شك أن الذين يدخلون السجن بأرواحهم وأجسادهم معاً يتألمون قبل نزول هذا العذاب بهم. أما الذين يدخلون الفردوس بأرواحهم فيشعرون بشيء من السعادة الأبدية التي تنتظرهم عند قيامة أجسادهم من بين الأموات، فيفرحون بها قبل قيامتهم.

3 – الأساس الذي توقع عليه العقوبة:

بما أن من يرتكب خطية صغيرة (في نظرنا) يتعدى على شريعة اللّه ويحرم نفسه من التوافق معه، شأنه في ذلك شأن من يرتكب خطية كبيرة سواء بسواء. إذاً لا غرابة إذا قال الوحي: من قال: يا أحمق، يكون مستوجب نار جهنم (متى 5: 22) ، وقال إن هذه النار بعينها يستحقها الخائفون وغير المؤمنين والرجسون والقاتلون والزناة والسحرة وعبدة الأوثان وجميع الكذبة (رؤيا 21: 8) ، لأن من يقول يا أحمق ، يكون مجرداً من المحبة للآخرين والعطف عليهم. والذي يتجرد من هاتين الصفتين لا يستطيع التوافق مع اللّه في صفاته الأخلاقية السامية، وبالتالي لا يستطيع التمتع به على الإطلاق. وعدم التمتع باللّه أو الحرمان منه، هو جهنم بعينها.

ولا يُراد بغير المؤمنين المشركون والملحدون فحسب، بل يُراد بهم أيضاً المؤمنون بالاسم، لأن هؤلاء وإن كانوا يعترفون بالمسيح ويقومون بالفرائض أحياناً، غير أنهم لا يستطيعون التوافق مع اللّه في صفاته الأخلاقية السامية، مثلهم في ذلك مثل المشركين والملحدين تماماً.

الاعتراضات التي تُوجَّه ضد هذه الحقائق والرد عليها

1 – ليست الخطية جريمة بل مرضاً متأصّلاً فينا، فلا يكون موقف اللّه إزاءنا موقف القاضي الذي يحكم بالعقاب، بل موقف الطبيب الذي يتولى العلاج.

الرد: وإن كنا ورثة الطبيعة الخاطئة من آدم، غير أننا لا نرتكب الخطية رغماً عنا بل بإرادتنا كما ذكرنا في الفصل الأول، لذلك تكون خطيتنا معصية أو جريمة. وهذه لا تُقابَل بالعطف بل بالعقاب، إلا إذا تاب فاعلها توبة صادقة واعتمد على رحمة اللّه في الغفران الذي يتفق مع كمال صفاته جميعاً. فإن الله في هذه الحالة يقف منه موقف الطبيب الذي يعالجه ويأخذ بناصره.

 

2 – ليس الإنسان مسئولاً عن الشر الذي يعمله، لأنه مجبَر على عمله بواسطة قوة أعظم منه، سواء كانت هذه القوة هي قوة الشيطان، أم قوة الغرائز، أم قوة الجبر الإلهي. وإن لم يعمل الإنسان الشر بسبب إحدى هذه القوى، فإنه يعمله بسبب العوامل الاجتماعية القاسية التي تحيط به، فلا تجوز معاقبته عما يأتيه من شر.

الرد: الإنسان مخلوق عظيم، بل هو أعظم مخلوقات اللّه قاطبة، لذلك استطاع أن يسيطر على الطبيعة ويستغلها لفائدته، كما استطاع أن يحلّق في الفضاء ويهبط على القمر وغيره من الكواكب، مؤيَّداً بإرادته القوية وعقله الجبار. كما أن الشيطان ليست له (كما سيتضح في الباب التاسع) سلطة على الإِنسان، إلا إذا انقاد الإنسان بإرادته وراءه. كما أن العوامل الاجتماعية مهما كانت قسوتها، لا تؤثر على الإِنسان إلا إذا تخلى عن عقله ورضخ لها. والدليل على ذلك أن بعض الفقراء يحيون حياة الأمانة، وبعض الأغنياء لا أمانة لديهم! أما اللّه فإنه لكماله المطلق، لا يمكن أن يرغم أحداً على فعل الخطية. وإذا كان الأمر كذلك، فالإنسان هو الذي يفعلها بمحض إرادته، فلا يجب أن يتنصَّل من المسئولية الملقاة على عاتقه، أو يعارض فيما يستحقه من عقاب بسبب خطاياه.

 

3 – خطايا الإلحاد والإشراك وحدها هي التي يعاقب اللّه عنها، أما الخطايا الأخرى فلا يعاقب عنها، لأن البشر لهم العذر أو بعض العذر في ارتكابها، لأن طبيعتهم البشرية تدفعهم إليها.

الرد: لا شك أن خطايا الإِلحاد والإِشراك أشرّ من غيرها من الخطايا ولا علاقة لأصحابها مع اللّه، لا في العالم الحاضر أو العالم الآخر. غير أن الملحدين والمشركين لا علاقة لهم باللّه، مثلهم مثل باقي الخطاة، لأنهم لا يتوافقون معه في قداسته وكماله، ولأنهم أيضاً أساءوا إليه بمخالفتهم لشريعته التي أعطاها لهم. فمن البديهي ألاّ يكون لهم حق التمتع باللّه في الأبدية، وأن ينالوا فيها أيضاً ما يستحقونه من قصاص بسبب خطاياهم. أما الاعتذار عن مخالفتنا لشريعة اللّه بدعوى وجود طبيعة تميل إلى الخطية فينا، فقد ناقشناه في الفصل الثاني.

 

4 – هل من العدالة أن يظل عذاب الخطاة إلى الأبد، مع أنهم لم يستغرقوا في عمل خطاياهم إلا وقتاً محدوداً؟

الرد: تتناسب العقوبة تناسباً طردياً مع قدر الشخص المُساء إليه، فعقوبة الخطية لا تُقاس بالنسبة إلى المدة التي عُملت فيها، بل بالنسبة إلى شناعتها بوصفها إساءة إلى اللّه نفسه. وإذا كانت جريمة واحدة تُعمل ضد الدولة في دقائق معدودة، قد يكون عقابها الإعدام، أو الأشغال الشاقة مدى الحياة، فلا غرابة إذا كان عقاب الخطية عذاباً أبدياً.

 

5 – هل من العدالة أن يطرح اللّه جميع الخطاة في جهنم إلى الأبد، مع أن بعضهم أقل شراً من البعض الآخر؟

الرد: قلنا إن الخطاة مهما قلّت خطاياهم قد أساءوا إلى اللّه، وأبعدوا أنفسهم عن التوافق معه، فلا جدال أنهم جميعاً سيقضون الأبدية بعيداً عنه. والبُعد عن اللّه مهما كان شأنه هو جهنم بعينها، لأنه لا هناء للنفس إلا بالوجود في حضرة اللّه والتوافق معه.

وحتى لو كان كل الخطاة سيكونون في جهنم إلى الأبد، فإن كلاً منهم سيشعر هناك بما يستحقه من عذاب عن خطاياه، وذلك للأسباب الآتية:

(أ) سيكون الضمير مصدراً من مصادر العذاب الأبدي. فالذي فعل خطايا شنيعة، سيكون تأثره بالألم أكثر من تأثر الذين لم يفعلوا مثل هذه الخطايا.

(ب) للّه طرقه الخاصة لتحقيق عدالته بدرجة لا يجد الإنسان أو غير الإنسان معها مجالاً للاعتراض، فقد قال الوحي يستدُّ كل فم، ويصير كل العالم تحت قصاص من اللّه (رومية 3: 19) .

(ج) سيجازي الله كل واحد حسب أعماله (رومية 2: 6) . ولذلك نرى أن أهل كفر ناحوم (الذين كانت لهم فرص للخلاص لم يَحْظَ بشيء منها أهل سدوم) ستكون حالتهم في الأبدية أقسى من حالة أهل سدوم كثيراً (متى 11: 23 و24) .

 

6 – كيف يعاقب اللّه الخطاة مع أنه المحب الرحيم؟

الرد: يقدم الله أولاً للخطاة كل محبة ورحمة، فيعرض عليهم الخلاص من دينونة خطاياهم مجاناً، بناءً على كفارته العظيمة (سنتحدث عنها في الباب السادس) ، لأنه يريد أن جميع الناس يَخْلُصون وإلى معرفة الحق يُقبِلون (1تيموثاوس 2: 4) . فكل من يرفض محبة اللّه ورحمته، يستحق أن يعامله اللّه حسب شريعة عدالته وقداسته. لأن صفاته لا تطغى إحداها على الأخرى، لكمال كل صفة منها.

فإذا تساءل الناس: كيف يحب اللّه البشر، وفي الوقت نفسه يسمح بعقابهم على خطاياهم؟ فالجواب: إنه فضلاً عن أن العقاب بسبب الخطية يتفق مع العدالة، التي لا اعتراض عليها من أحد، فإن محبة اللّه ليست المحبة العمياء التي لا ترى العيوب والنقائص، ولا هي المحبة الدنسة التي ترضى عن الشرور والآثام. بل هي المحبة المبصرة التي ترى كل الأشياء على حقيقتها، كما أنها المحبة المقدسة التي لا ترضى عن هذه الشرور والآثام. ومثل هذه المحبة لا تظهر فقط في العطف على الأتقياء الذين يحبون اللّه ويبذلون كل جهدهم للسير في سبيله، بل تظهر أيضاً في النفور من الأشرار الذين لا يراعون قداسته ويُفسِدون أمامه. وإلا لكان الله يُسَرّ بخطاياهم وتعدياتهم، وهذا مستحيل. ثم أن محبة اللّه التي تبعث إلى أتباعه بالفرح والابتهاج، ستكون هي بعينها العامل الذي، من ناحية أخرى، يُشعِر الخطاة بأقسى أنواع الألم والعذاب، لأنهم سيدركون في الأبدية أنهم رفضوا هذه المحبة واحتقروها مع أنها لم تكن تبغي إلا خلاصهم وإسعادهم.

 

7 – تدلّ معاقبة اللّه للخطاة على أنه يتأثر، والتأثُّر يقتضي التغيُّر، مع أن اللّه لا يتغير. لذلك فإنه لا يعاقب الخطاة بل يترك أرواحهم وشأنها في الفضاء.

الرد: بما أن اللّه يعرف كل الأشياء قبل حدوثها، إذاً فكراهيته للخطية لا تتوقّف على زمن ظهورها في العالم بل كانت لديه أزلاً. ولا غرابة في ذلك، فإن هذه الكراهية ليست إلا الوجه السلبي لكماله. فعندما يعاقب الخطاة بسبب خطاياهم لا يثور (كما نفعل نحن) بل يسمح بتوقيع العقوبة عليهم باعتبارها ضرورة قانونية تتفق مع الكمال الذي يلازمه من الأزل إلى الأبد.

 

8 – ما الفائدة التي تعود على اللّه من معاقبة الخطاة؟

الرد: لا تعود على اللّه من معاقبة الخطاة فائدة ما، لأنه كامل في ذاته، ولا يعود عليه نفع أو خير من أي كائن من الكائنات. لكنه في معاقبته للخطاة يحقّق شريعة عدالته. وكما أنه إذا أمسك إنسانٌ ناراً يحرق نفسه بنفسه، كذلك إذا أساء أحد إلى اللّه يهلك نفسه بنفسه. وكما أنه لا يجوز للشخص الأول أن يلوم النار لعدم تحوُّلها برداً وسلاماً عليه، لأن النار بناءً على ناموسها الطبيعي تحرق كل من يمسك بها، كذلك على الثاني أن يلوم نفسه عندما يرى ذاته في العذاب الأبدي، لأنه ليس هناك أمامه مجال للاعتراض، فشريعة الله تقول إن من يتوافق مع اللّه يتمتع بالراحة والهناء، ومن يبتعد عنه لا يكون نصيبه إلا التعاسة والشقاء. وقد أدرك الجاحظ (أحد فلاسفة المسلمين المشهورين) هذه الحقيقة فقال: إن نار الآخرة تجذب أهلها إلى نفسها دون أن يدخل أحد (بنفسه) فيها. لأن طبيعة أهل النار وفاق النار، وطبيعة أهل الجنة وفاق الجنة (ضحى الإسلام ج 3 ص 135 و 136) . ورأيه عين الصواب، لأننا نعلم أن شبيه الشيء ينجذب إليه.

فإذا رجعنا إلى الكتاب المقدس، نرى أن اللّه لم يقل لآدم إنه يوم يأكل من الشجرة المنهي عنها يُميته، بل قال له يوم تأكل منها موتاً تموت (أنت بنفسك) (تكوين 2: 17) . ولم يقل إن اللّه يجلب الضرر على من يخطئ عنه، بل قال من يخطئ عني يضرّ نفسه (بنفسه) (أمثال 8: 36) . ولم يقل إن الذين يبغضون اللّه يدفع بهم إلى الموت الأبدي، بل قال إنهم يحبون (هم أنفسهم) هذا الموت (أمثال 8: 36) .

 

9 – لا يرضى اللّه بسبب رحمته المطلقة أن تظل نفوس الخطاة معذبة إلى الأبد، فلا بد أنه سيفنيها بعد حين. (وهذا هو رأي جماعة شهود يهوه التي انحرفت عن المسيحية، ورأي فرقة الجهمية التي انحرفت عن الإسلام. غير أن الجهمية ذهبوا إلى أبعد مما ذهب إليه شهود يهوه كثيراً، وقالوا إن الجنة والنار تفنيان، وإن أهل الجنة والنار ينتهون إلى حال يبقون فيها جموداً ساكنين سكوناً دائماً) .

الرد: صحيحٌ أن اللّه رحيم كل الرحمة، ولكن له قوانينه الخاصة التي تتفق مع عدالته المطلقة. والوحي مع إعلانه عن رحمة اللّه، يقرر مبدأ معاقبته للخطاة بسبب خطاياهم. فقد قال الرب إله رحيم ورؤوف، ولكنه لن يبرئ إبراءً (خروج 34: 6 و7) . وبما أن الخطاة لا يستطيعون مهما طالت مدة وجودهم في العذاب أن يقوموا بإيفاء مطالب عدالة اللّه (لأن هذه لا حد لها) فمن البديهي أن لا ينتهي عذابهم عند حد ما. وإذا كان الأمر كذلك، فإن الاعتقاد بفناء النفس بعد حين يتعارض مع عدالة اللّه وعدم محدودية حقوقها، وإنه في الواقع ليس سوى فكرة ابتدعها بعض الناس رغبة منهم في إزاحة شبح القصاص الأبدي عن خواطرهم. لكن أمام عدالة اللّه التي لا تجد حقوقها، لا بد أن تتبدد أفكارهم وتصوراتهم جميعاً.

 

10 – هل تعجز رحمة اللّه عن الصفح عن الخطاة وتقريبهم إليه؟

الرد: تتَّسع رحمة اللّه لقبول كل الخطاة التائبين، لكن عدم توبتهم هي التي تجعلهم عاجزين عن التوافق معه. كما أنه بسبب كماله المطلق لا يأتي بهم إلى حضرته رغماً عنهم، لأنه لو فعل ذلك لما شعروا بسرور أو راحة في البقاء معه، ولسعوا للارتداد بكل قواهم عنه. فحرمان العصاة من التمتع باللّه، وتعرضهم للعذاب الأبدي تبعاً لذلك لا يرجع إلى قسوة اللّه عليهم، ولا إلى نقص رحمته نحوهم، بل إلى شرهم وعدم رغبتهم في التوافق معه. أما من جهته فهو يحبهم ويعطف عليهم ولا يريد أي أذى لهم. فقد قال إنه لا يسر بموت الشرير، بل بأن يرجع الشرير عن طريقه ويحيا (حزقيال 33: 11) . وإنه يريد أن جميع الناس يَخْلُصون وإلى معرفة الحق يُقْبِلون(1تيموثاوس 2: 4) .

 

11 – إذا كنا جميعاً خطاة بطبيعتنا وأعمالنا، وبناء على عدالة اللّه لا خلاص لنا من عقوبة خطايانا، فهل سمح اللّه بولادتنا في العالم الحاضر لنشقى إلى الأبد؟

الرد: هذا هو اعتراض الإِنسان المتمرّد على الحق، والذي بدل أن يرى عيوبه ويلوم نفسه عليها يحاول أن يتنصَّل من تبعة خطاياه، لعله يفلت من عدالة اللّه. فأي عقل راجح يمكن أن يتصوّر أن اللّه سمح بولادة البشر ليَشْقوا إلى الأبد! ونحن نرى أن غاية الآباء المُخْلصين، رغم ما يوجد بهم من نقائص، هي أن يُسعِدوا أبناءهم ويبعثوا الفرح والسرور إلى نفوسهم. لذلك لا يمكن أن يكون اللّه قد سمح بولادتنا في العالم الحاضر لنشقى إلى الأبد، كما يقول أصحاب هذا الاعتراض. ولكننا نحن الذين في جهلنا نجلب الشقاء على ذواتنا بإساءتنا إلى اللّه، وإلى أنفسنا أيضاً. فلا يلومنّ أحد إلا نفسه.

ومع ذلك فقد استطاعت محبة اللّه ورحمته أن تشقّا لنا طريقاً كريماً يتفق مع قداسته وعدالته، لأجل خلاص الخطاة الراغبين بإخلاص في الرجوع إليه، وذلك بإنقاذهم من عقوبة خطاياهم وتهيئة نفوسهم للتوافق معه في صفاته الأخلاقية السامية (كما سيتضح بالتفصيل ابتداءً من الباب الثالث) . إنما نرى من الواجب قبل التحدث عن هذا الطريق الكريم، أن نستعرض أولاً (في الباب الثاني) الطرق التي يلجأ إليها معظم الناس ليحصلوا (حسب اعتقادهم) على الغفران والقبول لدى اللّه، لنرى إلى أي حدٍّ تُجدي وتُفيد.

خادم الرب: عوض سمعان
من كتاب: فلسفة الغفران في المسيحية

لماذا الموت هو عقوبة الخطية؟ عوض سمعان

Exit mobile version