نسطور وكتاب هرقليد الدمشقي ف11 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

نسطور وكتاب هرقليد الدمشقي ف11 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

نسطور وكتاب هرقليد الدمشقي ف11 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

 

الفصل الحادي عشر

 

نسطور وكتاب هرقليد الدمشقيّ

 

سنة 431، التأم مجمع مسكونيّ في أفسس، وعلى أثره أُعلنت مريم العذراء والدة الإله. وكان نسطور الذي حُكم عليه هو من حثّ الإمبراطور ثيودوز على إرسال الدعوة إلى أساقفة الشرق والغرب من أجل هذا الاجتماع اللاهوتيّ، الذي كاد يقسم الإمبراطوريّة، ويضع الخلاف في قلب البلاط. غير أنّ ظروف انعقاد المجمع جاءت بطريقة غير عاديّة. وصل كيرلّس من الإسكندريّة مع أساقفته. وإذ تأخّر أساقفة الشرق بقيادة أنطاكية، وموفدا البابا من رومة، انتظر كيرلّس مترئّس ذلك المجمع قرابة أسبوعين على الموعد المحدّد، أي 7 حزيران، عيد العنصرة. وفي 22 حزيران بدأت الأعمال بقراءة قانون إيمان نيقية. ثمّ تليت رسالة كيرلّس الثانية إلى نسطور. إعتبرها الآباء موافقة لإيمان نيقية. ولمّا قرأوا رسالة نسطور إلى كيرلّس، وجدوها معارضة. وانتهى كلّ شيء في يوم واحد(1) مع الحكم التالي: »إنّ الربّ يسوع المسيح، الذي جدّف عليه نسطور، رسم، بهذا المجمع المقدّس، أنّ ذاك المذكور حُطَّ، من الآن وصاعدًا، من كرامته الأسقفيّة، وفُصل من الجسم الكهنوتيّ كلّه«(2). عُزل بطريرك القسطنطينيّة وما حُقّ له الدفاع عن نفسه لأنّ يد السلطة المدنيّة تعاضد السلطة الكنسيّة، فكتب مذكّراته وأنهاها قرب ساعة موته، سنة 451. فكان لنا كتاب هرقليد الدمشقيّ.

 

1- اسم الكتاب وهدفه

 

روى جناديوس ابن القرن الخامس، في كتابه »الرجال العظام« أنّ نسطور »ألّف عددًا كبيرًا من الكتابات حول مسائل مختلفة«(3). وأكّدت لائحة عبد يشوع(4) في ف 20، هذا الكلام ولكنّ ثيودوز الثاني أمر سنة 435 بتدمير كلِّ ما كتبه نسطور بالنار. فانتقلت الكتابات إلى العالم النسطوريّ، وهناك أيضًا ضاع معظمها. فما سلم سوى بضع عظات ورسائل، وخصوصًا هذا الكتاب الذي لا نقرأه إلاّ في السريانيّة.

 

أ- اسم الكتاب

 

حين كُشف هذا الكتاب في القرن التاسع عشر، في مكتبة المرسلين الأميركان، في أورمية، قرأوا العنوان السريانيّ: ت ا ج و ر ت ا: تجارة. فقال أوّل كاشف للكتاب: بازار هرقليد(5). لماذا هذا العنوان؟ لأنّ المترجم السريانيّ قرأ اللفظ اليونانيّ(6) الذي يعني تجارة كما يعني المقال والكتاب.

 

الكتاب مخطوط نُسخ في بلاد فارس، في أورمية، سنة 1558. وكان محفوظًا لدى بطريرك النساطرة، في الكردستان التركيّ. شوّه بشكل خاصّ سنة 1843 حين قتل الأمير الكرديّ بدرخان باي العدد الكبير من الكلدان بحيث هرب الباقون إلى بلاد فارس. من هذا المخطوط الفريد، انطلق أشعيا سنة 1889 وقدّم نسخة لمكتبة المرسلين الأميركان. ومن هذه الأخيرة، كانت نسختان، واحدة لجامعة كمبريدج في إنكلترا، وأخرى لجامعة ستراسبورغ في فرنسا. وكان في يد الأب بول بيجان(7) اللعازريّ، نسخةٌ انطلقت من الأولى وتمّت في فان الأرمنيّة.

 

هذا الكتاب الذي دوّنه نسطور وأنهاه في سنة موته، سنة 451، على ما يبدو، نُقل إلى السريانيّة في أيّام البطريرك بولس (539-540)(8) حوالي سنة 535. بعد سنة 540، درس الراهب النسطوريّ برعدتو (ابن البيعة) الكتاب وحفظه غيبًا. قال: »فرض عليّ مار إبراهام أن أتلو أسفار الكتاب غيبًا. فتلوتُ بعد بضع سنوات العهدين، كما تُتلى المزامير. ثمّ تلوت كتب أبّا أشعيا، أبّا مرقس، مار أوغريس. وأخيرًا، كتاب نسطور الذي هو لهرقليدس، الذي تُرجم مؤخّرًا، في أيّامي، من اليونانيّة إلى السريانيّة«(9).

 

في منتصف القرن السادس، قرأ المؤرّخ أوغريس كتابًا أوّل هو المأساة (تراجيديا). ثمّ تحدّث عن كتاب هرقليد فرآه مسهبًا مكثارًا، وفي شكل حوار بين نسطور وصفرونيوس الذي يبدو رجلاً مصريٌّا. فنسطوريوس يقيم في الواحة(10)، في مصر.

 

إليك ما كتب أوغريس الحمويّ(11) عن هذا الكتاب:

 

»كيف أبعد نسطور، وما الذي حصل له بعد ذلك؟ كيف ترك هذه الحياة، وأيّ عقاب ناله بسبب تجاديفه؟ هذا ما لم يعرفه كاتبو التاريخ. هي أمور منسيّة دمّرها لزمن، فما عاد أحدٌ يسمع بها. غير أنّي وقعتُ على كتاب نسطور الذي يُورد خبر هذه الأحداث(12). إذن، نسطور أبو التجاديف هذا، الذي ما بني بيته على أساس موضوع (لو 6: 48) بل على الرمل. لهذا قُلب هذا البيت حالاً، كما قال الربّ. هو كتب ضدّ الذين اتّهموه بأنّه أدخل جديدًا لا يليق (بالإيمان)، وبأنّه طلب انعقاد مجمع، فأخطأ.

 

»دافع عن تجديفه الخاصّ قال: اقتادته الضرورة بعد أن انقسمت الكنسيةُ المقدّسة قسمين. قال قسم: يجب أن ندعو مريم »أمَّ الإنسان« والآخر: »أمّ الله«. خاف أن يخطأ هذا وذاك، فتُمزج الإلهيّات (بالناسوت) أو تُترك الإنسانيّات (جانبًا). وخاف أن يأخذ برأي حزب فيحكم على الآخر. حينئذٍ تخيّل لفظ »والدة المسيح«(13).

 

»وأضاف أيضًا أنّ تيودوز لم يوافق في البدء على عزله، كرامة له، ولكن حين أُرسل بعضُ الأساقفة من الحزبين إلى تيودوز، في أفسس، سُمِح له، بناء على طلبه، بأن يعود إلى ديره الواقع عند أبواب أنطاكية. ما أعطى نسطور اسم (هذا الدير). ولكن قيل لنا فيما بعد أنّه يُدعى اليوم »الجميل، اللائق«(14). ونخن نعرف حقٌّا أنّه قرب المدينة، ولا يبعد عنها سوى فرسخين. وقال نسطور نفسه إنّه أقام فيه معزَّزًا، مكرَّمًا، إلى أن أبعده إلى »الواحة« قرارٌ جديد أصدره تيودوز(15).

 

وأورد أوغريس الرسالة التي بها أعلم نسطور، حاكمَ المدينة، بأنّ البربر أطلقوه مع سائر الأسرى، فمضى إلى بانوبليس (مدينة بان إله الرعاة، أخميم الحاليّة) لئلاّ يُتّهم بالهرب (من مصر) أو بشيء آخر.

 

هنا يروي الخبر النسطوريّ ما صنعه نسطور من معجزة، بها نجا من الأسر لدى البربر، هو والذين كانوا معه.

 

»حين كان في تلك الأمكنة، أتى البربر(16) مع ملكهم، فأسروا كلَّ هذه المنطقة مع الطوباويّ. وإذ عادوا، وهم يقتادونهم، وجدوا نفوسهم في صحراء تفصلهم عن أرضهم، لا مطر فيها ولا أنهار. فكانوا فريسة العطش وكادوا يموتون. فاقترب بعض الأسرى الذي يعرفون الطوباويّ، إلى الملك وقالوا له: هنا بين أسراك رجلٌ ينعم بحظوة كبيرة لدى الله. فإن صلّى استجيبت صلاتُه حالاً، وهكذا لا تهلكُ أنتَ مع جيشك. فأتى به الملك إليه وقال له: سمعتُ أنّك تستطيع بصلاتك أن تنجّينا من الموت. فإلهك مليء الرحمة ولا يريد موت الإنسان. فصلِّ إليه الآن ليمارس رحمته تجاهنا، فنُحفظ في الحياة.

 

أجابه (نسطور): »كن أنتَ رحيمًا تجاه الأسرى الذين أسرتَ«. قال الملك: »جميع الأسرى هم بين يديك«.

 

»حينئذٍ دعا الطوباويّ إلى الصلاة، وصلّى هو أيضًا إلى الله ليُرسل، في رحمته، ماء يُطفئ عطش البربر، فيعرف قدرته ويُظهرها، ويعيد الحرّيّة إلى الأسرى. وفي الحال، تفجّر فجأة نهرٌ كبير. وهكذا أمّن الطوباويّ نسطور، شرابًا لأسرى عديدين، وافتداهم، وعاد إلى بيته«(17).

 

ونعود أخيرًا إلى اسم الكتاب. في السريانيّة: تجارة هرقليد(18) الذي من دمشق. وضعه مار نسطور(19). وقد يكون الأصل اليونانيّ: كتاب هيرقليد الدمشقيّ(20). هناك أكثر من أسقف اتّخذ هذا الاسم(21). من مصر، ثلاثة أساقفة رافقوا كيرلّس إلى أفسس: تحوميس أو بطليمايس، هيراقلايا العليا، غيائيس أو دمياطة. وهناك هرقليد آخر. كان راهبًا من الإسقيط المصريّ. رسمه الذهبيّ الفم. ولكن اضطهده تيوفيل الإسكندرانيّ. حكموا عليه حكمًا غيابيٌّا في مجمع السنديانة، سنة 401. سجنوه أربع سنوات في نيقوميدية (تركيا). رأى نسطور في هرقليد هذا صورة عنه. أخيرًا، هرقليد هو تلميذ بولس وأوّل أسقف في قبرص، على مدينة تاماسوس(22).

 

ولماذا ارتبط هرقليد هذا بدمشق؟ لأنّ عددًا من الكهنة العبرانيّين، اضطُهدوا فراحوا يختبئون في دمشق. أمّا مترجم كتاب نسطور، فقال مادحًا »معلّمه«: »هو رجل فضيلة وعلم. يقيم بجوار دمشق. عُرف بصراحته وصدق أقواله«. وواصل كلامه: »لماذا أَخذ نسطور هذا الاسم«؟ والجواب: »لأنّه خاف أن لا يقرأه أحد بعد أن كثر المعادون«(23).

 

ب- هدف الكتاب ومضمونه

 

»التجارة« كتاب جدال فلسفيّ، لاهوتيّ، فيه يلعب التاريخ دورًا ثانويٌّا. بعد أن تقبّل نسطور أعمال مجمع أفسس، راضيًا أو مكرهًا، سعى إلى تفسيرها. إنطلق من وجهته الخاصّة، فردّ على الاتّهامات، وأبرز الأخطاء في الإجراءات التي اتّخذت في الحكم عليه. وحدّد موضوع الخلاف بالنسبة إلى كيرلّس، أسقف الإسكندريّة.

 

وبدا الطرح كما يلي: »من الضروريّ أن يكون اتّحاد بين الطبيعتين. ولا يمكن أن يكون الأمر غير ذلك. من أجل هذا، ولأسباب أخرى كان تجسّد ابن الله بالحقيقة: إله حقيقيّ بالطبيعة. إنسانٌ حقيقيّ بالطبيعة. لو وُضعت جانبًا طبيعةٌ واحدة من هاتين الطبيعتين، لكان نقص شيء. فإن لم يكن الله تجسّد، وإن لم يكن تجسّد في إنسان ينتمي إلى الطبيعة البشريّة، لكان التجسّد وهمًا. وهكذا تكون أقوال إبليس صحيحة: رذل المسيحُ من صورته خليقته (أي طبيعته البشريّة) لأنّها محتقرة. وبالتالي لن يكون لنا درس في التواضع والطاعة والتنازل«(24).

 

إذن، الطرح الأساسيّ، هو على مستوى الجسد، وعلاقة الطبيعتين البشريّة والإلهيّة بالأقنوم الواحد، فما الذي يقوله نسطور؟

 

انطلق كيرلّس من قانون إيمان نيقية وشرع يفسّره، لأنّه اعتبر أنّ الخلاف يُحلّ على الأساس الذي أعلنه الآباء باحتفال، في المجمع المسكونيّ الأوّل. وها نحن نورد رسالة كيرلّس الإسكندرانيّ الثانية التي أرسلها إلى نسطور:

 

»فنحن لا نقول إنّ طبيعة الكلمة صارت جسدًا بعد تحوّل، ولا هي تحوّلت إلى إنسان كامل، مؤلَّف من نفس وجسد، بل الحريّ هذا: إنّ الكلمة باتّحاده بحسب الأقنوم بجسد تحييه نفسٌ عاقلة، صار إنسانًا على وجه لا يُوصَف ولا يُدرَك، وسُمِّي ابن البشر، لا بمجرّد الإرادة والمشيئة، ولا لكونه اتّخذ فقط شكله. ونقول إنّ الطبيعتين المجموعتين في وحدة حقيقيّة هما مختلفتان، ومن الاثنتين نتج مسيحٌ واحد، وابن واحد، لا لأنّ اختلاف الطبيعتين أزيل بالاتّحاد، بل بالحريّ لأنّ اللاهوت والناسوت كوَّنا لنا الربّ الوحيد المسيح الابن، بائتلافهما في وحدة لا توصَف ولعُجِز البيان.

 

»فليس هو إنسانًا عاديٌّا وُلد أوّلاً من العذراء القدّيسة، ثمّ نزل عليه الكلمة من بعد، ولكن يُقال عنه إنّه كان متّحدًا بناسوته منذ (الحبل به في) البطن، وتقبُّل الولادة الجسديّة، إذ اتّخذ ولادة جسده الخاصّ… وهكذا تجرّأوا (الآباء القدّيسون) على تسمية العذراء القدّيسة أمّ الله، لا لأنّ طبيعة الكلمة أو لاهوته نالا وجودهما من مريم العذراء، بل لأنّه منها وُلد جسدُه المقدّس تحييه نفس عاقلة. هذا الجسد الذي اتّحد به الكلمة بحسب الأقنوم. ولهذا يُقال: وُلد بحسب الجسد«(52).

 

نقرأ في هذا الكلام النابع من العهد الجديد ومن إيمان نيقية، تعبيرًا جديدًا في لغة ترتبط بالمضمون. ما قاله يوحنّا الإنجيليّ ونيقية، يُفهم بهذه الطريقة في لغة حضاريّة يونانيّة: لا يتحوّل الكلمة إلى بشر ولا إلى إنسان. بل يتحدّث الكلمة »بحسب الأقنوم« أي على مستوى فعله الملموس بأن يقوم أو يُوجَد، في بشريّة كاملة. تمّت وحدةُ المسيح في أقنوم الكلمة، بحيث يكون هناك شخص واحد، لا اثنان. والكلمة يأخذ على عاتقه شكلاً جديدًا من القيام والوجود، شكلاً بشريٌّا. فالبشريّة ليست شيئًا يمتلكها، بل يكوّنها. وعلاقة أقنومه بطبيعته البشريّة، في نظام علاقته بطبيعته الإلهيّة.

 

رفض كيرلّس وحدة بحسب الرضى أو المشيئة. كما رفض وحدة في الشخص، الشخصيّة، التشخّص الذي يميّز الواحد من غيره بصفات خاصّة(26). هكذا اعتبر أنّه يجب أن يقرأ نصّ نسطور. مثل هذه الوحدة غير كافية لتدلّ على وحدة المسيح. وبيّن أيضًا أنّ هذه الوحدة تراعي اختلاف الطبيعتين(27).

 

وأخذ نسطور بأسلوب كيرلّس، فعاد إلى نصّ نيقية وربطه بالنشيد الكرستولوجيّ في فل 2: 6-11: ذاك الذي هو في صورة الله، صار في صورة الإنسان، صورة عبد طائعٍ حتّى الموت على الصليب.

 

»في كلّ موضع من الكتاب الإلهيّ، عندما يتكلّم على تدبير الربّ، لا يقدّم الآلام والولادة كأنّها للاّهوت، وإنّما لناسوت المسيح، بحيث إنّ العذراء القدّيسة يجب أن تُدعى بتسمية أدقّ أمّ المسيح، لا أمّ الله«(28).

 

نعود هنا إلى مقدّمة المترجم السريانيّ، الذي بدا متحمّسًا لنسطور قال: »واجهتَ (يا نسطور) أتعابَ سفر طويل من الشرق إلى الغرب، لكي تنير النفوس الغارقة في ظلمات الضلالة المصريّة(29)، والضائعة في دخان تجاديف أبولينار. ولكنّ الناس فضّلوا الظلمة على النور، لأنّ عيون فهمهم أظلمتها نظرات شخصيّة… رفضوا أن يُطيعوا فكُشِف ضلالُهم«.

 

وتهيّب المترجم أمام المهمّة الصعبة. ولكنّه تابع كلامه: »باتّكال تامّ على قوّة صلاتك، استعدَّتْ حقارتي لترجمة الكتاب من اليونانيّة إلى السريانيّة، وإذ أرجو عون الله الحيّ على لساني وفي أفكاري، أبدأ بكتابة ثمانية فصول، لتعرِّف بروح الكتاب«.

 

وتوقّف عند الهدف. »إليك الهدف الذي رمى إليه صاحبُ الكتاب: انجذب كثيرون بالناس وحبّ الغنى، فسقطوا في هوّة الاتّهامات والبغض. تعلّقوا بالأشخاص، فاستحقّوا ما قال النبيّ: »ويل للذين يدعون الشرّ خيرًا« (أش 5: 20). توخّى نسطور أن يدوِّن هذا الكتاب ليكون دواء يشفي النفوس المكتئبة من هذه الشكوك، والغارقة في أعماق الشرّ. في الحقيقة، كبيرًا كان الانشقاق الذي أدخله إبليس في الجسم المسيحيّ للكنيسة المقدّسة، بحيث أضلّ المختارين لو استطاع (مت 24: 24). إذن، كان هذا الدواء ضروريٌّا جدٌّا، ليُصلح أمراض العقل ويشفيها. ذاك هو هدف الكتاب«.

 

هناك أناس يتبعون كيرلّس لأغراض شخصيّة. ويفضّلون الظلمة على النور. نسطور هو النور. هذا ما يقوله أو يشير إليه منذ بداية أسقفيّته. حين انتقل من أنطاكية إلى القسطنطينيّة، وكان شارحًا للكتاب المقدّس في ديره، نوى أن ينير أهل العاصمة، ويبدّل في حياتهم وفي سلوكهم. فيوم رُسم أسقفًا في 10 نيسان 428، وصعد المنبر للمرّة الأولى، وجّه إلى الإمبراطور هذه الكلمات: »أعطني، سيّدي، مملكتك منقّاة من الهراطقة، فأعطيك ملكوت السماوات. أعطني السلطان على الهراطقة، وأنا أُخضع لك الفرس الذين يحاربونك«(30). وأتبع القول بالعمل: أحرق كنائس الأريوسيّين، ومعها عددًا من البيوت المجاورة، وذلك بعد رسامته بخمسة أيّام. وافتخر بأنّه صبر على الهراطقة وأطال أنّاته(31).

 

وما اكتفى بالعمل على مستوى العقيدة ووحدة الكنيسة، بل راح أبعد من ذلك: »ألغى الملاعب والمسارح، ومنع الصراخ والغناء والرقص والتسليات التي أحبّها الرومان وتعلّقوا بها. لهذا أبغضته المدينة، بانتظار أن تعاديه بولخيريا، شقيقة الإمبراطور تيودوز الثاني. وهي أثارت عليه أخاها، كما ساندت كيرلّس الإسكندرانيّ(32).

 

في مثل هذا الجوّ حُكم على نسطور، ولم يمضِ على أسقفيّته ثلاث سنوات. وما سُمح له أن يدافع عن نفسه، فجاء الحكم قاطعًا. وكان الأعداء تزايدوا عليه، بعد أن دُفع الإمبراطور فأصدر، في 30 أيّار 428، قرارًا بإبعاد الأريوسيّين والماقيدونيّين والأبوليناريّين والأونوميّين… أمّا المانويّون، فأُسلموا إلى العذاب. والرهبان عادوه أيضًا لأنّه منعهم من زيارة البيوت والوقوف في الساحات العامّة. والنساء منعهنّ من الذهاب إلى صلاة الليل مع الرجال(33).

 

وتحدّث المترجم عن فائدة الكتاب. »أظنّ، بادئ ذي بدء، أنّ الهدف من هذا الكتاب، تقديم الفائدة الروحيّة للقارئ. فتجاه الحكم الذي يعلنه الذين يضايقون البار ويحكمون عليه، ويبرِّئون المذنب (أش 5: 23)، هو ينير عيوننا حول التجسّد الذي هو النظريّة(34) الرئيسيّة الحقّة حول اللاهوت. هكذا نبتعد عن تجاديف على الطبيعة الإلهيّة والتدبير(35). وهكذا ننقاد إلى المعرفة بفضل مراحمه الكثيرة. ولئلاّ نطيل خطابنا حول المنافع الكبرى التي نقتطفها من هذا الكتاب، يكفي أن نقول بإيجاز: إنّه يقتلع الشوك ويُنمي الزرع (لو 8: 7)(36).

 

وقبل أن نتعرّف إلى الألفاظ التي استعملها نسطور، وندرس فكره مع رأينا الخاصّ فيه، نقدّم الفصل الأوّل حول »الهرطقات والانشقاقات« مع توطئة في البداية:

 

»أرى أنّه ينبغي على من يريد البحث عن الحقيقة بنشاط، أن لا يركِّب خطبته بأفكار مسبقة، بل أن يضع نصبَ عينيه كلّ ما يعارض الحقيقة ويناقش. فالعارفون بالذهب يقابلون هذا بذاك، فيرون الفرق بين الذهب الصالح والأقلّ صلاحًا..(37). كثيرون يختارون الشرّ بدل الخير، والكذب بدل الحقّ، لأنّ الأمرين متساويان في نظرهما. وهكذا يفضّلون القتال مع الآخرين على إثبات الحقيقة. بما أنّ كثيرين يختلفون حول المسيح ولا يتّفقون على اسمه، وآخرين يجادلون حتّى في اسمه، استحسنّا أن نعرض أوّلاً رأي كلٍّ من الهرطقات حول المسيح، لكي يُعرَف الإيمانُ الحقيقيّ حين نقابله بالهرطقات، بحيث لا نعثر في هرطقة، ونسقط في أخرى، مثل أناس لا يرون«(38).

 

وترد لائحة بالهرطقات بشكل سؤال وجواب:

 

أ- لماذا لا يقول الوثنيّون إنّ المسيح هو الله؟ بسبب العذابات الجسديّة والصلب والموت. ويقولون: المعجزات مضلِّلة. هم شيع عديدة، ولكنّهم وثنيّون.

 

ب- لماذا لا يعترف به اليهود أنّه المسيح؟ بسبب الصلب والموت. وهم ينتظرون مسيحًا سوف يستقبلونه في مجد عظيم وفي القدرة.

 

ج- لماذا لا يقول المانويّون إنّ المسيح هو إنسان أيضًا بطبعه، بل فقط إله؟ بسبب المعجزات. أمّا البشريّ فيه فهو في الظاهر، في المخيّلة، لا في الطبيعة.

 

د- لماذا يعلن البولينيوّن(39) والفوتينيوّن(40) إنّ ربّنا المسيح هو فقط إنسان، لا إله أيضًا؟ بسبب ولادته وموته. ونسبوا إليه معجزات كما لواحدٍ من القدّيسين.

 

هـ- لماذا لا يُقرّ الأريوسيّون بأنّ المسيح إله كامل، مستقلّ، (ولا يقرّون) بأنّه إنسان، بل نصف إله ونصف إنسان؟ بعضهم يرى فيه نصف إله ونصف إنسان مع جسد لا نفس فيه وألوهيّة مخلوقة، ويجعلونه أدنى من الإنسان لأنّ لا نفس له. ويجعلونه أدنى من الإله حين لا يقولون: إنّه لا مخلوق ومستقلّ. أمّا في ما يخصّ التجسّد والولادة من امرأة، والموت، ما يخصّ الأمور البشريّة، فيظنّون إنّه صار إلهًا، يمزجون الصفات الإلهيّة والصفات الإنسانيّة، ويجعلون تجسّده لا في سلطانه، بل في أمر ملزِم. فيقولون: الاتّحاد بالبشريّ وصل إلى طبعه«(41).

 

2- مضمون الكتاب ولاهوته

 

أ- من التيوتوكس إلى تبادل الصفات

 

حين صار نسطور أسقف القسطنطينيّة، سنة 428، اكتشف الجدال حول لقب »تيوتوكس« والدة الإله(42). فما هو الذي حرّك المسألة، بل الجدال قاده لكي يكون الحكم. ونوى أن يكون على مسافة واحدة بين الأفرقاء. هناك ضلال، سواء قيل إنّ مريم هي أمّ الإنسان، أو أمّ الإله. وبما أنّه ذاك المضطهد المندفع(43) على الهرطقة من كلّ نوع، دخل في حرب لم يمتلك من أجلها الوسائل اللاهوتيّة الكافية(44). تضمّنت هذه الحرب ردًا على هرطقات حقيقيّة أو مفترضة. فكأنّي به يرى الهرطقة في كلّ مكان ويريد أن يقتلها كما الزؤان في الحقل. كما تضمّنت دفاعًا عمّا يُقال ضدّ شخصه من نميمة وافتراء(45). في هذا الإطار، أراد أن يقدّم تعليمه الذي لبث هو هو ولم يتغيّر(46). قال هو بنفسه إنّه لم يتبدّل، وذلك أكثر من مرّة(47).

 

وجّه نسطور ملاحظاته إلى الأريوسيّين الرافضين لاهوت الابن، والأبوليناريّين(48) القائلين بأنّ اللوغس (الكلمة) حلّ محلّ النفس العاقلة في التجسّد. وجعل مع الفئة الثانية كيرلّس أسقف الإسكندريّة. لاحظ نسطور، وكان على حقّ في ذلك، أنّ الأريوسيّين والأبوليناريّين الذين يُلغون النفس في المسيح، يعطون مدلولاً خاصًا للقب »تيوتوكس«. ففي الكرستولوجيا التي يقدّمون، يدخل اللوغس في اتّحاد فيزيكيّ وطبيعيّ مع البشريّ، ويلتزم بكلّ ما يحصل للجسد، مثل الولادة والعذاب والموت. سعى الأريوسيّون إلى نشر لقب »والدة الإله« لتكون لهم المناسبة بأن يهاجموا لاهوت المسيح(49). أمّا المخرج الوحيد الذي وجده نسطور، فهو إلغاء هذا اللقب. ولكنّه حين فعل ذلك، دخل في صراع مع الحقيقة التاريخيّة والكرستولوجيّا الأرثوذكسيّة.

 

هنا نورد بعض ما جاء في كتاب هرقليد مع عبارة أساسيّة: »تشخّص (أو شخصُ) اللاهوت هو الناسوت. وتشخّصُ الناسوت (هو) اللاهوت«(50). ثمّ توسَّع نسطور: »كان الاتّحاد للتشخّص (أو الشخص) هو للاثنين معًا، من أجل تشخّص اتّخذ جسدًا، شبه (د م و ) عبد، وبه تكلّم، علّم، عمل، اشتغل. أعطى شبهَه شبهَ عبد، وعن هذا الشبه تكلّم كما عن شخصه ولاهوته…

 

»ما كانت وحدة الطبيعتين من دون إرادة وعقل، كما قال آريوس وأبولينار، بل (وصلت) إلى الشخص وإلى تدبير (التجسّد لأجلنا)، وإلى وحدة صورته وشبهه، كما في وحدة طبيعتنا التي من نفس وجسد. لم ينقصه سوى الخطيئة. هو ما سلَكَ من أجل اللاهوت، بل ليجعله اللاهوت يقاوم الخطيئة ويُتمّ كلّ فرائض الشريعة(51) والممارسات الرئيسيّة ليبدو بلا ذنب في اختيار الواجب والعمل به. هو الذي بلا خطيئة، سُلّم للموت من أجلنا، البارُّ بين الأشرار (1 بط 3: 18). فما هو هذا النصر؟ وما هذا التساوي في المجازاة لأعمال الله والإنسان؟ فالموجِّه يتّحد بالأقنوم بحيث يشارك في الحياة وفي الأعمال، ويُدركه الموت. فالأعمال والموت والقيامة هي من الموجِّه ومن الموجَّه. أو أنّ الله يبقى في طبيعته، كما كان في الطبيعة بلا خطيئة، أو أنّ أعمال المسيح تتمّ في الغشّ، لأنّ الله الكلمة تصرّف مثل إنسان«.

 

بدأ نسطور فاعتبر تعليم كيرلّس وتلاميذه، تعليمَ الأبوليناريّة. ثمّ هاجم التعليم التقليديّ حول »تبادل الصفات«(52) الذي عبّرت الكنيسة بشكل خاصّ، في لقب »والدة الله« وفي عبارة »الإله المتألّم«. لا يُلام نسطور لأنّه فسَّر عبارة كيرلّس تفسيرًا أبوليناريٌّا: طبيعة واحدة للكلمة المتأنّس(53). فنحن نعرف أنّ كيرلّس أخذ هذه العبارة القاطعة من »حيل الأبوليناريّين«(54). فهمَ كيرلّس هذه العبارة فهمًا أرثوذكسيٌّا. ولكنّ هذا الفهم لم يحمها من تفسير هرطوقيّ. وكانت عبارات أخرى لدى كيرلّس قد تُفهَم بصعوبة. هذا ما نقرأه في رسالة أرسلها نسطور إلى تيودوريه(55):

 

»فماذا يقول كيرلّس؟ إن لم يُفهم تميّزُ الطبيعتين اللتين منهما (كما نقول) تتمّ وحدة لا توصَف، فالعبارة »اللتين منهما« تبدو وكأنّه يتكلّم عن طبيعتي الربّ، في هذه الحالة وتلك، وكأنّهما جزءان انضمّا فصارا جزءًا واحدًا. إذن، ما وجب عليه أن يقول »اللتين منهما«، بل »تتمّ« وحدة لا توصَف. فهذه الوحدة التي لا تُوصَف، لا تتمّ انطلاقًا من طبيعتين، بل هي وحدة طبيعتين، وحدة لا توصف«(56).

 

رَذل مجمعُ خليقيدونية عبارة »اللتين منهما« وأخذ حلاٌّ مشابهًا لما قال نسطور.

 

ولكن هذا يجب أن لا ينسينا أنّ نسطور الذي رفض لغة الإسكندريّة، رفض في الوقت عينه العبارة التقليديّة، تبادلَ الصفات. لهذا اصطدم بلقب »تيوتوكس« و»الإله المتألّم«. هذا يعني أنّه جعل نفسه معارضًا للكرستولوجيّا الأرثوذكسيّة.

 

سبق وذكرنا ما قال نسطور عن إيمان نيقية في ردّه على كيرلّس. فإعلان الإيمان هذا لا يمكن أن يتمّ بدون تبادل الصفات. هو ينسب إلى شخص واحد وحيد، هو الربّ الأزليّ والابن، صدورًا أزليٌّا من الآب، وولادة زمنيّة في التجسّد. وبالتالي، الولادة، الألم، القيامة، ومسيرة يسوع كلّها على الأرض. فهذا »الوحيد« هو الابن، بقدر ما يقوم في اللاهوت.

 

يشدّد قانون الإيمان النيقاويّ على العلاقة بين الآب والابن في الألوهيّة. وبعد ذلك، كان كلام عن »النزول« في التجسّد. وهكذا فإنّ »اللوغس« هو الشخص الواحد في سلسلتين من الأقوال تضمّ عنصرين اثنين: العنصر الإلهيّ والعنصر البشريّ. فأحداث التجسّد الزمنيّة تُنسَب أيضًا إلى الابن الأزليّ.

 

ما فهم نسطور تبادل الصفات، فاعتبر أنّ هذا المدلول يتضمّن أمورًا خاطئة بسبب معترضاته. لهذا تحاشى الكلام عن »لوغس« وفضّل أن يقول »المسيح«، أو »الابن« أو »الربّ«. هذه الألقاب، في نظره، تقدّم شخصًا يتضمّن الصفات الإلهيّة والصفات الإنسانيّة.

 

»بدأت في عرضك بخالق الطبيعتين لا بتشخّص (ف ر ص و ف ا) الوحدة. ليس اللوغس صار اثنين. بل يسوع المسيح الربّ الواحد الوحيد هو اثنان في طبيعتيه. ففيه جميع تميّزات الله الكلمة، الذي يمتلك طبيعة أزليّة لا تخضع للألم والموت، وجميع تميّزات الوحدة والتميّز«(57).

 

وأعلن نسطور بصريح العبارة ما يتعلّق بإيمان نيقية: »لاحظْ أنهم حين يجعلون (الآباء) »المسيح ليدلّوا على الطبيعتين، فهم لا يقولون أبدًا أولاً: \’\’نؤمن بالإله اللوغس الوحيد\’\’، بل يختارون اسمًا يصوّر (الطبيعتين) الاثنتين«(58).

ب- الألفاظ الأساسيّة

 

كان اهتمام نسطور الأكبر أن يؤمّن التمييز الواضح بين الطبيعتين تجاه الميول المهرطقة في أيّامه، سواء كانت حقيقيّة أو مفترضة. فكتب: »تذكّروا، في كلّ النقاط، الألفاظَ العديدة التي فيها ميّزتُ بين طبيعتي الربّ يسوع«(59). ولكنّ التمييز بين الطبيعتين يبقى سهلاً في المسألة الكرستولوجيّة. والصعب هو تفسير الوحدة التي أراد نسطور أن يحافظ عليها: مسيح واحد. ابن واحد،، ربّ واحد. افترض نسطور هذه الوحدة، وما شكّ فيها لحظة واحدة. لكنّه طلب أساسًا لهذه الوحدة.

 

هنا نرفض القائلين بأنّ نسطور يريد »القسمة« مهما كانت الظروف. فقد اقترب، دون أن يدري، من تبادل الصفات. قال: »أقول هذا لأبيّن لكم الرباط الوثيق بين اللاهوت وبشريّة الربّ المنظورة في الطفل. (فالشخص) عينه هو في الوقت نفسه، الطفل وربّ الطفل«(60).

 

قبل أن نتابع موضوعنا في التعرّف إلى نسطور، لا في ما نقل عنه معادوه، بل في ما قاله هو، في »تجارة هرقليد« أو في الرسائل والعظات، نورد الكلمات التي كانت موضوع جدال.

 

»الجوهر« (؟؟؟؟؟). يقابل اليونانيّة .؟؟؟؟؟ يرتبط بفعل ؟؟؟؟ على مستوى الجذر. الجوهر، الذات، الماهيّة، الكينونة. نقدّم هنا عبارة وردت في كتاب نسطور (252): »يبقى جوهرُ (؟؟؟؟؟) شبه (؟؟؟؟؟) الله، وجوهر شبه العبد في أقنوميهما«.

 

»الأقنوم« هو في السريانيّة :؟؟؟؟؟ الأقنوم، الأصل، الشخص، الذات، الماهيّة. قال مثلاً أفراهاط: »الشمس التي رأيت، ما ماهيّتها، ما حقيقتها. قد يرتبط ؟؟؟؟؟ بالعربيّة: قام. وقف على قدميه، أو السريانيّة :؟؟ شيّد، ثبّت، كوّن، ساند. هو يقابل upostasiV الأساس، القاعدة، الجوهر. حرفيّا: ما يقف تحت. ما يُسند. نلاحظ هنا أنّ الكلمة السريانيّة لا توافق معنى اللفظ العبريّ. ؟؟؟؟؟ يدلّ على الشخص. أقنوم الابن. أمّا اللفظ اليونانيّ فيرتبط بالجوهر ويلتقى مع :؟؟؟؟؟ الجوهر والعنصر والذات والطبيعة. ومن هنا جاء الفعل :؟؟؟؟؟؟ أخذ طبيعة. وتَرافق مع ؟؟؟؟؟ فرادفه.

 

ويبقى لفظ ؟؟؟؟، الكيان، الطبيعة، الذات، الجوهر. في اليونانيّة jusiV. نقول طبيعة الصخر، طبيعة النبات، طبيعة الإنسان. يعود ؟؟؟؟ إلى فعل :؟؟؟ كان. وفي التعدّي: كوّن، صوّر، هيّأ، سوّى. يُقال: كيان المخلوقات. أو كلّ الكيانات.

 

ونقـرأ بعـض ما تركـه نسـطور: »ما صنع بلا شخـص ولا أقنـوم الطبيـعةَ (؟؟؟؟ الإنسانيّة، ولا الإلهيّة« (302). اثنان »؟؟؟؟؟ « الذي لبس والذي لُبس (304). صار »الشخص، المشخَّص« يقابل الطبيعة. وهكذا لم يكن تميزٌ بين upostasiV وبين prosorpwn وأيضًا: لا طبيعة (؟؟؟؟) بدون شخص (؟؟؟؟؟؟) . وأيضًا: لا شخص بدون جوهر« (؟؟؟؟؟) (425).

 

في هذا الإطار، قال نسطور في »تجارة« (252): »فالوحدة هي للشـخص، لا للطبيعة. لا نقول وحدة الشـخص (؟؟؟؟؟؟)، بل (وحدة) الطبيعتين. ففي الوحدة، ليس سوى شخص. ولكن، في الطبيعتين آخر وآخر. وهذا يسري الشخص على الكلّ. فمن أجل شخصه اتّخذ جسدًا، شبهَ العبد. وعن هذا الشبه تكلّم كما عن شخصه وعن اللاهوت. الشخص (؟؟؟؟؟؟) مشترك، واحد، وهو هو. وشبه العبد يخصّ اللاهوت. وشبه اللاهوت يخصّ الناسوت. الشخص واحد، وهو هو، لا الجوهر. فجوهرُ شبه الله وجوهرُ شبه العبد يبقيان في أقنوميهما«(61).

 

ويتابع نسطور (302): »ما الغريب الذي تسمعونه في أقوالي لكي تحكموا عليّ؟ لقد أوردتموها. فذاك يستعمل اسم ابن، وهذا مخلّص، وأثناز ربّ أتى من مريم(62). فكيف تجرّأ الذين يُدعَون مسيحيّين أن يقسموا، إذا كان هذا الربّ الذي وُلد من مريم هو ابن الله الآب بالجوهر (؟؟؟؟؟) والطبيعة (؟؟؟؟) ولكن وُلد في البشريّة (؟؟؟؟) ، من نسل داود؟ فالبشريّ هو من العذراء مريم. وأنت تعرف أنّها طبيعة إنسانيّة تلك التي من العذراء مريم. بالطبيعة وبالجوهر هو ابن الله، في طبيعة الله الآب وفي جوهره. ولكن في البشريّ، طبيعة مريم الإنسانيّة«.

 

وكتب نسطور إلى أصدقائه يقول لهم: »أسألكم وأتوسّل إليكم أن تسهروا في كلّ مكان وتهتمّوا بأن لا يتّهمني (كيرلّس) بأنّي أجعل قسمين. بأنّي أقسم اللاهوت عن الناسوت، على مثال ما ينفصل شيء عن آخر بالمكان. فالذي يلبس ثوبًا كيف ينفصل عنه؟ والخفيّ كيف ينفصل عن المنظور«؟(63)

 

ما نستنتج من هذه النصوص هو محاولات نسطور للحفاظ على الوحدة مهما كان الثمن. وفي الوقت عينه، هو يهتمّ بأن لا يمزج الطبيعتين الإنسانيّة والإلهيّة. فلو ذابت مثلاً الطبيعة الإنسانيّة في الطبيعة الإلهيّة. لوصل إلى المونوفيسيّة. اقترب كما قلنا من »تبادل الصفات«، ولكنّ هذا المدلول بقيَ غامضًا بعض الشيء بالنسبة إليه. لهذا حاول التهرّب من عبارة »والدة الله«، لأنّ الله لا أمّ له ولا أب. وتحدّث عن والدة المسيح الذي هو الإنسان الذي حمل الخلاص إلى البشريّة في سرّ الفداء. لا شكّ في أنّ المسيح هو الإله والإنسان، كما قال بطرس في اعتراف إيمانه(64)، ولكن إن شكّكت عبارة »والدة الله البعض، فعبارة »والدة الإنسان« شكّكت البعض الآخر. فلا بدّ من حَكَمٍ يفصل بين الاثنين ويحافظ على وحدة الكنيسة.

 

أراد نسطور أن يكون هذا الحَكَم، وبطريقة العنف والقوّة، فتهرّب من »تيوتوكس« و»أنتروبوتوكس«، وتطلّع إلى قاسم مشترك »خرستوتوكس«، والدة المسيح. غير أنّ هذه الوحدة في التفكير، أماءت إلى التعبير اللاهوتيّ. وهكذا توسّع الخلاف بحيث طلب نسطور نفسُه بأن ينعقد مجمع بسلطان الإمبراطور(65). وكان متأكّدًا أنّه على حقّ، فقال مرّة إنّ الأكثريّة معه. في الواقع، لم يكن معه سوى عشرين أسقفًا. وإذ فتح عينيه ورأى مئتي أسقف في الجهة المقابلة، رفض الحضور إلى أفسس، مع أنّهم طلبوا منه ثلاث مرّات. واعتبر المجمعَ لا مسكونيٌّا، وقابل نفسه مع أوستات الأنطاكيّ وكيرلّس الإسكندرانيّ ويوحنّا الذهبيّ الفم(66).

 

ج- المسيح عند نسطور

 

نبدأ فنورد نصًا من النسطوريّات، يجعلنا جدّ قريبين من خلقيدونية »واحد، وهو هو«(67). هو في الطبيعة اللامخلوقة، وفي الطبيعة المخلوقة. لذلك فالذي عُرف على أنّه مسيح واحد في طبيعتين، الإلهيّة والإنسانيّة، المنظورة واللامنظورة، يُشرف على الدينونة الأخيرة… فوحدة الابن لا يمسّها تميّز الطبيعتين. وكما أنّ الجسد الفاني هو شيء، والنفس الخالدة شيء آخر، مع أنّ الاثنين يكوّنان إنسانًا واحدًا، كذلك (هو واحد) من مائت ولا مائت، من فانٍ ولا فانٍ، فما هو خاضعٌ لبدايةٍ ولطبيعة لا بداية لها. هذا يعني أنّي أعترف بالله لوغس شخص (؟؟؟؟؟؟) الابن الواحد(68).

 

لاحظنا هذه المقابلة المعروفة بين النفس والجسد في الإنسان، وهي تلك التي انطلق منها أريوس وأبولينار للكلام عن المسيح. فنقطة الانطلاق عند نسطور تعليم تقليديّ، سوف نقرأه أيضًا في كتاب هرقليد:

 

»ليس التجسّد بالنسبة إلينا شيئًا ناقصًا، بحيث ننسب البشريّ إلى الله، كما يقول الأريوسيّون: تألّمَ آلامنا في الطبيعة: في طبيعته (؟؟؟؟) وفي شخصه (؟؟؟؟؟؟). وما أفاده البشريّ في شيء. ولكن بما أنّ الناسوت يُعتبَر كلّيٌّا مثل طبيعة الإنسان، فه يمتلك كلّ الامتلاك (ملكات) الإنسان الفاعلة والمنفعلة، كما اعتادت الطبيعة البشريّة أن تمتلكها« (302-303)

 

ويواصل كلامه في ص 425 متوجّها إلى كيرلّس: »لماذا تقول: طبيعة الله الكلمة، لا طبيعتان متّحدتان؟ لماذا لا تجرؤ أيضًا أن تقول إنّ منهما ينتج الله الكلمة كما قلتَ، إنّه ينتج ابنٌ واحد؟ لنقل كما تقول إنّنا نقبل في عقلنا فكرة طبيعتين نعتبرهما متّحدتين، فقُل الشيء عينه عن الله الكلمة: بيدِ (الطبيعتين) الإله الواحد الكلمة هو اثنان. أمّا أنا فأقول في خطّ الكتب والتعاليم الإلهيّة: طبيعتان متّحدتان. الإله الكلمة يدلّ على الطبيعة (؟؟؟؟) والابن على الشخص (؟؟؟؟؟؟). ولكنّه إله واحد وكلمة. هكذا يدلّ »الله« على الطبيعة ويدلّ »الآب والابن والروح القدس« على الشخص (؟؟؟؟؟؟). لهذا فاللاهوت واحد، والأشخاص ثلاثة، أي الله الآب، الله الابن، الله الروح القدس. فالشخص (؟؟؟؟؟؟) ليس بدون الجوهر (؟؟؟؟؟) . وكذلك في المسيح طبيعتنان. واحدة من الله الكلمة. والثانية من الناسوت. وشخص ابن يستخدمه الناسوت أيضًا وشخص إنسان يستخدمه اللاهوت أيضًا«.

 

أترى هناك شخصان، شخص الناسوت وشخص اللاهوت؟ ونستطيع أن نقول في لغة اليونان: هل هناك أقنومان اثنان في المسيح الكلمة، بحيث تنفصل الطبيعة البشريّة عن الطبيعة الإلهيّة فيقال حينئذٍ إنّ مريم هي أمّ يسوع، أم المسيح، لا أمّ الإله؟ لم يكن »الشخص« (؟؟؟؟؟؟) محدّدًا كلّ التحديد تحاه »الأقنوم« (؟؟؟؟؟)

 

هنا ترك نسطور الخطّ التقليديّ، واتّخذ طريقًا خاصّة به، حين حاول أن يقدّم شرحًا إيجابيٌّا لوحدة الإله والإنسان في المسيح. فمن هو »مسيح نسطور«؟ اتّخذ المقاربة الأنطاكيّة التي تشدّد على الطبيعتين وحاول أن يمحّصها ويهذّبها. ولكن برزت الصعوبة: لم يكن أمام طبيعتين مجرّدتين، طبيعتين ترتبطان بالواقع الملموس، بل أمام طبيعة بشريّة فرديّة، ملموسة، وأمام لاهوت قائم في اللوغس. فاللاهوت والناسوت في المسيح واقعان ملموسان. وإذ أراد أن يصوّرهما استعمل ألفاظ »جوهر« (؟؟؟؟؟) »طبيعة« jusiV) »أقنوم« ؟؟؟؟؟؟؟ upostasiV).

 

كيف يتمّ الاتّحاد في الطبيعتين؟ في عمل »ضمّ«(69) في وحدة الشخص. في هذا الإطار، هنّأ نسطور كيرلّس لأنّه توصّل إلى »تمييز الطبيعتين في الإلهيّ والإنسانيّ، وإلى ضمّهما في شخص (؟؟؟؟؟؟) واحد«(70). لماذا تهرّب قدر الإمكان من »اتّحاد، وحدة« enwsiV المرتبطة بالرقم واحد، لأنّه أراد أن يتهرّب من عبارة أبولينار: طبيعة واحدة.

 

إن استعمل نسطور لفظًا آخر، هل يكون هرطوقيٌّا؟ هذا ما قاله بعضهم(71)، وإنّ اعتبر أنّ التفسير الأرثوذكسيّ معقول جدٌّا. فنحن نجد لفظ sunajeia عند عدد من الآباء المستقيمي الإيمان. وما اتّهمهم أحد، ولكنّ الاتّهام وقع على من حكم عليه مجمع أفسس. أراد أن يجمع موقفين متعارضين، فلا كان مع هذا ولا مع ذلك، فاتّخذ طريقًا لم يتبعه فيها أحد. ولكن يبقى أن تعليم نسطور يذكر »شخصين« متميّزين (؟؟؟؟؟؟) في المسيح(72).

 

يبقى أنّ sunajeia لم يجد بعدُ تحديده الفلسفيّ عند نسطور، لكي نكتشف إن كنّا أمام وحدة عارضة في المسيح، أم وحدة عميقة، جوهريّة. من أجل هذا، حاول، بإضافات مختلفة، أن يبيّن نوعيّة هذه الوحدة. وأفضلها تلك التي أوردناها حول وحدة الشخص prosopwn، حول وحدة المشخِّص.

 

ماذا يعني prosopwn قبل خلقيدونية؟ لا يدلّ على الأقنوم، بل على ظاهر الإنسان غير المنقسم، على ما يُرى منه(73). كلّ طبيعة (jusiV) لها مشخِّصها الخاصّ prosopwn، لها سماتها الخاصّة، لها ظاهرها الخاصّ بحيث تتميّز في فرديّتها. المشخِّص هو النقطة الأخيرة في تحليل طبيعة ملموسة. هو يتوقّف عند السمات الفرديّة وينسب إليها دورًا خاصٌّا في تفسير وحدة المسيح(74).

 

ارتبط مفهوم prosopwn عند نسطور بالكتاب المقدّس وبالمقاربة بين jusiV و upostasiV عند الكبادوكيّين. عاد إلى الرسالة إلى فيلبّي (2: 5-8) مع كلام عن »شكل الله« و»شكل العبد«، فيُضع نسطور كلامًا في فم المسيح »الابن الوحيد« (لا اللوغس): »إذ كنتُ في شكل الله، لبستُ شكل العبد. ومع أنّي الإله الكلمة، فأنا منظور في اللحم (؟؟؟؟، الوجه البشريّ). ومع أنّ لي سلطانًا على كلّ شيء، آخذُ على عاتقي مشخِّص prosopwn المسكين، من أجلكم. مع أنّي أجوع بشكل منظور، فأنا أطعم جميعَ الجائعين«(75).

 

ونعود إلى كتاب هرقليد (ص 84، 85) مع عبارة أساسيّة في خطّ فل 2: 9: »أسماء الشخص (؟؟؟؟؟؟) الطبيعيّ (؟؟؟؟؟) مشتركة هي«. وطرح نسطور المسألة: في الطبيعة البشريّة نال اسمًا فوق كلّ الأسماء. وأجاب: تلك هي العظمة الرئيسيّة في الطبيعة البشريّة: بقي في الطبيعة البشريّة فنال اسمًا فوق كلّ الأسماء لا على أثر تطوّر الأعمال، ولا على أثر المعرفة والإيمان، ولكن كان هذا بتدبير خير ليكون شكله (morjh ؟؟؟؟؟ شبه) وشخصه (؟؟؟؟؟؟)، بحيث يكون شكله شكل هذا. هو أيضًا إله. وهو أيضًا إنسان. شكلُ الله في التنازل والانحدار والمظهر، وشكلُ البشر كإنسان. والإنسان هو، في الارتفاع، كما هو الله، بواسطة الاسم الذي هو فوق كلّ الأسماء. لهذا، تواضع في انحداره الإراديّ حتّى الموت والموت على الصليب مستعملاً الشخص ؟؟؟؟؟؟ ذاك الذي مات وصُلب باستعماله شخصه الخاصّ… إذا دُعيَ المسيحَ بسبب البشريّة التي مسحت، فإنّ هناك شخصًا ؟؟؟؟؟؟ واحدًا للطبيعتين لأنّ هناك اسمًا واحدًا فوق كلّ الأسماء«.

 

وطُرح تدبير التجسّد في الطبيعتين في سؤال رقم 62 (ص 89)، فكانت العبارة الأساسيّة: »من الشخص الإنسانيّ (؟؟؟؟؟) يُعرف الإنسان (؟؟؟؟؟ ، أي من ظاهر (؟؟؟؟؟) الجسد ومن شبه (؟؟؟؟؟ ، شكل). فالله من اسم أفضل من كلّ الأسماء، ومن السجود من قِبَل كلّ الخليقة (؟؟؟؟؟) ومن الاعتراف أنّه الله«. أجل، أخذ شبه العبد، وأعطى شبهه الخاصّ لشبه العبد لكي يتساوى مع الله. وإذا بحثنا عن الوحدة نجدها في المسيح لا في الله الكلمة الذي هو أزليّ، لأنّ المسيح هو شخص ؟؟؟؟؟؟ الوحدة (ص 212).

 

هذا ما يشرحه نسطور في النسطوريّات (280: 5-16): »المسيح غير منقسم (واحد) بما أنّه المسيح. وهو اثنان بما أنّه إله وإنسان. في واحد في حاله كابنٍ، ولكنّه اثنان في ما أخذ وفيما أُخِذ. في شخص prosopwn الابن هو فرد، ولكن في وضع العينين، ينفصل بحسب الطبيعتين، الناسوت واللاهوت. فنحن لا نعرف مسيحَين، ولا ابنَين وحيدَين ولا ربّين، (ونحن لا نعرف) ابنًا وحيدًا جديدًا، ولا مسيحًا أوّل ومسيحًا ثانيًا، بل (مسيحًا) واحدًا هو هو، وقد رؤي بحسب الطبيعتين، المخلوقة واللامخلوقة«.

 

الخاتمة

 

ونختم كلامنا بهذا التوضيح الإيمانيّ حول المسيح الواحد في طبيعتين اثنتين. مثلُ هذا الإيمان سوف يُعلَن في مجمع خلقيدونية الذي انقعد سنة 451. إذا تركنا جانبًا معنى الألفاظ، وإذا فهمنا الهدف من تدخّل نسطور في الجدال اللاهوتيّ الذي عرفته القسطنطينيّة حين وصل إليها، وإذا تذكّرنا شخصيّته وطريقة تصرّفه في مدّة قصيرة قضاها في البطريركيّة، لا نستطيع القول إنّه كان ذاك الضالّ الذي استحقّ حرمًا قاطعًا، سوف يتجدّد في أكثر من مناسبة. في اكتشاف كتاب هرقليد الدمشقيّ، اكتفى الباحثون بنصوص أوردها خصوم نسطور وردّوا عليها. ولكن مع هذا الكتاب، يجب أن تتبدّل النظرة، وهذا ما حدث بالفعل في اجتماعات القرن العشرين بين الكنيسة الكاثوليكيّة والكنيسة التي دُعيت »نسطوريّة«. لا شكّ في أنّنا لا نستطيع أن نعتبر نسطور ذلك اللاهوتيّ الكبير بجانب باسيل أو غريغوار النازينزيّ وغيرهما. ولكنّه كان قبل كلّ شيء ذاك الراعي الذي يريد أن يجمع القطيع حول أسقفه وبالتالي حول إمبراطوره في خطّ ما قاله تيودوز الثاني وهو يدعو إلى مجمع أفسس: »خير المملكة يرتبط بالدين، والعلاقة وثيقة بين الاثنين. هما يتداخلان وينميان معًا«. فيا ليت ذلك الراعي عرف تواضع المسيح وامّحاءه، كما قرأ عنه في الرسالة إلى فيلبّي! تصرّفه أبعده عن الأرثوذكسيّة، كما قالوا. وبالعودة إلى المسيح تعيده الكنيسة اليوم إلى الإيمان المستقيم

 

خاتمة الكتاب

 

عالم شرقيّ يزخر بالغنى. دخلنا فيه وفرحنا بلا شك بما حمل إلينا الآباء والجدود من سحيق التاريخ، ولاسيّما في اللغة السريانية التي امتدت في سورية ولبنان والعراق وصولاً إلى الخليج وبشكل خاص مع قطر حيث عرفنا داديشو قطرايا أو داد يشوع القطري الذي عاش في نهاية القرن السابع، كما عرفنا اسحق النينوي ابن القرن السابع الذي وُلد في مقاطعة بيت قطرايي، أو قطر.

 

عالم ينطلق من القسطنطينية وأنطاكية والاسكندرية ليصل إلى الرها ونصيبين ودارا حتى البصرة وتكريت وغيرها من المدن العراقية، بل إلى المدن الايرانية مثل مرو وأورمية وأماكن أخرى.

 

تراث غنيّ حوى من المخطوطات ما لا تحتويه أيّة لغة قديمة، وما زالت مخطوطاته تُنسَخ حتى اليوم، ولاسيّما كتب الأناجيل والرسائل. فنحن في خط العالم اليهودي الذي لا يقرأ الكتاب المقدس في المجامع، إلاّ في مخطوطات دُوّنت على رقّ الغزال أو غيره من الحيوان. مخطوطات توزّعت في الشرق والغرب، في لبنان وسورية وتركيا وإيران، وفي برلين ولندن وأوكسفورد وباريس والفاتيكان وسان بترسبورغ. وها هي الآن تعرَف بواسطة الامكانات الحديثة في التصوير والنشر.

 

تراث غني قدّمنا منه نصّين قديمين يربطان العالم السرياني بعالم ايران وبالكتاب المقدس. فالفلسفة حاضرة في كلام عن الحرية والقدر، والكتاب المقدس مع التراثات الدينية التي خلّفها الفكر الواصل إلى شرقي الاردن وأبعد من ذلك لدى ما يُدعَى التيار اليهومسيحي وما يتفرّع منه من انجيل العبرانيين وفرق الناصريين.

 

وذكرنا خمسة وجوه. وبقيت وجوه عديدة، سوف نعود إليها بإذن الله. ومن هذه الوجوه، أشرنا إلى بعض ما كتبوا، ولكن ما لم نذكره أكثر بكثير. ماذا ذكرنا مثلاً من ابن العبري، بعد أن نظّمنا له مؤتمراً في الجامعة اللبنانية، بمناسبة المئويّة السابعة لوفاته؟ ذاك الذي قيل فيه إنه كان »جمّاعًا«، جمع في الواقع كل التراث السرياني على جميع الصعد، فحفظ لنا الكثير قبل وصول المغول والتتر الذين تركوا وراءهم الدمار والحريق وكأنهم طلبوا أن يعيدوا الانسان إلى العصر الحجريّ. وسويريوس بطريرك أنطاكية ترك لنا مدة ست سنوات إرثًا كبيرًا حفظته لنا اللغة السريانية، ولنا عودة إليه في أكثر من مناسبة، لأنه يضاهي سائر بطاركة أنطاكية إن لم يتفوّق عليهم. رسائله وحدها تاريخ يعطينا صورة عن الكنيسة في القرن 5-6. وما نفرح له هو أن اللغة السريانيّة انفتحت باكراً على تراث الآباء اليونان، فنقلت آثار أثناز الاسكندراني وكيرلس خلفه، وآثار الكبادوكيين باسيل وغريغوار النازينزي وغيرهما. واحتفظت بما كتبه جرجس أسقف العرب، ونسطور بطريرك القسطنطينية. ولولا السرياني لضاع هذان المؤلفان مع كتاب إبيفان، أسقف سلامين في قبرص، حول الهرطقات.

 

آفاق حاولنا أن نفتحها، ونوّد توسيعها، كما نودّ أن نرى العديدين يخرجون من آفاق الطائفة الضيقة وصولاً إلى شرق ينفتح على الغرب فيعطيه أفضل ما عنده ويأخذ منه غناه

 

 

 

(*) ورد هذا المقال في المشرق 80 (2006) ص 161-190.

 

(1)B. SESBOUE et J. WOLINSKI, Le Dieu du salut, Paris, Desclée, 1994, p. 385-389

 

(2) الكنيسة الكاثوليكيّة في وثائقها، الجزء الأوّل، المكتبة البولسيّة، 2001، ص 93.

 

(3) GENNADIUS, De Viris illustribus, 53, Voir J. QUASTEN, Initiation aux Pères de l’Eglise, III, Paris, Cerf, 1962, p. 720-721 ; Dict. Enc. du Christianisme ancien (cité : DECA), Paris, Cerf, 1990, p. 1029-1030

 

كان كاهنًا في مرسيليا (فرنسا)، وهو غير جناديوس Voir DECA, p. 1028-1029، بطريرك القسطنطينيّة سنة 458-471.

 

(4) هو أسقف نصيبين، في القرن الثاني عشر. ASSEMANI, Bibl. Or., III, 1, p. 36.

 

(5) The Bazaar of Heraclides in J.F. BETHUNE-BAKER, Nestorius and his Teaching, a fresh examination of the existence, with special reference to the newly recovered Apology of Nestorius, (Le Bazar f’Héraclide), Cambridge, 1908. Voir F. NAU, “Note sur le titre Tegourta Heraclidis “Revue de l’Orient Chrétien, 14(1909), p. 208-209.

 

Pragmatéia. D’ailleurs l’historien Socrate cite dans son Histoire Ecclésiastique (7, 32; P.G. 67, 808) une phrase avec le mot “pragmatéia”: agnoésas tas pragmateias tôn palaiôn

 

(6) Pragmatéia. D’ailleurs l’historien Socrate cite dans son Histoire Ecclésiastique (7, 32; P.G. 67, 808) une phrase avec le mot “pragmatéia”: agnoésas tas pragmateias tôn palaiôn

 

.جاهلاً كتابات الأقدمين

 

(7) Paris, 1910. Nestorius. Le livre d’Héraclide de Damas, P. BEDJAN,

 

  1. NAU, Nestorius. Le Livre d’Héraclide de Damas, Paris, 1910; G. R. DRIVER and L. HODGSON, Nestorius. The Bazaar of Heraclides. Newly translated from the syriac, Oxford, 1925

 

(8) , Paris, 1904, p. 166.Le Christianisme dans l’empire perse J. LABOURT

 

(9) W. BUDGE, The histories of Rabban Hormizd and Rabban Bar ’Edta, Londres, 1902 (texte p. 120; version p. 176); A. SCHETTR, Analyse de l’histoire de Raban Bar ’Edta, ROC, 11(1906), p. 516

 

(10) en Thébaide II (El-Kharga) Oasis- Maia منطقة طيبة، جنوبيّ القاهرة.

 

(11) Evagre d’Epiphanie, ou le Scolastique; il naquit vers 537, mourut à Antioche après 594. Son Histoire ecclésiastique est en six volumes, voir DECA, p. 931-932

 

(12) تراجيديا عنوان كتاب ألّفه إيرينه الصوريّ من أجل نسطور. أمّا صفة المأساة المرتبطة بأفسس، فتعود إلى ثيودوريه القورشيّ. المأساة أو التراجيديا. هي أحداث مؤلمة ارتبطت بمجمع أفسس بالنسبة إلى نسطور. نشير إلى أنّه بقي لنا مقاطع من هذ المؤلَّف، فنشرها F. LOOFS, Nestoriana. Die Fragmente des Nestorius, gesammelt, untersucht und herausgegeben,mit Beitragen von S. A. Coook und G. Kampffmeyer, Halle, 1905, p. 203-208.

 

يبدو أنّ نسطور دوَّن »التراجيديا«، حالاً بعد أفسس، سنة 431-435، حين أقام في دير قرب أنطاكية، وقبل المنفى إلى مصر. أمّا النصّ فيرد في اليونانيّة واللاتينيّة والسريانيّة

 

(13) أنتروبوتوكس: والدة الإنسان. تيوتوكس: والدة الإله (هذا ما قيل في أفسس، يُلدات ألوهو في السريانيّة). خرستوتوكس: والدة المسيح. هنا نقرأ ما كتب نسطور في كتاب هيراقليد (150-151) مدافعًا عن نفسه: »لماذا تفتري عليّ قائلاً: هو الذي أطلق هذه المسألة؟: لماذا تدعوني »مخترع البدع« و»علّة الضوضاء والحب«. فأنا ما أطلقتُ هذه المسألة، بل وجدتُها في أنطاكية. في هذه المدينة تعلّمت، وتكلمتُ في هذه الأمور وما لامني أحد. وظننتُ أنّ هذه العقيدة رُذلت. أمّا في القسطنطينيّة، فوجدتُ أنّهم يطلبون العلم ويحتاجونه، فلبّيتُ طلبهم كما تفرض الحقيقة. جاء فرقاء الشعب المقاتلـون إلى القصـر الأسقفـيّ واحتاجـوا حـلاّ= =لنزاعاتهم للوصول إلى وفاق. سمّوا »مانويّين« أولئك الذين دعوا الطوباويّة مريم »والدة الإله« و»فوتينيّين« أولئك الذين دعوها »والدة الإنسان«. وحين سألتهم، ما أنكر الأوّلون الناسوت، ولا الآخرون اللاهوت. اعترفوا كلّهم بهاتين النقطتين بشكل مشابه وما انقسموا إلاّ. قالت جماعة أبولينار »والدة الله«. وجماعة فوتين »والدة الإنسان«. نشير هنا إلى أنّ أبولينار »والدة الله«. وجماعة فوتين والدة الانسان. نشير هنا إلى أن أبولينار ابن اللاذقيّة في سورية اعتبر أنّ اللوغس (الكلمة) حلّ محلّ النفس العاقلة. هو إله كامل، ولكن إنسان ناقص. , p. 185-188.DECA , p. 537;op. cit. QUASTEN,

 

(14) Euprépios

 

(15) , I, 7; PG 86, 2433.Hist. Eccl. .EVAGRE, نلاحظ هنا قساوة أوغريس على نسطور. ونحن نفهم ذلك بعد أن حُرم هذا الأخير أكثر من مرّة. في مجمع أفسس سنة 431. ثمّ سنة 432 حين تصالح أساقفة أنطاكية مع الإسكندريّة. وفي مجمع خلقيدونية (451): »تجرّأ بعضهم… على رفض كلمة أمّ الله (تيوتوكس) بالنسبة إلى العذراء« (حاشية 2، ص 103). وفي مجمع القسطنطينيّة الثاني (553)، كان حكم على أضاليل نسطور في شأن ناسوت المسيح (حاشية 2، ص 146).

 

(16) سكّان أفريقيا الشماليّة (نوميديا، موريتانيا). تكلّموا الأعجميّة قبل استعرابهم.

 

(17) Paris, 1910, p. 22-23. La légende syriaque de Nestorius, M. BRIERE,

 

(18) .؟؟؟؟؟؟ ؟؟؟ ؟؟؟؟؟؟؟؟؟ ؟؟؟؟

 

(19) .؟؟؟؟؟؟؟ ؟؟؟ ؟؟؟؟

 

(20) h Pragmateia Hrakleidou damaskhnou

 

(21) Héraclide ou Héraclite ou Héraclius

 

(22) ROC, 12(1907), p. 125

 

(23) كتاب هرقليد الدمشقيّ (= هرقليد) ص 3.

 

(24) المرجع السابق، النصّ، 117؛ الترجمة 75.

 

(25) راجع حاشية 2، ص 87-88.

 

(26) في اليونانيّة :؟؟؟؟؟؟؟؟ ما هو أمام النظر، أمام العين. الوجه، الوجه المصطنع، قناع المسرح. ثمّ الدور والشخصيّة المسرحيّة. صارت في السريانيّة :؟؟؟؟؟؟ الشخص والأقنوم مثل .؟؟؟؟؟؟ ولكن عند النساطرة، استعمل ؟؟؟؟؟؟ لليونانيّ ؟؟؟؟؟؟؟؟؟ الأساس، القاعدة، ما نقف فوقه. فقال: اثنان ؟؟؟؟؟؟ في المسيح وواحد :؟؟؟؟؟؟ طبيعتان وأقنوم واحد. وهناك عبارة: »حتّى تعترف بطبيعتين (؟؟؟؟) اثنتين اللتين صارتا شخصًا (؟؟؟؟؟؟) واحدًا«.

 

(27) حاشية 1، ص 376-377. نستطيع أن نلاحظ منذ الآن أنّ الخلاف هو على ألفاظ وكلمات. فالمسيح هو ابن الله، وأمّ المسيح هي أمّ الله. سنعود إلى هذا الوضع حين نبرز الألفاظ المستعملة في كتاب نسطور.

 

(28) راجع حاشية 2، ص 89.

 

(29) هي إشارة إلى كيرلّس وتعليمه.

 

(30) ورد هذا الكلام في مقدّمة بيجان لنشر كتاب نسطور في السريانيّة، .p. IV هذا ما نجده في السيرة السريانيّة.

 

(31) ؟؟؟؟ ؟؟؟؟ ؟؟؟؟؟ ؟؟؟؟؟؟؟؟ ؟؟؟؛

 

(32) حاشية 23، ص 146-147. قدّمت له بوليخيريا »بطرشيلاً« فرفضه. وما أراد للكهنة أن يتسلّموا هدايا. ونورد في هذا المجال حادثة ستجعل الإمبراطور نفسه يحاول الانتقام من نسطور. اعتاد تيودوز أن يصعد إلى قدس الأقداس. أي وراء المذبح، ليتناول جسد المسيح ودمه. واعتادت مثله شقيقته. ولمّا جاء نسطور منعها. فغضبت عليه وقالت له: »إسمح لي أن أدخل، كما اعتدتُ إلى قدس الأقداس، مثل الكهنة والإمبراطور«. فقال لها: »هذا المكان لا يطأه سوى الكهنة«. فقالت له: »ألأنّي ما ولدتُ الله«؟ فأجابها: »أنتِ ولدتِ إبليس«. وطردها من باب قدس الأقداس. فمضت مغضبة، وراحت إلى الإمبراطور، وأخبرته بما حصل. فقال لها الإمبراطور: »بحياتي، يا أختي، وبالتاج الذي على رأسي لن أتوقّف حتّى أنتقم منه«. راجع »الرسالة« عدد 8.

 

(33) حاشية p. V-VI ,30

 

هذه المعجزة وغيرها نقرأها في رسالة نُقلت من اليونانيّة إلى السريانيّة وجاءت في قسمين. القسم الأوّل (1-10) دُوّن في زمن نسطور (سنة 435). والقسم الثاني دوِّن بعد موت نسطور على يد الراهب إيليّا الذي جاء من مصر إلى القسطنطينيّة. ما تجرّأ أن ينشر ما كتب، فانتظر موت البطريرك أناتول (449-458). هذا يعني أنّ الرسالة نُشرت سنة 458.

 

نلاحظ أنّ الأب بيجان ترك تسمية »بازار« الذي يوحي بأنّنا نجد في هذا »السوق« كلّ ما نختاج إليه. نُقل النصّ إلى الفرنسيّة والإنكليزيّة.

 

 

نسطور وكتاب هرقليد الدمشقي ف11 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

التعليم الخريستولوجي بحسب فكر الأنبا شنوده الأرشيمندريت (رئيس المتوحدين) – الإكليريكي موريس وهيب

التعليم الخريستولوجي بحسب فكر الأنبا شنوده الأرشيمندريت (رئيس المتوحدين)[1]

التعليم الخريستولوجي بحسب فكر الأنبا شنوده الأرشيمندريت (رئيس المتوحدين)[1]

إعداد: الإكليريكي موريس وهيب

لتحميل البحث بصيغة PDF

1. تمهيد:

من أهم أعلام اللاهوت القبطي هو القديس العظيم والنبي- كما لقبه البابا كيرلس عمود الدين- الأنبا شنوده الأرشيمندريت (رئيس المتوحدين)، الذي يعد النموذج المثالي للرجل القديس في العصور القديمة[2]. لقد ترك الأنبا شنوده مجموعة كبيرة جدا من العظات والنصوص التي تعد ثروة لا تقدر بثمن في تراث الأدب القبطي[3]. فعظات أنبا شنوده وأنشطته المعادية للوثنية هي نتيجة لاهتمامه الأوسع بالدفاع عن الكنيسة ضد مجموعة من التهديدات، التي شملت الإساءة والعنف والفساد ضد الأقباط، وأيضا التهديدات والأخطاء العقيدية[4].

وتقدم كتابات الأنبا شنوده لمحة فريدة عن الفكر الخريستولوجي الإسكندري المبكر في بيئة رهبانية قبطية. لقد تنيح أنبا شنوده عن عمر يناهز 118 سنة، أمضى فترة طويلة منها كراهب- أكثر من مائة سنة تقريبا، وأكثر من ثمانين سنة كأب روحي لتجمع رهباني مكون من أديرة ثلاثة في صعيد مصر، في مدينة سوهاج حاليا. ديران للرجال ودير واحد للراهبات. خلال فترة حياته داخل هذا التجمع الرهباني، أنتج أنبا شنوده مجموعة ضخمة من الكتابات، نجا منها ما يزيد عن سبعة عشر مجلدا. تم تحرير هذه الكتابات في مجموعتين خلال حياة أنبا شنوده نفسه وتحت إدارته الخاصة. تتضمن المجموعة الأولى (القوانين Canons)، وهي كتابات عن إدارة وتطبيق القواعد الرهبانية[5]؛ والمجموعة الثانية (العظات Discourses)، وتحتوي على عظات ورسائل متنوعة حول مجموعة مختلفة من الموضوعات[6].

يمكن تقدير أهمية أنبا شنوده في تاريخ الأدب المسيحي القبطي على عدة مستويات. إذ تمثل قوانينه وعظاته أول مجموعة كبيرة من الكتابات الأصلية باللغة القبطية، وهي في الواقع أكبر مجموعة كتُبت بواسطة مؤلف واحد[7]. إذ توفر هذه الكتابات مخزونا كبيرا من المعلومات الاجتماعية والتاريخية واللاهوتية حول حياة مجتمع رهباني في صعيد مصر خلال القرن الخامس[8].

كانت معالجة أنبا شنوده للأمور اللاهوتية والدفاعية غير واضحة للعديد من الباحثين الغربيين، وحتى وصل بعضهم إلى حدٍ التقليل منه، خاصة بالنسبة لأولئك الذين يعتبرونه مجرد راهب مصري بسيط وفقا لمعايير اللاهوتيين اليونانيين في القرنين الرابع والخامس[9]. إذ لا نرى له دورا رئيسا في الجدل اللاهوتي للقرن الخامس في أنحاء عالم البحر الأبيض المتوسط، ولم يكن لديه قُراء خارج مصر ولم تذكره المصادر اليونانية أو اللاتينية. حتى زيارته لمجمع أفسس عام 431 لم تذكر خارج مصر، على الرغم من أهميتها في حياة أنبا شنوده وفي كتاباته.

لقد كان شخصية محلية لدرجة أنه كان من المغري تصنيفه بواسطة البعض على أنه مجرد رجل “قبطي” أو “مصري” بسيط، وهو تصنيف يعكس المفاهيم التي عفا عليها الزمن والتي تفصل بين الرهبان اليونانيين المثقفين عن أولئك الأكثر بساطة من إخوانهم المصريين من آباء البرية. لكن الحقيقة هي عكس ذلك، أنبا شنوده كان منخرطا بعمق في اللاهوت، ولا سيما الجدل اللاهوتي في زمنه إذ كان يدافع بوضوح عن عقيدة كنيسة الإسكندرية، في خط يمتد من البابا أثناسيوس الإسكندري (298-373م) وحتى البابا ديسقورس (454م)، ضد الأعداء المتعددين داخل الكنيسة وخارجها: أوريجانوس وأتباعه، وأتباع آريوس، ونسطور وحلفائه، والمانويون، والمليتيون، واليهود، والوثنيون[10].

ويُطلق Aloys Grillmeier[11] على الأنبا شنوده لقب “المؤسس الحقيقي للأدب اللاهوتي القبطي”[12]، لكن في الواقع، أعماله اللاهوتية لها طابع خاص. إذ أن عمل أنبا شنوده اللاهوتي متجذر في الحياة العملية للدير وفي دوره بكونه أرشيمندريتا وقائدا. أكدت الدراسات الحديثة حول لاهوت أنبا شنوده على ضرورة قراءة لاهوته في إطار التجربة الحية للدير والكنيسة[13].

وعلى وجه الخصوص، كانت الليتورجيا عنصرا هيكليا ومركزيا في حياة رهبان أنبا شنوده، وبدرجة أكثر تأثيرا في عظات أنبا شنوده نفسه. ورغم أن أنبا شنوده لم يكن أسقفا، فإن اهتماماته كراعي واضحة للغاية- والممارسة والتفسير الصحيح لليتورجيا يعد معيارا مهما في لاهوته. ففي غالبية أعماله، تعتبر الحياة الطقسية للتجمع الرهباني مركزية في سياقه اللاهوتي والدفاعي، وخاصة في سر الإفخارستيا، الذي له الاهتمام الأساسي في دفاع أنبا شنوده ضد الهراطقة والمنشقين والوثنيين، إلى جانب الصلاة والمعمودية أيضا[14].

 

2. المصادر:

من أجل وضع تقييم دقيق لخريستولوجية أنبا شنوده، يجب السؤال عن الكتابات الآبائية التي يُحتمل أن يكون قد وصل إليها واطلع عليها أيضا: ما الذي قد يكون قرأه؟ كان يوجد في دير الأنبا شنوده مجموعة مميزة من الكتابات[15]. لذلك توجد إحتمالية كبيرة لكونه قد تمكن من الوصول إلى الكتابات الرئيسة لأهم أساقفة الإسكندرية اللاهوتيين، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه مرة أخرى: أي منهم بالتحديد؟ يقدم [16]Hans-Joachim Cristea تحليلا للنصوص المذكورة بوضوح والمقتبسة في عظة أنبا شنوده تحت عنوان (إني أتعجب)[17].

إذ يقتبس أنبا شنوده في هذه العظة  من الرسالة الفصحية رقم 39 للقديس أثناسيوس[18]، ومن المقالة الأولى ضد الآريوسيين[19]، وربما من رسالته إلى العذارى[20]. وأيضا من الرسالة الفصحية رقم 16 للبابا ثيؤفيلوس والتي تعود لسنة 401م، وقد اقتبسها الأنبا شنوده شبه كاملة في نهاية هذه العظة[21]. بالإضافة إلى هذه الكتابات الموثقة مباشرة في عظة (إني أتعجب)، ربما كان لدى أنبا شنوده معرفة أوسع بكتابات ق. أثناسيوس وق. ثيؤفيلوس.

مع الأخذ في الاعتبار أن الأنبا شنوده صار رئيسا على الجماعة الرهبانية في وقتٍ قريب للغاية مع رسامة البابا ثيؤفيلوس (بالتحديد 20 يوليو 385م)[22]، فمن المنطقي الافتراض أن أنبا شنوده كان لديه إمكانية الوصول إلى رسائل فصحية أخرى للبابا ثيؤفيلوس. وفيما يتعلق بعمل ق. أثناسيوس، يمكن الافتراض أنه بالإضافة إلى الكتابات الموثقة صراحة في العظة، من المحتمل أن أنبا شنوده كان على علم بالمقالة الثانية والثالثة ضد الآريوسيين وكتاب تجسد الكلمة أيضا. إذ تعد هذه النصوص معروفة ومحورية في الجدل ضد آريوس في القرن الرابع[23]. ويمكن الإشارة هنا لما كتب ق. كيرلس قبل اقتباسه مباشرة من المقالة الثالثة ضد الآريوسيين في رسالته الأولى إلى الرهبان، عن أن ق. أثناسيوس: “عندما ألف لنا عمله المتعلق بالثالوث القدوس ذي الجوهر الواحد، في المقال الثالث منه- من البداية إلى النهاية- يدعو العذراء القديسة، والدة الإله”[24]. يفترض ق. كيرلس هنا أن عمل ق. أثناسيوس الذي يشير إليه معروف لدى المتلقين. وبالتالي توجد إحتمالية كبيرة لمعرفة الأنبا شنوده بهذا العمل بشكلٍ خاص.

يوجد في المقابل بعض التعقيد بخصوص أعمال أو فكر ق. كيرلس ونسطور في سياق جدلاهما الخريستولوجي، إذ توجد إحتمالية لمعرفة أنبا شنوده بهذه الأعمال. ولكن الملاحظ بوضوح، هو أن الأنبا شنوده لم يقتبس فقط من ق. كيرلس فيما يخص تعاليمه الخريستولوجيةـ بل من ق. أثناسيوس وق. ثيؤفيلوس، ويقتبس أيضا من نسطور مرارا وتكرارا. ماذا عرف أنبا شنوده من جهة عمل نسطور وفكره؟ هل كانت مجرد اقتباسات من أعمال ق. كيرلس حيث يقتبس من نسطور، أم كان لديه مصدر آخر؟ يؤكد Cristea على حضور أنبا شنوده في مجمع أفسس، لكنه يعتقد أن نفي نسطور إلى بانوبوليس يعد أمرا أكثر أهمية بكثير، وذلك من جهة معرفة الأنبا شنوده بعمل نسطور، إذ يشير إلى معلومة تقليدية تتحدث عن أن زيارة نسطور لأنبا شنوده خلال هذا النفي وطلب منه أن يعتني بممتلكاته بعد الموت[25]. يمكن أن يفسر هذا اللقاء المحتمل في مصر لماذا قدم أنبا شنوده اقتباسات من نسطور ثلاث مرات، وهي  غير واردة في أعمال ق. كيرلس[26].

يُظهر كل من الجانب التاريخي لهذا اللقاء في مصر، والوعي الواضح لعمل نسطور، أن أنبا شنوده كان على علم بفكر وعمل نسطور، وربما حتى كتاباته بشكلٍ ملموس، وذلك خارج كتابات ق. كيرلس المرتبطة بجداله مع نسطور. ومع ذلك، فإن غالبية اقتباسات نسطور التي أوردها أنبا شنوده، بها بعض التشابه الطفيف مع اقتباسات نسطور في عمل ق. كيرلس ضد نسطور[27]. بناء على هذا، يمكن الوصول إلى استنتاج مفاده أن أنبا شنوده ربما كان يعرف بعضا من أفكار نسطور من خلال عمل ق. كيرلس، لكن معرفته بفكر نسطور لم تقتصر على اقتباسات ق. كيرلس من نسطور فقط[28].

ونظرا لأن أنبا شنوده لم يقتبس أو يذكر ق. كيرلس في سياق فكره الخريستولوجي مباشرة، فإن إعادة بناء وافتراض النصوص التي عرفها أنبا شنوده من كتابات ق. كيرلس، هي عملية صعبة للغاية، وذلك بسبب التداخل الجوهري في اقتباسات نسطور عند أنبا شنوده مع تلك التي عند ق. كيرلس، يمكن وضع افتراض أن أنبا شنوده ربما كان يعرف هذا النص أو كان بإمكانه الوصول إليه بطريقة ما كما أشير. بالإضافة إلى ذلك، ربما عرف أنبا شنوده رسائل ق. كيرلس الفصحية، ورسالته للرهبان (الرسالة الأولى)، والرسالتين الثانية والثالثة إلى نسطور (الرسالة رقم 4، ورقم 17)[29].

تستعرض الدراسة فيما يلي النقاط الأساسية في التعليم الخريستولوجي عند القديس الأنبا شنوده، ومدى تأثر الأنبا شنوده بسابقيه من الآباء، وهل يعتبر ق. كيرلس الإسكندري هو المؤثر الأساسي في تكوين فكر الأرشيمندريت.

3. النقاط الأساسية في فكر الأنبا شنوده الخريستولوجي

لاهوت التدبير الخريستولوجي الخلاصي كتاريخ واحد للخلق والخلاص عند الأنبا شنوده، يقف مقابل الفكر الغنوسي لقبول فكرة العوالم المتعددة بل وحتى القول بمبدئين إلهيين، وإنكار وحدة العهدين القديم والجديد، وفصل الروح عن المادة لتحقيق العودة إلى الملء من خلال تحرير روحاني؛ إذ يوفر الأنبا شنوده لاهوتا يُنصف كلا من الحقائق الأرضية مع أولوية الروح في المسيح يسوع. ويمكن توضيح هذا عبر استعراض بعض المفاهيم الأساسية في فكر الأنبا شنوده اللاهوتي:

(1) تفرد الخالق والعالم:

“فإن كانوا يعتقدون هذا [أي نسطور وأتباعه]؛ لأنهم سمعوا الرسول أو الرسل يقولون: “الإنسان المسيح يسوع” (1تي 2: 5)، و”تعين ابن الله” (رو 1: 4)، و”يسوع الناصري رجل قد تعين لكم من قبل الله” (أع 2: 22 كما في النص الصعيدي لسفر أعمال الرسل)، و”جعله الله ربا ومسيحا” (أع 2: 36)، فلماذا لم يدرك هو [الشخص الذي يشك] أنه يقول هذا حسب التدبير، مُقسين قلوبهم عن هذا، أنه كائن مع الآب قبل أن يُخلق أي شيء، وبالأحرى مشابهين كسيح في رجليه يزحف على الأرض؛ لأنهم لو كانوا استطاعوا أن يدركوا كيف صار منها [أي من العذراء مريم]، أو من أين دخل فيها، لكانوا أدركوا أيضا أنه كائن قبل كل الخليقة، وأن الدهور قد خُلقت بواسطته، وأنه “بكر كل الخليقة” (كو 1: 15)، و”بغيره لم يكن شيء” (يو 1: 3)، “وخرجتُ من عند الآب” (يو 16: 28)، و”كما أرسلني أبي” (يو 6: 57، 20: 21)، و”أرسل الله ابنه مولودا من امرأة” (غل 4: 4). اسمع: “أرسله”. لم يقل: “صار (وُلد) هكذا من امرأة”، لكنه قال: “أرسله”. من أين أرسله سوى من لدنه ومن عنده؟ لأنه كائن معه. ليس فقط قبل أن يخلق مريم في البطن، أمه حسب التدبير، وأمته حسب لاهوته، لكن قبل أن يخلق ملاكا واحدا أو روحا أو ساروفا أو كاروبا أو قوة، قبل السماء والأرض، والشمس والقمر والنجوم، والسموات وكل ما فيها، والبحر وكل ما فيه… كلها صارت به، وبغيره لم يكن شيء”[30].

يقدم الأنبا شنوده استدلالا كتابيا من جهة فرادة ووحدة مصدر الخليقة كلها، ولكن يبدأ بنقد موجه لسوء الفهم النسطوري، ويشير إلى أن هذه الأقوال التي حيرت نسطور واتباعه هي بحسب التدبير، وفي هذا يقول ق. كيرلس الإسكندري[31]:

“لذلك فالكلمة الذي كان في صورة الله الآب ومساويا له، جعل نفسه في حالة وضيعة حينما صار جسدا، كما يقول يوحنا (يو ١: ١٤)، وولد من امرأة وإذ كان له ميلاد من الله الآب، فأنه أيضا ولد مثلنا، واحتمل أن يتألم من أجلنا. وإلا فدعهم يشرحون، كيف سيعرف الكلمة الذي من الله الآب ويُدعى المسيح بواسطتنا؟ فإذا قالوا إنه من الصواب أن الذي مُسح هو الكلمة الذي هو الله، وأنه هو الوحيد المولود منه، فأنهم يجهلون أنهم يخطئون إلى طبيعة الابن الوحيد، ويسيئون فهم سر التدبير بالجسد”[32].

ويزخر هذا المقطع أيضا بالعديد من التعبيرات الخريستولوجية الجوهرية، وذلك في كلمة حسب التدبير كما أُشير سابقا، وهذا من جهة ربط المفهوم بالعذراء مريم، التي تعد عنصرا هاما في خريستولوجية أنبا شنوده، وهذا ما يوجد صداه بوضوح عند ق. ساويرس الأنطاكي:

“كوالدة الإله، بعد أن حبلت وبدأت تخدم سر التدبير الإلهي، كانت ممتلئة من الروح القدس وعرفت ما سوف يحدث مقدما. حقا كانت نبية، كما يقول أشعياء، ’فاقتربتُ إلى النبية‘ (إش 8: 3)… هكذا، كل من يسوع والعذراء كان له بشكلٍ ما المعرفة المسبقة لما كان سوف يحدث. كان يسوع له هذه المقدرة بصفته الله، أما هي فحصلت عليها بصفتها نبية”[33].

التعبير الخريستولوجي المتميز الآخر هو: أمه حسب التدبير، وأمته حسب لاهوته، وهذه المقابلة المتميزة التي توضح التمييز بين الطبيعتين من جهة العذراء مريم، ليست غريبة على الفكر الإسكندري، فالعذراء مريم هي العبدة أو الأمة التي أطاعت صوت الملاك في البشارة بكل إيمان وجسارة، وهي الأم التي أعطت كلمة الله المتجسد عجينة البشرية من جسدها الخاص، وأرضعته من لبنها[34]. ويرد في العظة الحادية عشر للقديس كيرلس الإسكندري، هذا التعبير المتميز فيقول:

“السلام لك يا مريم العذراء. العبدة والأم. العبدة إكراما لذاك الذي أخذ شكل العبد، والأم إكراما لذاك الذي حملته بين زراعيك وأرضعته بلبنك”[35].

(2) خلق الجنس البشري كصورة الله:

“لقد تحدثنا مرارا وكتبنا بخصوص ولادة المخلص وإلوهيته، لكننا قلنا هذه الأشياء القليلة الأخرى بسبب أولئك الذين تسألوا: “هل كان موجودا قبل أن يولد من مريم؟” هناك شهادة أخرى جديرة بالثقة وعظيمة للغاية – أي أن مخلصنا الرب مع أبيه قبل الدهور. من هو الشخص الذي يقول، ولمن يقول، “نعملُ الإنسان على صُورتنا كشبهنا”[36]؟ أليس الآب هو الذي يتحدث مع ابنه، مع وحيده القدوس؟ من جانبه، تكلم صديق الأنبياء وشقيق الرسل، وكلماته صحيحة، (ص. 83 ظهر) في كتاباته، قائلا لنا أن الآب هو الذي يقول للابن “نعملُ الإنسان على صُورتنا كشبهنا”. ولم يقل “سأعمل”، لئلا يجعل الابن غريبا عن فعل الخلق. ولم يقل: “أنت، أعمل”، لئلا يجعل نفسه غريبا على هذا الفعل. إذا فهمنا أن الابن يعمل مع أبيه لغرض (خلق) الجنس البشري، فسنعرف أيضا أنه يعمل معه من أجل (خلق) السماء والأرض والشمس والقمر والنجوم، البحر، وسماء السماوات، وكل الأشياء أدناه”[37].

يستخدم الأنبا شنوده هنا مبدأ لاهوتيا دقيقا وهو مبدأ (الوجود السابق للمسيح Pre-existence of Christ)[38]، وهي عقيدة كتابية مدعومة في يو 17: 5 عندما أشار يسوع إلى المجد الذي كان له مع الآب قبل تكوين العالم أثناء خطابه الوداعي، وفي يو 17: 24 أيضا يشير إلى الآب الذي كان يحب يسوع قبل إنشاء العالم[39]. وهذا المبدأ اللاهوتي يرد في فكر كاتب رسالة برنابا (70-135م)، ذات الطابع السكندري، إذ يُشير إلى وجود الرب يسوع مع الله قبل خلق العالم من جهة لاهوته، ويوحي استعمال آية سفر التكوين من الترجمة السبعينية “لنعمل الجنس البشري بحسب صورتنا وشبهنا”، إلى أن يسوع مشمول في هذه الآية ضمن كيان الله، الكاتب نفسه يؤكدها صراحة “هو رب الكون كله، الذي قال عنه الآب…”.

يكرر برنابا هذه الفكرة ثانية عندما يكتب قائلا: “إن الكتاب يتحدث عنا حين يقول للابن: لنخلق الإنسان على صورتنا كشبهنا، وليسودوا على بهائم الأرض وطيور السماء وسمك البحر” (6: 12) مستخدما اقتباس سفر التكوين نفسه. الابن إذا، موجود منذ الأزل ومشارك بالتساوي في الخلق، وهكذا، نجده مشمولا في الكيان الإلهي؛ مشيرا بذلك إلى حالة من سبق الوجود اللاهوتي وإلى وجود محادثة سماوية بين الآب والابن، الفرق بين الآب ويسوع هو فقط أن يسوع جاء في الجسد[40].

ويمكن وضع مقارنة بين ما قاله الأنبا شنوده في القرن الخامس وما ورد في رسالة برنابا في القرن الأول والثاني، وهما كالآتي:

“لأن الكتاب يتحدث عنا،

 

حين قال الله للابن: لنخلق الإنسان على صورتنا ومثالنا، وليتسلطوا على الوحوش في الأرض، والطيور في السماء، والأسماك في البحر‘. وقال الرب عندما رأى جمال خلقتنا: ’انموا، وزيدوا، واملأوا الأرض‘

وكان هذا هو ما قاله لابنه“.

(رسالة برنابا 6: 12)

 

“هناك شهادة أخرى جديرة بالثقة وعظيمة للغاية- أي أن مخلصنا الرب مع أبيه قبل الدهور.

من هو الشخص الذي يقول، ولمن يقول: “نعملُ الإنسان على صُورتنا كشبهنا”؟

 

أليس الآب هو الذي يتحدث مع ابنه؟”

(أنبا شنوده، عظة حدث ذات يوم، فقرة 4)

وهذا ما قد قاله الأنبا شنوده سابقا في بداية عظة (حدث ذات يوم)، مؤكدا وداعما لمفهوم الوجود السابق للمسيح عبر الآيات الكتابية، فيقول:

“ليتنا ننتبه لكلماته لنفهم ما نسأل عنه، لأنه يتكلم عن أبيه (إبراهيم) كإنسان، وحسب التدبير هو يخبرنا عن إلوهيته الكاملة أنه كائن قبل الكل، فهو قد قال: “مجدني، يا أبي، بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم” (يو 17: 5)، وكذلك: “به كان العالم” (يو 1: 10)، وأيضا: “في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله. هذا كان في البدء عند الله. به كان كل شيء، وبغيره لم يكن شيء مما كان” (يو 1: 1-3)، وكذلك: “الذي كان من البدء قد ظهر لنا ورأيناه” (1يو 1: 1-3)، و”هذا كان عند الآب” (1يو 1: 2)، وأيضا: “خرج من الله، وسيذهب إلى الله” (يو 8: 42، 13: 3، 16: 27-28)، وكذلك: “خرجت من عند الآب وأتيت إلى العالم” (يو 16: 28)، وأيضا: “فيه خلق الكل” (كو 1: 16)، و”هو كائن قبل الكل” (كو 1: 17)، وأيضا: “إن رأيتم ابن الإنسان صاعدا إلى حيث كان أولا” (يو 6: 62)، وكذلك: “الصخرة تابعتهم وكانت الصخرة المسيح” (1كو 10: 4). حقا، من الزمان الذي كان إسرائيل فيه في البرية حتى زمان القديسة مريم، وأيضا: “السر المكتوم منذ الدهور” (كو 1: 26؛ أف 3: 9)، وكذلك “لما أتى ملء الزمان أرسل الله ابنه مولودا من امرأة” (غل 4: 4)، فاسمعوا أيضا (قوله): “أرسله”. من أين أرسله؟ أو من عند من خرج سوى من عند أبيه القدوس؟”[41].

وهكذا يؤكد الأنبا شنوده على أزلية لاهوت الكلمة المتجسد، وزمنية الناسوت بالضرورة، فهذا الذي كان منذ البدء، خالق السموات والأرض، هو ذاته الذي أتى في بطن العذراء وشابهنا في كل شيء ما عدا الخطيئة وحدها.

(3) التجسد وشروط خلاص البشرية:

“إن لم يكن قد تألم في الجسد، فويل لنا بسبب الآلام التي ستحل بنا والتي ستأتي علينا في الساعة التي نضع فيها روحنا بين يديه (مز 30: 6؛ لو 23: 46). إذا لم يضربوا رأسه (مت 27: 30)، ولو لم يقترعوا عليه (مت 27: 35)، حينئذ يتكاثر عار وملامة خطايانا علينا وضدنا، ولن ينزعوا أبدا. ولو لم يكن قد أسلم جلاله للتعذيب (يو 19: 1) وخديه للضرب (يو 19: 3)، فلن نخلص من الموت والدمار يوم القيامة. إذا لم يتم رفضه كما قال [بفمه]: “يجب أن يُسلم ابن [الإنسان] للأمم [ويُرفض] ويُضرب” (لو 18: 32)، فلن تكون مصالحة مع الله. وإن لم يُعط خلا في عطشه، ولو لم يُعط مرارة في طعامه (مت 27: 34)، حينئذٍ لن نشترك في الوليمة، هذه [النعمة] التي هي نفسها الخبز الحقيقي وخبز الحياة، الذي أتى من السماء (يو 6: 32، 35). ولا تأتي هذه النعمة لنا، التي قال عنها: “من يشرب الماء الذي أعطيته إياه لن يعطش أبدا. ولكن الماء الذي أعطيه إياه يصير فيه ينبوع ماء يندفع [إلى] الحياة الأبدية” (يو 4: 14).

وإذا لم يعط ذاته لنا، إذا سنكون […] كما قال: “من يأكل من جسدي ويشرب من دمي فله حياة أبدية” (يو 6: 54). وإذا لم يكن النور الحقيقي قد أتى إلى العالم (يو 1: 9)، وإذا لم يشرق علينا شمس البر (ملا 4: 2)، فالظلام والعاصف سيُغطيان العالم كله. وإن لم يكن قد رُفع مرة واحدة بسبب الخطيئة (عب 9: 28، 10: 12)، كما هو مكتوب، فلن يطلع أبوه إلى الأرض بسبب كثرة الرائحة الكريهة والتعفن من خطايا الساكنين فيها. وإن لم يكن إنسانا في الهيئة (في 2: 7)، وهو الله وابن الله، فلن يصير البشر مثل الملائكة (لو 20: 36)، بينما هم بشر، ولا سيما العذارى من الحكماء وأولاد الأم القديسة، الكنيسة الجامعة التي تكرم الله في أعمالهم الحقيقية (أم 3: 9). لأنه لو لم يفعل الرب هذه الأشياء وكل هذه الأشياء الأخرى، لما كان لنا الخلاص. هذه الكلمات تخص المسيحيين الذين رجاؤهم الرب يسوع وليسوا من الهراطقة الذين لا يؤمنون به” (عظة عندما تحدث الكلمة)[42].

يقدم الأنبا شنوده أسلوبا بلاغيا قبطيا يسمى المقابلة[43]، إذ يقدم صورة والمقابل لها بشكلٍ نقيد في صيغة سلبية أو نفي، وفي سياق هذا الاقتباس أعلاه يتناول مفهوما خريستولوجيا عن الآلام المحيية العاملة في خلاص المؤمنين، ويمكن تقسيم هذه الصور البلاغية كالأتي:

رقم

ما يخص شخص المسيح

ما يخص البشرية

1

لو لم يكن قد تألم في الجسد

الآلام التي ستحل بنا والتي ستأتي علينا في الساعة التي نضع فيها روحنا بين يديه

2

لو لم يضربوا رأسه، ولو لم يقترعوا عليه

يتكاثر عار وملامة خطايانا علينا وضدنا

3

لو لم يكن قد أسلم جلاله للتعذيب وخديه للضرب

لن نخلص من الموت والدمار يوم القيامة

4

لو لم يتم رفضه

لن تكون مصالحة مع الله

5

لو لم يُعط خلا في عطشه، ولو لم يُعط مرارة في طعامه

لن نشترك في الوليمة، هذه [النعمة] التي هي نفسها الخبز الحقيقي وخبز الحياة، الذي أتى من السماء

6

لو لم يعط ذاته لنا… لم يكن النور الحقيقي قد أتى إلى العالم، وإذا لم يشرق علينا شمس البر

الظلام والعاصف سيُغطيان العالم كله

7

لو لم يكن قد رُفع مرة واحدة بسبب الخطيئة

لن يطلع أبوه إلى الأرض بسبب كثرة الرائحة الكريهة والتعفن من خطايا الساكنين فيها

8

لو لم يكن إنسانا في الهيئة، وهو الله وابن الله

لن يصير البشر مثل الملائكة، بينما هم بشر

9

لو لم يفعل الرب هذه الأشياء

لما كان لنا الخلاص

يمكن فحص تلك النقاط أعلاه بشيء من التفصيل، توجد في النقاط (1، 2، 3) مقابلة بين التألم الجسدي لشخص المسيح، والآلام التي تأتي على الإنسان، وهو مفهوم خريستولوجي يُعرف بآلام الرب الشافية المحيية. فالتألم هو أحد مظاهر طبيعة الإنسان الترابية وذكر الموت الذي تملك على الإنسان بعد سقوط آدم الأول، ولهذا قبل آدم الثاني أن يتألم من أجل البشرية بحسب التدبير، وهذا من أجل شفاء الإنسان من آلامه، وهذا ما يتضح في كلام ق. كيرلس:

“ولكننا بالحري نؤمن أن الابن الوحيد قد صار مثلنا، لكي يضمن البركات لكل الطبيعة البشرية، بواسطة نفسه وفي نفسه أولا كباكورة للبشرية. لأنه كما أن تعدي الإنسان الأول واللعنة الإلهية المرتبطة به أعطانا ليس الموت فقط بل كل آلام الجسد التي بدأت في الإنسان الأول؛ هكذا بنفس الطريقة، كما أفهم، فإننا جميعا سنتبع المسيح، وهو يخلص ويقدس في ذاته طبيعة الجسد بطرق متنوعة. لذلك يقول الرسول بولس أيضا: ’وكما لبسنا صورة الترابي، سنلبس أيضا صورة السماوي‘ (1كو 15: 49). فإن “صورة الترابي”- أي صورة آدم- هي في الآلام والفساد؛ و”صورة السمائي”- أي صورة المسيح- هي في عدم التألم وعدم الفساد”[44].

ويقوم هذا المفهوم بحسب فكر أنبا شنوده على أن الله الكلمة المتجسد تألم في الجسد وهو في الوقت ذاته الله وابن الله، وعلى أن في المسيح التقت آلامنا الإنسانية مع الله الكلمة بحسب طبيعته الإلهية غير المتألمة، فصار للبشر عدم التألم بحسب اتحادهم مع الكلمة المتجسد، وهو ما يُعرف في فكر الآباء بمبدأ المبادلة الخلاصية. وهو ما يؤكد عليه ق. أثناسيوس بقوله:

“إن الكلمه نفسه بالطبيعة هو غير قابل للتألم، ومع ذلك فبسبب الجسد الذي اتخذه تقال عنه هذه الأمور، حيث إنها أمور خاصة بالجسد والجسد نفسه خاص بالمخلص، فبينما هو نفسه غير قابل للتألم بالطبيعة، ويظل كما هو دون أن تؤذيه هذه الآلام، بل بالحري إذ هو يوقفها ويلاشيها، فإن آلام البشر تتغير وتتلاشى في ذاك الذي هو غير متألم، وحينئذ يصير البشر أنفسهم غير متألمين وأحرارا من هذه الأوجاع إلى الأبد”[45].

في النقطة الرابعة توجد مقابلة بين ما تعرض له الله الكلمة المتجسد من رفض، وبين ما صنعه للبشر من مصالحة مع الله الآب، إن التعليم عن المصالحة فيما يختص بحياة المسيح وخدمته وعمله ورسالته الخلاصية، يعبر عنه في الشرق بصيغ خاصة بالتحول من حالة إلى حالة أخرى مختلفة تماما، من حالة الأسر للخطيئة والموت إلى حالة النصرة على الخطيئة والموت، وهذا عبر الانتصار على فساد طبيعة الإنسان العتيق، بواسطة الذبيحة التي قدمت تكفيرا عن خطايا العالم، وبالإعلان عن حكمة ومحبة الله. وفي كل الصيغ التي يستخدمها الآباء، يوجد توجه واحد، وإطار فكري واحد. فالمصالحة هنا هي أمرٌ يرجع إلى مبادرة من جانب الله، كان الهدف منها هو خلاص جنس البشر[46].

موقف التعليم اللاهوتي في القرون الخمسة الأولى، إزاء هذا الموضوع، ينادي بأن عمل الخلاص يتكون من ثلاث مراحل، وهي التي أعادها المسيح بالتتابع: الكائن، الكائن الطوباوي، الكائن الأبدي. المرحلة الأولى عادت بالتجسد، والثانية أعيدت من خلال حياة المخلص التي عاشها على الأرض، والتي وصلت إلى قمتها على الصليب، والثالثة تحققت بقيامة المسيح؛ والتعاليم اللاهوتية الأرثوذكسية بشأن المصالحة، تركز على عنصرين هامين: 1. التشديد على الملمح الخلاصي للتجسد؛ 2. النصرة على الخطيئة والموت، بالصليب والقيامة[47].

ويرد في النقطة الخامسة مقابلة فريدة للغاية، لم تستطع الدراسة إيجاد شبيه لها، وهي المقابلة والقياس بين الخل والمرارة وبين الإفخارستيا، وهي صورة بليغة يمكن أن تكون مدخلا للصورة العلاجية للإفخارستيا، فمنذ العصور المبكرة للمسيحية وقدم الآباء هذه الصورة العلاجية في اعتبار الإفخارستيا دواء وترياقا، ويمكن الربط هنا بين مرارة الدواء ومرارة الله الكلمة المتجسد على عود الصليب، إذ يقول ق. إغناطيوس الأنطاكي إن الإفخارستيا هي: “دواء الخلود وترياق لئلا نموت”؛ ونجد تعبيرا مشابها عند ق. إيرينيؤس حيث يقول إنها: “ترياق الحياة”؛ وفي قداس ق. سيرابيون الأسقف يقول: “واجعل كل من يتناول أن ينال دواء للحياة”؛ وعند ق. غريغوريوس النيسي ولكن بلفظ آخر هو إكسير ويقول: “ما هو إذن هذا الإكسير ليس إلا هذا الجسد الممجد الذي استعلن أقوى من الموت (بالقيامة)”[48].

تتناول النقطة السادسة من هذا الاقتباس، مفهوم الاستنارة بواسطة التجسد، وهو ما يظهر بشكلٍ بارز عند أوريجانوس[49]، فحضور المسيح كان يعني القضاء على الشيطان، ولم يعد الإنسان يسير في كورة وظلال الموت، بل في دروب الحياة الجديدة وتحت ضياء نور الله الذي أشرق علينا. وذلك لأن المسيح أتى إلى العالم كمعلم، وكمربي، لكي يقود الإنسان بواسطة كلمته أو تعليمه إلى الشفاء، فهدف تجسد الكلمة هو إنارة ذهن الإنسان، حتى يصل إلى المعرفة الحقيقة غير الكاذبة. وكما يقول أوريجانوس إن تعليم ابن الله بالنسبة للبعض، يعمل بطريقة شفائية، وللبعض الآخر كنور واستنارة، وذلك وفقا للأسس الروحية لكل أحد[50]. وهذا ما أكد عليه القديس غريغوريوس النيسي بقوله:

“إن استعلان النور الإلهي الذي لشمس البر قد بدد ظلام الشر الذي للشيطان، وأنار الكون كله بنفس الطبيعة التي لنا، وكل ما سقط في هذه الطبيعة جعله يقوم، وقاد من هم في حرب إلى السلام الحقيقي، ورد المرذول إلى الشركة، ومن سقط من الحياة أعاده إليها مرة أخرى، ورد المسبي الخاضع لنير العبودية إلى مقامه الملوكي، وكل من كان مقيدا بقيود الموت، أعاده محررا إلى كورة الأحياء”[51].

وفي النقطة السابعة يتحدث عما نتج عن الخطيئة من إنفصال عن الله، ولهذا كان عمل المصالحة الذي قدمه الكلمة المتجسد على الصليب. وهذا يتفق مع ما كلام ق. يوحنا ذهبي الفم عن عمل المصالحة بواسطة آلام الصليب، فيقول:

“هذا الصُلح هو صُلح تام وكامل، مظهرا بهذا أن الطبيعة الإنسانية كانت غير مصالحة، كما هو الحال مع القديسين قبل الناموس، ’في جسد واحد‘، أي في جسده ثم يكمل ’مع الله‘. وكيف حدث هذا؟ حدث هذا بعدما جاز الآلام وتحمل الإدانة ’بالصليب قاتلا العداوة به‘”[52].

بينما النقطة الثامنة يتعرض الأنبا شنوده إلى نقطة مهمة عن سمو الإنسان، إذ يشير إلى أن تجسد ابن الله يهب الإنسان سموا ملائكيا، أو بمعنى أدق شبه ملائكي. هذا التعليم ورد عند أوريجانوس في كتاب المبادئ، فيقول:

“يتألف ثالث مصاف الخليقة العاقلة من تلك الأرواح التي حكم الله عليها بأنها خليقة بأن تملأ الجنس البشري، أي من نفوس البشر. إننا نجد بينها بعضا سمت فضائله حتى مصاف الملائكة”[53].

ويبدو أن ق. أثناسيوس يُعلم بالأمر ذاته، ويضع شرط لتحقيق هذا، وهو الشركة في الكلمة المتجسد، فيقول في الكتاب الثالث من ضد الآريوسيين:

“لأن الكلمة هو كل هذه [الأشياء]، التي إن استطاع أحد أن يشترك فيها كأنه شعاع واحد، فإن مثل هذا الإنسان يصير كاملا تماما بين الناس، ومساويا للملائكة. لأن الملائكة ورؤساء الملائكة، والسيادات، وكل الكلمة القوات والعروش باشتراكهم فيه ينظرون دائما وجه أبيه”[54].

 

(4) التأثير الخلاق للحضور الإفخارستي للسيد المسيح في الخبز والخمر:

تلك الكلمات أيضا تغيظ المجدف الذي يقول: “كيف يكون جسد الرب ودمه خبزا وخمرا؟” بعض منا هم من قالوا هذا؛ لأن قلبهم قد أفسدته كلمات أوريجانوس. أما أنا فأجيب على حمقهم هكذا : هل من صير التراب إنسانا ليست له القدرة أن يصير الخبز والخمر جسدا ودما؟ وعندما يقول: “هذا هو جسدي، هذا هو دمي”، فمن تكون أنت إذا؟ من ممن يقرؤون في الكتاب المقدس بتمعن لا يعرف أن الإنسان الذي خلقه الله كان موضوعا وحيدا مُزينا في كل أعضائه، ولكن بلا حراك مطلقا. ولكن لما نفخ الرب الإله ضابط الكل نسمة حياةٍ في وجهه، صار نفسا حية وتحرك كلية، وتكلم، ومشى، ومد ساعديه للعمل، وبارك بلسانه من خلقه. هكذا أيضا الخبز والخمر الموضوعان على مذبح الرب المقدس ومستقران عليه يسميان خبزا وخمرا، ولكن عندما تُتلى عليهما تلك الإفخارستيا المخوفة، ويرسل عليهما الرب الإله روحه القدوس من السماء، لا يعودان منذ تلك اللحظة خبزا أو خمرا، بل جسد الرب ودمه. وكل أعمال الله تصير بالإيمان، فإن كان عندك إيمان فعندك كمال السر، وإن لم يكن عندك إيمان فليس لك رجاء في السر ورب السر.

لقد كتبنا أيضا كلاما كثيرا عن السر ولكن [من المفيد] أيضا أن نقول كلاما آخر، أوله قوة وآخره دليل قاطع على الذين لا يؤمنون. أما نحن فنؤمن أنهما جسده ودمه، ولن نشك أنه الخبز الحقيقي الذي نزل من السماء. الخبز والماء هما حياة الأجسام البشرية، أما جسد الرب ودمه فهما الحياة الروحية […] لأن جسده مأكل حق ودمه مشرب حق. لأنه قال […] جسديا، الذين يؤمنون حسنا هم […] طعاما روحيا وشرابا روحيا جسد ودم الرب يسوع […] بركتنا، الرب الإله، هو وأبيه[55].

تتصف كتابات الأنبا شنوده بالتشبيهات والقياسات المتميزة بعض الشيء- إن لم تكن النادرة- إذ يرد في هذا الاقتباس السابق قياسان لافتان للانتباه، ويمكن حصرهما في الآتي:

  1. نفخة الرب الإله في خلق الإنسان وصيرورته نفسا حية، يقابلها الخبز والخمر على المذبح إذ يُتلى عليهما الإفخارستيا ويرسل عليهما الروح القدس فلا يعودان خبزا وخمرا بل جسد الرب ودمه.

يعتمد الأنبا شنوده في منظوره الأنثربولوجي على التكوين الثنائي للإنسان، أي نفس وجسد، وذلك يظهر بوضوح في عظة إني أتعجب فقرة 71- سيتم تناول هذا الجزء لاحقا- وكي ما يتم توضيح القياس بشكلٍ أكبر، يجب فهم معنى صيرورة الإنسان نفسا حية بنفخة الرب الإله. إن الطريقة التي خلق بها الله آدم تميزت عن طريقة خلق الكائنات الأخرى، فبعدما اكتمل الإنسان نفسا وجسدا نفخ فيه الله نسمة حياة، إذ يقول ق. كيرلس:

“وحتى لا يعتبر أن هذا الذي كان شبيها جدا بالمجد السماوي، خلق بنفس الطريقة التي خلقت بها المخلوقات الأخرى التي لم تكن هكذا، كرم خلقته، وذلك بإرادته الإلهية فقط، وعلى الرغم من أنه قد خلقه من الطين، إلا أنه كائن حي عاقل ونفخ فيه مباشرة روحا خالدة ومحيية، لأنه مكتوب: ’ونفخ في وجهه نسمة حياة. فصار آدم نفسا حية‘ (تك ٢: ٧)”[56].

ويتضح من النص أن النفخة الإلهية في آدم كانت روحا غير مخلوق لأنه كان روحا خالدا ومحييا، وهذا الروح بحسب آباء كنيسة الإسكندرية كان هو الروح القدس[57]. وتوجد قاعدة إيمانية هامة هي: الآب بالكلمة في الروح القدس يخلق كل الأشياء، وكما شُهد في مقدمة إنجيل يوحنا، فكل شيء بالكلمة كان وبغيره لم يكن شيء مما كان، وفيه كانت الحياة لكل المخلوقات، وبحسب ق. أثناسيوس، الروح القدس مالئ كل الأشياء وحاضر فيها وبواسطته تنال كل المخلوقات حياة من الكلمة[58]. ويقول ق. إيرينيؤس في هذا السياق:

“أما الإنسان، فقد خلقه بيديه نفسها، أخذا جزءا رقيقا ونقيا من الأرض ثم وحده بجزء من قوته. بعد ذلك طبع صورته على خليقته حتى يكون مميزا تمييزا واضحا، بأنه مخلوق على صورة الله، ثم وضع الإنسان المخلوق على الأرض لكي يمثل صورة الله فيها، ولكي ينقل الله الحياة إلى الإنسان نفخ في وجهه نسمة الحياة، وهذه جعلت الإنسان شبيها بالله”[59].

مما سبق، يمكن القول إن أنبا شنوده يشير إلى أن هناك عنصرين هما نفس وجسد الإنسان، يطرأ عليهما عمل حركي وهو نفخة الله في وجه الإنسان، ويصاحب هذا العمل الحركي حلول للروح القدس ينتج عنه صيرورة الإنسان نفسا حية. تتشابه صورة خلق الإنسان الأول مع الممارسة الإفخارستية، إذ توجد الثنائية ذاتها في العنصرين الإفخارسيين، أي الخبز والخمر، ويمثل الجانب العملي التلاوة الإفخارستية أي طقس القداس ذاته[60]، ومن ثم تتفق الصورتان في حلول الروح القدس المُغير إذ يُصير الخبز والخمر إلى جسد الرب ودمه.

 

  1. الخبز والماء هما حياة الأجسام البشرية، ويقابلهما أن جسد الرب ودمه هما الحياة الروحية.

يقدم أنبا شنوده هنا مقابلة حسية بعض الشيء، ما بين دور الخبز والماء وتأثيرهما على وجود الجسم البشري، وما بين الخبز والخمر أو جسد الرب ودمه في هبة الحياة الروحية. هذه المقابلة الحسية الإفخارستية- إذا جاز التعبير- تُظهر تأثرا واضحا بالمقابلة الآبائية بين الماء والإفخارستيا، فعلى سبيل المثال لا الحصر، يقول ق. أمبروسيوس:

“كانت مارة عين ماء شديدة المرارة ، فلما طرح فيها موسى الشجرة أصبحت مياهها عذبة. لأن الماء بدون الكرازة بصليب الرب لا فائدة منه للخلاص العتيد، ولكن بعد أن تكرس بسر صليب الخلاص يصبح مناسبا لاستعماله في الجرن الروحي، وكأس الخلاص[61].

وعن كون الإفخارستيا مصدرا للحياة بالروح، يتضح تأثير ق. كيرلس في هذا الأمر، إذ يقول:

“لهذا بذل المسيح جسده الشخصي لحياة الجميع (على الصليب)، ومرة أخرى يجعل الحياة تسكن فينا بواسطة جسده (في الإفخارستيا)[62].

4. الصراع ضد النسطورية

كان أنبا شنوده يتحدث باهتمام فيما يخص التعليم الخريستولوجي، ويهتم بكيفية التعامل مع إلوهية وإنسانية المسيح بعبارات مباشرة أساسية للغاية. ويتناول أنبا شنوده هذه النقاط الخريستولوجية في نصوص ثلاثة رئيسة: عظة “إني أتعجب” (حوالي 445م)، و”حدث ذات يوم” (حوالي 455م)، و”عندما تحدث الكلمة”. يناقش فيها أنبا شنوده باستفاضة، موضوع إنسانية وإلوهية المسيح. إذ يشير في عظة إني أتعجب إلى نسطور مباشرة، والذي يقتبس منه بشكلٍ منظم. في البداية، ركزت حُجج أنبا شنوده ضد نسطور في عظة أني أتعجب على الوجود السابق لابن الله من جهة إلوهيته، وذلك في سياق حديثه عن الولادة الجسدية من مريم العذراء[63].

لم يذكر نسطور مباشرة بعد في هذا الجزء، ولكنه يشير إلى شخص يقول إن مريم حبلت بالمسيح وليس الله[64]. يشير هذا الاقتباس بلا شك إلى الصراع الدائر في الكنيسة بين مفهومين: والدة الإله θεοτόκος، ووالدة المسيح χριστοτόκος، واللذين مثلا محور الصراع النسطوري. فمصطلح χριστοτόκος هو ما اقترحه نسطور لتسوية الجدال في نطاق سلطته بين أولئك الذين أرادوا الاعتراف بأن مريم كانت فقط (والدة الإنسان ἀνθρωποτόκος)، وأولئك الذين يؤكدون على استخدام لقب مريم العذراء التقليدي، (والدة الإله θεοτόκος). جادل نسطور بأنه يمكن استخدام كلا المصطلحين بطريقة أرثوذكسية، إذا تم شرحهما بشكلٍ صحيح من وجهة نظره، لكنه يرى أن مصطلح χριστοτόκος سيكون أقل غموضا واتفاقا مع الأسفار المقدسة[65].

يهدف أنبا شنوده هنا إلى إظهار أن الذي وُلد من العذراء مريم (غلاطية 4: 4) هو أيضا الذي كان موجودا مع الآب قبل خلق أي شيء (يو 1: 3؛ 18:28؛ 20: 21). يسوع المسيح هو إنسان واللوغوس الأزلي في آنٍ واحد. ونتيجة لهذا الاتحاد السري، فإن المولود من مريم العذراء هو حقا (1) الإله الأزلي، الذي كان قبل الخليقة، ولكن هو أيضا (2) إنسان كامل. ويصف أنبا شنوده هذه المفارقة فيما يتعلق بمريم العذراء على هذا النحو: مريم بحسب التدبير هي والدته؛ وبحسب إلوهيته السامية، هي أمته (ⲧⲉϥϩⲙϩⲁⲗ)[66]. تتلاقى الحجج المناهضة للآريوسية مع الحجج المناهضة للنسطورية في هذا الجزء، وذلك من جهة الاتحاد، الذي تأسس في رحم مريم العذراء، إذ أصبح ابن الله الأزلي، الذي به خلق كل شيء، إنسانا بينما ظل إلها[67].

ويتحدث أنبا شنوده عن أن نسطور آمن بأن المسيح “إنسان سكن فيه الله” وذلك “بعد أن وُلد من مريم حل فيه اللوغوس” (إني أتعجب 68). وفي عظته بعنوان حدث ذات يوم يتحدث عن لاهوت نسطور: “قال ’إنها ولدت إنسانا صالحا (ⲭⲣⲏⲥⲧⲟⲥ)‘ مثله مثل موسى وداود وآخرين”[68]. ويشير Davis [69] إلى أن أنبا شنوده قام بتغيير في اقتباسه الأخير من نسطور، فقد أبدل كلمة χριστοτόκος إلى كلمة χρηστοτόκος، والتي يمكن ترجمتها إلى إنسان صالح[70]. ومن خلال هذا الأمر يشير أنبا شنوده إلى أن نسطور يتمسك بإصرارٍ كبيرٍ بمفهوم والدة الإنسان ἀνθρωποτόκος. وفي هذا يمكن أن يكون هذا التغيير إما أسلوب بلاغي ذكي أو علامة واضحة أن أنبا شنوده ليس على دراية جيدة بفكر نسطور.

ولكن من الواضح أن أنبا شنوده يعرف الجدل الدائر حول مسألة ما إذا كانت مريم حملت “المسيح” أم “الإله”[71]. لذلك يمكن ترجيح أمر معرفة أنبا شنوده أن نسطور استخدم المصطلح χριστοτόκος، وليس χρηστοτόκος. لقد قدم أنبا شنوده فكر نسطور وذلك على السياق ذاته مع مفهوم χρηστοτόκος، أي من حيث أن يسوع مجرد إنسان مبارك حل عليه اللوغوس بعد الولادة[72]. يُقدم أنبا شنوده هنا إعادة توضيح لفكر نسطور كشكل من أشكال التبنوية adoptionism؛ إذ أتى اللوغوس إلى الابن المولود من مريم بعد ولادته[73]. إذ صياغة السُكنى وحدها الموجودة في أعمال نسطور لا توضح المعنى الكامل لفكره، ولكن مفهوم التبني في لاهوت نسطور هو ما يعني ضمنيا وجود صلة ضعيفة بين الناسوت واللاهوت في المسيح.

أي أن الأنبا شنوده يخلُص إلى أن فكر نسطور هو مجرد فكر فقير. وهذا يدعم الاستنتاج الذي توصل إليه Hugo Lundhaug[74] بأن أنبا شنوده يستخدم نسطور أساسا لأغراض بلاغية وليس للمشاركة في الجدال الأكبر ضد النساطرة؛ ويبدو أن أنبا شنوده يستخدم الإشارات إلى أولئك الهراطقة كأسلحة بلاغية في معركة ضد خصوم مختلفين في نطاقه، مستخدما إشارات إلى هراطقة معروفين على نطاق واسع بسوء تعاليمهم، وذلك نتيجة لوجود نقاط مشتركة مع آراء واتجاهات معينة لخصومه المحليين[75].

تتفق هذه الملاحظات أيضا بشكلٍ واضح مع إشارة دكتور صموئيل معوض: “معظم الرهبان لم يكونوا لاهوتيين ولم يحاولوا أن يكونوا كذلك. ولم يتمكنوا ولم يحاولوا الوصول إلى المصادر اللاهوتية، لأن غالبيتهم لم يتمكنوا من فهم اللغة اليونانية”[76]. إذا كان الهدف الرئيس للرهبان هو تقديم الدعم لآبائهم البطاركة[77]. وردا على التذمر الخريستولوجي المتزايد، كتب ق. كيرلس في رسالته إلى الرهبان، أنه لا يتوقع أن يهتم رهبانه بهذه الأسئلة على مستوى تعليمي متقدم، فيقول:

لذلك، كيف يحدث أني لا أعرف أن حياتكم مضيئة وجديرة بالإعجاب وأن إيمانكم الصحيح وغير الملوم، مؤسس على أساس سليم؟ ولكنني اضطربت جدا لأني قد سمعت أن بعض الإشاعات قد وصلت إليكم، وأن بعض الناس يتجولون لهدم إيمانكم البسيط، ويتقيأون كثرة من سفه الأقوال الجزافية غير النافعة، ويضعون تساؤلات ويقولون: هل ينبغي أن تدعى العذراء القديسة مريم، والدة الإله أم لا؟ إنه يكون من الأفضل لكم أن لا تلتفتوا بالمرة إلى مثل هذه المباحثات، وألا تحفروا بالمرة وراء أسئلة صعبة، تُرى كما في مرآة أو في لغز للعقل الكامل والذهن المدرب، لأن الأمور الدقيقة في القضايا الفكرية تعلو على فهم غير الكاملين (قليلي المعرفة).

وعلى أي حال فأنتم لم تظلوا جاهلين تماما لمثل هذه المناقشات ومن المحتمل أن البعض يغرمون بحب الانتصار في المجادلة وفي تثبيت هذا الأذى، مثل وتد في عقول غير الثابتين، ولذلك فكرت أنه من الضروري أن أقول لكم كلمات قليلة بخصوص هذه الأمور التي كلمتكم عنها، وأنا لا أفعل هذا لكي تدخلوا معركة أكبر حول الأقوال بل بالحري أقصد أن تهربوا من خطر الضلال إن برز أحد بهجوم على الحق بكلمات جزافية، وأيضا لكي تنفعوا الآخرين، كأخوة بالأفكار المناسبة، وتقنعوهم أن يحفظوا الإيمان (الإلهي) المسلم من فوق بواسطة الرسل إلى الكنائس، كجوهرة ثمينة في نفوسهم[78].

يريد ق. كيرلس أن يُعرف الرهبان كيف يتفاعلون عندما يواجهون هذه البدع، لكن لا يريد لهم أن يتفاعلوا مع “الأمور الدقيقة”. ومع أخذ هذه الأمور في الاعتبار، فإن إشارت أنبا شنوده لفكر نسطور هو بالضبط ما يمكن توقعه من وجود هذا الدور الداعم الذي أشار إليه ق. كيرلس. لا تكمُن الفكرة في أن أنبا شنوده لن يكون قادرا على فهم التفاصيل الفرعية لفكر نسطور؛ بل، أنه ليس من عمل أنبا شنوده دحض هذه المذاهب الهرطوقية على المستوى اللاهوتي الدقيق، إن مهمته هي مجرد تقديم الاعتراض على تعاليم نسطور والجدل على غرار آباء الكنيسة الذين يُعهد إليهم بالتعليم في صورته الدقيقة[79].

5. طبيعة واحدة

يوجد توجه في البحث الأكاديمي حول الأنبا شنوده، وذلك من جهة اعتباره مُدافعا متشددا عن خريستولوجية ق. كيرلس وق. ديسقورس بشكلٍ محدد. وقد كتب Bethune-Baker[80] في كتابه عن نسطور: “كان [أنبا شنوده] مدافعا شرسا لديوسقورس مثله مثل كيرلس، إذ رفض قبول قرارات مجمع خلقيدونية”[81]. وكتب أيضا G. T. Stokes[82]، في قاموس السير المسيحية: “عاش أنبا شنوده ليكون مهرطقا على النقيض من نسطور. وبعد مجمع خلقيدونية، أصبح مونوفيزيت ومناصرا عنيفا للبطريرك ديوسقورس الإسكندري”[83]. ولكن لم يقدم أيٍ منهما دليلا لاهوتيا على كلامهما.

إذ يشيران إلى عمل Revillout[84] الذي يعود إلى عام 1883م[85]، فهو يرى مثل Grillmeier، أن ارتباط نظرة الغرب عن أنبا شنوده باعتباره معبرا عن الفكر المونوفيزيتي أو غير الخلقيدوني، هو نتيجة لانتمائه الشديد ومناصرته للبابا كيرلس والبابا ديسقورس بشكلٍ خاص. ورغم مرور فترة زمانية كبيرة لا يزال هذا الفكر عن الأنبا شنوده متواجدا، إذ يشير Davis إلى دفاع أنبا شنوده عن أن هناك طبيعة واحدة فقط في شخص المسيح، وذلك نتيجة لكونه مجرد شخص كيرلسي على حد تعبيره، أي له ولاء كبير لتعاليم ق. كيرلس[86]. والدليل الذي يقدمه لهذا الاستنتاج هو مقطع صغير في عظة إني أتعجب، وفيه يقدم أنبا شنوده تفسيراته ليوحنا 10: 30، إذ يقول:

“اسمع الرب وهو يقول: “أنا وأبي، واحد”. لأن بقوله “أنا وأبي” يبين الأقانيم، أما بقوله: “نحن واحد”، فيشير إلى وحدة طبيعته أنها نفس جوهر (الآب)” (عظة إني أتعجب 86).

يستخدم الأنبا شنوده هنا الشاهد الكتابي في يو 14: 28، للتأكيد على أن الآب والابن لهما قداسة وكرامة وطبيعة واحدة. بينما يقول Davis إن هذا “يربط بين عقيدة كيرلس عن الطبيعة الواحدة للكلمة المتجسد مع عقيدة نيقية للجوهر المشترك الذي يشترك فيه الكلمة مع الآب”[87]. يعتبر Davis كلام أنبا شنوده هذا دفاعا عن مفهوم “الطبيعة الواحدة” من جهة تجسد الكلمة[88]. وهذه القراءة تعتبر إشكالية على عدة مستويات لهذا المقطع بعينه؛ هذا إلى جانب أن الاستنتاج الذي استخلصه Davis لهذا التفسير يتعارض مع باقي النصوص المتوفرة لأنبا شنوده[89].

لا يوجد شيء في السياق المباشر لهذا المقطع من أنبا شنوده يتعامل مع التعليم الخريستولوجي أو يذكر نسطور بالاسم. ولا يوجد وصف أو تلميح، سواء بشكلٍ إيجابيٍ أو سلبيٍ حول اعتبار هذا المقطع هو تصور للعلاقة بين الناسوت واللاهوت في شخص المسيح. إذ يشدد أنبا شنوده على المساواة بين الآب والابن في الجوهر، ويكون هذا السياق متماشيا مع الجدل ضد الآريوسية بالأكثر، وهو ما تم التأكيد عليه من خلال إشارة أنبا شنوده للبابا أثناسيوس، وذلك باقتباس من المقالة الثالثة ضد الآريوسيين:

“’أنا والآب واحد‘، أو ’أنا في الآب والآب في‘، بل قد قيل عنهم جميعا ’من مثلك بين الآلهة يا رب‘؟ و’من يشبه الرب بين أبناء الله‘؟، ولكن قيل عن الابن وحده إنه الصورة الحقيقية للآب ومن جوهره”[90].

إن أوجه التشابه بين كلمات ق. أثناسيوس وعمل أنبا شنوده السالف الذكر واضحة؛ إذ كلاهما يربط بين قول المسيح في يو 10: 30 والتأكيد أن الآب والابن لهما نفس الجوهر ولهما طبيعة واحدة. لذلك يجب قراءة اقتباس أنبا شنوده على يو 10: 30 بحسب سياق كلام ق. أثناسيوس نفسه، أي الطبيعة الإلهية غير المنقسمة وبالتالي لا ينبغي النظر إلى إلوهية الابن على أنها مختلفة أو غريبة عن إلوهية الآب، وهكذا يتعلق هذا المقطع بإلوهية الابن وليس تجسده.

وعند فحص النصوص المتاحة التي وصلت من كتابات أنبا شنوه، نجد استخدامه لمصطلح ⲫⲩⲥⲓⲥ ست مرات: أربع مرات في عظة (إني أتعجب): مرة واحدة، في (فقرة 15)، في اقتباس من أريوس: “إنه ليس ابن الله بالطبيعة”؛ ومرة واحدة في (فقرة 71)، إذ يقول: “ليس لأن طبيعة اللاهوت ماتت”؛ ومرة ​​واحدة في (فقرة 42) للدلالة على الطبيعة البشرية بشكلٍ عام؛ ومرة في الإشارة لوحدة الجوهر بين الآب والابن في (فقرة 86). ويُستخدم مصطلح جوهر ⲟⲩⲥⲓ̅ⲁ ثلاث مرات، وجميعها للتأكيد على وحدة الجوهر (مرة واحدة في فقرة 17، مرتان في فقرة 86). ومصطلح ϩⲩⲡⲟⲥⲧⲁⲥⲓⲥ مرة في فقرة 86.

ورغم أن هذا المقطع المحدد في يو 10: 30 لا يرتبط مباشرة بالجدل الخريستولوجي، إلا أن أنبا شنوده يناقش ويدحض نسطور على نطاق واسع في مواضع أخرى (إني أتعجب، فقرات 68، 70، 74، 76، 77؛ حدث ذات يوم، فقرة 7). ومع ذلك، في سياق هذا الجدل النسطوري، يستخدم مصطلح “الطبيعة” مرة واحدة فقط، ولكن في الحديث عن وحدة الطبيعة بين الآب والابن، وذلك لا يتفق مع الطرح الذي يقدمه Davis عن هذا الجزء عند الأنبا شنوده[91].

 

6. المسيح غير المنقسم

رغم حديث أنبا شنوده المتكرر عن فكر نسطور، إلا أن المشكلة في فكر نسطور التي يحاول أنبا شنوده معالجتها تتماشى مع الانتقادات الرئيسة لخريستولوجية نسطور؛ إذ يفصل نسطور الناسوت عن اللاهوت في شخص المسيح. وبحسب أنبا شنوده، يقول نسطور أن الناسوت هو الذي يصرخ ضد الإلوهية بقوله: “لماذا تركتني؟” و”إن اللاهوت صعد للأعلى تاركا الناسوت على الصليب” (عظة إني أتعجب 70). يرى نسطور أن ما يقال عن الناسوت لا يمكن أن يقال عن اللاهوت، بل لا بد أن يُنسب إلى الناسوت فقط (عظة إني أتعجب 68). في المقابل تشير خريستولوجية ق. كيرلس إلى مفهوم تبادل الصفات، وهو ما لم يرغب نسطور في قبوله، إذ يقول في رسالته إلى ق. كيرلس:

“انظر بتدقيق… وستجد أن خورس الآباء الملهم من الله، لم يقل إن اللاهوت الواحد في الجوهر يمكن أن يتألم، ولا أن اللاهوت الأزلي مع الآب قد ولد حديثا، ولا أن اللاهوت قام من الأموات عند إقامة هيكله المنقوض”[92].

هذا الاعتقاد يجبر نسطور على القول إن اللاهوت لا يمكن أن يكون له دور في موت يسوع المسيح وصرخته نحو الله الآب. في المقابل يتناول أنبا شنوده هذه الادعاءات من خلال الاحتكام إلى الكتاب المقدس، موضحا أن الكلمة هو ذاته الذي تجسد (1يو 1)، ويقال عنه- وهو الكلمة المتجسد- أنه صُلب (رؤ 3: 15)، وهو الذي صرخ إلى الآب لحظة موته (مت 27: 46) وهو الذي طُعن (يو 19: 37). إذ أن المسيح إله كامل وإنسان كامل، مات وتألم في الجسد (1بط 4: 1):

“لكن كلمات الرسول توبخ حماقته: ’صلبوا رب المجد‘، وأيضا: ’رئيس الحياة قتلتموه‘. لم يقل: ’هو إنسان مقترن بإله‘. وكذلك: ’الذي إذ كان في صورة الله أطاع حتى الموت‘. ليس لأن طبيعة اللاهوت ماتت، بل هو قد مات بالجسد، كما هو مكتوب: ’فإذ قد تألم المسيح بالجسد‘؛ لأن اللاهوت لم ينفصل عن الناسوت وهو على الصليب. افهم هذا بمثال منا: هل لو قتل شخص يقال: ’لقد قتل الجسد‘؟ أ لا يُقال: ’لقد قُتل الإنسان كله‘؟ رغم أن النفس لا تموت، بل الجسد فقط هو الذي يموت. هكذا أيضا الحال مع الرب: مات بالجسد، أما بلاهوته فهو غير مائت. لأنه هكذا قال: ’اشترك في الدم واللحم‘، كما أننا قلنا مرارا كثيرة: ’الكلمة صار جسدا‘” (عظة إني أتعجب 71).

ويشير Grillmeier إلى تمييز أنبا شنوده في هذا المقطع بين “الشخص” و”الطبيعة” عند الحديث عن المسيح؛ إذ يفترض أن الطبيعة الإلهية لا تتألم في ذاتها، بل في الطبيعة البشرية[93]. وهذا بحسب ما قاله أنبا شنوده: “ليس لأن طبيعة اللاهوت ماتت (ⲫⲩⲥⲓⲥ ⲛ̅ⲧⲙⲛⲧⲛⲟⲩⲧⲉ)، بل هو قد مات بالجسد، كما هو مكتوب: ’فإذ قد تألم المسيح بالجسد‘ (1بط 4: 1)”. ويستخدم الأنبا شنوده هنا مصطلح (الطبيعة ⲫⲩⲥⲓⲥ) في سياق خريستولوجي. وهكذا مات يسوع المسيح مصلوبا على الصليب، بينما لاهوته لم يفارق ناسوته. يمكن اعتبار أن هذا التمييز الذي يقدمه أنبا شنوده بين الشخص والطبيعة، هو نتيجة الالتزام الكتابي جنبا إلى جنب مع معرفته بالاعتراف المسيحي الأساسي بعدم وجود انقسام بين الناسوت واللاهوت في الكلمة المتجسد.

ورغم أن يسوع المسيح مات بحسب الجسد، بحد تعبير أنبا شنوده كتابيا، إلا أنه يضع مركزية العمل وأصله مع الأقنوم الثاني من الثالوث، أي الله الكلمة. ويتضح هذا من العبارتين التاليين: “أنت ترى إذا أن اللوغوس الكائن منذ البدء هو نفسه الذي لمسوه هم في الجسد، ولم يكن مجرد إنسان محض هكذا” (إني أتعجب 69). لاحقا، كتب أنبا شنوده، في مقطع يتناول فكر أبوليناريس: “أما اللوغوس فهو الذي تجسد، راغبا أن يُظهر ذلك؛ أنه تأنس فعلا” (إني أتعجب 78). ولا يخشى أنبا شنوده من الاعتراف بإنسانية المسيح الحقيقية، ورغم ذلك يؤكد على الوجود السابق للوغوس، مع الإشارة إلى أن يسوع المسيح قد جاع وعطش وصرخ وتألم.

وقد تم الدمج بين فكرتين في سياق حديث الأنبا شنوده ضد تعاليم نسطور؛ فمن ناحية، توجد نقطة الفصل (ⲉⲛϥⲡⲱⲣϫ)[94] بين الناسوت عن اللاهوت في الكلمة المتجسد، وهو ما يُتهم بها نسطور، ومن ناحية أخرى يوجد مفهوم عدم الانقسام في الكلمة المتجسد، وهذا ما علم به أنبا شنوده. لا يستخدم أنبا شنوده في شرحه الخريستولوجي كلمات مثل “اتحاد” أو “وحدة”، لكنه يصف هذه العلاقة بمصطلحات سلبية نافية. إذ يعتبر أن الطريقة الصحيحة للكلام عن المسيح هي عبر عدم الفصل بين الطبيعتين. ويمكن النظر إلى مفهوم عدم الفصل هذا على أنه القضية المركزية للجدل، وهي طريقة أنبا شنوده للحكم على ما إذا كانت فكرة معينة عن المسيح صحيحة أم لا.

فهو لا يقبل الاعتقاد بأن أفعالا معينة للمسيح تتم بواسطة إحدى الطبيعتين بشكلٍ خاص يوحي بالانفصال، أو الاعتقاد بالافتراق الحرفي للكلمة عن المسيح عندما سُمر على الصليب. ورغم ذلك لا يناقش أنبا شنوده ما تستلزمه وحدة المسيح أو عدم انفصاله بحد تعبيره؛ هو فقط يجادل ببساطة في أن كل ما يقال عن المسيح أو يُنسب إليه يجب أن يقال عن يسوع المسيح من جهة أنه “الكلمة” المتجسد.

ويشير Knecht[95] إلى أن هذه الطريقة في الدفاع عن عدم انفصال اللاهوت عن الناسوت في المسيح، لها أوجه تشابه مذهلة مع التعليم الخريستولوجي عند ق. أثناسيوس وفي النصوص المنحولة المنسوبة له. إذ لا يقدم تفسيرا واضحا لكيفية التفكير في العلاقة بين لاهوت وناسوت المسيح، كما يفعل أنبا شنوده بالتحديد. إذ جسد المسيح هو بالحق جسده الخاص ولا ينبغي بأي حال من الأحوال وصفه بأنه منفصل عن لاهوته. وتهدف المقارنة التالية إلى إظهار أن: (1) كلام ق. أثناسيوس الموثق النسب والمنحول، وكلام أنبا شنوده يُظهران اهتماما أساسيا بوحدة ناسوت ولاهوت المسيح دون تقديم إطار ميتافيزيقي دقيق لها؛ و(2) إن كل من نصوص ق. أثناسيوس المنحولة وكلام أنبا شنوده يُظهران وعيا مشابها للسر المحيط بلاهوت المسيح غير المتألم وناسوت المسيح المتألم[96]. ويمكن عمل المقارنة التالية للتوضيح:

عظة أنبا شنوده، إني أتعجب

أثناسيوس المنحول، ضد الأريوسيين، المقالة الرابعة

أنت ترى إذا أن اللوغوس الكائن منذ البدء هو نفسه الذي لمسوه هم في الجسد، ولم يكن مجرد إنسان محض هكذا. كذلك قد قيل أيضا عنه: “سينظرون إلى الذي طعنوه، فاللاهوت لم ينفصل أبدا عن الناسوت (69).

لأنه عندما يسمع الإنسان “الكلمة صار جسدا”، لم يظن أن الكلمة لم يعد موجود، هذا أمرٌ سخيف، كما قيل من قبل، هكذا أيضا عند سماعه للكلمة الذي اتحد بالجسد، جاعلا إياه يفهم السر الإلهي واحدا وبسيطا. ومع ذلك، فإن ما قاله رئيس الملائكة لوالدة الله نفسها هو أكثر وضوحا ولا جدال فيه، وهو يُظهر وحدانية الكلمة الإلهي والإنسان[97].

عظة أنبا شنوده، إني أتعجب

المقالة الثالثة ضد الأريوسيين للقديس أثناسيوس

لماذا لم يفهم هو هذا؟ لأن (يسوع) لم يقل ببساطة: “انظروا يدي ورجلي إنسان”، بل قال: “رجلي ويدي”، غير فاصل الناسوت عن اللاهوت (فقرة 69).

لقد وجدنا أنه من الضروري أن نبحث هذه الأمور أولا لكي حينما نراه يعمل أو يقول ما يليق بالله بواسطة جسده، فإننا نعرف أنه يعمل هكذا لأنه هو الله، وأيضا إذ رأيناه يتكلم أو يتألم إنسانيا فإننا لا نجهل أنه باتخاذه الجسد صار إنسانا ولذلك فهو عمل هذه الأعمال وتكلم بهذه الكلمات، لأننا عندما نعرف ما هو خاص بكل منهما (الله والإنسان)، نرى ونفهم أن هذه الأمور التي تجري من كليهما، إنما تتم بواسطة واحد، فإننا نكون مستقيمين في إيماننا، ولن نضل أبدا[98].

توجد توجهات متشابهة بين هذه الاقتباسات فيما سبق. إذ في المقام الأول، يؤكدون على الوجود السابق قبل التجسد لله الكلمة، أي من جهة لاهوت المسيح. وعلى إلوهيته غير المتغيرة، وبكونه لم يتوقف عن أن يكون إلها. إذ أن الذي كان قبل الخليقة كلها، هو ذاته الذي صار جسدا. وتوجد إشارة في رسالة البابا ثيؤفيلوس الفصحية السابعة عشر، إلى أن اللوغوس لم يتغير نتيجة للتجسد، فيقول: “نحن ندرك أنه ظل على ما كان عليه قبل أن يصير إنسانا”[99].

ثانيا، لم يتعرض أيٌ منهم إلى موضوع كيفية الاتحاد بين اللاهوت والناسوت في المسيح. إذ يتحدث أنبا شنوده من جهة أن المسيح يدعو جسده بصيغة الملكية، وذلك لكون هذا الجسد هو جسده الخاص، أي يؤكد على مفهومي التخصيص والإسناد[100]، إذ يعني عدم التخصيص عند أنبا شنوده أن المسيح يصير منقسما إلى حقيقتين منفصلتين. ويلجأ كاتب نص أثناسيوس المنحول إلى مفهوم السر عندما يصف الاتحاد، ومن الواضح أنه لا يشير إلى كيفية حدوث هذا الاتحاد. بالنسبة لكليهما، تعتبر حقيقة حدوث الاتحاد هي محور حججهم، وليس الخوض في أي تفاصيل حول كيفية حدوث ذلك. ولكن يقدم ق. أثناسيوس محاولة بسيطة من أجل وصف عملي أكثر للاتحاد في الاقتباس الثاني عندما يقول: “لأننا إذا أدركنا ما هو مناسب من كل جهة، ورأينا وفهمنا أن هذه الأشياء وتلك قام بها شخص واحد”. ومع ذلك، يمكن النظر إلى هذا الأمر على أنه تمييز بين “الطبيعة” و”الشخص”، كما يشير أنبا شنوده أيضا.

إذ أن صيرورة اللوغوس جسدا بالحقيقة، فإن الجسد هو حقا جسده بالضرورة. ويجب أن يوصف كل من الجسد واللوغوس ويُنظر إليهما على أنهما يشكلان وحدة سرية واحدة. يُبدي أنبا شنوده اهتماما بالدفاع عن وحدة المسيح- وهو اتجاه لم يعبر عنه ق. كيرلس فحسب، بل عبر عنه ق. أثناسيوس بشكلٍ مشابه. ولكن ق. كيرلس يقدم شرحه هذا في سياق صراعه مع النسطورية، مستخدما مصطلحات تقنية وإطار ميتافيزيقي لإعطاء وصف متطور لهذا الاتحاد[101]. بينما يقول ق. أثناسيوس الآتي مقارنة مع الأنبا شنوده:

عظة أنبا شنوده، إني أتعجب

رسالة القديس أثناسيوس إلى أبكتيتوس

… ليس لأن طبيعة اللاهوت ماتت، بل هو قد مات بالجسد، كما هو مكتوب: ’فإذ قد تألم المسيح بالجسد‘، لأن اللاهوت لم ينفصل عن الناسوت وهو على الصليب (71).

لأن تلك الأشياء التى كان يتألم منها، جسد الكلمة البشري، كان الكلمة الذي سكن في الجسد ينسبها لنفسه، لكي نستطيع نحن أن نشترك في لاهوت الكلمة. ومن العجيب، أن الكلمة نفسه كان متألما وغير متألم، فمن ناحية، كان (الكلمة) يتألم لأن جسده هو الذي كان يتألم وكان هو المتألم فيه، ومن الناحية الأخرى، لم يكن الكلمة يتألم، لأن الكلمة إذ هو إله بالطبيعة فهو لا يقبل التألم[102].

يحاول كل من ق. أثناسيوس وأنبا شنوده إعطاء تفسير لموضوع آلام المسيح، ولكن لا يغيب عنهما مفهوم الوحدة بين لاهوت وناسوت الكلمة المتجسد، إذ مع التأكيد على عدم الانفصال بين الطبيعتين أثناء وقوع الآلام، يتم دعم نقطة إلوهية الله الكلمة المتجسد الكاملة. وكلاهما يحصر موضع آلام المسيح في الجسد، على الرغم من أنهما يريدان أيضا التأكيد على عدم انقسام شخصه؛ إذ هو ذاته الذي تألم وهو أيضا غير المتألم. مما لا شك فيه أن ق. كيرلس سيتفق مع هذه العبارات، على الرغم من أنه قدم إطارا ميتافيزيقيا أكثر تعقيدا لتأطير هذه الصيغ العقائدية[103]. يظهر عند الأنبا شنوده بوضوح الميل الإسكندري الأساسي للدفاع عن وحدة المسيح وسمو اللوغوس في التجسد.

ومع ذلك، فإن أنبا شنوده يميل إلى صياغة أكثر بساطة عما كان واضحا في القرن الرابع، إذ يميل إلى الطريقة الأثناسية من جهة اتحاد اللاهوت والناسوت، ولكن لا يتعرض للصياغة الأكثر تعقيدا في زمنه[104]. يوجد مثال واحد يُظهر فيه أنبا شنوده تقدما واضحا عن لاهوت ق. أثناسيوس، وذلك كجزء لا يتجزأ من حجة عدم انقسام المسيح، إذ يستخدم أنبا شنوده تشبيه علاقة النفس بالجسد لإظهار طبيعة هذا الترابط أو الوحدة بين ناسوت ولاهوت المسيح فيما يتعلق بآلامه وموته؛ إذ يقول:

افهم هذا بمثال منا: هل لو قتل شخص يقال: ’لقد قتل الجسد‘؟ ألا يُقال: ’لقد قُتل الإنسان كله‘؟ رغم أن النفس لا تموت، بل الجسد فقط هو الذي يموت. هكذا أيضا الحال مع الرب: مات بالجسد، أما بلاهوته فهو غير مائت. لأنه هكذا قال: ’اشترك في الدم واللحم‘، كما أننا قلنا مرارا كثيرة:’الكلمة صار جسدا‘ (71).

يشير Davis إلى أن استخدام أنبا شنوده لتشبيه النفس والجسد يظهر في أعمال ق. كيرلس، ولكن لم يكن هو أول كاتب يستخدم هذا القياس؛ تم استخدامه بواسطة آريوس وأبوليناريوس في شرح اللوغوس والساركس (الجسد)، ولشرح اللوغوس والأنثروبوس (الإنسان) عند المفكرين الأنطاكيين[105]. وقد استخدمته المجموعة الأخيرة، ليس لتوضيح وحدانية اللاهوت والناسوت، ولكن لتبرير كيف يمكن أن تتحد “طبيعتان” ومع ذلك تظلان كما هما[106]. أثار تفسير هذا التشبيه الأنثروبولوجي كما هو موجود في أعمال كيرلس الإسكندري[107] قدرا كبيرا من التفكير الأكاديمي. إذ بحسب McGuckin[108]: “أكثر صورة تشبيهية متكررة لكيرلس عن اتحاد اللاهوت والناسوت في المسيح هي بناء على ذلك طريقة اتحاد النفس والجسد في الإنسان”[109].

وتشير Young[110] بخصوص هذا الأمر: “أصر كيرلس على أنه بالطريقة نفسها [ينقل الجسد القدرة على التألم إلى النفس غير المتألمة]، تألم اللوغوس بواسطة جسده الخاص، بينما ظل بطبيعته الأساسية غير متألم”[111].  ولكن على عكس العادة الأنطاكية “يستخدم كيرلس الإسكندري القياس لتوضيح الوحدة الوجودية للمسيح، ولكن ليس لتوضيح نوع العلاقة بينهما [أي اللاهوت والناسوت]”[112]. يتفق هؤلاء الأكاديميون على أن الهدف الأساسي عند ق. كيرلس لاستخدام هذا القياس، هو إظهار إمكانية وجود حقيقة أنطولوجية واحدة تتكون من طبيعتين متميزتين بشكلٍ أساسي. إذ أن المسيح له وجود أنطولوجي واحد، وأقنوم واحد فقط[113]. وهكذا يشير هذا القياس إلى وجود حقيقتين متميزتين، تشكلان معا كائنا بشريا واحدا[114]. إذ تكمُن القوة الدافعة وراء هذا التشبيه هي التأكيد على واحدية شخص المسيح أنطولوجيا بحسب ق. كيرلس.

لم يكن أنبا شنوده واضحا ومفصلا مثل ق. كيرلس، لكن لا يزال يمكن العثور على الجوانب الكيرلسية الأساسية في استخدام أنبا شنوده لهذا التشبيه. إذ بالنسبة له، يبدو أن الهدف الرئيس هو التأكيد والدفاع عن تمايُز الطبيعتين مع الحفاظ على الوحدة. فقد كان الكلمة المتجسد هو المصلوب، على الرغم من بقائه غير متألم في إلوهيته. وبذلك يستخدم أنبا شنوده القياس لتأكيد وشرح التمييز بين الذات والطبيعة، كما أشير سابقا. إذ يمكن أن يُنسب “الموت” إلى شخص كامل- نفس وجسد- ولكن لا يتعين على المرء أن يعترف بأن كلا من النفس والجسد، اللذين يشكلان ذلك الشخص، يموتان. وبطريقة مماثلة، لا يجب افتراض أن اللوغوس يموت عندما يقع الموت على شخص المسيح. ويمكن القول إن استخدام تشبيه النفس/الجسد لا لتوضيح طبيعة العلاقة بين اللاهوت والناسوت في المسيح، ولكن فقط لتأكيد أن النفس/الجسد يشكلان معا كائنا واحدا، لذا فإن الاتحاد المتجسد يشكل كينونة أو حقيقة واحدة للمسيح[115].

يقدم أنبا شنوده تأكيدا مستمرا في أن اللوغوس هو أساس كل ما فعله يسوع المسيح وقيل عن المسيح، وذلك من حيث تجسده منذ الحمل فصاعدا صار هناك وحدة مع الجسد. يستمر هذا الإدراك في تفسير أنبا شنوده فيما يتعلق بالأيام الفاصلة بين موت المسيح وقيامته، كما سيُظهر الاقتباس التالي مقارنة مع ق. كيرلس:

عظة أنبا شنوده، إني أتعجب

القديس كيرلس الإسكندري، المسيح الواحد

الإنسان الذي يموت يترك جسده عادة على مرقدٍ لأجل من سيكفنوه، ونفسه تصعد إلى الله. أما الرب يسوع فقد ذاق الموت عنا، وترك جسده على خشبة (الصليب)، ونزل إلى الذين في الجحيم لكي [يُنعم المسيح] على الذين [هم] أعمال يديه في ذلك المكان. كذلك عاد وأقام الجسد في اليوم الثالث، وحمله معه للسموات، وصعد فيه، وسيأتي أيضا فيه ليدين الأحياء والأموات (73).

ولكن إذا كان خصومنا يتمسكون بالقول بأن الابن الوحيد كلمة الله أخذ من نسل داود وإبراهيم إنسانا، وأنه كون هذا الإنسان في أحشاء العذراء القديسة، ثم تصاحب مع هذا الإنسان، وجعله يتذوق الموت ثم أقامه من الأموات وأصعده إلى السموات، وأجلسه عن يمين الله[116].

يُعبر ق. كيرلس عن إشكالية محددة من جهة أن الابن الوحيد الكلمة يعمل بشكلٍ ما مع إنسان في صورة مصاحبة، ومن يعلم هكذا لا يمكنه الاعتراف بأن “الكلمة صار جسدا” (يو 1: 14). أولئك الذين يعترفون بهذا، يعتقدون أن الإنسان قد ارتفع بواسطة المصاحبة إلى مجد الإلوهية. يبدو للوهلة الأولى أن أنبا شنوده يقول ما يجادل ضده ق. كيرلس. ومع ذلك، فإن القراءة الفاحصة تكشف أن أنبا شنوده كان شديد الدقة في هذا المقطع بالتحديد. إذ يقدم أنبا شنوده أولا تصوره الأنثروبولوجي الطبيعي: الإنسان له نفس وجسد[117]. وعندما يموت الإنسان، تستمر نفسه في الوجود بينما يفقد جسده الحياة. وفيما يتعلق بالتجسد، يؤكد أنبا شنوده في موضع آخر، أن اللوغوس اتخذ جسدا ونفسا (عظة إني أتعجب 78). على غرار الإنسان الطبيعي في لحظة الموت، تفارق نفس المسيح جسده. ورغم عدم ذكر ذلك صراحة، إلا أن أنبا شنوده يدرك أن حالة المسيح المتجسد لم تتغير. ويتضح هذا الحضور الإلهي من جهة العمل الخلاصي الذي يُقدم بواسطة نفس المسيح لمن هم في الجحيم أو بحسب المفهوم القبطي (الأمنتي ⲁⲙⲛⲧⲉ)[118].

7. الخريستولوجية الكتابية عند الأنبا شنوده:

يرد في سيرة الأنبا شنوده من وضع تلميذه الأنبا ويصا تصريحا مهما للغاية: “كان [أي الأنبا شنوده] متسربلا بالمسيح، يلهج في الكتاب المقدس على الدوام. ولذلك صارت سيرته وتعاليمه حلوة في فم الجميع”[119]. فقد قرأ الأنبا شنوده الكُتب المقدسة وصار يرددها بطريقة تجعله يتحدث عن المسيح وحده، ويصير المسيح نفسه هو مركز الكتاب المقدس بالنسبة له. وجد هذا تعبيره في صلاة يسوع المذكورة في إحدى عظات أنبا شنوده (عظة إني أتعجب)، والتي قد تعتبر مرحلة مهمة في تاريخ صلاة يسوع بشكلٍ عام[120]:

مبارك أنت، يا الله، أنت وابنك المبارك، الذي اسمك واسمه هم واحد في فم من يقاوم الذين يقولون ذلك الشر المستحدث. فهذا هو غناه ورجاؤه.

في دخوله يقول: الله، وفي خروجه يقول: يسوع.

في رقاده يقول: الله، وفي قيامه يقول: يسوع.

وهو يسبح يقول: الله، وهو يصلي يقول: يسوع.

وحتى لا أطيل في هذا، فأنه واضح أننا حين نقول “يسوع” فإننا ننادي الثالوث المساوي (ⲧⲧⲣⲓⲁⲥ ⲛ︦ⳉⲟⲙⲟⲟⲩⲥⲓⲟⲥ).

ونرى الأنبا ويصا يقول على فم أبيه: “لم أنطق قط بكلمة من عندي لم يضعها المسيح على فمي”[121]. ومن الضروري ملاحظة أن ظهورات السيد المسيح في سيرة الأنبا شنوده التي وضعها تلميذه أنبا ويصا، يظهر فيها الرب يسوع كإنسان، فلم تكن روحانية أنبا شنوده خيالية كالدوسيتية التي حاربها، أو على مثال الأوريجانية[122]، بل صار تمجيد الرب يسوع كإنسان كامل بالحق وإله كامل بالحق.

وقد كان أنبا شنوده يستخدم الكتاب المقدس بانتظام في جداله. وتوجد مجموعة من النصوص كان لها الاهتمام الأكبر بشكلٍ خاص وهي: 1كو 2: 8 ؛ أع 3: 15؛ في 2: 5-8؛ 1بط 4: 1؛ عب ٢: ١٤؛ يو 1: 14؛ مت 1: 18؛ لو 1: 35. ويشير Davis بقوله: “المثير للاهتمام في اختيار أنبا شنوده للمقاطع هنا هو كيف يُبرز نفسه في خضم الجدالات التفسيرية التي احتدمت بين نسطور وكيرلس”[123]، ولا سيما الجمع بين عب 2: 14 “فإذ قد تشارك الأولادُ في اللحم والدم اشترك هُو أيضا كذلك فيهما، لكي يُبيد بالموت ذاك الذي لهُ سُلطانُ الموت، أي إبليس”، ويو 1: 14 “والكلمةُ صار جسدا وحل بيننا، ورأينا مجدهُ، مجدا كما لوحيدٍ من الآب، مملُوءا نعمة وحقا”، وفي 2: 6 “الذي إذ كان في صُورة الله، لم يحسب خُلسة أن يكُون مُعادلا لله”، مع مت 1: 18 “أما ولادةُ يسُوع المسيح فكانت هكذا: لما كانت مريمُ أُمُهُ مخطُوبة ليُوسُف، قبل أن يجتمعا، وُجدت حُبلى من الرُوح القُدُس”، إذ تشير العلاقة بين عبرانيين ويوحنا إلى تأثير عمل ق. كيرلس، وعلاقة فيلبي ومتى بالصراع المباشر مع نسطور[124]. ويحتاج هذا الأمر إلى بعض الفحص. من المؤكد أن في 2: 6أ تقدم في سياق مباشرة ضد النسطورية، ولكن مت 1: 18 لا يتفاعل مع أي ادعاءات نسطورية مباشرة[125]. ولكن يستخدم أنبا شنوده مت 1: 18 من أجل الإشارة إلى كون الناسوت واللاهوت هو حق في تجسد الله الكلمة.

لكن يطرح Davis افتراضا بأن أنبا شنوده يقدم حججه الكتابية ضد نسطور متأثرا بشكل كبير بتفسير ق. كيرلس لتلك النصوص التي استخدمها. ولكن الوضع غير ذلك، إذ أن النصوص التي يستخدمها أنبا شنوده في حججه الخريستولوجية، والطريقة التي يستخدم بها تلك الاقتباسات، هي انعكاس للنصوص والأساليب الكتابية التي استخدمها التقليد الإسكندري لأكثر من قرن، وليست دليلا على التبعية العمياء للقديس كيرلس[126]. ورغم أن كلا من ق. كيرلس وأنبا شنوده يربطان بين عب 2: 14 مع يو 1: 14، إلا أن هذا الارتباط لا يوجد في أعمال ق. كيرلس وحده، ولكن يوجد أيضا في كتابات ق. أثناسيوس. فمجرد إلقاء نظرة سريعة على عمل ق. أثناسيوس وق. ثيؤفيلوس سوف يتضح أن التطبيق لأغلب هذه الآيات الخريستولوجية المذكورة سابقا، بما في ذلك الاقتران بين عب 2: 14 ويو 1: 14، موجودة في عملهما وفي سياقات متشابهة[127]. من الجيد الإشارة إلى أن أنبا شنوده لا يستخدم النصوص التي ذكرها Davis فحسب، بل يقتبس أو يشير إلى عدد كبير من الآيات- بشكلٍ أساسي من العهد الجديد- في تناوله للمسائل الخريستولوجية[128].

على سبيل المثال يرد في المقالة الثانية للقديس أثناسيوس ضد الأريوسيين ربط بين يو 1: 14 وفي 2: 6-8، فيقول:

لأنه مكتوب “في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله”. لم يكن هناك تساؤل بصيغة لماذا، وعندما كُتب “الكلمة صار جسدا” حينئذ ذُكر السبب الذي من أجله قد صار إذ ذُكر “وحل فينا” وعندما يقول الرسول أيضا: “الذي إذ كان في صورة الله” فإنه لم يذكر السبب إلا عندما أخذ صورة عبد. لأنه حينئذ أشار كنتيجة لذلك قائلا: “وضع نفسه وأطاع حتى الموت، موت الصليب”. ولهذا فقد صار جسدا متخذا صورة عبد[129].

على الرغم من أن الربط بين يو 1: 14 مع في 2: 6-8 ليس من ضمن تصنيف Davis لتلك الاقتباسات كتطبيق كيرلسي على حد تعبيره، إلا أنه يشير إلى أن استخدام يو 1: 14 وفي 2: 6-8 كان في التقليد الخريستولوجي الإسكندري لوقتٍ طويل عندما كتب أنبا شنوده نصه هذا. إذ أن الصلة بين يو 1: 14 وفي 2: 6-8 مستخدمة أيضا في الرسالة الفصحية رقم 17 للبابا ثيؤفيلوس (402م)[130]. ومن المثير للاهتمام، أن الربط بين يوحنا ورسالة فيلبي في المقالة الثالثة ضد الآريوسيين للقديس أثناسيوس، يقع في فصل يتناول تفسير 1بط 4: 1[131]، والذي يتماثل مع الاستخدام الوارد في عظة إني أتعجب، والذي اعتبره Davis بشكلٍ غريب أنه تأثير كيرلسي على كتابات أنبا شنوده. علاوة على ذلك، يستخدم ق. أثناسيوس في رسالته إلى أبكتيتوس عددا قليلا من المقاطع التي يلمح إليها أنبا شنوده أو يقتبسها[132].

يتضح بالأكثر أن  أنبا شنوده يتبع التقليد الإسكندري الأوسع ويقدم الحجج الكتابية التي استخدمها ق. أثناسيوس وق. ثيؤفيلوس وق.  كيرلس لوصف من هو المسيح. وهذا يعني بالطبع أن أنبا شنوده يستعين في بعض الأوقات بالقديس كيرلس، ولكن لا يعتبر كيرلسيا بحد تعبير Davis. ببساطة، لا توجد أدلة كافية في أعمال أنبا شنوده لترجيح هذا الافتراض أو نسبه إلى بطريرك بعينه دون الآخرين، سواء كان ق. أثناسيوس أو ق. ثيؤفيلوس أو حتى ق. كيرلس. يمكن ببساطة تحديد غالبية الإشارات الكتابية التي يبلغ عددها 35-40 والتي قدمها أنبا شنوده على أنها تعود للتقليد الإسكندري الخريستولوجي. في ضوء ما وصلت إليه الدراسة حتى الآن، يمكن اعتبار استخدام أنبا شنوده لهذه النصوص الكتابية راجعا إلى وعيه ومديونيته للتقليد الخريستولوجي الإسكندري السابق والمعاصر[133].

8. الخلاصة

يمكن اعتبار خريستولوجية أنبا شنوده أنها ذات بعد إسكندري عميق، إذ يقدم تعليمه عن واحدية شخص المسيح من جهة أن كل ما عمله وقاله المسيح يُقال ويُعمل بالضرورة من الكلمة المتجسد. وتتصف صياغة أنبا شنوده الخريستولوجية بشرح كيفية طبيعة الاتحاد بعبارات سلبية؛ إي الطبيعة غير المنقسمة في المسيح، ورفض التفكير في اللاهوت أو الناسوت بشكلٍ منفصل، وهذه الصياغة ذات تعبيرات شديدة اللهجة وذات طابع تحذيري، لأنه يغلب على هذه الصيغ أن تكون في سياق أخلاقي، حيث يعتبر السياق المهيمن على أغلب كتابات الأنبا شنوده. ولذلك تميل الدراسة إلى أخذ خريستولوجية أنبا شنوده باعتبارات الحياة الرهبانية اليومية في الاتحاد الرهباني الذي كان يترأسه، مما يوفر رؤية أكثر إثمارا وعملية، وأكثر انسجاما مع التوجهات الشخصية عند الأنبا شنوده.

 

التعليم الخريستولوجي بحسب فكر الأنبا شنوده الأرشيمندريت (رئيس المتوحدين)[1]

 

 

[1] الأعمال التي تناولت خريستولوجية أنبا شنوده بالدراسة هي:

Stephen J. Davis, Coptic Christology in Practice, Incarnation and Divine Participation in Late Antique and Medieval Egypt, Oxford Press 2008, p. 59-85; Aloys Grillmeier, Christ in Christian Tradition, Vol. 2, Part 4, p. 167-228; Johannes J. Knecht, The Alexandrian Christology of Shenoute of Atripe, Journal of Eastern Christian Studies 70 (3-4), p. 153-191; H. F. Weiss, Zur Christologie des Schenute von Atripe, Bulletin de la société d’archéologie copte 20 (1969-1970), p. 177-209; L.-Th. Lefort, Catéchèse christologique de Chenoute, Zeitschrift für ägyptische Sprache und Altertumskunde 80 (1955), p. 40-45; Hugo Lundhaug, OSLO, The Christology of Shenoute’s I Am Amazed in Context, In: Origenes im koptischen Ägypten: Der Traktat des Schenute von Atripe gegen die Origenisten: 26, edit by Alfons Fürst, Aschendorff Verlag 2022, p. 115-133.

[2] David Brakke, Andrew Crislip, Selected Discourses of Shenoute the Great: Community, Theology, and Social Conflict in Late Antique Egypt, Cambridge University Press, 2015, p. 27.

[3] وقد قام Stephen Emmel بعمل رسالة الدكتوراه الخاصة به في تصنيف أعمال الأنبا شنوده بشكلٍ شبه مفصل، وتم نشر عمله هذا في:

Stephen Emmel, Shenoute’s Literary Corpus, Vol I, II, Lovanii in Aedibus Peeters 2004.

[4] David Brakke, Andrew Crislip, Op. cit., p. 27.

[5] تختلف القواعد الرهبانية عن القوانين، إذ أن الأخيرة هي مجموعة من العظات الموجهة للرهبان والراهبات، بينما الأولى هي بنود تتعلق بشكل الحياة الرهبانية ما يجب وما لا يجب فعله، وهي موزعه على نصوص القوانين، وقد قام Bentley Layton بتجميع تلك القواعد وعمل دراسة عليها، وتم نشر ترجمة هذا العمل في: بنتلي لايتون، قوانين آبائنا، القواعد الرهبانية للأنبا شنوده رئيس المتوحدين، ترجمة: موريس وهيب، وبيشوي جرجس، مراجعة وتقديم نيافة الأنبا ميخائيل، نشر الكلية الإكليريكية بدير الأنبا رويس، طبعة أولى نوفمبر 2021.

[6] صموئيل قزمان معوض (دكتور)، الأنبا شنوده رئيس المتوحدين: الجزء الأول (سيرته، عظاته، قوانينه)، باناريون، طبعة أولى ديسمبر 2009م، ص 96-106.

[7] Stephen J. Davis, Op. cit., p. 59.

[8] Stephen Emmel, Op. cit., p. 6-14.

[9] Aloys Grillmeier, Op. cit., p. 168, n. 4.

[10] David Brakke, Andrew Crislip, Op. cit., p. 28.

[11] كان Aloys Grillmeier (1910-1998م) كاهنا يسوعيا ألمانيا وعالما لاهوتيا وكاردينالا شماسا للكنيسة الكاثوليكية، له العديد من الدراسات الخاصة بتاريخ التعليم عن طبيعة المسيح، وقد كان مستشارا لمعهد البرو أورينتي للحوارات المسكونية بين الكنيسة القبطية والكنيسة الكاثوليكية؛ للمزيد يمكن الرجوع إلى:

https://www.catholic-hierarchy.org/bishop/bgril.html (28/8/2022)

[12] Aloys Grillmeier, Op. cit., p. 167.

[13] Stephen J. Davis, Op. cit., p. 59ff; Aloys Grillmeier, Op. cit., p. 217ff.

[14] H. Lundhaug, “Baptism in the monasteries of Upper Egypt: the Pachomian corpus and the writings of Shenoute,” in Ablution, Initiation, and Baptism: Late Antiquity, Early Judaism, and Early Christianity, eds. D. Hellholm, T. Vegge, Norderval, and C. Hellholm. Beihefte zur Zeitschrift für die neutestamentliche Wissenschaft 176/II. Berlin 2011, p. 1347–1380.

[15] Hany Takla, “Biblical Manuscripts of the Monastery of St. Shenoute the Archimandrite”, in Christianity and Monasticism in Upper Egypt, eds. Gawdat Gabra and Hany Takla (Cairo, 2008), p. 155-156.

[16] هو عالم ألماني مواليد 1962م، درس اللاهوت الكاثوليكي وعلم فقه اللغة الكلاسيكي وعلوم الشرق المسيحي؛ وصار عضوا بالمجلس الأكاديمي للغات الكتاب المقدس في كلية اللاهوت في ترير.

[17] Hans-Joachim Cristea, Schenute von Atripe: Contra Origenistas, Studien und Texte zu Antike und Christentum, 60 (Tübingen, 2011), p. 66-109.

[18] انظر: زكا فايز لبيب (القس)، صموئيل قزمان معوض (دكتور)، القديس أثناسيوس الرسولي: الرسالة الفصحية 39 لعام 367م، مجلة مدرسة الإسكندرية، السنة الخامسة العدد الثالث 2013م، 257-287.

[19] انظر: أثناسيوس الرسولي (القديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين (الشهادة لإلوهة المسيح)، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، نشر مؤسسة القديس أنطونيوس، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، الطبعة الأولى 2015م.

[20] انظر: صموئيل معوض (دكتور)، إطلالات على تراث الأدب القبطي، ج1، مدرسة الإسكندرية، طبعة أولى سبتمبر 2013م، ص 125-158.

[21] صموئيل معوض (دكتور)، الأنبا شنوده رئيس المتوحدين، ص 158-167.

[22] Russell, Theophilus of Alexandria, p. 4.

[23] Frances M. Young and Andrew Teal, From Nicaea to Chalcedon: A Guide to the Literature and Its Background, Baker Academic 2012, p. 61.

[24] كيرلس الإسكندري (القديس)، رسائل القديس كيرلس الإسكندري، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، د. موريس تاوضروس، نشر مؤسسة القديس أنطونيوس للدراسات الآبائية، طبعة 2020، الرسالة الأولى فقرة 7، ص 3.

[25] Hans-Joachim Cristea, Op. cit., p. 84.

[26] Ibid., p. 90-99.

[27] يقدم Cristea مقارنة بين ق.  كيرلس والأنبا شنوده من جهة تفاعل كلٍ منهما مع الاقتباس نفسه، يمكن الرجوع إلى:

Ibid., p. 92, n. 246.

[28] Janet A. Timbie, “Reading and Rereading Shenoute’s “I Am Amazed”: More Information on Nestorius and Others”, In: The World of Early Egyptian Christianity: Language Literature, and Social Context, eds. James E. Goehring and Janet A. Timbie, CUA Studies in Early Christianity, Washington 2007, p. 70.

[29] كيرلس الإسكندري (القديس)، رسائل القديس كيرلس الإسكندري، ص 27-31، 70-83.

[30] صموئيل معوض (دكتور)، الأنبا شنوده رئيس المتوحدين، ص 144-145، عظة إني أتعجب، فقرة 67.

[31] تقدم الدراسة بعض أقوال الآباء التي تتشابه مع فكر الأنبا شنوده، وذلك لبيان موثوقية أفكاره وامتدادها عبر فكر آباء كنيسة الإسكندرية.

[32] كيرلس الإسكندري (القديس)، رسائل القديس كيرلس الإسكندري، الرسالة رقم 1، فقرة 26، ص 12.

[33] Luigi Gambero, Mary and the Fathers of the Church: The Blessed Virgin Mary in Patristic Thought, ‎Ignatius Press 1999, p. 319.

[34] بطرس كرم صادق، مرجع سابق، ص 81.

[35] Luigi Gambero, Op. cit., p. 242.

[36] تك 1: 26

[37] صموئيل معوض (دكتور)، الأنبا شنوده رئيس المتوحدين، ص174، عظة حدث ذات يوم، فقرة 4.

[38] أي أن كلمة الله الأزلي المولود من الآب قبل الدهور والذي صار إنسانا، لم يكن وجوده لاهوتيا مع بدء وجود طبيعة المسيح الإنسانية في الزمن، بل موجودا قبل الحدث أزليا، وهذا وعيٌ كتابيٌ واضحٌ في (في 2: 6؛ يو 1: 1-18، 17: 5).

[39] Masanobu Endo, Creation and Christology: A Study on the Johannine Prologue in the Light of Early Jewish Creation Accounts (Wissenschaftliche Untersuchungen Zum Neuen Testament 2.Reihe), Mohr Siebeck 2002, p. 233.

[40] مينا فؤاد توفيق، عماد عاطف، الوحدانية والثالوث، دراسة حول مفهوم الوحدانية والثالوث في كتابات الآباء الرسوليين، نشر مدرسة الإسكندرية، طبعة أولى 2022، ص 67.

[41] صموئيل معوض (دكتور)، الأنبا شنوده رئيس المتوحدين، ص172-173، عظة حدث ذات يوم، فقرة 2.

[42] David Brakke, Andrew Crislip, Op. cit., p. 147-148.

[43] فيما يخص هذا النمط البلاغي في العظات القبطية يمكن الرجوع إلى: مارك شريدن، مرجع سابق، ص 245-273.

[44] كيرلس الإسكندري (القديس)، شرح إنجيل يوحنا، 14: 20.

[45] أثناسيوس الرسولي (القديس)، ضد الآريوسيين، 3: 34.

[46] سعيد حكيم (دكتور)، الآباء والعقيدة، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، طبعة أولى يوليو 2012م، ص 115-116.

[47] المرجع السابق، ص116-120.

[48] إغناطيوس الأنطاكي (القديس)، الرسالة إلى أفسس، 20؛ إيرينيؤس، ضد الهرطقات، (3: 19: 1)؛ غريغوريوس النيسي (القديس)، العظة التعليمية الكبرى، 37؛ وهذا بحسب ما ورد في: عماد موريس إسكندر (دكتور)، تدبير ملء الأزمنة، مفهوم الخلاص في التراث الآبائي الشرقي، مركز باناريون للتراث الآبائي، الطبعة الأولى يونيو 2019م، ص 301.

[49] رغم المعادة الشديدة التي يُظهرها أنبا شنوده تجاه أوريجانوس والأوريجانية، إلا أن هذا لا ينفي تأثر أنبا شنوده بصورة أو بأخرى، على سبيل المثال لا الحصر في شرحه لسفر نشيد الأنشاد، يمكن الرجوع إلى: موريس وهيب، تفسير سفر نشيد الأنشاد في عظة الأرشمندريت أنبا شنوده “حينما جلستُ على جبل”، مجلة مدرسة الإسكندرية، العدد الثلاثون السنة الثالثة عشرة، العدد الأول إبريل 2021م، ص 225-250.

[50] سعيد حكيم (دكتور)، التعليم الخريستولوجي في كتابات آباء الكنيسة المعلمين، ص 88.

[51] غريغوريوس النيسي (القديس)، ميلاد المسيح، ترجمة: د. سعيد حكيم، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ص 34.

[52] يوحنا ذهبي الفم (القديس)، تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل أفسس، ترجمة دكتور سعيد حكيم يعقوب، نشر مؤسسة القديس أنطونيوس للدراسات الآبائية، طبعة 2012م، ص 94.

[53] أوريجانوس، المبادئ، (1: 8: 4).

[54] أثناسيوس الرسولي (القديس)، ضد الآريوسيين، 3: 51.

[55] صموئيل معوض (دكتور)، مرجع سابق، ص175-176، عظة حدث ذات يوم، فقرة 8-9.

[56] كيرلس الإسكندري (القديس)، تعليقات لامعة على سفر التكوين (جلافيرا)، مقدمة وترجمة وتعليق د. جورج عوض إبراهيم، نشر  المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، الطبعة الثانية أغسطس 2015، المقالة الأولى، ص 109.

[57] على سبيل المثال لا الحصر، ق. كليمندس الإسكندري، المربي، 2: 3؛ أوريجانوس، ضد كلسس، الفصل 37، كتاب المبادئ، 6: 3؛ كيرلس الإسكندري (القديس)، شرح إنجيل يوحنا، 14: 20، كيرلس الإسكندري (القديس)، ضد الذين يتصورون أن لله هيئة بشرية، ترجمة: دكتور جورج عوض إبراهيم، بدون ناشر، طبعة أولى مايو 2013م، ص 53.

[58] أثناسيوس الرسولي (القديس)، الرسائل عن الروح القدس إلى الأسقف سرابيون، نشر  المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 1: 23.

[59] إيرينيؤس (القديس)، الكرازة الرسولية، الترجمة والمقدمة والتعليقات د. نصحي عبد الشهيد، د. جورج عوض إبراهيم، نشر  المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، الطبعة الثانية يناير 2009، فقرة 11، ص 76-77.

[60] من المثير للاهتمام هو أن بحسب الطقس القبطي الحالي في مماراسات الكاهن الطقسية للقداس، أن يقوم بالنفخ في الخبز عند قوله وقسمه، وعند قوله وذاق يقوم بلأمر ذاته، لكن لم تستطع الدراسة الوصول إلى إشارة مكتوبة على هذه الممارسة، ولكن الأمر مجرد تسليم شفاهي مستمر حتى الآن.

[61] Ambrose, On the Mysteries, 3:14, https://www.newadvent.org/fathers/3405.htm (26/4/2022).

[62] كيرلس الإسكندري (القديس)، شرح إنجيل يوحنا، 6: 51.

[63] عظة إني أتعجب فقرة رقم 67.

[64] لقد وردت هذه العبارة في الترجمة الألمانية لعظة إني أتعجب، إذ تقول: “أما الآخرون الذين يقولون: ’حقا، لقد ولدت مريم المسيح وليس الله‘، فإنهم مثل العميان، (عيونهم) مغلقة كالعميان، بحسب كلمات الكتاب المقدس”، وذلك في

Hans-Joachim Cristea, Op. cit., p. 264 (§451).

[65] Frances M. Young and Andrew Teal, Op. cit., p. 292-293.

[66] Hans-Joachim Cristea, Op. cit., p. 73, 189, 265.

[67] صموئيل معوض (دكتور)، مرجع سابق، ص 174-175، عظة حدث ذات يوم، فقرة 4-6.

[68] Stephen J. Davis, Op. cit., p. 288; L.-Th. Lefort, Op. cit., p. 45;

وهذه ترجمة مختلفة عن ترجمة د. صموئيل معوض في عظة (حدث ذات يوم)، فقرة 7، إذ يقول: “إنها ولدت المسيح الإنسان، مثله مثل موسى وداود وآخرين”. وترجمة كل من Lefort و Davisتتفق مع النص القبطي الذي نشره Lefort المشار إليه هنا.

[69] هو أستاذ وولسي للدراسات الدينية وأستاذ التاريخ بجامعة ييل، متخصص في تاريخ المسيحية القديمة والوسطى، مع التركيز بشكل خاص على شرق البحر الأبيض المتوسط ​​والشرق الأدنى؛ للمزيد يمكن الرجوع إلى:

https://religiousstudies.yale.edu/people/stephen-davis (28/8/2022)

[70] Stephen J. Davis, Op. cit., p. 288 n. 71.

[71] Hans-Joachim Cristea, Op. cit., p. 264 (§451).

[72] Johannes J. Knecht, The Alexandrian Christology of Shenoute of Atripe, Journal of Eastern Christian Studies 70 (3-4), p.162.

[73] Aloys Grillmeier, Christ in Christian Tradition, Vol. 2, Part 4, p. 215.

[74] هو أستاذ في الدراسات الكتابية والأدب المسيحي المبكر بجامعة أوسلو، ومدير المجموعة البحثية للنصوص والمخطوطات القبطية في كلية أصول الدين بجامعة أوسلو؛ للمزيد يمكن الرجوع إلى:

https://hugolundhaug.academia.edu/ (28/8/2022)

[75] H. Lundhaug, Shenoute’s Heresiological Polemics and its Context(s), Jörg Ulrich, Anders-Christian Jacobsen, and David Brakke, eds., Invention, Rewriting, Usurpation: Discursive Fights over Religious Traditions in Antiquity (Early Christianity in the Context of Antiquity 11; Frankfurt: Peter Lang, 2012), 259-260.

[76] Samuel Moawad, ‘The Relationship of St. Shenoute of Atripe with His Contemporary Patriarchs of Alexandria’, Christianity and Monasticism in Upper Egypt, eds. Gawdat Gabra and Hany Takla (Cairo, 2008), p. 107-120.

[77] Ibid., p. 112.

[78] كيرلس الإسكندري (القديس)، رسائل القديس كيرلس الإسكندري، الرسالة الأولى، فقرة 4.

[79] Johannes J. Knecht, Op. cit., p. 164.

[80] كان James Franklin Bethune-Baker (1861-1951م) أستاذا للاهوت بجامعة كامبريدج من 1891م إلى 1935م؛ للمزيد يمكن الرجوع إلى:

https://www.findagrave.com/memorial/97071999/james-franklin-bethune-baker (28/8/2022)

[81] J. F. Bethune-Baker, Nestorius and his Teaching: A Fresh Examination of the Evidence, Cambridge University Press 1908, p. 43.

[82] كان George Thomas Stokes (1843-1898م) مؤرخا كنسيا إيرلنديا.

[83] G.T. Stokes, ‘Senuti’, Dictionary of Christian Biography and Literature to the End of the Sixth Century A.D.: With an Account of the Principal Sects and Heresies, ed. Henry Wace (Grand Rapids, MI, 2007), p. 888-889.

[84] كان Eugène Revillout (1843- 1913م) عالما في المصريات فرنسي الأصل.

[85] E. Revillout, ‘Les origines du schisme égyptien’, Revue de l’histoire des religions Vol. 8 (1883), p. 401-467.

[86] Stephen J. Davis, Op. cit., p. 48.

[87] Ibid., p. 69.

[88] Ibid., p. 70.

[89] Aloys Grillmeier, Christ in Christian Tradition, Vol. 2, Part 4, p. 187.

[90] أثناسيوس الرسولي (القديس)، ضد الآريوسيين، ص 302.

[91] Johannes J. Knecht, Op. cit., p. 171.

[92] كيرلس الإسكندري (القديس)، رسائل القديس كيرلس الإسكندري، رسالة رقم 5، فقرة 3، ص 32-33.

[93] Aloys Grillmeier, Christ in Christian Tradition, Vol. 2, Part 4, p. 216.

[94] “غير فاصل الناسوت عن اللاهوت… فاللاهوت لم ينفصل أبدا عن الناسوت” (إني أتعجب 69)؛ “لأن اللاهوت لم ينفصل عن الناسوت وهو على الصليب” (إني أتعجب 71)

[95] Johannes J. Knecht حاصل على درجة الدكتوراه من جامعة الديس أندرو، وحاليا هو باحث منتسب في اللاهوت التاريخي بالكلية اللاهوت اللإنجيلية في بلجيكا؛ للمزيد يمكن الرجوع إلى:

https://www.etf.edu/medewerkers/johannes-j-knecht/ (28/8/2022)

[96] Johannes J. Knecht, Op. cit., p. 174-175.

[97] Athanasius [pseud.], Oratio contra Arianos IV.32, NPNF 2.4 (see n. 59), p. 446.

[98] أثناسيوس الرسولي (القديس)، ضد الآريوسيين، (3: 35)، ص 338-339.

[99] Norman Russell, Theophilus of Alexandria, p. 120.

[100] للمزيد عن هذه المفاهيم، يمكن الرجوع للجزء الخاص بالقديس أثناسيوس في الفصل الأول.

[101] Mark Moussa, ‘I Am Amazed: Shenoute of Atripe’s Endorsement of Alexandrian Theology in the White Monastery’, Bulletin of the Saint Shenouda Coptic Society, 5 (1998-99), p. 19-40.

[102] أغاثون الأنطوني (الراهب)، مرجع سابق، ص 424.

[103] إذ يستخدم ق. كيرلس تعبيرا دقيقا وهو: “تألم لا تألميا apathos epathen”، را. المرجع السابق، حاشية رقم 4.

[104] Johannes J. Knecht, Op. cit., p. 177-179.

[105] Thomas Weinandy, Op. cit., p. 60-61.

[106] Ibid., p. 61.

[107] كيرلس الإسكندري (القديس)، رسائل القديس كيرلس الإسكندري، 1، 44، 45، 50.

[108] John Anthony McGuckin (مواليد 1952م) هو عالم لاهوت بريطاني، ومؤرخ كنسي، وكاهن وشاعر مسيحي أرثوذكسي.

[109] أغاثون الأنطوني (الراهب)، مرجع سابق، ص 228.

[110] Frances M. Young  هي من مواليد 1939م، وهي عالمة لاهوت مسيحي بريطانية وأستاذة فخرية في جامعة برمنجهام.

[111] Frances M. Young and Andrew Teal, Op. cit., p. 318.

[112] Thomas Weinandy, Op. cit., p. 60.

[113] أغاثون الأنطوني (الراهب)، مرجع سابق، 228-238.

[114] Lionel R. Wickham, Cyril of Alexandria: Select Letters, Oxford, Clarendon Press, 1983, p. xxxii.

[115] Thomas Weinandy, Op. cit., p. 65.

[116] Saint Cyril of Alexandria, On the Unity of Christ, p. 69-70.

[117] يستخدم أنبا شنوده مصطلح ⲥⲱⲙⲁ بشكلٍ ثابت كإشارة إلى الجانب الجسدي من الوجود البشري، ويرى أن مصطلح ⲥⲁⲣⲝ هو مرادف إلى ⲥⲱⲙⲁ، يمكن الرجوع إلى

Hans-Joachim Cristea, Op. cit., p. 193-194.

[118] Norman Russell, Theophilus of Alexandria, p. 52.

وهي اللفظة ذاتها في الليتورجيا القبطية، عبد المسيح صليب البرموسي المسعودي (القمص)، الخولاجي المقدس، ص 361.

[119] صموئيل معوض (دكتور)، الأنبا شنوده رئيس المتوحدين، ص 409.

[120] المرجع السابق، ص 153-154، 157.

[121] المرجع السابق، ص 409.

[122]  إذ يشير الأنبا شنوده إلى رفضه لمفهوم عدم توجيه الصلاة إلى الرب يسوع، بل توجه فقط للآب، انظر صموئيل معوض (دكتور)، مرجع سابق، ص 140.

[123] Stephen J. Davis, Op. cit., p. 70.

[124] Ibid., p. 71-72.

[125] صموئيل معوض (دكتور)، الأنبا شنوده رئيس المتوحدين، عظة إني أتعجب فقرة 72.

[126] Stephen J. Davis, Op. cit., p. 70-72.

[127] Johannes J. Knecht, Op. cit., p. 184.

[128] Ibid., n. 123.

[129] أثناسيوس الرسولي (القديس)، ضد الآريوسيين، فقرة 53، ص 237-238؛ وأيضا في فقرة 29، ص 330-331.

[130] Norman Russell, Theophilus of Alexandria, p. 128-129.

[131] أثناسيوس الرسولي (القديس)، ضد الآريوسيين، 3: 26-35.

[132] أغاثون الأنطوني (الراهب)، مرجع سابق، ص 425.

[133] Johannes J. Knecht, Op. cit., p. 187.

التعليم الخريستولوجي بحسب فكر الأنبا شنوده الأرشيمندريت (رئيس المتوحدين) – الإكليريكي موريس وهيب

الرسالة رقم 39 من رسائل القديس كيرلس الاسكندرى إلى نسطور ويوحنا الأنطاكي

الرسالة رقم 39 من رسائل القديس كيرلس الاسكندرى إلى نسطور ويوحنا الأنطاكي

الرسالة رقم 39 من رسائل القديس كيرلس الاسكندرى إلى نسطور ويوحنا الأنطاكي

مقدمة الرسائل

أهمية هذه الرسائل:

تُعرف هذه الرسائل الثلاث، بأنها الرسائل المسكونية:

          فالرسالة رقم 4 الموجهة إلى نسطور وهى الرسالة الثانية إلى نسطور، قد نعتت بالرسالة العقائدية ، وقد كتبت في أمشير عام 430 م.، قبل مجمع أفسس. وقد اعتمدها مجمع أفسس المسكونى، عندما انعقد سنة 431م باعتبارها تحمل تعليم مجمع نيقية. كما أن مجمع خلقيدونيا سنة 451م ، ومجمع القسطنطينية الثانى سنة 553م ، اعتمد كلاهما الرسالة نفسها.

والرسالة رقم 17، مرسلة إلى نسطور من كيرلس باسم مجمع الأساقفة المنعقد في الأسكندرية في 30 نوفمبر سنة 430م. (وهى الرسالة الثالثة إلى نسطور) وهى تحوى في نهايتها الحرومات المعروفة باسم “الحرومات الاثنى عشر”. وقد أضيفت هذه الرسالة إلى أعمال مجمع أفسس.

          أما الرسالة رقم 39 ، فقد أرسلها البابا كيرلس إلى يوحنا الأنطاكى سنة 433م بعد استعادة السلام والوحدة مع كنيسة إنطاكية. وتظهر هذه الرسالة فرح كيرلس بتحقيق المصالحة واستعادة صداقته مع البطريرك يوحنا. كما تحوى الرسالة وثيقة الاتحاد التى أرسلها مجمع أساقفة إنطاكية إلى البابا كيرلس، وقد وافق البابا كيرلس على هذه الوثيقة كما يظهر في هذه الرسالة. وبسبب الأهمية المسكونية لهذه الرسائل الثلاث، فإنها لا تزال تشكل أساسًا لتحقيق الوحدة الكاملة بين الكنائس الأرثوذكسية بعائلتيها الخلقيدونية وغير الخلقيدونية. فالعائلتان تقبلان تعليم البابا كيرلس كمصدر للتعليم المستقيم بخصوص شخص المسيح وكيفية التعبير عن سر التجسد الفائق للعقل.

[ تمت الترجمة عن مجموعة الآباء باليونانية مجلد 77 ـ مينى

 Migne, P.G Vol 77

 

الرسالة رقم 39

 

          كيرلس يهدي التحيات في الرب إلى سيدي وأخي المحبوب وشريكي في الخدمة الكهنوتية، يوحنا.

لتفرح السماوات ولتبتهج الأرض[1]، ” وحاجز السياج المتوسط[2] قد نُقض، والحزن قد انتهي، وكل نوع من الخلاف قد أزيل، حيث أن المسيح مخلصنا جميعا قد منح سلامًا لكنائسه. والملوك الأتقياء جدًا والمحبون لله جدًا قد دعونا إلى هذا، والذين قد صاروا غيورين بأقصى درجة على محاكاة تقوى أسلافهم، وحافظين الإيمان الحقيقي في نفوسهم سالما وبغير اهتزاز.  لقد أعطوا عناية خاصة للكنائس المقدسة، لكي يكون مجدهم معلنًا إلى الأبد في كل مكان، ويظهر ملكهم عظيمًا جدًا. والمسيح رب القوات نفسه، يوزع عليهم الخيرات بيد سخية، ويمنحهم أن يسودوا على مقاوميهم وينعم عليهم بالنصر. لأنه لا يكذب حينما يقول: ” حي أنا يقول الرب، فإني أكرم الذين يكرمونني [3].

 

          2 ـ ولذلك، منذ أن وصل إلى الإسكندرية، سيدي المحبوب جدًا من الله وشريكي في الخدمة الكهنوتية وأخي بولس، قد امتلأنا بابتهاج القلب وبكل حق.  مثل هذا الرجل يعمل كوسيط ويدخل في أتعاب محادثات تفوق الطاقة، وذلك لكي يهزم بغضة الشيطان، ويوحد ما كان منفصًلا، بأن ينزع العثرات التي تسبب الانقسام كلية من بيننا، ولكي يكلل كنائسنا وكنائسكم بالفكر الواحد وبالسلام. إنه من فضلة القول أن نتحدث عن الأسلوب الذي تُنزع به هذه العثرات. وإني أفترض أنه من الخير أن نهتم وأن نتكلم بما هو لازم لوقت السلام ولذلك فقد سررنا بلقائنا بالرجل المتقي لله جدًا السابق ذكره، الذي ربما تصور أنه لن يحتاج إلى بذل مجهود قليل لإقناعنا أنه يجب أن نجمع الكنائس معًا إلى السلام، ونبطل ضحك أصحاب الآراء المخالفة، ونلاشي أيضًا منخاس شر الشيطان. ولكنه وجدنا هكذا مهيئين لهذا الأمر، حني أنه لم يئن بالمرة من أي تعب. لأننا نذكر قول المخلص: ” سلامي أعطيكم، سلامي أترك لكم [4]. وقد تعلمنا أن نقول في صلواتنا: “أيها الرب إلهنا أعطنا سلامك، لأن كل شئ قد أعطيتنا” [5]، حتى أنه إذا صار أحد ما شريكا في السلام المعطي من الله، فإنه لن ينقصه أي شئ صالح.

 

          3 ـ ولكننا قد تيقنا تمامًا، وعلى الأخص الآن، أن عدم الاتفاق بين كنائسنا قد حدث بطريقة غير لائقة، وبإفراط. إن سيدي الموقر جدًا، الأسقف بولس أحضر وثيقة تحوي اعتراف إيمان غير ملوم، وأكد بقوة أن هذه الوثيقة قد صيغت بواسطة قداستكم وبواسطة الأساقفة المحبون لله جدًا عندكم.  وهذه الوثيقة هي كما يلي بنفس كلماتها وهي ملحقة برسالتنا هذه:

          فيما يخص العذراء والدة الإله كما نعتقد ونقول، وفيما يخص كيفية تأنس ابن الله الوحيد، من الضروري أن نتكلم بكلمات قليلة ـ بدون إضافة شئ ـ بل في ملء إلىقين، كما قد استلمنا الإيمان منذ البداية من الكتب المقدسة ومن تسليم (تقليد) الآباء القديسين، ودون أن نضيف شيئا بالمرة علي إيمان الآباء القديسين الموضوع في نيقية، وكما سبق وقلنا فإن الإيمان الموضوع في نيقية هو كاف لكل معرفة التقوى وللكرازة العلنية ضد كل تعليم هرطوقي رديء السمعة. وسوف نتكلم دون أن نقتحم بجسارة الأمور التي لا يمكن البلوغ إليها. ولكننا، ونحن نعترف بضعفنا، فإننا نستبعد أولئك الذين يرغبون في أن يقحموا أنفسهم في الأمور التي يعلوا الفحص فيها على الإنسان. لذلك نعترف أن ربنا يسوع المسيح، ابن الله، الوحيد، هو إله كامل وإنسان كامل ذو نفس عاقلة وجسم، وهو مولود من الآب قبل الدهر بحسب لاهوته، وأنه هو نفسه في الأيام الأخيرة، من أجلنا ومن أجل خلاصنا وُلد من العذراء بحسب ناسوته، وهو نفسه، من الجوهر نفسه الذي للآب (أو مع الآب) حسب لاهوته، ومن نفس الجوهر الذي لنا (أو معنا) بحسب ناسوته. لأنه قد حدث اتحاد بين الطبيعتين.  لأجل هذا نعترف بمسيح واحد، ابن واحد، رب واحد. وبحسب هذا الفهم للاتحاد بدون اختلاط نعترف بأن العذراء القديسة هي والدة الإله، لأن الله الكلمة قد تجسد وتأنس، ومنذ ذات الحمل به وحَّد الهيكل الذي أخذه منها، مع ذاته. ونحن نعرف أن اللاهوتيين ينسبون بعض أقوال البشيرين والرسل عن الرب باعتبارها تشير بصفة عامة إلى شخص واحد، ويقسمون أقوالاً أخرى بأنها تشير إلى طبيعتين، فتلك التى تليق بالله ينسبوها إلى لاهوت المسيح، أما تلك الأقوال المتواضعة فينسبونها إلى ناسوته.

 

          4 ـ وإذ قد قرأنا أقوالكم المقدسة هذه ووجدنا أننا نحن أنفسنا أيضًا نعتقد هكذا، لأنه يوجد ” رب واحد، إيمان واحد، معمودية واحدة [6]، مجدنا الله مخلص الكل، مهنئين بعضنا بعضًا لأن كنائسنا وكنائسكم لها الإيمان بحسب الكتب الإلهية الموحى بها وحسب تسليم (تقليد) آبائنا القديسين.

          ولكن حينما علمت أن بعضًا من أولئك الذين اعتادوا أن يتصيدوا الأخطاء بشغف ويطنوا حول البر مثل زنابير متوحشة وكانوا يتقيأون كلمات حقيرة ضدي، كما لو كنت أقول إن جسد المسيح المقدس قد نزل من السماء وليس من العذراء القديسة، رأيت من الضروري أن أتكلم إليهم قليلاً حول هذا الموضوع. أيها الأغبياء الذين تعرفون فقط أن تتهموا زورًا، كيف تجاوزتم الصواب في الرأى؛ وكيف فكرتم بمثل هذه الحماقة؟ لأنه من الضرورى، ومن الضرورى بوضوح، أن تدركوا أن كل الجهاد تقريبًا الذي خضناه من أجل الإيمان قد حاربنا فيه بسبب أننا أكدنا أن العذراء القديسة هى والدة الإله. فإذا كنا نقول إن جسد المسيح المقدس مخلصنا جميعًا ولد من السماء وليس من العذراء، فكيف لا نزال نعتبر أنها والدة الإله؟ لأنه من يكون هذا الذي ولدته إن لم يكن حقيقيًا أنها قد ولدت عمانوئيل حسب الجسد.

 

          5 ـ فلنضحك إذن على هؤلاء الذين يهذرون بهذه التفاهات عنى لأن النبى المبارك إشعياء لم يكذب عندما قال ” هوذا العذراء تحبل وتلد ابنًا، ويدعون اسمه عمانوئيل الذي تفسيره: الله معنا[7]، وجبرائيل المقدس كان صادقًا تمامًا وهو يقول للعذراء القديسة ” لا تخافى يا مريم لأنك قد وجدت نعمة عند الله. وها أنت ستحبلين وتلدين ابنًا وتسمينه يسوع [8]ويخلّص شعبه من خطاياهم [9] ولكن حينما نقول إن ربنا يسوع المسيح هو من السماء ومن فوق فنحن لا نقول مثل هذه الأشياء كما لو أن جسده المقدس قد نزل من السماء، من فوق، بل إننا بالحري نتبع بولس الموحى إليه من الله الذي صرخ بوضوح قائلاً: ” الإنسان الأول من الأرض، ترابي، الإنسان الثانى من السماء[10]. ونتذكر أيضًا قول المخلص نفسه:” ليس أحد صعد إلى السماء إلاّ الذي نزل من السماء ابن الإنسان [11].

 

          6 ـ ورغم أنه ـ كما قلت منذ قليل ـ قد وُلِدَ حسب الجسد من القديسة العذراء، ولأنه من فوق، وأن الله الكلمة نزل من السماء ” وأخلى نفسه، آخذًا صورة عبد “[12] ودعى ابن الإنسان بعد أن بقي كما كان أى: الله (غير المتغير وغير المتبدل حسب الطبيعة) ومُدرَكًا أنه واحد مع جسده، لذلك يقال إنه نزل من السماء. ولكنه يدعى إنسانًا من السماء أيضًا، بسبب أنه كامل في لاهوته وهو نفسه كامل في ناسوته، ويُعرَف في شخص واحد. لأن الرب يسوع المسيح هو واحد، حتى لو لم نجهل الاختلاف بين الطبيعتين اللتين نقول إن الاتحاد الذي يفوق الوصف، قد صار منهما. فلتعمل قداستكم على غلق أفواه أولئك الذين يقولون إن اختلاطًا أو امتزاجًا أو اندماجًا صار لله الكلمة مع الجسد، لأنه من المحتمل أن البعض يثرثرون بهذه الأفكار أيضًا عنى، كما لو كنت قد اعتقدت بها أو قلتها. ولكنى أنا أبعد ما يكون عن التفكير بمثل هذه الأفكار حتى أنى أعتبر أن أولئك الذين يتخيلون أن مجرد ظل تغيير يمكن أن يحدث فيما يخص الطبيعة الإلهية للكلمة، هم مختلين في عقولهم. لأنه يبقى كما هو دائمًا، وهو لا يتغير بل بالحري فهو لن يتغير ولن يكون قابلاً للتحول. وكل واحد منا يعترف أن كلمة الله، بالإضافة إلى ذلك، غير متألم رغم أنه هو نفسه وهو يدبر السر بكل حكمة، نراه ينسب لنفسه الآلام التى حدثت لجسده الخاص. وبهذه الطريقة أيضًا، فإن بطرس الحكيم جدًا يتكلم قائلاً: “وإذ قد تألم المسيح بالجسد [13] وليس في طبيعة لاهوته التى لا ينطق بها. ولكي يُؤمَن به أنه هو نفسه مخلص الجميع، فإنه كما قلت ـ بحسب تدبير تجسده ـ فإنه ينسب إلى نفسه آلام جسده الخاص، كما تنبأ عنه النبى القائل:” بذلت ظهري للضاربين، وخدىَّ للناتفين وجهي لم أستر عن العار والبصق[14].

 

          7ـ فلتقتنع قداستكم، ولا تدع أحدًا من الآخرين، يشك في أننا نتبع تعاليم الآباء القديسين من كل وجه، وخاصة أبينا المبارك والمجيد جدًا أثناسيوس، طالبين باجتهاد أن لا نبتعد عنه في أي شيء على الإطلاق. وكنت أود أن أضيف أيضًا اقتباسات كثيرة من الآباء لأعطى ثقة في كلماتى الخاصة من كلماتهم لولا أنى خفت أن تؤدى هذه (الاقتباسات) إلى أن تطول رسالتي وتصير بذلك مملة. ونحن لا نسمح بأى صورة من الصور لأي شخص أن يهز الإيمان المحدد، أى قانون الإيمان المحدد بواسطة الآباء القديسين الذين اجتمعوا في نيقيا في الأزمنة الحرجة. وبكل تأكيد أيضًا، أننا لا نسمح سواء لأنفسنا أو لآخرين أن تتغير كلمة فيه أو أن يحذف منه مقطع واحد، متذكرين الذي قال:” لا تنقل التخم القديم الذي وضعه آباؤك “[15] لأنهم لم يكونوا هم المتكلمين بل روح الله الآب[16]، نفسه، الذي ينبثق منه وهو ليس غريبًا عن الابن بسبب جوهره. وبالإضافة إلى هذا فإن أقوال معلمى الأسرار تشدد إيماننا، لأنه مكتوب في سفر الأعمال، ” وحينما جاءوا إلى ميسيا حاولوا أن يذهبوا إلى بيثينيا فلم يدعهم الروح[17]. وبولس الموحى إليه من الله يكتب: ” فالذين هم في الجسد لا يستطيعون أن يرضوا الله وأما أنتم فلستم في الجسد إن كان روح الله ساكنًا فيكم، ولكن إن كان أحد ليس له روح المسيح فذلك ليس له (للمسيح)[18].

 

          8 ـ ولكن عندما يقوم بعض أولئك الذين اعتادوا ” أن يقبلوا ما هو صواب [19]، بتحريف كلماتى إلى ما يبدوا مرضيًا أكثر لهم، فلا تتعجب قداستكم من هذا، عالمًا أن أولئك الضالعين في كل هرطقة يجمعون من الكتب الموحى بها حججًا لانحرافهم، مما نطق به حقًا بواسطة الروح القدس، ويفسدونه بأفكارهم الشريرة الخاصة ويصبون نارًا لا تنطفئ على رؤوسهم أنفسهم. ولكن حيث إننا علمنا أن البعض قد نشروا نصًا مشوهًا لرسالة أبينا المجيد جدًا أثناسيوس إلى المبارك إبكتيتوس [20]، وهي رسالة أرثوذكسية، حتى أن الكثير أصابهم الضرر (بسبب هذا التشويه). ولهذا السبب رأيت أنه من النافع والضروري للاخوة، أن أرسل لقداستكم نسخًا منها منقولة من النسخة القديمة الموجودة عندنا والتي هي نسخة أصيلة.

[1] مز 96 : 11 

[2] أف 2 : 14

[3] 1 صموئيل3 : 30

[4] يو 14 : 27

[5] أنظر أشعياء 26 : 2 وترد هذه الصلاة في القداس الإلهي في أوشية السلام الكبيرة

[6] أف 5:4

[7] أنظر إش 4:7، مت 23:1،24

[8] لو 30:1، 31

[9] مت 21:1

[10] أنظر 1كو 47:15

[11] يو 13:3

[12] في 7:2

[13] أنظر 1بط 1:4

[14] أنظ إش 6:50

[15] أنظر أم 28:22

[16] أنظر مت 20:10

[17] أع 7:16

[18] رو 8:8، 9

[19] ميخا 9:3

[20] ترجمت رسالة القديس أثناسيوس إلى إبكتيتوس ونشرها ” بيت التكريس لخدمة الكرازة ” في كتاب “المسيح في رسائل القديس أثناسيوس” في ديسمبر 1981. وقد قام بالترجمة المرحوم الأستاذ صموئيل كامل عبد السيد، والدكتور نصحى عبد الشهيد. وهى مع الرسالتين الأخرتين اللتين نشرتا في هذا الكتاب تعتبر أول ما ترجم من نصوص الآباء من اللغة اليونانية مباشرة، وقد صدرت طبعة ثانية لكتاب ” المسيح فى رسائل القديس أثناسيوس ” فى يناير 2000.

الرسالة رقم 39 من رسائل القديس كيرلس الاسكندرى إلى نسطور ويوحنا الأنطاكي

الرسالة رقم 17 من رسائل القديس كيرلس الاسكندرى إلى نسطور ويوحنا الأنطاكي

الرسالة رقم 17 من رسائل القديس كيرلس الاسكندرى إلى نسطور ويوحنا الأنطاكي

الرسالة رقم 17 من رسائل القديس كيرلس الاسكندرى إلى نسطور ويوحنا الأنطاكي

مقدمة الرسائل

أهمية هذه الرسائل:

تُعرف هذه الرسائل الثلاث، بأنها الرسائل المسكونية:

          فالرسالة رقم 4 الموجهة إلى نسطور وهى الرسالة الثانية إلى نسطور، قد نعتت بالرسالة العقائدية ، وقد كتبت في أمشير عام 430 م.، قبل مجمع أفسس. وقد اعتمدها مجمع أفسس المسكونى، عندما انعقد سنة 431م باعتبارها تحمل تعليم مجمع نيقية. كما أن مجمع خلقيدونيا سنة 451م ، ومجمع القسطنطينية الثانى سنة 553م ، اعتمد كلاهما الرسالة نفسها.

والرسالة رقم 17، مرسلة إلى نسطور من كيرلس باسم مجمع الأساقفة المنعقد في الأسكندرية في 30 نوفمبر سنة 430م. (وهى الرسالة الثالثة إلى نسطور) وهى تحوى في نهايتها الحرومات المعروفة باسم “الحرومات الاثنى عشر”. وقد أضيفت هذه الرسالة إلى أعمال مجمع أفسس.

          أما الرسالة رقم 39 ، فقد أرسلها البابا كيرلس إلى يوحنا الأنطاكى سنة 433م بعد استعادة السلام والوحدة مع كنيسة إنطاكية. وتظهر هذه الرسالة فرح كيرلس بتحقيق المصالحة واستعادة صداقته مع البطريرك يوحنا. كما تحوى الرسالة وثيقة الاتحاد التى أرسلها مجمع أساقفة إنطاكية إلى البابا كيرلس، وقد وافق البابا كيرلس على هذه الوثيقة كما يظهر في هذه الرسالة. وبسبب الأهمية المسكونية لهذه الرسائل الثلاث، فإنها لا تزال تشكل أساسًا لتحقيق الوحدة الكاملة بين الكنائس الأرثوذكسية بعائلتيها الخلقيدونية وغير الخلقيدونية. فالعائلتان تقبلان تعليم البابا كيرلس كمصدر للتعليم المستقيم بخصوص شخص المسيح وكيفية التعبير عن سر التجسد الفائق للعقل.

[ تمت الترجمة عن مجموعة الآباء باليونانية مجلد 77 ـ مينى

 Migne, P.G Vol 77

 

الرسالة رقم 17

الرسالة الثالثة إلى نسطور

 

          كيرلس والمجمع المنعقد في الأسكندرية من كل إقليم مصر يهدون تحياتهم في الرب إلى الموقر جدًا والمحب لله جدًا الشريك في الخدمة نسطوريوس.

          حيث إن مخلصنا يقول بالتحديد ” من أحب أبًا أو أمًا أكثر منى فلا يستحقنى، ومن أحب ابنًا أو ابنة أكثر منى فلا يستحقنى [1]، فماذا سوف نعانى نحن الذين تطلب منهم تقواك، أن نحبك أكثر من المسيح مخلصنا كلنا؟ من سوف يكون قادرًا على مساعدتنا في يوم الدينونة؟ وأى دفاع يمكن أن نقدمه إن كنا هكذا نكرّم الصمت لمدة طويلة على التجاديف التى صدرت عنك ضده؟ فلو أنك آذيت نفسك فقط وأنت تفكر في هذه الأمور وتعلّم بها، لكان اهتمامنا بالأمر أقل. فأنت قد أعثرت كل الكنيسة وأدخلت خميرة هرطقة غريبة وغير عادية وسط الشعب، ليس فقط وسط أولئك الذين هناك (أى في القسطنطينية) بل وفي كل مكان.

 

          2ـ إن كتب شروحاتك قد انتشرت. فأى نوع من الحساب سوف يكفي عن صمت الذين معنا، أو كيف لا يكون ضروريًا أن نتذكر قول المسيح: “لا تظنوا إنى جئت لألقى سلامًا على الأرض، ما جئت لألقى سلامًا بل سيفًا. فإنى جئت لأفرق الإنسان ضد أبيه والابنة ضد أمها[2]؟ فحينما يُجرح الإيمان فليبطل الاحترام للوالدين كأمر مهمل وغير ثابت! ومن ثم فليكن الموت عند الأتقياء أفضل من الحياة ” لكى ينالوا قيامة أفضل[3] كما هو مكتوب.

 

          3ـ لذلك فمع المجمع المقدس المنعقد في مدينة رومية العظيمة بالاشتراك مع وبرئاسة أخينا وشريكنا في الخدمة المقدس جدًا والمُكرِم لله، كليستينوس الأسقف، نحن أيضًا بهذه الرسالة الثالثة نعترض عليك بوقار، ناصحين إياك أن تقلع عن التعاليم الشريرة جدًا والمنحرفة جدًا التى ترتئيها وتعلّم بها. وبدلاً من ذلك اختر الإيمان المسلّم للكنائس بواسطة الرسل القديسين والبشيرين الذين كانوا معاينين وخدامًا للكلمة. وإذا كنت، تقواك، لا تفعل هذا، حسب ما هو محدد ومبين في الرسالة السابق ذكرها المرسلة لك من أخينا وشريكنا في الخدمة المقدس جدًا والمُكرِم لله جدًا، كليستينوس، أسقف كنيسة رومية، فاعلم أنه ليس لك خدمة إكليريكية ولا مكان بيننا، ولا احترام بين كهنة الله والأساقفة.

 

          4 ـ وليس من المقبول بالنسبة لنا أن نتغاضى عن الكنائس المضطربة جدًا، والشعوب التى تتعثر، والإيمان الصحيح الذي يطرح جانبًا، والقطعان التى تفرقت بواسطتك، أنت الذي كان يجب أن تخلصها، لو كنت مثلنا محبًا جدًا للاعتقاد الصحيح ومقتفيًا أثر تقوى الآباء القديسين. ولكننا نحن جميعًا في شركة مع كل الأتقياء، سواء من الشعب أو من الإكليروس، الذين قطعوا من الشركة أو جردوا لأجل الإيمان، بواسطة تقواك. لأنه ليس من العدل، أن هؤلاء الذين عُرفوا بأنهم يعتقدون المعتقدات الصحيحة، يجرحون بواسطة قراراتك، لأنهم بسبب فعلهم الصواب قد تعارضوا معك. لقد أشرت إلى هذا الأمر ذاته في خطابك الذي حررته إلى شريكنا في الأسقفية المقدس جدًا كليستينوس أسقف المدينة العظيمة رومية.

 

5 ـ ولكنه لن يكون كافيًا لتقواك أن تعترف معنا بقانون الإيمان الذي وُضع بالروح القدس بواسطة المجمع المقدس العظيم المجتمع في مدينة نيقية أثناء الأزمنة الحرجة. إنك لم تفهمه ولم تفسره تفسيرًا صحيحًا، بل بالحري بطريقة منحرفة، حتى إن كنت تعترف بنص القانون بشفتيك. ولكن عليك أن تتبع بالكتابة وتعترف بقسم أنك أيضًا تحرم، من ناحية، تعاليمك الممقوتة والكفرية، ومن ناحية أخرى، تعتقد وتعلم ما نعتقده ونعلم به نحن جميع الأساقفة في الغرب والشرق كمعلمين وقادة للشعب. المجمع المقدس في رومية، ونحن جميعًا، اتفقنا أن الرسائل المرسلة إلى تقواك من كنيسة الأسكندرية هى مستقيمة وبلا لوم ولكننا أضفنا إلى كتاباتنا هذه ما هو ضرورى للاعتقاد والتعليم، وما هى التعاليم التى ينبغى الابتعاد عنها.

 

          6 ـ لأن هذا هو إيمان الكنيسة الجامعة الرسولية الذي يتفق فيه كل الأساقفة في الغرب والشرق: [ نؤمن بإله واحد، الآب ضابط الكل خالق كل ما يرى وما لا يرى، وبرب واحد يسوع المسيح، ابن الله الوحيد، المولود من الآب أى “من جوهر الآب”[4]، إله من إله، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، “له الجوهر نفسه مع الآب”[5]، الذي به كان كل شئ ما في السماء وما على الأرض، الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا، نزل، وتجسد متأنسًا، وتألم، وقام في اليوم الثالث، وصعد إلى السموات، ويأتى ليدين الأحياء والأموات؛ و(نؤمن) بالروح القدس].

 

          7ـ [ولكن الذين يقولون، ” كان هناك وقت لم يكن فيه الابن موجودًا”، و” لم يكن قبل أن يولد “، وأنه ” خلق من العدم “، أو أنه ” من طبيعة أو جوهر مختلف “[6]، أو أنه عرضة “للتبدل”[7] أو “التغير”[8]، فأولئك تحرمهم الكنيسة الجامعة الرسولية][9] 

          وإذ نتبع ـ من كل ناحية ـ اعترافات الآباء القديسين التى صاغوها بالروح القدس الذي كان ينطق فيهم، وإذ نتبع ما في أفكارهم من معانى، وكما لو كنا نسير في طريق ملوكى، فإننا نقول إنه: هو ” كلمة الله الوحيد”[10]، المولود ” من ذات الجوهر الذي للآب “[11]، إله حق من إله حق، النور الذي من النور، الذي به صارت كل الأشياء، تلك التى في السماء وتلك التى على الأرض، وإذ نزل لأجل خلاصنا، وتنازل إلى إخلاء نفسه[12]، فإنه تجسد وتأنس، أى أخذ جسدًا من العذراء القديسة، وجعله خاصًا به من الرحم، واحتمل الولادة مثلنا، وجاء كإنسان من امرأة، دون أن يفقد ما كان عليه، ولكن رغم أنه وُلد متخذًا لحمًا ودمًا فإنه ظل كما كان، أى أنه من الواضح إنه الله بالطبيعة والحق.

 

          8 ـ ونحن نقول أيضًا إن الجسد لم يتحول إلى طبيعة اللاهوت، ولا طبيعة كلمة الله التى تفوق التعبير، تغيرت إلى طبيعة الجسد، لأنه بصورة مطلقة هو غير قابل للتبدّل أو للتغيّر. ويظل هو نفسه دائمًا حسب الكتب. ولكن حينما كان منظورًا، وكان لا يزال طفلاً مقمطًا، وكان فى حضن العذراء التى حملته، فإنه كان يملأ كل الخليقة كإله، وكان مهيمنًا مع ذلك الذي ولده. لأن الإلهى هو بلا كمية وبلا حجم، ولا يقبل التحديد.

 

          9 ـ وإذ نعترف بكل تأكيد أن الكلمة اتحد بالجسد أقنوميًا، فإننا نسجد لابن واحد الرب يسوع المسيح. نحن لا نجزَّئ ولا نفصل الإنسان عن الله، ولا نقول إنهما متحدان الواحد بالآخر بواسطة الكرامة والسلطة، لأن هذا هراء وليس أكثر. ولا نسمى كلمة الله مسيحًا على حده، وبالمثل لا نسمى المولود من امرأة مسيحًا آخر على حدة، بل نعترف بمسيح واحد فقط، الكلمة من الله الآب، مع جسده الخاص. لأنه حينئذ إنسانيًا قد مُسِح بيننا رغم أنه يعطى الروح للذين يستحقون أن ينالوه، وليس بكيل، كما يقول البشير المغبوط يوحنا[13]. ولسنا نقول إن كلمة الله حل في ذلك المولود من العذراء القديسة، كما في إنسان عادى، لكي لا يُفهم أن المسيح هو ” إنسان يحمل الله “. لأنه حتى إن كان ” الكلمة حل بيننا “[14] فإنه أيضًا قد قيل إن في المسيح ” يحل كل ملء اللاهوت جسديًا[15]. لذلك إذن نحن ندرك أنه إذ صار جسدًا فلا يقال عن حلوله إنه مثل الحلول في القديسين، ولا نحدد الحلول فيه أنه يتساوى وبنفس الطريقة كالحلول في القديسين. ولكن الكلمة إذ اتحد ” حسب الطبيعة ” (kat¦ fÚsin) ولم يتغير إلى جسد، فإنه حقق حلولاً مثلما يقال عن حلول نفس الإنسان في جسدها الخاص.

 

          10 ـ لذلك فالمسيح واحد، وهو ابن ورب، ليس بمعنى أن لدينا إنسانًا حقق مجرد اتصال مع الله، كإله، بواسطة اتحاد كرامة أو سلطة. لأن المساواة في الكرامة لا توحد الطبائع، فإن بطرس ويوحنا يتساويان في الكرامة الواحد مع الآخر، فكل منهما رسول وتلميذ مقدس إلاّ أن الاثنين ليس واحدًا. كما أننا لا نرى أن طريقة الاتصال هى بحسب المجاورة لأن هذه لا تكفي لتحقيق الاتحاد الطبيعى، ولا بحسب مشاركة اعتبارية مثلما إننا نحن الذين نلتصق بالرب كما هو مكتوب فنحن روح واحد معه[16] بل بالحري نحن نرفض تعبير “الاتصال” لأنه لا يُعّبر تعبيرًا كافيًا عن الاتحاد. ونحن لا نقول عن الكلمة الذي من الله الآب إنه إله المسيح وربه، حتى لا نجزئ أيضًا المسيح الواحد والابن والرب إلى اثنين، ولكيلا نسقط في جريمة التجديف بأن نجعله هو إلهه وربه. وكما قلنا سابقًا، فإن كلمة الله قد اتحد بالجسد “أقنوميًا” (kaq’ ØpÒstasion)، فهو إله الكل ورب الجميع، وليس هو عبد لنفسه ولا سيد لنفسه. وأن يعتقد أحد بهذا ويقوله فهذا أمر غير معقول كما أنه بالأحرى أمر عديم التقوى. لأنه قال إن الله أباه، رغم أنه هو إله بالطبيعة ومن جوهر أبيه. ونحن لم نجهل أنه مع بقائه إلهًا فإنه قد صار إنسانًا أيضًا خاضعًا لله حسب القانون الواجب لطبيعة الإنسان. لكن كيف يمكنه هو أن يصير إلهًا أو سيدًا لنفسه؟ وطالما أن الأمر يختص بما هو لائق بحدود إخلائه لنفسه، فإنه هو نفسه خاضع لله مثلنا. وهكذا فهو أيضًا ” ولد تحت الناموس “[17]، ورغم أنه تكلم بالناموس وهو معطى الناموس كإله.

 

          11 ـ ولكننا نرفض أن نقول عن المسيح: ” بسبب ذلك الذي ألبسه الجسد “[18] أعبد اللابس الجسد؛ ” وبسبب غير المنظور أسجد للمنظور “[19]. إنه أمر مرعب أن يقال أيضًا ” إن الله المُمتَلك (المأخوذ)، يدعى باسم الذي امتلكه (اتخذه)[20]“. كل من يقول هذه الأشياء، فإنه يقسم المسيح الواحد إلى اثنين، وبالتالى فإنه يضع كلاً من الناسوت واللاهوت على حدة. وهو ينكر الاتحاد الذي بمقتضاه يُسْجَد للواحد مع الآخر وليس بسبب أن الواحد في الآخر[21] وبالتأكيد فإن الله لا يشترك مع آخر، ولكن المقصود هو واحد: المسيح يسوع، الابن الوحيد، الذي يكرم بسجدة واحدة مع جسده الخاص. ونحن نعترف أنه هو الابن المولود من الله الآب، والإله الوحيد، ورغم أنه غير قابل للتألم بحسب طبيعته الخاصة، فقد تألم بجسده الخاص من أجلنا حسب الكتب. وهو غير القابل للتألم جعل آلام جسده خاصة له عندما صلب جسده، لأنه بنعمة الله ولأجل الجميع ذاق الموت[22]، بإخضاع جسده الخاص للموت رغم أنه حسب الطبيعة هو الحياة وهو نفسه القيامة[23]. لكى بواسطة قوته التى تفوق الوصف إذ قد داس الموت أولاً في جسده الخاص صار “البكر من الأموات”[24] و”باكورة أولئك الذين رقدوا”[25]، ولكى يعد الطريق إلى قيامة عدم الفساد أمام طبيعة الإنسان، وبنعمة الله، كما سبق أن قلنا حالاً، ذاق الموت لأجل الجميع، ولكنه قام في اليوم الثالث بعد أن سلب الجحيم حتى إن كان يمكن أن يقال عن قيامة الأموات إنها صارت بواسطة إنسان[26]، فلا نزال نعنى أن هذا الإنسان هو الكلمة المولود من الله، وأن سلطان الموت قد انحل بواسطته، وهو سيأتى في الوقت المناسب كالابن الواحد والرب في مجد الآب ليدين المسكونة بالعدل كما هو مكتوب[27].

 

          12ـ ولكن من الضرورى أن نضيف هذا أيضًا. وإذ نكرز بموت ابن الله الوحيد حسب الجسد أى موت يسوع المسيح، ونعترف بقيامته من بين الأموات وصعوده إلى السموات، فإننا نقدم الذبيحة غير الدموية في الكنائس، وهكذا نتقبل البركات السرية ونتقدس، ونصير مشتركين في الجسد المقدس، والدم الكريم للمسيح مخلصنا جميعًا ونحن نفعل هذا لا كأناس يتناولون جسدًا عاديًا، حاشا، ولا بالحقيقة جسد رجل مُتَقَدِّس ومتصل بالكلمة حسب اتحاد الكرامة، ولا كواحد قد حصل على حلول إلهى، بل باعتباره الجسد الخاص للكلمة نفسه المعطى الحياة حقًا، وبسبب أنه صار واحدًا مع جسده الخاص أعلن أن جسده معطى الحياة، لأنه حتى وإن كان يقول لنا: “ الحق أقول لكم، إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه[28] فلا نستخلص من هذا أن جسده هو جسد واحد من الناس مثلنا (لأنه كيف يكون جسد إنسان ما محييًا بحسب طبيعته الخاصة؟)، ولكن لكونه بالحقيقة الجسد الخاص للابن الذي صار إنسانًا ودعى إنسانًا لأجلنا.

 

          13ـ وأيضًا نحن لا ننسب أقوال مخلصنا في الأناجيل إلى أقنومين أو إلى شخصين منفصلين، لأن المسيح الواحد لا يكون اثنين، حتى لو أُدرك أنه من اثنين ومن كيانين مختلفين اجتمعا إلى وحدة غير منقسمة، وكما هو طبيعى في حالة الإنسان الذي يُدرَك على أنه من نفس وجسد ولكنه ليس اثنين بل بالحري واحد من اثنين. ولكن لأننا نفكر بطريقة صحيحة فإننا نعتقد أن الأقوال التى قالها كإنسان أو تلك التى قالها كإله هى صادرة من واحد.

 

          14 ـ فحينما يقول عن نفسه كإله: “ مَن رآنى فقد رأى الآب ” و” أنا والآب واحد ” فنحن نفكر في طبيعته الإلهية التى تفوق الوصف التى بحسبها هو واحد مع أبيه بسبب وحدة الجوهر، وهو أيضًا صورته ومثاله وإشعاع مجده. ودون أن يقلل من شأن ملء قامته الإنسانية، قال لليهود، “ولكنكم تريدون أن تقتلونى وأنا إنسان قد كلمكم بالحق [29]، وأيضًا من جهة قامته البشرية فنحن نعرف الكلمة ـ ليس بدرجة أقل ـ إلهًا مساويًا للآب ومماثلاً له. فإذا كان من الضرورى أن نؤمن، أنه رغم كونه إلهًا بحسب الطبيعة، فقد صار جسدًا، أى صار إنسانًا مُحيَاً بنفس عاقلة، فأى سبب يدعونا للخجل من أقواله إن كانت قد صدرت منه كإنسان لأنه لو كان قد تحاشى الكلمات التى تناسب الإنسان، فما الذي أجبره أن يصير إنسانًا مثلنا؟ فلأى سبب يتحاشى الكلمات المناسبة للإخلاء، وهو الذي تنازل إلى إخلاء اختيارى لنفسه من أجلنا؟ لذلك ينبغى أن تُنسَب كل الأقوال التى في الأناجيل إلى شخص واحد[30]، إلى أقنوم الكلمة الواحد[31] المتجسد، لأن الرب يسوع المسيح هو واحد حسب الكتب[32].

 

          15ـ ولكن إن كان يدعى: ” رسول ورئيس كهنة اعترافنا [33] ككاهن يقدم لله الآب اعتراف إيماننا المحمول، إليه، وبواسطته لله الآب، وأيضًا إلى الروح القدس، فإننا نقول ثانية إنه هو نفسه الابن الوحيد الذي لله حسب الطبيعة. ونحن لا ننسب إلى إنسان آخر غيره اسم وحقيقة كهنوته، لأنه صار وسيط الله والإنسان[34]، ومصالحًا للسلام إذ قدم نفسه لله الآب رائحة طيبة [35]. لذلك فهو نفسه قد قال:” ذبيحة وقربانًا لم ترد ولكن هيأت لى جسدًا، بمحرقات وذبائح للخطية لم تسر، ثم قلت هاأنذا أجئ في درج الكتاب مكتوب عنى، لأفعل مشيئتك يا الله “[36]. لأنه قد قدم جسده الخاص رائحة طيبة لأجلنا وليس لأجل نفسه. فأى قرابين أو ذبائح يحتاجها لأجل نفسه، وهو الله الذي هو أسمى من كل خطية؟ لأنه ” إن كان الجميع قد أخطأوا وأعوزهم مجد الله [37] ولذلك فنحن معرضون للانحراف، وطبيعتنا لعنت بسبب الخطية. أما هو فليس هكذا، ونحن بسبب هذا أقل من مجده. فكيف إذن يبقى أى شك في أن الحمل الحقيقى قد ذُبح من أجلنا وعوضًا عنا؟ ولكن القول بأنه قد قدم نفسه من أجل نفسه ومن أجلنا لا يمكن بأى حال إلاّ أن يكون له نصيب في تهمة الكفر. إنه لم يخطئ بأى شكل، وبالتأكيد لم يفعل خطية. فأية قرابين يحتاج إليها إذن، بينما ليست هناك أية خطية من أجلها يكون معقولاً جدًا أن تُقدَم ذبيحة.

 

          16ـ ولكن حينما يقول عن الروح: ” ذاك سيمجدنى[38] فنحن، بصواب، لا نفهم أن المسيح الواحد والابن، بسبب أنه في احتياج إلى مجد من آخر، اكتسب مجدًا من الروح القدس، وذلك لأن روحه ليس أسمى منه ولا هو فوقه. ولكن حيث إنه، للتدليل على ألوهيته مُسح بالروح القدس لأجل القيام بالأعمال العظيمة، فإنه يقول إنه قد تمجد منه، مثلما يقول أى واحد منا، عن أية قوة في داخله أو عن فهمه لموضوع معين: ” إنها سوف تمجدنى”.

 

          17ـ لأنه حتى إن كان الروح يوجد في أقنومه الخاص، ويعرف بذاته حيث أنه هو الروح وليس الابن، إلاّ أنه مع ذلك ليس غريبًا عن الابن، لأنه يدعى روح الحق والمسيح هو روح الحق، والروح ينسكب[39] منه، كما بلا شك من الله الآب أيضًا. لذلك فإن الروح صنع عجائب بأيدى الرسل القديسين بعد صعود ربنا يسوع المسيح إلى السماء، وبذلك مجدّه. لأننا نؤمن أنه الله حسب الطبيعة، وأيضًا أنه نفسه يعمل بروحه الخاص. ولهذا السبب فقد قال أيضًا: ” لأنه يأخذ مما لى ويخبركم [40]. ونحن لا نقول مطلقًا إن الروح حكيم وقوى نتيجة المشاركة، لأنه كلى الكمال ولا ينقصه أى صلاح. ولكن حيث أنه روح قوة الآب وحكمته أى روح الابن، فهو بالحقيقة الحكمة والقوة.

 

          18ـ وحيث إن العذراء القديسة ولَدَت جسديًا، الله متحدًا بالجسد حسب الأقنوم، فنحن نقول إنها والدة الإله، ليس أن طبيعة الكلمة تأخذ بداية وجودها من الجسد لأنه ” (أى الكلمة) كان في البدء، والكلمة كان الله، وكان الكلمة عند الله “[41]، وهو نفسه خالق الدهور، وهو أزلى مع الآب، وخالق كل الأشياء. لأنه كما سبق وقلنا أنه إذ وحّد الإنسانى بنفسه أقنوميًا، فإنه احتمل الولادة الجسدية من بطنها. وبسبب طبيعته الخاصة (كإله) لم تكن هناك ضرورة تحوجه إلى ميلاد في الزمن وفي آخر الدهور. لقد وُلِدَ لكي يبارك بداية وجودنا نفسها، وإذ قد ولدته امرأة مُوحّدًا نفسه بالجسد فسوف تُرفع اللعنة إذن عن كل الجنس (البشرى). وهذه (اللعنة) كانت ترسل أجسادنا التى من الأرض، إلى الموت، وبواسطته أُبطِلَ القول: “بالوجع تلدين أولادًا[42] لكي يظهر صدق قول النبى ” الموت إذ قوى قد ابتلعهم “[43]، وأيضًا: ” الله مسح كل دمعة من كل الوجوه [44] وبسبب هذا نقول إنه حسب التدبير قد بارك الزواج بنفسه وحضر حينما دعى إلى قانا الجليل مع رسله القديسين.

 

          19 ـ لقد تعلمنا أن نعتقد بهذه الأفكار من الرسل القديسين والبشيرين، ومن كل الكتب الموحى بها من الله ومن الاعترافات الصحيحة لآبائنا المطوبين. إنه من الضرورى أن تقواك أيضًا ترضى بكل هذه (الأفكار) وتوافق على كل واحدة بدون خداع. إن ما يلزم أن تحرمه تقواك قد ألحق بهذا الخطاب المرسل منا.

 

الحرومات الاثنى عشر:

      1 ـ مَن لا يعترف أن عمانوئيل هو الله بالحقيقة، وبسبب هذا فالعذراء هى والدة الإله، (لأنها ولدت جسديًا الكلمة الذي من الله، الذي تجسد) فليكن محرومًا.

      2 ـ ومن لا يعترف أن الكلمة الذي من الله الآب قد اتحد بالجسد أقنوميًا، وهو مع جسده الخاص مسيح واحد، وأنه هو نفسه بوضوح إله وإنسان معًا (فى نفس الوقت)، فليكن محرومًا.

      3 ـ من يقسم بعد الاتحاد المسيح الواحد إلى أقنومين ويربط بينهما فقط بنوع من الاتصال حسب الكرامة، أى بواسطة السلطة أو بالقوة، وليس بالحري بتوحيدهما الذي هو حسب الاتحاد الطبيعى، فليكن محرومًا.

      4 ـ من ينسب الأقوال ـ التى في الأناجيل والكتابات الرسولية سواء تلك التى قالها القديسون عن المسيح أو التى قالها هو عن نفسه ـ إلى شخصين أى أقنومين، ناسبًا بعضها كما إلى إنسان على حدة منفصلاً عن كلمة الله، وناسبًا الأقوال الأخرى، كملائمة لله، فقط إلى الكلمة الذي من الله الآب وحده، فليكن محرومًا.

      5 ـ من يتجاسر ويقول أن المسيح هو إنسان حامل لله وليس بالحرى هو الله بالحق، والابن الواحد بالطبيعة، إذ أن الكلمة صار جسدًا واشترك مثلنا في اللحم والدم، فليكن محرومًا.

      6ـ من يتجاسر ويقول أن الكلمة الذي من الله الآب هو إله وسيد للمسيح، ولم يعترف بالحرى أنه هو نفسه إله وإنسان معًا (فى نفس الوقت)، حيث إن الكلمة صار جسدًا حسب الكتب، فليكن محرومًا.

      7 ـ من يقول إن كلمة الله كان يفعل في يسوع المسيح كإنسان، وأن مجد الوحيد قد نسب إليه[45] كأنه آخر غيره[46]، (كما لو كان الوحيد منفصلاً عنه)، فليكن محرومًا.

      8 ـ من يتجاسر ويقول إن الإنسان الذي اتخذه الكلمة ينبغى أن يُسجَد له مع الله الكلمة، ويُمجد معه ويسمى معه الله، كما لو كان الواحد في الآخر (لأن لفظة “مع” التى تضاف دائمًا تفرض أن يكون هذا هو المعنى)، ولا يُكرَّم عمانوئيل بالحري بسجدة واحدة، ولا يرسل له ترنيمة تمجيد واحدة، لكون الكلمة صار جسدًا، فليكن محرومًا.

      9 ـ من يقول إن الرب الواحد يسوع المسيح قد تمجد من الروح، وأن الرب كان يستخدم القوة التى من الروح كما لو كانت خاصة بقوة غريبة عنه ويقول إن الرب قبل من الروح القوة للعمل ضد الأرواح النجسة ويتمم العجائب بين الناس ولا يقول بالحري أن الروح خاص به، والذي به عمل المعجزات، فليكن محرومًا.

      10 ـ يقول الكتاب المقدس أن المسيح هو رئيس كهنة ورسول اعترافنا[47]، وأنه قدم نفسه من أجلنا رائحة طيبة لله الآب. لذلك فمن يقول إن رئيس كهنتنا ورسولنا ليس هو نفسه الكلمة الذي من الله حينما صار جسدًا وإنسانا مثلنا، بل أن هذا الإنسان المولود من المرأة هو آخر علي حده غير كلمة الله، أو من يقول إنه قدم نفسه كذبيحة لأجل نفسه أيضًا وليس بالحرى لأجلنا فقط (فهو لا يحتاج إلي ذبيحة لأنه لم يعرف خطية)، فليكن محرومًا.

      11 ـ من لا يعترف أن جسد الرب هو معطي الحياة وهو يخص الكلمة من الله الآب، بل يقول إنه جسد لواحد آخر غيره، وأنه مرتبط به بحسب الكرامة، أي حصل فقط على حلول إلهي، ولا يعترف بالحري أن جسده معطي الحياة كما قلنا لأنه صار جسد الكلمة الخاص به، الذي يستطيع أن يهب الحياة لكل الأشياء، فليكن محروما.

      12 ـ من لا يعترف أن كلمة الله تألم بالجسد (في الجسد)، وصلب بالجسد (في الجسد)، وذاق الموت بالجسد (في الجسد)، وصار البكر من الأموات[48]، حيث إنه الحياة، ومعطي الحياة كإله، فليكن محروما.

[1] مت 37:10

[2] مت 34:10، 35

[3] عب 35:11

4 ™k tÁj oÙs…aj toà PatrÕj.

5  ÐmooÚsion tù Patrˆ.

[6] أى من جوهر مختلف عن جوهر الآب.

7 tršpton

8  ¢lloiwÒn

[9] هذا هو نص قانون إيمان مجمع نيقية المسكونى الأول سنة 325.

10  Óti aÙtoj Ð monogen¾j toà Qeoà Lògoj.

11  aÙtÁj tÁj oÙs…aj toà PatrÕj.

[12] أنظر فيلبى 7:2،8

[13] أنظر يو 34:3

[14] أنظر يو 14:1

[15] كو 9:2

[16] 1كو 17:6

[17] غلا 4:4

18 foroànta.

[19] إقتباس من أقوال نسطور see loofs, Nestoriana, 262.3, 4,11 and 12   

[20] إقتباس آخر من نسطور. يشير القديس كيرلس إلى تعليم نسطور أن المسيح شخصان، هما: المسيح الآخذ وهو كلمة الله، والمسيح المأخوذ هو الإنسان يسوع.

[21] هذه العبارة تفهم في ضوء العبارة السابقة لنسطور التى قال فيها “بسبب ذلك الذي ألبسه الجسد أعبد اللابس الجسد، وبسبب غير المنظور أسجد للمنظور ” فهذا معناه أن السجود يقدم اللاهوت الحال في الناسوت، وأما بالنسبة للناسوت فيقدم له فقط بسبب اللاهوت الحال فيه، بينما أن السجود يجب أن يقدم للمسيح الذي فيه يتحد اللاهوت والناسوت معًا في طبيعة واحدة.

[22] أنظر عب 9:2

[23] أنظر أع 2:4

[24] كو 18:1

[25] أنظر 1كو 20:15

[26] يو 25:11

[27] أنظر أع 31:17، مز 9:98

[28] أنظر 53:6

[29] يو 40:8

30 ‘En… prosèpou.

31 Øpost£sei mi©.

[32] أنظر 1كو 6:8

[33] أنظر عب 1:3

[34] 1تيمو 5:2

[35] أف 2:5

[36] عب 5:10ـ7 وانظر مز 7:40ـ9

[37] أنظر رو 23:3

[38] يو 14:16

[39] الكلمة اليونانية التى استعملها القديس كيرلس هنا proce‹tai وهى صيغة المبنى للمجهول من الفعل procšw الذي معناه “يسكب أو يصب” ولكن بعض الترجمات (مثل ترجمة رسائل القديس كيرلس التى أصدرتها الجامعة الكاثوليكية بواشنطن 1987م)، تخطئ وتترجمها Proceed التى تعنى ينبثق وذلك في مجال الحديث عن علاقة الروح القدس بالابن أى لكى يوحوا بوجود فكرة “إنبثاق الروح القدس من الابن” عند القديس كيرلس، علمًا بأن الكلمة اليونانية التى وردت في العهد الجديد بمعنى ينبثق هى EkporeÚomai. وهى نفس الكلمة التى استعملها القديس كيرلس عندما تحدث بوضوح عن انبثاق الروح القدس من الآب كما جاء في الرسالة 39 فقرة 7.

[40] يو 14:16

[41] يو 1:1

[42] تك 16:3

[43] اقتباس من السبعينية هو 14:13

[44] أش 8:25

[45] أى إلى يسوع كإنسان

[46] أى غير كلمة الله

[47] أنظر عب 1:3

[48] انظر كو1: 18.

 

الرسالة رقم 17 من رسائل القديس كيرلس الاسكندرى إلى نسطور ويوحنا الأنطاكي

الرسالة رقم 4 من رسائل القديس كيرلس الاسكندرى إلى نسطور ويوحنا الأنطاكي

الرسالة رقم 4 من رسائل القديس كيرلس الاسكندرى إلى نسطور ويوحنا الأنطاكي

الرسالة رقم 4 من رسائل القديس كيرلس الاسكندرى إلى نسطور ويوحنا الأنطاكي

مقدمة الرسائل

أهمية هذه الرسائل:

تُعرف هذه الرسائل الثلاث، بأنها الرسائل المسكونية:

          فالرسالة رقم 4 الموجهة إلى نسطور وهى الرسالة الثانية إلى نسطور، قد نعتت بالرسالة العقائدية ، وقد كتبت في أمشير عام 430 م.، قبل مجمع أفسس. وقد اعتمدها مجمع أفسس المسكونى، عندما انعقد سنة 431م باعتبارها تحمل تعليم مجمع نيقية. كما أن مجمع خلقيدونيا سنة 451م ، ومجمع القسطنطينية الثانى سنة 553م ، اعتمد كلاهما الرسالة نفسها.

والرسالة رقم 17، مرسلة إلى نسطور من كيرلس باسم مجمع الأساقفة المنعقد في الأسكندرية في 30 نوفمبر سنة 430م. (وهى الرسالة الثالثة إلى نسطور) وهى تحوى في نهايتها الحرومات المعروفة باسم “الحرومات الاثنى عشر”. وقد أضيفت هذه الرسالة إلى أعمال مجمع أفسس.

          أما الرسالة رقم 39 ، فقد أرسلها البابا كيرلس إلى يوحنا الأنطاكى سنة 433م بعد استعادة السلام والوحدة مع كنيسة إنطاكية. وتظهر هذه الرسالة فرح كيرلس بتحقيق المصالحة واستعادة صداقته مع البطريرك يوحنا. كما تحوى الرسالة وثيقة الاتحاد التى أرسلها مجمع أساقفة إنطاكية إلى البابا كيرلس، وقد وافق البابا كيرلس على هذه الوثيقة كما يظهر في هذه الرسالة. وبسبب الأهمية المسكونية لهذه الرسائل الثلاث، فإنها لا تزال تشكل أساسًا لتحقيق الوحدة الكاملة بين الكنائس الأرثوذكسية بعائلتيها الخلقيدونية وغير الخلقيدونية. فالعائلتان تقبلان تعليم البابا كيرلس كمصدر للتعليم المستقيم بخصوص شخص المسيح وكيفية التعبير عن سر التجسد الفائق للعقل.

[ تمت الترجمة عن مجموعة الآباء باليونانية مجلد 77 ـ مينى

 Migne, P.G Vol 77

 

 

رسالة رقم 4

 

كيرلس يهدى تحياته في الرب إلى الموقر جدًا والمحب جدًا لله الشريك في الخدمة نسطوريوس.

 

          كما سمعت، فإن بعض الناس يواصلون الثرثرة حول إجابتى على تقواك، ويفعلون هذا مرات كثيرة، وعلى الخصوص وهم يترقبون وقت المجامع. وربما بسبب أنهم يفكرون في دغدغة مسامعك لذلك ينطقون بكلمات طائشة. وهم يفعلون هذا رغم أنهم لم يتعرضوا للإساءة من أحد، بل قد نالوا توبيخًا لمنفعتهم: فواحد منهم وُبخ لأنه كان يسئ إلى العمى والفقراء، والثانى بسبب أنه كان يلوح بالسيف ضد أمه، والثالث بسبب أنه كان يسرق أموال شخص آخر بمساعدة جارية. وقد كان لهم دائمًا مثل هذا الصيت الردئ، حتى أن الواحد منا لا يتمنى أن يلتصق هذا الصيت بأعدى أعدائه. وفضلاً عن ذلك فلن يكون لى كلام كثير عن مثل هذه الأمور وذلك لكي لا أمتد بمقياس ذاتى الصغيرة فوق ربى ومعلمى[1] ولا فوق الآباء. لأنه ليس من الممكن الإفلات من انحرافات الأشرار الرديئة، كيفما اختار الإنسان أن يقضى حياته.

 

          2ـ ولكن أولئك إذ لهم فم مملوء باللعنات والمرارة، سوف يجاوبون عن أنفسهم أمام ديان الكل. والآن أعود بنفسى مرة أخرى إلى ما يليق بى على الخصوص، وسوف أذكرك الآن، كأخ في الرب، أن تكرز بكلمة التعليم، وبعقيدة الإيمان للشعب بكل حذر. ينبغى أن ندرك أن إعثار واحد فقط من الصغار المؤمنين بالمسيح[2]، له عقاب لا يُحتمل. فإن كان عدد المتضررين كثيرًا، أفلا نكون في حاجة إلى مهارة كاملة لإزالة العثرات بفطنة ونشرح التعليم بصحة الإيمان لأولئك الذين يبحثون عن الحق؟ وسوف يكون هذا صحيحًا جدًا إن كنا نلتزم بتعاليم الأباء القديسين، وإن كنا نجتهد لكي نعتبرهم ذوي قيمة عظيمة، ونمتحن أنفسنا ” هل نحن في الإيمان “[3] كما هو مكتوب، ونشكل أفكارنا حسنًا جدًا لتطابق آراءهم المستقيمة والتى بلا لوم.

 

          3ـ ولذلك قال المجمع المقدس العظيم[4] أن الابن الوحيد الجنس نفسه مولود من الله الآب حسب الطبيعة، الإله الحق من إله حق، النور الذي من النور، وهو الذي به صنع الآب كل الأشياء، نزل، وتجسد وتأنس، وتألم، وقام في اليوم الثالث وصعد إلى السموات. وينبغى علينا أن نتبع التعاليم والعقائد، مدركين ماذا يعنى أنه تجسد. تدل هذه اللفظة على أن الكلمة الذي من الله، تأنس. ونحن لا نقول إن طبيعة الكلمة تغيرت حينما صار جسدًا. وأيضًا نحن لا نقول إن الكلمة قد تغير إلى إنسان كامل من نفس وجسد. بل بالأحرى نقول إن الكلمة قد وحد مع نفسه أقنوميًا، جسدًا مُحيًا بنفس عاقلة، وصار إنسانًا بطريقة لا يمكن التعبير عنها أو إدراكها. وهو قد دُعِىَ ابن الإنسان ليس بحسب الرغبة فقط ولا بحسب الإرادة الصالحة، بل أيضًا ليس باتخاذه شخصًا معينًا. ونحن نقول إنه على الرغم أن الطبيعتين اللتين اجتمعتا معًا في وحدة حقيقية مختلفتان، فإنه يوجد مسيح واحد وابن واحد من الاثنين. إن اختلاف الطبائع لم يبطل بسبب الاتحاد، بل بالحري فإن هذا الاتحاد الذي يفوق الفهم والوصف كون لنا من اللاهوت والناسوت ربًا واحدًا يسوع المسيح وابنًا واحدًا.

 

          4 ـ وهكذا، فرغم أن له وجودًا قبل الدهور وقد وُلد من الآب، فإنه يقال أيضًا إنه وُلد حسب الجسد من امرأة، كما أن طبيعته الإلهية لا تحتاج لنفسها بالضرورة إلى ولادة أخرى بعد الولادة من الآب. إن القول بأن ذلك الذي هو موجود قبل كل الدهور وهو أزلى مع الآب، يحتاج إلى بداية ثانية لكي يوجد، إنما هو أمر بلا غاية وفي نفس الوقت هو قول أحمق. ولكن حيث إنه من أجلنا ومن أجل خلاصنا وحّد الطبيعة البشرية بنفسه أقنوميًا، ووُلِدَ من امرأة، فإنه بهذه الطريقة يقال إنه قد وُلد جسديًا. لأنه لم يولد أولاً إنسانًا عاديًا من العذراء القديسة ثم بعد ذلك حلّ عليه الكلمة، بل إذ قد اتحد بالجسد الذي من أحشائها، فيقال إن الكلمة قد قَبِلَ الولادة الجسدية، لكي ينسب إلى نفسه ولادة جسده الخاص.

 

          5 ـ وهكذا نقول إنه أيضًا تألم وقام، ليس أن كلمة الله تألم في طبيعته الخاصة أو ضُرِبَ أو طُعِنَ أو قَبِلَ الجروح الأخرى، لأن الإلهى غير قابل للتألم حيث أنه غير جسمى. لكن حيث أن جسده الخاص، الذي وُلِد عانى هذه الأمور، فإنه يقال إنه هو نفسه أيضًا قد عانى هذه الأمور لأجلنا. لأن ذلك الذي هو غير قابل للآلام كان في الجسد المتألم. وعلى نفس النسق نفكر أيضًا عن موته. إن كلمة الله حسب الطبيعة غير مائت وغير فاسد لكونه هو الحياة ومعطى الحياة. ولكن بسبب أن جسده الخاص ذاق بنعمة الله الموت لأجل الجميع كما يقول بولس[5]، لذلك يقال إنه هو نفسه قد عانى الموت لأجلنا. لأنه فيما يخص طبيعة الكلمة، فهو لم يختبر الموت، لأنه يكون من الجنون أن يقول أحد أو يفكر هكذا، ولكن، كما قلت على وجه الدقة، فإن جسده ذاق الموت. وهكذا أيضًا عندما أرجع الحياة إلى جسده، يقال أنه قام، ليس كما لو أنه تعرض للفساد، حاشا، بل أن جسده قام ثانية.

 

          6 ـ وهكذا فنحن نعترف بمسيح واحد ورب، ليس أننا نعبد إنسانًا مع الكلمة، حتى لا يظهر أن هناك انقسامًا باستعمال لفظة “مع” ولكننا نعبد واحدًا هو نفسه الرب حيث أن جسده لا يخص غير الكلمة الذي باتحاده به يجلس عن يمين أبيه. ليس كإبنين يجلسان مع الآب، بل كابن واحد متحد مع جسده الخاص. ولكن إذا رفضنا الاتحاد الأقنومى سواء بسبب تعذر إدراكه، أو بسبب عدم قبوله، نسقط في التعليم بإبنبن. لأنه توجد كل الضرورة للتمييز وللقول إنه من ناحية، كإنسان ذى وضع منفرد كُرِّم بصفة خاصة بتسميته “الابن”، وأيضًا من ناحية أخرى، فإن كلمة الله في وضع منفرد يملك بالطبيعة كلاً من اسم البنوة وحقيقتها. لذلك فإن الرب الواحد يسوع المسيح لا ينبغى أن يُقسَّم إلى ابنين.

 

          7 ـ إنه لن يكون نافعًا بأى طريقة، أن يكون التعليم الصحيح للإيمان هكذا، حتى لو أقر البعض بالاتحاد بين الأشخاص. لأن الكتاب لم يقل أن الكلمة قد وَحّد شخصًا من البشر بنفسه، بل أنه صار جسدًا[6] والكلمة إذ قد صار جسدًا لا يكون آخر. إنه اتخذ دمًا ولحمًا مثلنا. إنه جعل جسدنا خاصًا به، وولد إنسانًا من امرأة بدون أن يفقد لاهوته ولا كونه مولودًا من الله الآب، ولكن في اتخاذه جسدًا ظل كما هو. إن تعليم الإيمان الصحيح يحتفظ بهذا في كل مكان. وهكذا سوف نجد أن الآباء القديسين قد فكروا بهذه الطريقة. وهذا لم يترددوا في تسمية العذراء القديسة بوالدة الإله. وهم لم يقولوا إن طبيعة الكلمة أى لاهوته أخذ بداية وجوده من العذراء القديسة، بل أن جسده المقدس، المُحيىّ بنفس عاقلة، قد ولد منها، الذي به إذ اتحد الكلمة أقنوميًا، يقال عن الكلمة إنه وُلد حسب الجسد. وأنا أكتب هذه الأمور الآن بدافع المحبة التى في المسيح، حاثا إياك كأخ وداعيًا لك أن تشهد أمام الله وملائكته المختارين أنك تفكر وتعلم بهذه التعاليم معنا، لكي يُحفَظ سلام الكنائس سالمًا وتستمر رابطة الوفاق والمحبة غير منفصمة بين كهنة الله.

 

          8 ـ سلم على الاخوة الذين معك “الاخوة الذين معنا يسلمون عليكم في المسيح “[7] .

[1] أنظر يو 13:13

[2] أنظر مت 6:18

[3] أنظر 2كو 5:13

[4] أى مجمع نيقية

[5] أنظر عب 9:2

[6] يو 14:1

[7] الرسالة 4 أطلق عليها اسم “الرسالة العقائدية” وقد تمت الموافقة عليها بالإجماع في الجلسة الأولى لمجمع أفسس المسكونى الثالث في 2 يونيو 431م . ووافق عليها ليون بابا روما سنة450 م. وأقرها أيضًا مجمع خلقيدونية 451م ومجمع القسطنطينية سنة 553م. أنظر كواستن 133:3       Quasten 3:133 .

 

الرسالة رقم 4 من رسائل القديس كيرلس الاسكندرى إلى نسطور ويوحنا الأنطاكي

عقيدة التأله في اللاهوت الأرثوذكسي – د. أنطون جرجس

عقيدة التأله في اللاهوت الأرثوذكسي – د. أنطون جرجس

عقيدة التأله في اللاهوت الأرثوذكسي – د. أنطون جرجس

 

أقدم للأحباء بحث بعنوان ”عقيدة التأله في اللاهوت الأرثوذكسي“، هو عبارة عن بحث في عقيدة التأله بالنعمة في نصوص الكتاب المقدس، وفي كتابات آباء الكنيسة الجامعة شرقًا وغربًا، وفي نصوص الليتورجية القبطية والسريانية.
 
يحتوي البحث على النقاط التالية:
١. عقيدة التأله في الكتاب المقدس.
٢. عقيدة التأله عند الآباء اليونانيين.
٣. عقيدة التأله عند الآباء السريان.
٤. عقيدة التأله في الليتورجية السريانية.
٥. عقيدة التأله عند الآباء اللاتين.
٦. التأله غاية خلق الإنسان.
٧. التأله غاية التجسد.
٨. تأله ناسوت المسيح.
٩. الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق.
١٠. الحلول الأقنومي للروح القدس في البشر.
١١. الهرطقة الأفنومية وإنكار الحلول الأقنومي للروح القدس.
١٢. رد آباء الكنيسة على الهرطقة الأفنومية.
١٣. التأله بالأسرار المقدسة.
١٤. عقيدة التأله في الليتورجية القبطية.

عقيدة التأله في اللاهوت الأرثوذكسي – د. أنطون جرجس

تحميل البحث

الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق في تعليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس

الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق في تعليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس

الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق في تعليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس

نستكمل معًا موضوع الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق، هذا النور الذي يتسامى على الإطلاق لا على الحواس فقط، بل وعلى العقل نفسه، نور يلاقيه الذهن البشري ويتطابق معه، عندما يخرج الذهن البشري من ذاته ليصير أفضل مما هو عليه، عندما يتجاوز ذاته (أي الذهن البشري) ويتحد بالله.

سأتحدث عن الوصول إلى حالة الدهش والانخطاف الروحي في تعليم آباء الكنيسة، هذا الدهش والانخطاف الذي يحدث عندما تصلي النفس صلاة عقلية حارة*، وتنال مواهب الروح القدس، وتحقق هذه الصلاة بصورة سرية اتحاد النفس بينبوع هذه المواهب. وننوه بإمكانية نوال مواهب الروح هذه حتى في أوقات عمل الجسد، فالصلاة ليست انسلاخًا (أي ترك) عن الجسد.

يتحدث ق. غريغوريوس اللاهوتي عن الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق قائلاً:

“إنه ينزل من الأعالي حيث مقره لكيما تدخل إليه – إلى حد ما – الطبيعة المخلوقة”.

Homily 45: 11. PG 36: 637 B.

يتحدث مار اسحاق السرياني عن خبرة معاينة النور الإلهي غير المخلوق، وكيف ندرك هذا النور الإلهي العجيب بعيون نفوسنا الروحية كالتالي:

“إن لنفسنا حدقتين، ولكن النظر الخاص بكل منهما يختلف استعماله عن الآخر. فبإحدى هاتين الحدقتين نعاين أسرار الطبيعة، أعني قوة الله وحكمته وعنايته بنا، وندركها بفضل الجلال الذي يقودنا به. ونعاين بالحدقة الأخرى مجد طبيعته المقدسة حين يرتضي الله إدخالنا إلى الأسرار الروحية”. (عظة ٧٢)

ثم يتحدث مار اسحاق السرياني عن إشراق نور الثالوث القدوس مثل الشمس في نفس الإنسان النقي من الداخل، واستنشاقه للروح القدس كلي القداسة، وتساكنه الطبائع الروحية المقدسة (أي الملائكة) كالتالي:

“الرجل النقي النفس هي داخله. والشمس التي تشرق داخله هي نور الثالوث القدوس. الهواء الذي يستنشقه سكان تلك البلدة هو الروح القدس المعزي وكلي القداسة. والذين يسكنون معه هم الطبائع المقدسة الروحانية. المسيح هو نور نور الآب، هو حياتهم، وفرحهم، وسعادتهم.

مثل هذا الإنسان يبتهج كل ساعة بالرؤى الإلهية داخل نفسه*، ويسحره جمالها الخاص الذي هو بالحق أبهى مئة ضعف من لمعان الشمس نفسها. هذه هي أورشليم وملكوت الله المختفي داخلنا*، كما يقول الرب. هذا العالم هو سحابة مجد الله التي لا يدخلها إلا أنقياء القلب ليروا وجه سيدهم وليستنير عقلهم بشعاع نوره”.

مار اسحاق السرياني، الميامر النسكية، ترجمة: نيافة الانبا سيرافيم، (وداي النطرون: دير العذراء البراموس، ٢٠١٧)، الميمر ١٥، ص٢٢٣.

 

ويتحدث مار اسحاق السرياني عن كيفية الوصول إلى الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق من خلال الصلاة التي نصليها كالتالي:

“وإذ يتخذ الروح القدس مادة من صلاة الإنسان التي يصليها، يتحرك داخله، وتفقد بذلك صلاة الإنسان حركتها أثناء الصلاة، ويرتبك ذهنه، ويُبتلع في الدهش والانذهال*، وينسى حتى الرغبة فيما كان يتوسل بشأنه*. تغطس حركات العقل في سكر عميق، ولا تعد في هذا العالم في مثل هذا الوقت*، لا يوجد تمييز بين النفس والجسد، كما لا يوجد تذكار لأي شيء، تمامًا كما قال العظيم غريغوريوس اللاهوتي: الصلاة هي نقاوة الذهن*، وهي تنتهي فقط بواسطة نور الثالوث القدوس من خلال الدهش والانذهال*.

هل رأيت كيف تنتهي الصلاة من خلال الدهش بالمفاهيم التي ولدتها الصلاة في العقل، كما قلت في بداية هذا الميمر وفي مواضع أخرى عديدة؟ ويكتب أيضًا نفس هذا القديس غريغوريوس: نقاوة العقل هي التحليق السامي والمرتفع للقدرات الذهنية*، وهي تشبه منظر السماء، وهي التي يشرق عليها ومن خلالها نور الثالوث القدوس وقت الصلاة*”.

المرجع السابق، الميمر ٢٣، ص ٢٧٨، ٢٧٩.

 

وهكذا يتحدث ق. يوحنا ذهبي الفم عن معاينتنا للنور الإلهي غير المخلوق، وخبرة إشعياء النبي لهذا النور الإلهي في رؤياه كالتالي:

” وهذا نادى ذاك وقال: قدوس، قدوس، قدوس، رب الجنود. مجده ملء كل الأرض (إش٦: ٢، ٣). بالحقيقة هو قدوس لأنه جعل طبيعتنا مستحقة هذه الأسرار الكثيرة والعظيمة*، وصيرنا شركاء هذه الأمور التي لا تُوصف، لقد استوى عليَّ الفزع والرعدة (المقدسة) في أثناء إنشاد هذه التسبحة، وما يدعو للعجب أن هذا يحدث لي أنا الطين* المصنوع من تراب في اللحظة التي فيها حتى القوات السمائية تأخذها الدهشة العظيمة والدائمة؟ لذلك يديرون وجوههم ويغطونها بأجنحتهم كمثل ساتر، لأنهم لا يستطيعون تحمل اللمعان المنبعث من هناك.

وبالرغم من أن المشهد (الرؤيا) – كما يقال- كان يمثل تنازلاً للطبيعة الإلهية*. فلماذا إذًا لا يحتملون؟ فهل تسألني أنا ذلك؟! سل أولئك الذين يريدون أن يفحصوا الطبيعة غير الموصوفة وغير المقترب منها، أولئك الذين يتجرأون على ما لا يمكن التجرؤ منه […] بينما تجاسر الإنسان أن يتكلم أو بالحري أن يفكر بعقله في أنه يقدر أن يتطلع بدقة وبوضوح إلى تلك الطبيعة الإلهية البسيطة”.

يوحنا ذهبي الفم (قديس)، رؤيا إشعياء، ترجمة: د. جورج فرج، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٦)، عظة ٢: ٢، ص ١٠٥، ١٠٦.

 

ويقول ق. يوحنا ذهبي الفم في نفس السياق:

“لأنه يقول: باثنين يُغطي وجهه (إش٦: ٢). كأنهما ستارتان يغطيان وجهه، لأنهم لا يتحملون اللمعان المنبعث من ذلك المجد. وباثنين يغطي رجله (إش٦: ٢) تحت تأثير نفس الانبهار، لأننا أنفسنا عندما يُسلط علينا جسم باهر، فإننا ننكمش ونخفي كل مكان في جسدنا.

ولماذا اتحدث فقط عن الجسد، طالما أن النفس ذاتها، عندما يحدث لها ذلك الأمر في تجلياتها السامية، تجذب كل طاقاتها، ثم تجمع ذاتها ضاغطةً إياها بعمق في الجسد كما لو كان هذا الجسد ملبسًا لها؟ وحين يسمع أحد الاندهاش والانبهار لا يظن أننا نتحدث عن صراع مقزز للنفس، لأنه مع هذا الاندهاش توجد نشوة* ممتزجة به لا تُحتمل من عظمتها. وباثنين يطيرون (إش٦: ٢)، وهذا يدل على أنهم دائمًا يشتهون الأمور العلوية (السمائية) ولا ينظرون إلى أسفل أبدًا”.

المرجع السابق، عظة ٦، ص١٧٨، ١٧٩.

ويستطرد ق. يوحنا ذهبي الفم في حديثه عن الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق وحالة الاندهاش والانخطاف الروحي كالتالي:

“لأن الأجسادةالبراقة، وإن كانت منيرة بشكل عظيم، حينئذ فإنها عادةً ما تثير ذهولنا لما نشاهدها للمرة الأولى بعيوننا، ولكن إن واصلنا التطلع فيها أكثر فبالتعود سوف ينتهي اندهاشنا، لأن عيوننا قد اعتادت على تلك الأجساد. لذلك فعندما نرى أيقونة ملوكية، وقد تم تكريسها حديثًا (تجهيزها) وهي تزهو بألوانها، فهي تُثير إعجابنا، ولكن بعد يوم ويومين يزول إعجابنا هذا.

ولكن لماذا أتحدث عن أيقونة ملوكية، طالما أن الأمر ذاته يحدث لنا مع أشعة الشمس، على الرغم من أنه لا يوجد جسم أكثر لمعانًا منها؟ وهكذا فأي جسد بسبب الاعتياد على النظر إليه يذهب الإعجاب به. غير أن الأمر ليس كذلك فيما يتعلق بمجد الله، بل على العكس تمامًا، لأنه كما واصلت تلك القوات (السمائية) في النظر إلى ذلك المجد كلما انبهرت بالأكثر وازداد تعجبها.

لذلك فبالرغم من أنهم يرون ذاك المجد منذ خلقتهم وحتى الآن، فلا يتوقفون عن الصراخ بانبهار، لأن ما نعاني منه، ويحدث لنا في برهة قصيرة من الزمن، عندما يأتي علينا ضياء ساطع، يحدث لتلك القوات القائمة قدامه باستمرار وبلا انقطاع، وبالرغم من ذلك يُظهِرون لذةً ما وتعجبًا.

لأنهم لا يصرخون فقط، بل يفعلون ذلك فيما بينهم، وهذه علامة على اندهاشهم الدائم، وهذا نفسه ما يحدث لنا* عندما نسمع رعدًا أو زلزالاً يهز الأرض، لا نقفز ونصرخ فقط، بل نُسرِع بالهرب الواحد تلو الآخر إلى بيته، وهذا هو ما يفعله السيرافيم، لذلك كل واحد يصرخ نحو الآخر قائلاً: قدوس، قدوس، قدوس”.

المرجع السابق، عظة ٦، ص١٨٠، ١٨١.

وهكذا بعد جولة روحية عميقة وممتعة بين تعاليم آباء الكنيسة عن حالة الاندهاش والانخطاف الروحي التي تحدث لنا في الصلاة، وكيف تصل الصلاة الذهنية بنا إلى الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق وغير المحسوس والفائق الوصف، نصلي دائمًا من كل قلوبنا أن نصل إلى هذه الحالة الروحية الجميلة والطوباوية لنتمتع بلمحات من ملكوت الله ونحن سالكون في هذه الحياة الحاضرة المليئة بالمصاعب والضيقات.

الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق في تعليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس

الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق في تعليم الكتاب والتقليد – د. أنطون جرجس

الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق في تعليم الكتاب والتقليد – د. أنطون جرجس

الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق في تعليم الكتاب والتقليد – د. أنطون جرجس

أزعجني كثيرًا عندما قرأت أن تعليم الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق هو بدعة يجب محاربتها، وصدمني جدًا هذا الفكر الغريب. التعليم عن الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق هو في صلب الكتاب المقدس والتعليم الأرثوذكسي، فكيف يتجرأ البعض على دعوته بأنه بدعة؟!

نذكر تجلي إلهنا ومخلصنا يسوع المسيح بنوره الإلهي غير المخلوق على جبل ثابور أمام تلاميذه بطرس ويعقوب ويوحنا وإيليا وموسى، حيث يقول الكتاب:

1 وَبَعْدَ سِتَّةِ أَيَّامٍ أَخَذَ يَسُوعُ بُطْرُسَ وَيَعْقُوبَ وَيُوحَنَّا أَخَاهُ وَصَعِدَ بِهِمْ إِلَى جَبَل عَال مُنْفَرِدِينَ. 2 وَتَغَيَّرَتْ هَيْئَتُهُ قُدَّامَهُمْ، وَأَضَاءَ وَجْهُهُ كَالشَّمْسِ، وَصَارَتْ ثِيَابُهُ بَيْضَاءَ كَالنُّورِ. 3 وَإِذَا مُوسَى وَإِيلِيَّا قَدْ ظَهَرَا لَهُمْ يَتَكَلَّمَانِ مَعَهُ. 4 فَجَعَلَ بُطْرُسُ يَقُولُ لِيَسُوعَ: «يَارَبُّ، جَيِّدٌ أَنْ نَكُونَ ههُنَا فَإِنْ شِئْتَ نَصْنَعْ هُنَا ثَلاَثَ مَظَالَّ: لَكَ وَاحِدَةٌ، وَلِمُوسَى وَاحِدَةٌ، وَلإِيلِيَّا وَاحِدَةٌ».  (إنجيل متى4-1:17)

وهكذا ستتجلى أجسادنا بهذا النور العجيب مثل تجلى جسد المسيح أمام تلاميذه في المجد والملكوت.

ولقد اختبر ق. بطرس الرسول النور الإلهي غير المخلوق وشهد عن ذلك قائلاً:

16 لأَنَّنَا لَمْ نَتْبَعْ خُرَافَاتٍ مُصَنَّعَةً، إِذْ عَرَّفْنَاكُمْ بِقُوَّةِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ وَمَجِيئِهِ، بَلْ قَدْ كُنَّا مُعَايِنِينَ عَظَمَتَهُ. 17 لأَنَّهُ أَخَذَ مِنَ اللهِ الآبِ كَرَامَةً وَمَجْدًا، إِذْ أَقْبَلَ عَلَيْهِ صَوْتٌ كَهذَا مِنَ الْمَجْدِ الأَسْنَى: «هذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي أَنَا سُرِرْتُ بِهِ». 18 وَنَحْنُ سَمِعْنَا هذَا الصَّوْتَ مُقْبِلاً مِنَ السَّمَاءِ، إِذْ كُنَّا مَعَهُ فِي الْجَبَلِ الْمُقَدَّسِ.  (رسالة بطرس الثانية18-16:1)

كما أختبر ق. بولس الرسول هذا النور الإلهي غير المخلوق وشهد عنه قائلاً:

6 فَحَدَثَ لِي وَأَنَا ذَاهِبٌ وَمُتَقَرِّبٌ إِلَى دِمَشْقَ أَنَّهُ نَحْوَ نِصْفِ النَّهَارِ، بَغْتَةً أَبْرَقَ حَوْلِي مِنَ السَّمَاءِ نُورٌ عَظِيمٌ. (سفر أعمال الرسل6:22)

كما أختبر ق. استفانوس أول شهداء المسيحية مجد هذا النور الإلهي غير المخلوق وشهد عنه قائلاً:

55 وَأَمَّا هُوَ فَشَخَصَ إِلَى السَّمَاءِ وَهُوَ مُمْتَلِئٌ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، فَرَأَى مَجْدَ اللهِ، وَيَسُوعَ قَائِمًا عَنْ يَمِينِ اللهِ. (سفر أعمال الرسل55:7)

واختبره أيضًا ق. يوحنا الرسول وشهد عنه قائلاً:

5 وَهذَا هُوَ الْخَبَرُ الَّذِي سَمِعْنَاهُ مِنْهُ وَنُخْبِرُكُمْ بِهِ: إِنَّ اللهَ نُورٌ وَلَيْسَ فِيهِ ظُلْمَةٌ الْبَتَّةَ. 6 إِنْ قُلْنَا: إِنَّ لَنَا شَرِكَةً مَعَهُ وَسَلَكْنَا فِي الظُّلْمَةِ، نَكْذِبُ وَلَسْنَا نَعْمَلُ الْحَقَّ.  (رسالة يوحنا الأولى6-5:1)

 

فكيف بعد كل هذه الإعلانات الإلهية التي كان التلاميذ والرسل شهود عليها واختبروها أن نقول بعد ذلك على الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق بدعة؟! ألسنا في كارثة يا أخوة؟!

لقد تحدث ق. كيرلس السكندري الذي اختبر الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق وقال عن هذا الاختبار:

“فنحن دُعينا من الظلمة إلى نوره العجيب. وإذا كان هذا حقًا، فالمخلوق ليس حقًا هو النور، بل الابن وحده بالحقيقة وبالضبط هو النور، أما المخلوقات فهي تصير نورًا باشتراكها فيه، ولذلك فهي ليست من ذات طبيعته”.

كيرلس السكندري (قديس)، تفسير إنجيل يوحنا ج١، ترحمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٥)، ص ١٠٥.

ثم يتحدث ق. غريغوريوس اللاهوتى عن اتحادنا بالنور الإلهي غير المخلوق كالتالي:

” لنصبح نحن نورًا، كما سمع التلاميذ من النور الأعظم قوله لهم: أنتم نور العالم، بل ولنصر كأنوار في العالم، نضيء بين الأمم كما قال بولس الرسول في (في٢: ١٥): نحن قوة حية للآخرين. فلنتخذ شيئًا من الألوهة* ولنقتبس نورًا من النور الأول. لنسر نحو إشعاع هذا النور قبل أن تحجب بيننا وبينه الظلال”.

غريغوريوس اللاهوتي (قديس)، مختارات من القديس غريغوريوس اللاهوتي النزينزي، ترجمة: الأسقف استفانوس حداد، (لبنان: منشورات النور، ١٩٩٤)، عظة المعمودية والمعمدون، عظة ٤١، ص١٦٠.

ويقول ق. غريغوريوس اللاهوتي أيضًا عن اتحادنا بالنور الإلهي غير المخلوق التالي:

“ولكي تتقدموا أنتم كأنوار كاملة أمام النور الكبير، وأن تدخلوا إلى موكب النور النابع من النور الكبير متخذين* من النور الأبهى والأنقى، نور الثالوث الذي قبلتموه صبحًا من أصباح الألوهة الواحدة لشخص ربنا يسوع المسيح”.

المرجع السابق، عظة الظهور الإلهي في المسيح أو عظة عيد الأنوار، عظة ٣٩، ص ١٧٥.

 

كما يتحدث ق. باسيليوس الكبير عن اختبار النور الإلهي غير المخلوق لفهم وإدراك الإلهيات، وإنه بدون الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق لا يمكن أن تفكر النفس بصورة سليمة كالتالي:

“لأنه تمامًا كما هو النور المحسوس بالنسبة للعين، هكذا الله الكلمة بالنسبة إلى النفس، لأن الكتاب المقدس يقول: كان النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان آتيًا إلى العالم (يو١: ٩). وبناءً على ذلك، فإن النفس التي ليس فيها نور، لا تستطيع أن تفكر بشكل صحيح […] وأن يقتربوا من هذه الولادة من خلال إشراقة النور الإلهي”.

باسيليوس الكبير (قديس)، ضد أفنوميوس، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠٢٠)، ص ١٤٨، ١٤٩.

 

كما يتحدث ق. باسيليوس الكبير في موضع آخر عن اتحادنا وتلامسنا مع بهاء الألوهة والاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق كالتالي:

“هؤلاء يوصيهم أن يقتربوا من الرب، ويتلامسوا مع بهاء ألوهيته، حتى أنهم بهذا الاقتراب، بعدما يستنيرون بنور الحقيقة، يقبلوا داخلهم هذا النور بواسطة النعمة، وكما هو الحال بالنسبة إلى النور المحسوس، فهو لا يشرق على الجميع بطريقة واحدة، بل يشرق فقط على الذين لهم أعين، وهم في حالة يقظة”.

باسيليوس الكبير (قديس)، تفسير سفر المزامير ج١، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠٢٠)، العظة السابعة على مز٣٤، ص ٢٢٧، ٢٢٨.

 

وهكذا يتحدث ق. غريغوريوس النيسي عن اتحادنا بالنور الإلهي غير المخلوق كالتالي:

“إن نور الحق يسطع علينا نحن الذين نواصل السير في هذا المساء الهادئ في الحياة، وينير أعين أرواحنا بأشعته. هذا الحق الذي تجلى لموسى بنور غامض لا يُوصف ولا يُنطق به هو الله”.

غريغوريوس النيسي (قديس)، حياة موسى، ترجمة: مجدي فهيم حنا، مراجعة: القمص تادرس يعقوب ملطي، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج، ٢٠٢١)، ٢: ١٩، ص ٥٠.

ثم يتحدث ق. غريغوريوس النيسي عن اختبار القديس اسطفانوس للنور الإلهي غير المخلوق، الذي هو مثال لاتحادنا بالنور الإلهي غير المخلوق كالتالي:

“كيف رأى اسطفانوس مجد الله؟ مَن الذي فتح له أبواب السماء؟ تُرى هل هذه النعم محصلة قوة إنسانية؟ هل ملاك أصعد طبيعتنا التي كانت تنظر إلى أسفل إلى ذلك السمو؟ لم يحدث أي شيء من كل هذا. فكل ما له علاقة بهذه القصة، لم يذكر شيئًا مثل هذا، بمعنى أن اسطفانوس لم ير ما رأه لأنه كان قويًا للغاية، أو لأنه نال معونة كاملة من الملائكة.

فماذا قال النص الإنجيلي؟ قال: وأما هو فشخص إلى السماء وهو ممتلئ من الروح القدس، فرأى مجد الله ويسوع قائمًا عن يمين الله (أع٧: ٥٥). لأنه من غير الممكن، كما يقول داود النبي، أن يرى أحد النور، إن لم يكن قائمًا داخل النور: بنورك نرى نورًا (مز٣٦: ٩). لأنه من المستحيل رؤية النور خارج النور.

أي كيف يمكن للمرء أن يرى الشمس، وهو موجود بعيدًا عن أشعتها؟ لأن نور الابن الوحيد الجنس هو داخل نور الآب، أي داخل الروح القدس المنبثق من الآب، لذا بعدما امتلأ (أي اسطفانوس) أولاً من الروح القدس استنار، حينئذ أدرك مجد الآب والابن”.

غريغوريوس النيسي (قديس) ، اسطفانوس أول شهداء المسيحية، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٧)، العظة الأولى، ص ٣٦، ٣٧.

 

ويتحدث أيضًا ق. ديونيسيوس الأريوباغي عن خبرة اتحادنا بالنور الإلهي غير المخلوق كالتالي:

” من جهتي، فهذا ما أصلي به، أما أنت أيها العزيز تيموثاوس، انشغل بشدة بالرؤى السرية، اترك الأنشطة الحسية والذهنية، كل ما يخص الحواس والعقل، كل الموجودات وغير الموجودات (نحيه جانبًا)، وترفع غير مستندًا على معرفة حتى تتحد قدر المستطاع بمَّن هو أعلى من كل جوهر ومن كل معرفة. عندما تصل إلى الدهش*، حيث تتحرر بالكلية من ذاتك، من كل الأشياء، عندما تنزع عنك كل شيء، وتعفي نفسك من كل شيء، سوف ترتفع إلى الشعاع الفائق الجوهر للظلمة الإلهية”.

ديونيسيوس الأريوباغي (المستعار)، اللاهوت الباطني، ترجمة: د. جورج فرج، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠٢٠)، ص ١٠٤، ١٠٥.

وهكذا نجد أن تعليم الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق هو تعليم كتابي، ورسولي، وآبائي أرثوذكسي سليم اختبره التلاميذ والرسل وآباء الكنيسة على مر العصور.

يُتبع…

الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق في تعليم الكتاب والتقليد – د. أنطون جرجس

نسطوريوس: التجسد ليس تأليها ج2 – د. أنطون جرجس

نسطوريوس: التجسد ليس تأليها ج2 – د. أنطون جرجس

نسطوريوس: التجسد ليس تأليها ج2 – د. أنطون جرجس

نستكمل معًا أحبائي قراءتنا في فكر الهرطقة النسطورية، ونستعرض كيف يرى نسطوريوس آباء الكنيسة المنادين بالتأله بالنعمة بشكل عام، والقديس كيرلس عمود الدين بشكل خاص، حيث يقول التالي:

“يتميز هؤلاء بالفعل عن المانويين، لأنهم يعترفون حقًا بأن الجسد من طبيعتنا، وإنه لم يكن هيئة schêma الجسد، بل طبيعة الجسد. ولكن البعض من الآخرين الذين يكونون معهم (المشهورين)، لأنهم يعترفون بأن الجسد حقيقي، ولا ينتمي إلى الطبيعة البشرية، بل صار إلهيًا، ومن طبيعة اللاهوت.

فإنهم يتميزون في ذلك، ويسعون بكل قدرتهم إليه. وأولئك الذين يظنون أنهم يخدمون الكنيسة معترفين بأن الجسد من طبيعتنا، ومن أوسيتنا (جوهرنا)، وبالتالي تمييزه معروف لجميع البشر. بشكل عام، فإنهم يتنازعون ويتصارعون مع الجميع: مع المانويين، بخصوص نقطة إنه كان يوجد أوسيا (جوهرًا) وأوسيا (جوهرًا) في الحقيقة، ومع الآخرين، إنه لم يكن من طبيعة الله، بل من طبيعة آبائنا، أما مع الكنيسة، فإنهم يحولون الجسد إلى أوسيا (جوهر) الله.

وبالتالي، لأنهم لا يسمحون للجسد أن يظل في أوسياه (جوهره)، فإنهم يشبهون المانويين بتبديد أوسيا (جوهر) الجسد، ولكنهم يختلفون عنهم في أنهم يقولون أن الله كان بالتمام في هيولي hylê الجسد.

ولكنهم بذلك يحولون فورًا (الجسد) إلى أوسيا (جوهر) الله الكلمة، ويأبون الاعتراف بأن الله كان مع الجسد البشري، ويقبلون بنفس الرأي والشعور، عندما يقصون أوسيا (جوهر) الجسد، كأنما لم يوجد، مصرين سواء على تأليه أوسيا (جوهر) الجسد – أو كما يمكن القول – على جعل أوسيا (جوهر) الله يصير متجسدًا في أوسيا (جوهر) جسد اللاهوت”

(Heraclides 1: 32).

بالطبع هناك العديد من المغالطات في كلام نسطوريوس السالف الذكر، سنبينها ونبين فسادها بحسب اللاهوت الأرثوذكسي بخصوص التأله بالنعمة، والخريستولوجي عامةً:

١. يعترف نسطوريوس أن اللاهوت متحد بالناسوت باتحاد بروسوبوني، أي اتحاد في الهيئة فقط، وليس اتحادًا أقنوميًا كما قال آباء الكنيسة، فيشبه الأرثوذكس الذين يقولون بالاتحاد الأقنومي أنهم مانويون، لأنهم يمزجون ويخلطون الله بالمادة، وهذا بحسب فهمه الخاطئ للاهوت الأرثوذكسي، فلم يقل أحد من آباء الكنيسة باختلاط أو امتزاج الطبائع في المسيح الواحد.

٢. يرفض نسطوريوس فكرة أن يصير الجسد جسدًا إلهيًا، مستنكرًا ذلك، وهو بذلك خالف آباء الكنيسة، لأنه بالفعل في التجسد الإلهي، صار الجسد جسد الله الكلمة كما قال ق. أثناسيوس وغيره من الآباء الأرثوذكس.

٣. يظل نسطوريوس في جهله بسر المسيح كما اسماه ق. كيرلس، ويعتقد بأن القائلين بالتأله بالنعمة يحولون جوهر الجسد إلى جوهر الله، وهذا بعينه ما يقوله البعض في عصرنا الحالي، متهمين زورًا وبهتانًا المؤمنين بعقيدة التأله بالنعمة، أنهم يحولون طبيعة وجوهر الإنسان إلى طبيعة وجوهر الله.

٤.يقول نسطوريوس عبارة في منتهى الخطورة لينكر بها الاتحاد الأقنومي في المسيح، حيث يقول إن “الله كان مع الجسد البشري”، وليس متحدًا به، كما يعتقد. لأنه ينكر الاتحاد الأقنومي الحادث في المسيح الواحد. بل يقول بمجرد مصاحبة الله لجسد بشري.

٥. يتهم نسطوريوس المصرين على عقيدة التأله بالنعمة، إنهم بذلك يفنون ويبددون جوهر الجسد في الاتحاد الأقنومي، وهو مخطئ في ذلك، لأنه مَن مِن آباء الكنيسة قال بذلك، فهذه هي الهرطقة الأوطاخية بعينها. التي ترفضها كنيستنا القبطية الأرثوذكسية بشدة.

٦. وأخيرًا، يستنكر نسطوريوس على الجانب الأرثوذكسي قولهم بأن الله يصير متجسدًا في جسد اللاهوت، أي يستنكر اتحاد الله بالجسد اتحادًا أقنوميًا حقيقيًا، وأن يُنسب الجسد إلى اللاهوت، ويصير جسد اللاهوت. يا له من تخريب وتدمير لسر المسيح!

نسطوريوس: التجسد ليس تأليها ج2 – د. أنطون جرجس

نسطوريوس: التجسد ليس تأليها ج1 – د. أنطون جرجس

نسطوريوس: التجسد ليس تأليها ج1 – د. أنطون جرجس

نسطوريوس: التجسد ليس تأليها ج1 – د. أنطون جرجس

سنبدأ مع بعض أحبائي دراسة جديدة حول الهرطقة النسطورية من خلال كتاب نسطوريوس “هيراقليدس” الذي كتبه ردًا على ق. كيرلس الكبير أثناء نفيه بعد حرمانه في مجمع أفسس المسكوني.

يرفض نسطوريوس المهرطق بطريرك القسطنطينية المحروم عقيدة التأله بالنعمة التي نادى بها الكتاب المقدس بعهديه، ونادى بها آباء الكنيسة الجامعة. حيث يقول التالي:

“بخصوص ذلك: أولئك الذين يغيرون طبيعة الإنسان إلى الأوسيا (الجوهر) الإلهي جاعلين إضافة إلى الثالوث، سواء في الطبيعة، أو في البروسوبون.

لذلك، إن كانت طبيعة الجسد التي قد تألهت تبقى في الأوسيا (الجوهر)، الذي قد تألهت فيه، فكيف لم يقبل الثالوث إضافةً في الأوسيا (الجوهر)، وفي البروسوبون؟ لأنه لا يوجد أي شيء من الطبيعة البشرية في الثالوث، لا في الآب، ولا في الابن، ولا في الروح القدس، بل يكون (الثالوث) وحده؟ لأنه ما لم يكن معه أزليًا، بل قد تمت إضافته إليه، فقد قَبِل إضافةً.

ولكن كيف يمكن لإضافة أن تُصنع له، ولا تكون إضافةً؟ وهذه هي أيضًا قصة أخرى وخرافة مانوية. ولكن إن ذاك الذي قد أُضيف، لم يصر ما قد كان؟ ولم تتضرر طبيعة البشر من طبيعة اللاهوت كما بنارٍ، وإن كان بذلك لا يقبل الثالوث إضافةً، فلم يعد هذا تجسُدًا، بل إلغاء للتجسُد.

لأن أي شيء يؤدي إلى إلغاء الطبيعة البشرية، وليس بالحفاظ عليها، لا يُسمى “تجسُدًا”، بل يكون مثل شيء ما يوجد في علاقة مع ذاك الذي لا يوجد”.

(Heraclides 1: 34)

نرى بذلك رفض نسطوريوس لعقيدة التأله بالنعمة بحسب التقليد الرسولي والآبائي، لأنه يفهم خطاءً أن التجسُد هو عبارة عن إضافة للطبيعة البشرية إلى الثالوث، وهذا بالطبع ما لم يعلّم به آباء الكنيسة الجامعة بخصوص عقيدة التأله بالنعمة.

كما نجد في عصرنا الحالي مَن يردد كلمات نسطوريوس المهرطق بدون دراية أو وعي رافضًا عقيدة التأله بالنعمة على اعتبار أنها شرك بالله وتعدد آلهة وإدخال للطبيعة البشرية في الثالوث. كما نعتها البعض بالآريوسية الجديدة، وهذا عارٍ تمامًا عن الصحة.

نسطوريوس: التجسد ليس تأليها ج1 – د. أنطون جرجس

Exit mobile version