شرح نص: «ما أجمل رجليك بالنعلين يا بنت الكريم! دوائر فخذيك مثل الحلي صنعة يدي صناع» — نشيد الأنشاد 7: 1 حسب المفهوم اليهودي

يُعد نص نشيد الأنشاد 7: 1 من النصوص التي حظيت باهتمام واسع في التراث اليهودي، سواء في التفاسير الحاخامية التقليدية أو في الأدبيات التلمودية والكابالية والفلسفية. وقد اتجه غالبية المفسرين اليهود إلى رفض القراءة الجسدية الحرفية البحتة للنص، معتبرين أن العروس في سفر نشيد الأنشاد ترمز إلى جماعة إسرائيل أو إلى الشخينا، أي الحضور الإلهي الساكن وسط الشعب. ولذلك فإن الأوصاف الجسدية الواردة في السفر تُفهم غالبًا بوصفها إشارات رمزية إلى الشريعة والطهارة والهيكل والعبادة والنظام الروحي والاجتماعي للأمة اليهودية.
وقد نالت عبارة «دوائر فخذيك مثل الحلي صنعة يدي صناع» اهتمامًا خاصًا داخل الفكر اليهودي، حيث تعددت تفسيراتها بين المعنى التشريحي والرمزي والقومي والصوفي. فبعض المفسرين رأوا فيها إشارة إلى المفاصل البشرية ودقة الخلق الإلهي، بينما ربطها آخرون بالهيكل اليهودي وقنوات المذبح السرية، أو بالنسل المقدس، أو بعلماء التوراة والقضاة، أو بالعفة والطهارة الأسرية، أو بالأعياد والطقوس الدينية.
يرى الحاخام دافيد قيمحي، أحد أعظم علماء اللغة العبرية في العصور الوسطى، في كتابه Sefer Shorashim، أن كلمة «חמוקי» تشير إلى تجاويف مفصل الورك. ويشرح أن النص يصف الموضع الدائري الذي يدور فيه رأس عظمة الفخذ داخل الحوض، أي المفصل الكروي المسؤول عن مرونة الحركة واستقامة الجسد. ويرى الراداك أن تشبيه هذه المفاصل بالحلي يشير إلى الإبداع الإلهي في خلق الجسد، فالمفاصل تبدو كأنها حلي ذهبية مصاغة بإتقان على يد صانع ماهر، ولذلك ترتبط عبارة «صنعة يدي صناع» بالحكمة الإلهية في التكوين التشريحي للإنسان.
المرجع: ספר השרשים לרד”ק، مادة חמק.
أما الحاخام إشعياء دي تراني فقد فسّر «دوائر الفخذين» بأنها المفاصل والانحناءات الطبيعية الموجودة في الجسد، وأشار إلى أن الغضاريف والمفاصل المحيطة بالحوض تشبه الحلقات الذهبية المتداخلة في السلاسل الثمينة. ويرى أن هذا التصميم العضوي الدقيق هو الذي يمنح الإنسان القدرة على المشي والرقص والحركة المتزنة، ولذلك يشبّهها النص بالحلي المصنوعة بمهارة فائقة.
وفي التلمود البابلي يظهر اتجاه رمزي عميق للنص، حيث يفسر الحاخام يوحنان عبارة «חמוקי ירכייך» بأنها تشير إلى «الشيتين» Shitin، وهي القنوات السرية المحفورة تحت مذبح الهيكل في أورشليم، والتي كانت تُستخدم لسكيب الماء والخمر أثناء الطقوس الدينية. ومن هنا رأى الحاخامات أن النص يشير إلى الأمور المستترة المقدسة، سواء داخل الجسد أو داخل الهيكل، ولذلك أصبحت «المفاصل» رمزًا للعفة والتواضع والأعمال الصالحة التي تُمارس في الخفاء بعيدًا عن الرياء.
المرجع: Babylonian Talmud, Sukkah 49b.
ويُعد راشي من أبرز من تبنوا هذا الاتجاه الرمزي القومي، إذ يرى أن الآية لا تتحدث عن جمال جسدي، بل عن جمال شعب إسرائيل وعلاقته بالله. فهو يفسر «رجليك بالنعلين» بأنها تشير إلى خطوات بني إسرائيل أثناء صعودهم للحج إلى أورشليم في الأعياد الثلاثة الكبرى، بينما ترمز «دوائر الفخذين» إلى قنوات المذبح السرية المذكورة في التلمود. أما تشبيهها بالحلي فيشير عنده إلى الشرائع الإلهية الدقيقة والمخفية التي منحها الله لإسرائيل.
المرجع: تفسير راشي على نشيد الأنشاد 7: 1.
Chabad – Song of Songs Chapter 7
وفي شير هاشيريم راباه يفسر الحاخام يوحنان والحاخام شموئيل بن نحمان «دوائر الفخذين» بأنها تشير إلى حركة بني إسرائيل أثناء صعودهم إلى الهيكل للاحتفال بالأعياد. فمشقة السير في الطرق الجبلية والمنحدرات للوصول إلى أورشليم تُعتبر في نظر الله ثمينة كالحلي النفيسة، لأنها تعبّر عن محبة الشعب للشريعة والطاعة والعبادة.
أما الحاخام عوفاديا سفورنو فقد فسّر النص باعتباره وصفًا لصمود أمة إسرائيل عبر التاريخ. ويرى أن «المفاصل والفخذين» ترمز إلى القادة والعلماء والمربين الذين يحملون الأمة كما تحمل المفاصل الجسد. ويصفهم بأنهم «صنعة يدي صانع» لأن الله صاغ عقولهم وأخلاقهم بالتوراة، فصاروا ثابتين مثل الحلي الذهبية التي لا تصدأ رغم ضغوط المنفى والاضطهاد.
ويرى مئير ليبوش أن «الفخذين» يشيران إلى المواضع المستورة في الجسد، ولذلك يرمزان إلى النساء والأمهات في إسرائيل اللواتي يربين الأجيال في خفاء البيوت بروح الحياء والطهارة. ويعتبر المالبيم أن هذا الحياء الداخلي هو الحلية الحقيقية للأمة، وأن بقاء إسرائيل واستمرارها عبر الأجيال يرتبط بالعفة والطهارة الأسرية.
أما إبراهيم بن عزرا فقد رأى أن «بنت الكريم» ترمز إلى جماعة إسرائيل، بينما تشير «دوائر الفخذين» إلى النسل اليهودي الممتد من إبراهيم وإسحاق ويعقوب. ويشبه هذا النسل بالسلسلة الذهبية المحكمة الحلقات، التي بقيت متصلة عبر العصور دون أن تذوب وسط الأمم المحيطة.
ويذكر ترجوم يوناثان أن الآية تصف جمال وترابط القبائل والعائلات الإسرائيلية وهي مجتمعة حول خيمة الاجتماع أو الهيكل، حيث يرمز ترتيب المفاصل في الجسد إلى النظام والوحدة بين أفراد الشعب الإسرائيلي تحت قيادة الله.
أما الحاخام شمشون رافائيل هيرش فيربط كلمة «الفخذين» بفكرة النسل والذرية، لأن كلمة «فخذ» في العبرية القديمة كانت تُستخدم للدلالة على أصل النسل الخارج من صلب الإنسان. ويرى أن «دوائر الفخذين» تشير إلى الترابط الأخلاقي والروحي للأجيال اليهودية، حيث ترتبط الأجيال ببعضها كحلقات سلسلة ذهبية متماسكة، ويعتبر أن هذا الترابط هو ثمرة التربية على التوراة والشريعة.
ويقدم الحاخام ليفي بن غرشوم تفسيرًا فلسفيًا للنص، حيث يرى أن سفر نشيد الأنشاد يرمز إلى العلاقة بين العقل الإلهي والنفس الإنسانية لأمة إسرائيل. ويشرح «دوائر الفخذين» باعتبارها القواعد الفكرية والتشريعية التي يستند إليها الدين، كما يستند الجسد على مفاصل الورك. ويرى أن الشرائع الإلهية قد تبدو معقدة ومتداخلة كالحلقات الدائرية، لكنها مصاغة بدقة لتقود النفس إلى الكمال.
المرجع: פירוש הרלב”ג לשיר השירים، الإصحاح السابع.
أما الحاخام شلومو ألكابيتس فيرى أن «بنت الكريم» ترمز إلى جماعة إسرائيل، وأن «دوائر الفخذين» تشير إلى الوصايا العملية التي يؤديها اليهودي بحركة جسده. ويشبه تنفيذ الوصايا بالحلي الذهبية التي تزين الأمة أمام خالقها، ويرى أن حركات الجسد أثناء الطاعة تتحول إلى جمال روحي مقدس.
المرجع: פירוש אלשיך הקדוש על שיר השירים — עיני משה.
وفي الزوهر، وهو أهم كتب الكابالا اليهودية، تُفهم «العروس» باعتبارها الشخينا، أي الحضور الإلهي، بينما تشير «دوائر الفخذين» إلى القوى والمدارس الروحية التي تربط الأرض بالسماء. ويرى الزوهر أن هذه القوى الروحية ترتبط ببعضها كما ترتبط حلقات السلسلة الذهبية، وأنها تحفظ العلاقة بين الله وجماعة إسرائيل.
المرجع: ספר הזוהר, חלק ב’, דף קמ”ג עמוד א’.
ويرى الحاخام يوسف يعبتس أن الآية تمدح نساء إسرائيل اللواتي حافظن على الطهارة والعفة أثناء فترات الطرد والاضطهاد، وأن «المفاصل المستورة» ترمز إلى الحياء الداخلي الذي حفظ بقاء الأمة اليهودية عبر التاريخ.
أما الحاخام حاييم بن عطار فيفسر «دوائر الفخذين» بأنها ترمز إلى عامة الشعب الذين يدعمون علماء التوراة ويُعينونهم ماديًا وروحيًا، كما يحمل الفخذ الجسد. ويرى أن هذا الدعم الخفي هو الحلية الحقيقية التي تحفظ الأمة وتدعم استمرارها.
ويفسر يلقوط شمعوني «المفاصل» بأنها القضاة وأعضاء السنهدرين الذين يمنحون الأمة استقامتها التشريعية والأخلاقية، كما تمنح المفاصل الجسد القدرة على الحركة المتوازنة.
أما شلومو إفرايم لونشيتس فيربط النص بالتواضع والصدقة، ويرى أن الأغنياء الذين يحملون الفقراء يشبهون الفخذين اللذين يحملان الجسد، وأن الرحمة الاجتماعية والعطاء الخفي هما الحلية الحقيقية للأمة.
ويفسر أبراهام أزولاي «دوائر الفخذين» باعتبارها القنوات الروحية الداخلية التي تتحرك فيها نية الصلاة والطهارة داخل النفس البشرية، حتى تصبح النفس مزينة بالنور الإلهي كما تتزين الحلي بالذهب.
ويرى المهرال من براغ أن تميز إسرائيل ليس تميزًا ماديًا خارجيًا، بل هو تميز في البنية الروحية الداخلية للأمة، والتي تشبه المفاصل المتماسكة داخل الجسد. ويرى أن الله صاغ هذه البنية الروحية لتظل مترابطة مهما طال الشتات أو اشتدت الضيقات.
وفي ميدراش لقح طوف يُفهم النص باعتباره مديحًا لعلماء التوراة وطلبة العلم الذين يجلسون في حلقات الدراسة. ويرى الميدراش أن انحناء المفاصل فوق الكتب أثناء الدراسة يجعلهم في نظر الله كالحلي النفيسة الصافية.
أما الحاخام يعقوب بن آشر فيربط النص بعلامة الختان Brit Milah، ويرى أن «الفخذين» يشيران إلى موضع العهد بين الله وإسرائيل، وأن «الحلي» ترمز إلى قدسية هذا العهد الأبدي الموضوع في جسد الأمة.
ويرى تسفي إليملخ من دينوف أن «دوائر الفخذين» تشير إلى حلقات الرقص والابتهاج بالتوراة في الأعياد اليهودية، حيث تصبح حركة أقدام اليهود أثناء الرقص حول لفائف التوراة أثمن من الحلي والمجوهرات في نظر الله.
أما شمشون حاييم نحماني فيفسر «دوائر الفخذين» بأنها تشير إلى الصلوات اليومية الثلاث، ويرى أن الركوع وانحناء المفاصل أثناء الصلاة يربط حياة الأمة بالله كالسلسلة الذهبية المتصلة الحلقات.
ويرى شمعون سوفر أن النص يرمز إلى الوحدة الاجتماعية بين أسباط إسرائيل، حيث يعتمد كل سبط على الآخر كما تعتمد المفاصل على بعضها ليبقى الجسد قائمًا ومتماسكًا.
أما إسحاق أراما فيرى أن «دوائر الفخذين» ترمز إلى القوانين الأخلاقية والاجتماعية التي تضبط المجتمع اليهودي. فكما تمنح المفاصل الجسد القدرة على الحركة المنضبطة، كذلك تضبط الشريعة حركة المجتمع ليصبح متماسكًا وعفيفًا كالحلي المصاغة بإتقان.
ويرى الحاخام حاييم فيتال أن الآية تشير إلى الوصايا العملية التي تسري داخل الأمة كالقنوات الروحية، حيث تتحول الحركات الجسدية أثناء العبادة والطاعة إلى حلي روحية تزين جماعة إسرائيل.
المرجع: ספר עץ חיים.
أما الحاخام يعقوب كولي فيفسر «دوائر الفخذين» بأنها الطهارة الأسرية والعفة في العلاقات الزوجية، ويرى أن هذه الوصايا المستورة هي التي تحفظ نقاء النسل اليهودي واستمرار الأمة عبر الأجيال.
ويفسر الحاخام تسفي هيرش من زيديتشوف «دوائر الفخذين» باعتبارها رمزًا للمحبة والتكافل الاجتماعي بين أفراد الأمة، حيث يلتف الجميع معًا حول الإيمان والشريعة كحلقات السوار الذهبي المتصل.
وأخيرًا يرى يهودا آرييه ليف ألتر أن «الدوائر» تشير إلى الأعياد والسبوت التي تتكرر سنويًا وتحفظ الحياة الروحية للأمة، وأن التزام إسرائيل بهذه الأزمنة المقدسة يجعلها في نظر الله كالحلي النفيسة التي لا تبلى بمرور الزمن.
ومن خلال هذا العرض يتضح أن الفكر اليهودي، بمختلف مدارسه اللغوية والتلمودية والكابالية والفلسفية والحسيدية، لم يتعامل مع نص نشيد الأنشاد 7: 1 باعتباره وصفًا شهوانيًا أو جسديًا محضًا، بل فهمه باعتباره تصويرًا رمزيًا لجمال إسرائيل الروحي، وقداسة الشريعة، والطهارة، والعبادة، ووحدة الأمة، والنظام الإلهي الذي صاغه الله لشعبه كما يصوغ الصانع الماهر قطعة ذهبية نفيسة متقنة الصنع.
الساق في التفاسير الإسلامية
الصحابة يرون أرجل السيدة عائشة وهي تلبس الأساور والخلاخيل، وتقول المراجع إنها دليل على البطولة.
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ انْهَزَمَ النَّاسُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: وَلَقَدْ رَأَيْتُ عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ وَأُمَّ سُلَيْمٍ، وَإِنَّهُمَا لَمُشَمِّرَتَانِ، أَرَى خَدَمَ سُوقِهِمَا، أي أساور وخلاخيل الساق، تَنْقُزَانِ الْقِرَبَ عَلَى مُتُونِهِمَا، ثُمَّ تُفْرِغَانِهِ فِي أَفْوَاهِ الْقَوْمِ، ثُمَّ تَرْجِعَانِ فَتَمْلَآنِهَا، ثُمَّ تَجِيئَانِ فَتُفْرِغَانِهِ فِي أَفْوَاهِ الْقَوْمِ». رواه البخاري ومسلم.
وحديث آخر:
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي ﷺ في وصف الحوراء قال: «إِنَّ عَلَيْهَا سَبْعِينَ حُلَّةً، يُرَى مُخُّ سَاقِهَا مِنْ وَرَاءِ سَبْعِينَ حُلَّةً، وَإِنَّ عَلَيْهَا مِنَ الْحُلِيِّ لَخَلَاخِيلَ تَبْرُقُ نُورًا». رواه أحمد، وصححه الحاكم والمنذري.
الوصف البلاغي: يضيف هذا الحديث ذكر «الخلاخيل»، وهي حلي الساق. ويوضح النبي ﷺ أن نور ساقها الصافي يتناغم مع لمعان الخلاخيل المصنوعة من جواهر الجنة، فتبث نورًا يبرق لشدة حسنه.
وحديث آخر:
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «إنَّ المَرأَةَ مِن نِساءِ أَهلِ الجَنَّةِ لَيُرَى بَيَاضُ سَاقِهَا مِن وَرَاءِ سَبعِينَ حُلَّةً حَتَّى يُرَى مُخُّهَا، وَذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: {كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ}». رواه الترمذي وحسنه، وصححه الحاكم وابن حبان.
نص الحديث: عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ أَزْوَاجَ أَهْلِ الجَنَّةِ لَيُغَنِّينَ أَزْوَاجَهُنَّ بِأَحْسَنِ أَصْوَاتٍ…». رواه الطبراني وصححه الألباني.
وذكر ابن القيم في كتاب حادي الأرواح أن من جملة غنائهن وتفاخرهن بحسنهن أمام أزواجهن وقلوبهم: «نحن الناعمات فلا نبأس… ونحن الخيرات الحِسان». ويشرح المحدثون أن حركة الحوراء أثناء الغناء والرفاهية تُظهر تناسق حركة الساق مع حليها كلوحة فنية متكاملة صاغها الخالق سبحانه.
تفسير القرطبي لسورة النمل 44:
وفي بعض الأخبار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كانت بلقيس من أحسن نساء العالمين ساقين، وهي من أزواج سليمان عليه السلام في الجنة. فقالت عائشة: هي أحسن ساقين مني؟ فقال عليه السلام: أنت أحسن ساقين منها في الجنة.