هل يتحول جسد المسيح ودمه في التناول والإفخارستيا إلى فضلات تخرج مع عملية الإخراج؟

ماذا يحدث بعد تناول الإفخارستيا؟ هل تتحول لفضلات في المعدة؟
قبل أن نجيب هذا السؤال من الأخ المسلم الذي يؤمن أن فضالات نبيه طاهرة من عرق وبول ودم وغيره، نسأله سؤالًا: إن ماء زمزم عنده مبارك وفيه شفاء، بعيدًا عن الأبحاث التي حللت الماء ووجدت عكس ذلك، فيبقى السؤال:
هل ماء زمزم المبارك لديك عند تناولك له يخرج من البول والفضلات؟
يقول الشيخ العثيمين إن البركة في ماء زمزم ليست في “بقاء المادة” في الجسم، بل في النفع الحاصل منها، وبيّن أن خروج الفضلات هو من تمام نعم الله بتنقية البدن، ولا حرج في ذلك شرعًا.
في المجلد الرابع والعشرين، باب الأطعمة والأشربة، أوضح الشيخ ابن عثيمين أن بركة زمزم “معنوية وشفائية” ولا تغير نواميس الكون، وجاء في فتاواه:
كتب الفقه العام، مثل “المغني” لابن قدامة أو “المجموع” للنووي، يقول الفقهاء: “إذا استحال الشيء، تغيرت عينه، سقط عنه حكمه السابق”.
بمعنى: أن ماء زمزم إذا دخل الجوف وتحول إلى بول، فقد “استحال” إلى مادة أخرى، والبول الخارج ليس “ماء زمزم” شرعًا ولا لغةً، بل هو فضلات.
الخلاصة: جميع المراجع الفقهية المعتبرة تتفق على أن خروج ماء زمزم كبول هو أمر طبيعي وواقعي، ولا ينفي بركته إطلاقًا.
الرد المسيحي
تخيل نورًا يمر عبر قطعة كريستال. إذا قمت بتهشيم الكريستال وطحنها حتى أصبحت غبارًا، فإن “الضوء” لا يتحطم معها ولا يخرج مع غبارها، بل ببساطة يتوقف عن الانعكاس فيها لأنها لم تعد صالحة لحمله. فطبيعة الله لا تتسخ ولا تتأثر بالماديات. فعندما تتغير أعراض الخبز إلى الهضم، يعني أن الحضور الإلهي انتهى وأتم عمله بالاتحاد الذي يوحد المؤمن المسيحي بالله.
نطرح رأي الكنيسة الأرثوذكسية والكاثوليكية في مسألة: هل يخرج الخبز والخمر كفضلات؟
الرأي الكاثوليكي
الرأي الكاثوليكي يقول إن الخبز كشكل، عندما يتغير إلى عصارة، فهذا معناه أن الحضور الإلهي أتم عمله باتحادنا بالمسيح، وانتهى الحضور الإلهي لتغير مادة الخبز إلى عصارة في المعدة. فيصبح طعامًا عاديًا.
البابا بندكتس السادس عشر — جوزيف راتزينغر
يقول البابا بندكتس السادس عشر، جوزيف راتزينغر، كعالم لاهوت وكاهن قبل أن يصبح بابا، ناقش طبيعة الحضور الإلهي.
في: كتاب “روح الليتورجيا” وكتبه حول الإفخارستيا.
الفكرة: ركز على أن التناول هو “اتحاد روحي” يتم عبر مادة، وأن الهدف هو “تحويل المؤمن” وليس “تحويل الطعام” داخل الجهاز الهضمي. لذا فإن العلاقة تنتهي بانتهاء فعل التناول وبدء عملية التمثيل الغذائي للمادة.
هرطقة “الستيركورانیسم” Stercoranism
في تاريخ الكنيسة، كانت تهمة “الستيركورانیسم” Stercoranism، التي تعني حرفيًا الاعتقاد بأن القربان يتحول إلى فضلات، تُعتبر هرطقة أو “هرطقة خيالية” ناتجة عن سوء فهم لعقيدة الاستحالة الجوهرية.
باختصار، القربان الذي يتم تناوله يُمتص في جسد المؤمن كغذاء روحي، والفضلات الناتجة عن الهضم لا علاقة لها بجسد المسيح المقدس، لأن حضوره ينتهي قبل وصول الطعام إلى تلك المرحلة؛ لأن الأعراض الخاصة بالخبز قد تغيرت.
فبعد التناول، يكون المسيح حاضرًا في الإنسان طالما بقيت خواص الخبز والخمر، الشكل والطعم والخصائص المادية.
عندما يبدأ الهضم وتزول هذه الخواص تمامًا، ينتهي هذا الحضور الحقيقي.
اللاهوتي ألبرتوس ماغنوس
اللاهوتي ألبرتوس ماغنوس، معلم الأكويني، أكد أن “الاستحالة”، تحول الجوهر، هي عملية روحية وسرية، وأن ما يخضع لعملية الهضم والإخراج هو فقط الخصائص الفيزيائية التي كانت تخص الخبز، بينما ينسحب الحضور الإلهي بمجرد تغير طبيعة المادة في المعدة.
بناءً على ذلك، يتفق اللاهوتيون الكاثوليك على أن جسد المسيح يُعطى “كقوت للروح”، وبمجرد أن يبدأ الجسم في تفكيك المادة ماديًا، ينتهي السر ولا يتبقى إلا المادة التي تتحول طبيعيًا.
الأب ماتياس شيبين Matthias Joseph Scheeben
الأب ماتياس شيبين Matthias Joseph Scheeben كاهن ولاهوتي ألماني من القرن التاسع عشر، يُعتبر من أعظم العقول اللاهوتية الكاثوليكية.
المرجع: كتابه الضخم “أسرار المسيحية” The Mysteries of Christianity.
الشرح: يوضح شيبين أن اتحاد المسيح بالمؤمن في التناول هو اتحاد “عضوي روحي”. ويشرح أن جسد المسيح لا يدخل في الدورة الدموية كغذاء كيميائي، بل إن “الأعراض”، المادة الفيزيائية للخبز، هي التي تتفاعل كيميائيًا. وبمجرد أن يبدأ هذا التفاعل في تغيير طبيعة الخبز، الهضم، ينسحب الحضور الإلهي “برقة فائقة” لأن العلامة الحسية قد دُمّرت 0.5.2، 1.4.1.
الرأي الأرثوذكسي
يؤمن اللاهوت الأرثوذكسي أن الخبز وعصير الكرمة يمتص في الجسد بطريقة معجزية.
القديس يوحنا فم الذهب — القرن الرابع
يُعد المرجع الأهم في الليتورجيا الأرثوذكسية. في إحدى عظاته الشهيرة، رد على من يتساءل عن مصير القربان في الجسم بمثال قوي:
المبدأ: قال ما معناه: “كما أن الشمع عندما يُلقى في النار لا يترك رمادًا بل يذوب ويتحول كله إلى مادة مشتعلة، هكذا السر الإلهي، القربان، يمتزج بجوهر النفس والجسد ويُستهلك فيهما بالكامل” [0.5.2، 0.5.6].
فيقول هو يؤكد أن القربان “غذاء روحي” يتحد بكيان المؤمن، ولا يخضع لقوانين الطعام العادي الذي يخرج منه فضلات.
في كتابه الشهير “المئة مقالة في الإيمان الأرثوذكسي”، أوضح الفرق بين الطعام العادي والقربان:
القول: أكد أن جسد المسيح لا يذهب “إلى المخرج”، أي لا يخرج كفضلات، بل يُمتص في كيان الإنسان، النفس والجسد، من أجل التقديس والشفاء 1.1.1، 1.4.1.
التشبيه: شبّه القربان بالجمرة التي تلمس الشفتين؛ فهي تحرق الخطايا وتقدس الجسد، ولا تترك أثرًا ماديًا كفضلات الطعام.
الأب ألكسندر شميمان Alexander Schmemann
يرى الأب ألكسندر شميمان Alexander Schmemann، من أشهر اللاهوتيين الأرثوذكس في القرن العشرين، روسي-أمريكي.
المرجع: كتابه “من أجل حياة العالم” For the Life of the World.
أن القربان يُستهلك روحيًا وجسديًا في عملية تقديس المؤمن، فلا يتبقى منه فضلات [1.1.1، 1.4.5].
يوضح اللاهوت الكاثوليكي أن جوهر جسد المسيح لا يخضع للتفاعلات الكيميائية أو العمليات الهضمية. ما يتم هضمه وإخراجه هو فقط الخصائص المادية للخبز التي فقدت قدسيتها بمجرد تحللها في المعدة.
يشير الموقع إلى أن القربان يُستهلك في كيان المؤمن، نفسه وجسده، تمامًا كما تستهلك النار الوقود. لا تتبقى “فضلات” من النار، بل يتبقى الدفء والضوء. وبذلك، فإن ما يخرج من الجسم هو نتاج العمليات البيولوجية للطعام العادي، أما القربان فيُمتص بالكامل كقوة محيية [1.1.1، 1.4.5].
الكنيسة الأرثوذكسية في أمريكا OCA — Orthodox Church in America
في قسم “الأسئلة والأجوبة اللاهوتية” Q&A، يتناول الأب توماس هوبكو، عالم لاهوت شهير، طبيعة السر:
المبدأ: يؤكد أن جسد المسيح في القربان هو “جسد ممجد” Glorified Body. هذا الجسد لا يخضع لقوانين الفساد أو التحلل العضوي التي تؤدي للإخراج.
المنطق الأكاديمي: بمجرد أن يتم التناول، يتحد المسيح بالمؤمن “اتحادًا سريًا”. وبما أن المسيح لا يمكن أن يُهان، فإن “العلامة المادية”، الخبز، تتلاشى فعاليتها المادية بمجرد تحقيق الغرض الروحي منها في المعدة [0.5.6، 1.5.6].
مدونة الأب إندرو ستيفن داميك Fr. Andrew Stephen Damick
وهو كاهن وباحث أرثوذكسي معروف في الغرب:
التفسير المنطقي: يشرح أن الإفخارستيا هي “طعام الملائكة”. وبما أن الهدف منها هو تقديس الخلايا والروح، فإن الجسم “يستنفد” هذه المادة المقدسة بالكامل في عملية التقديس، فلا يتبقى منها ما يُطرح خارجًا [0.5.2، 1.2.5].
القديس بونافنتورا St. Bonaventure
القديس بونافنتورا St. Bonaventure، كاهن وملفان كاثوليكي معاصر للأكويني.
المرجع: “التعليقات على الأحكام” Sentences.
الفكرة: استخدم تشبيهًا أكاديميًا دقيقًا؛ قال إن حضور المسيح في القربان يشبه “حضور النفس في الجسد”. عندما يموت الجسد ويتحلل، لا تتحلل النفس معه بل تغادره. وبالمثل، عندما يتحلل “جسد الخبز” في المعدة، يغادره “حضور المسيح” قبل أن يطاله أي فساد أو إخراج [1.2.5، 1.4.5].
الخلاصة
العلماء يتفقون على أن المعدة هي “المحطة الأخيرة” للسر. فبمجرد أن يمتزج القربان بالعصارة المعدية ويفقد شكل وطعم الخبز، ينتهي “السر” لاهوتيًا، وتتحول المادة إلى جزيئات عضوية عادية جدًا تدخل في التمثيل الغذائي أو تُطرح، تمامًا مثل أي طعام آخر، لكن بعد أن أدت مهمتها الروحية.