هل كانت قيامة القديسين في متى 27 حدثًا تاريخيًا أم أسلوبًا أدبيًا؟ Patricia Michael

«وَانْفَتَحَتِ الْقُبُورُ، وَقَامَ كَثِيرٌ مِنْ أَجْسَادِ الْقِدِّيسِينَ الرَّاقِدِينَ، وَخَرَجُوا مِنَ الْقُبُورِ بَعْدَ قِيَامَتِهِ، وَدَخَلُوا الْمَدِينَةَ الْمُقَدَّسَةَ، وَظَهَرُوا لِكَثِيرِينَ.»
(متى 27: 52–53)
يجادل النقاد بأن حدثًا بهذا الحجم — وهو قيامة كثير من القديسين — كان ينبغي أن يُوثَّق على نطاق واسع. فإذا كان هذا قد حدث فعلًا، فلماذا انفرد متى بذكره؟ ومن هم الذين شاهدوا هؤلاء القديسين المقامين؟ وكم من الوقت عاشوا بعد ذلك؟ وهل عادوا إلى قبورهم لاحقًا؟ ويرى بعض الباحثين أن هذا المقطع ليس وصفًا لحدث تاريخي، بل وسيلة أدبية ذات مغزى لاهوتي.
الرد:
إن الفحص الدقيق لموقف الكنيسة الأولى من هذا النص، إلى جانب الأدلة المخطوطية، والتوقعات اليهودية المتعلقة بالأزمنة الأخيرة، والمصادر غير المسيحية، وحُجّة الصمت التاريخي، يُظهر أن هذه الفقرة تنسجم مع ما يُتوقع من حدث تاريخي أكثر مما تنسجم مع كونها مجرد رمز أو زخرفة أسطورية.

اولا: لماذا انفرد متى برواية هذا الحدث؟
إن حجة الصمت — أي الافتراض بأن حدثًا ما لم يقع لأنه لم يُذكر في مصادر كثيرة — ذات قيمة محدودة في الدراسات التاريخية. فكثير من الأحداث القديمة المهمة تعتمد على مصدر واحد فقط.
المؤرخ الروماني سويتونيوس هو المصدر الوحيد الذي يذكر طرد الإمبراطور كلوديوس لليهود من روما، ومع ذلك يؤكد سفر أعمال الرسل وقوع هذا الحدث بصورة مستقلة (أعمال 18: 2).
فَوَجَدَ يَهُودِيًّا اسْمُهُ أَكِيلاَ، بُنْطِيَّ الْجِنْسِ، كَانَ قَدْ جَاءَ حَدِيثًا مِنْ إِيطَالِيَةَ، وَبِرِيسْكِلاَّ امْرَأَتَهُ، لأَنَّ كُلُودِيُوسَ كَانَ قَدْ أَمَرَ أَنْ يَمْضِيَ جَمِيعُ الْيَهُودِ مِنْ رُومِيَةَ، فَجَاءَ إِلَيْهِمَا.( اعمال الرسل 18 : 2 )
ثوران جبل فيزوف سنة 79م، وهو من أعظم الكوارث في العالم القديم، لا يملك إلا توثيقًا معاصرًا محدودًا نسبيًا، ومع ذلك لا يشك المؤرخون في حدوثه.
رسالة بليني الأصغر عن إعدام المسيحيين في عهد الإمبراطور تراجان تُعد شهادة فريدة من نوعها، لكنها تُقبل تاريخيًا على نطاق واسع.
كان المؤرخون القدماء انتقائيين فيما يدوِّنونه. وانفراد متى بهذا الحدث ينسجم مع طبيعة إنجيله الموجَّه أساسًا إلى جمهور يهودي، ومع تركيزه على إظهار أن يسوع هو تحقيق النبوات المسيانية. فهو كثيرًا ما يورد تفاصيل لا نجدها في الأناجيل الأخرى، مثل زيارة المجوس (متى 2: 1–12) ومعجزة عملة الجزية في فم السمكة (متى 17: 27).
“وَلكِنْ لِئَلاَّ نُعْثِرَهُمُ، اذْهَبْ إِلَى الْبَحْرِ وَأَلْقِ صِنَّارَةً، وَالسَّمَكَةُ الَّتِي تَطْلُعُ أَوَّلًا خُذْهَا، وَمَتَى فَتَحْتَ فَاهَا تَجِدْ إِسْتَارًا، فَخُذْهُ وَأَعْطِهِمْ عَنِّي وَعَنْكَ».” (مت 17: 27).

ثانيا: موقف الكنيسة الأولى من هذا الحدث: هل اعتبره الآباء حدثًا تاريخيًا؟
تعامل كتّاب المسيحية الأوائل مع هذا الحدث بوصفه واقعًا تاريخيًا.
يشير أغناطيوس الأنطاكي (حوالي 35–107م) إلى هذا الحدث عند حديثه عن سلطان المسيح على الموت قائلًا: «نزل إلى الجحيم وأقام الراقدين»
(Letter to the Trallians 9:2)
يشير إيريناوس (حوالي 130–202م) إلى «الكثيرين الذين قاموا معه»، مؤكدًا أن الحدث وقع بالفعل.
(Against Heresies 5.31.2)
يؤكد ترتليان (حوالي 155–220م) أن هذه القيامة كانت علامة على انتصار المسيح على الموت.
(On the Resurrection of the Flesh 32)
يذكر يوسابيوس القيصري (حوالي 260–339م) أن كثيرًا من السجلات اليهودية فُقدت بعد تدمير أورشليم سنة 70م، وهو ما قد يفسر غياب توثيق إضافي للحدث.
(Ecclesiastical History 3.5)
يدافع أوغسطينوس (354–430م) عن القيامة الجسدية في مواجهة المشككين، معتبرًا أن مثل هذه المعجزات تمهِّد للقيامة العامة في نهاية الزمان.
(City of God 20.20)
كما يتعامل يوحنا الذهبي الفم (حوالي 347–407م)، في عظاته على إنجيل متى، مع النص بوصفه حدثًا حرفيًا يُظهر سلطان المسيح على الموت.
ولو كان المسيحيون الأوائل قد اعتبروا هذا النص مجرد رمز، لتوقعنا ظهور نقاشات لاهوتية واسعة حول طبيعته ومعناه. لكننا نجد، على العكس، إجماعًا واضحًا بين الآباء على فهمه كحدث حقيقي.

ثالثا: القيامة في الفكر اليهودي: هل كان هذا متوافقًا مع التوقعات اليهودية؟
يتوافق هذا المقطع بصورة واضحة مع التوقعات اليهودية المتعلقة بالعصر المسياني.
يتنبأ دانيال 12: 2 بأن «وَكَثِيرُونَ مِنَ الرَّاقِدِينَ فِي تُرَابِ الأَرْضِ يَسْتَيْقِظُونَ، ».
يصف حزقيال 37 (رؤيا العظام اليابسة) إعادة الحياة إلى الموتى كعلامة على عمل الله الخلاصي.
وتصور مخطوطات البحر الميت (4Q521) المسيح باعتباره الذي يقيم الموتى ضمن علامات مجيء ملكوته.
لهذا السبب لم يكن جمهور متى اليهودي ليرى في هذا الحدث أمرًا غريبًا أو غير متوقع، بل تأكيدًا طبيعيًا لهوية يسوع باعتباره المسيح المنتظر.

رابعا: تفنيد ادعاء «غزو الزومبي» (تشويه بارت إيرمان للنص)
سخر بعض المشككين، مثل Bart Ehrman، من هذه الفقرة واصفين إياها بأنها أشبه بـ«اجتياح للزومبي»، زارعمين بأن متى يصف جثثًا أُعيدت إلى الحياة وهي تتجول بلا هدف في الشوارع. غير أن هذا التصوير يُشوّه النص بصورة واضحة:
يصرّح متى صراحةً بأن هؤلاء كانوا «قديسين»، وليسوا مجرد أموات مجهولين. فقد كانوا أشخاصًا أتقياء، ومن المحتمل أن يكون معاصروهم قد عرفوهم وتعرّفوا عليهم.
لا يصف النص جثثًا متحللة تسير في الطرقات. بل إن اللغة المستخدمة تنسجم مع لاهوت القيامة بحسب الفكر اليهودي (دانيال 12: 2؛ حزقيال 37).
على عكس «الزومبي» في أفلام الرعب، كان لهؤلاء القديسين هدف محدد؛ إذ يقول النص إنهم «ظهروا لكثيرين»، مما يدل على أنهم كانوا شهودًا على قوة الله، لا كائنات هائمة بلا غاية.
كما أن إقامة الموتى ليست أمرًا غريبًا في السرد الكتابي؛ فقد أُقيم لعازر، وابنة يايرس، وابن أرملة نايين، وعادوا إلى الحياة الجسدية وتفاعلوا بصورة طبيعية مع الآخرين.
لذلك فإن تصوير إيرمان لهذه الفقرة على أنها «قصة زومبي» يُعد تبسيطًا ساخرًا وسطحيا لا يعكس ما يقوله النص فعلًا، ويتجاهل سياقه اليهودي ومعناه اللاهوتي العميق المرتبط بقيامة الأموات وانتصار المسيح على الموت.

خامسا: هل مات هؤلاء القديسون مرة أخرى؟
لا يوضح النص ما حدث لهؤلاء القديسين لاحقًا، لكن من المنطق أن قيامتهم كانت مشابهة لحالات القيامة الأخرى المذكورة في الكتاب المقدس.
- لعازر عاد إلى الحياة ثم مات لاحقًا.
- وكذلك ابنة يايرس وابن أرملة نايين.
- وكذلك ابن أرملة نايين.
أما بولس الرسول فيعلّم أن المسيح هو «باكورة الراقدين» (1 كورنثوس 15: 20)، أي أول من قام إلى حياة ممجدة لا يعود بعدها إلى الموت.
وعليه، وبحسب المنطق الكتابي فانّ هؤلاء القديسين أُقيموا مؤقتًا كعلامة على انتصار المسيح على الموت، لا كأشخاص دخلوا بالفعل في حالة القيامة النهائية الممجدة.
سادسا: تحدٍّ للمشككين
إذا كان هذا الحدث مجرد رمز أدبي أو لاهوتي:
فلماذا قبله المسيحيون الأوائل بوصفه حدثًا حقيقيًا؟
ولماذا يختلق متى قصة كهذه ويربطها مباشرة بقيامة يسوع، وهي القيامة التي شهد لها مئات الأشخاص؟
وإذا كان المشككون يرفضون هذا الحدث بسبب غياب الشهادات المتعددة، فهل يطبقون المعيار نفسه على سائر الأحداث القديمة التي لا تستند إلا إلى مصدر واحد؟
الخاتمة
في ضوء الأدلة النصية والتاريخية واللاهوتية، لا يوجد أساس موضوعي للتعامل مع هذه الفقرة بوصفها اختراعًا أدبيًا أو أسطورة لاحقة. بل يقدّمها إنجيل متى كحدثٍ تاريخي ارتبط بقيامة المسيح، وعلامةٍ على انتصار الله على الموت، وهو الفهم الذي تبنّته الكنيسة منذ أقدم عصورها.
وعليه، فإن قراءة النص بوصفه واقعةً تاريخية يظل التفسير الأكثر اتساقًا مع مجمل الأدلة المتاحة، في حين يفتقر تفسيره كرمز أدبي أو تفسير رمزي بحت إلى السند التاريخي والنصي الكافي.
Dallis, Tom. “A Historical Event or Literary Device?” Tom’s Theology Blog, February 6, 2025.
Suetonius, The Twelve Caesars, Claudius 25.4; cf. Acts 18:2.
Pliny the Younger, Letters 6.16.
Pliny the Younger, Letters 10.96.
Ignatius of Antioch, Letter to the Trallians 9.2.
Irenaeus, Against Heresies 5.31.2.
Tertullian, On the Resurrection of the Flesh 32.
Eusebius, Ecclesiastical History 3.5.
Augustine, The City of God 20.20.
John Chrysostom, Homilies on Matthew.
Collins, John J. The Apocalyptic Imagination: An Introduction to Jewish Apocalyptic Literature. Grand Rapids, MI: Eerdmans, 2016.
Ehrman, Bart D. How Jesus Became God: The Exaltation of a Jewish Preacher from Galilee. San Francisco: HarperOne, 2014.
Keener, Craig S. The Gospel of Matthew: A Socio-Rhetorical Commentary. Grand Rapids, MI: Eerdmans, 2009.
ليكون للبركة Patricia Michael
