القائمة إغلاق

هل كان المسيح حاضرًا دائمًا مع تلاميذه أم لا؟ كيف نفهم قوله: «إياي فليس لكم في كل حين» مع وعده: «ها أنا معكم كل الأيام»؟

هل كان المسيح حاضرًا دائمًا مع تلاميذه أم لا؟

كيف نفهم قوله: «إياي فليس لكم في كل حين» مع وعده: «ها أنا معكم كل الأيام»؟

هل كان المسيح حاضرًا دائمًا مع تلاميذه أم لا؟
كيف نفهم قوله: «إياي فليس لكم في كل حين» مع وعده: «ها أنا معكم كل الأيام»؟

قال المسيح لتلاميذه قبل الصليب:

«لأَنَّ الْفُقَرَاءَ مَعَكُمْ فِي كُلِّ حِينٍ، وَأَمَّا أَنَا فَلَسْتُ مَعَكُمْ فِي كُلِّ حِينٍ.»

متى 26: 11

لكن بعد القيامة، قال لهم في الإرسالية العظمى:

«وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ. آمِينَ.»

متى 28: 20

فهل يوجد تناقض؟ هل كان المسيح سيبقى مع تلاميذه دائمًا، أم لن يكون معهم دائمًا؟

الإجابة المختصرة هي: لا يوجد تناقض. ففي متى 26: 11 يتكلم المسيح عن حضوره الجسدي المنظور معهم قبل موته وصعوده. أما في متى 28: 20 فيتكلم عن حضوره الروحي الإلهي معهم في خدمتهم وكرازتهم إلى انقضاء الدهر.

موضع الإشكال

في بيت عنيا، عندما سكبت المرأة الطيب الكثير الثمن على جسد المسيح، اعترض التلاميذ قائلين إنه كان يمكن بيع الطيب وإعطاء ثمنه للفقراء. فجاء رد المسيح:

«لأَنَّ الْفُقَرَاءَ مَعَكُمْ فِي كُلِّ حِينٍ، وَأَمَّا أَنَا فَلَسْتُ مَعَكُمْ فِي كُلِّ حِينٍ.»

متى 26: 11

هنا يبدو أن المسيح يقول إن التلاميذ لن يكون لهم حضوره دائمًا. لكن في نهاية إنجيل متى، بعد قيامته، يقول:

«وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ.»

متى 28: 20

فكيف يقول مرة: «لست معكم في كل حين»، ثم يقول مرة أخرى: «أنا معكم كل الأيام»؟

المسيح يتكلم في متى 26 عن حضوره الجسدي

في متى 26، كان المسيح يتكلم في سياق قريب جدًا من موته ودفنه. فالمرأة سكبت الطيب عليه، والمسيح فسر هذا العمل باعتباره تهيئة لدفنه:

«فَإِنَّهَا إِذْ سَكَبَتْ هذَا الطِّيبَ عَلَى جَسَدِي إِنَّمَا فَعَلَتْ ذلِكَ لأَجْلِ تَكْفِينِي.»

متى 26: 12

إذن، قوله: «أما أنا فلست معكم في كل حين» لا يعني أنه سيتوقف عن رعايتهم أو حضوره الروحي، بل يعني أن وجوده الجسدي المنظور بينهم كان على وشك أن ينتهي بالصليب، ثم القيامة، ثم الصعود.

فالتلاميذ كانوا يعيشون مع المسيح، يرونه بأعينهم، يسمعون صوته مباشرة، يأكلون معه، ويسيرون معه في الطرقات. هذا الشكل من الحضور لن يستمر معهم دائمًا.

الصعود أنهى الحضور الجسدي المنظور لا الحضور الإلهي

بعد قيامته، ظهر المسيح لتلاميذه، ثم صعد إلى السماء. يذكر سفر الأعمال:

«وَلَمَّا قَالَ هذَا ارْتَفَعَ وَهُمْ يَنْظُرُونَ. وَأَخَذَتْهُ سَحَابَةٌ عَنْ أَعْيُنِهِمْ.»

أعمال 1: 9

من هذه الجهة، لم يعد المسيح حاضرًا معهم حضورًا جسديًا منظورًا كما كان قبل الصليب. لذلك كان كلامه في متى 26 دقيقًا: لن يكون معهم دائمًا بهذا الشكل الجسدي الملموس.

لكن هذا لا يعني غياب المسيح عن كنيسته، ولا انقطاع عمله، ولا تركه لتلاميذه وحدهم.

المسيح يتكلم في متى 28 عن حضوره الروحي الإلهي

في متى 28، يتكلم المسيح بعد القيامة، في سياق الإرسالية العظمى:

«فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآبِ وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ. وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ. وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ. آمِينَ.»

متى 28: 19-20

هنا يعد المسيح تلاميذه بحضوره المستمر أثناء تنفيذ الرسالة: الكرازة، التلمذة، التعليم، والمعمودية. هذا الحضور ليس حضوره الجسدي المحلي في مكان واحد، بل حضوره الروحي الإلهي العامل مع كنيسته في كل مكان وزمان.

الفرق بين الحضور الجسدي والحضور الروحي

الحضور الجسدي يعني أن المسيح كان حاضرًا بينهم في جسده المنظور، في مكان محدد، خلال فترة خدمته الأرضية. وهذا الحضور كان مرتبطًا بمرحلة التجسد والخدمة قبل الصليب والصعود.

أما الحضور الروحي الإلهي، فهو حضور المسيح مع تلاميذه وكنيسته بقوته وسلطانه وعمله، حتى بعد صعوده. لذلك قال لهم:

«لاَ أَتْرُكُكُمْ يَتَامَى. إِنِّي آتِي إِلَيْكُمْ.»

يوحنا 14: 18

فالمسيح لم يتركهم يتامى، مع أنه لم يبق معهم جسديًا كما كان من قبل. وهذا هو المفتاح لفهم النصين معًا.

هل الحضور الروحي أقل حقيقة من الحضور الجسدي؟

لا. الحضور الروحي للمسيح ليس مجرد ذكرى نفسية أو تشجيع معنوي، بل هو حضور حقيقي بقوته وسلطانه. فالمسيح القائم من الأموات يملك كل سلطان في السماء وعلى الأرض:

«فَتَقَدَّمَ يَسُوعُ وَكَلَّمَهُمْ قَائِلًا: دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ.»

متى 28: 18

وعلى أساس هذا السلطان، يرسل تلاميذه إلى العالم كله، ويعدهم أن يكون معهم كل الأيام. فالحضور هنا مرتبط بالرسالة وبسلطان المسيح القائم، لا بمجرد وجود جسدي منظور.

لماذا لا يوجد تناقض؟

لا يوجد تناقض لأن النصين يتكلمان عن نوعين مختلفين من الحضور:

في متى 26: 11، المسيح يقول إن حضوره الجسدي الأرضي مع التلاميذ لن يستمر دائمًا، لأنه كان ذاهبًا إلى الصليب ثم القيامة والصعود.

في متى 28: 20، المسيح يعد تلاميذه بحضوره الروحي الإلهي المستمر معهم أثناء الكرازة والتعليم إلى انقضاء الدهر.

فالمسيح لن يكون معهم دائمًا جسديًا كما كان قبل الصعود، لكنه سيكون معهم دائمًا روحيًا وبسلطانه وعمله في الكنيسة.

سياق كل عبارة يحدد معناها

لو أخذنا كل عبارة بمعزل عن سياقها، قد يبدو أن هناك تعارضًا. لكن عندما نقرأ السياق، يزول الإشكال تمامًا.

في متى 26، الحديث عن تكفين المسيح واقتراب موته. لذلك فالكلام عن غياب حضوره الجسدي القريب.

أما في متى 28، فالحديث عن الإرسالية العظمى بعد القيامة. لذلك فالكلام عن حضور المسيح الدائم مع تلاميذه في رسالتهم إلى كل الأمم.

البعد اللاهوتي للوعد

وعد المسيح «ها أنا معكم كل الأيام» له بعد لاهوتي عميق. فهو ليس وعد نبي عادي يرسل أتباعه ثم يتمنى لهم النجاح، بل وعد الرب القائم صاحب السلطان الكامل، الذي يعمل مع كنيسته عبر التاريخ.

وهذا ينسجم مع إعلان العهد الجديد عن المسيح الحاضر في وسط خاصته، والعامل فيهم وبهم، رغم صعوده وجلوسه عن يمين الآب.

الخلاصة

لم يناقض المسيح نفسه عندما قال: «أما أنا فلست معكم في كل حين»، ثم قال: «ها أنا معكم كل الأيام». ففي النص الأول كان يتكلم عن حضوره الجسدي المنظور الذي سينتهي بالصليب والصعود. وفي النص الثاني كان يتكلم عن حضوره الروحي الإلهي المستمر مع تلاميذه في الكرازة والتعليم إلى انقضاء الدهر.

إذن، المسيح لم يكن دائمًا مع التلاميذ جسديًا بعد الصعود، لكنه حاضر معهم دائمًا روحيًا وبسلطانه ونعمته وعمله. لذلك لا يوجد أي تناقض بين النصين.

المصدر

Geisler, Norman L., and Thomas A. Howe. When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties. Victor Books, Wheaton, Illinois, 1992, p. 359.

هل كان المسيح حاضرًا دائمًا مع تلاميذه أم لا؟

Posted in سؤال وجواب

مقالات مرتبطة