هل كانت الكنيسة الأولى تطبق الشيوعية أو الاشتراكية؟ أعمال الرسل 2: 44-45

يستشهد البعض بما جاء في أعمال الرسل عن المؤمنين الأوائل، حيث كان «جَمِيعُ الَّذِينَ آمَنُوا مَعًا، وَكَانَ عِنْدَهُمْ كُلُّ شَيْءٍ مُشْتَرَكًا، وَالأَمْلاَكُ وَالْمُقْتَنَيَاتُ كَانُوا يَبِيعُونَهَا وَيَقْسِمُونَهَا بَيْنَ الْجَمِيعِ»، ليقولوا إن المسيحية الأولى كانت نظامًا شيوعيًا أو اشتراكيًا، وإن الكتاب المقدس يؤيد إلغاء الملكية الخاصة. فهل هذا صحيح؟
لا. ما يصفه سفر الأعمال هو حالة مؤقتة وطوعية نشأت في ظروف خاصة بعد يوم الخمسين، وليس نظامًا اقتصاديًا إلزاميًا أو نموذجًا دائمًا للكنيسة. كما أن الكتاب المقدس نفسه يعترف بالملكية الخاصة، ويمنع السرقة والطمع، ويؤكد أن العطاء المسيحي يجب أن يكون اختياريًا وليس قسريًا.
موضع الإشكال
«وَجَمِيعُ الَّذِينَ آمَنُوا كَانُوا مَعًا، وَكَانَ عِنْدَهُمْ كُلُّ شَيْءٍ مُشْتَرَكًا. وَالأَمْلاَكُ وَالْمُقْتَنَيَاتُ كَانُوا يَبِيعُونَهَا وَيَقْسِمُونَهَا بَيْنَ الْجَمِيعِ، كَمَا يَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ احْتِيَاجٌ.»
أعمال 2: 44-45
فهل هذا يعني أن المسيحيين الأوائل طبقوا الشيوعية وألغوا الملكية الخاصة؟
أين يقع الالتباس؟
يقع الالتباس في الخلط بين النصوص الوصفية (Descriptive) والنصوص التشريعية أو الإلزامية (Prescriptive). فسفر الأعمال يصف ما حدث بالفعل، لكنه لا يفرض هذا النظام على كل المسيحيين في كل زمان ومكان.
سفر الأعمال يصف تصرفًا طوعيًا ومؤقتًا، ولا يضع نظامًا اقتصاديًا إلزاميًا دائمًا للكنيسة.
أولًا: النص وصفي وليس تشريعيًا
لا يوجد في أعمال 2 أي أمر إلهي يقول إن كل المسيحيين يجب أن يبيعوا ممتلكاتهم. فالكتاب يصف ما فعله المؤمنون في تلك الظروف الخاصة، لكنه لا يقدمه كوصية عامة أو نظام اقتصادي دائم.
ثانيًا: كان ترتيبًا مؤقتًا فرضته ظروف استثنائية
كان آلاف اليهود قد جاءوا إلى أورشليم من بلاد مختلفة لحضور عيد الخمسين (أعمال 2: 5-13)، ثم آمن كثيرون بالمسيح وبقوا مع الكنيسة الناشئة. لذلك ظهرت احتياجات مادية استثنائية، مما دفع المؤمنين إلى التعاون ومشاركة مواردهم بصورة مؤقتة لتغطية هذه الاحتياجات.
ثالثًا: المشاركة كانت طوعية وليست إجبارية
لم يكن هناك أي نظام قسري يفرض بيع الممتلكات. بل كان المؤمنون يقدمون مما لديهم بمحبة واختيار.
ويتضح هذا بصورة أوضح في قصة حنانيا وسفيرة، حيث قال بطرس:
«أَلَيْسَ وَهُوَ بَاقٍ كَانَ يَبْقَى لَكَ؟ وَبَعْدَ مَا بِيعَ، أَلَيْسَ فِي سُلْطَانِكَ كَانَ؟»
أعمال 5: 4
وهذا يثبت أن الملكية الخاصة كانت معترفًا بها، وأن البيع والعطاء لم يكونا إلزاميين.
رابعًا: لم يبع الجميع كل شيء
النص لا يقول إن المؤمنين باعوا مساكنهم الوحيدة أو كل ممتلكاتهم بالكامل، بل يشير إلى بيع بعض الأملاك والمقتنيات لتلبية الاحتياجات. وقد عاد كثيرون إلى بلادهم بعد ذلك، مما يدل على استمرار وجود ممتلكاتهم ومنازلهم.
خامسًا: الكتاب المقدس يعترف بالملكية الخاصة
الوصايا العشر نفسها تفترض وجود ملكية خاصة:
«لاَ تَسْرِقْ.»
خروج 20: 15
وكذلك:
«لاَ تَشْتَهِ بَيْتَ قَرِيبِكَ… وَلاَ شَيْئًا مِمَّا لِقَرِيبِكَ.»
خروج 20: 17
فالسرقة والطمع لا يكون لهما معنى إلا إذا كانت الملكية الخاصة مشروعة ومعترفًا بها.
سادسًا: العطاء المسيحي يختلف عن الشيوعية
الشيوعية تقوم على الإلغاء الإجباري للملكية الخاصة وسيطرة الدولة على الموارد. أما المسيحية فتشجع المحبة والعطاء الحر.
ويقول بولس الرسول:
«كُلُّ وَاحِدٍ كَمَا يَنْوِي بِقَلْبِهِ، لَيْسَ عَنْ حُزْنٍ أَوِ اضْطِرَارٍ، لأَنَّ الْمُعْطِيَ الْمَسْرُورَ يُحِبُّهُ اللهُ.»
2 كورنثوس 9: 7
إذن العطاء المسيحي قائم على الحرية والمحبة، لا على الإكراه.
جدول توضيحي
| أعمال 2 | الشيوعية |
|---|---|
| مشاركة طوعية | إلزام وإكراه |
| ظروف مؤقتة | نظام دائم |
| وجود ملكية خاصة | إلغاء الملكية الخاصة |
| محبة وعطاء حر | سلطة وإجبار |
خلاصة دفاعية
أعمال 2: 44-45 لا يعلم بالشيوعية أو الاشتراكية كنظام اقتصادي ملزم. فالكنيسة الأولى مارست مشاركة طوعية ومؤقتة بدافع المحبة، بسبب ظروف خاصة بعد يوم الخمسين. كما أن الكتاب المقدس يؤكد شرعية الملكية الخاصة، ويشجع العطاء الاختياري لا الإجباري. لذلك فإن استخدام هذه الآيات لإثبات الشيوعية المسيحية هو إساءة لفهم النص وسياقه.
المصدر
Geisler, N. L., & Howe, T. A. 1992. When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties, p. 429. Victor Books: Wheaton, Ill.