تخطى إلى المحتوى

من الذي جاء إلى يسوع: قائد المئة أم عبده؟ متى 8: 5-13 ولوقا 7: 2-11

  • بواسطة

من الذي جاء إلى يسوع: قائد المئة أم عبده؟ متى 8: 5-13 ولوقا 7: 2-11

متى ينسب الطلب إلى صاحبه، ولوقا يذكر الوسائط الذين أرسلهم قائد المئة

من الذي جاء إلى يسوع: قائد المئة أم عبده؟ متى 8: 5-13 ولوقا 7: 2-11
من الذي جاء إلى يسوع: قائد المئة أم عبده؟ متى 8: 5-13 ولوقا 7: 2-11

تبدو رواية شفاء عبد قائد المئة كأنها تحتوي على اختلاف بين متى ولوقا. فمتى يقول إن قائد المئة جاء إلى يسوع وطلب منه شفاء عبده، بينما يذكر لوقا أن قائد المئة أرسل شيوخ اليهود إلى يسوع. فهل جاء قائد المئة بنفسه؟ أم جاء العبد؟ أم أن متى ولوقا يرويان القصة من زاويتين مختلفتين دون تناقض؟

الإجابة المختصرة
لا يوجد تناقض. العبد لم يأتِ إلى يسوع، لأنه كان مريضًا جدًا ومشرفًا على الموت. أما الطلب فقد صدر من قائد المئة، ولذلك ينسبه متى إليه مباشرة. أما لوقا فيذكر التفصيل التاريخي الأدق: قائد المئة أرسل شيوخ اليهود، ثم أرسل أصدقاءه، ليطلبوا من يسوع باسمه. فالفاعل الحقيقي هو قائد المئة، والرسل كانوا وسطاء عنه.

الشبهة

يقول متى:

وَلَمَّا دَخَلَ يَسُوعُ كَفْرَنَاحُومَ، جَاءَ إِلَيْهِ قَائِدُ مِئَةٍ يَطْلُبُ إِلَيْهِ.
متى 8: 5

بينما يقول لوقا:

وَكَانَ عَبْدٌ لِقَائِدِ مِئَةٍ مَرِيضًا مُشْرِفًا عَلَى الْمَوْتِ، وَكَانَ عَزِيزًا عِنْدَهُ. فَلَمَّا سَمِعَ عَنْ يَسُوعَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ شُيُوخَ الْيَهُودِ يَسْأَلُهُ أَنْ يَأْتِيَ وَيَشْفِيَ عَبْدَهُ.
لوقا 7: 2-3

فهل الذي جاء إلى يسوع هو قائد المئة نفسه كما يقول متى؟ أم العبد كما يظن البعض من قراءة غير دقيقة للوقا؟ أم شيوخ اليهود كما يذكر لوقا؟

مفتاح فهم الشبهة
مفتاح الحل هو التمييز بين صاحب الطلب وبين الوسيط الذي حمل الطلب. متى ينسب الطلب إلى قائد المئة لأنه صاحب المبادرة والمسؤول عنها، أما لوقا فيذكر الطريقة التي وصل بها الطلب إلى يسوع: بواسطة شيوخ اليهود ثم الأصدقاء.

أولًا: العبد لم يكن قادرًا أصلًا على الذهاب إلى يسوع

لا يمكن أن يكون العبد نفسه هو الذي ذهب إلى يسوع، لأن الروايتين تصفان حالته كمرض شديد وعجز واضح. ففي متى يقول قائد المئة:

يَا سَيِّدُ، غُلاَمِي مَطْرُوحٌ فِي الْبَيْتِ مَفْلُوجًا مُتَعَذِّبًا جِدًّا.
متى 8: 6

وفي لوقا:

وَكَانَ عَبْدٌ لِقَائِدِ مِئَةٍ مَرِيضًا مُشْرِفًا عَلَى الْمَوْتِ، وَكَانَ عَزِيزًا عِنْدَهُ.
لوقا 7: 2

إذن فالعبد كان مطروحًا في البيت، مفلوجًا، متعذبًا جدًا، ومشرفًا على الموت. فمن الواضح أنه لم يأتِ إلى يسوع بنفسه. لذلك فالسؤال الحقيقي ليس: هل جاء العبد أم قائد المئة؟ بل: هل جاء قائد المئة شخصيًا أم أرسل ممثلين عنه؟

ثانيًا: متى ينسب الفعل إلى قائد المئة لأنه صاحب الطلب

عندما يقول متى إن قائد المئة “جاء” إلى يسوع، فهو يركز على صاحب الطلب لا على كل التفاصيل الوسيطة. وهذا أسلوب معروف في الكلام: يُنسب الفعل إلى الشخص المسؤول عنه، حتى لو تم بواسطة رسله أو ممثليه.

فنقول مثلًا: “الملك بنى المدينة”، مع أن العمال هم الذين باشروا البناء. ونقول: “الحاكم أرسل رسالة”، مع أن كاتبًا أو رسولًا حملها. فالفعل يُنسب إلى صاحبه الحقيقي لأنه هو الآمر والمبادر والمسؤول.

بهذا المعنى، جاء قائد المئة إلى يسوع؛ أي تقدّم بطلبه إلى يسوع. أما لوقا فيشرح كيف تم ذلك الطلب: من خلال شيوخ اليهود ثم الأصدقاء.

ثالثًا: لوقا يوضح أن قائد المئة أرسل شيوخ اليهود

يذكر لوقا التفصيل الذي لم يذكره متى:

فَلَمَّا سَمِعَ عَنْ يَسُوعَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ شُيُوخَ الْيَهُودِ يَسْأَلُهُ أَنْ يَأْتِيَ وَيَشْفِيَ عَبْدَهُ.
لوقا 7: 3

فالذي “سمع عن يسوع” هو قائد المئة، والذي “أرسل” هو قائد المئة، والذي كان يطلب شفاء عبده هو قائد المئة. أما شيوخ اليهود فكانوا وسطاء يحملون طلبه إلى المسيح.

وهذا يتضح من كلام الشيوخ أنفسهم:

فَلَمَّا جَاءُوا إِلَى يَسُوعَ طَلَبُوا إِلَيْهِ بِاجْتِهَادٍ قَائِلِينَ: إِنَّهُ مُسْتَحِقٌّ أَنْ يُفْعَلَ لَهُ هذَا، لأَنَّهُ يُحِبُّ أُمَّتَنَا، وَهُوَ بَنَى لَنَا الْمَجْمَعَ.
لوقا 7: 4-5

فهم لا يطلبون لأجل أنفسهم، بل يتوسلون لأجل قائد المئة، ويمدحون محبته للأمة وبناءه للمجمع. هذا يثبت أن صاحب القضية هو قائد المئة.

رابعًا: لوقا يذكر أيضًا أن قائد المئة أرسل أصدقاءه

بعد أن اقترب يسوع من البيت، يذكر لوقا تفصيلًا آخر:

وَإِذْ كَانَ غَيْرَ بَعِيدٍ عَنِ الْبَيْتِ، أَرْسَلَ إِلَيْهِ قَائِدُ الْمِئَةِ أَصْدِقَاءَ يَقُولُ لَهُ: يَا سَيِّدُ، لاَ تَتْعَبْ، لأَنِّي لَسْتُ مُسْتَحِقًّا أَنْ تَدْخُلَ تَحْتَ سَقْفِي.
لوقا 7: 6

ثم يقول قائد المئة على لسانهم:

لِذلِكَ لَمْ أَحْسِبْ نَفْسِي أَهْلًا أَنْ آتِيَ إِلَيْكَ، لكِنْ قُلْ كَلِمَةً فَيُشْفَى غُلاَمِي.
لوقا 7: 7

هذا النص مهم جدًا؛ لأنه يوضح أن قائد المئة نفسه لم يرَ نفسه مستحقًا أن يأتي إلى يسوع، ولذلك أرسل آخرين. ومع ذلك، فإن الكلام يُنسب إليه لأنه هو صاحب الرسالة. فالوسيط يتكلم باسم المرسل.

خامسًا: لا يوجد اختلاف في الشخص المقصود بل اختلاف في درجة التفصيل

متى يقدّم الرواية بصورة مختصرة ومباشرة، فينسب الطلب إلى قائد المئة. أما لوقا فيقدّم تفصيلًا أكثر، فيذكر أن قائد المئة استخدم وسطاء: شيوخ اليهود ثم أصدقاءه.

متى لوقا
يركز على صاحب الطلب يركز على طريقة وصول الطلب
قائد المئة جاء إلى يسوع قائد المئة أرسل شيوخ اليهود وأصدقاءه
رواية مختصرة رواية أكثر تفصيلًا
ينسب الفعل إلى المسؤول عنه يذكر الوسائط الذين نفذوا الطلب

وعلى هذا، فلا تناقض بين الروايتين. ما ينسبه متى إلى قائد المئة باعتباره صاحب الطلب، يشرحه لوقا بذكر من حملوا الطلب نيابة عنه.

سادسًا: هذا الأسلوب معروف في الكتاب واللغة

من المعتاد في الكتاب المقدس واللغة عمومًا أن يُقال إن شخصًا فعل شيئًا، بينما فعله بواسطة آخرين. فالمسؤول أو صاحب السلطان يُنسب إليه الفعل، لأن الأمر تم باسمه وبإرادته.

وهذا مناسب جدًا في قصة قائد المئة تحديدًا، لأنه هو نفسه كان رجلًا عسكريًا يفهم معنى السلطان والتمثيل. فقد قال:

لأَنِّي أَنَا أَيْضًا إِنْسَانٌ مُرَتَّبٌ تَحْتَ سُلْطَانٍ، لِي جُنْدٌ تَحْتَ يَدِي، وَأَقُولُ لِهذَا: اذْهَبْ، فَيَذْهَبُ، وَلآخَرَ: ائْتِ، فَيَأْتِي، وَلِعَبْدِي: افْعَلْ هذَا، فَيَفْعَلُ.
لوقا 7: 8

فالقصة نفسها تدور حول السلطان والتمثيل. وكما أن الجندي ينفذ أمر قائده، فيُحسب الفعل ضمن سلطان القائد، كذلك جاء شيوخ اليهود وأصدقاء قائد المئة حاملين طلبه وكلمته.

سابعًا: إيمان قائد المئة هو مركز الرواية في الإنجيلين

النقطة المركزية في متى ولوقا ليست هوية الرسول الوسيط، بل إيمان قائد المئة. فقد قال يسوع:

اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَمْ أَجِدْ وَلاَ فِي إِسْرَائِيلَ إِيمَانًا بِمِقْدَارِ هذَا.
متى 8: 10

ويقول لوقا:

فَلَمَّا سَمِعَ يَسُوعُ هذَا تَعَجَّبَ مِنْهُ، وَالْتَفَتَ إِلَى الْجَمْعِ الَّذِي يَتْبَعُهُ وَقَالَ: أَقُولُ لَكُمْ: لَمْ أَجِدْ وَلاَ فِي إِسْرَائِيلَ إِيمَانًا بِمِقْدَارِ هذَا.
لوقا 7: 9

إذن الروايتان تتفقان في جوهر القصة: قائد المئة كان صاحب الإيمان والطلب، والعبد كان مريضًا، ويسوع شفى العبد بكلمته وسلطانه.

هل يوجد تناقض؟

لا يوجد تناقض. متى يختصر القصة وينسب المجيء والطلب إلى قائد المئة، لأنه صاحب الطلب الحقيقي. أما لوقا فيفصل الطريقة التي وصل بها الطلب إلى يسوع، فيذكر أن قائد المئة أرسل شيوخ اليهود ثم أصدقاءه.

أما العبد فلم يأتِ إلى يسوع أصلًا، لأنه كان مريضًا ومفلوجًا ومشرفًا على الموت. وبالتالي فالروايتان متفقتان: قائد المئة هو صاحب الطلب، والوسطاء حملوا طلبه، ويسوع شفى عبده.

خلاصة الفكرة
متى يذكر الفاعل الأصلي: قائد المئة. ولوقا يذكر الوسائط: شيوخ اليهود والأصدقاء. فالقول إن قائد المئة جاء إلى يسوع يعني أنه جاء إليه بطلبه وبمن أرسلهم، لا أن العبد المريض جاء بنفسه.

خلاصة دفاعية

إن الاختلاف بين متى ولوقا ليس تناقضًا، بل تكاملًا. متى يقدّم الرواية مختصرة من زاوية صاحب الطلب، ولوقا يضيف التفاصيل التاريخية عن الوسائط الذين حملوا الطلب. واللغة تسمح بنسبة الفعل إلى صاحبه ولو تم بواسطة ممثلين عنه.

لذلك، فقصة قائد المئة لا تكشف خطأً في الأناجيل، بل تكشف إيمانًا عظيمًا فهم سلطان المسيح. فالذي قال للجنود “اذهب” فيذهبون، أدرك أن المسيح لا يحتاج إلى حضور جسدي عند سرير العبد، بل يكفي أن يقول كلمة فيُشفى غلامه.

المصدر

Archer, G. L. 1982. New International Encyclopedia of Bible Difficulties. Originally published as Encyclopedia of Bible Difficulties. Zondervan’s Understand the Bible Reference Series, p. 321. Zondervan Publishing House: Grand Rapids, MI.

من الذي جاء إلى يسوع: قائد المئة أم عبده؟ متى 8: 5-13 ولوقا 7: 2-11