هل تحققت كل علامات مجيء المسيح الثاني في جيل التلاميذ؟ متى 24: 34
«هذا الجيل» قد تشير إلى بقاء الأمة اليهودية، أو إلى الجيل الذي يرى بداية علامات الضيقة

توجد شبهة حول قول الرب يسوع في حديثه على جبل الزيتون: «لا يمضي هذا الجيل حتى يكون هذا كله». فقد يفهم البعض أن المسيح كان يقصد أن كل علامات المجيء الثاني، والضيقة العظيمة، وظهور علامة ابن الإنسان في السماء، ومجيئه بقوة ومجد كثير، ستحدث كلها في زمن الجيل الذي كان يسمعه. لكن هذه الأحداث الكونية العظيمة لم تتم في القرن الأول. فهل أخطأ المسيح في تحديد الزمن؟ أم أن عبارة «هذا الجيل» يجب أن تُفهم بطريقة أخرى؟
لا، متى 24: 34 لا يعني بالضرورة أن كل علامات المجيء الثاني تمت في حياة التلاميذ. فالأحداث التي يذكرها المسيح، مثل الضيقة العظيمة، والظواهر السماوية، وظهور علامة ابن الإنسان، ومجيئه بقوة ومجد، لم تتحقق كلها في القرن الأول. لذلك توجد طريقتان قويتان لفهم العبارة: إما أن «هذا الجيل» تعني «هذا الشعب/الجنس»، أي بقاء الأمة اليهودية إلى وقت المجيء، أو أنها تعني الجيل الذي يرى بداية علامات الضيقة، وهذا الجيل لن يمضي حتى تكتمل تلك الأحداث.
الشبهة
قال الرب يسوع:
الحق أقول لكم: لا يمضي هذا الجيل حتى يكون هذا كله.
متى 24: 34
والسؤال هنا: ما المقصود بعبارة «هذا كله»؟ في سياق متى 24 يتكلم المسيح عن أحداث ضخمة جدًا، منها ظهور مسحاء كذبة وأنبياء كذبة، واضطهاد المؤمنين واستشهادهم، وضيقة عظيمة، وآيات كاذبة، وظواهر سماوية مرعبة، ثم ظهور علامة ابن الإنسان في السماء، ثم مجيء المسيح بقوة ومجد كثير.
يقول النص:
حينئذ يسلمونكم إلى ضيق ويقتلونكم، وتكونون مبغضين من جميع الأمم لأجل اسمي.
متى 24: 9
لأنه يكون حينئذ ضيق عظيم لم يكن مثله منذ ابتداء العالم إلى الآن ولن يكون.
متى 24: 21
وللوقت بعد ضيق تلك الأيام تظلم الشمس، والقمر لا يعطي ضوءه، والنجوم تسقط من السماء، وقوات السماوات تتزعزع.
متى 24: 29
وحينئذ تظهر علامة ابن الإنسان في السماء. وحينئذ تنوح جميع قبائل الأرض، ويبصرون ابن الإنسان آتيًا على سحاب السماء بقوة ومجد كثير.
متى 24: 30
فإذا كان المسيح قال: «لا يمضي هذا الجيل حتى يكون هذا كله»، فهل كان يقصد أن كل هذه الأحداث ستتم قبل موت معاصريه؟ وإن كان الأمر كذلك، فكيف لم يحدث المجيء الثاني حرفيًا في القرن الأول؟
مفتاح الرد هو أن عبارة «هذا الجيل» لا يلزم أن تعني بالضرورة جمهور المستمعين المعاصرين ليسوع. فإما أن تُفهم بمعنى «هذا الشعب» أو «هذا العرق/الأمة»، أي بقاء اليهود إلى زمن المجيء، أو تُفهم بمعنى الجيل الذي سيعاين بداية علامات الضيقة الأخيرة، لا الجيل الذي سمع الخطاب أول مرة.
أولًا: الأحداث المذكورة لا يمكن حصرها كلها في القرن الأول
من الواضح أن ما وصفه المسيح في هذا الخطاب يتجاوز مجرد أحداث محلية صغيرة. صحيح أن خراب أورشليم سنة 70 م كان حدثًا رهيبًا، ويمكن أن يكون له صلة ببعض عناصر الخطاب، لكن النص يتكلم أيضًا عن أمور كونية ونهائية: ظواهر في الشمس والقمر والنجوم، وظهور علامة ابن الإنسان، ورؤية كل قبائل الأرض له آتيًا على سحاب السماء بقوة ومجد كثير.
هذه المشاهد لا يمكن القول ببساطة إنها تمت كلها حرفيًا في حياة الجيل الذي سمع المسيح على جبل الزيتون. فلم يرَ العالم كله مجيء المسيح بقوة ومجد، ولم يرسل ملائكته لجمع مختاريه من كل أطراف الأرض بصورة نهائية ظاهرة لكل البشر.
فيرسل ملائكته ببوق عظيم الصوت، فيجمعون مختاريه من الأربع الرياح، من أقصاء السماوات إلى أقصائها.
متى 24: 31
لذلك لا يصح أن يُفهم كلام المسيح كأنه وعد بأن كل تفاصيل المجيء الثاني ستتم في حياة سامعيه المباشرين. هذا الفهم يصطدم بوضوح مع طبيعة الأحداث التي يصفها النص.
ثانيًا: التفسير الأول — «هذا الجيل» بمعنى هذا الشعب أو الأمة
أحد التفسيرات الممكنة أن كلمة «جيل» هنا لا تعني فقط مدة عمر مجموعة من المعاصرين، بل تعني «الجنس» أو «الشعب» أو «الأمة». وبحسب هذا الفهم، يكون المسيح قد قال إن الشعب اليهودي لن يزول من الوجود قبل أن تتم هذه الأحداث وقبل مجيئه الثاني.
هذا المعنى ليس غريبًا تمامًا من جهة اللغة؛ لأن الكلمات المرتبطة بـ«جيل» و«جنس» و«شعب» في اليونانية متقاربة من حيث الجذر، وقد استُخدمت في الأدب اليوناني القديم أحيانًا بمعنى العرق أو السلالة أو الشعب. كما أن الخلفية الآرامية المحتملة لكلام يسوع تسمح بهذا الاتساع في المعنى، لأن التعبير الآرامي أو السرياني يمكن أن يحمل معنى «جيل» أو «جنس/شعب» بحسب السياق.
وبهذا يكون المعنى: لن يزول هذا الشعب، أي اليهود، قبل أن تتم كل هذه الأمور. وهذا المعنى له قوة خاصة من جهة التاريخ، لأن الشعب اليهودي تعرض لتشتت واضطهاد واقتلاع من أرضه عبر قرون طويلة، ومع ذلك بقي كشعب مميز إلى اليوم.
ثالثًا: بقاء الشعب اليهودي شاهد تاريخي مهم
إذا فُهمت عبارة «هذا الجيل» بمعنى «هذا الشعب»، فإن كلام المسيح يتضمن إشارة إلى بقاء الأمة اليهودية رغم كل ما ستتعرض له من اضطهاد وتشتت. وهذا أمر لافت جدًا من الناحية التاريخية.
فكثير من الشعوب التي كانت معاصرة لزمن المسيح ذابت أو اختفت أو فقدت هويتها القومية عبر القرون، أما اليهود، فرغم الشتات الطويل، والاضطهاد، والتنقل من بلد إلى آخر، وفقدان السيادة السياسية لقرون، ظلوا محتفظين بهويتهم كشعب. ثم عاد لهم وجود سياسي في العصر الحديث في أرض إسرائيل.
هذا لا يحل كل الأسئلة التفسيرية وحده، لكنه يجعل فهم «هذا الجيل» بمعنى «هذا الشعب» احتمالًا قويًا: أي أن الأمة اليهودية لن تنقرض قبل أن تتم مقاصد الله النهائية وقبل مجيء المسيح.
رابعًا: التفسير الثاني — الجيل الذي يرى بداية علامات الضيقة
التفسير الثاني هو أن كلمة «جيل» تُفهم بمعناها الشائع، أي جماعة من الناس يعيشون في فترة زمنية واحدة، لكن المقصود ليس الجيل الذي كان يسمع يسوع وقتها، بل الجيل الذي سيشهد بداية العلامات النهائية التي ذكرها المسيح.
بحسب هذا الفهم، يقول المسيح إن الجيل الذي يرى بداية أحداث الضيقة والعلامات الأخيرة لن يمضي حتى يرى اكتمالها ومجيء ابن الإنسان. أي أن الأحداث، عندما تبدأ في صورتها النهائية، ستتتابع ضمن إطار زمني واحد، ولن تمتد عبر أجيال كثيرة بعد بدايتها الحاسمة.
وهذا التفسير يحافظ على المعنى الشائع لكلمة «جيل»، لكنه ينقل الإشارة من جيل التلاميذ المعاصرين إلى جيل شهود الأحداث الأخيرة.
خامسًا: قوة وضعف هذا التفسير الثاني
قوة هذا التفسير أنه يحافظ على المعنى المعتاد لكلمة «جيل». فلا يجعل الكلمة تعني «شعبًا» أو «أمة»، بل يفسرها كما تُفهم غالبًا: جيل من البشر يعيشون في زمن واحد.
لكن توجد صعوبة في هذا التفسير، وهي أنه قد يبدو وكأنه يقول أمرًا متوقعًا بطبيعته. فإذا كانت الضيقة النهائية تستمر سبع سنوات أو ثلاث سنوات ونصف مثلًا، فمن الطبيعي أن كثيرين ممن يرون بدايتها سيعيشون حتى نهايتها. فالمدة ليست طويلة جدًا من حيث العمر البشري.
ومع ذلك، لا يجعل هذا التفسير مستحيلًا؛ لأن المقصود قد يكون تأكيد أن الأحداث النهائية، متى بدأت، لن تكون مفتوحة إلى أجل غير معلوم، بل ستصل إلى نهايتها في نفس الجيل الذي يشهد بدايتها.
سادسًا: الخلفية الآرامية تساعد على فهم سعة التعبير
من المحتمل جدًا أن حديث جبل الزيتون قيل أصلاً بالآرامية، وهي اللغة التي كان يسوع وتلاميذه يستخدمونها في البيئة اليهودية اليومية. وإذا كان الأمر كذلك، فليس لازمًا أن يُبنى التفسير كله على الكلمة اليونانية المترجمة في إنجيل متى.
فالكلمة اليونانية المترجمة «جيل» قد تكون ترجمة لتعبير آرامي أوسع يمكن أن يعني «جيلًا» أو «سلالة» أو «شعبًا». ولهذا لا ينبغي أن نغلق المعنى في احتمال واحد ضيق، خصوصًا إذا كان هذا الاحتمال ينتج عنه إشكال واضح مع بقية النص.
ومما يقوي ذلك أن الترجمة السريانية القديمة تستخدم تعبيرًا يمكن أن يحمل المعنيين: «جيل» أو «شعب/سلالة». وهذا يجعل تفسير العبارة بمعنى بقاء الشعب اليهودي احتمالًا لغويًا معتبرًا.
سابعًا: لماذا لا يصح القول إن المسيح أخطأ؟
القول إن المسيح أخطأ يقوم على افتراض واحد فقط: أن عبارة «هذا الجيل» لا يمكن أن تعني إلا الجيل المعاصر للمسيح، وأن كل علامات متى 24 يجب أن تكون قد تمت حرفيًا قبل موت ذلك الجيل. لكن هذا الافتراض ليس لازمًا لغويًا ولا سياقيًا.
فالخطاب نفسه يتكلم عن أحداث كونية ونهائية لم تتم في القرن الأول، وهذا يدفعنا إلى البحث عن معنى آخر لعبارة «هذا الجيل» ينسجم مع طبيعة الأحداث. وعندما نجد أن الكلمة قد تُفهم بمعنى الشعب، أو بمعنى الجيل الذي يرى بداية العلامات النهائية، تزول الشبهة.
إذن المشكلة ليست في كلام المسيح، بل في تضييق معنى العبارة بطريقة لا يحتملها السياق العام.
ثامنًا: الفرق بين خراب أورشليم والمجيء الثاني
من المهم أيضًا التمييز بين عنصرين في متى 24: هناك إشارات قريبة تتعلق بخراب أورشليم والهيكل، وهناك إشارات أوسع ونهائية تتعلق بالمجيء الثاني. بعض النبوات الكتابية قد تجمع بين حدث قريب وحدث نهائي بعيد في مشهد نبوي واحد، كما يحدث كثيرًا في الأنبياء.
فخراب أورشليم كان صورة مسبقة للدينونة، لكنه ليس الاستنفاد الكامل لكل ما قاله المسيح عن مجيئه على سحاب السماء بقوة ومجد كثير. لذلك، حتى لو تحققت بعض عناصر الخطاب في القرن الأول، فهذا لا يعني أن كل الخطاب قد استُنفد وانتهى.
تاسعًا: مقارنة بين التفسيرين الرئيسيين
| التفسير | المعنى | نقطة القوة | الملاحظة |
|---|---|---|---|
| هذا الجيل = هذا الشعب | الشعب اليهودي لن يزول قبل المجيء الثاني. | ينسجم مع بقاء اليهود تاريخيًا ومع احتمال لغوي معتبر. | كلمة «جيل» لا تُستخدم بهذا المعنى في كل موضع، لكنها محتملة بحسب الجذر والسياق والخلفية الآرامية. |
| هذا الجيل = جيل العلامات الأخيرة | الجيل الذي يرى بداية الضيقة النهائية سيشهد اكتمال أحداثها. | يحافظ على المعنى الشائع لكلمة «جيل». | قد يبدو أنه يقرر أمرًا متوقعًا نسبيًا إذا كانت الضيقة قصيرة، لكنه لا يزال تفسيرًا ممكنًا. |
عاشرًا: كيف نفهم العبارة دفاعيًا؟
دفاعيًا، لا يلزم أن نختار تفسيرًا واحدًا ونقول إن الآخر مستحيل. المهم أن الشبهة تفشل لأنها تبني اعتراضها على معنى واحد حصري لا يلزم من النص. فهناك على الأقل تفسيرَان معقولان يحفظان صدق كلام المسيح:
- إما أن المسيح قصد أن الشعب اليهودي لن يزول قبل أن تتم كل هذه الأمور.
- أو قصد أن الجيل الذي يرى بداية علامات النهاية سيعيش حتى اكتمالها.
وفي كلتا الحالتين، لا يكون يسوع قد تنبأ خطأ بأن المجيء الثاني سيحدث خلال حياة معاصريه المباشرين.
حادي عشر: «هذا الجيل» ليست دعوة لتحديد موعد المجيء
ينبغي أيضًا ألا يُستخدم النص لتحديد موعد المجيء الثاني بدقة زمنية. فالرب يسوع نفسه قال في نفس الخطاب:
وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد، ولا ملائكة السماوات، إلا أبي وحده.
متى 24: 36
إذن قصد المسيح ليس إعطاء تاريخ محدد يستطيع البشر حسابه، بل تنبيه المؤمنين للسهر والتمييز والثبات. فالإعلان عن بقاء الشعب أو اكتمال علامات النهاية في جيلها لا يلغي حقيقة أن اليوم والساعة في سلطان الله وحده.
ثاني عشر: الهدف الرعوي من الخطاب
حديث جبل الزيتون ليس مجرد جدول زمني للأحداث، بل خطاب رعوي يحذر المؤمنين من الخداع، ويعدّهم للاضطهاد، ويدعوهم إلى السهر والثبات. لذلك تتكرر فيه التحذيرات:
انظروا! لا يضلكم أحد.
متى 24: 4
ولكن الذي يصبر إلى المنتهى فهذا يخلص.
متى 24: 13
اسهروا إذًا لأنكم لا تعلمون في أية ساعة يأتي ربكم.
متى 24: 42
فالتركيز ليس على إشباع فضول زمني، بل على الاستعداد الروحي. ومتى 24: 34 يجب أن يُقرأ داخل هذا السياق: الله ضابط التاريخ، وشعبه لن يفلت من قصده، وعلامات النهاية ستتم كما قال، لكن المؤمن مدعو للسهر لا للحسابات المتعجلة.
هل يوجد تناقض؟
لا يوجد تناقض. الأحداث الكونية والنهائية التي وصفها المسيح لم تتم كلها في القرن الأول، ولذلك لا يلزم أن يكون المقصود بعبارة «هذا الجيل» هو جمهور المستمعين المعاصرين له. يمكن أن تعني العبارة «هذا الشعب»، أي بقاء اليهود إلى زمن المجيء، أو تعني الجيل الذي يشهد بداية علامات الضيقة النهائية. وفي كلا التفسيرين، لا يكون المسيح قد أخطأ في نبوته.
متى 24: 34 لا يعلّم بالضرورة أن المجيء الثاني كان يجب أن يتم في حياة التلاميذ. عبارة «هذا الجيل» قد تعني بقاء الشعب اليهودي حتى تتم النبوات، أو قد تشير إلى الجيل الذي يرى بداية علامات النهاية. الشبهة تقوم على حصر العبارة في معنى واحد لا يفرضه السياق.
خلاصة دفاعية
قول المسيح «لا يمضي هذا الجيل حتى يكون هذا كله» لا يثبت أن يسوع توقع خطأً مجيئه الثاني في القرن الأول. فالخطاب يتضمن أحداثًا كونية ونهائية لم تتحقق بعد بصورة كاملة، مما يجعل فهم «هذا الجيل» بمعنى «هذا الشعب» أو «جيل علامات النهاية» أكثر اتساقًا مع النص. والأرجح أن المسيح كان يؤكد أن مقاصد الله ستتم يقينًا، وأن الشعب المرتبط بهذه النبوات لن يزول، أو أن الجيل الذي يرى بدايتها النهائية سيرى اكتمالها. لذلك فالنص لا يهدد صدق نبوة المسيح، بل يدعو إلى السهر والثبات وانتظار مجيء ابن الإنسان في مجده.
المصدر
Archer, G. L. 1982. New International Encyclopedia of Bible Difficulties. Originally published: Encyclopedia of Bible Difficulties. Zondervan’s Understand the Bible Reference Series, p. 338. Zondervan Publishing House: Grand Rapids, MI.