لماذا نسب متى النبوة إلى إرميا وهي من زكريا؟ متى 27: 9-10
متى يجمع رموزًا نبوية من إرميا وزكريا، وينسبها إلى النبي الأشهر والأوسع حضورًا في الخلفية

توجد شبهة حول قول متى إن ما حدث بثمن خيانة يهوذا الإسخريوطي كان إتمامًا لما قيل بإرميا النبي، مع أن العبارة الأشهر عن «الثلاثين من الفضة» و«الفخاري» موجودة في سفر زكريا. فهل أخطأ متى في اسم النبي؟ أم أنه كان يجمع أكثر من خلفية نبوية، ثم نسب الاقتباس إلى إرميا لأنه صاحب العنصر الأوسع والأهم في موضوع الحقل والفخاري والدينونة؟
لا يوجد خطأ. متى لا يقتبس من زكريا وحده، بل يجمع عناصر نبوية من زكريا وإرميا معًا. فزكريا يذكر الثلاثين من الفضة وإلقاءها إلى الفخاري في بيت الرب، أما إرميا فيرتبط بشراء الحقل، وبالفخاري، وبوادي ابن هنوم، وبالدينونة المرتبطة بكسر إناء الفخاري. وبما أن عنصر «الحقل» هو النقطة المركزية في متى 27، وبما أن إرميا هو النبي الأكبر والأبرز في الخلفية، نسب متى النبوة إلى إرميا بحسب الأسلوب الأدبي المعروف في القرن الأول.
الشبهة
يقول متى بعد أن ردّ يهوذا الفضة إلى رؤساء الكهنة والشيوخ، وبعد أن اشتروا بها حقل الفخاري:
حينئذ تم ما قيل بإرميا النبي القائل: وأخذوا الثلاثين من الفضة، ثمن المثمن الذي ثمنوه من بني إسرائيل، وأعطوها عن حقل الفخاري، كما أمرني الرب.
متى 27: 9-10
لكن المشكلة أن الجزء الأكبر من هذه العبارة يبدو مأخوذًا من زكريا، لا من إرميا. ففي زكريا نقرأ:
فقلت لهم: إن حسن في أعينكم فأعطوني أجرتي، وإلا فامتنعوا. فوزنوا أجرتي ثلاثين من الفضة. فقال لي الرب: ألقها إلى الفخاري، الثمن الكريم الذي ثمنوني به! فأخذت الثلاثين من الفضة وألقيتها إلى الفخاري في بيت الرب.
زكريا 11: 12-13
فلماذا يقول متى: «بإرميا النبي»، بينما العبارة عن الثلاثين من الفضة والفخاري موجودة في زكريا؟
مفتاح الرد هو أن متى لا يقدم اقتباسًا حرفيًا من موضع واحد فقط، بل يلخص شبكة من الرموز النبوية: الثلاثون من الفضة والفخاري من زكريا، والحقل والفخاري ووادي الدينونة من إرميا. لذلك فالنسبة إلى إرميا ليست خطأ، بل إشارة إلى الخلفية النبوية الأوسع والأبرز في تحقق الحادثة.
أولًا: متى لا يقتبس زكريا حرفيًا فقط
لو كان متى يقتبس زكريا 11 فقط، لكانت الشبهة أقوى. لكن عند المقارنة الدقيقة، نجد أن كلام متى ليس مجرد نقل حرفي لنص زكريا. فزكريا يذكر:
- ثلاثين من الفضة.
- الثمن الذي قُدّر به الراعي.
- إلقاء الفضة إلى الفخاري.
- حدوث ذلك في بيت الرب.
أما متى فيذكر:
- الثلاثين من الفضة.
- ثمن المثمن من بني إسرائيل.
- إعطاءها عن حقل الفخاري.
- ارتباط ذلك بما أمر به الرب.
الفارق المهم هنا أن زكريا لا يذكر شراء حقل. أما متى فالنقطة المحورية عنده هي شراء «حقل الفخاري» بثمن الخيانة. لذلك لا يمكن تفسير كلام متى على أنه مجرد اقتباس مباشر من زكريا وحده.
ثانيًا: زكريا يعطي عنصر الثلاثين من الفضة والفخاري
بلا شك، زكريا 11 هو النص الذي يفسر جانبًا أساسيًا من حادثة يهوذا: مبلغ الثلاثين من الفضة، وارتباطه بثمن مهين، وإلقاء المال في بيت الرب، ثم اتصاله بالفخاري.
في زكريا، الثلاثون من الفضة تمثل تقييمًا مهينًا للراعي. فالعبارة الساخرة «الثمن الكريم الذي ثمنوني به» تشير إلى ازدراء الشعب للراعي الذي أرسله الله. وهذا ينسجم بقوة مع ما حدث للمسيح، الراعي الحقيقي، الذي قُدِّر بثمن عبد:
إن نطح الثور عبدًا أو أمة، يعطي سيده ثلاثين شاقل فضة، والثور يرجم.
خروج 21: 32
فثمن الخيانة لم يكن مجرد مبلغ عابر، بل يحمل دلالة الإهانة والرفض. وهنا يظهر عمق تحقيق زكريا في حادثة يهوذا: المسيح، الراعي الصالح، قُدّر بثلاثين من الفضة، ثم أُلقي المال في الهيكل وانتهى إلى الفخاري.
ثالثًا: إرميا يعطي عنصر الحقل
لكن زكريا لا يذكر «الحقل». أما متى فيقول إن المال أُعطي «عن حقل الفخاري». وهنا تظهر خلفية إرميا بوضوح، لأن إرميا هو النبي المرتبط بشراء الحقل في سياق رمزي نبوي:
فجاء إليّ حنمئيل بن شلوم عمك، حسب كلمة الرب، إلى دار السجن، وقال لي: اشتر حقلي الذي في عناثوث، الذي في أرض بنيامين، لأن لك حق الإرث ولك الفك. اشتره لنفسك. فعرفت أنها كلمة الرب. فاشتريت من حنمئيل بن عمي الحقل الذي في عناثوث، ووزنت له الفضة سبعة عشر شاقل فضة.
إرميا 32: 8-9
صحيح أن الحقل في إرميا 32 ليس هو نفسه «حقل الفخاري» في متى 27، لكن إرميا هو النبي الذي يقدم مشهدًا نبويًا مهمًا عن شراء حقل بعدد من الشواقل، في سياق رمزي يتعلق بالدينونة والرجاء. وهذا العنصر، أي شراء الحقل، هو ما يفتقده نص زكريا، بينما هو حاضر في إرميا.
رابعًا: إرميا مرتبط أيضًا بالفخاري
ليس موضوع الحقل وحده هو الذي يربط النبوة بإرميا، بل موضوع الفخاري أيضًا. ففي إرميا 18، يأمر الرب النبي أن ينزل إلى بيت الفخاري:
قم وانزل إلى بيت الفخاري، وهناك أسمعك كلامي. فنزلت إلى بيت الفخاري، وإذا هو يصنع عملًا على الدولاب.
إرميا 18: 2-3
وهنا يتخذ الرب من عمل الفخاري رمزًا لسلطانه على الشعب، كما أن الفخاري يصنع الطين ويعيد تشكيله. ثم في إرميا 19، يأخذ النبي إناء فخاريًا ويخرج إلى وادي ابن هنوم ليعلن دينونة الرب على أورشليم:
وتخرج إلى وادي ابن هنوم الذي عند مدخل باب الفخار، وتنادي هناك بالكلمات التي أكلمك بها.
إرميا 19: 2
ثم يقول:
هكذا قال رب الجنود: هكذا أكسر هذا الشعب وهذه المدينة كما يكسر وعاء الفخاري بحيث لا يمكن جبره بعد، وفي توفة يدفنون حتى لا يكون موضع للدفن.
إرميا 19: 11
لاحظ هنا اجتماع عدة عناصر قريبة جدًا من متى 27: الفخاري، وموضع قريب من أورشليم، ووادي ابن هنوم، والدفن، والدينونة. وهذه الخلفية أعمق من مجرد ذكر «الفخاري» في زكريا.
خامسًا: حقل الفخاري في متى يجمع بين زكريا وإرميا
في متى 27، بعد أن ألقى يهوذا الفضة في الهيكل، أخذها رؤساء الكهنة وقالوا:
لا يحل أن نلقيها في الخزانة لأنها ثمن دم. فتشاوروا واشتروا بها حقل الفخاري مقبرة للغرباء. لهذا سمي ذلك الحقل حقل الدم إلى هذا اليوم.
متى 27: 6-8
هذه الحادثة تجمع العناصر الآتية:
- ثلاثون من الفضة — من زكريا.
- إلقاء المال في بيت الرب — من زكريا.
- الفخاري — في زكريا وإرميا.
- شراء حقل — من خلفية إرميا.
- ارتباط الحقل بالدفن والدينونة — قريب من إرميا 19.
- ثمن الدم — ينسجم مع مشهد الدينونة والرفض.
لذلك فمتى لا يضع نصًا من زكريا تحت اسم إرميا بالخطأ، بل يرى أن ما حدث ليهوذا ولثمن الخيانة يحقق شبكة نبوية واسعة، مركزها الأبرز في إرميا، مع عنصر واضح من زكريا.
سادسًا: لماذا ذكر متى إرميا بالذات؟
إذا كان زكريا حاضرًا بوضوح، فلماذا لم يقل متى: «كما قيل بزكريا»؟ الجواب أن إرميا هو النبي الأكبر والأبرز في الخلفية الرمزية للحقل والفخاري والدينونة والدفن. كما أن إرميا من الأنبياء الكبار، بينما زكريا من الأنبياء الصغار.
وكان من المألوف في الأسلوب اليهودي والكتابي أن تُنسب مجموعة اقتباسات أو إشارات مشتركة إلى النبي الأبرز أو الأشهر، خاصة إذا كان هو الذي يقدم الإطار الأكبر للفكرة. وبما أن «الحقل» هو النقطة المركزية في كلام متى، وبما أن إرميا هو الذي يذكر شراء الحقل ورموز الفخاري والدينونة، فقد ذكر متى اسم إرميا.
سابعًا: مثال مشابه في مرقس 1
هذا الأسلوب ليس غريبًا في العهد الجديد. ففي مرقس 1، نجد اقتباسًا مركبًا من ملاخي وإشعياء، لكن مرقس ينسبه إلى إشعياء فقط:
كما هو مكتوب في الأنبياء: ها أنا أرسل أمام وجهك ملاكي الذي يهيئ طريقك قدامك. صوت صارخ في البرية: أعدوا طريق الرب، اصنعوا سبله مستقيمة.
مرقس 1: 2-3
الجزء الأول:
ها أنا أرسل ملاكي فيهيئ الطريق أمامي.
ملاخي 3: 1
والجزء الثاني:
صوت صارخ في البرية: أعدوا طريق الرب. قوّموا في القفر سبيلًا لإلهنا.
إشعياء 40: 3
ومع ذلك، نُسب الاقتباس في بعض الصيغ إلى إشعياء، لأنه النبي الأشهر والأبرز، ولأن الجزء الأهم والأوسع من الاقتباس يعود إليه. وهذا يوضح أن نسبة اقتباس مركب إلى النبي الأبرز كانت ممارسة أدبية معروفة، لا خطأً في المعرفة.
ثامنًا: لا ينبغي فرض نظام الهوامش الحديث على نصوص القرن الأول
كثير من الاعتراضات الحديثة تفترض أن الكاتب القديم يجب أن يتبع أسلوب التوثيق الحديث: تحديد المصدر بدقة، وذكر كل مرجع، ووضع هوامش، وتفريق الاقتباس المباشر عن التلميح والدمج. لكن هذا الأسلوب لم يكن هو طريقة الكتابة في القرن الأول.
في زمن الأناجيل، كان الناس يتعاملون مع الأسفار غالبًا من خلال اللفائف، ولم تكن توجد أرقام إصحاحات وآيات كما نعرفها اليوم، ولا نظام هوامش أكاديمي. وكان الاقتباس قد يكون:
- حرفيًا.
- تلخيصيًا.
- تفسيريًا.
- مركبًا من أكثر من نص.
- منسوبًا إلى النبي الأبرز في المجموعة.
لذلك، عندما يذكر متى إرميا، لا ينبغي أن نفترض أنه يجهل زكريا، بل يجب أن نقرأه بحسب طريقة الاقتباس النبوية في عصره.
تاسعًا: مقارنة بين عناصر زكريا وإرميا ومتى
| العنصر | زكريا 11 | إرميا | متى 27 |
|---|---|---|---|
| الثلاثون من الفضة | موجود بوضوح | ليس هو العنصر الرئيسي | موجود بوضوح |
| إلقاء المال في بيت الرب | موجود | الخلفية ليست هنا مباشرة | يهوذا ألقى الفضة في الهيكل |
| الفخاري | موجود | موجود بقوة في إرميا 18-19 | حقل الفخاري |
| الحقل | غير مذكور | شراء الحقل في إرميا 32 | شراء حقل الفخاري |
| الدفن والدينونة | غير مباشر | واضح في إرميا 19 وتوفة ووادي هنوم | الحقل صار مقبرة للغرباء وحقل دم |
عاشرًا: لماذا لا تعد هذه مشكلة في وحي الكتاب؟
الشبهة تفترض أن متى قال إن نص زكريا وحده موجود في إرميا، وهذا لم يحدث. متى لم يقل: «كما هو مكتوب حرفيًا في إرميا وحده»، بل قال إن ما حدث تمم ما قيل بإرميا النبي، ثم قدم صياغة مركبة تجمع ألفاظًا ومعاني من خلفيات نبوية متعددة.
والنقطة التي يريد متى إبرازها ليست مجرد رقم «ثلاثين»، بل الحادثة كلها: ثمن خيانة المسيح، إلقاء المال في الهيكل، رفض المال كثمن دم، شراء حقل الفخاري، وتحول المكان إلى حقل دم ومقبرة للغرباء. هذه الصورة الكاملة لا تأتي من زكريا وحده، بل تحتاج إرميا أيضًا.
إذن نسبة النبوة إلى إرميا ليست زلة، بل اختيار أدبي ولاهوتي مقصود يلفت القارئ إلى الخلفية الأعمق للحقل والفخاري والدينونة.
حادي عشر: معنى الإتمام في متى أوسع من الاقتباس الحرفي
متى يستخدم مفهوم «الإتمام» بطريقة عميقة. فهو لا يقصد دائمًا أن هناك جملة واحدة قيلت حرفيًا ثم تكررت حرفيًا. أحيانًا يقصد أن حدثًا في حياة المسيح يملأ معنى رمزيًا أو نبويًا سابقًا ويكشف كماله.
في هذه الحادثة، موت المسيح وخيانة يهوذا وثمن الدم وحقل الفخاري ليست مجرد تفاصيل تاريخية عشوائية. بل هي تكشف أن رفض المسيح كان متجذرًا في نفس نمط رفض إسرائيل للراعي، وفي نفس رموز الدينونة التي ظهرت في إرميا وزكريا.
لذلك فمتى يرى في ما حدث ليهوذا والفضة وحقل الدم إتمامًا مركبًا للنبوة، لا اقتباسًا ميكانيكيًا من سطر واحد فقط.
ثاني عشر: الرد الدفاعي المركز
يمكن تلخيص الرد في النقاط الآتية:
- زكريا يذكر الثلاثين من الفضة والفخاري.
- إرميا يذكر شراء الحقل، والفخاري، ووادي الدينونة، والدفن.
- متى يتكلم عن شراء «حقل الفخاري»، وهذا العنصر لا يوجد في زكريا وحده.
- إرميا هو النبي الأكبر والأبرز في الخلفية، لذلك نسب متى الاقتباس المركب إليه.
- نسبة الاقتباس المركب إلى النبي الأشهر ممارسة أدبية معروفة، مثل مرقس 1: 2-3 مع ملاخي وإشعياء.
- إذن متى لم يخطئ، بل استخدم طريقة اقتباس نبوية مقبولة في عصره.
هل يوجد تناقض؟
لا يوجد تناقض. متى لا ينسب نص زكريا وحده إلى إرميا خطأً، بل يجمع عناصر من زكريا وإرميا في اقتباس نبوي مركب. وبما أن إرميا هو صاحب خلفية الحقل والفخاري والدينونة، وبما أنه النبي الأكبر، ذكر متى اسمه. لذلك فالشبهة تزول عند فهم طبيعة الاقتباس المركب وطريقة الكتابة النبوية في القرن الأول.
زكريا يفسر الثلاثين من الفضة وإلقاءها إلى الفخاري، وإرميا يفسر الحقل والفخاري والدينونة والدفن. ومتى يجمع الصورتين لأن ما حدث بثمن يهوذا حقق شبكة نبوية واحدة، فنسبها إلى إرميا باعتباره النبي الأبرز وصاحب عنصر الحقل المركزي في القصة.
خلاصة دفاعية
متى 27: 9-10 لا يحتوي على خطأ في نسبة النبوة. فالمشهد الذي يصفه متى لا يستند إلى زكريا وحده، لأن زكريا لا يذكر شراء حقل أصلًا. أما إرميا، فيرتبط بشراء الحقل، وبالفخاري، وبوادي الدينونة والدفن. لذلك فمتى يقدم تلخيصًا نبويًا مركبًا يجمع بين زكريا وإرميا، وينسبه إلى إرميا لأنه النبي الأكبر وصاحب الخلفية الأوسع. وهذا أسلوب معروف في الاقتباس القديم، كما نرى في مرقس الذي ينسب اقتباسًا مركبًا إلى إشعياء مع أن جزءًا منه من ملاخي. فلا يوجد خطأ، بل قراءة نبوية عميقة لحادثة ثمن الدم وحقل الفخاري.
المصدر
Archer, G. L. 1982. New International Encyclopedia of Bible Difficulties. Originally published: Encyclopedia of Bible Difficulties. Zondervan’s Understand the Bible Reference Series, p. 345. Zondervan Publishing House: Grand Rapids, MI.