ماذا قال قائد المئة عند موت المسيح؟ متى 27: 54 ومرقس 15: 39 ولوقا 23: 47
قال إن المسيح بار، ورأى فيه إعلانًا فريدًا عن ابن الله

تُثار شبهة حول كلمات قائد المئة الواقف عند صليب المسيح لحظة موته. فمتى ومرقس يذكران أنه قال: «حقًا كان هذا ابن الله»، بينما لوقا يذكر أنه قال: «بالحقيقة كان هذا الإنسان بارًا». فهل نطق قائد المئة بعبارة واحدة مختلفة نقلها الإنجيليون بطرق متعارضة؟ أم أن كل بشير اختار من كلامه ما يخدم زاوية شهادته، مع أن قائد المئة غالبًا عبّر بأكثر من جملة أمام المشهد المهيب الذي رآه؟
لا يوجد تناقض. ليس لازمًا أن قائد المئة قال جملة واحدة فقط. أمام الظلمة والزلزلة وموت المسيح العجيب، من الطبيعي أن يكون قد عبّر بأكثر من عبارة، فقال إن يسوع كان بارًا، وقال أيضًا إنه ابن الله أو ابن إله بالمعنى الذي أدركه كأممي. لوقا أبرز عبارة «بارًا» لأنها تناسب تأكيد براءة المسيح، ومتى ومرقس أبرزَا عبارة «ابن الله» لأنها تكشف البعد الإلهي في شخص المصلوب.
الشبهة
يقول متى عن قائد المئة والذين كانوا يحرسون يسوع عند الصليب:
وَأَمَّا قَائِدُ الْمِئَةِ وَالَّذِينَ مَعَهُ يَحْرُسُونَ يَسُوعَ، فَلَمَّا رَأَوُا الزَّلْزَلَةَ وَمَا كَانَ، خَافُوا جِدًّا وَقَالُوا: حَقًّا كَانَ هذَا ابْنَ اللهِ.
متى 27: 54
ويقول مرقس:
وَلَمَّا رَأَى قَائِدُ الْمِئَةِ الْوَاقِفُ مُقَابِلَهُ أَنَّهُ صَرَخَ هكَذَا وَأَسْلَمَ الرُّوحَ، قَالَ: حَقًّا كَانَ هذَا الإِنْسَانُ ابْنَ اللهِ.
مرقس 15: 39
أما لوقا فيقول:
فَلَمَّا رَأَى قَائِدُ الْمِئَةِ مَا كَانَ، مَجَّدَ اللهَ قَائِلًا: بِالْحَقِيقَةِ كَانَ هذَا الإِنْسَانُ بَارًّا.
لوقا 23: 47
فيقول المعترض: هل قال قائد المئة إن يسوع «ابن الله»، أم قال إنه «بار»؟ وإذا كان متى ومرقس يذكران عبارة، ولوقا يذكر عبارة أخرى، أليس هذا اختلافًا في الاقتباس؟
مفتاح الحل هو أن نفهم أن الإنسان في موقف صادم ومهيب لا يلزم أن يكتفي بجملة واحدة قصيرة. يمكن لقائد المئة أن يكون قد قال العبارتين معًا، فاختار كل بشير الجزء الذي يخدم غرضه اللاهوتي والسردي.
أولًا: السياق كان مهيبًا لا يسمح بتصوير قائد المئة كأنه نطق جملة واحدة فقط
لم يكن قائد المئة يشاهد موتًا عاديًا. كان حاضرًا عند صليب المسيح، ورأى أحداثًا مهيبة رافقت موته: ظلمة عظيمة، واضطرابًا في الطبيعة، وزلزلة، وانشقاق حجاب الهيكل بحسب رواية متى. يقول متى:
وَمِنَ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ كَانَتْ ظُلْمَةٌ عَلَى كُلِّ الأَرْضِ إِلَى السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ.
متى 27: 45
وَإِذَا حِجَابُ الْهَيْكَلِ قَدِ انْشَقَّ إِلَى اثْنَيْنِ، مِنْ فَوْقُ إِلَى أَسْفَلُ. وَالأَرْضُ تَزَلْزَلَتْ، وَالصُّخُورُ تَشَقَّقَتْ.
متى 27: 51
في مثل هذا الموقف، من غير الطبيعي أن نُلزم قائد المئة بجملة واحدة فقط. فالإنسان عندما يتأثر تأثرًا عميقًا بمشهد عظيم قد يعبّر بأكثر من عبارة: يصف براءة الشخص، ويصف عظمته، ويعترف بأن ما رآه ليس أمرًا عاديًا.
لذلك لا يلزم أن يكون السؤال: أي عبارة قالها فقط؟ بل الأصح: أي جزء من تعبيره اختار كل بشير أن يذكره؟
ثانيًا: قول «بار» وقول «ابن الله» لا يتعارضان
العبارتان ليستا متناقضتين في المعنى. أن يقول قائد المئة إن يسوع «بار»، فهذا لا ينفي أن يقول أيضًا إنه «ابن الله». بالعكس، المشهد كله يدفع إلى الأمرين: براءة المسيح من التهم الموجهة إليه، وظهور عظمته الفريدة في طريقة موته وما صاحبها من علامات.
فمتى ومرقس يركّزان على البعد الأعظم في اعتراف قائد المئة:
حَقًّا كَانَ هذَا ابْنَ اللهِ.
متى 27: 54
بينما لوقا يركز على اعترافه ببراءة المسيح:
بِالْحَقِيقَةِ كَانَ هذَا الإِنْسَانُ بَارًّا.
لوقا 23: 47
لا توجد أي استحالة أن يكون قائد المئة قال المعنى الكامل تقريبًا هكذا: «حقًا كان هذا الإنسان بارًا. حقًا كان هذا ابن الله». كل بشير اقتبس العبارة التي رأى أنها الأشد اتصالًا بهدفه في السرد.
ثالثًا: الناس عادة يعبّرون بأكثر من وصف عندما يندهشون
يوضح Archer هذه النقطة بمثال بسيط: عندما يُعجب الناس بأداء ممثل أو موسيقي أو خطيب، لا يكتفون غالبًا بصفة واحدة. بل قد يقولون: «كان رائعًا، مدهشًا، عظيمًا، مؤثرًا». فهل إذا نقل شخص عبارة «كان رائعًا» ونقل آخر عبارة «كان مؤثرًا» يكون أحدهما قد ناقض الآخر؟ بالطبع لا.
وهذا المثال يساعدنا على فهم المشهد. قائد المئة لم يكن مؤرخًا يكتب صياغة قانونية، بل إنسانًا عسكريًا يشاهد موت شخص حكمت عليه السلطات الدينية والرومانية، ثم يرى أن هذا الشخص يموت بطريقة غير عادية، وسط علامات مهيبة. فمن الطبيعي أن يصدر عنه أكثر من وصف.
إذًا، اختلاف متى ومرقس عن لوقا ليس اختلافًا بين «قال هذا ولم يقل ذاك»، بل اختلاف بين «ذكر هذا البشير عبارة، وذكر الآخر عبارة أخرى من نفس الانطباع».
رابعًا: لماذا اهتم لوقا بعبارة «كان هذا الإنسان بارًا»؟
لوقا يهتم في رواية آلام المسيح بإبراز براءته. في إنجيله تظهر شهادة بيلاطس، وشهادة هيرودس، وشهادة اللص التائب، ثم شهادة قائد المئة. كل ذلك يخدم خطًا واضحًا: يسوع لم يمت لأنه مجرم، بل مات وهو البار البريء.
قبل ذلك قال بيلاطس:
إِنِّي لاَ أَجِدُ عِلَّةً فِي هذَا الإِنْسَانِ.
لوقا 23: 4
وقال أيضًا:
هَا أَنَا قَدْ فَحَصْتُ قُدَّامَكُمْ، وَلَمْ أَجِدْ فِي هذَا الإِنْسَانِ عِلَّةً مِمَّا تَشْتَكُونَ بِهِ عَلَيْهِ.
لوقا 23: 14
بل إن اللص المصلوب مع المسيح قال:
أَمَّا نَحْنُ فَبِعَدْل، لأَنَّنَا نَنَالُ اسْتِحْقَاقَ مَا فَعَلْنَا، وَأَمَّا هذَا فَلَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ.
لوقا 23: 41
في هذا السياق، تصبح عبارة قائد المئة «كان هذا الإنسان بارًا» مهمة جدًا. فهي ليست مجرد رأي عابر، بل شهادة قائد الإعدام نفسه بأن المصلوب الذي نُفذ فيه الحكم كان بارًا. هذا يخدم هدف لوقا في إبراز براءة المسيح أمام اليهود والرومان والأمم.
خامسًا: لماذا اهتم متى ومرقس بعبارة «ابن الله»؟
أما متى ومرقس، فقد تأثرا بالبعد الإلهي والملوكي الظاهر في موت المسيح. فالذي عُلّق على الصليب في ضعف، أظهر في موته سلطانًا ورهبة جعلت قائدًا رومانيًا يقول:
حَقًّا كَانَ هذَا الإِنْسَانُ ابْنَ اللهِ.
مرقس 15: 39
وفي مرقس خاصة، لهذا الاعتراف أهمية كبيرة. فمن بداية الإنجيل يعلن مرقس:
بَدْءُ إِنْجِيلِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ اللهِ.
مرقس 1: 1
ثم في لحظة الصليب، يأتي الاعتراف من فم قائد روماني أممي. هذا له وزن لاهوتي وسردي قوي: العالم الأممي نفسه يبدأ يرى في المصلوب ما رفضه كثيرون من القادة الدينيين.
ومتى كذلك يربط المشهد بالخوف العظيم بسبب الزلزلة وما كان، فيقول إن قائد المئة والذين معه خافوا جدًا وقالوا إن يسوع هو ابن الله. أي إن العلامات التي صاحبت موت المسيح جعلت اعترافهم يتجاوز مجرد القول ببراءته إلى إدراك عظمة خاصة في شخصه.
سادسًا: هل قال قائد المئة «ابن الله» بمعنى مسيحي كامل؟
قد يُسأل: هل كان قائد المئة يفهم عبارة «ابن الله» بكل معناها اللاهوتي المسيحي كما يفهمها المؤمنون؟ قد لا يكون ذلك لازمًا. فهو قائد روماني أممي، وربما كان تعبيره الأولي يعني أنه رأى في يسوع شخصًا إلهيًا أو شخصًا ذا علاقة فريدة بالله، بحسب حدود فهمه في تلك اللحظة.
لكن المهم أن الروح القدس استخدم هذا الاعتراف داخل رواية الإنجيل ليعلن حقيقة أعمق: أن يسوع المصلوب ليس مجرد بار مظلوم، بل هو فعلًا ابن الله. فالعبارة تحمل داخل النص الإنجيلي وزنًا يتجاوز مستوى فهم القائل نفسه.
وهذا يحدث كثيرًا في الكتاب المقدس: قد ينطق شخص بعبارة لا يدرك كل عمقها، لكن الله يستخدمها كشهادة للحق. وهنا، قائد المئة رأى شيئًا غير عادي في موت يسوع، فنطق بما صار شهادة قوية للمصلوب.
سابعًا: اختلاف الكلمتين اليونانيتين لا يغير المعنى
يشير المصدر إلى أن متى ومرقس يستخدمان كلمة يونانية بمعنى «حقًا» أو «بالحقيقة» وهي alēthōs، بينما يستخدم لوقا كلمة أخرى هي ontōs. والفرق هنا لا يصنع مشكلة، لأن الكلمتين تحملان معنى التأكيد: حقًا، بالحقيقة، في الواقع.
إذًا، كل الروايات تتفق في أن قائد المئة لم يكن يتكلم باحتمال أو تردد، بل عبّر عن اقتناع تأثر به مما رآه. سواء قال «حقًا كان هذا ابن الله» أو «بالحقيقة كان هذا الإنسان بارًا»، فالصياغة تؤكد أن ما شاهده عند الصليب هزّه ودفعه إلى الاعتراف.
ثامنًا: متى يذكر قائد المئة والذين معه، ومرقس ولوقا يركزان على قائد المئة
يوجد تفصيل آخر: متى يقول إن قائد المئة والذين معه يحرسون يسوع قالوا ذلك، بينما مرقس ولوقا يركزان على قائد المئة نفسه. وهذا أيضًا ليس تناقضًا.
يمكن أن يكون قائد المئة هو الذي نطق بالعبارة بوضوح، وانضم إليه الجنود في الخوف والانطباع. أو يمكن أن يكون متى يذكر استجابة المجموعة كلها، بينما مرقس ولوقا يختاران الشخصية الأبرز وهي قائد المئة. في كلتا الحالتين، لا يوجد تعارض، لأن ذكر القائد لا ينفي تأثر من كانوا معه.
| الإنجيل | العبارة المبرزة | التركيز اللاهوتي |
|---|---|---|
| متى 27: 54 | حقًا كان هذا ابن الله | الرهبة أمام العلامات المصاحبة لموت المسيح وإعلان هويته. |
| مرقس 15: 39 | حقًا كان هذا الإنسان ابن الله | اعتراف أممي عند الصليب بهوية يسوع ابن الله. |
| لوقا 23: 47 | بالحقيقة كان هذا الإنسان بارًا | شهادة قائد الإعدام ببراءة المسيح وعدالته. |
تاسعًا: الجمع الطبيعي بين الروايات
يمكن جمع الروايات في صياغة واحدة طبيعية هكذا:
فلما رأى قائد المئة ما حدث عند موت يسوع، من الظلمة والزلزلة وطريقة موته، مجّد الله وقال: بالحقيقة كان هذا الإنسان بارًا. حقًا كان هذا الإنسان ابن الله.
هذه الصياغة لا تضيف معنى غريبًا، بل تجمع ما ذكره الإنجيليون. لوقا حفظ لنا عبارة البراءة، ومتى ومرقس حفظا لنا عبارة الهوية الإلهية. وبذلك نحصل على صورة أوفى لانطباع قائد المئة عند الصليب.
عاشرًا: لماذا لا يعد اختلاف الاقتباس مشكلة؟
في الكتابة التاريخية القديمة، كما في الشهادة العادية، لا يلزم أن يورد كل كاتب كل الكلمات التي قيلت. وقد يختار الكاتب الجملة الأهم بالنسبة لموضوعه. فإذا قال شخص عدة عبارات، ثم اقتبس شاهد عبارة واقتبس شاهد آخر عبارة أخرى، فليس هذا تناقضًا، بل انتقاء مشروع من كلام أطول.
التناقض يكون لو قال متى مثلًا إن قائد المئة أعلن أن يسوع غير بار، بينما قال لوقا إنه بار. أو لو قال مرقس إنه أنكر أي علاقة ليسوع بالله، بينما قال متى العكس. لكن هذا ليس ما لدينا. لدينا عبارتان إيجابيتان متكاملتان:
- يسوع بار.
- يسوع ابن الله.
والعبارتان معًا تخدمان لاهوت الصليب: البار البريء هو نفسه ابن الله المتألم.
حادي عشر: قوة الشهادة أنها جاءت من قائد الإعدام
من اللافت أن الاعتراف جاء من قائد المئة، أي من رجل كان جزءًا من نظام الإعدام الروماني. هو ليس تلميذًا متحمسًا يريد الدفاع عن يسوع، ولا واحدًا من النساء اللواتي تبعن المسيح، بل مسؤول عسكري يشرف على تنفيذ الحكم.
لذلك فشهادته بالبراءة ذات قيمة خاصة في إنجيل لوقا: إن القائد الذي رأى الموت عن قرب، ورأى طريقة موت يسوع، خرج بانطباع أن هذا الإنسان كان بارًا. وشهادته بابن الله ذات قيمة خاصة في متى ومرقس: إن الأممي الذي وقف عند الصليب رأى في موت المسيح إعلانًا يفوق الموت العادي.
وهنا تظهر مفارقة قوية: الذين حكموا على يسوع اعتبروه مجدفًا ومتمردًا، لكن قائد الإعدام نفسه رأى فيه البر والسمو الإلهي.
هل يوجد تناقض؟
لا يوجد تناقض بين متى ومرقس ولوقا. من المعقول جدًا أن قائد المئة قال أكثر من عبارة عند موت المسيح. لوقا أبرز قوله إن يسوع «بار»، لأنه يهتم بإظهار براءة المسيح. ومتى ومرقس أبرزَا قوله إن يسوع «ابن الله»، لأنهما يركزان على الهوية الإلهية التي ظهرت حتى عند الصليب. العبارتان تكملان بعضهما ولا تتعارضان.
قائد المئة لم يكن مضطرًا أن يقول جملة واحدة فقط. الأرجح أنه قال إن يسوع كان بارًا، وقال أيضًا إنه ابن الله. لوقا اختار عبارة البراءة، ومتى ومرقس اختارا عبارة الهوية الإلهية. لذلك فاختلاف الروايات هنا تنوع شهادة لا تناقض.
خلاصة دفاعية
الشبهة تفترض أن قائد المئة نطق جملة واحدة فقط، وأن كل إنجيل يجب أن يورد نفس الجملة بحروفها. لكن هذا الافتراض غير لازم. المشهد كان مهيبًا، ومن الطبيعي أن يعبّر قائد المئة بأكثر من وصف. فالمسيح في نظره كان بارًا، لأنه مات بلا ذنب، وكان ابن الله، لأن موته وما صاحبه من علامات أعلنا عظمة فريدة. وهكذا، لا يوجد تضارب بين «كان هذا الإنسان بارًا» و«كان هذا ابن الله»، بل الأولى تشهد لبراءته، والثانية تشهد لهويته. والإنجيليون، كالشهود الصادقين، اختار كل منهم التفصيل الذي يخدم غرضه دون أن ينفي ما ذكره الآخر.
المصدر
Archer, G. L. 1982. New International Encyclopedia of Bible Difficulties. Originally published: Encyclopedia of Bible Difficulties. Zondervan’s Understand the Bible Reference Series, p. 346. Zondervan Publishing House: Grand Rapids, MI.