من كان رئيس الكهنة حين أكل داود خبز الوجوه: أبياثار أم أخيمالك؟ مرقس 2: 26 و1 صموئيل 21: 1-6
يسوع قال «في أيام أبياثار رئيس الكهنة»، لا إن أبياثار كان قد تولّى المنصب فعلًا وقت الحادثة

توجد شبهة حول قول الرب يسوع في مرقس 2: 26 إن داود دخل بيت الله وأكل خبز الوجوه «في أيام أبياثار رئيس الكهنة». فالعودة إلى 1 صموئيل 21: 1-6 تُظهر أن الكاهن الذي تعامل معه داود في تلك الحادثة كان أخيمالك، والد أبياثار، لا أبياثار نفسه. فهل أخطأ المسيح في اسم رئيس الكهنة؟ أم أن العبارة في مرقس لها معنى آخر لا يتعارض مع السجل التاريخي؟
لا، لم يخطئ المسيح. عبارة مرقس 2: 26 لا تعني بالضرورة أن أبياثار كان قد صار رئيسًا للكهنة وقت دخول داود إلى نوب، بل تعني «في أيام أبياثار رئيس الكهنة» أو «في زمن أبياثار رئيس الكهنة». وأبياثار كان حيًا وقت الحادثة، ثم نجا بعد مذبحة نوب، وانضم إلى داود، وصار لاحقًا رئيس كهنة في عهد داود. لذلك يصح أن يشار إلى تلك الفترة باسمه الأشهر، كما نقول مثلًا: «حين كان الملك داود راعيًا»، مع أنه لم يكن ملكًا وقت رعايته.
الشبهة
يقول الرب يسوع في مرقس:
كيف دخل بيت الله في أيام أبياثار رئيس الكهنة، وأكل خبز التقدمة الذي لا يحل أكله إلا للكهنة، وأعطى الذين كانوا معه أيضًا؟
مرقس 2: 26
لكن الحادثة المشار إليها في العهد القديم تذكر أن داود ذهب إلى أخيمالك الكاهن:
فجاء داود إلى نوب إلى أخيمالك الكاهن. فاضطرب أخيمالك عند لقاء داود وقال له: لماذا أنت وحدك وليس معك أحد؟
1 صموئيل 21: 1
ثم طلب داود طعامًا، فأعطاه الكاهن خبز الوجوه:
فأعطاه الكاهن مقدسًا، لأنه لم يكن هناك خبز إلا خبز الوجوه المرفوع من أمام الرب، لكي يوضع خبز سخن في يوم أخذه.
1 صموئيل 21: 6
إذن الاعتراض يقول: الذي كان رئيس الكهنة أو الكاهن المتعامل مع داود في هذه القصة هو أخيمالك، لا أبياثار. فلماذا قال يسوع «في أيام أبياثار رئيس الكهنة»؟ هل نسب الحادثة إلى رئيس كهنة خاطئ؟
مفتاح الرد هو الانتباه إلى أن عبارة يسوع لا تقول إن أبياثار كان قد تولّى رئاسة الكهنوت في لحظة دخول داود إلى نوب. العبارة اليونانية تعني «في زمن أبياثار رئيس الكهنة» أو «في أيام أبياثار رئيس الكهنة»، وأبياثار كان حاضرًا في تلك المرحلة التاريخية وصار بعد ذلك رئيس الكهنة المعروف المرتبط بداود.
أولًا: الحادثة الأصلية حدثت مع أخيمالك فعلًا
ينبغي أولًا الاعتراف بالنقطة التاريخية بوضوح: في 1 صموئيل 21، الشخص الذي قابله داود في نوب وطلب منه الطعام هو أخيمالك الكاهن. وهذا واضح في النص:
فجاء داود إلى نوب إلى أخيمالك الكاهن.
1 صموئيل 21: 1
وأخيمالك هو الذي سأل داود عن سبب مجيئه وحده، وهو الذي أعطاه خبز الوجوه، وهو الذي كان حاضرًا في القصة قبل كارثة مذبحة نوب التي ارتكبها شاول لاحقًا.
إذن الرد الدفاعي لا يقوم على إنكار أن أخيمالك كان الكاهن المباشر في الحادثة. بل يقوم على توضيح أن كلام يسوع في مرقس لا يلزم منه أن أبياثار كان هو الكاهن المباشر في تلك اللحظة.
ثانيًا: عبارة يسوع لا تقول إن أبياثار كان رئيس الكهنة بالفعل وقت الزيارة
النص في مرقس يقول باليونانية:
Epi Abiathar archiereōs
ومعناها: «في أيام أبياثار رئيس الكهنة» أو «في زمن أبياثار رئيس الكهنة». هذه العبارة لا تساوي بالضرورة: «حين كان أبياثار يشغل منصب رئيس الكهنة بالفعل في تلك اللحظة». بل يمكن أن تكون تحديدًا للفترة التاريخية المرتبطة بأبياثار، الرجل الذي صار لاحقًا رئيس الكهنة المعروف في قصة داود.
بعبارة أخرى، المسيح لا يقول: «دخل داود إلى أبياثار رئيس الكهنة وأخذ منه الخبز». لو قال ذلك لكان الإشكال أقوى. لكنه يقول إن الحادثة وقعت «في أيام أبياثار رئيس الكهنة»، أي في الفترة التاريخية المرتبطة بأبياثار، الذي كان حاضرًا في ذلك السياق وصار لاحقًا رئيس الكهنة.
ثالثًا: أبياثار كان حيًا وحاضرًا في تلك الفترة، ثم صار رئيس الكهنة بعد ذلك
بعد حادثة خبز الوجوه، أبلغ دواغ الأدومي شاول بما حدث في نوب. فأمر شاول بقتل الكهنة، ونفّذ دواغ المذبحة:
فقال الملك لدواغ: در أنت وقع بالكهنة. فدار دواغ الأدومي ووقع هو بالكهنة، وقتل في ذلك اليوم خمسة وثمانين رجلًا لابسي أفود كتان. وضرب نوب مدينة الكهنة بحد السيف: الرجال والنساء والأطفال والرضعان، والثيران والحمير والغنم، بحد السيف.
1 صموئيل 22: 18-19
لكن أبياثار، ابن أخيمالك، نجا من هذه المذبحة:
فنجا ولد واحد لأخيمالك بن أخيطوب اسمه أبياثار، وهرب إلى داود.
1 صموئيل 22: 20
ومنذ ذلك الوقت ارتبط أبياثار بداود طوال سنوات الهروب والتشرد والمنفى. صار أبياثار الكاهن الملازم لداود في أيام شدته، ثم صار لاحقًا من كبار الكهنة في زمن ملك داود.
لذلك، من الطبيعي أن تُعرف تلك الفترة في الذاكرة الكتابية واليهودية بأنها «أيام أبياثار»، لا لأنه كان قد شغل منصب رئيس الكهنة في الدقيقة التي دخل فيها داود إلى نوب، بل لأنه صار الشخصية الكهنوتية الأبرز التي ارتبطت بداود منذ تلك الأحداث وما بعدها.
رابعًا: لماذا يصح تسميته «رئيس الكهنة» حتى لو جاء المنصب لاحقًا؟
من الشائع جدًا في الكلام التاريخي أن نشير إلى شخص بلقبه اللاحق عند الحديث عن مرحلة سابقة من حياته. فمثلًا يصح أن نقول: «عندما كان الملك داود راعيًا»، مع أن داود لم يكن ملكًا وهو راعٍ. نحن نستخدم اللقب الأشهر الذي عرف به لاحقًا لتحديد الشخص.
وكذلك يمكن أن نقول: «في شباب الرئيس فلان»، مع أنه لم يكن رئيسًا في شبابه. أو نقول: «حين كان القديس أغسطينوس شابًا ضالًا»، مع أن لقب «القديس» لم يكن ينطبق على حالته الروحية حينذاك. هذا ليس خطأً تاريخيًا، بل طريقة طبيعية لتعريف الشخص باللقب الذي اشتهر به لاحقًا.
هكذا أيضًا في مرقس 2: 26: أبياثار صار لاحقًا رئيس الكهنة المعروف المرتبط بداود، ولذلك من الجائز تمامًا أن يشار إلى الفترة باسمه ولقبه المعروف.
خامسًا: أبياثار صار كاهن داود طوال سنوات الهروب
بعد هروب أبياثار إلى داود، صار حاضرًا معه في سنوات الضيق. وكان يحمل الأفود ويستشير داود الرب بواسطته:
وكان عند هرب أبياثار بن أخيمالك إلى داود إلى قعيلة، نزل وبيده أفود.
1 صموئيل 23: 6
وفي مواضع أخرى يظهر أبياثار كالكاهن المرتبط بداود في مرحلة حساسة جدًا من تاريخه. وهذا يزيد من قوة التعبير «في أيام أبياثار»، لأن الحادثة عند نوب كانت بداية السلسلة التي أدت إلى هروب أبياثار والتحاقه بداود.
أي أن أبياثار لم يكن شخصية هامشية بعيدة عن القصة، بل كان مرتبطًا بها مباشرة: هو ابن أخيمالك، وهو الناجي من مذبحة نوب، وهو الذي حمل الذاكرة الكهنوتية لهذه الحادثة إلى معسكر داود، وهو الذي صار كاهنه في سنوات الهروب ثم في الملك.
سادسًا: معنى حرف الجر اليوناني يؤيد هذا الفهم
بحسب المعاجم اليونانية، تركيب epi مع المضاف إليه يمكن أن يعني «في زمن» أو «في أيام». وهذا هو المعنى المناسب في مرقس 2: 26.
المعنى ليس بالضرورة: «تحت رئاسة أبياثار الرسمية في تلك اللحظة»، بل «في زمن أبياثار رئيس الكهنة»، أي في العصر أو المرحلة التاريخية المرتبطة به.
ويظهر استعمال مشابه لهذا التركيب في العهد الجديد، مثل:
وقام واحد منهم اسمه أغابوس، وأشار بالروح أن جوعًا عظيمًا كان عتيدًا أن يصير على جميع المسكونة، الذي صار أيضًا في أيام كلوديوس قيصر.
أعمال 11: 28
العبارة «في أيام كلوديوس» تحدد الفترة العامة، ولا تعني بالضرورة أن كل تفصيل حدث في أول لحظة من حكمه أو وفق صيغة ضيقة جدًا. وهذا يساعدنا أن نفهم مرقس 2: 26 بالمعنى نفسه: «في أيام أبياثار».
سابعًا: الحادثة حدثت فعلًا في زمن أبياثار
حتى لو لم يكن أبياثار قد صار رئيس الكهنة بعد، فإن الحادثة حدثت فعلًا في زمنه من حيث حياته وحضوره التاريخي. فقد كان أبياثار حيًا، وكان ابن الكاهن أخيمالك، وكان مرتبطًا بمجتمع نوب الكهنوتي، ثم صار بعد وقت قصير جدًا الناجي الوحيد من المذبحة، وهرب إلى داود.
إذن قول «في أيام أبياثار» ليس خطأً زمنيًا. فالحدث وقع في زمن أبياثار فعلًا، لا قبل ميلاده ولا بعد موته، بل في المرحلة التي صار بعدها مباشرة الشخصية الكهنوتية البارزة مع داود.
ومن ثم، إذا فُهمت العبارة كما قصدها النص، فلا يوجد أي تعارض مع الحقيقة التاريخية أن أخيمالك كان الكاهن الذي تعامل مباشرة مع داود في نوب.
ثامنًا: لماذا لم يقل مرقس «أخيمالك» ببساطة؟
قد يسأل البعض: إذا كان أخيمالك هو الكاهن المباشر في القصة، فلماذا لم يقل النص «في أيام أخيمالك»؟ الجواب أن أبياثار هو الاسم الأشهر والأبرز في علاقة داود بالكهنوت بعد حادثة نوب. أخيمالك قُتل سريعًا في المذبحة، أما أبياثار فنجا وصار كاهن داود المرتبط بسنوات هروبه وملكه.
لذلك، من حيث الذاكرة التاريخية، أبياثار هو العنوان الأشهر لتلك المرحلة الكهنوتية في حياة داود. والإشارة إليه لا تلغي دور أبيه أخيمالك في القصة، بل تحدد الحادثة ضمن الإطار الزمني الأشهر عند القراء.
تاسعًا: ما علاقة هذه الحادثة بسياق كلام المسيح؟
من المهم أيضًا فهم لماذا ذكر يسوع هذه الحادثة أصلًا. في مرقس 2، كان التلاميذ يقطفون السنابل في السبت، فاعترض الفريسيون:
فقال له الفريسيون: انظر! لماذا يفعلون في السبت ما لا يحل؟
مرقس 2: 24
فأجابهم يسوع بذكر داود ورجاله حين جاعوا وأكلوا خبز التقدمة، وهو خبز لا يحل أكله عادة إلا للكهنة. المقصود من المثال أن الحاجة البشرية الحقيقية والرحمة لا تُسحق تحت فهم حرفي قاسٍ للشريعة، وأن داود نفسه لم يُدن بسبب أكله في حالة الجوع والاحتياج.
ثم ختم يسوع التعليم بقوله:
ثم قال لهم: السبت إنما جعل لأجل الإنسان، لا الإنسان لأجل السبت. إذًا ابن الإنسان هو رب السبت أيضًا.
مرقس 2: 27-28
إذن مركز الكلام ليس تحديد اسم الكاهن، بل إثبات سلطان المسيح وتفسيره الصحيح للسبت. ومع ذلك، حتى الإشارة التاريخية إلى أبياثار لا تحتوي على خطأ عند فهمها بدقة.
عاشرًا: مقارنة توضيحية بين أخيمالك وأبياثار
| الشخص | دوره في الحادثة | العلاقة بمرقس 2: 26 |
|---|---|---|
| أخيمالك | هو الكاهن الذي قابله داود في نوب وأعطاه خبز الوجوه. | لا ينكر مرقس ذلك، ولا يقول إن داود أخذ الخبز مباشرة من أبياثار. |
| أبياثار | ابن أخيمالك، نجا من مذبحة نوب، وهرب إلى داود، وصار لاحقًا رئيس الكهنة المرتبط بداود. | الحادثة وقعت «في أيامه» أو في زمنه، وهو معروف لاحقًا بلقب رئيس الكهنة. |
حادي عشر: مثال «اللقب اللاحق» يوضح المسألة
يمكن تقريب الفكرة بأمثلة بسيطة:
- نقول: «حين كان الملك داود راعيًا»، مع أنه لم يكن ملكًا وهو راعٍ.
- نقول: «حين كان الرسول بولس يضطهد الكنيسة»، مع أن اسمه وقتها كان شاول ولم يكن رسولًا بعد.
- نقول: «حين كان القديس أغسطينوس يبحث عن الحق»، مع أنه لم يكن قديسًا في تلك المرحلة.
كل هذه التعبيرات صحيحة لأنها تستخدم اللقب الأشهر اللاحق لتعريف الشخص، لا لوصف منصبه في لحظة الحدث. وبنفس الطريقة، «أبياثار رئيس الكهنة» يحدد الشخص الذي اشتهر لاحقًا بهذا اللقب، مع أن الحادثة بدأت في زمن أبيه أخيمالك.
ثاني عشر: الرد الدفاعي المركز
يمكن تلخيص الرد في النقاط الآتية:
- 1 صموئيل 21 يذكر أن داود تعامل مباشرة مع أخيمالك الكاهن.
- مرقس 2: 26 لا يقول إن داود أخذ الخبز من أبياثار، بل يقول إن ذلك حدث «في أيام أبياثار رئيس الكهنة».
- أبياثار كان حيًا في تلك الفترة، ومرتبطًا بأحداث نوب.
- بعد مذبحة نوب، نجا أبياثار وحده وهرب إلى داود.
- أبياثار صار لاحقًا رئيس الكهنة المعروف في زمن داود.
- استخدام اللقب اللاحق عن شخص في مرحلة سابقة من حياته أسلوب طبيعي ومقبول.
- لذلك لا يوجد أي تعارض بين مرقس 2: 26 و1 صموئيل 21: 1-6.
هل يوجد تناقض؟
لا يوجد تناقض. أخيمالك هو الكاهن الذي تعامل مع داود في نوب، وهذا يثبته سفر صموئيل. أما قول يسوع «في أيام أبياثار رئيس الكهنة» فيعني أن الحادثة وقعت في زمن أبياثار، الذي كان حيًا وحاضرًا في تلك المرحلة، ثم نجا من مذبحة نوب وصار لاحقًا رئيس الكهنة المرتبط بداود. فالعبارة تحدد الفترة والشخصية الكهنوتية الأشهر، ولا تزعم أن أبياثار كان قد تولى المنصب رسميًا في لحظة زيارة داود.
يسوع لم يقل إن أبياثار هو الذي أعطى داود خبز الوجوه، بل قال إن الحادثة وقعت «في أيام أبياثار رئيس الكهنة». وأبياثار كان حيًا في ذلك الوقت، ثم صار بعد قليل الكاهن الناجي والملازم لداود، ولاحقًا رئيس الكهنة المعروف. لذلك فالإشارة إليه صحيحة ولا تخالف أن أخيمالك كان الكاهن المباشر في القصة.
خلاصة دفاعية
الشبهة تقوم على قراءة عبارة مرقس كما لو أنها تقول: «دخل داود بيت الله عندما كان أبياثار رئيس الكهنة بالفعل وأخذ منه الخبز». لكن النص لا يقول ذلك. النص يقول: «في أيام أبياثار رئيس الكهنة»، وهي عبارة زمنية واسعة تعني في فترة أبياثار أو زمنه. وبما أن أبياثار كان حيًا وقت الحادثة، ونجا بعدها مباشرة، والتحق بداود، وصار رئيس الكهنة المرتبط بعهده، فالإشارة إليه طبيعية وصحيحة. لذلك لا يوجد خطأ في كلام المسيح، ولا تعارض بين مرقس وصموئيل.
المصدر
Archer, G. L. 1982. New International Encyclopedia of Bible Difficulties. Originally published: Encyclopedia of Bible Difficulties. Zondervan’s Understand the Bible Reference Series, p. 362. Zondervan Publishing House: Grand Rapids, MI.