كيف كان اللص التائب مع المسيح في الفردوس في يوم موته؟ لوقا 23: 43
موقع الفردوس قبل القيامة يفسر وعد المسيح للص التائب

تُثار شبهة حول وعد المسيح للص التائب على الصليب، عندما قال له:
«الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ.»
لوقا 23: 43
فكيف يكون اللص قد ذهب مع المسيح إلى الفردوس في نفس يوم موته، بينما نؤمن أن المسيح لم يقم من الأموات إلا في اليوم الثالث، ولم يصعد إلى السماء بعد القيامة؟ فإذا لم يكن المسيح قد صعد إلى السماء بعد، فكيف كان اللص معه في الفردوس؟
المشكلة تأتي من افتراض أن كلمة «الفردوس» كانت تعني دائمًا السماء العليا قبل القيامة. لكن بحسب الفهم اليهودي والكتابي القديم، كان الفردوس يشير إلى موضع انتظار أرواح الأبرار بعد الموت، ويُشار إليه أيضًا بتعبير «حضن إبراهيم» في قصة الغني ولعازر. وبعد موت المسيح وقبل القيامة كان هذا هو موضع أرواح المؤمنين المنتظرين اكتمال عمل الفداء. ثم بعد القيامة قاد المسيح هؤلاء الأسرى المحررين إلى المجد السماوي، كما يشير بولس في أفسس 4: 8-10.
الشبهة
يقول المعترض:
إذا كان المسيح لم يصعد إلى السماء إلا بعد القيامة، فكيف قال للص التائب:
«اليوم تكون معي في الفردوس»؟
هل يعني هذا أن المسيح كان في السماء قبل القيامة؟ أم أن هناك خطأ في الرواية؟
الخطأ في السؤال هو مساواة «الفردوس» مباشرة بالسماء العليا في كل سياق. فالكلمة لم تكن تستخدم دائمًا بهذا المعنى في الفترة السابقة للقيامة. يجب أولًا فهم حالة الأبرار بعد الموت قبل إتمام عمل المسيح الخلاصي.
أولًا: الفردوس لم يكن بالضرورة يعني السماء العليا قبل القيامة
في العهد الجديد، كلمة «الفردوس» ترتبط بمكان البركة والحضور الإلهي، لكنها في سياق ما قبل القيامة لا يلزم أن تشير إلى السماء النهائية حيث عرش الله.
ففي قصة الغني ولعازر، يصف المسيح حالة الأبرار بعد الموت:
«فَمَاتَ الْمِسْكِينُ وَحَمَلَتْهُ الْمَلاَئِكَةُ إِلَى حِضْنِ إِبْرَاهِيمَ.»
لوقا 16: 22
ويظهر من هذا النص أن هناك موضع راحة وانتظار للأبرار بعد الموت، مقابل موضع عذاب للأشرار.
وهذا الموضع يُفهم على أنه نفس المفهوم الذي كان يُشار إليه بالفردوس قبل القيامة: مكان انتظار نفوس المؤمنين الذين ماتوا في الإيمان، ولكنهم لم يدخلوا بعد إلى المجد السماوي الكامل، لأن عمل الفداء لم يكن قد اكتمل بعد.
ثانيًا: لماذا لم يدخل المؤمنون إلى السماء مباشرة قبل الصليب؟
بحسب الفكر الكتابي، كان موت المسيح وقيامته هما نقطة التحول الأساسية في تاريخ الخلاص. فذبيحة المسيح لم تكن قد أُتمت قبل الصليب.
ولهذا كان المؤمنون الذين ماتوا قبل المسيح ينتظرون اكتمال عمل الفداء. لم يكن هذا انتظارًا في حالة رفض أو انفصال عن الله، بل انتظارًا للانتصار النهائي الذي سيحققه المسيح.
فالرسالة إلى العبرانيين تشير إلى أن المؤمنين في العهد القديم لم ينالوا بعد اكتمال الوعد:
«وَهؤُلاَءِ كُلُّهُمْ، وَهُمْ مَشْهُودًا لَهُمْ بِالإِيمَانِ، لَمْ يَنَالُوا الْمَوْعِدَ، إِذْ سَبَقَ اللهُ فَنَظَرَ لَنَا شَيْئًا أَفْضَلَ، لِكَيْ لاَ يُكْمَلُوا بِدُونِنَا.»
عبرانيين 11: 39-40
ثالثًا: المسيح واللص ذهبا إلى فردوس الانتظار بعد الموت
عندما مات المسيح يوم الجمعة، دخل إلى حالة الموت الحقيقية بحسب ناسوته. وكذلك مات اللص التائب في نفس اليوم.
وبحسب هذا الفهم، ذهبت روح المسيح وروح اللص إلى الفردوس الذي كان موضع انتظار الأبرار، وليس إلى السماء النهائية بعد.
لذلك كان وعد المسيح دقيقًا جدًا:
«اليوم تكون معي في الفردوس.»
أي أن اللص لن ينتظر القيامة لكي يكون في شركة مع المسيح، بل في نفس يوم موته سيكون معه في موضع الراحة والرجاء.
رابعًا: ماذا حدث بعد القيامة؟
بعد قيامة المسيح، حدث انتقال جديد في حالة المؤمنين المنتظرين. فقد أتم المسيح عمل الفداء، وانتصر على الموت، ولذلك قاد الأسرى إلى المجد.
يقول بولس:
«لِذلِكَ يَقُولُ: إِذْ صَعِدَ إِلَى الْعَلاَءِ سَبَى سَبْيًا وَأَعْطَى النَّاسَ عَطَايَا.»
أفسس 4: 8
ثم يشرح:
«وَأَمَّا أَنَّهُ صَعِدَ، فَمَا هُوَ إِلاَّ إِنَّهُ نَزَلَ أَيْضًا أَوَّلًا إِلَى أَسَافِلِ الأَرَاضِي… اَلَّذِي نَزَلَ هُوَ الَّذِي صَعِدَ أَيْضًا فَوْقَ جَمِيعِ السَّمَاوَاتِ.»
أفسس 4: 9-10
ويُفهم من هذا أن المسيح، بعد انتصاره، نقل سكان فردوس ما قبل القيامة إلى المجد السماوي.
خامسًا: هل كان المسيح في الجحيم؟
عندما يتحدث الكتاب عن نزول المسيح إلى «أسافل الأرض»، فهذا لا يعني أنه ذهب إلى مكان العذاب، بل يشير إلى دخوله إلى حالة الموت أو عالم الأموات.
الكلمة المستخدمة في الفكر العبري هي «شيول» (Sheol)، وفي الفكر اليوناني «هاديس» (Hades)، وهي تشير إلى عالم الموتى، وليس بالضرورة إلى مكان العقوبة النهائية.
فالكتاب يميز بين:
- موضع انتظار الأبرار.
- موضع عذاب الأشرار.
- الجحيم النهائي المرتبط بالدينونة الأخيرة.
واللص التائب كان مع المسيح في موضع الراحة، لا في موضع العذاب.
سادسًا: لماذا قال المسيح «اليوم»؟
كلمة «اليوم» في وعد المسيح تؤكد سرعة تحقيق الوعد. فاللص لم يكن بحاجة إلى انتظار زمن طويل، بل بمجرد انتقاله من الحياة الأرضية إلى الحياة الأخرى سيكون في شركة مع المسيح.
وهذا أيضًا يوضح عظمة نعمة المسيح: رجل لم يملك وقتًا ليقدم أعمالًا أو إصلاحات طويلة، لكنه بالإيمان والتوبة نال وعدًا مباشرًا بالحضور مع المسيح.
هل يوجد تناقض؟
لا يوجد تناقض. الشبهة تعتمد على افتراض أن الفردوس كان يعني دائمًا السماء العليا، وهذا غير صحيح في سياق ما قبل القيامة.
كان الفردوس موضع انتظار للأبرار قبل إتمام الفداء، ولذلك استطاع المسيح أن يقول للص التائب إنه سيكون معه في الفردوس في نفس يوم الموت. وبعد القيامة قاد المسيح المؤمنين إلى المجد السماوي.
اللص التائب كان مع المسيح في الفردوس يوم الجمعة، لأن الفردوس قبل القيامة كان موضع راحة وانتظار للأبرار، وليس السماء النهائية فقط. وبعد القيامة تم الانتقال إلى المجد السماوي، عندما قاد المسيح الأسرى المحررين إلى العلاء.
خلاصة دفاعية
لا يوجد أي تناقض بين وعد المسيح للص التائب وبين حقيقة أن الصعود إلى السماء حدث بعد القيامة. فالمشكلة تأتي من الخلط بين مرحلتين مختلفتين: مرحلة انتظار الأرواح قبل اكتمال الفداء، ومرحلة المجد السماوي بعد القيامة. المسيح لم يكن قد صعد بعد إلى السماء العليا يوم الجمعة، لكنه كان بالفعل قادرًا أن يكون مع اللص في فردوس الأبرار. وبعد قيامته قاد المؤمنين المنتظرين إلى المجد، معلنًا اكتمال عمل الفداء والانتصار على الموت.
المصدر
Archer, G. L. 1982. New International Encyclopedia of Bible Difficulties. Zondervan Publishing House: Grand Rapids, MI. p. 367.