تخطى إلى المحتوى

كيف يتوافق قول المسيح «ولا أنا أدينك» مع رومية 13: 4 بخصوص عقوبة الإعدام؟ يوحنا 8: 11 ورومية 13: 4

  • بواسطة

المحتوى

كيف يتوافق قول المسيح «ولا أنا أدينك» مع رومية 13: 4 بخصوص عقوبة الإعدام؟ يوحنا 8: 11 ورومية 13: 4

رحمة المسيح للخاطئ لا تلغي عدالة الله ولا سلطة الدولة في معاقبة الشر

كيف يتوافق قول المسيح «ولا أنا أدينك» مع رومية 13: 4 بخصوص عقوبة الإعدام؟ يوحنا 8: 11 ورومية 13: 4
كيف يتوافق قول المسيح «ولا أنا أدينك» مع رومية 13: 4 بخصوص عقوبة الإعدام؟ يوحنا 8: 11 ورومية 13: 4

تُعد قصة المرأة التي أُمسكت في الزنا في يوحنا 8: 3-11 من أكثر المقاطع التي تُثار حولها أسئلة تتعلق بالعلاقة بين الرحمة والعدالة، وبين موقف المسيح من الخاطئ وبين تعليم الكتاب المقدس عن مسؤولية الحكومة في معاقبة الجريمة.

ففي رومية 13: 4 يعلن الرسول بولس، وهو يتحدث عن سلطة الحكومة البشرية:

«فَإِنَّهَا خَادِمُ اللهِ لَكَ لِلصَّلاَحِ. وَلكِنْ إِنْ فَعَلْتَ الشَّرَّ فَخَفْ، لأَنَّهَا لاَ تَحْمِلُ السَّيْفَ عَبَثًا، إِذْ هِيَ خَادِمُ اللهِ، مُنْتَقِمَةٌ لِلْغَضَبِ مِنَ الَّذِي يَفْعَلُ الشَّرَّ.»
رومية 13: 4

وهذا النص يبدو واضحًا في أن الله منح السلطة المدنية دورًا في حماية المجتمع وإقامة العدالة ضد من يمارسون الشر، وأن استخدام «السيف» يشير إلى سلطة العقوبة، وليس مجرد الحبس أو إطلاق سراح المجرمين.

لكن بعض دارسي الكتاب المقدس وجدوا صعوبة في التوفيق بين هذا التعليم وبين موقف المسيح من المرأة الزانية في يوحنا 8. فبحسب الشريعة الموسوية، كان الزنا جريمة خطيرة تستحق الموت:

«إِذَا وُجِدَ رَجُلٌ مُضْطَجِعًا مَعَ امْرَأَةِ رَجُلٍ آخَرَ، يَقْتُلُ الاثْنَانِ.»
تثنية 22: 22

فهل عندما رفض المسيح إدانة المرأة وأطلقها، كان يلغي عقوبة الإعدام؟ وهل كان يعلن أن الرحمة أصبحت بديلًا عن العدالة؟

الإجابة المختصرة
لم يلغِ المسيح عقوبة الإعدام في قصة المرأة الزانية، ولم يعلن أن الحكومات لم يعد لها حق معاقبة الجرائم الكبرى. المشكلة في هذه الحادثة لم تكن أن المرأة بريئة أو أن الشريعة أُبطلت، بل أن الذين أحضروها كانوا يستخدمونها كفخ ضد المسيح، وأن إجراءاتهم نفسها كانت غير قانونية. المسيح كشف نفاقهم، وأظهر حاجتهم هم إلى التوبة، ثم منح المرأة فرصة للتوبة قائلاً: «ولا أنا أدينك. اذهبي ولا تخطئي أيضًا».

أولًا: هل كانت قصة المرأة الزانية جزءًا أصليًا من إنجيل يوحنا؟

توجد ملاحظة نصية مهمة تتعلق بهذا المقطع. فالأدلة المتعلقة بالمخطوطات القديمة لإنجيل يوحنا تشير إلى أن قصة المرأة الزانية لم تكن موجودة في بعض أقدم الشواهد النصية لإنجيل يوحنا.

فأقدم شاهد معروف لهذه القصة يظهر في مخطوطات لاحقة، مثل المخطوطة المعروفة باسم Codex Bezae من القرن السادس، ثم انتقلت إلى التقليد البيزنطي الذي بُني عليه النص اليوناني الذي استخدمه النص المستقبل (Textus Receptus) وترجمة الملك جيمس.

ومع ذلك، فإن كثيرًا من الدارسين يرون أن القصة تمثل حدثًا حقيقيًا من خدمة المسيح، وأن أسلوبها يتوافق مع أسلوب يوحنا، ولذلك يتم التعامل معها باعتبارها كلمة صحيحة عن تعليم المسيح، حتى مع وجود نقاش حول مكانها في النص الأصلي لإنجيل يوحنا.

ثانيًا: لم يكن السؤال الموجه إلى المسيح بحثًا عن العدالة بل محاولة لإيقاعه

عندما أحضر الكتبة والفريسيون المرأة إلى المسيح، لم يكونوا يبحثون عن تطبيق نزيه للشريعة، بل كانوا يحاولون وضعه أمام معضلة.

فإذا قال لهم: نفذوا حكم الشريعة وأرجموها، كان يمكنهم اتهامه بأنه فقد صورته كرسول للرحمة والمحبة.

وإذا قال: لا ترجموها، كانوا سيتهمونه بأنه يرفض شريعة موسى ويبطل كلام الله.

لقد كان هذا الأسلوب مشابهًا لمحاولاتهم الأخرى للإيقاع به، مثل سؤالهم عن دفع الجزية لقيصر:

«أَيَجُوزُ لَنَا أَنْ نُعْطِيَ جِزْيَةً لِقَيْصَرَ أَمْ لاَ؟»
متى 22: 17

ففي كلتا الحالتين كانوا لا يطلبون الحق، بل يبحثون عن تهمة يستخدمونها ضد المسيح.

ثالثًا: المسيح لم ينكر ذنب المرأة

السؤال الأساسي هو: عندما قال المسيح:

«وَلاَ أَنَا أَدِينُكِ.»
يوحنا 8: 11

هل كان يقصد أنها غير مذنبة؟

الإجابة: لا.

فالمرأة نفسها لم تنكر الاتهام، والنص يقول إنهم وجدوها «في ذات الفعل». لذلك لم يكن المسيح يقول إن الزنا ليس خطية، أو إن المرأة لم تفعل شيئًا يستحق الحكم بحسب الشريعة.

بل إن قوله:

«اذهبي ولا تخطئي أيضًا»

يفترض أنها كانت قد أخطأت بالفعل، وأنها تحتاج إلى ترك الخطية والتوبة.

المشكلة إذن لم تكن في تعريف الخطية، بل في طريقة تعامل المتهمين معها وفي صلاحية من أراد تنفيذ الحكم.

رابعًا: معنى كلمة «أدينك» في سياق يوحنا 8

الكلمة اليونانية المستخدمة هنا هي:

katakrinō

وهذه الكلمة لا تعني فقط تحديد أن الفعل خاطئ، بل تحمل في السياقات القضائية معنى إصدار الحكم وتنفيذ العقوبة.

ومن أمثلة ذلك استخدامها في مرقس:

«فَالْجَمِيعُ حَكَمُوا عَلَيْهِ أَنَّهُ مُسْتَوْجِبُ الْمَوْتِ.»
مرقس 14: 64

أي أن الكلمة مرتبطة بالحكم القضائي الذي يؤدي إلى العقوبة.

لذلك عندما قال المسيح: «ولا أنا أدينك»، لم يكن يقول إن الخطية ليست خطية، بل إنه لم يصدر عليها حكم الإعدام في هذا الموقف.

خامسًا: المخالفات القانونية في قضية المرأة الزانية

عند تحليل الموقف الذي واجهه المسيح، يجب أن نلاحظ أن القضية لم تكن مجرد تطبيق طبيعي للشريعة، بل كانت مليئة بمخالفات قانونية واضحة.

1- لم يُحضروا الطرفين كما تطلب الشريعة

كانت شريعة موسى تنص بوضوح على أن الرجل والمرأة معًا يتحملان مسؤولية جريمة الزنا:

«إِذَا زَنَى رَجُلٌ مَعَ امْرَأَةِ رَجُلٍ آخَرَ، فَإِنَّهُ يُقْتَلُ الزَّانِي وَالزَّانِيَةُ.»
لاويين 20: 10

وكذلك يقول سفر التثنية:

«تُخْرِجُونَ كِلَيْهِمَا إِلَى بَابِ تِلْكَ الْمَدِينَةِ وَتَرْجُمُونَهُمَا بِالْحِجَارَةِ حَتَّى يَمُوتَا.»
تثنية 22: 24

لكن في حادثة يوحنا 8 لم يحضروا الرجل الذي ارتكب الزنا معها. لقد أحضروا المرأة وحدها، وهذا يجعل القضية مخالفة للشريعة نفسها التي كانوا يدّعون الدفاع عنها.

فلم تكن المشكلة أن الشريعة لا تحتوي على عقوبة، بل أن هؤلاء الأشخاص لم يكونوا يطبقون الشريعة بعدل، وإنما كانوا يستخدمونها كوسيلة لمحاصرة المسيح.

2- لم تكن هناك محكمة شرعية قانونية

في نظام إسرائيل القديم، كانت القضايا الجنائية الخطيرة تُعرض أمام قضاة وشيوخ مسؤولين عن الحكم، ولم يكن يجوز لأي مجموعة من الأشخاص أن تنفذ حكمًا بالإعدام بأنفسهم.

لكن ما فعله هؤلاء لم يكن جلسة قضائية حقيقية، بل كان أقرب إلى محاولة تنفيذ عقوبة جماعية خارج إطار القانون.

كما أن المسيح نفسه لم يكن يشغل منصب قاضٍ مدني. وقد أوضح ذلك عندما طلب منه شخص أن يتدخل في قضية ميراث فقال:

«يَا إِنْسَانُ، مَنْ أَقَامَنِي عَلَيْكُمَا قَاضِيًا أَوْ مُقَسِّمًا؟»
لوقا 12: 14

لذلك كانت محاولة إجباره على إصدار حكم جنائي في هذه القضية محاولة باطلة من الناحية القانونية.

3- لم تكن سلطة تنفيذ الإعدام متاحة لليهود تحت الحكم الروماني

حتى لو افترضنا أن المرأة تستحق الحكم بحسب الشريعة اليهودية، فإن تنفيذ عقوبة الموت كان يخضع لسلطة الدولة الرومانية في ذلك الوقت.

وهذا يظهر بوضوح في محاكمة المسيح نفسه، عندما قال اليهود لبيلاطس:

«لَيْسَ لَنَا أَنْ نَقْتُلَ أَحَدًا.»
يوحنا 18: 31

لذلك فإن محاولة هؤلاء الأشخاص رجم المرأة فورًا أمام المسيح كانت مخالفة للنظام القانوني الروماني الذي كانوا يخضعون له.

ولذلك لم يكن المسيح يرفض العدالة، بل كان يرفض إجراءً غير قانوني ومحاولة اغتيال معنوي له باستخدام امرأة خاطئة كأداة.

سادسًا: لماذا كتب المسيح على الأرض؟

يخبرنا النص أن المسيح انحنى وكتب بإصبعه على الأرض.

ولا يخبرنا الإنجيل بما كتب تحديدًا، لكن النتيجة الواضحة هي أن كلماته أو تصرفه جعلت المتهمين يدركون خطيتهم هم.

فقد قال:

«مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلاَ خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا أَوَّلاً بِحَجَرٍ.»
يوحنا 8: 7

كان المطلوب بحسب الشريعة أن يكون الشاهد الذي يبدأ تنفيذ الحكم مستعدًا أمام الله، لكن هؤلاء جميعًا كانوا يعلمون خطاياهم، ولذلك بدأوا ينصرفون واحدًا بعد الآخر حتى لم يبق أحد.

لم يكن المسيح يقول إن المرأة بلا ذنب، بل كشف أن الذين يطالبون بالحكم عليها ليسوا هم أنفسهم في حالة تؤهلهم لتنفيذ الحكم بطريقة عادلة.

سابعًا: المسيح لم يلغِ عقوبة الإعدام

من الخطأ فهم قصة المرأة الزانية على أنها إعلان من المسيح بإلغاء كل عقوبة موت في العهد الجديد.

فالمسيح لم يقل:

  • إن الزنا لم يعد خطية خطيرة.
  • إن عقوبة الشريعة أصبحت باطلة.
  • إن الحكومة فقدت حق معاقبة الجرائم الكبرى.

بل على العكس، عندما قال للمرأة:

«اذهبي ولا تخطئي أيضًا»

فهو يعترف ضمنيًا بأن ما حدث كان خطية حقيقية تحتاج إلى توبة.

الشيء الذي رفضه المسيح هو أن يستخدم أشخاص مذنبون أنفسهم الشريعة بطريقة منافقة وغير قانونية لإدانة شخص آخر.

ثامنًا: العلاقة بين يوحنا 8 ورومية 13

لا يوجد أي تعارض بين المقطعين.

رومية 13 يتحدث عن مسؤولية الدولة في حفظ النظام ومعاقبة الشر. فالسلطة المدنية تحمل «السيف» لأنها مكلفة بحماية المجتمع ومنع الظلم.

أما يوحنا 8 فيتحدث عن موقف المسيح من خاطئ جاء إليه في سياق خاص، وعن ضرورة التوبة، وعن رفض الدينونة المنافقة.

هناك فرق بين:

  • أن يرفض الإنسان الانتقام الشخصي وإدانة الآخرين بدافع الكبرياء.
  • وبين أن تقوم الدولة بمسؤوليتها القانونية في حماية المجتمع وإقامة العدل.

لو كان قول المسيح:

«لا تقاوموا الشر»

في متى 5 يعني إلغاء كل سلطة مدنية، لكان معنى ذلك إلغاء الشرطة والقضاء والسجون، وترك المجتمع بالكامل للفوضى والمجرمين.

وهذا بالتأكيد ليس ما قصده المسيح.

تاسعًا: العهد الجديد لم يُبطل مسؤولية الدولة عن معاقبة القتل

لا يوجد في العهد الجديد أي نص يلغي المبدأ الإلهي الخاص بخطورة سفك الدم البريء، أو يسحب من الدولة مسؤوليتها عن حماية حياة الإنسان.

ففي العهد القديم أعلن الله بعد الطوفان:

«سَافِكُ دَمِ الإِنْسَانِ بِالإِنْسَانِ يُسْفَكُ دَمُهُ، لأَنَّ اللهَ عَلَى صُورَتِهِ عَمِلَ الإِنْسَانَ.»
تكوين 9: 6

وهذا النص أُعطي في سياق تأسيس مسؤولية الإنسان عن إقامة العدالة، وليس باعتباره مجرد تشريع مؤقت لإسرائيل فقط.

كما أن سفر العدد يؤكد خطورة ترك جريمة القتل دون عقوبة:

«وَلاَ تَأْخُذُوا فِدْيَةً عَنْ نَفْسِ الْقَاتِلِ الْمُذْنِبِ لِلْمَوْتِ، بَلْ إِنَّهُ يُقْتَلُ… فَلاَ تُنَجِّسُوا الأَرْضَ الَّتِي أَنْتُمْ فِيهَا، لأَنَّ الدَّمَ يُنَجِّسُ الأَرْضَ.»
عدد 35: 31-33

ولا يوجد في تعليم المسيح أو الرسل ما يشير إلى إلغاء هذا المبدأ الأخلاقي.

بل إن بولس نفسه، عندما وقف أمام الوالي الروماني، قال:

«إِنْ كُنْتُ قَدْ أَخْطَأْتُ، وَفَعَلْتُ شَيْئًا يَسْتَحِقُّ الْمَوْتَ، فَلَسْتُ أَسْتَعْفِي مِنَ الْمَوْتِ.»
أعمال 25: 11

وهذا يوضح أن الرسول لم يكن يرى أن سلطة الدولة في إصدار حكم الموت قد انتهت، بل كان يعترف بوجود عقوبة قصوى في النظام القضائي.

عاشرًا: لو ألغى المسيح كل عقوبة، لألغيت العدالة المدنية بالكامل

إذا فُهم قول المسيح:

«لاَ تُقَاوِمُوا الشَّرَّ.»
متى 5: 39

على أنه أمر موجه للحكومة والدولة، فإن النتيجة المنطقية ستكون إلغاء كل أشكال تطبيق القانون.

فلن يكون هناك:

  • شرطة تمنع الجريمة.
  • قضاة يحكمون بين الناس.
  • سجون لحماية المجتمع.
  • أي وسيلة للردع ضد المعتدين.

وسيؤدي ذلك إلى سيطرة المجرمين وانتشار الفوضى.

لكن هذا بعيد تمامًا عن قصد المسيح. فهو يعلّم الفرد المؤمن ألا ينتقم لنفسه، لكنه لا يلغي مسؤولية المجتمع والدولة في حماية الأبرياء.

فالكتاب المقدس يميز دائمًا بين:

  • انتقام الإنسان لنفسه بدافع الغضب والكراهية.
  • وتنفيذ العدالة بواسطة سلطة أقامها الله لهذا الغرض.

الحادي عشر: موقف المسيح من حكم الأشرار في أمثاله

في مثل الأمناء أو المَنا، تحدث المسيح عن ملك له أعداء رفضوا سلطانه، فقال:

«أَمَّا أَعْدَائِي هؤُلاَءِ الَّذِينَ لَمْ يُرِيدُوا أَنْ أَمْلِكَ عَلَيْهِمْ، فَأْتُوا بِهِمْ إِلَى هُنَا وَاذْبَحُوهُمْ قُدَّامِي.»
لوقا 19: 27

وهذا المثل لا يقدم إلغاءً لمبدأ العدالة، بل يستخدم صورة الملك صاحب السلطة الذي يحكم على المتمردين.

كما قال المسيح في مثل الكرامين الأشرار:

«فَمَاذَا يَفْعَلُ بِأُولَئِكَ الْكَرَّامِينَ؟ يَأْتِي وَيُهْلِكُ هؤُلاَءِ الْكَرَّامِينَ وَيُعْطِي الْكَرْمَ لِآخَرِينَ.»
لوقا 20: 15-16

وهذه الأمثلة لا تشير إلى أن المسيح كان يؤيد الظلم أو الانتقام الشخصي، لكنها توضح أن مفهوم العدالة والعقوبة لم يُلغَ في تعليمه.

الثاني عشر: هل ألغى المسيح الحرب والدفاع عن الوطن؟

من القضايا المرتبطة بهذا الموضوع سؤال آخر: هل يمنع تعليم المسيح أي استخدام للقوة العسكرية أو الدفاع عن المجتمع ضد المعتدين؟

لا يوجد في العهد الجديد تعليم يلزم الحكومات بإلغاء الدفاع العسكري.

فقد كان الله في العهد القديم يستخدم قادة مثل يشوع وداود في حروب مرتبطة بإقامة العدل والدفاع عن شعبه.

أما في العهد الجديد، فلم يقل المسيح إن كل حكومة يجب أن تتخلى عن استخدام القوة.

بل عندما تحدث عن الحرب في مثل الملك الذي يواجه ملكًا آخر قال:

«أَيُّ مَلِكٍ إِنْ ذَهَبَ لِمُحَارَبَةِ مَلِكٍ آخَرَ فِي قِتَالٍ، لاَ يَجْلِسُ أَوَّلاً وَيَتَشَاوَرُ: هَلْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُلاَقِيَ بِعَشَرَةِ آلاَفٍ الَّذِي يَأْتِي عَلَيْهِ بِعِشْرِينَ أَلْفًا؟»
لوقا 14: 31

استخدام المسيح لهذا المثال يفترض وجود واقع سياسي وعسكري، ولم يكن الهدف منه إدانة مجرد وجود الحرب كأداة للدول.

الثالث عشر: قول المسيح أمام بيلاطس لا يعني رفض كل استخدام للقوة

من النصوص المهمة في هذا الموضوع قول المسيح أمام بيلاطس:

«مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هذَا الْعَالَمِ. لَوْ كَانَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هذَا الْعَالَمِ لَكَانَ خُدَّامِي يُجَاهِدُونَ لِكَيْ لاَ أُسَلَّمَ إِلَى الْيَهُودِ.»
يوحنا 18: 36

يستخدم البعض هذا النص لإثبات أن المسيحية ترفض تمامًا أي استخدام للقوة أو السلاح.

لكن هذا ليس ما يقوله المسيح. فالمسيح لم يقل إن كل مملكة أرضية لا يحق لها استخدام القوة، بل أوضح أن مملكته الخاصة ليست مملكة سياسية أرضية في ذلك الوقت، ولذلك لم يقاتل أتباعه لمنع القبض عليه.

فلو كانت مملكة المسيح في ذلك الوقت نظامًا سياسيًا أرضيًا، لكان من الطبيعي أن يستخدم أتباعه الوسائل العسكرية للدفاع عنها. لكن لأن رسالته كانت روحية وخلاصية، فقد اختار أن يسلّم نفسه لتحقيق الفداء.

إذن النص يتحدث عن طبيعة ملكوت المسيح، وليس عن إلغاء مسؤولية الحكومات الأرضية في حماية شعوبها.

الرابع عشر: لا يوجد في العهد الجديد رفض للخدمة العسكرية كعمل مشروع

لو كان المسيح قد اعتبر العمل العسكري خطية في ذاته، لكان من الطبيعي أن يطلب من كل جندي أو قائد عسكري أن يترك وظيفته قبل أن يؤمن.

لكن هذا لا يحدث في أي موضع من العهد الجديد.

بل على العكس، عندما شفى المسيح خادم قائد المئة في كفرناحوم، امتدح إيمانه قائلًا:

«الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ، لَمْ أَجِدْ فِي إِسْرَائِيلَ إِيمَانًا بِمِقْدَارِ هذَا.»
متى 8: 10

ولم يقل له المسيح إنه يجب أن يترك منصبه العسكري حتى يصبح تابعًا له.

وكذلك قائد المئة كرنيليوس كان رجلًا عسكريًا، ومع ذلك قبله الرسول بطرس كأول المؤمنين من الأمم، ولم يُطلب منه تغيير مهنته كشرط للإيمان أو المعمودية:

«فَأَجَابَ بُطْرُسُ: أَتُرَى يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَمْنَعَ الْمَاءَ حَتَّى لاَ يَعْتَمِدَ هؤُلاَءِ الَّذِينَ أَخَذُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ كَمَا نَحْنُ أَيْضًا؟»
أعمال 10: 46-47

الخامس عشر: استخدام بولس لصورة الجندي يؤكد شرعية المهنة العسكرية

استخدم الرسول بولس صورة الجندي أكثر من مرة لشرح الالتزام والتضحية في الحياة المسيحية.

«اشْتَرِكْ أَنْتَ فِي احْتِمَالِ الْمَشَقَّاتِ كَجُنْدِيٍّ صَالِحٍ لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ. لَيْسَ أَحَدٌ وَهُوَ يَتَجَنَّدُ يَرْتَبِكُ بِأَعْمَالِ الْحَيَاةِ لِكَيْ يُرْضِيَ مَنْ جَنَّدَهُ.»
2 تيموثاوس 2: 3-4

فالرسول لم يستخدم الجندي كمثال لشيء شرير أو غير مشروع، بل استخدمه مثالًا على الانضباط والتكريس والطاعة.

كما يقول:

«مَنْ يَتَجَنَّدُ قَطُّ بِأُجْرَةٍ خَاصَّةٍ؟ مَنْ يَغْرِسُ كَرْمًا وَمِنْ ثَمَرِهِ لاَ يَأْكُلُ؟ أَوْ مَنْ يَرْعَى قَطِيعًا وَمِنْ لَبَنِ الْقَطِيعِ لاَ يَأْكُلُ؟»
1 كورنثوس 9: 7

فهو يضع الخدمة العسكرية بجانب الزراعة ورعاية الماشية كأمثلة على أعمال مشروعة.

السادس عشر: شهادة العهد القديم عن رجال الحرب المؤمنين

من الصعب التوفيق بين موقف مسالم مطلق وبين الإشادة الكبيرة التي يقدمها كاتب العبرانيين لأشخاص استخدموا القوة في سياقات الدفاع وإقامة العدل.

يقول:

«وَمَاذَا أَقُولُ أَيْضًا؟ لأَنَّهُ يُعْوِزُنِي الْوَقْتُ إِنْ أَخْبَرْتُ عَنْ جِدْعُونَ وَبَارَاقَ وَشَمْشُونَ وَيَفْتَاحَ وَدَاوُدَ وَصَمُوئِيلَ وَالأَنْبِيَاءِ، الَّذِينَ بِالإِيمَانِ قَهَرُوا مَمَالِكَ، صَنَعُوا بِرًّا، نَالُوا مَوَاعِيدَ، سَدُّوا أَفْوَاهَ أُسُودٍ، أَخْمَدُوا قُوَّةَ نَارٍ، نَجَوْا مِنْ حَدِّ السَّيْفِ، تَقَوَّوْا مِنْ ضَعْفٍ، صَارُوا أَشِدَّاءَ فِي الْحَرْبِ، هَزَمُوا جُيُوشَ أَجَانِبَ.»
عبرانيين 11: 32-34

فهؤلاء الأشخاص لم يُذكروا باعتبارهم خطاة بسبب مشاركتهم في حروب، بل ذُكروا كأمثلة على الإيمان.

ولو كان هناك «قانون مسيحي» جديد يلغي كل استخدام للقوة أو يجعل كل محارب خاطئًا لمجرد كونه جنديًا، لكان من المتوقع أن يعلن المسيح أو الرسل ذلك بوضوح. لكن لا نجد مثل هذا التعليم في العهد الجديد.

السابع عشر: لماذا لا يدعم العهد الجديد السلامية المطلقة؟

بعد دراسة كل هذه النصوص، يتضح أن موقف السلامية المطلقة، الذي يرى أن كل استخدام للقوة أو كل عقوبة جنائية أو كل عمل عسكري هو أمر مرفوض أخلاقيًا للمؤمن أو للدولة، لا يجد دعمًا واضحًا في تعليم العهد الجديد.

فالكتاب المقدس يميز بين نوعين مختلفين من المسؤولية:

  • مسؤولية الفرد المسيحي في التعامل مع الآخرين بمحبة وغفران وعدم الانتقام الشخصي.
  • مسؤولية السلطة المدنية في حماية المجتمع، وردع الشر، وإقامة العدل.

عندما قال المسيح:

«أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ.»
متى 5: 44

كان يتحدث عن قلب الإنسان المؤمن وسلوكه الشخصي، وليس عن إلغاء وظيفة القضاء أو الشرطة أو الحكومة.

وكذلك عندما قال:

«مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ فَاعْرِضْ لَهُ الآخَرَ أَيْضًا.»
متى 5: 39

فهو يعلّم المؤمن ألا يعيش بروح الانتقام والكراهية، وليس أنه يمنع الدولة من حماية الأبرياء من المعتدين.

الثامن عشر: المسيح لم يأتِ لإلغاء العدالة بل لتحقيق الخلاص

في قصة المرأة الزانية، لم يكن الهدف أن يعلن المسيح أن كل من يستحق الحكم يجب أن يُترك بلا حساب، بل أن يعلن حاجة كل إنسان إلى رحمة الله.

فالذين كانوا يمسكون بالحجارة كانوا ينظرون إلى خطية المرأة وينسون خطاياهم هم.

أما المسيح فأظهر أن المشكلة الأساسية للبشرية ليست فقط الجرائم الخارجية، بل حالة القلب الخاطئ أمام الله.

فالمرأة كانت مذنبة، والمتهمون كانوا مذنبين، والجميع يحتاجون إلى التوبة والغفران.

لكن غفران المسيح للخاطئ لا يعني أن الشر يصبح خيرًا، أو أن العدالة تصبح بلا قيمة.

فالكتاب المقدس يقدم الله باعتباره إله الرحمة والعدل معًا:

  • يرحم التائب الذي يرجع إليه.
  • ويحكم على الشر ويقيم العدل.

التاسع عشر: الفرق بين الرحمة الشخصية والعدالة العامة

الخلط بين هذين الأمرين هو السبب الرئيسي في ظهور الشبهة.

فالمسيحي كفرد مدعو إلى أن يغفر، ويترك الانتقام لله، ولا يدفع الشر بالشر.

لكن الحكومة ليست شخصًا عاديًا ينتقم لنفسه، بل هي مؤسسة أقامها الله لحماية الآخرين.

ولهذا يقول بولس:

«لِذلِكَ يَلْزَمُ أَنْ يُخْضِعَ لَهَا الْجَمِيعُ، لَيْسَ بِسَبَبِ الْغَضَبِ فَقَطْ بَلْ أَيْضًا بِسَبَبِ الضَّمِيرِ.»
رومية 13: 5

فالخضوع للسلطة المدنية جزء من النظام الذي يسمح للمجتمع أن يعيش في أمن وعدالة.

الخلاصة الدفاعية

لا يوجد تعارض بين يوحنا 8: 11 ورومية 13: 4.

في يوحنا 8 لم يعلن المسيح إلغاء عقوبة الإعدام، ولم يقل إن الجريمة لا تستحق العقاب. بل رفض أن يكون جزءًا من محاكمة غير قانونية يقودها أشخاص مذنبون يستخدمون الشريعة كأداة لإدانة الآخرين.

لقد كشف المسيح فساد المدعين، وأظهر أن الإنسان يحتاج أولًا إلى مواجهة خطيته الشخصية، ثم دعا المرأة إلى حياة جديدة قائلاً:

«اذهبي ولا تخطئي أيضًا.»

أما في رومية 13، فيوضح الرسول بولس أن الدولة تحمل مسؤولية إلهية في ردع الشر وحماية المجتمع، وأنها «لا تحمل السيف عبثًا».

إذن:

  • رحمة المسيح للخاطئ لا تلغي عدالة الله.
  • غفران المسيح للفرد لا يلغي مسؤولية الدولة.
  • رفض الانتقام الشخصي لا يعني إلغاء القضاء.
  • محبة الأعداء لا تعني ترك الأبرياء بلا حماية.

فالرسالة الكاملة للكتاب المقدس تجمع بين أمرين متكاملين: رحمة الله التي تدعو الخاطئ إلى التوبة، وعدالة الله التي تدعو المجتمع إلى مقاومة الشر وإقامة الحق.

المصدر

Archer, G. L. 1982. New International Encyclopedia of Bible Difficulties. Originally published: Encyclopedia of Bible Difficulties. Zondervan’s Understand the Bible Reference Series, pp. 371–374. Zondervan Publishing House: Grand Rapids, MI.

كيف يتوافق قول المسيح «ولا أنا أدينك» مع رومية 13: 4 بخصوص عقوبة الإعدام؟ يوحنا 8: 11 ورومية 13: 4