قد دفع كل شيء في يده – كل شيء قد دفع إليّ من أبي – شرح نصوص (يو35:3، مت27:11) للقديس أثناسيوس الرسولي

قد دفع كل شيء في يده – كل شيء قد دفع إليّ من أبي – شرح نصوص (يو35:3، مت27:11) للقديس أثناسيوس الرسولي

قد دفع كل شيء في يده – كل شيء قد دفع إليّ من أبي – شرح نصوص (يو35:3، مت27:11) للقديس أثناسيوس الرسولي

شرح نصوص (يو35:3، مت27:11)

” لأن الآب يحب الابن، وقد دفع كل شيء في يده “

” كل شيء قد دفع إليّ من أبي “

                   (35 تكملة) ـ لأن ” الآب يحب الابن، وقد دفع كل شئ في يده ” (يو35:3). و ” كل شئ قد دفع إليّ من أبي ” (مت27:11)، ” أنا لا أقدر أن أفعل من نفسي شيئًا. كما أسمع أدين ” (يو30:5)، والآيات المشابهة، لا تُظهر أن الابن لم تكن له هذه الخاصيات من قَبلْ. لأنه كيف لا تكون هذه الخاصيات التي للآب، هي أزليًا لذاك الذي هو كلمة الآب الوحيد وحكمته حسب الجوهر، وهو الذي يقول أيضًا ” كل ما هو للآب، هو لي ” (يو15:16) ” كل ما لي هو للآب ” (يو10:17)؟ لأنه إن كان كل ما للآب هو للابن، والآب له كل هذه دائمًا، فمن الواضح أن كل ما هو للابن والذي هو نفسه للآب هذا كان دائمًا موجودًا في الابن. إذًا فهو لا يقول هذه الأقوال بسبب أن هذه الخاصيات لم تكن له في وقت ما، بل لأنها كانت له أزليًا من الآب.

          36ـ ولكي لا يضّل أحد، عندما يرى أن الابن له كل ما للآبن بسبب المماثلة التامة ووحدة الذات التي له مع الآب، ويعتبر أن الابن هو الآب مثل ضلال سابيليوس[1]، لذلك فقد قال ” أُعطى لي “، “أَخَذتُ”، “دُفع إليّ”، لكي يُظهر أنه ليس هو الآب، بل كلمة الآب، الابن الأزلي، الذي بسبب مماثلته للآب، فإن ما له هو له أزليًا من الآب، وبسبب أنه الابن فإن له من الآب ما هو له أزليًا. لأن كلمات مثل: “أُعطى” و “دُفع” وما يشابها لا تقلّل من ألوهية الابن، بل بالحري تُظهره أنه الابن الحقيقي، وهذا ما يمكن أن نتعلّمه من هذه الآيات نفسها. ولأنه إن كانت كل الأشياء قد دُفعت له فهو أولاً: آخر مختلف عن كل تلك الأشياء التي أخذها وثانيًا: حيث إنه هو الوارث لكل الأشياء، فهو وحده الابن الذاتي من جوهر الآب. لأنه لو كان واحدًا من بين كل الأشياء، لما كان “ وارثًا لكل شئ ” (عب2:1). ولكن كل واحد يأخذ بحسب إرادة الآب وعطيته. ولكن الآن إذ هو الآخذ لكّل الأشياء، فهو آخر مختلف عنها كلها وهو الوحيد الذي من ذات الآب. ويمكن أن نفهم أيضًا أن تعبيرات مثل: “أُعطى” و “دُفع” لا تُظهر أن هذه الأشياء لم تكن له في وقت ما. هذا ما يمكن أن نستنتجه من آية مشابهة وبطريقة مماثلة بخصوص كل الأشياء. فالمخلّص نفسه يقول: ” لأنه كما أن الآب له حيوة في ذاته كذلك أعطى الابن أيضًا أن تكون له حياة في ذاته ” (يو26:5). والآن بقوله قد “أُعطى” هو يعني أنه ليس هو الآب. ولكن بقوله “كذلك” يظهر مماثلة الابن الطبيعية والذاتية للآب، فلو أن الآب في وقت ما لم تكن له حياة، فمن الواضح أن الابن أيضًا لم تكن له حياة في وقت ما، لأنه كما يكون للآب، كذلك يكون للابن أيضًا.

          ولكن إن كان من الكُفر أن يُقال هذا، فبالحري يكون من التقوى أن يقال إن الآب له ” الحياة” دائمًا وعندئذٍ حينما يقول الابن ” كما أن الآب له، كذلك أيضًا يكون للابن “، ألا يكون غريبًا أنهم يقولون إن ” الابن ليس له كذلك ” بل هو غير ذلك؟ ولكن الكلمة بالحري هو صادق وكل الأشياء التي يقول إنه قد أخذها، هي له دائمًا، وهي له من الآب.

          والآب ليس من أحد، ولكن الابن هو من الآب، لأنه كما في حالة الشعاع، إن كان الشعاع نفسه يقول: ” النور قد أعطاني أن أضيئ كل الأمكنة، وأنا لست أضيئ من نفسي، بل كما يريد النور ” ومع هذا فبقوله هذا هو لا يعني أنه في وقت ما لم يكن يضيئ، بل هو يعني أنني خاص بالنور وكل ما للنور هو لي “. هكذا، بل وأكثر من ذلك ينبغي أن نفكر عن الابن، لأن الآب إذ قد أعطى كل شئ للابن فلا يزال الآب له كل الأشياء في الابن، وطالما أن هذه الأشياء هي للابن فهي لا تزال للآب أيضًا لأن ألوهية الابن، هي ألوهية الآب، وهكذا فإن الآب يمارس أعمال عنايته بكل الأشياء في الابن.

          37ـ وإذ أن هذا هو معنى هذه الأقوال التي تتحدّث بشريًا عن المخلّص، فإن لها أيضًا معاني إيمانية ولأجل هذا الغرض قد فحصنا سابقًا هذه الأقوال، حتى إذا سمعناه يسأل أين وُضِعَ لعازر؟ (انظر يو34:11)، أو حينما يسأل عند مجيئه إلى نواحي قيصرية ” مَن يقول الناس إني أنا ” (مت13:16)، أو عندما طلب أن يعرف قائلاً ” كم رغيفًا عندكم “؟ (مر38:6)، و ” ماذا تريدان أن أفعل بكما “؟ (مت32:20)؛ يمكننا عندئذٍ أن نفهم مما سبق وقلناه، المعنى المستقيم لهذه الأقوال، ولا نعثر مثل الآريوسيين أعداء المسيح. إذًا ينبغي أولاً أن نسأل الجاحدين، لماذا يظنون أنه يجهل؟ لأن مَنْ يسأل فهو لا يسأل بالضرورة بسبب أنه يجهل، بل من الممكن أن ذلك الذي يعرف يسأل بخصوص الأمور التي يعرفها. وبالتأكيد فإن يوحنا كان يعرف أن المسيح حينما سأل فيلبس عن عدد الأرغفة لم يكن يجهل ما يسأل عنه لأنه يقول ” وإنما قال هذا ليمتحنه لأنه هو عَلِمَ ما هو مزمع أن يفعل ” (يو6:6). وطالما عرف ما هو مزمع أن يفعله، لذلك فهو لا يسأل عن جهل ولكنه يسأل عن معرفة. ويمكننا من هذه الحالة أن نفهم الحالات المماثلة. إذًا فحينما يسأل الرب، أين وُضِعَ لعازر فهو لا يسأل عن جهل. ولا أيضًا يسأل عن جهل “من يقول الناس أنه هو”، وإذ هو يعرف الأمر الذي يسأل عنه، فهو يعرف ما هو مزمع أن يفعل. وهكذا بسهولة تبطل حجة أولئك. ولكن إن ظلّوا مصّرين على التمسّك بنقطة أنه يسأل، إذًا فينبغي أن نخبرهم أنه ليس هناك جهل في اللاهوت، ولكن عدم المعرفة هو من خصائص الطبيعة البشريَّة كما سبق أن قلنا. ولكي يتضّح أن هذا الأمر هو حقيقي، فلنلاحظ كيف أن الرب الذي سأل، أين وضع لعازر، هو نفسه ـ وهو لم يكن بعد حاضرًا في الموضع بل كان بعيدًا ـ قال “ لعازر قد مات ” (يو14:11). وعرف المكان الذي دفن فيه. فكيف يكون ذلك الذي يعتبرونه جاهلاً، هو نفسه الذي سبق فعرف أفكار تلاميذه، وكان يعرف ما في قلب كل واحد، ويعرف ما كان في الإنسان (يو25:2) وما هو أكثر من ذلك فهو وحده الذي يعرف الآب ويقول ” أنا في الآب والآب فيّ ” (يو10:14).

          38ـ إذًا فهذا واضح لكل واحد، أن الجسد هو الذي يجهل، أما الكلمة نفسه باعتباره الكلمة، فهو يعرف كل الأشياء حتى قبل أن توجد لأنه حينما صار إنسانًا. لم يكف عن أن يكون هو الله، ولا بسبب كونه الله، يتجنب ما هو خاص بالإنسان، حاشا بل بالحرى إذ هو الله فقد أخذ الجسد لنفسه، وبوجوده في الجسد فإنه يؤلّه الجسد[2]. وفي الحقيقة فإنه كما سأل أسئلة بالجسد هكذا أيضًا بالجسد أقام الموتى، وأظهر للكل أنه هو الذي يُحيي الموتى ويستدعى النفس مرّة ثانية، وأكثر من هذا جدًا فهو يعرف خفايا الكل، فهو عَرِفَ أين وُضِعَ لعازر، ومع ذلك سأل. وهو فعل هذا لأنه وهو كلمة الله الكلّي القداسة والذي احتمل كل الأشياء لأجلنا هكذا احتمل جهلنا، لكي يمنحنا المعرفة الخاصة بأبيه الوحيد الحقيقي، والخاصة به هو نفسه الذي أُرسِلَ لأجلنا ولأجل خلاص الجميع. ولا يمكن أن تكون هناك نعمة أعظم من هذه. إذًا فحينما يستعمل المخلّص الكلمات التي يتعلّلون بها مثل “دُفع إليّ كل سلطان”، و”مجّد ابنك”، وقول بطرس إنه قد أعطى له سلطان (انظر أع38:10)، فنحن نفهم كل هذه الآيات بنفس المعنى أي أنها ينبغي أن تُفهم إنسانيًا، لأنه بسبب الجسد قال كل هذا. فهو رغم أنه ليس محتاجًا، إلاّ أنه يقال عنه إن ما أخذه قد أخذه إنسانيًا، وأيضًا لكي تبقى هذه النعمة مضمونة مادام الرب نفسه قد أخذها لأن الإنسان المجرد حينما يأخذ، فهو معرّض لأن يفقد أيضًا كما ظهر في حالة “آدم” لأنه أخذ وفقد. ولكن لكي تبقى النعمة غير متغيّرة وغير قابلة للضياع وتظل محفوظة للبشر بشكل أكيد، لذلك فهو يمتلك العطيّة لنفسه ولهذا يقول إنه أخذ سلطانًا كإنسان، وهو السلطان الذي كان له دائمًا كإله. ويقول “مجدني”، وهو الذي يمجّد الآخرين لكي يُظهِر أن له جسدًا يحتاج لهذه الأمور. إذ أنه بإتخاذه الجسد صار إنسانًا، لذلك فحينما ينال الجسد هذه الأمور يقال إنه هو نفسه ينالها لأن الجسد هو جسده.

          39ـ إذًا فكما قلت سابقًا (مرّات عديدة) لو أن الكلمة لم يكن قد صار إنسانًا، لكان يمكن عندئذٍ أن تنسبوا للكلمة ـ كما ترغبون أنتم ـ      أنه يأخذ، وأنه يحتاج للمجد وأنه يجهل. ولكن إن كان الكلمة قد صار إنسانًا (وهو قد صار فعلاً)، وأن الأَخذْ والاحتياج، وعدم المعرفة هي خاصة بالإنسان، فلماذا نعتبر المُعطي كأنه يأخذ والذي يهب الآخرين لماذا نظن أنه في احتياج، ولماذا نفصل الكلمة عن الآب كأنه غير كامل ومحتاج، وننزع النعمة عن الطبيعة البشرية؟ لأنه لو كان الكلمة نفسه، باعتباره الكلمة، قد أَخَذَ وتمجّد، لأجل نفسه، ولو كان هو بحسب لاهوته، هو نفسه الذي قُدّس وأُقيم ثانية، فأي رجاء يكون للبشر عندئذٍ؟ لأنهم كانوا سيظلون، كما كانوا عرايا وتعساء، ومائتين وليس لهم أي انتفاع إطلاقًا من الأمور التي أُعطيت للابن. وأيضًا لماذا جاء الكلمة بيننا وصار جسدًا؟ إن كان قد جاء لكي يأخذ هذه الأمور، التي يقول إنه قد أخذها، وأنه كان بدونها قبل ذلك، فبالضرورة كان يجب أن يكون هو نفسه مديونًا بالشكر للجسد، لأنه حينما جاء في الجسد، أخذ عندئذٍ هذه الأمور من الآب، تلك الأمور التي لم تكن له قبل مجيئه في الجسد. وعلى هذا الأساس يظهر أنه هو بالحري الذي ارتقى بسبب الجسد وليس الجسد هو الذي ارتقى بسببه. ولكن هذه الفكرة هي فكرة يهودية. ولكن إن كان الكلمة قد جاء بيننا لكي يفدي جنس البشر، وإن كان الكلمة قد صار جسدًا لكي يقدّس البشر ويؤلههم[3]. (وهو لهذه الغاية قد جاء فعلاً). فلِمَنْ لا يكون واضحًا عندئذٍ أن ما يقول الرب إنه أخذه حينما صار جسدًا، فهو لم يأخذه لأجل نفسه، لكن لأجل الجسد، لأن العطايا المعطاة بواسطته من الآب تختص بالجسد ولقد كان متحدًا بهذا الجسد عندما نطق بهذه الأمور. إذًا دعونا نرى ما هي الأمور التي طلبها، وما هي تلك الأمور التي قال هو أنه قد أخذها، لعل أولئك أيضًا ـ بهذه الطريقة ـ يفيقون من غفلتهم. إذًا فهو طلب المجد ومع ذلك قال ” كل شئ دفع إليّ ” (لو22:10). وبعد القيامة يقول إنه ” قد نال كل سلطان ” (مت18:28). ولكن حتى قبل أن يقول، كل شئ دفع إليّ، كان هو رب كل شئ ” لأن كل شئ به كان ” (يو3:1) وأيضًا ” يوجد رب واحد، الذي به كل الأشياء ” (1كو6:8). وحينما طلب المجد، كان هو كما هو “رب المجد” كما يقول بولس ” لأنهم لو عرفوا لما صلبوا رب المجد .. ” (1كو18:2)، إذ هو يملك ذلك المجد الذي طَلَبَه حينما قال ” المجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم ” (يو5:17).

          40ـ وأيضًا السلطان الذي قال إنه أَخَذَه بعد القيامة، هذا كان له قبل أن يأخذه أي قبل القيامة، لأنه هو نفسه انتهر الشيطان قائلاً ” اذهب خلفي يا شيطان ” (مت10:4) كما أنه أعطى للتلاميذ سلطانًا على الشيطان (انظر لو19:10). ولذا فعند عودتهم قال ” رأيت الشيطان ساقطًا مثل البرق من السماء ” (لو18:10). ويتضح أيضًا أن ما قال إنه قد أَخَذَه، هذا كان له قبل أن يأخذه، وذلك من طرده للشياطين ومن حَلِّهِ للذين ربطهم الشيطان كما فعل في حالة ابنه إبراهيم (انظر لو16:3).

          ويتضّح أيضًا من غفرانه للخطايا بقوله للمفلوج، وللمرأة التي غسلت قدميه: ” مغفورة لك خطاياك ” (مت5:9، لو48:7). كما يتضح أيضًا من إقامته للموتى، وإعادة البصر للمولود أعمى، واهبًا له أن يرى. وكل هذه قد فعلها لا منتظرًا أن يأخذ “سلطانًا” بل لأنه يملك السلطان. وقد صار واضحًا من كل هذا أن ما كان له بكونه هو الكلمة فهذا يقول عنه إنه أَخَذَه إنسانيًًا حينما صار إنسانًا وقام من الموت. وذلك لكي يصير البشر على الأرض، عن طريقة شركاء للطبيعة الإلهية[4]، ويكون لهم سلطان على الأرواح الشريرة. أما في السماوات فإنهم يملكون إلى الأبد لأنهم قد تحرّروا من الفساد. وهكذا فينبغي أن نعرف تمامًا، أنه ليس شئ مما قال إنه أَخَذَه، قد أَخَذَه كأنه لم يكن له قبلاً. لأن الكلمة لكونه هو الله كانت له هذه الأشياء دائمًا. أما في هذه الآيات فيقال إنه قد أَخَذَ إنسانيًا، ولذلك فعندما يأخذ الجسد فيه، فإن ما أخذه يبقى مضمونًا لنا لأن ما قاله بطرس إنه “أخذ من الله كرامة .. ومجدًا .. ” ” وملائكة مخضعة له ” (2بط17:1، 1بط22:3) له هذا المعنى. فإن الرب سأل بسبب كونه إنسانًا، وأقام لعازر لكونه هو الله. هكذا فإن كلمة “أخذ” تتحدّث عنه إنسانيًا، بينما خضوع الملائكة يوضّح ألوهية الكلمة.

          41ـ كفوا إذًا يا أعداء الله، ولا تحقّروا الكلمة ولا تجرّدوه من الألوهية التي هي نفس ألوهية الآب أيضًا لأنه إنسانيًا احتاج أو كأنه كان يجهل، لئلا تقذفوا المسيح بمجادلاتكم كما فعل اليهود عندما رجموه لأن هذه الأمور لا تخص الكلمة لكونه هو الله الكلمة، بل هي تخص البشر. كما فعل حينما بصق، وحينما مدّ يده، وحينما دعا لعازر، فنحن لا نقول إن هذه الأعمال الباهرة كانت بشرية، ورغم أنها تمت بواسطة الجسد، بل كانت أعمالاً خاصة بالله. وهكذا أيضًا رغم أن الأمور البشرية تنسب في الإنجيل للمخلّص إلاّ أننا يجب أن ننظر إلى طبيعة الأمور التي تقال إنها غريبة عن الله، ولا ينبغي أن ننسبها إلى ألوهية الكلمة بل إلى ناسوته. لأنه رغم أن الكلمة صار جسدًا، إلاّ أن الجسد له الآلام الخاصة به. ورغم أن الجسد محمول إلهيًا في الكلمة لكن النعمة والقوة هي خاصة بالكلمة. إذًا فقد عمل أعمال الآب بالجسد، ومن الجهة المقابلة حقًا فإن آلام الجسد قد ظهرت فيه أيضًا. فمثلاً طلب أن يعرف وأقام لعازر. منع أمه قائلاً ” لم تأتِ ساعتي بعد ” (يو4:2). ثم بعد ذلك مباشرةً حوّل الماء خمرًا لأنه كان إلهًا حقيقيًا في الجسد، وكان جسدًا حقيقيًا في الكلمة. لذلك فمن أعماله أعلن نفسه أنه ابن الله كما أعلن أباه أيضًا. ومن آلام الجسد أظهر أنه اتخذ جسدًا حقيقيًا وأن الجسد كان جسده الخاص[5].

1 انظر هامش 10 ص15.

2 كثيرًا ما يكرر القديس أثناسيوس وغيره من آباء الكنيسة هذه العبارة، لكنهم لم يقصدوا بالطبع أن الناسوت (أى الجسد) قد تلاشى أو ذاب في اللاهوت، بل أن الجسد قد تمجّد بالمجد الإلهي.

3 انظر هامش رقم 27 ص50.

4 انظر 2بط4:1.

5 هنا يلخص ق. أثناسيوس ما سبق أن تحدث عنه في الفصول 32، 35.

قد دفع كل شيء في يده – كل شيء قد دفع إليّ من أبي – شرح نصوص (يو35:3، مت27:11) للقديس أثناسيوس الرسولي

أنا في الآب والآب فيّ – شرح نص يو10:14 للقديس أثناسيوس الرسولي

أنا في الآب والآب فيّ – شرح نص يو10:14 للقديس أثناسيوس الرسولي

أنا في الآب والآب فيّ – شرح نص يو10:14 للقديس أثناسيوس الرسولي

          1ـ يبدو أن الآريوسيين[1] المهووسين إذ قد قرروا أن يقبلوا آراء آريوس ويحتضنوها وأن يصيروا مقاومين للحق ومخالفين له فإنهم يسعون بإصرار لكي يجعلوا كلمات الكتاب: ” عندما يصل الشرير إلى عمق الشر يسلك باحتقار ” (أم3:18س) تنطبق عليهم. فهم لا يتوقفون عندما ندحض ضلالهم، ولا يخجلون من جراء شكوكهم، فإنهم في كفرهم، لا يخجلون أمام جميع الناس (انظر إر3:3).

          لأنهم في كل مرة يستشهدون بالنصوص الآتية ” الرب خلقني” (أم22:8)[2]، “ صائرًا أعظم من الملائكة ” (عب4:1)[3]، “والبكر” (رو29:8، كو15:1)[4] و ” كونه أمينًا للذي أقامه ” (عب2:3)[5] على أنها تبرر تعاليمهم مع أن لها تفسيرًا مستقيمًا وتثبت تقوانا من جهة المسيح، فأنا لا أفهم كيف لا يزال هؤلاء الناس ـ بتأثير سم الحيّة ـ لا يبصرون ما ينبغي أن يبصروه ولا يفهمون ما يقرأونه وكأنهم إذ يتقيأون من عمق قلبهم عديم التقوى، فإنهم بدأوا يحرّفون معنى كلمات الرب: ” أنا في الآب والآب فيّ ” (يو10:14)، قائلين ” كيف يمكن أن يَحتَوى الواحد الآخر والآخر يُحتَوى في الأول “؟ أو كيف يمكن أن يُحتَوى الآب الذي هو أعظم، في الابن الذي هو أصغر منه”؟ أو أي غرابة أن يكون الابن في الآب، طالما أنه مكتوب عنا نحن أيضًا ” به نحيا ونتحرك ونوجد ” (أع17، 28).

          هذه الضلالة في التفكير ناتجة عن إنحراف ذهنهم، فهم يظنون أن الله مادي، ولا يعرفون من هو ” الآب الحقيقي ” ولا من هو الابن الحقيقي “، ولا ما هو ” النور غير المنظور والأزلي “، وشعاعه غير المنظور، ولا يفهمون ما هو الكيان غير المنظور والرسم غير المادي، و الصورة غير المادية “[6].

          لأنهم لو عرفوا، لما جدّفوا على رب المجد ولا سخروا منه، ولما فسروا الأمور غير المادية بطريقة مادية، ولما حرّفوا الكلمات المستقيمة.

          فقد كان يكفي عند سماعهم كلمات الرب أن يؤمنوا بها حيث إن الإيمان البسيط هو أفضل من الاحتمالات[7] التي يفترضونها هم بفضولهم.

          ولكن حيث إنهم قد حاولوا تشويه هذه الآيات لخدمة هرطقتهم فقد أصبح من الضروري أن نفند ضلالهم، من ناحية، وأن نوضّح المعنى الحقيقي للآيات من ناحية أخرى، وذلك لأجل سلام المؤمنين وحفظهم. لأنه عندما يقول ” أنا في الآب والآب فيّ ” فهذا لا يعني كما يظن هؤلاء أن الواحد يفرّغ ذاته في الآخر ليملأ الواحد منهما الآخر، كما يحدث في الأواني الفارغة، حتى أن الابن يملأ فراغ الآب، والآب فراغ الابن، وكأن كلا منهما ليس تامًا ولا كاملاً في ذاته، فهذه هي خاصية الأجساد. لأن مجرد ذكر مثل هذا القول، هو أكثر من الكفر لأن الآب هو تام وكامل، والابن كذلك هو ملء اللاهوت. وما يحدث مع القديسين عندما يحلّ الله فيهم، ويقويهم، هذا لا يحدث في حالة الابن، إذ هو قوة الآب وحكمته. فالمخلوقات باشتراكها في الابن، تتقدّس في الروح، أما الابن نفسه فهو ليس ابنًا بالمشاركة، بل هو المولود الذاتي للآب.

          لأنه هو الحياة التي تأتي من الآب كما من نبع، وكل الأشياء تحيا وتقوم على هذه الحياة. لأن الحياة لا تحيا من حياة أخرى وإلاّ فهي لا تكون عندئذٍ حياة، لكن الابن بالحرى هو الذي يعطي حياة لكل الأشياء.

          2ـ دعونا نفحص إذًا ما يقوله السفسطائي أستيريوس[8]، المدافع عن الهرطقة فهو إذ يتمّثل باليهود يكتب ما يلي: [ إنه واضح جدًا أنه قد قال: أنا في الآب والآب أيضًا فيّ، لهذا السبب فلا الكلمة التي كان يقولها هي كلمته بل كلمة الآب، ولا الأعمال هي خاصة به بل خاصة بالآب، الذي أعطاه القوة ]. فلو كان (استيريوس) الذي قال هذا القول هو طفل صغير لالتمسنا له العذر بسبب صِغر سنه، ولكن لأن مَنْ كتب هذا يسمى حكيمًا ويزعم أن له معرفة كبيرة فكم يكون مقدار اللوم الذي يستحقه؟ ألا يثبت استيريوس نفسه أنه غريبٌ تمامًا عن الرسول طالما هو ينتفخ بكلام الحكمة الإنسانية المقنع (1كو4:2)، ويظن بهذا أنه يستطيع أن ينجح في خداعه، بينما هو لا يفهم ما يقوله. ولا ما يقرّره؟ (انظر 1تيمو7:1). لأن ما قد قاله الابن هو خاص فقط بمن هو ابن ولائق به، فهو كلمة جوهر الآب وحكمته وصورته. وهذا الذي قاله الابن، يجعله استيريوس خاصًا أيضًا بكل المخلوقات ومشتركًا بين الابن والمخلوقات. ويقول هذا المخالف إن الذي هو قوّة الآب، ينال قوّة، ويواصل كُفرَه فيقول إن الابن صار ابنًا[9]. فيقول إن الابن صار ابنًا في الابن وأن الكلمة أخذ سلطان الكلمة. وأيضًا إن الابن لم يكن يريد أن يتكلّم بما تكلّم به عن نفسه على أنه ابن، بل يكون هو الآخر قد تعلّمه، ويكون استريوس بهذا قد وضع الابن مع بقية المخلوقات من جهة التعلّم. لأنه لو أن الابن قد قال هذه الكلمات: “ أنا في الآب والآب فيّ ” كي يبيّن أن الكلمات التي يقولها والأعمال التي يعملها لم تكن له بل للآب، سيكون كداود الذي قال ” إني سأسمع ما يتكلّم به الرب الإله ” (مز8:84س) وكسليمان الذي قال ” كلماتي قد قيلت من الله ” (انظر 1مل24:10س) وأيضًا كموسى الذي كان خادمًا لأقوال الله. لأن كل واحد من هؤلاء الأنبياء لم يتكلّم مما له بل مما أخذه من الله قائلين: ” هكذا يقول الرب “. وحيث إن الأعمال التي عملها القديسون كما اعترفوا هم أنفسهم لم تكن أعمالهم الخاصة بل أعمال الله الذي أعطاهم القوة، فإيليا وإليشع مثلاً يطلبان إلى الله أن يقيم هو الأموات. وعندما طهّر إليشع نعمان من البرص قال له  ” لكي تعرف أنه يوجد إله في إسرائيل ” (انظر 2مل15:5)، وصموئيل أيضًا صلّى في أيام الحصاد لكي يُرسِل الله المطر. والرسل قالوا إنهم يصنعون العجائب لا بقوتهم الخاصة بل بنعمة الرب.

          فمن الواضح إذًا أنه بحسب استيريوس أن هذه الآية عامةً للكّل حيث يستطيع أي واحد من الكّل أن يقول ” أنا في الآب والآب فيّ “، وتبعًا لذلك فلا يكون بعد ابن واحد لله وهو الكلمة وهو الحكمة بل يكون مثل الآخرين واحدًا بين كثيرين.

          3ـ لكن لو كان الرب كذلك لما كانت كلماته هي ” أنا في الآب والآب فيّ، بل بالأحرى كان قد قال ” أنا أيضًا في الآب والآب فيّ “، لكي لا يكون له أي شئ خاص به أو مميز به كابن عن الآب، بل يكون له نفس النعمة المشتركة مع جميع المخلوقات. ولكن الأمر ليس كذلك، كما يظن هؤلاء. وإذ هم لا يفهمون أنه ابن حقيقي من الآب فإنهم يفترون عليه، الذي هو الابن الحقيقي والذي يليق به وحده أن يقول ” أنا في الآب والآب فيّ “. لأن الابن هو في الآب ـ بحسب ما يُسمَح لنا أن نعرف ـ لأن كل كيان الابن هو من جوهر الآب ذاته. كمثل الشعاع من النور، والنهر من الينبوع. حتى أن مَن يرى الابن يرى ما هو خاص بالآب، ويعرف أنه بسبب أن كيان الابن هو من الآب لذلك فهو في الآب. لأن الآب هو في الابن حيث إن الابن هو من الآب وخاص به مثلما أن الشعاع هو من الشمس، والكلمة هي من العقل والنهر من الينبوع. ولذلك فإن مَن يرى الابن، ويرى ما هو خاص بجوهر الآب، يدرك أن الآب هو في الابن. وحيث إن ذات الآب وألوهيته هي كيان الابن، لذلك فإن الابن هو في الآب والآب في الابن. لهذا السبب كان من الصواب أن يقول أولاً: ” أنا والآب واحد ” (يو30:10)، وبعد ذلك يضيف ” أنا في الآب والآب فيّ” (يو30:14) لكي يوضّح وحدانية الألوهية من ناحية ووحدة الجوهر من الناحية الأخرى.

          4ـ إذًا فهما واحد، ولكن ليس مثل الواحد الذي يمكن أن ينقسم إلى جزئين، كما أنهما ليسا مثل الواحد الذي يسمى باسمين، فمرّة يسمى الآب ومرة أخرى يسمى هو نفسه ابنه الذاتي، فهذا ما قال به سابيليوس[10] وبسببه حُكِمَ عليه كهرطوقي.

          لكن هما اثنان لأن الآب هو الآب ولا يكون هو نفسه ابنًا أيضًا، والابن هو ابن ولا يكون هو نفسه آبًا أيضًا. لكن الطبيعة هي واحدة، لأن المولود لا يكون غير مشابه لوالده لأنه هو صورته[11]، وكل ما هو للآب هو للابن (انظر يو15:16). ولهذا فالابن ليس إلهًا آخرًا، لأنه لم ينشأ من خارج (الآب) وإلاّ فسيكون هناك آلهة كثيرون لو أن إلهًا نشأ غريبًا عن ألوهية الآب. لأنه رغم أن الابن كمولود هو متمايز عن الآب إلاّ أنه بكونه إلهًا هو كالآب تمامًا. فهو والآب كلاهما واحد من جهة الذات الواحدة والطبيعة الواحدة والألوهية الواحدة. وكما سبق أن قلنا حيث إن الشعاع هو النور وليس في المرتبة الثانية بعد الشمس، ولا هو نور آخر، ولا هو ناتج من المشاركة مع النور، بل هو مولود كلّي وذاتي من النور ومثل هذا المولود هو بالضرورة نور واحد ولا يستطيع أحد أن يقول إنه يوجد نوران، فرغم أن الشمس والشعاع هما اثنان إلاّ أن نور الشمس الذي ينير بشعاعه كل الأشياء، هو واحد.

          هكذا أيضًا ألوهية الابن هي ألوهية الآب، ولهذا أيضًا فهي غير قابلة للتجزئة، ولذا فإنه يوجد إله واحد وليس آخر سواه. وهكذا حيث إنهما واحد، والألوهية نفسها واحدة، فكل ما يقال عن الآب يقال أيضًا عن الابن ما عدا أن يُلقّب بالآب. فمثلاً يقال عن الابن ـ كما يقال عن الآب ـ إنه هو الله، وكما جاء في (يو1:1) ” وكان الكلمة الله “، وإنه ضابط الكل. وهذا ما توضّحه الآيات فهو ” الذي كان والكائن والذي يأتي الضابط الكل ” (رؤ8:1). وهو “الرب”، كما أن هناك ” رب واحد، يسوع واحد ” (1كو6:8). وأنه هو النور كما قال عن نفسه ” أنا هو النور ” (يو12:8). وأنه يمحو الخطايا كما خاطب اليهود ” لكي تعلموا أن لابن الإنسان سلطانًا على الأرض أن يغفر الخطايا ” (لو24:5)، ويمكنك أن تجد أقوال أخرى كثيرة. لأن الابن نفسه يقول ” كل ما للآب هو لي ” (يو15:16). وأيضًا يقول ” وكل مالي فهو لك ” (يو10:17).

          5ـ إن مَنْ يسمع تلك الأقوال التي تقال عن الآب سيرى أنها تقال أيضًا عن الابن. كما أنه سيدرك أن الابن في الآب عندما يكون ما يقال عن الابن، يقال هو نفسه عن الآب. ولماذا يكون ما يقال عن الآب هو نفسه ما يقال عن الابن إلاّ لأن الابن هو مولود من جوهر الآب؟ ولأن الابن مولود من جوهر الآب، لهذا يحق له أن يقول إن خصائص الآب هي خصائصه أيضًا، لذلك فبطريقة مناسبة ومتوافقة مع قوله ” أنا والآب واحد ” (يو35:10)، يضيف قائلاً: ” لكي تعلموا أني أنا في الآب والآب فيّ ” (يو38:10).

          وأكثر من ذلك فقد أضاف مرّة أخرى ” مَن رآني فقد ر أي الآب ” (يو9:14). وفي هذه الأقوال الثلاثة يوجد نفس هذا المعنى الواحد. فالذي يدرك هذا المعنى أي أن الابن والآب هما واحد يعرف جيدًا أن الابن هو في الآب والآب في الابن، لأن ألوهية الابن هي ألوهية الآب، وهذه الألوهية هي في الابن، ومن يدرك هذا، فإنه يقتنع أن ” من ر أي الابن فقد ر أي الآب “، لأن ألوهية الآب تُرى في الابن.

          وهذا ما يمكن أن نفهمه من مثال صورة الملك[12]، حيث يوجد شكل الملك وهيئته في الصورة، والهيئة التي في الصورة هي التي للملك، لأن ملامح الملك في الصورة، هي مثله تمامًا حتى أن من ينظر إلى الصورة يرى الملك فيها، وأيضًا مَن يرى الملك، يدرك أنه هو نفسه الذي في الصورة. وبسبب عدم اختلاف الملامح، فإن مَن يريد أن يرى الملك بعد أن يكون قد ر أي الصورة،فكأن الصورة يمكن أن تقول له: ” أنا والملك واحد “، لأني أنا في المُلك والمٌلك فيّ، وما تراه أنت فيَّ هذا تراه فيه، وما قد رأيته فيه تراه فيَّ. وتبعًا لذلك فمن يسجد للصورة فهو يسجد للمك أيضًا من خلالها، لأن الصورة لها شكله وهيئته. إذًا بما أن الابن أيضًا هو صورة الآب فينبغي أن يكون مفهومًا بالضرورة أن ألوهية الآب هي كينونة الابن وهذا هو ما قيل عنه ” الذي إذ كان في صورة الله ” (في6:2)، و  ” الآب فيَّ ” (يو10:14).

          6ـ وصورة الألوهية ليست جزءً من كلٍ، بل إن ملء ألوهية الآب هو كيان الابن، فالابن هو إله كامل. لذلك أيضًا إذ هو مساوٍ لله، فإنه ” لم يحسب المساواة بالله اختطافا ” (انظر في6:2). وأيضًا حيث إن ألوهية الابن وصورته ليست شيئًا آخر غير ألوهية الآب لذا يقول “أنا في الآب”. لذلك ” كان الله في المسيح مصالحًا العالم لنفسه ” (2كو19:5). لأن الابن هو من ذات جوهر الآب، وبواسطة الابن تصالحت الخليقة مع الله. وهكذا فالأعمال التي عملها الابن هي أعمال الآب لأن الابن هو صورة ألوهية الآب الذي به عُملت الأعمال. ولذا فمن ينظر إلى الابن يرى الآب لأن الابن يوجد ويرى داخل ألوهية الآب. وصورة الآب التي في الابن تُظهر الآب الكائن فيه. ولذلك فالآب هو في الابن. وهكذا فإن ألوهية الآب والخاصية الذاتية لأبوّة الآب للابن، تُرينا أن الابن هو في الآب، وتوضح أنه أزليًا غير منفصل عنه. وأيضًا فمن يسمع ويرى أن ما يقال عن الآب يقال أيضًا عن الابن ويدرك أن هذه الخصائص لم تتراكم لاحقًا مضافة إلى جوهر الابن بالنعمة أو بالمشاركة، بل لأن كيان الابن هو مولود من ذات جوهر الآب، عندئذٍ سوف يفهم حسنًا الآيات ” أنا في الآب والآب فيّ ” وأيضًا ” أنا والآب واحد “.

          إذًا فالابن هو كالآب تمامًا لأن له كل ما هو للآب. لذلك فعندما يُذكر الآب يشار ضمنًا أيضًا إلى الابن معه. لأنه إن لم يكن هناك ابن فلا يستطيع أحد أن يقول إن هناك آب. بينما حينما ندعو الله صانعًا فهذا ليس بالضرورة إعلانًا منا أن مصنوعاته قد أتت إلى الوجود، لأن الصانع موجود قبل وجود مصنوعاته ولكن حينما ندعو الله أبًا فنحن نعني في الحال وجود الابن. لذلك فمَن يؤمن بالابن يؤمن بالآب أيضًا. لأنه يؤمن بمَن هو من جوهر الآب ذاته. وهكذا يكون إيمان واحد بإله واحد. ومن يسجد للابن ويكّرمه، فهو ـ في الابن ـ يسجد للآب ويكّرمه. إذ أن الألوهية هي واحدة، ولذلك فالإكرام والسجود اللذان يقدمان إلى الآب في الابن وبه، هما واحد. ولهذا فالذي يسجد إنما يسجد لإله واحد، لأنه يوجد إله واحد وليس آخر سواه. ولذلك فحينما يسمّى الآب بأنه الإله الوحيد، كما هو مكتوب ” ويوجد إله واحد ” (مر29:12)، ” وأنا هو ـ أنا أكون ” (خر14:3)، وأيضًا ” ليس إله معي ” (تث39:32)، ” أنا الأول وأنا الآخر” (إش6:44)، يكون كل هذا بالصواب قد كُتب. لأن الله واحد وهو الوحيد وهو الأول، ولكن هذا لا يقال بقصد إنكار وجود الابن، حاشا، لأن الابن هو في ذلك الواحد والوحيد والأول، لكونه الكلمة الوحيد والحكمة والشعاع الذي من ذاك الواحد والوحيد والأول.

          فالابن أيضًا هو الأول إذ هو ملء لاهوت الأول والوحيد. إذ هو إله كامل وتام. فهذه الأقوال التي أشرنا إليها عن ” الإله الواحد والوحيد والأول ” لم تُقَل لاستبعاد الابن، بل لكي تستبعد أنه يوجد إله آخر غير الآب وكلمته. هذا هو إذًا معنى كلام النبي وهو واضح وظاهر للكل.

 

 

1 الآريوسيين: هم أتباع آريوس الذين كانوا يؤمنون وينادون بتعاليمه. وكثيرًا ما استخدم آباء الكنيسة هذا اللقب لوصف هؤلاء الأتباع فبخلاف القديس أثناسيوس نجد أن القديس ابيفانيوس أسقف قبرص على سبيل المثال قد أطلق عليهم هذه الصفة (المهووسين) (انظر ضد الهرطقات 2:2، ضد الآريوسيين المهووسين 13، 3 PG 42.201,220,401

2 انظر المقالة الثانية فصل 19. الترجمة العربية ص72.

3 انظر المقالة الأولى فصل 13 الترجمة العربية ص98.

4 انظر المقالة الثانية فصل 21 الترجمة العربية ص99.

5 انظر المقالة الثانية فصل 4 الترجمة العربية ص9.

6 انظر عب3:1 الذي يصف الابن قائلاً: ” الذي وهو بهاء مجده ورسم جوهره … “.

7 أى استخدام أدلة محتملة الحدوث بدلاً من الإثباتات.

8 أحد أتباع آريوس وتلاميذه.

9 خلاصة فكر استيريوس أن الابن ليس من جوهر الآب ولذلك فهو يقول عن الابن إنه ينال القوة من الله مثل باقي المخلوقات وليس هو قوة الله ذاتها كذلك أن الابن ليس ابنًا لله بالطبيعة بل هو يصير ابنًا بالتبني مثل باقي المخلوقات ـ وهذا هو معنى كلمة “في ابن” أى لم يكن هو ابنًا لله أصلاً وكذلك لا يكون الابن هو كلمة الله بالطبيعة بل يأخذ سلطان الكلمة مثل الأنبياء الذين أتت إليهم كلمة الله وهم مخلوقين.

10 سابيليوس: ظهر في روما في أوائل القرن الثالث وعلّم بأن الآب والابن والروح القدس هم أقنوم واحد وليسوا ثلاثة متحدين جوهريًا. وقال إن الآب أعطى الناموس في العهد القديم ثم تجسد هذا الأقنوم وظهر باسم المسيح ثم ظهر هو نفسه باسم الروح القدس، أى أن الثالوث هو ثلاث ظهورات متوالية في التاريخ لشخص واحد، وليس ثلاثة أقانيم متمايزة لهم جوهر واحد.

11 الابن فقط هو صورة الله الآب بسبب وحدة الجوهر الإلهي.

12 يستخدم ق. أثناسيوس هذا المثال نظرًا لما اعتاد عليه الوثنيون من السجود لصورة الإمبراطور باعتباره شخصية إلهية يجب أن يقدّم لها التكريم والذبائح.

 

أنا في الآب والآب فيّ – شرح نص يو10:14 للقديس أثناسيوس الرسولي

Exit mobile version