ضد الأريوسيين المقالة الرابعة – أثناسيوس الرسولي

ضد الأريوسيين المقالة الرابعة – أثناسيوس الرسولي

ضد الأريوسيين المقالة الرابعة – أثناسيوس الرسولي

مقدمة

          سبق أن نشرنا المقالة الأولى ضد الآريوسيين سنة 1984، والمقالة الثانية سنة 1987، والمقالة الثالثة سنة 1994. وها نحن الآن ننشر المقالة الرابعة ضد الآريوسيين.

يلاحظ أن هذه المقالة التي ننشرها هنا ـ هى مقالة قائمة بذاتها، غير المقالات الثلاث ضد الآريوسيين للقديس أثناسيوس، إذ لم يرد ذكرها أو الاقتباس منها في المخطوطات القديمة على أنها من كتابات القديس أثناسيوس، مثل المقالات الثلاث الأولى. ويؤكد الكاردينال نيومان على عدم انسجام هذه المقالة مع محتويات المقالات الثلاث الأخرى، وخاصة بالنسبة لاستخدامها مصطلح “المساوي في الجوهر” (هوموأوسيوس Ómoousioj) الذي ورد بالفصلين[1] 12،9 دون باقى المقالات، مما يلقى بظلال من الشك على أصالة نسبة هذه المقالة للقديس أثناسيوس. وإن كان من المرجح أنها كُتبت بواسطة شخص كان وثيق الصلة بالقديس أثناسيوس أو من تلاميذه، وذلك لما تحويه المقالة من دفاع عن لاهوت المسيح ضد الهرطقات التي ظهرت في ذلك الوقت، وهو الدفاع الذي يتفق مع خط المقالات الثلاث الأولى، بالإضافة إلى كثرة استشهادها بهذه المقالات، وبباقى أعمال القديس أثناسيوس، كما أشرنا في هوامش الرسالة.

          ويبنى كاتب المقالة أساس بحثه، على أن كلمة الله وحكمته موجود، وأنه واحد مع الآب في الجوهر، ثم يبدأ في تفنيد الزعم القائل بأن الكلمة ليس أقنومًا متميزًا عن الآب، وبعد أن يدحض الأخطاء التي وقع فيها كل من سابيليوس[2] وآريوس، فإنه يرفض النتائج المترتبة على وجود بدءين أو أصلين للاهوت، ويؤكد على أصل واحد، وان الكلمة مولود من الله الآب بالطبيعة، كما يوضح أن المسيح أزلي وملكوته أزلى أيضًا، وذلك ضد المقاومين لأزلية شخص المسيح، مفندًا زعم القائلين بأن الكلمة لم يكن له وجود سابق على تجسده.

          ويستند كاتب الرسالة إلى نص يوحنا30: 10 لتفنيد مزاعمهم، فيسأل هؤلاء المقاومين: بأي معنى يكون الآب والمسيح ” واحدًا “. ويقدم إجابته التي تختلف عن إجابة سابيليوس فصول (10،9)، وإجابة مارسيللوس[3] فصول (12،11)، مستندًا إلى شرحه القائم على الميلاد الإلهي الأزلي للابن الكلمة.

          ثم يفحص تعليم مارسيللوس الذي نتج عن حدوث تغير في الطبيعة الإلهية، هذا التغير يُسمى التمدد Dilatation متهمًا إياه بالسابليانية. ويتحول الكاتب بعد ذلك إلى دحض أفكار مارسيللوس، طارحًا تساؤله: ما الذي يعنيه أتباعه بكلمة ” الابن”؟ وهل يقصدون 1 ـ مجرد المسيح الإنسان؟ أو 2ـ اتحاد الكلمة بالإنسان؟ أو 3ـ الله الكلمة متجسدًا؟ وكانت الإجابة الأخيرة هى الصحيحة بالطبع، وهذه النقطة هى التي قادت إلى مناقشة نصوص العهد القديم (فصل24).

          أما الجزء الختامى من هذه المقالة فهو نقطة تحول في المناقشة، ويوضح أن الكتاب المقدس يعلن أن الابن هو هو الله ” الكلمة “.

وفيما عدا الفصلين (7،6) وربما الفصل (25)، فإن هذه المقالة الرابعة تشكل عملاً متجانسًا وكاملاً، إن لم يكن قطعة متماسكة من الجدل اللاهوتى الرصين.

وفيما يلى موجز لمحتويات فصول المقالة:

فصل (1) مقدمة المقالة، ومحتواها الأساسى، حول الشخصية الأزلية الواحدة لابن الله ” الكلمة “.

(2ـ5) في أنه يجب على الذين يرفضون الآريوسية، وهم يتجنبون السابليانية، أن يقبلوا الميلاد الأزلى للابن.

(7،6) شرح اتضاع الله ” الكلمة ” بعكس فكر الآريوسيين.

(8) عن أزلية ملكوت المسيح وشخصه: إذ أن الواحد مُتضمن في الآخر.

(9ـ12) بأى معنى يكون المسيح والآب واحدًا أو لا يكونان؟ ومعنى عبارة الميلاد الأزلى للابن.

(14،13) بيان أن تعليم التمدد والانكماش في الله يُسقط التمايز بين الأقانيم.

(15ـ24) الابن والكلمة شخص واحد. تفنيد الافتراضات الثلاثة حولها. ودحض المناقشة المستمدة من العهد القديم تدعيمًا لهذه الافتراضات.

(25) دحض أخير لتعليم التمدد في الله.

(26ـ36) في تأكيد الكتاب المقدس على أن الابن هو الكلمة، وتفنيد القول بأن لقب الابن قاصر فقط على الإنسان يسوع.

مصدر الترجمة:

          لقد ظهر الأصل اليونانى لهذه المقالة مع باقى المقالات في المجلد 26 من مجموعة الآباء اليونانية مينى Migne، PG26: 12-526. وتمت الترجمة العربية عن النص اليونانى المنشور في ” سلسلة آباء الكنيسة ” EPE، ” كتابات أثناسيوس الأسكندرى الكبير مجلد 3″، إصدار مكتبة “غريغوريوس بالاماس” بتسالونيكى باليونان سنة 1975، والمجلد يحوى النص اليونانى القديم في الصفحة اليسرى ويقابله ترجمته إلى اليونانية الحديثة في الصفحة اليمنى. كما تمت مقارنة الترجمة بتلك التي أنجزها العالم الكاردينال نيومان Newman بالإنجليزية سنة 1884، والمنشورة بالمجلد الرابع من المجموعة الثانية من ” سلسلة آباء نيقية وما بعد نيقية ” N.P.N. 2nd series.

بركة صلوات شهود الإيمان القديسين وصلوات قداسة البابا شنودة الثالث تكون معنا؛ وللإله القدوس المحب الثالوث المحيى كل مجد وسجود وتسبيح، الآن وإلى الأبد. آمين.

 

مؤسسة القديس أنطونيوس

المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية

 

 

المقالة الرابعة ضد الأريوسيين

          1 ـ لأن “ الكلمة كان الله ” (يو1: 1)، فإن ” الكلمة ” هو إله من إله، وكما كُتب: “ لهم الآباء، ومنهم المسيح حسب الجسد، الكائن على الكل إلهًا مباركًا إلي الأبد آمين “(رو5: 9). وبما أن المسيح هو إله من إله، “وكلمة” الله وحكمته وابنه وقوته، الآن فليس هناك سوى إله واحد يستعلن في الكتب الإلهية. لأن ” الكلمة “، إذ هو ابن الإله الواحد، فإنه يُنسب إلي ذاك الذي هو منه، فالآب والابن هما اثنان، ولكن ألوهيتهما واحدة وغير منقسمة وغير منفصلة. وهكذا يكون هناك بدء واحد للاهوت وليس بدءين[4]، من ثم فإن هناك أصلاً واحدًا. و” الكلمة ” هو ابن بالطبيعة لهذا الأصل الواحد (الآب)، ليس كأنه أصل آخر بذاته كائن معه، ولا هو قد أتي (إلى الوجود) من خارج هذا الأصل الواحد. وإلاّ صار من هذا الاختلاف (في الأصل) أصلان وأصول متعددة. ولكن الابن (الذي هو) من ذلك الأصل الواحد، هو ابن ذاتي، وحكمة ذاتي وكلمة ذاتي. لأنه كما يقول يوحنا في ذلك: ” في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله “، لأن الله كان البدء (قبل الدهور)، وحيث إن الكلمة هو منه، فلهذا أيضا “ كان الكلمة الله“. وإذ هناك بدء ومن ثم إله واحد، فالجوهر والكيان واحد؛ الذي هو كائن بالحقيقة، والذي قال: “ أنا هو الذي أنا هو ” (خر14: 3)، وهو ليس اثنين حتى لا يكون هناك بدءان. ومن البدء الواحد هناك ابن بالطبيعة، ابن حقيقي هو كلمته وحكمته وقوته، وغير منفصل عنه. وإذ ليس هناك جوهر آخر، لئلا يكون هناك بدءان، فإن الكلمة الذي هو من الجوهر ” الواحد ” لا ينحل، وهو ليس مجرد صوت ظاهري، بل هو كلمة جوهري وحكمة جوهري، الذي هو الابن الحقيقي. لأنه إن لم يكن (الابن ابنًا) جوهريًا، لكان الله يتكلم في الهواء (أنظر1كو9: 14)، ولصار هو لا يختلف عن بقية الناس؛ ولكن حيث إن (الله) ليس إنسانًا، فإن كلمته أيضًا ليس بحسب الضعف البشرى[5] (أى ليست ككلمة البشر)، لأنه حيث إن البدء هو جوهر واحد، هكذا كلمته وحكمته واحد، وجوهرى وكائن. ولأنه هو إله من إله، وحكمة من الحكيم، وكلمة من العاقل، وابن من الآب، هكذا هو من الأقنوم متأقنم، ومن الجوهر جوهرى وحقيقى، وكائن (بذاته) من الكائن.

 

          2 ـ فإن لم يكن (الابن) هو الحكمة الجوهرى والكلمة الحقيقى، والابن الكائن بذاته، بل كان مجرد حكمة وكلمة وابنًا في الآب، لكان الآب نفسه ذا طبيعة مركبة من حكمة وكلمة. وإن كان الأمر هكذا، لتوالت سخافات كثيرة ولصار (الآب) هو والد نفسه، والابن يلد ذاته، ومولودًا من نفسه، أو لكان لقب الكلمة والحكمة والابن مجرد اسم فقط، بدون وجود حقيقى لمن له هذه الألقاب.

          فلو لم يكن الابن موجودًا، فإن الأسماء تكون خاملة فارغة، إلاّ إذا قيل إن الله هو ذاته الحكمة[6] وهو ذاته الكلمة. لكن إن كان الأمر هكذا، فإنه يكون أب نفسه، وابن نفسه، يكون أبًا حين يكون حكيمًا، ويكون ابنًا حين يكون حكمةً، ولا تكون تلك الأشياء في الله كصفة معينة، حاشا لمثل هذا الفكر المخزى؛ إذ ينجم عنه أن يكون الله مركبًا من جوهر وصفة. وإذ يحوى الجوهر كل الصفات فإن اللاهوت الواحد، الذي هو غير منقسم، وبينما تكون كل الصفات موجودة في الجوهر، (ففي هذه الحالة) فإن اللاهوت الواحد غير المنقسم يلزم أن يكون مركبًا، لأنه منقسم إلى جوهر وعارض. لهذا ينبغى لنا أن نسأل هؤلاء الرجال غير الأتقياء: وإذا كان الابن قد استعلن كحكمة الله وكلمته، فكيف يكون هو هكذا؟ فإن كان (قد استعلن) كصفة، فهنا تظهر الحماقة، ولكن إن كان الله هو الحكمة ذاتها، فهذه هى حماقة سابيليوس[7]. لكن الابن هو وليد الآب ذاته بمعنى صحيح، كما في تشبيه النور. لأنه كما أن هناك نورًا من النار، هكذا الكلمة من الله، والحكمة من الحكيم، والابن من الآب. لأنه بهذه الطريقة يبقى (الله) “الواحد” كاملاً بغير انقسام، وابنه وكلمته ليس غير جوهرى وغير حقيقى، بل جوهرى بالحق.

          لأنه إن لم يكن الأمر كذلك، فإن كل ما قيل يكون كلامًا نظريًا وساذجًا. لكن إن كان علينا أن نتجنب سخفهم هذا، فإن الكلمة يكون جوهريًا حقًا. لأنه كما أن هناك أبًا حقًا، فإن هناك حكمة حقًا. ولهذا فإنهما اثنان، وليس الشخص نفسه هو أب وابن، كما زعم سابيليوس. بل إن الآب آب والابن ابن، وهما واحد، لأن الابن من جوهر الآب بالطبيعة، موجودًا ككلمته الذاتى. هذا ما قاله الرب ” أنا والآب واحد ” (يو30: 10). لأن الكلمة غير منفصل عن الآب، كما أن الآب لم يكن ولا يكون بدون كلمة أبدًا، لذا قال الابن: ” أنا في الآب والآب في ” (يو10: 14).

 

          3 ـ وأيضًا، إن المسيح هو ” كلمة ” الله. فهل هو قائم بذاته؟، وإذ هو قائم، هل هو متحد بالآب؟ أم أن الله خلقه ودعاه كلمته؟. فإن كان هو قائمًا بذاته حسب الافتراض الأول، وأنه إله، لصار هناك إذن بدءان؛ وبالتإلى فإن الابن لن يكون من طبيعة الآب، ولم يأتِ من الآب ذاته، بل كائن من نفسه. لكن بالعكس، إن كان (الابن) قد وُجد من خارج (الآب)، فهو إذن مخلوق. يبقى إذن أن نقول إن الابن هو من الله ذاته، لأن الذي من آخر هو واحد، والذي هو منه واحد آخر. ووفقًا لذلك يكون هناك اثنان إذن. لكن إن لم يكونا اثنين بل تخص الأسماء الشخص نفسه، فإن العلة والمعلول يكونان نفس الشخص، وكذلك أيضًا المولود والوالد يكونان نفس الشخص، وهذه هى بدعة سابيليوس. لكن إن كان (الابن) من (الآب)، ومع ذلك ليس آخر، لصار (الآب) هو الذي يلد والذي لا يلد في آن واحد: الذي يلد لأنه يلد من نفسه، والذي لا يلد لأنه ليس إلاّ ذاته. فإن كان الأمر كذلك فإن نفس الشخص سيُدعى آبًا وابنًا بشكل نظرى. لكن إن كان من غير اللائق أن نقول بهذا، فإن الآب والابن يجب أن يكونا اثنين، وهما واحد لأن الابن ليس من خارج (الله)، بل هو مولود من الله. لكن إن أحجم أى شخص عن القول إنه مولود، وقال فقط بأن “الكلمة” موجود مع الله، فليحذر هذا الشخص لئلا بامتناعه عن ذكر ما قيل في الكتاب يقع في حماقة جاعلاً الله كائنًا ذا طبيعة مزدوجة. لأن من لا يسلّم بأن “الكلمة” هو من (الله) “الواحد”، بل كما لو كان فقط مرتبطًا بالآب إنما يقدم جوهرًا ثنائيًا، لا يكون أي منهما أبًا للآخر. ويقال نفس الشيء عن القوة. وقد نستجلى هذا الأمر أكثر، إن نظرنا إليه من جانب الآب؛ لأن هناك آبًا واحدًا وليس اثنين، والابن هو من هذا (الآب) الواحد. وبما أنه ليس هناك أبوان، بل آب واحد، فليس هناك بدءان بل بدء واحد، ومن هذا “الواحد” الابن كائن جوهريًا. لكن ينبغى أن نسأل الآريوسيين بطريقة عكسية. (لأنه ينبغى أن ندحض تعاليم أتباع سابيليوس من خلال حقيقة الابن، وأن نُفند تعاليم الآريوسيين من خلال حقيقة الآب).

          4 ـ فلنتساءل إذن، هل الله حكيم وليس بدون “كلمة”، أم أنه بلا حكمة وبلا “كلمة”؟[8] فإن كان بلا “كلمة” ولا حكمة حسب الافتراض الثانى، فهذا حماقة وهذيان. وإن كان الله حكيمًا وناطقًا، فعلينا أن نسأل: كيف هو حكيم وناطق؟ هل يمتلك الكلمة والحكمة من خارج، أم من ذاته؟ إن كان من خارج، لابد أن يكون هناك شخص آخر قد أعطاها له، وقبل أن يأخذ كان بلا حكمة وبلا “كلمة”. أما إن كان ذا حكمة و”كلمة” من نفسه، فواضح أن الكلمة ليس من العدم، ولم يكن هناك وقت كان فيه غير موجود، بل كان موجودًا على الدوام. لأن ذاك الذي هو صورة له كائن على الدوام. لكنهم إن كانوا يقولون إنه حكيم بالحق، وليس بغير “كلمة”، بل إن له في ذاته حكمته الذاتى و”كلمته” الذاتى، وإن ذلك ليس هو المسيح، بل ذاك الذي بواسطته قد خُلق المسيح، فعلينا أن نجيب قائلين: إن كان المسيح قد خُلق بواسطة ذلك “الكلمة”، فإنه سيتضح أن جميع الأشياء قد خُلقت بواسطته، ولكن هذا هو الذي يقول عنه يوحنا: ” كل شيء به كان ” (يو3: 1)، والذي يقول عنه المرنم: ” كلها (الأعمال) بحكمة صنعت ” (مز24: 103)، وبذلك يكون المسيح غير صادق عندما يقول: ” أنا في الآب “، لأنه يوجد آخر سواه في الآب. وتصبح الآية: ” والكلمة صار جسدًا ” (يو14: 1) غير صادقة حسب زعمهم. لأنه إن كان هذا الذي بواسطته خُلقت كل الأشياء، هو نفسه قد صار جسدًا، بينما المسيح ليس هو “كلمة” الآب ” الذي به كان كل شيء “، فالمسيح إذن لم يصر جسدًا، وربما أخذ المسيح اسم “كلمة” (كمجرد لقب). لكن إن كان الأمر هكذا، فإنه أولاً: يوجد هناك آخر له نفس الاسم، وثانيًا: لم تكن به كل الأشياء، بل بذلك الآخر الذي به خُلق المسيح أيضًا. لكن إن كانوا يقولون إن الحكمة موجود في الآب كصفة، أو إنه هو ذاته الحكمة [9]، فسينتج عن هذا تلك الأمور غير المعقولة السالفة الذكر. إذ سيصبح (الله) مركبًا، لكونه ابنًا وآبًا لنفسه! فعلينا إذن أن نفحمهم ونسكتهم، على أساس أن الكلمة الذي هو في الله لا يمكن أن يكون مخلوقًا، أو جاء من العدم. لكن إن كان ثمة “كلمة” قد وُجد في الله، لوجب أن يكون هو المسيح الذي يقول: ” أنا في الآب والآب في ” (يو10: 14)، والذي هو الابن الوحيد أيضًا لهذا السبب، طالما أن شخصًا آخر لم يُولد من الآب. هذا هو الابن الواحد، الذي هو الكلمة والحكمة والقوة، لأن الله ليس مركبًا من هذه كلها، بل هو مصدرها. لأنه كما يخلق المخلوقات بالكلمة، فإنه بحسب طبيعة جوهره الذاتى، له الكلمة مولودًا منه؛ والذي بواسطته يخلق كل الأشياء ويدبرها. لأن سائر المخلوقات قد خُلقت “بالكلمة” والحكمة، وهو بحسب أحكامه يحفظ كل الأشياء (أنظر مز91: 118). ويُقال نفس الشيء بخصوص الابن، فإن كان الله بدون ابن إذن، فهو بدون عمل. لأن الابن هو مولوده الذي به يعمل[10]. لكن إن لم يكن الأمر هكذا، لنجم عن ذلك نفس المناقشات والسخافات الناتجة عن وقاحتهم.

 

          5 ـ جاء في سفر التثنية: “ وأما أنتم الملتصقون بالرب إلهكم، فجميعكم أحياء اليوم ” (تث4: 4). ومن هذا يمكننا أن نرى الفرق، ونعرف أن ابن الله ليس مخلوقًا. لأن الابن يقول: ” أنا والآب واحد ” (يو30: 10) و” أنا في الآب والآب في ” (يو10: 14)، لكن المخلوقات حين تنمو (في الفضيلة) فإنها تكون ملتصقة بالرب، لأن الكلمة هو في الآب باعتباره من ذاته، لكن المخلوقات كائنات خارجة (عن الآب)، فإنها تلتصق به باختيارها، إذ هى بالطبيعة غريبة عنه. لأن أى ابن طبيعى هو واحد مع من ولده، أما الذي هو من خارج، وقد جُعل ابنًا (بالتبنى) فإنه يصير متصلاً بالعائلة.

          لهذا يضيف على الفور: ” أى شعب عظيم له إله قريب منه؟ ” (تث7: 4س)، وفي موضع آخر يقول: ” أنا إله قريب ” (إر23: 23). لأنه يقترب من المخلوقات إذ هى غريبة عنه. لكن لا يقترب من الابن، أما بالنسبة للابن ـ إذ هو ابنه الذاتى ـ فهو لا يقترب منه بل هو كائن فيه. وليس الابن ملتصقًا بالآب بل هو كائن معه وفيه. ولهذا يقول موسى أيضًا في سفر التثنية نفسه: ” صوته (الرب إلهكم) تسمعون،… وبه تلتصقون ” (تث4: 13). فمن يلتصق (بالرب) فإنما يلتصق به من خارج.

 

          6 ـ أما بالنسبة للرد على مفهوم الآريوسيين الضعيف والبشرى، إذ يفترضون أن الرب كان محتاجًا حين قال: ” دُفع إلى ” و” أخذت ” (مت18: 28، يو18: 10)، وإن كان بولس الرسول يقول: ” لذلك رفعَّه ”  و” أجلسه عن يمينه” (في9: 2، أف2: 1، أنظر كو1: 3، والآيات المشابهة)، فإننا نجاوبهم أن ربنا بينما هو ” كلمة ” الله وابن الله      فإنه قد لبس جسدًا، وصار ابن الإنسان لكي بصيرورته وسيطًا بين الله والناس، فإنه يخدم أمور الله من نحونا ويخدم أمورنا من نحو الله. وعندما قيل عنه إنه يجوع ويبكي ويتعب، ويصرخ إلوي إلوي، وهى آلامنا البشرية، فإنه يأخذها، ويقدمها للآب، متشفعًا عنا، لكى بواسطته وفيه تبطل هذه الآلام[11]. وحينما قال: ” دُفع إلى كل سلطان” (مت18: 28) و” آخذها” (أنظر يو18: 10)  و” لذلك رفعّه الله ” (في9: 2). فإن هذه هى الهبات الممنوحة لنا من الله بواسطته. لأن “الكلمة” لم يكن في احتياج إلى أى شيء في أى وقت[12]، كما أنه لم يُخلق[13]. ولم يكن البشر قادرين (بذواتهم) أن يعطوا هذه (الهبات) لأنفسهم، ولكنها أُعطيت لنا بواسطة “الكلمة”. لذا وكأنها معطاة له فهى تنتقل إلينا. ولهذا السبب تجسد، حتى بإعطائها له تنتقل إلينا[14]. لأن الإنسان وحده (بدون وسيط) لم يكن مستحقًا أن يأخذ تلك الهبات، و”الكلمة” في ذاته لم يكن محتاجًا إليها. لذا اتحد “الكلمة” بنا ونقل إلينا السلطان ومجدّنا مجدًا عاليًا[15].

          لأن “الكلمة” إذ تأنس، فقد رفَّع الإنسان نفسه، ولأن “الكلمة” كان في الإنسان فالإنسان نفسه قد نال (الهبات). لأن الإنسان قد مُجد ونال سلطانًا، عندما صار الكلمة جسدًا، لهذا تُنسب تلك الأمور “للكلمة”، لأنها قد أُعطيت لنا بسببه. لأن تلك الهبات قد أُعطيت بسبب مجيء “الكلمة” في الجسد. وكما أن “الكلمة” صار جسدًا هكذا أيضًا نال الإنسان نفسه الهبات التي أتت بواسطة “الكلمة”. لأن كل ما ناله الإنسان، قيل إن “الكلمة” نفسه قد ناله[16]؛ لكى يظهر أن الإنسان إذ كان غير مستحق أن ينال الهبات بسبب طبيعته، فإنه مع ذلك قد نالها بسبب “الكلمة” الذي صار جسدًا. لهذا عندما يُقال إن شيئًا ما قد أُعطى للرب، يجب أن نعرف أنه لم يُعطَ له كمحتاج إليه، بل أُعطى للإنسان نفسه بواسطة “الكلمة”. لأن كل من يتشفع من أجل آخر ينال هو نفسه الهبة، ليس كمحتاج إليها، بل لحساب من يتشفع لأجله.

 

          7 ـ وكما أن الرب يأخذ ضعفاتنا، دون أن يكون ضعيفًا[17]، ويجوع دون أن يكون محتاجًا للأكل. وهو يأخذ ضعفاتنا لكى يلاشيها. كما أنه ـ في مقابل ضعفاتنا ـ يقبل أيضًا الهبات التي من الله، حتى أن الإنسان الذي يتحد به، يمكنه أن يشترك في هذه الهبات. ولذلك يقول الرب” كل ما أعطيتنى.. قد أعطيتهم“. وأيضًا ” من أجلهم أنا أسأل ” (يو7: 17ـ9) لأنه كان يسأل لأجلنا، أخذًا لنفسه ما هو لنا، ومعطيًا لنا ما أخذه. لأنه عندما اتحد الكلمة بالإنسان نفسه، فإن الآب من أجل ابنه قد أنعم على الإنسان بأن يُمجد، وأن يُدفع له كل سلطان، وما شابه ذلك. لذا نُسبت كل هذه الأمور “للكلمة” نفسه، لكى ننال بواسطته كل هذه الأمور التي أُعطيت له.

          فكما أن “الكلمة” صار إنسانًا لأجلنا، هكذا نحن نُرفَّع لأجله. فإن كان لأجلنا قد وضع نفسه (اتضع)، فليس من غير المعقول إذن أن يُقال إنه قد مُجد ورُفع لأجلنا، لهذا ” أعطاه ” (الآب) أى ” أعطانا من أجله هو”، وقد “رفَّعه” أى ” رفَّعنا نحن فيه “. “والكلمة” نفسه، حينما نتمجد ونأخذ وننال معونة، كأنه هو نفسه الذي مُجِّدَ وأخذ ونال معونة، يقدم الشكر للآب، ناسبًا ما لنا لنفسه قائلاً: “ كل ما أعطيتنى.. قد أعطيتهم ” (يو8،7: 17).

 

          8 ـ إن يوسابيوس ورفاقه، أى مجانين الآريوسية، ينسبون للابن بداية وجود، ومع ذلك يزعمون أنهم لا يريدون أن تكون له بداية لملكه. لكن هذا هراء، لأن من ينسب للابن بداية وجود، فمن الواضح جدًا أنه ينسب له بداية لملكه. لقد صاروا عميان لدرجة أنهم يعترفون بما ينكرونه. وأيضًا الذين يقولون إن الابن هو مجرد اسم فقط، وإن ابن الله، أى “كلمة” الآب ليس له جوهر ولا أقنوم، يتظاهرون بالغضب من الذين يقولون: كان هناك وقت لم يكن (الابن) موجودًا، هذا أمر مضحك أيضًا. لأن أولئك الذين ينكرون وجوده على الإطلاق، غضبى من أولئك الذين يقبلون على الأقل بوجوده في الزمان. وبينما هم يلومون الآخرين، فإنهم يعترفون بما ينكرونه. وإذ يعترف يوسابيوس ورفاقه بالابن،فإنهم ينكرون أنه “الكلمة” بالطبيعة، زاعمين أن الابن يدعي كلمة بشكل نظري، ويعترف الآخرون به أنه الكلمة، وينكرون عليه أن يكون ابنًا، معتبرين أن “الكلمة” يُدعي بالابن بشكل نظري، وذلك بدون سند كالسابقين تمامًا.

 

          9 ـ ” أنا والآب واحد         ” (يو30: 10). أنتم تقولون إن الاثنين واحد، وإن للواحد اسمين، أو إن الواحد منقسم إلى اثنين. فإن كان الواحد منقسمًا إلى اثنين، فإن ذاك الذي ينقسم لابد أن يكون جسدًا، ولا يكون أى جزء منهما كاملاً، لأن كلاً منهما هو جزء وليس كلاً. لكن إن كان للواحد اسمان، فإن تلك هى هرطقة سابيليوس، الذي قال إن الابن والآب هما نفس الشخص، وبذلك أنكرهما كليهما، إذ أنكر الآب حينما يكون هناك ابن، كما أنكر الابن حينما يكون هناك آب. لكن إن كان الاثنان واحدًا، فإنه من المحتم أن يكونا اثنين، لكنهما واحد حسب الألوهية، وحسب وحدانية الابن مع الآب في الجوهر[18]، ولكون “الكلمة” هو من الآب ذاته. لهذا فإن هناك اثنين، لأن هناك آبًا، وابنًا هو الكلمة. ومن الجهة الأخرى هما واحد لأن الله واحد. لأنه لو لم يكن الأمر كذلك، لكان قد قال: ” أنا الآب “، أو ” أنا والآب أكون “. لكنه في الحقيقة يشير إلى الابن في لفظة ” أنا “، ويشير إلى الذي وَلَده ” الآب”، وفي قوله ” واحد” يشير إلى اللاهوت الواحد، ووحدانيته مع الآب في الجوهر. لأنه لا يمكن أن يكون نفس الشخص هو الحكيم والحكمة معًا. كما لا يمكن أن يكون الآب هو نفسه “الكلمة”، لأنه من غير المعقول أن يكون الشخص أبًا لذاته، لكن التعليم الإلهى يعرف الآب والابن، والحكيم والحكمة، والله “والكلمة”، ويحافظ على (الجوهر) بغير انقسام ولا انفصال ولا انحلال من كل الوجوه.

 

          10 ـ لكن إن كان أى شخص يسيء فهمنا ويظن أننا نكرز بإلهين عند سماعه أن الآب والابن اثنان، (وهو ما يختلقه البعض لأنفسهم، ومن ثم يهزأون بنا قائلين: أنتم تعتقدون بإلهين)، فعلينا أن نجيبهم على ذلك ونقول: إن كان الاعتراف بآب وابن هو اعتقاد بإلهين، يتبع ذلك على الفور أنه إن اعترفنا بواحد فقط فيلزم أن ننكر الابن ونتبع سابيليوس. لأنه إن كان الحديث عن اثنين معناه السقوط في الوثنية، فإن الحديث عن واحد يجعلنا نسقط في بدعة سابيليوس. لكن ليس الأمر كذلك، حاشا! ولكن كما أنه حين نقول إن الآب والابن اثنان، فإننا لا نزال نعترف بإله واحد، هكذا أيضًا عندما نقول إن هناك إلهًا واحدًا فإننا نؤمن بأن الآب والابن اثنان، بينما هما واحد في اللاهوت، وأن كلمة الآب لا ينحل ولا ينقسم ولا ينفصل عن الآب. ولتكن النار والشعاع الخارج منها مثالاً أمامنا، فهما (أى النار وشعاعها) اثنان في الوجود والمظهر، لكنهما واحد في أن شعاع النار هو من النار بدون انقسام.

 

          11 ـ لقد سقط مارسيللوس[19] وتلاميذه في نفس حماقة الآريوسيين. لأن الآريوسيين أيضًا يقولون إن الابن خُلق لأجلنا، لكى يخلصنا. وكأن الله انتظر حتى يوجد “الكلمة” لكى نخُلق نحن، كما تقول طائفة منهم، أو انتظر لكى يُخلق (الكلمة) كما تزعم طائفة أخرى. فالآريوسيون إذن أكثر تعاطفًا مع الناس مما مع الابن، لأنهم يزعمون أننا لم نُخلق لأجله، بل هو الذي صار لأجلنا، حتى أنه لذلك قد خُلق ووُجد، لكى يخلقنا الله بواسطته. ولأنهم عديمى التقوى، فهم يعطون الله أقل مما يعطون لنا. لأننا حتى ونحن صامتون، غالبًا نكون نشيطين في التفكير، فنصيغ نتائج تفكيرنا في شكل صور. لكنهم يجعلون الله خاملاً في صمته، وحين يتكلم فحينئذ تكون له قوة؛ كأنه وهو صامت لا يقدر على الخلق، وحينما يتكلم يبدأ في الخلق.

 

          لأنه من العدل أن نسألهم، ما إذا كان “الكلمة” كاملاً حين كان في الله، حتى يصبح قادرًا على الخلق. فإن كان ناقصًا حين كان في الله، لكنه صار كاملاً عندما وُلِدَ، فنكون نحن إذن سبب كماله إن كان قد وُلِدَ لأجلنا ونال القدرة على الخلق لأجلنا. لكنه إن كان كاملاً في الله حتى يستطيع أن يخلق، فإن ميلاده يكون بلا لزوم، لأنه كان يمكنه أن يخلق العالم حتى وهو في الآب. لهذا فسواء وُلِدَ أو لم يُولد فإن ذلك ليس لأجلنا، بل لأنه هو منذ الأزل من الآب. لأن ميلاده لا يثبت أننا مخلوقون، بل يثبت أنه من الله، لأنه كائن حتى قبل خلقتنا.

 

          12 ـ إنهم يتجاسرون على ترديد نفس الأمور غير المعقولة بخصوص الآب، لأنه إن كان وهو صامت، لم يقدر أن يخلق، فبالضرورة يكون قد نال قوة على الكلام عندما وَلَدَ (الكلمة) كما يزعمون. ومن أين نال هذه القوة؟ ولماذا؟ وإن كان الآب قادرًا على الخلق ” والكلمة ” فيه، فإنه لم يكن محتاجًا إلى الولادة، طالما كان قادرًا على الخلق حتى وهو صامت. ثم إن كان “الكلمة” (كائنًا) في الله قبل ولادته، إذن فإن ميلاده يعنى أنه خارج الله. فإن كان الأمر كذلك، فكيف يقول “الكلمة”: ” أنا في الآب والآب في ” (يو10: 14)؟ وقوله إنه في الآب الآن، يعنى أنه كان فيه دائمًا كما هو الآن. ولا حاجة بعد لما يقولونه ” إنه لأجلنا قد وُلِدَ، وأنه بعد أن خَلَقنا يعود كما كان “. لأنه لم يكن هو في أى حال ليس هو عليه الآن، وليس هو الآن ما لم يكن عليه قبل الآن، بل هو هو كما كان دائمًا، وفي نفس الحال، وبنفس الصفات، وإلاّ فسيبدو أنه ناقص ومتغيّر. لأنه إن كان (الحال) الذي كان عليه، هو ما سوف يكون عليه بعد ذلك ـ وكأنه لم يكن هكذا الآن ـ فمن الواضح أنه الآن هو غير ما كان عليه، وما سوف يكون عليه. أعنى إن كان هو قبلاً في الله، وأنه فيما بعد سوف يكون أيضًا في الله، فيتبع ذلك أن “الكلمة” ليس في الله الآن. لكن الرب يدحض زعم هؤلاء الأشخاص حينما يقول: ” أنا في الآب والآب في “، وهكذا فهو يكون الآن، كما كان منذ الأزل. ليس أنه كان في وقت ما مولودًا، ولم يكن هكذا في وقتٍ آخر، وليس أن الله كان صامتًا مرة، ثم صار ناطقًا، بل هناك آب كائن منذ الأزل[20]، وهناك ابن الذي هو “كلمته”، ليس “كلمة” بالاسم فقط[21]، ولا بشكل نظرى بل هو في وجوده مساوٍ للآب في الجوهر[22]، وليس مولودًا لأجلنا بل نحن الذين خُلقنا لأجله هو.

 

          لأنه إن كان الابن قد وُلِدَ لأجلنا، وعند ميلاده نحن خُلقنا، وبميلاده تكونت الخليقة، ثم يعود لكي يكون ما كان عليه قبلاً، فإن ذاك الذي وُلد، يعود لكي يكون غير مولود. لأنه إن كان تقدمه هو بميلاده، فإن عودته تعني توقف هذا الميلاد، لأنه حينما يعود ليكون في الله ثانية فإن الله يصبح صامتًا مرة أخري. لكن إن كان (الله) سيصير صامتًا، كما كان ويعود إلي السكون وليس الخلق، لأن الخليقة ستتوقف عن الوجود. لأنه كما أنه في خروج الكلمة قد خلقت الخليقة وأصبحت موجودة، هكذا في كف الكلمة عن الفعل فلن تكون الخليقة موجودة، وإن كانت الخليقة سوف تتوقف، فما النفع إذن من وجودها؟ أو لماذا تكلم الله، إن كان سيصمت من جديد؟، ولماذا يُخرج (من ذاته) واحدًا ثم يسحبه؟ ولماذا يلد واحدً، وهو يريد أن يتوقف ميلاده؟ وسوف يصبح من غير المؤكد ماذا سيكون (هذا الواحد). لأنه إما أن يظل (الله) صامتًا إلي الأبد، أو أنه سوف يلد مرة أخري، ويصنع خليقة مختلفة، (لأنه لن يخلق نفس ما خلقه، وإلاّ كان قد أبقى عليه)، بل سوف يخلق خليقة أخرى، وسوف يُوقف هذه الخليقة أيضًا في وقت ما، وسوف يصنع خليقة أخرى، وهكذا بلا نهاية.

 

          13 ـ ربما استعار مارسيللوس هذا من الرواقيين، الذين يزعمون أن الله يتقلص ويتمدد Dilatation مع الخليقة، ثم يستريح بدون نهاية. لأن ما تمدد قد أصبح متسعًا بعدما كان ضيقًا، وما تمدد قد تمدد بعدما كان متقلصًا، أى أنه تعرض للتغيير. فإن كان ” الواحد” قد تمدد وصار ثالوثًا، وكان ” الواحد” هو الآب، والثالوث هو الآب والابن والروح القدس، فإن “الواحد ” يكون قد تمدد، إذ اعتراه تغيير وأصبح ما لم يكنه؛ فقد تمدد بينما لم يكن متمددًا قبلاً.

          ثم إن كان هذا ” الواحد ” ذاته قد تمدد إلى ثالوث؛ وهذا الثالوث هو الآب والابن والروح القدس، إذن صار الآب نفسه ابنًا وروحًا قدسًا أيضًا، كما زعم سابيليوس إلاّ إذا كان هذا ” الواحد ” الذي يتكلم عنه هو شخص آخر غير الآب، فما كان ينبغى عليه أن يتكلم عن التمدد، طالما أن “الواحد” يصير منه ثلاثة، وهكذا كان هناك ” واحد ” في الأول ثم أصبح آبًا وابنًا وروحًا. لأنه إن كان ” الواحد ” قد تمدد ووسع نفسه، لوجب أن يكون هو نفسه الذي اتسع. فالثالوث حينما يتمدد لا يصير بعد واحدًا، وحينما يكون واحدًا فلا يكون ثالوثًا بعد. ولهذا فإن الذي كان آبًا لم يكن بعد ابنًا وروحًا، بل عندما أصبح ابنًا وروحًا، لم يعد بعد آبًا فقط. والإنسان الذي يتكلم هكذا، لابد أن ينسب لله جسدًا، ويجعله قابلاً للضعف. لأنه ما هو التمدد سوى تغيير يعترى ذاك الذي تمدد؟ أو ماذا يكون الذي تمدد إلاّ ذاك الذي لم يكن هكذا قبلاً، بل كان في الواقع ضيقًا؟ لأنه هو نفس الشيء، لكنه يختلف عن ذاته من جهة الزمن فقط.

 

          14 ـ وهذا ما يعرفه الرسول الإلهى حين يكتب إلى أهل كورنثوس قائلاً: “ فمنا مفتوح إليكم أيها الكورنثيون قلبنا متسع، لستم متضيقين فينا.. كونوا أنتم أيضًا مُتسعين ” (2كو11: 6ـ13). لأنه ينصح هؤلاء بأن يتغيروا من الضيق إلى الاتساع. وكما أن الكورنثيين عندما تغيروا من الضيق إلى الاتساع، لم يصيروا أُناسًا آخرين، بل ظل الكورنثيون أنفسهم هكذا إن كان الآب قد أتسع إلي ثالوث (حسب زعمهم) فإن الثالوث لا يزال هو الآب وحده. ويقول الرسول نفس الشيء: ” قلبنا متسع ” (2كو11: 6)، ويقول نوح: ” ويوسِّع الله يافث ” (تك27: 9س)، ولكن رغم هذا الاتساع بقي نفس القلب، وبقي يافث كما هو.

فإن كان ” الواحد ” قد اتسع إذن، فإنه يكون قد اتسع لأجل آخرين، لكن إن كان قد اتسع لأجل ذاته، يكون هو نفس الذي اتسع. ومن يكون هذا (الذي اتسع لأجله) سوي الابن و الروح القدس؟ وحسنًا أن نسأله حين يتكلم هكذا، وما هو عمل هذا الاتساع؟ وفي الواقع، لماذا قد تم هذا الاتساع أصلاً؟ لأن الذي لا يبقى كما هو، بل يتسع بمرور الزمن، فلابد أن يكون هناك بالضرورة سبب لاتساعه. فإن كان هذا الاتساع من أجل أن يكون الابن والروح معه، فإنه لا داعى للقول بوجود ” الواحد ” الذي يتسع بعد ذلك. لأن “الكلمة” والروح القدس لم يُوجدا بعد (الآب)، بل منذ الأزل، وإلاّ كان الله بلا “كلمة”[23]، كما يزعم الآريوسيون. لهذا فإن كان الكلمة والروح القدس موجودين منذ الأزل، فإن الله كان متسعًا منذ الأزل، ولم يكن ” واحدًا ” أولاً. لكن إن كان قد اتسع بعد ذلك، إذن وُجد “الكلمة” فيما بعد. وإن كان قد اتسع من أجل التجسد، وصار ثالوثًا عندئذٍ؛ إذن قبل التجسد لم يكن هناك ثالوثًا بعد. وسوف يبدو أن الآب قد صار جسدًا، فإن كان الأمر كذلك، وكان هو ذاك ” الواحد “، وقد اتسع في الإنسان؛ فربما كان هناك ” واحد ” فقط ثم جسد، ثم ثالثًا روح. وإن كان الأمر كذلك فقد اتسع هو نفسه، وسوف يكون هناك ثالوث بالاسم فقط. ومن غير المعقول أيضًا القول إنه قد اتسع لأجل الخلق، لأنه كان يمكنه أن يخلق الكل، وهو باق ” واحدًا ” لأن ” الواحد ” لم يكن محتاجًا إلي الاتساع، كما أنه لم يكن ناقصًا في القوة قبل أن يتسع. لأنه من السخف وعدم التقوى أن نفكر أو نتحدث هكذا عن الله. كما سينجم سخف أخر أيضًا لأنه إن كان قد اتسع لأجل الخلق فعندما كان ” واحدًا ” لم يكن هناك خلق، لكنه عند انقضاء الدهور سوف يرجع ” واحدًا ” مره أخري بعد الاتساع، وسوف تصير الخليقة أيضًا إلي العدم. لأنه كما اتسع لغرض الخلق، هكذا عندما يتوقف الاتساع، تتوقف الخليقة أيضًا.

 

          15 ـ مثل تلك الأمور غير المعقولة تترتب علي القول بأن ” الواحد ” قد اتسع إلي ثالوث. ولما كان أولئك الذين يزعمون ذلك يتجاسرون أن يفصلوا “الكلمة” عن الابن، وأن يقولوا إن “الكلمة” شخص والابن شخص آخر، وأن “الكلمة” كان أولاً ثم الابن. فلنفحص هذا التعليم أيضًا، إذ أن افتراضهم يأخذ عدة أشكال، فالبعض يقولون إن الإنسان الذي أخذه المخلص هو الابن، وآخرون يزعمون أن الإنسان “والكلمة” قد صارا الابن فيما بعد حينما اتحدا. وآخرون يقولون إن “الكلمة” ذاته قد صار ابنًا حينما تأنس، هكذا يقولون إنه قد صار ابنًا بعد أن كان “الكلمة”، ولم يكن ابنًا من قبل، بل كان “الكلمة” فقط.

          وهذه كلها تعاليم الرواقيين، سواء القائلة بأن الله قد اتسع أو التي تنكر الابن. لكن من غير المعقول على الإطلاق أنهم بينما يسمّون “الكلمة”، ينكرون أنه الابن! لأنه لو لم يكن “الكلمة” من الله، لكان من المعقول أن ينكروا أنه ابن. لكنه إن كان من الله، فكيف لا يدركون أن من يُولد من شخص هو ابن لهذا الذي جاء منه؟ ثم إن كان الله أبًا “للكلمة”، فلماذا لا يكون “الكلمة” ابن لأبيه الذاتى؟ لأن واحدًا كائن ويدعى أبًا، له ابنه، وواحدًا كائن ويُدعى ابن لآخر، الذي هو أبوه. فإن لم يكن الله هو أب المسيح، فلا يكون “الكلمة” ابنًا؛ ولكن إن كان الله هو أب، فمن المعقول أيضًا أن يكون “الكلمة” هو ابن. لكن إن كان الله موجودًا أولاً ثم صار أبًا فيما بعد، فهذا هو فكر الآريوسيين. ثم أنه من السخف القول بأن الله يتغير، لأن تلك هى سمة الأجسام. لكن إن كانوا يجادلون أن الله صار خالقًا فيما بعد لكى يخلق العالم، فليعلموا أن التغيير هو خاصية المخلوقات [24] التي أتت إلى الوجود فيما بعد، وليس خاصية في الله.

 

 

 

 

 

16 ـ فإن كان الابن أيضًا مخلوقًا فيكون الله قد بدأ يصير أبًا للابن كما هو بالنسبة للمخلوقات؛ لكن إن لم يكن الابن مخلوقًا، فإن الآب يكون آبًا منذ الأزل، والابن ابنًا منذ الأزل[25]. وإن كان الابن كائنًا منذ الأزل، فيجب أن يكون هو “الكلمة”. لأنه إن لم يكن “الكلمة” هو الابن منذ الأزل، وهو ما يتجاسر البعض علي قوله، فإنهم بذلك يعتقدون إما أن “الكلمة” هو الآب، أو أن الابن أعظم من “الكلمة”. وإذ الابن هو ” في حضن الآب “ (يو18: 1)، فبالضرورة إما أن يكون “الكلمة” بعد الابن (إذ لا يوجد من هو قبل ذاك الكائن في الآب)، أو إن كان “الكلمة” غير الابن، ” فالكلمة” لابد أن يكون هو الآب الذي فيه الابن كائن. لكن إن لم يكن “الكلمة” هو الآب بل هو ” الكلمة”، فلا بد أن يكون “الكلمة”، خارج الآب، طالما أن الابن هو الذي ” في حضن الآب “. لأنه لا يمكن أن يكون كل من “الكلمة” والابن في حضن الآب، إذ يجب أن يكون واحدٌ فقط فيه، وهو الابن الذي هو “ الابن الوحيد“. وإن كان “الكلمة” شخصًا والابن شخصًا آخر، فإن الابن يكون أعظم من “الكلمة”، لأنه “ لا أحد يعرف الآب إلا الابن “. ونفس الآمر ينطبق علي قول المسيح: ” الذي رآني فقد رأي الآب ” (يو9: 14)، و” أنا والآب واحد ” (يو30: 10). لأن هذه أقوال الابن، وليست أقوال “الكلمة” كما يزعمون، وكما هو واضح في الأناجيل. لأنه بحسب إنجيل يوحنا، حين قال الرب: ” أنا والآب واحد ” أخذ اليهود حجارة ليرجموه، فأجابهم يسوع قائلاً: ” أعمال كثيرة حسنة أريتكم من عند أبي، بسبب أي عمل منها ترجمونني؟ فأجابه اليهود قائلين: لسنا نرجمك لأجل عمل حسن، بل لأجل تجديف، فإنك وأنت إنسان تجعل نفسك إلهًا. أجابهم يسوع: أليس مكتوبًا في ناموسكم أنا قلت إنكم آلهة. إن قال آلهة لأولئك الذين صارت إليهم كلمة الله، ولا يمكن أن يُنقض المكتوب، فالذي قدسه الآب وأرسله إلي العالم، أتقولون له: إنك تجدف، لأنى قلت إني ابن الله؟ وإن كنت لست أعمل أعمال أبي، فلا تؤمنوا بي. ولكن إن كنت أعمل فإن لم تؤمنوا بي، فآمنوا بالأعمال، لكي تعرفوا وتؤمنوا أن الآب فيّ وأنا فيه ” (يو32: 10-38). وكما يظهر من هذه الكلمات فهو لم يقل أنا الله، ولا قال أنا ابن الله بل قال: “ أنا و الآب واحد “.

 

          17 ـ فحينما سمع اليهود (لفظة) ” واحد ” ظنوا مثل سابليوس، أنه قال إنه هو الآب. لكن مُخلصنا يبين خطأهم بقوله: رغم إنى قد قلت ” إله “، كان عليكم أن تتذكروا المكتوب، ” أنا قلت إنكم آلهة ” (يو34: 10)، ولكي يوضح عبارة ” أنا والآب واحد “، شرح وحدانية الابن مع الآب قائلاً: لأنني قلت إنى ابن الله، لأنه حتى لو لم يكن قد قالها بالألفاظ، لكنه أوضح معني ” الابن ” بقوله ” نحن واحد “. لأنه لا يوجد من هو واحد مع الآب، سوي الذي هو منه. ومن هو هذا الذي هو من الآب إلا الابن؟ لهذا فهو يضيف قائلاً: ” لتعرفوا إنني في الآب والآب فيّ “. لأنه حينما شرح لفظة “واحد ” قال إن الاتحاد (بين الآب والابن) وعدم انفصالهما إنما يكمن ليس في كون “هذا” هو “ذاك” الذي هو واحد معه بل في كون الابن في الآب والآب في الابن.لأنه هكذا يدحض تعليم سابليوس، فهو لم يقل ” أنا الآب “، بل قال أنا ” ابن الله “. ويدحض تعليم آريوس أيضًا بقوله ” أنا والآب نحن واحد “. فإن كان الابن ليس هو نفسه الكلمة، فإن الابن وليس “الكلمة” يكون واحدًا مع الآب، ولا يكون “الكلمة” هو الذي رأي الآب بل الابن هو الذي قد رأي الآب. ويترتب علي هذا: إما أن الابن أعظم من “الكلمة”، أو أن “الكلمة” ليس له ما هو أكثر مما للابن. لأنه لن يكون من هو أعظم وأكمل من ” الذي هو واحد مع الآب ” والذي يقول: ” أنا في الآب والآب فيّ “،  و” الذي رآني فقد رأي الآب ” لأن تلك العبارات قالها الابن عن نفسه إذ يقول في إنجيل يوحنا: “ من رآني فقد رأي الذي أرسلني “، و” أنا قد جئت نورًا إلي العالم، حتى كل من يؤمن بي لا يمكث في الظلمة… وإن سمع أحد كلامي ولم يؤمن فأنا لا أدينه، لأني لم آتِ لأدين العالم بل لأخلص العالم. من رذلني ولم يقبل كلامي فله من يدينه. الكلام الذي تكلمت به هو يدينه في اليوم الأخير ” (يو45: 12، مت 40: 10، يو46: 12-48). ويقول الابن إن كلامه هو الذي يدين من لم يحفظ الوصية، إذ يقول ” لو لم أكن قد جئت وكلمتهم، لم تكن لهم خطية، وأما الآن فليس لهم عذر في خطيتهم ” (يو22: 15). وهو يقصد: أن من يسمعون كلامي ويحفظونه يحصدون خلاصًا.

 

          18 ـ ربما يقولون بلا خجل، إن هذا الكلام لا يخص الابن بل “الكلمة”. لكن يتضح مما سبق أن المتكلم هو الابن. لأن الذي يقول هنا ” ما جئت لأدين العالم بل لأخلص العلم ” (يو47: 12)، يثبت أنه ليس آخر سوى ابن الله الوحيد الجنس. لأن يوحنا نفسه يقول قبل ذلك: ” لأنه هكذا أحب الله العلم حتى بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية. لأن الله لم يرسل ابنه إلي العالم، ليدين العالم، بل ليخلص به العالم. الذي يؤمن به لا يُدان، والذي لا يؤمن به قد دين، لأنه لم يؤمن باسم ابن الله الوحيد. وهذه هي الدينونة أن النور قد جاء إلي العالم، وأحب الناس الظلمة أكثر من النور، لأن أعمالهم كانت شريرة ” (يو16: 3-19). فإن كان الذي يقول: ” ما جئت لأدين العالم بل لأخلص العالم” هو نفس الذي يقول ” من رآني فقد رأي الذي أرسلني ” (يو45: 12). وإن كان الذي جاء ليخلص العالم، لا ليدينه، هو ابن الله الوحيد الجنس، فمن الواضح أنه هو نفسه الابن الذي يقول: ” من رآني فقد رأي الذي أرسلني“، لأن الذي يقول: ” من يؤمن بي…” و” إن سمع أحد كلامي… ” هو الابن نفسه؛ الذي يقول الكتاب عنه ” من يؤمن به لا يُدان والذي لا يؤمن قد دين لأنه لم يؤمن باسم ابن الله الوحيد “. وأيضًا هذه هي الدينونة (دينونة الذي لا يؤمن بالابن) لأن النور جاء إلي العالم ولم يؤمنوا به، أي بالابن ” لأن هذا هو النور الذي يضيء لكل إنسان آتٍ إلي العالم ” (يو9: 1). ولقد كان هو نور العالم طوال زمن تجسده علي الأرض، كما قال هو نفسه: “ ما دام لكم النور، آمنوا بالنور، لتصيروا أبناء النور… ” لأنه يقول ” أنا قد جئت نورًا إلي العالم ” (يو36: 12، 46).

 

          19 ـ وإذ قد أوضحنا هذا يتضح بذلك أن “الكلمة” هو الابن. فإن كان الابن هو النور، الذي جاء إلي العالم فهو أمر لا يقبل الجدل أن الابن هو الذي خلق العالم. لأنه في بداية الإنجيل، إذ يتحدث الإنجيلي عن يوحنا المعمدان، يقول: “ لم يكن هو النور، بل ليشهد للنور ” (يو8: 1)0 لأن المسيح كما قلنا قبلاً هو: ” النور الحقيقي الذي ينير لكل إنسان آت إلي العالم ” (يو9: 1). لأنه إن ” كان في العالم و كُوّن العالم به ” فبالضرورة يكون هو “كلمة” الله، الذي قال عنه الإنجيلي أيضًا إن ” كل شيء به كان “. لأنه إما سيضطرون للحديث عن عالمين: واحد منهما قد خلق بواسطة الابن، والآخر بواسطة “الكلمة”؛ وأما أن كان هناك عالم واحد وخليقة واحدة، فإن الابن و”الكلمة” يكونان واحدًا ونفس الشخص قبل كل خليقة، لأن الخليقة قد أتت إلي الوجود بواسطته. لهذا فإن كانت كل الخلائق قد خُلقت بواسطة “الكلمة”، الذي هو الابن أيضًا، ولن يكون هناك تناقض أن نقول: ” في البدء كان الكلمة ” أو ” في البدء كان الابن “، بل يكون القولان متماثلان. لكن لأن يوحنا لم يقل في البدء كان الابن، فإنهم يزعمون أن خصائص الكلمة لا تُناسب الابن فيتبع ذلك إذن أن خصائص الابن لا تُناسب “الكلمة” أيضًا.

 

          لكن لأنه قد ثبت أن ما يرد ذكره يخص الابن: ” أنا والآب واحد “، و” الذي هو في حضن الآب ” (يو30: 10،18: 1). و” من يراني يري الذي أرسلني ” (يو45: 12). وأن القول: ” أن العالم خلق بواسطته يشير إلي الابن و”الكلمة” معًا، واتضح أن الابن موجود قبل كون العالم؛ لأنه يلزم بالضرورة أن يكون الخالق موجودًا قبل المخلوقات. وهم يزعمون أن ما قيل لفيلبس يجب أن يُنسب للابن وليس “للكلمة”، لأن يسوع قال لفيلبس: ” أنا معكم زمانًا هذا مدته، ولم تعرفني يا فيلبس! الذي رآني فقد رأي الآب، فكيف تقول أنت أرنا الآب؟ ألست تؤمن إني أنا في الآب والآب فيّ؟ الكلام الذي أكلمكم به لست أتكلم به من نفسي، لكن الآب الحال فيّ هو يعمل الأعمال. صدقوني إني في الآب والآب فيّ، وإلا فصدقوني لسبب الأعمال نفسها. الحق الحق أقول لكم: من يؤمن بي فالأعمال التي أنا أعملها يعملها هو أيضًا، ويعمل أعظم منها، لأني ماضٍ إلي أبي. ومهما سألتم باسمي فذلك أفعله، ليتمجد الآب بالابن ” (يو9: 14-13). لهذا فإن كان الآب يتمجد بالابن فإن الابن هو القائل: ” أنا في الآب والآب في “، والذي قال أيضًا: ” من رآني فقد رأي الآب “، لأن نفس الذي تكلم هو الذي يُظهر نفسه أنه هو الابن بقوله: ” ليتمجد الآب بالابن “.

 

          20 ـ فإن كانوا إذن يزعمون أن الإنسان الذي لبسه “الكلمة” وليس “الكلمة” هو نفسه ابن الله الوحيد، لترتب علي ذلك أن يكون هذا الإنسان هو الذي في الآب، والذي فيه الآب أيضًا. ولكان يجب أن يكون هذا الإنسان هو الواحد مع الآب، وهو الذي في حضن الآب، والنور الحقيقى. ولأضطروا أن يقولوا إن العالم قد خُلق بواسطة هذا الإنسان نفسه، وإن هذا الإنسان هو الذي جاء لا ليدين العالم بل ليخلصه، وإنه هو الذي كان كائنًا قبل أن يكون إبراهيم لأن الكتاب يقول إن يسوع قال لهم: ” الحق الحق أقول لكم: قبل أن يكون إبراهيم، أنا كائن ” (يو58: 8).

          وهم يقولون أمن المعقول أن الذي جاء من نسل إبراهيم بعد اثنين وأربعين جيلاً (قابل مت17: 1) يكون موجودًا قبل أن يكون إبراهيم؟ فنقول لهم أمن المعقول أيضًا أن يكون الجسد الذي لبسه “الكلمة”، هو نفسه الابن، وأن يقال إن الجسد الذي من مريم هو الذي بواسطته قد خُلق العالم؟ وكيف لهم أن يبقوا علي عبارة أنه ” كان في العالم ” (يو10: 1)؟ لأن الإنجيلى إذ يبرهن على أسبقية وجود الابن على ميلاده بحسب الجسد، يستمر قائلاً إنه: ” كان في العالم “. فإن لم يكن “الكلمة” هو الابن بل الإنسان، فكيف يمكنه أن يخلص العالم، وهو نفسه واحد من العالم؟ وإن كان ذلك لا يخزيهم، فأين سيكون “الكلمة”، إن كان ذلك الإنسان موجود في الآب؟ وما هى علاقة “الكلمة” بالآب، إن كان ذلك الإنسان هو والآب واحد؟ وإن كان ذلك الإنسان هو الابن الوحيد، فما هو مكان “الكلمة”؟ إمّا أن يقول المرء إن “الكلمة” يأتى في المرتبة الثانية، أو إن كان “الكلمة” أعلى من الابن الوحيد، فيجب أن يكون “الكلمة” هو الآب ذاته. لأنه كما أن الآب واحد، كذلك أيضًا الابن الوحيد الذي منه هو واحد؛ وماذا بقى “للكلمة” من رفعة فوق الإنسان، إن لم يكن “الكلمة” هو الابن؟ لأنه مكتوب أن العالم خُلق بواسطة الابن و”الكلمة”، وأن خلقة العالم هى عمل مشترك “للكلمة” والابن، ولكن الكتاب بعد ذلك يشير إلى أن الآب يرى في الابن وليس في “الكلمة”، كما ينسب خلاص العالم للابن الوحيد الجنس، وليس “للكلمة”. لأن الكتاب يذكر أن يسوع قال: ” أنا معكم زمانًا هذا مدته ولم تعرفنى يا فيلبس؟ من رآنى فقد رأى الآب ” (يو9: 14). ولم يُكتب أن “الكلمة” يعرف الآب، بل الابن، كما لم يُكتب أن ” الكلمة ” يرى الآب بل الابن الوحيد الجنس الذي هو في حضن الآب.

 

          21 ـ وبماذا يُساهم “الكلمة” في خلاصنا أكثر من الابن، إن كان الابن شخص و”الكلمة” شخص آخر، كما يزعمون؟ لأن الوصية هى أننا يجب أن نؤمن بالابن، وليس “بالكلمة”. لأن يوحنا يقول: ” الذي يؤمن بالابن له حياة أبدية، والذي لا يؤمن بالابن لن يرى حياة ” (يو36: 3). والمعمودية المقدسة التي تحوى أساس الإيمان كله لا تتم “بالكلمة”، بل بالآب والابن والروح القدس.

 

          فإن كان “الكلمة” شخصًا، والابن شخصًا آخر كما يزعمون، وليس “الكلمة” هو الابن. فليس للمعمودية أية علاقة “بالكلمة”. فكيف يكون “الكلمة” موجودًا مع الآب، إن لم يكن معه في منح المعمودية؟ لكنهم ربما يقولون إن “الكلمة” مُتضمن في اسم الآب وفي هذه الحالة، لماذا لا يكون الروح مُتضمنًا فيه أيضًا؟ أم أن الروح خارج عن الآب؟ ويكون ” الإنسان ” مدعوًا بعد الآب ـ (إن لم يكن “الكلمة” هو الابن) ـ أما الروح فيُدعى بعد ” الإنسان “. وبدلاً من أن يتمدد ” الواحد” إلى الثالوث حسب زعمهم، فإنه يتمدد إلى رابوع (Tetrad): آب و”كلمة” وابن وروح قدس! وإذ يعتريهم الخزى بسبب قولهم هذا، فإنهم يلجأون إلى مخرج آخر، ويزعمون أنه ليس بذاته هو الذي أخذه (لبسه) الرب، بل “الكلمة” والإنسان معًا، هما الابن، لأنهما بارتباطهما معًا يُدعيان الابن، حسب قولهم. وفي هذه الحالة مَنْ منهما يكون علة الآخر؟ ومَنْ منهما قد خلق الآخر؟ أو دعنا نتحدث بوضوح أكثر، هل “الكلمة” دُعىّ ابنًا بسبب الجسد؟ أم أن الجسد هو الذي دُعيّ ابنًا بسبب “الكلمة”؟ أم ليس بسبب أى منهما، بل بسبب إنجماع الاثنين معًا؟ فإن كان “الكلمة” ابنًا بسبب الجسد، فبالضرورة يكون الجسد ابنًا، ويترتب على ذلك أمور غير معقولة والتي تنجم من قولهم إن الإنسان هو ابن. لكن إن كان الجسد قد دُعى ابنًا بسبب “الكلمة”، لكان “الكلمة” ابنًا بالتأكيد حتى قبل الجسد. إذ كيف لكائن أن يجعل الآخرين أبناءً مع كونه هو نفسه ليس ابنًا، خاصة حين يكون هناك أب[26]؟ فإن كان يلد أبناءً لنفسه، إذن سيكون هو نفسه آبًا. لكن إن كان يلد للآب، لوجب أن يكون ابنًا، أو بالحرى سيكون هو ذلك الابن، الذي بسببه جُعل الباقون أبناءً أيضًا.

 

          22 ـ لأنه إن لم يكن هو ابنًا، بينما نحن أبناء، فإن الله يكون أبانا نحن وليس أباه هو. فكيف إذن ينتحل البنوة له قائلاً: ” أبي ” و ” أنا من الآب “؟ (يو17: 5، يو28: 16)، لأنه إن كان أبًا عامًا للكل، فلا يكون أباه هو فقط، ولا يكون هو وحده قد وُلد من الآب. لكن الكتاب يقول إن الآب يُدعي في بعض الأحيان أب لنا نحن أيضًا، بسبب أن (الابن) نفسه صار شريكًا في جسدنا. لأنه لهذا السبب صار ” الكلمة ” جسدًا، إذ حيث إن ” الكلمة ” هو الابن، فإن الآب يُدعى أبانا أيضًا، بسبب الابن الساكن فينا[27]، لأن الكتاب يقول: ” أرسل الله روح ابنه إلى قلوبكم، صارخًا يا أبا الآب ” (غل6: 4). لهذا فالابن الذي فينا، إذ يدعو أباه الذاتى فإنه يجعل أباه يُدعى أبانا نحن أيضًا. وبالتأكيد فإن الله لا يمكن أن يُدعى أبًا لأولئك الذين ليس لهم الابن في قلوبهم. لكن إن كان الإنسان يُدعى ابنًا بسبب “الكلمة”، فإنه يلزم (أن يكون “الكلمة” ابنًا) حتى قبل حلوله في وسطنا حيث إن القدماء[28] دُعوا أبناء حتى قبل التجسد، إذ يقول الكتاب: ” لأنى ولدت بنينًا ” (إش2: 1)، وفي أيام نوح يقول: ” حين رأى أبناء الله ” (تك2: 6س). وفي نشيد موسى النبى: ” أليس هو أباك ” (تث6: 32)؟ لهذا كان أيضًا هناك ذلك الابن الحقيقى، الذي لأجله صار أولئك أيضًا بنينًا… لكن إن لم يكن أي من الاثنين ابنًا، كما يزعمون أيضًا، بل إن (الأمر) يعتمد على إنجماع الاثنين معًا وبذلك لا يكون أيًا منهما ابنًا، أقول، لا “الكلمة” ولا الإنسان ـ بل علة ما ـ تكون هى سبب اتحادهما. ومن ثم فإن تلك العلة التي تصنع الابن سوف تكون سابقة علي الاتحاد. وبهذه الطريقة يكون الابن موجودًا قبل التجسد. وعندما تُثار هذه المسألة، فإنهم يلجأون إلي حجة أخري، قائلين إن الإنسان ليس ابنًا، ولا هما معًا ابن، لكن “الكلمة” هو الذي كان “كلمة” في البدء فقط، لكنه عندما صار إنسانًا، فحينئذٍ دُعي ابنًا،[29] لأنه لم يكن ابنًا قبل التجسد بل “كلمة” فقط؛ وكما صار “الكلمة” جسدًا، إذ لم يكن جسدًا من قبل، هكذا صار “الكلمة” ابنًا، إذ لم يكن ابنًا من قبل. تلك هي كلماتهم البطالة، وهكذا يبدو خزيهم واضحًا.

 

          23 ـ إن كان (الابن) قد صار ابنًا حينما صار إنسانًا، فتكون صيرورته إنسانًا هى علة بنوته. وإن كان الإنسان هو علة صيرورته ابنًا، أو كان السببان معًا، لترتبت نفس النتائج غير المعقولة. ثم إنه لو كان أولاً “كلمة” وبعد ذلك صار ابنًا، فسوف ينتج أنه قد عرف الآب فيما بعد، وليس قبلاً، في حين أنه لا يعرفه بكونه “كلمة”، بل بكونه ابنًا. لأنه ” لا أحد يعرف الآب إلاّ الابن ” (مت27: 11). وسوف يترتب عليه، أنه صار فيما بعد أيضًا ” في حضن الآب ” وفيما بعد أنه صار هو ” والآب واحد ” وفيما بعد أيضًا: ” من رآنى فقد رأى الآب ” (يو9: 14)، لأن كل تلك الأشياء قيلت عن الابن. ومن ثم سيضطرون إلى القول، إن “الكلمة” لم يكن إلاّ مجرد اسم فقط؛ لأنه لم يكن هو (الأقنوم) الكائن هو والآب فينا، ولا يكون من رأى “الكلمة” قد رأى الآب، كما أن الآب لم يكن معروفًا لأى أحد على الإطلاق، لأن الآب يُعرف بواسطة الابن، لأنه مكتوب ” ومن أراد الابن أن يعلن له ” (مت27: 11)، لأنه إن لم يكن “الكلمة” ابنًا بعد، ولم يكن أحد قد عرف الآب بعد، فكيف إذن استعلن لموسى، وللآباء؟ إذ يقول هو نفسه في سفر الملوك: ” لقد تجليت بوضوح لبيت أبيك ” (1صم27: 2س). لكن إن كان الله قد استعلن فإن الابن لابد أن يكون موجودًا لكى يعلنه، كما يقول هو نفسه: “ ومن أراد الابن أن يعلن له“.

 

          إنه من غير التقوى إذن ومن الحماقة القول إن “الكلمة” كان شخصًا والابن آخر. ويحق لنا أن نسألهم من أين أتوا بهذه الفكرة؟ هم يجيبون زاعمين أن العهد القديم لا يذكر أى شيء عن الابن، بل يذكر؛ لذا فهم يؤكدون أن الابن جاء متأخرًا عن “الكلمة”، لأن الابن لم يذكر “الكلمة” في العهد القديم، بل في العهد الجديد فقط. هذا ما يزعمونه في عدم تقوى؛ فأولاً: إذ هم يفصلون بين العهدين؛ حتى أن الواحد منهما لا يوافق لآخر، فهذه هي حيلة المانويين واليهود؛ الذين يقاوم أحدهما العهد القديم ولآخر العهد الجديد[30]. وثانيًا: إن كان ما هو وارد في العهد القديم ذا تاريخ أقدم، وما هو في الجديد ذا تاريخ أحدث، وتعتمد الأوقات علي أساس الكتابة، فإن الشواهد: “ أنا والآب واحد ” (يو30: 10)، و” الوحيد ” (يو18: 1)، و” الذي رآني فقد رأي الآب ” (يو9: 14) تكون أحدث بسبب أن تلك الشواهد مأخوذة من العهد الجديد وليس من القديم.

 

          24 ـ لكن الأمر ليس كذلك، لأنه في الحقيقة قد قيل الكثير أيضًا عن الابن في العهد القديم، مثلما جاء في المزمور الثاني: ” أنت ابني وأنا اليوم وَلدتُكَ ” (مز7: 2). وفي المزمور التاسع، الذي عنوانه ” علي نهاية مزمور لداود بخصوص الأسرار الخاصة بالابن ” (مز1: 9) وفي المزمور الرابع والأربعين ” علي النهاية بخصوص الأمور التي ستتغير عن بني قورح للفهم، ترنيمة عن المحبوب ” (مز1: 44)، وفي إشعياء: ” لأنشدن عن حبيبي نشيد محبي لكرمه، كان لحبيبي كرم ” (إش1: 5). فمن هو هذا المحبوب سوى الابن الوحيد الجنس؟ مثلما نجد أيضًا في المزمور التاسع بعد المائة ” من البطن قبل كوكب الصبح ولدتك ” (مز3: 109س)، والذي سنتناول الحديث عنه فيما بعد ، وفي الأمثال: ” قبل الجبال ولدني ” (أم25: 8س)، وفي دانيال: “ ومنظر الرابع شبيه بابن الله ” (دا 25: 3). وغيرها كثير.

 

          فإن كان القِدَم هو بسبب أنه ذُكر في القديم؛ لكان الابن عتيق الأيام، أيضًا، والذي يظهر بوضوح في مواضع عديدة في العهد القديم. وهم يقولون: نعم هذا صحيح، لكننا يجب أن نأخذ الكلام نبويًا. ولهذا أيضًا يأتي الحديث عن “الكلمة” بشكل نبوي، أى لا يجب أن يؤخذ من جانب واحد، بل من الجانب الآخر أيضًا. لأنه إن كانت الآية: ” أنت ابني ” تشير إلي المستقبل، فإنه هكذا يكون الأمر بالنسبة للآية: ” بكلمة الرب تأسست السموات ” (مز6: 32) لأنه لم يقل: ” صارت” ولا ” خلقت” لأن لفظة  ” تأسست ” إنما تشير إلي المستقبل، وهو ما نجده مكتوبًا في مواضع أخري مثل ” الرب قد ملك ” تتبعه علي الفور ” لأنه ثبّت المسكونة التي سوف لا تتزعزع ” (مز1: 92س). وإن كانت الكلمات في المزمور الرابع والأربعين ” لأجل حبيبي ” تشير إلي المستقبل فهكذا تشير الكلمات التي تليها ” فاض قلبي بكلمة صالحة ” (مز2،1: 44س). وإن كانت عبارة ” من البطن ” (مز3: 109) تتعلق بالإنسان، هكذا أيضًا عبارة ” من القلب “. لأنه إن كانت البطن بشرية فكذلك يكون القلب جسديًا أيضًا. لكن إن كان الذي من القلب أبديًا فإن الذي ” من البطن ” هو أبدي أيضًا، وإن كان ” الابن الوحيد الجنس ” هو في ” الحضن“، فإن ” المحبوب” يكون ” في الحضن” لأن ” الابن الوحيد” هو نفسه ” المحبوب“، كما في العبارة “هذا هو ابني الحبيب” (مت17: 3) لأنه لم يقل ” الحبيب” ليعبر عن أنه يريده، أى عن محبته نحوه ، لئلا يظهر أنه يكره الآخرين ، بل قد أوضح بذلك أنه الوحيد الجنس، ليظهر أن هذا هو الوحيد الذي هو منه. ولهذا فإن “الكلمة”، إذ أراد أن يوضح لإبراهيم فكرة ” الابن الوحيد” يقول له: ” قدم ابنك حبيبك” (تك2: 22س)؛ لكنه واضح للجميع أن أسحق كان الابن الوحيد من سارة. إذن “الكلمة” هو الابن، ولم يصر هكذا لاحقًا، أو دُعي ابنًا، بل هو ابن علي الدوام. لأنه لو لم يكن ابنًا، ما كان “كلمة”، ولو لم يكن “كلمة”، ما كان ابنًا. لأن الذي من الآب هو ابن. وماذا يكون الذي من الآب، إن لم يكن “الكلمة” الذي خرج من القلب وولد من البطن؟ لأن الآب ليس “كلمة” ولا “الكلمة” آبًا، لكن الواحد آب، والآخر ابن، واحد يلد والآخر مولود.

 

          25 ـ فآريوس إذن، يهذي بقوله إن الابن مخلوق من العدم، وإنه مر وقت لم يكن فيه موجودًا. أما سابليوس فيهذى بقوله إن الآب هو ابن والابن هو آب، أى أقنوم واحد له اسمان. ويهذي أيضًا مارسيللوس إذ يستخدم نعمة الروح القدس كمثال، قائلاً كما أن هناك ” أنواع مواهب موجودة، لكن الروح واحد” (1كو4: 12)، هكذا أيضًا الآب، فإنه هو نفسه الآب ولكنه يتمدد إلي الابن والروح. لكن هذا الأمر مملوء سخافة. لأنه إن كان الأمر بالنسبة لله مثلما هو بالنسبة للروح، فسيكون الآب هو “الكلمة” والروح القدس؛ إذ يصير آبًا بالنسبة لشخص ما، ولآخر يصير ابنًا، ولآخر يصير روحًا، مكيفًا نفسه مع حاجة كل واحد. فيكون بالاسم ابنًا وروحًا، ولكنه في الواقع هو آب فقط، وبصيرورته ابنًا تكون له بداية، وعندئذٍ يكف عن أن يُدعى آبًا أو يُقال أنه صار إنسانًا بالاسم، لكنه في الحقيقة لم يأتِ حتى في وسطنا، ولم يكن صادقًا في قوله: ” أنا والآب واحد” إذ في الحقيقة هو نفسه الآب. بالإضافة للأمور الأخرى غير المعقولة التي تنتج في حالة سابليوس. ويتوقف بالضرورة اسم الابن والروح، حينما تنتهي الحاجة إليهما. لذا فالأمر سينتهي بالضرورة إلي ما يشبه عبث الأطفال، لأنه قد أُظِهر بالاسم وليس بالحق. وإذ يتوقف اسم الابن كما يزعمون تتوقف نعمة المعمودية أيضًا، لأنها منحت بالابن[31]. وماذا سيتبع ذلك سوي فناء الخليقة؟ لأنه إن كان “الكلمة” قد وُجد لكي نُخلق نحن، ولما وجُد صرنا نحن، فالواقع أنه حينما يعود إلى الآب، كما يزعمون فنحن لن نكون، لأن “الكلمة” يرجع مثلما كان؛ هكذا نحن أيضًا لن نوجد بعد وسنعود كما كنا. لأنه حينما لا يعود “الكلمة” موجودًا، فلن تكون هناك خليقة بعد.

 

          26 ـ هذه كلها إذن، أمور غير معقولة. أما كون الابن ليس له بداية وجود، وأنه قبل التجسد كان مع الآب منذ الأزل، فهذا ما يوضحه يوحنا في رسالته الأولى، إذ يقول: ” الذي كان منذ البدء، الذي سمعناه، الذي رأيناه بعيوننا، الذي شاهدناه ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة فإن الحياة أُظهرت وقد رأينا ونشهد ونخبركم بالحياة الأبدية، التي كانت عند الآب وأُظهرت لنا ” (1يو2،1: 1). وبينما يقول هنا إن ” الحياة كانت عند الآب“، ولم يذكر أنها ” خُلقت “، فإنه في نهاية رسالته يقول إن الابن هو الحياة، كاتبًا هكذا: ” ونحن في الحق في ابنه يسوع المسيح، هذا هو الإله الحق والحياة الأبدية ” (1يو20: 5). فإن كان الابن هو الحياة، والحياة كانت عند الآب، وإن كان الابن عند الآب، والإنجيلى نفسه يقول: ” والكلمة كان عند الله ” (يو1: 1)، فلابد أن يكون الابن هو “الكلمة” الذي هو عند الآب منذ الأزل.

          وكما أن الابن هو “الكلمة”، فلابد أن يكون الله هو الآب. كما أن الابن بحسب يوحنا ليس هو مجرد إله، بل الإله الحق، لأنه بحسب نفس الإنجيلى: ” والكلمة كان الله ” (يو1: 1). وقال الابن: ” أنا هو الحياة ” (أنظر يو6: 14). لهذا فالابن هو “الكلمة” والحياة، الكائن عند الآب. وأيضًا ما قيل في إنجيل يوحنا نفسه: ” الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب ” (يو18: 1)، يوضح أن الابن موجود منذ الأزل. لأنه هذا الذي يدعوه يوحنا بالابن، يدعوه داود يد الله في المزمور قائلاً: ” لماذا ترد يدك ويمينك من وسط حضنك؟ ” (مز11: 73س). لهذا إن كانت ” اليد ” في الحضن، والابن في الحضن، فإن الابن سيكون هو اليد، واليد ستكون هى الابن، الذي به خلق الآب كل شيء: ” يدك صنعت كل شيء ” (إش2: 66)، ” أخرج (الرب) الشعب بيده (من مصر) ” (أنظر تث8: 7)، أى بواسطة الابن. وإن كانت عبارة: ” هذا هو تغيير يمين العلى ” (مز11: 76س) وأيضًا: ” حتى النهاية، بخصوص الأمور التي سوف تتغير، ترنيمة لحبيبى ” (مز1: 44س) فإن الحبيب لابد أن يكون هو اليد التي غيّرت. الذي يقول عنه الصوت الإلهى أيضًا: ” هذا هو ابنى الحبيب ” (مت17: 3) إذن فعبارة  ” هذه يدى ” تساوى ” هذا ابنى “.

 

          27 ـ وحيث إن هناك أُناس غير فاهمين، الذين ينكرون التعليم عن الابن، يستخفون بالآية: ” من البطن قبل كوكب الصبح ولدتك ” (مز3: 110س)، وكأنها تشير إلى علاقته بالعذراء مريم، زاعمين أنه وُلد من مريم قبل كوكب الصبح، وأنه من غير المناسب أن يكون الكلام عن بطن الله، لذلك يجب أن نذكر هنا بضع كلمات… فإن كان بسبب أن ” البطن ” بشرية، فإنها لذلك تكون غريبة عن الله، فمن الواضح أن لفظة ” قلب ” أيضًا تعبر عن شيء بشرى[32]، لأن الذي له قلب، له بطن أيضًا. ولأن الاثنين هما بشريان، فإننا إمّا أن نرفض الاثنين أو أن نشرح معنيهما. فكما تأتى الكلمة من القلب، فإن الوليد يكون من البطن، وكما أنه حينما يكون الكلام عن قلب الله، فإننا لا نقصد بذلك المعنى البشرى، هكذا أيضًا عندما يذكر الكتاب ” من البطن ” لا يجب أن نعتبر أن هذا الكلام بمعناه الجسدى. لأنه من عادة الكتاب الإلهى أن يتحدث ويعبّر عن ما هو أسمى من الإنسان بأسلوب بشرى. لهذا حين يتكلم الكتاب عن الخلق يقول: ” يداك صنعتانى وجبلتانى ” (مز73: 118)، و” يدى صنعت كل هذا ” (إش2: 66)، ” هو أمر وكلها خُلقت ” (مز5: 148). ولغته إذن مناسبة للحديث عن كل شيء، إذ يُعْزى إلى الابن ما هو ذاتى وأصيل، وينسب إلى الخليقة بداية وجود، لأن الإله الواحد هو يخلق ويجبل، وهو الذي يلد من ذاته: “الكلمة” والحكمة. إذن: ” البطن ” و” القلب ” يعلنان عما هو ذاتى وأصيل، لأننا نحن أيضًا لنا أصلنا (أى نُولد) من البطن(البشرى)، لكننا نصنع أعمالنا بواسطة اليد.

 

          28 ـ وهم يسألون ماذا يعنى ” قبل كوكب الصبح “؟ وأنا أجيب: إنه إن كانت عبارة ” قبل كوكب الصبح ” توضح أن ميلاده (من العذراء مريم) كان عجيبًا، فإن كثيرين آخرين غيره قد وُلدوا قبل بزوغ هذا الكوكب. فما هو الأمر الذي قيل عنه إنه هكذا عجيب في حالته، حتى يذكره كامتياز[33] (عن الباقين)، بينما هو أمر شائع لدى كثيرين؟

          ثم أن الميلاد يختلف عن الإثمار، لأن الميلاد هو الأصيل، أمّا الإثمار فليس سوى ناتج مما هو موجود. فإن كان القول يناسب الجسد، فلنلاحظ أنه لم تكن بداية تكوينه حينما بُشر الرعاة بولادته ليلاً، لكن عندما بشر الملاك العذراء فذلك (التبشير) لم يكن ليلاً، لأن هذا الوقت، لم يُذكر، لكننا نجد أن الوقت كان ليلا حينما خرج من البطن. هذا الفارق يضعه الكتاب فيقول من جهة، إنه وُلد قبل كوكب الصبح، ومن جهة أخرى يتحدث عن خروجه من البطن كما ورد في المزمور الواحد والعشرين ” أنت الذي قد اجتذبتنى من البطن ” (مز10: 21)، كما أنه لم يقل ” قبل بزوغ كوكب الصبح ” بل قال ببساطة ” قبل كوكب الصبح “.

          فإن كانت العبارة يقصد بها الجسد، فإما أن الجسد كان قبل آدم لأن الكواكب كانت قبل آدم. أو علينا أن ندرس معنى النص، وهذا ما يساعدنا يوحنا على عمله إذ يقول في سفر الرؤيا: ” أنا الألف والياء، الأول والآخر، البداية والنهاية، طوبى للذين يصنعون وصاياه. لكى يكون سلطانهم على شجرة الحياة، ويدخلوا من الأبواب إلى المدينة. لأن خارجًا الكلاب والسحرة والزناة والقتلة وعبدة الأوثان وكل من يحيا ويصنع كذبًا. أنا يسوع أرسلت ملاكى لأشهد لكم بهذه الأمور عن الكنائس. أنا أصل وذرية داود، كوكب الصبح المنير. والروح والعروس يقولان تعال، ومن يسمع فليقل تعال. ومن يعطش فليأتِ ومن يرد فليأخذ ماء حياة مجانًا ” (رؤ13: 22ـ17). فإن كان ” ذرية داود” إذن هو ” كوكب الصبح المنير“، فمن الواضح أن جسد المخلص يُدعى ” كوكب الصبح “، وسبق هذا، الولادة من الله. لهذا فإن معنى المزمور، يكون هكذا: أنا ولدتك من ذاتى قبل ظهورك في الجسد لأن ” قبل كوكب الصبح ” يساوى ” قبل تجسد الكلمة “.

 

          29 ـ هكذا توجد نصوص واضحة بخصوص الابن في العهد القديم أيضًا، وفي نفس الوقت أنه من نافلة القول أن يجادل أحد في هذه النقطة: لأنه إن كان ما لم ينص عليه العهد القديم يكون من زمن لاحق، فليقل الذين يحبون الجدل أين ذُكر الروح القدس باسم الباراقليط في العهد القديم؟ لأنه قد ذُكر الروح القدس، ولكن لم يرد ذكر الباراقليط إطلاقا. فهل الروح القدس إذن واحد، والباراقليط آخر. والباراقليط هو اللاحق، لأنه لم يرد ذكره في العهد القديم؟ لكن حاشا أن نقول إن الروح القدس لاحق أو أن نميز ونقول إن الروح القدس واحد والباراقليط آخر، لأن الروح القدس واحد وهو نفسه الذي يقدس ويعزى فيما مضى والآن، أولئك الذين يقبلونه.

 

          كما أن الابن هو نفسه “الكلمة” وهو الذي قاد عندئذ أولئك الذين كانوا مستحقين إلى تبنى البنين[34]. والذين كانوا أبناء في العهد القديم قد صاروا أبناء بواسطة الابن وحده، وليس بواسطة آخر. لأنه إن لم يكن ابن الله موجودًا قبل مريم فكيف يكون هو قبل الجميع، إن كان هناك أبناء قبله؟ وكيف يكون ” الابن البكر ” إن كان قد جاء ثانيًا بعد أبناء كثيرين؟ كما أن الباراقليط ليس ثانيًا لأنه كان قبل الجميع، ولا الابن أيضًا حديث الوجود لأنه: ” في البدء كان الكلمة ” (يو1: 1). وكما أن الروح والباراقليط هما نفس الشخص، هكذا الابن “والكلمة” هما الشخص ذاته. ومثلما يقول المخلص بخصوص الروح القدس: ” وأما المعزى (الباراقليط) الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي ” (يو26: 14) متحدثًا عن شخص واحد بعينه، دون أى تمييز بينهما، هكذا يصف يوحنا بمثل مشابه، حين يقول ” والكلمة صار جسدًا، وحل بيننا ورأينا مجده مجدًا كما لابن وحيد من الآب” (يو14: 1). لأنه يشهد هنا أيضًا بوحدة الشخصية ولا يفرق. وحيث إن الباراقليط ليس واحدًا والروح القدس آخر، بل هما شخص واحد بعينه، هكذا ليس “الكلمة” واحدًا والابن آخر، بل “الكلمة” هو الابن الوحيد. لأنه لم يُنسب المجد إلى الجسد، بل إلى “الكلمة” ذاته، فمن يتجاسر إذن ويفرق بين “الكلمة” والابن، فليفرق بين الروح والباراقليط. لكن إن كان الروح لا يمكن تقسيمه، فإن “الكلمة” أيضًا لا يمكن تقسيمه، إذ هو ذاته ابن وحكمة وقوة. بالإضافة إلى أن تعبير ” المحبوب ” مساوٍ لتعبير الابن الوحيد، وهو ما يعرفه اليونانيون الماهرون في التعبير، إذ يتحدث هوميروس هكذا عن تليماخوس الذي كان الابن الوحيد لأوديسيوس، في الكتاب الثانى من الأوديسا:

          ” أى فكر عبر بذهنك، أيها الابن المحبوب؟ وإلى أين تريد أن تهرب،

          مع أنك وحيد ومحبوب وتملك حقولاً شاسعة؟

          إن الذي تبكيه يا أوديسيوس؛ يا من نسل الإله زفس،

          قد سقط بعيدًا عن وطنه، وسط الشعوب الغريبة “.

 

          إذن فإن الابن الذي هو ابن وحيد لأبيه يُدعى محبوبًا.

 

          30 ـ يميّز بعض أتباع بولس الساموساطى بين “الكلمة” والابن، زاعمين أن الابن هو المسيح وأن “الكلمة” آخر، وهم يؤسسون ذلك على كلمات بطرس في سفر الأعمال، والتي نطق بها حسنًا، ولكنهم فسروها تفسيرًا رديًا. وهى: ” الكلمة التي أرسلها إلى بنى إسرائيل يبشر بالسلام بيسوع المسيح. هذا هو رب الكل ” (أع36: 10)، لأنهم يزعمون أنه مادام “الكلمة ” تكلم بالمسيح، كما يُقال في حالة الأنبياء ” يقول الرب ” (أع36: 10) فإن النبى كان واحدًا والرب آخر. لكن هذا النص يضاد كلمات الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس: ” وأنتم متوقعون استعلان ربنا يسوع المسيح الذي سيثبتكم أيضًا إلى النهاية بلا لوم، في يوم ربنا يسوع المسيح ” (1كو8،7: 1).

 

          لأنه كما أن مسيحًا واحدًا لا يثبّت يوم مسيح آخر، بل هو نفسه الذي يُثبِّت في يومه الخاص أولئك الذين ينتظرونه، هكذا أرسل الآب “الكلمة” الذي صار جسدًا حتى أنه حال كونه قد صار إنسانًا، يكرز بواسطة نفسه. ولهذا يضيف مباشرة: ” هذا هو رب الكل ” لأن رب الكل هو “الكلمة”.

 

          31 ـ ” ثم قال موسى لهارون: تقدم إلى المذبح وأعمل ذبيحة خطيتك ومحرقتك، وكفر عن نفسك وعن شعبك، وأعمل قربان الشعب وكفر عنه، كما أمر الرب موسى ” (لا7: 9).

 

          تأملوا الآن هنا، أن موسى رغم أنه واحد، فإن موسى نفسه، وكأنه يتحدث عن موسى آخر يقول: ” كما أمر الرب موسى “. وبنفس الأسلوب إن كان الطوباوى بطرس يتكلم عن “الكلمة” الإلهى أيضًا، والمُرسل إلى بنى إسرائيل بواسطة يسوع المسيح، فلا يجب أن نفهم بالضرورة أن “الكلمة” واحد والمسيح آخر، بل إنهما واحد ونفس الشخص بسبب الوحدة التي حدثت في تنازله الإلهى وحبته للبشر وتجسده. وحتى إن فُهم بطريقتين[35]، فإن “الكلمة” لا يزال غير منقسم، كما يقول المُلهم يوحنا: “والكلمة صار جسدًا وحل بيننا ” (يو14: 1).

 

          إذن، فما قاله الطوباوى بطرس هو حسن وصواب[36]، لكن أتباع السموساطى يفهمونه رديًا وخطأ ويبعدون عن الحق (أنظر يو44: 8). لأن المسيح يُفهم بطريقتين في الكتاب الإلهى، كما يقول الكتاب إن: ” المسيح قوة الله وحكمة الله ” (أنظر 1كو24: 1). فإن كان بطرس يقول إن “الكلمة” أُرسل إلى بنى إسرائيل بيسوع المسيح، فلنفهم أنه يعنى أن “الكلمة” إذ تجسد ظهر لبنى إسرائيل، ليتوافق هذا مع آية: ” والكلمة صار جسدًا” (يو14: 1). لكن إن كانوا يفهمون الأمر بشكل آخر، وبينما يعترفون أن “الكلمة” هو الله، كما هو كذلك (فعلاً) فإنهم يفصلون عنه الإنسان الذي أخذه ـ والذي نؤمن نحن أنه واحد معه ـ زاعمين أنه أُرسل بواسطة يسوع المسيح، وهم بذلك يناقضون أنفسهم دون أن يعلموا، فأولئك الذين يفصلون “الكلمة” الإلهى عن التجسد الإلهى يبدون أن لديهم مفهومًا متدنيًا عن تعليم كونه صار جسدًا، ويعتنقون الأفكار الوثنية، متصورين أن التجسد الإلهى هو تغيير ” للكلمة “.

 

          32 ـ لكن الأمر ليس كذلك، حاشا. لأنه بالطريقة التي يكرز بها يوحنا عن هذا الاتحاد الذي لا يُعبّر عنه، والذي بواسطته ” يُبتلع المائت من الحياة ” (2كو4: 5)، بل الذي هو الحياة ذاتها كما قال الرب لمرثا: ” أنا هو الحياة ” (يو25: 11). هكذا أيضًا حينما يقول الطوباوى بطرس إن “الكلمة” قد أُرسل بواسطة يسوع المسيح، فإنه يعنى الاتحاد الإلهى، لأنه مثلما يسمع إنسان أن ” الكلمة صار جسدًا ” فإنه لا يعتقد أن “الكلمة” لم يعد “كلمة” بعد، فهذا أمر غير معقول، كما سبق أن قلنا، هكذا أيضا عندما يُسمع أن “الكلمة” اتحد بالجسد، فليُفهم أن سر التجسد الإلهى واحد وبسيط. والأكثر وضوحًا، والذي لا يقبل الجدل من أى عاقل هو ما قاله رئيس الملائكة في بشارته لوالدة الإله نفسها، إذ يبين وحدانية “الكلمة” الإلهى والإنسان. لأنه يقول: ” الروح القدس يحل عليك وقوة العلى تظللك، فلذلك أيضًا القدوس المولود منك يُدعى ابن الله ” (لو35: 1). إذن فأتباع الساموساطى بلا تعقل، يقسمون “الكلمة” الذي أعلن عنه بوضوح أنه صار واحدًا مع الإنسان المولود من مريم. لهذا “فالكلمة” لم يُرسل بواسطة ذلك الإنسان، بل بالأحرى أُرسل فيه قائلاً: ” أذهبوا وتلمذوا جميع الأمم ” (مت19: 28).

 

          33 ـ وهذه عادة الكتاب المقدس أن يكون التعبير بالكلمات بسيطًا ودون تكلف. فنجد مثلاً في سفر العدد: ” قال موسى لرعوئيل المديانى حمى موسى ” (عد29: 10). لأنه لم يكن هناك موسى يتكلم، وموسى آخر حماه هو رعوئيل، بل كان هناك موسى واحد، لأنه إن كان “كلمة” الله وحكمته ـ بنفس الطريقة ـ يُدعى أيضًا حكمة وقوة ويمين وذراع وما شابه ذلك، وإن كان لمحبته للبشر قد اتحد بنا، لابسًا باكورتنا ومتحدًا بها، لهذا أيضًا كان من الطبيعي أن تصبح الألقاب الأخرى من نصيب “الكلمة”. لأن هذا ما قاله يوحنا، إن “الكلمة” كائن منذ البدء وإنه عند الله وهو نفسه الله، وإن كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان (أنظر يو1: 1ـ3)، مما يوضح جليًا إن الإنسان نفسه مخلوق بواسطة الله “الكلمة”. فإذا كان قد اتخذه لنفسه ـ بعد أن كان قد ضعف ـ وجدده ثانية بهذا التجديد الأكيد لكى يدوم إلى الأبد، ولهذا اتحد به لكى يرفعه إلى نصيب إلهي أكثر سموًا، فكيف يمكن القول إن “الكلمة” أُرسل بواسطة الإنسان المولود من مريم، ويدعونه رب الرسل ويعدونه مع الرسل الآخرين أعنى الأنبياء، الذين أُرسلوا بواسطته؟ وكيف يمكن أن يُدعى المسيح ” مجرد إنسان”؟ بينما إذ صار متحدًا مع “الكلمة”، فإنه يُدعى المسيح وابن الله، وقد أعلن النبى منذ زمن بعيد وصرخ بوضوح ناسبًا جوهر الآب له قائلاً: ” سأرسل أبني مسيحي ” (عزرا28: 7، 29 مع أع20: 3). وفي نهر الأردن قال: ” هذا هو أبني الحبيب ” لأنه حينما حقق وعده، أظهر حسبما كان لائقًا به، أنه كان هو ذاك الذي قال إنه قد أرسله.

 

          34 ـ فلنفهم المسيح بطريقتين: (أولاً) ” الكلمة ” الإلهي الذي صار واحدًا مع الذي من مريم، لأن “الكلمة” قد شكل لنفسه بيتًا في بطنها، مثلما خلق آدم في البدء من الأرض، ولكن بصورة سماوية إلهية، وهو ما تحدث عنه سليمان بصراحة، عالمًا أن الكلمة تُدعى حكمة أيضًا قائلاً: ” الحكمة بَنْت لنفسها بيتًا ” (أم1: 9س) التي يفسرها الرسول حين يقول ” وبيته نحن” (عب6: 3). (ثانيًا) وفي موضع آخر يدعونا هيكلاً بقدر ما يليق بالله أن يسكن هيكلاً، والذي صورته التي من حجارة، قد أُمِرَ الشعب القديم أن يبنيها بواسطة سليمان، وعندما ظهر الحق توقفت الصورة. لأنه حينما حاول الجاحدون أن يثبتوا أن الصورة هى الحق، وأن ينقضوا سكناه الحقيقية تلك التي نؤمن نحن يقينًا أنها بمثابة اتحاده معنا، لم يهددهم، لكنه إذ يعلم أنهم يجرمون في حق أنفسهم، يقول لهم: ” انقضوا هذا الهيكل وأنا أقيمه في ثلاثة أيام ” (يو19: 2).

 

          ويُظهر مخلصنا هكذا حقًا أن الأمور التي يشغل الناس بها أنفسهم، إنما تحمل معها فناءهم، لأنه ” إن لم يبن الرب البيت فباطلاً يتعب البناؤون، وإن لم يحرس الرب المدينة فباطلاً يسهر الحراس ” (أنظر مز1: 127). وهكذا انحلت أعمال اليهود؛ لأنها كانت ظلاً، أما الكنيسة فهى مؤسسة بثبات لأنها مبنية على الصخر، و” أبواب الجحيم لن تقوى عليها ” (أنظر مت18: 16). وأما أولئك فيقولون له ” كيف وأنت إنسان تجعل نفسك إلهًا؟” (أنظر يو33: 10)[37]. ومن ثم فإنه من الطبيعى أن يُعلِّم تلميذهم الساموساطى هرطقته لأتباعه. ” وأما نحن فلم نتعلم المسيح هكذا، إن كنا قد سمعنا وعُلِّمنا فيه… خالعين الإنسان العتيق الفاسد بحسب شهوات الغرور… ولابسين الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله في البر وقداسة الحق ” (أنظر20: 4ـ24). فلنتأمل المسيح إذن بتقوى، بكلا الطريقتين.

 

          35 ـ إن كان الكتاب كثيرًا ما يطلق اسم المسيح على الجسد مثلما تكلم الطوباوي بطرس مع كرنيليوس معلمًا عن ” يسوع الناصري الذي مسحه الله بالروح القدس “، ومع اليهود أيضًا: ” يسوع الناصري رجل قد تبرهن لكم من قِبل الله ” (أع38: 10، 22: 2). ويقول الطوباوي بولس أيضًا لأهل أثينا: ” أن يدين المسكونة بالعدل برجل قد عينه مقدمًا للجميع إيمانًا، إذ أقامه من الأموات ” (أع31: 17). لأننا نجد التعيين و الإرسالية مرادفين للمسحة في مرات كثيرة ؛ لكى يعرف الجميع أنه لا تناقض في كلمات (الكُتَّاب) القديسين، لكنهم يطلقون تسميات مختلفة على اتحاد الله “الكلمة” بالإنسان الذي من العذراء مريم؛ مرة باعتباره مسحة، ومرة باعتباره إرسالية ومرة باعتباره تعيينًا.

 

          ولهذا فإن ما يقوله الطوباوي بطرس صواب [38]، فهو يكرز بلاهوت الابن الوحيد الجنس، دون أن يفصل أقنوم الله “الكلمة” عن الإنسان الذي من مريم، حاشا! لأنه كيف يفعل ذلك وهو الذي سمع عدة مرات أقوال المسيح: ” أنا والآب واحد “، و” من رآنى فقد رأى الآب “. وهو (المسيح) الذي نعلم أنه جاء إلى جماعة الرسل كلهم بعد القيامة أيضًا، والأبواب مُغلّقة، وبكلماته بدد كل ما عَسُر على الإيمان قائلاً: ” جسونى وانظروا فإن الروح ليس له لحم وعظام كما ترون لى ” (لو39: 24). ولم يقل ” هذا الإنسان ” الذي أخذته لى، بل قال: ” لى”.

 

          لهذا فإن رأى الساموساطى لن ينال أى قبول، إذ تم دحض رأيه بالنسبة لاتحاد الله “الكلمة” (بالجسد) بردود من الكتاب، وبواسطة الله “الكلمة” نفسه، والذي يعطى الآن المعرفة للجميع، ويسمح لهم أن يعرفوه عن طريق الأكل، وبلمسهم إياه والتأكد منه. لأن هذا الذي يعطى الطعام لآخرين وأولئك الذين يقدمون له الطعام تتلامس أيديهم معًا. لأن الكتاب يقول إنهم: ” ناولوه جزءًا من سمك مشوى، وشيئًا من شهد عسل، فأخذ وأكل قدامهم ” (لو32: 24).

          ورغم أنه لم يسمح لهم بمثلما سمح لتوما، لكن ها هو هنا قد سمح لهم بطريقة أخرى أن يتأكدوا منه بلمسهم إياه. ولكن إن أردت أن ترى جراحه فلتتعلم من توما: ” هات أصبعك إلى هنا وأبصر يدى، وهات يدك وضعها في جنبى ” (يو27: 20) هكذا يتحدث الله “الكلمة”، مشيرًا إلى جنبه[39] ويديه بالذات، وعن نفسه بالكامل كإنسان وإله معًا. معطيًا أولاً للتلاميذ القديسين أن يدركوا ” الكلمة ” بواسطة الجسد بدخوله والأبواب مُغلّقة (أنظريو19: 20)، ثم اقترابه منهم بجسده يوفر لهم اليقين الكامل. كل هذه نقولها لتثبيت المؤمنين، وتصحيح أخطاء الذين لا يؤمنون.

 

          36 ـ فليصحح بولس الساموساطى موقفه إذ يسمع الصوت الإلهى القائل ” جسدى” ولم يقل المسيح إن: ” المسيح ” شخص آخر غيرى أنا “الكلمة” بل قال: “هو معى وأنا معه ” (أنظر مت26: 26). لأنى أنا “الكلمة”، والمسحة، والإنسان الذي نال المسحة منى هو [40]، وهو بدونى لا يمكن أن يُدعى المسيح، لأنه (يُدعى هكذا) لكونه متحد بى وأنا فيه. لهذا، فإن ذِكْر إرسالية “الكلمة” يوضح الاتحاد الذي تم مع يسوع المولود من مريم، والذي يعنى اسمه مخلص، بسبب اتحاده بالله “الكلمة”، وليس لأى سبب آخر. وهذا النص (السابق) له نفس معنى قوله: ” الآب الذي أرسلنى “، ” ولم آتِ من نفسى، لكن الآب أرسلنى ” (أنظر يو44: 6، 42: 8). لأنه أطلق اسم الإرسالية على الاتحاد مع الإنسان، والذي معه يمكن أن يُعرِّف الناس الطبيعة غير المنظورة من خلال طبيعته المنظورة. لأن الله لا ينتقل من مكان إلى آخر مثلنا نحن، حينما يُظهر نفسه في شكل تواضعنا أثناء وجوده في الجسد. لأنه كيف يسكن منحصرًا في مكان ذلك الذي يملأ السموات والأرض؟ ولكن بسبب حضوره في الجسد، فإن الأبرار قد تكلموا عن إرساليته.

 

          لهذا فإن الله “الكلمة” هو نفسه المسيح الذي من العذراء مريم، إله قد صار إنسانًا، وليس مسيحًا آخر بل هو ذاته، فهو الذي من الآب منذ الأزل، وهو نفسه الذي جاء من العذراء في أواخر الدهور، والذي كان غير منظور قبلاً حتى للقوات المقدسة بالسماء، وقد صار منظورًا الآن بسبب اتحاده مع الإنسان المنظور. أقول منظورًا، ليس في لاهوته غير المنظور، بل بفعل اللاهوت خلال الجسد البشرى والإنسان كله، الذي جدده باتخاذه إياه لنفسه.

له الكرامة والسجود، ذاك الذي كان والكائن الآن

والكائن على الدوام إلى دهر الدهور. آمين.

 
   

 

 

1 قُسم النص إلى فصول تحمل الأرقام من 1 ـ 36.

2 أنظر الملاحظة رقم 4 عن سابيليوس ص 10.

3 أنظر ملاحظة رقم 16 عن مارسيلوس ص 19.

1 تمثل هذه العقيدة أساس الرد على القائلين بانبثاق الروح القدس من الآب والابن معًا، وهو ما يُعرف باسم تعليم الفليوكا Filioque أى ” ومن الابن ” والذي ظهر في الغرب في القرن الـ11.

2 القديس أثناسيوس: المقالة الثانية ضد الآريوسيين7: 2، مركز دراسات الآباء، القاهرة 1987.

3 المرجع السابق: 19: 2، أنظر أيضًا الفصل الرابع من هذه المقالة.

4 سابيليوس كان كاهنًا في برقة (الخمس مدن الغربية) وجاء إلى روما وبدأ ينشر بدعته في أوائل القرن الثالث (حوإلى سنة 210م) وكان سابيليوس يعلّم بأنه لا يوجد تمييز بين الأقانيم الإلهية، فهو يعتبر أن الله أقنوم واحد عُرف في العهد القديم باسم الله، ثم ظهر هو نفسه باسم الابن أو المسيح في التجسد، وبعد صعود المسيح، ظهر هو نفسه باسم الروح القدس.

5 القديس أثناسيوس: المقالة الأولى ضد الآريوسيين19، مركز دراسات الآباء، القاهرة1984.

6 أنظر الفصل الثانى من هذا المقال.

7 المقالة الثانية ضد الآريوسيين 41؛ والمقالة الثالثة 11، مركز دراسات الآباء القاهرة 1993.

8 المرجع السابق: المرجع السابق ضد الآريوسيين8: 2، 34،33: 3.

9 المرجع السابق: ضد الآريوسيين43: 1.

10 المرجع السابق: ضد الآريوسيين43: 1، 65: 2، 67.

11 المرجع السابق: ضد الآريوسيين42: 1، 45.

12 المرجع السابق: ضد الآريوسيين41: 1، 42.

13 المرجع السابق: ضد الآريوسيين38: 3.

14 المرجع السابق: ضد الآريوسيين60: 2؛ 37: 3.

15 أنظر ضد الآريوسيين 4: 3، راجع د. وهيب قزمان: النعمة عند القديس أثناسيوس، ج2، إصدار مركز دراسات الآباء بالقاهرة سنة 1994، ص89ـ103.

16 مارسيللوس كان أسقفًا على أنكيرا بمقاطعة غلاطية وكان من المدافعين عن إيمان نيقيا، ولكنه فيما بعد سقط في ما يشبه عقيدة الآريوسيين، من جهة عدم أزلية الابن، ويقول إن الابن ليس هو الكلمة.

17 المرجع السابق: ضد الآريوسيين 21: 1.

18 المرجع السابق: ضد الآريوسيين 19: 2.

19 أنظر الفصل التاسع من هذا المقال.

20 المرجع السابق: ضد الآريوسيين 19: 1.

21 المرجع السابق: أنظر ضد الآريوسيين29: 1.

22 المرجع السابق: ضد الآريوسيين1: 14

23 المرجع السابق:       أنظر ضد الآريوسيين 11: 3

24 المرجع السابق:  ضد الآريوسيين 60: 2.

25 أنظر الفصل التاسع والعشرين من هذا المقال.

26 المرجع السابق: ضد الآريوسيين 19: 2.

27 المرجع السابق: أنظر ضد الآريوسيين 53: 1؛35: 3.

28 أنظر الفصل الواحد والعشرين من هذا المقال.

29 أنظر الفصل الرابع والعشرين من هذا المقال.

30 المرجع السابق: ضد الآريوسيين 19: 2.

31 المرجع السابق: أنظر ضد الآريوسيين39: 1.

32 المرجع السابق: أنظر ضد الآريوسيين29: 3.

33 المرجع السابق أنظر ضد الآريوسيين44: 2.

34 المرجع السابق: ضد الآريوسيين4: 1، 27: 3.

35 المرجع السابق: ضد الآريوسيين44: 2.

36 المرجع السابق: ضد الآريوسيين 33: 3.

37 المرجع السابق: ضد الآريوسيين 47: 1.

ضد الأريوسيين المقالة الرابعة – أثناسيوس الرسولي

قد دفع كل شيء في يده – كل شيء قد دفع إليّ من أبي – شرح نصوص (يو35:3، مت27:11) للقديس أثناسيوس الرسولي

قد دفع كل شيء في يده – كل شيء قد دفع إليّ من أبي – شرح نصوص (يو35:3، مت27:11) للقديس أثناسيوس الرسولي

قد دفع كل شيء في يده – كل شيء قد دفع إليّ من أبي – شرح نصوص (يو35:3، مت27:11) للقديس أثناسيوس الرسولي

شرح نصوص (يو35:3، مت27:11)

” لأن الآب يحب الابن، وقد دفع كل شيء في يده “

” كل شيء قد دفع إليّ من أبي “

                   (35 تكملة) ـ لأن ” الآب يحب الابن، وقد دفع كل شئ في يده ” (يو35:3). و ” كل شئ قد دفع إليّ من أبي ” (مت27:11)، ” أنا لا أقدر أن أفعل من نفسي شيئًا. كما أسمع أدين ” (يو30:5)، والآيات المشابهة، لا تُظهر أن الابن لم تكن له هذه الخاصيات من قَبلْ. لأنه كيف لا تكون هذه الخاصيات التي للآب، هي أزليًا لذاك الذي هو كلمة الآب الوحيد وحكمته حسب الجوهر، وهو الذي يقول أيضًا ” كل ما هو للآب، هو لي ” (يو15:16) ” كل ما لي هو للآب ” (يو10:17)؟ لأنه إن كان كل ما للآب هو للابن، والآب له كل هذه دائمًا، فمن الواضح أن كل ما هو للابن والذي هو نفسه للآب هذا كان دائمًا موجودًا في الابن. إذًا فهو لا يقول هذه الأقوال بسبب أن هذه الخاصيات لم تكن له في وقت ما، بل لأنها كانت له أزليًا من الآب.

          36ـ ولكي لا يضّل أحد، عندما يرى أن الابن له كل ما للآبن بسبب المماثلة التامة ووحدة الذات التي له مع الآب، ويعتبر أن الابن هو الآب مثل ضلال سابيليوس[1]، لذلك فقد قال ” أُعطى لي “، “أَخَذتُ”، “دُفع إليّ”، لكي يُظهر أنه ليس هو الآب، بل كلمة الآب، الابن الأزلي، الذي بسبب مماثلته للآب، فإن ما له هو له أزليًا من الآب، وبسبب أنه الابن فإن له من الآب ما هو له أزليًا. لأن كلمات مثل: “أُعطى” و “دُفع” وما يشابها لا تقلّل من ألوهية الابن، بل بالحري تُظهره أنه الابن الحقيقي، وهذا ما يمكن أن نتعلّمه من هذه الآيات نفسها. ولأنه إن كانت كل الأشياء قد دُفعت له فهو أولاً: آخر مختلف عن كل تلك الأشياء التي أخذها وثانيًا: حيث إنه هو الوارث لكل الأشياء، فهو وحده الابن الذاتي من جوهر الآب. لأنه لو كان واحدًا من بين كل الأشياء، لما كان “ وارثًا لكل شئ ” (عب2:1). ولكن كل واحد يأخذ بحسب إرادة الآب وعطيته. ولكن الآن إذ هو الآخذ لكّل الأشياء، فهو آخر مختلف عنها كلها وهو الوحيد الذي من ذات الآب. ويمكن أن نفهم أيضًا أن تعبيرات مثل: “أُعطى” و “دُفع” لا تُظهر أن هذه الأشياء لم تكن له في وقت ما. هذا ما يمكن أن نستنتجه من آية مشابهة وبطريقة مماثلة بخصوص كل الأشياء. فالمخلّص نفسه يقول: ” لأنه كما أن الآب له حيوة في ذاته كذلك أعطى الابن أيضًا أن تكون له حياة في ذاته ” (يو26:5). والآن بقوله قد “أُعطى” هو يعني أنه ليس هو الآب. ولكن بقوله “كذلك” يظهر مماثلة الابن الطبيعية والذاتية للآب، فلو أن الآب في وقت ما لم تكن له حياة، فمن الواضح أن الابن أيضًا لم تكن له حياة في وقت ما، لأنه كما يكون للآب، كذلك يكون للابن أيضًا.

          ولكن إن كان من الكُفر أن يُقال هذا، فبالحري يكون من التقوى أن يقال إن الآب له ” الحياة” دائمًا وعندئذٍ حينما يقول الابن ” كما أن الآب له، كذلك أيضًا يكون للابن “، ألا يكون غريبًا أنهم يقولون إن ” الابن ليس له كذلك ” بل هو غير ذلك؟ ولكن الكلمة بالحري هو صادق وكل الأشياء التي يقول إنه قد أخذها، هي له دائمًا، وهي له من الآب.

          والآب ليس من أحد، ولكن الابن هو من الآب، لأنه كما في حالة الشعاع، إن كان الشعاع نفسه يقول: ” النور قد أعطاني أن أضيئ كل الأمكنة، وأنا لست أضيئ من نفسي، بل كما يريد النور ” ومع هذا فبقوله هذا هو لا يعني أنه في وقت ما لم يكن يضيئ، بل هو يعني أنني خاص بالنور وكل ما للنور هو لي “. هكذا، بل وأكثر من ذلك ينبغي أن نفكر عن الابن، لأن الآب إذ قد أعطى كل شئ للابن فلا يزال الآب له كل الأشياء في الابن، وطالما أن هذه الأشياء هي للابن فهي لا تزال للآب أيضًا لأن ألوهية الابن، هي ألوهية الآب، وهكذا فإن الآب يمارس أعمال عنايته بكل الأشياء في الابن.

          37ـ وإذ أن هذا هو معنى هذه الأقوال التي تتحدّث بشريًا عن المخلّص، فإن لها أيضًا معاني إيمانية ولأجل هذا الغرض قد فحصنا سابقًا هذه الأقوال، حتى إذا سمعناه يسأل أين وُضِعَ لعازر؟ (انظر يو34:11)، أو حينما يسأل عند مجيئه إلى نواحي قيصرية ” مَن يقول الناس إني أنا ” (مت13:16)، أو عندما طلب أن يعرف قائلاً ” كم رغيفًا عندكم “؟ (مر38:6)، و ” ماذا تريدان أن أفعل بكما “؟ (مت32:20)؛ يمكننا عندئذٍ أن نفهم مما سبق وقلناه، المعنى المستقيم لهذه الأقوال، ولا نعثر مثل الآريوسيين أعداء المسيح. إذًا ينبغي أولاً أن نسأل الجاحدين، لماذا يظنون أنه يجهل؟ لأن مَنْ يسأل فهو لا يسأل بالضرورة بسبب أنه يجهل، بل من الممكن أن ذلك الذي يعرف يسأل بخصوص الأمور التي يعرفها. وبالتأكيد فإن يوحنا كان يعرف أن المسيح حينما سأل فيلبس عن عدد الأرغفة لم يكن يجهل ما يسأل عنه لأنه يقول ” وإنما قال هذا ليمتحنه لأنه هو عَلِمَ ما هو مزمع أن يفعل ” (يو6:6). وطالما عرف ما هو مزمع أن يفعله، لذلك فهو لا يسأل عن جهل ولكنه يسأل عن معرفة. ويمكننا من هذه الحالة أن نفهم الحالات المماثلة. إذًا فحينما يسأل الرب، أين وُضِعَ لعازر فهو لا يسأل عن جهل. ولا أيضًا يسأل عن جهل “من يقول الناس أنه هو”، وإذ هو يعرف الأمر الذي يسأل عنه، فهو يعرف ما هو مزمع أن يفعل. وهكذا بسهولة تبطل حجة أولئك. ولكن إن ظلّوا مصّرين على التمسّك بنقطة أنه يسأل، إذًا فينبغي أن نخبرهم أنه ليس هناك جهل في اللاهوت، ولكن عدم المعرفة هو من خصائص الطبيعة البشريَّة كما سبق أن قلنا. ولكي يتضّح أن هذا الأمر هو حقيقي، فلنلاحظ كيف أن الرب الذي سأل، أين وضع لعازر، هو نفسه ـ وهو لم يكن بعد حاضرًا في الموضع بل كان بعيدًا ـ قال “ لعازر قد مات ” (يو14:11). وعرف المكان الذي دفن فيه. فكيف يكون ذلك الذي يعتبرونه جاهلاً، هو نفسه الذي سبق فعرف أفكار تلاميذه، وكان يعرف ما في قلب كل واحد، ويعرف ما كان في الإنسان (يو25:2) وما هو أكثر من ذلك فهو وحده الذي يعرف الآب ويقول ” أنا في الآب والآب فيّ ” (يو10:14).

          38ـ إذًا فهذا واضح لكل واحد، أن الجسد هو الذي يجهل، أما الكلمة نفسه باعتباره الكلمة، فهو يعرف كل الأشياء حتى قبل أن توجد لأنه حينما صار إنسانًا. لم يكف عن أن يكون هو الله، ولا بسبب كونه الله، يتجنب ما هو خاص بالإنسان، حاشا بل بالحرى إذ هو الله فقد أخذ الجسد لنفسه، وبوجوده في الجسد فإنه يؤلّه الجسد[2]. وفي الحقيقة فإنه كما سأل أسئلة بالجسد هكذا أيضًا بالجسد أقام الموتى، وأظهر للكل أنه هو الذي يُحيي الموتى ويستدعى النفس مرّة ثانية، وأكثر من هذا جدًا فهو يعرف خفايا الكل، فهو عَرِفَ أين وُضِعَ لعازر، ومع ذلك سأل. وهو فعل هذا لأنه وهو كلمة الله الكلّي القداسة والذي احتمل كل الأشياء لأجلنا هكذا احتمل جهلنا، لكي يمنحنا المعرفة الخاصة بأبيه الوحيد الحقيقي، والخاصة به هو نفسه الذي أُرسِلَ لأجلنا ولأجل خلاص الجميع. ولا يمكن أن تكون هناك نعمة أعظم من هذه. إذًا فحينما يستعمل المخلّص الكلمات التي يتعلّلون بها مثل “دُفع إليّ كل سلطان”، و”مجّد ابنك”، وقول بطرس إنه قد أعطى له سلطان (انظر أع38:10)، فنحن نفهم كل هذه الآيات بنفس المعنى أي أنها ينبغي أن تُفهم إنسانيًا، لأنه بسبب الجسد قال كل هذا. فهو رغم أنه ليس محتاجًا، إلاّ أنه يقال عنه إن ما أخذه قد أخذه إنسانيًا، وأيضًا لكي تبقى هذه النعمة مضمونة مادام الرب نفسه قد أخذها لأن الإنسان المجرد حينما يأخذ، فهو معرّض لأن يفقد أيضًا كما ظهر في حالة “آدم” لأنه أخذ وفقد. ولكن لكي تبقى النعمة غير متغيّرة وغير قابلة للضياع وتظل محفوظة للبشر بشكل أكيد، لذلك فهو يمتلك العطيّة لنفسه ولهذا يقول إنه أخذ سلطانًا كإنسان، وهو السلطان الذي كان له دائمًا كإله. ويقول “مجدني”، وهو الذي يمجّد الآخرين لكي يُظهِر أن له جسدًا يحتاج لهذه الأمور. إذ أنه بإتخاذه الجسد صار إنسانًا، لذلك فحينما ينال الجسد هذه الأمور يقال إنه هو نفسه ينالها لأن الجسد هو جسده.

          39ـ إذًا فكما قلت سابقًا (مرّات عديدة) لو أن الكلمة لم يكن قد صار إنسانًا، لكان يمكن عندئذٍ أن تنسبوا للكلمة ـ كما ترغبون أنتم ـ      أنه يأخذ، وأنه يحتاج للمجد وأنه يجهل. ولكن إن كان الكلمة قد صار إنسانًا (وهو قد صار فعلاً)، وأن الأَخذْ والاحتياج، وعدم المعرفة هي خاصة بالإنسان، فلماذا نعتبر المُعطي كأنه يأخذ والذي يهب الآخرين لماذا نظن أنه في احتياج، ولماذا نفصل الكلمة عن الآب كأنه غير كامل ومحتاج، وننزع النعمة عن الطبيعة البشرية؟ لأنه لو كان الكلمة نفسه، باعتباره الكلمة، قد أَخَذَ وتمجّد، لأجل نفسه، ولو كان هو بحسب لاهوته، هو نفسه الذي قُدّس وأُقيم ثانية، فأي رجاء يكون للبشر عندئذٍ؟ لأنهم كانوا سيظلون، كما كانوا عرايا وتعساء، ومائتين وليس لهم أي انتفاع إطلاقًا من الأمور التي أُعطيت للابن. وأيضًا لماذا جاء الكلمة بيننا وصار جسدًا؟ إن كان قد جاء لكي يأخذ هذه الأمور، التي يقول إنه قد أخذها، وأنه كان بدونها قبل ذلك، فبالضرورة كان يجب أن يكون هو نفسه مديونًا بالشكر للجسد، لأنه حينما جاء في الجسد، أخذ عندئذٍ هذه الأمور من الآب، تلك الأمور التي لم تكن له قبل مجيئه في الجسد. وعلى هذا الأساس يظهر أنه هو بالحري الذي ارتقى بسبب الجسد وليس الجسد هو الذي ارتقى بسببه. ولكن هذه الفكرة هي فكرة يهودية. ولكن إن كان الكلمة قد جاء بيننا لكي يفدي جنس البشر، وإن كان الكلمة قد صار جسدًا لكي يقدّس البشر ويؤلههم[3]. (وهو لهذه الغاية قد جاء فعلاً). فلِمَنْ لا يكون واضحًا عندئذٍ أن ما يقول الرب إنه أخذه حينما صار جسدًا، فهو لم يأخذه لأجل نفسه، لكن لأجل الجسد، لأن العطايا المعطاة بواسطته من الآب تختص بالجسد ولقد كان متحدًا بهذا الجسد عندما نطق بهذه الأمور. إذًا دعونا نرى ما هي الأمور التي طلبها، وما هي تلك الأمور التي قال هو أنه قد أخذها، لعل أولئك أيضًا ـ بهذه الطريقة ـ يفيقون من غفلتهم. إذًا فهو طلب المجد ومع ذلك قال ” كل شئ دفع إليّ ” (لو22:10). وبعد القيامة يقول إنه ” قد نال كل سلطان ” (مت18:28). ولكن حتى قبل أن يقول، كل شئ دفع إليّ، كان هو رب كل شئ ” لأن كل شئ به كان ” (يو3:1) وأيضًا ” يوجد رب واحد، الذي به كل الأشياء ” (1كو6:8). وحينما طلب المجد، كان هو كما هو “رب المجد” كما يقول بولس ” لأنهم لو عرفوا لما صلبوا رب المجد .. ” (1كو18:2)، إذ هو يملك ذلك المجد الذي طَلَبَه حينما قال ” المجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم ” (يو5:17).

          40ـ وأيضًا السلطان الذي قال إنه أَخَذَه بعد القيامة، هذا كان له قبل أن يأخذه أي قبل القيامة، لأنه هو نفسه انتهر الشيطان قائلاً ” اذهب خلفي يا شيطان ” (مت10:4) كما أنه أعطى للتلاميذ سلطانًا على الشيطان (انظر لو19:10). ولذا فعند عودتهم قال ” رأيت الشيطان ساقطًا مثل البرق من السماء ” (لو18:10). ويتضح أيضًا أن ما قال إنه قد أَخَذَه، هذا كان له قبل أن يأخذه، وذلك من طرده للشياطين ومن حَلِّهِ للذين ربطهم الشيطان كما فعل في حالة ابنه إبراهيم (انظر لو16:3).

          ويتضّح أيضًا من غفرانه للخطايا بقوله للمفلوج، وللمرأة التي غسلت قدميه: ” مغفورة لك خطاياك ” (مت5:9، لو48:7). كما يتضح أيضًا من إقامته للموتى، وإعادة البصر للمولود أعمى، واهبًا له أن يرى. وكل هذه قد فعلها لا منتظرًا أن يأخذ “سلطانًا” بل لأنه يملك السلطان. وقد صار واضحًا من كل هذا أن ما كان له بكونه هو الكلمة فهذا يقول عنه إنه أَخَذَه إنسانيًًا حينما صار إنسانًا وقام من الموت. وذلك لكي يصير البشر على الأرض، عن طريقة شركاء للطبيعة الإلهية[4]، ويكون لهم سلطان على الأرواح الشريرة. أما في السماوات فإنهم يملكون إلى الأبد لأنهم قد تحرّروا من الفساد. وهكذا فينبغي أن نعرف تمامًا، أنه ليس شئ مما قال إنه أَخَذَه، قد أَخَذَه كأنه لم يكن له قبلاً. لأن الكلمة لكونه هو الله كانت له هذه الأشياء دائمًا. أما في هذه الآيات فيقال إنه قد أَخَذَ إنسانيًا، ولذلك فعندما يأخذ الجسد فيه، فإن ما أخذه يبقى مضمونًا لنا لأن ما قاله بطرس إنه “أخذ من الله كرامة .. ومجدًا .. ” ” وملائكة مخضعة له ” (2بط17:1، 1بط22:3) له هذا المعنى. فإن الرب سأل بسبب كونه إنسانًا، وأقام لعازر لكونه هو الله. هكذا فإن كلمة “أخذ” تتحدّث عنه إنسانيًا، بينما خضوع الملائكة يوضّح ألوهية الكلمة.

          41ـ كفوا إذًا يا أعداء الله، ولا تحقّروا الكلمة ولا تجرّدوه من الألوهية التي هي نفس ألوهية الآب أيضًا لأنه إنسانيًا احتاج أو كأنه كان يجهل، لئلا تقذفوا المسيح بمجادلاتكم كما فعل اليهود عندما رجموه لأن هذه الأمور لا تخص الكلمة لكونه هو الله الكلمة، بل هي تخص البشر. كما فعل حينما بصق، وحينما مدّ يده، وحينما دعا لعازر، فنحن لا نقول إن هذه الأعمال الباهرة كانت بشرية، ورغم أنها تمت بواسطة الجسد، بل كانت أعمالاً خاصة بالله. وهكذا أيضًا رغم أن الأمور البشرية تنسب في الإنجيل للمخلّص إلاّ أننا يجب أن ننظر إلى طبيعة الأمور التي تقال إنها غريبة عن الله، ولا ينبغي أن ننسبها إلى ألوهية الكلمة بل إلى ناسوته. لأنه رغم أن الكلمة صار جسدًا، إلاّ أن الجسد له الآلام الخاصة به. ورغم أن الجسد محمول إلهيًا في الكلمة لكن النعمة والقوة هي خاصة بالكلمة. إذًا فقد عمل أعمال الآب بالجسد، ومن الجهة المقابلة حقًا فإن آلام الجسد قد ظهرت فيه أيضًا. فمثلاً طلب أن يعرف وأقام لعازر. منع أمه قائلاً ” لم تأتِ ساعتي بعد ” (يو4:2). ثم بعد ذلك مباشرةً حوّل الماء خمرًا لأنه كان إلهًا حقيقيًا في الجسد، وكان جسدًا حقيقيًا في الكلمة. لذلك فمن أعماله أعلن نفسه أنه ابن الله كما أعلن أباه أيضًا. ومن آلام الجسد أظهر أنه اتخذ جسدًا حقيقيًا وأن الجسد كان جسده الخاص[5].

1 انظر هامش 10 ص15.

2 كثيرًا ما يكرر القديس أثناسيوس وغيره من آباء الكنيسة هذه العبارة، لكنهم لم يقصدوا بالطبع أن الناسوت (أى الجسد) قد تلاشى أو ذاب في اللاهوت، بل أن الجسد قد تمجّد بالمجد الإلهي.

3 انظر هامش رقم 27 ص50.

4 انظر 2بط4:1.

5 هنا يلخص ق. أثناسيوس ما سبق أن تحدث عنه في الفصول 32، 35.

قد دفع كل شيء في يده – كل شيء قد دفع إليّ من أبي – شرح نصوص (يو35:3، مت27:11) للقديس أثناسيوس الرسولي

ضد الأريوسيين المقالة الثالثة – أثناسيوس الرسولي

ضد الأريوسيين المقالة الثالثة – أثناسيوس الرسولي

ضد الأريوسيين المقالة الثالثة – أثناسيوس الرسولي

مقدمة

هذه هى “المقالة الثالثة ضد الآريوسيين” التي كتبها القديس أثناسيوس دفاعًا عن ألوهية المسيح من خلال شرحه الدقيق لنصوص الكتاب المقدس التي حاول الآريوسيون أن يحرّفوا معناها للطعن في ألوهية المسيح، وهو بذلك يكمّل دفاعه وشهادته لألوهية المسيح في المقالتين الأولى والثانية ضد الآريوسيين  اللتين صدرتا في 1984، 1987 على التوالي.

ونذكّر القارئ مرّة أخرى أن القديس أثناسيوس يستخدم الترجمة السبعينية اليونانية للعهد القديم في الآيات التي يستشهد بها من العهد القديم وقد وضعنا حرف (س) بعد الشاهد للدلالة على أن الآية المقتبسة هى من الترجمة السبعينية.

أما الكلمات التي بين قوسين، فهى ليست موجودة في الأصل اليوناني ولكنها أُضيفت لتوضيح المعنى.

 

مصادر الترجمة:

النص اليوناني “للمقالة الثالثة ضد الآريوسيين” ظهر في المجلد 26 من مجموعة الآباء ميني باليونانية (M, PG 26:421-468)

ونفس النص اليوناني الذي تمّت عنه هذه الترجمة منشور في “سلسلة آباء الكنيسة ΕΠΕ أعمال أثناسيوس الأسكندري الكبير مجلد 3، إصدار مكتبة “غريغوريوس بالاماس” تسالونيكي اليونان 1975.

وقد تمت مقارنة الترجمة بالترجمة الإنجليزية التي أنجزها العالم الكاردينال نيومان المنشورة بالمجلد 4 من سلسلة “آباء نيقية وما بعد نيقية” المجموعة الثانية N.P.N. 2nd Series

 ولإلهنا الحيّ القدير يسوع المسيح المجد والسجود مع أبيه الصالح والروح القدس الثالوث القدوس الواحد، الآن وإلى الأبد آمين.

 

الفصل الثالث والعشرين: أنا في الآب والآب فيّ – شرح نص يو10:14

الفصل الرابع والعشرين: أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته – شرح نص يو3:17

الفصل الخامس والعشرين: أنا والآب واحد، ليكونوا واحد كما نحن – شرح نصوص (يو30:10، يو11:17) 

الفصل السادس والعشرين: مقدمة لشرح آيات من الأناجيل عن التجسُّد

الفصل السابع والعشرين: قد دفع كل شيء في يده – كل شيء قد دفع إليّ من أبي – شرح نصوص (يو35:3، مت27:11) 

الفصل الثامن والعشرين: معرفة الابن لليوم والساعة، التقدّم في النعمة والحكمة – شرح نصوص (مر32:13، لو52:2) 

الفصل التاسع والعشرين: إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس – الآن نفسي قد اضطربت – شرح نصوص مت39:26، يو27:12

 الفصل الثلاثون: اعتراضات ضد لاهوت المسيح والرد عليها 

 

ضد الأريوسيين المقالة الثالثة – أثناسيوس الرسولي

الفكرة المجمعية المجامع المسكونية – الأنبا يؤانس أسقف الغربية

الفكرة المجمعية المجامع المسكونية – الأنبا يؤانس أسقف الغربية

الفكرة المجمعية المجامع المسكونية – الأنبا يؤانس أسقف الغربية

إن رسائل العهد الجديد بما تضمنته من حث على الفضيلة وتحذير من السقوط في بعض الخطايا والانحرافات اللاهوتية والعقيدية والروحية، إنما تظهر يقظة الكنيسة الأولى وحرصها على أن يكون جميع أعضائها مقدسين جسداً وروحاً سالكين في وصايا الرب بلا لوم مدققين في حفظ الإيمان القويم الذي سُلم مرة واحدة للقديسين.

والمسيحية كدين جديد صاعد منبثق من اليهودية التقت أول ما التقت باليهودية نفسها، بل كان ينظر إلى المسيحية في أول أمرها على أنها شيعة يهودية جديدة وساعد على هذه النظرة حرص اليهود المتنصرين على الاستمرار في ممارسة عوائدهم اليهودية، لكن سرعان ما حدث الصدام الذي كان لا مندوحة عنه بين المسيحية الناشئة واليهودية العتيقة المتأصلة، صدام من الخارج ومتاعب من الداخل.

صدام من الخارج في صورة الاضطهادات التي أعلنتها اليهودية المتعصبة على الجماعات المسيحية الناشئة.

ومتاعب من الداخل أثارها اليهود المتنصرون الذين نادوا بضرورة التمسك بالناموس الموسوي والعوائد اليهودية وإلزام الأمم المتنصرين بضرورة مراعاتها وإلا فلا خلاص لهم.

وما لبثت المتاعب أن ظهرت من ناحية الأمميين الوثنيين بعد أن اتسعت دائرة الإيمان وكثر عدد المؤمنين منهم، أولاً: عن طريق الاضطهاد الخارجي الذي أثارته الوثنية ممثلة في الدولة الرومانية ضد الكنيسة المسيحية، وثانياً: عن طريق المحاولات التي قام بها بعض المفكرين والفلاسفة الوثنيين المتنصرين لتفسير المسيحية على ضوء الآراء والفلسفات الوثنية لتقريبها إلى عقول الوثنيين غير المؤمنين، وما نتج عن ذلك من انحرافات فكرية وعقيدية.

كان أمراً طبيعياً إذن أن تواجه الكنيسة المسيحية الناشئة هذه المشاكل الإيمانية العقيدية مجتمعة، وكان لابد أن تجد لها حلاً، وقد أخذت الكنيسة منذ أول عهدها بمبدأ حل المشاكل التي تواجهها بواسطة مجامع دينية، وعلى هذا فيمكن القول إن الفكرة المجمعية قد انبثقت في الكنيسة الأولى نتيجة إحساسها بالحاجة إليها.

 

الفكرة المجمعية

أ. في اليهودية.

وإذا أردنا تقصي النظام المجمعي المسيحي فإننا نلمس جذوره في اليهودية ومن أمثلته المجامع التي عقدها كهنة اليهود ورؤساؤهم على السيد المسيح (انظر مت 3:26-4 مر 1:15).

ومن أمثلتها أيضاً المجامع اليهودية التي انعقدت لتحاكم التلاميذ لكرازتهم بالإيمان المسيحي (انظر أع 21:5). وجدير بالذكر أن الرب يسوع في قوله الوارد في (مت 15:18-17) ” إن أخطأ إليك أخوك فاذهب وعاتبه بينك وبينه وحدكما، إن سمع منك فقد ربحت أخاك، وإن لم يسمع فخذ معك أيضاً واحداً أو اثنين.. وإن لم يسمع منهم فقل للكنيسة. وإن لم يسمع من الكنيسة فليكن عندك كالوثني والعشار ” يستعمل عبارة ” كنيسة ” ويتحدث عنها كهيئة قضائية كالمجمع اليهودي لها سلطة بعد مناقشات أن تصدر قرارات وتمارس نظاماً معيناً.

 

ب. في كنيسة الرسل.

ولعل أول مجمع عقدته الكنيسة المسيحية هو مجمع أورشليم الذي يحدثنا عنه كاتب سفر الأعمال في الأصحاح الخامس عشر، والذي التأم للنظر في أمر الداخلين من الأمم إلى الإيمان المسيحي، وما إذا كان لابد لهم أن يتهودوا أولاً وإلى أي حد يجب أن يلتزموا بالناموس الموسوي، انعقد هذا المجمع سنة 50م وحضره بطرس وبولس ويوحنا وبرنابا وتيطس -وربما غيرهم من الرسل ممن لم يذكرهم كاتب سفر الأعمال- لكن إلى جانب هؤلاء الرسل كان بعض القسوس والأخوة العلمانيين (انظر أع 6:15، 22، 23).

وقد رأس المجمع القديس يعقوب أسقف أورشليم باعتباره أسقف المكان وكان حله المؤقت الذي ارتآه هو الذي وافق عليه المجمع. والظاهرة الواضحة في هذا المجمع أن روح الله كان يعمل به وفيه ولذا لا نعجب إذا رأينا على الرغم من دقة الموضوع الذي كان يناقش وحدانية القلب والروح والفكر. وسنري كيف أن المجامع الكنسية كانت وسيلة هامة لتدعيم وتقوية الوحدة المسيحية والكنسية وإقرار كل ما يتعلق بالإيمان والنظام وهي ولا شك تحتل صفة بارزة في تاريخ الكنيسة المسيحية.

 

ج. ما بعد العصر الرسولي.

لا يقدم لنا التاريخ الكنسي دليلاً أكيداً على أي أثر لانعقاد مجامع من نوع مجمع أورشليم قبل منتصف القرن الثاني الميلادي حينما انعقدت مجامع في آسيا الصغرى للنظر في بدعة المونتانيين Montanists وهم أتباع منتانوس Montanus الذي زعم أنه هو الباراقليط الموعود به من السيد المسيح.

وعُقدت عدة مجامع في أفسس في أواخر القرن الثاني برئاسة بوليكراتس Polycrates، وفي فلسطين وبلاد ما بين النهرين Mesopotamia وفي بلاد البنطس، وغالباً برئاسة القديس إيريناوس Iranaous بخصوص موضوع عيد الفصح، وأول ذِكر لأمثال هذه المجامع ورد في رسالة من فرميليانوس أسقف قيصرية كبادوكية إلى القديس كبريانوس في أوائل القرن الثالث كما أشار إليها العلامة ترتليانوس في بعض كتاباته كنوع من التنظيم الكنسي في زمانه ويشير إلى أن هذه العادات التي كانت متبعة في الأقاليم الشرقية، بدأت تسترعي انظار اللاتين في الأقاليم الغربية.

على أن أول المجامع الغربية اللاتينية عقدت في مطلع القرن الثالث الميلادي في شمال أفريقيا برئاسة كبريانوس. ومن الرسالة التي أرسلها فرميليانوس والتي أشرنا إليها آنفاً، نتبين أن المجامع كانت تجتمع بانتظام مرتين في كل عام في آسيا الصغرى في أوائل القرن الثالث الميلادي كنظام كنسي ثابت.

 

عضوية المجامع

من له الحق في عضوية المجمع والحق في التصويت بالنسبة لقراراته.

يري البعض في عضوية المجمع المسيحي الأول ” مجمع أورشليم ” وفئات المؤمنين الذين اشتركوا فيه وبالصورة التي اجتمع بها دليلاً واضحاً على أن من حق المؤمنين العلمانيين أن يسهموا في إدارة الشئون الكنسية مع الإكليروس ويستندون في ذلك إلى ما قاله كاتب سفر الأعمال في معرض حديثه عن هذا المجمع ” فاجتمع الرسل والقسوس لينظروا في هذا الأمر “.

وبعد كلمتي بطرس ويعقوب الذي رأس هذا المجمع يقول القديس لوقا ” حينئذ رأي الرسل والقسوس مع الكنيسة.. ” وحينما أقروا قرارات المجمع كتبوا بأيدهم هكذا ” الرسل والقسوس والأخوة يهدون سلاماً إلى الأخوة الذين من الأمم في إنطاكية وسورية وكيليكية.. ” (أنظر أع 6:15، 22، 23).

وفي المجمع الذي التأم سنة 256 في عهد القديس كبريانوس أسقف قرطاجنة لمناقشة موضوع إعادة معمودية الهراطقة كان حاضراً 87 أسقفاً بالإضافة إلى عديد من الكهنة والشمامسة وجمهرة من عامة الشعب وجدير بالذكر أن الأساقفة في هذا المجمع هم الذين كان لهم وحدهم دون سواهم حق التصويت.

ويتخذ البعض من ذلك دليل على أن العلمانيين والقسوس وليس لهم حق التصويت ولكن في بعض المجامع المكانية الأخرى كان القسوس والشمامسة يوقعون بأسمائهم بعد الأساقفة. وموضوع حق القسوس والشمامسة في التصويت رسمياً في المجامع الكنسية خاصة في المجامع الإقليمية كانت وما تزال موضوع جدل ولكن الواقع أنه على غرار ما يحدث الآن في الشئون السياسية، كان كل أسقف يصطحب معه مستشاريه من القسوس والشمامسة وبعد التشاور معهم كان يعلن رأيه بصفته أسقفاً. وإن كان هذا الرأي في واقع الأمر يعتبر محصلة رأيه وآراء مستشاريه.

ويؤكد هذا الذي نقوله رسالة بعث بها الإكليروس الروماني إلى القديس كبريانوس أسقف قرطاجنة يتحدثون فيها عن المناقشات العامة المجمعية التي يجربها أساقفتهم مع القسوس والشمامسة والمعترفين والعلمانيين المعتبرين على أن الأمر أصبح قاطعاً وواضحاً عقب مجمع نيقية المسكوني الأول سنة 325م، حيث أصبح للأساقفة وحدهم بصفة عامة حق الحضور والتصويت وأصبح القسوس والشمامسة مجرد سكرتاريين أو مستشارين أو نواباً عن أساقفتهم، ويمكن أن نقسم المجامع الكنسية بصفة عامة إلى ثلاثة أنواع رئيسية هي: مجامع مكانية، مجامع إقليمية، ومجامع عامة ” مسكونية “.

 

المجامع المكانية Diocesan Councils

وهي التي يجتمع فيها الأسقف والقسوس والشمامسة في مركز الإيبارشية لتدبير أمورهم الخاصة. وإن كان التاريخ لا يمدنا بمادة عن انعقاد أمثال هذه المجامع قبل القرن الثالث المسيحي، لكن من المحتمل أن تكون قد انعقدت مجامع كنسية من هذا النوع قبل هذا التاريخ لأن الدسقولية وهي تعاليم الرسل تقول في الباب الثامن منها (يكون “أي الأساقفة” اجتماعكم للأحكام يوم الاثنين. فإن كان ثمة خصومة فصلتموها وتكونون متفرغون لذلك طول الجمعة إلى يوم السبت لتنقضي الخصومة فان كان يوم الأحد المقدس تكونون قد أصلحتم بين المتخاصمين ليحضر معكم يا أساقفة الشمامسة والقسوس.. الخ) “.

 

المجامع الإقليمية Provincial Councils

وهذه بدأت تظهر مع التنظيم الكنسي وكانت تجتمع برئاسة مطران الإقليم ” أي أسقف المدينة الأولي في الأقاليم ” ونظراً لما تعرضت له الكنيسة من عواصف الاضطهادات العنيفة فقد عقدت هذه المجامع في عاصمة الإقليم مرة أو مرتين في العام برئاسة رئيس أساقفة الإقليم الذي كان له الإشراف على أساقفة الإقليم، وإن كان هذا لم يمنع من عقد اجتماعات غير عادية لهذه المجامع كلما استجدت ظروف تدعوا إلى ذلك.

والتاريخ مملوء بأمثلة كثيرة لهذه المجامع كالمجمع الذي عقده البابا ديمتريوس بالإسكندرية سنة 231 للنظر في أمر أوريجانوس وما نسب إليه، وكالمجمعين اللذين عقدهما البابا الكسندروس ضد آريوس سنة 319، 321 م وحكم فيهما بحرم آريوس ومن يتبعه.

 

المجامع المسكونية

وهذه اجتمعت منذ عصر قسطنطين الكبير، أو بعبارة أخرى من وقت أن بدأت المسيحية تأخذ طريقها كديانة مسموح بها في الدولة التي أخذت تحتضنها نتيجة اعتناق الأباطرة لهذه الديانة الجديدة، وقد اجتمعت هذه المجامع العامة لضرورات حتمية تختص بالإيمان والعقيدة، وإن كانت قد بحثت أموراً أخري تتعلق بنواحي التنظيم الكنسي وكان يحضر هذه المجامع أساقفة من أنحاء العالم المسيحي شرقاً وغرباً، والكنائس الأرثوذكسية تعترف بثلاثة مجامع عامة فقط هي مجامع نيقية القسطنطينية وأفسس الأول.

 

وهذه المجامع الثلاثة تعترف بها جميع كنائس العالم شرقاً وغرباً وتتمسك بما وضعته من قوانين تحفظ الإيمان المسيحي، وكإظهار لهذه الحقيقية تذكر كنيستنا هذه المجامع الثلاثة في قداسها الإلهي في تحليل الخدام وفي مجمع الآباء القديسين.

 

الأحكام الباطلة لبعض المجامع.

تعترف الكنيسة القبطية بما للمجامع الكنسية الأرثوذكسية من سلطان في إصدار القوانين سواء كانت هذه القوانين تنظيمية أو عبارة عن أحكام ضد المبتدعين والخارجين عن الإيمان السليم وهي تقبل هذه القوانين والأحكام بشرط ألا تتعارض مع الكتاب المقدس والعقيدة القويمة والقوانين الكنسية وإلا اعتبرت باطلة.

 

وتاريخ الكنيسة به عينات كثيرة من المجامع الباطلة ومن أمثلتها مجمع صور الذي انعقد لمحاكمة البابا أثناسيوس الرسولي سنة 334 م وقضي بعزله من وظيفته الكهنوتية وبالنفي، وذلك لأن أعضاء هذا المجمع، كانوا من الآريوسيين، وعلى الرغم من أن الإمبراطور أمر بتنفيذ قرارات هذا المجمع، فإن الكنيسة اعتبرته باطلاً وظلت متمسكة برئيسها الديني البابا أثناسيوس الرسولي على الرغم من نفيه.

 

ومن أمثلتها أيضاً المجمع المكاني الذي انعقد بالقسطنطينية على القديس يوحنا ذهبي الفم وعلى الرغم من أن البابا ثاؤفيلس البطريرك الإسكندري ال23 هو الذي رأس هذا المجمع إلا أن الكنيسة سرعان ما عادت في عهد خلفه البابا كيرلس عمود الدين واعترفت ببراءة يوحنا ذهبي الفم.

 

مجمع نيقية المسكوني سنة 325 م

انعقد هذا المجمع وهو بكر المجامع العامة المسكونية في مدينة نيقية في شهر مايو سنة 325م بدعوة من الإمبراطور قسطنطين الكبير لحسم بعض المسائل الدينية وفي مقدمتها المشكلة الكبيرة التي أثارها آريوس، ونحاول الآن أن نقف عند بعض النقاط التي تعطينا صورة واضحة عن هذا المجمع.

 

أسباب انعقاد مجمع نيقية المسكوني 325م

لا شك أن الآراء الهرطوقية التي نادي بها آريوس هي السبب المباشر لانعقاد مجمع نيقية لكن كان هناك دواع نجملها في الآتي:

 

(1) الخلاف حول تحديد يوم عيد القيامة.

وقد ظهر هذا الخلاف منذ وقت مبكر بين كنائس آسيا الصغرى وبين كنيسة روما، حينما أعلن القديس بوليكاربوس أسقف أزمير ” سميرنا ” وتلميذ يوحنا الحبيب إنه ينبغي الاحتفال بذكري الصليب يوم 14 نيسان العبري وهو اليوم الذي صلب فيه السيد المسيح وتذكار القيامة في السادس عشر منه وهو اليوم الذي قام فيه المسيح بغض النظر إن كان هذان اليومان يوافقان يومي جمعة وأحد وهما اليومان اللذان تم فيهما الصلب والقيامة ولهما مدلولاتهما أم لا. كانت الكنيسة القبطية تحرص على الاحتفال بذكري هاتين المناسبتين في يومي الجمعة والأحد.

 

وفي ختام القرن الثاني حاول فيكتور أسقف روما إرغام كنائس آسيا الصغرى على الالتزام بيومي الجمعة والأحد لكن هذه الكنائس ردت عليه بعقد مجمع من خمسين أسقفاً، واعتبر فيكتور أسقف روما معتدياً وقرر عدم الالتفات إلى تهديده، وأخيراً حاول البابا الإسكندري ديمتريوس الكرام التوفيق بين الفريقين فعمل على أن يُعيد المسيحيون بذكري الصلب في يوم الجمعة والقيامة في يوم الأحد، على أن يرتبطا بيومي 14، 16 نيسان العبري.

 

فجمع لذلك علماء الإسكندرية الفلكيين (وكانوا أشهر الفلكيين في العالم آنذاك). ووضعوا قاعدتهم المشهورة وهي أن يُعيد المسيحيون عيد القيامة يوم الأحد الذي يلي فصح اليهود مباشرة، وعلى الرغم من هذا الحل إلا أن الخلاف ظل قائماً حتى حسمه مجمع نيقية مُقرًا مبدأ كنيسة الإسكندرية سالف الذكر.

 

(2) الشقاق الذي أحدثه ملاتيوس أسقف أسيوط.

كان ملاتيوس هذا معاصراً لدقلديانوس وقبض عليه وأودعه السجن، وكان من جراء ذلك أنه ضعف وبخر للأوثان، ورغم أنه عاد وندم ورجع إلى المسيحية لكنه بدأ يرسم أساقفة بدون إذن من رئيس الكنيسة البابا بطرس خاتم الشهداء، فرسم حوالي 30 أسقفاً، مما اضطر البابا بطرس أن يعقد مجمعاً مكانياً حرمه هو وأساقفته، لكن ملاتيوس لم يخضع لحكم المجمع واستمر في عصيانه الأمر الذي أتعب كنيسة الإسكندرية.

 

 

(3) موضوع إعادة معمودية الهراطقة.

وهذه مشكلة هامة شغلت الكنيسة ردحاً طويلاً من الزمان، والمشكلة هي، هل يعاد عماد الهراطقة التائبين، وما هو وضع الذين قبلوا العماد على أيديهم؟، ظهر هذا الخلاف كمشكلة بين القديس كبريانوس أسقف قرطاجنة ” في شمال أفريقيا ” وإسطفانوس أسقف روما. كان كبريانوس يري أن المعمدين من يد الهراطقة هم وحدهم الذين يجب إعادة معموديتهم أما الذين قبلوا العماد من الكنيسة الأرثوذكسية فعمادهم صحيح لا يعاد، على عكس اسطفانوس الذي نادي بعدم جواز إعادة المعمودية إطلاقاً. تحرج الأمر وعقد كلا الفريقين بعض المجامع المكانية لتدعيم رأيه. تدخل القديس ديوناسيوس البطريرك الإسكندري لحسم هذا الخلاف وكان من كبار اللاهوتيين في عصره مؤيداً رأي كبريانوس، وإن كان بهذا التدخل قد هدأ الجو لكن الأمر أيضاً لم يحسم بصورة قاطعة إلا في مجمع نيقية.

 

(4) بدعة آريوس.

ولد آريوس في مدينة القيروان بليبيا سنة 270م ودرس الكثير من العلوم والمعارف، ثم نزح إلى الإسكندرية حيث التحق بمدرستها اللاهوتية فأظهر في دراسته نبوغاً كبيراً وعندئذ داخله الغرور وسعي للحصول على درجة من درجات الكهنوت، شجع في بادئ الأمر ملاتيوس في حركته العصيانية ثم عاد وأظهر خضوعاً مزيفاً للبابا بطرس خاتم الشهداء الذي سامه شماساً، فقساً سنة 306م، بدأ في إعلان تعاليمه الفاسدة في عهد البابا بطرس خاتم الشهداء، وتنحصر هذه التعاليم في إنكار لاهوت المسيح وأنه غير مساوٍ للآب في الجوهر، وحالما وقف البابا بطرس على هرطقته حاول إرجاعه عن تعاليمه الفاسدة هذه ولما لم يقبل أعلن حرمه، بعد ذلك قُبض على البابا بطرس وأودع السجن في زمان الاضطهاد الذي أثاره دقلديانوس على الكنيسة.

 

حاول بعض أتباع آريوس مع البابا بطرس وهو في سجنه لكي يعطى حلاً لآريوس، ولكنه أكد حرمه واستدعى تلميذيه أرشيلاوس وألكسندروس ـ وأنبأهما بأنه سينال إكليل الشهادة كما تنبأ أنهما سيرتقيا السّدة المرقسية خلفاً له. وقال لهما ضمن ما قال عن آريوس ” إن فيه مكراً مخفياً ولست أنا الذي حرمته بل السيد المسيح ـ لأني في هذه الليلة لما أكملت صلاتي ونمت رأيت شاباً قد دخل علىّ ووجهه يضئ كضوء الشمس وعليه ثوب متشح به إلى رجليه وهو مشقوق وأمسك بيديه القطعة الممزقة.

 

فصرختُ وقلتُ: يا سيدي من الذي شق ثوبك؟ أجابني: آريوس هو الذي مزق ثوبي فلا تقبله. واليوم يأتيك قوم طالبين إرجاعه فلا تطعهم، وأوصى أرشيلاوس وألكسندروس بأن يمنعاه من شركتهما “. وعلى الرغم من هذه النصيحة فإنه عندما تبوأ أرشيلاوس الكرسي الإسكندري قبل آريوس بعد إلحاح بعض أتباعه.

 

لكن أرشيلاوس لم يجلس على الكرسي البطريركي سوى أشهر وخلفه ألكسندروس فجدد حرمه وناهض بدعته. حاول آريوس عن طريق بعض أتباعه أن ينال الحلّ من فم البابا الكسندروس لكن هذا الأخير قال لهم: ” قولوا لأريوس أوصاني أبى ألا أقبلك فلا تدخل إلىّ ولا أجتمع بك وذلك حسب أمر السيد المسيح فاعترف للمخلص بخطيئتك فإذا قبلك فهو يأمرني بقبولك “.

 

منذ ذلك الحين بدأ آريوس في نشر ضلالته جهاراً فبينما كان البابا الكسندروس يعظ ذات مرة عن سلطان المسيح في إقامة الموتى مبيناً أن ابن الله الكلمة مساوٍ للآب وأن له طبيعة وذاتاً واحدة مع الآب. وكان آريوس في مكان آخر من الإسكندرية يعظ على الآية “أبي أعظم مني” مندداً برأي الكسندروس ومنادياً بأن المسيح غير مساوٍ للآب في الجوهر بل هو مخلوق بإرادة الآب..

 

ولكي يروج آريوس لتعاليمه الفاسدة نظم تعاليمه في مقطوعات شعرية ضمنها كتابه المُسمى ثاليا ولقنها لأتباعه فأذاعوها بين العامة لكي يرددوها بأنغام خاصة لِما للتلحين من أثر كبير في نفوس السامعين. كانت النتيجة أن جمع البطريرك الكسندروس مجمعاً سنة 319م.

 

وأصدر رسائل ومنشورات كثيرة توضح عقائد الإيمان القويم. وإذ لم يرتدع آريوس وأتباعه عقد البابا مجمعاً آخر سنة 321م حضره حوالي مائة أسقف من مصر وليبيا وحكم بتجريد آريوس من رتبته الكهنوتية وكل من تبعه. واتصل البابا الكسندروس بسميه بطريرك القسطنطينية مظهراً له فساد آريوس وضلالته وشارحاً له العقيدة الأرثوذكسية.

 

ولما وجد آريوس أنه قد ضيق عليه الخناق في الإسكندرية وكل مصر غادرها إلى فلسطين وآسيا الصغرى، حيث بعض أصدقائه من الأساقفة الذين انخدعوا بضلالته وسمحوا له بنشرها، ثم اتصلوا بالبابا الكسندروس راجين قبوله في شركة المؤمنين. لكن البابا رفض طالما هو باقٍ على ضلالته. اقتنع بعض الأساقفة بينما عقد البعض الآخر مجمعين متتاليين في عامي 322، 323 م قرروا فيها إلغاء الحرم الصادر من البابا الكسندروس، وعاد آريوس إلى الإسكندرية ثانية ينفث سموم تعاليمه ممعناً في عناده وضلالته.

 

فطرده البابا ثانية فعاد من حيث أتى. اتصل أوسابيوس أسقف نيقوميدية بالإمبراطور قسطنطين راجياً وساطته لحل هذا الخلاف. انتدب الإمبراطور، هوسيوس أسقف قرطبة لهذه العملية المهمة فأتى إلى الإسكندرية لكنه لم يفلح في مهمته. فعاد إلى الإمبراطور شارحاً الأمر طالباً عقد مجمع عام لعلاج هذه المشكلة الخطيرة.

 

جلسات مجمع نيقية 325م

انعقد المجمع في مدينة نيقية في شهر مايو سنة 325م وخصص لاجتماعاته الساحة الوسطى في القصر، الإمبراطوري بالمدينة نظراً لإتساعها. بعد أن أعدت فيها المقاعد الكثيرة ووضع في الوسط كرسي من الذهب ليجلس عليه الإمبراطور قسطنطين الذي رغب في حضور جلسات المجمع ” ومدينة نيقية هي العاصمة الثانية لولاية بيثينية وتقع في الشمال الغربي لآسيا الصغرى وقد تهدمت ولم يبق منها سوى أطلال وفى موضعها الآن قرية ” أسنيك ” التركية..

وكانت المدينة على جانب كبير من الجمال. وقد اختيرت مدينة نيقية لانعقاد المجمع لتوسط موقعها بين آسيا وأوربا بالإضافة إلى جوها الصحي. هذا ولم تختر مدينة نيقوميدية وهي العاصمة الأولى لمقاطعة بيثنينية نظراً لما كان معروف عن الميول الأريوسية لأسقفها أوسابيوس.

بدأت وفود الأساقفة تصل إلى نيقية قُبيل الموعد المحدد لانعقاد المجمع، وكان في مقدمة الحاضرين وفد كنيسة الإسكندرية وكان يتألف من البابا الكسندروس وشماسه أثناسيوس مع عدد من الأساقفة من بينهم الأنبا بفنوتيوس أسقف طيبة والأنبا بوتامون أسقف هرقلية بأعالي النيل اللذين قُلعت عيناهما بالسيف وكُويت حواجبهما بالحديد المحمى بالنار في زمان الاضطهاد.

وبلغ عدد الآباء الذين حضروا المجمع 318أسقفاً منهم 310 من الشرق وثمانية أساقفة فقط من الغرب، ولعل ذلك راجع إلى ضعف المسيحية في الغرب آنذاك، وإذ لم يتمكن سلفستروس أسقف روما من الحضور لكبر سنه أناب عنه القسين وتين وويكندس. لا شك أن الحاضرين في المجمع كانوا خليطاً من الأساقفة اللاهوتيين الجهابذة ومنهم البسطاء من أمثال القديس أسبريدون أسقف قبرص والقديس نيقولاوس أحد الآباء اليونان وكلاهما أظهر الرب قداسته وكرامته.  

ويثبت التاريخ أن وفد كنيسة الإسكندرية كان له الصدارة والمكانة الأولى في المجمع. قال المؤرخ الإنجليزي استانلي في كتابه ” محاضرات عن الكنائس الشرقية ” لم يكن الكسندروس أسقف أول كراسي العالم المسيحي من حيث سمو المنزلة والأهمية فحسب بل وأعلى هذه الكراسي كعباً من الوجهة العلمية. وكان هو المنفرد بلقب ” بابا ” لا يعرف به رسمياً في المجمع سواه. لأن كلمة ” بابا رومية ” كانت وقتئذ ما لم يتمخض به التاريخ.

وأما بابا الإسكندرية فكان علَمَ على رأسه نار ولقب وإعزاز وحب ومهابة وإجلال وعُرف به رأس كنيسة الإسكندرية، فكان هو الذي يخاطب به بصفة خاصة. وثمة اجتماعات تمهيدية كانت تعقد في الشوارع والمنازل كانت تدور خلالها مباحثات ومناقشات حول القضية الرئيسية التي سينعقد المجمع لأجلها ألا وهي بدعة أريوس. كما حضر إلى نيقية في الأيام القليلة السابقة لانعقاد المجمع الكبير كثير من الفلاسفة والوثنيين والمسيحيين وقيل أن بعضهم شارك في المباحثات التمهيدية التي أشرنا إليها.

وبعد أن أخذ الأساقفة أماكنهم في المجمع حضر الإمبراطور قسطنطين وجلس عن يمينه البابا الكسندروس، وأثناسيوس رئيس الشمامسة، وأوسابيوس القيصري الذي قام بأعمال السكرتارية. وجلس عن يساره أوسيوس أسقف قرطبة الذي أسند إليه رئاسة المجمع لكبر سنة، وآريوس وأكبر أعوانه، كما أصطف الجمهور على جانبي القاعة.

أُفتتح المجمع في 20 مايو وانتهى في 25 أغسطس من سنة 325م وكانت الجلسة الأولى جلسة افتتاحية ألقى فيها سكرتير المجمع خطاب الافتتاح ورد عليه الإمبراطور قسطنطين بخطاب آخر. ولما بدأ المجمع يزاول أعماله والنظر في بدعة آريوس حدث جدل ونقاش كثير مما دعى إلى رفع الجلسة وانفضاضها دون الوصول إلى نتيجة ما. وفى اليوم التالي انعقد المجمع وقدم آريوس صورة معتقده الفاسد وفيه ” إن الابن ليس مساوياً للآب في الأزلية وليس من جوهره وأن الآب كان في الأصل وحيد وأخرج الابن من العدم بإرادته وأن الابن إله لحصوله على لاهوت مكتسب “.

انبرى رئيس الشمامسة أثناسيوس وأفحم آريوس بردوده القوية وحججه الدامغة مظهراً ضلاله وفساد رأيه مما أثار إعجاب جميع الأساقفة الذين فرحوا لفصاحته وهو لم يبلغ بعد الثلاثين من عمره، حتى أن الإمبراطور قسطنطين أخذته الدهشة ونظر إليه وقال له: ” أنتَ بطل كنيسة الله ” وعندما ابتدأ الآباء في تحديد المعتقد السليم كان الآريوسيون يوافقون على ظاهر أقوالهم ثم يؤولونها بما هو لصالح معتقدهم، وأخيراً تدخل العظيم أثناسيوس واقترح أن تضاف إلى العقيدة عبارة:Homo- Ousious ومعناها ” مساوٍ في الجوهر ” للتعبير عن حقيقة صلة الآب بالابن غير أن الأريوسيين رفضوا هذه الكلمة، وأرادوا أن يستبدلوها بعبارة:

Homi- Ousious ومعناها ” مشابه في الجوهر “. وبعد نقاش كبير أخذ رأى المجمع فوافق على اقتراح أثناسيوس وتعبيره. وتوالت جلسات المجمع إلى أن تم وضع قانون الإيمان من أول ” نؤمن بإله واحد ” حتى ” نؤمن بالروح القدس ” وقد وقَّع على قانون الإيمان هذا أكثر من 300 أسقف، ولما امتنع آريوس وأنصاره عن التوقيع حرمهم المجمع وقرر نفى آريوس وحرق كتبه.

 

القضايا الأخرى التي نظرها مجمع نيقية 325م

بعد الانتهاء من الحكم في قضية آريوس نظر المجمع في بعض القضايا الأخرى وأصدر رأيه فيها. وأما هذه القضايا فكانت:

 

  1. موعد عيد القيامة:

وقد قرر المجمع أن يُعيد جميع المسيحيين في موعد واحد هو يوم الأحد الذي يلي الفصح لليهود، وقرر أن بابا الإسكندرية هو الذي يقوم سنوياً بإبلاغ أساقفة العالم عن موعد عيد القيامة.

  1. بخصوص الشقاق الذي أحدثه ملاتيوس أسقف أسيوط:

فقد قرر المجمع حفظ حقوق بابا الإسكندرية الواجبة في رئاسته على الأساقفة الذين في إقليم مصر.

  1. مشكلة معمودية الهراطقة:

أيد المجمع رأى الكنائس الشرقية في أنه لا تعاد معمودية من هرطق عند رجوعه وأوجب إعادة معمودية من يعمدهم الهراطقة.

  1. زواج الكهنة:

قرر المجمع السماح لمن يريد من الكهنة أن يتزوج مع الاحتفاظ ببتولية الأساقفة وعدم زواج الكهنة المترملين.

 

قوانين المجمع

سَنَّ الآباء المجتمعون بالمجمع عشرين قانوناً لسياسة الكنيسة عامة، وافق عليها بالإجماع جميع الأساقفة الذين حضروا هذا المجمع، كما قبلتها كقوانين صحيحة جميع الكنائس شرقاً وغرباً، لكن الكنيسة الرومانية طلعت على الكنيسة الجامعة بعد المجمع النيقاوي بما يقرب من مائة عام وادعت أن هذه القوانين عددها 84 قانون، أما بواعث هذا الادعاء فهي محاولة إثبات رئاسة أسقف روما على العالم المسيحي كخليفة للسيد المسيح على الأرض. وضمنوا ذلك القانونين المزورين 33، 44 من القوانين المنسوبة لنيقية.

وأول ما ظهر هذا التزوير كان عند اجتماع مجمع قرطاجنة سنة 418م الذي طلب القديس أغسطينوس انعقاده للنظر في بدعة البلاجيين، وقد أرسل أسقف روما لحضور هذا المجمع نائباً عنه. وفى أولى جلسات المجمع طلب نائب أسقف روما قراءة رسالة أسقفه فوجد الحاضرين وكان عددهم 217من الآباء أن هذه الرسالة تشير إلى قوانين منسوبة إلى مجمع نيقية دون أن يكون لها أى أساس في القوانين الثابتة بجميع الكنائس.

وإزاء هذه البلبلة قرر أعضاء المجمع إرسال مندوبين إلى الإسكندرية وأنطاكية والقسطنطينية للإطلاع على قوانين نيقية الأصلية وكان نتيجة ذلك أن أثبت المجمع أن جميع النسخ لقوانين مجمع نيقية المجودة بقرطاجنة خالية تماماً من هذه القوانين المزعومة. ونصح المجتمعون أسقف روما أن يوفد من قِبَله من يتحقق من ذلك من النسخ الأصلية الموجودة بالكراسي الرسولية الشرقية.

وقد أثبت كيرلس مقار في كتابه ” الوضع الإلهي في تأسيس الكنيسة ” أن هذه القوانين المزورة المنسوبة إلى نيقية إنما هي قوانين مجمع مكاني عقد في سرديكا سنة 347م ولا صلة له بمجمع نيقية …

وثابت تاريخياً ومنطقياً من مراجعة هذه القوانين أنها تشير إلى أشياء وإلى أحداث لم تظهر إلا بعد مجمع نيقية مما يثبت تزويرها. ومن أمثلة ذلك القانون المزور رقم 42 الذي يقول ” والحبش فلا يبطرك عليهم بطريرك من علمائهم ولا باختيار منهم أنفسهم لأن بطركهم إنما يكون من تحت يد صاحب كرسي الإسكندرية وهو الذي ينبغي أن يصلح عليهم جاثليقاً الذي هو من دون البطريرك ومن قبله …

وهذا القانون ينظم العلاقة بين الكنيسة الحبشية وكنيسة الإسكندرية وبديهي أنه مزور ولا يمكن أن يكون صادراً عن المجمع المسكونى الأول، لأنه ثابت تاريخياً أن الحبشة لم تخضع لكرسي الإسكندرية إلا بعد أن أرسل البابا أثناسيوس، فرومنتيوس إليها وسامه أسقفاً باسم ” الأنبا سلامة ” سنة 330 م. أى بعد الانتهاء من مجمع نيقية بخمس سنوات على الأقل أضف إلى هذا أن لقب بطريرك لم يستعمل ضمن الإصلاحات الكنسية إلا في القرن الخامس وعلى وجه التحديد بعد مجمع خلقيدونية. وحتى المجمع النيقاوى كان اللفظ المستعمل أسقف وأسقفية أو أسقفيات.

وهذا مثل واحد على تزوير هذه القوانين. ويعوزنا الوقت إن أردنا إثبات بطلانها تاريخياً ومنطقياً.

الفكرة المجمعية المجامع المسكونية – الأنبا يؤانس أسقف الغربية

بدعة أريوس عن علاقة الابن بالآب

بدعة أريوس عن علاقة الابن بالآب

بدعة أريوس عن علاقة الابن بالآب

مفهوم أريوس عن علاقة الابن بالآب

وباستخدامه هذه التعبيرات في صياغة قانون الإيمان، كان مجمع نيقية بلا شك يضع بدعة أريوس و”عدم تقواه” أمام عينيه.[1] فقد علَّم أريوس بأنه بسبب أن طبيعة الله فريدة تمامًا وأزلية وفائقة الإدراك، فإن جوهر الله الواحد لا يمكن معرفته أو تمييزه أو الاتصال معه، وهذا التعليم كان بالضرورة يتضمَّن رفض فكرة أن الابن أو الكلمة هو أقنوم آخر له منذ الأزل نفس طبيعة الله ذاتها، لأن هذا الأمر كان يعني بالنسبة لأريوس أن جوهر الله قابل للتقسيم أو التعددية.[2]

فوجود كيان آخر غير “الآب” المصدر غير المبتدئ لكل حقيقة كان مقبولاً عند أريوس، فقط بشرط أن يكون هذا الكيان قد أُحضر إلى الوجود من العدم. وهكذا علَّم أريوس بأن ابن الله أو كلمة الله ليس (بالطبيعة) من الآب، بل خُلق من العدم بإرادة الله، وبالرغم من تبني الله له كابن، فإنه لا يكون بأي شكل من الأشكال مكافئًا لكيان الله أو مساويًا له أو له ذات جوهر الله الواحد (μοούσιος)، بل على العكس اعتقد أريوس بأن الابن مثله مثل كل الأشياء الأخرى المخلوقة من العدم غريب تمامًا ومختلف عن جوهر الآب[3].

وهذا يعني (بالنسبة لأريوس) أن الآب غير معروف وغير مدرَك تمامًا للابن، وبالتالي فإن الابن لا يستطيع أن تكون له أو أن ينقل معرفة حقيقية أصيلة بالآب، لأنه (أي الابن) يمكن أن يعرف ويفهم فقط “بقدر ما يتناسب مع قدرته” كمخلوق[4]. وفوق ذلك اعتقد أريوس بأن الكلمة “مخلوق ولكن ليس كأحدٍ من المخلوقات، وأنه عمل ولكن ليس كأحد الأعمال، وأنه مولود ولكن ليس كأحد المواليد[5]“.

ومعنى هذا أن الكلمة كان في نظر أريوس مخلوقًا متوسطًا بين الله والإنسان، وقد اعتبر أنه ليس هو إلهًا تمامًا ولا هو مخلوقًا تمامًا[6]. هذا بالإضافة إلى أنه بحسب رأي كل من إبيفانيوس وثيئودوريت، فإن مفهوم أريوس لإنسانية المسيح كان مفهومًا معيبًا، وقد وضح ذلك في اعتقاده بأنه في التجسد اتخذ الكلمة جسدًا مجردًا من النفس الإنسانية العاقلة، وقد حلّ هو نفسه (أي الكلمة) محل النفس الإنسانية[7].

 

موقف الكنيسة من الفكر الهرطوقي الأريوسي

ولا عجب في أن آباء نيقية اعتبروا أن الأريوسية هي أخطر الهرطقات على الإطلاق، لأنها طعنت في صميم جذور إيمان الكنيسة: بإثارة الشكوك حول حقيقة ألوهية المسيح وعمله الخلاصي، ناهيك عن الأمور المتعلقة بحقيقة إنسانيته. وقد جاء رد فعل الآباء قويًّا وحاسمًا وبتعبيرات وتحديدات لا لبس فيها، مؤكدين إيمانهم في أن الرب يسوع المسيح ابن الله الوحيد هو: مولود من صميم جوهر الله، وهو غير مخلوق، إله حق من إله حق، وأن له ذات الجوهر الواحد مع الآب[8].

وكانت النقطة الحاسمة في مناقشات مجمع نيقية هي كيفية فهم التعبيرات الإنجيلية: “بواسطة الله”، “من عند الله”، “من الله”، التي استخدمت عند الحديث عن الابن المتجسد. هل ينبغي أن تُفهم كما ادعى الأريوسيون على أنها تعني أن الابن المتجسد هو ابن الآب، فقط بعمل إرادته بالنعمة؟ أم نفهمها على أنها تعني أنه ابن الآب، من صميم جوهره (κ τς οσίας)، أي من طبيعته الذاتية كإله؟ لأنه إذا كان الابن فعلاً من صميم جوهر الآب كما علَّم آباء نيقية فإن “كل كيان الآب يكون هو الابن بجملته”، لأن الآب والابن كل منهما خاص (διος) بالآخر.

وعلى هذا الأساس تكون علاقة الآب والابن كائنة في داخل جوهر الله الواحد، حيث إنهما متلازمان ويتواجد كل منهما في الآخر (يحتوي الآخر) بشكل كامل ومطلق منذ الأزل. فالله هو آب لأنه بالتحديد هو منذ الأزل أبو الابن، وبالمثل أيضًا الابن هو إله من إله لأنه بالتحديد هو منذ الأزل ابن الآب. وهناك تبادلية أزلية مطلقة بين الآب والابن دون أي فارق أو فاصل في الوجود أو الزمن أو المعرفة بينهما[9].

وقد عبَّر القديس غريغوريوس النزينزي عن ذلك بقوله: إن ولادة الابن من الآب هي ولادة “غير زمنية”، و”غير سببية”، و”غير مبتدأة” (χρνως, νατως, νρχως)[10]. أما بالنسبة للقديس أثناسيوس وآباء نيقية، فقد كانت ولادة الابن من الآب أمر يتخطى ويفوق إدراك البشر[11].

ولا يجب أن يتصور أحد أنها (أي ولادة الابن) قد حدثت في “لحظة ما” أو بواسطة “فعل إرادة” من قِبَل الله كما تصور ذلك بالفعل كل من أريوس ويوسابيوس[12] بل هي علاقة لا يُنطق بها بين الآب والابن، كائنة منذ الأزل في الله، ولذلك يقول القديس أثناسيوس: “والله فيما هو على الدوام، هو على الدوام آب للابن[13]“.

المنهج الذي اتبعه الآباء للتعبير عن علاقة الابن بالآب

لقد أدرك ق.أثناسيوس وآباء نيقية أنه لا مفر أمامهم من استخدام أمثلة وتشبيهات (صور) من الخليقة، في السعي للتعبير عن فهمهم لعلاقة الابن بالآب، لأن هذا الأسلوب هو الكيفيّة التي تم بها نقل الإعلان الإلهي لنا من خلال لغة البشر. ومع أن هذه الأمثلة والتشبيهات (الصور) في حد ذاتها لا تفي بالغرض حتى إنه لا ينبغي التمادي فيها[14] إلاّ أنها وعلى الرغم من ذلك قد استُخدمت في الإعلان الإلهي بدقة مبهرة، حيث كانت تشير إلى أبعد من محتواها المحدود، إلى ما يكشفه الله عن علاقاته الإلهية الداخلية[15]. وهذا يعني أننا لا بد وأن نفسِّر هذه الأمثلة والتشبيهات وفقًا للمعنى المُعطى لها في الكتب المقدسة، وفي نطاق النظرة الشاملة والإطار العام للرسالة الإنجيلية[16].

وعلى هذا النحو، كما يقول القديس أثناسيوس، استطاع آباء نيقية استخدام المثال الإنجيلي الخاص ب “النور” (φς) و”الشعاع” (παύγασμα) ليساعدهم في شرح علاقة المسيح كابن الله الآب وكلمته[17]، مما أدى إلى تفادي تطبيق المفهوم البشري أو الجسدي لكلمات مثل “أب”، “ابن”، “مولود”، “ولادة”، “كلمة”… وبالإضافة إلى ذلك، أوضح هذا المثال أيضًا أنه كما أن النور لا يكون أبدًا بدون شعاعه فهكذا الآب لا يكون أبدًا بدون ابنه أو كلمته[18].

وبالضبط كما أن النور والشعاع هما واحد وكل منهما غير مختلف أو غريب عن الآخر، فكذلك الآب والابن هما واحد وكل منهما غير مختلف أو غريب عن الآخر بل لهما ذات الجوهر الواحد. وحيث إن الله هو نور أزلي، فكذلك ابن الله بكونه البهاء (الشعاع) الأزلي لله فإنه هو نفسه نور أزلي بلا بداية أو نهاية[19].

ويضيف القديس أثناسيوس أن الآباء استطاعوا (باستخدام هذا المثال) وعلى أساس إنجيلي “أن يتحدثوا بثقة عن المسيح: بكونه ابن الآب الحقيقي والطبيعي، وبكونه خاص بجوهر الآب (διος τς οσίας ατο)، وأنه هو نفسه إله حقيقي وله ذات الجوهر الواحد (μοούσιος) مع الآب الحقيقي، لأنه “هو رسم* أقنوم (πόστασις) الآب”، وهو نور من نور، وهو صورة كيان الآب الحقيقية وقوته[20]“.

ومن هذا المنطلق، أدخل آباء نيقية في قانون الإيمان هذه العبارة على وجه التحديد: “إله من إله، نور من نور، إله حق من إله حق”، وذلك لكي يوضِّحوا ويحددوا طبيعة العلاقة الفريدة التي بين الابن المتجسد والآب[21].

16 Athanasius, Ad episc., 13; De decr., 1f; De syn., 3; Con. Ar., 1.7; Basil, Ep., 52.2, etc.

[2] انظر المقاطع التي ذُكرت من أقوال وخطابات أريوس في كتابات كل من القديس أثناسيوس والقديس إبيفانيوس والبابا ألكسندروس:

See the citations from Arius’ Thalia in Athanasius, De syn., 15-16; Con. Ar., 1.5ff; De decr., 16; Ad episc., 12; Arius’ Letters to Alexander, in Athanasius, De syn., 16, and to Eusebius, in Epiphanius, Haer., 69.6.Cf. also the first Encyclical of Alexander on the Arian heresy, Theodoret, Hist. eccl., 1.3; and Socrates, Hist. eccl., 1.6.

18 Athanasius, Con. Ar., 1.5-6; De syn., 15.

19 Athanasius, ibid., and cf. also Ad episc., 12.

20 See Athanasius, Con. Ar., 2.19, and De syn., 16, for this citation from Arius’ Letter to Alexander.

21 Athanasius, Con. Ar., 2.24-26, 30; De decr., 8, 24.

22 Epiphanius, Anc., 33; Theodoret, Haer., 5.11. Cf. Eustathius, De an. adv. Ar., MPG, 18.689B; Athanasius, Ad Ant., 7; Gregory Naz., Ep., 101, MPG, 37, 134A; Gregory Nyss., Con. Eun., 2.124, Jaeger, II, p.365; Athanasius, Con. Apol., 1.15; 2.3, 17; Theodoret, Ep., 103. See also the evidence adduced by V. Pheidas from the Colluthian schism, Τό Κολλουθιανόν Σχίσμα καί Άρχαί το Άρειανισμο, 1973.

[8] انظر تفسير القديس أثناسيوس لهذه العبارات في:

Athanasius, De decr., 6ff; Con. Ar., 1.9ff; De syn., 41ff.

24 Athanasius, Con. Ar., 1.1-29, 34; 2.22ff, 33; 3.1ff; 65f; 4.1ff; De syn., 41-54; De decr., 24, 27; Basil, Ep., 52.2; Hilary, De syn., 25.

25 Gregory Naz., Or., 30.11&19; cf. 29.3f; 31.14.

[11] يقول القديس باسيليوس: “إن طريقة الولادة الإلهية (للابن)، هي أمر لا ينطق به ويفوق كل تخيلات الفكر البشري” (Ep., 52.3). انظر كذلك:

 Basil, Con. Eun., 2.16 & 24; Gregory Naz., Or., 29.8

27 Cf. C. Stead, Divine Substance, 1977, pp. 26 & 229.

28 Athanasius, De decr., 12; cf. 20. Also Ad Episc., 2;

إن هذا الفهم للأبوة والبنوة بكونها علاقات أزلية كائنة في الله، هو ما قد أيده بشده القديس غريغوريوس النزينزي ونفس الوضع ينطبق بالطبع على الروح القدس حيث نراه يشرح ذلك بوضوح في ’عظاته اللاهوتية‘، كما يمكننا أيضاً أن نجد نفس المعنى تقريباً عند بقية الآباء الكبادوك:

Gregory Naz., Or., 29.16 & 20; 31.9. Cf. Basil, (or his brother) Ep., 38.4; and Gregory Nyss., Con. Eun., 1.33; 8.5; 9.2; Or. Cat., 1.

29 Athanasius, In ill. om., 3.

30 Athanasius, In ill. om., 3-5.

ارجع إلى مفهوم القديس أثناسيوس عن الصور الإنجيلية بكونها ’أمثلة‘ (παραδείγματα):

De decr., 12; Con. Ar., 1.20; 2.30; 3.3, 10; De syn., 42; Ad Ser., 1.19f, etc.

[16] ارجع إلى كتاب المؤلف:

(Reality and Evangelical Theology, 1982, pp.100ff)

32 Athanasius, De decr., 21-24.

33 Athanasius, Con. Ar., 1.24; De decr., 27; In sent. Dion., 25.

34 Athanasius, De decr., 24; Con. Ar., 1.13, 25; 2.33; Ad episc. Aeg., 13; Ad Afr., 8.

* أي الصورة الكاملة المطابقة لأقنوم الآب. (المترجم)

35 Athanasius, Con. Ar., 1.9, with reference to Hebrews 1.3.

36 Jaroslav Pelikan, The Light of the World. A Basic Image in Early Christian Thought, 1962, pp.55ff.

بدعة أريوس عن علاقة الابن بالآب

حياة وأعمال القديس باسيليوس الكبير

حياة وأعمال القديس باسيليوس الكبير

حياة وأعمال القديس باسيليوس الكبير

ولد القديس باسليوس حوالي سنة 330م في واحدة من العائلات المسيحية المضيئة في كل الأزمان، أبوه باسليوس كان ابن القديسة ماكرينا الكبيرة، وأمه إميليا كانت ابنة لشهيد مسيحي، اثنان من أخوة القديس باسيليوس أصبحوا أساقفة، منهم إغريغوريوس أسقف نيسا، الذي كان واحداً من الأطباء الروحيين العظماء في الكنيسة.

كان القديس باسليوس قد تعلم في مدارس فن البلاغة التي في وطنه قيصرية في كبدوكية، ثم في مدينة القسطنطينية. وأخيرا في أثينا. وهناك قابل وتصادق مع الخطيب العظيم إغريغوريوس أسقف نزيانزين. ورجع إلى قيصرية حوالي سنة 356 م وهناك شرع في عمله بفن البلاغة، ولما مال إلى أن يكرّس حياته بالأكثر إلى الله زار المراكز المهمة للحياة النسكية.

ونتيجة لما رآه هناك قرر القديس باسيليوس أن ينسحب وينعزل، فذهب بعيداً عن قيصرية الجديدة فتبعه بعض من الرجال حديثي السن الذين كانوا يفكرون في الحياة الرهبانية، فكتب القانونين اللذين اشتهر بهما، وأسس بهما حياة الرهبنة في المشرق التي ما زالت باقية إلى وقتنا هذا، والتي كان لها تأثير كبير على الغرب. وفى خلال هذه الفترة أسس القديس باسيليوس عدة أديرة، وفى سنة 364 م سيم كاهناً وفى سنة 370 م سيم أسقفاً للعاصمة قيصرية.

وكان القديس باسيليوس أسقفا نشيطاً جداً، فقد بنى المستشفيات للمرضى وأماكن ضيافة للمسافرين.

اشترك القديس باسليوس بقوة في الخلافات التي حدثت في هذا الوقت والتي كانت تتركز حول أريوس وتعاليمه التي قال فيها ” أن الابن ليس من نفس جوهر الآب من حيث الأبدية بل فقط هو أول خليقته ” واستمرت هذه الهرطقة سائدة لأن الإمبراطور فالنس دعّمها في الشرق، وتعرض القديس باسليوس الكبير لضغط هائل حتى يستسلم للإمبراطور والأريوسية ولكنه قاوم بشدة، وكان لكتاباته الكثيرة المتألقة في هذا الموضوع أثرها الكبير، حتى تم قهر هذه الهرطقة، وإسقاطها نهائيا في مجمع القسطنطينية سنة 381 م.

تنيح القديس باسليوس سنة 378 م، وترك تراثاً قوياً وافراً للكنيسة من لاهوتيات، ونسكيات، وطقوس ( القداس الباسيلى )، وفى هذا الكتاب نورد أجزاء من مقالاته البديعة عن: الفردوس

( مدينة الله )، والآلام والتجارب والأحزان كأدوية شافية لنفوسنا تجعلنا مستحقين لمدينة الله، ثم مقالات عن الإيمان الحقيقي، وهى مقالات مختارة تقرب الإنسان إلى معرفة الثالوث القدوس والشركة معه ليستحق الدخول إلى مدينة الله، ثم بعض مقالات نسكية تساعدنا في حياتنا الوقتية هذه، نافعة لكل المؤمنين. وأخيرا نورد في هذا الكتاب بعضا من مقالاته البديعة، تعبر عن جهاده الدءوب لجمع المسيحيين كلهم في وحدانية إيمانية أرثوذكسية.

نطلب من هذا القديس المجاهد العظيم أن يصلى عنا لكى يكون لنا نصيبا وميراثاً في مدينة الله، ثابتين على الإيمان القويم إلى النفس الأخير بالثالوث القدوس الذي له المجد والسجود إلى الأبد أمين.

حياة وأعمال القديس باسيليوس الكبير

أريوس – من هو أريوس ؟ ما هي أهم 3 أفكار لـ أريوس

أريوس – من هو أريوس ؟ ما هي أفكار أريوس

من هو أريوس .. وفرقته .

أريوس – من هو أريوس ؟ ما هي أفكار أريوس للبروفسور ب. ك خريستو أستاذ الآباء بجامعة تسالونيكى باليونان

 

ولد أريوس فى ليبيا بعد منتصف القرن الثالث بقليل، ودرس بمدرسة لوكيانوس بأنطاكية حيث كان زميل دراسة لبعض الأشخاص الذين أرتقوا فيما بعد إلى درجات الرئاسة الكهنوتية. وهم الذين عضدوه ودفعوا به للمضى في طريق الكفاح لأجل نشر أفكاره.

وكل هؤلاء الزملاء الذين درسوا في مدرسة لوكيانوس صاروا يلقبون بأسم “اللوكيانيين” أو “الاتحاد اللوكيانى”. وهذا لا يمنع أن اريوس درس أيضًا في مدرسة الأسكندرية اللاهوتية قبل دراسته بأنطاكية.

ويمكن أن يقال إن اريوس جمع في تعليمه بين إتجاهين مختلفين لمدرستى أنطاكية والأسكندرية. وفيما بعد أخذ المنتمون لمدرسة أنطاكية يهاجمونه ويتهمونه بأنه أسكندرى، في حين أن المنتمين إلى مدرسة الأسكندرية كانوا يحاربونه متهمينه بأنه أنطاكى.

إستوطن اريوس في الأسكندرية حيث رسمه الأسقف بطرس كاهنا .. وأظهر في أول حياته ميولاً متعصبة متمردة لأنه قبل رسامته وبعدها كان منضمًا للأسقف المنشق ميليتوس أسقف ليكوبوليس (أسيوط).

ولهذا السبب جرد من رتبته الكهنوتية، إلا أنه فيما بعد أعيد مرة أخرى إلى رتبته على يد الأسقف أخيلاس خليفة الأسقف بطرس. وما لبث أن عمل على تأييد إنتخاب الكسندروس أسقفًا للأسكندرية خلفًا لأخيلاس. وإن كان آريوس نفسه قد أستطاع بتأثير ثقافته وصفاته الشخصية أن يصير ذو شأن كبير في المدينة.

إلاّ أنه بعد بضعة سنوات (حوالي عام 318م) اصطدم مع الكسندروس بسبب الإختلاف حول تفسير نص في الكتاب المقدس خاص بشخص ابن الله. وكان الكسندروس قد أعطاه كما أعتاد الأسقف أن يفعل مع الكهنة موضوعًا ليبحثه. وفى الشرح الذي قدمه اريوس حاول أن يعبر عن ابن الله بمفاهيم مخالفة للإيمان المستقيم.

رأى الكسندروس في تقرير آريوس محاولة للتقليل من شأن ابن الله وتحقيره… وأثبتت الاتصالات بين الرجلين على أن اريوس أصر على رأيه وأعتبر أفكار الكسندروس أنها سابيلية (1). وبالرغم من هذا فإن الأسقف لم يتعجل في اتخاذ أى إجراء ضد كاهنه. إلا أنه فيما بعد أضطر الأسقف أن يتخذ قرارًا من مجمع قسوس الكنيسة، أدان فيه اريوس بسبب بدعته وقطعه من شركة الكنيسة.

رحل آريوس إلى فلسطين ثم اتجه إلى سوريا قاسيًا الصغرى. وتمكن من أن يجمع حوله عدد من الأساقفة وأفقوه على آرائه، وكان من بين هؤلاء “أوسابيوس أسقف فيقوميديا” اللوكيانى، و”أوسابيوس أسقف قيصرية” الأوريجانى. وأن الأساقفة الذين تجمعوا حوله قد أيدوه وبرأوه في مجمع عقدوه. وطالبوا بأن يعود مرة أخرى إلى الكنيسة.. وسرعان من كتب اريوس أقرارًا وافقوا عليه في مجمع عقدوه في نيقوميديا، وأرسله كرسالة إلى أسقف الأسكندرية الذي رفضه. ودعا بالطبع إلى مجمع بالأسكندرية سنة 318م اعتمد إدانة آريوس.

وبعد ذلك بقليل، بسبب الاضطرابات التي نشأت نتيجة للمصادمات التي وقعت بين قسطنطين الكبير وليكينيوس، تمكن اريوس من العودة مرة أخرى إلى الأسكندرية. حيث أخذ بعمل بحماس شديد وبأساليب مبتكرة لأجل ترويج أرائه ونشرها بين الجماهير عن طريق الأحاديث والأشعار… وقد ساعد على نشر آريوسيته ما كان يظهر به اريوس من مظاهر الورع والتقوى إلى جانب ما يتصف به من الكبرياء والتباهي وحبه للنضال.. وكان يجرى مباحثاته اللاهوتية مع الشعب. فأنتهز الوثنيون تلك الفرصة وأخذوا يسخرون من المسيحية في مسارحهم بسبب تلك المناقشات (2).

وهكذا أثار هذا الموقف قلق قادة الكنيسة. كما أزعج الإمبراطور أيضًا، الذي رأى أن هذه المشاكل ستكون خطرًا على السلام الذي حققه بجهود مضنية وكفاح مرير ولكنه لم يتوقع أن تكون خطرًا على السلام على المدى البعيد. لذلك فهو إذ رأى أن هذه المعركة تبدو أمرًا تافهًا لا يستحق أن يصدر له نطقًا ساميًا، فاكتفى بأن أرسل “هوسيوس” أسقف قرطبة بأسبانيا إلى الأسكندرية بخطاب إلى رؤساء الأطراف المتنازعة (3). ولكن هذه المحاولة لم تأت بأية نتيجة. عندئذ دعا الإمبراطور إلى مجمع عام يعقد في نيقية عام 325 والذي اشتهر باسم، “المجمع المسكوني الأول”…

وقد أدان هذا المجمع تعاليم اريوس وحرم أسقف نيقوميدية مع ثلاثة أساقفة آخرين لتأييدهم لتعاليم آريوس. أما اريوس فإنه في البدء أُرسل إلى نيقوميديا مكبلاً بالقيود، ثم نفى بعد ذلك إلى الليريا… ألا أنه على الرغم من هذه التدابير فإن هذه المحاولة للتهدئة لم تنجح، لأن أصدقاء اريوس استمروا في نشر مبادئه وتعاليمه… ولذا إقتنع قسطنطين بواسطة العناصر المهادنة للآريوسية والمحبة لها، وتأثر بهم. مما جعله يستدعى اريوس من منفاه عام 327.

وبعد تحريض من أسقف نيقوميديا عرضوا صيغة اعتراف إيمان على الإمبراطور أخفوا عنه فيها. حقيقة عقيدة آريوس، وكانت كنيسة نيقوميديا قد وافقت على هذه الصيغة في المجمع الذي عقد بها. إلا أن الأرثوذكسيين لم يجبروا على منح اريوس العفو. حتى أن الكسندروس أسقف الأسكندرية وأثناسيوس الذي خلفه لم يقبلاه في الأسكندرية.

ولم يرغب قسطنطين حينئذ أن يؤزم المسائل أكثر بأن يفرض على أسقف الأسكندرية بأن يقل آريوس. بل أنه في الواقع عندما طلب أنصار آريوس من الإمبراطور برسالة محررة بلهجة شديدة أن يتدخل لأجل تأمين عودة آريوس إلى الأسكندرية، غضب قسطنطين وأعاد أدانتهم بمرسوم آخر أسماهم فيه “بالبورفوريين” أى أنهم مشايعون لتعليم “بورفيريوس” (4).

وبعد وساطات متعددة غيروا مرة أخرى من مشاعر قسطنطين ورحل آريوس إلى القسطنطينية حيث أعترف بالإيمان الأرثوذكسي أمام الإمبراطور وتمسك بأن يصير مقبولاً بطريقة رسمية على نطاق أوسع بالكنيسة. إلا أن الأمر بتحديد موعد بقبوله في كنيسة القسطنطينية قد تلاشى نهائيًا، إذ أن آريوس سقط ومات في مرحاض عام فجأة ليلة الموعد المحدد لقبوله (5).

مؤلفات وكتب أريوس:

استحوذ آريوس على مركز هام في التاريخ الكنسي، لكنه لم يترك أثارًا كثيرة. فقد كتب أعمالاً قليلة نسبيًا وصلنا منها النذر اليسير. وهذه الكتابات التي وصلتنا عبارة عن رسائل خارجية. إلا أنها في واقع الأمر تحوى إعترافاته وهى:

 

(أ) رسالة اريوس إلى أسقف نيقوميدية:

وقد حفظها لنا إبيفانيوس في كتابه “باناريون” (6). وكذلك ثيئودوريتس في كتابه “التاريخ الكنسى” (7). وفى هذه الرسالة يحتج على تحامل الكسندروس ضده وضد أتباعه ويعرض آراءه وتعاليمه في صراحة تامة. ويقول أن الابن إله لكنه “ليس غير مولود Agenntos” “ولا جزء من غير المولود” وفى النهاية يستنجد باوسابيوس أسقف نيقوميديا مسميا إياه أنه من “الاتحاد اللوكيانى”.

 

(ب) رسالة اريوس إلى الكسندروس أسقف الأسكندرية:

حفظت هذه الرسالة في أعمال “أثناسيوس عن المجامع” (8). وفى كتاب “باناريون” لابيفانيوس (9). كما حفظت باللغة اللاتينية في كتاب “الثالوث لايلارى” (10). وهى الاعتراف الإجمالي إلى كان قد قدمه لمجمع نيقوميديا الأول والذي عقده الآريوسيون المنفيون. وفى هذه الرسالة تحاشى التعبيرات المثيرة وأعتبر أن “الابن قد ولد قبل كل الدهور”. إلا أنه لم يكن موجودًا من قبل أن يولد.

 

(ج) إعتراف الإيمان لاريوس:

حفظت هذه الرسالة في التاريخ الكنسي لسقراط (11) والتاريخ الكنسي لسوزومينوس (12). وفى هذه الرسالة حجب عقيدته الحقيقية وقال بأن الابن قد ولد قبل كل الدهور (لأنه لو كتبت كلمة gegennimenos المولود” بحذف حرف n منها أى gegenimenos لتغير معناها وأصبحت تعنى المخلوق وليس المولود.

 

(د) ”ثاليا” اريوس:

حفظ أثناسيوس في كتاباته بعض نصوص هذا الكتاب (13). وكلمة “ثالثا” معناها مأدبة أدبية. وقد دبجها كلها تقريبًا بأبيات منظومة وبلحن نسائي. وفى افتتاحيتها نجده يظهر نفسه أنه مملوء بالعقيدة والعواطف الشجية عندما يتعرض للحديث عن الله..

“بحسب إيمان مختارى الله… عارفى الله…

أبناء قديسين. ذوى التعاليم الشرعية الثابتة.. حاصلين على روح الله القدس…

أنا نفسى تعلمت هذا .. من حكمة المشاركين.. السابقين.. عارفى الله..

حسب كل أقوال الحكماء.. أتيت أنا مقتفيًا أثر كل هؤلاء..

وأنا ذو السمعة الحميدة.. متمش بنفس العقيدة..

ومتحمل كثيرًا من أجل مجد الله.. بنفس حكمة الله..

وفيما عدا هذا، يبدو أنه كان لآريوس مجموعة أخرى من الأشعار لكل مناسبة من مناسبات الحياة (14). (كما أشار بذلك أثناسيوس) في المجموعة التي تسمى “البحرية”، “الرحى” “الرحلة”.. الخ.

ووفقًا لما يقوله أثناسيوس فإن كل هذه القصائد قد دبجت بلهجة ونغمة داعرة مثل التي كان يكتب بها سوتيادوس أشعاره القومية.. كانوا يتغنون بها في مأدبهم بضجيج صخب وعبث..

تعاليم أريوس:

لا يتضح من تعاليم آريوس تناسقًا في كل ما وصلنا من نصوصه حيث أن بعضها كانت تخفى وراءها واقع الأمر وحقيقته. إذ كانت تعاليمه مضللة.. ويبدو هذا جليًا في رسالته إلى أسقف نيقوميدية، وفى باقته الشعرية “ثالثا”. ولم تقتصر تعاليمه هذه على مدرسة واحدة، كما قال كثيرون أى أنها لم تنطلق لا عن وحدانية الله الكتابية التي أعتنقها الأنطاكيون المتطرفون الذين اعتقدوا بأن الابن تهذب وتشكل بهبوط قوة إلهية مجردة على يسوع.

كما أنها لم تنطلق عن فكرة الوحدانية التي أعتنقها السكندريون المتطرفون الذين اعتقدوا بأن هذه الوحدانية الإلهية اتسعت لتحوى كل الموجودات الإلهية، بل هى نشأت عن فلسفة الوحدانية. وحيث أن آريوس كان موحدًا متطرفًا فإنه أراد أن يؤكد أن الله كان واحدًا وأنه في نفس الوقت متحول. أن حل وحدانية الله إنما سيعنى تمييز الله إلى أب وابن. أما حل التحول إنما سيكون بواسطة خليقة هذا العالم. وهو أمر سئ في كل الأحوال.

وبحسب هذه الأفكار، فإن الله واحد، غير مولود وحده، سرمدى وحده، ليس له بداية وحده. الحقيقي وحده، الذي له الخلود وحده (15). وبجانب الله، لا يوجد كائن آخر.. ولكن عن طريقه توجد قوة عامة (لا شخصية) هى “الحكمة والكلمة”.. وهذه التعاليم مأخوذة عن “الوحدانية المقتدرة” التي لبولس الساموساطى. ولكن فكره اللاهوتي يوضح إعتمادًا أكثر على “المدافعين”. وتأثيرات “الغنوسيين”. فيما أن الله كان واحدًا فهو لم يكن أبًا “الله لم يكن دائمًا أبًا. أما فيما بعد فقد صار أبًا”.

ولقد صار الله أبًا عندما أراد أن يخلق العالم. عندئذ خلق كائنًا واحدًا. هذا الكائن أسماه الابن، ويسمى استعاريًا الكلمة أو الحكمة.

إذن فحسب تعاليم اريوس توجد حكمتان:

1 قوة الله الواحدة العامة.

2 وكائن إلهي ذاتي واحد. وهذا الكائن هو الحكمة الثانية الذي جاء إلى الوجود من العدم. ومن ثم فهو مخلوق. إذ يقول “كلمة الله ذاته خلق من العدم.. وكان هناك وقت ما حينما لم يكن موجودًا. وقبل أن يصير لم يكن موجودًا.. بل أنه هو نفسه أول الخليقة لأنه صار” ويقول أيضًا “الله وحده كان وحده دون أن يكون هناك الكلمة والحكمة.. ومن بعد ذلك عندما أراد أن يخلقنا عندئذ بالضبط خلق شخصًا وهو الذي دعاه الكلمة والابن، وذلك كي يخلقنا بواسطته” (17).

ولكي يؤيد تعاليمه استخدم نصًا خاصًا اقتبسه من سفر الأمثال: “الرب أقامنى أول طرقه..” (أم22:8)، وكان أوريجانوس من قبل قد تحدث عن “خضوع الابن”، كما تحدث عن “ميلاد الكلمة الأزلي” وهنا أخذ اريوس الجزء الأول فقط من تعليم أوريجانوس، وذلك عندما أضطر فيما بعد أن يقر “بالميلاد قبل الدهور” مفسرًا ذلك بأنه يعنى فقط الزمن الذي سبق خلقه العالم.

فعند آريوس. يبدأ هذا العالم بخلق الابن، عندما بدأ الزمن أيضًا أن يوجد.. والابن هو المولود الأول ومهندس الخليقة.. ومن المستحيل عنده أن يعتبر الابن إله كامل. ويعتبر أن معرفته محدودة لأ،ه لا يرى الآب ولا يعرفه.. والأمر الأكثر أهمية أنه يمكن أن يتحول ويتغير كما يتحول ويتغير البشر.. “وبحسب الطبيعة فإنه مثل جميع الكائنات، هكذا أيضًا الكلمة ذاته قابل للتغيير والتحويل ولكن بنفس أرادته المطلقة، طالما أنه يرغب في أن يبقى صالحًا.. حينئذ عندما يريد فإنه في استطاعته هو أيضًا أن يتحول مثلنا، حيث أن طبيعته قابلة للتغير” (18).

أن بولس الساموساطى استعمل اصطلاح “القدرة على الاكتمال الذي أتخذ منه اريوس كل تعبيراته.. وفقًا لتعليمه وهو أن المسيح هو ظهور بسيط للكلمة في إنسان. ومن ناحية أخرى فهو يعتبر إنسان كامل فقط وليس إله كامل.. وبالتالي فإن الابن يمكن أن يدعى الله إستعاريًا فقط. وهو نفس الاسم الذي يمكن أن يدعى به البسطاء من الناس أيضًا حينما يصلون إلى درجة كاملة من الروحانية والأخلاق.. وهنا يتضح كل تعليم هرطقة “التبني Adoptionism” عن المسيح.

النتيجة الأولى لهذا التعليم:

هو أن الإيمان بالثالوث يتلاشى ويذوب.. بالطبع تحدث اريوس أيضًا عن الثالوث إلا أنه اعتبره أنه قد صدر متأخرًا ولم يكن أصليًا وأزليًا. لأنه وفقًا لتعليمه فإن الآب وحده كان إلهًا أزليًا.

أما النتيجة الثانية:

فهى أن الحياة الجديدة للإنسان التي صيغت كنتيجة لتأنس الكلمة، لا تتكون نتيجة تأليه بل بواسطة سمو روحي وأخلاقي.. وبهذا يتمكن أى شخص أن يقول أن هذا الموقف قد اقتبسه اريوس من المدافعين (19) الذين وفقًا للتقاليد نشأوا من مدارس فلسفية. وكانوا قد اتخذوا موقفًا مماثلاً عن الحياة الجديدة.. إلا أن موقف “المدافعين” يجد له مبررًا بسبب العصر الذي عاشوا فيه والعالم الذي كانوا يتوجهون إليه بالحديث. أما فيما يتعلق بآريوس فإن الموقف يظهر ركود أفكاره التي ولو أنها كانت حادة. إلا أنها خالية من الحركة والعمق.

ونتيجة لتعاليم اريوس بقوله أن كلمة الله مخلوق وقوله عن المسيح أنه إنسان مؤله (بضم الميم وفتح الواو). بسبب كمال روحي وخلقي. هذه التعاليم نجم عنها نزاع شديد زعزع أركان الكنيسة والدولة الرومانية.. أن البدعة الاريوسية لم يتم تنظيمها بطريقة سرية مثل غيرها من البدع والهرطقات. بل دخل في صفوفها رجال رسميين فى الكنيسة وفى الدولة. وهددت بالاستيلاء على التنظيم الكنسي بأكمله.. وقد استمرت المصالحة السياسية التي تبعت ذلك حتى موت اريوس وقسطنطين بدون أن تكون على حساب قرارات مجمع نيقية وذلك عن طريق تفسيرهم المتباين والمؤول بطريقة يشوبها الالتباس.. إلا أن تعاليمهم لم تأت بنتائج.

وذلك لأن زعماء الأرثوذكسية لم يقبلوا اريوس في الكنيسة وذلك بسبب اعترافاته المشتبه فيها.. حقًا إنه أثناء هذه الفترة لوحظ تقدم ملحوظ في الحركة التي قادت أيضًا إلى تفوق طفيف للآريوسية. وفى الواقع أن الآريوسيين بواسطة سلسلة المجامع التي أشرفوا عليها بأنفسهم – نجحوا في تنحية وأبعاد الرؤساء من خصومهم بإتهامات باطلة واهية. وهؤلاء الرؤساء هم أوستاتيوس الأنطاكي عام 330م. وأثناسيوس الأسكندرى عام 335م، وماركيلوس الانقيرى عام 336م.

ساءت الأحوال بعد وفاة قسطنطين الكبير، لأن حاكم الشرق قسطنديوس، فرض الاريوسية على المناطق التي كان يحكمها.. أما بعد وفاة أخيه قسطنس عام 350م، فقد فرضها على جميع أنحاء الإمبراطورية.. وسحق هذا الحاكم نشاط معارضيه ومقاوميه الأرثوذكسيين وانشغل بإحلال أساقفة آريوسيين بدلاً من الأساقفة الشرعيين في أهم مراكز الشرق وبعض جهات الغرب.

وبعد وفاة قسطنديوس أنهار فجأة بناء الآريوسيين الشامخ. لأن يوليانوس الذي كان يدين بالعقيدة الوثنية عامل جميع المذاهب المسيحية معاملة متساوية. وعندئذ عاد المنفيون إلى أماكنهم. وبدأت الأرثوذكسية في أعادة تنظيم شملها. مما جعلها تسود وتنتصر. وقد وصلت إلى أكبر درجة من السيادة أثناء حكم الإمبراطور الأرثوذكسي يوفيانوس…

 

الفرق الاريوسية :

كان البناء الآريوسى فى عهد قسطنديوس على الأقل، يبدو عظيمًا في الظاهر.. إلا أنه كان من البدء عملاً مزعزعًا. وذلك ليس فقط لأنه حصل على قوته من عناصر كنسية منشقة، ولكن أيضًا لأن إتجاهه اللاهوتي لم يكن متحدًا.. فإن جميع الآريوسيين رفضوا اصطلاحات مجمع نيقية.. ولكن ليس لأجل الأسباب دائمًا.. لذا فإن الخلافات فيما بينهم انكشفت وتحددت عند كثيرين منهم عن طريق موقفهم من اصطلاحات هذا المجمع.

ولقد استخدم أباء مجمع نيقية في قانون الإيمان إصطلاح؟ هومو أوسيوس” أى “الواحد في الجوهر مع .. أو المساوي في الجوهر ل..”. وأرادوا أن يثبتوا بهذا الاصطلاح أن الابن مع الآب هما واحد. وأن هذا الجوهر هو كيان أساسي واحد..

وأضاف نفس الآباء بعد قانون الإيمان بسبب المحرومين نصًا قالوا فيه بأن الابن “ليس من هيبوستاسيس آخر” أى ” ليس من جوهر أخر”.. وهكذا فقد أغضب الاصطلاح الأول الآريوسيين المتشددين، أما الإصطلاح الثاني فقد أغضب الآريوسيين المعتدلين.. (أو أنصاف الآريوسيين Semi – arians) ويبدو أن القانون دبجه لاهوتي غربي من المحتمل أن يكون “هوسيوس” أسقف قرطبة.

وكلمة “Hypostasis” (20) “هيبوستاسيس” فيه هى ترجمة للكلمة اللاتينية” Substantia” إلا أنه في الغرب – نظرًا لعجز اللغة اللاتينية حيث كانت كلمة Substantia تعنى كلاً من “أوسيا” Oucia أى الجوهر أو الكيان. وكلمة “هيبوستاسيس” Hypostasis أى القوام أو الأقنوم. لذا أوضح أباء نيقية وحدة تشابه هذين الاصطلاحين لأنهم كانوا يخشون لو أنهم اعترفوا باثنين هيبوستاسيس (أى قوامين) أن يتهموا بأنهم يقبلون الاعتراف بجوهرين أى يكونوا مثل الآريوسيين.

 

1 الآريوسيون المعتدلون:

كان الآريوسيون المعتدلون (Semi – Arians) أوريجانيين قدامى وكان يتزعمهم أسقف قيصرية أوسابيوس، وهم الذين قبلوا بتعاطف عن رضى تعليمًا واحدًا يرتكز على النظرية الأوريجانية الخاصة بخضوع الابن، هؤلاء أصروا على التمييز المشدد بين الآب والابن.. ورفضوا أيضًا اصطلاحي مجمع نيقيا واعتبروهما سابيليان. ولأنهما لم يردا بين نصوص الإنجيل.. إلا أنهم كانوا على استعداد لقبول معنى “التساوى في الجوهر Omooucios” لكن بتعبير مخالف.. لهذا تمسكوا بالتعبير “مماثل للآب فى كل شئ” (21).

وبعد موت أوسابيوس قام باسيليوس أسقف أنقيرا وجورجيوس اللاوديكى بتنظيمهم. وتميزوا بوضوح أكثر من الآريوسيين الآخرين. وذلك في مجمع ميديولانوس عام 355م. حيث أنهم قبلوا “تماثل الجوهر” أو التشابه في الجوهر “هوميوأوسيوس” الأمر الذي من أجله أطلق عليهم اسم “هوميوأوسيين” وكانوا يختلفون عن القائلين “بالتساوى في الجوهر” أى “الهوموأوسيين” قليلاً، ولذلك أطلق على النزاع بينهم أنه نزاع على لا شئ.

 

2 الآريوسيون المتشددون:

هؤلاء كانوا على عكس المعتدلين. وهؤلاء المتشددون كانوا قد نشأوا عن اللوكيانيين الذين قبلوا تعليم “بدعة التبني”.. وكان يرأسهم في البدء أوسابيوس النيقوميدى. وفيما بعد أوسابيوس القسطنطينى. وهذا الفريق تشدد في الفصل بين الآب والابن بدرجة أكبر.. وان كانوا أحيانًا يخفون آراءهم لأسباب تنظيمية. إلا أنهم كانوا متشددين.. وبعد موت أوسابيوس هذا فى عام 341. برز بين صفوفهم “ايتيوس” الأنطاكى الذي اندفع إلى تعليم أريوس الأشد تطرفًا من أجل تكوين فريق أريوسى جديد.

وهذا الفريق الجديد تشكل بطريقة أكثر تنسيقًا على يد تلميذه “يونوميوس”. أن المنتمين إلى هذا الفريق وضعوا مناهج وأساليب متكاملة.. وتدخلوا بفكرهم ليفحصوا جوهر كل الكائنات. بما فيها الله أيضًا.. وزعموا أن جوهر الله هو فى عدم الولادة. أما جوهر الابن فهو فى كونه مولود.. ومن ثم فإن جوهرى الآب والابن ليسا فقط لم يكونا شبيهين بل نقيضين تمامًا.. ولكى يؤكدوا تمييزهم لله الآب بفرادة خاصة وحده. اعتادوا أن يمارسوا المعمودية بغطسة واحدة فقط بدلاً من ثلاثة غطسات.

1 بسبب التباين بينهم، تشكل فريق ثالث بإيحاء من الإمبراطور قسطنديوس. هو فريق “الاوميويين” أى (الشبيهيين) وهؤلاء استخدموا الإصطلاح “أوميوس OMIOS” (أى شبيه أو مثيل)، ألا أنهم لم يكن لاهوتهم الخاص.. بل بحسب الظروف كانوا ينحازون لفريق أو لأخر.

وقد أدى ذلك إلى إضفاء تفسيرين على كلمة “أوميوس OMIOS” فصار من الممكن أن تعنى أما “تشابه الجوهر” أو تشابه المشيئة.. وأتخذ مشايعو هذا الفريق لزعامتهم أساقفة الحدود الشمالية أمثال أورساكيوس السنجدونى، وأولتتاس المورصى… وكذلك أكاكيوس القيصرى، وهؤلاء فرضوا وجهات نظرهم في المجمع الذي أنعقد فى سرميوس عام 359م.

 

مواجهة الاريوسية :

هز الآريوسيون أرجاء الكنيسة بسبب الطريقة التي ظهروا بها، حيث إنهم على وجه الخصوص نشروا وفرضوا أفكارهم بكل ضرب من ضروب البدع الغريبة على ذلك العصر. فهم لم يستعينوا فقط بالأحاديث الدينية، وتحرير الرسائل اللاهوتية ونشر عقائدهم على هيئة أفكار منتظمة قانونية، كما تأمر بذلك “أحكام الرسل” بل كما سبق أن قيل أيضًا، فإنهم استخدموا كذلك اشعارهم الغنائية التي كانوا يتغنون بها في كل مناسبة.

أما سلاحهم الأكثر مضاء وصلابة، فكان استغلالهم للقوى السياسية التي أقحموها للتدخل – لأول مرة في شئون الكنيسة الداخلية, وهكذا أبعدوا خصومهم بوسائل عنيفة.. وأرغموا أثناسيوس على أن يبارح كرسيه خمس مرات.. وفى مرتين منها أقاموا أساقفتهم على هذا الكرسى.. وكان تفوقهم الساحق أكثر ثباتًا واستقروا فى أنطاكيا، بعد عزل الأسقف أوستاتيوس عام 330م.. وفى عام 360 أقاموا هناك صديقهم ميليتيوس الذي ما لبث أن أعرب في الحال عن اتجاهه إلى قانون إيمان نيقيا..

أما في أسيا فكان نفوذهم أقل، ولو أن موقفهم هناك كان أكثر هدوءا، الأمر الذي لأجله كان موقف الأرثوذكسيين مرنًا..

وفى القسطنطينية على مدى أربعين سنة خلف أربعة أساقفة آريوسيين الواحد الآخر.. وهكذا عندما صار غريغوريوس الثيئولوغوس أسقفًا للقسطنطينية أستقر في بيت صغير للصلاة (Chapel) ، لأن الأريوسيين كانوا قد أستولوا على جميع الكنائس، ولكن غريغوريوس خلص القسطنطينية منهم.. وفى الغرب حصلوا على نجاح محدود حيث استولوا فقط على بعض مراكز هامة قليلة مثل المديولانيين وذلك لعدة سنوات قليلة فقط.. إلا أنهم لم يتمكنوا من الوصول إلى كرسي أسقفية روما.

وكانت حالة المسيحية في ذلك العصر تثير الحزن والأسى. فبينما أعطيت لها الفرصة لأول مرة لكي تمد كرازتها في كل مكان، اضطر قادتها أن يهملوا ذلك قهرا. واضطروا للإنشغال بأمور عقائدية دقيقة.

كانت شوارع الأسكندرية تعج باستمرار للاشتراك بالأساقفة الذين، أما كانوا يفدون نحو منفاهم وأما كانوا يتوجهون للاشتراك في المجامع غير المكتملة. وفى وسط هذه المحازفات والمخاطر أظهرت قيادة الأرثوذكسية شجاعة مقترنة بدبلوماسية تجاه مضطهديهم، كما أظهرت تمسكًا شديدًا بالتقليد والإيمان المسلم.. فكانوا إما ينادون بعقائدهم وينفون بسببها وإما كانوا يحافظون على هذه العقائد ويمكثون في أماكنهم كي يصونوا الإيمان الأرثوذكسي الذي لا يطفأ، ومن حول هؤلاء كانت خلايا المؤيدين المخلصين تصارع وتتصادم من أجل عقيدة مجمع نيقية.

إن مسئولية الدفاع عن هذه العقيدة كان لها أولاً: مجموعة القادة الأول: الكسندروس السكندرى. وأوستاتيوس الأنطاكى، وهوسيوس القرطبى.

ثم بعد ذلك بقليل وقع عبء الدفاع عن عقيدة نيقية على أكتاف القديس أثناسيوس الكبير الذي أدار النضال طيلة خمسين عامًا تقريبًا.. معضدًا أيضًا من الآباء الآخرين أمثال كيرلس الأورشليمى وسرابيون أسقف تيميس، وديديموس الضرير، وهيلاريوس البكتافى وأخيرًا الآباء الكبادوكيين العظام:

باسيليوس أسقف قيصرية وغريغوريوس الثيئولوغوس وغريغوريس النيصصى، أن هؤلاء اللاهوتيين – باستنادهم على حجج وبراهين من الكتاب المقدس والتقاليد الشرعية الصحيحة – قاموا بتجريد لاهوت اريوس من غطائه المتستر بالكتاب المقدس. وكشفوا أن الاريوسية إنما هى دراسة فلسفية جافة وعميقة تظهر الله بدون حياة أو حركة..

كشف أثناسيوس الكبير أن تعاليم اريوس أدت إلى أمرين غير لائقين:

أولهما: أنه أذاب التعليم بالثالوث القدوس ولاشاه، وفتح الطريق أمام الاعتقاد بتعدد الآلهة، إذ أنه سمح بعبادة المخلوق.

وثانيهما: أنه قلب “بناء الخلاص” كلية. فإن المخلص الذي أخذ على عاتقه خلاص البشرية يلزم أن يكون هو نفسه حاصلاً على ملء اللاهوت، ما دام قد أخذ على عاتقه أن يؤله الإنسان. فكيف يكون من الممكن أن الكلمة الذي يقوم بعمل التأليه لا يكون واحدًا في الجوهر مع الله؟

إن قمة براهين أثناسيوس هى أن المسيح لم يصر أبنًا لله كجزاء لكماله الأدبي بل على العكس فإنه هو الذي إلهنا (بتشديد اللام) (أى جعلنا إلها). فيقول أثناسيوس “لذلك إذن فالمسيح لم يكن انسانًا وفيما بعد صار إلهًا، بل أنه كان إلها ثم صار إنسانًا لكي يؤلهنا” (المقالة الأولى ضد الآريوسيين فقرة 39).

وعلى الرغم من صرامته وحزمه لم يكن أثناسيوس متصلبًا بل كان يعرف كيف يتدبر الأمر بتفهم وتسامح .. وعندما تخلص من الضغط السياسي الخطير عرض المشكلة بحذر ويقظة أكثر. ووضع موقف الأرثوذكسيين تحت الفحص. وعندئذ تحقق من قصور وعجز حججهم وسعى لكي يجد لها علاجًا.. فإن المطابقة المشار إليها سابقًا بين الاصطلاحين “اوسيا” (أى الجوهر).

و”هيبوستاسيس” (أى القوام) صارت مقبولة في الغرب بدون اعتراض. ولكن في الشرق رأى كثير من اللاهوتيين أن فيها خطر البدعة “السابيلية”. وأدرك أثناسيوس هذه الحيرة وقام بحركة توفيق فعالة أثناء مجمع الأسكندرية عام 362م حيث أقر بأن كل من لا يرغب في الإعتراف بصيغة “الاوموأوسيوس” (أى المساواة أو الوحدة فى الجوهر)، ولكنه يقبل في نفس الوقت بوحدة “الآب والابن فإنه يوجد على الطريق المستقيم.

وقام بخطوة عوطة التسليم بالمبدأ الشرقى للثالوث مع التفريق بين معنى الاصطلاحين “أوسيا”، و”هيبوستاسيس” مع إضافة معنى “طريقة الوجود الخاص بالكيان” إلى “الهيبوستاسيس”.. وهكذا فإن الله يكون من جوهر واحد ولكنه يوجد في ثلاث أقانيم (هيبوستاسيس) أو أشخاص (بروسوبا)، وهذه الصيغة توسع فيها أكثر الآباء الكبادوكيوسن بعد ذلك.. ومن ذلك الوقت فتح الباب أمام جماعة “الهوميواوسيين”.

وأن غالبية الذين رجعوا وانضموا إلى أتباع مجمع نيقيا الأرثوذكسيين، وصلوا أيضًا بعد ذلك إلى قبول مبدأ “الهوموأوسيوس” (التساوي أو الوحدة في الجوهر) ولكن البعض من هؤلاء لم يكونوا على استعداد لقبول الاعتقاد بمساواة الروح فى الجوهر أيضًا (أى مع الآب والابن) .

ولهذا السبب ضمن مجمع نيقيا ضمن قانون الإيمان. مجرد عبارة “وبالروح القدس” بدون أية خاصية أو صفة أخرى، وكان هؤلاء يعتقدون بثنائى فقط في الله بدلاً من الثالوث. ولهذا أطلق عليهم أسم “أعداء الروح” ولأنه كان يتزعمهم “مقدونيوس” . الذى جرده “الأوميوون” من رتبته. لهذا أطلق عليهم أيضًا أسم “المقدونيون”. وهؤلاء حكم عليهم بواسطة مجمع أنطاكية سنة 379م. والمجمع المسكونى الثاني بالقسطنطينية سنة 381م.

ولكى يتجنب الاباء أى مخاطرات جديدة أو أى إساءة فهم للأمور. فانهم لم يستخدموا فى هذا المجمع الأخير أى اصطلاحات مثيرة، مثل “الهومواوسيوس” بل استخدموا عبارات متباينة وهى عبارات توضح “المساواة في الكرامة”. وهم في هذا قد أتبعوا السياسة الحكيمة التي كان يسير عليها باسيليوس الكبير. ثم أصدر الامبراطور ثيئودوسيوس قرارًا بوضع حد لهذا الصراع داخل إمبراطوريته، فكانت النهاية الحاسمة، مما أدى إلى الاعتراف بشكل دينى واحد وهو المسيحية الأرثوذكسية التي أقرها “داماسوس” أسقف روما. “وبطرس” أسقف الأسكندرية.

وبالتالي أنضم غالبية الآريوسيين إلى الكنيسة، أما البقية الذين تخلفوا فقد انضموا على التوالي إلى بدع وهرطقات أخرى، وخاصة انضموا إلى النسطورية وهى البدعة التي حاولت أن تنقص من ألوهية المسيح بطريقة أخرى.

اريوس – من هو اريوس ؟ ما هي أفكار أريوس

 

(1) نسبة إلى سابيليوس صاحبة البدعة السابيلية المعروفة باسمه، والذى ظهر فى روما أوائل القرن الثالث. والسابيلية تعلم بأن الآب والابن والروح القدس هم شخص واحد وليس ثلاثة أقانيم. فنقول “أن الآب أعطى الناموس في العهد القديم، ثم ظهر هو نفسه باسم الابن فى التجسد، وبعد أن اختفى المسيح بالصعود ظهر هو نفسه باسم الروح القدس. أى أن الثالوث هو ثلاث ظهورات متوالية في التاريخ لشخص واحد، وليس ثلاثة أقانيم لهم جوهر واحد (المعرب).

(2) انظر “حياة قسطنطين لأوسابيوس المؤرخ” (61:2) والتاريخ الكنسى لسقراط (7:1).

(3) أوسابيوس فى حياة قسطنطين (64:2).

(4) التاريخ الكنسي لسقراط (9:1) بوفيريوس هو أحد فلاسفة “الأفلاطونية الجديدة” الوثنيين قرب نهاية القرن الثالث. هاجم المسيحية بعنف وخاصة هاجم ألوهية المسيح (المعرب).

(5) الرسالة الدورية إلى الأساقفة بقلم أناسيوس 5:18.

(6) باناريون معناها سلة الخير.

(7) التاريخ الكنسى لثيئودوريتس (4:1) انظر “باناريون” لإبيفانيوس (6:69).

(8) “أثناسيوس عن المجامع” 16.

(9) “باناريون” لإبيفانيوس (7:29).

(10) “ايلاريوس عن الثالوث” (12:4، 5:6ه).

(11) “التاريخ الكنيسى لسقراط” (26:1).

(12) التاريخ الكنسى لسوزومينوس” (27:2).

(13) أثناسيوس ضد الأريوسيين (5:1-6).

(14) أثناسيوس عن مجمع نيقية 16 – فيلوستورغيوس التاريخ الكنسى (2:2).

(15) اريوس فى رسالته إلى الكسندروس وجدت فى كتاب أثناسيوس عن المجامع 16.

(17) المرجع السابق.

(18) “ثاليا” كما جاء فى أثنايوس ضد الأريوسيين مقالة 5:1.

(19) هم معلمى الكنيسة الذين قاموا بالدفاع عن المسيحية والمسيحيين أمام الأباطرة الوثنيين. وأمام الفلسفات الوثنية المعاصرة وأحيانًا ضد الهجمات اليهودية. خلال القرنين الثاني والثالث، ومن أشهر المدافعين يوستيتوس. وتاتيان واتيناغوراس وأوريجانوس (المعرب).

(20) كلمة “هيبوستاسيس Hyposasis” اليونانية تعنى القوام، أو الأساس أو ما يقف عليه الشئ “الدعامة” أو طبيعة الشئ، أو الشخص، أو أقنوم (المعرب).

(21) أوسابيوس: رسالة إلى كنيسته في كتاب “التاريخ الكنسى لسقراط”.

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الثاني – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

المذيع محمود داود يُعلن إيمانه بالمسيح

Exit mobile version