تأليه الإنسان والتأله عند القديس أثناسيوس الرسولي

تأليه الإنسان والتأله عند القديس أثناسيوس الرسولي

تأليه الإنسان والتأله عند القديس أثناسيوس الرسولي

تأليه الإنسان والتأله عند القديس أثناسيوس الرسولي

تأليه الإنسان والتأله عند القديس أثناسيوس الرسولي

 

تأليه الإنسان والتأله عند القديس كيرلس الكبير

تأليه الإنسان والتأله عند القديس أثناسيوس الرسولي
تأليه الإنسان والتأله عند القديس أثناسيوس الرسولي

رسائل عن الروح القدس ج5 للقديس أثناسيوس الرسولي

رسائل عن الروح القدس ج5 للقديس أثناسيوس الرسولي

 

رسائل عن الروح القدس ج5 للقديس أثناسيوس الرسولي

 

الـرســالة الرابـعـة

( 1 )

درست الرسالة التي كتبتموها تقواكم الآن، وقد أدهشني جداً جسارة الهراطقة حتى أني انتهيت إلى أنه لا شئ يناسب أن يقال عنهم، إلا ما نصح به الرسول “الرجل المبتدع بعد الإنذار مرة ومرتين أعرض عنه، عالماً أن مثل هذا قد انحرف وهو يخطئ محكوماً عليه من نفسه” (تي 3: 10، 11). فهو إذ له فكر ملتو، فإنه لا يسأل لكي يقتنع بما يسمعه أو لكي يغير رأيه نتيجة ما يتعلمه، ولكنه يسأل بسبب هؤلاء الذين انخدعوا، لئلا يحكم عليه منهم، إذ صمت. أن ما قلناه سابقاً يكفي. وكان يكفي لمثل هذه البراهين التي قدمت لهم، أن توقفهم عن التجديف على الروح القدس. إلا أنهم لم يكتفوا بل عاودا جسارتهم حتى لكي يظهروا أنهم بعد أن تعلموا أن يحاربوا الكلمة، يحاربون الآن ضد الروح. وبع قليل سيموتون في غباوتهم. وبالطبع فإذا أجاب أحد على أسئلتهم الحاضرة فأنهم سيصيرون “مخترعي شرور” (رو 1: 30). وإذا يطلبون فلن يجدوا وإذ يستمعون فلن يفهموا. فأية أسئلة حكيمة لهم، فهم يقولون: إن لم يكن الروح القدس مخلوقاً، فهو إذن ابن ويكون بالتالي هو والكلمة آخين، وإذن فكما كتبت أنت هم يكلمون قائلين: إن كان الروح سيأخذ مما للابن ومنه يعطي كما هو مكتوب، فإنهم يمضون مباشرة قائلين: عندئذ يكون الآب جداً والروح حفيداً.

 

( 2 )

فمن حينما يسمع هذه الأمور يظل يعتبرهم مسيحيين، وليسوا بالحرى عبدة أوثان؟ لأن مثل هذه الأمور، يتكلم بها عبدة الأوثان فيما بينهم ضدنا. فمن هو الذي يريد أن يجاوب على غباوتهم هذه؟ فأنني من جهتي، إذ قد فكرت كثيراً، وطالباً إجابة مناسبة لهم، فأني لم أجد سوى ذلك الذي حدث مع الفريسيين في ذلك الوقت. لأنه كما أن هؤلاء عندما سألوا المخلص بخبث، سألهم هو أيضاً، لكيما يدركوا شر أفكارهم، وهكذا فحيث أن هؤلاء يسألون مثل هذه الأسئلة فعليهم أن يخبرونا بل بالحرى فليجاوبونا، عندما نسألهم كما سألوا لأنهم إذ يتكلمون لا يفهمون إبداعاتهم، فربما عندما يسمعون قد يتحققون من غباوتهم. فإن لم يكن الروح القدس مخلوقاً، بل هو من الله، وهو معطى من الله، وإذن فهو ابن، ويكون هناك أخوان هو والابن، فإن كان الروح من الابن، والروح يقبل كل الأشياء من الابن كما قال الابن نفسه، وإذ هو الذي أعطاه للتلاميذ نافخاً فيهم (انظر يو 20: 22)، لأنكم أنتم أيضاً تعترفون بهذا، وبالتالي يكون الآب جدا ويكون الروح حفيده. ولذلك يحق لنا أن نسألكم نفس الأسئلة التي تسألونها وتطلبونها منا. فإن كنتم تنكرون ما هو مكتوب فلا تدعون مسيحيين بعد، ويكون من المنطق أننا نحن المسيحيين نسأل منكم. ولكن إن كنتم تقرءون نفس الكتب، التي تقرؤها نحن، فهكذا يكون من الضروري أن تسألوا منا عن نفس الأمور. وإذن فأخبرونا دون أن تفكرا فيما إذ كان الروح هو ابن والآب هو جد. ولكن إن كنتم تفكرون كما فعلا الفريسيون في ذلك الوقت، وتقولون فيما بينكم إن قلنا أنه ابن فسوف نسمع. أين كتب هذا؟ وأما إذا قلنا، أنه ليس أبناً فإننا نخاف لئلا يقولوا لنا كيف إذن كتب: نحن لم نأخذ روح العالم بل الروح الذي من الله؟ (1كو 2: 12). ولكن أن كنتم حينما تتجادلون فيما بينكم في مثل هذه الأمور، تقولون أيضاً نحن لا نعرف: فإنه من الضروري بالنسبة لمن يسأل منكم أن يصمت مقتنعاً بذاك الذي يقول “لا تجاوب الجاهل حسب حماقته لئلا تصير مثله” (أم 26: 4). فالصمت هو بالحرى أنسب جواب عليكم لكي تتحققوا من الجهل الذي فيكم.

 

( 3 )

مرة ثانية إذن، فإنه من العدل أن نسألكم، من نفس الأسئلة التي تسألونها. وحيث أن الأنبياء يتكلمون بواسطة روح الله، وأيضاً الروح القدس، يتنبأ في أشعياء كما تبين مما كتبناه سابقاً وإذن فالروح هو كلمة إلهية، وعلى ذلك يوجد كلمتان الروح والابن، لأن الأنبياء كانوا يتنبأون حينما تصير الكلمة إليهم. وأيضاً فبالإضافة إلى ذلك، وحيث أن كل الأشياء قد صارت بواسطة الكلمة، “وبغيره لم يكن شئ مما كان” (يو 1: 3)، وأيضاً “الرب بالحكمة أسس الأرض” (أم 3: 19)، وقد خلق كل الأشياء بالحكمة (مز 103: 24)، لأنه قد كتب كما تبين لنا سابقاً “ترسل روحك فتخلق الأشياء” (مز 103: 30). وإذن فأما أن يكون الروح هو الكلمة، أو أن الله خلق كل الأشياء باثنين (أي) بالحكمة والروح.  فكيف إذن قال بولس “إله واحد الذي منه كل الأشياء، ورب واحد، الذي بواسطته كل الأشياء” (1كو 8: 6). وأيضاً حيث أن الابن هو صورة الآب غير المنظور (انظر كو 1: 15)، فيكون الروح هو صورة الابن لأنه مكتوب: “لأن الذين سبق فعرفهم سبق فعينهم ليكونوا مشابهين صورة ابنه” (رو 8: 29).

وعلى هذا الأساس، يكون الآب جداً، وحيث أن الابن قد أتي باسم الآب، وقد قال الابن “الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي” (يو 14: 26)، فعلى هذا النحو أيضاً يكون الآب جداً. فماذا عندكم من جهة هذا وأنتم الذين تقولون كل شئ بدون ترو؟ فبأي شئ تتحاورون فيما بينكم؟ هل تنتقدون مثل هذه الأسئلة، وأنتم ترون أنفسكم في حالة ارتباك؟ ولكن أولاً لوموا أنفسكم لأنكم اعتدتم أن تسألوا مثل هذه الأسئلة، فاخضعوا للكتب المقدسة، وإذا تحيرتم في الإجابة فلتتعلموا في النهاية أن الروح لم يسم أبناً، ولكنه دعى الروح القدس أو روح الله. وكما أن الروح لم يسم ابناً، فهكذا لم يكتب عن الابن أنه هو الروح القدس. وإذن فحيث أن الروح لم يسم أبناً، ولا الابن هو الروح، فهل الإيمان يتناقض مع الحق؟ حاشا. ولكن بالأحرى فكل من المسميات المذكورة له معناه الخاص. لأن الابن هو المولود الذاتي لجوهر الآب وطبيعته. وهذا هو مدلول المسمى. فالروح الذي يدعى روح الله، وهو في الله، ليس غريباً عن طبيعة الابن ولا عن ألوهية الآب.

لذلك فهناك ألوهية واحدة في الثالوث أي في الآب وفي الابن وفي الروح القدس نفسه، وفي الثالوث نفسه معمودية وإيمان واحد. فعندما يرسل الآب الروح، فالابن بواسطة النفخ في التلاميذ يعطيهم الروح لأن “كل ما للآب هو للابن” (يو 16: 15). وحينما جاء الكلمة إلى الأنبياء، كان هؤلاء يتنبئون بالروح، كما هو مكتوب وكما قد تبين “بكلمة الرب صنعت السموات وبنسمة فيه كل جنودها” (مز 34: 6).

 

( 4 )

وهكذا فالروح ليس مخلوقاً بل هو خاص بجوهر الكلمة، وخاص بالله، والذي يقل أنه كائن فيه. ومرة أخرى يجب أن لا نتجنب تكرار نفس الكلام، ورغم أن الروح القدس لا يدعى أبناً، ولكنه ليس خارج الابن لأنه قد دعى روح التبني وكما أن “المسيح هو قوة الله وحكمة الله” (1كو 1: 24)، لذلك قيل عن الروح أنه “روح الحكمة وروح القوة” (أش 11: 2). وحينما نشترك في الروح، يكون الابن لنا، وحينما يكون الابن لنا، يكون الروح لنا “صارخاً في قلوبنا أباً أيها الآب” كما قال بولس (غلا 4: 6). ولكن حيث أن الروح هو روح الله، وقد كتب عنه أنه فيه لأن “أمور الله لا يعرفها أحد إلا روح الله الذي فيه” (1كو 2: 11)، وأيضاً قال الابن “أنا في الآب، والآب فيَّ” (يو 14: 10). فلماذا لا يكون لهذا وذاك نفس الاسم، ولكن الواحد هو ابن والآخر هو روح؟ فأن سأل أحدهم مثل هذا السؤال، فإن مثل هذا يكون مجنوناً، إذ أنه يفحص الأمور التي لا تفحص، ولا ينصت لقول الرسول: “من عرف الرب أو من صار له مشيراً” (رو 11: 24). ومن ذا يتجاسر أن يغير اسم من سماه؟ وإلا فدعه يعطي أسماء للأشياء المخلوقة، وحيث أن الخليقة قد وجدت بنفس الأمر، فليقولوا لنا، لماذا دعى الواحد منها شمساً والآخر سماء، والآخر أرضاً، وبحراً، وهواء.

ولكن أن وجد الأغبياء أن هذا غير ممكن – لأن كل مخلوق يبقى كما خلق – فبالأولى جداً، فإن الأشياء التي هي أعلا من المخلوقات يكون ثباتها أبدياً، فلا يكون الآب إلا أباً وليس جدا، والابن هو ابن الله وليس أباً الروح، والروح القدس هو روح قدس وليس حفيد الآب أو أخ الابن.

 

( 5 )

وإذا قد برهنا على هذه الأمور، فإن من يسأل: هل الروح ابن أيضاً؟ فأنه يكون مجنوناً، ولا ينبغي لأي أحد بسبب أن هذا لم يكتب، أن يفصله عن طبيعة الله أو عما يخصه. بل كما مكتوب فليؤمن ولا يقول لماذا هكذا وليس هكذا؟ لئلا وهو يناقش مثل هذه الأمور، يبدأ يفكر ويقول أين أذن هو الله وكيف يكون؟ فسوف يسمع أخيراً “قال الجاهل في قلبه ليس إله” (مز 13: 1س) . لأن المسلمات التي تعطي بالإيمان، تكون معرفتها مما لا يمكن التطفل عليه. وإذ سمع التلاميذ الكلمات: “وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس” (متى 28: 19)، لم يتطفلوا أو يسألوا، لماذا ذكر الابن كثاني والروح كثالث، أو لماذا يكون الكل ثالوثاً. ولكنهم كما سمعوا هكذا آمنوا ولم يسألوا مثلكم: هل الروح إذن ابن؟ وحينما ذكر الرب الروح بعد الابن، لم يسألوا هل الآب إذن جد، لأنهم لم يسمعوا “باسم الجد” بل “باسم الآب”.

وإذا فكروا تفكيراً سليماً، كرزوا بهذا الإيمان في كل مكان. لأنه لم يكن ممكناً أن يقال شئ آخر سوى ما قاله المخلص: أنه هو نفسه الابن، والآخر هو الروح القدس. كما أن الترتيب الذي رتبوا به، غير قابل للتغيير كما هو الأمر بالنسبة للآب أيضاً(1). وكما أنه من غير الممكن التحدث عنه بطريقة أخرى سوى أنه آب، هكذا يكون من عدم التقوى التساؤل أن كان الابن هو الروح، أو أن الروح هو ابن. ومن أجل هذا حكم على سابيليوس أنه عدو للكنيسة إذ أنه تجاسر أن يقول على الآب أنه الابن، ويطلق على الابن اسم الآب. 

هل يجرؤ أحد بعد ذلك أن يقول، حينما يسمع كلمتي أبن وروح، أن الآب جد؟ أو أن الروح هو ابن؟ نعم، أنهم سيتجرؤن هؤلاء هم الأونوميون والآودوكسيون واليوسابيون. ولكونهم مروجين للبدعة الآريوسية، فأنهم لا يضبطون ألسنتهم عن الكفر. فمن هو الذي سلم هذه الأمور إليهم؟ ومن هو الذي علمهم؟ فبالتأكيد لم يتعلموا هذا من أحد الأسفار الإلهية، بل من فيض قلوبهم خرج هذا الجنون.

 

( 6 )

وحيث أنه قد تبرهن أن الروح ليس مخلوقاً، فإن كنتم تسألون، هل الروح أذن هو ابن؟ فعندئذ يلزمكم أن تسألوا أيضاً هل الابن هو آب؟ لأنكم قد تعلمتم سابقاً أن الابن ليس مخلوقاً، إذ أن الأشياء المخلوقة قد خلقت به. أو تتساءلون هكذا: هل الروح أذن ابن، والابن أيضاً هو الروح القدس؟ ولكن كانوا هكذا يفكرون، فأنهم يصيرون مبعدين عن الثالوث القدوس ويحكم عليهم بأنهم بلا إله، لأنه يغيرون اسم الآب والابن والروح القدس، وبحسب مشيئتهم ينظرون إليهم بشبه التناسل البشري، داعين إياهم حفدة  وأجداداً صانعين من جديد لأنفسهم أنساب آلهة الوثنيين.

ليس هذا هو إيمان الكنيسة، بل كما قل المخلص: بالآب والابن والروح القدس. الآب الذي لا يمكن أن يدعى جدا، والابن الذي لا يمكن أن يدعى أباً، والروح القدس الذي لا يسمى باسم آخر غير هذا. وفي هذا الإيمان لا تجوز مبادلة الأسماء. فالآب هو دائماً آب والابن هو دائماً ابن، والروح القدس يدعى دائماً الروح القدس. وأما فيما يختص بالعلاقات البشرية فالأمر ليس هكذا، حتى وأن كان هذا هو ما يتوهمه الآريوسيون “فالله ليس مثل الإنسان” كما هو مكتوب (عد 23: 10). حتى أنه يمكننا أن نقول أن البشر ليسوا  مثل الله. لأنه فيما يتصل بالبشر فالآب ليس دائماً أباً ولا الابن دائماً أبناً لأن الذي كان أبناً لآخر يصير هو نفسه أباً لابن، والابن الذي هو ابن لأبيه يصير أباً لابن آخر. فإبراهيم إذن قد كان أبناً لناحور، صار أباً لأسحق. وأسحق وقد كان أبناً لإبراهيم صار أباً ليعقوب لأن كل واحد منهم إذ هو جزء من والديه يولد ويصير هو نفسه أباً لابن آخر. أما بالنسبة إلى الألوهية فليس الأمر كذلك، لأن الله ليس مثل الإنسان. فالآب لم يولد من آب آخر، ولذلك فهو لا يلد أبناً يصير أباً لآخر. وليس الابن جزءاً من الآب، ولذلك فهو لم يولد ليلد أبناً. وإذن ففي الألوهية وحدها الآب هو آب، وقد كان، ويظل دائماً كما هو، لأنه هو الآب بحصر المعنى. وهو آب فقط. والابن هو ابن بحصر المعنى، وهو ابن فقط. ويثبت القول أن الآب هو آب ويدعى دائماً أباً. والابن هو ابن. والروح القدس هو دائماً الروح القدس، وهو الذي قد آمنا به أنه من الله وأنه يعطي من الآب بواسطة الابن. وهكذا فالثالوث القدوس يظل غير قابل للتغير ويعرف في ألوهية واحدة. ولذلك فالذي يسأل هل الروح إذن ابن؟ كما لو كان الاسم يمكن أن يتغير، فهو واهم ويجعل نفسه مجنوناً، والذي يسأل هل الآب أذن جد، فبابتداعه اسماً للآب يضل في قلبه. وليس من الأمان أن نعطي جواباً أكثر من ذلك على صفاته الهراطقة لأن ذلك يتعارض مع وصية الرسول(1). لأنه من الأفضل بالحرى أن تعطي المشورة كما أوصى بها.

 

( 7 )

هذا الكلام يكفي لتوبيخ أقوالكم الحمقاء فلا تعودون تعبثون بعد بالألوهية فمن  شأن أولئك الذين يعبثون أن يسألوا عما هو غير مكتوب، وأن يقولوا: هكذا فالروح هو ابن والآب هو جد. وعلى هذا النحو يسخر الذي من قيصرية والذي من سكيثوبوليس(2). فيكفي لكم أن تؤمنوا أن الروح ليس مخلوقاً بل هو روح الله، وأن في الله ثالوثاً، آب وابن وروح قدس. وليس هناك حاجة لإطلاق اسم الآب على الابن، كذلك ليس مسموحاً أن نقول أن الروح أنه ابن، ولا أن نقول عن الابن أنه هو الروح القدس، بل هو هكذا كما قد ذكرنا. فألوهية الثالوث واحدة، وإيمان واحد، وتوجد معمودية واحدة تعطي فيه. وواحد هو التكميل(3). في يسوع المسيح ربنا. الذي به ومعه للآب مع الروح القدس المجد والقوة إلى كل دهر الدهور آمين.

تكملة الرسالة الرابعة(1):

 

( 8 )

أما بخصوص كلمات الإنجيل التي نبهتني إليها في خطابك، فأنني بضمير صالح (1بطرس 3: 16) أرجوك أن تغفر لي. أنني أتهيب الاقتراب من كلمات الإنجيل لأن انشغالي الشديد في البحث عن معناها سيؤدي إلى عدم قدرتي على الوصول إلى معنى كلمات الإنجيل العميقة. ولهذا السبب وحده ظننت أنني سوف أتجاوز عن سؤالك واكتفى بما كتبت عن الروح القدس من قبل. ولكن حتى لا ترغمني على الكتاب مرة أخرى في نفس الموضوع ضغطت على نفسي لكي أكتب القليل الذي أفهمه والذي تعلمته. ولو وصلت إلى إيضاح الموضوع فسوف تشعر أنت بالرضا، أما إذا أخفقنا فسوف لا تلومنا لأنك تعلم حسن قصدنا بل وضعفنا أيضاً. هذه هي الكلمات التي تسأل عن معناها: بعد أجراء معجزات كثيرة كما ذكر الإنجيل قال الفريسيون “هذا الإنسان يخرج الشياطين ببعلزبول رئيس الشياطين” والرب الذي عرف أفكارهم قال لهم “كل مملكة منقسمة على ذاتها تخرب” (متى 12: 24- 25). وبعدها مباشرة قال “إن كنت بروح الله أخرج الشياطين فقد جاء عليكم ملكوت الله” (متى 12: 28). ثم ختم بقوله “كل خطية وتجديف يغفر أما التجديف على الروح القدس فلا مغفرة له لا في هذا الدهر ولا في الدهر الآتي أيضاً” (متى 12: 31- 32).

ومن هنا جاء سؤالك: لماذا يغفر التجديف على الابن؟ ولماذا لا يغفر التجديف على الروح القدس لا في هذا الدهر ولا في الدهر الآتي أيضاً؟

 

(  9 )

لقد قرأت ما كتبه الآباء وبالذات الحكيم والمجاهد أورجينوس والعجيب المجاهد ثيئوغنوستس. وأطلعت على كتبهم لأرى ماذا قالوا بخصوص هذا الموضوع. كلاهما قال أن التجديف على الروح القدس يحدث عندما يعود الذين حصلوا على نعمة الروح القدس في المعمودية إلى الخطية. ولذلك يتفق كلاهما مع الآخر على عدم وجود مغفرة، مستندين إلى ما ذكره بولس في الرسالة إلى العبرانيين “أنه من المستحيل لمن استنيروا……” (عبرانيين 6: 4- 6). عند هذه النقطة كل منهما يتحدث مثل الآخر تماماً.

( 10 )

يشرح أورجينوس سبب دينونة هؤلاء بهذه الكلمات الله الآب يحل في كل شئ ويضبط كل الكائنات الحية وغير الحية أي التي لها نعمة العقل والتي ليس لها نعمة العقل. أما الابن فهو يشمل بقوته الذين لهم نعمة العقل فقط مثل الموعظين والوثنيين الذين لم يأتوا بعد إلى الإيمان. أما الروح القدس فهو يسكن فقط في الذين قبلوه في المعمودية. ولذلك عندما يخطئ الموعظون أو الوثنيون فأن خطيئتهم هي ضد الابن فقط، لأنه هو فيهم كما ذكر – أورجينوس – ولذلك يمكنهم الحصول على المغفرة عندما يكرمون بنعمة الميلاد الثاني. ولكن عندما يخطئ المعمد فأن الخطية بعد المعمودية موجهة ضد الروح القدس الذي يسكن في الذين عمدوا، ولذلك لا مناص من العقاب.

 

( 11 )

أما ثيئوغنوستس فهو كما ذكرت يتبع نفس شرح أورجينوس ويقول أن الذي يتخطى الحاجز الأول والثاني يستحق عقوبة أقل. ولكن الذي يتخطى الحاجز الثالث لا يمكن أن يحصل على مغفرة. وهو يدعو التعليم الخاص بالآب والابن بالحاجزين الأول والثاني. أما الحاجز الثالث فهو التعليم الذي يقال في المعمودية والخاص بالروح القدس، ولكي يؤكد ثيئوغنوستس هذا الشرح أقتبس كلمات الرب للتلاميذ “عندي أشياء كثيرة لأخبركم ولكنكم لا تحتملون بعد، ولكن متى جاء الروح القدس فهو سيعلمكم” (يو 16: 12- 13). وقال ثيئوغنوستس عن هذه الكلمات أن المخلص تحدث مع أناس لا يمكنهم أن يقبلوا التعاليم الكاملة ولذلك نزل إلى مستواهم غير الكامل. أما الذين تكلموا فهم الذين قبلوا الروح القدس في المعمودية. والتعليم الكامل هو من نصيب الذين حل فيهم الروح القدس.

لكننا نحذر كل من يقرأ هذه الكلمات من عدم فهمها بصورة سليمة، إذ لا يجب أن يظن أحد أن التعليم عن الروح القدس أسمى من التعليم عن الابن مادام الابن قد نزل إلى مستوى غير الكاملين بينما الروح القدس هو “ختم الكمال”. كما علينا أيضاً أن نحذر من الظن بأن الروح أسمى من الابن طالما أن التجديف على الروح بلا مغفرة. ولكن المغفرة لغير الكاملين (غير المعمدين) أما الذين ذاقوا الموهبة السماوية وصاروا كاملين فلا مغفرة لهم ولا صلاة يمكنها أن تسهل لهم المغفرة. هذا ما ذكره هذان الكاتبان المجاهدان.

 

( 12 )

أما عن نفسي فحسب ما تعلمت، أعتقد أن رأى كل منهما يتطلب فحصاً ومراجعة دقيقة لأن كلمات الإنجيل الخاصة بالتجديف عميقة.

في الحقيقة واضح أن الابن في الآب وبالتالي فهو في الذين فيهم الآب أيضاً. والروح القدس ليس غائباً عن الآب والابن لأن الثالوث القدوس المبارك غير منقسم. وزيادة على ذلك إذا كان كل شئ قد خلق بالابن (يوحنا 1: 3) وفيه كل الأشياء توجد (كولوسى 1: 17). فهو ليس كائناً خارج الأشياء التي جاءت إلى الوجود بواسطته. فكل المخلوقات ليست غريبة عنه. هو بالطبيعة في كل شئ وبالتالي كل من يخطئ ويجدف على الابن يخطئ ويجدف على الآب والروح القدس. ولو كان حميم الميلاد الثاني قد أعطى باسم الروح القدس فقط لكان من المعقول أن نقول أن الذي عمد إذا أخطأ بعد المعمودية يخطئ ضد الروح القدس وحده. ولكن لأن المعمودية تعطي باسم الآب والابن والروح القدس فكل معمد يقبل المعمودية باسم الثالوث وبذلك يصبح واضحاً أن كل من يجدف بعد المعمودية قد جدف على الثالوث الأقدس، وهذا هو التعليم الحقيقي الذي يجب أن نقبله.

ولو كان هؤلاء الذين تحدث معهم الرب أعني الفريسيين قد قبلوا حميم الميلاد الثاني وحصلوا على نعمة الروح القدس، لكان التفسير السابق لكل من أورجينوس وثيئوغنوستس مقبولاً. لأن الرب لم يكن يتكلم مع أناس ارتدوا وجدفوا على الروح القدس، لأننا إذا تذكرنا، لم يكن هؤلاء الناس أي الفريسيين معمدين، بل حتى معمودية يوحنا احتقروها ورفضوها (متى 21: 15- 27). فكيف يمكن اتهامهم بالتجديف على الروح القدس وهم لم يحصلوا عليه بعد؟ ولذلك لم ينطق الرب بهذه الكلمات لكي يعلم عن الخطية بعد المعمودية، كما أنه لم يكن كذلك يهدد بعقوبة أولئك الذين سيخطئون في المستقبل بعد المعمودية، بل قال هذه الكلمات بطريقة مباشرة وصريحة ضد الفريسيين لأنهم أذنبوا فعلاً وسقطوا في هذا التجديف الفظيع. لقد أتهمهم الرب بطريقة واضحة بالتجديف وهم لم يقبلوا المعمودية. فأن هذه الكلمات ليست موجهة ضد الذين يخطئون بعد المعمودية، خصوصاً وأن الرب لم يكن يشتكيهم بخطايا عامة ولكن بالتجديف بالذات وهناك فرق بين الذي يخطئ ويتعدى الناموس والذي بسبب عدم تقواه يجدف على الله نفسه.

وقبل ذلك أتهم الرب الفريسيين بخطايا أخرى مثل محبة المال التي من أجلها أبطلوا الوصية الخاصة بالوالدين، ورفضوا كلمات الأنبياء وجعلوا بيت الله بيت تجارة، وفي كل هذا أنتهرهم المخلص لكي يتوبوا. أما عندما قالوا أنه ببعلزبول يخرج الشياطين، لم يقل لهم ببساطة أنهم يخطئون بل أنهم يجدفون بصورة شنيعة تستوجب العقاب وتجعل المغفرة مستحيلة لأنهم تمادوا إلى حيث لا حدود لخطئهم.    

 

( 13 )

وزيادة على ذلك، لو كانت هذه الكلمات موجهة ضد الذين يخطئون بعد المعمودية وهؤلاء لا مغفرة لهم فكيف أظهر الرسول محبة نحو التائب في كنيسة كورنثوس؟ (2كورنثوس 2: 8). وماذا عن الغلاطيين الذين أرتدوا (غلاطية 4: 9) والذين تألم الرسول لكي يولدوا ويتكون فيهم المسيح مرة ثانية؟ (غلاطية 4: 19). أو عندما يقول أنهم كملوا في الروح مرة ثانية. وكيف نلوم نوفاتوس الذي يمنع التوبة ونعترض على قوله بأن الذين يخطئون بعد المعمودية لا مغفرة لهم طالما أن هذه الكلمات الإنجيلية تؤيد تعليم نوفاتوس وهي موجهة إلى الذين يخطئون بعد المعمودية. وحتى كلمات الرسالة إلى العبرانيين (عبرانيين 6: 4 – 6) لا تمنع توبة الخطاة بل تشير إلى أن معمودية الكنيسة الجامعة تعطي مرة واحدة ولا يمكن أن تتكرر ويجب أن نلاحظ أنه للعبرانيين بالذات كتب الرسول هذه الكلمات لأنه خاف عليهم من التظاهر بالتوبة وأنهم بسبب تمسكهم الشديد بالناموس الموسوى وشريعة التطهير سيظنون أنه توجد فرصة لمعموديات يومية متكررة كما في (مرقس 7: 3- 4). ولذلك يشجعهم على التوبة ويعلن أن التجديد في المعمودية هو تجديد فريد لا يعاد. وفي رسالة أخرى يقول “إيمان واحد، معمودية واحدة” (أفسس 4: 5). وهو لا يقول أنه من المستحيل أن يتوب الساقط بل من المستحيل أن نصنع نحن تجديداً لأنفسنا بالتوبة والفرق كبير، لأن من يتوب يكف عن الخطية ولكن أثار جروحه تظل ظاهرة بعكس من يعتمد يخلع العتيق ويتجدد (كولوسى 3: 9- 10) بل ويولد مرة ثانية بنعمة الروح القدس (يوحنا 3: 3).

 

( 14 )

وعندما أفكر في هذه الأشياء أجد في الكلمات السابقة عمقاً عظيماً ولذلك بعد أن صليت بلجاجة للرب الذي جلس عند البئر (يوحنا 4: 6) ومشى على المياه (متى 14: 25) أعود إلى تدبير الخلاص الذي تم راجياً أن أكون قادراً على أن أملأ دلوي من معاني الكلمات الإنجيلية التي نبحثها.

كل الكتب الإنجيلية وبالذات يوحنا تخبرنا عن التدبير الإلهي “الكلمة صار جسداً وسكن فينا” (يوحنا 1: 14) وبولس عندما يكتب: “الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب مساواته لله اختلاساً بل أخلى ذاته وأخذ صورة عبد وصار في شبه الناس” (فيلبي 2: 6- 8). ولأنه الإله الذي أخلى ذاته وصار إنساناً، أقام الموتى وشفى المرضى، وبكلمته حول الماء خمراً…… وهذه كلها أعمال ليست من قدرة البشر. ولكنه جاع وعطش وتألم لأنه أخذ جسداً وكل أعمال الجسد ليست من صفات اللاهوت. كإله قال “أنا في الآب، والآب فيَّ” (يوحنا 14: 11) ولأنه أخذ جسداً حقاً وبكل يقين، انتهر اليهود قائلاً “لماذا تطلبون أن تقتلوني وأنا إنسان قد أخبركم بالحق الذي سمعه من الآب” (يوحنا 8: 40). ورغم كونه إلهاً إلا أنه لم يقم بهذا المعجزات مرة واحدة لأنه تجسد وكان عليه أن يواجه الاحتياجات والظروف المرتبطة بحياته كإنسان. لكن لم تكن أعمال الجسد تتم بدون اللاهوت أو أعمال اللاهوت تتم بدون الجسد بل على العكس كل أعماله صنعها الرب الواحد، الذي أكمل كل شئ في سر نعمته. وعلى سبيل المثال، بصق على الأرض كما يبصق كل الناس. لكن لعابه وحده كان فيه قوة إلهية لأنه وبه به البصر لعيني المولود الأعمى (يوحنا 9: 6). ورغم أنه الإله إلا أنه تكلم بلغة بشرية وقال “أنا والآب واحد” (يوحنا 10: 30). وبإرادته منح الشفاء (متى 8: 3). ولكن عندما مد يده الإنسانية. أقام حماة سمعان بطرس من الحمى (مرقس 1: 31) وبنفس اليد أقام من الموت أبنة رئيس المجمع (مرقس 5: 4).

 

( 15 )

وقد أخطأ الهراطقة كل حسب مقدار جهله. البعض منهم نسب كل ما حدث من الرب لجسده (أي كإنسان) وتعاموا عن القول الإلهي “في البدء كان الكلمة” (يوحنا 1: 1). والبعض نسب ما حدث إلى لاهوته فقط، ولم يفهموا القول “الكلمة صار جسداً” (يوحنا 1: 14). لكن المؤمن الذي يتبع تعليم الرسل يعرف غنى الرب ومحبته للبشر. وعندما يرى أعماله العجيبة الإلهية يمجد الرب الذي ظهر في الجسد. وعندما يرى أعمال الجسد يتعجب ويرى فيها القوة الإلهية التي تعمل…… هذا هو  إيمان الكنيسة، ولذلك إذا ثبت البعض عيونهم على الجانب الإنساني في حياة الرب وشاهدوه يختبر الجوع والتعب والألم يتحدثون عنه بدون تقوى كمن يتحدث عن إنسان فقط، فيخطئون بذلك خطية عظيمة. وبلا شك أن لم يتأخروا  في التوبة يمكنهم الحصول على المغفرة لأن ضعفهم الإنساني هو عذر لهم. وحتى الرسول يمنحهم المغفرة وبطريقة ما يمد يده إليهم لأنهم بالحق يقول “وبدون جدل، عظيم هو سر التقوى الله ظهر في الجسد” (1تيموثاوس 3: 16). وعندما يرى البعض أعمال اللاهوت يترددون في الاعتراف بإنسانيته وهذا خطأ بالغ ويتوهمون عندما يقرأون أن الرب يأكل ويتألم أنه خيال، هؤلاء إذا لم يتأخروا في التوبة سيغفر لهم يسوع لأنهم لا يفهمون أعماله الفائقة التي أتمها في الجسد. وإذا فحصنا جهل هؤلاء وأولئك أي الذين يخطئون ولهم معرفة بالناموس مثل الفريسيين أو الذين يستسلمون للجنون وينكرون وجود الكلمة في الجسد، أو يذهبون إلى أبعد من هذا عندما ينسبون أعمال اللاهوت إلى الشيطان وجنوده. فأنه من العدل أن تكون عقوبة عدم تقواهم هي عدم المغفرة لأنهم اعتبروا الشيطان مثل الله وحسبوا أن من هو بالحقيقة الله، لا شئ في أعماله يدل على ألوهيته، بل أنه الشيطان يستخدم أعوانه.

 

( 16 )

وإلى هذا الدرجة السفلى من عدم التقوى انحدر اليهود في ذلك الزمان وبالذات الفريسيون منهم. ورغم أن الرب كان يقوم بأعمال الآب علانية، فهو أقام الموتى ومنح النظر للعميان وجعل العرج يمشون وفتح آذان الصم وجعل الخرس يتكلمون معلناً أن الخليقة العاقلة وغير العاقلة خاضعة له لأنه هو الذي أمر الريح ومشى على البحر، والجموع عاينت هذا وامتلأت بالدهشة ومجدت الله، إلا أن الفريسيين قالوا أن هذه أعمال بعلزبول، ومن فرط جنونهم لم يخجلوا من أن يعطوا للشيطان قوة الله. وأمام هذا أعلن الرب بالحق أن تجديفهم بلا مغفرة، لأنهم عثروا في كل ما يختص بإنسانيته وكان لهم في المسيح كإنسان، رأي شرير، وإذ قالوا “أليس هذا ابن النجار” (متى 13: 55) وكيف يفهم الكتب وهو لم يدرسها (يوحنا 7: 15)، وما هي المعجزات التي “تعملها لنؤمن بك” (يو 6: 30) و “لينزل عن صليبه الآن لنرى ونؤمن” (متى  27: 42). وقد احتمل الرب كل هذا، وسمى الإنجيل مثل هذه الأقوال بالتجديف على ابن الإنسان، وتألم الرب من قساوة قلوبهم (مرقس 3: 5) وقال لو كنتم تعلمون ما هو سلامكم (لوقا 19: 42). وغفر الرب لبطرس عندما تكلمت معه الجارية عن يسوع كإنسان وأجاب بطرس بطريقة لا تختلف عن رأي الجارية وكلامها، ولكن الرب غفر له عندما بكى بدموع. أما عندما سقط الفريسيون إلى أدنى من كل هذا وتفوهوا بما هو أشر من كل ما سبق، حتى أنهم قالوا أن أعمال الله هي أعمال بعلزبول لم يحتملهم لأنهم جدفوا على روحه بقولهم أن من يعمل هذه الأعمال ليس الله ولكنه بعلزبول. ولهذا السبب استحقوا عقوبة أبدية. وفي الحقيقة أن جرأتهم زادت عن الحد وعندما رأوا ترتيب العالم والعناية به نسبوا  الخلق إلى بعلزبول، حتى أن الشمس صارت بحسب قولهم تحت سلطان الشيطان وأصبح الشيطان هو الذي يحرك النجوم في السماء، لأن كل أعمال الآب كخالق، عملها يسوع فإذا قالوا أن أعمال يسوع هي أعمال بعلزبول، فكيف إذن يفهمون القول الإلهي “في البدء خلق الله السموات والأرض” (تكوين 1: 1) ولكن مثل هذا الجنون ليس غريباً عنهم لأن آباءهم أظهروا نفس الطباع، فبعد خروجهم من مصر صنعوا العجل الذهبي في البرية ونسبوا إليه المعجزات والبركات التي أخذوها من الله وقالوا “هذه آلهتك يا إسرائيل التي أخرجتك من أرض مصر” (خروج 32: 4) وبسبب هذا التجديف الذي أرتكبه أولئك المجانين تم فناء الكل في البرية وأعلن الله أنه في يوم افتقاده “سوف يجلب شرهم عليهم” (خروج 32: 34). وعندما اشتكوا من انعدام الخبز والماء اهتم بهم تماماً مثل المرضعة برضيعها، ولكنهم زادوا الشكوى إلى الحد الذي وصفه الروح القدس في المزامير “أبدلوا مجده بصورة العجل الذي يأكل الحشيش” (مزمور 105: 20). وعندما اجترأوا على ارتكاب مثل هذا العمل الذي لا مغفرة له ضربهم الرب كما يقول الكتاب بسبب العجل الذي سبكه هارون (خروج 32: 35).

 

( 17 )

وتصرف الفريسيون بنفس الوقاحة ولذلك أخذوا من الرب عقوبة مماثلة بل هي عقوبة مثل عقوبة بعلزبول نفسه الذي تحدثوا عنه، كي يحترقوا معه بنار أبدية.

ولم يكن الرب يقصد بما قاله في الإنجيل أن يقارن بين التجديف الموجه ضده والتجديف الموجه للروح القدس ولا أشار ولو من بعيد أو بطريق غير مباشر إلى أن الروح القدس أسمى منه ولا لأن التجديف على الروح أخطر، نطق الرب بهذه الكلمات – حاشا – لأنه علم من قبل أن كل ما هو للآب فهو للابن، وأن الروح يأخذ من الابن وبذلك يمجد الابن (يوحنا 16: 14- 15). والروح لا يعطي الابن بل الابن هو الذي يعطي الروح وقد أعطاه لتلاميذه وبهم لم يؤمنون به بواسطتهم. ولم يكن الرب يقارن نفسه بالروح عندما قال هذه الكلمات، كما أنها لا تعني أن الروح أسمى من الرب، فهذا سوء فهم لكلمات المخلص. والتجديف بنوعيه موجه بالضرورة للروح القدس. والنوع الأول من التجديف محتمل أما النوع الثاني فهو خطير. وقد أرتكب الفريسيون نوعي التجديف لأنهم رأوه إنساناً فأهانوه بقولهم “من أين له هذه الحكمة” (متى 13: 54). وقولهم: أنت لم تبلغ بعد من العمر ثلاثين سنة فكيف رأيت إبراهيم (يوحنا 8: 57). ورغم أنهم رأوا أعمال الآب فيه إلا أنهم لم يرضوا بألوهيته. وبدلاً من هذا قالوا أن بعلزبول فيه، وأن هذه الأعمال هي أعمال بعلزبول، وبذلك أصبح تجديفهم بنوعية موجه ضده. والنوع الأول أقل خطورة بسبب العذر الواضح وهو إنسانيته، أما النوع الثاني فهو أكثر خطورة لأنه إهانة موجهة إلى ألوهيته. ومثل هذا التجديف الخطير هو الذي استدعى عقوبة عدم المغفرة. ومن الواضح أن الرب كان يشجع التلاميذ عندما قال لهم “إذا كانوا قد دعوا رب البيت بعلزبول” (متى 10: 25) وأكد هنا أنه رب البيت الذي جدف عليه اليهود.

 

( 18 )

أما اليهود فعندما قالوا عنه “بعلزبول” لم يهينوا أحداً سوى الرب يسوع وهذا واضح من التعبير نفسه. لأن كلمة “الروح” في نص الإنجيل “أما التجديف على الروح” (مت 12: 31) تشير إلى الرب نفسه. وكل هذا القول يقصد به نفسه. لأن “رب البيت” يراد به المسيح أي رب الكون كله. وأنا أرجوك أن لا تتضايق من هذا التكرار فهو لازم إذا كنا نحرص على الوصول إلى المعنى الدقيق للنص ولذلك سأعود إلى ما ذكرته سابقاً أن الجوع والتعب والنوم والإهانات كلها خاصة بناسوته، أما الأعمال الباهرة التي كان يقوم بها الرب، فلم تكن أعمال إنسان بل أعمال الله. لذلك إذا ما شاهد بعض الناس الأشياء الخاصة بالإنسان مثل الجوع………… الخ، وأهانوا الرب لأنه حسب ظنهم مجرد إنسان فقد حسبوا مستحقين لعقوبة أقل من عقوبة أولئك الذين ينسبون أعمال الله للشيطان. لأن هؤلاء لا يكتفون بإلقاء الأشياء المقدسة للكلاب (متى 7: 6)، بل يجعلون الله مساوياً للشيطان ويدعون النور ظلمة (أشعياء 5: 20). لذلك سجل مرقس أن تجديف اليهود بلا مغفرة، “وأما من جدف على الروح القدس فلن يغفر له بل هو مستحق دينونة أبدية، لأنهم قالوا أن به روحاً نجساً” (مرقس 3: 29- 30).

والرجل الأعمى منذ ولادته عندما أبصر، شهد بأنه لم يسمع من قبل أن أحداً فتح عيني مولود أعمى، ولذلك قال “إذا لم يكن هذا الإنسان من الله لا يستطيع أن يفعل شيئاً” (يوحنا 9: 32- 33) . حتى الجموع نفسها عندما امتلأت من الإعجاب بما فعله الرب قالت “أن هذه ليست أعمال من فيه شيطان هل يقدر شيطان أن يفتح أعين العميان” (يوحنا 10: 21). أما هؤلاء الذين امتلأوا من معرفة الناموس، أي الفريسيون وهم الذين يلبسون العصائب العريضة (متى 23: 5)، ومزهوون بمعرفتهم بالناموس أكثر من باقي الناس (يوحنا 9: 24- 29)، كان من المفروض عليهم بسبب هذه المعرفة أن يخجلوا ولكن كما هو مكتوب عنهم أنهم “تعساء لأنهم ذبحوا للشيطان وليس لله” (تثنية 32: 17). وعندما قالوا أن بالرب شيطاناً وأن أعمال الله هي أعمال الشيطان لم يكن لديهم أي أسباب مقنعة تدفعهم إلى هذا الاعتقاد. والدافع الحقيقي لمثل هذا التجديف هو رغبتهم في أن ينكروا أن الذي يعمل هذه الأعمال هو الإله ابن الله. وبالحقيقة لقد أكل أمامهم وشاهدوا جسده وتأكدوا أنه إنسان فكان لديهم فرصة لأن يقتنعوا من أعماله أن الآب فيه وأنه في الآب. أما لماذا لم يقتنعوا؟ فلأنهم لم يشاءوا.

وفي الحقيقة لقد سكن بعلزبول في الفريسيين. وكان بعلزبول هو الذي يتكلم فيهم. ولذلك قالوا عن المسيح أنه مجرد إنسان، بسبب ناسوته، دون الاعتراف به إلهاً بسبب أعماله التي هي أعمال الله. ولكن بهذه السقطة ألّهوا (بتشديد اللام) بعلزبول الذي سكن فيهم، والذي في النهاية سوف يعاقبون معه في النار إلى الأبد.

 

( 19 )

ودراستنا للنص توضح لنا أنه يعني نوعي التجديف اللذين أشرنا إليهما سابقاً. ذلك أن المخلص أشار إلى نفسه عندما قال “ابن الإنسان” ولكنه كان يعني أيضاً نفسه عندما تحدث عن “الروح”. والاسم الأول “ابن الإنسان” يوضح تجسده، والاسم الثاني “الروح” يوضح طبيعته الروحية غير المادية ولاهوته. وفي الواقع أن الخطية التي يمكن غفرانها هي العثرة الناتجة عن رؤية ناسوته، أي ما يتعلق به كابن الإنسان، ولكنه أوضح أن التجديف الذي لا يمكن مغفرته هو التجديف على “الروح” أي على الطبيعة الإلهية.

وقد لاحظت أن التعبير “الروح” جاء بالمعنى الذي نتحدث عنه في إنجيل القديس يوحنا عندما كان الرب يتحدث عن تقديم جسده. ولما رأى أن كثيرين عثروا بسبب ما ذكره عن جسده، قال لهم “هل هذا يعثركم؟ وماذا ستفعلون عندما تشاهدون ابن الإنسان صاعداً إلى حيث كان سابقاً؟ الروح هو الذي يحيي أما الجسد فلا يفيد شيئاً. الكلام الذي أكلمكم به هو روح وحياة” (يوحنا 6: 62- 63) وقد تحدث الرب هنا عن “الجسد والروح” وكما هو واضح كان يتحدث عن نفسه. وميز بين الجسد والروح لكي يتمكن الذين سمعوه من الإيمان بما يرون أي بجسده، وكذلك الإيمان بغير المنظور أي الروح أو لاهوته لكي يؤمنوا أن ما يتكلم عنه ليس الجسديات بل الروحيات.

ولنسأل كم عدد البشر الذين يمكن أن يقدم لهم جسده المادي؟ وماذا عنه كغذاء للعالم كله؟ لهذا السبب تحدث عن صعود ابن الإنسان إلى السماء لكي يبعد عن أفكارهم كل التصورات المادية عن جسده، ولكي يفهموا جيداً بدون أي تصورات مادية أن جسده الذي يتكلم عنه هو طعام سمائي يأتي من فوق كغذاء روحي يعطيه هو بنفسه. وحقاً قال “الكلام الذي أكلمكم به روح وحياة” (يوحنا 6: 63) أي أن ما أعلنه، وما سيعطيه لخلاص العالم هو جسده، ولكن هذا الجسد عينه بما فيه من دم سوف يعطي لكم بواسطتي روحياً وكطعام وبطريقة روحية سوف يوزع على كل واحد منكم لكي يصبح عربون القيامة والحياة الأبدية.

واستعمال كلمة “روح” جاء بنفس المعني في حديث الرب مع السامرية عندما وجه فكرها إلى المعنى الروحي ورفع نظرها إلى الأمر غير المادية بقوله لها “الله روح” (يوحنا 4: 24)، لكي يستقر في قلبها الفهم الصحيح عن الله، أنه ليس من طبيعة مادية محصورة في مكان بل أنه روح. وهذا ما يعنيه كلام التعليم الذي يقول عندما يتأمل الكلمة وقد تجسد: “روح الإيمان هو المسيح الرب”. وحتى لا يعثر أحد ما بالشكل الخارجي الملموس ويظن أن الرب هو مجرد إنسان، جاءت كلمة “الروح” لتؤكد أن الذي في الجسد هو الله.

 

( 20 )

وهكذا يبدو لنا شيئان ظاهران تماماً. الأول هو حالة من يرى الرب في الجسد ويعتبره مجرد إنسان ويقول بعدم إيمان “من أين الحكمة لهذا الإنسان” (متى 13: 54). وكل من يتكلم بهذا يخطئ بدون شك ويجدف على ابن الإنسان والثاني يرى أعماله التي تتم بالروح القدس ويقول أن صانع هذه الأعمال ليس الله ولا ابن الله وينسب هذه الأعمال لبعلزبول، مثل هذا ينكر لاهوته، وهذا ما يظهر واضحاً عدة مرات في الإنجيل لا سيما في النص الذي نشرحه.

ومرة أخرى، نكرر، عندما يوصف الرب بأنه “ابن الإنسان” فهو نفسه يستخدم هذا اللقب لتأكيد بشريته، ولكن عندما يتحدث عن الروح أي الروح القدس الذي به يصنع كل هذه الأعمال والذي هو (الروح) أيضاً فيه، يقول بعد إتمام أعماله الباهرة: “إذا كنتم لا تؤمنون بي فعلى الأقل آمنوا بالأعمال التي أعملها لكي تعرفوا أنني في الآب والآب فيَّ” (يوحنا 10: 38).

أما عن موضوع موته عنا بالجسد، عندما صعد إلى أورشليم (متى 20: 18) لهذه الغاية، فقد قال لتلاميذه “ناموا الآن واستريحوا لأن الساعة قد أتت وابن الإنسان سوف يسلم لأيدي الخطاة” (متى 20: 45). وحقاً أن أعماله تجعل أي إنسان يؤمن أنه بالحقيقة الله، ولكن موته يؤكد أيضاً أنه بالحقيقة تجسد. ولهذا السبب قال أن الذي سيسلم لأيدي الناس الخطاة هو ابن الإنسان، لأن الكلمة غير مائت  ولا يمكن لمسه بل هو في جوهره الحياة نفسها. ولكن عندما لم يؤمن الفريسيون، بأعمال الرب ولا بالأعمال التي كان أبناؤهم يقومون بها، وبخهم الرب بلطف بهذه الكلمات (متى 12: 27- 28). وإشارته هنا إلى “الروح” أو “روح الله” لا تعني أنه أقل من الروح أو أن الروح هو الذي كان يعمل هذه الأعمال بواسطته ولكن لكي يوضح أنه كلمة الله الذي يعمل كل هذه الأعمال بالروح ولكي يعرف سامعوه أنهم عندما ينسبون هذه الأعمال لبعلزبول، بينما هي أعمال الروح فأنهم يهينون الذي يعطي الروح أي الابن. وحقاً لقد أعلن في نص الإنجيل (متى 12: 27) أنهم قد نزلوا إلى أسفل الدرجات وأنهم بمعرفة يجدفون، وليس بسبب الجهل بل هم يجدفون رغم أنهم يعرفون أن الأعمال التي يعملها هي أعمال الله، ولكن هؤلاء المجانين نسبوا هذه لبعلزبول، وأنها تمت بواسطة روح نجس.

 

 

( 21 )

وكيف يستطيع أناس لهم مثل هذه الوقاحة أن ينتقدوا الوثنيين الذين يصنعون الأصنام ويدعونها آلهة؟ حقاً أن جنون الفريسيين مثل جنون الوثنيين. كلاهما يفعل ذات الشيء وأن كان الذي فعله الفريسيون أكثر خطورة، لأنهم بعد أن أخذوا الناموس الذي يحذرهم من عبادة الآلهة الغريبة يتجرأون ويحتقرون الله عندما يخالفون الناموس.

ولكن بعد هذا التجديف ماذا سيفعلون عندما يسمعون أشعياء النبي وهو يخبر عن علامات مجيء المسيح مثل رد البصر للعميان، ومشى العرج، ونطق الخرس، وأقامة الموتى، وشفاء البرص، وفتح آذان الصم؟ من هو صانع كل هذه المعجزات؟ إذا قالوا الله الآب فأنهم يدينون أنفسهم بعدم قبول الرب لأن ما رآه النبي وأخبر عنه هو ما يفعله الرب يسوع عندما كان على الأرض في الجسد. ولكن إذا أصيبوا بالعمى وقالوا هذه الأعمال هي أعمال بعلزبول فأنهم ينحدرون شيئاً فشيئاً إلى عدم التقوى، خصوصاً عندما يقرأون “من الذي أعطى النطق للإنسان ومن الذي خلق الصم والخرس والذين لهم عيون والعميان” (خروج 4: 11)، ونصوص أخرى مشابهة، وربما قادهم جنونهم إلى الإدعاء بأنه حتى هذه الكلمات نفسها هي كلمات بعلزبول، وهذا هو التطور الحتمي لفكرهم، لأنهم إذا نسبوا إليه نعمة البصر فأنه ينسبون إليه أسباب العمى أيضاً حيث أن كلمات الكتاب المقدس يؤكد أن الذي قام بالخلق هو الذي قام بالمعجزات وأنه هو صاحب كل النصوص. وبالتالي سيصلون إلى نتيجة رهيبة وهي أن خالق الطبيعة البشرية هو بعلزبول لأن من صفات الخالق أن يكون له سلطان على خليقته. وهذا يؤكده موسى” في البدء خلق الله السموات والأرض…… وخلق الإنسان على صورته” (تكوين 1: 1؛ 27) ودانيال أعلن لداريوس “أنا لا أعبد أصناماً مصنوعة بيد الإنسان بل الله الحي الذي خلق السماء والأرض والذي له سلطان على كل جسد” (تتمة سفر دانيال: 5). وإذا غيروا فكرهم وتصوروا أن ضعفات الجسد مثل العمى والعرج هي عقوبة من الخالق بينما الشفاء وعمل الرحمة هو من بعلزبول فأن مجرد مناقشة هذا الرأي هو الجنون بعينه. وطريقة تفكير هؤلاء الناس هي طريقة المجانين والسكارى وعديمي التقوى لأنهم أصبحوا ينسبون ما هو حسن أي معجزات الرحمة لبعلزبول وليس لله. ومثل هؤلاء الناس لا توبخهم ضمائرهم عندما يغيرون تعاليم الكتب المقدسة طالما أنهم يصلون إلى غايتهم وهي إنكار مجيء المسيح.

 

( 22 )

وكان من الأفضل لهؤلاء الناس الأشرار الامتناع عن إهانة المسيح “كابن الإنسان” بسبب أن له جسداً بشرياً أو الاعتراف به كإله حقيقي بسبب معجزاته، ولكنهم فعلوا العكس تماماً، لأنهم عندما أدركوا أنه إنسان احتقروه، وعندما عاينوا معجزاته الإلهية أنكروا لاهوته ونسبوا هذه المعجزات للشيطان. وظنوا أنهم بمثل هذه الوقاحة وهذا التجديف سيهربون من دينونة الكلمة الذي أهانوه. ولتتذكروا أن العرافين والمنجمين وسحرة فرعون عندما حاولوا تقليد معجزات موسى عجزوا وانسحبوا معلنين أن هذه هي إصبع الله (خروج 8: 19). وبينما أبصر الفريسيون والكتبة يد الله وهي تعمل بل عاينوا معجزات أكثر وأعظم قام بها المخلص، قالوا أن الذي فعل كل هذه المعجزات هو بعلزبول، مع أن بعلزبول هو إله السحرة الذين اعترفوا بأنهم عاجزون عن القيام بأي عمل خارق وحتى أقل من أعمال موسى، فمن ذا الذي يمكنه أن يقبل إهانة الفريسيين أو فسادهم الذي سبق الأنبياء وأدانوه؟

وإذا قارنا بين خطية الفريسيين وذنوب أهل سدوم يصبح أهل سدوم بالنسبة إلى الفريسيين أبراراً. بل لقد زادوا في جهلهم أكثر من الوثنيين وغباوة سحرة فرعون ولا مثيل لهم في جرمهم إلا الآريوسيين لأنهم معاً سقطوا في نفس الفساد. لأن اليهود عندما رأوا أعمال الآب التي يقم بها الابن نسبوها لبعلزبول، والآريوسيون عندما رأوا نفس الأعمال نسبوها لمخلوق، لأنهم قالوا أن الابن خلق من لا شئ، وأنه مر وقت لم يكن فيه الابن كائناً، والفريسيون تذمروا عندما رأوا الرب في الجسد وقالوا “لماذا وأنت إنسان تجعل نفسك إلهاً” (يوحنا 10: 33) وهؤلاء الآريوسيون أعداء المسيح عندما رأوه ينام ثم يتألم جدفوا عليه بهذه الكلمات “الذي يعاني من كل هذه الآلام لا يمكن أن يكون الإله الحقيقي ولا من ذات جوهر الآب”.

وأخيراً أن كل من يريد أن يفحص جنون الجماعة الأولى أو الثانية سوف يرى أنهم في النهاية سوف يستقرون في وادي الظلام (تكوين 14: 8).

 

( 23 )

ولهذا السبب أعلن المخلص أنه بالنسبة للجماعتين، توجد عقوبة واحدة لهذه الجريمة الواحدة وهي عدم المغفرة “أما الذي يجدف على الروح القدس فلا مغفرة له لا في هذا الدهر ولا في الدهر الآتي” (متى 12: 32). وهذا صواب تماماً لأن الذي ينكر الابن، لا يجد من يسرع لمصالحته مع الآب. وأي حياة أو راحة ستبقى لمثل هذا الإنسان الذي يرفض ذاك الذي قال “أنا هو الحياة” (يوحنا 14: 6) و “تعالوا إلىَّ يا جميع المتعبين وثقيلي الأحمال وأنا أريحكم” (متى 11: 28). فإذا كانت هذه هي عقوبة المجدفين وهي عقوبة كل من يعتنق عقيدتهم في المسيح، فأنه من المؤكد أن الذين يعبدون الرب في الجسد وفي الروح ولا ينكرون أنه ابن الله وأنه تجسد بل يؤمنون في وقت واحد أنه “في البدء كان الكلمة والكلمة صار جسداً” (يوحنا 1: 1، 14) سوف يملكون مع المسيح إلى الأبد في السماء حسب مواعيد ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح الذي قال “يذهب هؤلاء إلى عذاب أبدي والأبرار إلى حياة أبدية” (متى 25: 64).

 

لقد كتبت هذا الشرح المختصر حسبما تعلمت، أما بالنسبة لك، فأرجو أن تقبل هذا الشرح ليس كتعليم كامل وتام في ذاته بل كبداية تحتاج إلى أن تكملها معتمداً على نصوص الأناجيل والمزامير. وأربط حزمة الحق، حتى عندما  يراك الناس وأنت تحملها يقولون “بالفرح حاملين أغمارهم” (مزمور 125: 6). ليكن لنا هذا الفرح في يسو المسيح ربنا الذي به وله مع الآب والروح القدس المجد والقوة والملك في دهر الدهور. آمين.

 

 

ملاحظات الرسالة الأولى
  • ليس فقط أحد المخلوقات“: يرى القديس أثناسيوس أن انحراف “التروبيكيين” من جهة الروح القدس هو انحراف مزدوج.

أولاً: هم يدعون الروح القدس مخلوقاً من ناحية.

ثانياً: يقولون أن الروح مختلف عن الملائكة في الرتبة فقط وليس في الطبيعة. 

( 2 ) “بسبب وحدة الكلمة مع الآب“: هذا الجزء من الرسالة الأولى يعتبر مقدمة للفصول من 19- 31 ونجد فيها ثلاث نقاط من تعليم القديس أثناسيوس وهي:

1- أن الروح له نفس الوحدة مع الابن مثل الوحدة التي للابن مع الآب.

ورغم أن العلاقتين هما من نفس النوع ولكن كل منهما تمثل علاقة خاصة. فالروح ليس أبناً مثل الابن بالنسبة للآب (انظر فصول 15، 16 من الرسالة الأولى). والروح هو في الابن كما أن الابن هو في الآب (انظر فصل 19 من الرسالة الأولى).

2- وتبعاً لذلك فألوهية الروح القدس متعلقة بألوهية الابن، بالضرورة وكل كلام عن مخلوقيه الروح يعني بالضرورة أن الابن مخلوق (فضل 21 من الرسالة الأولى).

3- حيث أن الكتاب المقدس والتقليد يعلنان أن اللاهوت قائم في ثالوث، فالقول بأن الروح مخلوق لا يحفظ وحدة اله وكماله سليمتين ويجعل المعمودية بلا فاعلية. (انظر فصول 28- 31 من الرسالة الأولى).

( 3 ) ” الثيئولوجيا” هي الكلمة اليونانية التي تعني الكلام عن الله.

( 4 ) لأنهم – حسب توهمهم الخاص – يعتبرون الروح القدس هو أحد المخلوقات.

( 5 ) “ينبثق من الآب” . الكلمة اليونانية المترجمة ينبثق مكونة من مقطعين ek, porevo   والأداة  ek   تعني يخرج من، وتشير إلى الأصل. و edporevo   كلها تعني ينبثق من. وهنا يستعمل القديس أثناسيوس الفعل اليوناني المستعمل في الإنجيل حسب (يوحنا 15: 26) “روح الحق الذي من عند الآب” ينبثق” . ونفس الكلمة استعملها قانون الإيمان النيقي القسطنطيني عن الروح القدس “الرب المحي المنبثق من الآب” والقديس أثناسيوس هنا عندما يتحدث عن علاقة الروح القدس بالآب يقول أنه ينبثق (أو يأخذ وجوده) منه، ولكنه عندما يتحدث عن علاقة الروح بالابن لم يقل أنه ينبثق منه بل قال عنه “الذي بسبب أنه روح الابن، أعطى بواسطته للتلاميذ، ولجميع الذين آمنوا به”.

( 6 ) ترجمت في ترجمة دار الكتاب المقدس وفي الترجمة السبعينية بالإنجليزية وفي ترجمات أخرى بكلمة “الريح”.

( 7 ) ويقصد بها في هذا الموضع، الابن.

( 8 ) هو أستاذ مصري علم أولاً في الإسكندرية، ولكنه كغيره من الهراطقة، وسع مجال تعليمه فذهب إلى روما حيث أسس هناك مدرسة وذلك قبل عام 150م. ولما حرم من الكنيسة أنشأ جماعة خاصة مستقلة، وقد ألف عدة كتب، وله عدة رسائل وأناشيد، ولكن القليل غير المهم هو الذي بقى، وهو أحد الهراطقة الغنوسين المشهورين.

( 9 ) “الله بالكلمة، في الروح” واضح هنا أن القديس أثناسيوس يرى في (أشعياء 63: 14) إشارة للأقانيم الثلاثة في الله، وإلى نزول الروح القدس من الابن بمشيئة الآب.

( 10 ) يذكر القديس أثناسيوس أن عمل الملائكة بالنسبة للمؤمنين لا يقتصر على حراستهم والعناية بهم، ولكنهم أيضاً يلاحظونهم ويراقبون أعمالهم.

( 11 ) يشير أوريجينوس في كتابه  المبادئ “أن كل مؤمن حتى أصغر واحد يتولى حراسته ملاك وهو ممن قيل عنهم إنهم ينظرون وجه الآب الذي في السموات” (De Prin II, X, 7  ).

( 12 ) تدخل حجة أثناسيوس ابتداء من هنا مرحلة جديدة: فبعد أن أنهى أثناسيوس على البراهين التي يستند عليها “التروبيكيوين” في فهمهم للآيات، يتحول أثناسيوس لمواجهة معارضة مبنية على سوء فم العلاقات داخل اللاهوت. ويكرس لهذا الغرض الفصول من 15 إلى 21 من هذه الرسالة والتي تشكل قلب هذا البحث بالترتيب التالي:

أ-ففي فصل 15 يقدم المعارضة.

ب-وفي فصل 16 ينقد المعارضة ويبين أنها تناقض نفسها من الداخل لأنها مبنية على فهم خاطئ عن الأبوة في الله.

ج-في فصلي 17، 18 ينقد المعارضة لأنها تصور جنوني.

د-وفي الفصول الثلاثة الأخيرة من 19- 21 يقدم الخطوط التي ينبغي أن يبني عليها التعليم الصحيح عن الثالوث.

( 13) “الوحيد” هي في الأصل اليوناني “Monogenes  ” وتعني الوحيد أو الفريد، وأيضاً تعني “الوليد الوحيد” وبهذا المعنى يرى “ديديموس الإسكندري” أنها وحدها تكفي لتمييز الابن عن الروح القدس (De Trin II, 447 c  ).

( 14 ) “صورة كلية للكامل وهو إشعاعه“: انظر المقالة الثانية ضد الآريوسيين حيث يقول القديس أثناسيوس. “هو كإشعاع النور مولود كامل من كامل ولهذا فهو اله كما أنه صورة الله” (ضد الآريوسيين 2: 35 ترجمة الأستاذ صموئيل كامل، والدكتور نصحي عبد الشهيد نشر مركز دراسات الآباء يناير 1984). والقديس أثناسيوس هنا يصحح بواسطة “مفهوم الصورة”، سوء استخدام الآريوسيين لتطبيق التوالد في عالم البشر على بنوة المسيح الإلهية. وتكرار استعماله لألفاظ: “الكلى…… وكامل” يشير إلى تكامل وكمال وعدم تجزؤ الطبيعة الإلهية في مقابل الانقسام والتجزؤ في طبيعة البشر. فيؤكد أن الابن ليس صورة منعكسة من الآب أو منبعثة بل هو الصورة الكاملة لكل ما هو الله في جوهره. 

وكما أن استعمال لفظ “Olos   يستبعد معنى التجزؤ والنقص، هكذا فإن لفظ  eilon ” تتضمن وحدة الابن مع الآب ووجوده في الآب. ويقول القديس أثناسيوس في مقالته الأولى ضد الآريوسيين “أن أعداء الله هؤلاء إنما يخترعون تشنيعات وافتراءات إذ أنهم لكي لا يعترفوا بأن الابن هو صورة الآب، فأنهم يتصورون صفات جسدية وأرضية فيما يخص الآب ذاته، ناسبين إليه التقسيمات والتوالد والحمل” (ضد الآريوسيين 1: 20 ترجمة الأستاذ صموئيل كامل والدكتور نصحي عبد الشهيد يناير 1984).

(15) “يدعى (الابن) اشعاعاً“، أي نور يشع نوراً، أي أن الابن نور مشع من الآب، وهكذا نفهم نص قانون الإيمان “نور من نور”. بعكس فهم “إشعاع” بمعنى نور مقتبس من نور آخر مثلما يأخذ السراج نوره من سراج آخر فيكون تعبيراً عن الانقسام والتجزئة في عالم المخلوقات، والتي لا وجود لها في طبيعة الله الثالوث.

(16) “نرى في الابن، الروح الذي به نستنير“. يوضح القديس أثناسيوس هنا أننا يمكن أن نرى الروح في الابن، وهذا ما يذكره صراحة في الرسالة الأولى عندما يقول: “وكما أن الابن، الكلمة الحي، هو واحد، هكذا فإن القوة الحيوية والعطية التي بها يقدس ويضئ ينبغي أن تكون واحدة كاملة وتامة” (رسالة 1: 20). ويقول أيضاً: “أنه حيث يكون النور فهناك الشعاع أيضاً، وحيث يكون الشعاع فهناك أيضاً فاعليته ونعمته المضيئة” (رسالة 1: 30). ومع تأكيد القديس أثناسيوس على وحدة الروح والابن، فأنه يهتم أن يؤكد أيضاً تميز الأقانيم كما يبدو في كلماته في الفصل 28 من هذه الرسالة إذ يقول: “الآب بالكلمة في الروح القدس يعمل كل الأشياء …… وهكذا يكرز بإله واحد في الكنيسة” “الذي على الكل وبالكل وفي الكل” (أف 4: 6). “على الكل” كآب وكبدء وكينبوع، و “بالكل” أي بالكلمة، “وفي الكل” أي في الروح القدس. هو ثالوث ليس فقط بالاسم وصيغة الكلام بل بالحق والوجود الفعلي. لأنه كما أن الآب هو الكائن الذي يكون، هكذا أيضاً الكلمة هو الكائن والإله على الكل. والروح القدس ليس بدون وجود حقيقي بل هو يوجد وله كيان فعلي. وليس بأقل من هؤلاء الثلاثة تعتقد الكنيسة الجامعة لئلا تنزلق إلى أفكار اليهود المعاصرين الرديئة وإلى أفكار سابيليوس، كما أنها لا تعتقد بأكثر من ثلاثة لئلا تتدحرج إلى تعدد الإلهة عند اليونانيين (رسالة 1: 28).

(17) “نصير أبناء” انظر Contr. Ar. III 19   المقالة الثالثة ضد الآريوسيين للقديس أثناسيوس، وديديموس على الثالوث. Didymus de Trin II 748c ، حيث “نصير أبناء” ، “نصير إلهة” يقال أنها عمل الروح. وهذا التعبيران يعبران عن فكرة واحدة، والقديس أثناسيوس عموماً يفضل تعبير “نصير إلهة”.

(18) “صورته الخاصة”: لقد سبق أثناسيوس واستعمل هذا التشبيه عن الابن. وهو الآن يستعمله عن الروح، ويضيف مجموعة من الآيات المماثلة ليبين كيف أن رسم الابن يوجد كما في الروح. واستعمال التشبيه هو أقدم من أثناسيوس، لأن غريغوريوس العجائبي في: “اعترافه” يتحدث عن الروح على أنه صورة الابن، بل في الحقيقة ربما يرجع هذا التشبيه إلى ايريناوس، انظر Hare. IV. Viii. 4 ، ونجد أن ديديموس يأخذ هذا التشبيه في كتابه عن الثالوث de Trin II 504 B  وانظر أيضاً Ps. Basil Adv-Eun. V 724c, etc.. واستمرار استعمال هذا التشبيه يتضح من ظهور في كتابات يوحنا الدمشقي (القرن الثامن) “كتاب في الإيمان الأرثوذكسي De Fid. Orth.  “. ونلاحظ أن ما يقوله أثناسيوس هنا يكمل ويؤيد الحقيقة التي سبق أن ذكرها في القسم السابق أن الروح يمكن أن يرى في الابن.

(19) كما أن وحدة الطاقة (القوة energia ) تستلزم وحدة الجوهر، لذلك فلو أن هناك انقساماً في الجوهر حسب تصور التروبيكيين فهذا يستلزم تعدد الطاقات (القدرات). ويجد أثناسيوس في هذه الحقيقة تعليلاً لتعليمه اللاهوتي عن النعمة الإلهية الواحدة للثالوث الواحد.

(20) “وليد وحيد” (Gennyma ) لا يجد القديس أثناسيوس أية صعوبة في استعمال هذه الكلمة عن المسيح رغم أن الآريوسيين اتيوس Aetius  ويونوميوس Eunomius  يستعملونهما كمرادفة لكلمة مخلوق أو مصنوع. ويقول القديس أثناسيوس في C. Ar. III. 4  (ضد الآريوسيين 3: 4) أن طبيعة الابن هي نفسها طبيعة الآب “لأن الوليد ليس مغايراً لأنه هو صورته وكل ما هو للآب هو للابن” “لأن الشعاع هو أيضاً نور ليس ثانياً بالنسبة للشمس ولا هو نور مختلف، ولا بمجرد المشاركة فيها، بل هو وليد كامل وخاص بها. ومثل هذا الوليد هو بالضرورة نور واحد، ولا أحد  يستطيع أن يقول أنهما نوران. ولكن الشمس والشعاع هما اثنان، فنور واحد ينبعث من الشمس يضئ بشعاعها كل الأشياء.

(21) “يأخذ من الابن“: على غير ما يحاوله بعض المفسرين خطأ من الاستناد إلى هذه الآية لكي ينسبوا أصل الروح الأزلي إلى الابن مع الآب، فإننا نجد أن القديس أثناسيوس هنا يشرح هذه الآية على أنها تشير فقط إلى مجرد إرسال الروح القدس من الابن، إذ هو يقارن بين ما سمعه الابن من الآب وتكلم به في (يوحنا 8: 26)، وبين ما يسمعه الروح القدس من الابن ويتكلم به، كما يقول الرب يسوع في الفقرة التي اقتبس منها هنا القديس أثناسيوس عن علاقة الروح بالابن “لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به… لأنه يأخذ مما لي ويخبركم” (يو 16: 13، 14). وعلى ذلك فإن الآية التالية التي يقول فيها كل ما للآب فهو لي تنحصر هنا في عمل الأخبار بما يسمع، لأن الرب يكمل قائلاً: “لهذا قلت أنه يأخذ مما لي ويخبركم” (يو 16: 15).

(22) “الرتبة والطبيعة” كلمة رتبة “Taxis ” هنا ليست ترتيباً عددياً بل تعني “وضع” Rank ، فأثناسيوس لا يقصد أن الروح يأتي في الترتيب بعد الابن مثلما يأتي الابن بعد الآب بل هو يعني ببساطة أن وضع الروح مع الابن هو تماماً مثل وضع الابن مع الآب. ويستعمل القديس أثناسيوس كلمة الطبيعة “Physis ” بعد كلمة رتبة لكي يوضح أن المقصود بكلمة “رتبة” ليس مجرد وظيفة أو امتياز معين بل وحده الجوهر بين الأقانيم الثلاثة.

(23) “روح القداسة والتجديد” يرى القديس أثناسيوس أن القداسة هي الخاصية المميزة للروح، وهذا نجده أيضاً في تفسير القديس أثناسيوس ليوحنا (يو 17: 19) في المقالة الأولى ضد الآريوسيين حيث يقول: “كوني أنا كلمة الآب، فأنا نفسي أعطي الروح لذاتي، أنا الصائر إنساناً. وأنا الصائر إنساناً، فيه أقدس لكي يتقدس الجميع فيَّ، أنا الذي هو الحق (ضد الآريوسيين 1: 46 ترجمة الأستاذ صموئيل كامل والدكتور نصحي عبد الشهيد صفحة 89 مركز دراسات الآباء 1984 القاهرة). وكون القديس أثناسيوس عندما يتحدث عن الروح يضيف كلمة التجديد بعد كلمة القداسة فهذا يبين أنه لا يفصل بين القداسة وبين تجديد الطبيعة وأعادتها إلى عدم الفساد. وهذا ما يتحدث عنه أيضاً في كتابه تجسد الكلمة (فصول من 4- 10) دون أن يشير إلى الروح القدس. والقديس أثناسيوس يستعمل عبارة نصير إلهيين في تجسد الكلمة 54: 3 كمرادف للتجديد أو إعادة الطبيعة البشرية إلى عدم الفساد أو عدم الموت، كنتيجة لتجسد الكلمة. وكل هذه التعبيرات المستعملة في هذا الجزء من الرسالة تشير إلى نفس هذه العملية التي يصيغها بتعبيرات متنوعة في المناسبات المختلفة سواء نسبها إلى الكلمة أو إلى الروح، (مثال انظر فصل 24 من هذه الرسالة).

(24) “يـؤله” “Theopoieo  ” أي “يجعل إلهاً”.. نلاحظ هنا أن القديس أثناسيوس يشرح عبارة بطرس الرسول تصيروا شركاء الطبيعة الإلهية بأنها تعني التأليه. وهو يقول أن الروح القدس هو الذي يؤله البشر أي يصيرهم آلهة باشتراكهم فيه. وعلى هذا الأساس يستنتج أن الروح القدس لا يمكن أن يكون من طبيعة المخلوقات بل بالضرورة له طبيعة الله. وقد استعمل القديس أثناسيوس هذه الكلمة في مواضع كثيرة من كتاباته أهمها:

  • كتاب تجسد الكلمة فصل 54 حيث يقول “لأنه صار إنساناً لكي نصير نحن آلهة”.
  • وفي المقالة الأولى ضد الآريوسيين فقرة 39 “كان إلهاً وفيما بعد صار إنساناً لكي يؤلهنا… وكيف يحدث التأليه بدون اللوغوس …… كل الذين دعوا أبناء وآلهة قد نالوا التبني وصاروا متألهين من خلال اللوغوس”.
  • وفي المقال الثاني ضد الآريوسيين فقرة 70 يقول: “لأه ما كان للإنسان أن يتأله لو أنه أتحد بمخلوق أو لو أن الابن لم يكن إلهاً حقيقياً .. هكذا لم يكن للإنسان أن يؤله لو لم يكن الكلمة الذي صار جسداً هو ابن طبيعي حقيقي وذاتي من الآب. لهذا إذن صار الاتحاد هكذا، أن يتحد ما هو بالطبيعة بشرياً بالذي له طبيعة الألوهية ويصير خلاص الإنسان وتأليهه مؤكداً”.
  • وفي المقالة الأولى ضد الآريوسيين فقرة 9 يشرح (مز 81: 6) “أنا قلت أنكم آلهة” بأن حصول البشر على هذه النعمة هو من الآب بمشاركتهم للكلمة عن طريق الروح القدس”.

ومن الفقرات السابقة يتبين كيف أن القديس أثناسيوس ينسب عمل التأليه أحياناً إلى الكلمة وأحياناً أخرى إلى الروح القدس. وفي بعض الأحيان ينسبه إلى الكلمة عن طريق الروح القدس.

(25) يقصد القديس أثناسيوس أن الروح القدس لا يمكن أن يفقد قداسته لأنه لا ينالها عن طريق الاشتراك ولكنه يملكها جوهرياً في ذاته.

(26) يلاحظ هنا أن القديس أثناسيوس لا يفرق بين التقليد والتعليم والإيمان، بل هو يتكلم عن الثلاثة كشيء واحد حتى أنه يستعمل لها اسم الموصول المفرد وليس الجمع، وهذا يبين أهمية تقليد الكنيسة الجامعة على أنه ممتد من المسيح بواسطة الرسل حتى الآباء كما يبدو في العبارة المكملة لهذه الجملة “الذي أعطاه الرب وكرز به الرسل وحفظه الآباء”.

(27) “التكمـيـل” هو طقس المعمودية الذي يتم به الانضمام إلى الكنيسة. وأثناسيوس هنا ينسب إلى التروبيكيين ما سبق أن نسبه إلى الآريوسيين عن عدم فاعلية المعمودية عندهم بسبب عدم إيمانهم بألوهية الابن إذ يقول في المقالة الثانية ضد الآريوسيين: “أما هؤلاء الآريوسيون فأنهم يخاطرون بفقدان إتمام السر وأعني به المعمودية لأنه أن كان إتمام السر يعطي باسم الآب والابن وهم لا يقرون بأب حقيقي بسبب إنكارهم للذي هو منه الذي هو مثله في الجوهر منكرين الابن الحقيقي ويسمون لأنفسهم أبناً آخر …. إلا يكون طقس المعمودية الذي يتمونه فارغاً تماماً وعديم الجدوى إذ أن له مظهر خارجي، أما في الحقيقة فإنه ليس له شئ يعين على التقوى.. لأن الآريوسيين لا يعمدون باسم الآب والابن بل باسم خالق ومخلوق… فليس من يقول ببساطة “يارب” هو الذي يعطي المعمودية، بل هو ذلك الذي مع الاسم الذي يدعوه عنده أيضاً إيمان مستقيم.. ومع الإيمان يأتي إتمام المعمودية” (المقالة الثانية ضد الآريوسيين : 42ص 69 ترجمة الأستاذ صموئيل كامل عبد السيد، الدكتور نصحي عبد الشهيد – نشر مركز دراسات الآباء القاهرة 1987).

(28) “مثل الآريوسيين واليونانيين” نلاحظ أنه بينما دعا القديس أثناسيوس الآيروسيين في الفصل السابق يهوداً، فهو هنا يربطهم باليونانيين أي الوثنيين. فأن كانت الآريوسية تدعو إلى التوحيد فهي عملياً تنزل إلى الوثنية فعلى الرغم من أنها ادعت بأنها تحفظ وحدانية الله باستبعاد الابن من اللاهوت، فهي من جهة أخرى قد ربطت بينه وبين الله في النعمة والمجد أي عبدته كمخلوق أو عبدت المخلوق. وفي هذا الفصل يطبق أثناسيوس نفس الأسلوب بخصوص الروح القدس على أساس أنه مع استدعاء الروح القدس في المعمودية مع الآب والابن، ينكرون ألوهيته ويعتبرونه مخلوقاً.

(29) “الإيمان بالثالوث” يؤكد القديس أثناسيوس على أن هذا هو الإيمان الذي يجعلنا متحدين بالله والمعمودية تتبع هذا الإيمان. ونفس الأمر يؤكده كيرلس الأورشليمي (Cat. V. 6  )، وأيضاً القديس باسيليوس في كتابه عن الروح القدس يقول: “المعمودية والإيمان طريقان للخلاص لا ينفصلان، فالإيمان يكتمل خلال المعمودية، والمعمودية تتأسس خلال الإيمان، وكلاهما يتم بنفس الأسماء… فألاً يأتي الإقرار بالإيمان الذي يدخلنا إلى الخلاص، وبعد  الإقرار المعمودية التي تختم على موافقتنا” De Sp. S. 28 . وينبغي أن نلاحظ أن أثناسيوس في تعليمه عن المعمودية يشدد على الاندماج في الحياة الإلهية الذي تمنحه لنا بما لا يقل عن تشديده على غفران الخطايا.

(30) “إيمان واحد ومعمودية واحدة” (انظر C. Ar. III.16 ). يوجد عند القديس أثناسيوس علاقة واضحة ووثيقة بين الإيمان الواحد والمعمودية الواحدة والإله الواحد. فإن كانت صحة المعمودية تعتمد على صحة الإيمان الذي تعطي على أساسه، فهذا بدوره يعتمد على التماسك الداخلي للحياة الإلهية التي يوضحها وحدة الإيمان ليست فقط مجرد وحدة صيغة الاعتراف بالإيمان، بل تقتضي أيضاً وحدة ذلك الذي يتم الاعتراف به. انظر كيرلس الأورشليمي (Cat. XVI. 4 ). إذ يقول “نحن لا نكرز بثلاثة آلهة… بل بالابن الواحد مع الروح القدس نكرز بإله واحد. فالإيمان غير منقسم والعبادة غير مجزأة”.

(31) “فهو يرد كل الأشياء إلى إله واحد، الآب” يقصد القديس أثناسيوس أن المواهب الروحية المتنوعة وأنواع الخدم يمكن أن تجمع كلها معاً باعتبار أن مصدرها واحد هو “عمل الآب”. وواضح هنا أن القديس أثناسيوس يؤكد أن المقصود بعبارة إله واحد، هو الآب. فالفعل الإلهي وكذلك الحياة الإلهية ينبعان منه. وهذا هو أيضاً ما قصده القديس أثناسيوس من اقتباسه لعبارة الرسول بولس عندما قال: “ولكن الله واحد الذي يعمل الكل في الكل” (1كو 12: 6). وهذا هو اتجاه اللاهوت الشرقي عموماً الذي يرد وحدانية الثالوث إلى أقنوم الآب الذي هو الأصل وينبوع الابن والروح القدس.

(32) “متنوعاً ومجزئاً“: مواهب البركة الرسولية لا ينبغي أن تعتبر مواهب منفصلة مخصصة بالتجزئة لكل واحد من الأقانيم بمفرده. أي أن الرسول لا يقصر النعمة على المسيح أو المحبة على الآب أو الشركة على الروح القدس بحسب الصيغة الواردة في (2كو 13: 13) والتي يعلق عليها القديس أثناسيوس هنا، فإنه يحدث أحياناً أن تنسب المحبة إلى الروح القدس (غلا 5: 25). والشركة للابن (1كو 10: 16)، والنعمة لله الآب 1كو 15: 10).

(33) “يتنبئون بالروح القدس” هذا التعليم للقديس أثناسيوس يأخذه منه الآباء الذين أتوا بعده. انظر ديديموس عن الروح القدس Sp. S. 29 ، وعن الثالوث II 500 ، باسيليوس عن الروح القدس Sp. S. 37  وأمبروسيوس عن الروح القدس Sp. S. II. 130  (انظر الروح القدس الكتاب الثاني ص 130- 132 نشر بيت التكريس لخدمة الكرازة، وكيرلس الإسكندري De. Trin VII 1096 ).

(34) “تعليم القديسين” أي تعليم الكتب المقدسة. إن كلمة agioi  “القديسين” عند القديس أثناسيوس تشير عادة إلى شخصيات الكتاب المقدس أو كتبته سواء بالنسبة إلى العهد الجديد أو العهد القديم. ونجد نفس المعنى في تجسد الكلمة 57 وفي De Fug. 15 .

(35) “يحاربون الروح“. يبدو أن القديس أثناسيوس هو الذي نحت عبارة “محاربي الروح” على مثال “محاربي الكلمة” والتي بدورها ربما تكون على مثال “محاربي الله” التي وردت في سفر الأعمال (5: 39؛ 23: 9).

ملاحظات الرسـالة الثانية

1- “الآريوسيون” إن الرسالة الثانية بأكملها مخصصة لإعادة عرض التعليم الصحيح ضد الآريوسية. فالقديس أثناسيوس يوضح في رسالة 3: 1 أن التعليم الصحيح عن الروح القدس لا يمكن أن ينبع إلا من تعليم صحيح عن الابن. والفصول التالية في هذه الرسالة الثانية لها نقط  اتصال وثيقة مع كتابات أثناسيوس الأخرى ضد الآريوسية وخاصة كتاب De Dec   وكتاب de. Syn  والمقالات الثلاث ضد الآريوسيين C. Ar. I- III.  وبالإضافة إلى ذلك فإن الحجج هنا متصلة بتلك التي في الرسالة الأولى. وهكذا فهو يوضح في (فصلي 3- 4) أن الابن لا يمكن أن يكون مخلوقاً لأن له كل ما يخص الآب، وبنفس الطريقة يتكلم في الرسالة الأولى (22- 27) عن علاقة الروح القدس بالابن فيقول: “وإن كان الابن بسبب أنه من الآب هو خاص بجوهر الآب، فينبغي أن الروح الذي هو من الله يكون بالجوهر خاصاً بالابن” (1: 25).

وأنه لأمر مثير للاهتمام أن تعبير (Omoousios  هوموأوسيوس من نفس الجوهر) يبرز بوضوح في هذه الرسالة وكذلك التفسير الذي يعطيه له والذي له نقط اتصال وثيقة بشرحه له في كتاب De. Syn. 41- 53 .

وأخيراً فهذه الرسالة متأثرة في صياغتها بالذين وجهت إليهم وهم رعاة كنيسة الإسكندرية إجمالاً، وأيضاً بتطور سمات الآريوسية المعاصرة لزمن كتابة الرسالة.

ثم أن الرسالة توضح أيضاً وحدة الجوهر الإلهي بين الآب والابن، على أن التأكيد يوضح أساساً “وجود أقنومين متساويين”. وبهذا فإن أثناسيوس يكون قد مهد لتعليم الآباء الكبادوكيين عن الثالوث، ويساعد على تفسيره.

2- “الحكمة والشعاع والكلمة” هذه هي التسميات الأساسية التي على ضوئها نعرف ماذا يعني حقيقة الاسمان: “الآب” و “الابن” حينما يطلقان على الله. فالآريوسيون لكي يساووا بين “المولود” (Gennyma ) و “المخلوق” (Ktisma )، كان لابد أن ينكروا أن الابن هو الكلمة أو الحكمة بمعناهما الأصيل، بل ينسبونهما فقط إلى الله من الخارج دون أن يكون لهما صلة حقيقية بالابن على الإطلاق. أي أن الابن ليس هو كلمة الله وحكمته على الحقيقة، إذ يقول آريوس فيما يذكر أثناسيوس (أن هنا حكمتان : الأولى لها قوامها الذاتي وموجودة مع الله، أما الابن فقد جاء من خلال هذه الحكمة الأولى، وقد سمى الحكمة والكلمة بسبب اشتراكه فقط في هذه الحكمة الأولى لأنه يقول: أن “الحكمة” جاء إلى الوجود بواسطة الحكمة بمشيئة الله الحكيم. وهذا يقول أيضاً: أنه توجد كلمة أخرى في الله غير الابن.. وأيضاً أن الابن قد سمى كلمة وأبنا بسبب مشاركته للكلمة حسب النعمة) (المقالة الأولى : 5ص 17، 18 في الترجمة العربية وانظر أيضاً المقالة الأولى 21، 28).

3- “الينبوع جاف” لاشك أن أثناسيوس يقصد بلفظتي (Asophos ) بدون حكمة و (Alogos ) “بدون كلمة” المعنى المزدوج، ليس فقط أن الله “بدون حكمة” أو “بدون كلمة”، بل يكون الله في هذه الحالة “غير حكيم” و “غير عاقل، في كيانه وجوهره. ولذلك فإن أثناسيوس في مقاله ضد الآريوسيين 1: 14 يتهم الآريوسيين بأنهم ينسبون لله “عدم العقل” (Alogia ) (انظر المقالة الأولى الترجمة العربية ص 34).

وعلى هذا الأساس فأن الآريوسيين ينزلون بالابن إلى مستوى ملكة غير شخصية في الحياة الإلهية، كما أنهم ينكرون أن يكون الله شخصاً. ولا تكون وحدانية الله مشخصة. أما في فكر أثناسيوس فهو يلتزم في شرحه لوحدانية الله بما يقول به الوحي في الكتاب المقدس. فإنكار المساواة بين الابن والآب في الجوهر يعني في الواقع نفي الشخصية بملئها عن الله. والواقع أنه لا يمكن أن نتحدث عن الله كشخص إذا أنكرنا ألوهية الابن حكمة الله وكلمته. فالله في العقيدة المسيحية هو شخص حي محب ومتكلم في يسوع المسيح. وإلغاء ألوهية الابن هو النظر إلى الله كمجرد قوة وليس شخصاً.

4- “لنا معهم نفس الجوهر.. ولنا نفس الهوية..” يرفض أثناسيوس أن يعتبر كلمة (Homios  هوميوس ) التي تعني شبه، معادلة لكلمة هومو أوسيوس (Homoousios ) التي تعني: من نفس الجوهر حتى لو أضفنا إلى كلمة “هوميوس” كلمات مقوية مثل Aparaliaktos  (= مطابق أو مماثل) أو كلمة katousian  (= حسب الجوهر). وينبغي أن نلاحظ أن أثناسيوس هنا يشرح كلمة (Taftotis ) بمعنى نفس الهوية، أي أن أي إنسان هو مثل أي إنسان آخر من حيث أن كليهما بشر. وفي كتابه de. Dec  يرفض أثناسيوس أن يرى في علاقة الآب البشري بابنه إيضاحاً كافياً لعبارة هو موأموسيوس (من نفس الجوهر). ويقول: “لأن الأجساد التي يماثل أحدها الآخر يمكن أن تنفصل متباعدة على مسافة أحدها من الآخر”. ويمكن أن نرى اعتراضاً  مماثلاً بالنسبة للتشبيه بالتضامن بين الجنس البشري المذكور هنا، لأنه على الرغم من أننا نحن البشر لنا نفس الهوية ولنا نفس الوضع في الموت والفساد، إلا أن هذا التضامن لا يصلح أن يكون توضيحاً كافياً للمساواة في الجوهر (أوموأوسيوس Omoousios ). لقد سبق للقديس أثناسيوس أنه أكد على وحدة الآب والابن وعدم انفصالهما، وهو هنا يهمه أن يؤكد على أن الآب والابن متساويان جوهرياً ومتماثلان تماماً، وهو يعرف أن هذا التساوي يتضمن في داخله وحدة الجوهر التي سبق ودافع عنها في الفصل السابق من هذه الرسالة، والتي عبر عنها في كتابه De Dec. 20 . وفي ذلك الكتاب يستعمل كلمة هوموأوسيوس لكي يوضح أن “الابن لكي يكون من الآب ينبغي أن يكون  في الآب. ولكنه هنا يختار نقطة انطلاق يهاجم بها الأونوميين (اتباع أريوس) الذين أكدوا ليس فقط انفصال الآب عن الابن بل أيضاً عدم تماثل الآب والابن.

5- إن ما يقوله أثناسيوس هنا – على عكس ما كان يقوله أرسطو يبرز الفكر المسيحي عن الإنسان، أنه لا يوجد من البشر من هو عبد بالطبيعة للآخر.

6- “وجودها له بداية” من طبيعة المخلوقات بعكس طبيعة الابن، أن توجد من العدم. وهذا ما سبق أن كتبه القديس أثناسيوس في المقالة الثانية ضد الآريوسيين حيث يقول: “المخلوقات والمصنوعات وحدها هي التي من المناسب أن يقال عنها أنها من العدم” وأنها لم تكن موجودة قبل أن تنشأ” (الترجمة العربية 2: 1 صفحة 9). وانظر أيضاً المقالة الأولى حيث يقول “أما إن كانوا يبحثون الأمر بفضول وحب استطلاع قائلين لماذا لا يخلق الله على الدوام وهو القادر أن يخلق دائماً،  فليسمعوا أنه بالرغم من أن الله له القدرة على الدوام أن يخلق إلا أنه ليس في استطاعة المخلوقات أن تكون أزلية لأن هذه المخلوقات وجدت من العدم، ولم تكن موجودة قبل أن تخلق، فكيف يمكن إذن لهذه المخلوقات التي لم تكن موجودة قبل أن تخلق، أن تكون موجودة مع الله الكائن دائماً، أما الابن فلكونه غير مخلوق بل هو من ذات جوهر الآب فإنه كائن دائماً (الترجمة العربية 1: 29 ص 60، 61).

7- “يعانون التغير” أي لأنها كائنات ليست بطبيعتها آلهة، فأنها قابلة للتغير. هذه العبارة لها أهمية خاصة إذ توضح أن أثناسيوس كان يعتبر أن الـ Theopoisis   (ثيئوبييسيس) أي “يؤله أو يجعله إلهاً”، ليس فقط نعمة خاصة بالدهر الآتي بل تبدأ منذ الآن. ويتضح هذا من أن أثناسيوس يطابق بين Hiopoisisi , Theopoisisi  (أيوبييسيس) “أي يجعله أبناً” في C. Ar. III 19.  إذ يعتبر الأخيرة (البنوة) بكل وضوح أنها ملكية نحصل عليها منذ الوقت الحاضر (انظر Ad. Episc. I ).

8- “الخواص التي له” لا يعتبر القديس أثناسيوس أن هناك خواص عرضية في الله بل كل خواصه جوهرية. فكل ما هو له فهو يكونه.

9- “الرب خلقني أول طرقه” (أم 8: 22س) عالج القديس أثناسيوس هذه الآية من سفر الأمثال التي كان يحتج بها الآريوسيين، باستفاضة في كتابه المقالة الثانية ضد الآريوسيين، حيث يفسر لفظ “خلق” على أنه يقصد به الطبيعة البشرية الخاصة بالمسيح. انظر الترجمة العربية لهذه المقالة من فصل 18 إلى فصل 72 ترجمة الأستاذ صموئيل كامل عبد السيد والدكتور نصحي عبد الشهيد. نشر مركز دراسات الآباء القاهرة 1987.

10- ” فإن كان ابنًا، فلا يدعى مخلوقاً” هذه النقطة سبق أن تحدث عنها القديس أثناسيوس في كتابه de. Dec. 3  حيث يقول “إن كان ابناً فهو غير مخلوق، وإن كان مخلوقاً فهو ليس ابناً، لأن هناك اختلافاً عظيماً بين الولادة والخلق. ولا يمكن أن يكون الابن ابناً ومخلوقاً في نفس الوقت إلا إذ اعتبر أن جوهره من الله وغريب عن اله في نفس الوقت. وكان الآريوسيون يجادلون بالقول بأنه لا يوجد اختلاف بين الولادة والخلق، إذ أن الكتب المقدسة في تصورهم تنسب كلا التعبيرين إلى الله. وأن لقب “ابن” هو حسب رأيهم متماثل تماماً مع تفسيرهم لأمثال : ، حيث يعتبرون الابن مخلوقاً. أما أثناسيوس فيؤكد أن التطابق بين الولادة والخلق هو أمر مستحيل وأن على الآريوسيين أن يختاروا بين البنوة والمخلوقية التي يستنبطونها من أمثال 8: 22.

فهو يقول “لأن المخلوقات هي أعمال الصانع من خارجه، أما المولود فليس من خارجه وليس عملاً بل هو مولود جوهر الآب الذاتي. لذا فينما “الأعمال” هي مخلوقات، إلا أن كلمة الله هو ابن وحيد الجنس”. المقالة الثانية 56 الترجمة العربية ص 90.

 

ملاحظات الرسـالة الثالثة

1- “الصلاة في الثالوث” نلاحظ أن هذا التعبير  “يصلي في الثالوث” يستند على البركة الختامية التي أعطاها الرسول بولس إلى كنيسة كورنثوس عندما قال “نعمة ربنا يسوع المسي ومحبة الله وشركة الروح القدس مع جميعكم” (2كو 13: 14). وعلى ذلك فأن الدخول في شركة الروح القدس هو في نفس الوقت هو دخول في نعمة الكلمة وفي محبة الآب. وفي ضوء هذا يمكن أن تفسر عبارة الرسول يهوذا “مصلين في الروح القدس” (يه 20). والمعنى هنا ينبغي أن يفهم في ضوء ما سبق أن ذكره القديس أثناسيوس في رسالة 1: 28، من أن الكنيسة مؤسسة ومبنية على الإيمان بالثالوث. لذلك يكون الاعتراف بالثالوث هو الذي يجعل للصلاة صفتها الخاصة ومدلولها وشرعيتها. فالعبادة الصحيحة تقوم على أساس الإيمان الصحيح الذي هو الإيمان بالثالوث.

(1) يقصد هنا الترتيب المختص بالمعمودية.

(1) أنظر تيطس 3: 10 “الرجل المبتدع بعد الإنذار مرة ومرتين أعرض عنه”.

(2) يقصد أكاكيوس وباتروفيلوس.

(3) التكميل هو طقس المعمودية (انظر رسالة 1: 29).

(1) هذه التكملة مأخوذة عن ترجمة الدكتور جورج بباوي تحت اسم “الرسالة الخامسة عن التجديف على الروح القدس” التي نشرها سنة 1976.

رسائل عن الروح القدس ج5 للقديس أثناسيوس الرسولي

رسائل عن الروح القدس ج4 للقديس أثناسيوس الرسولي

رسائل عن الروح القدس ج4 للقديس أثناسيوس الرسولي

 

رسائل عن الروح القدس ج4 للقديس أثناسيوس الرسولي

 

الرســالة الثالثة

 

(1)

         ربما تتعجب لماذا حينما كُلِّفت أن أختصر وأن أوضح بإيجاز، الرسالة التي كتبتها عن الروح القدس، تلاحظ كما لو أنني قد تركت جانبًا كلامي عن هذا الموضوع، وكتبت ضد أولئك الذين يكفرون بابن الله ويدعونه مخلوقًا، ولكني أعرف جيدًا أنك لن تلومني عندما تعلم السبب، بل إن تقواكم ستتبيّن ذلك، عندما ترى أن الأمر معقول، لأن الرب نفسه قال عن الروح: ” لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به… لأنه يأخذ مما لي ويخبركم” (يو16: 13و14). وإذ نفخ فإنه أعطى “الروح” للتلاميذ من عنده، وهكذا سكبه الآب “على كل بشر” حسب ما هو مكتوب (يوئيل2: 28).

لذلك، فقد كان من الطبيعي أني تحدثت أولاً وكتبت عن ابن الله، حتى أنه من معرفتنا عن الابن، يمكن أن تكون لنا معرفة حقيقية عن الروح، لأننا سنجد أن خصوصية الروح نحو الابن، هي مثل خصوصية الابن نحو الآب. وكما يقول الابن ” كل ما للآب هو لي” (يو16: 15)، هكذا فإننا سنجد أن كل هذه الأشياء، هي في الروح أيضًا بواسطة الابن. وكما أعلن الآب عن الابن قائلاً ” هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت” (مت3: 17)، هكذا الروح هو للابن لأن الرسول يقول: ” أرسل الله روح ابنه إلى قلوبكم صارخًا يا أبا الآب” (غل4: 6) والأمر الجدير بالملاحظة هو ما قاله الابن: ” ما لي فهو للآب” (يو17: 10). هكذا الروح القدس الذي قيل إنه للابن، فهو للآب لأن الابن نفسه يقول: “ ومتى جاء المعزي سأرسله أنا إليكم من الآب روح الحق الذي من عند الآب ينبثق فهو يشهد لي” (يو15: 26). وبولس يكتب أيضًا ” ليس أحد من الناس يعرف أمور الإنسان إلا روح الإنسان الذي فيه، هكذا أيضًا أمور الله لا يعرفها أحد إلا روح الله، ونحن لم نأخذ روح العالم بل الروح الذي من الله لنعرف الأشياء الموهوبة لنا من الله” (1كو2: 11، 12). وفي كل الكتاب الإلهي، سوف نجد أن الروح القدس الذي يقال عنه أنه للابن يقال عنه أيضًا أنه لله. وهذا ما كتبناه في الرسائل السابقة.

لذلك، إن كان الابن بسبب خصوصيته مع الآب، وبسبب أنه المولود الذاتي لجوهر الآب فهو ليس مخلوقًا بل من نفس جوهر الآب. وبالمثل فإن الروح القدس لا يمكن أن يكون مخلوقًا بل أن من يقول هذا فهو كافر، وذلك بسبب خصوصيته مع الابن الذي بواسطته، يعطي لجميع البشر، ولأن كل ما له فهو للابن.

 

(2)

         هذه الأسباب كافية لأن تقنع كل محب للمشاكسة، بألاّ يستمر في القول بأن روح الله مخلوق، وهو الذي في الله، والذي يفحص أعماق الله، والذي يُعطَي من الآب بواسطة الابن، وحتى لا يضطر نتيجة لهذا أن يدعو الابن أيضًا مخلوقًا الذي هو الكلمة، والحكمة، والرسم، والشعاع، والذي من يراه يرى الآب. وحتى لا يسمع أخيرًا “ كل من ينكر الابن ليس له الآب أيضًا” (1يو2: 23). لأن مثل هذا الإنسان سيصل بعد قليل إلى القول مع الجاهل ” ليس إله” (مز14: 1).

         ورغم ذلك فلكي يكون برهاننا ضد عديمي التقوى أكثر قبولاً، يكون حسنًا أن نضع في اعتبارنا تلك الأسباب التي تبين أن الابن ليس مخلوقًا، ومنها يتبيّن أيضًا أن الروح ليس مخلوقًا. فالمخلوقات مخلوقة من العدم ولها بداية وجود، لأنه ” في البدء خلق الله السموات والأرض” (تك1:1)، وكل ما فيها. وأما الروح القدس فهو من الله، ويُقال عنه إنه “من الله” كما قال الرسول. ولكن إن كان الابن ليس من العدم بل من الله فمن الطبيعي ألاّ يكون مخلوقًا، وبالضرورة يكون الروح غير مخلوق، لأننا قد اعترفنا أنه من الله. فالمخلوقات هي التي من العدم.

 

(3)

         وأيضًا فالروح يدعى ـ وهو كذلك ـ مسحة وختم. إذ يكتب يوحنا ” وأما أنتم فالمسحة التي أخذتموها منه ثابتة فيكم ولا حاجة بكم إلى أن يعلمكم أحد بل كما تعلمكم مسحته، روحه، عن كل شئ” (1يو2: 27). وقد كتب في إشعياء ” روح الرب علىَّ لأنه مسحنى” (إش61: 1). وأيضًا بولس يكتب ” الذي فيه أيضًا إذ آمنتم ختمتم” (أف1: 13). وأيضًا ” لا تحزنوا روح الله القدوس الذي به ختمتم ليوم الفداء” (أف4: 30). فالمخلوقات تُمسح وتُختم فيه. ولكن إن كانت المخلوقات تُمسح وتُختم فيه فلا يكون الروح مخلوقًا، لأن الذي يَمسح ليس مثل الذين يُمسَحون. ولأن المِسحة أيضًا هي مِسحة الابن، حتى أن الذي عنده الروح يقول ” نحن رائحة المسيح الزكية“.

والختم يعطى بصمة الابن، حتى أن المختوم يكون صورة الابن إذ يقول الرسول ” يا أولادي الذين أتمخض بكم أيضًا إلى أن يتصور المسيح فيكم” (غلا4: 19). فإذا كان الروح هو رائحة الابن الزكية وصورته، فمن الواضح أن الروح لا يمكن أن يكون مخلوقًا. وكذلك، حيث إن الابن هو صورة الآب، فهو ليس مخلوقًا، وأيضًا لأنه كما أن من يرى الابن يرى الآب، هكذا فمن له الروح القدس، له الابن، وإذ يكون له، فهو هيكل الله، إذ أن بولس يكتب ” أما تعلمون أنكم هيكل وأن روح الله يسكن فيكم” (1كو3: 16). ويقول يوحنا ” بهذا نعرف أننا نثبت في الله وهو فينا، لأنه قد أعطانا من روحه” (1يو4: 13). وإذا كان الابن في الآب، والآب فيه، ولذلك اعترف أنه ليس مخلوقًا، وإذن فمهما كان الأمر، يستحيل أن يكون الروح القدس مخلوقًا، لأن الابن فيه وهو في الابن، ولذلك فمن يقبل الروح يدعى هيكلاً لله.

وأيضًا فمن المستحسن أن ننظر معًا إلى الأمر في ضوء ما يأتي: إذا كان الابن هو كلمة الله فهو واحد كما أن الآب واحد، لأنه ” يوجد إله واحد الذي منه جميع الأشياء… ورب واحد يسوع المسيح” (1كو8: 6). لذلك يُقال ويُكتب عنه إنه “الابن الوحيد”، وأما المخلوقات فهي كثيرة ومتنوعة: ملائكة، رؤساء ملائكة، شاروبيم، رئاسات، سلاطين، وغير ذلك كما سبق أن قلنا. وإذا كان الابن ليس من بين الكثيرين ولكنه واحد، كما أن الآب واحد وهو ليس مخلوقًا فبالضرورة ـ لأنه ينبغي أن نأخذ من الابن معرفتنا عن الروح ـ لا يمكن أن يكون الروح مخلوقًا، لأنه ليس من بين الكثيرين، بل هو نفسه واحد.

 

(4)

         4 ـ وهذا ما يعرفه الرسول إذ يقول: ” هذه كلها يعملها الروح الواحد بعينه قاسمًا لكل واحد بمفرده كما يشاء“(1كو12: 11). وبعد قليل أضاف: ” لأننا جميعًا بروح واحد أيضًا اعتمدنا إلى داخل جسد واحد… وجميعنا سقينا روحًا واحدًا” (1كو12: 13). وأيضًا، لأنه إن كان يجب أن نأخذ معرفتنا عن الروح من الابن، وإذن فمن الواجب أن نقدّم براهينًا مستمدة منه، فالابن يوجد في كل مكان لأنه كائن في الآب، والآب فيه، وهو يضبط كل الأشياء ويحفظها وقد كتب “ فيه يقوم الكل” سواء ما يرى وما لا يرى، “ وهو قبل كل شئ” (كو1: 17). ولكن المخلوقات توجد في الأماكن المخصصة لها: الشمس والقمر والأنوار الأخرى في الجلد، والملائكة في السماء والناس على الأرض. ولكن إذا كان الابن ليس في أماكن مخصصة له، بل هو كائن في الآب ويوجد في كل مكان، وأيضًا هو خارج كل الأشياء، فهو ليس مخلوقًا، ويتبع ذلك أن الروح أيضًا لا يمكن أن يكون مخلوقًا لأنه ليس في أماكن مخصصة له، بل هو يملأ كل الأشياء ويوجد خارج الكل لأنه هكذا قد كُتِب ” روح الرب ملأ المسكونة” (حكمة1: 7)، ويرتل داود: ” إلى أين أذهب من روحك“(مز138: 7)، كما أنه ليس كائنًا في أى مكان من الأمكنة، بل هو خارج كل الأشياء، وهو في الابن كما أن الابن هو في الآب. لذلك فهو ليس مخلوقًا كما قد تبيّن.

         وبالإضافة إلى كل ما سبق، فإن الاعتبارات التالية سوف تثبت إدانة البدعة الآريوسية. ومرة أخرى فإنه من الابن سيتضح ما نعرفه عن الروح. فالابن هو خالق مثل الآب لأنه يقول: “ الأشياء التي أرى الآب يعملها، هذه أعملها أنا أيضًا” (انظر يو5: 19). وبالتأكيد ” كل شئ به صار، وبدونه لم يكن شئ مما صار” (يو1: 3). ولكن إن كان الابن مثل الآب خالقًا، فهو ليس مخلوقًا. وإذا كانت  كل الأشياء به خُلِقت، فهو ليس من بين الأشياء المخلوقة، وعلى ذلك يتبيّن، أن الروح ليس مخلوقًا، لأنه قد كتب عنه في المزمور المئة والثالث:     ” تنزع روحها فتموت وتعود إلى التراب. ترسل روحك فتخلق[53]، وأنت تجدد وجه الأرض” (مز103: 29و30).

 

(5)

         وهكذا فمما هو مكتوب يتبيّن أن الروح ليس مخلوقًا، بل هو فاعل في عمل الخلق، لأن الآب يخلق كل الأشياء بالكلمة في الروح، لأنه حيث يكون الكلمة، فهناك أيضًا الروح. والأشياء المخلوقة بالكلمة تنال قوة الوجود من الكلمة بالروح، لأنه هكذا كتب في المزمور الثاني والثلاثين: ” بكلمة الرب تأسست السموات وبروح فيه كل قواتها” (مز32: 6). وهكذا يتبيّن أن الروح غير منفصل عن الابن، حتى أنه من الكلام الذي يُقال لا يوجد أي مجال للشك. لأنه عندما صار الكلمة إلى النبي، فإن النبي كان يتكلّم في الروح بالأمور التي أُعطيت له من الكلمة. وهكذا كتب في سفر الأعمال عندما قال بطرس: ” أيها الأخوة، كان ينبغي أن يتم هذا المكتوب، الذي سبق الروح القدس فقاله” (أع1: 16). وفي زكريا كتب، عندما صار الكلمة إليه، ” لكن أقبل كلامي وفرائضي التي أوصى بها الأنبياء بروحي” (زك1: 6). وبعد قليل، عندما كان يوبخ الشعب قال ” جعلوا قلبهم عنيدًا لئلا يسمعوا الشريعة والكلام الذي أرسله الرب ضابط الكل بروحه عن يد الأنبياء الأولين” (زك7: 12). وعندما تكلّم المسيح في بولس كما قال هو نفسه ” أنتم تطلبون برهان المسيح المتكلم فيَّ” (2كو13: 3) فلم يكن أحد يمنحه القوة لكي يتكلّم سوى الروح الذي عنده. لأنه هكذا يكتب ” حسب موآزرة روح يسوع المسيح لي” (في1: 19).

         وأيضًا عندما تكلّم فيه المسيح قال: ” غير أن الروح القدس يشهد في كل مدينة أن وثقًا وشدائد تنتظرني” (أع20: 23). لأن الروح ليس خارج الكلمة، بل إذ هو في الكلمة فهو في الله بالكلمة. وهكذا تُعطَي المواهب الروحية في الثالوث. لأنه كما يكتب لأهل كورنثوس في توزيع المواهب: الروح نفسه، والرب نفسه، والله نفسه ” هو الذي يعمل الكل في الكل” (1كو12: 4ـ6)، لأن الرب نفسه، بالكلمة، في الروح يعمل كل الأشياء ويعطيها.

(6)

         وبكل تأكيد فحينما كان يصلي لأجل الكورنثيين، فقد كان يصلي فى الثالوث[54]  قائلاً: ” نعمة الرب يسوع المسيح ومحبة الله وشركة الروح القدس مع جميعكم” (2كو13: 14). لأننا عندما نشترك في الروح تكون لنا نعمة الكلمة، وفي الكلمة تكون لنا محبة الآب. وكما أن نعمة الثالوث واحدة، كذلك فالثالوث غير منقسم، وهذا ما يمكن للمرء أن يراه، من جهة القديسة مريم نفسها، فحينما أُرسِلَ الملاك جبرائيل ليعلن حلول الكلمة عليها قال: ” الروح القدس يحل عليك” (لو1: 35)، عالمًا أن الروح كان في الكلمة، وأضاف مباشرة ” وقوة العلي تظلّلك” (لو1: 35). لأن ” المسيح هو قوة الله وحكمة الله” (1كو1: 24). وإذا كان الروح في الكلمة، فمن الجلي أيضًا أن الروح كان في الله أيضًا بالكلمة، وبالمثل عندما يصير الروح فينا، عندئذ يأتي الابن والآب، ويصنعون منزلاً فينا، لأن الثالوث غير منقسم، لأن ألوهيته واحدة، ويوجد إله واحد، ” على الكل وبالكل وفي الكل” (أف4: 6).

         هذا هو إيمان الكنيسة الجامعة، لأن الرب أسسها وأصلها في الثالوث، حينما قال لتلاميذه، ” اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس” (متى28: 19). فلو كان الروح مخلوقًا، لما وضعه مع الآب في الرتبة، حتى لا يكون الثالوث غير متماثل مع نفسه، عندما يوضع معه آخر غريب عنه. لأنه ماذا كان ينقص الله حتى أنه يأخذ جوهرًا غريبًا عنه ويجعله يشترك معه في مجده؟ حاشا، فلن يكون الأمر هكذا، لأنه هو نفسه قال: “أنا ممتلئ”[55].

         لذلك، فإن الرب نفسه، وضع الروح مع اسم الآب، لكي يبيّن أن الثالوث القدوس غير قائم من عناصر مختلفة، أي من خالق ومخلوق، بل إن ألوهيته واحدة. وإذ كان بولس يعرف هذان فقد علّم أن النعمة المعطاة، في الثالوث، هي واحدة قائلاً: ” رب واحد، إيمان واحد، معمودية واحدة” (أف4: 5). لأنه كما أن هناك معمودية واحدة، فهناك أيضًا إيمان واحد. لأن من يؤمن بالآب، فإنه في الآب يعرف الابن، ولا يعرف الروح إلاّ في الابن، ولذلك فهو يؤمن بالابن وكذلك بالروح القدس، لأن ألوهة الثالوث واحدة، إذ هو يُعرف من واحد هو الآب.

 

(7)

         هذه هي ملامح الإيمان الجامع. وأما هؤلاء الذين يجدّفون على الروح ويقولون عنه إنه مخلوق، فإذا كانوا لا يغيّرون فكرهم بعد هذا الذي قلناه، فإن ما سوف نقوله سيغمرهم بالخزى.

         فإذا كان هناك ثالوث، وإن الإيمان هو إيمان بالثالوث، فليقولوا لنا: هل كان هو ثالوثًا بصفة دائمة، أم أنه كان هناك وقت لم يكن هو ثالوثًا؟ فإن كان الثالوث أزليًا، فالروح إذن لا يكون مخلوقًا، لأنه كائن أزليًا مع الكلمة وفيه، أما المخلوقات، فقد كان هناك وقت لم تكن فيه موجودة ، فلو كان هو مخلوقًا والمخلوقات توجد مما لم يكن، فيكون من الواضح أنه كان هناك وقت لم يكن الثالوث ثلاثة بل اثنين. وهل هناك كفر ـ يمكن أن ينطق به إنسان ـ أعظم من هذا؟ فهم يقولون أن الثالوث يقوم على التغيّر والتقدم والتطور. وأنه كان اثنين، وانتظر ولادة مخلوق لكي ينضم إلى رتبة الآب والابن، فيصير ثالوثًا. وحاشا أن تدخل مثل هذه الفكرة إلى عقول المسيحيين. فكما أن الابن بسبب كونه موجودًا دائمًا فهو ليس مخلوقًا، هكذا فلأن الثالوث موجود دائمًا، فليس فيه أي مخلوق، لذلك فإن الروح ليس مخلوقًا، فكما كان دائمًا، هكذا يكون الآن، وكما هو الآن، فهكذا كان دائماً، هو الثالوث الآب والابن والروح القدس. واحد هو الذي على الكل وبالكل وفي الكل (أف4: 6)، والذي هو ” مبارك إلى الأبد آمين“.

كتبت هذا إليك باختصار كما طلبت، وها أنا أرسله إليك. وأنت كرجل فهيم، إن كان به أي نقص، فاسعَ في تكميله، واقرأه لأهل الإيمان، وحذِّر هؤلاء الذين يحبون النزاع والتجدّيف، فربما يتوبون ولو متأخرًا، ويطهرون نفوسهم من الضلالة التي كانت فيهم سابقًا، فإنه من الأفضل لهم، كما هو مكتوب: ” أن يتحولوا ولا يتباطئوا” لئلا بسبب إبطائهم، يسمعون ما قاله الرب: ” من قال كلمة على الروح القدس فلن يغفر له لا في هذا العالم، ولا في الآتي” (مت12: 32).

[53] أي تُخلق المخلوقات.

[54]الصلاة في الثالوث“: نلاحظ أن هذا التعبير  “يصلي في الثالوث” يستند على البركة الختامية التي أعطاها الرسول بولس إلى كنيسة كورنثوس عندما قال ” نعمة ربنا يسوع المسي ومحبة الله وشركة الروح القدس مع جميعكم” (2كو 13: 14). وعلى ذلك فإن الدخول في شركة الروح القدس هو في نفس الوقت دخول في نعمة الكلمة وفي محبة الآب. وفي ضوء هذا يمكن أن تفسر عبارة الرسول يهوذا ” مصلين في الروح القدس” (يه20). والمعنى هنا ينبغي أن يفهم في ضوء ما سبق أن ذكره القديس أثناسيوس في رسالة 1: 28، من أن الكنيسة مؤسسة ومبنية على الإيمان بالثالوث. لذلك يكون الاعتراف بالثالوث هو الذي يجعل للصلاة صفتها الخاصة ومدلولها وشرعيتها. فالعبادة الصحيحة تقوم على أساس الإيمان الصحيح الذي هو الإيمان بالثالوث.

[55] انظر إشعياء11:1س.

 

رسائل عن الروح القدس ج4 للقديس أثناسيوس الرسولي

رسائل عن الروح القدس ج3 للقديس أثناسيوس الرسولي

رسائل عن الروح القدس ج3 للقديس أثناسيوس الرسولي

 
رسائل عن الروح القدس ج3 للقديس أثناسيوس الرسولي
 
 
الرســالة الثانية

(ضد من يقولون إن الابن مخلوق)

 (1)

         كنت أظن أن ما كتبته، قليل، واتهمت نفسي بالضعف الكثير، لأنني لم أستطع أن أكتب كل ما يمكن أن يقوله البشر ضد هؤلاء الذين يجدفون على الروح القدس. ولكن حيث أن بعض الأخوة ـ كما كتبت أنت ـ قد طلبوا أن نختصر الكتابة حتى يمكن لهم أن يردوا على الذين يسألون عن الإيمان الذي فينا، بوسيلة جاهزة ومختصرة، وأن يدحضوا أولئك الذين يجدّفون، ولقد فعلت هذا وأنا واثق إذ أن لك ضمير صالح، أنه إذا كان فيها ثمة نقص، فأنك سوف تكمله.

إن الآريوسيين[42] إذ انغلقوا على أنفسهم، معتقدين مثل الصدوقيين أنه ليس هناك، خارجاً عنهم، ما هو أسمى، فإنهم واجهوا الكتب الموحي بها بمجادلات بشرية. فحينما يسمعون أن الابن هو حكمة الآب، وشعاعه، وكلمته[43]، فإنهم اعتادوا أن يسألوا كيف يمكن أن يكون هذا؟ كما لو أنه لا يمكن أن يكون ثمة شئ إلا ويفهموه. وقياسًا لى ذلك، فإنه ينبغي عليهم أن يفكروا على هذا النحو في مثل هذه الأمور: فكيف يمكن  للخليقة التي لم تكن موجودة أن تأتي إلى الوجود؟ أو كيف يمكن لتراب الأرض أن يتشكل إنسانًا عاقلاً؟ أو كيف يمكن للفاسد أن يصير عديم الفساد؟ أو كيف ” تأسست الأرض على البحار“، “وكيف ثبّتها الله على الأنهار” (مز24: 2)، ثم أخيرًا ينبغي أن يضيفوا إلى أنفسهم ” فلنأكل ونشرب لأننا غدًا نموت” (1كو15: 32)، لكي يصير واضحًا أنه عندما يهلكون، فسيهلك أيضًا معهم جنون هرطقتهم.

 

(2)

         إن مثل هذا الفكر للآريوسيين هو في الحقيقة إلى فناء وزوال. ولكن كلمة الحق التي كان ينبغي على هؤلاء أن يدركوها هي كما يلي: إذا كان الله ينبوعًا ونورًا وأبًا، فليس من الجائز القول بأن الينبوع جاف[44] أو أن النور بلا شعاع أو أن الله بلا “كلمة”، لئلا يكون الله غير حكيم، وغير عاقل، وبلا شعاع. وإذن فحيث إن الآب أزلي،  فبالضرورة يكون الابن أيضًا أزليًا، لأن كل ما هو للآب فهو بلا شك للابن أيضًا. لأن الرب نفسه يقول، كل ما للآب فهو لي (يو16:16)، وكل ” ما هو لي هو للآب“(يو17: 10). فالآب أزلي، والابن هو أيضًا أزلي لأن به صارت العالمين. والآب هو كائن، فبالضرورة الابن أيضًا هو ” الكائن على الكل إلهًا مباركًا إلى الأبد أمين“(رو5:9). فليس من الصواب القول عن الآب: “كان هناك زمن لم يكن فيه موجودًا” . وليس من الصواب القول عن الابن: “كان هناك زمن لم يكن فيه موجودًا”، الآب ضابط الكل، والابن أيضًا ضابط الكل، كما يقول يوحنا: ” هذا ما يقوله الرب الكائن والذي كان والذي يأتي الضابط الكل” (رؤ1: 8).

الآب نور والابن شعاع ونور حقيقي الآب إله حقيقي والابن إله حقيقي، فهكذا كتب يوحنا “ فنحن في الحق في ابنه يسوع المسيح، هذا هو الإله الحق والحياة الأبدية” (1يو5: 20). وبوجه عام ليس هناك شئ مما هو للآب لا يكون للابن. ولذلك فالابن هو في الآب (يو14: 10) والآب هو في الابن، لأن كل ما هو للآب يكون في الابن، وأيضاً كل هذا يدرك في الآب. وعلى هذا النحو يدرك القول: ” أنا والآب واحد” (يو10: 30). لأنه لا توجد أشياء في الآب، وأخرى مغايرة في الابن، بل أن كل ما هو في الآب هو في الابن أيضًا، وحيث إنكم ترون في الابن تلك الأشياء التي ترونها في الآب، فأنكم تدركون حسنًا ذلك القول ” من رآني فقد رأى الآب” (يو14: 9).

 

(3)

         وعندما نكون قد برّهنا على هذه الأمور هكذا، فالذي يقول إن الابن مخلوق يكون كافرًا، وسوف يكون مضطرًا لأن يدعو الينبوع مخلوقًا، وهو الذى يدفق الحكمة، الكلمة، والذي فيه كل ما يخص الآب. وبتعبير آخر، فمما يلي يمكن للمرء أن يلاحظ مدى ضلال هرطقة الآريوسيين المجانين: فأولئك الذين نشابههم ولنا هويتهم، لنا معهم نفس الجوهر[45]. فنحن البشر إذن، متشابهون، ولنا نفس الهوية45، ولنا أحدنا مع الآخر نفس الجوهر. فنفس الوضع يكون للجميع. الموت، الفساد، التغيّر، والوجود من العدم. وأيضًا الملائكة فيما بينهم، وكذلك الكائنات الأخرى،  لها فيما بينها طبيعة واحدة. فدع هؤلاء الفضوليين أن يبحثوا فيما إذا كان هناك من بين المخلوقات من يشبه الابن، أو إذا كان من الممكن أن يجدوا في المخلوقات ما هو في الابن، حتى يمكن أن يتجاسروا ويقولوا إن كلمة الله مخلوق. ولكن هؤلاء المتهورين والضالين عن التقوى، لن يجدوا أي تشابه. فليس بين المخلوقات من هو قادر على كل شئ، وليس بينها من هو تحت سيادة الآخر[46]، لأن كل منها ملك لله نفسه: “ السموات تحدث بمجد الله” (مز18: 1س)، و” للرب الأرض وملؤها” (مز23: 1س) ” البحر رآه فهرب” (مز113: 1س). فالكل عبيد لذلك الذي هو خالقهم يفعلون كلمته ويطيعون أوامره. ولكن الابن هو ضابط الكل كالآب.

وهذا هو ما كُتِب وتبّين. وأيضًا فليس بين المخلوقات ما هو غير متغير بالطبيعة. فبعضًا من الملائكة ” لم يحفظوا رتبتهم” (يه6). “والنجوم ليست ظاهرة أمامه” (أي25: 5). والشيطان سقط من السماء، وأما آدم فعصى. وكل الأشياء متغيّرة. وأما الابن فهو غير متغيّر ولا متحوّل. وهكذا فإن بولس يذكّرنا من المزمور المئة والواحد: “وأنت يارب أسست الأرض والسماء هي عمل يديك. هي تبيد ولكن أنت تبقى، وكلها كثوب تبلى، وكرداء تطويها فتتغير، ولكن أنت أنت وسنوك لن تفنى” (عب1: 10ـ12). وأيضًا يقول ” يسوع المسيح هو هو أمس واليوم وإلى الأبد” (عب8:13).

 

(4)

         وأيضًا، فإن كل الأشياء المخلوقة لم تكن موجودة، ثم صارت موجودة لأنه ” صنع الأرض من لا شئ” (إش40: 23)، “ويدعو الأشياء غير الموجودة كأنها موجودة” (رو4: 17)، وهي أيضًا “مصنوعات” ومخلوقات من أجل ذلك فإن وجودها له بداية[47]، لأنه ” في البدء خلق الله السموات والأرض” (تك1:1)، وكل ما فيها. وأيضًا ” كل هذه صنعتها يدي” (إش66: 2). لكن الابن هو كائن، وإله على الكل، مثل الآب، كما سبق أن أوضحنا. وهو ليس مصنوعًا بل هو صانع. هو ليس مخلوقًا بل هو خالق وصانع أعمال الآب. لأنه به ” صارت العالمين إلى الوجود” (انظر عب1: 2)، ” وكل شئ به كان وبغيره لم يكن شئ مما صار” (يو1: 3). وكما شرح الرسول محتوى المزمور، فهو نفسه في البدء أسس الأرض، والسموات هي عمل يديه، وأيضًا ليس هناك من بين المخلوقات ما هو بالطبيعة إله. كل ما صار في الوجود قد دعى بحسب ما صاره. أحدها دعى سماء، وآخر أرضًا. والبعض كواكب، والبعض الآخر نجومًا، والبعض بحاراً، ثم أعماقاً، ثم حيوانات من ذوات الأربع، وأخيرًا الإنسان. وقبل ذلك الملائكة ورؤساء الملائكة والشاروبيم والسيرافيم والقوات والرئاسات والسلاطين والأرباب، والفردوس، ويظل كل واحد منها هكذا كما خُلِق. ولكن إن كان البعض منها قد دعى آلهة، فذلك ليس بحسب الطبيعة بل بحسب اشتراكها مع الابن، لأنه هكذا أيضًا قال هو نفسه: ” إن قال آلهة أولئك الذين صارت إليهم كلمة الله” (يو10: 35). ومن أجل هذا فإنهم ليسوا آلهة بالطبيعة، فإن بعضهم قد يعاني التغيّر[48] في وقت ما ويسمعون القول: ” أنا قلت إنكم آلهة وبنو العلي كلكم، لكن مثل الناس تموتون” (مز81: 6، 7). هكذا كان ذلك الذي سمع: ” أنت إنسان لا إله” (حز28: 9) أما الابن فهو إله حقيقي مثل الآب، لأنه هو في الآب والآب فيه. وهذا ما كتبه يوحنا ما تبيّن. ويترنم داود: ” كرسيك يا الله إلى دهر الدهور. قضيب استقامة قضيب ملكك” (مز44: 7). وإشعياء يصرخ: ” تعب مصر، وتجارة الكوشيين، والسبئيون ذوو القامة إليك يعبرون، وخلفك يمشون مقيدي الأيدي، ولك يسجدون لأن الله فيك، لأنه إله إسرائيل ونحن لم نعرفك” (إش45: 14، 15س). فمن هو الإله الذي فيه الله إلا الابن القائل:   “ أنا في الآب والآب فيَّ” (يو14: 10).

 

(5)

         وإذن، فحيث إن هذه الأشياء موجودة حقًا ومكتوبة، فمن هو الذي لا يعرف جيداً أن الابن ينبغي أن يكون واحدًا في الجوهر مع الآب، حيث إن الابن ليس بينه وبين المخلوقات أية مشابهة، ولكن كل ما للآب هو للابن؟ وكان من الممكن أن يكون واحدًا في الجوهر مع المخلوقات لو كان له معها أية مشابهة أو قرابة. وحيث إنه غريب عن المخلوقات حسب الجوهر، ولكونه الكلمة الخاص بالآب، وهو لا يختلف عنه، وحيث إن كل ما للآب هو له، فذلك يقتضي أنه من نفس جوهر الآب. وهذا ما أدركه الآباء حينما اعترفوا في مجمع نيقية أن الابن مساوي للآب ومن نفس جوهره.

لقد تحققوا جيدًا أن الجوهر المخلوق لا يستطيع أبدًا أن يقول ” كل ما للآب هو لي” (يو16: 15). وبسبب أن وجود الجوهر المخلوق له بداية، فهو ليس كائنًا ولم يكن أزليًا، ولذلك فحيث إن الابن له هذه الخصائص، وحيث إن كل الأشياء السابق ذكرها، والتي للآب هي للابن فمن الضروري أن يكون جوهر الابن غير مخلوق بل هو من نفس جوهر الآب. لهذا السبب فلا يمكن أن يكون جوهره مخلوقًا فهو يملك خواص الله، تلك الخواص التي له[49] والتي بها يعرف الله: فمثلاً الضابط الكل والكائن، وغير المتغير، والخصائص الأخرى التي سبق ذكرها، حتى لا يبدو الله نفسه في نظر الأغبياء أن له نفس جوهر المخلوقات، لو كانت له الخصائص التي يمكن أن تكون للمخلوقات.

 

(6)

         وهكذا يمكننا أن ندحض كفر أولئك الذين يقولون أن كلمة الله مخلوق. إيماننا هو بالآب والابن والروح القدس حسب ما قال الابن نفسه للرسل ” اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس” (مت28: 19). وقد تكلّم هكذا حتى يمكننا بواسطة ما نعرفه أن نفهم الأمور التي سبق أن تكلمنا عنها. وكما أننا لا نقول عن آبائنا إنهم خالقون بل والدون ولا يقول أحد منا إننا مخلوقو الآباء بل أبناء بالطبيعة ومن نفس جوهرهم، هكذا إن كان الله أبًا فلابد أن يكون أبًا لمن هو ابن بالطبيعة ومن نفس جوهر الآب. فإبراهيم لم يخلق اسحق بل ولده. وبصلئيل وألياب لم يلدا، بل صنعا كل أعمال خيمة الاجتماع. وبانى السفينة والبنّاء لا يلدان ما يصنعانه، لكن كل منهما يبني، الواحد السفينة والآخر البيت. فاسحق لم يخلق يعقوب ولكن وَلَدَه بالطبيعة ومن نفس جوهره، وبالمثل وَلَدَ يعقوب يهوذا وأخوته. وكما أنه جنون أن يقول أحد إن البيت هو من نفس جوهر الباني والسفينة من نفس جوهر بانيها، فإنه من الصحيح أن يُقال إن كل ابن هو من نفس جوهر أبيه. فإذن إن كان يوجد أب وابن، فبالضرورة أن يكون الابن بالطبيعة وبالحق ابنًا. وهذا يعني أنه من نفس جوهر الآب كما سبق أن أوضحنا كثيرًا.

وقد قيل عن الأشياء المخلوقة: ” هو تكلم فوجدت هو أَمَرَ فخلقت” (مز148: 5). أما عن الابن فيقول: ” فاض قلبي بكلمة صالحة” (مز44: 1). وقد عرف دانيال ابن الله، وعرف أيضًا أعمال الله، فمن ناحية رأى الابن وهو يطفئ الأتون (انظر دا 3: 25). ومن ناحية قال عن الأعمال ” فلتبارك الرب جميع أعمال الرب” (تسبحة الفتية الثلاثة 35)، ثم ذكر كل واحدة من المخلوقات، كل على حدة، ولكنه لم يحص الابن من بينها، لأنه كان يعرف أن الابن ليس أحد الأعمال، ولكن بواسطته صارت الأعمال موجودة. وهو في الآب مُسبّح ومرّفع جدًا. وكما أن الله يكشف بواسطته لأولئك الذين يعرفونه، هكذا بواسطته أيضًا، فإن البركة والتسبيح والمجد والجبروت، يُعتَرف بها للآب بواسطته وفيه، لكي يكون مثل هذا الاعتراف مرضيًا كما تقول الكتب. ومن هذه الأقوال ومن أقوال كثيرة أخرى تبيّن ويتبيّن أن من يقول أن كلمة الله مخلوق فهو كافر.

 

(7)

         ولكن حيث إنهم يحتجون بما هو مكتوب في الأمثال: “ الرب خلقني أول طرقه لأجل أعماله[50] (أم8: 22س)، ويضيفون “أنه خُلِقَ” وأنه مخلوق!: إنه من الضروري أن نوضح من هذه العبارة أيضًا كم هم يضلون كثيرًا، إذ هم لا يدركون هدف الكتاب الإلهي. فإذا كان ابنًا فلا يدعى مخلوقًا[51]، لأنه لو كان مخلوقاً فلا يدعى ابنًا. لأننا قد بيّنا فيما سبق، كم أن الفارق بين المخلوق والابن هو عظيم، ولكن حيث إن “التكميل”[52]، لا يتم باسم خالق ومخلوق، بل باسم آب وابن، فبالضروري يجب أن لا يدعى الرب مخلوقًا بل ابنًا. ويقول الهرطوقي ولكن أليس هذا مكتوباً، نعم أنه مكتوب. ولكن من الضروري أن يقال هذا ولكن الهراطقة يسيئون فهم ما هو مكتوب حسنًا، لأنهم لو كانوا قد أدركوا وعرفوا سمات المسيحية لما كانوا قد دعوا رب المجد مخلوقاً ولا كانوا قد تعثروا في ما هو مكتوب حسنًا.

ولكن هؤلاء ” لم يعرفوا ولم يفهموا” (مز81: 5س). لذلك كما هو مكتوب: “ في الظلام يسيرون” (مز81: 5س). ومن الضروري لنا أن نتكلم، لكي يتضّح أنهم أغبياء في هذا الأمر أيضًا ولكي لا نتخلى عن توبيخهم على كفرهم، فربما يغيّرون فكرهم، وإذن، فهذه هي سمة إيماننا بالمسيح: ابن الله، إذ هو “كلمة” الله ” لأنه في البدء كان الكلمة.. وكان الكلمة الله” (يو1:1)، وهو حكمة الآب وقوته: ” لأن المسيح قوة الله وحكمة الله” (1كو1: 24)، وفي ملء الأزمنة صار إنسانًا لأجل خلاصنا، لأن يوحنا بعد أن قال: ” في البدء كان الكلمة“، أضاف بعد قليل: ” والكلمة صار جسدًا” (يو1: 14) أي ” صار إنسانًا”. والرب قال عن نفسه ” لماذا تطلبون أن تقتلوني وأنا إنسان قد كلمتكم بالحق” (يو8: 40). وبولس إذ قد تعلم منه قال ” إله واحد، ووسيط واحد بين الله والناس، الإنسان يسوع المسيح” (1تي2: 5). وإذ صار إنسانًا، وقد تمم تدبيره الإنساني، وإذ قد طرح وأبطل الموت الذي كان قائمًا ضدنا، فهو الآن يجلس عن يمين الآب، إذ هو في الآب والآب فيه، كما كان دائماً وهكذا يكون على الدوام.

 

(8)

         وسمة إيماننا هذه مأخوذة من الرسل بواسطة الآباء. فيجب إذن على من يقرأ الكتاب، أن يفحص ويميز متى يتكلّم (الكتاب) عن ألوهية الكلمة، ومتى يتكلّم عن أموره الإنسانية، لئلا يُفهم أحدهما بدل الآخر، فنقع فى نفس الخلط الذي سقط فيه الآريوسيين. وإذ نعرف أنه الكلمة نعرف أن ” به صار كل شئ وبغيره لم يوجد شئ” (يو1: 17)، و” بكلمة الرب صنعت السموات” (مز32: 6س) وأيضًا ” يرسل كلمته فيشفي كل الأشياء” (مز106: 20)، وإذ نعرف أنه الحكمة، نعرف أن ” الله بالحكمة أسس الأرض” (أم3: 19)، وأيضًا الآب ” صنع كل الأشياء بالحكمة” (مز103: 24). وإذ نعرف أنه الله فقد آمنا أنه المسيح، لأن داود يرنم: ” عرشك يا الله إلى دهر الدهور، قضيب استقامة قضيب ملكك. أحببت البر وأبغضت الآثم، من أجل ذلك مسحك الله إلهك بزيت الابتهاج أكثر من شركائك” (مز44: 6ـ7). ويقول في إشعياء عن نفسه ” روح الرب على لأنه مسحني” (إش61: 1). وقد اعترف بطرس: ” أنت هو المسيح ابن الله الحي” (مت16: 26). وهكذا على نفس النحو، إذ نعرف أنه قد صار إنسانًا، فنحن لا ننكر ما يقال عن إنسانيته: ” فمثلاً أنه جاع، وعطش، وضرب، وبكى، ونام، وأخيرًا احتمل الموت على الصليب من أجلنا. لأن كل هذه الأشياء كتبت عنه. وأيضًا هكذا فالكتاب لم يخف، بل قال “خلق”، رغم أنها تناسب البشر. لأننا نحن البشر خلقنا وصنعنا. ولكن كما أنه حينما نسمع أنه جاع، ونام، وضرب، لا ننكر ألوهيته: هكذا حينما نسمع القول “خلق”. فإننا نستنتج ونتذكر أنه إذ هو الله قد خُلِق إنسانًا. لأن ما يخص الإنسان هو أن يُخلَقْ، أو الأشياء التي قيلت سابقًا، كالجوع وما يشبهه.

 

(9)

         وأيضًا ذلك القول الذى مع أنه قول حسن، إلاّ أنهم يسيئون فهمه، وأعني: ” أما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد، ولا الملائكة ولا الابن” (مر13: 32). 

وهذا القول له أيضًا معنى حقيقي. فهم يظنون من عبارة “ولا الابن” أنه بكونه يجهل. فهذا يدل على أنه مخلوق. ولكن ليس الأمر هكذا. حاشا! وكما أنه حينما قال “خلقني” فقد تكلّم كإنسان، هكذا أيضًا فإنه تكلّم كإنسان حينما قال “ولا الابن”. وهناك سبب وجيه لحديثه هكذا، إذ أنه صار إنسانًا، كما هو مكتوب لأنه أمر يخص البشر أن يجهلوا وأن يجوعوا وغير ذلك، ” لأنهم لا يعرفون ما لم يسمعوا ويتعلموا”. ولذلك ، فلأنه صار إنسانًا، فهو يظهر الجهل الذي يخص البشر. فأولاً: لكي يبيّن أن له جسدًا إنسانيًا بالحقيقة. وثانيًا: لكي إذ يكون له جهل البشر في جسده يفتدي الإنسانية من  كل شئ، ويطهّرها ويقدّمها كاملة ومقدسة للآب.

فأي عذر آخر سوف يكتشفه الآريوسيون؟ ماذا إذن سوف يبتدعونه ليثرثروا حوله؟ لقد وبخوا على عدم إدراكهم لعبارة ” الرب خلقني لأجل أعماله” (أم8: 22). وقد تبين أنهم لا يدركون عبارة “ذلك اليوم وتلك الساعة لا يعلم بهما أحد ولا الملائكة”. “ولا الابن”. فبقوله “خلقني” يشير إلى “الإنسان”. إذ أنه صار إنسانًا، فخلق ولكن بقوله     ” أنا والآب واحد“، و” الذي رآني فقد رأى الآب” و” أنا في الآب والآب فيَّ” (يو10: 3؛ 14: 9 ؛ 14: 10)، يشير إلى أزليته. وأنه واحد في الجوهر مع الآب. وهكذا أيضًا حينما يقول: ” لا يعلم بهما أحد ولا الابن“، يتكلم مرة أخرى كإنسان، لأن الجهل أمر يخص البشر. ولكن حينما يقول: ” ليس أحد يعرف الآب إلا الابن، ولا أحد يعرف الابن إلا الآب” (متى11: 27)، فهو يعرف بالأحرى جداً الأشياء المخلوقة. وفي الإنجيل حسب يوحنا، قال التلاميذ للرب: ” الآن نعلم أنك عالم بكل شئ” (يو16: 30). وهذا يدل على أنه ليس هناك شئ يجهله، إذ هو الكلمة الذي به صار كل شئ. وحيث إن ” ذلك اليوم هو من” كل الأشياء” فإنه سوف يصير “يحدث”، به رغم أن الآريوسيين يسخرون ربوات المرات.

[42]الآريوسيون“: إن الرسالة الثانية بأكملها مخصصة لإعادة عرض التعليم الصحيح ضد الآريوسية. فالقديس أثناسيوس يوضح في رسالة 3: 1 أن التعليم الصحيح عن الروح القدس لا يمكن أن ينبع إلا من تعليم صحيح عن الابن. والفصول التالية في هذه الرسالة الثانية لها نقط  اتصال وثيقة مع كتابات أثناسيوس الأخرى ضد الآريوسية وخاصة كتاب De Dec   وكتاب de. Syn  والمقالات الثلاث ضد الآريوسيين (C. Ar. I- III.) وبالإضافة إلى ذلك فإن الحجج هنا متصلة بتلك التي في الرسالة الأولى. وهكذا فهو يوضح في (فصلي 3- 4) أن الابن لا يمكن أن يكون مخلوقاً لأن له كل ما يخص الآب، وبنفس الطريقة يتكلم في الرسالة الأولى (22- 27) عن علاقة الروح القدس بالابن فيقول: “وإن كان الابن بسبب أنه من الآب هو خاص بجوهر الآب، فينبغي أن الروح الذي هو من الله يكون بالجوهر خاصاً بالابن” (1: 25).

وأنه لأمر مثير للاهتمام أن تعبير (ὁμοούσιοσ هوموأوسيوس من نفس الجوهر) يبرز بوضوح في هذه الرسالة وكذلك التفسير الذي يعطيه له والذي له نقط اتصال وثيقة بشرحه له في كتاب: De. Syn. 41- 53 .=

=وأخيرًا فهذه الرسالة متأثرة في صياغتها بالذين وجهت إليهم وهم رعاة كنيسة الإسكندرية إجمالاً، وأيضًا بتطور سمات الآريوسية المعاصرة لزمن كتابة الرسالة.

ثم أن الرسالة توضح أيضًا وحدة الجوهر الإلهي بين الآب والابن، على أن التأكيد يوضح أساسًا “وجود أقنومين متساويين”. وهكذا فإن تعليم القديس أثناسيوس هذا يسبق تعليم الآباء الكبادوكيين عن الثالوث، ويساعد على تفسيره.

[43]الحكمة والشعاع والكلمة” هذه هي التسميات الأساسية التي على ضوئها نعرف ماذا يعني حقيقة الاسمان: “الآب” و “الابن” حينما يطلقان على الله. فالآريوسيون لكي يساووا بين “المولود” (Gennyma) و”المخلوق” (Ktisma)، كان لابد أن ينكروا أن الابن هو الكلمة أو الحكمة بمعناهما الأصيل، بل ينسبونهما فقط إلى الله من الخارج دون أن يكون لهما صلة حقيقية بالابن على الإطلاق. أي أن الابن ليس هو كلمة الله وحكمته على الحقيقة، إذ يقول آريوس فيما يذكر أثناسيوس (أن هناك حكمتان : الأولى لها قوامها الذاتي وموجودة مع الله، أما الابن فقد جاء من خلال هذه الحكمة الأولى، وقد سمى الحكمة والكلمة بسبب اشتراكه فقط في هذه الحكمة الأولى لأنه يقول: إن “الحكمة” جاء إلى الوجود بواسطة الحكمة بمشيئة الله الحكيم. ويقول أيضًا: إنه توجد كلمة أخرى في الله غير الابن.. وأيضًا إن الابن قد سُمِّى كلمة وابنًا بسبب مشاركته للكلمة حسب النعمة) (المقالة الأولى فقرة 5 De Syn.15,).

[44]الينبوع جاف” لاشك أن أثناسيوس يقصد بلفظتي (Asophos) بدون حكمة و(Alogos) “بدون كلمة” المعنى المزدوج، ليس فقط أن الله “بدون حكمة” أو “بدون كلمة”، بل يكون الله في هذه الحالة “غير حكيم” و “غير عاقل، في كيانه وجوهره. ولذلك فإن أثناسيوس في المقالة الأولى ضد الآريوسيين (1: 14) يتهم الآريوسيين بأنهم ينسبون لله “عدم العقل” (Alogia).

وعلى هذا الأساس فإن الآريوسيين ينزلون بالابن إلى مستوى ملكة غير شخصية في الحياة الإلهية، كما أنهم ينكرون أن يكون الله شخصًا. ولا تكون وحدانية الله مشخصة. أما في فكر أثناسيوس فهو يلتزم في شرحه لوحدانية الله بما يقول به الوحي في الكتاب المقدس. فإنكار المساواة بين الابن والآب في الجوهر يعني في الواقع نفي الشخصية بملئها عن الله. والواقع أنه لا يمكن أن نتحدث عن الله كشخص إذا أنكرنا ألوهية الابن حكمة الله وكلمته. فالله في العقيدة المسيحية هو شخص حي محب ومتكلم في يسوع المسيح. وإلغاء ألوهية الابن هو النظر إلى الله كمجرد قوة وليس شخصًا.

[45] لنا معهم نفس الجوهر … ولنا نفس الهوية“: يرفض أثناسيوس أن يعتبر كلمة (Homios – ὅμιος هوميوس) التي تعني شبه، معادلة لكلمة هوموأوسيوس (Homoousios – ὁμοούσιος) التي تعني: من نفس الجوهر حتى لو أضفنا إلى كلمة “هوميوس” كلمات مقوية مثل Aparaliaktos  (= مطابق أو مماثل) أو كلمة katousian  (= حسب الجوهر). وينبغي أن نلاحظ أن أثناسيوس هنا يشرح كلمة (Taftotis – ταυτοτής) بمعنى نفس الهوية، أي أن أي إنسان هو مثل أي إنسان آخر من حيث إن كليهما بشر. وفي كتابه de. Dec  يرفض أثناسيوس أن يرى في علاقة الآب البشري بابنه إيضاحاً كافياً لعبارة هوموأموسيوس (من نفس الجوهر). ويقول: “لأن الأجساد التي يماثل أحدها الآخر يمكن أن تنفصل متباعدة على مسافة أحدها من الآخر”. ويمكن أن نرى اعتراضاً  مماثلاً بالنسبة للتشبيه بالتضامن بين الجنس البشري المذكور هنا، لأنه على الرغم من أننا نحن البشر لنا نفس الهوية ولنا نفس الوضع في الموت والفساد…، إلا أن هذا التضامن لا يصلح أن يكون توضيحاً كافياً للمساواة في الجوهر (أوموأوسيوس Omoousios). لقد سبق للقديس أثناسيوس أن أكد على وحدة الآب والابن وعدم انفصالهما، وهو هنا يهمه أن يؤكد على أن الآب والابن متساويان جوهرياً ومتماثلان تمامًا، وهو يعرف أن هذا التساوي يتضمن في داخله وحدة الجوهر التي سبق ودافع عنها في الفصل السابق من هذه الرسالة، والتي عبر عنها في كتابه De Dec. 20 . وفي ذلك الكتاب يستعمل كلمة هوموأوسيوس لكي يوضح أن “الابن لكي يكون من الآب ينبغي أن يكون  في الآب. ولكنه هنا يختار نقطة انطلاق يهاجم بها الأونوميين (اتباع أريوس) الذين أكدوا ليس فقط انفصال الآب عن الابن بل أيضاً عدم تماثل الآب والابن.

[46] إن ما يقوله أثناسيوس هنا ـ على عكس ما كان يقوله أرسطو يبرز الفكر المسيحي عن الإنسان، أنه لا يوجد من البشر من هو عبد بالطبيعة للآخر.

[47] من طبيعة المخلوقات بعكس طبيعة الابن، أن توجد من العدم. وهذا ما سبق أن كتبه القديس أثناسيوس في المقالة الثانية ضد الآريوسيين حيث يقول: “المخلوقات والمصنوعات وحدها هي التي من المناسب أن يُقال عنها إنها من العدم” وأنها لم تكن موجودة قبل أن تُنشأ” (الترجمة العربية 2: 1 صفحة 9). وانظر أيضاً المقالة الأولى حيث يقول “أما إن كانوا يبحثون الأمر بفضول وحب استطلاع قائلين لماذا لا يخلق الله على الدوام وهو القادر أن يخلق دائمًا،  فليسمعوا أنه بالرغم من أن الله له القدرة على الدوام أن يخلق إلا أنه ليس في استطاعة المخلوقات أن تكون أزلية لأن هذه المخلوقات وجدت من العدم، ولم تكن موجودة قبل أن تخلق، فكيف يمكن إذن لهذه المخلوقات التي لم تكن موجودة قبل أن تخلق، أن تكون موجودة مع الله الكائن دائمًا، أما الابن فلكونه غير مخلوق بل هو من ذات جوهر الآب فإنه كائن دائمًا (الترجمة العربية 1: 29 ص 60، 61).

[48] أي لأنها كائنات ليست بطبيعتها آلهة، فإنها قابلة للتغير. هذه العبارة لها أهمية خاصة إذ توضح أن أثناسيوس كان يعتبر أن الـ Theopoisis   (ثيئوبييسيس) أي “يؤله أو يجعله إلهًا”، ليس فقط نعمة خاصة بالدهر الآتي بل تبدأ منذ الآن. ويتضح هذا من أن أثناسيوس يطابق بين Hiopoisisi , Theopoisisi  (أيوبييسيس) “أي يجعله ابنًا” في C. Ar. III 19.  إذ يعتبر الأخيرة (البنوة) بكل وضوح أنها ملكية نحصل عليها منذ الوقت الحاضر (انظر Ad. Episc. I ).

[49] لا يعتبر القديس أثناسيوس أن هناك خواص عرضية في الله بل كل خواصه جوهرية. فكل ما هو له فهو يكونه.

[50]فإن الرب خلقنى أول طرقه“: عالج القديس أثناسيوس هذه الآية من سفر الأمثال التي كان يحتج بها الآريوسيين، باستفاضة في كتابه المقالة الثانية ضد الآريوسيين، حيث يفسر لفظ “خلق” على أنه يقصد به الطبيعة البشرية الخاصة بالمسيح. انظر الترجمة العربية لهذه المقالة من فصل 18 إلى فصل 72 ترجمة الأستاذ صموئيل كامل عبد السيد والدكتور نصحي عبد الشهيد. نشر مركز دراسات الآباء القاهرة 1987.

[51]فإن كان ابنًا فلا يُدعى مخلوقًا“: هذه النقطة سبق أن تحدث عنها القديس أثناسيوس في كتابه de. Dec. 3  حيث يقول “إن كان ابنًا فهو غير مخلوق، وإن كان مخلوقًا فهو ليس ابنًا، لأن هناك اختلافًا عظيمًا بين الولادة والخلق. ولا يمكن أن يكون الابن ابنًا ومخلوقًا في نفس الوقت إلا إذ اعتبر أن جوهره من الله وغريب عن اله في نفس الوقت. وكان الآريوسيون يجادلون بالقول بأنه لا يوجد اختلاف بين الولادة والخلق، إذ أن الكتب المقدسة في تصورهم تنسب كلا التعبيرين إلى الله. وأن لقب “ابن” هو حسب رأيهم متماثل تمامًا مع تفسيرهم (لأمثال22:8): حيث يعتبرون الابن مخلوقًا. أما أثناسيوس فيؤكد أن التطابق بين الولادة والخلق هو أمر مستحيل وأن على الآريوسيين أن يختاروا بين البنوة والمخلوقية التي يستنبطونها من أمثال 8: 22.

فهو يقول “لأن المخلوقات هي أعمال الصانع من خارجه، أما المولود فليس من خارجه وليس عملاً بل هو مولود جوهر الآب الذاتي. لذا فينما “الأعمال” هي مخلوقات، إلا أن كلمة الله هو ابن وحيد الجنس”. المقالة الثانية ضد الآريوسيين 56.

[52] أي طقس المعمودية (انظر رسالة 1: 29).

رسائل عن الروح القدس ج3 للقديس أثناسيوس الرسولي

رسائل عن الروح القدس ج2 للقديس أثناسيوس الرسولي

رسائل عن الروح القدس ج2 للقديس أثناسيوس الرسولي

 

رسائل عن الروح القدس ج2 للقديس أثناسيوس الرسولي

 

 
رسائل القديس أثناسيوس
إلى سرابيون أسقف تمويس

الرسالة الأولى الجزء الثاني

 (ضد الذين يجدفون ويقولون إن الروح القدس مخلوق)

 

(19)

وإذن فحيث إن مثل هذه المحاولة هي جنون خطير بل أكثر من جنون فليس لأحد أن يسأل بعد مثل هذه الأسئلة، بل عليه أن يتعلّم فقط ما هو في الكتب المقدسة. لأن الأمثلة التي تتضمّنها النصوص عن هذا الأمر هي كافية وشديدة الوضوح. وهكذا فالآب يدعى ينبوعًا ونورًا لأنه يقول “ تركوني أنا ينبوع المياه الحيّة” (إر2: 13). وأيضًا في باروخ ” لماذا أنت يا إسرائيل في أرض أعدائك؟ لقد تركت ينبوع الحكمة” (باروخ3: 10ـ12)، وأيضًا حسب يوحنا ” إلهنا نور” (1يو1: 5).  

وأمّا الابن فمن جهة علاقته بالينبوع يدعى نهرًا: ” نهر الله ملآن ماء” (مز64: 9). ومن جهة علاقته بالنور يدعى اشعاعًا[1]. إذ يقول بولس ” الذي هو شعاع مجده ورسم جوهره” (عب1: 3). ومن ثم حيث إن الآب نور والابن هو شعاعه، فلا ينبغي أن نتحاشى تكرار نفس الأشياء عنهما مرات كثيرة. ويمكننا أن نرى في الابن، “الروح” الذي بواسطته نستنير[2]. ” لكي يعطيكم روح الحكمة والإعلان في معرفته مستنيرة عيون قلوبكم” (أف1: 17و18). ولكن حينما نستنير بالروح، فالمسيح هو الذي ينير فيه (أي في الروح) لأنه يقول ” كان النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان، آتيًا إلى العالم” (يو1: 9) وأيضًا حيث إن الآب ينبوع، والابن يسمى نهراً، لذلك نقول أننا نشرب الروح لأنه مكتوب ” جميعنا سقينا روحًا واحدًا” (1كو12: 13) ولكن حينما نشرب الروح، فإننا نشرب المسيح. ” لأنهم كانوا يشربون من صخرة روحية تابعتهم، والصخرة كانت المسيح” (1كو10: 4). وبالإضافة إلى ذلك، كما أن المسيح ابن حقيقي، فإننا عندما نأخذ الروح “نصير أبناء”[3]. لأن الكتاب يقول “ إذ لم تأخذوا روح العبودية أيضاً للخوف بل أخذتم روح التبني” (رو8: 15). وإن كان بالروح قد صرنا أبناء فواضح أننا في المسيح ندعى أولاد الله لأن ” كل الذين قبلوه أعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله” (يو1: 12). وعلى ذلك، فكما أن الآب هو “الحكيم الوحيد” كما قال الرسول بولس، فإن الابن هو “حكمته”،    “ المسيح قوة الله وحكمة الله” (1كو1: 24). وحيث إن ابن الله هو الحكمة وابن الحكمة، فإننا إذ نأخذ روح الحكمة، نملك الابن، وبه نصير حكماء. لأنه هكذا هو مكتوب في المزمور المئة والخامس والأربعون: ” الرب يحل المأسورين، الرب يفتح أعين العميان” (مز145: 7و8). وحينما يُعطى لنا الروح القدس، (قال المخلّص ” اقبلوا الروح القدس“)، يقيم الله فينا، لأنه هكذا كتب يوحنا: ” إن أحب بعضنا بعضاً فالله يقيم فينا، بهذا نعرف أننا نقيم فيه وهو فينا، لأنه قد أعطانا من روحه” (1يو4: 12و13). وحيث إن الله يوجد فينا، يكون الابن أيضًا فينا. لأن الابن نفسه قال: ” الآب وأنا نأتي ونصنع عنده منزلاً” (يو14: 23). وأيضًا، حيث إن الابن هو الحياة لأنه يقول ” أنا هو الحياة” (يو14: 6). فإننا نحن أيضًا سنحيا بالروح، لأنه يقول:       ” الذي أقام المسيح من بين الأموات سيحيي أجسادكم المائتة بروحه الساكن فيكم” (رو8: 11). وحيث إننا مُحيون بالروح، فالمسيح نفسه يحيا فينا، لأنه يقول ” مع المسيح صلبت فأحيا لا أنا، بل المسيح يحيا فيَّ” (غلا2: 20). وأيضًا، قال الابن إن الأعمال التي عملها هو، عملها الآب لأنه يقول ” الآب الحال فيَّ هو يعمل الأعمال. صدقوني أني في الآب والآب فيَّ، وإلا فصدقوني بسبب الأعمال نفسها” (يو14: 10ـ12). وهكذا أيضًا قال بولس إن الأعمال التي عملها بقوة الروح هي أعمال المسيح: ” لأني لا أجسر أن أتكلم عن شئ مما لم يفعله المسيح بواسطتي لأجل إطاعة الأمم بالقول والفعل بقوة آيات وعجائب، بقوة الروح القدس” (رو 15: 18، 19).

 

(20)

وإذن، حيث إنه توجد مثل هذه المماثلة وهذه الوحدة في الثالوث القدوس فمن يمكنه أن يفصل الابن عن الآب أو يفصل الروح عن الابن أو عن الآب نفسه؟ ومن تصل به الجرأة حتى يقول أن أقانيم الثالوث غير متماثلة فيما بينهما، ومختلفة في الطبيعة، أو أن الابن جوهر غريب عن الآب، أو أن الروح غريب عن الابن.

ولكن بأية طريقة يمكن أن تحدث هذه الأمور؟ فإن كان أحد أيضًا يسأل ويبحث قائلاً: كيف حينما يوجد الروح فينا، يُقال إن الابن فينا؟ وحينما يكون الابن فينا فكيف يُقال إن الآب فينا؟ وعندما يكون الثالوث حقًا ثالوثًا، فكيف يُفهم أنه واحد. أو لماذا حينما يكون أحد أقانيم الثالوث فينا، يُقال إن الثالوث موجود فينا؟ فعلى هذا أن يفصل أولاً الشعاع عن النور، أو يفصل الحكمة عن الحكيم، أو فليخبرنا كيف تكون هذه الأمور؟.

ولكن إن كانت هذه الأمور من غير الممكن أن تحدث، فإن توجيه مثل هذه الأسئلة عن الله يكون جرأة جنونية، لأن الألوهية لا تسلّم لنا بواسطة براهين كلامية بل بالإيمان مع التفكير بتقوى ووقار، فإن كان بولس قد كرز بصليب المخلّص ” لا بكلام الحكمة بل ببرهان الروح القدس” (1كو2: 4) وقد سمع في الفردوس ” كلمات لا ينطق بها ولا يسوغ لإنسان أن يتكلم بها” (2كو12: 4) فمَنْ يستطيع أن يتكلّم عن الثالوث القدوس نفسه؟

ومع ذلك فيمكننا أن نعالج هذه الصعوبة أولاً، بالإيمان، وبعد ذلك باستعمال ما سبق أن ذكرناه من أمثلة أي: الصورة والشعاع، والينبوع والنهر، والجوهر والرسم. وكما أن الابن هو في الروح الذي هو صورته الخاصة[4]، هكذا الآب أيضًا في الابن. لأن الكتاب الإلهي ـ لكي يعالج عجزنا عن شرح وفهم هذه المعاني بالكلمات ـ قد أعطانا مثل هذه الأمثلة، حتى بسبب عدم إيمان هؤلاء المتجاسرين، يمكننا أن نشرح بأكثر وضوح، وأن نتكلّم بدون التعرض لخطر الضلال. وأن نفكر بطريقة مشروعة، وأن نؤمن بقداسة[5] واحدة مستمدة من الآب بالابن في الروح القدس. لأنه كما أن الابن هو وليد وحيد[6]، هكذا أيضًا الروح إذ هو مُعطّى ومُرسل من الابن، هو نفسه واحد وليس كثيرين، وليس واحدًا من كثيرين، بل هو نفسه وحيد. إذن، كما أن الابن ـ الكلمة الحي ـ هو واحد، هكذا فإن القوة الحيوية والعطيّة التي بها يقدس ويضئ، ينبغي أن تكون واحدة كاملة وتامة، وهي التى يُقال عنها إنها تنبثق من الآب، لأنها من الكلمة ـ الذي يعترف أنه من الآب ـ وهى التى تشرق وتُرسل وتُعطى. فالابن إذن، يُرسَل من الآب، لأنه يقول: ” هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد“(يو3: 16). والابن يرسِل الروح فهو يقول: “ إن ذهبت أرسل المعزي” (يو16: 7). الابن يمجد الآب قائلاً: ” أيها الآب أنا مجدتك” (يو17: 4)، بينما الروح يمجد الابن، لأنه يقول: ذلك يمجدني (يو16: 14). وبينما يقول الابن: ” ما سمعته من الآب فهذا أقوله للعالم” (يو8: 26)، فإن الروح يأخذ من الابن لأنه يقول: ” لأنه يأخذ مما لي ويخبركم” (يو16: 14)[7]. والابن أتى باسم الآب، أما الروح القدس فيقول عنه الابن: ” الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي” (يو14: 26).

 

(21)

فإذا كان الروح له مثل هذه الرتبة والطبيعة[8] مع الابن، مثل ما للابن مع الآب، فإن ذاك الذي يدعو الروح مخلوقًا، أفلا يقول نفس الشئ بالضرورة عن الابن أيضًا؟ لأنه إن كان الروح مخلوقًا من الابن فإن هذا يقتضيهم أن يقولوا إن الكلمة مخلوق من الآب. لأن الآريوسيين إذ قد تصوروا مثل هذه التصورات فقد سقطوا في يهودية قيافا. ولكن إن كان هؤلاء الذين يقولون مثل هذه الأشياء عن الروح يدعون أنهم لا يأخذون بتصورات آريوس، فدعهم يتحاشون كلماته، وألاّ يتكلّموا بعدم تقوى عن الروح. لأنه كما أن الابن الذي هو في الآب والآب هو فيه، ليس مخلوقًا بل هو من جوهر الآب ذاته (لأن هذا هو ما تدعون أنكم تقولونه أيضًا)، هكذا أيضاً فإن الروح الذي هو في الابن والابن فيه، ليس مسموحًا أن يُحسب بين المخلوقات، ولا أن نفصله عن الكلمة ولا أن نقدم الثالوث بصورة غير كاملة.

وفيما يخص أقوال كل من النبى والرسول التي خدعوا أنفسهم بتحريفهم إياها، فإن هذه الاعتبارات تكفي لكي تبين أقوال هؤلاء المحرّفين الشريرة التي أدى إليها جهلهم. ويتبقى علينا إذن أن ننظر في الأقوال التي وردت عن الروح القدس في الكتب الإلهية، واحدًا فواحدًا، وكصرافين مهرة فلنحكم، هل الروح فيه أي شئ يختص بالمخلوقات أم هو خاص بالله، وذلك لكي ندعوه أما مخلوقًا أو أنه يختلف عن المخلوقات وينتمي إلى – كما أنه واحد مع اللاهوت في الثالوث الذي لا ابتداء له. وربما ـ على هذا النحو يخجلون حينما يتحققون إلى أي درجة أن كلمات التجديف التي اخترعوها هي غير متوافقة مع الأقوال الإلهية.

 

(22)

وإذن فالخلائق قد أتت من العدم إذ لها بداية لوجودها، لأنه ” في البدء خلق الله السموات والأرض” (تك1:1) وكل ما هو موجود فيها. وأما الروح القدس فقد قيل عنه أنه من الله، لأنه يقول: ” لأن مَنْ مِن الناس يعرف أمور الإنسان إلا روح الإنسان الذي فيه، هكذا أيضاً أمور الله لا يعرفها أحد إلا روح الله ونحن لم نأخذ روح العالم بل الروح الذي من الله” (1كو2: 11و12). وعلى أساس ما سبق، فأية قرابة إذن يمكن أن توجد بين الروح وبين المخلوقات؟ فالمخلوقات لم يكن لها وجود بينما أن الله هو الكائن، والروح هو منه. والذي هو من الله لا يمكن أن يكون مما هو غير كائن، ولا يمكن أن يكون مخلوقاً لئلا يُظن ـ حسب تقديرهم ـ أن (الله) الذى منه الروح القدس هو أيضًا مخلوق. فمن إذن سوف يحتمل مثل هذه التجاديف؟ لأنهم يقولون أيضاً في قلوبهم “ ليس إله” (مز13: 1)؟. لأنه إن كان أحد لا يعرف أمور الإنسان إلاّ روح الإنسان الذي فيه، هكذا أيضًا لا أحد يعرف أمور الله إلا الروح الذي فيه، أفلا يكون تجديفًا أن يدعى الروح الذي في الله مخلوقًا، وهو الذي يفحص حتى أعماق الله؟ لأنه على هذا الأساس سيكون من الضروري أن يقبل المتكلّم أن يقول إن روح الإنسان هو خارج عن الإنسان نفسه، وأن الكلمة الذي في الآب هو مخلوق.

وأيضاً الروح هو روح القداسة والتجديد[9] ويدعي هكذا. لأن بولس يكتب: ” وتعيّن ابن الله بقوة من جهة روح القداسة بالقيامة من الأموات. يسوع المسيح ربنا” (رو1: 4). ويقول أيضًا: ” لكن اغتسلتم بل تقدستم بل تبررتم باسم الرب يسوع وبروح إلهنا” (1كو6: 11). وحينما يكتب إلى تيطس يقول: ” لكن ظهر لطف مخلصنا الله ومحبته للبشر، لا بأعمال في بر عملناها نحن، بل بمقتضى رحمته خلصنا بحميم الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس الذي سكبه علينا بغنى بيسوع المسيح مخلصنا. حتى إذا تبررنا بنعمته نصير ورثة حسب رجاء الحياة الأبدية” (تي3: 4ـ7). وأما المخلوقات فتتقدّس وتتجدّد:    ” ترسل روحك فتخلق وتجدد وجه الأرض“(مز104: 30) ويقول بولس: ” لأن الذين استنيروا مرة وذاقوا الموهبة السماوية وصاروا شركاء الروح القدس وسقطوا لا يمكن تجديدهم أيضاً للتوبة” (عب6: 4ـ6).

 

(23)

وإذن فإن ذلك الذي لا يتقدّس بواسطة آخر، ولا يأخذ القداسة، بل هو نفسه الذي يُشتَرك فيه، والذي فيه تتقدّس كل المخلوقات، فكيف يمكن أن يكون واحداً من بين الكل، أو يكون من خاصة أولئك الذين يشتركون فيه؟ لأن أولئك الذين يقولون هذا يلزم أن يقولوا إن الابن الذي به وُجِدت كل الأشياء، هو واحد من بين كل هذه الأشياء.

هو يدعى روح محيي لأنه يقول: ” الذي أقام يسوع من الأموات سيحيي أجسادكم المائتة أيضاً بروحه الساكن فيكم” (رو8: 11). والرب هو الحياة نفسها، وهو “بادئ الحياة” كما قال بطرس (أع3: 15)، بل والرب نفسه قال: ” الماء الذي أعطيه يصير فيه ينبوع ماء ينبع إلى حياة أبدية… قال هذا عن الروح الذي كان المؤمنون به مزمعين أن يقبلوه” (يو4: 14؛ 7: 39). ولكن المخلوقات كما قيل، تنال الحياة به. فذلك الذي لا يأخذ الحياة بل هو نفسه الذي تؤخذ منه، ويحيي المخلوقات فأية قرابة يمكن أن تكون بينه وبين الأشياء المخلوقة؟ كيف يمكن أن يكون من بين المخلوقات التي تنال الحياة به من الكلمة؟.

والروح يدعى مسحة وهو الختم لأن يوحنا يكتب: ” أما أنتم فالمسحة التي أخذتموها منه ثابتة فيكم ولا حاجة بكم إلى أن يعلمكم أحد بل كما تعلمكم مسحته” روحه، ” عن كل شئ” (1يو2: 27). وكذلك كُتِب في إشعياء النبي: ” روح الرب علىَّ لأن الرب مسحنى” (إش61: 1) ويقول بولس: ” الذي فيه أيضاً أنتم إذ آمنتم… ختمتم ليوم الفداء” (أف1: 13؛ 5: 30). والمخلوقات تُختم وتُمسح بواسطته وتتعلّم منه كل شئ. ولكن إن كان الروح هو المسحة والختم الذي به يمسح الكلمة كل الأشياء ويختمها، إذن فأي شبه أو انتماء للمسحة والختم مع الأشياء التي تُمسح وتُختم؟ وبناء على هذا لا يمكن أن يكون الروح من بين كل المخلوقات. فالختم لا يمكن أن يكون من بين الأشياء التي تُختم، والمسحة لا يمكن أن تكون من بين الأشياء التي تُمسح، ولكنه يخص الكلمة الذي يَمسح والذي يَختم، لأن المسحة لها أريج ورائحة من يمسح، وأولئك الذين يمسحون يقولون حينما ينالونها: ” نحن رائحة المسيح الزكية” (2كو2: 15). والختم له صورة المسيح الذي يختم، والذين يُختمون يشتركون في الختم ويتشكّلون حسبه، كما يقول الرسول: ” يا أولادي الذين أتمخض بكم أيضاً إلى أن يتصور المسيح فيكم” (غلا4: 19). وهكذا إذ نُختم فمن الطبيعي أن نصير ” شركاء الطبيعة الإلهية” كما يقول بطرس (2بط1: 4). وهكذا فكل الخليقة تشترك في الكلمة بالروح.

 

(24)

وبالإضافة إلى ذلك فإنه يُقال عنا إننا: ” شركاء الله“. لأنه يقول:  ” أما تعلمون أنكم هيكل الله وروح الله يسكن فيكم؟ إن كان أحد يفسد هيكل الله فسيفسده الله لأن هيكل الله مقدّس الذى أنتم هو” (1كو16:3و17).

فلو كان الروح القدس مخلوقًا، لما كان لنا اشتراك فى الله بواسطته. فإن كنا قد اتحدنا بمخلوق فإننا نكون غرباء عن الطبيعة الإلهية حيث إننا لم نشترك فيها. أمّا الآن فلكوننا نُدعى شركاء المسيح وشركاء الله، فهذا يوضّح أن المسحة والختم الذى فينا، ليس من طبيعة المخلوقات بل من طبيعة الابن، الذى يوحّدنا بالآب بواسطة الروح الذى فيه. هذا ما علّمنا إياه يوحنا ـ كما قيل سابقًا ـ عندما كتب: ” بهذا نعرف أننا نثبت فى الله وهو فينا أنه قد أعطانا من روحه” (1يو13:4). ولكن إن كنا بالاشتراك في الروح نصير “شركاء الطبيعة الإلهية” (2بط 1: 4)، فإنه يكون من الجنون أن نقول إن الروح من طبيعة المخلوقات وليس من طبيعة الله. وعلى هذا الأساس فإن الذين هم فيه، يتألهون. وإن كان هو يؤله[10] البشر، فلا ينبغي أن يُشَك في أن طبيعته هي طبيعة إلهية.

ولكن بوضوح أكثر ـ كما قلت سابقًا ـ  لأجل إبادة هذه الهرطقة يرنم المرنم في المزمور المائة والثالث: ” تنزع روحهم فيموتون ويعودون إلى ترابهم. ترسل روحك فيخلقون وتجدّد وجه الأرض” (مز103: 29و30). وكتب بولس إلى تيطس: ” بحميم الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس، الذي سكبه بغنى علينا بيسوع المسيح..” (تي3: 5و6). ولكن إن كان الآب بالكلمة في الروح القدس يخلق كل الأشياء ويجدّدها فأي شبه أو قرابة بين الخالق والمخلوقات. فذلك الذي فيه خُلِقت كل الأشياء، كيف يمكن أن يكون مخلوقًا؟. إن مثل هذا الكلام الرديء يقود إلى التجديف على الابن حتى أن أولئك الذين يقولون إن الروح مخلوق، يقولون أيضًا إن الكلمة الذى خُلِقت به كل الأشياء، مخلوق.

ويُقال عن الروح ـ وهو كذلك ـ إنه صورة الابن لأن ” الذين سبق فعرفهم سبق فعينهم ليكونوا مشابهين صورة ابنه” (رو8: 29). وإذن، فإن كانوا يعترفون أن الابن ليس مخلوقًا، فلا يكون صورته أيضًا مخلوقًا لأنه كما تكون الصورة، هكذا يكون أصل الصورة. هكذا فمن الطبيعي والمناسب أن يُعتَرف أن الكلمة ليس مخلوقًا لأنه صورة الآب. ولذلك فمَنْ يَعدّ الروح مع المخلوقات، فإنه بالضرورة سيحصى الابن أيضًا بينها. وبهذا سوف يتكلّم كلامًا رديئًا على الآب أيضًا بكلامه الرديء على صورته.

 

(25)

إذن فالروح هو مختلف عن المخلوقات، ويتضّح بالحرى أنه خاص[11] بالابن وليس غريبًا عن الله. أما فيما يخص سؤالهم الحكيم[12]: إن كان من الله فلماذا لا يدعى هو نفسه أيضًا ابنًا؟ فلقد سبق أن أوضحنا أنه سؤال متهور ومتجاسر، والآن نحن نوضح أنه ليس أقل من ذلك. ورغم أن الكتب المقدسة لا تدعوه ابنًا بل روح الله، ولكنها تقول إنه في الله نفسه ومن الله نفسه كما كتب الرسول. وإن كان الابن، بسبب أنه من الآب، هو خاص بجوهر الآب، فينبغي أن الروح الذي هو من الله، يكون بالجوهر خاصاً بالابن. وهكذا، فكما أن الرب هو الابن، فالروح يدعى روح البنوة. وأيضاً كما أن الابن هو الحكمة والحق، فالروح كتب عنه أنه روح الحكمة والحق. وأيضاً من جهة، الابن هو قوة الله وهو رب المجد، ومن جهة أخرى، الروح يدعى روح القوة وروح المجد. ويشير الكتاب إلى كل منهما بما يأتي: فبولس كتب إلى الكورنثيين: ” لو عرفوا لما صلبوا رب المجد” (1كو2: 8).

وفي موضع آخر يقول: ” إذ لم تأخذوا روح العبودية أيضًا للخوف بل أخذتم روح التبني” (رو8: 15). وقال أيضًا ” أرسل الله روح ابنه إلى قلوبكم، صارخًا يا أبا الآب” (غلا4: 6). وكتب بطرس  ” أن عيرتم باسم المسيح فطوبى لكم لأن روح المجد والقوة وروح الله يحل عليكم” (1بط4: 14)، والرب دعا الروح: “روح الحق” و”المعزي” (يو14: 16و17). مبينًا بهذا أن الثالوث كامل به. فالكلمة يجعل الخليقة مجيدة بواسطة الروح القدس، وبمنحه إياها الحياة الإلهية والتبني فإنه يجذبها إلى الآب. ولهذا فإن الذي يربط الخليقة بالكلمة لا يمكن أن يكون واحدًا من المخلوقات. والذي يمنح التبني للخليقة لا يمكن أن يكون غريبًا عن الابن. لأننا بغير ذلك يكون من الضرورى أن نطلب روحًا آخر لكي به يمكن أن يرتبط هذا الروح بالكلمة. وهذا كلام غير معقول. لذلك فالروح ليس واحدًا من المخلوقات، بل هو خاص بألوهية الآب والذي فيه يجعل الكلمة الأشياء المخلوقة تشارك في الطبيعة الإلهية. ولكن ذلك الذي فيه تشترك الخليقة في الطبيعة الإلهية لا يمكن أن يكون خارج ألوهية الآب.

 

(26)

أما أن الروح هو فوق الخليقة، ومختلف في الطبيعة عن الأشياء المخلوقة، وأنه خاص بالألوهية، فهذا يمكن أن نعرفه مما يلي. فالروح القدس غير قابل للتغيّر والتحوّل لأنه يقول ” روح التأديب، يهرب من الغش ويتحول عن الأفكار الغبية” (حكمة1: 5) ويقول بطرس ” في الروح عديم الفساد الوديع الهادئ” (1بط3: 4)، وأيضًا في الحكمة: ” روحك العديم الفساد هو في كل شئ” (حكمة12: 1). وأيضًا: ” لا أحد يعرف أمور الله إلا روح الله الذي فيه” (1كو2: 11). لأنه ليس لدى الله ” تغيير ولا ظل دوران” كما قال يعقوب (يع1: 17).

فالروح القدس لكونه في الله، ينبغي أن يكون غير قابل للتغيّر والتحوّل والفساد. لكن طبيعة الأشياء الناشئة والأشياء المخلوقة قابلة للتغيّر، حيث إنها خارج جوهر الله، وأتت إلى الوجود من العدم. لأنه يقول ” كل إنسان كاذب” (مز115: 11)، وأيضًا ” الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله” (رو3: 23)، ” والملائكة الذين لم يحفظوا رئاستهم بل تركوا مسكنهم الخاص، حفظهم إلى دينونة اليوم العظيم بقيود أبدية تحت الظلام” (يهوذا 6). وفي أيوب ” هوذا ملائكته لا يأتمنهم، وإلى ملائكته ينسب حماقة، والنجوم غير نقية في عينيه” (أي4: 18؛ 25: 5).

         وكتب بولس ” ألستم تعلمون أننا سندين ملائكة فبالأولى أمور هذه الحياة” (1كو6: 3). ولقد سمعنا أن إبليس، الذي كان “بين الشاروبيم”، وكان “خاتم الشبه”، سقط ” كالبرق من السماء” (حز28: 12؛ لو10: 18). ولكن إن كانت المخلوقات لها مثل هذه الطبيعة المتغيّرة، وقد كُتِب مثل هذا عن الملائكة، والروح هو هو نفسه وهو غير متغيّر، فإن كان الروح له نفس عدم تحول الابن، ويظل دائماً معه غير متغيّر فأي شبه بين غير المتغيّر والمتغيّر؟ وهكذا يتضّح أنه ليس مخلوقًا وليس هو من جوهر الملائكة على الإطلاق لأنهم متغيّرون، أما هو فهو صورة الكلمة ويخص الآب.

وأيضًا، فإن روح الرب يملأ المسكونة، ولذلك يرتل داود ” أين أذهب من روحك” (مز138: 7). وأيضًا مكتوب في سفر الحكمة: “روحك غير الفاسد هو في كل الأشياء” (حك12: 1). ولكن الأشياء المخلوقة هي في أماكن محددة لها: الشمس، والقمر والنجوم في الجلد، والسحب في الهواء. أما للناس، فقد وضع حدودًا للشعوب، (انظر تث32: 8) والملائكة يرسلون للخدمات (انظر عب1: 14). ” وجاء الملائكة ليمثلوا أمام وجه الرب“، كما هو مكتوب في أيوب (أي1: 6). ورأي يعقوب البطريرك حلمًا: “وإذا سلّم منصوبة على الأرض ورأسها يمس السماء، وهوذا ملائكة صاعدة ونازلة عليها“(تك28: 12). ولكن إن كان الروح يملأ كل الأشياء وهو في الكلمة حاضر في كل الأشياء. وإن كان الملائكة أقل منه، وحيثما يُرسلون فهناك يكونون حاضرين، إذن فلا ينبغي أن يشك في أن الروح ليس بين الأشياء المخلوقة وليس هو ملاكًا على الإطلاق، كما تقولون أنتم، بل هو فوق طبيعة الملائكة.

 

(27)

ومما يلي أيضًا يمكن أن ترى كيف أن الروح القدس يُشتَرك فيه ولكن هو لا يشترك[13]، (ولا ينبغي أن نتردد في تكرار نفس الكلام). لأنه مكتوب ” إن الذين استنيروا مرة وذاقوا الموهبة السماوية وصاروا شركاء الروح القدس، وذاقوا كلمة الله الصالحة” (عب4:6و5)، فالملائكة والمخلوقات الأخرى تشترك في الروح نفسه، وإذن فهم يمكن أن يسقطوا من الذي يشتركون فيه. ولكن الروح هو دائمًا كما هو، لأنه ليس واحدًا من بين أولئك الذين يشتركون، ولكن كل الأشياء تشترك فيه. فإن كان هو دائمًا كما هو، ودائمًا يشترك فيه، وإن كانت المخلوقات تشترك فيه، فالروح القدس لا يمكن أن يكون ملاكًا ولا مخلوقًا على الإطلاق، بل هو خاص بالكلمة، الذي به يُعطَي، من أجل أن تشترك المخلوقات في الروح. فأفكارهم هذه ستؤدى بهم أن يقولوا إن الابن مخلوق، وهو الذي فيه نصير كلنا شركاء في الروح.

وأيضًا، فإن الروح القدس واحد، أما المخلوقات فكثيرة، فالملائكة ” ألوف ألوف وربوات ربوات” (دا 7: 10). وتوجد أنوار كثيرة (انظر تك1: 14)، وعروش وسيادات وسموات وشاروبيم وسيرافيم ورؤساء ملائكة كثيرة. وباختصار فالمخلوقات ليست واحداً، ولكنها كلها معًا هي كثيرة ومتنوعة. فإن كان الروح القدس واحدًا والمخلوقات كثيرة، والملائكة كثيرون، فأي شبه بين الروح وبين المخلوقات؟ وإذن يتضح أن الروح ليس واحدًا بين كثيرين وليس هو ملاكًا. ولكن لأنه واحد، وبالأكثر لأنه خاص بالكلمة الذي هو واحد وخاص بالله الذي هو واحد، فهو من نفس الجوهر.

هذه الأقوال عن الروح القدس ـ هي وحدها في ذاتها ـ توضح أنه لا يوجد شئ مشترك أو خاص بينه وبين المخلوقات في الطبيعة وفي الجوهر، وأنه مختلف عن الأشياء المخلوقة، وهو خاص بلاهوت الابن وجوهره وليس غريباً عنه، ومن أجل هذا فهو من الثالوث القدوس، وهذا يكشف قلة فهمهم.

 

(28)

ولكن بالإضافة إلى ذلك، دعونا ننظر إلى تقليد الكنيسة الجامعة وتعليمها، وإيمانها[14]، الذي هو من البداية ” والذي أعطاه الرب وكرز به الرسل وحفظه الآباء“، وعلى هذا الأساس تأسست الكنيسة، ومن يسقط منه فلن يكون مسيحيًا ولا ينبغي أن يدعى كذلك فيما بعد.

وإذن يوجد ثالوث قدوس وكامل، يُعترف به أنه الله ـ في الآب والابن والروح القدس، وليس له شئ غريب أو خارجي ممتزج به، ولا يتكوّن من خالق ومخلوق، ولكن الكل يبني ويخلق، وهو متماثل فى ذاته وغير منقسم من جهة الطبيعة، وفعله واحد. فالآب بالكلمة في الروح القدس يعمل كل الأشياء، وهكذا تُحفظ وحدة الثالوث القدوس سالمة. وهكذا يُكرز بإله واحد في الكنيسة، ” الذي على الكل وبالكل وفي الكل” (أف4: 6). “على الكل” أى كأب وكبدءٍ وكينبوع، “وبالكل” أي بالكلمة، “وفي الكل” أي في الروح القدس. هو ثالوث ليس فقط بالاسم وصيغة الكلام، بل بالحق والوجود الفعلي. لأنه كما أن الآب هو الكائن الذي يكون، هكذا أيضًا الكلمة هو الكائن والإله على الكل. والروح القدس ليس بدون وجود حقيقي، بل هو موجود وله كيان فعلي. وليس بأقل من هؤلاء الثلاثة تعتقد الكنيسة الجامعة، لئلا تنزلق إلى أفكار اليهود المعاصرين الرديئة ـ الذين حسب قيافا ـ وإلى أفكار سابيليوس، كما أنها لا تعتقد بأكثر من ثلاثة، لئلا تتدحرج إلى تعدد الآلهة عند اليونانيين. ولكي يعرف هؤلاء أن هذا هو إيمان الكنيسة، فدعهم يفهمون كيف أن الرب حينما أرسل الرسل، أوصاهم أن يضعوا هذا الأساس للكنيسة قائلاً: ” اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس” (مت28: 19). فمضوا الرسل وهكذا عملوا. وهذه هي الكرازة إلى كل الكنيسة التي تحت السماء.

 

 

(29)

وإذن فحيث إن الكنيسة لها أساس الإيمان هذا، فليقل لنا أولئك الناس مرة أخرى وليعطوا جوابًا: هل الله ثالوث أم اثنان؟ فإذا كان اثنين فعليكم أن تحسبوا الروح بين المخلوقات، وبهذا يكون إيمانكم ليس إيماناً بإله واحد، ” الذي على الكل، وبالكل، وفي الكل” (أف4: 6). فإن فصلتم وأبعدتم الروح القدس عن الألوهة، فلا يكون لكم ذلك الذى هو “فى الكل”؛ وإذا كنتم تفكرون هكذا فإن التكميل[15]، الذي تمارسونه ليس انضمامًا إلى الألوهية بالمرة. لأنكم تمزجون مخلوقًا مع الألوهية، ومثل الآريوسيين واليونانيين[16] تضعون الخليقة مع الله الذي خلقها بكلمته الذاتي. فإن كان هذا هو اتجاهكم فأي رجاء يكون لكم؟ فمن هو الذي يوحّدكم بالله، إن لم يكن لكم روح الله بل الروح الذي من الخليقة؟ إنها جسارة وعدم مبالاة أن تنقصوا الآب وكلمته إلى مستوى المخلوقات، وأن تضعوا المخلوقات في مستوى الله، لأن هذا هو ما تفعلونه حينما تتخيلون الروح القدس مخلوقًا وتحسبونه مع الثالوث، فأي جنون من جهتكم أن تنسبوا الظلم إلى الله، إذ لا تحسبون مع الله وكلمته سوى واحد من بين كل الملائكة وكل المخلوقات، لأنه إن كان الروح ـ كما تقولون ـ هو ملاك مخلوق، وفي نفس الوقت يحسب مع الثالوث، إذن يكون ضروريًا، ليس لواحد فقط بل لكل الملائكة الذين خلقوا، أن يحسبوا مع الألوهة، وبذلك لا يعود هناك فيما بعد ثالوث بل عدد لا يحصى في الألوهة. وهكذا فإن طقس الانضمام[17] ـ الذي نكرّر ـ أنه يظهر أنه طقسكم، هو منقسم بين هنا وهناك وصار غير أكيد بسبب تقلبه. هكذا تكون طقوسكم وطقوس الآريوسيين الذين يجادلون ضد الألوهة ويعبدون المخلوقات دون الله الذي خلق كل الأشياء.

 

(30)

         مثل هذه الضلالات تقابل من يقول إن الله اثنان. ولكن إن كان هو ثالوث، كما هو حقًا، وإن كان قد تبيّن أن الثالوث غير منقسم، ومتماثل، وإذن فبالضرورة تكون قداسته واحدة، وأبديته واحدة، وكذلك طبيعته غير القابلة للتغيّر. لأن الإيمان بالثالوث[18] المُسلّم إلينا ـ هو واحد وهو الذى يجعلنا متحدين بالله، لذلك فمَنْ يستبعد أي واحد من الثالوث، ويعتمد باسم الآب وحده أو باسم الابن وحده، أو باسم الآب والابن بدون الروح القدس، لا ينال شيئًا، بل يظل فارغ وغير مكتمل[19]، هو نفسه وذلك الذى يظن أنه ضمه، (لأن طقس الاكتمال[20] هو بالثالوث)، هكذا فإن الذى يفصل الابن عن الآب أو يُنزِل الروح القدس إلى مستوى المخلوقات، فهذا لن يكون له الآب ولا الابن بل هو بدون إله، وهو أشر من غير المؤمن. ويمكن أن يكون أي شئ إلا أن يكون مسيحيًا، وهذا أمر عادل. لأنه كما أن المعمودية التي تُعطَى بالآب والابن والروح، هي واحدة، وكما أن هناك إيمان واحد بالثالوث، هكذا الثالوث القدوس إذ هو واحد مع نفسه، ومتحد في نفسه، وليس له في نفسه ما هو من المخلوقات. وهذه هى وحدة الثالوث غير المنقسمة، ولذلك فالإيمان به هو واحد. ولكن إن كان الأمر بحسب الابتداع الجديد الذي صنعتموه أيها “المحرّفون” ليس هو كذلك، وإن كنتم قد رأيتم أحلامًا بأن تدعو الروح القدس مخلوقاً، فإذن لا يعود لكم بعد إيمان واحد ومعمودية واحدة[21] بل اثنان، واحدة (باسم) الآب والابن وأخرى (باسم) ملاك هو مخلوق، ولا يبقى لكم يقين ولا حق. لأنه أية شركة بين المخلوق والخالق؟ وأية وحدة بين المخلوقات السفلى وبين “الكلمة” الذي خلقها؟ والمبارك بولس، إذ عرف هذا، لا يُقسِّم الثالوث كما تفعلون، بل إذ يعرف وحدته فقد كتب إلى الكورنثيين عن الأمور الروحية. فهو يَرُد كل الأشياء إلى إله واحد، الآب[22] قائلاً: ” أنواع مواهب موجودة وأنواع أعمال موجودة ولكن الله واحد الذي يعمل الكل في الكل” (1كو12: 4ـ6).

فالمواهب التي يقسِّمها الروح لكل واحد تُمنح من الآب “بالكلمة”. لأن كل ما هو من الآب هو من الابن أيضاً. وإذن فتلك الأشياء التي تُعطي من الابن في الروح هي مواهب الآب. وحينما يكون الروح فينا، فالكلمة الذي يعطى الروح يكون أيضًا فينا، والآب موجود في الكلمة. وهكذا يكون كما قال: “سنأتي أنا والآب ونصنع عنده منزلاً” (يو14: 23). لأنه حيث يكون النور فهناك الشعاع أيضًا. وحيث يكون الشعاع فهناك أيضًا فاعليته ونعمته المضيئة.

وهذا هو ما علّم به الرسول أيضًا حينما كتب إلى الكورنثيين في الرسالة الثانية قائلاً: ” نعمة ربنا يسوع المسيح ومحبة الله وشركة الروح القدس مع جميعكم” (2كو13:13). لأن هذه النعمة والهبة تعطي في الثالوث من الآب والابن في الروح القدس، وكما أن النعمة المعطاة هي من الآب والابن، هكذا فإنه لا يكون لنا شركة في العطية إلا في الروح القدس. لأننا حينما نشترك فيه تكون لنا محبة الآب ونعمة وشركة الروح نفسه.

 

(31)

         ويتضح مما سبق أن فعل الثالوث هو واحد. فالرسول لا يعني أن ما يعطي، يعطي من كل واحد متنوعًا ومجزئًا[23]، ولكن ما يعطى إنما يعطي في الثالوث، والكل من إله واحد. وعلى ذلك فالذي هو غير مخلوق، بل هو متحد مع الابن، كما أن الابن متحد مع الآب، والذي هو ممجد مع الآب والابن، الذي يعترف به إلهاً مع الكلمة، والذي هو يفعل الأعمال التي يعملها الآب مع الكلمة، كيف يمكن أن يُدعى مخلوقًا[24]؟ وهكذا أفلا يكون ذلك الإنسان الذى يدعوه مخلوقًا مجرمًا بفكر مباشر ضد الابن نفسه؟ لأنه لا يوجد شئ لم يخلق ولم يعمل بالكلمة في الروح. وهكذا يرتل في المزامير: ” بكلمة الرب صنعت السموات وبروح فيه كل جنودها“(مز32: 6). وفي المزمور المئة والسابع والأربعين: ” يرسل كلمته فيذيبها، يهب بروحه فتسيل المياه” (مز147: 18). ونحن ” قد تبررنا باسم ربنا يسوع المسيح وبروح إلهنا” كما يقول الرسول (1كو6: 11). لأن الروح غير منفصل عن الكلمة، وبالتأكيد حينما يقول الرب ” سنأتي أنا والآب” (يو14: 23)، يأتي الروح معهما ويسكن فينا، ليس لسبب آخر غير أن يحلّ الابن فينا، كما كتب بولس إلى الأفسسيين ” لكي يعطيكم بحسب غنى مجده، أن تتأيدوا بالقوة بروحه في الإنسان الباطن ليحل المسيح” (أف3: 16ـ17). ولكن إن كان الابن فينا يكون الآب فينا أيضاً كما يقول الابن ” أنا في الآب والآب فيَّ” (يو14: 10).

لذلك حينما يكون الكلمة في الأنبياء فإنهم يتنبئون بالروح القدس[25]. وحينما يقول الكتاب ” صارت كلمة الرب“(إر1: 2؛ ميخا1: 1)، إلى ذلك النبي بالذات، فهذا يوضح أنه يتنبأ بالروح القدس. ومكتوب في زكريا ” لكن اقبلوا كلامي وفرائضي التي أوصيت بها عبيدي  الأنبياء بروحي” (زك1: 6). وحينما وبخ النبي الشعب بعد ذلك بقليل “جعلوا قلبهم عنيداً لئلا يسمعوا شريعتي والكلام الذي أرسله رب الجنود بروحه عن يد الأنبياء الأولين” (زك7: 12)، وقال بطرس في سفر الأعمال ” أيها الأخوة كان ينبغي أن يتم الكتاب الذي سبق الروح القدس فقاله” (أع1: 16). والرسل صرخوا بصوت عالٍ معًا قائلين: ” أيها السيد، أنت هو الإله الصانع السموات والأرض والبحر وكل ما فيها، القائل بالروح القدس بفم داود فتاك...” (أع4: 24ـ25). وبولس حينما كان في رومية تكلّم بجرأة إلى اليهود الذين أتوا إليه: “حسنًا كلم الروح القدس آبائكم النبي” (أع28: 25). وكتب إلى تيموثاوس: ” الروح يقول صريحًا أنه في الأزمنة الأخيرة يرتد قوم عن الإيمان تابعين أرواحاً مضلة” (1تي4: 1). ولذلك حينما يُقال إن الروح موجود في أي أحد فهذا يعني أن الكلمة كائن فيه وهو الذي يمنح الروح. وحينما تحققت النبوة القائلة: ” أني أسكب روحي على كل بشر” (يؤ2: 28) بعد ذلك قال بولس: ” حسب موآزرة روح يسوع المسيح لي” (في1: 19). وكتب إلى الكورنثيين: “ إن كنتم تطلبون برهان المسيح المتكلم فيَّ” (2كو13: 3). ولكن إن كان الذي تكلّم فيه هو المسيح، فهذا يوضّح أن الروح الذي تكلّم فيه هو روح المسيح. وبسبب أن روح المسيح كان يتكلّم فيه، قال أيضًا في سفر الأعمال: ” والآن ها أنا ذاهب إلى أورشليم مقيداً بالروح لا أعلم ما يصادفني هناك، غير أن الروح يشهد في كل مدينة قائلاً، أن وثقاً وشدائد تنتظرني” (أع20: 22و23). وعليه فحينما يقول القديسون: ” هكذا قال الرب” (انظر عا1: 3)، فإنهم لا يتكلّمون إلاّ بالروح القدس. وإذ يتكلّمون بالروح القدس فهم يتكلمون بهذا في المسيح. وإذ يقول أغابوس في الأعمال “ هذا يقوله الروح القدس” (أع21: 11)، فليس إلا بواسطة الكلمة الآتي إليه، يمنح الروح أيضًا القوة ليتكلّم ويشهد عن الأمور التي تنتظر بولس في أورشليم. وهكذا أيضًا حينما شهد الروح لبولس ـ فكما قلنا قبلاً ـ إن المسيح عينه كان هو المتكلّم فيه، لتكون الشهادة التي أتت من الروح هي تخص الكلمة. وهكذا أيضًا حينما افتقد الكلمة، العذراء القديسة مريم، أتي الروح القدس إليها معه، والكلمة بالروح شكل الجسد وهيأه لنفسه، راغبًا أن يوحّد ويقدِّم كل الخليقة للآب بواسطة نفسه، “ويصالح كل الأشياء فيه… صانعًا سلامًا… سواء ما هو في السموات أو ما هو على الأرض“(كو1: 20).

(32)

         وعلى ذلك ـ فوفقًا للكتب الإلهية ـ يتبين أن الروح القدس ليس مخلوقًا بل هو خاص بالكلمة وبلاهوت الآب، وهكذا يتفق مع تعليم القديسين[26] عن الثالوث القدوس غير المنقسم، وهو الإيمان الواحد الذي للكنيسة الجامعة. ولكن ابتداع “المحرّفين” غير المعقول والخرافي يتناقض من ناحية مع الكتب المقدسة ومن ناحية أخرى يتفق مع عدم عقلانية الآريوسيين المجانين. إنه من الطبيعي بالنسبة لهم أن يتظاهروا هكذا ليخدعوا البسطاء، ولكن شكرًا للرب فكما تكتب أنت لم ينجحوا في تغطية أنفسهم باصطناع الخلاف مع الآريوسيين. لقد صاروا مكروهين من أولئك لأنهم يدعون أن الروح فقط مخلوق دون أن يدعوا الابن كذلك. وقد أدانهم جميع الناس لأنهم في الحقيقة يحاربون الروح[27]، وبعد قليل سوف يموتون إذ هم مقفرون وخالون من الروح، وبكلمات الرسول المبارك إذ هم ” أناس نفسانيون“، فإنهم لا يستطيعون أن يقبلوا ما يخص روح الله لأن هذه الأمور إنما يحكم فيها روحياً. أما أولئك الذين يهتمون بالأمور التي تخص الحق، فيحكمون في كل شئ، ولكن هم أنفسهم لا يحكم فيهم من أحد، لأنهم يملكون الرب في أنفسهم الذي يكشف لهم ذاته في الروح، وبواسطة ذاته يكشف الآب.

 

         33 ـ ورغم أني أسكن الآن في البرية، ولكن بسبب وقاحة الذين تحولوا عن الحق، فإني لم أبال بأولئك الذين يرغبون أن يضحكوا على ضعف شرحي وفقره. ولكن إذ قد كتبت باختصار فأني أرسله إلى تقواك مع توسلات كثيرة أنك حينما تقرأه، فإنك من ناحية تصححه ومن ناحية أخرى، حينما تجد أن الكتابة ضعيفة فإنك تلتمس العذر. وبحسب الإيمان الرسولي المسلّم لنا بالتقليد من الآباء، فإني قد سلّمت التقليد بدون ابتداع أي شئ خارجًا عنه. فما تعلمته فذلك قد سطرته مطابقًا للكتب المقدسة، لأنه يتطابق أيضًا مع تلك المقاطع من الكتب المقدسة التي اقتبسناها أعلاه، لأجل التأكيد.

وهذا ليس ابتداعًا خارجيًا، ولكن الرب يسوع المسيح نفسه، هو بشخصه علّم المرأة السامرية وعلّمنا من خلالها كمال الثالوث القدوس الذي هو ألوهية واحدة غير منقسمة، فالحق نفسه هو الذي يشهد حينما يقول للسامرية: ” يا امرأة، صدقيني أنه تأتي ساعة وهي الآن حين الساجدون الحقيقيون يسجدون للآب بالروح وبالحق، لأن الآب طالب مثل هؤلاء الساجدين له. الله روح والذين يسجدون له فبالروح والحق ينبغي أن يسجدوا” (يو4: 21ـ24). ومن هذه الفقرة يتضح أن الحق هو الابن نفسه، كما يقول: ” أنا هو الحق” (يو14: 6)، والذي بخصوصه صلى داود النبي قائلاً: ” ارسل نورك وحقك” (مز43: 3). لذلك فالساجدون الحقيقيون يسجدون للآب ولكن بالروح والحق، معترفين بالابن وبالروح فيه. لأن الروح غير منفصل عن الابن، كما أن الابن غير منفصل عن الآب. فالحق نفسه يشهد حينما يقول: ” سأرسل لكم المعزي روح الحق الذي من عند الآب ينبثق، الذي لا يستطيع العالم أن يقبله” (يو15: 26؛ 14: 17)، أي أولئك الذين ينكرون أنه من الآب في الابن.

لذلك فينبغي على مثال الساجدين الحقيقيين أن نعترف بالحق وننحاز إليه. وإن كانوا بعد هذه الأمور لا يزالون غير راغبين أن يتعلّموا، وليس لديهم قوة أن يفهموا، فدعهم على الأقل أن يكفوا عن الكلام الشرير. دعهم لا يقسِّمون الثالوث لئلا يُفصلوا عن الحياة. دعهم لا يحسبوا الروح القدس بين المخلوقات، لئلا مثل الفريسيين القدماء، ينسبون أعمال الروح إلى بعلزبول، فأنهم بسبب جسارة مشابهة، يجلبون (على أنفسهم) مع هؤلاء الناس العقاب الذي هو بلا رجاء في الغفران هنا، وما بعد ذلك.

[1] أي نور يشع نورًا، أي أن الابن نور مشع من الآب، وهكذا نفهم نص قانون الإيمان “نور من نور”. بعكس فهم “إشعاع” بمعنى نور مقتبس من نور آخر مثلما يأخذ السراج نوره من سراج آخر فيكون تعبيرًا عن الانقسام والتجزئة في عالم المخلوقات، والتي لا وجود لها في طبيعة الله الثالوث.

[2] يوضح القديس أثناسيوس هنا أننا يمكن أن نرى الروح في الابن، وهذا ما يذكره صراحة في الرسالة الأولى عندما يقول: “وكما أن الابن، الكلمة الحي، هو واحد، هكذا فإن القوة الحيوية والعطية التي بها يقدس ويضئ ينبغي أن تكون واحدة كاملة وتامة” (رسالة1: 20). ويقول أيضًا: “أنه حيث يكون النور فهناك الشعاع أيضًا، وحيث يكون الشعاع فهناك أيضًا فاعليته ونعمته المضيئة” (رسالة 1: 30). ومع تأكيد القديس أثناسيوس على وحدة الروح والابن، فإنه يهتم أن يؤكد أيضًا تميز الأقانيم كما يبدو في كلماته في الفصل 28 من هذه الرسالة إذ يقول: “الآب بالكلمة في الروح القدس يعمل كل الأشياء… وهكذا يكرز بإله واحد في الكنيسة” “ الذي على الكل وبالكل وفي الكل” (أف4: 6). “على الكل” كآب وكبدء وكينبوع، و “بالكل” أي بالكلمة، “وفي الكل” أي في الروح القدس. هو ثالوث ليس فقط بالاسم وصيغة الكلام بل بالحق والوجود الفعلي. لأنه كما أن الآب هو الكائن الذي يكون، هكذا أيضًا الكلمة هو الكائن والإله على الكل. والروح القدس ليس بدون وجود= =حقيقي بل هو يوجد وله كيان فعلي. وليس بأقل من هؤلاء الثلاثة تعتقد الكنيسة الجامعة لئلا تنزلق إلى أفكار اليهود المعاصرين الرديئة وإلى أفكار سابيليوس، كما أنها لا تعتقد بأكثر من ثلاثة لئلا تتدحرج إلى تعدد الإلهة عند اليونانيين (رسالة1: 28).

[3] انظر المقالة الثالثة ضد الآريوسيين للقديس أثناسيوس، وديديموس على الثالوث Didymus de Trin. II, 748c، حيث “نصير أبناء”، “نصير آلهة” يُقال إنهما من عمل الروح القدس. وهذان التعبيران يعبران عن فكرة واحدة، والقديس أثناسيوس عمومًا يفضل تعبير “نصير آلهة”.

[4] قد سبق أثناسيوس واستعمل هذا التشبيه عن الابن. وهو الآن يستعمله عن الروح، ويضيف مجموعة من الآيات المماثلة ليبيّن كيف أن رسم الابن يوجد كما في الروح. واستعمال هذا التشبيه هو أقدم من أثناسيوس، لأن غريغوريوس العجائبي في: “اعترافه” يتحدث عن الروح على أنه صورة الابن، بل في الحقيقة ربما يرجع هذا التشبيه إلى إيرينيوس، انظر Hare. IV. Viii. 4 ، كما نجد أن ديديموس يأخذ هذا التشبيه في كتابه عن الثالوث (Dr Trin. II 504 B) وانظر أيضًا القديس باسيليوس ضد أونوميوس (Basil, adv. Eun. V 724c, etc.). واستمرار استعمال هذا التشبيه يتضح من ظهوره في كتابات يوحنا الدمشقي (القرن الثامن) مثل كتاب “في الإيمان الأرثوذكسي De Fid. Orth.”. ونلاحظ أن ما يقوله أثناسيوس هنا يكمّل ويؤيد الحقيقة التي سبق أن ذكرها في القسم السابق أن الروح يمكن أن يُرى في الابن.

[5] إن وحدة الطاقة (القوةἐνεργία ) تستلزم وحدة الجوهر، لذلك فلو أن هناك انقسامًا في الجوهر حسب تصور التروبيكيين فهذا يستلزم تعدّد الطاقات (القدرات). ويجد أثناسيوس في هذه الحقيقة تعليلاً لتعليمه اللاهوتي عن النعمة الإلهية الواحدة للثالوث الواحد، والتى تمدنا بقداسة واحدة.

[6]وليد” (Γεννημά) لا يجد القديس أثناسيوس أية صعوبة في استعمال هذه الكلمة عن المسيح رغم أن كل من اتيوس وأفنوميوس الآريوسيين يستعملونها كمرادفة لكلمة مخلوق أو مصنوع. ويقول القديس أثناسيوس في مقالته ضد الآريوسيين3: 4، إن طبيعة الابن هي نفسها طبيعة الآب “لأن الوليد ليس مغايرًا لأنه هو صورته وكل ما هو للآب هو للابن” “لأن الشعاع هو أيضًا نور ليس ثانيًا بعد للشمس ولا هو نور مختلف، ولا بمجرد المشاركة فيها، بل هو وليد كامل وخاص بها. ومثل هذا المولود هو بالضرورة نور واحد، ولا أحد  يستطيع أن يقول إنه يوجد نوران.= =فرغم أن الشمس والشعاع هما اثنان، إلا أن هناك نور واحد ينبعث من الشمس ويضيئ بشعاعه كل الأشياء”.

[7]يأخذ من الابن“: على غير ما يحاوله بعض المفسرين خطأ من الاستناد إلى هذه الآية لكي ينسبوا أصل الروح الأزلي إلى الابن مع الآب، فإننا نجد أن القديس أثناسيوس هنا يشرح هذه الآية على أنها تشير فقط إلى مجرد إرسال الروح القدس من الابن، إذ هو يقارن بين ما سمعه الابن من الآب وتكلّم به في (يو8: 26)، وبين ما يسمعه الروح القدس من الابن ويتكلّم به، كما يقول الرب يسوع ـ في الفقرة التي اقتبس منها هنا القديس أثناسيوس ـ عن علاقة الروح بالابن ” لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به.. لأنه يأخذ مما لي ويخبركم” (يو16: 13، 14). وعلى ذلك فإن الآية التالية التي يقول فيها: ” كل ما للآب فهو لي” تنحصر هنا في عمل الإخبار بما يسمع، لأن الرب يكمل قائلاً: “ لهذا قلت إنه يأخذ مما لي ويخبركم” (يو16: 15).

[8] كلمة رتبة “Τάξις” هنا ليست ترتيبًا عدديًا بل تعني “وضع” Rank، فالقديس أثناسيوس لا يقصد أن الروح يأتي في الترتيب بعد الابن مثلما يأتي الابن بعد الآب بل هو يعني ببساطة أن وضع الروح مع الابن هو تماماً مثل وضع الابن مع الآب. ويستعمل القديس أثناسيوس كلمة الطبيعة “φύσις” بعد كلمة رتبة لكي يوضح أن المقصود بكلمة “رتبة” ليس مجرد وظيفة أو امتياز معين بل وحده الجوهر بين الأقانيم الثلاثة.

[9]روح القداسة والتجديد“: يرى القديس أثناسيوس أن القداسة هي الخاصية المميزة للروح، وهذا نجده أيضًا في تفسير القديس أثناسيوس للآية (يو17: 19) في المقالة الأولى ضد الآريوسيين حيث يقول: “كوني أنا كلمة الآب، فأنا نفسي أُعطي ذاتى الروح، حينما أصير إنسانًا. وأنا الصائر إنسانًا، أقدس نفسى (فى الاب) لكي يتقدس الجميع فيَّ، أنا الذي هو الحق (لأن كلمتك أنت هى الحق) [ضد الآريوسيين1: 46 ترجمة الأستاذ صموئيل كامل والدكتور نصحي عبد الشهيد صفحة 89 مركز دراسات الآباء 1984 القاهرة]. وكون القديس أثناسيوس ـ عندما يتحدث عن الروح ـ يضيف كلمة التجديد بعد كلمة القداسة فهذا يبيّن أنه لا يفصل بين القداسة وبين تجديد الطبيعة وأعادتها إلى عدم الفساد. وهذا ما يتحدث عنه أيضاً في كتابه تجسد الكلمة (فصول من 4ـ10) دون أن يشير إلى الروح القدس. والقديس أثناسيوس يستعمل عبارة نصير إلهيين في تجسد الكلمة 54: 3 كمرادف للتجديد أو إعادة الطبيعة البشرية إلى عدم الفساد أو عدم الموت، كنتيجة لتجسد الكلمة. وكل هذه التعبيرات المستعملة في هذا الجزء من الرسالة تشير إلى نفس هذه العملية التي يصيغها بتعبيرات متنوعة في المناسبات المختلفة سواء نسبها إلى الكلمة أو إلى الروح، (مثال انظر فصل 24 من هذه الرسالة).

[10]يـؤله” “Θεωποιεί ” أي “يجعل إلهًا”.. نلاحظ هنا أن القديس أثناسيوس يشرح عبارة بطرس الرسول تصيروا شركاء الطبيعة الإلهية بأنها تعني التأليه. وهو يقول إن الروح القدس هو الذي= =يؤله البشر أي يصيّرهم آلهة باشتراكهم فيه. وعلى هذا الأساس يستنتج أن الروح القدس لا يمكن أن يكون من طبيعة المخلوقات بل بالضرورة له طبيعة الله. وقد استعمل القديس أثناسيوس هذه الكلمة في مواضع كثيرة من كتاباته أهمها:

1 ـ كتاب تجسد الكلمة فصل 54 حيث يقول “لأنه صار إنساناً لكي يؤلهنا”.

2 ـ وفي المقالة الأولى ضد الآريوسيين فقرة 39 “كان إلهاً وفيما بعد صار إنساناً لكي يؤلهنا… وكيف يحدث التأليه بدون اللوغوس… كل الذين دعوا أبناء وآلهة قد نالوا التبني وصاروا متألهين من خلال اللوغوس”.

3 ـ وفي المقالة الثانية ضد الآريوسيين فقرة 70 يقول: “لأنه ما كان للإنسان أن يتأله لو أنه أتحد بمخلوق أو لو أن الابن لم يكن إلهاً حقيقياً .. هكذا لم يكن للإنسان أن يؤله لو لم يكن الكلمة الذي صار جسداً هو ابن طبيعي حقيقي وذاتي من الآب. لهذا إذن صار الاتحاد هكذا، أن يتحد ما هو بشرى بالطبيعة بالذي له طبيعة الألوهية ويصير خلاص الإنسان وتأليهه مؤكداً”.

4 ـ وفي المقالة الأولى ضد الآريوسيين فقرة 9 يشرح (مز 81: 6) “أنا قلت أنكم آلهة” بأن حصول البشر على هذه النعمة هو من الآب بمشاركتهم للكلمة عن طريق الروح القدس”.

ومن الفقرات السابقة يتبيّن كيف أن القديس أثناسيوس ينسب عمل التأليه أحياناً إلى الكلمة وأحياناً أخرى إلى الروح القدس. وفي بعض الأحيان ينسبه إلى الكلمة عن طريق الروح القدس.

[11] أي من نفس الجوهر مع الابن. ἴδιον εἶναι τοῦ Υἱοῦ.

[12] يقصد الحكيم في نظرهم.

[13] يقصد القديس أثناسيوس أن الروح القدس لا يمكن أن يفقد قداسته لأنه لا ينالها عن طريق الاشتراك ولكنه يملكها جوهرياً في ذاته.

[14] يُلاحظ هنا أن القديس أثناسيوس لا يفرق بين التقليد والتعليم والإيمان، بل هو يتكلّم عن الثلاثة كشيء واحد حتى أنه يستعمل لها اسم الموصول المفرد (الذى) وليس الجمع، وهذا يبيّن أهمية تقليد الكنيسة الجامعة على أنه ممتد من المسيح بواسطة الرسل حتى الآباء كما يبدو في العبارة المكملة لهذه الجملة ” الذي أعطاه الرب وكرز به الرسل وحفظه الآباء”.

[15]التكمـيـل” هو طقس المعمودية الذي يتم به الانضمام إلى الكنيسة. وأثناسيوس هنا ينسب إلى التروبيكيين ما سبق أن نسبه إلى الآريوسيين عن عدم فاعلية المعمودية عندهم بسبب عدم إيمانهم بألوهية الابن إذ يقول في المقالة الثانية ضد الآريوسيين: “أما هؤلاء الآريوسيون فإنهم يخاطرون بفقدان إتمام السر وأعني به المعمودية لأنه أن كان إتمام السر يعطي باسم الآب والابن وهم لا يقرون بأب حقيقي بسبب إنكارهم للذي هو منه الذي هو مثله في الجوهر منكرين الابن الحقيقي ويسمون لأنفسهم ابنًا آخر… إلا يكون طقس المعمودية الذي يتمونه فارغًا تمامًا وعديم الجدوى إذ أن له مظهر خارجي، أما في الحقيقة فإنه ليس له شئ يعين على التقوى.. لأن الآريوسيين لا يعمدون باسم الآب والابن بل باسم خالق ومخلوق… فليس من يقول ببساطة “يارب” هو الذي يعطي المعمودية، بل هو ذلك الذي مع الاسم الذي يدعوه عنده أيضاً إيمان مستقيم.. ومع الإيمان يأتي إتمام المعمودية” (المقالة الثانية ضد الآريوسيين فصل 42، ترجمة الأستاذ صموئيل كامل عبد السيد، الدكتور نصحي عبد الشهيد ـ نشر مركز دراسات الآباء القاهرة 1987).

[16] نلاحظ أنه بينما دعا القديس أثناسيوس الآريوسيين في الفصل السابق يهودًا، فهو هنا يربطهم باليونانيين أي الوثنيين. فإن كانت الآريوسية تدعو إلى التوحيد فهي عمليًا تنزل إلى الوثنية فعلى الرغم من أنها ادعت بأنها تحفظ وحدانية الله باستبعاد الابن من اللاهوت، فهي من جهة أخرى قد ربطت بينه وبين الله في النعمة والمجد أي عبدته كمخلوق أو عبدت المخلوق. وفي هذا الفصل= =يطبق أثناسيوس نفس الأسلوب بخصوص الروح القدس على أساس أنه مع استدعاء الروح القدس في المعمودية مع الآب والابن، ينكرون ألوهيته ويعتبرونه مخلوقًا.

[17] أي طقس المعمودية الذي به يتم الانضمام إلى الكنيسة.

[18]الإيمان بالثالوث“: يؤكد القديس أثناسيوس على أن هذا هو الإيمان الذي يجعلنا متحدين بالله. والمعمودية تتبع هذا الإيمان. ونفس الأمر يؤكده كيرلس الأورشليمي (Cat. V. 6  )، وأيضًا القديس باسيليوس في كتابه عن الروح القدس يقول: “المعمودية والإيمان طريقان للخلاص لا ينفصلان، فالإيمان يكتمل خلال المعمودية، والمعمودية تتأسس خلال الإيمان، وكلاهما يتم بنفس الأسماء… فأولاً يأتي الإقرار بالإيمان الذي يدخلنا إلى الخلاص، وبعد الإقرار تتم المعمودية التي تختم على موافقتنا” De Sp. S. 28 . وينبغي أن نلاحظ أن أثناسيوس في تعليمه عن المعمودية يشدد على الاندماج في الحياة الإلهية الذي تمنحه لنا المعمودية بما لا يقل عن تشديده على غفران الخطايا.

[19] أي لا يكون قد انضم فعلاً إلى الكنيسة بالمعمودية.

[20] أي طقس الانضمام إلى الكنيسة بالمعمودية.

[21]إيمان واحد ومعمودية واحدة“: (انظر ضد الآريوسيين16:3 C. Ar. III.16 ). يوجد عند القديس أثناسيوس علاقة واضحة ووثيقة بين الإيمان الواحد والمعمودية الواحدة والإله الواحد. فإن كانت صحة المعمودية تعتمد على صحة الإيمان الذي تعطي على أساسه، فهذا بدوره يعتمد على التماسك الداخلي للحياة الإلهية التي يوضحها. وحدة الإيمان ليست فقط مجرد وحدة صيغة الاعتراف بالإيمان، بل تقتضي أيضاً وحدة ذلك الذي يتم الاعتراف به. انظر كيرلس الأورشليمي (Cat. XVI. 4 ). إذ يقول “نحن لا نكرز بثلاثة آلهة… بل بالابن الواحد مع الروح القدس نكرز بإله واحد. فالإيمان غير منقسم والعبادة غير مجزأة”.

[22]فهو يرد كل الأشياء إلى إله واحد، الآب”: يقصد القديس أثناسيوس أن المواهب الروحية المتنوعة وأنواع الخدم يمكن أن تجمع كلها معًا باعتبار أن مصدرها واحد هو “عمل الآب”. وواضح هنا أن القديس أثناسيوس يؤكد أن المقصود بعبارة إله واحد، هو الآب. فالفعل الإلهي وكذلك الحياة الإلهية ينبعان منه. وهذا هو أيضًا ما قصده القديس أثناسيوس من اقتباسه لعبارة الرسول بولس عندما قال: “ولكن الله واحد الذي يعمل الكل في الكل” (1كو 12: 6). وهذا هو اتجاه اللاهوت= =الشرقي عموماً الذي يرد وحدانية الثالوث إلى أقنوم الآب الذي هو الأصل وينبوع الابن والروح القدس.

[23]متنوعًا ومتجزئًا“: مواهب البركة الرسولية لا ينبغي أن تعتبر مواهب منفصلة مخصصة بالتجزئة لكل واحد من الأقانيم بمفرده. أي أن الرسول لا يقصر النعمة على المسيح أو المحبة على الآب أو الشركة على الروح القدس بحسب الصيغة الواردة في (2كو 13: 13) والتي يعلق عليها القديس أثناسيوس هنا، فإنه يحدث أحياناً أن تنسب المحبة إلى الروح القدس (غلا 5: 25). والشركة للابن (1كو 10: 16)، والنعمة لله الآب (1كو15: 10).

[24] أي يدعو الروح القدس مخلوقًا.

[25]يتنبئون بالروح القدس”: هذا التعليم للقديس أثناسيوس يأخذه منه الآباء الذين أتوا بعده. انظر ديديموس عن الروح القدس Sp. S. 29 ، وعن الثالوث II 500 ، باسيليوس عن الروح القدس Sp. S. 37  وأمبروسيوس عن الروح القدس Sp. S. II. 130  (انظر الروح القدس الكتاب الثاني ص 130- 132 نشر بيت التكريس لخدمة الكرازة، وكيرلس الأسكندرى De. Trin VII 1096 ).

[26]تعليم القديسين“: أي تعليم الكتب المقدسة. إن كلمة agioi  “القديسين” عند القديس أثناسيوس تشير عادة إلى شخصيات الكتاب المقدس أو كتبته سواء بالنسبة إلى العهد الجديد أو العهد القديم. ونجد نفس المعنى في تجسد الكلمة 57 وفي De Fug. 15 .

[27]يحاربون الروح” يبدو أن القديس أثناسيوس هو الذي نحت عبارة “محاربي الروح” على مثال “محاربي الكلمة” والتي بدورها ربما تكون على مثال “محاربي الله” التي وردت في سفر الأعمال (5: 39؛ 23: 9).

 

رسائل عن الروح القدس ج2 للقديس أثناسيوس الرسولي

رسائل عن الروح القدس ج1 للقديس أثناسيوس الرسولي

رسائل عن الروح القدس ج1 للقديس أثناسيوس الرسولي

 

رسائل عن الروح القدس ج1 للقديس أثناسيوس الرسولي

 

 

رسائل القديس أثناسيوس
إلى سرابيون أسقف تمويس

الرسالة الأولى الجزء الأول

 (ضد الذين يجدفون ويقولون إن الروح القدس مخلوق)

 

 

 

(1)

         لقد سُلِّمت إلىَّ رسائل تقواكم في البرية. وعلى الرغم من قسوة الاضطهاد الموجه ضدنا، وكذلك على الرغم من أن أولئك الذين كانوا يطلبون أن يقتلونا أطالوا البحث لكي يعثروا علينا، فإن أب الرأفة وإله كل تعزية (2كو1: 3) استخدم حتى هذه (الضيقات) لكي يعّزينا.

وإذ تذكّرت صلاحكم وكل الأصدقاء الأصيلين تصوّرت أنكم جميعاً حاضرون معي في تلك اللحظة. وفي الحقيقة لقد أحسست كثيرًا بالسرور إذ تلقيت رسائلكم، ولكن بمجرد أن قرأتها بدأ الحزن يتجدّد ثانية بسبب أولئك الذين فكروا أن يثيروا حرباً ضد الحق من جديد. وأنت كذلك أيها الحبيب والمتشوّق إليه بحق قد كتبت إلىَّ ـ وأنت مثقل بالحزن ـ أن بعض الأشخاص وأن كانوا قد تركوا الآريوسيين بسبب تجديفهم على ابن الله إلاّ أنهم يجدفون ضد الروح القدس، ويقولون إنه ليس فقط أحد المخلوقات[1]. بل إنه أيضًا أحد الأرواح الخادمة (عب1: 14) ويختلف عن الملائكة حسب الرتبة فقط. وهم في هذا الأمر يتظاهرون بأنهم يحاربون الآريوسيين لكنهم في الحقيقة يتكلمون ضد الإيمان المقدس. لأنه كما أن أولئك بإنكارهم الابن ينكرون الآب أيضًا، هكذا هؤلاء أيضاً فأنهم إذ يجدفون على الروح القدس فإنهم يجدفون على الابن أيضاً، وهكذا فإن الفريقين قد اقتسما فيما بينهما مقاومتهما للحق، فإذا كان فريق منهما يفكر ضد الكلمة والفريق الآخر يفكر ضد الروح، فبذلك هما يحتفظان بنفس التجديف على الثالوث القدوس.

وإذا انشغل ذهني بهذه الأمور وفكرت فيها كثيراً أصبت بحزن شديد، لأن إبليس وجد فرصة أخرى ليلعب في هؤلاء المرائين لعبة جنونه.

وكنت قد قررت أن أصمت إبان هذا الوقت الحرج، ولكن بسبب حض قداستكم لنا وكذلك بسبب الآراء المخالفة والوقاحة الشيطانية التي أظهرها أولئك الناس، أكتب هذه الرسالة بإيجاز، وإن كنت بالكاد أستطيع أن أقوم بهذه المهمة، لكي تأخذ من هذه الحقائق حججًا تتفق مع تفكيرك، وتكمّل أنت ما تجده ناقصاً، وبذلك يكون البرهان ضد هذه الهرطقة الدنسة، كاملاً.

 

(2)

إن هذا التفكير ليس غريبًا على الآريوسيين، لأنهم ـ إذ أنكروا كلمة الله ـ فإنه من الطبيعي أن ينطقوا بنفس التجديف ضد روحه. لذلك فليست هناك حاجة أن نضيف شيئًا آخر ردًا عليهم، إذ يكفي ما سبق وقد قيل ضدهم. لكن من العدل أننا بطريقة ما ـ كما يقولون هم أنفسهم ـ إذ قد بحثنا الموضوع، أن نقدّم ما يجب لأولئك الذين انخدعوا فيما يختص بالروح. ومن الطبيعي للمرء أن يتعجب من جهالتهم، لأنهم إذا كانوا لا يريدون أن يقولوا إن ابن الله هو أحد المخلوقات، فكيف أمكنهم أن يحتملوا أن يسمعوا أن روح الابن هو أحد المخلوقات؟.

لأنه حقًا، إذا كانوا بسبب وحدة الكلمة مع الآب[2] يرفضون أن يقولوا إن الابن هو أحد المخلوقات بل يعتبرونه كما هو بحق، خالق المخلوقات، فلماذا يقولون عن الروح الذي له نفس الوحدة مع الابن – وهي نفس الوحدة التي للابن مع الآب – أنه أحد المخلوقات؟ أنهم لم يدركوا أنه كما لا يجوز أن نفصل الابن عن الآب محافظين على الإيمان الصحيح بإله واحد، هكذا أيضاً فإنهم إذ يفصلون الروح عن الكلمة، لا يحتفظون بعد بالإيمان بألوهية واحدة في الثالوث. لأنهم يمزقون الألوهية ويخلطون معها طبيعة غريبة من نوع مغاير، ويضعونها على نفس المستوى مع المخلوقات. وهذا يعني أن الثالوث ليس واحداً ولكنه مركب من طبيعتين مختلفتين بسبب أنهم يتوهمون أن الروح من طبيعة مختلفة. فإذن، أي نوع هذا من الثيولوجيا[3]، الذي يُظهر الله بأنه مُركب من خالق ومخلوق؟ لأنه أما أنه لا يكون ثالوثاً بل اثنين مع الخليقة[4]، أو أن كان ثالوثاً ـ كما هو في الحقيقة بكل تأكيد ـ فكيف يحسبون الروح القدس ضمن المخلوقات التي أتت بعد الثالوث وهو نفسه روح الثالوث؟ لأن هذا معناه ـ مرة أخرى ـ تقسيم الثالوث وتحلّله.

ولهذا فحينما يفكرون تفكيرًا خاطئًا عن الروح القدس، فبالضرورة لن يكون تفكيرهم عن الابن صحيحًا. وإذا كانوا يفكرون تفكيرًا صحيحًا عن الكلمة فإنهم سيفكرون تفكيرًا سليمًا عن الروح الذي “ينبثق من الآب”[5]، والذي بسبب أنه روح الابن، أُعطَى بواسطته للتلاميذ ولجميع الذين آمنوا به. وحيث إن هؤلاء (الهراطقة الجدد) أيضًا قد انخدعوا بنفس الطريقة فليس لهم أيضاً إيمان سليم بالآب، لأن الذين “يقاومون الروح” (أع 7: 51)، كما قال الشهيد العظيم اسطفانوس، ينكرون الابن أيضاً، والذين ينكرون الابن لن يكن لهم الآب أيضًا (1يو2: 23).

 

(3)

إذن فمن أين لكم العذر لمثل هذه الجسارة الزائدة حتى أنكم لا تخافون من قول الرب: “أما من جدف على الروح القدس فلن يغفر له لا في هذا الدهر ولا في الآتي” (مت12: 32). ذلك لأن الآريوسيين إذ فهموا مجيء الكلمة في الجسد فهمًا خاطئًا وكل ما قيل من جهة التجسد فإنهم اتخذوا منه حجة لهرطقتهم، وهكذا أدينوا كأعداء الله، واعتبروا بالحقيقة كأناس أرضيين يتكلمون باطلاً (يو3: 21).

وأما أنتم فمن أين انخدعتم، وممن سمعتم هذه الضلالة، أو كيف ضلّلتم؟

يقولون: قرأنا في عاموس النبي قول الرب ” أنا هو منشئ الرعد وخالق الروح[6]، ومعلن للإنسان مسيحه، صانع الفجر والضباب، ويصعد على أعالي الأرض. الرب الإله الضابط الكل اسمه” (عا4: 9س). ومن هذه الآية صدقنا الآريوسيين الذين يقولون إن الروح القدس هو أحد المخلوقات.

هذا ما قرأتموه في عاموس. ولكن هل قرأتم ما جاء في سفر الأمثال: ” الرب خلقني بدء طرقه لأجل أعماله” (أم 8: 22س). أم لم تقرأوه؟ وهذه الآية تفسرونها تفسيرًا صحيحًا يتفق مع معناها الحقيقي. وذلك لكي لا تقولوا إن الكلمة هو أحد المخلوقات. أما ما يقوله النبي عاموس فلا تفسرّونه. ولكن بمجرد أن سمعتم كلمة “روح” اعتقدتم أنه يقول أن الروح القدس هو أحد المخلوقات. مع أنه واضح في سفر الأمثال أن الحكمة[7]، هو الذي يقول “خلقني”. ومع ذلك فأنكم قد فسرتم الآية حسناً حتى لا تحسبوا الحكمة الخالق ضمن المخلوقات. أما الآية التي في عاموس فأنها لا تتكلم عن الروح القدس، بل قيلت ببساطة عن “روح”. فإذا كان يوجد في الكتاب المقدس اختلاف كبير في معاني كلمة “روح”، وكان من الممكن أن تُفسرّ هذه الآية حسب معناها الخاص الصحيح، فلماذا تعتقدون أن عاموس يتكلّم هنا عن الروح القدس؟، ذلك إمّا لأنكم تحبون الانتصار على الغير أو لأنكم تضرّرتم بلدغه الحيّة الآريوسية؟ وذلك لكي تؤكدوا بقولكم هذا، اعتقادكم الخاص ولا تنسوا ما تؤمنون به عنه أنه أحد المخلوقات.

(4)

وإذن فلتقولوا لنا، أين وجدتم في الكتاب المقدس، أن الروح القدس، يُدعى فقط “روح”، ويُشار إليه دون إضافة اسم “الله” إليه أو “الآب” أو أنه “روحي” أي روح “المسيح نفسه” أو “الابن” أو “مني” التي تعني “من الله” أو يذكر مقترناً بأداة التعريف، فلا يُقال عنه “روح” بل “الروح” أو يسمى “الروح القدس” أو “المعزي” أو “روح الحق” الذي يعني “روح الابن” الذي يقول ” أنا هو الحق” (يو14: 6) حتى أنكم بمجرد أن تسمعوا كلمة “روح” تظنون أنها تعني “الروح القدس”؟.

والآن علينا أن نستثني، هؤلاء الذين إذ أخذوا الروح القدس، فإنهم يسمونه أيضًا ببساطة “روح”. وكذلك هؤلاء الذين إذ سبق وتعلّموا عن الروح القدس، فإنه فيما بعد، إذ ذكر فقط باسم “روح”، بقصد التكرار أو التذكّر، فإنهم لن يجهلوا عن أي روح يسمعون، وعلى الأخص عندما يذكر هكذا مقترنًا بأداة التعريف.

وبالإجمال، فإنه بدون أداة التعريف، وبدون إحدى الإضافات التي تكلّمنا عنها آنفًا، فإنه لا يمكن أن تدل كلمة “روح” على الروح القدس، كما يبدو في مثل هذا الذي كتبه بولس للغلاطيين ” أريد أن أتعلم منكم هذا فقط، أبأعمال الناموس أخذتم الروح أم بخبر الإيمان” (غلا3: 2). فأي روح آخر أخذه هؤلاء غير الروح القدس الذي يعطي للذين يؤمنون ويولدون ثانية بغسل الميلاد الثاني. ويكتب للتسالونيكيين ” لا تطفئوا الروح” (1تس5: 19). وهو يقول هذا، لهؤلاء الذين قد عرفوا ذلك الذي أخذوه، حتى لا يطفئوا، عن إهمال، نعمة الروح المشتعل فيهم.

وفي  الأناجيل، عندما تكلّم البشيرين عن المخلّص بتعبيرات بشرية، من أجل الجسد الذي اتخذه “ أما يسوع فرجع من الأردن ممتلئاً من الروح” (لو4: 1) ” ثم أُصعد يسوع إلى البرية من الروح” (مت4: 1)، فإن الكلمة لها نفس المعنى، لأن لوقا قد سبق وقال: ” ولما اعتمد الشعب اعتمد يسوع أيضًا وإذ كان يصلي، انفتحت السماء ونزل عليه الروح القدس بهيئة جسمية مثل حمامة” (لو3: 21ـ22). وواضح هنا، أنه عندما يقول “الروح” فإن المقصود هو “الروح القدس”. وهكذا أيضاً حيث يكون الروح القدس مع البشر، حتى وإن ذكرت كلمة “الروح” بدون أية إضافة، فليس هناك من شك، أنها تعني “الروح القدس” وعلى الأخص، عندما تذكر الكلمة مقترنة بأداة التعريف. 

 

(5)

فهل يمكن لكم أن تجيبوا على سؤالي الذي وجهّته إليكم، إذا كان من الممكن أن تجدوا في مكان ما في الكتاب المقدس، أن الروح القدس سُمِّى ببساطة “روح” دون الإضافات التي تكلّمنا عنها سابقًا؟، ودون الملاحظات التي ذكرناها، أنكم لن تستطيعوا الإجابة، لأنكم لن تجدوا شيئاً مكتوباً مثل هذا.

بل قد كتب في سفر التكوين “وروح الله يرف على وجه المياه” (تك1: 2). وبعد قليل كتب ” لا يبقى بعد روحي بين هؤلاء الناس لأنهم جسد” (تك6: 3). وفي سفر العدد يقول موسى لابن نون ” هل تغار أنت لي“؟ ليت كل شعب الرب كانوا ” أنبياء، عندما يجعل الرب روحه عليهم” (عد11: 29). وفي سفر القضاة قيل عن عُثنئيل ” وكان عليه روح الرب وقضى لإسرائيل” (قض3: 10)، وأيضاً قيل ” وكان روح الرب على يفتاح” (قض11: 29)، وعن شمشون قيل ” فكبر الصبي وباركه الرب، وابتدأ روح الرب يرافقه” (قض13: 24، 25)، ويرنم داود ” روحك القدوس لا تنزعه مني” (مز50: 13)، وأيضاً في المزمور المائة والثاني والأربعين ” روحك الصالح يهديني في أرض مستوية من أجل اسمك يارب، هبني حياة” (مز142: 10، 11)، وكتب في إشعياء ” روح الرب علىَّ لأنه مسحني” (إش61: 1).

وبالإضافة إلى هذا قيل ” ويل لكم أيها البنون المتمردون، هكذا يقول الرب: أنتم تستشيرون استشارة وليس مني، وتقطعون عهوداً وليس بروحي، لتزيدوا خطية على خطية” (إش30: 1). وأيضًا” اسمعوا هذا، لم أتكلم من البدء في الخفاء، منذ وجوده أنا هناك، والآن السيد الرب أرسلني وروحه” (إش48: 16).

وبعد قليل، يقول هكذا ” أما أنا فهذا عهدي معهم قال الرب، روحي الذي عليك” (إش59: 21)، ثم يضيف مباشرةً فيقول ” لا سفير ولا ملاك بل الرب نفسه خلصهم لأنه أحبهم وتراءف عليهم. هو نفسه فداهم وحملهم ورفعهم كل أيام الدهر ولكنهم تمرّدوا واحزنوا روحه القدوس فتحول لهم عدوًا” (إش63: 9- 10). ويقول حزقيال: “وحملني روح وأتى بي إلى أرض الكلدانيين إلى السبي في رؤية بروح الله” (حز11: 24). وفي دانيال ” وبعث الرب الروح القدس في شكل شاب اسمه دانيال وصاح بصوت عظيم أني برئ من دم هذه المرأة” (دانيال قصة سوسنة 45، 46). ويقول ميخا ” إن بيت يعقوب أغاظ روح الرب” (مي2: 7). ويقول الرب على فم يوئيل ” ويكون بعد ذلك أني أسكب من روحي على كل بشر” (يؤ2: 28). وأيضًا على فم زكريا، فإن صوت الله يقول ” لكن اقبلوا كلامي وفرائضي التي أرسلتها بروحي إلى عبيدي الأنبياء” (زك1: 6). وبعد ذلك بقليل، عندما يلوم النبي الشعب، يقول “جعلوا قلوبهم عاصية لئلا يسمعوا شريعتي والكلمات التي أرسلها رب الجنود بروحه عن يد الأنبياء الأولين” (زك7: 12). ومن هذا الذى استدللنا به من العهد القديم، أشرنا بالقليل.

 

(6)

وابحثوا أنتم أيضًا لتقفوا على ما حوته الأناجيل عن هذه الأمور، وما كتبه الرسل، وسوف تعرفون، أن هناك أيضًا، يوجد اختلاف كبير، بين الأرواح فى معنى كلمة الروح، ومن الملاحظ أن الروح القدس لا يُدعى ببساطة “روح” بل يُذكر مع الإضافات التي أشرنا إليها سابقًا.

فبالنسبة للرب، كما سبق وأشرنا، عندما اعتمد كإنسان، بسبب الجسد الذي لبسه، قيل إن الروح القدس نزل عليه (يو1: 32). وإذ أعطاه للتلاميذ، قال “ اقبلوا الروح القدس” (يو20: 22)، وعلّمهم قائلاً: ” وأما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي فهو يعلمكم كل شئ” (يو14: 26). وبعد قليل، قال عن نفس الأمر ” ومتى جاء المعزي الذي أرسله أنا إليكم من الآب، روح الحق الذي من عند الآب ينبثق، فهو يشهد لي” (يو15: 26)، وأيضًا ” لأن لستم أنتم المتكلمين بل روح أبيكم الذي يتكلم فيكم” (مت10: 22)، وبعد قليل قال: ” ولكن إن كنت أنا بروح الله أخرج الشياطين فقد أقبل عليكم ملكوت الله” (لو11: 20). ولكي يُكمّل فيه كل معرفتنا عن الله (أي كل التعليم عن الله) ويتمّم كمالنا الخاص، الذى به وَحّدنا مع شخصه، ومن خلاله مع الآب، أوصى تلاميذه: ” اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس” (مت28: 19)، وإذ وعدهم أنه سوف يرسله إليهم ” أوصاهم أن لا يبرحوا أورشليم” (أع1: 4)، وبعد أيام قليلة ” لما حضر يوم الخمسين، كان الجميع معاً بنفس واحدة، وصار بغتة من السماء صوت كما من هبوب ريح عاصفة، وملأ كل البيت حيث كانوا جالسين. وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنها من نار، واستقرت على كل واحد منهم وامتلأ الجميع من الروح القدس، وابتدءوا يتكلّمون بألسنة أخرى، كما أعطاهم الروح أن ينطقوا” (أع2: 1-4).

ومن ذلك الوقت فصاعدًا، كان الروح القدس يُعطَى للذين وُلدوا ثانية، بوضع أيدي الرسل. وشخص ما يدعى أغابوس، تنبأ به قائلاً “هكذا يقول الروح القدس” (أع21: 11). وبولس يقول: ” التي أقامكم الروح القدس فيها أساقفة، لترعوا كنيسة الله التي أقتناها بدمه” (أع20: 28). وعندما اعتمد الخصي ” خطف روح الرب فيلبس” (أع8: 39). وأيضًا كتب بطرس: ” نائلين غاية إيمانكم خلاص النفوس، الخلاص الذي فتش وبحث عنه أنبياء. الذين تنبأوا عن النعمة التي لأجلكم. باحثين أي وقت أو ما الوقت الذي كان يدل عليه روح المسيح الذي فيهم إذ سبق فشهد بالآلام التي للمسيح والأمجاد التي بعدها” (1بط1: 9ـ11). وكتب يوحنا في رسالته: ” بهذا نعرف أننا نثبت فيه وهو فينا، أنه قد أعطانا من روحه” (1يو4: 13). وكتب بولس للرومانيين:   “ وأما أنتم فلستم في الجسد بل في الروح، إن كان روح الله ساكناً فيكم. ولكن إن كان أحد ليس له روح المسيح فذلك ليس له. وإن كان المسيح فيكم فالجسد ميت بسبب الخطية وأما الروح فحياة بسبب البر. وإن كان روح الذي أقام يسوع من الأموات ساكناً فيكم، فالذي أقام المسيح من الأموات سيحيي أجسادكم المائتة أيضاً بروحه الساكن فيكم” (رو8: 9ـ11). وللكورنثيين: ” لأن الروح يفحص كل شئ حتى أعماق الله. لأن مَن من إنسان يعرف أمور الإنسان إلا روح الإنسان الذي فيه. هكذا أيضاً أمور الله لا يعرفها أحد إلا روح الله. ونحن لم نأخذ روح العالم بل الروح الذي من الله لنعرف الأشياء الموهوبة لنا من الله” (1كو2: 10ـ12). وبعد قليل: ” أما تعلمون أنكم هيكل الله، وروح الله يسكن فيكم” (1كو3: 16)، وأيضًا: ” لكن اغتسلتم بل تقدستم بل تبررتم باسم الرب يسوع وبروح إلهنا” (1كو6: 11). وأيضًا: “ولكن هذه كلها يعملها الروح الواحد بعينه قاسمًا لكل واحد بمفرده كما يشاء” (1كو12: 11)، وأيضًا: ” وأما الرب فهو الروح، وحيث روح الرب هناك حرية” (2كو3: 17).

وانظر أيضًا كيف أرسل للغلاطيين، يقول: ” لتصير بركة إبراهيم للأمم في المسيح يسوع لننال بالإيمان موعد الروح” (غلا3: 14). وأيضًا: ” ثم بما أنكم أبناء أرسل الله روح ابنه إلى قلوبكم صارخًا يا أبا الآب. إذن لست بعد عبدًا بل ابنًا. وإن كنت ابنًا، فوارث لله بالمسيح” (غلا4: 6، 7). وإلى الأفسسيين يقول هكذا: ” لا تحزنوا روح الله القدوس الذي به ختمتم ليوم الفداء” (أف4: 30)، وأيضًا ” مجتهدين أن تحفظوا وحدانية الروح برباط السلام” (أف4: 3). ويكتب إلى الفيلبيين بكل جرأة وحرية: ” فماذا، غير أنه على كل وجه سواء كان بعلة أم بحق ينادي المسيح، وبهذا أنا أفرح، بل سأفرح أيضًا، لأني أعلم أن هذا يؤول لي إلى خلاصي بطلبتكم ومؤازرة روح يسوع المسيح، حسب انتظاري ورجائي أني لا أخزي في شئ” (في1: 18ـ20)، وأيضًا: ” لأننا نحن الختان الذين نعبد الله بالروح ونفتخر في المسيح يسوع” (في3: 3)، وإلى التسالونيكيين، يثبت شاهدًا: ” إذًا من يرذل لا يرذل إنسانًا بل الله الذي أعطانا أيضًا روحه القدوس” (1تس4: 8)، ويكتب للعبرانيين ما يلي: ” معلنًا الروح القدس بهذا أن طريق الأقداس لم يظهر بعد، مادام المسكن الأول له إقامة” (عب9: 8)، وأيضًا: “ فكم عقابًا أشر تظنون أنه يحسب مستحقًا من داس ابن الله وحسب دم العهد الذي قدس به دنساً وازدرى بروح النعمة” (عب10: 29)، وأيضاً “لأنه إن كان دم ثيران وتيوس ورماد عجلة مرشوش على المنجسين يقدس إلى طهارة الجسد، فكم بالحرى يكون دم المسيح الذي بروح أزلي قد نفسه لله بلا عيب يطهر ضمائركم من أعمال ميتة” (عب9: 13ـ14)، ويقول للتسالونيكيين: ” وحينئذ سيستعلن الأثيم الذي يبيده الرب يسوع بروح فمه، ويبطله بظهور مجيئه” (2تس 2: 8).

 

(7)

على هذا النحو، قُدِّم الروح القدس في كل الكتاب المقدس، فلماذا فهمتم الروح، في أقوال النبي عاموس على نحو معين؟ لأن كلمة “روح” لا يقرنها النبي بأداة التعريف، حتى يكون لكم عذر. ولكنكم ببساطة تجرأتم أن تدركوا كما يعلن لكم، وزعمتم أن الروح القدس، مع أنه كان يمكنكم، حتى عن طريق أناس تخصصوا في علم اللغة، أن تقفوا على الاختلاف القائم بين الأرواح، لأنه صار حديث حتى عن روح الإنسان، كما يرنم داود: ” تشاروت مع قلبي ليلاً، وجزعت روحي” (مز76: 7)، يقول باروخ مصليًا: “… النفس في ضيق والروح المكروبة تصرخ إليك” (باروخ3: 1)، وفي ترنيمة الفتية الثلاثة يُقال: ” يا أرواح ونفوس الأبرار باركوا الرب” (دا 3: 63). ويكتب الرسول قائلاً: “ الروح نفسه يشهد لأرواحنا أننا أولاد الله، فإن كنا أولاداً فإننا ورثة أيضًا” (رو16:8و17). وأيضًا: ” لا أحد يعرف أمور الإنسان إلا روح الإنسان الذي فيه” (1كو2: 11). وفي الرسالة إلى التسالونيكيين يصلي قائلاً: ” لتحفظ روحكم ونفسكم وجسدكم كاملة بلا لوم عند مجيء ربنا يسوع المسيح” (1تس5: 23).

وفي سفر التكوين يتحدّث عن الرياح ويسميها “أرواحًا”، كما هو مكتوب:” وأجاز الله روحاً على الأرض فهدأت المياه” (تك8: 1). وفي سفر يونان:      ” فأرسل الرب روحًا شديدة إلى البحر فحدث نوء عظيم في البحر حتى كادت السفينة تنكسر” (يون1: 4). وكتب في المزمور المائة والسادس: ” أمر فأهاج روحاً عاصفة فرفعت أمواجه“(قابل مع مز 107: 25 دار الكتاب المقدس). وفي المزمور المائة والثامن والأربعين: ” سبحي الرب من الأرض يا أيتها التنانين وكل اللجج، النار والبرد والثلج والضباب، الروح العاصفة، الصانعة... كلها كلمته” (مز148: 7و8). وفي حزقيال في مرثاة صور: ” ملاحوك قد أتوا بك في قلب البحر إلى مياه كثيرة. كسرتك روح الجنوب” (حز27: 25، 26).

 

(8)

فإذا قرأتم أنتم أيضًا الكتب المقدسة، تجدون كلمة “روح” مستعملة بالمعنى الموجود في الأقوال الإلهية كما كتب بولس: ” الذي جعلنا كفاه لأن نكون خدام عهد جديد، لا الحرف بل الروح. لأن الحرف يقتل ولكن الروح يحيي” (2كو3: 6)، لأن ما يُنطق به يُكتب بالحروف أما المعنى الذي يتضمنه فهو يدعى “روح”، وهكذا فإننا نعلم أن “ الناموس روحي” (رو7: 14)، كما قال أيضًا: ” حتى نعبد بجدة الروح لا بعتق الحرف” (رو7: 6). وهو نفسه يقول عندما يشكر: ” أشكر الله بيسوع المسيح ربنا إذ أنا نفسي أخدم ناموس الله ولكن بالجسد ناموس الخطية. إذن لا شئ من الدينونة الآن على الذين هم في المسيح يسوع السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح لأن ناموس روح الحياة في المسيح يسوع قد أعتقني من ناموس الخطية والموت” (رو7: 25؛ 8: 1). وإذ رغب فيلبس في تحويل الخصي من الحرف إلى الروح قال له: “ ألعلك تفهم ما أنت تقرأ“. وكان لكالب مثل هذا الروح كما يشهد بذلك قول الرب في سفر العدد: ” أما عبدي كالب فمن أجل أنه كانت معه روح أخرى وقد اتبعني تمامًا، أدخله إلى الأرض التي ذهب إليها” (عد14: 24).

ولأنه تكلّم بذهن مختلف عن ذهن الآخرين فقد صار مرضيًا عند الله. وقد حثّ الله الشعب أن يكون لهم مثل هذا القلب، عندما قال على لسان حزقيال: ” اعملوا لأنفسكم قلبًا جديدًا وروحًا جديدةً“(حز18: 31).

وإذا كانت الأمور على هذا النحو، ومنها تبيّن أن هناك اختلافًا كبيرًا بين الأرواح، فقد كان من الأفضل لكم جدًا، عندما تسمعون عن الروح الذي خلق، أن تفكروا في أحد الأرواح التي سبقت الإشارة إليها. مثل ذلك الروح الذي كتب عنه إشعياء: ” قد تحالف آرام مع أفرايم فرجف قلبه (بيت داود) وقلوب شعبه كرجفان شجر الوعر قدام الروح (الريح)” (إش7: 2). وفي نفس المعنى قيل: ” أرسل الرب روحاً شديداً إلى البحر” (يون1: 4). بسبب يونان، لأن الرعد تتبعه أرواح الرياح، كما بالنسبة إلى المطر الذي حدث في أيام آخاب وكتب عنه: ” بعد برهة وجيزة اسودت السماء من الغيم والروح (الريح)” (1مل8: 45).

(9)

ولكن حيث إن النبوة (عا4: 13) ” أنا هو مؤسس الرعد  وخالق الروح ومعلن للإنسان مسيحه“. فيما يقولون ـ تشير إلى المسيح، فإنه يتبع ذلك، أن الروح المُشار إليه يجب أن يفهم على أنه الروح القدس وليس روحًا آخر. أنتم إذن تظنون أن الروح الذي سمى مع المسيح هو الروح القدس،  ولكن أين وجدتم أن هذا الروح يتميز حسب الطبيعة وينفصل عن الابن حتى أنه ـ بينما تقولون إن المسيح ليس مخلوقاً ـ فإنكم تقولون إن الروح القدس مخلوق؟ إنه من غير اللائق أن تسموا معًا وأن تمجدوا معًا، أشياء تختلف في طبيعتها. لأنه أية شركة توجد وأي شبه يقوم بين المخلوق والخالق؟. لأنكم أنتم أيضًا تضيفون وتقرنون مع الابن المخلوقات التي خُلِقت به. وقد كان هذا إذن كافيًا لكي تدركوا أن المقصود بما كتب هو الإشارة إلى روح الرياح، تمامًا كما سبق وذكرت. ولكن حيث إنكم تتخذون من ذكر المسيح في النبوة حجة، فقد صار من الضروري أن نفحص بالدقة ما قيل، لعلنا نجد المعنى الذي يناسب أكثر، القول بأن الروح قد خلق.

فأي معنى آخر يستنبط من القول، بأنه ” معلن للإنسان مسيحه” سوى أنه هو نفسه صار إنسانًا، وسوى أن هذا القول يشبه قول إشعياء النبي: ” هوذا العذراء تحبل وتلد ابنًا ويدعون اسمه عمانوئيل” (إش7: 14). ويشبه أيضًا الأقوال التي كتبت عن مجيئه؟ فعندما يعلن عن مجيء الكلمة متجسدًا، فأي روح إذن يجب أن ندرك أنه مخلوق، سوى روح الإنسان الذي خُلِق للمرة الثانية ووُلِد ثانيةً وتجدّد؟ لأن هذا هو ما أعلنه على لسان حزقيال قائلاً: ” وأعطيكم قلبًا جديدًا وأجعل روحًا جديدةً في داخلكم وأنزع قلب الحجر من لحمكم وأعطيكم قلب لحم. وأجعل روحي في داخلكم” (حز36: 26و27). فمتى كان هذا إلاّ عندما جاء الرب وجدّد كل الأشياء بنعمته؟ هوذا إذن أيضًا في هذا القول، يتبيّن لنا الاختلاف بين الأرواح. فروحنا هي التي تجدّدت، ولكن الله يقول إن ذلك الروح الذي به تجدّدت أرواحنا هو روحه، كما يقول المرنم في المزمور المئة والثالث: ” تنزع روحها فتموت وإلى ترابها تعود. ترسل روحك فتخلق وتجدّد وجه الأرض” (مز3: 1ـ29و30).

وإذا كنا نتجدّد بروح الله، فإن الروح الذي يُقال عنه الآن إنه خُلِقَ لا يشير إلى الروح القدس، بل إلى روحنا، وإذا كنتم بكل تأكيد تعتقدون اعتقادًا حسنًا أن الابن ليس مخلوقًا لأن كل الأشياء صارت بالكلمة فكيف لا يعتبر تجديفًا أن تقولوا إن الروح القدس مخلوق، وهو الذي فيه بواسطة الكلمة يكمّل الآب كل الأشياء ويجدّدها؟ وإذا كانوا، لمجرد أنه كتب، أن الروح قد خُلِقَ، قد توهموا فيما بينهم أن هذا الروح هو الروح القدس، فيلزمهم الآن بالأكثر أن يقتنعوا أن الروح الذي خُلِقَ ليس هو الروح القدس، بل أن روحنا هو الذي يتجدّد به، والذي من أجله يصلي داود قائلاً: ” قلبًا نقيًا اخلق فيَّ يا الله وروحًا مستقيمًا جدد في داخلي” (مز5: 10). وهنا قد قيل إن الله خلقه، وأما فيما سبق، كما يقول زكريا فإن الله صوَّره كما يقول: “باسط السموات ومؤسس الأرض ومصور روح الإنسان في داخله” (زك12: 1). أي ذاك الذي صوره أولاً، عاد وجدّده بعد السقوط، وذلك بأن جاء هو ذاته إلى الخليقة عندما صار الكلمة جسدًا، كي كما قال الرسول: ” يخلق الاثنين في نفسه إنسانًا واحدًا جديدًا، المخلوق بحسب الله في البر وقداسة الحق” (أف2: 15؛ 4: 24). وهو لا يعني بهذا أنه خلق إنساناً آخر غير الإنسان الذي خُلِقَ من البدء على صورة الله، بل يتكلم عن العقل الذي خُلِقَ وتجدّد في المسيح وينصحهم أن يقبلوه، وهو الأمر الذي يتضح أيضًا من حزقيال عندما يقول هو نفسه: ” اعملوا لأنفسكم قلبًا جديدًا وروحًا جديدةً. فلماذا تموتون يا بيت إسرائيل، لأني لا أُسرّ بموت مَنْ يموت يقول الله الرب” (حز18: 31و32).

 

(10)

فطالما أن “الروح المخلوق” له هذا المعنى، فيجب علينا أيضًا أن ندرك إدراكًا سليمًا معنى الرعد الذى تأسس من قِبل الله أى الكلمة الصادقة وناموس الروح غير المتزعزع. ولأن الرب أراد ليوحنا ويعقوب أن يخدما الكلمة، فقد دعاهما “بوانرجس” أي ” ابني الرعد” (مر3: 17). وبالحقيقة، صرخ يوحنا بهذا من السماء قائلاً: ” في البدء كان الكلمة والكلمة عند الله وكان الكلمة الله” (يو1:1). وأما في القديم فإن الناموس كان له ” ظل الخيرات العتيدة” (عب10: 1)، ولكن عندما أُعلِنَ المسيح للبشر وجاء قائلاً: ” أنا الذي أكلمك هو” (يو4: 26)، عند ذلك صار ـ كما قال بولس: ” صوته زعزع الأرض حينئذ وأما الآن فقد وعد قائلاً أني مرة أيضًا أزلزل لا الأرض فقط بل السماء أيضًا. فقوله مرة يدل على تغيير الأشياء المتزعزعة كمصنوعة لكي تبقى التي لا تتزعزع. لذلك ونحن قابلون ملكوتًا لا يتزعزع ليكن عندنا شكر به نخدم الله خدمة مرضية بخشوع وتقوى” (عب12: 26ـ28). وهذا الذي يقول عنه ملكوتًا لا يتزعزع، يراه داود ثابتًا ويرنم: ” الرب قد ملك. لبس الجلال. لبس الرب القدرة تمنطق بها. أيضاً ثبت المسكونة، لا تتزعزع” (مز93: 1و2). وعلى ذلك فالنص الذي أورده النبي يشير إلى مجيء المخلّص، الذي به نتجدّد، وبه يظل ناموس الروح ثابتًا.

لكن هؤلاء الذين هم “المحرفون” بالحقيقة، قد اتفقوا مع الآريوسيين واقتسموا معهم التجديف على الألوهية، فبينما قال الآريوسيين عن الابن أنه مخلوق قال هؤلاء عن الروح القدس أنه مخلوق. لقد تجاسر “المحرفون”، كما يؤكدون هم أنفسهم، أن يجدوا لأنفسهم طرقاً، وأن يسيئوا تفسير أقوال الرسول بولس، وما كتبه بصواب إلى تيموثيئوس قائلاً: ” أناشدك أمام الله والرب يسوع المسيح والملائكة المختارين أن تحفظ هذا بدون غرض ولا تعمل شيئاً بمحاباة“(1تي5: 21). هؤلاء يؤكدون أنه طالما أن الرسول قد ذكر أولاً: الله والمسيح ثم بعد ذلك ذكر الملائكة، فيلزم أن يحسب الروح القدس مع الملائكة ويكون من طغمتهم وهو ملاك أعظم من الملائكة الآخرين.

وفي البداية كانت هذه البدعة من تعليم فالنتينوس[8]، ولم يستطع هؤلاء أن يتبينوا واقع الأمر من أنهم كانوا يقولون بتعاليمه. كان فالنتينوس يؤكد أنه كما أُرسِل المعزي، أُرسِل معه ملائكة من نفس العمر. أما هؤلاء إذ أنزلوا الروح القدس إلى طغمة الملائكة، فإنهم قد أضافوا الملائكة إلى الثالوث، لأنه إذا كان الملائكة يجيئون بعد الآب والابن ـ حسبما يؤكدون ـ فلقد أصبح واضحًا أن الملائكة ينتمون إلى الثالوث، وهم ليسوا  بعد “ أرواحاً خادمة مرسلة للخدمة” (عب1: 14). ولا ينالون التقديس، بل بالحرى هم أنفسهم يقدِّسون الآخرين.

 

(11)

فما أفظع ما يظهر في أقوالهم من غباء، وللمرة الثانية أتساءل: أين وجدوا في الكتب المقدسة أن الروح القدس يدعى ملاكاً؟ أن الضرورة تدفعني لأن أعيد نفس أقوالي السابقة. أن الروح القدس يدعى: المعزي، وروح التبني، وروح القداسة، وروح الله، وروح المسيح، ولكن لم يحدث في أي مكان أن دعى ملاكًا أو رئيس ملائكة أو روحًا خادمًا كالملائكة بل بالأحرى فإن الروح القدس نفسه يُخدَم مع الابن، كما يبدو من أقوال جبرائيل لمريم: ” الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تظللك” (لو1: 35). فإذا كانت الكتب لم تسمِ الروح القدس ملاكًا، فأي دفاع لهم إزاء هذه الجسارة التي تخالف بشدة، منطق العقل؟، لأن حتى فالنتينوس الذي بذر فيهم مثل هذه العته، قد دعاه المعزي، أما الأرواح الأخرى فدعاها بالملائكة، وإن كان في شدة جهله، في نفس الوقت، يضع الروح القدس مع الملائكة على قدم المساواة من جهة الزمن.

ولكنهم يقولون إن في نبوة زكريا قد كُتب: ” هذه الأمور قالها الملاك الذي تكلم في داخلي” (زك1: 9). وواضح أنه يعني أن الملاك الذي تكلم في داخله هو الروح القدس.

على أنهم ما كان يمكن لهم أن يقولوا هذا القول لو أنهم قرأوا باحتراس، لأن زكريا نفسه عندما رأى الرؤيا التي تختص بالمنارة قال: ” فأجاب الملاك الذي تكلم في داخلي وقال لي أما تعلم ما هذه فقلت لا يا سيدي. فأجاب وكلمني قائلاً هذه كلمة الرب إلى زربابل قائلاً لا بالقدرة ولا بالقوة بل بروحي قال الرب القادر على كل شئ” (زك4: 5و6). فواضح إذن بدرجة كافية، أن هذا الذي تكلّم للنبي كملاك لم يكن هو الروح القدس، ولكنه كان هو نفسه ملاكًا. أما ذاك ” لذي تكلم به” فهو روح الله القدير. وهو يُخدَم من الملاك، وهو روح الكلمة الذي لا ينفصل عن اللاهوت.

ولكن حيث إنهم يتخذون من قول الرسول مبررًا لهم، نظرًا لأنه أشار إلى الملائكة المختارين في وضعٍ تالٍ بعد المسيح، فليوضحوا لنا أي ملاك من هؤلاء الملائكة جميعهم هو الذي يحسب كواحد من الثالوث. لأنه بكل وضوح لا يمكنهم جميعًا أن يكونوا واحدًا من جهة العدد، أو من هو الذي من بينهم، ذاك الذي نزل من الأردن في شكل حمامة؟ لأن الملائكة الذين يخدمون هم: ” ألوف ألوف وربوات ربوات” (دا 7: 10). أو عندما انفتحت السموات، لماذا لم يقل إنه قد نزل من السماء ملاك من الملائكة المختارين بل قيل: “الروح القدس”؟ أو عندما تكلّم الرب نفسه إلى تلاميذه عن نهاية العالم، لماذا ميّز بينه وبين الملائكة وقال: ” يرسل ابن الإنسان ملائكته” (مت24: 41). وقبل هذا الكلام قيل: ” وإذا ملائكة قد جاءت فصارت تخدمه” (مت4: 11)، وأيضًا يقول هو نفسه: ” يخرج الملائكة” (مت13: 49). وأما عندما أعطى الروح القدس للتلاميذ فقد قال: ” اقبلوا الروح القدس” (يو20: 22). وعندما أرسلهم قال: ” اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس” (مت 28: 19).

إنه لم يضف ملاكًا إلى اللاهوت. وكذلك فإنه لم يوحّدنا معه ومع الآب بواسطة مخلوق بل بواسطة الروح القدس. وعندما وعد بالروح القدس فلم يقل أنه سيرسل ملاكاً بل ” روح الحق الذي من عند الآب ينبثق” (يو15: 26)، والذي يأخذ من الابن ويعطي.

 

(12)

وإذا عرف موسى بيقين أن الملائكة مخلوقات، بينما أن الروح القدس متحد مع الابن والآب، فإنه لما قال الله له: ” اذهب وأصعد من هنا أنت وشعبك الذي أصعدته من أرض مصر إلى الأرض التي حلفت لإبراهيم وأسحق ويعقوب قائلاً لنسلكم سوف أعطيها، وأنا أرسل أمام وجهك ملاكي وأطرد الكنعانيين” (خر33: 1، 2)، فاستعفى قائلاً: ” إن لم تسر معنا أنت بنفسك، فلا تصعدني من ههنا” (خر33: 15)، لأنه لم يشأ أن يتقدم الشعب مخلوق، لئلا يتعلّم أن يعبد المخلوق، وليس الله الذي خلق كل الأشياء. وبكل تأكيد فمادام (موسى) قد رفض قبول الملاك، فقد كان يرجو أن يقود الله الشعب بنفسه. أما الله فقد وعده وقال له: ” هذا الأمر أيضًا الذي تكلّمت عنه أفعله. لأنك وجدت نعمة في عيني وعرفتك أكثر من الجميع” (خر33: 17). وكُتِب في إشعياء: ” أين الذي أصعد من الأرض راعي الغنم؟ أين هو الله الذي جعل في وسطهم الروح القدس، الذي قاد موسى بيمينه” (إش63: 11و12)، وبعد ذلك بقليل يقول: ” الروح نزل من عند الرب وقادهم” (إش63: 14). ” هكذا قدت شعبك لتصنع لنفسك أسم مجد” (لا 11: 45). 

فمن ذا الذي لا يدرك الحقيقة من خلال هذه الأمور؟ فعندما وعد الله بأنه سيقودهم، فإنه لم يعد بأن يرسل ملاكًا بل روحه الذي هو فوق الملائكة، وهو نفسه الذي كان يقود الشعب، وهكذا تبيّن أن الروح ليس واحدًا من بين المخلوقات، وهو كذلك ليس ملاكًا، بل هو أعلى من الخليقة، وهو متحد بألوهية الآب. لأن الله نفسه، بالكلمة في الروح[9]، كان يقود الشعب. ومن ثم، فإنه من خلال الكتاب المقدس كله يقول: “ إني أصعدتكم من أرض مصر، وأنتم شهود إن كان هناك إله غريب بينكم سواى” (لا19: 36). والقديسون يخاطبون الله قائلين “هديت شعبك كالغنم” (مز77: 20).

وأيضًا: ” هداهم على الرجاء فلم يجزعوا” (مز27: 53)، وله يرنمون قائلين: ” الذي قاد شعبه في البرية لأن إلى الأبد رحمته” (مز136: 16)، ويتكلّم موسى العظيم باستمرار قائلاً: “ الرب إلهكم السائر أمامكم” (تث1: 30). إذن، فإن روح الله لا يمكن أن يكون ملاكًا ولا مخلوقًا، ولكنه خاص بلاهوته. لأنه عندما يكون الروح القدس مع الشعب، يكون الله معهم بالابن في الروح.

 

(13)

ويقول أيضًا نفس الأشخاص: إذا كانت الأمور تؤخذ على هذا النحو، فلماذا إذن، بعد أن ذكر الرسول، اسم المسيح، لماذا لم يذكر اسم الروح القدس، بل ذكر الملائكة المختارين؟

ويمكن أن يوجه إليهم نفس هذا التساؤل: لماذا لم يذكر بولس أسماء لا رؤساء الملائكة ولا الشاروبيم ولا السيرافيم ولا السيادات ولا العروش ولا أية طغمة أخرى، بل ذكر بولس فقط الملائكة المختارين؟ فإذا لم يكن قد أشار إليهم فهل يعني هذا أن الملائكة هم رؤساء ملائكة أم أنه يوجد ملائكة فقط لا سيرافيم ولا شاروبيم ولا رؤساء ملائكة ولا سيادات ولا عروش ولا رئاسات ولا آية طغمة أخرى؟

وهذا معناه أنه قد وضع على الرسول أن يجيب بالضرورة: لماذا لم يكتب هكذا ولكن كتب باختلاف، ويعني أيضًا أنه يجهل الكتب المقدسة، ولذلك فقد ضل عن الحق، لأنه ها هوذا ما قد كتب في إشعياء: ” تقدموا إلىَّ واسمعوا هذه. لم أتكلم من البدء في الخفاء. منذ أن حدث هذا وأنا هناك. والآن السيد الرب أرسلني وروحه” (إش48: 16). وفي حجي: ” والآن تشدد يا زربابل يقول الرب وتشدد يا يهوشع بن يهو صادق الكاهن العظيم يقول الرب، وتشدد يا جميع شعب الأرض يقول الرب واعملوا فإني معكم يقول الرب ضابط الكل وروحي قائم في وسطكم” (حج2: 4، 5).

فالنبيان يذكران فقط الرب والروح. فماذا سوف يقولون عن هذا؟ لأنهم إذا كانوا قد وضعوا الرب ضمن الملائكة، لأن الرسول إذ ذكر المسيح، صمت عن ذكر الروح وذكر الملائكة المختارين، فلقد صار من المناسب لهم إذن، بناء على أقوال هذين النبيين أن يفكروا بأكثر جرأة عن هذا الذي صمت عنه النبيان. فإذا قبلوا أن الرب هو الابن فماذا سيقولون عن الآب؟ وإذا قبلوا أن الرب هو الآب، فماذا سيقولون عن الابن؟ أي أن النتائج المترتبة على تجديفهم لا يمكن للمرء حتى أن يحسبها. ويكون من الضروري على هؤلاء أن يقولوا إمّا أنه (أي الأقنوم الذي لم يذكر) غير موجود أو أنهم يحسبون هذا الذي صمت عن  ذكره، من بين المخلوقات.

 

(14)

وماذا يمكنهم أن يقولوا عندما يسمعون الرب يقول أيضًا:  ” كان في كورة ما قاضٍ لا يخاف الله ولا يهاب إنسانًا” (لو18: 2). فهل لأنه ذكر الإنسان بعد الله يكون الابن هو ذلك الإنسان الذي لا يهابه القاضي الظالم؟ أم لأنه ذكر الإنسان بعد الله، يكون الابن هو الثالث بعد الإنسان، ويكون الروح القدس هو الرابع؟

وماذا يمكنهم أن يقولوا إذا سمعوا الرسول أيضاً يقول في نفس الرسالة: ” أوصيك أمام الله الذي يحيي الكل ويسوع المسيح الذي شهد لدى بيلاطس بنطيوس بالاعتراف الحسن، أن تحفظ الوصية بلا دنس ولا لوم” (1تي6: 13و14). فهل يشكّون في وجود الروح وكذلك في وجود الملائكة لأن الرسول صمت الآن عن ذكر الملائكة وعن ذكر الروح؟ بكل تأكيد هم يشكّون، حيث إنهم فكروا بمثل هذه الأفكار، وجدفوا على الروح.

وماذا يقولون عندما يسمعون البطريرك يعقوب يبارك يوسف ويقول: ” الله الذي رعاني منذ شبابي إلى هذا اليوم، الملاك الذي خلصني من كل شر يبارك هذين الغلامين” (تك48: 15و16)، فهل يقدّمون الملاك على الابن لأنه ذكر الملاك بعد الله، أو هل يحسبون الابن بين الملائكة؟ نعم، هكذا أيضًا سوف يفكرون بسبب فساد قلبهم.

ولكن الإيمان الرسولي ليس على هذا النحو، ولا يمكن لأي مسيحي أن يحتمل هذا أبدًا. لأن الثالوث القدوس المبارك هو غير منقسم هو متحد في ذاته. وعندما يسمى الآب فهو يتضمن أيضًا كلمته والروح الذي في الابن. وعندما يسمى الابن يكون الآب في الابن ولا يكون الروح خارجًا عن الكلمة. لأن النعمة التي من الآب هي واحدة، وهي تتم بالابن في الروح القدس. وهناك ألوهية واحدة وإله واحد الذي هو ” على الكل وبالكل وفي الكل” (أف4: 6). وهكذا إذن عندما قال بولس: “ أناشدك أمام الله والرب يسوع المسيح” (1تي5: 21). كان يعرف أن الروح لا ينفصل عن الابن وأنه هو نفسه في المسيح كما أن الابن في الآب. ولكنه بالطبع أضاف معهما الملائكة المختارين لأنه كان يعرف أن كل ما كان يقوله كان يقوله كأقوال صادرة من الله بالمسيح في الروح القدس، وأن الملائكة يخدموننا وهم يراقبون أعمال كل منا[10]. وقد ناشد التلميذ لكي يحفظ وصايا المعلم باعتبار أن الملائكة الحارسين شهود على أقواله. أو لعله هو هنا يستدعي الملائكة كشهود، لأن هؤلاء ينظرون على الدوام وجه الآب الذي في السموات (مت18: 4)، وذلك من أجل الصغار الذين في الكنيسة[11]، حتى لا يهمل التلميذ وصايا الرسول.

 

(15)

وإذن فإنه يبدو لي أن هذا هو معنى الأقوال الإلهية[12]، وهو ينقض التجديف غير المعقول الموجه ضد الروح القدس. وحيث إن هؤلاء يستمرون في معارضتهم للحق كما كتبت. فإنهم لا يستندون إلى الكتب المقدسة، لأنهم لا يجدون فيها سند، لكنهم من فيض قلوبهم الخاصة ينطقون ويقولون: ” إذا لم يكن الروح القدس مخلوقًا وإذا لم يكن واحدًا من الملائكة ولكنه منبثقًا من الآب، عندئذ يكون هو أخًا فكيف يدعى الكلمة الوليد الوحيد”[13]؟ وكيف لا يكونان متساويين، حيث إن الواحد منهما يسمى بعد الآب بينما يسمى الآخر بعد الابن؟ وإذا كان من الآب فكيف لا يُقال عنه إنه قد وُلِد أو أنه ابن بل فقط الروح القدس؟ وإن كان الروح القدس هو روح الابن فيكون الآب هو جِد للروح القدس.

هكذا يقول هؤلاء الفجار ساخرين، وهم في فضولهم يرغبون أن يفحصوا أعماق الله  التي لا يعرفها إلا روح الله وحده الذي يجدفون عليه. ويجب علينا إذن أن لا نرد عليهم إطلاقًا حسب الوصية الرسولية (تي3: 10)، بعد الإنذار الذي وجه إليهم مما قد قيل سابقًا، ولنعرض عنهم كهراطقة ولا نتباحث معهم بعد. ولنسألهم نحن على نحو ما يسألون، ثم نطلب منهم أن يجيبونا على نحو ما يطلبونه منا. فعليهم إذن أن يجيبونا أن كان الآب قد وُلِد من أب، وإذا كان هناك آخر قد وُلِد معه ويكون أخًا له من أب واحد وماذا تكون أسماؤهما، ومَنْ هو أب هذا الآب ومَنْ هو جده، ومَنْ هم أجدادهم؟ على أنهم سوف يؤكدون أنه لا يوجد أجداد. فليقولوا لنا إذن كيف يكون الذي لم يُولد من أب، هو نفسه أبًا، وكيف يمكن أن يكون له ابن إذا لم يكن هو نفسه قد وُلِدَ سابقاً كابن؟

إني أدرك أن هذا السؤال كفري. ولكن حيث إن هؤلاء يسخرون على هذا النحو، يكون من العدل أن يُهزأ بهم لكي يستطيعوا أن يشعروا بحماقتهم من هذا السؤال الكفرى غير المعقول. حاشا أن تكون الأمور كذلك، ولا يجب لأحد أن يسأل أسئلة عن اللاهوت على هذا النحو لأن الله ليس مثل الإنسان حتى يجرؤ أحد أن يسأل عنه أسئلة بشرّية.

 

(16)

فيجب علينا إذن أن نصمت من جهة هذه الأمور كما سبق وأشرنا، وألا نشغل أنفسنا مع هؤلاء. ولكن لئلا يخلق صمتنا، فيهم علّة للأفكار الوقحة فليسمعوا هذا: كما إنه لا يمكننا أن نقول أنه يوجد آب للآب هذا لا يمكننا أن نقول أن هناك أخًا للابن. وكما كتبنا سابقًا، أنه لا يوجد إله آخر غير الآب، هكذا أيضًا لا يوجد ابن آخر غير الابن لأنه وحيد الجنس. وكما أن الآب هو وحيد وواحد فهو أب لابن وحيد وواحد. أن اسم “الآب” واسم “الابن” وُجِدا دائمًا ويظلان كما هما بصفة دائمة في اللاهوت فقط. لأنه بين البشر إذا دعى شخص ما أباً فهو قد كان سابقًا ابنًا لآخر. وإذا دعى ابنًا فهو مع ذلك أب لرجل آخر. هكذا بالنسبة للبشر فإن اسم “الآب” و “الابن” لا يظل محتفظًَا دائمًا بمعناه. فإبراهيم الذي كان ابنًا لتارح صار أبًا لأسحق، وأسحق الذي كان ابنًا لإبراهيم صار أبًا ليعقوب، فإن طبيعة البشر تسير على هذا المنوال، لأنهم أجزاء بعضهم من بعض، فكل من يولد يأخذ جزءاً من أبيه لكي يصير هو نفسه أيضاً أباً لآخر.

ولكن في اللاهوت فليس الأمر على هذا النحو. لأن الله ليس مثل الإنسان، وجوهره لا يتجزأ. ومن أجل ذلك فإنه لم يتجزأ لكي يلد الابن حتى يصير أبًا لآخر، لأنه هو نفسه لم يكن من أب، وكذلك فالابن ليس جزءًا من الآب، ولذلك فهو لم يلد كما وُلِدَ هو نفسه، بل هو صورة كلّية للكامل وهو إشعاعه[14]. وفي اللاهوت فقط، فإن الآب هو أب بالمعنى الأصيل والابن هو ابن بالمعني الأصيل. وبالنسبة لهما يكون صحيحًا أن الآب هو أب على الدوام، والابن هو ابن على الدوام. وكما أن الآب لن يكون ابنًا أبدًا كذلك أيضًا لن يصير الابن أبًا مطلقًا. وكما أن الآب لم يكف أبدًا عن أن يكون الآب الوحيد، هكذا فلن يكف الابن أبدًا عن أن يكون الابن الوحيد.

وعلى ذلك يكون من اختلال العقل أن نتصور وجود أخ للابن، وأن نعطي للآب اسم الجد. لأنه لم يحدث مطلقًا أن دعى الروح القدس في الكتب المقدسة ابنًا حتى لا يعتبر أنه أخ للابن وكذلك لم يدع ابنًا للابن حتى لا يعتبر أن الآب جد. لكن الابن دعى ابنًا للآب، والروح دعى روح الآب. وهكذا يكون لاهوت الثالوث القدوس واحدًا والإيمان به واحدًا.

 

(17)

         وهكذا يكون من غير المعقول أن ندعو الروح مخلوقًا، لأنه لو كان مخلوقًا لما كان من الممكن أن يحسب مع الثالوث القدوس لأن كل الثالوث هو إله واحد. ويكفي لنا أن نعرف أن الروح ليس مخلوقًا ولا يحسب ضمن المخلوقات لأن الثالوث لا يختلط به أي شئ غريب، وهو غير قابل للتقسيم وهو متماثل مع ذاته. هذه الحقائق كافية للمؤمنين. وإلى هذا الحد تبلغ المعرفة البشرية. وعند هذا الحد تحجب الشاروبيم بأجنحتها. أما من يريد أن يبحث ما هو أبعد من ذلك فهو يخالف ذلك قال: “ لا تكن حكيمًا بزيادة حتى لا تربك نفسك” (جا7: 16).

         لأن هذا الذي سلّم إلينا بواسطة الإيمان لا يجوز لنا أن نقيّمه بمقاييس الحكمة البشرية بل بسمع الإيمان. لأن أي عقل يمكنه أن يفسر بإحكام، الأمور التي تعلو على الطبيعة المخلوقة؟. وأي سمع يمكنه أن يدرك الأشياء التي لا يسوغ للبشر أن يسمعوها أو أن ينطقوا بها؟. لأن ما سمعه بولس فقد تكلّم به. أما عن الله نفسه فيقول: “ ما أبعد طرقه عن الاستقصاء لأن من عرف فكر الرب أو من صار له مشيرًا” (رو11: 23و24). وإبراهيم لم يقحم نفسه بفضول ولم يباحث من تكلّم معه بل ” آمن فحسب له برًا” (رو4: 3). وعلى هذا النحو أيضًا دعى موسى ” خادمًا أمينًا” (عب5:3).

         أما إن كان الذين لهم نفس فكر آريوس لا يستطيعون أن يدركوا ولا أن يؤمنوا أن الثالوث القدوس غير قابل للتقسيم لأن الحكمة لا تدخل عقولهم غير المصقولة، فعليهم أن لا يسيئوا تفسير الحق لهذا السبب ولا أن يقولوا أن ما لا يستطيعون أن يدركوه هو غير موجود فالآريوسيون، إذ  لم يستطيعوا أن يدركوا كيف أن الثالوث القدوس غير قابل للتقسيم جعلوا الابن واحدًا من المخلوقات، أما “المحرّفون” فيحسبون الروح القدس ضمن المخلوقات. ولكنهم كان يجب عليهم أما أن يصمتوا تمامًا بسبب عدم فهمهم، فلا يضع الآريوسيون الابن ضمن المخلوقات، ولا يضع المحرّفون الروح القدس ضمن المخلوقات. أو أن يدركوا المكتوب ويوحّدوا الابن مع الآب ولا يفصلوا الروح القدس عن الابن حتى يمكنهم أن يحافظوا حقيقة على وحدة الطبيعة غير المنقسمة التى للثالوث القدوس. وحيث إن هؤلاء قد تعلموا هذه الأمور كان يجب عليهم أن لا يتجرأوا ويسألوا بشك، كيف يمكن أن تحدث هذه الأمور حتى لا يبتدعوا آراء خاطئة عندما يكون الشخص الذي يسألونه عاجزًا عن الإجابة. لأنه من غير الممكن بالنسبة لجميع المخلوقات وعلى الأخص بالنسبة لنا نحن البشر أن نتكلّم بجدارة عن الأمور المكتومة. والأكثر سوءًا، أننا عندما لا نستطيع أن نتكلّم عن هذه الأمور، فأننا نخترع كلمات جديدة مخالفة لما في الكتب المقدسة. وفضلاً عن ذلك فإن مثل هذه المحاولة هي غير معقولة سواء بالنسبة للسائل أو بالنسبة لمن يحاول الإجابة بطريقة ما. لأن من يسأل أسئلة على هذا النحو عن المخلوقات فلا يعتبر تفكيره سليمًا.

 

(18)

         وليتجاسر هؤلاء الذين يجيبون بسهولة على كل شئ، أن يخبرونا كيف خُلِقت السموات، ومن آية مادة، وطبيعة تكوينها، أو كيف خُلِقت الشمس وكل واحد من الكواكب. وليس هناك أية غرابة إذا كشفنا جهلهم بالنسبة للأشياء التي فوقنا ونحن بكل تأكيد نجهل كيف خُلِقت وما هي طبيعة النباتات التي توجد هنا تحت، والمياه، والحيوانات، بل أنهم سوف لا يستطيعون أن يجيبوا على هذه التساؤلات. لأنه حتى سليمان وهو الأكثر حكمة من الجميع، رأى أنه من غير الممكن للإنسان أن يكتشف هذه الأمور وكان يقول: “ جعل الأبدية في قلبهم، ومع ذلك لا يستطيع الإنسان أن يدرك العمل الذي عمله الله من البداية إلى النهاية” (جا3: 11). وحيث إنهم لم يستطيعوا أن يدركوها فإنهم أيضًا لم يعترفوا بها. نعم أنهم لم يعترفوا بها لأن عقولهم قد انحرفت. وعلى ذلك يمكن للمرء أن يسألهم قائلاً: “يا عديمي العقل يا متجاسرين دائمًا، لماذا لا تكفون بالحرى عن أسئلتكم الفضولية عن الثالوث القدوس؟، ولماذا لا تؤمنون فقط أنه موجود؟ متخذين الرسول معلمًا لكم في هذا الأمر عندما يقول: “ يجب أن الذى يأتى إلى الله يؤمن بأنه موجود وأنه يجازي الذين يطلبونه” (عب11: 6). لأنه لم يقل كيف يوجد ولكنه قال فقط “إنه موجود”. فإذا لم يكونوا، بعد كل هذا قد أخفوا وجوههم من الخجل فليقولوا لنا كيف يوجد الآب حتى يمكنهم أيضًا أن يعلموا كيف يوجد كلمته.

         وإن كانوا سيقولون أنه من غير اللائق أن نتساءل هكذا عن الآب، فدعهم يسمعون أنه أيضًا من غير اللائق أن نتساءل هكذا عن كلمته أيضًا.

[1] يرى القديس أثناسيوس أن انحراف “التروبيكيين” من جهة الروح القدس هو انحراف مزدوج. فأولاً: هم يدعون الروح القدس مخلوقًا من ناحية، ثانيًا: يقولون إن الروح مختلف عن الملائكة في= =الرتبة فقط وليس في الطبيعة.

[2] هذا الجزء من الرسالة الأولى يعتبر مقدمة للفصول من 19ـ31 ونجد فيها ثلاث نقاط من تعليم القديس أثناسيوس وهي:

1 ـ إن الروح له نفس الوحدة مع الابن مثل الوحدة التي للابن مع الآب. ورغم أن العلاقتين هما من نفس النوع ولكن كل منهما تمثل علاقة خاصة. فالروح ليس أبناً مثل الابن بالنسبة للآب (انظر فصول 15، 16 من الرسالة الأولى). والروح هو في الابن كما أن الابن هو في الآب (انظر فصل 19 من الرسالة الأولى).

2ـ وتبعًا لذلك فألوهية الروح القدس متعلقة بألوهية الابن، بالضرورة وكل كلام عن مخلوقية الروح يعني بالضرورة أن الابن مخلوق (فضل 21 من الرسالة الأولى).

3ـ حيث إن الكتاب المقدس والتقليد يعلنان أن الإلوهية قائمة في ثالوث، فالقول بأن الروح مخلوق لا يحفظ وحدة الله وكماله سليمتين ويجعل المعمودية بلا فاعلية. (انظر فصول 28ـ31 من الرسالة الأولى).

[3] هي الكلمة اليونانية التي تعني التعليم عن الله. Θεολογία من كلمة Θεός ، وكلمة λόγος.

[4] لأنهم ـ حسب توهمهم الخاص ـ يعتبرون الروح القدس هو أحد المخلوقات.

[5] الكلمة اليونانية المترجمة ينبثق مكونة من مقطعين ἐκ-πορεύω والأداة εκ تعني يخرج من، وتشير إلى الأصل. وكلها تعني ينبثق من. وهنا يستعمل القديس أثناسيوس الفعل اليوناني المستعمل في الإنجيل حسب (يوحنا 15: 26) “روح الحق الذي من عند الآب” ينبثق” . ونفس الفعل استعمله قانون الإيمان النيقي القسطنطيني عن الروح القدس “الرب المحي المنبثق من الآب”. والقديس= =أثناسيوس هنا عندما يتحدث عن علاقة الروح القدس بالآب يقول أنه ينبثق (أو يأخذ وجوده) منه، ولكنه عندما يتحدث عن علاقة الروح بالابن لم يقل أنه ينبثق منه بل قال عنه “الذي بسبب أنه روح الابن، أعطى بواسطته للتلاميذ، ولجميع الذين آمنوا به”.

[6] ترجمت في ترجمة دار الكتاب المقدس وفي الترجمة السبعينية بالإنجليزية وفي ترجمات أخرى بكلمة “الريح”.

[7] ويقصد بها في هذا الموضع، الابن.

[8] هو أستاذ مصري علّم أولاً في الإسكندرية، ولكنه كغيره من الهراطقة، وسّع مجال تعليمه فذهب إلى روما حيث أسس هناك مدرسة وذلك قبل عام 150م. ولما حرم من الكنيسة أنشأ جماعة خاصة مستقلة، وقد ألف عدة كتب، وله عدة رسائل وأناشيد، ولكن القليل غير المهم هو الذي بقى، وهو أحد الهراطقة الغنوسين المشهورين.

[9] واضح هنا أن القديس أثناسيوس يرى في (إش63: 14) إشارة للأقانيم الثلاثة في الله، وإلى نزول الروح القدس من الابن بمشيئة الآب.

[10] يذكر القديس أثناسيوس أن عمل الملائكة بالنسبة للمؤمنين لا يقتصر على حراستهم والعناية بهم، ولكنهم أيضاً يلاحظونهم ويراقبون أعمالهم.

[11] يشير أوريجينوس في كتابه  المبادئ “أن كل مؤمن حتى أصغر واحد يتولى حراسته ملاك وهو ممن قيل عنهم إنهم ينظرون وجه الآب الذي في السموات” (المبادئ 7:10:2).

[12] تدخل حجة أثناسيوس ابتداء من هنا مرحلة جديدة: فبعد أن أنهى أثناسيوس على البراهين التي يستند عليها “التروبيكيون” في فهمهم للآيات، يتحول أثناسيوس لمواجهة معارضة مبنية على سوء فهم العلاقات داخل الألوهية الواحدة. ويكرس لهذا الغرض الفصول من 15 إلى 21 من هذه الرسالة والتي تشكل قلب هذا البحث بالترتيب التالي: =

= أ ـ ففي فصل 15 يقدم المعارضة.

ب ـ وفي فصل 16 ينقد المعارضة ويبيّن أنها تناقض نفسها من الداخل لأنها مبنية على فهم خاطئ عن الأبوة في الله.

ج ـ في فصلي 17، 18 ينقد المعارضة لأنها تصور جنوني.

د ـ وفي الفصول الثلاثة الأخيرة من 19ـ21 يقدم الخطوط التي ينبغي أن يبني عليها التعليم الصحيح عن الثالوث.

[13]الوحيد” هي في الأصل اليوناني “μονογενής ” وتعني الوحيد أو الفريد، وأيضًا تعني “الوليد الوحيد” وبهذا المعنى يرى “ديديموس الأسكندرى” أنها وحدها تكفي لتمييز الابن عن الروح القدس (عن الثالوث الكتاب الثانى 447ج ).

[14] انظر المقالة الثانية ضد الآريوسيين حيث يقول القديس أثناسيوس : “هو كإشعاع النور مولود كامل من كامل ولهذا فهو الله كما أنه صورة الله” (ضد الآريوسيين 2: 35 ترجمة الأستاذ صموئيل كامل، والدكتور نصحي عبد الشهيد نشر مركز دراسات الآباء يناير 1984). والقديس أثناسيوس هنا يصحح بواسطة “مفهوم الصورة”، سوء استخدام الآريوسيين لتطبيق التوالد في عالم البشر على بنوة المسيح الإلهية. وتكرار استعماله لألفاظ: “كلّى… وكامل” يشير إلى تكامل وكمال وعدم تجزؤ الطبيعة الإلهية في مقابل الانقسام والتجزؤ في طبيعة البشر. فيؤكد أن الابن ليس صورة منعكسة من الآب أو منبعثة بل هو الصورة الكاملة لكل ما هو الله في جوهره. 

وكما أن استعمال لفظ “ὅλος   يستبعد معنى التجزؤ والنقص، هكذا فإن لفظ  εἴκον ” تتضمن وحدة الابن مع الآب ووجوده في الآب. ويقول القديس أثناسيوس في مقالته الأولى ضد= =الآريوسيين “إن أعداء الله هؤلاء إنما يخترعون تشنيعات وافتراءات إذ أنهم لكي لا يعترفوا بأن الابن هو صورة الآب، فأنهم يتصورون صفات جسدية وأرضية فيما يخص الآب ذاته، ناسبين إليه التقسيمات والتوالد والحمل” (ضد الآريوسيين1: 20 ترجمة الأستاذ صموئيل كامل والدكتور نصحي عبد الشهيد يناير 1984).

 

رسائل عن الروح القدس ج1 للقديس أثناسيوس الرسولي

مقدمة الرسائل عن الروح القدس للقديس أثناسيوس الرسولي

مقدمة الرسائل عن الروح القدس للقديس أثناسيوس الرسولي

 

مقدمة الرسائل عن الروح القدس للقديس أثناسيوس الرسولي

 

الـرسائل عن الروح القدس

إلى الأسقف سرابيون

للقديس أثناسيوس الرسـولي

ترجمها عن اليونانية

وأعد المقدمة والملاحظات

دكتور: موريس تاوضروس ـ دكتور: نصحي عبد الشهيد

 

 

مقدمة

أولاً: تاريخ كتابة الرسائل عن الروح القدس

يرجع تاريخ هذه الرسائل إلى فترة النفي الثالث للقديس أثناسيوس بين فبراير سنة 356م – ونوفمبر سنة 361م. ونعرف من كتاب، أبيفانيوس أسقف قبرص عن الهرطقات (Haer. Lxxiii-25) أن بتوليماييس “Ptolemaeus” حضر مجمع سلوكية سنة 359م، كأسقف لـ “Thmuis” تمويس[1]، فلو أننا استنتجنا من هذا أن القديس سرابيون كان قد انتقل إلى السماء في ذلك الوقت، لكانت مشكلة تحديد تاريخ كتابة هذه الرسائل، أسهل جدًا. ولكن هناك احتمال أنه كان في ذلك الوقت منفيًا أو مبعدًا. كما أن هناك دليل ما يوضح أنه كان لا يزال حيًا بعد هذا التاريخ، ففي كتاب “لاونتيوس Leontius” (Adv. Froudes, Apollinaristram). هناك فقرة من خطاب مرسل من أبوليناريوس إلى سرابيون، يمدح رسالة أرسلها أثناسيوس إلى كورنثوس عن التجسد. هذه الفقرة لا يمكن إلاّ أن تكون إشارة إلى رسالة أثناسيوس إلى أبكتيتوس “Ad. Epictatus”.

وللأسف فإن تاريخ هذه الرسالة يصعب تحديده. غير أنه يمكن أن نأخذ فى اعتبارنا بعض الحقائق التى توضحها الرسائل وذلك لتحديد زمن كتابة الرسائل وهى كالآتي:

1ـ أن القديس أثناسيوس كان في البرية، وكان أعداؤه يبحثون عنه بتحفز (رسالة1:1).

ومن الواضح أن أثناسيوس لم يغادر الإسكندرية حتى وقت متأخر في سنة 358م. فجدول تعييد الفصح (Festel Index)، يتحدث عنه على أنه مختفي في المدينة خلال عامي 357م ـ 358م وفي أواخر صيف سنة 358م، كانت المشاعر تتصاعد بشدة ضد الآريوسيين، حتى أن البطريرك المغتصب جوارجيوس، تم طرده واستعاد الأرثوذكس ملكية الكنائس لعدة أسابيع. وعندئذ شدّد رجال السلطة قبضتهم، وفي ديسمبر من نفس العام دخل “سيبستيان Sebastian” الإسكندرية. وتتحدث الرسالة الفصحية رقم 32 (Fest. Ind. xxxii) عن أن “ارتيميوس Artemius” كان يبحث عن أثناسيوس في سنتي 359م ،360م، ونعرف أن بحث أرتيميوس عنه أمتد حتى طيبة[2]. ويبدو مرجحًا جدًا أن أثناسيوس يشير في هذه الرسالة إلى نشاط أرتيميوس في البحث عنه.

2ـ لم يكن أثناسيوس محتاجًا أن يضيف شيئًا إلى ما سبق أن كتبه ضد الآريوسيين (انظر الرسالة الأولى إلى سرابيون1: 2). وهذا يعني بالضرورة أن المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين كانت قد كتبت قبل ذلك وانتشرت.

أما زمن كتابة هذه الرسائل عن الروح القدس فقد اختلف الباحثون في تحديده فيما بين سنة 338م وحتى سنة 359م.

فيرجح تشابلاند “C. R. B. Shapland”[3] أن تاريخ كتابة الرسائل هو حوالي 358م وليس قبل ذلك، ويعطي الأسباب لترجيح هذا التاريخ:

أ ـ أن الرسائل كتبت ضد أشخاص كانوا قد انفصلوا عن الآريوسيين. ورغم أنه لم يحدد تاريخ انفصالهم عنهم إلا أنه من المقبول أن نفترض أنه لم يحدث قبل فترة طويلة من مكاتبة سرابيون إلى أثناسيوس. مثل هذا الانفصال عن الآريوسية يتوافق تمامًا مع رد الفعل ضد سوء معاملة الأسقف الدخيل جوارجيوس الكبادوكي في سبتمبر ـ أكتوبر 358م.

ب ـ ذكر الأونوميين في (رسالة4: 5)، يشير إلى نفس الاتجاه، فأثناء زيارة أونوميوس للأسكندرية سنة 356م ـ 358م، يبدو أنه كان يشغل وضعًا ثانويًا كسكرتير لـ اتيوس “Aetius”، ولكن بعد رحيله إلى إنطاكية فيما بعد، صار في طليعة الأونوميين.

ج ـ وأخيرًا يلزمنا أن نأخذ في اعتبارنا العلاقة بين هذه الرسائل، وبين كتابه عن المجامع “De Synodis” فالتأكيد على الكيان الشخصي “Personal Subsistance” لكل من الآب والابن والروح في (رسالة1: 28؛ 2: 3) والتفسير الذي يعطيه “لكلمةὁμοούσιος ” “هوموأوسيوس” والتي تعني: من نفس الجوهر مع الآب أي التساوي في الجوهر، في نفس الموضع، إنما يؤكد بالأحرى على التساوي بين الأقانيم الثلاثة أكثر مما يركز على وحدتهم.

 

ثانيًا: من هم الـ ”تروبيكيون ـ Tropici ”؟

( أ ) إشارات القديس أثناسيوس عنهم.

يذكر القديس أثناسيوس في رسالته الأولى إلى سرابيون، “الـ تروبيكيين”، “المحرفين” أربع مرات، فيقول:

1 ـ [لكن هؤلاء، الذين هم “المحرفون” قد اتفقوا مع الآريوسيين واقتسموا معهم التجديف على اللاهوت. فبينما قال الآريوسيون عن الابن أنه مخلوق، قال هؤلاء عن الروح القدس أنه مخلوق. لقد تجاسر “المحرفون” أن يجدوا لأنفسهم طرقًا وأن يسيئوا تفسير أقوال الرسول بولس عندما كتب إلى تيموثيئوس ” أناشدك أمام الله والرب يسوع المسيح والملائكة المختارين…” هؤلاء يؤكدون أنه طالما أن الرسول قد سمى أولاً الله والمسيح ثم بعد ذلك سمى الملائكة، فيلزم أن يحسب الروح القدس مع الملائكة ويكون من طغمتهم، وهو ملاك أعظم من الملائكة الآخرين] (الرسالة الأولى: فصل10).

2 ـ [الآريوسيون إذ لم يستطيعوا أن يدركوا كيف أن الثالوث القدوس غير قابل للتقسيم جعلوا الابن واحدًا من المخلوقات، أما المحرفون فيحسبون الروح القدس ضمن المخلوقات] (الرسالة الأولى:17).

3 ـ [وفيما يخص أقوال كل من النبي والرسول، التي خدعوا أنفسهم بتحريفهم إياها، فإن هذه العبارات تكفي لكي تبين أقوال هؤلاء “المحرفين” الشريرة، التي أدى إليها جهلهم] (21:1).

4 ـ [ولكن ابتداع “المحرفين” غير المعقول والخرافي يتناقض من ناحية مع الكتب المقدسة ومن ناحية أخرى يتفق مع عدم عقلانية الآريوسيين المجانين. أنه من الطبيعي بالنسبة لهم (أي المحرفين) أن يتظاهروا هكذا ليخدعوا البسطاء] (32:1).

 

( ب ) كان آريوس يعتقد أن الروح القدس من جوهر مختلف عن جوهر الآب، ورغم أن مسألة الروح القدس لم تثر في مجمع نيقية (325م) إلاّ أن عدم اعتراف الآريوسيين بألوهية الابن وعدم اعتبارهم إياه أنه من جوهر الآب نفسه، كان يتضمن أيضًا عدم الاعتراف بألوهية الروح القدس دون أن يكون ذلك واضحًا في البداية. كل هذا مهد الطريق بعد أن هدأت الثورة الآريوسية قليلاً، إلى ظهور أفكار عند البعض لا تعترف أن الروح من نفس جوهر الآب والابن. فالآريوسيون المتأخرون مثل أتيوس “Aetius” وأونوميوس “Eunomius” يعتبرون الروح القدس أنه أسمى المخلوقات التي خلقها الابن بناء على أمر الآب، كما يعتبرونه مصدر الاستنارة والتقديس.

         وفي سنة 359م، 360م أخبر القديس سرابيون أسقف تمويس “Thumuis” القديس أثناسيوس في رسالة أرسلها إليه، أن هناك مجموعة من المسيحيين في مصر لا يؤمنون بألوهية الروح القدس رغم أنهم يعترفون بألوهية الابن، وقد رد القديس  أثناسيوس على رسالة الأسقف سرابيون بهذه الرسائل التي يسمى فيها هؤلاء الأشخاص بالـ “تروبيكى Tropici”، نظرًا لأنهم يفسرون نصوص الكتاب التي تتعارض مع تعليمهم تفسيرًا محرفًا. فهم يقولون إن الروح القدس مخلوق من العدم[4]. وعلى وجه التحديد يقولون إن الروح القدس ملاك أعلى من بقية الملائكة في الرتبة، ولكنهم يحسبونه ضمن الأرواح الخادمة المذكورة في (عب1: 14)[5]، ونتيجة لذلك فهو حسب رأيهم من جوهر آخر مختلف عن جوهر الآب والابن[6].

ومن المحتمل جدًا أن “التروبيك” رغم أنهم كانوا سابقين لمن سموا “بمحاربي الروح” المتأخرين عنهم، إلا أنهم كانوا بدعة محلّية في مصر، ولم يكن لهم علاقة مباشرة “بمحاربي الروح” المعاصرين لانعقاد مجمع القسطنطينية المسكوني الثاني سنة 381م.

وإذا قارنا بين تعليم “التروبيكيين” وبين تعليم “محاربى الروح” المتأخرين الذين اشتهروا باسم “المقدونيين”، نجد أن هناك جوانب تشابه هامة، كما أن هناك بعض نقاط اختلاف ذات أهمية: “فالمقدونيون” لا يدعون “الروح”، “ربًا”، كما أنهم يرفضون أن يُمجد مع الآب، فهو عندهم ليس “عاملاً مع الله” “συνεργός” لأنه لا يخلق ولا يعطي الحياة، وهو مثل الملائكة “خادم” “ὐπερέτης” لله، وأداة له. ومع ذلك فلا يعتبر ملاكًا، ولا أحد المخلوقات. وهو ليس غير مشابه للآب والابن، فهو “إلهي Θείος” ولكنه ليس “إلهًا Θεός”، وهو مبتدئ ولكنه ليس مخلوقًا، وهو فرد متميز، وله “طبيعة متوسطة”. أما تعليم التروبيكيين فهو بالمقارنة مع “المقدونيين” يعتبر بعيدًا عن الغموض، وذا وضوح قاطع وتفكير متناسق، فهم يقولون أن الروح مخلوق يختلف عن الملائكة في الدرجة فقط. فهو عندهم في واقع الأمر ملاك كما أنه مخلوق[7]، كما أنهم يعتقدون بأنه لا يشبه الابن.

ويلاحظ أن كل من “التروبيكيين والمقدونيين”، ادّعوا أنهم يؤسسون تعليمهم على الكتاب المقدس. وبينما يذكر أثناسيوس أن “التروبيكيين” يستشهدون بثلاث آيات، فإن المقدونيين يستندون في تفسيراتهم عن الروح إلى العديد من الآيات، ويشرحونها بطريقتهم. فقد استخدموا مجموعة من المقاطع التي استخرجوا منها، أن الروح أقل من الآب والابن، أو أن تلك المقاطع في مدلولها تبدو كما لو كانت تعني أن الروح ليس له مكان في الحياة الإلهية ولا في فاعليتها، ولكن يلاحظ أن الآيات الثلاث التي أستند إليها “التروبيكيون” هي ضمن الآيات الكثيرة التي أستخدمها المقدونيون في نظرتهم للروح القدس.

 

ثالثًا: تعليم القديس أثناسيوس عن الروح القدس

بالنسبة للقديس أثناسيوس، فإن التعليم عن الروح القدس مرتبط بعلاقة وثيقة جدًا بالتعليم عن الابن. ويصر القديس أثناسيوس على هذه العلاقة الوثيقة بين الابن والروح ويؤكد أن “التروبيكية” تتناقض مع تعليم الكنيسة الثابت، وهذا التقييم الذي وصل إليه القديس أثناسيوس من جهة هذه البدعة، ليس مجرد خطة تكتيكية لدحض مقاوميه بل هو مبدأ سليم حسب أساسيات العقيدة. فإن قضية الروح القدس نشأت من داخل الحديث عن قضية الابن، فقد كانت قضية الروح محنة من داخل محنة أخرى. فالعقيدة المسيحية عن الله في شموليتها، كانت تعتمد على هذه القضية. فلو كان القديس أثناسيوس قد أستسلم للتروبيكيين أو أذعن لهم في احتساب الروح مع المخلوقات، لاقتضى منه هذا أن يتخلى عن كل ما جاهد لأجله. ويمكن أن نفهم إلى أي مدى كان القديس أثناسيوس متحققًا بوضوح من هذه العلاقة، من إشاراته إلى الروح في مقالاته الثلاث ضد الآريوسيين، (Contra Arianos I,II,III) وهى كالآتى:

1 ـ الروح القدس مرسل ومعطى بواسطة الابن كخاصته (ضد الآريوسيين1: 47، 48).

2 ـ المساواة بين الروح والابن فى الجوهر (ضد الآريوسيين1: 50).

3 ـ الروح هو بنوع خاص عطية الله، وإرساله من الابن يثبت ألوهية الابن (ضد الآريوسيين 2: 18).

4 ـ الروح في الثالوث هو كنشاط النور الذي في الشعاع الآتي من الشمس (ضد الآريوسيين 3: 15). وقد أوضح القديس أثناسيوس هذه العلاقة بين الروح والابن (في الرسالة الأولى إلى سرابيون: 19) إذ يقول “حيث إن الآب نور والابن هو شعاع….. فيمكننا أن نرى في الابن “الروح” الذي بواسطته نستنير”.

5 ـ الله حال فينا، بسكنى الروح القدس (ضد الآريوسيين 3: 24).

هذه الاعتبارات تكفي للرد على القول بأن الإيمان بألوهية الروح القدس، هو أمر التقطه أثناء سفره في روما والغرب. فتعليمه عن الروح ليس مجرد فضلة زائدة ملصقة بعقيدته في الابن، فالتعليم عن الابن والتعليم عن الروح ينبع كل منهما من الآخر بطريقة طبيعية وحتمية. فالتعليميان متكاملان تمامًا. ولكن لإصرار أثناسيوس على أننا نستقي معرفتنا للروح من معرفتنا للابن، فإنه يكشف ليس فقط تقديرًا دقيقًا للاتجاه المعاصر له من جهة الفكر اللاهوتي، بل أيضًا فهمًا عميقًا وقويًا لموضوعه.

ونحن نجد هنا عند أثناسيوس مرة أخرى، مفهوم العهد الجديد عن الروح القدس: أنه روح الابن، ليس فقط لأن الابن يعطيه ويرسله، بل لأن الروح هو الذي يحقق حياة المسيح فينا. فخدمة الروح القدس هي خدمة الابن، وكل ما يعمله الابن إنما يتحقق في الروح القدس (رسالة 1: 19، 20). ويمكننا أن نقول بحق عن أثناسيوس ما قاله ليبرتون J. Lebreton عن بولس: “المسيح يقف وراء فهمه للروح”، إذ أن القديس أثناسيوس يقول: لأنه لا يوجد شئ لم يخلق ولم يعمل بالكلمة في الروح (رسالة1: 31). فهذه الصيغة “بالكلمة في الروح” المبنية على (1كو 8: 6؛ 1كو 12: 3) وغيرها تتكرر مرة بعد الأخرى في هذه الرسائل (رسالة 1: 9، 12، 24، 25، 30؛ ورسالة 3: 5).

فالعمل الإلهى كما يفهمه القديس أثناسيوس يبتدئ من الآب ويتحقق بواسطة الابن في الروح القدس. لهذا يقول:

1 ـ الروح هو الأنيرجيا ἐνέργια أى energy والأنيرجيا تعني الفعل أو القوة أو الطاقة (انظر رسالة 1: 20) إذ يقول: ” القوة الحيّوية والعطية التي بها يقدس الكلمة الحي ويضئ، تنبثق من الآب، لأنها من الابن الذي يُعترف أنه من الآب، فالآب يرسل الابن والابن يرسل الروح”. وانظر رسالة1: 30 حيث يقول فى تعليقه على (1كو 12: 4ـ6) حينما يتكلم الرسول بولس عن المواهب والخدم وأنواع أعمال، (إنيرجياenergy )، يقول: “المواهب التي يقسّمها الروح لكل واحد تُمنح من الآب بالكلمة. لأن كل ما هو من الآب هو من الابن أيضًا. وإذن فتلك الأشياء التي تُعطَى من الابن في الروح هي مواهب الآب. وحينما يكون الروح فينا، فالكلمة الذي يعطى الروح يكون أيضًا فينا”.

2 ـ وفى رسالته الثالثة:5 يقول إن: “الأشياء المخلوقة بالكلمة تنال قوة الوجود من الكلمة بالروح”. وهذه العبارة تعني أن القديس أثناسيوس ينظر إلى الروح على أنه هو الذي يُعطي تحقيقًا واقعيًا لقوة الله وعمله. ويبلغ بالعمل إلى غايته المحدّدة… فالروح هو روح القوة والمعطى الحيوية ومكمّل أعمال الله.

ويقول أثناسيوس عن الروح أنه “النور” الذي به نستنير فيكتب هكذا: [حيث إن الآب نور والابن هو شعاعه… ويمكننا أن نرى في الابن “الروح” الذي بواسطته نستنير… ولكن حينما نستنير بالروح فالمسيح هو الذي ينير في الروح لأنه يقول: ” كان النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان آتيًا إلى العالم” (يو1: 9)]. فالشعاع يدل على ما تشعه الشمس، والنور يدل على ما تستقبله العين، وهو الذي يحقق ويكمّل كل عملية الإنارة في المتقبل الذي يستنير.

هذا الخط الفكري يرتبط في  يسر شديد بعمل الروح في تقديس المخلوقات. ومن هذه الناحية فأن أثناسيوس يفكر في الخلق والتقديس كعمل واحد، ولذلك ففي عرضه لخدمة الروح في (الرسالة الأولى 22ـ24)، يتناول فاعليته في الخلق لا بصورة مستقلة بل كما لو كانت ضمن إطار فاعلية الروح التقديسية. وكان هذا ميسورًا جدًا بالنسبة لأثناسيوس بسبب تعليمه عن الخلق ذاته، كما جاء في الرسالة إلى الوثنيين حيث قال: [ لهذا صنع (الله) كل الأشياء بكلمته الأزلي، وأعطى الخليقة جوهرها الخاص… ونظرًا لصلاحه فإنه يرشد كل الخليقة ويركزها بكلمته الذي هو نفسه الله أيضًا، لكي يكون للخليقة نور تدبير ورعاية وتنظيم “الكلمة” (اللوغوس)، ولكي تتمكن من أن تستقر آمنة دوامًا، لأنها تشترك مع الكلمة الذي يستمد الوجود الحقيقي من الآب، وتستمد منه المعونة للوجود لئلا يصيبها ما كان ممكنًا أن يحل بها لولا بقاؤها بواسطة اللوغوس، أي لئلا يصيبها الانحلال، لأنه هو ” صورة الله غير المنظور، بكر كل خليقة، فإنه به وفيه كل الأشياء كائنة، ما يرى وما لا يرى، وهو رأس الكنيسة” (1كو1: 15ـ18)، كما يُعلّم خُدام الحق في كتاباتهم المقدسة] (ضد الوثنيين فصل41: 3). وجاء في كتابه “تجسد الكلمة” ما يلي:

[ولذلك خلق كل الأشياء من العدم بكلمته يسوع المسيح ربنا، وبنوع خاص تحنن على جنس البشر. ولأنه رأى عدم قدرة الإنسان أن يبقى دائمًا على الحالة التي خُلق فيها، أعطاه نعمة إضافية، فلم يكتف بخلق البشر مثل باقي الكائنات غير العاقلة على الأرض، بل خلقهم على صورته وأعطاهم شركة في قوة كلمته حتى يستطيعوا بطريقة ما، ولهم بعض من ظل (الكلمة) وقد صاروا عقلاء، أن يبقوا في سعادة ويحيوا الحياة الحقيقية، حياة القديسين في الفردوس][8].

والله إذ خلق فإنه قد منح خلائقه شركة في طبيعته، واستمرار مخلوقاته في الوجود يصير مضمونًا بواسطة حضوره فيها. وإن كان القديس أثناسيوس في “الرسالة إلى الوثنيين” وفي “تجسد الكلمة” لا ينسب هذا الحضور إلى الروح بل إلى الابن، إلا أنه حينما يكتب هذه الرسائل عن الروح القدس، فإنه يعيد تفسير كلاً من فعلى الخلق والتأليه، لكي يعطي لعمل الروح القدس حق قدرة. ففي (الرسالة الأولى فصل 29) يصر القديس أثناسيوس في تفسيره (أفسس 4: 6) على أن “التروبيكيين” بإنكارهم ألوهية الروح القدس ينكرون فاعلية الله في المعمودية لأن الروح كما يقول القديس أثناسيوس “هو الذي يوحّدنا بالله” (1: 29).

وفي عرضه لعمل الروح القدس فى التقديس، فإنه يعود بنا مرة أخرى إلى العهد الجديد، فهو يتحدث عن عمل الروح القدس في الأنبياء، ويركز هذا العمل في وحي الكتب المقدسة. فهو لا يتكلم كثيرًا عن عمل الروح بل ينشغل بالأكثر، بتأكيد حقيقته أنه خاص بالله. وتقدير أثناسيوس للروح هو متأثر أساسًا بفهمه للتقديس كعمل إلهي فائق للطبيعة أكثر مما هو عمل أخلاقي ورغم أن لفظة Θεοποίησις “تأليه” ومشتقاتها ليست بارزة في هذه الرسائل بمثل بروزها في مقالاته ضد الأريوسيين إلاّ أن فكرة التأليه هذه تسود تفكيره. ويقصد القديس أثناسيوس بالتأليه الارتفاع بالطبيعة البشرية إلى حالة عدم الفساد الخاصة بالله، حتى أنها توهب القدرة على الاشتراك في غبطة الله بقدر ما تسمح مخلوقيتها.

هذا المفهوم لم يكن أثناسيوس هو أول من تكلّم عنه. فقد تكلم اكليمندس الأسكندرى عن تحوّل الطبيعة البشرية إلى مستوى إلهي ولكنه يفسر هذا التحول على أنه نوع من الاستنارة، بينما يربط القديس أثناسيوس هذا التحول مباشرة بحالة البشرية الساقطة وفقداننا للخلود الذي نتج عن السقوط. فعنده أن غرض التجسد ليس فقط نوال الاستنارة بل أيضًا أن يعيد خلق بشريتنا بإعادة توحيدها مع الله. وبذلك يوقف عملية الموت. وبهذا الإصرار على “عدم الفساد” (Ἀφθαρσία) باعتباره الخاصية المتميزة في الحياة الإلهية، كما هي معطاة للبشر، فإنه بهذا الإصرار يتخذ موقف تعليم القديس إيرينيوس، وقبل إيرينيوس يمكن أن نتتبع هذا التعليم فنجده عند أغناطيوس، ومن ثم نجد بدايته في الإنجيل للقديس يوحنا. وهذا ما تصلي به الكنيسة القبطية في صلاة الصلح للقداس الباسيلي قائلة: الله جبل الإنسان على “غير فساد” وأنه هزم الموت بظهور أبنه الوحيد ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح في الجسد لكي يعيدنا إلى “عدم الفساد”.

إن معالجة القديس أثناسيوس لهذا الموضوع، التأليه أو التقديس في هذه الرسائل كما في مقالته الأولى ضد الآريوسيين، هي في غاية الأهمية، لا بسبب أنه يوسع مفهوم التقديس الموجود في كتاب تجسد الكلمة، بل بسبب انه يربط هذا التقديس بالروح القدس. ففي “مقالته الأولى ضد الآريوسيين” يقول في حديثه عن ألوهية الابن: [أما المخلّص فحيث إنه هو الله فإنه يزاول دائمًا حكم مملكة الآب. ولما كان هو نفسه مانح الروح القدس، إلا أنه يُقال الآن أنه يُمسح، لكنه كإنسان يقال عنه أنه يُمسح بالروح، وذلك حتى يبني فينا نحن البشر سكنى الروح وألفته تمامًا مثلما وهبنا الرفعة والقيامة… إذن فإن كان يقدس ذاته من أجلنا وهو يفعل هذا لأنه قد صار إنسانًا، فمن الواضح جدًا أن نزول الروح عليه في الأردن إنما كان نزولاً علينا نحن، بسبب لبسه جسدنا، وهذا لم يصر من أجل ترقية اللوغوس بل من أجل تقديسنا من جديد، ولكي نشترك في مسحته، ولكي يقال عنا     ” ألستم تعلمون أنكم هيكل الله وروح الله يسكن فيكم” (1كو3: 16).. وحينما اغتسل الرب في الأردن كإنسان كنا نحن الذين صرنا متقبلين للروح بواسطته… إذن فلا يكون اللوغوس باعتباره اللوغوس والحكمة هو الذي يُمسح من الروح الذي يعطيه هو ذاته، بل الجسد الذي قد أتخذه هو، الذي يمسح فيه ومنه، وذلك لكي يصير التقديس الصائر إلى الرب كإنسان، يصير (هذا التقديس) إلى جميع البشر به. لأنه يقول أن ” الروح لا يتكلم من نفسه” (يو16: 13)، بل اللوغوس هو الذي يعطي هذا الروح للمستحقين] (ضد الآريوسيين المقالة الأولى)[9].

وفي الرسالة الأولى إلى سرابيون، يقول القديس أثناسيوس: [وأيضًا الروح هو روح القداسة والتجديد وهو يدعى هكذا… والروح يدعى مسحة وهو الختم… والمخلوقات تختم وتمسح بواسطته وتتعلم منه كل شئ. ولكن إن كان الروح هو المسحة والختم الذي به يمسح الكلمة كل الأشياء ويختمها، فإذن أي شبه أو انتماء للمسحة أو الختم مع الأشياء التي تُمسح وتُختم؟ وأولئك الذين يُمسحون يقولون حينما ينالون المسحة، نحن رائحة المسيح الذكية (2كو2: 15). والختم له صورة المسيح الذي يختم، والذين يُختمون يشتركون في الختم ويتشكلون حسبه، كما يقول الرسول ” يا أولادي الذين أتمخض بكم أيضًا إلى أن يتصور المسيح فيكم” (غلا4: 19). وهكذا إذ نُختم فمن الطبيعي أن نصير “ شركاء الطبيعة الإلهية” كما يقول بطرس الرسول (2بط1: 4). وهكذا فكل الخليقة تشترك في الكلمة بالروح، وبالإضافة إلى ذلك فإنه يقال عنا إننا شركاء الله لأنه يقول: ” أما تعلمون أنكم هيكل الله وروح الله يسكن فيكم” (1كو3: 16)…

… أما الآن فلكوننا ندعى شركاء المسيح وشركاء الله، فهذا يوضح أن المسح والختم الذي فينا ليس من طبيعة المخلوقات بل من طبيعة الابن الذي يوحدنا بالآب بواسطة الروح الذي فيه. وإن كنا بالاشتراك في الروح نصير شركاء الطبيعة الإلهية فإنه يكون من الجنون أن نقول إن الروح من طبيعة المخلوقات وليس من طبيعة الله. وعلى هذا الأساس فإن الذين هم فيه، يتألهون، وإن كان هو يؤله البشر، فلا ينبغي أن يشك أن طبيعته هي طبيعة إلهية] (رسالة1: 23، 24).

في هذه الرسائل ينسب القديس أثناسيوس فعل التأليه للروح القدس. وهنا نجد أن فكر القديس أثناسيوس قريب جدًا من فكر القديس إيرينيوس الذي أكد بشكل خاص في تعليمه عن التقديس على عمل الروح، أكثر من أي كاتب آخر من كتاب القرنين الثاني والثالث. والتشابه بينهما ليس محصورًا فقط في الفكرة العامة، فالرموز والمصطلحات التي يعبران بها، والنصوص التي يبنيان عليها، غالبًا مشتركة بينهما (انظر “ضد الهرطقات” لإيرينيوس3: 17، 18؛ 5: 1 ؛ 6: 1 ؛ 7: 1). ويمكن أن يكون أثناسيوس متأثرًا مباشرة بإيرينيوس في هذه النقاط. ولكن حتى إن كان قد استعار مادته منه، إلاّ أنه يوجهها حسب استعماله الخاص، ويجعلها تخدم مفهومه في أن الروح يخص الابن. فمثلاً كل من أوريجينوس وإيرينيوس يستخدم رمز “المسحة”. فبالنسبة لأوريجينوس تعبر “المسحة” عن اتحاد كلمة الله وحكمته بنفس المسيح الإنسانية (من مزمور44: 8)، حتى أن رائحة المسحة تمتد إلى أولئك الذين يشتركون فيه، أما إيرينيوس فيأخذ الكلام عن “المسحة” من إشعياء61: 1، ويربطها بنزول الروح على المسيح فيقول “إنه الآب هو الذي يمسح، ولكن الابن هو الذي يُمسح بواسطة الروح الذي هو المسحة” (انظرHaer.III, xviii, 3 ) وكما يأخذ المسيح الروح هكذا هو ينقله إلى أولئك الذين يشتركون في شخصه. وأثناسيوس كما هو واضح من مقالته الأولى ضد الآريوسيين (1: 46، 47) يبدأ أيضًا من إش61: 1، ومن معمودية المسيح. ولكن منذ البداية، الروح عنده هو روح الابن إذ يقول: “كوني أنا كلمة الآب فأنا نفسي أنا الصائر إنسانًا أعطى ذاتي الروح”. فكون المسحة هي من الآب يستبعدها أثناسيوس مؤقتًا، وهكذا نجد في الرسالة الأولى إلى سرابيون (1: 23) تأكيدًا على أن المسيح هو الذي يمسح، وأيضًا تأكيدًا على أن الخاصية المميزة التي تُمنح بواسطة الروح هي خاصة بالمسيح.

ولكوننا نُمسح بالروح فإننا رائحة المسيح وهكذا بالمثل يعتبر إيرينيوس الروح كناقل لصورة الآب والابن إلى الإنسان (Haer. III, xvii, 3 )، أو بتعبير آخر “شبه الله“. وحينما يتكلم أثناسيوس عن الروح كختم وصورة فهو يحصر الاستعارة في علاقة الروح بالابن. وبالمثل فالروح عند إيرينيوس هو على وجه العموم “روح الله“، وأحيانًا قليلة يستعمل عبارة “روح الآب” (Hear. III, xvii, 1)، ولكن إيرينيوس لا يستعمل مطلقًا عبارة “روح الابن”.

أما عند أثناسيوس فإن عبارة “روح الابن” هي التسمية المعتادة عنده للروح.

وفي كل هذا، لا يوجد بالطبع أي قصد عند أثناسيوس بأن يبعد الروح عن الآب. وربما بسبب أنه شعر أن ما يقوله في  الرسالة الأولى (1: 22 وما بعده) يكمن أن يساء فهمه بهذا الشكل (أي كما لو أنه يبعد الروح عن الآب)، لذلك فهو يُصر بوضوح في الرسالة الثالثة (3: 1) على “أن الروح القدس الذي قيل أنه للابن فهو للآب”. فالابن كما لو كان يصل بين الآب والروح، فلأن الروح خاص بالابن، لذلك نفهم انبثاقه من الآب إذ يقول في الرسالة الأولى (1: 20) “هكذا فإن القوة الحيوية والعطية التي بها يقدس ويضئ (الابن) ينبغي أن تكون واحدة كاملة وتامة وهي التي يُقال عنها أنها تنبثق من الآب لأنها من الكلمة، الذي يعترف أنه من الآب، وهي (أي الروح القدس) التي تشرق وتُرسل وتُعطي”.

ومن الملاحظ أنه عندما يستعمل القديس أثناسيوس الحرفين Para، ek  ليشير بهما إلى العلاقة بين الروح والابن فهو هنا يتحدث عن إرسالية الروح القدس من الابن في الزمن وليس عن الانبثاق الأزلي لأقنوم الروح القدس.

وعندما يتحدث أثناسيوس عن عمل الله في الخليقة وفي الكنيسة أي في التدبير فإنه يشرح هذا العمل باعتباره عملاً مشتركًا بين الأقانيم الثلاثة، فالآب يعمل كل شئ بالكلمة في الروح، ويؤكد أن الروح ليس خارج الكلمة بل إذ هو في الكلمة فهو في الله (رسالة 3: 5). وبالنسبة للقديس أثناسيوس فإنه يهتم بالتأكيد فقط على أن الروح هو في الله، أما كيف ينبثق الروح القدس من الآب فهذا أمر يعجز المؤمن عن أن يتدخل فيه بعقله، فهو يعتبر أن التفكير العقلي في هذا الأمر هو تجاسر وجنون (انظر رسالة 1: 18، 19).

 

رابعًا: هذه الترجمة

ترجمنا هذه الرسائل من اللغة اليونانية من مجموعة ميني M.G. مجلد 26، والمنشورة أيضًا باليونانية القديمة والحديثة في سلسلة “أباء الكنيسة اليونانية EΠE” منشورات غريغوريوس بالاماس ـ تسالونيكي باليونان ـ أعمال القديس أثناسيوس مجلد 4 سنة 1975.

 

وقارنا الترجمة عن اليونانية بالترجمة الإنجليزية لهذه الرسائل التي ترجمها “شابلاند، C. R. B. Shapland  ” سنة 1951، وكذلك قارناها بالترجمة العربية عن الإنجليزية للقس مرقس داود والتي نشرتها مدارس الأحد بالجيزة حوالي سنة 1952، والتي أعادت طبعها مكتبة المحبة في السنوات القليلة الماضية، كل ذلك للوصول إلى أدق القراءات للرسائل.

 

ونضيف أن الترجمتين الإنجليزية والعربية المذكورتين أعلاه تتوقفان في الرسالة الرابعة عند نهاية فصل 7. أما الأصل اليوناني فيمتد بعد ذلك حوالي 20 صفحة. هذه التكملة للرسالة الرابعة في الأصل اليوناني كان قد ترجمها ونشرها بالعربية الدكتور جورج حبيب بباوى سنة 1976 تحت اسم “الرسالة الخامسة إلى سرابيون عن التجديف على الروح القدس”. ضمن كتاب “الروح القدس في بعض كتابات الآباء”. فقمنا بضم ترجمة الدكتور جورج المنشورة سنة 1976 إلى الرسالة الرابعة في هذه الترجمة الجديدة لأن الأصل اليوناني يحتفظ بهما معًا في رسالة واحدة هي الرسالة الرابعة.

ولإلهنا القدوس الآب والابن والروح كل مجد وسجود إلى الأبد. آمين.

المترجمان.

 

[1] هي مدينة تسمى الآن “تمي الأمديد” بشمال الدلتا بمصر، التي كان القديس سرابيون الذي أرسل له القديس أثناسيوس هذه الرسائل، أسقفًا لها.

[2] انظر حياة باخوميوس 88 – Vita Pachomius 88 .

[3] C.R.B. Shapland, The Letters of St. Athanasius concerning The Holy Spirit, London – New York, 1951.

[4] انظر الرسالة الأولى: فقرة1، 17، 26.

[5] انظر الرسالة الأولى فقرة1

[6] رسالة1: 2.

[7] انظر الرسالة الأولى 1، 10.

[8] تجسد الكلمة، فصل 3:3 ترجمة د. جوزيف موريس فلتس، المركز الأرثوذكسى للدراسات الابائية، الطبعة الثالثة، القاهرة 2004.

[9] انظر المقالة الأولى ضد الآريوسيين ترجمة الأستاذ صموئيل كامل عبد السيد والدكتور نصحي عبد الشهيد، إصدار مركز دراسات الآباء القاهرة 1984، فصلى 46، 47.

 

مقدمة الرسائل عن الروح القدس للقديس أثناسيوس الرسولي

اعتراضات ضد لاهوت المسيح والرد عليها – القديس أثناسيوس الرسولي

اعتراضات ضد لاهوت المسيح والرد عليها – القديس أثناسيوس الرسولي

اعتراضات ضد لاهوت المسيح والرد عليها – القديس أثناسيوس الرسولي

 

اعتراضات والرّد عليها

59  ـ وبعد هذه البراهين الكثيرة ضدهم، والتي يخجل منها حتى الشيطان نفسه الذي هو أبوهم ويتراجع، فإنهم بسبب قلبهم المعوّج يدمدمون باعتراضات أخرى، أحيانًا بالهمس وأحيانًا أخرى بضوضاء كطنين البعوض. فهم يقولون لنا: [حتى إن فسّرتم هذه الآيات هكذا وانتصرتم في الأفكار والبراهين، لكن يجب أن تقولوا إن الابن قد أخذ وجوده بمشيئة الآب ومسرّته] لأنهم بتقديمهم لمشيئة الله ومسّرته هكذا يخدعون كثيرين. والآن لو أن أي واحد ممّن يؤمن باستقامة قال هذا ببساطة لما كان هناك سبب للشك في هذا التعبير، لأن القصد المستقيم يكون مهيمنًا على استعمال الكلمات، ولكن حيث إن هذا التعبير هو من الهراطقة، فإن كلمات الهراطقة هي موضع شك ما، كما هو مكتوب ” تدابير الأشرار غاشة وكلامهم خداع ” (أم5:12ـ6س)، حتى لو استعملوا الإشارات[1] فقط، ولأن لهم قلبًا معوجًا فدعونا نفحص قولهم هذا أيضًا. لئلا برغم توبيخهم من كل جهة لا يزالون ـ مثل نبع الوحوش[2] ـ يخترعون كلمة جديدة، وبمثل هذا الأسلوب الجذّاب والمراوغة الخادعة يبذرون أيضًا كفرهم ذلك بطريقة أخرى، لأن هذا الذي يقول: ” إن الابن جاء إلى الوجود بالإرادة الإلهية “، يقصد نفس المعنى مثل الآخر الذي يقول: ” إنه كان هناك وقت لم يكن الابن فيه موجودًا “، وأيضًا ” إن الابن خُلِق من العدم “، وأيضًا ” هو مخلوق “. ولكن حيث إنهم يخجلون الآن من هذه الأقوال، فإن هؤلاء الماكرين قد حاولوا أن يوصلوا معنى هذه الأقوال بطريقة أخرى، مقدّمين لفظ “المشيئة” مثل حبّار[3] يّخفون أفكارهم السوداء، وبذلك يخدعون البسطاء مع أن هؤلاء الهراطقة يحتفظون في أذهانهم ببدعتهم الخاصة لأنه أين وجدوا الألفاظ “بالمشيئة” و “المسّرة”، أو في أي سفر قرأوا مثل هذه التعبيرات؟

          فليقل لنا هؤلاء الذين هم موضع شك كبير في كلماتهم وهم يخترعون الكفر بقوة. لأن الآب الذي كشف كلمته من السماء أعلن: ” هذا هو ابني الحبيب ” (مت17:3). وهو الذي قال بواسطة داود “نطق قلبي بكلمة صالحة ” (مز1:44س) وأوصى يوحنا أن يقول ” في البدء كان الكلمة ” (يو1:1). ويقول داود في المزمور ” عندك ينبوع الحياة، وبنورك نعاين النور ” (مز9:35س). ويكتب الرسول ” الذي وهو بهاء مجده ” (عب3:1) وأيضًا ” الذي إذ كان في صورة الله ” (في6:2) وأيضًا ” الذي هو أيضًا صورة الله غير المنظور ” (كو15:1).

          60ـ الجميع في كل مكان يخبروننا عن وجود الكلمة، ولكن لا أحد يخبرنا عن وجوده بالمشيئة ولا عن خَلقِه بالمرّة، ولكني أتساءل أين وجد هؤلاء “المشيئة” أو “المسّرة” سابقة على كلمة الله، إلاّ إذا كانوا قد تركوا الكتب المقدسة، وتمثلوا بانحراف فالانتينوس[4]؟ لأن بطليموس الفالانتيني زعم أن الله غير المولود، له صفتان هما “الفكر” و “الإرادة”، فهو قد فكّر أولاً ثم أراد فيما بعد. وما فكّر فيه لم يستطع أن يقدّمه إلاّ حينما صارت له قوة الإرادة. ولقد تعلّم الآريوسيون من هذا، جاعلين الفكر والإرادة يسبقان الكلمة. فبالنسبة لهم إذًا دعهم ينافسون تعليم فالانتينوس. أما نحن فحينما نقرأ الكتب المقدسة بيقظة فإننا نجد عبارة “كان” تطلق على الابن، وعنه فقط سمعنا أنه كائن في الآب، وأنه صورة الآب. أما في حالة الملخوقات وحدها فقد عرفنا أن الفكر والإرادة سابقة عليها. حيث إنها بالطبيعة كانت غير موجودة في وقت ما ثم وجدت فيما بعد، فداود يرتل في المزمور 113 قائلاً: ” أما إلهنا فقد صنع في السماء وعلى الأرض كل ما أراده ” (مز11:113س) وفي المزمور 110 ” عظيمة هي أعمال الرب مطلوبة حسب كل إرادته ” (مز2:110س)، وأيضًا في المزمور 134 ” كل ما شاء الرب، صنع في السماوات وفي الأرض، في البحار وفي كل اللجج ” (مز6:134س). إذًا فإن كان الابن مصنوعًا أو شيئًا مخلوقًا، وواحدًا بين كثيرين، فيمكن أن يقال عنه كالآخرين إنه صار “بالإرادة”. فالكتاب يوضّح أن هذه المخلوقات، هكذا أتت إلى الوجود. وأستيريوس[5] المدافع عن هذه البدعة، يقبل هذا، إذ يكتب هكذا [لأنه إما أن يكون من غير اللائق بالنسبة للخالق أن “يشاء” ثم بعد ذلك “يفعل”، وبالتالي يجب أن يقال إنه “يشاء” فقط وحينئذٍ يجب أن ينسحب هذا على كل الخلائق حتى تُحفظ لله عظمته. أو أن يكون من اللائق به أن “يشاء” أولاً ثم “يفعل” بعد ذلك بالتالي يجب أن ينسحب هذا على أول وأفضل من ولده لأنه بالتأكيد من المستحيل أن يكون لائقًا بنفس الإله الواحد أن يصنع أشياء بإرادته، وفي نفس الوقت يصنع أشياء أخرى “بغير إرادته].

          فالسفسطائي قدّم كفرًا عظيمًا بقوله إن [المولود والمخلوق هما نفس الشيء، وأن الابن هو مولود واحد بين كل المولودات الموجودة وانتهي إلى النتيجة أنه من اللائق أن يقال إن المخلوقات توجد بالفكر والإرادة.

          61ـ لذلك، فإن كان الابن هو آخر يختلف عن كل الأشياء المخلوقة ـ كما قد أوضحنا أعلاه، وبالحري صارت كل الأشياء بواسطته، إذًا فلا ينبغي أن يقال تعبير “بالمشيئة” لوصف طريقة ولادته، وإلاّ فإنه يكون قد أتى إلى الوجود مثل الأشياء التي صارت بواسطته. فبولس، الذي لم يكن رسولاً من قبل، صار فيما بعد رسولاً “بمشيئة الله” (انظر 1كو1:1). ودعوتنا نحن أيضًا هذه هي نفسها لم تكن موجودة في وقت ما، ولكنها الآن قد صارت وهي مسبوقة بالمشيئة، كما يقول بولس نفسه أيضًا إنها صارت ” بحسب مسرة مشيئته ” (أف5:1). وما كتبه موسى “ليكن نور” ولتظهر اليابسة”، “لنعمل الإنسان” (انظر تك3:1، 11، 26)، أظن، بحسب ما قلناه قبلاً إنه يدّل على مشيئة الخالق، لأن الأشياء التي لم تكن موجودة قبلاً بل صارت فيما بعد من أسباب خارجة عنها، هذه يعملها الخالق بمشورته، أما كلمته الذاتي المولود منه بالطبيعة، فهو لا يفكر في ولادته لأن الآب يخلق كل الأشياء الأخرى التي يشاء أن يخلقها من خلال الابن، مثلما علّم أيضًا يعقوب الرسول قائلاً ” شاء فولدنا بكلمة الحق ” (يع18:1). لذلك فمشيئة الله بخصوص كل الأشياء ـ سواء تلك التي وُلدت مرّة أخرى أو التي أُوجدت لأول مرّة ـ هي في كلمته الذي فيه يصنع ويلد ثانية، ما يبدو صوابًا عنده، كما يكتب أيضًا الرسول إلى تسالونيكي ” لأن هذه هي مشيئة الله في المسيح يسوع من جهتكم ” (1تس18:5). فإن كانت إرادة الله هي في مَنْ بواسطته قد خُلق كل شئ (أي الكلمة)، فمن الواضح أن إرادة الله أيضًا هي في المسيح (الكلمة المتجسّد)، فكيف يكون من الممكن أن يكون قد أتى إلى الوجود (في الزمن) بمشيئة وإرادة الله مثل كل المخلوقات؟ لأنه إن كان هو أيضًا قد أتى إلى الوجود بالمشيئة كما تدّعون، فيتبع ذلك أن مشيئة الله ستكون في كلمة آخر يأتي إلى الوجود حسب مشيئة الله، لأننا أوضحنا أن مشيئة الله ليست في الأشياء التي يخلقها، بل هي في هذا (الكلمة) الذي بواسطته وفيه تأتي كل الأشياء المخلوقة إلى الوجود. وبالإضافة إلى ذلك القول، كان الكلمة هو ابن “بالمشيئة”، له نفس معنى القول إنه ” كان وقت لم يكن هو موجودًا “. إذًا فليكتفوا بقولهم عنه أنه ” كان وقت لم يكن هو موجودًا “، لكي يخجلوا عندما يدركون أن المقصود بهذا هو الأزمنة، ويفهموا أنهم عندما يقولون “بالمشيئة” إنما يضعون الأزمنة قبل الابن لأن المشيئة تسبق الأشياء التي لم تكن موجودة من قبل، كما في حالة كل المخلوقات. ولكن إن كان الكلمة هو خالق المخلوقات. وهو كائن مع الآب، كيف يمكن أن تسبق المشيئة الكائن الأزلي كما لو لم يكن موجودًا؟ لأنه لو كانت المشيئة سابقة عليه إذًا فكيف خُلقت كل الأشياء بواسطته؟ لأنه بالحري سيكون هو أيضًا كواحد بين الآخرين، مولودًا ليكون ابنًا بالمشيئة، كما صرنا نحن أيضًا أبناء بكلمة الحق. وبالتالي فكما قلنا، يلزم البحث عن كلمة آخر، وُجِد هو أيضًا بواسطته ووُلِدَ مع كل الأشياء التي صارت بحسب مسّرة الله.

          62ـ إذًا لو كان هناك كلمة آخر لله، يكون الابن قد وجد بكلمة، ولكن إن لم يكن هناك كلمة آخر(وهذه هي الحقيقة)، ولكن كل الأشياء التي شاء الآب أن توجد قد وُجِدَت بواسطته، أفلا يكشف هذا الخبث الشديد الذي لهؤلاء الناس؟ فمع أنهم يشعرون بالخجل من القول إنه “مصنوع” وإنه “خليقة” وإن “كلمة الله لم يكن موجودًا قبل أن يولد إلاّ أنهم يؤكدون بطريقة أخرى أنه مخلوق، ويروّجون للفظة “المشيئة” ويقولون ” لو لم يكن قد أتى إلى الوجود بالمشيئة، فيكون الله قد وُلد الابن عن اضطرار وضد مسّرته. فمَن هو إذًا ذاك الذي يفرض الاضطرار على الله، أيها المملوؤن خبثًا، الذين تحرّفون كل شيء لخدمة هرطقتكم؟ لأنه كما أن الذي هو مختلف في الرأي هو ضد المشيئة، هكذا فإن من هو بحسب الطبيعة يفوق المشيئة، ويسبقها. فالإنسان يمكن أن، يبني منزلاً بواسطة المشيئة ولكنه يلد ابنًا بحسب الطبيعة. والمنزل الذي يبنيه الإنسان هو خارج عنه وهو قد بنى نتيجة الفكر، أما الابن فهو مولود من جوهر الوالد نفسه وليس خارجًا عنه. لهذا فهو لا يفكر في وجود ابنه “بالمشيئة” لئلا يبدو أنه هو نفسه موجود “بالمشيئة”. إذًا فبقدر ما يعلو الابن عن الخليقة، كذلك يعلو ما هو بالطبيعة على ما هو بالمشيئة. وينبغي على هؤلاء، حينما يسمعون عنه ألاّ يقيسوا ما هو بالطبيعة بمقياس المشيئة. وهؤلاء إذ ينسون أنهم يسمعون عن ابن الله، فهم يتجاسرون أن يطبقوا اعتراضات بشرية على الله مثل (الضرورة) و (اختلاف الرأي)، لكي يمكنهم بذلك أن ينكروا أنه يوجد ابن حقيقي لله. لكن هؤلاء يجاوبوننا ويقولون، هل كَوْن الله صالحًا ورحيمًا، هل هذا يتصل به بواسطة المشيئة أم لا؟ فإن كان بواسطة المشيئة، فينبغي أن نفكر، أنه بدأ أن يصير صالحًا وأنه كان هناك احتمال بألاّ يكون صالحًا، لأن المشيئة والاختيار يعنيان وجود ميل نحو كل من الطرفين، وهذا الميل يخص، الطبيعة العاقلة. ولكن إن كان من غير المقبول تمامًا أنه ينبغي أن يسمى صالحًا ورحيمًا بالمشيئة، إذًا فليسمعوا هذا الذي قد قالوه هم أنفسهم، لذلك فهو صالح عن الاضطرار وليس بالمشيئة. وأيضًا مَنْ هو الذي يفرض هذا الاضطرار عليه؟ ولكن إن كان من غير المقبول أن نتكلّم عن وجود الاضطرار في حالة الله، إذ هو صالح بالطبيعة، فبالأولى جدًا وبالحقيقة تمامًا يكون الآب أبًا للابن بالطبيعة وليس بالمشيئة.

          63ـ ودَعهم يجيبوننا على هذا أيضًا (لأني بسبب عدم حيائهم أريد أن أطرح عليهم سؤالاً آخر، أكثر جرأة ولكن بهدف التقوى، فلتسامحني يا رب). هل الآب نفسه شاء أولاً قبل أن يوجد ثم بعد أن شاء وُجِد أم أنه كان موجودًا قبل أن يشاء؟

          فحيث إنهم متجاسرون إلى هذه الدرجة في كلامهم عن الكلمة، لذلك ينبغي أن يسمعوا جوابًا مماثلاً لكي يعرفوا أن وقاحتهم هذه تصل حتى إلى الآب نفسه.

          إذًا فإن كانوا سيفكرون هم أنفسهم بخصوص المشيئة ويقولون إنه حتى الآب هو من المشيئة، فماذا كان هو إذًا قبل أن يشاء، أو ما هو الذي اقتناه أكثر ـ كما تظنون ـ بعد أن شاء؟

          ولكن إن كان مثل هذا السؤال غير لائق وضار ويصدم السامع بمجرد ذكره (لأنه يكفي فقط أن نسمع اسم الله لنعرف ونفهم أنه هو الكائن الذي يكون)، ألا يكون ضد العقل أيضًا أن يفكر أحد بمثل هذه الأفكار عن كلمة الله، ويقدّم ادعاءات بخصوص الإرادة والمسّرة؟ لأنه يكفي بالمثل أن نسمع فقط اسم الكلمة، لكي نعرف ونفهم أن ذاك الذي هو الله بغير المشيئة، له كلمته الذاتي بالطبيعة وليس بالمشيئة. وكيف لا يكون أمرًا يتجاوز كل جنون أن يفكر الإنسان أن الله الذي يشاء ويعتبر ويختار وله مسّرة صالحة، هو بدون كلمة وبدون حكمة، وهو الذي له كليهما؟ ذلك لأنه يبدو أنه يفكر عن نفسه، ويشاء من جهة ما هو خاص بجوهره. إذًا فلأنه يوجد تجديف كثير في مثل هذا الفكر، فيكون من التقوى أن نقول، إن الأشياء المخلوقة قد وُجدت “بالمسّرة” و “المشيئة”، أما الابن فلم يوجد بالمشيئة ولم يصر بعدها كالخليقة، بل هو بالطبيعة المولود الذاتي لجوهر الله. لأنه لكونه كلمة الآب الذاتي، فهو لا يسمح لنا أن نحسب إن المشيئة سابقة عليه هو، إذ أنه هو نفسه مشورة الآب الحيّة، وهو القوة، وهو خالق الأشياء التي استحسنها الآب. وهذا ما يقوله عن نفسه في الأمثال ” لي المشورة والأمان، لي الفهم، لي القدرة ” (أم14:8س). لأنه رغم أنه هو نفسه الفهم الذي به هيأ السماوات (انظر أم19:3) وهو نفسه القدرة والقوّة ” لأن المسيح هو قوّة وحكمة الله ” (1كو24:1)، فهو هنا قد غيّر الألفاظ وقال لي الفهم، ولي القدرة. هكذا بينما هو يقول “لي المشورة” فيجب أن يكون هو نفسه مشورة الآب الحيّة، كما قد تعلّمنا من النبي أيضًا أنه يصير “ملاك المشورة العظمى” (انظر إش6:9س)، ودُعيَ مسّرة الآب الصالحة لأنه هكذا ينبغي أن ندحضهم، طالما هم يفكرون أفكارًا بشرية عن الله.

          64ـ لذلك إن كانت المصنوعات قد صارت “بالمشيئة والمسّرة” وكل الخليقة خُلِقت بالمشيئة، وبولس دُعيَ ليكون رسولاً “بمشيئة الله” (انظر 1تيمو1:1). ودعوتنا قد صارت بالمسّرة والمشيئة (انظر أف5:1)، وكل الأشياء قد أتت إلى الوجود بالكلمة. إذًا فهو خارج عن كل الموجودات التي قد وُجدت بالمشيئة بل بالأحرى هو نفسه مشورة الآب الحيّة، والتي بها قد صارت كل هذه الأشياء، والذي به أيضًا يقدَّم داود تشكّرات في المزمور الثاني والسبعين قائلاً: ” أمسكت بيدي اليمنى وبمشورتك تهديني ” (مز23:72ـ24س). كيف يمكن إذًا أن الكلمة الذي هو مشورة الآب ومسّرته يوجد هو نفسه “بالمسّرة والمشيئة” مثل كل الآخرين؟ إلاّ إذا كانوا كما قلت سابقًا، يكرّرون في جنونهم، أنه قد أتى إلى الوجود بواسطة نفسه أو بواسطة واحد آخر. فمن هو إذًا ذاك الذي بواسطته قد أتى هو إلى الوجود؟ دعهم يخترعون كلمة آخر، ودعهم يسمّون مسيحًا آخر منافسين تعليم فالانتينوس، لأن الكتاب ليس فيه هذا التعليم بتاتًا. وحتى إذا اخترعوا آخرًا، فبالتأكيد يأتي هذا الآخر أيضًا إلى الوجود بواسطة واحد آخر، وهكذا. وبينما نحن نحسب هكذا ونبحث في تتابع هؤلاء (الذين يخترعونهم)، فإن الهرطقة ذات الرؤوس المتعددة التي للكفّار تتضح أنها تؤدي إلى تعدد الآلهة وإلى جنون لا حدود له، التي فيها إذ يرغبون أن يكون الابن مخلوقًا وأنه يوجد من العدم، فإنهم يعنون نفس الشيء بكلمات أخرى، باستعمال تعبير المشيئة والمسّرة، والتي تخص بصواب الأشياء الصائرة والمخلوقة. ألا يكون إذًا من عدم التقوى أن تُنسب خصائص هذه المخلوقات إلى خالق الكل؟ أليس تجديفًا أن يقال إن المشيئة كانت في الآب قبل الكلمة؟ لأنه لو كانت المشيئة سابقة في الآب، لن تكون كلمات الابن حقيقية في قوله “أنا في الآب” (يو10:14)، أو حتى لو كان هو في الآب، فإنه مع ذلك يشغل المكان الثاني فقط، ولم يكن يحق له أن يقول ” أنا في الآب ” حيث إن المشيئة وُجِدَت قبلْه، والتي بها أتت كل الأشياء إلى الوجود، وهو نفسه وُجِدَ بها حسبما تعتقدون. لأنه رغم كونه فائقًا في المجد، إلاّ أنه ليس هو أصغر واحد من الأشياء التي وجدت بالمشيئة. وكما قد قلنا قبلاً لو كان الأمر هكذا، كيف يكون هو الرب وهم يكونون العبيد؟ ولكنه هو رب الكل لأنه واحد مع الآب في الربوبية، والخليقة كلها خاضعة له، حيث إنها خارجة عن الآب الواحد، وبينما كانت في وقت ما غير موجودة فقد أتت إلى الوجود فيما بعد.

          65ـ وأيضًا إن كانوا يقولون إن الابن وُجِدَ بالمشيئة، فيجب أن يقولوا أيضًا إنه وُجد بالفهم، لأني أعتبر أن الفكر والمشيئة شئ واحد ولأن ما يشاءه أحد هو دائمًا ما يفكر فيه أيضًا. والأمر الذي يفكر فيه فهذا هو ما يشاؤه أيضًا. ولذلك فالمخلّص نفسه قد جمعهما معًا كشقيقين حينما قال ” لي المشورة والأمان، لي الفهم، لي القدرة ” (أم14:8س). فالآن القدرة والأمان هما نفس الشيء (لأنهما يعنيان صفة واحدة)، هكذا يمكن ان نقول إن الفهم والمشورة هما نفس الشئ، الذي هو الرب. لكن هؤلاء الكفّار لا يريدون أن يكون الابن هو الكلمة والمشورة الحيّة بل ينحرفون بقولهم عن الله إن الفهم والمشورة والحكمة هي حالات، أحيانًا تحدث له وأحيانًا أخرى لا تحدث بحسب الطريقة البشرية. ويعملون كل شئ عارضين “الفكر” و”المشيئة” اللذين عند فالانتينوس، لكي يفصلوا الابن عن الآب، ويدعونه مخلوقًا بدلاً من أن يكون هو ابن الآب الذاتي. وليسمعوا إذًا ما سمعه سيمون الساحر (انظر أع20:8): كفر فالانتينوس ليكن معك للهلاك. أو ليصدق كل واحد بالأحرى سليمان الذي يقول إن الكلمة هو الحكمة والفهم، لأنه يقول “الرب بالحكمة أسس الأرض وأثبت السماوات بالفهم ” (أم19:3). وهكذا بالفهم هنا، كما هو في المزامير: ” بكلمة الرب صنعت السماوات ” (مز6:33). وكما صنع السماوات بالكلمة “هكذا كل ما شاء صنع ” (انظر مز6:135). وكما يكتب الرسول إلى التسالونيكيين ” مشيئة الله في المسيح يسوع ” (أف18:5) إذًا فابن الله هو “الكلمة” و “الحكمة”، هو “الفهم” و “المشورة” الحيّة” ومسرّة الآب هي فيه وهو حق الآب ونوره وقوته.

          لكن إن كانت مشيئة الآب هي الحكمة والفهم، والابن هو الحكمة إذًا فالذي يقول إن الابن وُجِدَ بالمشيئة فهو في الواقع يقول إن الحكمة قد أتت إلى الوجود بالحكمة، والابن قد أوجِدَ بابن والكلمة خلق بواسطة كلمة. وهذا يتناقض مع الله وهو عكس ما جاء عنه في الكتب المقدسة لأن الرسول يكرز بالابن انه ليس شعاع مشيئة الآب وصورتها بل شعاع جوهره ورسمه نفسه، قائلاً: ” الذي وهو شعاع مجده ورسم جوهره ” (عب3:1). ولكن إن كان ـ كما سبق أن قلنا ـ جوهر الآب وكيانه ليس من المشيئة، فمن الواضح جدًا أن ما هو خاص بكيان الآب ليس من المشيئة، لأنه كما يكون الكيان الطوباوي هكذا ينبغي أن يكون أيضًا المولود الذاتي منه. وتبعًا لذلك فالآب نفسه لم يَقل هذا هو ابني الذي وجد بمشيئتي ولا قال “الابن الذي اقتنيته بمسّرتي” لكن قال ببساطة ابني، وأضاف على ذلك “الذي به سررت” (مت17:3). ويعني بهذا، أنه هو الابن بالطبيعة، وفيه توجد مشيئتي بخصوص الأشياء التي أسر بها.

          66ـ إذًا حيث إن الابن هو بالطبيعة وليس بالمشيئة، فهل هو كائن بدون مسّرة الآب وبدون مشيئة الآب؟ كلا بالتأكيد، بل الابن هو بمسّرة الآب، وكما يقول هو نفسه، ” الآب يحب الابن، ويُريه جميع ما هو يعمله” (انظر يو20:5)، لأنه لم يبتدئ أن يكون صالحًا من المشيئة، ولا هو أيضًا صالح بدون المشيئة والمسّرة. لأن ما يكون عليه بطبيعته فذلك أيضًا هو مسّرته. هكذا أيضًا ينبغي أن يكون الابن، ورغم أنه لم يوجد “من المشيئة” إلاّ أنه ليس بدون مسّرته، ولا ضد رأيه.  

          فلأن كيانه الذاتي هو بمسّرته، هكذا أيضًا الابن إذ هو من ذات جوهره فهو ليس بدون مسّرته. إذًا فليكن الابن هو موضوع مسرة الآب وحبه، وهكذا فليفكر كل واحد بتقوى في مسرة الله ومشيئته لأنه بتلك المسّرة التي بها الابن هو موضوع مسّرة الآب، يكون الآب هو موضوع محبة الابن ومسّرته وإكرامه. والمسّرة التي من الآب في الابن هي واحدة، حتى أننا هنا أيضًا يمكننا أن نرى الابن في الآب، والآب في الابن. إذًا فلا يُقدَّم أحد مع فالانتينوس من الآن فصاعدًا مشيئة سابقة ولا يُقحم أحد نفسه باستخدام هذه المشيئة في الوسط بين الآب الوحيد والكلمة الوحيد. لأنه من الجنون أن توضع المشيئة والرأي بين الآب والابن. فأن يقال ” أنه صار إلى الوجود من المشيئة” هذا يختلف عن أن يقال “إن الآب يحب ابنه ويُسّر به، الذي هو من ذاته بالطبيعة “.

          لأن القول إنه “صار إلى الوجود بالمشيئة ” يعني أولاً أنه في وقت ما لم يكن موجودًا ثم وجد. ويعني ثانيًا أن هناك ـ كما سبق القول ـ ميلاً في اتجاهين، حتى يمكن للمرء أن يفترض أن الآب كان يستطيع حتى أن لا يريد وجود الابن. ولكن أن يقال عن الابن إنه “يمكن ألاّ يكون قد وُجِدَ” فهذا إدعاء كفري يصل حتى إلى جوهر الآب، كما لو كان أن من هو خاصته، لم يكن موجودًا. هذا هو نفس القول بأن “الآب يمكن أن لا يكون صالحًا” وبما أن الآب هو صالح دائمًا بالطبيعة، هكذا فهو دائمًا يلد بالطبيعة. والقول بأن “الابن هو مسّرة الآب” و “الكلمة هو مسّرة الآب”، لا يعني هذا وجود مشيئة سابقة، بل يعني إصالة الطبيعة، وخصوصية الجوهر وتماثله. لأنه كما يمكن أن يقول أحد في حالة الشعاع والنور، إنه ليست هناك في النور مشيئة سابقة على الشعاع، بل هو مولود النور الطبيعي بمسرة النور الذي ولده، وليس بالمشيئة والرأي بل بالطبيعة والحق، هكذا أيضًا في حالة الآب والابن، فيمكن أن نقول بصواب، إن الآب يحب الابن ويُسّر به، والابن يحب الآب ويُسّر به.

          67ـ لذلك فلا تدعو الابن أنه عمل المشيئة ولا تُدخِلوا تعليم فالانتينوس إلى الكنيسة، بل أن الابن هو المشيئة الحيّة، والمولود بالحق والطبيعة، كالشعاع من النور. لأنه هكذا قد تكلّم الآب “نطق قلبي بكلمة صالحة ” (مز1:44س)، وهكذا الابن بالمثل قال “أنا في الآب والآب فيّ ” (يو10:14). لكن إن كان الكلمة في القلب، فأين المشيئة؟ وإن كان الابن في الآب، فأين المسرّة؟ وإن كان هو نفسه المشيئة فكيف تكون المشورة في المشيئة؟ وهذا غير مقبول لئلا يأتي الكلمة إلى الوجود بكلمة، والابن بابن والحكمة بحكمة، كما سبق وقلنا مرارًا. لأن الابن هو كل ما يخص الآب، ولم يكن شئ في الآب قبل الكلمة، لكن المشيئة هي في الكلمة أيضًا وبواسطته تتحقّق كل أغراض المشيئة، كما قد أوضحت الكتب المقدسة، وأرغب في أن الجاحدين ـ إذ قد سقطوا في مثل عدم الفهم هذا، حتى أنهم يفكرون هكذا بخصوص المشيئة ـ أن لا يعودوا الآن يسألون نساءهم اللواتي كن يسألونهن من قبل هكذا قائلين: ” هل كان لكِ ابن قبل أن تلديه”؟ وأن يسألوا الآباء ” هل صرتم آباء بالمشورة أم بالقانون الطبيعي لمشيئتكم “؟ أو ” هل أولادكم هم مثلكم في الطبيعة والجوهر؟ “.

          لكي يتعلّموا الحياء ربما من الآباء، الذين منهم اتخذوا هذه الفكرة عن الولادة، والذين منهم يرجون أن يحصلوا على معرفة هذا الأمر. لأنهم سيجيبونهم “ما نلده ليس هو مثل مشيئتنا بل مثل ذواتنا ونحن لا نصير والدين بمشيئة سابقة بل أن الولادة هي أمر خاص بطبيعتنا، حيث إننا نحن أيضًا صور لآبائنا “. إذًا دعهم إما يحكمون على أنفسهم أنهم مخطئون ويكفوا عن سؤال النساء عن ابن الله، أو أن يتعلّموا منهن، أن الابن مولود ليس بالمشيئة، بل بالطبيعة والحق. إنه من اللائق بهم والمناسب لهم أن نوضح أفكارهم بأمثلة بشرية. حيث إن هؤلاء المنحرفين يجادلون في الأمور اللاهوتية بطريقة بشرية، إذًا فلماذا لا يزال أعداء المسيح في حالة جنون؟ لأن هذا الادعاء ـ وأيضًا ادعاءاتهم الأخرى ـ قد اتضّح وتبرهن أنها مجرد خيال وخرافات مصنّعة وعلى هذا الأساس ينبغي ـ رغم أنهم تأخروا ـ برؤيتهم هاوية الحماقة التي سقطوا فيها، أن يقوموا ثانية وأن يهربوا من فخ إبليس، كما ننصحهم نحن. لأن الحق هو محب للبشر وينادي الكل دائمًا: إن كنتم بسبب لباس الجسد لا تؤمنون بي، فعلى الأقل آمنوا بالأعمال لكي ” تعرفوا أني في الآب والآب فيّ ” (يو38:10) وأيضًا ” أنا والآب واحد ” (يو30:10)، وأيضًا “الذي رآني فقد ر أي الآب” (يو9:14). والرب هو دائمًا محّب للبشر، ويريد أن يعين الساقطين كما يسبح داود في المزمور (انظر مز8:145س). لكن الجاحدين لأنهم لا يرغبون في سماع صوت الرب، ولا يحتملون أن يروا السيد مُعتَرِفًا به من الكل أنه الله وابن الله، فهم كتعساء يتجولون مثل الخنافس باحثين عن حجج للكفر مع أبيهم الشيطان. فأية حجج إذًا سيستطيعون أن يجدوها بعد هذا؟ ومن أين يأتون بها إلاّ إذا استعاروا تجاديف اليهود وقيافا واتخذوا الكفر من اليونانيين، لأن الكتب المقدسة هي مغلقة بالنسبة لهم وقد دحضناهم كعديمي العقل وأعداء للمسيح بما جاء في كل موضع في هذه الكتب.

 

 

1 يقصد القديس أثناسيوس أنهم حتى لو لم يصرّحوا بأفكارهم بالكلام واستعملوا الإشارات فقط للتعبير.

2 انظر فقرة 58.

3 الحبّار حيوان بحري هلامي يمكن أن يأخذ لون الموضع الذي يوجد فيه. ويستخدم القديس أثناسيوس هذا التشبيه لتوضيح خداعهم.

4 فلانتينوس هو أستاذ مصري علّم أولاً في الأسكندرية ثم وسّع مجال تعليمه فذهب إلى روما حيث أسس هناك مدرسة حوالي 150م ولما حُرِمَ من الكنيسة أنشأ جماعة خاصة مستقلة. وله عدّة كتب ورسائل وأناشيد، ولكن لم يبق منها غير القليل، وهو أحد الهراطقة الغنوسيين المشهورين.

5 انظر فقرة رقم 2 في الفصل الثالث والعشرين والهامش التابع لها عن فكر استيريوس.

 

اعتراضات ضد لاهوت المسيح والرد عليها – القديس أثناسيوس الرسولي

إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس – الآن نفسي قد اضطربت – شرح نصوص مت39:26، يو27:12 – للقديس أثناسيوس الرسولي

إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس – الآن نفسي قد اضطربت – شرح نصوص مت39:26، يو27:12 – للقديس أثناسيوس الرسولي

إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس – الآن نفسي قد اضطربت – شرح نصوص مت39:26، يو27:12 – للقديس أثناسيوس الرسولي

 

          54 ـ لذلك فهم يتأرجحون إلى أعلى وإلى أسفل ـ كما لو كانوا بهذا يعضّدون هرطقتهم من جديد ـ ويقولون: [انظروا ها قد بكى وقال ” الآن نفسي قد اضطربت ” (يو27:12) وطلب أن تعبر عنه الكأس (انظر مت39:26)، فكيف إذًا إن كان قد تكلّم هكذا يكون هو إلهًا وكلمة الآب؟]. نعم يا أعداء الله، قد كُتب عنه أنه بكى، وأنه قال إضطّربت، وعلى الصليب قال ” إلوي إلوي لما شبقتني، أي إلهي إلهي لماذا تركتني ” (مر34:15)؟ وطلب أن تعبر عنه الكأس. حقًا قد كُتِب هذا، لكن أود أن أسألكم ـ لأنه من الضروري أن أرد على كل اعتراضاتكم ـ إن كان المتكلّم هو مجرد إنسان، فهو يبكي ويخاف الموت لكونه إنسانًا، ولكن إن كان هو الكلمة في الجسد (لأنه ينبغي أن لا أمل من تكرار هذا) فمِمَن يخاف وهو الله؟ أو لماذا يخاف الموت؟ وهو نفسه الحياة، وهو الذي حرّر الآخرين من الموت؟

          أو كيف، بينما هو يقول ” لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد ” (لو4:12) هو نفسه يخاف؟ وكيف وهو الذي قال لإبراهيم ” لا تخف لأني معك ” (تك24:26س)، وشجّع موسى ضد فرعون، وقال لابن نون ” تشدّد وتشجّع ” (يش6:1)، كيف يشعر هو نفسه بالخوف أمام هيرودس وبيلاطس؟ وأكثر من ذلك فالذي يُعين الآخرين ضد الخوف (لأن الكتاب يقول ” الرب معين لي فلا أخاف ماذا يصنع بي إنسان ” (مز6:117س) هل يخاف هو الحكّام والبشر المائتين؟ والذي جاء هو نفسه ليبيد الموت، كيف يخاف من الموت؟

          ألا يكون أمرًا غير لائق وعديم التقوى أن يقال عنه إنه يخاف الموت أو الجحيم وهو الذي ارتعد منه بوابو الجحيم حينما رأوه؟ ولكن إن كان حسب رأيكم أن الكلمة كان خائفًا، فلماذا إذًا وهو قد تكلّم عن مكيدة اليهود قبلها بوقت طويل، لم يهرب، بل حينما جاءوا للقبض عليه قال ” أنا هو ” (يو5:18).

          لأنه كان يستطيع أن يتجنّب الموت، كما قال ” لي سلطان أن أضع نفسي، ولي سلطان أن آخذها أيضًا وليس أحد يأخذها مني ” (يو18:10).

          55      ـ لكن اعلموا يا أعداء المسيح، مثل اليهود غير الشاكرين أن هذه الإنفعالات لم تكن من خصائص طبيعة الكلمة؛ بكونه الكلمة، بل كانت من خصائص الجسد الذي اتخذه الكلمة.

          لأنه لم يقل كل هذا قَبْل التجسّد ولكن حينما ” صار الكلمة جسدًا وصار إنسانًا، حينئذٍ كُتب عنه أنه قال هذا، أي قاله إنسانيًا. فالذي كُتِبَ عنه هذا، هو الذي أقام لعازر من الأموات، وحوّل الماء خمرًا، ووهب النظر للمولود أعمى، والذي قال ” أنا والآب واحد ” (يو3:10). إذًا فإن كانوا يجعلون صفاته الإنسانية سببًا ليفكّروا أفكارًا حقيرة عن ابن الله، ويعتبرونه بالكامل إنسانًا من الأرض، وليس من السماء، فلماذا لا يعترفون بأنه هو الكلمة الكائن في الآب، من خلال أعماله. ومن ثم يتخلّون عن كفرهم؟

          لأنه قد أُعطى لهم أن يروا كيف أن الذي يعمل هذه الأعمال هو نفسه الذي أظهر جسده متألمًا بسماحه له بالبكاء والجوع، وأن يُظهر الخواص الأخرى للجسد. لأنه بينما بواسطة مثل هذه (الخواص) عُرِف أنه قد أخذ جسدًا متألّمًا رغم أنه هو الله غير المتألّم، إلاّ أنه من هذه الأعمال أظهر نفسه أنه بالفعل هو كلمة الله الذي صار فيما بعد إنسانًا وكأنه يقول ” رغم أنكم لا تؤمنون بي حيث ترونني مرتديًا جسدًا بشريًا، فآمنوا بالأعمال ” لكي تعرفوا أني أنا في الآب، والآب فيّ ” (يو38:10). ويبدو لي أن أعداء المسيح لديهم وقاحة كبيرة وتجديف عظيم لأنهم حينما يسمعون القول ” أنا والآب واحد ” (يو30:10) فإنهم يشوّهون المعنى بشدة ويفصلون وحدة الآب والابن وحينما يسمعون أنه بكى، وعرق، وتألّم لا ينسبونها لجسده بل يحصونه بسببها مع الخليقة وهو الذي به خُلِقت الخليقة. إذًا في أي شيء يختلف هؤلاء عن اليهود؟[1] لأنه كما أن اليهود جدّفوا ناسبين أعمال الله إلى بعلزبول، هكذا هؤلاء أيضًا، إذ يحصون الرب الذي صنع تلك الأعمال، مع الخلائق، سوف يقع عليهم مع أولئك (اليهود) نفس الحكم بلا رحمة.

          56 ـ إذًا كان ينبغي على هؤلاء عندما يسمعون ” أنا والآب واحد ” أن يروا فيه وحدة الألوهية وجوهر الآب ذاته، وأيضًا عندما يسمعون أنه “بكى” وما يماثلها، أن يقولوا إن هذه الأمور هي خاصة بالجسد، وبنوع خاص لأن هذه الأمور لها أساس معقول من كل جهة، أي أن الكلمات الأولى كُتِبَت عنه بكونه هو الله والأخرى كُتِبَت عنه كإنسان لأن خصائص الجسد لا يمكن أن تصير لِمَن هو بلا جسد لو لم يكن قد أخذ جسدًا قابلاً للفساد والموت.

          لأن مريم القديسة التي أخذ منها جسده كانت قابلة للموت، لذلك فمن الضروري حينما كان في الجسد أن يعاني، وأن يبكي، وأن يتعب، فهذه الأمور التي تخص الجسد، تُنسب إليه مع الجسد.

          ومن ثم فعندما يقال: بكى، واضطرب، لم يكن الكلمة باعتباره الكلمة هو الذي بكى واضطرب، لكن هذه كانت من خصائص الجسد وأيضًا عندما طلب أن تعبر عنه الكأس فلم يكن اللاهوت هو الذي ارتعد، بل إن هذا الإنفعال أيضًا كان خاصًا بناسوته. وأيضًا فكلمات ” لماذا تركتني “؟ (مر34:15) هي كلماته، بحسب الشرح السابق، رغم أنه لم يتألّم بشئ، لأنه الكلمة غير متألم، وهذا ما أعلنه البشيرون. وحيث إن الرب صار إنسانًا فهذه الأمور تحدث وتقال كما من إنسان، لكي يُبطل أوجاع الجسد هذه، ويحرّر الجسد منها، لذلك لا يمكن أن الرب يُترك من الآب، وهو كائن دائمًا في الآب قبل أن يتكلّم، وأثناء نطقه بهذه الصرخة، وأيضًا ليس من الجائز أن يقال إن الرب كان مرتعدًا وهو الذي هرب من أمامه بوابو الجحيم ” والقبور تفتحت وقام كثير من أجساد القديسين وظهروا لأهلهم (انظر مت53:27).

          لذلك ليستّد فم كل هرطوقي ولا يتجاسر أن ينسب الخوف للرب، الذي منه يهرب الموت مثل حيّة، والذي منه ترتعد الشياطين، وبه ينزعج البحر وله تنشّق السماوات، وتتزعزع كل القوات لأنه هوذا حينما قال ” لماذا تركتني “؟ أظهَر أن الآب كان دائمًا فيه حتى في تلك اللحظة. لأن الأرض إذ تعرف ربها الذي تكلّم ارتعدت في الحال، وانشّق حجاب الهيكل، واحتجبت الشمس، وتشقّقت الصخور وتفتّحت القبور ـ كما قلت سابقًا ـ وقام الأموات الذين كانوا فيها، والمدهش أيضًا أن أولئك الذين كانوا حاضرين عندئذٍ وكانوا ينكرونه قبلاً، بعد أن رأوا هذه الآيات اعترفوا قائلين ” حقًا كان هذا ابن الله ” (مت54:27).

          57 ـ وعن قوله ” إن أمكن، أن تعبر عني الكأس ” (مت39:26) إعلموا كيف أنه رغم كلامه هكذا فقد انتهر بطرس قائلاً ” لأنك لا تهتم بما لله ولكن بما للناس ” (مر33:8)، لأنه كان يريد هذه الكأس التي طلب أن تعبر عنه، إذ لأجل هذا قد جاء الكلمة إلى العالم. أما الخوف فهو خاص بالجسد، لذلك فقد نطق بهذا الكلام أيضًا كإنسان، ومع ذلك فالأمران معًا قالهما نفس الشخص[2]، لكي يُظهر أن مَنْ أراد وفَعَلَ هو الله. ولكن حينما صار إنسانًا، فقد أخذ جسدًا يخاف، ولأجل هذا الجسد ربط إرادته الخاصة بالضعف البشري، لكي بإبادته لهذا الضعف، يُعطى للإنسان مرة أخرى أن يكون شجاعًا أمام الموت. يا له من أمر عجيب حقًا! فالمسيح الذي يُلصِق به أعداؤه كلمات الخوف، هو نفسه بواسطة ما يسمونه الخوف، جعل الناس شجعانًا وغير خائفين. وهكذا فالرسل الطوباويون من بعده استهانوا بالموت بقوة بسبب كلماته هذه حتى أنهم لم يبالوا بأولئك الذين حاكموهم، بل أجابوا ” ينبغي أن يطاع الله أكثر من الناس ” (أع29:5). والشهداء القديسون الآخرون كانوا شجعانًا أيضًا، حتى اعتقدوا أنهم كانوا ينتقلون إلى الحياة، أكثر من كونهم يقاسون الموت، أليس إذًا هو أمر في غير محله أن يعجب أحد بشجاعة خدام الكلمة، ومع ذلك يقول إن الكلمة نفسه كان خائفًا، مع أن خدامه قد احتقروا الموت؟ ولكن من العزيمة الصبورة جدًا وشجاعة الشهداء القديسين يظهر أن الألوهية لم تكن هي التي تخاف، بل هو خوفنا ذلك الذي نزعه المخلّص. لأنه كما أباد الموت بالموت، وبوسائل بشرية أبطل كل ما للإنسان (من ضعفات) هكذا أيضًا بهذا الذي ظهر وكأنه خوف، نزع خوفنا، وأعطى الناس أن لا يعودوا يخافون الموت فيما بعد. 

          فكلمته وفعله يحدثان معًا، لأنه إنسانيًا قد قال ” اعبر عني الكأس ” و ” لماذا تركتني “؟ ولأنه هو الله فقد جعل الشمس تحتجب، والموتى يقومون بقوة لاهوته. وأيضًا إنسانيًا قال ” الآن نفسي قد اضطربت ” (يو27:12). وإلهيًا قال ” لي سلطان أن أضع نفسي، ولي سلطان أن آخذها أيضًا ” (يو18:10). فكونه يضطرب فهذا أمر خاص بالجسد، وأن يكون له سلطان أن يضع نفسه وأن يأخذها أيضًا حينما يريد، فهذا أمر ليس خاصًا بطبيعة البشر، بل بقوة الكلمة. لأن الإنسان لا يموت بسلطانه الخاص بل باضطرار الطبيعة ورغم إرادته. أما الرب، فلأنه هو نفسه غير مائت، ولكن لأنه أخذ جسدًا مائتًا، فله السلطان لكونه هو الله، أن يفصل النفس عن الجسد، وأن يعيدها أيضًا، حينما يريد. وداود يرتل عن هذا قائلاً ” لن تترك نفسي في الجحيم، ولا تدع قدوسك يرى فسادًا ” (مز10:15س).

          لذلك كان يجب أن الجسد الذي كان قابلاً للفساد لا يبقى فيما بعد مائتًا حسب طبيعته الخاصة، بل بسبب الكلمة الذي اتخّذه يبقى غير قابل للفساد. لأنه كما صار هو في جسدنا، وشابه ما لنا، هكذا نحن، إذ نقبله فإننا ننال منه عدم الموت.

          58 ـ إذًا فلا مبرر لهؤلاء الآريوسيين المجانين، فيما يعثرون به مفكّرين أفكارًا حقيرة عن الكلمة، بسبب المكتوب، أنه “اضطرب”، و”بكى” لأنهم يظهرون كأن ليس عندهم مشاعر إنسانية، فهم يجهلون طبيعة البشر وخصائصها. التي بها يكون أمرًا عجيبًا جدًا أن الكلمة يوجد في مثل هذا الجسد المتألّم، وهو لم يمنع أولئك الذين تآمروا عليه، ولا انتقم من أولئك الذين صلبوه، رغم أنه يستطيع، وهو الذي منع الموت عن البعض، وأقام البعض من الموت، وجعل جسده الخاص يتألّم، لأنه لهذا قد جاء، كما قلت سابقًا، لكي إذ يتألّم في الجسد، يجعل الجسد من الآن فصاعدًا غير متألم وغير مائت، ولكي، كما قلنا مرّات عديدة، إنه جعل الأوجاع والأمور الأخرى تأتي عليه هو ولا تصيب الناس فيما بعد، إذا تكون قد أُبيدت تمامًا بواسطته، ويبقى الناس على الدوام غير قابلين للفساد كهيكل للكلمة. فلو أن أعداء المسيح تفكّروا في هذه الأمور وعرفوا التعليم الكنسي كمرساة للإيمان لما انكسرت بهم سفينة الإيمان (انظر 1تيمو19:1)، ولما كانوا هكذا عديمي الحياء لدرجة أنهم يقاومون أولئك الذين يريدون أن يخلّصوهم من سقطتهم، ويحسبون أولئك الذين ينصحونهم بالتقوى كأعداء لهم.

          ولكن كما يبدو، فإن الهرطوقي هو حقيقةً إنسان خبيث، وقلبه منحرف من كل ناحية إلى الكفر، فرغم فضحهم في كل النقاط، وإظهارهم أنهم محرومون من الفهم تمامًا، فإنهم لا يشعرون بأي خجل، بل مثل (الإيدرا) أي منبع الوحش في الأسطورة اليونانية، أنه حينما تموت الحيّات السابقة، فالمنبع يلد حيّات جديدة، يحارب بها الذي أهلك الحيّات القديمة. هكذا أيضًا محاربو الله والكارهون له هم مثل (الإيدرا) أي منبع الوحوش، حينما تسقط اعتراضاتهم التي يقدّمونها، فهم يخترعون لأنفسهم أسئلة أخرى يهودية وغبيّة، وحيل جديدة كما لو أن الحق هو عدوهم، مظهرين بذلك بالأحرى أنهم أعداء المسيح في كل شئ.

 

1 لهذا السبب، سبق أن أطلق القديس أثناسيوس عليهم لقب “اليهود الجدد أو اليهود المعاصرون” انظر فقرة 8 على سبيل المثال.

2 مرة أخرى يضع ق. أثناسيوس أسس التعليم القديم الذي علّمت به الكنيسة فيما بعد على لسان ق. كيرلس فيما يخص طبيعة المسيح (الخريستولوجي). انظر فقرة 35.

إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس – الآن نفسي قد اضطربت – شرح نصوص مت39:26، يو27:12 – للقديس أثناسيوس الرسولي

معرفة الابن لليوم والساعة، التقدّم في النعمة والحكمة – شرح نصوص (مر32:13، لو52:2) للقديس أثناسيوس الرسولي

معرفة الابن لليوم والساعة، التقدّم في النعمة والحكمة – شرح نصوص (مر32:13، لو52:2) للقديس أثناسيوس الرسولي

معرفة الابن لليوم والساعة، التقدّم في النعمة والحكمة – شرح نصوص (مر32:13، لو52:2) للقديس أثناسيوس الرسولي

 

          42ـ وحيث إن الأمور هي هكذا فدعنا نأتي الآن لكي نبحث الآية ” وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلم يعلم بها أحد ولا الملائكة ولا الابن إلاّ الآب ” (مر32:13).

          ولكونهم في جهل عظيم من جهة هذه الكلمات فقد أصابهم الدوار بسببها ويظنون أنهم قد وجدوا فيها حجة هامة تسند هرطقتهم. فإن كان هؤلاء الهراطقة قد سبق فقرّروا هذا ويسلّحون أنفسهم به. فإني أراهم كالعمالقة[1] الذين يحاربون الله. لأن رب السماء والأرض الذي به خُلقت كل الأشياء، يطالب بتقديم حساب أمامهم عن اليوم والساعة. والكلمة الذي يعرف كل الأشياء يتهمونه بأنه يجهل اليوم، والابن الذي يعرف الآب يقولون إنه يجهل ساعة من ساعات اليوم. والآن ماذا يمكن أن يكون أكثر حماقة من هذا، أو أي جنون يمكن أن يشابه هذا؟

          لأنه بالكلمة قد خُلقت كل الأشياء والأزمنة، والأوقات والليل والنهار وكل الخليقة، فهل يقال بعد ذلك إن الخالق يجهل عمله؟ ولكن بمواصلة القراءة في هذا الفصل يتضّح أن ابن الله يعرف تلك الساعة وذلك اليوم، رغم أن الآريوسيين قد سقطوا بشدة في جهلهم لأنه بينما يقول (ولا الابن) يشرح للتلاميذ ما يحدث قبل ذلك اليوم قائلاً سيكون هذا وذاك، ثم يأتي المنتهي (انظر مت24). فالذي يتكلّم عن ما يحدث قبل ذلك اليوم، يعرف بالتأكيد اليوم أيضًا، الذي سوف يأتي بعد كل ما سبق وأخبر به، ولكن لو لم يكن يعرف الساعة، لما كان قد تحدّث عن الأمور التي تسبقها لكونه لا يعرف متى ستكون. ومثل إنسان يريد أن يدل أولئك الذين يجهلون مكان منزل ما أو مدينة، فهو يذكر لهم بالتفصيل الأشياء التي تقابلهم قبل المنزل أو المدينة وبعد أن يشرح لهم كل شئ يقول ” وبعد ذلك تجدون المدينة أو المنزل مباشرة فهذا المشير يعرف تمامًا أين يوجد المنزل أو المدينة ـ لأنه لو لم يكن يعرف، لما استطاع أن يشرح لهم ما يجدونه قبلها. وحتى لا يتسبب دون قصد في أن سامعيه يضّلون الطريق، أو أنهم يذهبون بعيدًا عن المكان بسبب وصفه الخاطئ. هكذا فإن الرب بحديثه عن ما يسبق ذلك اليوم وتلك الساعة فهو يعرف بالضبط، ولا يجهل متى تأتي الساعة ويكون اليوم.

          43ـ والآن فلماذا رغم أنه كان يعرف، لم يخبر تلاميذه بوضوح في ذلك الحين. لا يستطيع أحد أن يفحص ما صَمَتَ الرب عنه، ” لأن مَنْ عَرِفَ فكر الرب؟ أو من صار له مشيرًا ” (رو34:11)، ولماذا رغم أنه عَرِفَ، قال “ولا الابن” يعرف. أظن أن هذا لا يجهله أي واحد من المؤمنين: إنه قال هذا مثلما قال الأقوال الأخرى ـ كإنسان بسبب الجسد فهذا ليس نقصًا في الكلمة، بل هو بسبب تلك الطبيعة البشريّة التي تتصّف بعدم المعرفة.

          وهذا أيضًا يمكن أن يُرى جيدًا إن كان أحد يفحص المناسبة بإخلاص: متى ولِمَنْ تكلّم المخلّص هكذا[2]؟ فهو لم يتكلّم هكذا حينما خُلقت السماوات بواسطته، ولا حينما كان مع الآب نفسه، الكلمة الصانع كل الأشياء (انظر أم27:8ـ30). وهو لم يَقُل هذا أيضًا قبل ولادته كإنسان ولكن حينما صار الكلمة جسدًا. ولهذا السبب فمن الصواب أن ننسب إلى ناسوته كل شئ تكلّم به إنسانيًا بعد أن تأنس. لأنه من خاصية الكلمة أن يعرف مخلوقاته، وأن لا يجهل بدايتها ونهايتها، لأن هذه المخلوقات هي أعماله. وهو يعرف كم عددها وحدود تكوينها. وإذ هو يعرف بداية كل شئ ونهايته، فإنه يعرف بالتأكيد النهاية العامة والمشتركة للكل. وبالتأكيد فحينما يتكلّم في الإنجيل عن نفسه إنسانيًا قائلاً: ” أيها الآب، قد أتت الساعة مجد ابنك” (يو1:17)، فواضح أنه بصفته الكلمة، يعرف أيضًا ساعة نهاية كل الأشياء رغم أنه كإنسان يجهلها، لأن الجهل هو من خصائص الإنسان، وخاصةً في هذه الأمور.

          وبالأكثر فإن هذا لائق بمحبة المخلّص للبشر، لأنه منذ أن صار إنسانًا لم يخجل ـ بسبب الجسد الذي يجهل ـ أن يقول لا أعرف لكي يوضّح أنه بينما هو يعرف لأنه هو الله، فهو يجهل جسديًا. ولذلك فهو لم يقل ” ولا ابن الله يعرف “، لئلا يبدو أن اللاهوت يجهل، بل قال ببساطة “ولا الابن” لكي تكون عدم المعرفة منسوبة لطبيعة الابن البشرية.

          44ـ ولهذا السبب فهو يتحدّث عن الملائكة أنهم لا يعرفون اليوم والساعة ولكنه لم يواصل ويقول ” ولا الروح القدس يعرف” لكنه صمت لسببين: أولاً: لأنه إن كان الروح يعرف فبالأولى فإن الكلمة لابد أن يعرف لأن الكلمة الذي يستمد منه الروح المعرفة هو بالأولى يعرف.

          ثانيًا: وبصَمْته عن ذكر الروح أوضَحَ أن قوله “ولا الابن” هو عن خدمته البشرية. وهذا برهان على ذلك: أنه، حينما تكلّم إنسانيًا قائلاً “ولا الابن يعرف” لكونه هو الله فهو يُظهر نفسه أنه يعرف كل الأشياء. لأن ذلك الابن الذي يقال إنه لا يعرف اليوم، يقول هو عن نفسه إنه يعرف الآب لأنه يقول ” لا أحد يعرف الآب إلاّ الابن ” (مت27:11). وكل الناس عدا الآريوسيين يعترفون أن الذي يعرف الاب هو بالأحرى يعرف كل شئ عن الخليقة ومن ضمن هذا الكل نهاية الخليقة. وإن كان اليوم والساعة قد تحدّدا من الآب فواضح، أنهما قد تحدّدا بواسطة الابن وهو نفسه يعرف الأشياء التي قد تحدّدت بواسطته.

          لأنه لا يوجد شئ إلاّ وقد وُجِدَ وتحدّد بوساطة الابن لذلك فإذ هو خالق الكون، فهو يعرف إلى أي درجة وإلى أي حدود أراد الآب للكون أن يصير.

          وهو يعرف ما هو الحد الزمني للكون. وأيضًا إن كان كل ما للآب هو للابن [ وهذا ما قد قاله هو نفسه (انظر يو15:16) ]، ومن خصائص الآب أن يعرف اليوم، فواضح أن الابن أيضًا يعرف اليوم إذ أن له هذه الخاصية من الآب. وأيضًا إن كان الابن في الآب والآب في الابن، والآب يعرف اليوم والساعة، فواضح أن الابن لكونه في الآب ويعرف كل ما هو للآب، هو نفسه أيضًا يعرف اليوم والساعة. وإن كان الابن هو أيضًا صورة الاب ذاته، والآب يعرف اليوم والساعة، فواضح أن الابن له هذه المماثلة أيضًا للآب في معرفة اليوم والساعة. وليس غريبًا إن كان هو الذي به صارت كل الأشياء (انظر يو3:1)، وفيه يقوم الكل (انظر كو17:1)، هو نفسه يعرف المخلوقات التي خُلقت، ومتى تكون نهاية كل منها ونهايتها كلها معًا.

          ولكن الوقاحة الناتجة عن جنون الآريوسيين اضطّرتنا أن نلجأ إلى دفاع طويل هكذا. ولأنهم يحصون ابن الله الكلمة الأزلي بين المخلوقات فليسوا بعيدين عن أن يقولوا أيضًا إن الآب نفسه أقل من الخليقة. لأنه إن كان ذلك الذي يعرف الآب لا يعرف اليوم ولا الساعة، فإني أخشى لئلا تكون معرفة الخليقة أو بالأحرى معرفة الجزء الأدنى منها أعظم من معرفة الآب ـ كما يقولون في جنونهم.

          45ـ ولكن أولئك بسبب أنهم يجدّفون على الروح هكذا، فلا ينبغي أن ينتظروا الحصول على الغفران إطلاقًا عن تجديفهم هذا كما قال الرب (انظر مت32:12). وأما المحبون للمسيح والذين يحملون المسيح، فيعرفون أن الكلمة باعتباره أنه هو الكلمة، قال لا أعرف، ليس لأنه لا يعرف، إذ هو يعرف (كل شئ)، ولكن لكي يُظهر الناحية الإنسانية، إذ أن عدم المعرفة خاص بالبشر، وأنه قد اتخّذ الجسد الذي يجهل، والذي بوجوده فيه قال بحسب الجسد “لا أعرف”.

          ولهذا السبب، فبعد قوله ” ولا الابن يعرف” وتحدّثه عن جهل الناس في أيام نوح، أضاف مباشرةً قائلاً: ” اسهروا إذًا، لأنكم لا تعلمون في أية ساعة يأتي ربكم” وأيضًا ” في ساعة لا تعلمون يأتي ابن الإنسان ” (مت42:24، 44)، ولكني إذ قد صرت مثلكم من أجلكم، قلت “ولا الابن”. لأنه لو كان يجهل بكونه هو الله لكان ينبغي أن يقول “اسهروا إذًا، لأني لا أعرف، وفي ساعة لا أعلمها” ولكن في الواقع ليس هذا هو ما قاله. ولكنه بقوله “لا تعلمون” و “في ساعة لا تعلمونها” أوضح بذلك أن الجهل خاص بالبشر، الذين لأجلهم أخذ جسدًا مشابهًا لأجسادهم، وصار إنسانًا وقال ” ولا الابن يعرف ” لأنه لا يعرف بالجسد رغم أنه يعرف بكونه هو الله الكلمة.

          وأيضًا مثال نوح[3] يكشف وقاحة أعداء المسيح، لأنه في ذلك التشبيه لم يقل “لا أعرف”، بل قال ” لم يعلموا حتى جاء الطوفان ” (مت39:24).

          لأن البشر لم يعلموا، أما الذي جاء بالطوفان (والذي هو المخلّص نفسه) فقد عَرِفَ اليوم والساعة، التي فيها فتح طاقات السماء وفجّر ينابيع الغمر، وقال لنوح ” أدخل أنت وجميع بيتك إلى الفلك ” (تك1:7) لأنه لو كان لا يعرف لما كان قد سبق فأخبر نوح قائلاً: ” بعد سبعة أيام آتي بطوفان على الأرض ” (انظر تك4:7).

          ولكنه إذ يستخدم مثال زمن نوح ويعرف يوم الطوفان، إذًا فهو يعرف أيضًا يوم مجيئه.

          46ـ وأيضًا، في مثل العذارى يظهر بوضوح أكثر من هم الذين كانوا يجهلون اليوم والساعة بقوله ” اسهروا إذًا، لأنكم لا تعرفون اليوم والساعة ” (مت13:25). والذي قال قبل ذلك بقليل ” لا أحد يعرف ولا الابن ” (مت36:24) لا يقول الآن “لا أعرف” بل يقول “أنتم لا تعرفون”.

          وبنفس الطريقة، عندما سأله التلاميذ عن النهاية، حسنًا قال حينئذٍ “ولا الابن” جسديًا، بسبب الجسد، لكي يظهر أنه كإنسان، لا يعرف لأن الجهل هو من خصائص البشر، ولكن إذ هو الكلمة، وهو الذي سوف يأتي، وهو الديّان وهو العريس، فهو يعرف متى وفي أية ساعة سيأتي، ومتى سيقال ” استيقظ أيها النائم، وقم من الأموات، فيضيء لك المسيح ” (أف14:5). كما أنه إذ صار إنسانًا فقد كان يجوع ويعطش ويتألم مع الناس، هكذا مع الناس كإنسان فهو لا يعرف، رغم أنه لكونه هو الله إذ هو كلمة الآب وحكمته فهو يعرف، ولا يوجد شئ لا يعرفه.

          وهكذا أيضًا في حالة لعازر فهو يسأل كإنسان بينما كان في طريقه لكي يقيمه، ويعرف من أين سيدعو نفس لعازر مرّة ثانية.

          وقد كان أمرًا أعظم أن يعرف أين كانت النفس أكثر من أن يعرف أين وُضِعَ الجسد، ولكنه سأل إنسانيًا لكي يقيمه إلهيًا. هكذا أيضًا سأل تلاميذه عندما جاءوا إلى نواحي قيصرية، رغم أنه يعرف حتى قبل أن يجيب بطرس. لأنه إن كان الآب قد أعلن لبطرس الإجابة على سؤال الرب، فواضح أن الاعلان كان بواسطة الابن لأنه يقول ” لا أحد يعرف الابن إلاّ الآب ولا الآب إلاّ الابن، ومن أراد الابن أن يُعلِن له ” (لو22:10). ولكن إن كانت معرفة الآب والابن تُكشف بواسطة الابن، فليس هناك أي مجال للشك في أن الرب الذي سأل بطرس هو نفسه قد استُعلن أولاً لبطرس من الآب، وبعد ذلك سأله إنسانيًا، لكي يظهر أنه يسأل جسديًا بينما هو يعرف إلهيًا ما سوف يقوله بطرس. إذًا فالابن يعرف، وهو يعرف كل الأشياء ويعرف أباه، تلك المعرفة التي لا توجد معرفة أعظم أو أكمل منها.

          47ـ هذا يكفي لدحض أولئك، ولكن لكي أوضّح أكثر أنهم معادون للحق وأعداء للمسيح، فإني أريد أن أسألهم سؤالاً: يكتب الرسول في الرسالة الثانية إلى أهل كورنثوس: ” أعرف إنسانًا في المسيح قبل أربع عشرة سنة أفي الجسد لست أعلم أم خارج الجسد لست أعلم. الله يعلم ” (2كو2:12).

          فماذا يقولون الآن؟ هل عرف الرسول ما قد حدث له في الرؤيا، رغم أنه يقول لا أعرف، أو لم يعرف؟ فإن كان لم يعرف فانتبهوا إذًا، لئلا إذ تتعوّدون على الخطأ تسقطون في مخالفة الفريجيين[4] الذين يقولون إن الأنبياء وخدّام الكلمة الآخرين، لا يعرفون ما يفعلونه، ولا ما يكرزون به.

          ولكن إن كان الرسول يعرف، حينما قال لا أعرف، لأنه كان قد أخذ المسيح في داخله ـ الذي يكشف له كل الأشياء أفلا يكون قلب أعداء الله هؤلاء منحرفًا بالحقيقة ومدانًا من نفسه؟ لأنه في الوقت الذي يقول الرسول “لا أعرف” يقولون هم أنه يعرف، بينما حينما يقول الرب “لا أعرف” يقولون هم أنه لا يعرف، لأنه إن كان بسبب أن المسيح كان فيه، عرف بولس ما قد قال عنه إنه لا يعرفه. أفلا يعرف المسيح نفسه بالأكثر حتى إن قال “لا أعرف”؟ إذًا فبسبب أن الرسول، قد كشف له الرب، فإنه عرف ما رآه، لهذا يقول ” أعرف إنسانًا في المسيح” ولأنه يعرف هذا الإنسان، فهو يعرف أيضًا كيف أُختُطِفَ هذا الإنسان. وهكذا أليشع الذي ر أي إيليا عرف أيضًا كيف أُصعد. ولكن رغم أنه عرف، إلاّ أنه حينما ظن أبناء الأنبياء أن إيليا قد طرحه الروح على أحد الجبال، فأليشع لأنه يعرف من البداية ما قد رآه، حاول أن يقنع هؤلاء الرجال، ولكن لما ألحوا عليه صمت وتركهم يمضون للبحث عنه (انظر 2مل2). إذًا ألم يكن أليشع يعرف وبسبب ذلك صَمَتَ؟ هو يعرف بالتأكيد، ولكنه صمت وكأنه لم يكن يعرف، ولذلك تركهم، لكي عندما يقتنعون لا يشكّون بعد ذلك في صعود إيليا. إذًا فبالأكثر جدًا بولس نفسه وهو الشخص الذي أُختطف، لابد أنه كان يعرف أيضًا كيف أُختطف، لأن إيليا عرف ولو كان أحد قد سأله، لكان قد أجابه كيف أُصعد. ومع ذلك فبولس يقول “لا أعرف”، لهذين السببين على الأقل: الأول كما قال هو نفسه لئلا بسبب كثرة الإعلانات يظن أحد فيه أكثر مما يراه. والسبب الثاني هو أن مخلّصنا قد قال “لا أعرف” فيليق به هو أيضًا أن يقول “لا أعرف” لئلا يظهر أن العبد أعظم من سيده، والتلميذ أفضل من معلّمه.

          48ـ من ثم فالذي أعطى لبولس أن يعرف، بالأولى جدًا أن يعرف هو نفسه. لأنه طالما تكلّم عن الأمور التي تسبق اليوم كما سبق أن قلت ـ فهو يعرف أيضًا متى يكون اليوم ومتى تكون الساعة، ورغم أنه يعرف إلاّ أنه يقول ” ولا الابن يعرف” فلماذا إذًا قال عندئذٍ “لا أعرف” عن الأمر الذي عرفه لكونه هو الرّب؟ ولابد للمرء أن يفكر بعمق حتى يصل إلى النتيجة التي تبدو لي واضحة وهي أن الرّب قد تكلّم هكذا لأجل منفعتنا، وذلك لكي يمنحنا الفهم الحقيقي لكلامه! ويحرص المخلّص على منفعتنا من الناحيتين[5]، لأنه قد أعلن لنا من ناحية ما سيأتي قبل النهاية، لكي لا نندهش ولا نرتاع ـ كما قال هو نفسه ـ حينما تحدّث هذه الأمور، بل ننتظر النهاية التي تأتي بعدها.

          ومن جهة اليوم والساعة فهو لم يَرِدْ أن يقول “أعرف” بحسب طبيعته الإلهية و “لا أعرف” بحسب الجسد، وذلك بسبب الجسد الذي كان يجهل، كما قلت سابقًا، لئلا يسألوه أكثر، وعندئذٍ إما أن يحزن التلاميذ بعدم إجابته لهم، وإما أن يجيبهم لأجلنا حيث إن الكلمة صار جسدًا لأجلنا أيضًا. لذلك فلأجلنا قال ” ولا الابن يعرف” وهو لم يكن غير صادق بقوله هذا (لأنه إنسانيًا، كإنسان، قال “لا أعرف”)، ولا سمح للتلاميذ أن يضطّروه إلى الكلام، لأنه بقوله “لا أعرف” فقد أوقف تساؤلاتهم. وهكذا كُتب في أعمال الرسل، أنه حينما صعد مع الملائكة، فقد صعد كإنسان ورفع معه إلى السماء الجسد الذي اتخذه وقبل أن يرى التلاميذ هذا سألوه أيضًا متى تكون النهاية ومتى تأتي أنت؟ قال لهم بأكثر وضوح ” ليس لكم أن تعرفوا الأزمنة والأوقات التي جعلها الآب في سلطانه ” (أع7:1). وعندئذٍ لم يقل ” ولا الابن” كما سبق وقال إنسانيًا، بل قال “ليس لكم أن تعرفوا” لأن الجسد عندئذٍ كان قد قام وخلع عنه الموت وتأله، ولم يعد يليق به أن يجيب حسب الجسد عندما كان منطلقًا إلى السماوات، بل أن يعلّم بطريقة إلهية أنه: ” ليس لكم أن تعرفوا الأزمنة والأوقات التي جعلها الآب في سلطاته، ولكنكم ستنالون قوة ” (أع7:1ـ8). وأية قوة هي للآب سوى الابن؟ لأن: ” المسيح هو قوة الله وكلمة الله ” (1كو24:1).

          49ـ إذًا فالابن يعرف لكونه الكلمة، فكأنه يقول: أنا أعرف ولكن هذه المعرفة التي أعرفها ليست لكي أعرفكم بها فحينما كنت جالسًا على الجبل قلت حسب الجسد ” ولا الابن يعرف” وهذا لأجل منفعتكم ومنفعة الجميع. لأنه نافع لكم أن تسمعوا هكذا عن الملائكة وعن الابن، بسبب أولئك المضّلين الذين سوف يظهرون كملائكة رغم أنهم شياطين وسيحاولون أن يتكلّموا عن النهاية، فلا ينبغي أن تصدقوهم لأنهم لا يعرفون. وأيضًا حتى إن أخفى ضد المسيح نفسه وقال “أنا هو المسيح” وحاول بدوره أن يتكلّم عن ذلك اليوم وعن تلك النهاية، لكي يُضل السامعين، فأنتم الذين قد سمعتم مني هذه الكلمات: ” ولا الابن”، لا تصدقوه أيضًا. ومن جهة أخرى، لأنه ليس نافعًا للناس أن يعرفوا متى تكون النهاية أو متى يكون يوم النهاية، لئلا عندما يعرفون، يصيرون متهاونين في الفترة المتبقيّة من الزمن، وينتظرون فقط الأيام التي هي قرب النهاية فقط. لذلك أيضًا صَمَتَ الرب ولم يتكلّم عن الوقت الذي سيموت فيه كل واحد لئلا عندما يصير الناس منتفخين بسبب المعرفة، فإنهم يهملون أنفسهم طوال الجزء الأكبر من زمانهم. إذًا فالكلمة قد أخفى عنا كلاً من نهاية كل الأشياء، ونهاية كل واحد منا (لأن نهاية كل الأشياء هي نهاية لكل واحد ويمكن أن نستنتج من نهاية كل واحد، نهاية كل الأشياء).

          لأنه في الواقع حينما يكون الوقت غير معروف، ونحن ننتظره دائمًا، فإننا كمدعويين نتقدّم يومًا فيومًا، ممتدين إلى ما هو قدّام وناسين ما هو وراء (انظر في13:3). لأن مَنْ هو الذي عندما يعرف يوم النهاية لا يكون متراخيًا خلال تلك الفترة، ولكن إن كان يجهل اليوم أفلا يصير مستعدًا كل يوم؟ لهذا السبب أضاف المخلّص قائلاً: ” اسهروا إذًا لأنكم لا تعرفون، أية ساعة يأتي ربكم ” (مت42:24)، وأيضًا ” في ساعة لا تظنون يأتي ابن الإنسان ” (لو40:12) لذلك فبسبب المنفعة التي تأتي من عدم المعرفة، قال هذا، وهو عندما يقول هذا، فهو يريد أن نكون نحن مستعدين دائمًا. فكأنه يقول: بالنسبة لكم أنتم لا تعرفون ولكن أنا الرب، أعرف متى سآتي، رغم أن الآريوسيين لا ينتظرونني، أنا الذي هو كلمة الآب.

          50ـ فالرّب إذًا، لأنه يعرف ما هو نافع لنا أكثر منا، لذلك طمأن التلاميذ، وهم أيضًا إذ علموا هكذا فإنهم صحّحوا موقف أولئك الذين من تسالونيكي حينما كانوا على وشك أن يضلوا في هذا الأمر (انظر 2تس2:2). ولكن حيث إن أعداء المسيح لا يتأثرون بهذا الكلام ورغم أني أعرف أن لهم قلب أكثر قساوة من فرعون فإني أريد أن أسألهم ثانية عن هذا. سأل الله آدم في الفردوس قائلاً: ” آدم، أين أنت“؟ (تك9:3). وسأل قايين أيضًا ” أين هابيل أخوك “؟ (تك9:4). فماذا تقولون إذًا عن هذا الأمر؟ لأنكم إن ظننتم أنه لا يعلم، ولذلك سأل، فإنكم بذلك تنضمون إلى جماعة المانويين[6]، لأن هذا هو تفكيرهم المتجاسر. ولكن إن كنتم تخشون أن يطلق عليكم هذا الاسم جهارًا تضطرون أنفسكم للقول إنه يسأل بينما هو يعرف. فأي غرابة إذًا توجد في هذا التعليم إن كان الابن الذي هو كلمة الله هو الذي قد سأل آدم وقايين، هو نفسه الابن وقد لبس الآن جسدًا، يسأل التلاميذ كإنسان؟ إلاّ إذا كنتم قد صرتم بالطبع مانويين وتريدون عندئذٍ أن تنتقدوا السؤال الذي وجّهه الله لآدم (انظر تك9:3) وتعطوا لأنفسكم الفرصة كاملة للإنحراف. ولأنكم قد انكشفتم من كل ناحية، فإنكم لا تزالون تتهامسون متذمّرين من كلمات لوقا، التي كُتِبَت باستقامة، ولكن أنتم تسيئون فهمها. وما هي هذه الكلمات؟ ينبغي أن نذكرها، لكي يتضّح أيضًا المعنى المنحرف الذي أعطيتموه لها.

 

التقدّم في الحكمة والنعمة:

          51ـ يقول القديس لوقا ” وأما يسوع فكان يتقدّم في الحكمة والقامة والنعمة عند الله والناس ” (لو51:2). هذه إذًا هي الآية، وحيث إنهم عثروا فيها، فنحن مضطّرون أن نسألهم، مثل الفريسيين والصدوقيين، عن الشخص الذي يتكلّم عنه لوقا. والسؤال هو هكذا: هل يسوع المسيح هو إنسان مثل كل الناس الآخرين أم هو الله وقد اتخذ جسدًا؟

          فإن كان إنسانًا عاديًا مثل باقي الناس، إذًا فهو كإنسان يتقدّم. لكن هذا هو مذهب الساموساطي[7]، الذي تعتقدون به أنتم في الحقيقة رغم أنكم تنكرونه بالاسم بسبب الناس، لكن إن كان هو الله وقد اتخذ جسدًا، كما هو هكذا بالحقيقة، لأن الكلمة صار جسدًا، ولكونه الله الذي نزل على الأرض، فأي نمو أو تقدّم يكون لذلك الكائن المساوي لله؟ أو كيف حصل الابن على ازدياد، وهو كائن على الدوام في الآب؟ لأنه إن كان وهو الكائن دائمًا في الآب يتقدّم، فماذا يكون هناك بعد الآب حتى يأخذ منه تَقدّمه؟ ومن المناسب أيضًا أن نكرّر هنا ما قلناه عن “كيف يأخذ” و “كيف يتمجّد”. فإن كان قد تقدّم حينما صار إنسانًا، فيكون واضحًا أنه كان غير كامل، قبل أن يصير إنسانًا، ويكون الجسد بالنسبة له قد صار بالحري سببًا لكماله، أكثر مما أعطى هو كمالاً للجسد، وأيضًا إن كان وهو الكلمة يتقدّم، فما الذي يمكن أن يصير إليه أكثر من كونه الكلمة والحكمة والابن وقوّة الله؟ لأن الكلمة هو كل هذه، التي إن استطاع أحد أن يشترك فيها كأنها شعاع واحد، فإن مثل هذا الإنسان يصير كاملاً تمامًا بين الناس، ومساويًا للملائكة. لأن الملائكة ورؤساء الملائكة، والسيادات، وكل القوات والعروش باشتراكهم في الكلمة ينظرون دائمًا وجه أبيه. كيف يكون إذًا أن ذلك الذي يُعطي الكمال للآخرين يتقدَّم هو نفسه معهم؟ لأن الملائكة خَدَموا ولادته البشرية، والآية المأخوذة من لوقا المذكورة أعلاه قد قيلت بعد خدمة الملائكة هذه، فكيف يمكن أن يأتي هذا الفكر بالمرة للإنسان؟ أو كيف تتقدّم الحكمة في الحكمة؟ أو كيف من يُعطى النعمة للآخرين “كما يقول بولس، في كل رسالة، عارفًا أنه بواسطته تُعطى النعمة: ” نعمة ربنا يسوع المسيح مع جميعكم ” (2تس18:3)، أقول كيف يتقدّم هو في النعمة؟ لأنهم إما أن يقولوا إن الرسول غير صادق، ويتجرأون أن يقولوا إنه ليس هو الحكمة، وإلاّ فإن كان الابن هو الحكمة، كما قال سليمان وكتب بولس ” المسيح قوّة الله وحكمة الله ” (1كو24:1) ف أي نوع من التقدّم تقبله الحكمة؟

          52ـ فالبشر لأنهم مخلوقات، عندهم القابلية بطريقة ما أن يمتّدوا للأمام وأن يتقدّموا في الفضيلة. فأخنوخ على سبيل المثال هكذا نُقِلَ، وموسى إزداد وصار كاملاً، واسحق صار عظيمًا بتقدّمه (تك13:26). والرسول قال إنه يمتّد يوم فيومًا إلى ما هو قدّام، لأن كل واحد له الفرصة للتقدّم ناظرًا إلى الدرجة التي أمامه. أما ابن الله، الذي هو واحد ووحيد، فما هي الفرصة التي له ليمتّد؟ لأن كل الأشياء تتقدّم بتطلّعها إليه، وأما هو فلكونه الوحيد، هو في الآب الوحيد الذي لا يمتد منه إلى الأمام، بل هو ثابت فيه إلى الأبد. إذًا فالتقدّم هو خاص بالبشر، أما ابن الله حيث إنه غير محتاج لأن يتقدّم لكونه كاملاً في الآب فقد أنقَصَ نفسه لأجلنا، لكي بتواضعه نستطيع نحن أن نتقدّم وننمو. وتقدّمنا ليس هو شيئًا آخر غير أن نتخلّى عن المحسوسات وأن نصل إلى الكلمة نفسه، حيث إن تواضعه ليس شيئًا آخر سوى اتخاذه لجسدنا. إذًا فالكلمة باعتباره الكلمة، ليس هو الذي تقدّم فهو الكامل من الآب الكامل، وهو لا يحتاج شيئًا بل هو يأتي بالآخرين إلى التقدّم، ولكن كُتب هنا أنه يتقدّم إنسانيًا، حيث إن التقدم هو خاص بالبشر، ولذا فالإنجيلي وهو يتكلّم بدقة وحذر قد ذَكَرَ القامة عندما تحدّث عن التقدم، ولكن لكونه هو الكلمة وهو الله، فهو لا يقاس بالقامة، التي تخص الأجساد. إذًا فالتقدّم هو للجسد، لهذا ففي تقدّمه كان ظهور اللاهوت لأولئك الذين رأوه يزداد فيه أيضًا، وكلما كان اللاهوت ينكشف أكثر فأكثر كلما ازدادت نعمته كإنسان أمام كل الناس فهو كطفل حُمِل إلى الهيكل، وحينما صار صبيًا بقي هناك في الهيكل وكان يسأل الكهنة حول ما جاء بالناموس. وكان جسده ينمو شيئًا فشيئًا والكلمة كان يُظهر نفسه (في هذا الجسد). لذا اعترف به بطرس أولاً وبعد ذلك الجميع أيضًا قائلين: بالحقيقة هذا هو ابن الله (انظر مت16:16، 54:27).

          ولكن اليهود القدماء والجدد[8] معًا يتعمّدون إغلاق عيونهم لكي لا يروا أن التقدّم في الحكمة، ليس هو تقدّمًا للحكمة ذاتها، لكن بالحرى هو تقدم الناسوت في الحكمة لأن يسوع ” كان يتقدّم في الحكمة والنعمة “، ولكي نتكلّم بدقة أكثر نقول إنه هو نفسه قد تقدّم لأنه هو ” الحكمة بَنَت بيتها ” (أم1:9)، أي جعل بيته يتقدّم في الحكمة.

          53ـ فماذا يكون هذا التقدّم الذي نتحدّث عنه سوى ـ كما قلت سابقًا ـ سوى التأليه[9] والنعمة المعطاة من الحكمة للبشر وإبطال الخطية والفساد منهم بحسب مشابهتهم وانتسابهم لجسد الكلمة؟ لأنه هكذا بازدياد الجسد في القامة كان يزداد فيه ظهور اللاهوت أيضًا ويظهر للكل أن الجسد هو هيكل الله. وأن الله كان في الجسد. ولكن إن جادلوا قائلين إن الكلمة الذي صار جسدًا[10] دُعي يسوع، ونسبوا له تعبير “يتقدّم” فيجب أن يسمعوا أنه حتى هذا لا يقلّل نور الآب، الذي هو الابن، بل لا يزال يُظهر أن الكلمة صار إنسانًا واتخذ جسدًا حقيقيًا[11]. وكما قلنا، إنه تألّم بالجسد، وجاع بالجسد، وتعب بالجسد، هكذا يكون معقولاً أيضًا أن يقال إنه تقدّم بالجسد لأن أي تقدم مثل الذي شرحناه لا يمكن أن يحدث للكلمة بدون الجسد. لأن فيه كان الجسد الذي تقدّم وهو يُدعى جسده، وذلك لكي ما يظل تَقَدُّم البشر مستمرًا ولا يضعف، بسبب وجود الكلمة في الجسد. إذًا فالتقدّم ليس للكلمة كما أن الجسد لم يكن هو الحكمة، ولكن الجسد صار جسد الحكمة. لذلك فكما سبق أن قلنا ـ ليست الحكمة كحكمة هي التي تقدّمت في ذاتها، ولكن الناسوت هو الذي كان يتقدَّم في الحكمة، بأن يرتفع شيئًا فشيئًا فوق الطبيعة البشرية وبأن يتأله[12] ويصير ظاهرًا للجميع كأداة الحكمة لأجل عمل اللاهوت وإشراقه. لذلك فالبشير لم يَقُل: ” إن الكلمة تقدَّم”، لكن “يسوع” وهو الاسم الذي دُعى به الرّب عندما صار إنسانًا حتى يكون التقدّم هو للطبيعة البشريَّة، مثلما شرحنا قبلاً.

 

 

1 العمالقة هم جنس أسطوري عند الرومان لهم هيئة ممسوخة وقوة تفوق طاقة البشر، عُرفوا أساسًا بتصادمهم مع آلهة أوليمبيوس.

2 يشدّد ق. أثناسيوس على أن الطريقة السليمة في فهم آيات الكتاب المقدس هو أن يسأل المرء عن متى قيلت هذه الآيات وعن مَن تتحدث وعن السياق العام لها. أنظر أيضًا “المقالة الأولى ضد الآريوسيين ” فقرة رقم 54.

3 وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا ملائكة السموات إلاّ أبي وحده. وكما كانت أيام نوح كذلك يكون مجيء ابن الإنسان ” (مت37:36).

4 يقصد البدعة التي ظهرت في منطقة فريجية phrygia بأسيا الصغرى، والتي علّم بها أتباع مونتانوس Montanos وتسمى Montanism في القرن الثاني الميلادي.

5 يقصد بالناحيتين أنه يعرف من ناحية وأنه لا يعرف من الناحية الأخرى.

6 المانويين هم أتباع ماني ويؤمنون بالمبدأ الثنائي الذي يقول إن العالم تحكمه قوتان متضادتان: قوّة الخير وقوّة الشر ـ النور والظلام، الله والمادة. وهم يعتقدون أن المسيح صُلِبَ لأن لديه في داخله عنصر خاضع للألم والمعاناة كما أنهم لا يؤمنون أن المسيح هو الله الذي تجسّد. انظر هامش 22 ص36 بالفصل 25.

7 انظر هامش رقم 27 ص54.

8 يقصد باليهود الجدد الآريوسيين الذين أنكروا ألوهية الابن المتجسد مثلما فعل اليهود. انظر أيضًا هامش رقم 14 ص23.

9 انظر هامش 27 ص50.

10 انظر يو14:1.

11 هنا يعود ق. أثناسيوس ليؤكد على حقيقة التجسد في مواجهة بدعة الخياليين التي سبق ذكرها. انظر هامش 28 ص63.

12 انظر فقرة 48.

معرفة الابن لليوم والساعة، التقدّم في النعمة والحكمة – شرح نصوص (مر32:13، لو52:2) للقديس أثناسيوس الرسولي

Exit mobile version