يا من تعشقون الفضائل التي تُزيِّن التقوى، وتمارسون بحرص، كل الفنون التي للقدِّيسين، تعالوا أيضًا واصغوا إلى التعليم المقدَّس ولا تدعوا خصلة إضافة الغرباء غريبة عنكم، فهي خصلة عظيمة وحميدة كما يشهد الحكيم بولس بقوله: ” لا تنسوا إضافة الغرباء لأن بها أضاف أناس ملائكة وهم لا يدرون” (عب13: 2). ليتنا نتعلَّم من المسيح مخلِّص الجميع هذه الفضيلة، بل وأيضًا جميع الفضائل. إنه مما يخزينا أنه بينما كل الذين يطلبون الحكمة العالمية، والذين يجمعون المعرفة المكتوبة، يختارون أفضل المعلِّمين لتعليمهم، فإننا نحن الذين لنا المسيح معلِّمًا ومرشدًا، والذي هو مُعطِي كل حكمة، والذي يحثنا أن نصغي باجتهاد للتعاليم الفائقة القدر، لا نتمثل بهذه المرأة ـ مريم ـ في محبَّتها للتعاليم، والتي جلست عند قدمي المخلِّص، وملأت قلبها بالتعاليم التي علَّم بها، وهى تشعر كأنها لن تشبع مما ينفعها نفعًا عظيمًا.
دخل المخلص إلى منزل المرأتين القدِّيستيْن، ويقول الكتاب: وكانت مريم تسمع كلامه، أمَّا مرثا فكانت مرتبكة في خدمة كثيرة، فطلبت إليه أن يجعل أختها تشاركها اهتماماتها، ولكن الرب لم يقبل وقال لها: ” مرثا مرثا أنتِ تهتمين وتضطربين لأجل أمور كثيرة“، وبالأكثر مدح مريم لأنها ” اختارت النصيب الصالح الذي لن يُنزع منه“، لأن اقتناء البركات الروحية لا يمكن أن يضيع.
أول ما يجب أن نفحصه هنا، هو الطريقة التي أراد بها المخلِّص أن يفيد تلاميذه، إذ يجعل نفسه مثالاً، حتى يعرفوا كيف وبأي طريقة يتصرَّفون في بيوت الذين يقبلونهم، لأنهم لا ينبغي أن ينغمسوا في التسلية عند دخولهم البيوت، أو يظنوا أن هذا هو السبب الذي يزورون الناس لأجله، بل بالحري يملأوا مضيفهم بكل بركة، وبالتعاليم الإلهيَّة المقدَّسة. لذلك فبولس الطوباوي يرسل رسالة لأناس معيَّنين يقول فيها: ” إنِّي مشتاق أن أراكم لكي أمنحكم هبة روحية لثباتكم” (رو1: 11). لاحظوا إذن أنَّ ربنا يسوع المسيح عندما دخل لزيارة هاتين المرأتين المقدَّستين لم يهمل تعليمهما، بل ومنحهما ـ بدون قيد ـ تعاليم الخلاص الرصينة. كانت إحدى الأختين راسخة في محبتها للاستماع، أما مرثا فكانت مرتبكة في خدمة كثيرة، فهل يلومها أحد إذن بسبب انشغالها وعنايتها بالخدمة؟ طبعًا لا. فالرب نفسه لم يُعنِّفها لأنها ارتأت لنفسها أن تقوم بأعباء هذا الواجب، ولكنه لامها لأنها كانت تتعب عبثًا لسبب رغبتها أن تُدبِّر أكثر مما كان ضروريًّا، وهذا فعله الرب لأجل منفعتنا حتى يضع حدودًا مناسبة لإضافة الغرباء، إذ أنَّ النصيب الآخر وهو الرغبة في استماع التعليم الإلهي هو أفضل جدًّا.
فنحن لا نقصد بكلامنا هذا أنَّ الرغبة في إضافة الغرباء حينما لا تتجاوز الحدود المقبولة ينبغي أن تُحتَقَر أو أنها ليست خدمة، فالقدِّيسون أنفسهم يصمِّمون على القناعة بالقليل، وعندما يجلسون على المائدة ويأكلون، وهم يفعلون ذلك ليُشبعوا حاجة الجسد حسب قوانين الطبيعة، ولكن ليس بقصد الاهتمام باللذة والاسترخاء. لذلك يجب علينا عندما يستضيفنا الإخوة، لنحصد منهم الجسديات، يلزم أولاً أن نزرع لهم الروحيات، وإذ نتمثل في ذلك بالمزارعين المهرة فإننا نكشف قلوبهم لئلا ينبت فيها أصل مرارة ويؤذيهم، ولئلا تهاجمهم دودة الابتداع البَشَرى وتصيبهم بفساد خفي. وإن حدث هذا، فعلينا أن نلقي في عقولهم كلمة التعليم الخلاصية، وكما بأسنان فأس نستأصل جذور عدم التقوى، ونقتلع زوان الضلال من جذوره، ونزرع فيهم معرفة الحق، وهكذا يمكننا أن نحصد الجسديات من أولئك الذين يملكون الوفرة، وننالها منهم كأنها دين عليهم، لأنه يقول: ” الفاعل مستحق أجرته“.
ويشير ناموس موسى إلى نفس الحقيقة بقوله في موضع ما: ” لا تكمَّ ثورًا دارسًا“. ولكن كما يقول بولس: ” هل الله تهمّه الثيران أم يقول مطلقًا مِن أجلنا؟” (1كو9:9). أنت ستعطِي إذن أشياء أفضل وأقيم ممَّا ستأخذه من الناس. ستعطيهم عطايا أبديَّة عوضًا عن الأمور الزمنية، السمائية عوضًا عن الأرضية، والعقلية عوضًا عن الحسيَّة، والباقيات عوضًا عن الفانيات.
ولكن دع الذين يفتحون بيتهم لهم، يلاقونهم ببشاشة وسرور، وكشركاء لهم، وليس بشعور من يعطِي ولكن بشعور من يأخذ، أي كمن يربح وليس كمن ينفق. إنهم بهذا ينالون فائدة مزدوجة؛ أولاً هم يستفيدون من تعليم أولئك الذين يستضيفونهم بانفتاح؛ وثانيًا يربحون أيضًا مكافأة إضافة الغرباء، ولذلك فهم ينتفعون من كل جهة. ومع ذلك فحينما يستقبلون الإخوة في بيوتهم فلا ينبغي أن يرتبكوا في خدمة كثيرة ولا ينهمكوا بما يفوق مواردهم أو ما يزيد عن الكفاية، فإن الإسراف مؤذي في كل مكان وفى كل شيء، لأنه كثيرًا ما يُسبب تردُّدًا عند أولئك الذين لولاه لكانوا يرغبون في استضافة الغرباء بفرح، وتكون النتيجة أنه لن توجد إلاَّ بيوت قليلة مناسبة لهذا الغرض، بينما هو يُسبب ازعاجًا للضيوف. لأن الأغنياء في هذا العالم يبتهجون بالموائد المسرِفة بالمأكولات المتعدِّدة المجهَّزة بالتوابل والروائح، وإن كانت الوليمة فيها مجرَّد الكفاف فهي تُحتقَر تمامًا، فالإفراط هو الذي يُمدح عندهم، ويصير ما فوق الشبع هو مثار الإعجاب والإطراء، والمشروبات والعربدة تكون عندهم بإفراط وكذلك الأقداح الممتلئة وكثرة النبيذ التي تؤدى إلى السُّكر والنهم. ولكن عندما يجتمع القديسون في بيت إنسان يخاف الله، المائدة بسيطة ومعتدلة والأطعمة بسيطة وبدون إفراط، قليل من الطعام للأكل ببساطة وكذلك كمية محدودة من الشراب. إنَّ مؤونة صغيرة من هذه الضروريات سوف تُشبِع شهيَّة الجسد بطعام بسيط. هكذا ينبغي أن تكون إضافة الغرباء، وهكذا أيضًا استضاف إبراهيم الثلاثة رجال عند بلوطة ممرا، فنال مكافأة اهتمامه وهو الوعد بابنه الحبيب إسحق، ولوط لمَّا كرَّم الملائكة في سدوم لم يهلك بالنار مع الباقين ولم يصير مأكلاً للنار التي لا تُطفأ.
عظيمة إذن هي فضيلة إضافة الغرباء خصوصا القدِّيسين منهم، فليتنا نمارسها أيضًا، وهكذا يجد المعلِّم السماوي راحته ويسكن في قلوبنا، أعنى المسيح، الذي به ومعه لله الآب الكرامة والسلطان مع الروح القدس إلى أبد الآبدين آمين.
النصيب الصالح – إنجيل لوقا 10 ج9 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد
يا أحبائي، إن النفاق والرياء في أعمالنا وسلوكنا هو وباء دنيء جدًّا، فيتظاهر الإنسان بحلاوة الكلام، وبلسان دهن، وبمعسول الخداع، بينما القلب مملوء بمرارة شنيعة. عن مثل هذا نقول بكلمات أحد الأنبياء القديسين: “ لسانهم كسهم قاتل يتفوَّه بالكذب، وبفمه يخاطب جاره بسلام، وفى قلبه عداوة له” (إر9: 8 س)، وأيضًا: ” كلماته ألين من الزيت وهى سهام” (مز54: 21 س)، ومعنى هذا أنَّ لها قوة السهام التي تُطلق بعنف وتُصوَّب من الأقواس.
وبرهان كلامي هذا، في متناول اليد. فدعونا نفحص كلمات الناموسي وننزع عنه شكله المُستعار ونعرِّى خططه، ونرى كلماته التي تبدو حلوة ولكنها تنبع من خداع، وما تخفيه من مكر. وإذ يقول: ” وإذا ناموسي قام يجرِّبه قائلاً: يا معلِّم ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية؟” إن الإنجيلي المبارك يقصد بهذا الناموسي ـ حسب عادة اليهود ـ أنه عارف بالناموس، أو على الأقل له شهرة أنه يعرفه، مع أنه في الحقيقة هو لا يعرفه. إنَّه تصور أنه قادر على اصطياد المسيح، وسأخبركم كيف أنَّ بعض الذين اعتادوا أن يتكلموا بطريقة عشوائية، كانوا يتجوَّلون في كل مكان، في اليهودية وأورشليم نفسها وهم يتَّهمون المسيح قائلين إنه يعلِّم بأن وصية موسى هي غير نافعة، وأنه رفض أن يراعي الناموس الذي أُعطى منذ القديم للآباء، كما أنه يُدخِل تعاليم جديدة، ويُكلِّم كل الذين يتَّقون الله بأمور من فكره الخاص، ولا تتفق مع الناموس الذي أعطى منذ القديم. ولكن حتى في ذلك الوقت كان هناك مؤمنون يقاومون كلام أولئك الناس ويتقبَّلون أخبار الإنجيل الخلاصية. أما الناموسي إذ كان يرغب ويتوقع أنه يستطيع أن يصطاد المسيح بكلمة، بأن يجعله يقول شيئًا مخالفًا لموسى، أو أن تعليمه أفضل كثيرًا من وصايا موسى، لذلك اقترب من المسيح ليجرِّبه قائلاً: ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية؟.
إن من يعي جيدًا سر التجسد سيقول لهذا الناموسي: حسنًا، إذا كنت حاذقًا في الناموس وفى معرفة معنى تعليمه الخفي، لما جهلتَ مَنْ هو هذا الذي تجرؤ أن تُجرِّبه، إنك تظن أنه مجرد إنسان فقط وليس إلهًا ظهر في شكل إنسان، وهو الذي يعرف الخفايا، ويمكنه أن يرى ما في قلوب الذين يقتربون منه. إن عمانوئيل قد رُسم لك بطرق مختلفة من خلال الظلال الموسويَّة. لقد رأيته هناك كحمل يُذبح ولكنه يقهر المُهلِك يبيد الموت بدمه. إنك رأيته أثناء إعداد التابوت الذي أُودِعَت فيه الشريعة المقدسَّة، لأن التابوت يشير إلى جسده المقدَّس، إذ هو كلمة الآب الابن المولود منه بالطبيعة. لقد رأيته ككرسي الرحمة في الخيمة المقدَّسة والذي حوله وقف الشاروبيم، لأنه هو كرسي رحمة لغفران خطايانا، بل وحتى كإنسان فإن السيرافيم الذين هم القوات العقلية والمقدسة تمجده، لأنهم قائمون حول عرشه الإلهي. إنك رأيته كالمنارة ذات السرج السبعة في قدس الأقداس، لأنه المخلِّص يفيض نوره بوفرة لمن يسرعون إلى المسكن الداخلي. إنك رأيته كالخبز الموضوع على المائدة، لأنه هو الخبز الحي الذي نزل من السماء المعطى حياة للعالم (يو6: 52). إنك رأيته كالحية النحاسية التي رُفِعَت عالية كعلامة، ومن ينظر إليها كان يُشفى من لدغات الحيات. إنه كان مثلنا في الهيئة التي تبدو كما لو كانت خاطئة إذ أخذ شبهنا، إلاَّ أنه بالطبيعة صالح وسيبقى على ما كان عليه. فالحيَّة هي مثال الشر، ولكنه برفعه واحتماله الصليب لأجلنا، فإنه أبطل لدغات الحيات العقلية، التي هي ليست إلاّ الشيطان والقوات الشريرة التي تحت إمرته.
ورغم أنَّ الناموسي كان متَّشحا بسمعة كونه عالِم في الناموس ولكنه جاهل تمامًا بذلك الذي تشير إليه ظلال الناموس رغم أنه قد أُعلن منذ القديم بكلمات الأنبياء القديسين. فلو أنه لم يغرق في أعماق الجهل التام، فكيف يقترب إلى المسيح كمجرَّد إنسان؟ وكيف تجرَّأ على أن يُجرِّب الله الذي يفحص القلوب والكُلى والذي ليس شيء مما فينا خفي عليه؟ إذ قال للمخلِّص ” يا معلِّم” ماذا أعمل لأرث الحياة الأبديَّة. هل تدعوه “مُعلِّم” وأنت لم تخضع للتعليم؟ أتتظاهر بتكريم مَن تريد أن تصطاده، وتضع حلاوة الكلام كطُعم في شصِّك.
ماذا تريد أن تتعلَّم ؟ إنَّه يسأل: ” ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية؟” لاحظوا ثانية ـ أتوسل إليكم ـ الخبث الذي في كلمات الناموسي. فقد كان يمكنه أن يقول: ” ماذا أعمل كي أخلُص، أو كيف أُرضِي الله وأنال ثوابه؟” لكنه ترك هذه العبارات ويستخدم نفس تعبيرات المخلِّص ليرمى بالسخرية على رأس (المسيح)، الذي اعتاد أن يتكلم باستمرار عن الحياة الأبدية لكل الذين كانوا يقتربون منه. أمَّا الناموسي المتكبِّر، فانه استخدم نفس التعبيرات ليسخر منه، كما قلت لكم.
لو كنتَ حقًّا ترغب في التعليم، لكنتَ سمعتَ منه الكلمات التي تؤدى إلى الحياة الأبدية، ولكن لأنك تُجرِّبه بخبث، فلن تسمع منه غير الوصايا التي أُعطِيَت منذ القديم بموسى، [ والتي هي بالتأكيد ليست أجرًا للحياة الأبدية بل للحياة الحاضرة ] ” إن شئتم وسمعتم تأكلون خير الأرض، وإن أبيتم وتمرَّدتم تؤكلون بالسيف” (إش1: 19ـ20) لأنه يقول له: ” ما هو مكتوب في الناموس؟ كيف تقرأ؟”. وبعدما كرَّر الناموسي ما هو مُشرَّع في الناموس، فإن المسيح العالم بكل شيء ـ ليعاقبه على شرِّه وليوبِّخه على قصده الخبيث ـ قال له: ” بالصواب أجبتَ، افعل هذا فتحيا“. لقد فقد الناموسي فريسته، وأخطأ الهدف، وخبثه لم يحالفه التوفيق، ولدغة حسده توقَّفَت وتمزَّقَت شبكة خداعه، وبذاره لم تأت بثمر، وتعبه لم يأت بفائدة، وكمثل سفينة غرقت لسوء طالعها فإنه قاسى من خراب مُر. لنصرخ في وجهه بكلمات إرميا: ” قد وُجِدتَ وأُمسِكتَ لأنك قد خاصمتَ الرب” (إر50: 24).
ولكن ـ كما قلت ـ إذ فقد فريسته، فإنه سقط بسرعة في الغرور، مسرعًا من حفرة إلى أخرى، ومن فخ إلى فخ، ومن خديعة إلى كبرياء، وكل رذيلة تُسلِّمه إلى أخرى، وتقذف به في كل جانب، وما أن تُمسِك به رذيلة حتى تدفع به إلى أخرى، وتحمله إلى حيثما تصادف، وتطوف به بسهولة، من دمار إلى دمار. فالناموسي لم يسأل الرب ليتعلَّم، ولكن كما يقول البشير: ” إذ أراد أن يُبرِّر نفسه“، لاحظ كيف بسبب إعجابه بنفسه وكبريائه سأل بدون أي خجل: ” ومن هو قريبي؟” [ من هو هذا القريب حتى أحبه مثل نفسي؟ أنا أعلا من الكل، أنا ناموسي، أنا أَدين الكل ولا أُدان من أحد، أَحكم على الكل ولا يُحكم عليَّ من أحد، أنا غير الكل وأفضل من الكل، آمُر الكل ولا يأمرني أحد، الكل يحتاجون إلَّي وأما أنا فلا أحتاج إلى أحد]. ألا يوجد أحد أيها الناموسي مثلك؟ هل ترفع نفسك فوق كل إنسان؟ اخفض تشامخك، واذكر ما يقوله صاحب سفر الأمثال: ” أولئك الذين يعرفون أنفسهم هم حكماء” (أم13: 10 س).
[ حقيقة إن قوة الحياة هي أن نحب الله والقريب، دون أن نُغيِّر شيئًا في هاتين الوصيتين، بل نكملهما فوق المقاييس اليهودية وفوق حرف الناموس، لأنه بمحبة الله من كل القلب والنفس والعقل نتخطَّى محبة المال ولذَّة المجد الباطل ونخرج من دائرة الاهتمامات العالميَّة ونتحرَّر ونتَّحد بالمسيح. هذه المحبة من شأنها أن تقود كل من هو يهودي إلى المسيحية، كذلك المحبة نحو القريب هي مرتبطة بمحبة الله، عندما لا تمارَس فقط بين أبناء الجنس الواحد لكن بين كل الناس. هذه المحبة نحو القريب عندئذ تتبع المحبة نحو الله، عندما نُفتَدَى بالمسيح الذي لم يحب مثل نفسه فقط لكن وأكثر من نفسه، حتى وَضَع نفسه لأجل أحبائه. إن موقف الناموسي هذا يتشابه مع موقف ذلك الفريسي الذي في صلاته قال ” أنا لست مثل باقي الناس” (لو18: 11) دون أن يعرف أنَّ الغرور من شأنه أن يفسد بِرَّ الإنسان. هكذا يتضح لنا أنَّ هذا الناموسي كان فقيرًا في محبته الداخلية والخارجية أي في كل ما يتعلَّق بمحبته نحو الله وفى كل ما يتعلق بمحبته نحو القريب ” لأن من لا يحب أخاه الذي يبصره كيف يقدر أن يحب الله الذي لم يبصره” (1يو4: 20)].
إن الناموسي يرفع نفسه ويتنفَّس الكبرياء وينفخ نفسه بتصوُّرات باطلة. ولكنه تعلَّم عن المسيح أنه ما دام فقيرًا في محبة القريب، فإن مجرد كون وظيفته ناموسي فهذا لا ينفعه شيئًا لأن الله ينظر فوق الكل بالحري إلى الكلمة، ولا يُعطِي المدح على مُجرد مِهَن صوريَّة.
[من ثمَّ نلاحظ كيف أنَّ المخلِّص في تعريفه لمعنى القريب لا يحصره في جنس معين ولا يربطه بمستوى الفضائل ولكنه يطلقه على الطبيعة الإنسانية]، وبمهارة شديدة نسج مخلِّص الكل المَثَل، عن الذي سقط بين لصوص موضِّحًا أنَّ عمل الخير يجب أن يكون لكل إنسان فيما تحتاجه الطبيعة الإنسانية. في هذا المثل يُظهِر السيد كيف أنَّ القريب ليس هو المحب لذاته ولكن هو ذاك الذي يتجاوز محبة ذاته، فبينما هذان (الكاهن واللاوي) عبرا بالمصاب دون أن يشعرا نحوه بأي عاطفة إنسانية، وبدون أن ينقطا زيت المحبة، لأن نفوسهم كانت خالية من الشفقة والعطف، نرى السامري الغريب الجنس يُتمِّم ناموس المحبة. [من ناحية أخرى فإنه حسب المكتوب ” إنسان في كرامة ولا يفهم يشبه البهائم التي تباد” (مز49: 20)، والمسيح إلهنا صار بداية لجنسنا، فهذا الذي لم يعرف الخطية هو أوَّل من أظهر لنا كيف يمكننا أن نتخطَّى شهواتنا الحيوانية إذ اخذ ضعفاتنا وتحمَّل أمراضنا، وبإصعاده على دابَّته ذاك الذي كان في حاجة إلى الشفاء جعلنا أعضاء لنفسه ولجسده، وقاده إلى الفندق أي الكنيسة. فالكنيسة تُدعَى الفندق الذي يَقبَل الكل ويتَّسع للكل بعكس المفهوم الضيق للناموس اليهودي والعبادة الشكلية، فبدلا من أن نسمع القول ” ولا يدخل عموني ولا موآبي في جماعة الرب” (تث23: 3)، نسمع ” اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم” (مت28: 19) وأيضًا في ” في كل أُمَّة الذي يتَّقيه ويصنع البِرَّ مقبول عنده” (أع10: 35)].
[ وجَّه المسيح اهتمامه نحو الأمم الذين كانوا أمواتًا في عبادة الأوثان واهبًا عطاياه الروحية لصاحب الفندق إذ أنه عند صعوده إلى السموات أعطى لصاحب الفندق ـ الذي يشير إلى الرسل ولمن بعدهم من رعاة ومعلِّمين ـ دينارين لكي يرعى المريض باهتمام وأخبره كيف أنه إذا أنفق أكثر من ذلك فهو بنفسه سوف يوفيه عند رجوعه. الديناران هما العهدان: العهد الذي أعطى بناموس موسى وبالأنبياء، والعهد الذي أُعطى بالأناجيل وبتعاليم الرسل. والعهدان هما لإله واحد ويحملان صورة واحدة للملك السماوي الواحد مثل الدينارين، حيث أنَّ الروح الذي تكلَّم في العهدين واحد. لذا فإن الكلمات المقدسة التي للعهدين تَختم على قلوبنا نفس صورة الملك وتطبعها. وهذا عكس ما نادى به ماني وماركيون اللذان قالا إن إله العهد القديم غير إله العهد الجديد، فواحدٌ هو الملك المطبوعة صورته على الدينارين. ومثلما أعطى صاحب الفندق الدينارين، هكذا أعطى المسيح العهدين لرعاة الكنائس المقدسة، وهم أضافوا عليهما الكثير بأتعابهم وجهدهم لنشر التعليم. هذه هي النقود التي تُنفق دون أن تنقُص بل على العكس تزيد، مما يُبيِّن أنها في الحقيقة كلمة التعليم الإلهي ].
[ أعود من حديثي إلى السيِّد الذي سوف يُكرِّم في اليوم الأخير العبد الذي سوف يقول له يا سيد وزنتين سلَّمتني هوذا وزنتان أُخريان ربحتهما فوقهما بقوله له “نعمًا أيها العبد الصالح والأمين، كنتَ أمينًا في القليل أقيمك على الكثير، ادخل إلى فرح سيدك” (مت25: 22ـ24)]. لذلك سأل المسيح الناموسي بحق قائلا: ” فأي هؤلاء الثلاثة ترى صار قريبًا للذي وقع بين اللصوص؟” فأجاب الناموسي ” الذي صنع معه الرحمة“، فلا الكاهن ولا اللاوى صارا قريبَيْن للمصاب، لكن هذا الذي رحمه. عند هذا قال له المسيح اذهب أنت أيضًا واصنع هكذا. ها قد رأيتَ أيها الناموسي وتَبَرهَن بهذا المثل أنه لا فائدة لاتخاذ الأسماء الفارغة والألقاب السخيفة التي بلا معنى ما دامت لا تصاحبها أعمال سامية، لأن درجة الكهنوت لا تفيد أصحابها، وكذلك تعب معلِّم الناموس لا يفيد أولئك الذين يشتهرون به إن لم يتفوَّقوا بالأعمال أيضًا وليس بالألقاب فقط.
ها قد ضفر إكليل المحبة لذلك الذي يحب قريبه، وقد تبرهن أنَّ السامري هو الذي كسب الإكليل، ولم يُرفَض لكونه سامريًّا. وكما يكتب المتقدم بين التلاميذ بطرس المبارك قائلا ” بالحق أنا أجد أنَّ الله لا يقبل الوجوه، بل في كل أُمَّة الذي يتقيه ويصنع البِرَّ مقبول عنده” (أع10: 34ـ36) لأن المسيح الذي يحب الفضيلة يَقبَل كل الذين يجتهدون في المساعي الصالحة، الذي به ومعه لله الآب التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى دهر الدهور آمين.
السامري الصالح – إنجيل لوقا 10 ج8 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد
إن المظاهر التي يُقدِّمها العالم (ممثَّلة في المسارح والمباريات) تُؤدِّى بالناس غالبًا إلى رؤية أشياء غير نافعة أو بالحري تُسبب لهم ضررًا كبيرًا. والمُتردِّدين على هذه الأمكنة إمَّا يسلمون أنفسهم للإعجاب بالراقصين، وإذ يستسلمون لما يتبع ذلك من استرخاء كسول فإنهم يذوبون في عواطف مخنَّثَة، أو أنهم يُمجِّدون الخطباء ذوى المشاعر الفاترة، أو يُلذِّذون أنفسهم بأصوات واهتزازات المزمار والقيثار. ولكن كل هذه الأشياء باطلة وغير نافعة، وتستطيع أن تذهب بعقل الإنسان بعيدًا عن كل صلاح. أما نحن الذين نسلك طريق الحياة الفاضلة والغيورون في الأعمال المستقيمة، فإن المسيح يجمعنا في كنائسه المقدسة، لكي إذ نبهج أنفسنا بالتسبيح له، فإننا نصير سعداء بكلماته المقدسة وتعاليمه التي تقودنا إلى الحياة الأبدية.
دعنا لذلك نرى هنا أيضًا أيَّة عطايا تفضَّل وأنعم بها علينا نحن الذين قد دُعينا بالإيمان به إلى معرفة مجده. يقول الإنجيل ” والتفت إلى تلاميذه وهم على انفراد وقال لهم، طوبى للعيون التي تنظر ما تنظرونه“. والآن فرُبَّ معترض يقول: ” لماذا لم يخاطب كل المجتمعين هناك بكلماته التي تصف هذه البركات؟ وما الذي جعله يلتفت إلى تلاميذه وهم على انفراد ويقول لهم طوبى للعيون التي تنظر ما تنظرونه؟”. ماذا إذن تكون إجابتنا؟ إنه ليس من اللائق أن نُوصِّل الأمور التي لها طبيعة سريَّة لكل من يصادفنا، ولكن للأصدقاء الحميمين فقط، فأولئك هم أصدقاؤه الذين حسبهم مستحقين للتلمذة له، الذين استنارت عيون قلوبهم، وصارت آذانهم مستعدَّة للطاعة. فإنه قال في إحدى المرَّات للرسل القديسين: ” لا أعود أُسمِّيكم عبيدًا بل أحباء، لأن العبد لا يعلم ما يعمل سيده، ولكنِّي دعوتكم أحباء لأنِّي أعلمتكم بكل ما سمعته من أبي” (يو15:15). بلا شك كان هناك كثيرون مجتمعون وواقفون في حضرته إلى جوار أتباعه المختارين، ولكنهم لم يكونوا جميعهم مؤمنين، فكيف يمكنه أن يتكلم بالحق للجميع وبلا تمييز قائلاً: ” طوبى للعيون التي تنظر ما تنظرونه، وطوبى للذين يسمعون ما تسمعونه؟” لذلك فهناك سبب مناسب أن يلتفت إلى تلاميذه، أي أنه حوَّل وجهه عن هؤلاء الذين لن ينظروا ولن يسمعوا، بل هم غير مطيعين، وعقلهم مظلم، لذلك أعطى نفسه كلية لمن أحبوه، ونظر إليهم وقال: ” طوبى للعيون التي تنظر ما تنظرونه“، أي بالحري التي تتفرس في الأشياء التي يجب رؤيتها أولاً قبل كل الأشياء الأخرى.
أمَّا عن التعبير المُستخدَم هنا، فهو مستمَد من عادات الناس الشائعة، وفى مثل هذه العبارات لا تشير الرؤية إلى عمل عيوننا الجسدية، ولكن بالحري إلى التمتع بالأمور التي يمنحها المسيح لخائفي الله. كما يقول أحدهم مثلاً: ” هؤلاء وأولئك رأوا أوقاتًا سعيدة” بدلاً من أن يقول ” استمتعوا بأوقات سعيدة”. وبنفس الطريقة يمكنك أن تفهم المكتوب في المزمور الموجَّه إلى الذين يُثبِّتون أفكارهم في الأشياء التي فوق: “وتبصر خيرات أورشليم” (مز128: 5) بدلاً من ” وتشترك في سعادة أورشليم“، أي الأشياء التي فوق في السماء، التي يدعوها الحكيم بولس ” أُم جميع القديسين” (غل4: 26). وأي شك يمكن أن يكون في أنَّ أولئك الذين نظروا المعجزات الإلهية التي صنعها المسيح، والأعمال العجيبة التي فعلها لم يكونوا مغبوطين في كل الأحوال، فجميع اليهود رأوا المسيح يعمل بجلال إلهي، ومع ذلك فليس من الصواب أن نحسبهم جميعًا مغبوطين، لأنهم لم يؤمنوا ولا رأوا مجده بعيون العقل. إنهم بالحق مذنبين بالأكثر ولا يليق أن يُعتَبَرُوا مُطوَّبِين، لأنهم رغم رؤيتهم ليسوع وهو مملوء بالمجد بواسطة الأعمال الفائقة الوصف التي عملها، إلاَّ أنهم لم يؤمنوا به.
ولكن تعالوا نسأل، ماذا رأت أعيننا؟ ولماذا نالت التطويب؟ ولأي سبب وصلت إلى هذه البركة؟ إنها رأت أنَّ الله الكلمة، الذي كان في صورة الله الآب قد صار جسدًا لأجلنا، إنها أبصرت ذلك الذي هو شريك عرش الآب، ساكنًا فيما بيننا، وفى شكلنا، لكي بالتبرير والتقديس يُشكِّلنا على شبهه، ويطبع علينا جمال ألوهيته بطريقة عقلية وروحية. وعن هذا يشهد بولس ويكتب: ” وكما لبسنا صورة الترابي هكذا نلبس صورة السمائي” (1كو15: 49)، والرسول يقصد بصورة الترابي آدم الذي خُلِق أولاً، ويقصد بالسماوي الكلمة الذي هو من فوق، الذي أشرق من جوهر الله الآب، ولكنه صار ـ كما قلت ـ مثلنا. فالذي هو بالطبيعة ابن، أخذ شكل العبد، ولكنه لم يأخذ حالتنا لكي يستمر في وضع العبوديَّة، بل لكي يعتقنا نحن الذين رُبِطنا بنير العبودية؛ لأن كل ما هو مخلوق هو بالطبيعة عبد ولكي يُغنينا بما له. لأننا به ومعه قد نلنا اسم البنين، إذ قد صرنا مُكرمين بسخائه ونعمته. وهو الذي كان غنيًا شاركنا فقرنا ليرفع طبيعة الإنسان إلى غناه، وذاق الموت على خشبة الصليب ليرفع من الوسط الإثم الذي ارتُكِب بسبب شجرة (المعرفة)، وليمحو الذنب الذي نتج عن ذلك، ولينزع من الموت طغيانه علينا. لقد رأينا الشيطان يسقط، رأينا ذلك القاسي ينكسر، ذلك المتكبِّر يُوضَع، رأينا ذلك الذي جعل العالم يخضع لنير مُلكه، يُجرَّد من تسلُّطه علينا، وجعل المزدَرِى والمحتَقِر والذي كان يُعبد يومًا يصير هو مزدَرَى ومحتَقَرًا، والذي جعل نفسه إلهًا تطأه أقدام القدِّيسين، والذي تمرَّد على مجد المسيح صار مدوسًا بواسطة الذين يحبُّون المسيح: ” لأنهم أخذوا سلطانًا لينتهروا الأرواح الشريرة ويخرجوها“. وهذه القوة هي كرامة عظيمة وعالية جدًّا بالنسبة للطبيعة البشرية، لكنها لائقة فقط بالإله العلي.
والكلمة الذي ظهر في شكل بشري كان هو أول من وضع لنا المثال، لأنه هو أيضًا انتهر الأرواح الشريرة. أما اليهود الأشقياء، فإنهم تقيأوا ضد افتراءات حسدهم قائلين: ” هذا الإنسان لا يُخرج الشيطان إلا ببعلزبول رئيس الشياطين” (مت12: 24). ولكن الرب فنَّد هذه الكلمات الشريرة بقوله: ” إن كنت أنا ببعلزبول أُخرج الشياطين فأبناؤكم بمن يُخرِجون؟ ولكن إن كنتُ بروح الله أُخرج الشياطين فقد أقبل عليكم ملكوت الله“. فإن كنتُ ـ يقول الرب ـ ” وأنا إنسان مثلكم أُمارس القوة الإلهية، فقد أقبَلَت عليكم البركة العظيمة لأن الطبيعة البشرية قد تمجدت فيَّ لأنِّي وطأتُ الشيطان”. إذن فقد أقبل علينا ملكوت الله، بواسطة الكلمة الذي صار مثلنا والذي مارَسَ في الجسد الأعمال اللائقة بالله.
وأعطى الرسل القديسين أيضًا قوة وسلطانًا على إقامة الأموات وتطهير البرص وشفاء المرضى، وكذلك أن يستدعوا الروح القدس من السماء على من يريدون بوضع الأيدي. كما أعطاهم سلطانًا أن يحلُّوا ويربطوا خطايا الناس، كما قال: ” لأني أقول لكم ما ربطتموه على الأرض يكون مربوطًا في السماء وما حللتموه على الأرض يكون محلولاً في السماء” (مت18:18). هذه هي الأشياء التي نرى أنفسنا الآن نملكها، فطوبى لأعيننا وأعين جميع من يحبُّونه. إننا سمعنا تعليمه الذي لا يُنطق به، فأعطانا معرفة الآب، وأرانا إياه في طبيعته الخاصة، والأشياء التي كانت بواسطة موسى لم تكن سوى مثالاً ورمزًا، أمَّا المسيح فقد أعلن لنا الحق… وعلَّمنا أنه ليس بالدم والدخان، بل بالذبائح الروحية، يجب أن ُنكرِّم ذلك الذي هو غير جسدي وغير مادي[1]وهو فوق كل إدراك. إنَّ أنبياء قديسين كثيرين اشتهوا أن يروا هذه الأشياء، وملوكًا كثيرين أيضًا. اسمعهم مرة يقولون: ” أرني يا رب رحمتك وأعطني خلاصك” (مز85: 7)، لأنهم يدعون الابن ” رحمة وخلاصًا“. وفى وقت آخر أيضًا: ” اذكرني برضا شعبك وتعهَّدني بخلاصك، لنرى سعادة مختاريك، ونفرح بفرح شعبك” (مز105: 4 س). من هو الشعب المختار في المسيح بواسطة الله الآب ؟ يقول لنا بطرس الحكيم، وهو يتكلم إلى الذين تشرَّفوا بالإيمان: ” أما أنتم فجنس مختار، وكهنوت ملوكي، أمَّة مقدَّسة، شعب اقتناء، لكي تخبروا بفضائل الذي دعاكم من الظلمة إلى نوره العجيب” (1بط2: 1).
ونحن إنما قد دُعينا إلى هذا بواسطة المسيح، الذي به ومعه لله الآب التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى دهر الدهور آمين.
[1] يقصد الله الآب، الذي علَّمنا المسيح أنه روح، والسجود له ينبغي أن يكون بالروح والحق (يو24:4).
تطويب التلاميذ – إنجيل لوقا 10 ج7 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد
يكشف لنا ربنا يسوع المسيح مرَّة ثانية مجده وكرامة جلال ألوهيته وطريقته الحكيمة في تدبير التجسُّد، كما يبيِّن لنا بوضوح عظم الفائدة التي حصل عليها سكان الأرض من جراء ذلك. ليتنا نسأله الحكمة ونطلب الفهم، كي يمكننا أن ندرك معنى كلماته بالضبط. فهو الذي ” يكشف الأغوار في الظلام، ويخرج الأمور الخفية إلى النور” (أى12: 22)، ويعطى الحكمة للعميان، ويجعل نور الحق يضيء على أولئك الذين يحبونه، ومن بينهم نحن. فها أنتم قد أقبلتم ثانية كعطاش، والكنيسة ممتلئة من الراغبين في الاستماع وجميعهم عابدون حقيقيُّون باحثون عن تعاليم التقوى. تعالوا إذن ولنقترب من كلمات المخلِّص بذهن مفتوح، وكلماته هي: ” كل شيء قد دُفع إليَّ من أبي“.
لقد كان المخلِّص، ولم يزل هو رب السماء والأرض، وهو الجالس مع الآب في عرشه المشارك له بالمساواة في حُكمه على الكل، ولكنه إذ وضع نفسه نزل إلى أرضنا وصار إنسانًا، فإنه يتكلم بطريقة مناسبة للتدبير في الجسد، كما لا يرفض أن يستخدم العبارات التي تناسب وضعه بعد أن أخلى نفسه حتى يمكن الإيمان به، كمن قد صار مثلنا ولبس فقرنا. لذلك فالذي هو رب السماء والأرض وكل الأشياء، يقول: ” كل شيء قد دُفع إليَّ مِن أبي“. لقد صار الحاكم المُهيمِن على كل ما هو تحت السماء. وإن كان في القديم، إسرائيل بحسب الجسد فقط هو الذي أحنى رقبته لشرائعه، و لكن الله الآب أراد أن يجعل كل شيء جديدًا فيه، وبواسطته يصالح العالم لنفسه، لأنه ” صار وسيطًا بين الله والناس” (1تى2: 5)، وصار ” سلامنا” (أف2: 14)، إذ وحَّدنا مع الله الآب بواسطة نفسه، إذ هو الباب والطريق الذي به يتم هذا، لأنه قال بوضوح: ” ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بي” (يو14: 6) إذن، فالذي خلَّص إسرائيل في القديم من طغيان المصريين بيد موسى، وعيَّن لهم الناموس ليكون مؤدِّبهم، قد دعا الآن كل العالم، ولأجل ذلك مد شبكة رسالة الإنجيل بحسب مشيئة الله الآب الصالحة. وهذا هو إذن سبب قوله ” كل شيء قد دفع إلىَّ من الآب“.
ومع أننا نؤكد أنَّ هذه الأمور قد فهمناها فهمًا مستقيمًا، ونشرحها لكم بالصواب، فإن الهرطوقي، لا يخضع لشروط التدبير، ولكنه يعمد إلى قِلَّة حيائه المعتاد، ويجعل ما يُقال طعامًا لخبث عقله، ويقول “إن الآب يمنح كل شيء للابن، وإن الابن لم يكن في احتياج إلى أخذ شيء لو كان من الجائز له أن يحصل عليه من نفسه. فكيف يكون إذن مساويًا للآب كما تقولون حينما ينال منه سلطانًا على ما لم يكن يملكه من قبل؟” دعنا الآن نرى إن كان هو في أي شيء أدنى من الآب في المجد والعلو كما تقول في غبائك.
توجد عدة مجالات يمكن استخدامها للدفاع عن تعاليم الحق، ولكن في مناسبتنا الحاضرة هذه، سنبحث عن الحقيقة من الدروس الموضوعة أمامنا الآن، ومن نفس كلمات الابن، لأنه بعد أن قال: ” كل شيء قد دُفع إلىَّ من أبي“، مكرِّمًا بذلك سر تجسُّده، ومستخدمًا عبارات مناسبة لإنسانيته، فإنه يرتفع في الحال كما قلت، إلى مجده وعلوه الخاص، ويبيِّن أنه ليس أدنى من أبيه بأي حال، لأنه ماذا كانت الكلمات التي قالها بعد ذلك ـ “ لا أحد يعرف الابن إلاَّ الآب، ولا الآب إلاَّ الابن ومن أراد الابن أن يُعلِن له“. دعنا نسأل الآن الذين قاوموا مجده ولا زالوا يقاومونه، هل المسيح يتكلم بالكذب أم بالحق؟ لأنه إن كان يتكلم كذبًا، وأنتم تؤكدون أنَّ هذا هو الحال فأنتم خالون من كل فهم، وقد فقدتم عقولكم وشربتم من الخمر ” خمر سدوم” (تث32:32)، وعثرتم كالسكارى في مسالك غير مستقيمة. أما إن كنتم تؤمنون أنه يتكلم بالحق لأنه “هو الحق” (يو14: 6) فكيف تجرؤون أن تُفكِّروا وتقولوا إنه أدنى من الآب وهو الذي يقول: ” ليس أحد يعرف الابن إلا الآب” فقط، كأنكم تعرفون بالضبط من هو؟ ومع ذلك فكيف أنَّ ذلك الذي يعرفه الآب فقط، لا يتعالى كثيرًا جدًّا على قدرات الكلام، تمامًا مثل الآب نفسه أيضًا، الذي هو معروف من ابنه فقط؟ لأن الثالوث الواحد في الجوهر هو وحده الذي يعرف نفسه، إذ هو فائق جدًّا على كل كلام وفهم. فكيف تقول أنت إذن إنه أدنى من الآب بينما ترى أنه لا أحد يعرف من هو إلا الآب الذي ولده فقط ؟
وسأضيف هنا شيئًا آخر: هل تقول إنه ” إله الحق” ولكنه أدنى من ذلك الذي هو ” الإله الحق والآب” أو أنه مصنوع ومخلوق؟ إن كان مخلوقًا، فلن يمكنك المقارنة بينهما على الإطلاق، لأن المسافة بين الخالق والمخلوق لا نهاية لها، كما بين السيِّد والعبد، وبين الذي هو بالطبيعة الله وبين الذي قد أُحضِر إلى الوجود، لأن الشيء المخلوق ليس هو فقط أدنى بالنسبة لله، ولكن هو مختلف تمامًا أيضًا في الطبيعة وفى المجد وفى كل صفة تتعلق بالجوهر الإلهي. فإن كان مخلوقًا كما تؤكدون، فكيف ” لا يعرف أحد من هو؟”، إذن لن يكون فوق كل فهم حتى إن عجز عقل الإنسان عن معرفة طبيعة ما هو مخلوق، ولكن إن كنت من الجهة الأخرى تؤكد أنَّه الله الحقيقي، وأنه هو هكذا بالطبيعة، ومع ذلك تقول إنه أدنى من الآب، فأنا لا أفهم كيف يمكن أن يكون هذا؟ أرجوك أخبرني مِن ماذا يتكوَّن هذا التدنِّي وأعطني مثلاً. هؤلاء الذين هم من نفس الطبيعة والجوهر، هم طبعًا متساوون في كل الصفات التي تختص بهم فيما يتعلق بجوهرهم، فالإنسان مثلاً ليس أدنى من إنسان آخر من جهة البشرية التي هي مشتركة بينهما، وهكذا الملاك بالنسبة لملاك آخر، فكيف إذن يكون إله حق أدنى من إله حق؟
تعالوا إذ شئتم ودعونا نرفع أنفسنا إلى فحص امتيازات الآب وتلك الصفات التي تختص به كإله، فالله الآب بالطبيعة هو الحياة والنور والحكمة، ولكن الابن أيضًا بالمثل هو كذلك كما تشهد الكتب الإلهية الموحى بها في مواضع كثيرة، فهو النور والحياة والحكمة، ولكن إن كان هو أدنى من الآب، يكون مديونًا له بهذه الصفات، وذلك ليس في صفة واحدة، بل في كل الخصائص التي تختص بجوهره، ولن يكون هو الحياة كاملة ولا النور كاملاً ولا الحكمة كاملةً. وإن كان هذا صحيحًا إذن يكون فيه شيء من الفساد وشيء أيضًا من الظلام وأيضًا شيء من الجهالة؟ ولكن مَن الذي سيوافقكم في تفكيركم هذا؟ لأنه إن كان هو مخلوقًا، إذن، فكما قلت، فلا يجب أن تقارنوه بالخالق ورب الكل. أنتم تخفضون رتبته إلى مستوى الخليقة، بينما ترفعون إلى سمو لا يقارن تلك الطبيعة التي خَلَقَت الكل والتي فوق الكل. ولكن إن كان حقًّا هو الله الحق صادر من الله الحق والآب، فكيف تؤكدون أنَّ الآب له ابن هو غير مساوٍ له في الطبيعة، وأن طبيعته هذه وحدها هي التي عانت من هذا التمييز السيئ، بينما من المؤكد أنه بين كل الخلائق لا يوجد من يلاقى مثل هذا الحظ السيئ! فالإنسان يولد من الإنسان، وكل الأوصاف التي في جوهر أبيه توجد كلها في المولود، وهكذا بالمثل بالنسبة لباقي الحيوانات، تُنظِّمها قوانين طبيعتها الخاصة. فكيف يكون إذن لطبيعة الله الفائقة للكل أن تعانى ما لا نعانيه حتى نحن، ولا أي من الخلائق الأخرى.
لذلك دع أولئك الذين يُفكِّرون بازدراء عن عظمة مجد الابن أن يسمعوا، دع أولئك المخمورين أن يستفيقوا من خمرهم، ليعبدوا معنا هذا الذي هو مساو في الجوهر مع أبيه، والمكلَّل بتسابيح مساوية، وتفوُّق مماثل بدون اختلاف ” لأن له تجثو كل ركبة مِمَّن في السموات ومَن على الأرض ومَن تحت الأرض، ويعترف كل لسان أنَّ يسوع المسيح رب لمجد الله الآب” (فى2: 10و11) آمين.
معرفة الآب والابن – إنجيل لوقا 10 ج6 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد
قال أحد الأنبياء القديسين: ” هلمُّوا إلى المياه أيها العطاش جميعًا” (إش55: 10) وهو بهذا يوجِّهنا إلى كتابات البشيرين القدِّيسين كما إلى ينابيع مياه، فكما أنَّ المياه مُبهجة للنفس الظامئة كما يقول الكتاب (أم25:25)، هكذا تكون معرفة أسرار المخلِّص التي تُعطِي الحياة للعقل الذي يُحب التهذيب. دعونا نقترب من الينابيع المقدَّسة، من المياه الحيَّة والمعطِية الحياة، تلك المياه التي هي عقلية وروحية. هيا لنمتلئ منها ولا نكِل من الشُّرب. فإن ما يزيد عن الكفاية في هذه الأمور، لا يزال لأجل بنياننا”، والشَّره هنا ممدوح جدًّا، إذن، ما هو الذي قاله المخلِّص ـ هذا الينبوع النازل من السماء، نهر الفرح ـ فذلك نتعلَّمه مِمَّا قد تُلِيَ علينا الآن: ” في تلك الساعة تهلَّل يسوع بالروح القدس وقال“. إذن يجب على كل من يُحب التَّعليم أن يقترب من كلمات الله بكل عناية وليس بلا حماس، بل بالعكس، بكل غيرة، لأنه مكتوب: ” كل من يتعب ويجتهد له خير وفير” (أم24: 23)، فلنفحص الكلمات وخاصَّة ما هو المقصود بالتعبير أنه ” تهلَّل بالروح القدس“.
الروح القدس ينبثق من الله الآب كما من الينبوع، ولكنه ليس غريبًا عن الابن، لأن كل ما للآب فهو للكلمة الذي هو بالطبيعة وبالحقيقة مولود منه. لقد رأى المسيح أنَّ كثيرين قد رُبحوا بفعل الروح الذي منحه هو للذين يستحقونه، وللذين أوصاهم ليكونوا خُدَّاما للرسالة الإلهية. لقد رأى أنَّ آيات عجيبة تجرى على أيديهم، وأن خلاص العالم بواسطته ـ أعنى بالإيمان ـ قد بدأ الآن، لذلك فقد تهلَّل بالروح القدس، أي بالأعمال والمعجزات التي تمَّت بواسطة الروح القدس. لقد عيَّن الرب الاثنا عشر الذين دعاهم أيضًا رسلا، وبعد ذلك عيَّن سبعين آخرين الذين أرسلهم كسابقين أمامه إلى كل قرية، ومدينة في اليهودية، ليُبشِّروا به وبالأمور المختصَّة به، وقد أرسلهم مزيَّنين حسنًا بالكرامات الرسولية، ومميَّزين بفعل نعمة الروح القدس، لأنه أعطاهم قوة على الأرواح النجسة ليخرجوها، لذلك فبعد أن عملوا معجزات كثيرة، رجعوا إليه قائلين: “يا رب حتى الشياطين تخضع لنا باسمك” وكما قلتُ لكم سابقًا، إذ أنَّ الرب يعلم جيدًا أنَّ الذين أرسلهم قد صنعوا خيرًا لكثيرين بل وهم أنفسهم قد عرفوا مجده بالاختبار، فإنه امتلأ بالفرح بل بالتهليل، ولأنه صالح ومحب البشر ويريد خلاص الجميع، فقد وجد لنفسه سببًا للتهليل، ألا وهو تحوُّل أولئك الذين كانوا في الضلال، واستنارة الذين كانوا في الظلمة، واستعلان مجده لأولئك الذين بلا معرفة أو تعليم.
فماذا يقول إذن؟ ” أحمدك أيها الآب رب السموات والأرض“… وهذه الكلمات: “أعترف لك” يقولها مثل البشر بدلاً من “أَقبَل إحسانك” أي ” أشكرك”، لأن الكتب الإلهية الموحَى بها اعتادت أن تستعمل كلمة ” أعترف” بمثل هذه الطريقة، لأنه مكتوب: ” سيعترفون لاسمك العظيم المرهوب، يا رب، لأنه مرهوب وقدوس” (مز98: 3 س)، وأيضًا ” أعترف لك يا رب بكل قلبي وأُخبر بجميع عجائبك” (مز85: 2 س).
ولكني ألاحظ أيضًا أنَّ أذهان الناس الفاسدين لا ترعوى عن فجورها، وبعضًا منهم يعترض علينا قائلاً “ها الابن يُقدِّم اعتراف الحمد للآب، فكيف لا يكون أقل من الآب؟” ولكن كل من هو ماهر في الدفاع عن تعاليم الحق، يجيب عن هذا قائلا: “وماذا يمنع أيها السادة الكرام، أنَّ الابن مع كونه مساويًا في الجوهر، يحمد ويشكر أباه، لأنه يخلِّص كل الذين تحت السماء بواسطته؟ ولكن إن ظننتَ أنه بسبب شكره هو أقل من الآب، فلاحظ أيضًا ما يلي: أنه يدعو الآب ” رب السماء والأرض“. ولكن بالتأكيد فإن ابن الله الضابط الكل بالتساوي معه هو رب الكل، وفوق الكل وليس هو أقل منه، أو مختلف عنه في الجوهر، ولكنه إله من إله، مكلَّل بنفس الكرامات، ويملك بحق جوهره، المساواة معه في كل شيء”، وهذا كاف للإجابة عليهم.
لكن دعونا الآن نتأمل الكلمات التي خاطب بها أباه بخصوصنا ونيابة عنا إذ يقول: ” لأنك أخفيت هذه عن الحكماء والفهماء وأعلنتها للأطفال، نعم أيها الآب لأن هكذا صارت المسرَّة أمامك“، لأن الآب قد كشف لنا السر الذي كان مكتومًا ومحفوظًا في صمت عنده، من قبل إنشاء العالم الذي هو تجسُّد الابن الوحيد، الذي كان معروفًا سابقًا حقًّا، قبل إنشاء العالم، ولكن أُعلن لسكانه في أواخر الدهر. فالمبارك بولس يكتب: ” لي أنا أصغر جميع القديسين أُعطِيَتْ هذه النعمة أن أُبشِّر به بين الأمم بغِنَى المسيح الذي لا يُستقصى، وأُنير الجميع في ما هو تدبير السر[1]المكتوم منذ الدهور في الله خالق الجميع” (أف3: 8). إن هذا السر العظيم المسجود له الذي لمخلِّصنا كان من قبل تأسيس العالم، مخفيًّا في معرفة الآب، وبالمثل نحن قد سبق أن عرفنا، وسبق أن عيَّنَنَا لتبنِّي البنين. وهذا ما يُعلِّمنا إياه أيضًا المبارك بولس بقوله: ” مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح الذي باركنا بكل بركة روحية في السماويات في المسيح، كما اختارنا فيه قبل تأسيس العالم لنكون قديسين وبلا لوم قدامه إذ سبق فعيَّننا في المحبة للتبنِّي بيسوع المسيح لنفسه” (أف1: 3ـ5). فلنا إذن ـ كما للأطفال ـ كشف الآب السر الذي كان مخفيًّا ومحفوظًا في صمت طوال الدهور.
لقد سبقنا في هذا العالم حشد كبير كانوا على مستوى الكلمات، لهم لسان طلق متميِّز، لهم سمعة كبيرة في الحكمة، وفى فخامة التعبير، والأسلوب الجميل، ولكن كما قال عنهم بولس: ” حمقوا في أفكارهم وأظلم قلبهم الغبي، وبينما هم يزعمون أنهم حكماء صاروا جهلاء، وأبدلوا مجد الله الذي لا يفنى بشبه صورة الإنسان الذي يفنى والطيور والدواب والزحافات… لذلك أسلمهم الله إلى ذهن مرفوض” (رو1: 21ـ25)، “وجعل الله حكمة هذا العالم جهالة” (1كو1: 20)، كما أنه لم يعلن لهم السر. أمَّا لنا نحن فقد كتب: ” إن كان أحد يظن أنه حكيم بينكم في هذا الدهر، فليصر جاهلاً لكي يصير حكيمًا، لأن حكمة هذا العالم هي جهالة عند الله” (1كو3: 18). لذلك، فيمكن المرء أن يؤكد أنَّ من له مجرَّد حكمة العالم فقط، هو جاهل وبلا فهم أمام الله، ولكن من يظهر أنه جاهل في نظر حكماء هذا العالم، ولكن له في قلبه وفكره نور رؤية الله الحقيقيَّة فهو حكيم أمام الله. وبولس يؤكد هذا أيضًا بقوله: ” لأن المسيح أرسلني لا لأُعمِّد بل لأُبشِّر، لا بحكمة كلام لئلا يتعطَّل صليب المسيح، فإن كلمة الصليب عند الهالكين جهالة، وأما عندنا نحن المخلَّصين فهي قوة الله، لأنه مكتوب سأبيد حكمة الحكماء وأرفض فهم الفهماء” (1كو1: 17ـ19) (إش29: 14)، وقد أرسل بولس أيضًا قائلاً: ” فانظروا دعوتكم أيها الإخوة أنْ ليس كثيرون حكماء حسب الجسد، ليس كثيرون أقوياء، ليس كثيرون شرفاء، بل اختار الله جُهَّال العالم ليخزى الحكماء” (1كو1: 26)} والذين يظهرون كأنهم جهلاء، بمعنى أنهم ذوو ذهن نقى وعديم المكر، وهم بسطاء كأطفال في الشر، لهؤلاء أَعلن الآب ابنه، إذ هم أنفسهم أيضًا قد سبق فعرفهم وسبق فعيَّنهم لتبنِّي البنين.
ومن المناسب في ظنِّي أنَّ نضيف أيضًا ما يأتي، أنَّ الكتبة والفريسين الذين بلغوا شأنًا عظيمًا عند اليهود بسبب علمهم الناموسي كانوا يعتبرون أنفسهم حكماء، ولكن حكم عليهم بنفس النتيجة أنهم ليسوا هكذا في الواقع، فإرميا النبي يخاطبهم في موضع ما قائلاً: “كيف تقولون نحن حكماء وشريعة الرب معنا بينما حوَّلها قلم الكتبة الكاذب إلى الكذب. خزيَ الحكماء ارتاعوا وأُخذوا، ها قد رفضوا كلمة الرب فأيَّة حكمة لهم؟ (إر8: 8و9)، لأنهم رفضوا كلمة المخلِّص أي رسالة الإنجيل الخلاصيَّة، أو بعبارة أخرى، كلمة الله الآب الذي من أجلنا صار إنسانًا، لذلك فهم أنفسهم قد رُفِضوا، وعنهم قال أيضًا إرميا النبي: ” وهم يُدعَون فضة مرفوضة، لأن الرب قد رفضهم” (إر6: 30).
وقد أخفى عنهم سر المسيح أيضًا، لأنه قال عنهم في موضع ما لتلاميذه ” لأنه قد أُعطِيَ لكم أن تعرفوا أسرار ملكوت السموات، وأما لأولئك فلم يعطَ” (مت13: 11) ” أُعطِيَ لكم“، أي لمن؟ هو بوضوح للذين آمنوا، لهؤلاء الذين تعرَّفوا على ظهوره، للذين يفهمون الناموس روحيًّا، الذين يدركون أنه معنى الإعلان القديم الذي للأنبياء، الذين يعترفون أنه الله وابن الله، لهؤلاء سُر الآب أن يُعلِن ابنه الذي به، ومعه لله الآب التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى أبد الآبدين آمين.
[1] لاحظ أنَّ أغلب المخطوطات اليونانية تكتب Oikonomia بمعنى “تدبير” وليس Koinonia بمعنى شركة، كما تنص ترجمة دار الكتاب المقدس القديمة وصُوِّبت في كل الترجمات الحديثة بالكلمة “تدبير”. راجع في هذا كتاب شرح رسالة أفسس ص 69 للدكتور نصحي عبد الشهيد، إصدار بيت التكريس لخدمة الكرازة.
سر الآب للأطفال – إنجيل لوقا 10 ج5 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد
قال أحد الأنبياء القديسين: ” هل يعمل الله شيئًا دون أن يُعلِنه لخدَّامه الأنبياء” (عا3: 7)، لأن إله الكل قد كشف للأنبياء القديسين هذه الأمور التي ستحدث فيما بعد، لكي يُعلنوها مسبقا حتى أنه حينما يتحقَّق ما قد سبق وأخبروا به فلا يمكن لأحد أن لا يصدِّقهم. ومن يريد يمكنه أن يرى أنَّ ما قد أكَّدناه الآن هو صحيح حتى من الدروس التي أمامنا. يقول الكتاب: “فرجع السبعون بفرح قائلين: يا رب حتى الشياطين تخضع لنا باسمك” لأن الرب عيَّن أولاً اثنا عشر تلميذًا قدِّيسين ومختارين وجديرين بكل إعجاب. ولكن، وبحسب ما قد أوضح المسيح أنَّ ” الحصاد كثير ولكن الفعلة قليلون” (لو10: 2)، فإنه عين بالإضافة لهم سبعين آخرين أرسلهم إلى كل قرية ومدينة في اليهودية أمام وجهه، حتى يكونوا سابقين له، وليبشِّروا بالأمور المختصة به.
وعندما أرسلهم، فإنه شرَّفهم بنعمة الروح القدس، وأيَّدهم بقوة عمل المعجزات حتى يصبح مستحيلاً أن لا يصدِّقهم الناس، ولا أن يظنُّوا أنهم دعوا أنفسهم بأنفسهم إلى الرسولية، كما تنبأ البعض في القديم، كما يقول الكتاب: ” لم يتكلموا بما أوحى به فم الرب” (إر23: 16)، فيتقيأون كذبًا من قلوبهم. كما تكلَّم الرب بفم إرميا في موضع آخر قائلاً: ” إنِّي لم أرسل هؤلاء الأنبياء ومع ذلك انطلقوا راكضين ولم أوحِ لهم ومع ذلك يتنبَّأون” (إر23: 21) وأيضًا في موضع آخر: ” إن الأنبياء يتنبأون زورًا باسمي وأنا لم أُرسلهم ولم آمرهم ولم أُكلِّمهم” (إر14:14). وحتى لا يشك الناس في الذين أرسلهم المسيح، فإنه أعطاهم السلطان على الأرواح النجسة والقدرة على عمل الآيات، لأنه إذا ما تبعت المعجزة الإلهية الكلمة، فلن يمكن لا للمشتكي أو لليهودي الكاذب أن يجد فرصة ضدهم، لأنهم سيوبَّخون بسبب اتهامهم لهم بلا سبب، بل بالحري لأنهم قصدوا أن يُحارِبوا الله. إنَّ عمل المعجزات ليس في استطاعة أي إنسان، إلاَّ إذا أعطاه الله القوة والسلطان لهذا الغرض. إنَّ نعمة الروح شهدت لهؤلاء الذين أرسلهم المسيح أنهم لم يكونوا أشخاصًا ركضوا من أنفسهم، أو دعوا أنفسهم للكلام عن المسيح، بل على العكس، إنما هم قد أُقيموا ليكونوا خدامًا لرسالته.
إن السلطان الذي حمله التلاميذ لينتهروا الأرواح الشريرة، والقوة لسحق الشيطان، لم تُعطَ لهم لكي ينظر الناس إليهم بإعجاب، بل لكي يتمجَّد المسيح بواسطتهم، ولكي يؤمن أولئك الذين يعلِّمونهم أنه هو بالطبيعة الله وابن الله، ولكي يُكرَّم بالمجد العظيم والعلو والقوة لكونه استطاع أن يمنح الرسل القوة ليطأوا الشيطان تحت أقدامهم.
أما التلاميذ، الذين حُسبوا مستحقِّين لهذه النعمة العظيمة، فالكتاب يقول إنهم: ” رجعوا بفرح قائلين: يا رب حتى الشياطين تخضع لنا باسمك“. إنهم اعترفوا بسلطان المسيح الذي شرَّفهم به، وتعجَّبوا من قوته الفائقة والعظيمة. ويبدو أنهم فرحوا، ليس كثيرًا بسبب أنهم خُدَّام للرسالة، ولا لأنهم حُسبوا أهلاً للكرامات الرسولية، بقدر فرحهم لأنهم صنعوا معجزات. ولكن كان من الأفضل لهم أن يعرفوا أنه أعطاهم القوة لصنع المعجزات لا لينظر إليهم الناس بإعجاب لهذا السبب، ولكن لكي تُقبَل بشارتهم وتعاليمهم، إذ يشهد الروح القدس لهم بالآيات الإلهية. كان الأجدر بهم أن يفرحوا بالذين رُبِحوا للمسيح ويجعلوا هذا سببًا للتهليل. كما افتخر الحكيم جدًّا بولس بالذين دُعُوا بواسطته قائلاً: ” يا سروري وإكليلي” (فى4: 1). أمَّا التلاميذ فلم يقولوا شيئًا من هذا النوع، ولكنهم فرحوا فقط بسبب أنهم استطاعوا أن يسحقوا الشيطان.
وماذا كانت إجابة المسيح؟: ” رأيتُ الشيطان ساقطًا مثل البرق من السماء” أي، أنا أعلم هذا تمامًا، لأنكم بما أنكم ذهبتم في هذه الرحلة بتفويض منِّي، فقد قهرتم الشيطان. ” رأيته نازلا كالبرق من السماء“، أي سقط من العلاء إلى الخزي، من القوة العظيمة إلى منتهى الضعف. وهذا القول حق، فقبل مجيء المخلص تملك الشيطان على العالم، وكان الكل خاضعًا له، ولم يكن إنسان يقدر أن يفلت من شباك قوته الساحقة، الكل كانوا يعبدونه، وفى كل مكان كانت تُشيَّد له هياكل ومذابح لتقديم ضحايا، وكان له جمهور لا يُحصى من العابدين. ولكن لأن الابن الوحيد كلمة الله قد جاء من السماء، فإنه سقط مثل البرق، وهذا الذي كان قديمًا وقحًا ومتشامخًا، الذي كان يتنافس على مجد الألوهية، والذي كان يعبده كل الذين في الإثم، وُضع الآن تحت أقدام الذين كانوا يسجدون له. أليس حقًّا إذن سقط من السماء إلى الأرض، بمعاناته لمثل هذا السقوط الفظيع والمرعب؟
من هو إذن، الذي حطَّم قوَّته وأذلَّه إلى هذا الحضيض؟ واضح أنه هو المسيح، وهذا أعلنه لنا الرب في كلماته: ” ها أنا أعطيكم سلطانًا لتدوسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو ولا يضركم شيء“. ولكن قد يجيب أحد ويقول: ” إننا يا سيد نفرح بالمجد والنعمة اللتين منحتهما لنا، لأننا نعترف أنه حتى الشياطين تخضع لنا باسمك، وكيف إذن سنُخبر أولئك الذين يعرفون هذا وقد اعترفوا به صراحة”؟ ” ها أنا قد أعطيتكم سلطانًا أن تدوسوا الحيات والعقارب“. يقول، نعم ـ إنَّني أدعوكم أن تتذكروا هذه الأشياء التي تعرفونها، حتى لا تنساقوا بجهالة اليهود، الذين إذ لا يعرفون سر تجسُّدي، فإنهم يقتربون منِّي كمجرد إنسان، ويضطهدوني قائلين: ” لماذا وأنت إنسان تجعل نفسك إلهًا؟” (يو10: 33). وهو يقول إنه كان واجبًا عليهم أن يعرفوا أنَّني، لست بكوني إنسانًا ـ بحسب كلماتهم ـ أقول عن نفسي إنَّني الله، ولكن بالحري إذ أنا بالطبيعة الله، قد لبستُ شكل العبد وظهرتُ على الأرض كإنسان مثلكم. ولكن ما هو برهان هذه الأمور؟ انظروا: ” ها أنا أعطيكم سلطانًا أن تدوسوا الحيات والعقارب“. هذا ليس مجرد عمل إنسان، وليس لأحد مثلنا أن يمنح آخرين مثل هذا السلطان المجيد والعجيب لكي يكون لهم القدرة أن يدوسوا على كل قوة العدو، هذا بالحري عمل خاص بالله فقط، الذي هو العالي فوق الكل والمكلَّل بالكرامات الفائقة.
والموضوع يمكن أن يُشرح أيضًا بطريقة أخرى، فهو بهذا لا يدع للتلاميذ أي عذر للاستسلام للجُبن، ولكنه يطلب منهم بالحري أن يكونوا أقوياء القلب وشجعانًا. لأنه هكذا ينبغي أن يكون خُدَّام الكلمة الإلهية، غير جبناء، وغير مقهورين بالكسل، ولكن ” يكرزون بقوَّة عظيمة” كما يقول الكتاب (أع9: 23)، وجسورين في متابعة أولئك الذين يُنظِّمون أنفسهم ضدهم، ويحاربون بشجاعة ضد العدو، فالمسيح الذي يساعدهم، وهو الذي سيُخضع قوات الشر الدنسة تحت أقدامهم، بل وحتى الشيطان نفسه.
” من هو الإنسان الذي هو أقوى من رؤساء عالم الظلمة” (أف6: 12) أو أقوى من تلك الحية الخبيثة ورئيس الشر؟ لذلك فالذي يكسر رؤوس التنانين (مز73: 13س) كيف يكون عاجزًا عن أن يُخلِّصهم من هجمات أي واحد من سكان هذا العالم؟ إذن ليس بدون نفع، يُعلن المسيح لتلاميذه: ” ها أنا أعطيكم سلطانًا لتدوسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو“.
ولكنه يزيدهم منفعة إذ يضيف في الحال: ” لكن لا تفرحوا بهذا أنَّ الشياطين تخضع لكم، ولكن افرحوا بالحري أنَّ أسمائكم كتبت في السموات” ألا تسمح يا رب للذين كرَّمتهم أن يفرحوا بما كرَّمتهم به ؟ ومكتوب عن الذين عُيِّنوا للرسولية: ” يا رب بنور وجهك يسلكون، باسمك يبتهجون اليوم كله، وبعدلك يرتفعون، لأنك أنت فخر قوتهم وبرضاك ينتصب قرننا“(مز88: 15 س)، كيف يا رب توصيهم إذن ألا يفرحوا بالمجد والكرامة التي منحتها أنت نفسك لهم؟ ماذا نقول عن هذا؟ إنَّني أجيب بأن المسيح يرفعهم إلى شيء أعظم، ويوصيهم أن يحسبوا أنَّ مجدهم هو أنَّ أسماءهم كُتبت في السموات، لأنه يُقال لله عن القديسين ” وفى سِفْرِك كُتبوا جميعهم” (مز138: 16 س). وإلى جوار ذلك فإن فرحهم بقدرتهم على عمل المعجزات، وبأنهم يسحقون أجناد الشياطين، من المحتمل أن يولد فيهم أيضًا رغبة المجد الباطل ـ وقريبُ هذه الشهوة والملازم لها دائمًا هو الكبرياء.
لذلك، فمن المفيد جدًّا أن يُوبِّخ مخلِّص الكل الافتخار من بدايته، ويقطع جذوره بسرعة، وهو الذي ينمو من حب المجد الوضيع، وهو بذلك يتمثل بالزُرّاع الذين متى رأوا شوكًا في حقلهم أو حديقتهم، فإنهم يقطعونه بأسنان الفأس قبل أن يضرب بجذوره في العمق.
لذلك، فإذا ما نلنا هبة ما من المسيح، جديرة بالإعجاب، فلا يجب أن نفتكر فيها بتعالي، ولكن بالحري أن نجعل الرجاء الموضوع أمامنا هو سبب الفرح، وبأن أسمائنا كُتبت في صحبة جماعات القديسين، بهبة المسيح مخلِّصنا كلِّنا، الذي بسبب محبته للإنسان يمنح إضافة إلى كل ما لنا، هذه الهبة أيضًا، هذا الذي يليق به ومعه لله الآب التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى دهر الدهور آمين.
المسيح يُخضِع الشياطين للتلاميذ – إنجيل لوقا 10 ج4 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد
عندما يريد الذين يتسلطون على الممالك الأرضية والذين لهم السلطة العالمية أن يُبجِّلوا الناس المشهورين بكرامات هذا العالم فإنهم يرسلون إليهم الرسائل المحتوية على المراسيم التي تأمر بتعيينهم، وتحوى هذه الرسائل تزكيات لهم وإشادة بأفضالهم. هذا ما نرى المسيح يفعله الآن. ما أعظم السلطان الذي خوَّله المسيح للرسل القديسين وجعلهم جديرين بالمديح وزيَّنهم بأعظم الكرامات. دعونا نبحث في الكتاب المقدس أي كنز كلمات الإنجيل المكتوبة، فنرى هناك عَظَمَة السلطان المعطَى لهم، فنجد: “ الذي يسمع منكم يسمع مني، والذي يرذلكم يرذلني، والذي يرذلني يرذل الذي أرسلني” يا له من شرف عظيم! إنها كرامة لا تقارن بأي شيء! ما أعظم هذه العطية التي تليق بالله! فمع أنهم بشر، وأولاد التراب، فالرب يُسربلهم بمجد إلهي، ويأتمنهم على كلامه، حتى يدينوا المقاومين والذين يجرؤون على رفضهم، وهو يؤكد أنه بشخصه هو الذي يتألم من رفض المقاومين لهم، وأن ما يُصنع ضده يمتد إلى الله الآب، فانظروا إذن وافهموا بعيون ذهنكم لتروا إلى أي ارتفاع يرفع خطية القوم الذين يرفضون القديسين، يا له من سور يحيطهم به، وأي طمأنينة عظيمة يوجدها لهم، ويجعلهم مهوبين بكل الطرق ويحفظهم من الأذى.
وتوجد وسيلة أخرى يمكنكم بها فهم معاني حديث المسيح وهو يقول: ” الذي يسمع منكم يسمع مني“. إنه يُعطي هؤلاء الذين يبغون التعلُّم الضمان بأن كل ما يقوله الرسل الأطهار أو الإنجيليين عنه يجب أن يُقبَل بدون شك، وأن يُكرم بكلمات الحق، لأن من يسمع منهم يسمع من المسيح، كما يقول المغبوط بولس أيضًا: ” أنتم تطلبون برهان المسيح المتكلم فيَّ” (2كو13: 3)، والمسيح نفسه يقول للرسل القديسين في مكان آخر: ” لستم أنتم المتكلِّمين ولكن روح أبيكم الذي يتكلَّم فيكم” (مت10: 20)، فالمسيح يتكلَّم فيهم بالروح القدس الواحد معه في الجوهر. وإذا كان هذا صحيحًا وواضح أنه صحيح، أنهم يتكلمون بالمسيح، فكيف يمكن للإنسان أنَّ يخطئ ضد ما هو أكيد: أي أنَّ من لا يسمع لهم لا يسمع للمسيح، ومن يرذلهم يرذل المسيح ومعه الآب.
فالعقاب المقرر للهراطقة الأشرار محتَّم، لأنهم يرفضون كلمات الرسل القديسين والبشيرين ويقلبون معاني هذه الكلمات التي بدون فحصها جيدًا تبدو لهم صحيحة. إنَّهم يحيدون عن الطريق المستقيم، ويضلُّون عن تعاليم التقوى: “مضِلِّين ومضَلِّين” (2تى3: 13)، لأنهم إذا تحوَّلوا عن الكتب المقدسة فإنهم يتكلمون من قلوبهم وليس من فم الله (إر23: 16 س) كما يقول الكتاب.
فبينما يكتب المغبوط يوحنا البشير: ” في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله” (يو1:1)، نراهم يقلبون كلاًّ من العقيدة الخاصة بالمسيح والاقتباس الدال عليها إلى العكس تمامًا قائلين إنَّ الكلمة، الابن الوحيد من الله، لم يكن في البدء، وليس الله نفسه، بل وأيضًا لم يكن مع الله، أي في اتحاد معه بالطبيعة، لأن غير المادي كيف يمكن تصور وجوده في أي مكان؟ هؤلاء المتوقِّحون يقولون إنه مخلوق، ويقيسون مجده بأن يرفعوه فوق المخلوقات بقدر ما تحمل اللغة من ثناء، وإذ يخترعون هذه العظمة المجرَّدة والعارية يظنون أنهم يضعون شيئا بحكمة أو حتى بتقوى، ولا يدرون أنه لو اعتُبـِر لأي سبب أنه مجرد كائن مخلوق، فإنه يصبح من العبث إثبات أنه الله حقًّا، وإن كان من أي وجهة هو مخلوق، وطبيعته مشابهة للأشياء المخلوقة، فينتج من ذلك أنه كما يؤكدون لم يكن موجودًا في البدء، لأنه لا يمكن للمخلوق أن يكون بلا بداية. فكيف يقول الحكيم بولس إذن: ” الآب به عمل العالمين” (عب1: 2). فإن كان مخلوقًا، فلابد أن يكون له بداءة وجود، ولابد أنه قد كان هناك زمان سابق على وجوده، وكان لابد أيضًا من وجود زمان لم يكن فيه الآب أبًا كما يدل اسمه، بل لم يكن على الإطلاق أبًا بالطبيعة، ولذلك تكون الكلمة التي أتت إلينا بشأنه غير صحيحة. وهكذا يصير أيضًا بالنسبة للابن، ويكون كلا الاثنان قد دُعيا هكذا كذبًا.
كيف إذن يمكن أن نصدِّق قول الابن ” أنا هو الحق” (يو14: 6)، كيف يكون هو الحق ذاك الذي لا يكون بحسب ما يدل عليه اسمه، وكيف لا يكون بولس مخطئًا في كلماته عندما يكتب: ” لأن ابن الله يسوع المسيح الذي كُرِز به بينكم بواسطتنا أنا وسلوانس وتيموثاوس لم يكن نعم ولا” (2كو1: 19). كيف ” لم يكن نعم ولا” أن قيل إنه الله، ولم يكن هو الله بالطبيعة؟ وأن يُدعى ابنًا “وهو ليس ابن الآب؟” إذ قالت الكتب الإلهية المُوحَى بها إنَّ العالمين خُلِقت به، بينما كان هناك وقت قبل وجوده؟ إذا كانت كل الأشياء قد وُجِدت به بينما هو نفسه واحد من هذه الموجودات، إذا اعتبرناه مخلوقًا؟ إذًا فهل هو دُعي بالابن الوحيد وهو ليس هكذا بالحق؟ لأن الأشياء التي أُوجِدت من العدم بالخلق، توجد بين بعضها البعض قرابة. ولكننا نحن لا نتبع كلمات هؤلاء القوم الباطلة، ونهمل كتابات الرسل والمبشِّرين القدِّيسين. أي نحن لا نرذلهم لكي لا نرذل المسيح وبه ومعه نرذل الآب. نحن نؤمن بأن الابن الوحيد كلمة الله هو الله، وهو ابن الله بالطبيعة، وأنه غير مخلوق ولا مصنوع بل هو خالق كل الأشياء، وليس سَمّوه هكذا فقط بل هو بالحري جوهريًّا مع الآب عال فوق الكل. وعندما تسمع أيضًا البشير يوحنا يقول: ” والكلمة صار جسدًا“، فنحن لا نُزيِّف التعبير، ولا نستعمل العنف ضد هذه الإعلانات الواضحة، ولا نقلب سر المسيح إلى ما هو ليس صحيحًا. نحن نؤمن أنَّ الكلمة، مع أنه هو الله، فقد صار جسدًا، أي إنسانًا وليس أنه اصطحب معه إنسانًا في كرامة متساوية، كما يتجاسر البعض ويُفكِّرون ويقولون بأن كلمة الله الذي من الآب نعتبره ابنًا على حِدة، أما الذي خرج من العذراء القدِّيسة فهو آخر إلى جواره منفصلاً عنه وعلى حِدة. هذه هي الاختراعات الدنسة لهؤلاء الناس. أمَّا نحن فنوافق المبارك بولس إذ يقول: ” رب واحد، إيمان واحد، معمودية واحدة” (أف4: 5). فنحن لا نقسم غير المنقسم. ولكن نعترف بمسيح واحد، الكلمة الذي من الله الآب، الذي تجسَّد وصار إنسانًا، الذي تعبده الملائكة وتكرمه، ونحن أيضًا نُسبِّحه معهم ونكلِّله بالمجد الإلهي، ليس كإنسان أصبح إلهًا بل كإله صار إنسانًا. وإذ نتمسَّك بهذا الرأي عنه، فإننا بواسطة (شخصه) سندخل ملكوت السموات، الذي به ومعه لله الآب التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى دهر الدهور آمين.
[1] نلاحظ أنَّ القديس كيرلس قد عبر على الأعداد 8 ـ 15 المحتوية الويلات الموجَّهة إلى مدن كورزين وبيت صيدا وكفر ناحوم لأنها لم تقبل تعاليم المسيح. كما وفى مناسبة أخرى مختلفة يحذف فقرات أخرى، وهذا ربما بسبب أنه قام بشرحها في أوقات أخرى.
كرامة الرسل وألوهية المسيح – إنجيل لوقا 10 ج1 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد
الذين يمدحون الكلمة الإلهية والمقدَّسة بصواب وبدون خطأ، هم بالتأكيد حلفاء تعاليم الحق وهم أفضل معلميه، ويعرفون جيدًا كيف يقودون باستقامة كل من يرغب في النمو في المسيح، إلى كل عمل صالح وإلى الحياة غير الفاسدة، وإلى الاشتراك في البركات الموهوبة لنا. وعن هؤلاء يُعلن الحكيم جدًّا بولس أنهم ” أنوار في العالم متمسكين بكلمة الحياة” (فى2: 15).
والتلاميذ الإلهيون هم أول هؤلاء الرجال البارزين والمشهورين، ويُعتبرون المتقدمين في الترتيب، كان لهم معلِّمًا هذا الذي هو المُعطِي لكل فهم، والذي يسكب نوره على أولئك الذين يحبونه، فهو النور الحقيقي الذي ينير السماء بل والقوات التي فوق، وهو الذي يُخلِّص من الجهالة والظلمة أولئك الذين على الأرض أيضًا. لاحظ كيف أنه جعل المعلِّمين المعيَّنين (للكرازة) لكل الذين تحت الشمس، فَعَلَة مستعدِّين، ذوي غيرة شديدة، وقادرين أن يفوزوا بمجد الانتصارات الرسولية، غير مفضِّلين أي أمر من شئون العالم على واجب الكرازة بالرسالة المقدَّسة، وهكذا أعدُّوا ذهنهم بكل شجاعة أن يرتفعوا فوق كل المخاوف، لا يرتعبون ولا قيد أنملة في الشدائد، ولا ينزعجون من الموت ذاته عندما يأتي عليهم لأجل المسيح. لأنه يقول لهم: ” اذهبوا“. وفى هذه الكلمة ” اذهبوا” يُشجِّعهم ليصيروا أشدَّاء، ويجعلهم يرغبون باشتياق في الانتصارات المقدَّسة، وهكذا يُؤسِّسهم ثابتين راسخين أمام كل تجربة، ولا يدعهم ينكمشون أمام عنف الاضطهادات. وعندما تبدأ المعارك، ويُفرِغ الأعداء سهامهم، فإن القادة الأبطال يُشجِّعون مَن تحت إمرتهم أن يقاوموا هجمات العدو، ويحتملوا بشجاعة، فيقولون لهم مِثل هذه العبارات: ” يا رفاقنا الجنود، لا تنزعج أفكاركم من كل هذه الأشياء التي ترونها، فنحن لسنا ضعفاء، ولسنا غير محنَّكين في القتال، ولكن اعرفوا جيدًا طرق القتال، فنحن نملك دروعًا مصفَّحة قوية الصنع، ونملك أسلحة وسيوفًا وأيضًا أقواسًا ورماحًا، وبالجهاد سننال النصرة، وشجاعة القلب ستحرز لنا بحق شهرة مجيدة. هكذا إذا جاز لنا القول فإن مخلِّصنا أرسل تلاميذه إلى جموع غير المؤمنين قائلاً: ” ها أنا أرسلكم مثل حملان بين ذئاب“.
ماذا تقول أيها الرب، كيف يستطيع الحمل أن يتحدَّث مع الذئاب؟ متى كان الحيوان المفترس في سلام مع الحمل ؟ فبالكاد يستطيع الرعاة أن يحموا قطعانهم بجمعهم في الحظائر وأن يغلقوا عليها داخل السياجات، وبتخويف الوحوش التي تريد أن تفترس الحملان بواسطة نباح الكلاب، بل وأيضًا يحاربون بأنفسهم ليدافعوا عنها، ويخاطرون لأجل حماية الأعضاء الضعيفة في قطيعهم. كيف إذن يأمر الرب الرسل القديسين الذين بلا لوم ـ كحملان ـ أن يصاحبوا الذئاب ويذهبوا إليهم بأنفسهم؟ أليس الخطر ظاهرًا؟ أمَا يصبحون فريسة جاهزة لهجماتها؟ كيف يستطيع الحمل أن ينتصر على الذئب؟ كيف يمكن للمسالم جدًّا أن يقهر توحش الحيوانات المفترسة؟ نعم، إنه يقول: أنا الراعي لهم جميعًا، للصغير وللكبير، لعامَّة الناس وللأمراء، للمعلِّمين والمتعلِّمين، سأكون معكم وأساعدكم وأخلِّصكم من كل شر. سأذلِّل الحيوانات المتوحِّشة، سأغيِّر الذئاب إلى حملان، وسأجعل المضطهِدِين مساعدين للمضطَهَدين وسأجعل من يسيئون إلى خرافي شركاء في خططهم المقدَّسة، أنا أصنع كل الأشياء، وأنا أحلها، ولا يوجد شيء يستطيع أن يقاوم إرادتي.
هذه هي النتيجة الفعلية التي حدثت والتي نراها في أمثلة تمَّت بالفعل، فبولس الإلهي كان مجدِّفًا ومضطهِدًا، كان أكثر إيذاءً وقسوة من أي ذئب على أولئك الذين آمنوا بالمسيح، فهل استمرَّ في هذا السلوك؟ هل ظلَّ ذئبًا إلى النهاية؟ كلاَّ بالمرة، لأنه دُعِيَ من المسيح واختبر تغييرًا غير متوقَّع، وهذا الذي كان في القديم ذئبًا أصبح أكثر وداعة من الحمل، وكرز بالإيمان الذي كان يوما يضطهده، وكان مثل هذا التغيير غير المنتَظَر دهشة لجميع الناس، والمسيح تمجد، لأنه غيَّره من وحش مفترس إلى حمل. وهذا ما أنبأ به يعقوب الإلهي في بَرَكته بشأنه إذ قال: ” بنيامين ذئب مفترس، في الصباح يأكل لحمًا، وفى المساء يقسم غنيمته” (تك49: 27 س). لأن الحكيم بولس كان من سبط بنيامين، وكان في الأول كذئب مفترس يقاوم الذين آمنوا بالمسيح، ولكن بعد وقت قصير أي فترة، كما من الصباح إلى المساء، قسم غنيمته، لأنه علَّم عن يسوع وكرز به، والأطفال في المعرفة سقاهم لبنًا، أما البالغين فقدم لهم طعامًا قويًّا. ففي الصباح يأكل لحمًا وفى المساء يقسم ذبيحته، وهذا شيء مختصر فيما يخص المبارك بولس.
ولكن هيا بنا نناقش نقطة مشابهة، ألا وهى دعوة الأمم، دعنا نرى ما إذا كانوا ـ في وقت ما ـ هم أيضًا وحوشًا كاسرة، وأكثر توحشًا من الذئاب ضد خدام رسالة إنجيل الخلاص، وكيف أنَّهم تحوَّلوا إلى الوداعة وعدم الغش بمعونة المسيح، فهم أيضًا اضطهدوا الرسل القديسين، ليس كأناس يحاربون الذئاب، بل كالوحوش المفترسة يهيجون بوحشيَّة ضد الحملان، ورغم أنهم لم يسيئوا إليهم بل دعوهم إلى الخلاص، إلاَّ أنهم رجموهم وسجنوهم واضطهدوهم من مدينة إلى مدينة، إلاَّ أنَّ هؤلاء الذين تصرفوا هكذا أولاً أصبحوا فيما بعد ودعاء وبلا غش، وصاروا كالحملان التي كانوا قد اضطهدوها!
مَن سوى يسوع المسيح ربنا يعمل كل هذه الأمور؟
لأنه هو أيضًا الذي ” نقض حائط السياج المتوسط مبطلاً ناموس الوصايا في فرائض، والذي خلق الشعبين في نفسه إنسانًا واحدًا جديدًا صانعًا سلامًا مصالحًا الاثنين في جسد واحد مع الآب” (أف2: 14). ها قد صار انضمام للإيمان باتفاق واتحاد الفكر والإرادة ـ للمتوحشين مع الودعاء، للنجسين والملوثين بالخطية مع القديسين، أي هؤلاء الذين من قطعان الأمم مع أولئك الذين آمنوا من إسرائيل، وعن هذا يتكلم إشعياء النبي بالروح ويقول: ” فيرعى الذئب مع الحمل، ويربض النمر مع الجدي، وترعى البقرة والدب معًا، ويأكل الأسد والثور التبن معًا، ويربض أولادهما معًا” (إش11: 6 س).
اعلم أيها الحبيب وافهم، أنَّ أولئك الذين تقدَّسوا بالإيمان لم يشاكِلوا الأمم في عاداتهم، بل بالعكس، فإن المدعوِّين من الأُمم هم الذين شاكلوهم، فإن الذئب والأسد والنمر والدب هي حيوانات آكلة لحوم، أمَّا الحيوانات ذات الطبيعة الهادئة كالجداء والحملان والثيران تغتذي بالعشب. ولكن الحيوانات المفترسة، يقول النبي، سوف ترعى مع الحيوانات الأليفة وتغتذي بطعامها. إذن فليست الحيوانات الأليفة هي التي شاكَلَت عادات المتوحشة، لقد حدث العكس كما قلت، إذ تمثَّلَت الحيوانات المتوحشة بالحيوانات الأليفة، إذ تخلُّوا عن الاتجاهات الشرسة وتحولوا إلى الوداعة التي تليق بالقديسين، وتغيَّروا بالمسيح حتى صارت الذئاب حملانًا، لأنه هو الذي صيَّرهم ودعاء، ووحَّد الشعبين كما قلت، إلى ذهن مملوء بمحبة الله. هذا ما أعلنه موسى النبي في القديم صارخا: ” تهَّللوا أيها الأمم مع شعبه، أعطوا عزَّة لله” (تث32: 43 س). فلنعظِّمه ونكرِّمه بالتماجيد، بسبب المخلِّص رب الكل الذي به وله مع الآب التمجيد والسلطان إلى أبد الآبدين آمين.
النحلة الحكيمة الماهرة تزور الزهور في الحقول والمروج، وتجمع الأكل من عليها ومنه تصنع العسل الحلو، والحكيم سليمان يدعونا لنحاكيها في سلوكها فيقول: ” اقترب من النحلة وتعلم من كدها، وكم هو رائع نتاجها، لذلك فهو ممدوح ومحبوب من كل الناس، ومن (نتاجها) يستخدم الملوك والعظماء لأجل صحتهم” (أم6: 8 س). تعال الآن إذن ودعنا نتجوَّل في المروج العقلية لنجمع الندى المتساقط من الروح القدس على رسالة الإنجيل الإلهية، حتى إذا ما امتلأت عقولنا بالغِنى نحصل على العسل الروحاني، أي الكلمة المفيدة والنافعة لكل العطاش لوصول التعاليم الإلهية، إن كانوا نبلاء مشهورين أو خاملي الذكر أو بسطاء في دعة من الحياة، لأنه مكتوب ” الكلمات الطيِّبة كقرص الشهد وحلاوتها شفاء للنفس” (أم16: 24).
والآن ماذا تكون هذه الكلمات الطيِّبة الرقيقة إلاَّ ما يقوله لنا المسيح، جاعلاً هؤلاء الذين يحبونه حاذقين بسبب تكرار تعليمهم في السعي المقدس؟ وخذ دليلاً على كلامي هذه العبارات التي تُلِيَت على مسامعنا الآن: ” لا تحملوا كيسًا ولا مزودًا ولا أحذية“. أتوسل إليك، تفهَّم طبيعة طريق القداسة الرسولي المرسوم لهم، لأنه يجب على هؤلاء الذين سيصيرون أنوارًا ومعلِّمين لكل الذين تحت السماء ألاَّ يتعلموا من آخر سوى الذي هو الكلمة الذي نزل من فوق، من السماء، نبع الحكمة والنور العقلي، الذي منه يأتي كل فهم ومعرفة وكل صلاح. ما يريده منهم إذن هو أنهم عندما يُعلِّمون الناس في كل مكان بالكلمة التي قالها لهم، وفى دعوتهم لسكان الأرض كلها للخلاص، يجب عليهم أن يسافروا بلا كيس ولا مزود ولا أحذية، وأن يمضوا بسرعة من مدينة إلى مدينة ومن مكان إلى مكان. ولكن يجب ألاَّ يقول أحد بأي حال أنَّ الهدف من تعليمه هذا هو أن يجعل الرسل يرفضون استخدام الأدوات الطبيعية، لأنه ماذا ينفعهم أو ماذا يضرهم إذا كان لهم حذاء في أرجلهم أو يمضوا بدونه، ولكن الذي يرغب أن يَعلَموه من هذه الوصية وأن يجتهدوا أن يمارسوه هو هذا بالتأكيد: ينبغي أن يلقوا بكل تفكير في احتياجهم وقُوتِهِم عليه، وأن يذكروا القديس الذي قال: ” ألق على الرب همك فهو يعولك” (مز54: 22) لأنه يُعطي القديسين ما يلزمهم للحياة، وهو لا يتكلم عبثًا حيث يقول: ” لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون وبما تشربون، ولا لأجسادكم بما تلبسون، لأن أباكم السماوي يَعَلم أنكم تحتاجون إلى هذه كلها. لكن اطلبوا أولاً ملكوت الله وبره وهذه كلها تُزاد لكم” (مت6: 25).
لأنه كان حقًّا لائقًا جدًّا بهؤلاء المتحلِّين بالكرامات الرسوليَّة أن يكون لهم ذهن خال من الشهوة، وكارهًا تمامًا لتقبُّل الهدايا، بل وبالعكس قانعًا بما يمنحه الله، لأنه كما يقول الكتاب: ” لأن محبة المال أصل لكل الشرور” (1تي6: 10)، لذلك كان يجب ـ ومن كل جهة ـ أن يكونوا أحرارًا ويكونوا معفين مما هو أصل ومُغذِّى كل الشرور، ويُوجِّهوا كل غيرتهم إلى واجباتهم الضرورية، فلا يتعرضوا هكذا لهجوم الشيطان إذ أنهم لا يأخذون معهم أي ثروة عالمية، لكن يحتقرون أمور الجسد راغبين فقط في ما يريده الله.
وكما أنَّ الجنود الشجعان عندما يمضون إلى المعارك لا يحملون معهم شيئا سوى ما يخص الحرب فقط، هكذا كان لائقا أنَّ أولئك الذين أرسلهم المسيح ليعِينوا العالم وليشنُّوا حربًا ضد ” ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر” (أف6: 12)، نعم بل وضد الشيطان نفسه، لحساب الذين كانوا في خطر، يجب أن يكونوا أحرارًا من جميع مجاذبات هذا العالم ومن كل اهتمام عالمي، حتى يكونوا متمنطقين بإحكام، ولابسين السلاح الروحي، فإنهم يجاهدون باقتدار ضد أولئك الذين قاوموا مجد المسيح، وقد جعلوا كل الذين تحت السماء غنيمة لهم، لأنهم جعلوا سكانها يعبدون المخلوق بدلاً من الخالق، وأن يُقدِّموا خدمة دينيَّة لعناصر الكون، فيجب أنَّ هؤلاء التلاميذ يتسلَّحون بترس الإيمان ودرع الحق وسيف الروح الذي هو كلمة الله، حتى يبرهنوا أنهم بحق مقاومين للأعداء لا يقهرون، فلا يجرُّون خلفهم حملاً ثقيلاً من الأشياء التي تستوجب اللوم والإدانة: كمحبة الغنى، والمدخرات من الأرباح الخسيسة، والتلهف نحوهما، لأن هذه الأشياء تحيد بذهن الإنسان عن السلوك الذي يرضي الله، ولا تسمح له بالصعود نحوه، بل بالحري تحدره إلى مشاعر متعلِّقة بالتراب والأمور الأرضية.
فبتوجيه الرب للتلاميذ ألاَّ يحملوا كيسا ولا مزودا… وبالأكثر ألاَّ يشغلوا أنفسهم بالحذاء، فهو إنَّما يُعلِّمهم بوضوح أنَّ وصاياه تلزمهم أن يتخلوا عن كل غنى جسداني وأن يتحرَّروا من كل عائق عند دخولهم إلى العمل الذي دعوا خصِّيصًا له: عمل الكرازة، أي تعليم سر المسيح للناس، في كل مكان، وأن يربحوا إلى الخلاص الذين كانوا متورِّطين في شباك الهلاك.
ثم يضيف على هذا أنهم: ” لا يسلِّموا على أحد في الطريق“، ولكن أي ضرر يسبب السلام للرسل القديسين؟ تعالوا إذن، تعالوا لنرى لماذا وجب عليهم ألاَّ يُسلِّموا على أحد من الذين يقابلونهم، بلا شك سوف تقول إنه قد يحدث أن يقابلوا غير مؤمنين، فلا يصح إذن لهؤلاء الذين لا يعرفون هذا الذي هو الله بالطبيعة وبالحق، لا يصح أن يتقبلوا البركة من التلاميذ.
ماذا نقول ردًّا على هذا التفكير؟ ألا يظهر أنه افتراض غير مقبول أن يكون هذا هو السبب الذي لأجله أوصاهم الرب ألاَّ يُسلِّموا على أحد في الطريق؟ لأنه أرسلهم لا ليدعوا أبرارًا بل خطاة إلى التوبة (مت9: 13)، فكيف لا يكون مناسبًا لهؤلاء الذين أُرسلوا ليُغيِّروا الذين في الظلمة، وليأتوا بهم إلى معرفة الحق، أن يستخدموا الرقة واللطف بدلاً من أن يبتعدوا عنهم بخشونة ويرفضون مصاحبتهم، بل وحتى يرفضون السؤال عن صحتهم؟ فبالتأكيد إنه بالإضافة إلى الصفات الأخرى الجيِّدة، فإن رقَّة الحديث مع صفات حسنة أخرى هي أمور تليق بالقديسين، وهكذا التحيات ما دامت تؤدَّى بطريقة مناسبة. وقد يحدث أن يكون مَن يتقابلون معهم، ليسوا مِن غير المؤمنين بل مِن نفس معتقدهم، أو مِن الذين سبق أن استنيروا، الذين يجب تقديم المحبة لهم عن طريق تحيَّة رقيقة.
فماذا يقصد المسيح إذن من تعليمه هذا؟ إنه لا يوصيهم أن يكونوا شرسين ولا يأمرهم أن لا يهتموا بعدم التحيَّة، هو بالحري يُعلِّمهم أنَّ يتحاشوا مثل هذا التصرف. ولكن السبب هو أنه قد يحدث أنه بينما يسافر التلاميذ بين المدن والقرى ليعلِّموا الناس الوصايا المقدسة، فإنهم قد يرغبون في أداء هذه المهمة، ليس بسرعة بل بتلكؤ وإذ يحيدون عن الطريق ليروا صديقًا أو آخر، وهكذا فإنهم سيصرفون الوقت المناسب للتعليم بإضاعته في أشياء غير هامة، لذلك فهو يقول لهم: كونوا متحمِّسين وفى اجتهاد شديد لتوصيل رسالتكم المقدسة، وألا يبطئوا بلا سبب من أجل صداقة ما، ولكن ليكن ما يرضي الله هو المُفضَّل لديكم عن كل الأشياء الأخرى، وهكذا إذ تمارسون اجتهادًا لا يقاوَم ولا يُعرقَل، فإنكم تمسكون تمامًا باهتماماتكم الرسوليَّة.
وإلى جانب ذلك هو يوصيهم أيضًا قائلا: ” لا تعطوا القدس للكلاب ولا تطرحوا درركم قدام الخنازير” (مت7: 6)، وذلك بأن يمنحوا لغير المؤمنين الشركة بالإقامة عندهم، بدلاً من أن يمنحوها متفضِّلين بها لمن يستحقون، بأن يكونوا أبناء سلام ومطيعين لرسالتهم، لأنه أمر مكروه لهم أن يقتربوا مع من لا يزال يقاوم مجد المسيح، ويخطئ بعدم الإيمان، لأنه ” أي نصيب للمؤمن مع غير المؤمن؟” (2كو11: 15)، لأنه كيف يمكن للذين لم ينصتوا بعد لكلمات الرسل، وللذين يجعلون مِن تعاليمهم الجديرة بالاعتناق، فرصة أحيانًا للسخرية، كيف يمكن لهؤلاء أن يقبلوا الرسل كمستحِقِّين لإعجابهم؟ وهذا ما حدث في أثينا أيضًا، فالبعض هزءوا ببولس الإلهي لمَّا علّمهم ” أنَّ الله لا يسكن في هياكل مصنوعات بالأيادي” (أع17: 24)، فهو غير مادي ولا نهاية له، وهو الذي يملأ الكل ولا يحويه شيء، ثم بيَّن لهم أنه يُعلِّمهم عن ” الذي مع أنهم لا يعرفونه يتصوَّرون أنهم يعبدونه بالحق” ولكنهم إذ سلَّموا أنفسهم للعجرفة وهم يُعظِّمون أنفسهم بسبب طلاقة ألسنتهم قالوا في غبائهم: ” ماذا يريد هذا المهزار أن يقول؟ لأنه يظهر مناديًا بآلهة غريبة“. أما كلمة مهزار Seed Picker فهي اسم لطائر لا قيمة له، والذي من عادته أن يلتقط البذار من الطريق، وهم إذ يُشبِّهون بولس الإلهي به، فإن هؤلاء الأغبياء يهزأون بكلمة الخلاص التي قُدِّمَت لهم.
لذلك أوصاهم المسيح أن يسكنوا مع أبناء السلام، وأن يأكلوا على نفقتهم، مبينًا أنَّ هذا قانون عادل ” لأن الفاعل مستحق أجرته” ؟ لذلك يجب على كل من يقبل الحق ألاَّ يهمل بل يعتني بواجب إكرام القديسين لأنهم يباركوننا: حينما يزرعون لنا الروحيَّات، فإنهم يحصدون منا الجسديَّات، ” هكذا أَمَرَ الرب أيضًا أنَّ الذين ينادون بالإنجيل مِن الإنجيل يعيشون” (1كو9: 11، 14) حيث إنه أيضًا بحسب ناموس موسى فإن ” الذين يُقدِّمون الذبائح يُشارِكون المذبح“.
فيجب على الذين لا يعتنون بإكرام القديسين ويمسكون أيديهم بشح عنهم، أن يتأكدوا أنهم إنما يحرمون أنفسهم من بركتهم، وليكن نصيبنا في أن نكون شركاء البركات التي أعدَّها الله لهم، بأن نقدِّم لهم كثمر أي شيء نملكه، ونفعل هذا بشعور المسرَّة، لأن المُعطِي المسرور يُحبه المسيح (2كو9: 7) الذي به ومعه لله الآب التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى أبد الآبدين آمين.
لأجل تذكارات الرسل – إنجيل لوقا 10 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد
لقد أمر الروح القدس بفم الأنبياء القديسين، خُدَّام كلمة الإنجيل المخلِّصة قائلاً: ” انفخوا بالبوق في رأس الشهر عند الهلال ليوم عيدنا المجيد” (مز8: 3 س). ويمكن أن نقارن الهلال بزمن مجيء مخلِّصنا، لأنه قد برز لنا عالم جديد قد صار فيه كل الأشياء جديدة، كما يؤكد لنا بولس الحكيم جدًّا، في كتابته. لأنه يقول ” الأشياء القديمة قد مضت، هوذا كل الأشياء قد صارت جديدة” (2كو5: 17). لذلك نحن نفهم أنَّ الهلال والعيد المجيد يشيران إلى زمن تجسد الابن الوحيد، حينما بوَّق البوق بصوت عال وبوضوح مناديًا برسالة الإنجيل الخلاصية. أم ليس هذا هو وقت يدعونا أن نحتفل بالعيد، وهو الوقت الذي فيه تبرَّرنا بالإيمان واغتسلنا من أدناس الخطية وأُبيد الموت الذي تسلَّط علينا وطُرح الشيطان من سيادته علينا جميعًا، وهو الوقت الذي فيه قد اتَّحدنا بالمسيح مخلِّصنا جميعًا بواسطة التقديس والتبرير، واغتنينا برجاء الحياة والمجد اللذين هما نهاية لهما. هذه هي أصوات البوق العالية، وهى لا تسري في اليهودية فقط مثل ذلك الناموس القديم، بل في كل الأرض.
وهذا ما تُصوِّره لكم كتابات موسى لأن إله الكل نزل في شبه نار على جبل سيناء، وكان هناك سحاب وظلال وقتام وصوت بوق شديد جدًّا، حسب الكتاب. (انظر خر19: 16، 19). وكان دَوِيّ البوق في البداية ضعيفًا ثم أخذ يزداد علوًّا باستمرار. إذن ما الذي يُشير إليه ظل الناموس بهذه الأمور؟ ألا يعني هذا أنه لم يكن يوجد أولاً سوى عدد قليل يقومون بنشر أخبار الإنجيل، ثم بعد ذلك صاروا كثيرين؟ فالمسيح عندما بدأ يعمل اختار اثنا عشر رسولاً ثم عيَّن بعد ذلك سبعين آخرين. وليس سبب هذا أنَّ الاثنا عشر الذين اختارهم أولاً لكرامة الرسولية كان فيهم أي عيب أو إهمال أو أي شيء لا يليق؟ كلا، ولكن بسبب أنَّ جمعًا غفيرًا كان سيؤمن به، وليس إسرائيل فقط هو الذي أُمسك في الشبكة بل وجموع الأمم أيضًا. أمَّا عن أنَّ رسالة الخلاص سوف تصل إلى كل العالم، فقد أشار إلى ذلك أحد الأنبياء القديسين بقوله: ” ينبت القضاء كالعلقم في أتلام الحقل” (هو10: 4 س). فكما أنَّ النجيل ينبت في الخطوط التي تُترك بدون زراعة ويحل فيها ثم ينتشر متقدِّما باستمرار، هكذا بالتمام البر، أي النعمة التي تُبرِّر العالم، كما أُعلن في أخبار الإنجيل المخلِّصة، تسود على كل مدينة ومكان.
لذلك، فبالإضافة إلى الاثنا عشر، يوجد أيضًا سبعون آخرون عيَّنهم المسيح، وتوجد إشارة لهذا الحدث في كلمات موسى (عدد11: 16)، فبأمر الله اختار موسى سبعين، وأنزل الله الروح على هؤلاء المختارين. ومرة ثانية نجد الاثنا عشر رسولاً والسبعين أيضًا، يشار إليهم بواسطة ظلال الناموس، لأنه كُتب في سفر الخروج عن بنى إسرائيل: فأتوا إلى مارة، ولم يقدر الناس أن يشربوا من مياه مارة، لأنها كانت مُرَّة، فصرخ موسى إلى الرب، فأراه الله شجرة، فرماها في الماء فصارت المياه حلوة (خر15: 23). إن معنى عبارة مارَّة حينما تُترجم هو مرارة ونحن نعتبرها ترمز إلى الناموس، لأن الناموس كان مُرًّا، إذ أنه كان يعاقِب بالموت، وعن هذا يشهد بولس: “مَن خالف ناموس موسى فعلى شاهدين أو ثلاثة شهود يموت بدون رأفة” (عب10: 28)، فهو مُر إذن وغير محتمل للقدماء (أع15: 1) وغير مقبول لهذا السبب، كما كانت المياه المُرَّة تمامًا، ولكنها صارت حلوة بالصليب الكريم، الذي كانت تلك الخشبة التي أراها الله للمبارك موسى مثالاً له. فالآن إذ قد تغيَّر الظل إلى التأمل الروحي، فنحن نرى بعيون العقل سر المسيح الذي كان مخفيًّا في رموز الناموس. لذلك فرغم أنَّ الناموس كان مُرًّا، فقد بطل أن يصير هكذا فيما بعد.
وبعد مارة أتوا إلى “إيليم” ومعناها “زيادة أو صعود” وماذا كان أيضًا في إيليم؟ ” اثنتا عشر عين ماء وسبعون نخلة” (خر25: 7)، لأنه كلما صعدنا إلى معرفة أكمل، وكلما أسرعنا إلى النمو الروحي، فإننا نجد اثنتي عشر عين ماء، أي الرسل القديسين، وسبعين نخلة أي هؤلاء الذي عيَّنهم المسيح. فحسن جدًّا أن يُشبَّه التلاميذ بالينابيع، والسبعين الذين أقامهم بعد ذلك بشجر النخل. فكما أننا نحصل من تلاميذ المسيح على معرفة كل صلاح كما من ينابيع مقدَّسة “فإننا نكرم السبعون أيضًا وندعوهم بالنخيل، لأن هذه الشجرة قوية، وذات جذر ثابت، ومثمرة جدًّا وهى تنمو دائما بجوار المياه، ونحن هنا نؤكد أنه هكذا ينبغي أن يكون القديسون ذوي ذهن نقي، ثابتين، مثمرين، ويبهجون أنفسهم باستمرار بمياه المعرفة.
ولنرجع الآن إلى ما كنا نقوله أولاً أنَّ الرب، “عيَّن سبعين آخرين“. ولكن ربما يظن البعض أنَّ الأولين قد رُفِضوا وجُرِّدوا من كرامة الرسولية، وأنَّ الآخرين رًفِعوا بدلاً منهم لأنهم أقدر منهم على التعليم، فلنُبعِد هذه الأفكار عن عقولنا.
فإن الذي يعرف القلوب، والعارف بالأمور الآتية يقول: ” إن الحصاد كثير، اطلبوا من رب الحصاد أن يُرسل فعلة إلى حصاده“. فكما أنَّ الأرض الممتلئة بمحصول وافر، وهى واسعة وممتدَّة، تحتاج إلى عدد كبير من الفعلة القادرين، فكم بالحري كل الأرض، بل وجماعة مَن سيؤمنون بالمسيح كم هي عظيمة وغير محصاة، وتحتاج ليس إلى عدد قليل من الفعلة بل إلى عدد كبير يكفي للعمل. لهذا اختار المسيح أولئك الآخرين ليكونوا كحلفاء ومساعدين للاثنا عشر، هؤلاء ذهبوا في إرساليتهم إذ أُرسَلوا اثنين اثنين إلى كل مدينة وقرية وهم يصرخون بكلمات يوحنا ” أعدُّوا طريق الرب” (مت3:3).
ولاحظوا أنه بينما يقول المسيح ” اطلبوا من رب الحصاد أن يُرسِل فعلة إلى حصاده“، فهو يفعل هذا بنفسه، ورغم أنَّ الذي مَعَنا الآن هو رب الحصاد، أي رب سكان الأرض، إلا أنه هو نفسه بالطبيعة وبالحق، “الله”، لأنه كما يقول الكتاب ” له الأرض وملؤها” (مز24: 1)، وهو خالق الكل ومصوِّرهم، ولكن إن كان من اختصاص الله العلي وحده أن يُرسِل فعلة ” فكيف حدث أنَّ المسيح هو الذي عيَّنهم ؟ أفليس هو إذن رب الحصاد، والله الآب، معه، هو رب كل شيء. كل شيء إذن له، ولا يوجد شيء مِمَّا يُسمَّى، يخص الآب إلاَّ ويخص الابن أيضًا. فهو نفسه قال للآب: ” أولئك الذين أعطيتني من العالم، كانوا لك وأعطيتهم لي” (يو17: 6) فكما قلت، إن كل ما يخص الآب واضح أنه يخص الابن، وهو يشع بأمجاد أبيه، فمجد الألوهية يخصه، لا كشيء موهوب له من آخر، ولكن قائم في كرامة تخصه بالطبيعة، تمامًا مثل الذي هو ابنه، والحكيم يوحنا يؤكد أيضًا أننا جميعنا له، فيقول عنه: ” أنا أعمدكم بماء. ولكن يأتي بعدي مَن هو أقوى مني، هو سيعمدكم بالروح القدس والنار، الذي رفشه في يده، وسينقى بيدره، وسيجمع قمحه إلى المخزن وأما التبن فيحرقه بنار لا تطفأ” (مت3: 11).
ليت نصيبنا إذن كقمح عقلي، أن نُحمل إلى المخزن أي إلى المنازل العلوية: لكي ننعم هناك في صحبة القديسين بالبركات التي يمنحها الله في المسيح، الذي به ومعه لله الآب المجد والسلطان مع الروح القدس إلى دهر الدهور آمين.
المسيح يُرسِل السبعين – إنجيل لوقا 10 ج1 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد