شرح الإيمان المسيحى ج4 – ق. أمبروسيوس – د. نصحى عبد الشهيد

شرح الإيمان المسيحى ج4 – ق. أمبروسيوس – د. نصحى عبد الشهيد

 

شرح الإيمان المسيحى ج4 – ق. أمبروسيوس – د. نصحى عبد الشهيد

 

التاسع

ملخص: الاعتراض بأن الابن، بسبب أنه مُرسَل من الآب يصير ـ على الأقل ـ من جهة الاعتبار أقل من الآب، نجيب عليه بأنه أيضًا أُرسل من الروح القدس الذى لا يُعتبر أعظم من الابن. علاوة على ذلك، فإن الروح القدس ـ بدوره ـ قد أرسله الآب إلى الابن حتى تتضح وحدانية عملهم (أى أقانيم الثالوث). فمِن واجبنا لذلك أن نميز بحرص بين ما هو ملائم أن يُنسب للمسيح كإله، وما الذى يُنسب إليه كإنسان.

 

74 ـ لا تنتابنى أية مخاوف بخصوص الاعتراض الشائع من جهة المسيح أنه أقل من الآب ـ بسبب أنه مُرسَل منه ـ لأنه رغم كونه كان مُرسلاً، إلاّ أنه لا ينتج عن هذا أن يكون أقل فى الطبيعة؛ ومن الجهة الأخرى، فإن لقبه المساوى فى الكرامة (للآب) هو أمر ثابت حقًا. وبما أن الجميع يكرمون الابن كما يكرمون الآب (يو23:5)، فمن المؤكد أن الابن ليس أقل من الآب، بسبب كونه مُرسَل (منه).

 

75 ـ لذلك، لا ينبغى أن تلتفت إلى الحدود الضيقة للغة البشرية، بل لاحظ المعنى الواضح للكلمات، وآمن بالحقائق التى تمَّت. تذكَّر أن ربنا يسوع المسيح قال فى سفر إشعياء إن الروح قد أرسله (إش1:61). فهل لذلك يكون الابن أقل من الروح لأن الروح أرسله؟ وهكذا عندك المكتوب أن الابن يعلن نفسه أنه مُرسَل من الآب ومن روحه. إنه يقول: ” أنا الأوّل“، “وأنا الحى إلى الأبد، ويدى أسَّست الأرض ويمينى نشرت السموات ليقفن معًا” (إش13،12:48). وأيضًا: ” أنا أنا تكلمت ودعوته، أتيت به فينجَحُ طريقه، تقدموا إلىَّ واسمعوا هذا، لم أتكلم من البدء فى الخفاء، منذ وجوده أنا هناك، والآن السيد الرب أرسلنى وروحه” (إش16،15:48). هنا بالحق نجد أن الذى صنع السماء والأرض هو نفسه الذى أرسله السيد الرب وروحه. فها أنت ترى إذن أنه حتى فقر اللغة لا يقلل شيئًا من كرامة إرساليته، إذن فالآب أرسله، كما أن الروح أرسله أيضًا.

 

76 ـ ولكى تعرف أنه لا يوجد فرق فاصل فى الجلالة والعظمة، فإن الابن أيضًا بدوره يرسل الروح كما قال هو نفسه: ” متى جاء المعزى الذى سأرسله أنا إليكم من عند أبى، روح الحق الذى من عند الآب ينبثق” (يو26:15). أما عن كون المعزى نفسه مُرسل من الآب، فقد بيّنه من قبل فى قوله: ” المعزى الروح القدس الذى يُرسله الآب باسمى” (يو26:14). لاحظ وحدتهم من حيث إن الذى يُرسله الآب، فالابن أيضًا يُرسله، والذى يرسله الآب يُرسله الروح أيضًا. وإلاّ كان الآريوسيون لا يعترفون أن الابن قد أُرسل لأننا نقرأ أن الابن هو يد الآب اليمنى، فإنهم بأنفسهم يعترفون فيما يخص الآب بما ينكرونه للابن، إلاّ إذا ـ ربما ـ اخترعوا لأنفسهم أبًا آخر أو ابنًا آخر.

 

77 ـ فلنكف إذن عن الجدل العقيم حول الألفاظ، لأن ملكوت الله كما هو مكتوب ليس “ بكلام بل بقوة” (انظر 1كو20:4)، ولننتبه إلى التمييز بين الألوهية والجسد، ففى كليهما يتكلم ابن الله الواحد نفسه، لأن كلاً من الطبيعتين موجودة فيه، ورغم أنه هو نفس الشخص الذى يتكلم، فهو لا يتكلم دائمًا بنفس الطريقة. فأنت ترى فيه مجد الله أحيانًا، وفى أحيان أخرى ترى آلام الإنسان. فهو كإله يتكلم بأمور الله لأنه هو الكلمة؛ وكإنسان هو يتكلم بأمور الإنسان لأنه يتكلم بطبيعتى.

 

78 ـ ” هذا هو الخبز الحى الذى نزل من السماء” (يو58:6). هذا الخبز هو جسده كما قال هو بنفسه: ” والخبز الذى أنا أعطى هو جسدى” (يو51:6). هذا هو الذى نزل من السماء، هذا هو الذى قدَّسه الآب وأرسله إلى العالم، والكتاب نفسه يعلّمنا أن اللاهوت ليس فى حاجة إلى تقديس بل الجسد، كما قال الرب نفسه: ” لأجلهم أُقدس أنا ذاتى” (يو19:17). وهذا لكى تعترف وتقرّ أنه إنما يتقدس فى الجسد لأجلنا، كما أنه هو الذى يُقدِّس (جسده) بقوة لاهوته.

 

79 ـ هذا هو نفس الابن الذى أرسله الآب، ولكنه كما يقول الرسول: ” مولودًا من امرأة، مولودًا تحت الناموس” (غلا4:4). هذا هو نفسه الذى يقول: ” روح الرب علىَّ، لأنه مسحنى لأُبشِّر المساكين” (لو18:4، إش1:61)، هذا هو الذى قال: ” تعليمى ليس لى بل للذى أرسلنى، إن شاء أحد أن يعمل مشيئته يعرف التعليم هل هو من الله أم أتكلم أنا من نفسى” (يو17،16:7). فالتعليم الذى من الله شئ والتعليم الذى من الإنسان شئ آخر. لذلك فإن اليهود عندما اعتبروه إنسانًا وسألوه عن تعليمه وقالوا: ” كيف هذا يعرف الكتب وهو لم يتعلم؟ أجابهم يسوع: تعليمى ليس لى بل للذى أرسلنى” (يو15:17و16). فإن كان يُعلِّم وهو لم يعرف أُبهة اللغة، يتضح أنه لا يُعلِّم كإنسان ولكن كإله، وهو لم يتعلم (من أحد) ولكنه أبدع تعليمه (بنفسه).

 

80 ـ لأنه هو الذى أوجد وأبدع كل طريق التعليم كما قرأنا من قبل، نظرًا لأنه ابن الله الذى قيل عنه: ” هذا هو إلهنا ولا يحاذيه آخر. هو أوجد طريق التعليم بكماله، وبعد ذلك تراءى على الأرض وتخاطب مع الناس” (باروخ36:3ـ38). كيف إذن وهو إله لا يستطيع أن يكون له تعليمه الخاص، وهو الذى قد أوجد كل طريق التعليم قبل أن يتراءى على الأرض؟ وكيف يكون أقل (من الآب) وهو الذى قيل عنه: ” ولا يحاذيه آخر” ؟. بالتأكيد فإنه يعلو على المقارنة، وهو إذا قورن بآخر فإن هذا الآخر لا يمكن أن يكون محاذيًا له. والآن إذا افترض أحد أن كلام النبوة هنا هو عن الآب، فإنهم سيسقطون فى تجديف سابيليوس، بأن ينسبوا للآب أنه اتخذ طبيعة بشرية.

 

81 ـ فلنأتِ الآن إلى ما يلى: ” مَن يتكلم من نفسه يطلب مجد نفسه” (يو18:7). انظر الوحدة التى يُعلن بها الآب والابن بكل وضوح. الذى يتكلم لا يمكن إلاّ أن يكون كائنًا ومع ذلك فما يتكلم به لا يمكن أن يكون من نفسه وحده، لأنه كل ما فيه هو موجود فيه طبيعيًا من الآب.

 

82 ـ والآن ما معنى تلك الكلمات: ” يطلب مجد نفسه“؟، إنها لا تعنى مجدًا لا يكون الآب مشتركًا فيه، لأنه فى الحقيقة إن كلمة الله هو مجد الله. ويقول ربنا أيضًا: ” لينظروا مجدى” (يو24:17)، ولكن مجد الكلمة هو أيضًا مجد الآب كما هو مكتوب: ” الرب يسوع المسيح فى مجد الآب” (فى11:2)، فمن جهة لاهوته، فإن ابن الله له مجده الإلهى الذاتى، ليكون مجد الآب والابن واحدًا. فمن ثمَّ لا يكون أقل فى البهاء وذلك لأن المجد واحد، ولا أقل فى الألوهة لأن ملء اللاهوت حالٌّ فيه (كو19:1، 9:2).

83 ـ أنت تسأل معى، كيف كُتب: ” أيها الآب قد أتت الساعة، مجِّد ابنك“؟ (يو1:17). أنت تقول إن الذى يتفوَّه بهذه الكلمات يحتاج إلى أن يتمجَّد، ولكن يا لقصر نظرك! ألم تقرأ بقية المكتوب الذى يكمل:   ” ليمجدك ابنك أيضًا“. هل حَدَثَ مطلقًا أن الآب قد احتاج لأى مجد، حتى يمجِّده الابن؟.

 

 

 

 

الفصل العاشر

ملخص: دحض الاعتراض الذى يستند على طاعة الابن، وتوضيح أن القوة والألوهة والعمل كلها واحدة فى الثالوث، كما يشير إلى طاعة المسيح لوالدته، التى بكل تأكيد لا يمكن أن يكون أقل منها.

 

84 ـ وأيضًا فإن خصومنا يثيرون عادة معضلة من جهة طاعة الابن (للآب) باستنادهم على ما هو مكتوب: ” وإذ وُجِدَ فى الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت” (فى8:2). فالكاتب لم يذكر فقط أن الابن أطاع حتى الموت، ولكنه يبيّن أولاً أنه كان إنسانًا، حتى يمكننا أن نفهم أن الطاعة حتى الموت كانت فيما يخص تجسده، وليست خاصة بألوهته، ولذلك اتخذ الوظائف وكذلك الأسماء التى تخص طبيعتنا.

 

85 ـ وهكذا تعلّمنا أن قوة الثالوث هى واحدة، وهذا تعلّمناه من آلام الرب وكذلك بعد آلامه: لأن الابن يتألم بجسده، هذه الآلام التى هى علامة هذا التجسد، والروح القدس ينسكب (من الآب) على الرسل، والمسيح يستودع روحه فى يدى الآب؛ وعلاوة على ذلك، فالله يُنادى به بصوت مقتدر أنه الآب. تعلّمنا أنه توجد صورة واحدة، شبه واحد، تقديس واحد للآب والابن، نشاطٌ واحد ومجدٌ واحد، وأخيرًا ألوهة واحدة.

 

86 ـ لذلك فإنه يوجد إله واحد كما هو مكتوب: ” للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد” (تث13:6)، إله واحد لا بمعنى أن الآب والابن هما نفس الشخص، كما يقول سابيليوس الهرطوقى، ولكن بمعنى أنه توجد ألوهة واحدة لكل من الآب والابن والروح القدس، وحيث توجد ألوهة واحدة، فإنه توجد مشيئة واحدة وهدف واحد.

 

87 ـ ولكى تعرف أيضًا أن الآب كائن وأن الابن كائن وأن عمل الآب وعمل الابن هو واحد، أنصت لقول بولس الرسول: ” والله نفسه أبونا وربنا يسوع المسيح يهدى طريقنا إليكم” (1تس11:3)، فمع أن اسم الآب والابن مذكوران، ولكن توجد وحدة فى اتجاه الهداية، وهذا بسبب وحدة السلطان. كما نقرأ فى موضع آخر: ” وربنا نفسه يسوع المسيح والله وأبونا، الذى أحبنا وأعطانا عزاءً أبديًا ورجاءً صالحًا بالنعمة، يُعزى ويُثبِّت قلوبكم” (2تس16:2و17). كم هى كاملة تلك الوحدة التى يضعها الرسول أمامنا، حيث إنَّ ينبوع العزاء ليس متعددًا، وإنما هو واحد. ليخرس كل شك، أو إن لم يُغلب بالبرهان العقلى، فليثنِه فكر ربنا الرحوم الشفوق (ليرجع عن غِيِّه).

 

88 ـ فلنتذكر كيف تعامل معنا ربنا بكل إشفاق، إذ أنه علّمنا ليس الإيمان فقط، بل والأخلاق أيضًا. لأنه عندما جاء فى هيئة إنسان، فإنه كان خاضعًا ليوسف ومريم (لو51:2). فهل كان هو أقل من كل البشر بسبب خضوعه؟ إن القيام بالواجب شئ أما السيادة فشيء آخر، ولكن القيام بالواجب لا يلغى السيادة.

          إذن، متى كان المسيح خاضعًا لناموس الآب؟ بالتأكيد كان ذلك بجسده، والذى به كان خاضعًا لأمه أيضًا.

 

الفصل الحادى عشر

ملخص: يتحدث هذا الفصل عن هدف التجسد وتأثيراته الشافية، ونفع الإيمان الذى به نعرف أن المسيح حَمَلَ كل الضعفات لأجلنا، المسيح الذى أعلنت ألوهيته عن نفسها فى آلامه؛ لذلك فنحن نفهم أن إرسالية ابن الله لا تستلزم أى نوع من المذلَّة، هذا الاعتقاد الذى لا نحتاج أن نخافه كشئ لا يسرّ الله، الذى يعلِن هو نفسه أنه مسرور بابنه.

 

89 ـ دعنا بالمِثل نتعامل بعطف، دعنا نُقنِع الذين يعادوننا بما هو نافع لهم، ” هلم نسجد ونجثو وننوح أمام الرب خالقنا” (مز6:95س)، لأننا لن نطرحهم بعيدًا بل بالأحرى سوف نشفى، إننا لن نضع فخًا أمامهم، ولكننا سوف نحذِّرهم كما هو الواجب. إن الشفقة كثيرًا ما تُغيِّر أولئك الذين لا ينفع فى إخضاعهم لا القوة ولا الجدال. وربنا أيضًا عالج بالزيت والخمر الرجل الذى كان نازلاً من أورشليم إلى أريحا، والذى وقع بين اللصوص ولم يعالجه بأدوية الناموس الخشنة ولا بالنبوات الجافة.

 

90 ـ لذلك، فليأتِ إليه جميع الذين يريدون أن يصيروا أصحاء. دعهم يأخذون الدواء الذى أنزله من عند أبيه والمصنوع فى السماء، والذى أعدَّه من عصائر تلك الثمار السمائية التى لا تذبل. هذا ليس من نتاج أرضى، لأن الطبيعة لا يوجد بها هذا المزيج فى أى مكان. أخذ جسدنا لأجل هدف عجيب، لكى يُبيِّن لنا أن ناموس الجسد قد أُخضِع لناموس العقل. لقد تجسَّد معلِّم البشر لكى يغلب كإنسان.

 

91 ـ ماذا كان سيفيدنى، لو أنه كإله كشف عن ذراع قوَّته وأظهر أن ألوهيته لا تُنتهك؟ فلماذا اَّتخذ لنفسه طبيعة بشرية وسمح لنفسه أن يُجرَّب تحت ظروف طبيعتى وضعفى؟ لقد كان من الصواب أن يُجرَّب وأن يتألم معى، وذلك لكى أعرِف كيف أَنتَصِر عندما أُجرَّب، وكيف أهرب عندما أُضغَط بشدة. لقد انتصر بقوة طهارته وقوة الازدراء بالغِنَى؛ وبالإيمان. فقد وطأ الطمع وهرب من الإفراط والتطرف، آمرًا الشهوانية أن تبقى بعيدة عنه.

 

92 ـ هذا الدواء شاهده بطرس، فترك شباكه، أى أدوات الصيد والرِّبح المضمون، وتخلى عن شهوة الجسد كأنها سفينة مثقوبة فى القاع تتسرب إليها شهوات متعددة كثيرة. حقًّا إنه علاج فعَّال، لا ينزع فقط ندبة الجرح القديم، بل وأيضًا يقطع أصل الألم ومصدره. أيه أيها الإيمان الأثمن مِن كل خزائن الجواهر؛ أيها الدواء الممتاز، الشافى لجراحاتنا وخطايانا!.

 

93 ـ دعنا نذكِّر أنفسنا بمنفعة الإيمان الصحيح. إنه نافع لى أن أعرف أنه مِن أجلى حَمَل المسيح ضعفاتى، أخضع نفسه لمشاعر جسدى، ولأجلى، أى لأجل كل إنسان، صار خطيَّة ولعنة[1]، ولأجلى وفىَّ تذلَّل وصار خاضعًا، ولأجلى صار حملاً وكرمة وصخرة[2] وعبدًا، وابن الأَمَة[3] (يقصد الأُمة اليهودية والعذراء)، (قاصدًا) ألاّ يعرف يوم الدينونة ، ولأجلى لا يعرف اليوم ولا الساعة[4].

 

94 ـ لأنه كيف يمكنه، وهو الذى صنع الأيام والأزمنة أن يكون غير عارف لليوم (الدينونة)؟ كيف لا يمكنه أن يعرف اليوم وهو الذى أعلن زمن الدينونة الآتية وسببها[5]؟ وهو قد صار لعنة، إذن، لا من جهة ألوهيته وإنما من جهة جسده، لأنه مكتوب: ” ملعون كل مَن عُلِّق على خشبة” (تث23:21، غل13:3)، ولذلك فإنه فى الجسد أى بعد التجسد قد عُلِّق، ولذلك فإن هذا الذى حَمَل لعناتنا صار لعنة[6]. إنه بكى، حتى لا يطول بكاؤك أيها الإنسان، واحتَمَلَ الإهانة حتى لا تحزن قِبالة الإساءة التى تصيبك[7].

 

95 ـ إنه علاج عظيم أن نتعزَّى بالمسيح! لأنه احتمل هذه الأشياء فى صبر تجاوز الحدّ لأجلنا، ونحن لا نقدر أن نحتملها بصبرٍ مماثل لأجل مجد اسمه! مَن مِنَّا لا يتعلَّم أن يصفح عندما يُهَاجم، وهو يرى المسيح حتى وهو على الصليب يُصلِّى لأجل أولئك الذين اضطهدوه؟ أما ترى أن ضعفات المسيح هذه كما يُسرِّك (أيها الهرطوقى) أن تُسمِّيها إنما هى قُوَّتك[8]؟ لماذا تسأله عن أدوية لعلاجنا؟ إن دموعه تغسلنا، وبكاءه يطهِّرنا، فلا تشكَّ أنه توجد قوة خاصة فى الضعف، لأنك إن كنت تشك (فى قوته) فسوف تيأس. وكلَّما كانت الإهانة أكبر، كلَّما كان الامتنان الذى يليق به أعظم.

 

96ـ حتى فى وقت السخرية والاستهزاء، عليك أن تعترف بألوهيته. إنه عُلِّق على الصليب، وكل العناصر أولتهُ التكريم[9]. الشمس أخفت شعاعها، ونور النهار احتجب، والظلمة أقبلت وغطَّت الأرض، والأرض اهتزت مع أن المُعلَّق هناك لم يهتز. إلى أىّ شئ تشير هذه العلامات إلاّ إلى توقير الخالق؟ إن هذا المُعلَّق على الصليب، هذا الذى تلاحظه أيها الآريوسى، هذا هو مُعطِى ملكوت الله، وأنتَ لا تُريد أن تعتبره أو تلتفت إليه. إنك تقرأ أنه ذاق الموت، ولكنه أيضًا هو الذى دعا اللص إلى الفردوس[10]، ولكن أنتَ لا تنتبه لمثل هذا العمل. إنك تُحملِق فى المرأة التى تبكى عند القبر، ولكن لا تنظر إلى الملائكة التى تظل تحرسه[11]. إنك تقرأ ما يقوله، ولكنك لا تقرأ ما يعمله. أنتَ تقول إن الرب قال للمرأة الكنعانية: ” لم أُرسل إلاّ إلى خراف بيت إسرائيل الضالة” (مت24:15)، ولكنك لا تذكر إنه أتمَّ ما توسلَّت إليه أن يعمله.

97 ـ وهكذا عليك أن تفهم أن كونه: ” أُرسِل” لا يعنى أنه أُجبِر على ذلك بأمر آخرَ، ولكنه عمل هذا بإرادة حُرَّة، وبحسب فكره الخاص. وإلاّ فأنتَ سوف تتّهمهُ أنه يحتقر أباه، لأنه إن كان بحسب شرحك قد جاء المسيح إلى اليهود مثل من يُتمِّم وصايا الآب ليخلِّص شعب اليهود وليس أحد آخر معهم، ومع ذلك فإنه مِن قَبْل أن يُتمِّم هذا، فإنه أقام ابنة المرأة الكنعانية ، فهو بالتأكيد ليس فقط يُتمِّم وصايا آخر، ولكنه حُرٌّ أيضًا ليمارس حكمه ورأيه الخاص. وحيث توجد حرِّية فى أن يعمل الشخص ما يريد، فلا يمكن أن يكون هناك تعدِّى على مهام إرسالية الشخص.

 

98 ـ لا تخف أن يكون عمل الابن لا يرضى الآب، لأنك ترى الابن نفسه يقول: ” لأنى فى كل حين أفعل ما يرضيه“، وأيضًا: ” الأعمال التى أنا أعملها يعملها هو أيضًا“(يو29:8، 12:14). كيف إذن، يكون الآب غير راضٍ عما يفعله هو نفسه بواسطة الابن؟ كما هو مكتوب: ” لأن الله واحد هو الذى سيُبرِّر الختان بالإيمان والغرلة بالإيمان” (رو30:3).

 

99 ـ اقرأ جميع الكتب المقدسة، أصغِ إليها باجتهاد، سوف تجد عندئذٍ أن المسيح قد أظهر ذاته حتى يمكن أن نرى الله فى الإنسان، وعندما تسمع الآب يُعلن رضاءه عن الابن، فلا تسئ الفهم بخبث من جهة تمجيد الابن فى الآب.

 

الفصل الثانى عشر

ملخص: هل الأرثوذكس أم الآريوسيون هم الذين يضمنون لأنفسهم فضل المسيح كديَّان لهم؟ إن الاعتراض المؤَّسس على المزمور 1:110 باطل، إذ يمكن أن نبيّن أن الابن عندما يُدعى بواسطة الآب أن يجلس عن يمينه، فإنه لا يقصد بهذا أى إخضاع، بل ولا أى أفضلية له وعلى الابن، بسبب أن الابن يجلس عن يمينه. إن الحق الخاص بالأقانيم الثلاثة فى الله ووحدة طبيعتهم يبرهن عليها بالتسبحة الملائكية ذات الثلاثة تقديسات.

 

100 ـ إن كان لا يمكن أن يتحوَّل مقاومونا باللطف، فلنستدعِهم أمام القاضى. إلى أىّ قاضٍ إذًا سنذهب؟ بالتأكيد إلى مَنْ له الدينونة. هل إلى الآب؟ كلاَّ، ” لأن الآب لا يدين أحدًا، بل قد أعطى كل الدينونة للابن” (يو22:5). إن الابن أُعطى هذا ليس كإنعام، بل فى ولادته من الآب. انظر إذن كيف أنه، غير راضٍ عن إهانتك لابنه، ومع ذلك فإنه أعطاه أن يكون ديَّانًا لك.

 

101 ـ دعنا إذن فى موقف القضاء، مَنْ يكون له الدعوى الأفضل، أنت أم أنا؟ بالتأكيد إن اهتمام الفريق الحكيم وهو يعرض الدعوى أن ينال أولاً رضا القاضى. أنت الذى تُكرِّم الإنسان ألا تكرِّم الله؟ إننى أسألك أيهما سوف يجد قبولاً عند القاضى: الاحترام أم الازدراء؟ افترض إننى على خطأ، ومع أننى بالتأكيد لست هكذا، هل المسيح لا يُسرُّ بالكرامة التى نقدمها؟ نحن كلنا خطاة، فمن الذى سيكون جديرًا بالغفران: هل الذى يُقدِّم العبادة أم الذى يظهر العجرفة؟

 

102 ـ أمّا إذا كان العقل لا يستحثَّك، فعلى الأقل دع وجه الدينونة الواضح يحركك! ارفع عينيك إلى الديَّان وانظر مَنْ هو الجالس، ومع مَنْ هو جالس وأين. المسيح يجلس عن يمين الآب. إن كنت لا تستطيع بعينيك أن ترى هذا، فاسمع كلمات النبى: ” قال الرب لربى اجلس عن يمينى” (مز1:110). فالابن إذًا جالس عن يمين الآب. وإلاَّ، قُل لى يا مًن تتمسَّك بأن أمور الله يُحكم عليها من أشياء هذا العالم، فأخبرنى إذًا هل أنت تفكر أنه الجالس عن اليمين هو أقل؟ هل هو أمر مهين للآب أن يجلس عن يسار الابن؟ إن الآب يكرِّم الابن وأنت تجعل هذا الإكرام إهانة! إن الآب يجعل هذه الدعوة علامة حب وتقدير، وأنت تعتبرها أمرًا مِن سيد متسلط على غيره! المسيح قام من الأموات وجلس عن يمين الله.

 

103 ـ ولكنك تعترض وتقول، حسنًا، اسمع الآن عبارة لم ينطق بها الآب، ولكن الابن يتنبأ ويقول: ” مِن الآن تبصرون ابن الإنسان جالسًا عن يمين القوة” (مت64:26)، وله يقول الآب: ” اجلس عن يمينى[12]. إن كنت حقًا تسأل عن السكن الأبدى للألوهة، فإنه قال عندما سأله بيلاطس ما إذا كان هو ملك اليهود: ” لهذا وُلِدت[13]، وهكذا فإن الرسول حقًا يوضح أنه من الجيد لنا أن نؤمن أن المسيح يجلس عن يمين الآب، ليس كأمر ولا كنعمة، ولكن كابن الله الحبيب العزيز جدًا، لأنه مكتوب: ” اطلبوا ما فوق حيث المسيح جالس عن يمين الله، اهتموا بالأشياء التى هى فوق” (كو1:3و2). وأن تهتم بالأشياء التى هى فوق هو أن تؤمن أن المسيح فى جلوسه، لا يطيع كمن يتلقَّى أمرًا، بل هو مكرَّم كابن محبوب جدًا، إذًا، إنه من جهة جسد المسيح يقول الآب: ” اجلس عن يمينى حتى أضع أعداءك موطئًا لقدميك“.

 

104 ـ أمّا إذا كنت تسعى مرة أخرى أن تقلب معنى هذه الكلمات:   ” أضع أعداءك تحت موطئ قدميك“، فإننى أجيب أن الآب أيضًا يعطى للابن أن يقيم الأموات ويُحيى، ويقول المسيح: ” لا يقدر أحد أن يُقبِل إلىَّ إن لم يجتذبه الآب الذى أرسلنى، وأنا أقيمه فى اليوم الأخير” (يو44:6). وأنتَ تقول إن ابن الله خاضع بسبب الضعف، وهو الابن الذى يجذب الآب إليه الناس ليقيمهم فى اليوم الأخير. أتوسل إليك، هل يبدو لعينيك أن هذا خضوع، بينما الملكوت هو معدٌّ للآب والآب يعطيه للابن، ولا مجال لقلب الكلمات، لأن الابن يعطى الملكوت للآب، ولا يوجد من يُفضَّل عليه؟ وبما أن الآب يقدِّم للابن والابن أيضًا يقدِّم للآب، فإنه توجد هنا براهين واضحة على الحب والاعتبار، إذ نرى أن الواحد هكذا يقدم للآخر، فلا يكون الذى يأخذ كأنه يحصل على شئ كما لو كان يخص الآخر، ولا الذى يقدم يَفقد.

 

105 ـ وعلاوة على ذلك، فالجلوس عن اليمين ليس هو أفضلية ولا الجلوس عن اليسار يدل على الازدراء، لأنه لا توجد درجات فى الألوهة التى لا تُحدّ بمكان أو بزمان، هذه الأمور التى هى معايير وقياسات الأذهان البشرية الناقصة. إنه لا يوجد اختلاف فى الحب، ولا ما يقسم الوحدة.

 

106 ـ فلماذا إذن الجولان بعيدًا؟ وأنت قد رأيت كل شئ حولك، رأيت الديَّان، ولاحظت الملائكة وهم يسبحونه، هل هم يسبحون وأنت تسيئ إليه؟ السلاطين والقوات تنطرح أمامه وأنت تتكلم بالشر على اسمه! جميع القديسين يعبدونه وأنتَ لا تعبد ابن الله ولا الروح القدس، بينما السارافيم يقولون ” قدوس، قدوس، قدوس” (إش3:6).

 

107 ـ ماذا يعنى هذا النطق المثلث لنفس الاسم: ” قدوس“؟ فإن كان يكرر ثلاثًا، فلماذا يكرر إلاّ لأنه فعل تسبيح واحد. وإن كان فعل تسبيح واحد، فلماذا يُكرَّر إذًا ثلاث مرات، لماذا التكرار المثلث إن لم يكن الآب والابن والروح القدس واحد فى القداسة؟ إن الساروف ينطق بالاسم ليس مرَّة واحدة لئلا يستبعد الابن، ولا مرتين لئلا يتغاضى عن الروح القدس، وليس أربع مرات لئلا يضيف الكائنات المخلوقة (فى تسبيح الخالق). وعلاوة على ذلك، فلكى يبيّن أن ألوهية الثالوث واحدة، فإن بعد الثلاثة تقديسات يضيف فى عدد مفرد: “رب الصباؤوت” فالآب إذن قدوس، والابن قدوس، وروح الله قدوس بالمثل، ولهذا فإن الثالوث يُعبَد ولا يَعبُد، ويُسبَّح ولا يسبِّح. أمَّا بالنسبة لى، فإننى أومن مثل السارافيم، وأعبد بحسب طريقة كل الرئاسات والقوات السمائية.

 

الفصل الثالث عشر

ملخص: الآراء الشريرة والمخزية التى يتمسك بها الآريوسيون والسابيليون والمانويون فيما يخص الدّيان الذى يدينهم تُفَّند باختصار، كما نستعرض باختصار الاعتراضات الأخرى فيما يتعلق بباقى خصوم المسيح، ويُعبِّر القديس أمبروسيوس عن أمله فى دينونة أخف لنفسه.

 

108 ـ دعنا إذن نتقدم إلى اتهاماتكم، ولنرَ كيف أنك قد تحصل على نعمة عند ديَّانك. أقول لك تكلم الآن، تكلم وقُل: ” إننى أعتبرك، أيها المسيح، لست مثل أبيك”، وسوف يجيبك: “لاحظ، أقول لك، لاحظ وقُل لى فى أى شئ تظن أننى أختلف (عنه)”.

 

109 ـ قُل ثانية: ” إننى أعتبرك كائنًا مخلوقًا”، والمسيح سوف يجيبك: ” إن كانت شهادة رُجلين حقًا، أما كان يجب عليك أن تؤمن بى وبأبى، هذا الذى دعانى ابنه؟”.

 

110 ـ سوف تقول: ” إننى لا أظن أنك كُلِّى القدرة”، وسوف يجيب بدوره: ” وأنا إذن لن أقدر أن أغفر لك خطاياك”.

 

112 ـ أنت تقول: ” أنت كائن خاضع تحت سلطان آخر”، ومن ثمَّ سوف يجيب: ” فلماذا إذن تبحث عن الحرية والغفران مِن هذا الذى تظن أنه خاضع لغيره مثل عبد؟”.

 

113 ـ إننى أرى أن اتهامك يقف عند هذا الحد، وأنا لن أضغط عليك، نظرًا لأننى أنا نفسى أعرف خطاياى. إننى لن أضمر لك عدم الغفران، لأننى أنا نفسى فى احتياج أن أنال الغفران، ولكننى أريد أن أعرف هدف صلواتك. انظر، إذًا، بينما أنا أسرد أمام القاضى رغباتك، إننى لا أظهر خطاياك، ولكننى أتطلّع لأن أشاهد صلواتك ورغباتك مرتَّبة فى نسقها الصحيح.

 

114 ـ افصح إذن عن تلك الرغبات، والتى يريد الجميع أن تُمنح لهم. ” يا سيد، اجعلنى على صورة الله” مِن ثمَّ سوف يجيب: ” على أى صورة؟ هل على الصورة التى أنت أنكرتها؟”.

 

115ـ ” اجعلنى على غير فساد”، فإن إجابته سوف تكون بالتأكيد: “كيف يمكن أن أجعلك على غير فساد، أنا الذى تدعونى كائنًا مخلوقًا، ومن ثمَّ تستنبط أننى قابل للفساد. إن الأموات سوف يقومون متحررين من الفساد، فهل تطلق عليه أنه قابل للفساد، ذاك الذى هو إله؟”.

 

116 ـ ” كُن صالحًا”، ” لماذا تطلب لنفسك ما تنكر أننى عليه؟ كنت أتمنى أن تكون صالحًا، وأنا قلت: ” تكونون قديسين لأنى قدوس” (لا2:19)، وأنت تشرع فى نفسك بأن تنكر أننى صالح؟ هل تبحث إذن عن غفران الخطايا؟ كلا، إنه لا يقدر أحد أن يغفر الخطايا إلاّ الله وحده. فإن كنت ترى أننى بالنسبة لك لستُ الإله الحقيقى الوحيد، فإننى لن أقدر أن أغفر لك خطاياك”.

 

117 ـ ثم دع أتباع آريوس وفوتينوس يتكلمون ويقولون: ” أنا أنكر لاهوتك”، فيجيبهم الرب: ” قال الجاهل فى قلبه ليس إله” (مز1:14، 1:53). مَنْ تُرى هو المقصود بذلك، هل اليهودى أم الأممى أم الشيطان؟ أيًّا كان المقصود أيها التابع لفوتينوس، فإنه يمكن احتماله لأنه سكت (أى قال فى قلبه فقط)، أمّا أنت فمع ذلك تجرَّأت ورفعت صوتك لتنطق بهذا (القول)، حتى يثبت أنك أكثر جهلاً من الجاهل. أنت تنكر لاهوتى رغم أننى قلت: ” إنكم آلهة وبنو العلى كلكم” (مز6:82، يو34:10). وأنت تنكر أننى إله، رغم أنك ترى أعمالى الإلهية تحدث حولك”.

 

118 ـ دع أتباع سابيليوس يتكلمون بدورهم: ” إننى أعتبر أنك تكون بنفسك مرة الآب ومرة الابن أو الروح القدس”. ولهذا يقول الرب: “أنت لم تسمع لا الآب ولا الابن”. هل يوجد أى شك بخصوص هذا الأمر؟ إن الكتاب المقدس نفسه يُعلِّمك أن الآب هو الذى يُعطى الدينونة وأن الابن هو الذي يدين (انظر يو22:5). إنك لم تُعطِ أُذُنًا لكلماتى:   ” أنا لست وحدى ولكن أنا والآب الذى أرسلنى” (يو16:8، 32:16).

 

119 ـ دع الآن من يتبع مانى يعطى كلمته. ” إننى أعتقد أن الشرير هو خالق جسدنا”. ولمثل هذا سوف يجيب الرب: ” ماذا تفعل الآن فى الأماكن السمائية؟ انصرف واذهب فى طريقك إلى الذى خلقك. “أريد أن الذين أعطانى يكونون معى”. أنت أيها المانوى تنوِّه عن نفسك أنك مخلوق من الشيطان؛ فاسرع إذن إلى مسكنه، موضع النار والكبريت، حيث النار فيه لا تنطفئ، وحيث العقاب الأبدى لا نهاية له”.

 

120 ـ إننى أترك جانبًا أصحاب الهرطقات الآخرين، لا أشخاصهم ولكن ما سينالونه من توعُّد مريع. أىّ نوع من القضاء ينتظرهم، وما هو شكل الحُكم عليهم؟ إنه فى الواقع سوف يقول لكل هؤلاء؛ فى أسفٍ أكثر منه فى غضبٍ: ” يا شعبى، ماذا صنعتُ بك وبماذا أضجرتك؟ ألم أُصعدك من مصر وأخرجتك من بيت العبودية إلى الحرية” (ميخا3:6و4، خر2:20).

 

121 ـ ولكن ليس كافيًا أنه أخرجنا من مصر إلى الحرية، وأنه أنقذنا من بيت العبودية، ولكن (هناك) نعمة أعظم من هذه، أنت قد أعطيتَ ذاتك لنا، وعندئذٍ سوف يقول: أما ” حملتُ أحزانكم“؟ (إش4:53)، أما أعطيت جسدى لكم؟ أما ذقتُ الموت الذى ليس له مكان فى لاهوتى ولكنه كان ضروريًا لفدائكم؟ هل هذه هى التشكرات التى آخذها (منكم)؟ أهذا هو ما يتحصَّل عليه دمى، مع أنى تكلَّمت فى الأزمنة الماضية بفم النبى: ” ما الفائدة من دمى إذا نزلتُ إلى الجحيم” (مز9:30). هل هذه هى المجازاة أنكم تنكرونى بخبث، أنتم الذين لأجلكم احتملت تلك الأشياء”؟

 

122 ـ أمَّا من جهتى يا ربى يسوع، فمع أننى عارف فى داخلى بخطيئة عظيمة، إلاّ أننى سوف أقول: ” أنا لم أنكرك وأنت تغفر لى ضعف جسدى، أعترف لك بخطيتى ولا أكتم إثمى” (مز5:32، مز3:51). إن أردت تقدر أن تطهرنى (انظر مت2:8)، والأبرص بقوله هذا نال غاية رجائه. أتوسل إليك ألاّ تدخل فى محاكمة مع عبدك (مز2:143)، أسألك ألاّ تحكم علىَّ ولكن أن تغفر لى”.

 

الفصل الرابع عشر

ملخص: يُعرض حكم القاضى، واعتراضات المعترضين توضع فى الاعتبار، ويبرهن على أن الحكم نهائى وليس له استئناف.

 

123ـ أىُّ حكم نتوَّقعه من المسيح؟ هذا أنا أعرفه. هل أقول أىّ حكم سوف يُعطِى؟ كلا، لأنه إنما نطق الحكم مسبقًا، وهو بين أيدينا إذ يقول: ” لكى يكرم الجميع الابن كما يكرمون الآب، مَن لا يكرم الابن لا يكرم الآب الذى أرسله” (يو23:5).

 

124ـ إذا كان الحُكم لا يروق لك، استأنفه لدى الآب، وألغِ الحكم الذى أعطاه الآب، وقُل إن له ابنًا ليس مثله، وعندئذٍ سوف يجيب: “هل قد كذبتُ وأنا الذى قلتُ للابن: نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا” (تك26:1).

 

125ـ قُل للآب إنه خلق الابن وسوف يجيبك: ” لماذا إذن تعبد من تظن أنه كائن مخلوق؟”.

 

126ـ قل له إنه وَلَد ابنًا أدنى منه، وهو سوف يجيب: ” قارن بيننا ولننظر”.

 

127ـ قُل له إنه ليس لك إيمان بالابن، وسوف يجيبك: ألم أقل لك: “هذا هو ابنى الحبيب الذى به سُررتُ. له اسمعوا” (مت5:17). ماذا تعنى هذه الكلمات: ” له اسمعوا” سوى أن تسمعه وهو يقول: ” كل ما هو للآب هو لى” (يو15:16، 10:17)؟. إن هذا ما سمعه الرسل كما هو مكتوب: ” ولما سمع التلاميذ سقطوا على وجوههم وخافوا جدًا” (مت6:17). فإن كان الذين اعترفوا به سقطوا على الأرض، فماذا يعمل للذين ينكرونه؟ أماّ يسوع فوضع يده على الرسل وأقامهم، أما أنت فسوف يتركك منبطحًا على وجهك حتى لا ترى المجد الذى أنكرته.

 

128 ـ فلنهتم إذن لهذا، لأن من يدينه الابن فالآب يدينه أيضًا، لذلك يجب علينا أن نكرم الابن كما نكرم الآب، حتى يمكننا أن نأتى إلى الآب بواسطة الابن.

 

 

 

الفصل الخامس عشر

ملخص: يرفض القديس أمبروسيوس أىّ مديح (يوّجه له) بسبب الشرح الذى يقدمه للإمبراطور، فالإيمان يُدافع عنه بكفاية عن طريق سلطان الكتب المقدسة وشهادتها، هذه التى إذ يقاومها الآريوسيون كاليهود فإنهم يصمون آذانهم عنها. وهو يصلى لأجل أن يرجعوا عن عنادهم ويتحولوا إلى محبة الحق. وفى نفس الوقت يجب أن نتحاشاهم لأنهم هراطقة وأعداء للمسيح.

 

129ـ يا صاحب الجلالة، إن هذه الحجج والبراهين قد نسَّقتُها باختصار وبتلخيص وبشكل تقريبى وليس كشرح كامل ونظام دقيق. وإن كان الآريوسيون يعتبرونها غير كاملة وغير تامة، فأنا اعتبر أنها تكاد تكون بداءة، وإن كانوا يظنون أنه يوجد ما يجب تقديمه، فأنا أُسلِّم بهذا. فبينما غير المؤمنين فى احتياج شديد للبراهين، فإن المؤمنين عندهم ما يكفى ويزيد. إن اعتراف بطرس كان فى الواقع كافيًا ليكفل لنا الإيمان بالمسيح: ” أنت هو المسيح ابن الله الحي” (مت16:16، مر29:8)، لأنه يكفى أن تعرف ميلاده الإلهى بدون تقسيم أو إنقاص، وهو ليس نتيجة اشتقاق أو خلق[14].

 

130ـ وهذا فى الواقع قد أُعلِن فى كل الكتب المقدسة، ومع ذلك فإن غير المؤمنين لا يزالون يَشُكُّون: ” لأنه كما هو مكتوب: قلب هذا الشعب غلظ، وبآذانهم سمعوا ثقيلاً، وأعينهم أغمضوها، لئلا يبصروا بآذانهم ويفهموا بقلوبهم” (إش10:6، أع27:28و28). فالآريوسيون مثل اليهود اعتادوا أن يصدُّوا آذانهم (عن أن تسمع)، وأن يصنعوا ضجيجًا كثيرًا للتشويش على كلمة الخلاص.

 

131ـ وما العجب (فى هذا) إن كان غير المؤمنين يُشُكُّون فى كلمة الإنسان، عندما يرفضون أن يؤمنوا بكلمة الله؟ سوف تجد مكتوبًا فى الإنجيل إن ابن الله قال: ” أيها الآب مجد اسمك“، وسُمع صوت من السماء يقول: ” مجَّدتُ وأُمجِّد أيضًا” (يو28:12)، وهذه الكلمات سمعها غير المؤمنين ولكن لم يؤمنوا. الابن تكلّم والآب أجاب واليهود قالوا:” دَوِىّ رعد قد كلَّّمه، وآخرون قالوا قد كلمه ملاك” (يو29:12).

 

132ـ وعلاوة على ذلك، فإن القديس بولس عندما تسلَّم من صوت المسيح دعوة النعمة، كما هو مكتوب فى سفر الأعمال (أع9:22)، فإنه رغم أن عددًا من رفقائه كانوا مسافرين معه فى نفس الوقت، فقد قيل إنه بمفرده سمع صوت المسيح، لذلك يا صاحب الجلالة المُبجّل، فإن الذى يؤمن يسمع، وهو يسمع لكى يؤمن، بينما الذى لا يؤمن فإنه لا يسمع، وهو لن يسمع بل لا يمكنه أن يسمع إن لم يؤمن!.

 

133 ـ أمّا بالنسبة لى، ففى الواقع أريد أن تكون لهم رغبة فى الاستماع لعلهم يؤمنون، أن يسمعوا بمحبة حقيقية ووداعة، مثل أُناس يبحثون عما هو حق، ولا يهاجمون كل ما هو حق؛ لأنه مكتوب (علينا) ألاّ نصغى إلى ” خرافات وأنساب لا حدّ لها، والتى بالأحرى تسّبب مباحثات دون أن تؤدى إلى التعليم الإلهى الذى فى الإيمان. أمّا غاية الوصية فهى المحبة من قلب طاهر وضمير صالح وإيمان بلا رياء، الأمور التى إذا زاغ قوم عنها انحرفوا إلى كلام باطل، يريدون أن يكونوا معلِّمى الناموس وهم لا يفهمون الكلمات التى يقولوها ولا الأشياء التى يتكلمون عنها بتأكيد (ولا ما يقرِّرونه)” (1تى4:1ـ7). وفى موضع آخر يقول أيضًا نفس الرسول: ” أما المباحثات الغبيَّة والسخيفة اجتنبها” (2تى23:2).

 

134ـ مثل هؤلاء الناس الذين يزرعون خصومات، أقصد الهراطقة، فإن الرسول يأمرنا أن نتركهم ونبتعد عنهم. إذ يقول عنهم فى موضع آخر: ” يرتد قوم عن الإيمان تابعين أرواحًا مُضِلَّة وتعاليم شياطين” (1تى1:4).

 

135 ـ والقديس يوحنا بالمِثل يقول إن الهراطقة هم أضداد للمسيح (1يو18:2) مشيرًا بوضوح إلى الآريوسيين، لأن هذه الهرطقة قد بدأت أن توجد بعد جميع الهرطقات الأخرى، وقد جمعت سموم الكل، كما هو مكتوب عن ضد المسيح أنه: ” فتح فمه بالتجديف على الله، ليجدِّف على اسمهوأن يصنع حربًا مع قديسيه” (رؤ6:13و7). وهكذا هم لا يكرمون ابن الله، كما لم يشفقوا على شهدائه، وربما (عملوا) ما لم يعمله ضد المسيح، فإنهم زوَّروا الكتب المقدسة، وهكذا من يقول إن يسوع ليس هو المسيح؛ ومن ينكر الابن ينكر الآب أيضًا كما هو مكتوب: ” كل من ينكر الابن ينكر الآب أيضًا” (1يو23:2).

 

الفصل السادس عشر

ملخص: يؤكد القديس أمبروسيوس للإمبراطور جراتيان، أنه سينتصر، ويعلن أن هذه النصرة قد سبق وأنبأ عنها حزقيال فى نبواته، وهذا الرجاء تدعمه تقوى الإمبراطور، كما يبيّن القديس أن الكوارث السابقة كانت عقابًا على الهرطقة الموجودة فى الشرق[15]، ويختم القديس هذا الفصل بصلاة إلى الله يطلب منه فيها أن يُظهِر رحمته وأن يُنقذ الجيش والأرض والمملكة التى يعيش فيها المؤمنون.

 

136ـ لا ينبغى أن أُعوِّق جلالتك أيها الإمبراطور، أكثر من هذا وأنت تستعد لهذه الحرب ليتم انتصارك على البرابرة. اذهب وأنتَ فى حماية درع الإيمان، وتمنطق بسيف الروح. اذهب إلى النصرة التى تم الوعد بها منذ قديم الزمن، والتى أُنبئ عنها فى الوحى الذى أعطاه الله.

 

137 ـ لقد تنبأ حزقيال فى الأيام القديمة جدًا عما سيحط من قدر شعبنا وعن الحروب مع الغوط البرابرة بقوله: ” لذلك تنبأ يا ابن الإنسان وقُل يا جوج هكذا يقول الرب: أفلاَ تعلم فى ذلك اليوم عند سُكنى شعبى إسرائيل آمنين، وتأتى من موضعك من أقصى الشمال، أنتَ وشعوب كثيرون معك كلهم راكبون معك، كلهم راكبون خيلاً جماعة عظيمة وجيش كثير؟ وتصعد على شعبى إسرائيل كسحابة تُغشِّى الأرض فى الأيام الأخيرة” (حز14:38ـ16س).

138ـ إن الغوط Goth هم جوج Gog، وإن مجيئهم قد سبق وذكرناه، أمَّا عن الانتصار الذى وُعد به عليهم فى الأيام الآتية بحسب كلمة الرب فهو: ” وينهبون الذين نهبوهم، ويسلبون الذين سلبوهم يقول السيد الرب، ويكون فى ذلك اليوم أنى أُعطى جوجًا ـ أى الغوط ـ موضعًا شهيرًا، لأن إسرائيل تكون مثل كومة عالية لأناس كثيرين[16]، أناس قد جعلوا طريقهم إلى البحر… ويسدُّون فم الوادى، وهناك يخرِّب بيت إسرائيل جوجًا وجمهوره ويسمونه وادى جمهور جوج، ويحدق[17] بهم بيت إسرائيل ليُطهِّروا الأرض” (حز 10:39ـ12س).

 

139ـ وعلاوة على ذلك، فلن نشك يا صاحب الجلالة المقدس، أننا نحن الذين أخذنا على عاتقنا أن نناضل ضد الكفر المخالف سوف نتمتع بمساعدة الإيمان الجامع Catholic Faith الذى هو قوىٌّ فيك. وحقًا وبوضوح فإن سبب غضب الله قد صار ظاهرًا، لدرجة أن تقدير الإمبراطورية الرومانية واحترامها قد هُدِمَ عندما انهار الإيمان بالله.

 

140ـ لا توجد لدىَّ رغبة فى أن أحصى الذين ماتوا والذين عُذبوا والمعترفين الذين نُفوا، كما أن وظائف المؤمنين ومراكزهم أُعطِيَتْ هدايا للخائنين[18]. ألم تسمع مِن وراء كل التخوم والحدود، مِن تراسا وراكيا التى على النهر وميسيا وكل فاليريا ضوضاء مشوبة بتعاليم المجدفين وغزو البرابرة؟ أى فائدة يمكن للجيران المتعطشين للدماء أن يجلبوها لنا، أو كيف يمكن للدولة الرومانية أن تكون فى أمان مع مثل هؤلاء المدافعين؟

 

141ـ نعم، هذا يكفى بل وأكثر من الكفاية أيها الإله القادر على كل شئ، ما ضحَّينا به وقدَّمناه من موت المعترفين ونفى الكهنة واحتمال الأشرار المتعجرفين، كل ما قدمناه بدمنا وبنفينا. إنه من الواضح بصورة كافية أن هؤلاء الذين حطموا الإيمان لم يكونوا فى أمان. التفِت مرة أخرى أيها الرب وارفع رايات الإيمان بك.

 

142ـ إنها ليست النسور الحربية ولا طيران الطيور هى التى تقود طلائع جيشنا، ولكن اسمك وعبادتك أيها الرب يسوع. إنها ليست أرض غير المؤمنين ولكنها الأرض التى من عادتها أن تُرسل المعترفين؛ إيطاليا. إيطاليا هذه التى كثيرًا ما جُرِّبت وأُغوِيَت ولكنها لم تنسحب أبدًا. إيطاليا هذه التى دافعتَ عنها طويلاً يا صاحب الجلالة والآن أيضًا قد أُنقِذَت من البرابرة. لا يوجد فى إمبراطورنا عقل متردد أو متذبذب، بل يوجد الإيمان الثابت الراسخ بقوة.

 

143ـ أُظهِر لنا الآن علامة واضحة على عظمة جلالك، حتى أن كل مَن يؤمِن بك أنك رب القوات الحقيقى وقائد جيوش السماء؛ ويؤمِن أنك أنت قوة الله وحكمته الحقيقية[19]، ليس كائنًا ناشئًا فى الزمن، ليس كائنًا مخلوقًا، بل كما هو مكتوب، القوة الأزلية، وألوهية الله، أنت أيها الرب تسند بقوتك الفائقة لتجعله ينال جائزة النصر لإيمانك.

[1] 2كو21:5، غل13:3.

[2] يو29:1و36، يو1:15، 1كو4:10.

[3] مر45:10، يو4:13و5، مز16:86 ” أعطِ عبدك قُوَّتك، وخلِّص ابن أَمَتَك“.

[4] مت36:24.

[5] مت 22:24و29، مز13:96 ” لأنه جاء ليدين الأرض، يدين المسكونة بالعدل والشعوب بالأمانة“، مز9:98 ” جاء ليدين الأرض، يدين المسكونة بالعدل والشعوب بالاستقامة“.

[6] هذا هو ما شكل عثرة ” الصليب “، انظر غل11:5، 1كو22:1.

[7] المقصود هنا الأحزان التى نجوزها خلال وجودنا فى العالم بسبب قسوة البشر.

[8] 2كو9:12، 4:13، 1بط24:2، 13:4.

[9] مت51:27.

[10] لو43:23.

[11] يو11:20و12.

[12] قال هذا للمسيح المُقام أف20:1: ” إذ أقامه من الأموات وأجلسه عن يمينه فى السماويات“.

[13] يفهم القديس أمبروسيوس من هذه الآية أن المسيح يجلس عن يمين الآب.

[14] ميلاد الابن الأزلى لا يستلزم انقسامًا أو تجزئة للألوهة، ولا تقليلاً. فالآب لن يكون إلهًا أقل، وألوهيته لن تفقد شيئًا بولادته للابن الأزلى.

[15] الكوارث المُلَّمح عنها فى هذه المقدمة هى انكسار الجيش الرومانى 378م فى هادريانوبل Hadrianople والموت المُفجع للإمبراطور فالنس، الذى بعدما هرب والتجأ إلى كوخ (ليختبئ فيه) أدركه الغوط وأحاطوا بالكوخ وأضرموا فيه النيران حيث هلك الإمبراطور وسطها. وكان الأرثوذكس (المستقيمى الرأى من غير الآريوسيين) ينظرون إلى هذه النكسة على أنها دينونة (من الله) بسبب اعتقاد فالنس والذين يشاركونه فى المراكز السامية، بالهرطقة الآريوسية.

[16] ” أُعطى جوجًا موضعًا هناك للقبر فى إسرائيل” بحسب الترجمة العبرية.

[17] يُقبرهم (بحسب الترجمة العبرية).

[18] أُبعِد الأساقفة والكهنة الأرثوذكس عن كراسيهم ووظائفهم ليفسحوا مجالاً لأولئك المدعوين “الخائنين للإيمان” أى أولئك الذين كفروا واعتنقوا الآريوسية.

[19] 1كو24:1 ” وأمّا للمدعُوِّين… فبالمسيح قوة الله وحكمة الله“.

 

شرح الإيمان المسيحى ج4 – ق. أمبروسيوس – د. نصحى عبد الشهيد

شرح الإيمان المسيحى ج3 – ق. أمبروسيوس – د. نصحى عبد الشهيد

شرح الإيمان المسيحى ج3 – ق. أمبروسيوس – د. نصحى عبد الشهيد

 

شرح الإيمان المسيحى ج3 – ق. أمبروسيوس – د. نصحى عبد الشهيد

 

الكتاب الثانى

مقدمة

 

1 ـ كما أظن يا جلالة الإمبراطور، فقد قلت ما يكفي في الكتاب السابق لأوضح أن ابن الله كائن أزلي وغير مختلف عن الآب، مولود غير مخلوق: كما برهنّا من خلال الاقتباسات من الكتب المقدسة أن ابن الله الحقيقي هو الله، وهذا قد أُعِلن أنه هكذا بواسطة العلامات الواضحة الخاصة بجلاله.

 

2 ـ ورغم أن ما سبق تقديمه هو كثير بل ويزيد، وذلك لأجل الحفاظ على الإيمان، إذ نرى أن عظمة النهر يُحكم عليها غالبًا من الطريقة التي ترتفع وتفيض بها ينابيعه. ومع ذلك، فلكي يكون إيماننا  أكثر وضوحًا، فإن مياه ينبوعنا يجب ـ كما أظن ـ أن تُقسَّم إلى ثلاث قنوات، ولذلك فإنه يوجد:

أولاً: علامات واضحة تبيّن التلازم الجوهري  في الألوهة؛

ثانيًا: التعبيرات الدالة على التماثل بين الآب والابن،

وأخيرًا: تلك التعبيرات الدالة على وحدة الجلال الإلهي التي لا يُشك فيها.

          بخصوص النوع الأول لدينا الأسماء: “ولادة”، “الله”، “ابن”، “الكلمة”[1]؛

          وبخصوص النوع الثاني لدينا: “بهاء”، “رسم”، “مرآة”، “صورة”[2]؛

          وبخصوص النوع الثالث لدينا: “حكمة”، “قوة”، “حق”، “حياة”[3].

 

3 ـ هذه الدلائل تعلن هكذا طبيعة الابن، حتى من خلالها يمكنك أن تعرف أن الآب أزلي وأن الابن غير مختلف عنه؛ لأن مصدر الولادة هو الكائن الذي يكون[4]؛ وكمولود من الأزلي فإنه إله؛ وكصادر من الآب، فهو الابن[5]؛ ولأنه من الله فهو الكلمة؛ هو شعاع مجد الآب، رسم جوهره[6]، مثيل الله، صورة عظمته؛ جود الذي هو الجوّاد، حكمة الذي هو الحكيم، قوة القدير، حق الذي هو الحقيقي[7]، حياة الذي هو الحي[8]. لذلك فالصفات المميزة للآب والابن ترتبط معًا باتفاق، حتى لا يفترض أحد وجود أي اختلاف، أو أن يشك في أن لهما عظمة واحدة. ولكل من هذه الأسماء ولجميعها سوف نعطي أمثلة لاستخدامها، حتى نجعل حديثنا مؤكدًا بدلائل.

 

4 ـ ومن الاثني عشر هذه، التي هي كاثني عشر جوهرًا كريمًا يُبني عمود إيماننا، لأن هذه الأحجار الكريمة ـ الجزع العقيقي، اليشب، الزمرد، الزبرجد، والبقية منسوجة في رداء هارون المقدس[9]، الذي هو مثال للمسيح[10] الكاهن الحقيقي؛ حجارة ممتزجة بالذهب، ومنقوشة بأسماء أبناء إسرائيل، اثنى عشر حجرًا متصلة معًا موضوعة الواحد داخل الآخر، حتى إن شَطَرَها أو فَصَلَها أحد، فإن نسيح الإيمان كله يتهاوى محطمًا.

 

5 ـ هذا إذن هو أساس إيماننا، أن نعرف أن ابن الله مولود؛ لأنه إن لم يكن مولودًا فلا يكون ابنًا. ولا يكفي أن ندعوه ابنًا إن لم تميّزه باعتباره الابن الوحيد الجنس. فلو كان مخلوقًا فلا يكون إلهًا، ولو لم يكن إلهًا، لما كان هو الحياة، وإن لم يكن هو الحياة فلا يكون هو الحق.

 

6 ـ فالعلامات الثلاث الأولى، أعني الأسماء: “الولادة”، “ابن”، “الابن الوحيد الجنس”، تُظهر أن الابن هو أصلاً من الله، بسبب أنه من نفس طبيعته.

 

7 ـ أمّا الثلاثة التي تليها أي الأسماء: “إله”، “حياة”، “حق”، فهي تُعلن قوته التي بها وضع أساسات العالم المخلوق وهو ضابطه. وكما يقول القديس بولس: ” الذي به نحيا ونتحرك ونوجد” (أع28:17)؛ ولذلك فالثلاثة الأولى تُعبِّر عن “حق الابن الطبيعي”، وفي الثلاثة الثانية الأخرى، فإن وحدة العمل القائمة بين الآب والابن تصير ظاهرة.

 

8 ـ ابن الله يُسمّى أيضًا: “صورة” و”بهاء” و”تعبير” (التي تُعبِّر عن الله)، لأن هذه الأسماء قد كشفت عن عظمة الآب التي لا تُدرك ولا تُستقصى، التي في الابن، وكشفت عن التعبير عن مثاله في الابن. هذه الأسماء الثلاثة كما رأينا تشير إلى مماثلة الابن للآب[11].

 

9 ـ كما يوجد لدينا أيضًا أفعال القوة والحكمة والحق التي يمكن بها البرهنة على أزلية الابن.

 

10 ـ هذا إذن هو الرداء المُزين بالحجارة الكريمة؛ هذا الذي يُعبِّر عن حب الكاهن الحقيقي؛ هذا هو رداء العُرس، هنا النسَّاج المُلهم الذي عرف جيدًا كيف ينسج هذا العمل. إنه ليس عمل نسيح عادي، والذي عنه تكلم الرب بواسطة نبيه: ” من ذا الذي أعطى النساء مهارة في النسيج[12]. أقول مرة أخرى، تلك الحجارة الموجودة ليست حجارة عادية، والتي نجدها تُسمّى “للترصيع”[13] لأن كل الكمال يعتمد على شرط عدم وجود شئ ناقص. إنها حجارة مرتبطة معًا ومُحاطة بالذهب، أي أنها من نوعٍ روحاني، ربطها يكون بواسطة أذهاننا، وهي مُحاطة بالبرهان المُقنع. وفي الختام (أقول) إن الكتاب المقدس يُعلّمنا أن هذه الحجارة هي غير عادية، نظرًا لأن البعض يُحضرون صنفًا، وآخرون صنفًا آخر أقل قيمة، هذه التي أحضرها الأمراء الورعون، مرتدين إياها على أكتافهم، وصنعوا منها “درع الحق”، أي جزءً من العمل المنسوج. فالآن يصير لدينا عمل منسوج، عندما يسير الإيمان والعمل معًا.

 

11 ـ أرجو ألاّ يفترض أحد أنني أخطأت عندما رَّتبتُ في الأول تقسيمًا ذا ثلاث جوانب، وكل جزء يحوي أربعة، ثم بعد ذلك تقسيمًا رباعيًا، كل واحد له ثلاثة تعبيرات. إن جمال الشيء الصالح يصير أكثر إبهاجًا عندما يُعرض بأوجه مختلفة. إن تلك الأشياء التي نُسج الرداء الكهنوتي كعلامة لها هي أشياء حسنة، أي الناموس أو الكنيسة، التي صنعت فيما بعد ثوبين لعريسها ـ كما هو مكتوب[14] ـ الواحد ثوب العمل والثاني ثوب الروح، وهي تنسج خيوط الإيمان والعمل معًا، لذلك، فكما تقرأ[15]، فإنها تصنع في مكان واحد قاعدة من ذهب، وبعد ذلك تنسج عليها أزرق وأرجوانًا مع قرمزي وأبيض. وأيضًا ـ كما تقرأ في موضع آخر ـ فإنها تصنع أولاً أزهارًا صغيرة من أزرق وألوان أخرى، وتضم فيها الذهب، وهناك تنسج ثوبًا كهنوتيًا واحدًا بهدف أن الحلية المتنوعة من النعمة والجمال، والمصنوعة من نفس الألوان الزاهية تضفي جمالاً جديدًا بتنوع الترتيب.

 

12 ـ وعلاوة على ذلك (لكي نكمل تفسيرنا لهذه الأمثلة)، فمن المؤكد أن الذهب المصفي والفضة يدلان على أقوال الرب التي منها يستمد إيماننا ثباته: ” كلام الرب كلام نقي، فضة محمّاة مجربة في الأرض، قد صُفيت سبعة أضعاف” (مز6:12و7س). اللون الأزرق مثل الهواء الذي نتنفسه ونستنشقه داخلنا؛ والأرجواني يمثل أيضًا ظهور المياه، والقرمزي يشير إلى النار، والكتان الأبيض يشير إلى الأرض لأن أصله من الأرض[16]، ومن هذه العناصر الأربعة يتكون الجسم الإنساني[17].

 

13 ـ وسواء إذا كنت تربط الإيمان الموجود أصلاً في الروح بالأعمال الجسدية التي تنسجم معها، أو أن تأتي الأعمال أولاً والإيمان يتصل بها كرفيق يُقدمها إلى الله ـ هنا يكون رداء خادم الدين، هنا الثوب الكهنوتي.

 

ألوهية المسيح هي أساس الإيمان:

14 ـ لذلك فإن الإيمان ينفع إن كانت حافته لامعة بتاج جميل من الأعمال الصالحة[18]. هذا الإيمان ـ لأقتضب في الأمر ـ هو موجود في الأساسات التالية، والتي لا يمكن إغفالها. إن كان أصل الابن من لا شئ فهو ليس ابنًا؛ وإن كان مخلوقًا فهو ليس الخالق؛ وإن كان مصنوعًا فهو لم يصنع كل الأشياء، وإن كان في احتياج إلى أن يتعلّم فليس له سبق المعرفة، وإن كان يحتاج أن ينال فهو ليس كاملاً؛ وإن كان يرتقى (إلى العلا) فهو ليس إلهًا. إن لم يكن مثل الآب فهو ليس صورته؛ وإن كان ابنًا بالنعمة فهو ليس ابنًا بالطبيعة[19]؛ وإن لم يكن له الألوهة بالطبيعة، فسوف يوجد فيه الاحتمال أن يخطئ، لأنه ” ليس أحد صالحًا إلاّ الله[20].

 

 

الفصل الأول

 

     شرح الآية:

ليس أحد صالحًا إلاَّ واحد وهو الله” (مر18:10).

 

15 ـ الاعتراض الذي ينبغي أن أواجهه الآن يا جلالة الإمبراطور ـ يملأني بالذهول، حتى إن روحي وجسدي يقشعران عند التفكير بأنه يوجد بشر، بل بالأحرى ليسوا بشرًا، وإنما كائنات لها المظهر الخارجي للبشر، ولكن ممتلئة داخليًا بغباء وحشي، حتى، بعد أن تنال من يدي الرب إحسانات هذا عددها وهذه عظمتها، فإنها تقول إن خالق كل الأشياء الصالحة، هو نفسه ليس صالحًا.

 

16 ـ هم يقولون إنه مكتوب: ” ليس أحد صالحًا إلاّ واحد وهو الله”. إنني أقر بما يقوله الكتاب المقدس ولكن لا يوجد خطأ في المكتوب، بل الخطأ هو في شرح الآريوسيين. إن الحروف المكتوبة لا لوم فيها، ولكن ما يُلام هو المعنى الذي يعطيه لها الآريوسيون. إنني أعترف بأن هذه الكلمات هي كلمات ربنا ومخلصنا ولكن علينا أن نفكر جيدًا متى قيلت، ولمن قيلت، وما هو قصده من هذا الكلام.

 

17 ـ إن ابن الله يتكلم هنا بالتأكيد كإنسان، وهو يتكلم مع أحد الكتبة، وهو الذي يخاطب ابن الله بقوله ” أيها المعلم الصالح“، ولكنه لا يعترف به أنه إله، لذلك فما لا يؤمن به هذا الكاتب، يعطيه المسيح أن يفهمه، وقصده من هذا أن يقوده ليؤمن بابن الله ليس “كمعلم صالح”، ولكن “كالإله الصالح”. وإن كان عندما يسمّى ” الإله الواحد” في أي مكان، فإن ابن الله لا ينفصل أبدًا عن ملء هذه الوحدانية، فكيف حينما يُقال إن الله وحده صالح يمكن أن يُستبعد الابن الوحيد عن ملء الصلاح الإلهي؟ على الآريوسيين إذًا إمًا أن يعترفوا أن ابن الله هو إله، أو أن ينكروا بأن الله صالح.

 

18 ـ لذلك، فإن ربنا ـ بفهم إلهي مُلهم ـ لا يقول: ” ليس أحد صالحًا إلاّ الآب وحده“، وإنما يقول: ” ليس أحد صالح إلاّ واحد وهو الله “. إن “الآب” هو الاسم الحقيقي لمن يلد. ولكن وحدانية الله لا تستبعد بأي حال ألوهة الثلاثة أشخاص، ولذلك فإن طبيعة الله هي التي تُمجد. فالصلاح إذن هو خاص بطبيعة الله. ومرة أخرى، فإن ابن الله موجود في طبيعة الله، والآية التي يستند إليها الآريوسيون ويسيئون تفسيرها، تخص ليس أحد الأقانيم، بل تخص الوحدة الكاملة للألوهة[21].

 

19 ـ فالرب إذن لا ينكر أنه صالح، ولكنه يوبخ مثل هذا النوع من السائلين، لأن الكاتب عندما قال: ” أيها المعلم الصالح“، فإن الرب أجابه:    ” لماذا تدعوني صالحًا؟” أي أنه يعنى بذلك: ” إنه ليس كافيًا أن يدعوه صالحًا إن كان لا يؤمن به أنه إله “. إنني لا أريد أن يكون تلاميذي من مثل هذا النوع، أشخاصًا يفكرون ـ فقط ـ في طبيعتي البشرية، ويحسبونني مجرد معلم صالح، دون أن ينظروا إلى ألوهيتي ويؤمنوا بي إنني الإله الصالح.

 

الفصل الثاني

ملخص:

يُبرهَن على صلاح ابن الله من خلال أعماله، وبالتحديد، إحساناته التي أظهرها نحو شعب إسرائيل في العهد القديم، وللمسيحيين في العهد الجديد. إنه لفائدة الإنسان أن يثق في صلاح ذاك الذي هو الرب والديان. شهادة الآب للابن. عدد ليس بقليل من الشعب اليهودي يشهد للابن؛ لذلك فإنه يتضح أن الآريوسيين أردأ من اليهود. وأيضًا فإن كلمات  العروس (في سفر نشيد الأنشاد) تُعلِن عن المسيح نفسه.

 

20 ـ ومهما كان، فإنني سوف لا أعتمد على موضوع (ألوهة) الابن من مجرد امتياز طبيعته واستحقاقاته الخاصة بجلاله. دعنا لا نسميه صالحًا إن كان هو غير جدير بهذا اللقب، وإن كان لا يستحق ذلك بسبب الأعمال وأفعال المحبة والرحمة، فليتنازل عن الحق الذي يتمتع به  بسبب طبيعته، وليُسلَّم إلى حكمنا عليه. إن الذي يديننا لا يستنكف من أن ندينه كالمكتوب: ” حتى يتبرر في أقواله ويغلب إذا حوكم” (مز4:51).

 

21 ـ أليس صالحًا ذاك الذي أعطاني أشياء حسنة؟ أليس صالحًا ذاك الذي عندما هرب ستمائة ألف من شعب اليهود من أمام الذين يطاردونهم، فتح فجأة تيارات البحر الأحمر، كميات من الماء غير المنقطع؟ حتى إن الأمواج فاضت حول المؤمنين وصارت سورًا لهم ولكنها دفعت غير المؤمنين إلى الخلف وأغرقتهم[22].

 

22 ـ أليس صالحًا الذي بأمره صارت البحار أرضًا يابسًا تحت أقدام الهاربين، وأخرجت الصخور ماء للعطاش[23]؟ حتى تُعرف أعمال الخالق الحقيقي عندما صار السائل المنحلّ صلبًا، وتدفَّق الماء من الصخرة؟ حتى نعترف بأن هذا هو عمل المسيح كما قال الرسول: ” والصخرة كانت المسيح” (1كو4:10).

 

23 ـ أليس هو صالحًا ذاك الذي عال في البرية بخبز من السماء، هذه الآلاف غير المحصاة من الناس، لئلا تقتحمهم أي مجاعة، فكانوا بلا حاجة إلى أي جهد بل وصاروا متمتعين بالراحة؟ حتى أنه لمدة أربعين سنة لم تبلَ ثيابهم عليهم وسيورهم لم تُقطع[24]، وهذا أمر يرمز للمؤمنين في القيامة الآتية، ليبيِّن أنه لا مجد الأعمال العظيمة ولا جمال القوة التي وشَّحنا الله بها، ولا مجرى الحياة البشرية، يصنعها هو بدون هدف؟

 

24 ـ أليس صالحًا الذي رفع الأرض إلى السماء، حتى إنه كما أن مجموعات النجوم تعكس مجده في السماء كما في مرآة، هكذا جوقات الرسل والشهداء والكهنة إذ يضيئون كالنجوم المجيدة يمكن أن ينيروا لكل العالم[25].

 

25 ـ إذن هو ليس صالحًا فقط، بل وأكثر من هذا، إنه راعٍ صالح لقطيعه لأن ” الراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف“، نعم! إنه وضع نفسه ليرفعنا ـ ولكن بسلطان لاهوته وضع نفسه وأخذها: ” لي سلطان أن أضع نفسي وأن آخذها أيضًا، ليس أحد يأخذها منى بل أضعها أنا من ذاتي” (يو11:10و17و18).

 

26 ـ ها أنت ترى صلاحه، إذ يضع نفسه من ذاته، وها أنت ترى قوته إذ أنه أخذها أيضًا ـ هل تنكر صلاحه بينما هو يقول عن نفسه في الإنجيل: ” أم أن عينيك شريرة لأني أنا صالح” (مت15:20)؟ أيها الشقي غير الشاكر، ماذا تفعل؟ هل تنكر صلاحه وهو الذي يكمن فيه رجاؤك بخصوص الصالحات؟ هذا إن كنت تؤمن حقًا بهذا. هل تنكر صلاحه وهو الذي أعطانا: ” ما لم ترَ عين وما لم تسمع به أذن“؟ (1كو9:2وإش4:64).

 

27 ـ إنه أمر هام أن نؤمن أنه صالح، لأنه ” صالح هو الاتكال على الرب” (مز8:118)، إن هذا يبهجني أن أعترف للرب، لأنه مكتوب:       ” اعترفوا للرب فإنه صالح[26].

 

28 ـ إن أمر نافع لي أن أعتبر أن ديّاني صالح، لأن الرب قاضي عادل لبيت إسرائيل. فإن كان ابن الله هو قاضي (فينتج عن ذلك) أن الذي هو قاضي وابن الله هو الإله العادل[27].

 

29 ـ ولكن ربما لا تصدق الآخرين ولا تصدق الابن. اسمع إذن الآب يقول: ” فاض قلبي بالكلمة الصالحة” (مز1:45) فالابن إذن هو صالح، والابن هو المكتوب عنه: ” والكلمة كان مع الله وكان الكلمة الله” (انظر يو1:1)، فإن كان الكلمة صالحًا والابن هو كلمة الله، فبالتأكيد ـ رغم أن هذا لا يرضى الآريوسيين ـ يكون ابن الله هو الله. فلتحمّر وجوههم من الخجل.

 

30 ـ اعتاد اليهود أن يقولوا: ” إنه صالح “، مع أن البعض قالوا: ” إنه ليس كذلك”، مع أن آخرين قالوا: ” إنه صالح” ولكن أنتم ـ معشر الآريوسيين ـ جميعكم تنكرون صلاحه[28].

 

31 ـ إن كان صالحًا، ذاك الذي يصفح عن خطية إنسان واحد، ألا يكون صالحًا الذي حمل خطية العالم؟ فهو الذي قيل عنه: ” هوذا حمل الله، هوذا الذي يحمل خطية العالم” (يو29:1).

 

32 ـ ولكن لماذا نشك؟ لقد آَمَنَتْ الكنيسة بصلاحه طوال هذه الأجيال، وقد عبّرت عن اعترافها بالإيمان بالمكتوب: ” ليقبَّلني بقبلات فمه، لأن حبك أطيب من الخمر” (نش1:1)، وأيضًا: ” حنكك كأجود الخمر” (نش9:7). لذلك فمن صلاحه هو يغذينا بينابيع الناموس والنعمة، ويخفف أحزان البشر بأن يخبرهم عن الأمور السماوية، فهل ننكر بعد ذلك صلاحه، بينما وهو نفسه هو الإعلان عن الصلاح، فإنه يُعبِّر في شخصه عن صورة الجود الأزلى، كما أوضحنا أعلاه أنه مكتوب أنه الانعكاس الذي بلا لوم والصورة المطابقة لذلك الجود.

 

الفصل الثالث

 

ملخص: نظرًا لأن الله واحد، من ثمّ يكون ابن الله هو الإله الصالح والحقيقي.

 

33 ـ ماذا تظن إذن، يا من تُنكر صلاح ابن الله وألوهيته الحقيقية، مع أنه مكتوب إنه ليس إله آخر إلاّ واحدًا؟[29] لأنه وإن وُجِدَ ما يُسمى آلهة، فهل ستحسب المسيح ضمن تلك التى تُسمى آلهة، وهي ليست كذلك، بينما ترى أن المسيح جوهره أزلى، وأنه لا يوجد سواه من هو صالح وإله حقيقي، بسبب أن الآب فيه[30]. إذ أن من طبيعة الآب ذاتها، إنه لا يوجد إله حقيقي آخر سواه، لأن الله واحد، كما أننا لا نخلط أقنومَي الآب والابن كما يفعل السابيليون، ولا نفصل الآب عن الابن كما يفعل الآريوسيون، لأن الآب والابن، كأب وابن هما أقنومان مميزان، دون أى انقسام لألوهيتهما.

 

 

 

الفصل الرابع

ملخص: يوضح هذا الفصل أن ابن الله كُلِّى القدرة، وذلك بشهادة العهدين القديم والجديد

 

34 ـ بما أننا نرى أن ابن الله هو (إله) حقيقي وصالح، فبالضرورة يكون هو الإله القادر على كل شئ. هل يمكن أن يوجد أي شك فى هذه النقطة؟ لقد استشهدنا سابقًا بالآية التى تقول عنه: ” اسمه الرب القادر على كل شئ[31]، إذن، فلأن الابن هو الرب، والرب قادر على كل شئ، من ثمّ يكون ابن الله هو القادر على كل شئ.

 

35 ـ واسمع أيضًا العبارة التالية، والتى لا يمكن استخراج أي شكوك فيها[32]، حيث يقول الكتاب: “هوذا يأتى مع السحاب، وستنظره كل عين والذين طعنوه، وينوح عليه جميع قبائل الأرض. نعم آمين. أنا هو الألف والياء البداية والنهاية يقول الرب الكائن والذي كان والذي يأتى، القادر على كل شئ” (رؤ7:1و8). وأنا أسأل، من الذي طعنوه؟ لأن من هو الذى نترجى مجيئه سوى الابن؟ فالمسيح إذن هو الرب القادر على كل شئ وهو الله.

 

36 ـ اسمع عبارة أخرى يا صاحب الجلالة، اسمع صوت المسيح: ” لأنه هكذا قال الرب القادر على كل شئ: بعد مجده أرسلنى ضد الأمم الذي سلبوكم، لأنه من يمسكم يمس حدقة عينه، لأنى هأنذا أُحرك يدي على الذين سلبوكم وأُنقذكم، فيكونون سلبًا لكم، فيعلمون أن الرب القادر على كل شئ أرسلنى” (زك8:2و9س). من الواضح أن الذي يتكلم هو الرب القادر على كل شئ، والذي أُرسل هو الرب القادر على كل شئ، وتبعًا لذلك إذن، فإن القوة القادرة على كل شئ تخص الآب والابن كليهما، ومع ذلك فهو إله واحد قادر على كل شئ، لأنه توجد وحدانية في العظمة والجلالة.

 

37 ـ وعلاوة على ذلك، ولكى تعلم يا صاحب الجلالة أن المسيح الذي تكلم في الأناجيل هو نفسه تكلم في الأنبياء، فإنه يقول بفم إشعياء كما لو كان يسبق ويتكلم عن الإنجيل: ” أنا نفسى الذي تكلمت، أنا آتي[33]،، أي إننى أنا الذي تكلم في الناموس حاضر في الإنجيل.

 

38 ـ وفي موضع آخر يقول أيضًا: ” كل ما للآب هو لي” (يو15:16)، ماذا يقصد بـ “كل ما”؟ واضح أنه لا يقصد الأشياء المخلوقة، لأن هذه كلها قد خُلِقت بالابن، بل يقصد الأشياء التى للآب، أى، الأزلية، الهيمنة، الألوهية، هذه الأشياء التى يملكها كمولود من الآب. ومن ثمّ لا يمكن أن نشك أن الابن قادر على كل شئ، إذ أن له كل ما للآب، بحسب المكتوب: ” كل ما للآب هو لى“.

 

الفصل الخامس

ملخص: بعض العبارات في الكتاب المقدس التى قد تدفعنا للاعتقاد بما هو ضد قدرة المسيح على كل شئ، يوجد لها حلٌّ، والكاتب يبذل جُهدًا خاصًا ليبيِّن أن المسيح ـ كثيرًا ما كان يتكلم بحسب مشاعر الطبيعة البشرية.

 

39 ـ مع أنه مكتوب بخصوص الله: ” المبارك القادر الوحيد” (1تى15:6)، إلاّ أنه لا يساورنى أدنى شك بأن ابن الله منفصل عن الآب، إذ أرى أن الكتاب المقدس يستخدم لقب ” القادر الوحيد” ليس للآب وحده، فالآب نفسه ايضًا يُصرِّح بخصوص المسيح بفم النبى: ” جعلتُ عونًا على مَنْ هو قَوِى” (مز19:89). فمن ثمَّ ليس هو الآب فقط القادر الوحيد، بل والله الابن أيضًا قادر، لأنه عندما يُمدح الآب يُمدح الابن أيضًا.

 

40 ـ حقًا، فليبيِّن أى شخصٌ، ما هو الذي لا يقدر ابن الله أن يفعله. مَنْ كان معينه عندما صنع السموات؟ مَنْ كان معينه عندما وضع أُسس العالم[34]؟ وهل كان محتاجًا لأىّ معين ليحرِّر الإنسان، وهو الذي لم يكن محتاجًا إلى أحد في خلق الملائكة والرئاسات[35]؟

 

41 ـ يقولون: ” إنه مكتوب: ” يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عنىِّ هذه الكأس” (مت39:26، مر35:14، لو42:22)، فإن كان قادرًا على كل شئ، فكيف يشكُ هو إذن في هذه الإمكانية؟”، بمعنى أنه حيث إنى برهنتُ على قدرته، فقد برهنتُ إنه لم يشكُ في قدرته على كل شئ.

 

42 ـ أنت تقول إن الكلمات هي كلمات المسيح، هذا حق، ولكن يجب أن نفكر في المناسبة التى قالها فيها، وبأى صفة كان يتكلم. لقد أخذ لنفسه طبيعة الإنسان[36] ومِن ثمَّ فقد أخذ معها أحاسيسها. كما تجد أيضًا في الموضع المذكور أعلاه أنه: ” تقدَّم قليلاً وخرَّ على وجهه وكان يُصلِّى قائلاً: يا أبتاه، إن أمكن” (مت39:26، مر35:14)، فهو يتكلم إذن ليس كإله ولكن كإنسان، لأنه هل يمكن أن يكون الله جاهلاً بإمكانية حدوث أو عدم حدوث شئ ما ؟ وهل يوجد أىّ شئ غير ممكن لدى الله، والكتاب يقول: ” لا يعسر عليك أمر” (أى2:42).

 

43 ـ مَن هو الذى يشك فيه، في نفسه أم في الآب؟ بالتأكيد في نفسه، هذا الذي يقول: ” لتعبُر عنىِّ“، مِن حيث إنه يشعر كإنسان. إن النبي لا يُدوِّن شيئًا يحسب أنه مستحيل لدى الله. فإن كان النبى لا يشك، فهل تظن أن الابن يشك؟ هل تضع الله أقلّ مِن الإنسان؟ ماذا؟ هل ابن الله لديه شكوك من جهة أبيه، وهو يخاف في مواجهة الموت؟ هل المسيح يخاف؟ بينما بطرس لا يخاف شيئًا. يقول بطرس: ” إنىِّ أضع نفسى عنك” (يو37:13)، بينما يقول المسيح:     ” نفسى قد اضطربت” (يو27:12).

 

44 ـ إن كلا النصّين صواب، ومِن الطبيعى أن يكون بالتساوى أن الإنسان الذي هو أقل لا يخاف، بينما الأعظم يتحمل هذا الشعور؛ لأن الأول له كل ما للإنسان مِن جهل بقوة الموت، بينما الآخر، إذ هو الله ساكنًا في جسدٍ يُصِّور ضعف الجسد، حتى لا يكون لشرِّ أولئك الذين ينكرون سر التجسد أىّ عذر. إذن هو قال هذا، بينما لا يؤمن المانويون[37] بذلك، وينكره فالنتيونوس، بينما يقول عنه ماركيون إنه خيال.

 

45 ـ وفي الواقع، فإن المسيح هنا يضع نفسه فى مستوى الإنسان، حتى يُظهر نفسه ليكون في حقيقة شكله البشرى، فيقول: ” ولكن ليس كما أريد أنا بل كما تريد أنت” (مت39:26)، مع أنه حقًا أن قوة المسيح الخاصة هي أن يريد ما يريد الآب، كما أنه يفعل ما يفعله الآب.

 

46 ـ ليت الاعتراض ينتهى عند هذا الحد، هذا الذي اعتدتم أن تعارضونا فيه بسبب قول السيد: ” ليس كما أريد أنا بل كما تريد أنت“، وأيضًا: ” لأنى قد نزلت مِن السماء ليس لأعمل مشيئتى بل مشيئة الذي أرسلنى” (يو38:6).

 

الفصل السادس

ملخص: عبارات الكتاب المقدس التى استُشِهد بها مِن قبل تُؤخذ كذريعة للإقلال من شأن الابن، بينما الرب يسوع يملك حرية العمل نفسها التى تُنسب للروح القدس وفي مواضع أخرى تُنسب للابن.

 

47 ـ دعنا الآن ـ في الوقت الحاضر ـ نشرح بأكثر استفاضة لماذا قال ربنا: “إن أمكن”، ولنفسح وقتًا لنوضح أنه يملُك حرية الإرادة. أنتم تنكرون ـ بل حتى الآن تمضون في طريق شرّكم ـ وتنكرون أن لابن الله مشيئة حُرَّة، وعلاوة على ذلك، فإنكم تميلون إلى أن تحطُّوا مِن قدر الروح القدس، مع أنه لا يمكنكم أن تنكروا ما هو مكتوب: ” الروح يهب حيث يشاء” (يو8:3)[38]. يقول الكتاب: ” حيث يشاء“، ولم يقُل: “حيث يُؤمر”. فإن كان الروح إذن يهب حيث يشاء، أفما يُمكن للابن أن يفعل ما يشاء؟ لماذا؟ إنه ابن الله نفسه الذي يقول في إنجيله إن الروح له القوة أن يهبَّ حيث يشاء. فهل الابن بذلك يعترف أن الروح أعظم منه، بكون الروح له القوة أن يفعل ما لم يُسمح به للابن؟

 

48 ـ يقول الرسول أيضًا: ” ولكن هذه كلها يعملها الروح الواحد بعينه، قاسمًا لكل واحد بمفرده كما يشاء” (1كو11:12). لاحظ القول: ” كما يشاء“، أى بحسب حكم مشيئة حُرَّة وليس طاعة لِما هو قهرى. وعلاوة على ذلك، فإن المواهب التى تُوزَّع (تُقسَّم) بواسطة الروح ليست هى مجرد مواهب بسيطة أو عادية، بل مِن مثل تلك الأفعال التى اعتاد الله أن يعملها في موهبة شفاء وأعمال قُوَّات. وبينما الروح إذن يُقسِّم كما يشاء، ألا يمكن لابن الله أن يُحرِّر مَن يشاء!. اسمعه يتكلم عندما يفعل ما يشاء:   ” أشاء أن أفعل مشيئتك يا إلهي” (مز8:40)، وأيضًا: ” أُقدِّم لك ذبيحة طوعية” (مز6:54).

 

49 ـ لقد عرف الرسول القديس فيما بعد أن يسوع له القدرة أن يفعل ما يشاء، ولذلك فإذ رآه يمشى على البحر قال: ” يا سيد إن كنتَ أنتَ هو، فمُرنى أن آتى إليك على الماء” (مت28:14). لقد آمن بطرس أنه إِنْ أَمَرَ المسيح، فإن الأحوال الطبيعية سوف تتغيَّر، والمياه سوف تُدعِّم خطوات الإنسان، والأشياء المناقضة سوف تُقهَر وتنقص لتؤول إلى انسجام واتّفاق. إن بطرس يطلب مِن المسيح أن يأمُر، وتمَّ ما أَمَرَ به، وهذا ينكره آريوس!

 

50 ـ ما هو الذي يكون للآب ولا يكون للابن؟، وما هو الذى للابن وليس هو للآب؟ وكما هو مكتوب، فإن: ” الآب يُحيى مَن يشاء، والابن أيضًا يُحيى من يشاء” (يو21:5).  قل لى، مَنْ أحياه الابن والآب لم يُحيه، وإن كان الابن يُحيى من يشاء، وفِعل الآب والابن واحد، فأنت ترى أنه ليس الابن فقط يصنع مشيئة الآب، ولكن الآب أيضًا يفعل مشيئة الابن، لأن عملية الإحياء لا تتم إلاّ مِن خلال رغبة المسيح في الإحياء. ولكن فِعل المسيح هو مشيئة الآب، لذلك فمن يحييه الابن، فإنما يحييه بمشيئة الآب، لذلك فإن مشيئتهما هي واحدة.

 

51 ـ ومرة أخرى، ماذا كانت مشيئة الآب إلاّ أن يأتى المسيح إلى العالم وأن يُطهِّرنا من خطايانا؟ اسمع كلمات الأبرص: ” إن شئت تقدر أن تطهرنى” (مت2:8)، وأجابه المسيح: ” أريد“، وللوقت تبعت الصحة الإرادة. ألا ترى أن الابن هو سيد مشيئته الخاصة، وأن مشيئة المسيح هي نفسها مشيئة الآب. وإن كنتَ ترى حقًا أنه قال: ” كل ما للآب هو لى“، فبالضرورة لم يستثنٍ شيئًا، ومِن ثمّ تكون للابن نفس المشيئة التى للآب.

 

 

الفصل السابع

 

52 ـ لذلك، فإنه توجد وحدة فى المشيئة حيث توجد وحدة فى العمل، لأنه فى الله، فإن مشيئته يصدر عنها مباشرة فعل حقيقى، ولكن مشيئة الله شئ، والمشيئة البشرية شئ آخر. وعلاوة على ذلك، فإن الحياة هى هدف المشيئة البشرية، فنحن نخاف الموت، بينما آلام المسيح كانت تعتمد على المشيئة الإلهية بأن يتألم لأجلنا، ولكى يوضح الرب ذلك، فعندما حاول بطرس أن يثنيه عن الآلام، قال له: ” أنت لا تهتم بما لله. بل بما للناس” (مت23:16).

 

53 ـ ولذلك، أخذ مشيئتى لنفسه، أخذ أحزانى وبثقة أدعوها أحزانى، لأننى أكرز بصليبه. إن ما هو خاص بى هو المشيئة التى سمّاها مشيئته، لأنه كإنسان هو حمل أحزانى، وكإنسان تكلَّم ولذلك قال: ” لا مشيئتى بل مشيئتك“. الأحزان هى أحزانى، وما هو خاص بى والحِمل الثقيل الذى حمله بسبب حزنى هو حملى أنا، لأنه لا يوجد مًن يتهلّل عندما يكون على حافة الموت. هو يتألم معى ويتألم لأجلى، فهو حزن لأجلى. وتثقل لأجلى. لذلك فهو حزن بدلاً منى وحزن فىّ، هو الذى لم يكن هناك سبب يجعله يحزن لأجل نفسه.

 

54 ـ ليست جروحك هى التى آلمتك أيها الرب يسوع، بل جروحى؛ ليس هو موتك بل هو ضعفنا الذى تسبب فى آلامك، كما يقول النبى: “ ضُرِبَ لأجلنا” (إش4:53س)، ونحن يارب، حسبناك مضروبًا عندما تألمت ليس لأجل نفسك بل لأجلى.

 

55 ـ وما الغرابة إن كان الذى بكى لأجل واحد، يحزن لأجل الجميع؟، وما الغرابة إن كان قد تثقل لأجل الجميع ساعة الموت هذا الذى بكى وهو مزمع أن يُقيم لعازر من الموت؟ حقًا لقد تحرَّكت مشاعره بتأثير دموع أخت لعازر المُحِبَّة، لأن هذه الدموع مسَّت قلبه الإنسانى، وهنا وبحزن سِرِّى سمح للمشاعر الإنسانية أن تُعبِّر عن نفسها، حيث كما أن موته وضع نهاية للموت، وجلداته شفت جروحنا، هكذا أيضًا فإن حزنه أزال أحزاننا[39].

 

56 ـ لذلك، فهو كإنسان، كان يشكّ، وكإنسان كان يندهش، ولكن لا قوَّته ولا ألوهيته تُدهش، ولكن نفسه. لقد دُهِشَ نتيجة أنه أخذ ضعفنا البشرى على عاتقه، وإذ ترى أنه اتخذ نفسًا، فقد اتخذ أيضًا مشاعر النفس الإنسانية[40]، لأنه لا يمكن لله أن يتألم أو يموت من جهة كونه الله. وأخيرًا، فإنه صرخ: ” إلهى إلهى لماذا تركتنى“؟ (مز1:22، مت46:27، مر34:15). فهو يتكلَّم هكذا كإنسان حاملاً معه مخاوفى، لأننا عندما نكون وسط المخاطر، فإننا ربما نظن فى أنفسنا أن الله قد تركنا. فهو قد تألم كإنسان، وبكى كإنسان وصُلِبَ كإنسان.

 

57 ـ وهكذا فإن الرسول بولس يقول: ” لأنهم صلبوا جسد المسيح” (غلا24:5)[41]، ويقول القديس بطرس أيضًا: ” إذ قد تألم المسيح.. بالجسد” (1بط1:4). لذلك فالجسد هو الذى تألم، بينما اللاهوت هو فوق فى أمان مِن الموت، وقد خضع جسده للألم بحسب طبيعة البشر. هل يمكن للاهوت أن يموت بينما النفس لا تموت؟ يقول ربنا: ” لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد ولكن النفس لا يقدرون أن يقتلوها” (مت28:10). فإن كانت النفس لا يمكن أن تُقتل، فكيف يمكن أن يموت اللاهوت؟

 

58 ـ إذن، فعندما نقرأ أن رب المجد قد صُلِبَ، فعلينا ألاّ نفترض أنه قد صُلِبَ كما فى مجده[42]، ولكن لأن الذى هو الله هو أيضًا إنسان، إله بحسب لاهوته، وباتخاذه الجسد لنفسه هو: الإنسان يسوع المسيح؛ لذلك يُقال إن رب المجد قد صُلِبَ، لأنه بامتلاكه الطبيعتين البشرية والإلهية، فإنه احتمل الآلام فى بشريته، حتى يمكننا القول إن الذى تألم يُدعى رب المجد وابن الإنسان معًا فى نفس الوقت بغير تمييز بينهما، كما هو مكتوب: ” الذى نزل من السماء” (يو13:3).

 

الفصل الثامن

ملخص: فى هذا الفصل يشرح القديس قول المسيح: ” أبى أعظم منى” بناءً على المبدأ الذى تقرَّر من قَبْل. والأقوال الأخرى المشابهة تُفسَّر بنفس الطريقة، ولا يمكن فيما يتعلق بألوهية ربنا ـ أن يُقال عنه إنه أقل من الآب.

 

59 ـ لذلك، فيما يليق ببشرَّيته، فإن ربَّنا قيل عنه إنه شكَّ وإنه اغتم بحزن شديد وإنه قام من الموت، لأن من يموت هو أيضًا يقوم ثانية. وأيضًا بسبب بشرَّيته فإنه قال تلك الأقوال: ” أبى اعظم منى” (يو28:14)، والتى يُحوِّلها مخاصمونا بخبث ضده.

 

 

60 ـ ولكن عندما نقرأ فى مقطع آخر: ” خرجتُ مِن عند الآب وقد أتيتُ إلى العالم، وأيضًا أتركُ العالمَ وأذهب إلى الآب” (يو28:16)، فكيف يمكنه أن يذهب (إلى الآب) إلاّ عن طريق الموت، وكيف يمضى إلاّ بقيامته؟ وعلاوة على ذلك، فإنه يضيف ـ ليوضِّح أنه يتكلم فيما يختص بصعوده:   ” وقلت لكم الآن قبل أن يكون حتى متى كان تؤمنون” (يو29:14). لقد كان يتكلم عن الآلام والقيامة التى لجسده، وعن طريق هذه القيامة يؤمن أولئك الذين سبق أن شكُّوا، لأن الله ـ فى الحقيقة ـ الموجود فى كل مكان لا يَعبُر مِن مكان إلى مكان، ولكن كما أن الإنسان يذهب، فإنه هو نفسه الذى يأتى. وأيضًا، فإنه يقول فى موضعٍ آخر: ” قوموا ننطلق من ههنا” (يو31:14)، إذن، فهو يذهب ويأتى، الذى هو أمر مشترك بينه وبيننا.

 

61 ـ فكيف يمكن ـ أن يكون إلهًا أصغر بينما هو إله كامل وحقيقى؟ ولكن من جهة إنسانيته فهو أقلَّ. وأنت لا تزال تتعجَّب أنه عندما يتكلم كشخص إنسانى فإنه يدعو الآب أعظم منه، بينما هو كإنسان دعا نفسه دودة لا إنسان، وهذا فى قوله: ” أمّا أنا فدودة لا إنسان” (مز6:22)، وأيضًا ” كشاة تُساق إلى الذبح” (إش7:53).

 

62 ـ أمَّا إن كنت تعترف أنه أقلّ من الآب من هذه الجهة فأنا لا أستطيع أن أنكر ذلك، ورغم ذلك فإننا عندما نتكلم بكلمات الكتاب المقدس، فإنه لم يُولد أقلّ، ولكن ” وُضِع أقلّ” (عب9:2)، أى أنه “جُعِل أدنى”. ولكن كيف   ” وُضِع أقلّ” إلاّ لأنه: ” إذ كان فى صورة الله، لم يحسب خُلسة أن يكون معادلاً لله، لكنه أخلى نفسه” (فى6:2و7)، وفى الواقع ـ هو لم ينفصل عن ما كان عليه، ولكنه اتخذ لنفسه ما لم يكن له، لأنه ” أخذ صورة عبد” (فى7:2).

 

63 ـ وعلاوة على ذلك، فلكى نعرف أنه ” وُضِع قليلاً” باتخاذه جسدًا لنفسه، فإن داود يُبيِّن لنا أنه كان يتنبأ عن إنسان بقوله: ” مَنْ هو الإنسان حتى تذكره، أو ابن الإنسان حتى تفتقده؟ وضعته قليلاً عن الملائكة” (مز4:8و5)، وفى تفسيره لنفس العبارة، فإن الرسول بولس يقول: ” لأننا نرى يسوع الذى وُضِع قليلاً عن الملائكة مُكلَّلاً بالمجد والكرامة من أجل ألم الموت” (عب9:2).

 

64 ـ ومِن ثمَّ، فإن ابن الله، قد جُعِل أقلّ، ليس من الآب، بل من الملائكة أيضًا. وإن كنتَ تُحوِّل هذا لتحط من كرامته؛ فأنا أتساءل ما إذا كان الابن ـ من جهة ألوهيته ـ أقلّ من ملائكته الذين يخدمونه ويعبدونه؟ فهكذا وأنت تقصد أن تُقلِّل من كرامته، فإنك تنزلق إلى التجديف برفع طبيعة الملائكة فوق ابن الله، ولكن ” العبد ليس أفضل من سيده” (مت24:10). وأيضًا، فإن الملائكة خدموه حتى بعد تجسده، وذلك لكى تعترف به أنه لم يتعرض لفقدان جلاله بسبب (اتخاذ) طبيعته الجسدية، لأن الله لا يمكن أن يخضع لأى تناقص فى ذاته[43]، وما أخذه من العذراء لا يُضيف أو يُنقص من قوته الإلهية.

 

65 ـ فإذ له ملء اللاهوت والمجد[44]، فهو إذن من جهة ألوهيته ليس أقلّ (من الآب)، فالأعظم والأقلّ هما من الصفات التى تليق بالموجودات المادية، حيث الأعظم يكون هكذا من جهة الرتبة أو الصفات أو العمر، ولكن هذه المصطلحات تفقد معناها عندما نأتى إلى معالجة أمور الله. فمن الشائع أن من يُسمّى الأعظم هو ذلك الذى يرشد أو يُعلِّم آخر، ولكن ليست الحالة هكذا مع حكمة الله (يقصد المسيح الابن) كأنها بُنِيَت بالتعليم الذى يحصل عليه واحد من آخر، إذ أن الحكمة هى نفسها التى وَضَعت أساس كل تعليم. لذا كتب الرسول: ” لكى يذوق بنعمة الله ـ الموت لأجل كل واحد“، وذلك حتى لا نفترض أن اللاهوت وليس الجسد هو الذى كابد الآلام[45]!.

 

66 ـ فإن كان معارضونا لم يجدوا وسيلة ليبرهنوا على أن الآب أعظم من الابن، فدعهم لا يقلبون الكلمات إلى أقوال كاذبة. بل فليبحثوا عن معناها. لذلك فأنا أسألهم، من أى ناحية يعتبرون الآب أنه أعظم؟ فإن كان بسبب أنه هو الآب، فأنا أجيبهم، نحن هنا لسنا نسأل عن العمر أو الزمن، فالآب لا يتميز بشعر أبيض ولا الابن بالشباب، هذه الأمور التى على أساسها تقوم الكرامة الأعظم لأى أب. وكلمتا “أب” و”ابن” هما مجرد اسمين، الواحد للوالد والآخر للولد، أسماء يتضح أنها تربط ولا تفصل، لأن الطاعة والقيام بالواجب لا توحِى بأى فقدان للجدارة الشخصية، باعتبار أن القرابة تربط الناس ببعض، ولا تُمزقهم.

 

67 ـ فإن كانوا لا يقدرون أن يجعلوا من نظام الطبيعة سندًا لأى سؤال عندهم، فليؤمنوا الآن بشهادة الكتب، فالبشير يشهد بأن الابن ليس أقلّ من الآب بسبب أنه ابن، حاشا، بل هو يُوضِّح أنه بكونه الابن، فهو مساوٍ للآب بقوله: ” فمن أجل هذا كان اليهود يطلبون أكثر أن يقتلوه، لأنه لم ينقض السبت فقط، بل قال أيضًا إن الله أبوه معادلاً نفسه بالله” (يو18:5).

 

68 ـ ليس هذا ما قاله اليهود، ولكن البشير هو الذى شهد بذلك، أى أن المسيح بقوله عن نفسه إنه ابن الله، فهو يجعل نفسه مساويًا لله، لأن اليهود لم يُظهروا أنفسهم أنهم يقولون: ” لهذا السبب نحن نطلب أن نقتله”؛ ولكن البشير هو الذى يشهد بنفسه ويقول: ” من أجل هذا كان اليهود يطلبون أن يقتلوه“. علاوة على ذلك، فإن البشير قد اكتشف السبب (بقوله) إن اليهود تحركوا بالرغبة فى قتله، لأنه إن كان كإله قد كَسرَ السبت، وأيضًا قال إن الله أبوه، فإنه يكون قد نسب إلى نفسه ليس فقط جلال السلطان الإلهى فى كسر السبت، بل أيضًا فى كلامه عن أبيه نسب إلى نفسه الحق فى المساواة الأزلية معه.

 

69 ـ وقد كانت الإجابة التى أعطاها ابن الله لهؤلاء اليهود مناسبة جدًا، بأن أثبت نفسه أنه الابن وأنه مساوى لله؛ إذ قال: ” لأن مهما عمل الآب فهذا يعمله الابن كذلك” (يو19:5)، لذلك فإن الابن قد عُرِفَ وبُرِهنَ على أنه المساوى للآب ـ وهى مساواة حقيقية، وهذه المساواة تستبعد أى اختلاف فى الألوهية، كما أنها تكشف ليس الابن فقط بل الآب أيضًا، الذى الابن مساوى له؛ لأنه لن تكون هناك مساواة حيث يوجد اختلاف، وأيضًا لن تكون هناك مساواة، لو كان يوجد أقنوم واحد فقط، نظرًا لأن الشخص الواحد لا يكون بنفسه مساويًا لنفسه. وهذا ما بيّنه البشير، أنه من اللائق أن يُسمِّى المسيح نفسه ابن الله، أى أنه مساوي لله.

 

70 ـ ومن ثمّ فإن بولس الرسول، وهو يتبع هذا الإعلان يقول: ” لم يحسب خُلسة أن يكون معادلاً لله“، لأن ما لا يمتلكه الإنسان، فإنه يسعى ليتحصل عليه كغنيمة. لذلك فإن مساواته للآب، كإله ورب، يمتلكها فى جوهره الذاتى، وليس كغنيمة استولى عليها لنفسه بطريقة خاطئة. ومن هنا فإن الرسول أضاف الكلمات: ” آخذًا صورة عبد“. وبالتأكيد، فإن العبد هو عكس المساوى، ومن ثمَّ، فإن الابن مساوى إذ هو فى صورة الله، ولكنه أقلّ باتخاذه لنفسه جسدًا، وأيضًا فى آلامه كإنسان. لأنه كيف يمكن لنفس الطبيعة أن تكون أقل ومتساوية معًا فى نفس الوقت؟ وكيف يمكن للابن ـ إن كان أقل ـ أن يعمل نفس الأعمال، بنفس الطريقة، كما يعمل الآب؟ كيف يمكن فى الواقع أن يكون العمل واحدًا مع وجود اختلاف فى القوة؟ هل يستطيع الأقل أن يعمل نفس المفاعيل مثل الأعظم؟ أو هل يمكن أن توجد وحدة فى العمل حيث يوجد اختلاف فى الجوهر؟

 

71 ـ لذلك، عليك أن تَقْبَل بأن المسيح ـ فيما يمس ألوهيته ـ لا يمكن أن يُسَّمى أقل من الآب. يتكلم المسيح مع إبراهيم ويقول: ” أقسمت بذاتى” (تك16:22)، والرسول يُبيّن أن من يُقسم بذاته لا يمكن أن يكون أقل من أىٍّ (آخر)، ولذلك يقول: ” فإنه لمَّا وعد الله إبراهيم، إذ لم يكن له أعظم يُقسم به، أقسم بنفسه قائلاً: إنى لأباركنك بركة وأكثرنك تكثيرًا” (عب13:6 و14). فالمسيح إذن لا يوجد له آخر أعظم منه ليقسم به، ولهذا السبب فإنه أقسم بذاته. وعلاوة على ذلك، فإن الرسول قد أضاف عن صواب: ” فإن الناس يقسمون بالأعظم منهم” (عب16:6)، من حيث إن الناس لهم مَنْ هو أعظم، أمّا الله فليس له أعظم.

 

72 ـ وإلاّ، فإن كان الذين يعترضون علينا سوف يفهمون الآية السابقة على أنها تُنسب إلى الآب، فإن باقى المكتوب لا يتفق مع هذا، لأن الآب لم يظهر لإبراهيم، ولا أن إبراهيم غسل قدمى الله الآب، ولكنه غسل قدمى ذاك الذى  فيه سوف تكون صورة الإنسان[46]. وعلاوة على ذلك، فإن ابن الله قال: ” إبراهيم … رأى يومى وفَرِح” (انظر يو56:8)، لذلك فإن الذى أقسم بذاته هو بعينه الذى رآه إبراهيم.

 

73 ـ فكيف يكون له مَنْ هو أعظم منه، هذا الذى هو واحد مع الآب فى الألوهية[47]. وحيث توجد وحدة، لا يوجد أى اختلاف، بينما يوجد اختلاف بين الأعظم والأقل. إذًا فإن التعليم فى الاقتباس الموجود أمامنا من البشائر فيما يتعلق بالآب والابن، هو أن الآب ليس أعظم، وأن الابن ليس له مَنْ هو أعلا منه، نظرًا لأنه لا يوجد بين الآب والابن فرق فى الألوهة يفصل بينهما، وإنما جلالٌ واحد.

 

[1] يو14:1و18، عب5:1، رو5:9، 3:1ـ4، يو1:1ـ3، 14.

[2] عب3:1، انظر يو9:14، كو15:1.

[3] 1كو24:1، انظر يو6:14، 25:11.

[4] انظر خر14:3 ” أهيه الذي أهيه ” أي أكون الذي أكون.

[5] انظر يو42:8، 27:16ـ28.

[6]  انظر عب3:1.

[7] انظر يو6:14، 3:17، 1يو20:5.

[8] انظر تث26:5 ” مَنْ.. سمع صوت الله الحي يتكلم.. وعاش“. انظر يو25:11.

[9] انظر خر15:28ـ21.

[10] انظر عب15:4، 1:5ـ5، 28:7، 7:8.

[11] انظر عب3:1.

[12] يُرجع القديس أمبروسيوس الشاهد إلى أيوب36:38، بحسب الترجمة السبعينية.

[13] خر27:35.

[14] يتبع القديس أمبروسيوس النسخة السبعينية (أم21:31(22).

[15] انظر سفر الخروج34،33:28، وأيضًا 6،5:28.

[16] هذه الألوان استُخدمت في صُنع إفود الكاهن الأعظم (خر5:28و6) وصُنع حجاب الهيكل.

[17] هذه هي نظرية بعض الفلاسفة الأيونيين.

[18] انظر يع14:2ـ26.

[19] أي ابنًا “بالتبني” كواحد منّا.

[20] انظر مر18:10.

[21] الابن موجود ” في طبيعة الله ” بسبب أن صفة أبوة الله الأزلية تتضمن وجود ابن أزلي  وحبه الأزلي هو الغاية الأزلية لهذا الحب.

[22] مز6:13 “ لأنه أحسن إلىَّ” ، خر14.

[23] خر6:17، عد8:20و11.

[24] خر12:16، تث3:8و4، تث5:29، مز24:78و25، مز40:105، يو31:6، 1كو3:10.

[25] قارن مت43:13، دا 3:12، إن تألق هذه الجوقات السماوية هو إنعكاس لذاك الذي هو نور العالم، النور الحقيقي، انظر يو9:1، 12:8، 46:12، رؤ23:21، 5:22.

[26] مز1:118، 1:136، 1:106، 1:107.

[27] القياس المنطقي للقديس أمبروسيوس يظهر كالتالي: ” إن القاضي هو الإله العادل، وابن الله هو القاضي، إذن يكون ابن الله هو الإله العادل”.

[28] يو12:7.

[29] انظر 1كو4:8.

[30] انظر يو22:17و23.

[31]  راجع الكتاب الأول الفصل الأول.

[32] لا يستخرج أي شك من المقطع التالى بسبب أن :

1 ـ معنى العبارات واضح وبسيط                  2 ـ والآيات المقتبسة هي من الكتاب الموحى به.

[33] إش6:52س، والقراءة في ترجمة دار الكتاب المقدس: ” لذلك يعرف شعبي اسمى، لذلك في ذلك اليوم يعرفون أنِّي أنا هو المتكلم هأنذا “.

[34] أى4:38ـ6 ” أين كنتَ حين أسستُ الأرض.. مَن وضع قياسها.. على أى شئ قرَّت قواعدها..“.

[35] كو15:1و16.

[36] أى الطبيعة البشرية.

[37] انظر الكتاب الأول فقرة 57.

[38] إن نفس الكلمة ـ في اللغة اليونانية على الأقل ـ تُعطِى نفس معنى (ريح) و(روح). فالهواء غير المرئي ومع ذلك فهو محسوس وحقيقي، والريح، والنَفَس يمكن أن تكون أفضل رمز للروح، الذي يُعرف ويُحقق حضوره فقط من خلال آثاره. والروح في معناه الأوَّلى هو “نسمة”.

[39] إنه تعليم جميل جدًا للآباء أن المسيح أخضع ذاته لظروف وتجارب حياتنا كى يعيدها ويقدِّسها ويمدها بفاعلية استحقاقاته، وكان الآباء حريصون أن ينسبوا لكلمة الله المتجسد ليس فقط الأجزاء الطبيعية فى الجسد والنفس، بل وحتى أصغر الأشياء والخاصة جدًا مثل: الحزن، الخوف، الدموع؛ وكذلك جميع المشاعر البشرية: الحَمْل، الميلاد، الطفولة؛ وجميع مراحل الحياة والنمو: الجوع والعطش، التعب والحزن ـ كى يجد علاجًا لكل ما زحفت إليه الخطية. وكما أفسد الموت الكل، هكذا يلزم أن يُرش ماء الحياة. ويقول القديس غريغوريوس النزينزى بطريقة مُلفتة للنظر: ” لقد نام حقًا ليبارك نومنا، وتعب ليقدِّس تعبنا، وبكى ليكرِّم الدموع”. ويقول القديس كيرلس الكبير فى شرح (يو27:12): ” سوف تجد كل أنواع الاختبارات البشرية ممثلة كما يجب فى المسيح، وأن المشاعر الجسدية قد تسربلت بالقوة، ولكن ليس مثلنا، لكى تحصل على السلطة والسيادة والاستعلاء. ولكن بقوة الكلمة الساكن فى الجسد يمكن لهذه المشاعر أن تُذلَّل وتُضبَط، وتتحوَّل طبيعتنا إلى حالة أفضل.

[40] يعدد ذلك أريستوتل فى الأخلاقيات Aristotle, Ethics II. Ch. 4 (5).

[41] يستخدم القديس أمبروسيوس هنا معنى للنص الأصلى مُلفت للنظر حيث يقول النص: ” ولكن الذين هم للمسيح قد صلبوا الجسد“.

[42] انظر 1كو8:2.

[43] لأنه إن كان الأمر هكذا، فإن الله يتوقف عن أن يكون إلهًا.

[44] كو9:2: فإنه فيه يحل كل ملء اللاهوت.

[45] يريد القديس أمبروسيوس أن يقول إن المسيح تألم ومات بالجسد وإنه نال معونة كإنسان وقت آلامه، كما ذكر الإنجيل أن ملاكًا من السماء ظهر له ليقويه وهو فى بستان جسثيمانى (انظر لو43:22).

[46] 1يو2:3و3، تك4:18: ” ليؤخذ قليل ماء واغسلوا أرجلكم واتكئوا تحت الشجرة“.

[47] انظر يو30:10 ” أنا والآب واحد“.

 

شرح الإيمان المسيحى ج3 – ق. أمبروسيوس – د. نصحى عبد الشهيد

شرح الإيمان المسيحى ج2 – ق. أمبروسيوس – د. نصحى عبد الشهيد

شرح الإيمان المسيحى ج2 – ق. أمبروسيوس – د. نصحى عبد الشهيد

شرح الإيمان المسيحى ج2 – ق. أمبروسيوس – د. نصحى عبد الشهيد

 

 

الفصل السادس

ملخص:

القديس أمبروسيوس وهو يبرهن على أن المسيح لا يختلف عن الآب، يذكر أسماء القادة الآريوسيين الأكثر شهرة، ويشرح كيف أن شهادتهم لا تتفق كثيرًا، ويبين أن الدليل الذى تقدمه الكتب المقدسة ضدهم.

 

          43 ـ يقول الآريوسيون إن المسيح ليس مثل الآب، أما نحن فننكر هذا القول، بل بالحرى حقًا، نحن نجزع هلعًا عند سماع هذه العبارة. ومع ذلك فأنا أريد من جلالتك أن تثق فى مناظراتنا ومحاوراتنا. دعنا نسأل الكتب المقدسة، الرسل، الأنبياء، المسيح، بل دعنا فى كلمة (واحدة) نسأل عن الآب الذى يقول هؤلاء القوم إنهم يُرفِّعون من قدره عندما يدّعون أن الابن أدنى منه. علمًا بأن إهانة الابن لن تؤول إلى كرامة للآب الصالح. ولا يمكن أن يُسرّ الآب الصالح إذا قيل إن الابن أقل من الآب، وليس مساويًا له .

 

          44 ـ إننى أتوسل إلى جلالتك أن تحتملنى إن كنت ـ لفترة وجيزة ـ أوجه كلامى لهؤلاء الناس بنوعٍ خاص. ولكن من منهم أختاره لأقتبس منه؟ أونوميوس[1] Eunomius، أم آريوس وإتيوس Aetïus[2] معلميه، لأن أسماءهم كثيرة، ولكنهم مشتركون فى كفر واحد، ثابت فى الشر، ولكن فى المناقشات، فإنهم ينقسمون على أنفسهم بغير اختلاف فيما يخص المخادعة والمكر؛ ولكن فى مجموعهم يشتركون فى الإقدام على بث الخلافات، ولكن لماذا لا يتفقون معًا فيما بينهم فهذا ما لا أفهمه؟!

 

          45 ـ الآريوسيون ينبذون شخص أونوميوس، ولكنهم يتمسكون بكفره ويسيرون فى طرقه الشريرة. هم يقولون إنه بحماس كبير نشر كتابات آريوس. حقًا يا لها وفرة مسرفة فى الضلال! إنهم يمدحون من أعطى الأمر ويرفضون من ينفذه! ولذلك فقد انقسموا إلى شيع متعددة. فالبعض يتبع أونوميوس أو إتيوس، والبعض يتبع بلاديوس أو ديموفيلوس Demophilus وأكسينتيوس Auxentius أو الوارثين لهذا النمط من الكفر[3]، وآخرون أيضًا يتبعون معلمين مختلفين، فهل انقسم المسيح[4]؟ حاشا، ولكن أولئك الذين يفصلون المسيح عن الآب فإنهم يقطعون أنفسهم بأيديهم إلى أجزاء متباعدة .

 

          46 ـ لذلك إذ أرى أن الرجال الذين لا يتوافقون بين أنفسهم وكلهم يتماثلون فى التآمر على كنيسة الله، فسوف أطلق على أولئك الذين أرد عليهم، اللقب المشترك، “الهراطقة”. إن الهرطقة هى مثل نوع من الطحالب المذكورة فى الأساطير، والتى عندما تخرج، فإنها تغطى نفسها بطبقة سميكة من الشمع، كما أنه يحدث فى أكثر الأحيان إنه عندما يقصر طولها بسبب ما ينالها من قَطْع أجزاء منها فإنها تنمو من جديد. هذا النوع من الطحالب لا يمكن ملاشاته إلاّ بلهيب النار[5]، أو مثل نوع من الـ”سكيللا” Scylla الهائلة والمريعة ـ ينقسمون إلى أشكال كثيرة من الكفر ـ فإنها تتخفى كما بقناع لتخفى غدرها، هكذا هم يتظاهرون بأنهم شيعة مسيحية. إن هؤلاء القوم البائسين والتعساء الذين يندفعون ذهابا وإيابًا ـ يشبهون ذاك الوحش الذى يندفع وسط أمواج عنفه الشرير ـ هكذا هم أيضًا يندفعون وسط حطام مذهبهم، يتمرغون بتورطهم الشديد فى تعاليمهم الكفرية متمنطقين بحيوانات متوحشة.

 

          47 ـ إن كهف هذا الوحش الفظ، يا جلالة الإمبراطور محفوظ كما يقول الملاحون فى مرابض مختفية، ولذلك فإن جميع الجيران فى المناطق المجاورة، يتعرفون عليه بواسطة نباح الكلاب، لذا فيجب علينا نحن أيضًا أن نرهف آذاننا جيدًا إلى نباح كفرهم، لأنه مكتوب: ” انظر، سيِّج أذنيك بالشوك” (يشوع بن سيراخ28:28) وأيضًا: ” احذروا الكلاب، احذروا فعلة الشر” (فى2:3)، بل وأيضًا: ” الرجل المبتدع بعد الإنذار مرة ومرتين أعرض عنه، عالمًا أن مثل هذا قد انحرف وهو يخطئ محكومًا عليه من نفسه” (تى10:3ـ11). إذن فمثل بحارة حكماء، دعنا نقلع رافعين شراع إيماننا فى الطريق الذى نعبره بأمان شديد، وأيضًا نتبع شواطئ الكتب المقدسة.

 

 

 

الفصل السابع

ملخص:

إن مماثلة Likeness المسيح للآب تُؤكَّد بالاستناد إلى القديس بولس، والأنبياء، والأناجيل، وخاصة بالاعتماد على خلقة الإنسان على صورة الله.

 

          48 ـ يقول الرسول إن المسيح هو صورة الآب، لأنه يدعوه: ” صورة الله غير المنظور، بِكر كل خليقة “. انتبه من فضلك، فهو يقول بِكر وليس أول الخليقة، حتى نؤمن به أنه مولود حسب طبيعته[6]، وأنه الأول بسبب أزليته. وفى مكان آخر أيضًا، فإن الرسول قد أعلن أن الله جعل الابن:     “ وارثًا لكل شئ، الذى به أيضًا عمل العالمين، الذى هو بهاء مجده وصورة جوهره” (عب2:1و3). فالرسول يدعو المسيح صورة الآب، بينما يقول آريوس إنه ليس مثل الآب، فلماذا إذن يُسمَّى صورة إن لم يكن مماثلاً (للآب)؟ إن البشر لن يقبلوا أن تكون الصور التى تُعمل لهم غير مماثلة لهم، وآريوس يقول إن الآب ليس مثل الابن، وأن الآب قد وَلَد شخصًا ليس مماثلاً له، وكأنه غير قادر أن يَلِد المماثل لنفسه.

 

          49 ـ يقول الأنبياء: ” بنورك نرى نورًا” (مز9:36)، وأيضًا ” الحكمة هى شعاع النور الأزلى ومرآة جلال (بهاء) الله التى لا عيب فيها وصورة صلاحه” (حكمة26:7). انظر أيَّة أسماء يعلنونها! ” شعاع ” لأنه فى الابن يُشرق مجد الآب بوضوح، و”المرآة التى لا عيب فيها” لأن الآب يُرى فى الابن[7]، و”صورة صلاحه” لأن الذى يُرى منعكسًا فى آخر ليس جسم ما، بل كل القوة التى للاهوت، تُرى فى الابن. إن كلمة ” صورة ” تُعلِّمنا أنه لا يوجد اختلاف، بل تعنى “التعبير” أو “نسخة طبق الأصل لهيئة الآب”، و”البهاء” يُعبِّر عن أزليته[8]. إن ” الصورة ” فى الحقيقة ليست هى لملامح أو تقاطيع جسدية، كما أنها ليست مصنوعة بالألوان، ولا شُكِّلت فى (قالب) شمع، وإنما هى مستمدة ببساطة من الله، صادرة من الآب، رُسمت من الينبوع الأصلى.

 

          50 ـ وبواسطة هذه الصورة فإن الرب قد أظهر الآب لفيلبس بقوله:  “ الذى رآنى فقد رأى الآب فكيف تقول أنت أرِنا الآب؟ ألست تؤمن إنى أنا فى الآب والآب فىَّ؟[9]. حقًا إن من ينظر إلى الابن، يرى الآب فى صورة شخصية[10]. لاحظ أى نوع من الصورة نتكلم عنه. إنه الحق، البر، قوة الله[11]، وهى ليست صماء، لأنها هى “الكلمة”، وليست عديمة الحس لأنها “الحكمة”، وليست باطلة وغبية، لأنها هى القوة، وليست بلا روح، لأنها هى الحياة، وليست ميتة لأنها هى القيامة[12]. فأنت ترى إذن بينما الكلام هو عن صورة، فإنما المعنى المقصود هو الابن الذى هو صورة الآب، حيث إنه لا يمكن لأى كائن أن يكون هو صورة نفسه.

 

          51 ـ ربما أكون قد وضعتُ ودوَّنتُ كثيرًا من شهادات الابن، ولئلا نظهره ربما كأنه يشهد لنفسه أكثر، لهذا دعنا نتوجه إلى الآب لنتعلم منه، لأنه يقول: ” نعمل الإنسان على صورتنا ومثالنا” (تك26:1). إن الآب يقول للابن: “ على صورتنا ومثالنا“، بينما أنت أيها الهرطوقى تقول إن الابن ليس مثل الآب.

 

          52 ـ يقول القديس يوحنا: ” أيها الأحباء الآن نحن أولاد الله ولم يُظهر بعد ماذا سنكون، ولكن نعلم أنه إذا أُظهر نكون مثله لأننا سنراه كما هو” (1يو2:3). يا للجنون الأعمى! يا للعناد الذى لا يخجل! نحن بشر، ورغم ما نحن عليه فإننا سوف نكون مثل الله، فهل نجرؤ نحن وننكر أن الابن هو مثل الله؟

 

          53 ـ لذلك يقول الآب: ” نعمل الإنسان على صورتنا وشبهنا“. عند بدء العالم نفسه، وكما قرأت، كان الآب والابن موجودين. وأنا أرى خليقة واحدة، وأنا أسمع ذاك الذى يتكلم[13]، وأنا أعترف بذاك الذى يعمل[14]، ولكننى أقرأ عن صورة واحدة، مثال واحد. إن هذا المثال Likeness (الشبه) لا يخص التعدد والاختلاف ولكن يخص الوحدة. فما تدَّعيه إذًا أنت لنفسك، إنما قد أخذته من ابن الله، إذ أنك ترى فى الواقع أنه لا يمكنك أن تكون ” على صورة الله” إلاَّ بفضل ” صورة الله” (يقصد الابن).

 

الفصل الثامن

ملخص:

هنا يثبت القديس أمبروسيوس مماثلة Likeness الابن للآب. إنه ليس من الصعب إثبات أزلية الابن، مع أنه ـ في الواقع ـ يمكن أن يُبنى هذا بالاستناد على شهادات النبى إشعياء والقديس يوحنا البشير، هذه التى بالرجوع إليها يُمكن أن تُدحَض تعاليم الهراطقة.

 

54 ـ لذلك فمن الواضح أن الابن ليس غير مماثل للآب، وهكذا فإنه يمكننا أن نعترف بأكثر سهولة أنه أيضًا أزلى، لأن الذي هو مِثل الأزلى لابد أن يكون أزليًا. ولكن إن كنا نقول إن الآب أزلى ثم ننكر أزلية الابن، فنحن بهذا نقول إن الابن ليس مماثلاً للآب، لأن الزمنى يختلف عن الأزلى. والنبى يُعلن أنه أزلى، وكذلك فإن الرسول يُعلن أنه أزلى؛ وكلا العهدين القديم والجديد هما على قدم المساواة مملوءان بالشهادة لأزلية الابن.

 

55 ـ دعنا الآن نتناولهما بحسب ترتيبهما. ففي العهد القديم دعنا نستشهد بإحدى الشهادات العديدة، فإنه مكتوب: “.. قبلى لم يوجد إله وبعدى لا يكون” (إش10:43). إننى لن أُعلَّق على هذا الشاهد ولكننى أسألك مباشرةً: ” مَن الذي يتكلَّم هذه الكلمات، الآب أم الابن؟”. سواء قلت إنه الآب أو الابن، فسوف تجد نفسك مقتنعًا، وإن كنت مؤمنًا فسوف تتعلّم. مَن إذن هو الذي ينطق بهذه الكلمات: الآب أم الابن؟ إن كان الابن فإنه يقول: “ قبلى لم يوجد إله“، وإن كان الآب، فإنه يقول: ” وبعدى لا يكون“. فالواحد لا يوجد أحد قبله، والآخر لا يوجد أحد بعده. وكما أن الآب يُعرف في الابن، هكذا أيضًا فإن الابن يُعرف في الآب، لأنه في أى وقت تتكلَّم عن الآب، فأنت تتكلم أيضًا ضمنيًا عن ابنه، إذ ترى أنه لا يوجد آخر سواه هو أبوه own father الخاص (الذاتى)؛ وعندما تذكر الابن، فأنت تعترف أيضًا بأبيه، نظرًا لأنه لا يمكن أن يكون هناك آخر غير ابنه الخاص (الذاتى). وهكذا فإنه لا يمكن أن يوجد الابن بدون الآب ولا أن يوجد الآب بدون الابن. لذلك فالآب أزلى والابن أيضًا أزلى.

 

56 ـ ” في البدء كان الكلمة، والكلمة كان مع with الله، وكان الكلمة الله، هذا نفسه the same كان في البدء مع الله” (يو1:1). لاحظ كلمة “كان مع الله”. انتبه! إن لدينا كلمة “كان” مكرَّرة 4 مرات، أين يجد المجدَّف أنه مكتوب: “لم يكن”. ومرة ثانية، فإن يوحنا في عبارة أخرى في رسالته يتكلم عن: ” الذي كان من البدء” (1يو1:1). إن امتداد الـ “كان” لا نهائى. تصور أى طول للزمن تريده، ومع ذلك فإن الابن يظل كما هو: “كان”.

 

57 ـ والآن، فإنه في هذه الفقرة القصيرة، قد سدَّ صيَّادنا[15] الطريق على كل هرطقة، لأن الذي “كان في البدء” لا يُفهم أنه كان في الزمن، وهو لا يسبقه أى بدء. لذلك دع آريوس يكف عن الكلام. وإضافة إلى ذلك، فإن هذا الذي كان “مع الله” ليس مختلطًا أو ممتزجًا معه، ولكنه مُميَّز (يقصد التميُّز الأقنومى ـ المترجم)، بسبب الكمال التام الذي له، باعتباره الكلمة الموجود مع الله. لهذا، فدع السابليين أيضًا يصمتون[16]. و” الكلمة كان الله“، فلذلك فإن هذه الكلمة ليس هو كلام منطوق، بل هو لقب مميَّز ذو رفعة سماوية، وهكذا يدحض تعليم “فوتينوس”. بل والأكثر من هذا، فمن حقيقة أنه “في البدء كان مع الله”، تتبرهن الوحدة غير المنقسمة للاهوت الأزلى للآب والابن، ودع أونوميوس[17] يخزى ويخجل. وأخيرًا وإذ نرى أنه مكتوب عنه أن جميع الأشياء خُلِقت به، فإنه يظهر جليًا أنه هو مصدر العهدين القديم والجديد كليهما، حتى لا يجد أصحاب مانى أى سبب أو أساس لهجومهم. وهكذا فإن الصياد الماهر قد اصطادهم جميعًا في شبكة واحدة، ليجعلهم غير قادرين على الخداع، ولو أنه سمك غير نافع بالمرة.

 

 

 

الفصل التاسع

ملخص:

في هذا الفصل يسأل القديس أمبروسيوس الهراطقة ويفند إجاباتهم، التي هى أن الابن موجود حقيقة قبل كل الأزمنة ومع ذلك فهو ليس مساوِِ للآب في الأزلية، ولأجل ذلك فهو يُبيَّن أنهم يُظهرون الألوهة كما لو كانت متغيرة، وعلاوة على ذلك، أن كل أقنوم يجب أن يؤمَن به أنه أزلى.

 

58 ـ أخبرنى أيها الهرطوقى ـ إذ أن سماحة الإمبراطور الفائقة تُخوَّل إلىَّ هذا التسامح لمخاطبتك لفترة وجيزة، ليس لأننى أريد أن أتباحث معك، أو لأننى أطمع أن أسمع حججك، ولكن لأنى أريد أن أفندها. أريد أن تخبرنى هل كان يوجد مطلقًا زمن لم يكن فيه الله الكلِّى القدرة آبًا، ومع ذلك فقد كان هو الله؟ إنك سوف ترد علىَّ وتقول: “إننى لم أتكلم شيئًا بخصوص الزمن”. حسنًا! ولكن أنت تعترض بطريقة خبيثة، لأنك إن أدخلت الزمن في الجدال، فأنت سوف تدين نفسك، إذ (بحسب رأيك) يجب أن تعترف أنه كان يوجد زمن لم يكن فيه الابن، بينما الابن هو الضابط الكل وهو خالق الزمن، لأنه لا يمكن أن يبدأ (الابن) في الوجود بعد شئ ما صنعه هو، لذلك فإنك ترى أنك تحتاج أن تعترف به سيدًا وخالقًا لصنعته.

 

          59 ـ قد تجيب: ” إننى لم أقل إن الابن لم يوجد قبل الزمن، ولكننى عندما أدعوه “ابنًا”، فإننى أُظهر وأُوضح أن أباه موجود قبلاً منه، كما يُقال: ” إن الآب موجود قبل الابن”. ولكن ماذا يعنى هذا؟ أنت تنكر أن الزمن كان موجود قبل الابن، ومع ذلك فأنت تريد أن تقول إنه يوجد شئ يسبق وجود الابن، أى مخلوق زمنى: أنت تُبيَّن مراحل نشوء متوسطة متداخلة، وتريدنا بذلك أن نفهم أن الولادة من الآب قد حدثت في الزمن. إن قلت إنه ابتدأ أن يكون أبًا، فيظهر لأول وهلة أنه كان إلهًا في الأول وبعد ذلك أصبح أبًا. كيف يكون هذا بخصوص الله بينما هو غير متغيّر[18]، لأنه إن كان أولاً إلهًا ثم بعد ذلك صار أبًا، فلابد بالتأكيد أنه قد حدث له تغير بسبب عملية الولادة المضافة والحادثة متأخرًا.

 

          60 ـ ليت الله يحفظنا من هذا الجنون، فإننا لم نكتب إلاّ لندحض ونفنَّد عدم تقوى الهراطقة. إن الروح التقية المتخشعة تؤكد ميلادًا ليس في الزمن، وهكذا تعلن أن الآب والابن متساويان في الأزلية، كما لا تعترف بأن الله قد خضع لأى تغيير.

 

61 ـ لذلك دعنا نقدم العبادة للآب والابن معًا ما داما متشاركان في الألوهة. لا تسمح للتجديف أن يشطر هذين اللذين قد ربطتهما الولادة معًا بقوة. دعنا نكرَّم الابن فبهذا نكرَّم الآب أيضًا كما هو مكتوب في الإنجيل[19]. إن أزلية الابن هى بهاء جلال الآب وعظمته. إن لم يكن الابن منذ البدء، فسوف يكون الآب نفسه قد لحقه التغيير؛ ولكن الابن هو منذ الأزل، لذلك فالآب لم يعتره أى تغيير، لأنه دائمًا غير متغير، لذلك فنحن نرى أن الذين ينكرون أزلية الابن سوف يعلِّمون أن الآب متغيّر.

 

الفصل العاشر

ملخص:

إن أزلية المسيح يُبرهَن عليها من تعليم الرسول. والقديس أمبروسيوس يحضنا على الاعتقاد بأن الميلاد الإلهى لا يجب أن يُفكَّر فيه بأنه على نمط التناسل البشرى، ولا يجب أن يُنظر إليه فى فضول. من ثمَّ وبسبب الصعوبات الناجمة، فإنه يرفض أن يبحث فى هذا الموضوع، ويقول إنه مهما كانت العبارات والاصطلاحات (التى يُعبَّر بها) والتى نستمدها من معرفتنا البشرية الشخصية، فهذه عندما تُستخدم فى الميلاد الإلهى، فإنه يجب علينا أن نفهمها بمعنى روحى.

 

62 ـ لدينا هنا برهان آخر يبّين بوضوح أزلية الابن. فالرسول يقول إن قوة الله والألوهة هما أزليان، وإن المسيح هو قوة الله، لأنه مكتوب أن المسيح هو: ” قوة الله وحكمة الله” (1كو23:1و24)، فإن كان المسيح هو قوة الله، فمن ثمَّ نظرًا لأن قوة الله هى أزلية فيكون المسيح أيضًا أزليًا.

 

63 ـ فأنت لا تقدر إذن أيها الهرطوقى أن تبنى عقيدة مزيفة من خلال عُرف التناسل البشرى، ولا أن تجمع مدلولات من خلال حديثنا هذا، إذ أنه لا يمكننا أن نحيط بعظمة الألوهة غير المحدودة من خلال لغتنا المحدودة، لأنه: ” ليس لعظمته استقصاء” (مز3:145). إن كنت تبحث فى أن تُعطى حسابًا عن ميلاد إنسان، فإنه يلزمك أن نحدد زمنًا، أمّا الميلاد الإلهى فهو فوق كل الأشياء، إنه يبلغ أقصى بُعده واتساعه، ويرتفع فوق كل فكر وإحساس، لأنه مكتوب: ” ليس أحد يأتى إلى الآب إلاّ بى” (يو6:14). لذلك فمهما تخيلت فيما يتعلق بالآب، حتى ولو كان أزليته، فلن تستطيع أن تدرك شيئًا عنه إلاّ بمعونة الابن، ولا يمكن لأى فهم أو إدراك أن يرتفع إلى الآب إلاّ بالابن. إن الآب يقول: ” هذا هو ابنى الحبيب” (مت5:17، مر7:9، لو35:9). عليك أن تلاحظ وتنتبه إلى أن لفظة: “هو”، أى هو كائن كما هو إلى الأبد، ومن ثمَّ فإن داود تحرك ليقول: ” يارب إن كلمتك مثبتة فى السموات إلى الأبد” (مز89:119). إن ما يثبت لا يكف عن أن يكون موجودًا وأزليًا.

 

64 ـ ولكنك قد تسألنى كيف يكون المسيح ابنًا إن لم يكن له أبٌ موجود قبله؟ وأنا بدورى أسألك كيف ومتى تظن أنت أن الابن قد وُلِدَ؟ أما بالنسبة لى فإن معرفة سر ميلاده تفوق ما يمكننى إدراكه[20]، والفكر يعجز واللسان يبكم، ودائمًا، ولست أنا فقط، ولكن الملائكة أيضًا. إنه سر أسمى من قدرة القوات (الملائكة)، وفوق الملائكة وفوق الشاروبيم والساروفيم، وفوق كل الموجودات التى لها حسٌّ وإدراكٌ، لأنه مكتوب: ” سلام المسيح الذى يفوق كل فهم” (فى7:4)، فإن كان سلام المسيح يفوق كل فهم، فكيف لا يكون هذا الميلاد العجيب فوق كل إدراك؟

 

65 ـ فعليك إذن (مثل الملائكة) أن تُغطِّى وجهك بيدك[21]، إذ لم يُعطَ لك أن تتطلَّع إلى الأسرار العجيبة! إنه من الجائز والمسموح به لنا أن نعرف أن الابن مولود، لا أن نجادل فى طريقة ميلاده. إننى لا يمكننى أن أنكر الأمر الأول، أما الثانى فإننى أخشى أن أبحث فيه، لأنه إن كان بولس يقول إن الكلمات التى سمعها عندما اختُطِف إلى السماء الثالثة لا يُنطق بها[22]، فكيف يمكننا نحن أن نشرح سر هذا الميلاد من الآب، الشيء الذى لا يمكننا أن نسمعه ولا أن نبلغه بعقلنا؟

 

66 ـ ولكنك إن كنت تجبرنى على قبول قاعدة الولادة البشرية، حتى تدعنى أسمح لك أن تقول إن الآب كان موجودًا قبل الابن، فعليك أن تفكر، هل الأمثلة التى تُستمد من المخلوقات الأرضية، تكون مناسبة لتُبيّن وتُوضح الميلاد الإلهى. فإن كنا نتكلم بحسب ما هو معتاد أن يحدث بين الناس، فإنه لا يمكنك أن تنكر أنه ـ فى الإنسان ـ فإن التغيُّرات التى تحدث فى كيان الأب (الوالد) تحدث قبل تلك التى تحدث فى أبنائه. فالأب هو الأول فى النمو، وفى الدخول فى الشيخوخة، وفى أن يحزن، وفى أن يبكى. إذن فإن كان الابن يأتى بعده فى الزمن، فالأب يكون أقدم فى الخبرة عن الابن. وإن كان الابن يُولد، فإن الوالد يفلت من عار الولادة.

 

67 ـ لماذا تجد لذة فى هذا العذاب بالأسئلة. أنت تسمع اسم ابن الله، فإمّا أن تلغيه وتبطله، أو أن تقرّ وتعترف بطبيعته الحقيقية. أنت تسمعه يتكلم عن الرحِم، فعليك أن تعترف بحقيقة الميلاد الذى لا شك فيه[23]، وتسمع عن قلبه ـ فعليك أن تعترف أنه يوجد هنا كلمة الله[24]. وعن يده اليمنى ـ فعليك أن تعترف بقوته[25]. وعن وجهه ـ فاعترف بحكمته[26]. فعندما نتكلم عن الله، فلا يجب أن نفهم هذه الكلمات، كما نفهمها حينما نتكلم عن الأجساد. إن ميلاد الابن يفوق الفهم، والآب يلد الابن بدون ألم[27]، ومع ذلك فإن الإله الحق قد وَلَدَ  الإله الحق من ذاته وولده قبل كل الدهور. الآب يحب الابن[28]، بينما أنت تفحص بقلق عن شخصه. إن الآب قد سُرَّ به[29]، أمَّا أنت فإنك تشترك مع اليهود إذ تنظر إليه بعين شريرة؛ الآب يعرف الابن[30]، وأنت تشترك مع الوثنيين بسبّك وإهانتك وشتيمتك له[31].

 

 

 

 الفصل الحادى عشر

ملخص:

      لا يمكن للكتب المقدسة إثبات أن الآب موجود قبل الابن، كما أنه لا يمكن أن تكون المجادلات المتخذة من التناسل البشرى تفيد في هذا الصدد، لأنها تُوصَّل إلى سخافات منافية للعقل ولا نهاية لها. أمَّا مَن يتجاسر ليعلّم بأن المسيح بدأ وجوده في الزمن، فهذا هو قمة التجديف.

 

68 ـ أنت تسألنى هل من الممكن أن يكون الآب سابقًا في وجوده (على الابن). وأنا أسألك أن تخبرنى متى كان الآب موجودًا دون أن يكون الابن (معه). فأى برهان يمكن أن تقدمه أو ما هى الحجج والأدلة التي تؤيد ذلك من الكتاب المقدس. فإن كنت تعتمد على أدلة (من الكتاب)، فإنك بلا شك قد تعلمت أن قوة الله أزلية. فلابد أنك قرأت الكتاب القائل: “ يا إسرائيل إن سمعت لى، فلن يكون فيك إله غريب ولا تسجد لإله أجنبى” (مز8:81و9). أول هذه الوصايا يدل على أزلية (الابن)، والثانى منها يدل على امتلاكه لنفس الطبيعة، حتى إننا لا نستطيع أن نؤمن أنه جاء إلى الوجود بعد الآب، كما لا يمكننا أن نفترض أنه ابن لإله آخر. لأنه لو لم يكن موجودًا دائمًا مع الآب، فإنه يكون إلهًا ” غريبًا ” (جديدًا)، وإن لم يكن من نفس الألوهة مع الآب، فهو يكون إلهًا ” أجنبيًا “. فالابن لم يوجد بعد الآب، لأنه ليس “إلهًا جديدًا”، ولا هو ” إله أجنبى “، لأنه مولود من الآب، ولأنه هو: ” الكائن على الكل إلهًا مباركًا إلى الأبد” (رو5:9) كما هو مكتوب.

 

69 ـ ولكن إن كان الآريوسيين يعتقدون فيه أنه إله أجنبى، فلماذا إذن يعبدونه بينما الكتاب يقول: ” لا تسجد لإله غريب؟ “، وإلاّ فإن كانوا لا يسجدون للابن، فليتهم إذًا يعترفون بذلك وبهذا ينتهى الموضوع، فلا يخدعون أحدًا باعترافات ديانتهم. هذه هى إذن شهادات الكتب المقدسة. أمَّا إن كان عندك شهادات أخرى، فهذا هو عملك الذي عليك أن تقوم به.

 

70 ـ دعنا الآن نتقدم أكثر لنستخلص الحقيقة من خلال البراهين والحجج. فمع أن البراهين تكون كافية عادةً للمنطق البشرى، إلاّ أن الهرطوقى لا يزال يجادل كما تفعل أنت، فأنت تقول: ” إن الاختبار يُعلّمنا أن الكائن الذي يلد هو سابق على ” الكائن المولود “، وأنا أجيب: دعنا نتتبع اختبارنا المعتاد في كل جوانبه، فإن كانت باقى الجوانب تتفق مع ما تقوله هنا، فإننى لن أعارض ادعاءك وسوف أُسلّم بما تقول، ولكن إن لم يوجد مثل هذا الاتفاق، فكيف تطالب بالموافقة على هذه النقطة الواحدة، بينما يعوزك السند في باقى الجوانب؟ فأنت باستنادك على ما هو معتاد تقول إن الابن عندما وُلِدَ من الآب كان طفلاً صغيرًا. أنت تراه طفلاً يصرخ في المهد، وبمرور السنين أخذ ينمو من قوة إلى قوة ـ لأنه لو كان ضعيفًا بخضوعه لضعف الأشياء المولودة، فلابد أيضًا (الابن) أن يكون قد سقط تحت نفس الضعف فقط، ليس من جهة الولادة فقط بل من جهة الحياة أيضًا.

 

71 ـ ولكنك ربما بهذا تجرى نحو هوة من الغباء حتى تجعلك لا تحجم عن أن تؤكد على حدوث هذه الأمور مع ابن الله، وتقيسه كما تفعل الآن، بحسب مقياس الضعف البشرى. إذن فبينما أنت لا يمكنك أن ترفض أن تعطيه اسم إله، إلاّ أنك تنزع إلى إثبات أنه إنسان بسبب الضعف؟ وماذا إن كنت وأنت تفحص شخص الابن، فإنك تتشكك في الآب، وبينما أنت تحكم بتسرع على الأول (الابن)، فإنك تضم الآخر (الآب) تحت نفس الحكم!

 

72 ـ لو كانت الولادة الإلهية خاضعة لحدود الزمن إن افترضنا هذا، باقتباس ما هو معتاد في الولادة البشرية، فإنه يتبع ذلك أن يكون الآب قد حبل بالابن في رحم جسدى، وتمخض تحت نير الحمل إلى أن انقضت عشرة أشهر. ولكن كيف يمكن أن يتم التوالد كما يحدث عادةً بدون اشتراك الجنس الآخر؟ إنك ترى أن النظام المعتاد للتوالد لم يكن هو ما حدث في البداية، وأنت تظن أن طرق التوالد العادى الذي تحكمه ضرورات معينة تخضع لها الأجساد، كانت سائدة دائمًا فيما سبق. أنت تفترض الطريق المعتاد، وأنا أسأل عن اختلاف الجنس: أنت تتمسك بوجود الزمن، وأنا أتمسك بالطريقة (طريقة الولادة)، أنت تبحث في النهاية، وأنا أبحث في البداية.

          والآن، بالتأكيد فإن النهاية تعتمد على البداية، وليست البداية هى التي تعتمد على النهاية.

 

73 ـ أنت تقول: ” إن كل ما يولد له بداية، ولأن الابن هو ابن، فلابد أن تكون له بداية، وقد أتى إلى الوجود أولاً ضمن حدود الزمن. إن هذا هو ما ينطق به فم الهراطقة. أما بالنسبة لى، فإننى أعترف أن الابن مولود، ولكن بقية كلامهم تجعلنى أرتعد. أيها الإنسان، هل تعترف بالله، وبعد ذلك تحط من كرامته بمثل هذا الافتراء؟ ليت الله ينقذنا من هذا الجنون. 

 
 
 

 

 

 

الفصل الثانى عشر

ملخص:

إن اعتراضات إضافية بخصوص ألوهة الابن تُقابَل بنفس الإجابة، وهى توضح للذهن الذكى أن هذه الاعتراضات تكون ضد الآب أيضًا بالتساوى. فإن كان الآب لا يُحد إطلاقًا، لا بزمن أو بمكان أو بأى شئ آخر مخلوق، فمثل هذه التحديدات ينبغى ألا تُفرض على الابن أيضًا، الذي ميلاده العجيب ليس هو من الآب فقط، بل ومن العذراء أيضًا. ولذلك فحيث إنه في ميلاده من الآب لم يكن هناك تمييز في الجنس (ذكر وأنثى) وما شابه ذلك، فإن هذا التمييز ليس له وجود في حالة ولادته من العذراء.

 

74 ـ إن الاعتراض التالى هو هذا: ” إن لم يكن للابن تلك الصفات التي لجميع الأبناء، فلن يكون ابنًا”. ليت الآب والابن والروح القدس يسامحونى، لأننى أعرض الاعتراض بكل خشوع وورع. بالتأكيد، فإن الآب كائن وهو دائم إلى الأبد: والأشياء المخلوقة موجودة كما رسم لها الله أن توجد. هل يوجد أىّ من هذه المخلوقات غير خاضع لحدود الزمن أو المكان أو لحقيقة أنه مخلوق، أو لعلة ما أو أصل خالق؟ بالتأكيد، لا يوجد. فماذا إذن؟ هل الله يحتاج إلى أى واحد من هذه المخلوقات؟ إن قلت هذا، فهذا هو التجديف بعينه. كفّ إذًا عن أن تنسب للألوهة ما هو خاص ومناسب فقط للموجودات المخلوقة. أما إن كنت تُصّمم على إتمام المقارنة (في الموضوع)، فتفكر مليًا إلى أين يقودك شرّك هذا. لا سمح الله لنا، حتى أن ترى نهاية هذه الأمور.

 

75 ـ نحن نؤكد على الجواب الذي تعطيه التقوى. الله كُلَّى القدرة، ولذلك فإن الله الآب لا يحتاج لأى من تلك الأشياء، إذ لا يوجد في الله أى تغيير أو احتياج إلى مثل هذه المعونة التي نحتاجها نحن. فإن ضعفنا يتم مساندته بأشياء من هذا القبيل. أمَّا الذي هو كلّى القدرة، فمن الواضح أنه غير مخلوق، وغير منحصر في مكان بعينه، وهو يتجاوز الزمن. قبل الله لم يكن شئ. حاشا، فحتى أن تتكلم عن وجود شئ قبل الله فهذا خطية فظيعة مُهلكة. إذن، فإن كنت تُسلَّم أنه لا يوجد شئ في طبيعة الله الآب يلمح إلى أنه يحتاج إلى مساندة، بسبب كونه الله، فيتبع ذلك أنه لا شئ من هذا النوع يمكن أن يُفترض أنه يوجد في ابن الله، لا شئ يدل على بداءة أو ازدياد، من حيث إنه ” إله حق من إله حق[32].

 

76 ـ وإذ نرى إذن، أننا لا نجد النظام المعتاد، سائدًا هنا، فإننا نقتنع أيها الآريوسى، بأن نؤمن بميلاد عجائبى للابن. أقول لك: كن مقتنعًا، وإن كنت لا تُصَّدقنى، فاحترم على الأقل صوت الله الذي يقول: ” بمن تشبهوننى لنتشابه؟” (إش5:46س)، وأيضًا: ” الله ليس إنسانًا فيكذب” (عد19:23). فإن كان الله حقًا يعمل بطريقة سرَّية، إذ نراه لا يعمل أى عمل، أو يصنع أى شئ، أو يُحضِره إلى كماله، بواسطة عمل اليدين أو من خلال سير الزمن، لأنه: ” أَمَرَ فَخُلِقت” (مز5:148)، فلماذا لا نصدّق أن هذا الذي نعترف به كخالق يعمل بطريقة سرية ـ مميزين طريقته هذه في مخلوقاته ـ لماذا لا نصدق أنه قد ولد ابنه أيضًا بطريقة سرية؟ إنه من المناسب، بالتأكيد أن يُعتبر أنه قد ولد ابنه بطريقة خاصة وسرَّية. فهذا الذي له الجلال المنقطع النظير، يليق به أيضًا المجد الخاص بالولادة السرَّية.

 

77 ـ وليس فقط ميلاد المسيح من الآب، بل أيضًا ميلاده من العذراء يدعو إلى تعجبنا. إنك تقول إن الميلاد الأول يكون بحسب الطريقة التي نولد بها نحن البشر. ولكننى سوف أُريك بل وسوف أضطرك أنت نفسك أن تعترف، بأن الميلاد من العذراء أيضًا لا يشبه طريقة ميلادنا نحن. أخبرنى كيف وُلد من مريم، وأى قانون يتفق مع الحمل به في رحم عذراء، كيف تكون هناك أية ولادة بدون زرع رجل، كيف يمكن لعذراء أن تحمل بطفل، وكيف صارت أمًا قبل أن تختبر مثل هذا الاتصال الذي يتم بين الزوجات وأزواجهن. إنه لا يوجد سبب منظور ـ ومع ذلك فإن ولدًا قد وُلد. كيف تم إذن هذا الميلاد تحت قانون جديد؟.

 

78 ـ فإن لم يكن هذا النظام البشرى المعروف قائمًا في حالة العذراء مريم، فكيف تطلب أنت أن تكون ولادة الله الآب لابنه بمثل الطريقة التي وُلِدتَ أنت بها؟ وبالتأكيد فإن النظام المعروف يتحقق بواسطة اختلاف الجنس، إذ أن هذا قد غُرس في طبيعة جسدنا، ولكن حيث لا يوجد جسد، فكيف يمكن أن تتوقع أن تجد ضعف الجسد. لا يستطيع أحد أن يحاكم مَن هو أفضل منه. فإن تؤمن فهذا ما أُمرتَ به دون أن يُؤذَن لك بأن تسأل أو تحاكِم، لأنه مكتوب: ” آمن إبراهيم بالله فحُسب له برًا” (تك6:15). إن اللغة تقصر عن أن توضح ليس فقط ميلاد الابن بل حتى أعمال الله أيضًا، كما هو مكتوب: ” كل أعماله تنجز بالأمانة” (مز4:33س). فأعماله إذن تُصنع بأمانة، ولكن ليس ميلاده. نحن دُعينا وأُمرنا أن نؤمن، وبدلاً من أن نسأل عن ما نراه بعيوننا، نجد أنفسنا أننا نفحص ونفتش ونرتاب في ما لا نراه؟

 

الفصل الثالث عشر

ملخص:

لا يزال الحديث عن الولادة الإلهية مستمرًا فى هذا الفصل. والقديس أمبروسيوس يوضح طريقة هذا الميلاد بنفس المثال الذى استخدمه كاتب الرسالة إلى العبرانيين. ويُبيِّن وجوب الإيمان بما أُعلن باستخدام مثال نبوخذنصر والقديس بطرس. ومن خلال الرؤيا التى وُهِبت للقديس بطرس تُظهر أزلية الابن وألوهيته، وينبغى أن نصدق بطرس الرسول أكثر من معلمى الفلسفة، الذين تهاوت سلطتهم فى كل مكان ولم يعد أحد يصدقهم. ومن الجهة الأخرى، يوضح أن الآريوسيين هم كالوثنيين.

 

79 ـ سوف يُطرح السؤال: ” بأى طريقة وُلِدَ الابن؟ (فنجيب) لقد وُلِدَ كائنًا له دوام أبدى، وُلِدَ كلمة، وُلِدَ كبهاء النور الأزلى[33]. فالبهاء يكون فاعلاً فى لحظة مجيئه إلى الوجود. هذا المثل ليس من عندى ولكنه من عند الرسول (بولس). فلا تفكر إذن أنه كانت هناك لحظة من الزمان على الإطلاق كان الله فيها بدون حكمة، مثلما لم يكن هناك زمن على الإطلاق كان النور فيه بلا إشعاع. لا تحكم أيها الآريوسى على الأمور الإلهية بمقاييس بشرية، ولكن آمن بالأمور الإلهية عندما لا تجد (ما يماثلها فى) الأمور البشرية.

 

80 ـ لقد أبصر الملك الوثنى فى النار التى أُلقى فيها الثلاثة فتية اليهود ـ رابعًا معهم شبيهًا بملاك[34]، ولأنه ظن أن هذا الملاك يفوق جميع الملائكة، فإنه حكم بأنه ابن الله، وهو الذى لم يكن قد سمع عنه، ولكنه آمن به، وإبراهيم أيضًا أبصر ثلاثة وسجد لواحد[35].

 

81 ـ بطرس لما رأى موسى وإيليا على الجبل مع ابن الله، لم ينخدع بسبب طبيعتهما ومجدهما. وهو لم يسأل أحدًا منهما، إنما سأل المسيح عما يجب أن يعمله، فمع كونه قدَّم الاحترام والوقار للثلاثة، ولكنه انتظر الأمر من واحد. ولكن بسبب أنه بجهالة فكر بأن يصنع ثلاث مظال، إلاَّ أن الصوت الإلهى المهيمن الذى لله الآب قد صحح وتدارك هذا بقوله: ” هذا هو ابنى الحبيب، له اسمعوا” (مت5:17)، أى: ” لماذا تضع إخوتك العبيد على قدم المساواة مع سيدك؟”، إن ” هذا (وحده) هو ابنى”، ” موسى ليس ابنى”، ” وإيليا ليس ابنى” بل ” هذا هو ابنى“. ولم يكن الرسول غبيًا بل فهم التوبيخ، لذلك فإنه سقط على وجهه وانحنى متضعًا لصوت الآب وللجمال المُمجد الذى للابن، ولكن الابن أقامه، الذى يُسرّ بأن يقيم الساقطين[36]. وبعد هذا فإنه رأى واحدًا فقط[37]، ابن الله فقط، لأن العبيد انسحبوا، ليظهر أنه هو الرب وحده، وهو وحده الذى سُمِّى ” الابن”.

 

82 ـ ماذا إذن كان الغرض من هذه الرؤيا والتى بيّنت أن المسيح وعبيده هم غير متساوين، بل وتدل على سر، إذ ينبغى أن يصير جليًا لنا أن الناموس والأنبياء متفقون مع الإنجيل، ويعلنون أن المسيح هو ابن الله الأزلى، الذى سبق أن بُشروا به. لذلك فعندما نسمع أن الابن يخرج من الرحم، كما أن الكلمة يخرج من القلب، فليتنا نؤمن أن الابن المبارك ليس مخلوقًا بل هو مولود من الآب، ليس هو عمل صانع ماهر، ولكنه مولود الآب.

 

83 ـ فذاك الذى قال: ” هذا هو ابنى” لم يقل: ” هذا مخلوق فى الزمن” ولم يقل: ” هذا الكائن هو خليقتى، ولا هو من من صنعى، ولا هو خادمى”، ولكنه قال: ” هذا هو ابنى الذى ترونه مُمجدًا”. هذا هو إله إبراهيم وإله إسحق وإله يعقوب الذى ظهر لموسى فى العليقة[38]، والذى قال عنه موسى: “ الذى هو الكائن قد أرسلنى“. لم يكن الآب هو الذى تكلم مع موسى فى العليقة أو البرية، بل الابن. وعن موسى هذا تكلم اسطفانوس قائلاً: ” هذا هو الذى كان فى الكنيسة فى البرية مع الملاك[39]. إذن، فهذا هو الذى أعطى الناموس، والذى تكلم مع موسى قائلاً: ” أنا إله إبراهيم وإله اسحق وإله يعقوب“. هذا هو، إذن، إله الآباء البطاركة، هذا هو إله الأنبياء.

 

84 ـ لذلك، فعن الابن نحن نقرأ، فليفهم عقلك القراءة، ودع لسانك يعترف ابتعد عن المجادلات حيث يكون الإيمان مطلوبًا. دع المنطق الجدلى يهدأ حتى فى وسط مدارسه الخاصة. أنا لا أسأل ما الذى يقوله الفلاسفة، ولكننى أريد أن أعرف ماذا يعملون. إنهم يقفون مهجورين فى مدارسهم. انظر إلى نصرة الإيمان على المجادلات. إن هؤلاء الذين يجادلون بدقة، إنما يهجرهم زملاؤهم كل يوم، وأولئك الذين يؤمنون ببساطة يزدادون كل يوم. إن الذين يُصدقهم الناس الآن ليسوا هم الفلاسفة بل صيادى السمك، ليس المتمرسون فى المنطق ولكن جباة الضرائب. إن أولئك بالملذات والترف قد وضعوا ثقل العالم على أنفسهم، والآخرون بالصوم وإماتة الشهوات قد طرحوا هذا الحمل عنهم، وهكذا يبدو أن الحزن قد أخذ يربح أتباعًا أكثر من أتباع اللذة.

 

85 ـ دعنا الآن نرى إلى أى مدى يختلف الآريوسيون عن الوثنيين. إن الوثنيين يتخذون لأنفسهم آلهة مختلفة فى الجنس وغير متساوية فى القوة، بينما يؤكد الآريوسيون ويقرون (إيمانهم) بثالوث ولكن بدون تساوى فى القوة، وتنُّوع فى الألوهية. يؤكد الوثنيون أن آلهتهم قد بدأت وجودها فى زمن ما، والآريوسيون يجاهرون كاذبين أن المسيح بدأ فى الوجود فى زمن ما. ألم يصبغ الجميع عقوقهم وعدم تقواهم فى أوعية الفلسفة؟ ولكن فى الحقيقة، فإن الوثنيين يمجدون ويُرفِّعون ما يعبدونه[40]، بينما يقول الآريوسيون إن ابن الله، الذى هو إله، إنما هو مخلوق.

 

الفصل الرابع عشر

ملخص:

ابن الله ليس كائنًا مخلوقًا، هذا ما يمكن أن يُبَرهنُ عليه بالحجج التالية:

1 ـ أنه أمر تلاميذه أن يكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها وليس لنفسه.

2 ـ أن الكائن المخلوق مُستعبد للبُطل.

3 ـ أن الابن قد خلق كل الأشياء.

4 ـ أننا نقرأ عنه أنه مولود.   

5 ـ أن الفرق بين الميلاد والتبنى، كان دائمًا مفهومًا فى تلك الشواهد، التى يتضح منها أن كلا الطبيعتين ـ الإلهية والبشرية ـ متواجدتان معًا فيه.

كل الشواهد الخاصة بهذه الأمور تُثبت بواسطة تفسيرات الرسول.

 

86 ـ أعتقد أنه قد صار واضحًا الآن، لجلالتك المقدسة، أن الرب يسوع ليس مختلفًا عن الآب، كما أنه لم يبدأ وجوده أثناء الزمن. ومع ذلك، فلا يزال علينا أن ندحض تجديفًا آخر، وأن نوضح أن ابن الله ليس كائنًا مخلوقًا. نجد هنا الكلمة الحية التى نقرأها كمعين لنا، لأننا قد سمعنا العبارة التى يقول فيها الرب: ” اذهبوا إلى العالم أجمع واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها” (مر15:16). إن الذى يقول ” للخليقة كلها” لا يستثنى شيئًا، فكيف يتأتى لهم أن يدّعوا على المسيح أنه “مخلوق”؟، لأنه لو كان مخلوقًا، فهل كان يمكنه أن يأمر أن يُكرز بالإنجيل له هو نفسه؟، لذلك، فالذى يسلّم لتلاميذه عمل الكرازة للمخلوقات، ليس مخلوقًا بل خالقًا.

 

87 ـ فالمسيح، إذن، ليس كائنًا مخلوقًا، لأن الأشياء المخلوقة كما يقول الرسول: ” قد أُخضِعت للبُطل” (رو20:8)، فهل المسيح أُخضِع للبُطل؟ وأيضًا، “ فإن الخليقة تئن وتتمخض معًا إلى الآن” (رو22:8) كما يقول نفس الرسول، ماذا إذن؟ هل المسيح له نصيب فى هذا الأنين والمخاض، وهو الذى حرّرنا نحن الباكين البؤساء من الموت؟ يقول الرسول: ” الخليقة سوف تُعتق من عبودية الفساد” (رو21:8). نحن نرى إذن أنه بين الخليقة وخالقها يوجد اختلاف شاسع، لأن الخليقة مستعبدة، ” أما الرب فهو الروح، وحيث روح الرب فهناك حرية” (2كو17:3).

 

88 ـ مَن هو ذاك الذى قاد أولاً إلى هذا الضلال بإعلانه أن الذى خلق الأشياء وصنعها، يكون مخلوقًا؟ إننى أتساءل: هل الرب يخلق نفسه؟ إننا نقرأ: ” كل شئ به كان وبغيره لم يكن شئ مما كان” (انظر يو3:1). وإن كان هو هكذا، فهل هو خلق نفسه؟ نحن نقرأ : ” الله بالحكمة صنع كل شئ” (مز24:104)، ومن يستطيع أن ينكر المكتوب؟ فإن كان الأمر هكذا فكيف يمكننا أن نفترض أن الحكمة قد خُلِقت بنفسها؟

 

89 ـ إننا نقرأ أن الابن مولود، بحسب ما يقول الآب: ” مِن الرحم قبل كوكب الصبح ولدتك” (مز3:109س). ونقرأ عن ” الابن البكر”[41] وعن “الابن الوحيد”[42] فهو البكر لأنه لا يوجد أحد قبله، وهو “الابن الوحيد”، لأنه لا يوجد بعده أحد. ونقرأ أيضًا: “ وميلاده generation  من يُخبِر به” (إش8:53س). لاحظ أنه مكتوب: “ميلاده” وليس “خلقته”. وأى مجادلات يمكن أن تقف أمام شهادات عظيمة وقوية جدًا مثل هذه.

 

90 ـ وعلاوة على ذلك، فإن ابن الله يكشف الفرق بين الميلاد والنعمة عندما يقول: ” إنى أصعد إلى أبى وأبيكم وإلهى وإلهكم” (يو17:20)[43]. فهو لم يقل: “إنى أصعد إلى أبينا”، وإنما قال: ” إنى أصعد إلى أبى وأبيكم“. هذا التمييز إنما هو برهان على الفرق، فالذى هو أب المسيح هو خالقنا نحن.

 

91 ـ وعلاوة على ذلك، فإنه يقول: ” وإلهى وإلهكم“، لأنه رغم أنه هو والآب واحد، والآب هو أبوه إذ له نفس طبيعة أبيه ـ بينما قد بدأ الله أن يصير أبًا لنا بواسطة عمل الابن، ليس بفضل الطبيعة بل بالنعمة، إلاّ أنه ينبهنا هنا إلى وجود طبيعتين معًا فى المسيح، اللاهوت والناسوت، اللاهوت من أبيه، والناسوت من أمه. الأولى كائنة قبل الأشياء، والثانية مأخوذة من العذراء. بسبب الأولى ـ إذ هو يتكلم على أنه الابن، فهو يدعو الله أباه، وبعد ذلك، إذ يتكلم كإنسان، فإنه يدعوه إلهًا له.

 

92 ـ ففى الحقيقة نجد فى مواضع كثيرة، شهادات فى الكتب المقدسة تبين أن المسيح، عندما يدعو الله إلهه، فإنه يفعل هذا كإنسان، مثل: ” إلهى إلهى لماذا تركتنى” (مز1:22)[44]، وأيضًا: ” من بطن أمى أنت إلهى” (مز10:22). ففى الشاهد الأول، فإنه يتألم كإنسان، وفى الثانى، فإن إنسانًا هو الذى خرج من رحِم أمه. وهكذا، فإنه عندما يقول: ” من بطن أمى أنت إلهى“، فهو يعنى أن هذا الذى كان أبوه على الدوام، هو أيضًا إلهه من لحظة خروجه من بطن أمه.

93 ـ وهكذا نرى أننا عندما نقرأ فى الأناجيل وفى الرسائل وفى الأنبياء، فإننا نجد انه مكتوب عن المسيح أنه “مولود”، فكيف يجرؤ الآريوسيون أن يقولوا إنه مخلوق أو مصنوع؟ كان يجب عليهم فى الحقيقة أن يفكروا ويتأملوا مليًا فى هذه الشهادات، وأين يقرأوا فيها عنه أنه مخلوق أو مصنوع؟ وإذ قد بيّنا بوضوح أن ابن الله، مولود من الله، دعهم إذن يفكرون ويفحصون فيما هو مكتوب، أين قرأوا أنه مصنوع، وسوف يرون أنه لم يصر إلهًا ولكنه وُلِدَ إلهًا، وهو ابن الله، وبعد ذلك، صار إنسانًا من مريم، حسب الجسد.

 

94 ـ ” ولما جاء ملء الزمان أرسل الله ابنه مولودًا من امرأة، مولودًا تحت الناموس” (غل4:4). لاحظ جيدًا القول، فإنه يقول ابنه، فهو ليس واحدًا من كثيرين، ولا هو شريك مع آخر، ولكنه ابنه الخاص. وكذلك، فإنه فى القول “ابنه”، فإن الرسول هنا يوضِّح أنه من جهة طبيعة الابن فإن ميلاده كان أزليًا، ويؤكد عنه الرسول أنه بعد ذلك صار من امرأة، حتى لا يُفهم أن الصيرورة خاصة بالألوهة، ولكن بسبب لبسه جسدًا “مصنوعًا من امرأة” بأخذه جسدًا “مصنوعًا تحت الناموس” أى بواسطة حفظ الناموس. وهكذا فإنه بينما الأولى، أى الولادة الروحية هى قبل وجود الناموس، فإن الأخرى هى بعده.

 

 

الفصل الخامس عشر

ملخص:

فى هذا الفصل شرح للآية (أع36:2) و(أمثال22:8). وأن هذه الآيات تتحدث عن إنسانية (ناسوت) المسيح فقط.

 

95 ـ إن اقتباس الهراطقة المعتاد من الكتاب المقدس للآية: ” الله جعله ربًا ومسيحًا” لن يؤدى إلى غرض أو غاية. ليت هؤلاء الجهلاء يقرأون العبارة كلها ويفهمونها، لأنه هكذا هو مكتوب: ” الله جعل يسوع هذا الذى صلبتموه أنتم ربًا ومسيحًا[45]. إنه ليس اللاهوت ولكن الجسد هو الذى صُلِب، وهذا فى الواقع ممكن لأن الجسد الذى أخذه هو قابل للصلب، ولهذا فإنه لا ينتج عن ذلك أن يكون ابن الله كائنًا مخلوقًا.

 

96 ـ دعنا نوضح بعد ذلك بسرعة تلك الآية الأخرى التى يسيئون تفسيرها ـ لكى يتعلموا ما هو معنى الكلمات: ” الله خلقنى“. إنه لم يُكتب:    ” الآب خلقنى[46]. الذى يتحدث هنا هو الجسد الذى يعترف بربه، والتسبيح يُعلِن عن الآب: إن طبيعتنا المخلوقة تعترف بالأول، وتحب الآخر وتعرفه. من إذن لا يمكنه أن يلاحظ أن هذه الكلمات تُعِلن التجسد؟ فالابن يتكلم عن نفسه كمخلوق، أى الجسد الذى يشهد به لنفسه، إنه إنسان، حينما يقول:     ” لماذا تطلبون أن تقتلونى وأنا إنسان قد كلمكم بالحق؟” (يو40:8). إنه يتكلم عن بشريته، والتى صُلِب بها ومات ودُفن.

 

97 ـ وعلاوة على ذلك، فإنه لا يوجد شك أن الكاتب يتكلم عما هو آتٍ (مستقبلاً) وكأنه تمَّ فى الماضى، وهذا هو العُرف فى النبوة أن الأشياء الآتية يُذكَر كما لو كانت فى الحاضر أو قد تمت فى الماضي. ونعطى مثلاً على ذلك، ففى المزمور 22 قد قرأت : ” أقوياء باشان اكتنفتنى[47] وأيضًا: ” اقتسموا ثيابي بينهم[48]. هذا يوضحه الإنجيلي أنه إنما كُتب نبويًا عن زمن الآلام، لأنه بالنسبة لله، فإن الأشياء الآتية فى المستقبل تكون حاضرة أمامه، ولذا فإن الذى يعرف كل الأشياء قبل حدوثها تظهر له كما لو أنها تمت وانقضت، كما هو مكتوب: ” الذى صنع الأشياء التى ستكون[49].

 

98 ـ فليس من العجب إذن أن يُعلن عن مكانه أنه قد تعيّن ونُصِبَ قبل كل العوالم، إذ نرى أن الكتب المقدسة تخبرنا أنه قد تعين من قبل، أى قبل الأزمنة والدهور. إن العبارة التالية تكشف كيف أن الكلمات التى هى مضمون التساؤل تعلن عن نفسها كنبوة حقيقية عن التجسد: ” الحكمة بنت لها بيتًا، أقامت سبعة أعمدة لتُدعِّمها، وذبحت ذبحها، ومزجت خمرها فى الطاس، وأيضًا رتبت مائدتها، وأرسلت خدامها وهم ينادون بصوتٍ عالٍ، يدعون الرجال معًا وهى تقول: من هو بسيط فليمل إلىَّ” (أم1:9ـ4س). أما نرى فى الإنجيل أن جميع هذه الأشياء قد تحققت بعد التجسد، إذ أن المسيح كشف أسرار العشاء المقدس، وأرسل تلاميذه وصرخ بصوتٍ عالٍ، قائلاً: ” إن عطش أحد فليُقبل إلىّ ويشرب” (يو37:7). إذن، فما يأتى بعد ذلك إنما يجيب عما جاء قبله. ونحن نرى بأنفسنا قصة التجسد كلها مبينة وموضحة باختصار بواسطة النبوة.

 

99 ـ وتوجد مقاطع كثيرة يمكن أن نرى فيها أنها نبوات من هذا النوع بخصوص التجسد، ولكن لن أتعوّق (فى البحث) فى الكتب، لئلا يبدو البحث طويلاً جدًا.

 

 

 

 

الفصل السادس عشر

ملخص:

يُجدف الآريوسيون على المسيح إذ يفهمون كلمتَي “مخلوق” و”مولود” بنفس المعنى. ولكن لو كانوا يعتبرون الكلمات مختلفة عن بعضها فى المعنى، فعندئذ يجب ألاّ يتكلموا عن المسيح المولود كما لو كان كائنًا مخلوقًا. إن هذه القاعدة تستند على شهادة القديس بولس الذي بينما يُصرح عن نفسه أنه عبد للمسيح، فهو ينهي عن عبادة أى مخلوق. إن الله إذ هو جوهر خالص وغير مُركَّب، فلا توجد فيه طبيعة مخلوقة؛ وبالإضافة إلى ذلك، يجب ألاَّ يُحط بالابن إلى مستوى المخلوقات، فنحن نرى أن الآب قد سُرَّ به.

 

100 ـ والآن أود أن أسأل الآريوسيين بالذات إن كانوا يعتقدون أن مولود ومخلوق لهما نفس المعنى. إذا كانوا يعتبرونهما بنفس المعنى الواحد، فلا يكون هناك إذن فرق بين الولادة والخلقة. وعليه لأننا نحن أيضًا مخلوقون، فلا يكون بيننا وبين المسيح أى فرق. ومهما كان جنون الآريوسيين عظيمًا، إلاّ أنهم لن يتجاسروا أن يقولوا هذا.

 

101 ـ وبالإضافة إلى ذلك، إذا ما وافقنا على ما هو ليس حقيقيًا وأخذنا بغبائهم، أود أن أسألهم إن كان لا يوجد فرق فى الألفاظ كما يظنون، فلماذا لا ينادون الذي يعبدونه باللقب الأفضل؟ لماذا لا ينتفعون من ” كلمة الآب”؟ ولماذا يرفضون لقب الكرامة ويستعملون اسمًا مهينًا؟

 

102 ـ وإن كان يوجد مع ذلك تمييز ـ كما أظن ـ بين كلمة “مخلوق” وكلمة “مولود”، فإننا عندما نقرأ عنه أنه “مولود” ، فبالتأكيد سوف لا نفهم نفس الشيء من كلمتَي: “مولود” و”مخلوق”. دعهم إذن يعترفون به بأنه مولود begotten من الآب ومولود born من العذراء، أو فليقولوا لنا كيف أن ابن الله يمكن أن يكون مولودًا ومخلوقًا معًا؟ إن الطبيعة الواحدة التى هي فوق الكل، أى الكائن الإلهي، لا تقبل أى صراع أو تناقض (فى داخلها).

 

103 ـ على أى حال، فلندع جانبًا رأينا الخاص، ولنسأل بولس هذا الإنسان المملوء بروح الله، والذى إذ قد سبق فرأي هذه التساؤلات فإنه حكم ضد الوثنيين عامة وعلى الآريوسيين خاصة قائلاً إن الذين يعبدون المخلوق دون الخالق هم مُدانون بحسب قضاء الله. ويمكنك فى الواقع أن تقرأ: ” لذلك أسلمهم الله أيضا فى شهوات قلوبهم إلى النجاسة لإهانة أجسادهم الواحد مع الآخر، هؤلاء الذين استبدلوا حق الله بالكذب، وعبدوا وخدموا المخلوق دون الخالق، الذي هو الله المبارك إلى الأبد” (انظر رو25،24:1).

 

104 ـ إن بولس يمنعني أن أعبد مخلوقًا، ويحثني على عمل واجبي، بأن أعبد المسيح. يتبع ذلك أن المسيح ليس كائنًا مخلوقًا. إن الرسول يدعو نفسه: ” بولس عبد ليسوع المسيح” (رو1:1)، وهذا العبد الصالح الذي يعترف بإلهه، يريدنا بالمثل ألاّ نعبد ما هو مخلوق. كيف إذن يتأتَّى أن يكون الرسول نفسه عبدًا للمسيح لو كان بولس يعتقد أن المسيح شخص مخلوق؟ دع هؤلاء الهراطقة يكفُّون عن أن يعبدوه، هذا الذى يدعونه “كائنًا مخلوقًا” أو يسمونه مخلوقًا هذا الذي يتظاهرون أنهم يعبدونه، لئلا تحت شكل أنهم عابدون فإنهم يسقطون في عبادة رديئة، لأن ما يظهر للعيان أنه قريب هو أردأ من العدو الغريب. وكون هؤلاء القوم يستخدمون اسم المسيح لإهانة المسيح، فإن هذا يزيد إثمهم.

 

105 ـ أيُّ شارح للكتب المقدسة سنجده أفضل من رسول الأمم، ذاك الإناء المختار، والمختار من ضمن كثير من المضطهدين؟ إن ذاك الذي كان يضطهد المسيح صار يعترف به، إنه على أي حال قرأ سليمان أكثر مما فعل آريوس، وكان متعلمًا حسنًا في الناموس، ولذلك فهو لم يقل إن المسيح كان مخلوقًا، بل إنه كان مولودًا. إنه قرأ: ” لأنه قال فكان ، وأمر فخُلِقت[50]. وأنا أسأل: ” هل المسيح صُنِع بكلمة؟ خُلِق بأمر؟”.

 

106 ـ وبالإضافة إلى ذلك، كيف يمكن أن توجد طبيعة مخلوقة داخل الله؟ وفى الحقيقة فإن طبيعة الله ليست مُركَّبة، ولا يمكن أن يُضاف إليه شئ، وهو لا يحوي فى طبيعته سوى ما هو إلهي فقط، يملأ كل الأشياء[51]، دون أن يختلط بأي شئ. هو يتخلل كل الأشياء، ولكن لا يتخلله شئ أبدًا. موجود بكل ملئه فى نفس اللحظة، فى السماء وعلى الأرض وفى عمق أعماق البحر[52]. هو غير مرئي للعيون ولا يُعبَّر عنه بالنطق، ولا يُقاس بالإحساس، ولكن يُقتفى أثره بالإيمان، ويُعبد بالورع، حتى إنه مهما كان هناك من ألقاب تفوق فى عمقها كل ما عُرف فى الإدراك الروحي، من حيث المجد والكرامة وعظمة القوة، فهذا عليك أن تعرف أنه يخص الله بحق.

 

107 ـ حيث إن الآب قد سُرَّ بالابن، فآمن أن الابن جدير بالآب، وأنه خرج من الآب كما يشهد هو لنفسه قائلاً: ” لأنى خرجت من قِبل الله وأتيت” (يو42:8)، وأيضًا ” من عند الله خرجت” (يو27:16). فالذي خرج من الله، أيمكن أن تكون له صفات سوى صفات الله ؟!

 

 

 

الفصل السابع عشر

 

108 ـ فمن ثمَّ فإن المسيح لا يكون إلهًا فقط، ولكن هو الله نفسه حقيقة، هو إله حق من إله حق، إذ أنه هو الحق[53]. وإن سألنا عن اسمه، فإن “الحق” هو اسمه. وإن بحثنا لنعرف مرتبته الطبيعية ومنزلته، فهو بالحق تمامًا ابن الله الحقيقي، لأنه في الحقيقة ابن الله الخاص كما هو مكتوب:    ” الذي لم يُشفق على ابنه (الخاص) بل بذلك لأجلنا أجمعين” (رو32:8). وعندما يقول “بذله” فإنه يتحدث عن الجسد، أما أن يكون ابن الله الخاص، فهذا يُعلن ألوهيته؛ وإذ هو إله حقيقي فهذا يُبيّن أنه ابن الله الذاتي؛ أما مذلته فهي بسبب خضوعه وهو في الجسد، وبسبب ذبيحته، وهي بداية طريق خلاصنا.

 

109 ـ ومع ذلك، فلئلا يُحرِّف البعض الكتب المقدسة بسبب العبارة: ” الله بذله “، فإن الرسول نفسه يقول في مكان آخر: ” سلام من الله الآب ومن ربنا يسوع المسيح الذي بذل نفسه لأجل خطايانا” (غلا3:1و4)، وأيضًا:    ” كما أحبنا المسيح أيضًا وبذل نفسه لأجلنا” (أف2:5). فإن كان الآب قد بذله، وأيضًا هو بذل نفسه من تلقاء نفسه، فمن البيِّن إذن أن إرادة وعمل الآب والابن هما واحد.

 

110 ـ فإن كنا نسأل عن تفوقه الطبيعي، فإننا نجد أن سبب ذلك هو كونه مولود، أمّا إن كنت تفكر أن ابن الله مولود (من الله) فهذا معناه أنك تفكر أنه ابن الله الذاتي؛ وكذلك أن تُنكر أن المسيح هو ابن الله الذاتي، فهذا معناه أنك تُصنِّفه مع سائر البشر ولا يكون بعد ابنًا مختلفًا عن الآخرين. أمَّا إن كنا نسأل عن خاصية ميلاده المُتميزة فهي هكذا: إنه خرج من الله. لأنه بينما نعرف من خبرتنا أن كلمة يخرج تتضمن أيضًا شيئًا موجودًا من قبل، والشيء الذي يُقال عنه إنه يخرج يظهر لنا أنه ينتقل من أماكن داخلية ومستترة، فنحن مع أننا قدَّمنا الموضوع في عبارات موجزة، إلاّ أنه علينا أن نلاحظ الخاصية المميزة للميلاد الإلهي، كون الابن لا يظهر أنه يخرج من مكان، ولكنه يخرج كإله من إله، أي كابن من أبيه، كما أنه ليست له بداية زمنية، ولكنه خرج من الآب بالميلاد. أمّا عن كونه هو نفسه مولودًا، فإنه يقول: ”  إني خرجت من فم العلي” (يشوع بن سيراخ3:24).

 

111 ـ ولكن إن كان الآريوسيون لا يعترفون بطبيعة الابن، وإن كانوا لا يؤمنون بالكتب المقدسة، دعهم على الأقل يؤمنون بالأعمال المقتدرة. ونحن نسأل لمن يقول الآب: ” نعمل الإنسان” (تك26:1) إلاّ لمن يعرف أنه ابنه الحقيقي؟ وهل يمكن للآب أن يرى صورته إّلا في هذا الواحد الحقيقي؟ إن الابن المتبنَّي ليس مثل الابن الحقيقي، وإلاّ ما كان يمكن للابن أن يقول: ” أنا والآب واحد[54] إن كان يقيس نفسه بمن هو حقيقي بينما هو نفسه غير حقيقي. لذلك فإن الآب يقول: ” نعمل الإنسان“. إن الذي يتكلم هو صادق، فهل يمكن أن الذي يعمل (معه) لا يكون صادقًا؟ هل يمكن للكرامة التي تُقدم لذاك الذي يتكلم أن تُحجز عن الذي يعمل؟

 

          112 ـ كيف يمكن للآب إن لم يكن يعرف أنه ابنه الحقيقي أن يستودعه إرادته للتعاون الكامل. وأن يستودعه أعماله ليخلق الأشياء بالفعل؟ وإذ نرى أن الابن يعمل الأعمال التي يعملها الآب، وأن الابن يُحيى من يشاء[55] كما هو مكتوب، فمن ثمَّ فهو مساوٍ في القوة وحر في إرادته، وهكذا تتأكد الوحدانية بينهما، نظرًا لأن قوة الله تكمن في أن جوهر الألوهة هو خاص بكل أقنوم، والحرية لا تعني أي اختلاف، ولكنها تكمن في وحدة المشيئة.

 

113 ـ والرسل عندما تقاذفتهم العواصف وهم في البحر، حالما رأوا المياه تقفز حول أقدام سيدهم وهم ينظرون خطواته الشجاعة غير الخائفة على الماء وهو يسير وسط أمواج البحر الثائرة، وعندما رأوا السفينة التي كانت تضربها الأمواج، وقد هدأت حالما دخلها المسيح، وأيضًا لما رأوا الأمواج والريح يطيعانه، فمع أنهم لم يكونوا قد آمنوا بعد، فقد آمنوا أنه هو ابن الله الحقيقي وقالوا: ” حقًا أنت ابن الله[56].

 

114 ـ وبالمثل فإن نفس الأمر نجده عندما اعترف قائد المائة والآخرون الذين كانوا معه لمّا عاينوا اهتزاز أساسات المسكونة وقت آلام الرب، وهذا تنكره أنت أيها الهرطوقي! قال قائد المائة: ” حقًا كان هذا ابن الله” (مت 54:27)، إنه قال: “كان” والآريوسيون يقولون: “لم يكن!”، لذلك فإن قائد المائة وبأيدي مصبوغة بالدم، ولكن بذهن ورع مخلص يفصح عن حقيقة وأزلية ميلاد المسيح كليهما، وأنت أيها الهرطوقي تُنكر حقيقة هذا الميلاد وتجعله زمنيًا! هل لطخت يداك أكثر من نفسك! ولكنك أنت غير الطاهر حتى في يديك، والقاتل عمدًا، تطلب موت المسيح الذي تترصده إذ أراك تفكر فيه كوضيع وضعيف، كلاَّ، فهذه خطية رديئة، لأنه ولو أن جوهر الألوهة غير متألم، إلاّ أنك تعمل باجتهاد لتذبح المسيح، ليس جسده ولكن مجده.

 

115 ـ لا يمكننا إذن أن نشك بأن الابن هو إله حق حيث إن ألوهته الحقة يؤمن بها حتى القتلة، والأرواح الشريرة كذلك تعترف بها. إننا لا نحتاج الآن إلى شهادتهم، ولكنها مع ذلك هي أعظم من تجاديفك. إننا استدعيناهم للشهادة لنجعلك تستحي، هذا بالإضافة إلى أننا نقتبس مما هو مكتوب في الوحي الإلهي بقصد أن نقودك إلى الإيمان.

 

116 ـ يُعلن الرب بفم إشعياء: ” وأطلب في فم الذين يخدمونني اسمًا جديدًا، الذي يبارك في كل الأرض، وسوف يباركون الإله الحق، والذين يحلفون بالإله الحق” (إش16:65س). إنني أقول إن إشعياء نطق بهذه الكلمات عندما رأي مجد الرب، وقد قيل بوضوح في الإنجيل إنه رأي مجد المسيح وتكلم عنه[57].

          اسمع أيضًا ما كتبه يوحنا البشير في رسالته قائلاً: ” ونعلم أن ابن الله قد جاء وأعطانا بصيرة لنعرف الحق، ونحن في الحق في ابنه يسوع المسيح، هذا هو الإله الحق والحياة الأبدية” (1يو20:5). يوحنا يسميه ابن الله الحقيقي والإله الحق، فإن كان هو الإله الحق، فبالتأكيد يكون غير مخلوق، بلا وصمة كذب أو خداع، وليس فيه اختلاط ولا عدم تماثل مع أبيه.

 

الفصل الثامن عشر

ملخص:

إن أخطاء الآريوسيين مذكورة في النصّ المحدّد لقانون الإيمان النيقاوي، حتى لا تكون لهم فرصة أن يخدعوا أي شخص. وهذه الأخطاء تُسرد بالإضافة إلى الحرم الصريح ضدهم، والذي يُقال إن النطق بهذا الحرم ضدهم لم يكن في مجمع نيقية فقط، وإنما كُرِّر مرتين أيضًا في مجمع أرمينيوم.

 

118 ـ إذن، فالمسيح هو: ” إله من إله، نور من نور، إله حق من إله حق؛ مولود من الآب غير مخلوق؛ له جوهر واحد مع الآب”.

 

119 ـ لذلك حقًا، إذ قد اتبع آباؤنا إرشاد الكتب المقدسة، فإنهم أعلنوا ـ بل أكثر من ذلك ـ تمسكوا، بأن مِن واجبهم أن يذكروا تلك التعاليم المُضادة للتقوى (التي للآريوسيين) في سجل قوانينهم، حتى يُكشف كفر آريوس، ولا يظهر متنكرًاـ كما لو أنه ـ يتستر بصبغة أو دهان للوجه[58]، لأن الآريوسيين يعطون لونًا مزيفًا لأفكارهم التي لا يجرؤون أن يظهروها صراحة. وبحسب ما هو متّبع في سجلات المكتوبات، فإن الهرطقة الآريوسية لا يُكشف عنها بالاسم[59]، ولكن الإدانات الصريحة الموجهة لها تجعلها ظاهرة، حتى يمكن لمن هو مدقق ومتلهف على أن يسمع عنها، أن يُحفظ من السقوط، عندما يعرف أنه قد تمَّ مسبقًا الحكم عليها وإدانتها، من قبل أن يسمع عنها، وتكون نتيجة ذلك هي أن يؤمن (بالإيمان المستقيم).

 

120 ـ ويستطرد القانون قائلاً: ” أولئك الذين يدَّعون إنه يوجد زمن لم يكن فيه ابن الله موجودًا، وإنه لم يكن موجودًا من قبل ميلاده، أو إنه خُلق من العدم، أو إنه من جوهر أو طبيعة أخرى، أو إنه قابل للتغيير، أو إنه يوجد فيه أي ظلّ دوران، فأولئك تُعلن الكنيسة الجامعة الرسولية أنهم محرومون.

 

121 ـ لقد وافقتَ يا صاحب الجلالة على أن من ينطق بمثل هذه التعاليم المنحرفة يُدان عن صواب. إنه لم يكن قرارًا بشريًا أو من مشورة بشرية أن يتقابل في مجمع مسكوني ثلاثمائة وثمانية عشر أسقفًا كما بيَّنت بالتفصيل والاستفاضة من قبل[60]، كما أن عددهم هذا يبرهن على أن الرب يسوع بواسطة علامة اسمه وآلامه كان في وسط خاصته، الذين اجتمعوا باسمه[61]، لأن من خلال الرقم ثلاثمائة تتضح علامة الصليب، ومن خلال الرقم ثمانية عشر كانت علامة اسم يسوع[62].

 

122 ـ كان هذا أيضًا هو الإقرار الأول للإيمان، في مجمع أرمينيوم وكذلك في التعديل الثاني بعد هذا المجمع. وبخصوص الإقرار، فإن الخطاب المُرسل إلى الإمبراطور قنسطانطين يشهد بذلك، والمجمع الذي تلاه يوضح التصحيح[63].

 

 

 

 

 

الفصل التاسع عشر

ملخص:

اتُهِمَ آريوس بالخطأ الأول من الأخطاء المذكورة سابقًا، وقد دُحِضَ هذا الخطأ  بشهادة القديس يوحنا. إن الموت الشنيع التعيس للزعيم الهرطوقي موصوف هنا، وكذلك تُفَحص هنا باقي الأخطاء التجديفية واحدة بواحدة ويُردُّ عليها.

 

123 ـ يقول آريوس: ” كان هناك زمن لم يكن فيه ابن الله موجودًا”، ولكن الكُتب المقدسة تقول: “كان”، ولا تقول: ” لم يكن”. وعلاوة على ذلك. فإن القديس يوحنا كَتَب: ” في البدء كان الكلمة، والكلمة كان مع الله، وكان الكلمة الله، هذا كان في البدء مع الله” (يو1:1ـ2). لاحظ كم مرة يظهر الفعل “كان”، بينا لم يوجد أي مكان يُذكر فيه “لم يكن”. مَن مِنْ الاثنين إذن يجب علينا أن نصدِّقه؟ القديس يوحنا الذي كان يتكئ في حضن المسيح، أم آريوس الذي غاص متمرغًا وسط أحشائه المنسكبة؟ إن تمرُّغه يجعلنا نفهم كيف أظهر آريوس نفسه ـ بتعاليمه ـ أنه كان مشابهًا ليهوذا، إذ عاقبه الله بعقاب مشابه.

 

124 ـ إن أحشاء آريوس انسكبت أيضًا خارجًا، والحياء يمنعنا أن نذكر أين حدث هذا، وهكذا فإنه انفجر مشطورًا في الوسط، وسقط منطرحًا على وجهه، وتلوثت تلك الشفاه الشريرة التي أنكر بها المسيح. لقد انشق تمامًا كما قال القديس بطرس عن يهوذا، ” لأنه اقتني حقلاً من أجرة الظلم وفِعل الشر، وإذ سقط على وجهه انشق من الوسط فانسكبت أحشاؤه كلها[64]. لم يحدث هذا الموت مصادفة، لأنه قد عوقب مثل هذا الشر بعقاب مُشابه، بهدف أن أولئك الذين ينكرون ويخونون نفس الرب سوف ينالون نفس العذاب.

 

125 ـ دعنا الآن ننتقل إلى نقاط أخرى. يقول آريوس: ” إن ابن الله لم يكن موجودًا قبل أن يُولد”، ولكن الكتب المقدسة تقول إن كل الأشياء إنما تقوم في الوجود[65] (أي خُلِقَت) عن طريق الابن، فكيف يمكن إذن لهذا الذي لم يكن موجودًا أن يمنح الوجود لغيره؟ ومرة أخرى نقول إن المجدِّف عندما يستخدم الكلمات: “عندما” و “قبل”، فهو بالتأكيد يستخدم كلمات تشير إلى الزمن. كيف يقول الآريوسيون إن الزمن كان موجودًا قبل الابن، وهناك أشياء مخلوقة في الزمن أي أنها بذلك تكون موجودة قبل الابن، بينما نعرف من الكتب المقدسة أن كل الأشياء قد خُلِقت عن طريق الابن؟

 

126 ـ يقول آريوس إن ابن الله جاء للوجود من لا شئ، فكيف يكون إذن هو ابن الله، كيف وُلد من داخل الآب، كيف نقرأ عنه أنه الكلمة الذي خرج من عند الآب كفيض[66] صادر من صميم طبيعته، إلاّ إذا أقررنا بأنه يجب أن نؤمن أنه خرج ـ كما هو مكتوب ـ من عمق أعماق أقداس الآب الذي لا يُدنى منه؟ أن يُدعى شخص ما ابنًا، فهذا يكون إما بسبب التبنى أو بسبب الطبيعة. فنحن نُسمَّى أبناء (لله) بالتبنى[67]. أما المسيح فهو ابن الله بمقتضى طبيعته الحقيقية الأزلية والدائمة. فكيف يمكن إذن لهذا الذي خلق كل الأشياء من العدم أن يكون هو نفسه مخلوقًا من العدم؟

 

127 ـ إن مَن لا يعرف ما هو مصدر الابن ليس له الابن، لذلك فإن اليهود ليس لهم الابن؛ لأنهم لم يعرفوا من أين هو، لذلك فإن الرب قال لهم: ” أنتم لا تعلمون من أين آتى[68]، وأيضًا قال: ” لستم تعرفوننى أنا ولا أبى” (يو19:8)، لأن الذي ينكر أن الابن من الآب لا يعرف الآب الذي منه (جاء) الابن، وأيضًا لا يعرف الابن لأنه لا يعرف الآب[69].

 

128 ـ يقول آريوس: [ إن الابن من طبيعة أخرى ]، ولكن أى طبيعة أخرى يمكن أن تُرفع إلى درجة المساواة مع ابن الله ـ والتي بمقتضاها يصير هو ابن الله؟! وبأى حق يلومنا الآريوسيون عندما نتكلم باليونانية عن جوهر الله بكلمة oÙs…a أو عندما نُعبِّر باللاتينية بكلمة substantia عن جوهره، إن كانوا هم أنفسهم بقولهم إن ابن الله هو من “جوهر” آخر إنما يؤكدون وجود “جوهر” إلهي.

 

129 ـ ومع أنهم يرغبون في المجادلة بخصوص استخدام الكلمات: “جوهر إلهي” أو “طبيعة إلهية”، فإنهم سوف يُدحَضون بسهولة، لأن الكتابات المقدسة القديمة إنما قد تكلَّمت عن الجوهر oÙs…a باليونانية وعن الطبيعة substantia باللاتينية. فنحن نقرأ أن القديس بطرس يقول إننا شركاء في الطبيعة الإلهية. أما إن قالوا إن الابن هو من طبيعة أخرى، فإنهم بشفاههم يردُّون على أنفسهم، لأنهم بينما يعترفون بالتعبير “طبيعة”، إلاّ أنهم يخافون منه، وهم يضعون الابن في مستوى الخلائق التي يدّعون بأنهم يرفعون الابن إلى مستوى أعلى منها.

 

130 ـ إن آريوس يدعو الابن مخلوقًا، ولكن [ليس مثل باقى المخلوقات]، ولكن في اى شئ لا تختلف المخلوقات عن بعضها؟ فالإنسان ليس ملاكًا، ولا الأرض سماء، والشمس ليست مثل الماء، ولا النور مثل الظلام (ولكنها كلها مخلوقة) ومن ثم فإن تمييز آريوس للابن إنما هو عقيم، لأنه إنما يكون كمَن أخفى ـ بصبغة حقيرة كئيبة ـ تجاديفه الغاشة والخادعة ليصطاد البسطاء.

 

131 ـ يُصَّرح آريوس بأن ابن الله يمكنه أن يتغير وينحرف، فكيف يمكن له أن يكون إلهًا إن كان هو متغيرًا، ونحن نراه يقول: “ أنا الكائن، أنا الكائن، لا أتغير[70]؟.

 

 

الفصل العشرون

 

132 ـ إنني أحتاج أن أعترف باعتراف النبي إشعياء الذي قاله قبل أن يجاهر بكلمة الرب: ” ويل لي، قد ضُرِب قلبي، لأنه وبينما أنا إنسان نجس الشفتين وساكن بين شعب نجس الشفتين، فإنني قد رأيت الملك رب الصباؤوت” (إش5:6). فإن كان إشعياء قال ” ويلٌ لي” عندما رأى رب الصباؤوت، فماذا أقول أنا عن نفسي، وأنا: ” إنسان نجس الشفتين، كُلِّفت لأبحث موضوع الميلاد الإلهي؟ كيف يحلُّ لي أن أتكلم عن أشياء أنا متخوف منها، في حين أن داود يُصلّي ليضع الله حارسًا على فمه بخصوص أمور هو يعرفها[71]. ليت واحدًا من السيرافيم يأتيني بالجمرة المشتعلة من على المذبح السماوي ويضعها في مِلقطي العهدين (القديم والجديد). ومن النار الخارجة منها يطهر شفتيّ النجستين!

 

133 ـ ولكن بينما هبط أحد السيرافيم آنئذ إلى النبي في رؤية، فإنك أيها الرب، في إعلان السر أتيت إلينا في الجسد[72]، فأنت بلا وسيط ولا عن طريق أي رسول، أنت بذاتك طهِّر ضميري من خطاياي الخفية، حتى أنا أيضًا الذي كنت قبلاً نجسًا، أصير برحمتك طاهرًا بالإيمان، وأرنم بكلمات داود: ” أرنم لك بالعود يا قدوس إسرائيل، تبتهج شفتاي إذ أرنم لك ونفسي التي فديتها” (مز22:71و23).

 

134 ـ وهكذا أيها الرب فلتترك أولئك الذين يفترون عليك ويكرهونك، ولتأتِ إلينا، مُطهرًا أذني حاكمنا الملك جراتيان وجميع من معه، الذين سوف يصل هذا الكتاب إليهم ليكون بين أيديهم، وطهّر أذنيَّ حتى لا تبقى فيها أي وصمة من وصمات الكفر التي سمعتها أذناي. طهر إذن بالتمام آذاننا، لا بماء الينبوع أو البحر أو بواسطة جداول تخر وتتموج (مياهها)، وإنما بالكلمات المطهرة كالماء، والتي هي أكثر صفاءً من أي مياه، وأنقى من أي ثلج، كما تقول الكلمات التي نطقتَ بها: ” إن كانت خطاياكم كالقرمز أجعلها تبيض كالثلج” (إش18:1).

 

135 ـ وعلاوة على ذلك، فإنه يوجد كأس مملوء من خمر عجيب، ذاك الذي تستخدمه لتطهير مخادع النفس الداخلية، كأس ليس هو من النظام العتيق[73]، ولا هو ممتلئ من عصير كرم عادي، وإنما كأس هبط إلينا من السماء إلى الأرض[74]، وهو ممتلئ من خمر عصير العنقود المُعلق بشكل بشري على خشبة الصليب، مثل العنب المُعلّق في الكرمة. من هذا العنقود يكون الخمر الذي يفرّح قلب الإنسان[75]، والذي يرفع الحزين، والذي أريجه يسكب فينا نشوة الإيمان، والعبادة والتقوى الحقيقية والنقاء.

 

136 ـ ولذلك، فبهذا الخمر أيها الرب إلهي، طهّر تمامًا الآذان الروحية لملكنا الإمبراطور، وكما أن الإنسان عندما ينتشي بالخمر العادي، فإنه يحب الراحة والهدوء، ويلقي عنه خوف الموت ولا يشعر بالأذي، ولا يبحث فيما يخص الآخرين بل ينسى ما لهم، هكذا هو أيضًا أعطِه أن يسكر بخمرك؛ فيحب السلام، وإذ هو مؤتمن على رفعة الإيمان، لا يناله موت الكفرة غير المؤمنين، ولينشر الصبر المملوء محبة، ولا يشترك في تجاديف الناس الآخرين، بل يتمسك بالإيمان أكثر من تمسكه بالأسرة والأشقاء والأولاد، كما هو مكتوب: ” اترك كل ما لك واتبعني[76].

 

137 ـ بهذا الخمر، أيها الرب يسوع، طهر أيضًا حواسنا، لكي نمجدك ونعبدك أنت خالق كل الأشياء المنظورة وغير المنظورة. أنت دائمًا بالحق غير منظور وأنت دائمًا صالح، أنت الذي أعطيت خلائقك أن تكون غير منظورة وصالحة[77].

 

[1]  كان أونوميوس فى وقت ما أسقفًا على سيزيكوس Cyzicus، واشتهر عام 355م، وعلّم ـ مثل آريوس أن الابن مخلوق، مع أنه أول وأكمل مخلوقات الله، وعمله هو أن يرشد الخلائق الأخرى إلى معرفة مصدر وجودهم. فالدين إذن من وجهة نظره يتكون من فهم عقلى كامل لمبدأ فائق للطبيعة وليس أكثر من هذا، واعتبر أن ميلاد الابن حدث فى الزمن وليس قبل الزمن. أمّا النقطة التى ذهب بها أونوميوس أبعد من آريوس فكانت هى إثبات إمكانية إدراك العقل البشرى للجوهر الإلهى، وقال إن أولئك الذين يُصرِّحون بأن الله فى جوهره لا يُدرَك بالعقل، والذين يُعلِّمون أنه إنما يُعرف جزئيًا وبعلامات ودلائل، إنما هم يُعلِّمون (الناس) إلهًا غير معروف، وينكرون كل معرفة ممكنة لله، ولذلك حيث إنه بدون معرفة الله لا يمكن أن توجد مسيحية، فهؤلاء لا يستخدمون أيضًا اسم مسيحيين.

[2] كان إتيوس هو معلم أونوميوس وأصبح أسقفًا على إنطاكية، الكرسى الذى ضُمن له بواسطة الآريوسي أودوكسيوس Eudoxius والذى تمكن من الحصول على (كرسى) سيزيكوس لأونوميوس. وعلى أى حال فإن كلاً من إتيوس وأونوميوس قد عُزلا حوالى عام 360م.

[3] كان ديموفيلوس أسقفًا على القسطنطينية أيام الإمبراطور فالنس (378م)، ولكن عند تبوّأ الإمبراطور ثيؤدوسيوس الكبير، فإنه اضطر إلى ترك كرسيه، الذى أُعطى إلى غريغوريوس النزينزى.

[4] 1كو13:1.

[5] يرى هيراكلس Hercules أنه من المستحيل قتل الطحلب الهدرا (نوع من أنواع ثعابين البحر الغريبة والضخمة) الموجود فى المستنقعات الليرنية Lernean marshes بمجرد ضربها فقط على الرأس، من حيث إنه حتى إذا قُطع جزء منها، فإن اثنين ينميان مكانه للتو، لذلك يصبح من اللازم تجفيف الجرح بالنار، كما أنه يوجد واحد من رؤوسها دون أن يموت، ويقول هيراكلس إنه يمكن التخلص منه فقط بسحقه تحت صخرة كبيرة.

[6] المقصود بنوته للآب، وهنا يشير القديس أمبروسيوس إلى كولوسى15:1.

[7] قارن يوحنا45:12 ” والذى يرانى يرى الذى أرسلنى“.

[8] إن بهاء أو ضياء أىّ جسم يظل موجودًا طالما أن هذا الجسم موجود؛ ولأن الآب أزلى فالابن الذى هو بهاؤه يجب أن يكون هو أزليًا أيضًا.

[9] انظر يو9:14ـ10.

[10] أو من يرى الآب فى الابن يراه كما فى صورة شخصية Portrait.

[11]  المسيح هو : الحق : يو6:14؛ البر: إر16،33، إر6:23، 1كو30:1؛ قوة الله: 1كو24:1.

[12] المسيح هو: الكلمة: انظر يو1:1ـ18؛ الحكمة: 1كو24:1، 1كو30:1؛ القيامة والحياة: يو25:11.

[13] يقصد الآب .

[14]  يقصد الابن .

[15] يقصد القديس يوحنا الرسول لأنه كان صيادًا للسمك.

[16] السابيلية تضعف التمييز بين الأقانيم الثلاثة في اللاهوت، وتجعله مجرد تمييز أشكال متعددة لنفس الشخص. إنهم لا يقسمون الجوهر ولكنهم خلطوا الأقانيم.

[17] كان أونوميوس معلِّمًا وقائدًا آريوسيًا، والبرهان والحُجَّة المبسوطتان ضده هنا مِن المناسب أن توجه أيضًا ضد آريوس نفسه.

[18] فكيف تتعامل مع مثل هذه الشواهد: ” أنت أنت وسنوك لن تفنى“، ” أنا هو الرب، أنا لا أتغير، فأنتم يا أبناء يعقوب لن تهلكوا“، ” أبى الأنوار الذي ليس عنده تغيير ولا ظل دوران“.

[19] يو23:5 ” لكى يكرم الجميع الابن كما يكرمون الآب، مَن لا يكرم الابن لا يُكرم الآب الذي أرسله“.

[20] مز6:139: ” عجيبة هذه المعرفة فوقى، ارتَفَعَتْ لا أستطيعها“.

[21] قارن إشعياء5:6.

[22] 2كو2:12ـ5.

[23] قد يكون الشاهد هنا هو إش5:49س ” والآن قال الرب جابلى من الرحم (البطن)“.

[24] 1صم14:13 ” .. قد انتخب الرب لنفسه رجلاً حسب قلبه ..” .

[25] مز2:97 ” أحيَت (خلَّصت) له يمينه وذراعه القدوسة .. “.

[26] مز9:27 ” لا تحجب وجهك عنى ..” .

[27] أى دون أن يعتريه أى تغيير فى نفسه.

[28] يو20:5 ” لأن الآب يحب الابن “.

[29] انظر مت17:3، مر11:1، لو22:3.

[30] انظر يو22:5و23، يو35:3، يو1:17و2و5.

[31] انظر لو36:23و37.

[32] انظر قانون الإيمان النيقاوى.

[33] انظر عب3:1

[34] انظر دا25:3.

[35] تك1:18ـ3.

[36] مت6:17ـ8.

[37] مت7:17.

[38] خر14:3.

[39] أع38:7.

[40] المقصود بهذا الكلام أن الوثنيين يعبدون آلهة غير حقيقية، ولكنهم على الأقل لديهم الاحتشام والتوقير ليعتبروها فى درجة أعلى من المخلوقات البشرية، ولا ينقصون بعناد من قدرها.

[41] كو15:1.

[42] يو14:1.

[43] النعمة التى يتكلم عنها القديس أمبروسيوس هى نعمة التبنى. إن يسوع المسيح هو ابن الله “بالطبيعة” (fÚsi) أمّا نحن فأبناء الله “بالتبنى” (uƒoqes…v).

[44] وانظر مت46:27، مر24:15.

[45] أع36:2، وقارن 1يو3:4

[46] أم22:8س وفى العبرية: ” الله قنانى“.

[47] مز12:22، قارن مت36:27، لو35:23.

[48] مز18:22، قارن مت35:37، مر24:15، لو34:23، يو23:19، 24.

[49] إش11:45س، أما بحسب الترجمة العبرية فإن النص هو: ” اسألوني عن الآتيات“.

[50] مز9:33، مز5:148.

[51] عد21:14 ” ولكن حيٌّ أنا فتُملأ كل الأرض من مجد الرب“.

[52] مز19:72 ” ومبارك اسم مجده إلى الدهر، ولتمتلئ الأرض كلها من مجده“؛ إش3:6 “ وهذا نادي ذاك وقال: قدوس قدوس قدوس رب الجنود، مجده ملء كل الأرض“؛ زك9:14 ” ويكون الرب ملكًا على كل الأرض، في ذلك اليوم يكون الرب وحده واسمه وحده“.

[53]  يو6:14.

[54] انظر يو30:10.

[55] انظر يو19:5و21.

[56] انظر مت33:14.

[57] انظر يو41:12.

[58] يقصد القديس أمبروسيوس أن كُفر الآريوسيين يحاولون أن يخفوا حقيقته، تمامًا كما تحاول النسوة إخفاء حقيقة وجوههن باستخدام الأصباغ والدهانات للوجه، هذه الأمور التي كانت منتشرة في الشرق وانتقلت إلى اليونان (اقرأ عن إيزابل عندما كحلت بالأُثمد عينيها 2مل30:9 وأيضًا حز40:23).

[59] يتبع القديس هنا ما هو جارٍ في سجلات مجلس الشيوخ في القديم، عندما كان يُصمت عن ذكر شخص ما، وتُسقط الكتابة عنه، ويُفهم أن سبب الإبعاد غالبًا ما يكون تدنيًا أخلاقيًا خطيرًا. هكذا بالمثل لا يُذكر آريوس أو الآريوسية صراحة بالاسم، حتى لا تُدان بشكل صريح.

[60] انظر الفصلين الثالث والخامس.

[61] انظر مت20:18.

[62] انظر الفصلين الثالث والخامس.

[63] عُقد مجمع أرمينيوم عام 359م إبان حكم الإمبراطور قنسطنطيوس، وحضره أكثر من أربعمائة أسقف، وهؤلاء أعلموا الإمبراطور أنهم مصمِّمون على ألاّ يسمحوا بأي تغيير بخصوص ما قُرِّر في مجمع نيقية، وهذا هو المعروف بـ ” الإقرار الأول “. ولكن مع ذلك فإن هذا الإقرار لم يُحافظ عليه طويلاً، لأن الأساقفة، إلى حدٍّ ما، بسبب إرهاب الإمبراطور، وجزئيًا بسبب أنهم خُدعوا من الآريوسيين، فإنهم وافقوا على أن يحذفوا الكلمات: ” طبيعة Substance” و” من نفس الجوهر Consubstantial”، ولكن بعد هذا كان “التصحيح” والذي يسميه القديس أمبروسيوس “الثاني”، والذي تمَّ إما بأولئك الأساقفة الذين إذ عرفوا خطأهم سحبوا قرارات المجمع الذي عُقد في أرمينيوم، أو بواسطة المجامع التي تلته، وبالتحديد مجامع الأسكندرية (الذي ترأسه القديس أثناسيوس) وباريس   (362م) وروما (الذي ترأسه داماسوس عام 369م).

[64] أع18:1. يبدو أن آريوس انتابته إصابة مرعبة بالكوليرا أو بميكروب من نفس النوع. انظر:

Newman, Arians of the Fourth century chII:2 & Robertson, History of The Christian Church: vol. I, pp 301-2, ed. 1875.

[65] كو17:1 ” فيه يقوم الكل “.

[66] مز1:45س “فاض قلبى بكلام صالح”

[67] غل4:4ـ5 “ولكن لما جاء ملء الزمان، أرسل الله ابنه: مولودًا من امرأة، مولودًا تحت الناموس ليفتدى الذين تحت الناموس لننال التبنى“.

[68] انظر يو14:8

[69] انظر 1يو23:2

[70] قارن خر14:3 ” أهيه الذي أهيه” أى “أكون الذي أكون” مع ملا6:3 “ أنا الرب لا أتغيَّر“، حيث يجمعهما القديس أمبروسيوس في تعبير واحد.

[71] مز1:39و2، 3:141و4.

[72] يقابل القديس أمبروسيوس ظهور السيرافيم لإشعياء بظهور الرب للناس في الجسد في حياتهم اليومية، انظر إش6:6و7، 1تي16:3.

[73] يقصد بهذا، أنه غير متوفر في الطقس الموسوي، وأيضًا لا يختص بالخليقة القديمة، وإنما هو عربون وسبق للجديد (رؤ5:21) ” وقال الجالس على العرش، ها أنا أصنع كل شئ جديدًا“.

[74] انظر يو32:6 و 50ـ51.

[75] قض13:9 ” فقالت لها الكرمة أ أترك مسطاري (خمرى) الذي يُفرِّح الله والناس“.

[76] انظر مت21:19 ” اذهب وبع أملاكك … وتعال اتبعني“.

[77] انظر كو15:1و16.

 

شرح الإيمان المسيحى ج2 – ق. أمبروسيوس – د. نصحى عبد الشهيد

شرح الإيمان المسيحى ج1 – ق. أمبروسيوس – د. نصحى عبد الشهيد

شرح الإيمان المسيحى ج1 – ق. أمبروسيوس – د. نصحى عبد الشهيد

 

شرح الإيمان المسيحى ج1 – ق. أمبروسيوس – د. نصحى عبد الشهيد

 

الكتاب الأول

مقدمة

 

         1 ـ نقرأ فى كتاب الملوك أن ملكة الجنوب قد أتت لتسمع حكمة سليمان[1] ونقرأ أن الملك حيرام أرسل إلى الملك سليمان ليختبره[2]، وهكذا فإن جلالتك المقدس إذ قد تتبَّعت هذه الأمثلة القديمة، فقد قررت أن تسمع مني الاعتراف بالإيمان. ولكنى لست سليمان حتى تتعجب من حكمتي، كما أن جلالتكم أوغسطس وحاكم العالم كله، والذى طلب مني القيام بوضع (بنود) الإيمان فى كتاب، وهذا ليس بقصد تعليم فخامتكم ، ولكن لكى ينال الكتاب موافقتكم.

 

         2 ـ فلأي سبب أيها الإمبراطور أوغسطس تتوجه جلالتكم لتتعلم الإيمان، هذا الذي منذ طفولتكم المبكرة قد حفظتموه بتقوى وبمحبة؟ كما يقول الكتاب: ” قبلما صوَّرتك فى البطن عرفتك، وقبلما خرجت من الرحم قدَّستك” (إر5:1). فالتقديس إذن لا يأتى من التقليد ولكن من عمل الروح، لذلك اسهر على مواهب الله وحافظ عليها، هذه التى وإن لم يُعلِّمك إياها أحد من الناس، ولكن بالتأكيد فإن الله هو الذى منحك وألهمك إياها..

 

          3 ـ إن جلالتك المقدس، وأنتم قاصدون الذهاب إلى الحرب تطلبون منى كتابًا لأفسّر وأشرح فيه الإيمان، وأنتم تعلمون أن إحراز الانتصارات إنما يكون بالإيمان بالقائد، أكثر من شجاعة الجنود. إن إبراهيم دخل المعركة ومعه 318 رجلاً[3]، واسترد الغنائم من الأعداء الكثيرين، وبقوة تلك التى هى كانت إشارة إلى صليب مخلصنا واسمه[4]، قَهَر قوة خمسة ملوك مع جيوشهم، فإنه انتقم لجيرانه ونال النصرة وفدى ابن أخيه (أى لوط).

          وبالمثل فإن يشوع بن نون عندما لم يستطع أن يتغلب على العدو بقوة كل جيشه[5]، فإنه انتصر بصوت سبعة أبواق مقدسة فى المكان الذى أبصر فيه وتعرَّف على رئيس جند السماء[6]. فجلالتكم الآن تُعدُّون للانتصار إذ أنك أنت خادم المسيح المخلص، والمدافع عن الإيمان الذى تطلب منى جلالتكم أن أقدمه لكم مكتوبًا فى كتاب.

 

         4 ـ وحقيقةً سوف آخذ على عاتقى واجب الوعظ للمحافظة على الإيمان أكثر من أسلوب الجدل حول الإيمان.. لأن الأسلوب الأول (الوعظ) يعنى الاعتراف بالإيمان بتقوى وورع، بينا الأسلوب الثانى (الجدل) يكون عرضة إلى افتراضات طائشة متهورة. ونظرًا لأن جلالتكم لستم فى حاجة إلى وعظ، فإنى لا أطلب الاعتذار عن واجب الولاء لكم (بالكتابة)، بل سوف آخذ على عاتقى القيام بعمل جرئ، ولكنه فى نفس الوقت معتدل وبسيط، لا يعتمد كثيرًا على العقل والجدال بخصوص الإيمان، بقدر ما يعتمد على جمع عددًا كبيرًا من الشواهد معًا[7].

 

          5 ـ وكذلك من خلال أعمال المجامع المسكونية، فسوف أجعل أحدها هو دليلى الأساسى، وهو الذى قرَّره الثلاثمائة والثمانية عشر أسقفًا[8]، الذين هم على مثال الذين خرجوا مع إبراهيم (للحرب)، ليكون قرارهم (إن جاز القول) نصب يُقام لإعلان انتصارهم على الكفر[9] فى كل العالم، هذا الانتصار الذى ساد بسبب قوة الإيمان الذى اتفق عليه الجميع، وحقًا كما يبدو لى، فإنه يمكن للمرء أن يرى يد الله فى هذا، نظرًا لأن العدد الذى كان له سلطة القرار فى مجمعنا بخصوص الإيمان، هو نفسه كان مثالاً للولاء فى السجلات القديمة (يقصد سفر التكوين بخصوص إبراهيم).

 

 

 الفصل الأول

ملخص:

      يُميِّز الكاتب بين الإيمان وبين أخطاء الوثنيين واليهود، وبعد أن يشرح مغزى الأسماء: الله فى الآب، فإنه يبين بوضوح الفرق بين الأقانيم Persons فى وحدة الجوهر. إن الآريوسيين بتقسيمهم للجوهر، لا يدخلون فقط الاعتقاد بثلاثة آلهة ، بل يُسقطون أيضًا ربوبية الثالوث.

 

          6 ـ وهذا هو بيان وإقرار إيماننا، نحن نقول إن الله واحد، ونحن لا نفصل ابنه عنه كما يفعل الوثنيون[10]؛ ولا ننكر ـ كما يفعل اليهود، أن الابن مولود من الآب قبل كل الدهور، وبعد ذلك وُلد من العذراء، كما أننا لسنا مثل سابيليوس[11] الذى خلط الآب مع الكلمة وبهذا يؤكد ويدافع عن أن الآب والابن هما ذات ونفس الشخص. وأيضًا ليس كما فعل فوتينوس[12] Photinus الذى يتمسك بأن الابن بدأ وجوده فى بطن العذراء. ولا نعتقد مع آريوس[13] فى وجود سلطات متعددة، وبهذا فهو مثل الوثنيين ـ الذين يعيشون فى الجهل والظلام ـ وهكذا يكون عند آريوس أكثر من إله واحد. أما الوحى فيقول: ” اسمع يا إسرائيل الرب إلهك إله واحد“.

 

          7 ـ إن إله ورب هما اسم للجلالة (الإلهية)، اسم للقوة، كما يقول الله نفسه: ” يهوه…، هذا اسمي” (خر15:3)، وكما يعلن النبى فى موضع آخر: ” أنا الرب، هذا اسمي” (إش8:42). لذلك فالله يكون “هو”، كما أنه الرب، وهذا إما بسبب أن سلطانه هو على الكل، أو لأن هو ضابط كل الأشياء، والجميع يخشونه بلا استثناء.

 

          8 ـ إذن ، إن كان الله واحدًا، فواحد هو الاسم، وواحدة هى القوة التى للثالوث. والمسيح نفسه قال بحق: ” اذهبوا عمّدوا الأمم باسم الآب والابن والروح القدس” (مت19:28). لاحظ أنه يقول باسم وليس بأسماء .

 

          9 ـ وأكثر من هذا ، فإن المسيح نفسه يقول: ” أنا والآب (نحن معًا) واحد“، وهو يقول واحد حتى لا يكون هناك انفصال فى القوة والطبيعة، ولكن لاحظ مرة أخرى انه يقول: “نحن” (يقصد الآب والابن)، حتى يمكنك أن تتعرف على وجود الآب والابن نظرًا لأننا نؤمن أن الآب الكامل قد ولد الابن الكامل، وأن الآب والابن هما واحد، وليس باختلاط الأشخاص ولكن بوحدانية الطبيعة.

 

          10 ـ لذلك نحن نقول إنه يوجد إله واحد وليس إلهان أو ثلاثة. لأنه من الخطأ القول بوجود ثلاثة آلهة لأن هذا ما وقعت فيه هرطقة الآريوسيين الكفرة، عديمة التقوى، بما فيها من تجاديف، وبهذا فإنها تقسّم ألوهية الثالوث، بينما فى قول الرب: ” اذهبوا عمّدوا جميع الأمم باسم الآب والابن والروح القدس” يُوضِّح أن الثالوث هو قوة واحدة. نحن نعترف بالآب والابن والروح، وبذلك نفهم كمال ملء الألوهية وكمال وحدة القوة، فى ثالوث كامل.

 

          11 ـ يقول الرب: ” كل مملكة منقسمة على ذاتها تخرب سريعًا“. إن مملكة الثالوث لا تنقسم، فإن كانت غير منقسمة فهى واحدة، لأن ما ليس هو واحد فهو منقسم، أما الآريوسيون فيريدون أن تكون مملكة الثالوث من النوع الذى يخرب بسهولة، بأن يجعلوها تنقسم على نفسها. ولكن إذ نحن نرى بالحق أنها لا يمكن أن تخرب ، فمن الواضح أنها غير منقسمة. لأنه لا توجد وحدانية تنقسم أو تنشطر إلى نصفين، لذلك فلا الزمن ولا الفناء يقوى عليها.

 

 

الفصل الثانى

ملخَّص:

      يحضّ الإمبراطور ليظهر غيرة على الإيمان، إن ألوهية المسيح الكاملة تتضح من خلال وحدة الإرادة والعمل اللذين له مع الآب. إن صفات الألوهية يُبيَّن أنها خاصة بالمسيح ولائقة به، وهو الذى تبرهن ألقابه المختلفة على وحدته الجوهرية (مع الآب) مع تمايز الأشخاص  ولا يمكن أن يحافظ على وحدانية الله بأية طريقة أخرى.

 

12ـ يقول الكتاب: ” ليس كل مَن يقول لى يارب يارب يدخل ملكوت السموات” (مت21:7). فالإيمان إذن أيها الإمبراطور الجليل لا يجب أن يكون مجرد عمل نؤديه، لأنه مكتوب: ” غيرة بيتك أكلتنى[14]. دعنا إذن بروح مؤمنة مخلصة، نصلى ليسوع الرب، دعنا نؤمن أنه إله، وغايتنا من هذا هى أن كل ما نسأله من الآب باسمه يعطينا[15]، لأن هذه هى مشيئة الآب أن التوسل إليه يكون عن طريق الابن، الابن الذى به نتوسل إلى الآب[16].

 

13ـ إن نعمة طاعته تناسب وتوافق تعليمنا، وأعمال قوته تتوافق أيضًا مع هذا التعليم. لأن مهما كانت الأشياء التى يعملها الآب، فهى نفسها التى يعملها الابن كذلك[17]. إن الابن يعمل نفس الأشياء، ويعمل بطريقة مماثلة، ولكن الابن يعمل بحسب مشيئة الآب في الشئ الذى يريد أن يفعله حتى يمكنك أن تفهم، ليس أنه لا يمكنه أن يعمل بطريقة أخرى، بل يمكنك أن تفهم أن هناك قوة واحدة تظهر للعيان. إذن فينبغى أن يكرّم ابن الله ويُعبد حقيقة، الذى بقوة لاهوته قد وضع أساسات العالم وبطاعته هذب مشاعرنا[18].

 

14ـ لذلك يجب أن نؤمن أن الله صالح، أبدى، كامل، كُلَّى القدرة، وحق مثلما يظهر لنا من خلال الناموس والأنبياء وبقية الكتب المقدسة، وبخلاف ذلك لا يوجد إله[19]. لأن الذى هو إله لا يمكن أن يكون إلاّ صالحًا، لأننا نرى أن كمال الصلاح هو من طبيعة الله[20]. كما أنه لا يمكن لله الذى خلق الزمن أن يكون زمنيًا (خاضعًا للزمن) ، وأيضًا لا يمكن أن يكون الله غير كامل، فواضح أن أى كائن أدنى هو غير كامل، إذ نرى أنه ينقصه شئ يمكنه به أن يصير مساويًا لمن هو أعظم منه. هذا إذن هو تعليم إيماننا، وهو أن الله صالح، وأنه لا يوجد شئ مستحيل عند الله، وأن الله لم يوجد في الزمن، وأن الله أعلا من كل الكائنات. وإن كنت على خطأ، فدع خصومى يبرهنون على خطأى.

 

15ـ إذن، فإذ نرى أن المسيح هو الله، فتبعًا لذلك فهو صالح وكُلِّى القدرة وأبدى وكامل وحق ، لأن هذه الخاصيات تخص الطبيعة الجوهرية للألوهية. دع خصومنا ينكرون الطبيعة الإلهية التى في المسيح، وإلاّ فإنه لا يمكنهم أن يرفضوا بالنسبة لله، ما هو خاص بالطبيعة الإلهية ولائق بها.

 

16ـ علاوة على ذلك، وحتى لا يقع أحد في خطأ، ليت الإنسان يصغى لتلك العلامات التى أعطتها لنا الكتب المقدسة، والتى يمكننا بها أن نعرف الابن. إنه يُسّمى الكلمة والابن وقوة الله وحكمة الله[21]. فهو الكلمة لأنه بلا لوم، وهو القوة لأنه كامل، وهو الابن لأنه مولود من الآب، وهو الحكمة لأنه واحد مع الآب، واحد في الأبدية، واحد في الألوهية. ليس أن الآب شخص واحد مع الابن، فبين الآب والابن يوجد تمايز واضح، ناتج عن الولادة[22]. هكذا المسيح هو إله من إله، أبدى دائم من أبدى دائم، الملء من الملء[23].

 

17ـ والآن فإن هذه ليست هى مجرد أسماء، إنما علامات قوة تُعلن نفسها من خلال الأعمال، لأنه بينما يوجد ملء الألوهية في الآب، فإنه يوجد أيضًا ملء الألوهية في الابن، ليسا مختلفين، بل هما واحد. إن اللاهوت ليس شيئًا به اختلاط، إذ أنه وحدة، وليس متعددًا (في الجوهر)، لأنه لا اختلاف في الجوهر.

 

18ـ وعلاوة على ذلك، إن كان قد كُتب بخصوص جميع الذين آمنوا أنه كان لهم نفس واحدة وقلب واحد[24]، “وإن كان كل واحد يلتصق بالرب يكون معه روحًا واحدًا” (1كو17:6) كما يقول الرسول، وإن كان الرجل وزوجته يكونان جسدًا واحدًا[25]، وإن كنا نحن جميعنا البشر المائتين بحسب طبيعتنا المشتركة نكون من جوهر واحد. وإن كان هذا هو ما يقوله الكتاب المقدس بخصوص الإنسان المخلوق، إنه وإن كان متعددًا لكنه واحد[26]، وهو الذى لا يمكن أن يُقارن بالأقانيم الإلهية، فكم بالحرى يكون الآب والابن واحدًا في الألوهية، وهما اللذان لا يوجد بينهما أى اختلاف في الجوهر أو المشيئة !

 

19ـ لأنه بأى كيفية أخرى يمكننا أن نقول إن الله واحد؟ إن الألوهية تحوى التعدد، ولكن وحدة القدرة تمنع وتُعارض كمية العدد، إذ أننا نرى أن الوحدة ليست عددًا؛ ولكن هى نفسها أصل ومبدأ جميع الأعداد.

 

 

 

الفصل الثالث

       ملخَّص:

من الشواهد التى تُجمع من الكتب المقدسة، يمكن البرهنة على وحدانية الآب والابن. وأولاً فإنه تؤخذ آية من كتاب إشعياء وتُقارن مع آيات أخرى وتُفَّسر بطريقة لتبين أنه لا يوجد اختلاف في طبيعة الابن عن طبيعة الآب، إلاّ فيما ما يتعلق بالجسد، ويتبع هذا أن اللاهوت في الأقنومين واحد، وهذا الاستنتاج يُصَّدق عليه بالرجوع إلى سفر باروخ.

 

20ـ والآن فإن أقوال الأنبياء تشهد أيّة وحدة قوية توضح الكتب المقدسة أنها تقوم بين الآب والابن فيما يخص ألوهيتهما. لأنه هكذا يقول رب الصباؤوت[27]: ” تعب مصر وتجارة الأثيوبيون والسبئيون الرجال الأقوياء يعبرون إليك، ويصيرون عبيدك، وخلفك يتبعون، وهم مربوطون بالقيود ويسجدون أمامك، وإليك يتضرعون لأن الله فيك، ولا يوجد إله آخر معك لأنك أنت الله، ولا نعرف آخر يا إله إسرائيل” (إش14:45).

 

21ـ اسمع صوت النبى:” إن الله فيك، ولا يوجد إله آخر معك“. كيف يتفق هذا مع تعليم الآريوسيين؟ يجب عليهم أن ينكروا إما ألوهية الآب أو الابن إن لم يؤمنوا ـ مرة واحدة ـ بوحدة نفس الألوهية.

 

22ـ يقول: ” لأن الله فيك“، لأن الآب في الابن، لأنه مكتوب:” الآب الحال فىَّ هو نفسه يتكلم“، وأيضًا:” الأعمال التى أعملها هو نفسه أيضًا يعملها” (يو10:14)، وأيضًا نقرأ ثانية أن الابن في الآب:” إنى أنا في الآب والآب فىَّ” (يو10:14). دع الآريوسيين إن استطاعوا أن يزعزعوا هذه الوحدة التى في الطبيعة وفي العمل.

 

23ـ لذلك فإنه يوجد إله، وليس إلهان، لأنه مكتوب أنه يوجد إله واحد[28]، ورب في رب[29]، ولكن ليس ربَّان، لأنه بخصوص هذا قد كتب:  “ لا تخدم سّيدين (رّبين)” (مت24:6)، ويقول الناموس ” اسمع يا إسرائيل الرب إلهك رب واحد” (تث4:6)، وكذلك في نفس العهد مكتوب: ” فأمطر الرب من عند الرب” (تك24:19)، وبالمثل يمكنك أن تقرأ في سفر التكوين: “ وقال الله… فعمل الله” (تك6:1و7)، وفي مكان آخر قبل ذلك يقول: ” فخلق الله الإنسان على صورة الله” (تك26:1و27)، إذن ليس هناك إلهان ولكن إله واحد الذى خلق الإنسان. ففى أى وضع كما في الآخر، فإن وحدة العمل والاسم تظل مؤكدة، لأنه بالضرورة عندما نقرأ: ” إله من إله”[30]، فنحن لا نتكلم عن إلهين.

 

24ـ مرة أخرى، فإنك تقرأ في المزمور الرابع والأربعين[31] كيف أن النبى يدعو ليس فقط الآب إلهًا بل يدعو أيضًا الابن إلهًا، حيث يقول:       ” كرسيك يا الله إلى دهر الدهور” [مز44(45):6]، وعلاوة على ذلك:     “ الله (الذى هو) إلهك قد مسحك بزيت البهجة أفضل من رفقائك” [مز44(45):7]. الله هذا هو الذى يَمسَح، والله الذى هو في الجسد والذى يُمسَح هو ابن الله، لأنه أى رفقاء للمسيح في مسحته سوى أولئك الذين صاروا له وهو في الجسد؟ فأنت ترى إذن أن الله يُمسَح بواسطة الله، ولكنه إذ يُمسَح وهو متخذ الطبيعة البشرية فإنه يُكرز به أنه “ابن الله”، إذن أساس الناموس لم ينكسر.

 

25ـ لذلك أيضًا عندما تقرأ: ” الرب أمطر من عند الرب“، فإنك تُقِرُّ وتعترف بوحدانية الألوهة، لأن الوحدانية في العمل لا تسمح بأكثر من إله واحد قائم بذاته، كما أوضح ذلك الرب نفسه بقوله: ” صدَّقونى أنى أنا في الآب والآب فىَّ، وإلاّ فصدقونى بسبب الأعمال نفسها” (يو38:10، 11:14). هنا نرى أيضًا وحدانية الألوهة مُعبَّرًا عنها بوحدانية العمل.

 

26ـ والرسول وهو يثبت بعناية أنه يوجد لاهوت واحد  للآب والابن معًا، وربوبية واحدة ـ حتى لا نندفع نحو أى خطأ، سواء نحو الوثنيين أو عدم تقوى اليهود ـ فإنه يوضِّح لنا القاعدة التى يجب علينا أن نتبعها، فيقول: “ إله واحد الآب الذى منه جميع الأشياء ونحن له، ورب واحد يسوع المسيح الذى به جميع الأشياء ونحن به” (1كو6:8)، فكما أنه في تسميته يسوع المسيح أنه “رب” فإنه لم ينكر أن الآب أيضًا “رب”، هكذا أيضًا في قوله: ” إله واحد الآب” فإنه لا ينكر ألوهية الابن الحقيقية، وهكذا فإنه يُعلّم ليس أنه يوجد أكثر من إله واحد، بل هو (يُعلَّم أن) مصدر القوة هو واحد، نظرًا لأن الألوهة تتضمن الربوبية، والربوبية تتضمن الألوهة، كما هو مكتوب: ” اعلموا (بتأكيد) أن الرب هو الله، هو صنعنا وليس نحن” (مو3:99س).

 

27ـ لذلك ” فيك” “الله” بحسب وحدانية الطبيعة، ” ولا يوجد معك آخر” بسبب الملكية الشخصية للجوهر بدون أى تحفظ أو اختلاف[32].

 

28ـ وأيضًا فإن الكتاب المقدس يتكلم في سفر إرميا عن إله واحد ومع ذلك فهو يعترف بكلا الآب والابن، فنقرأ: ” هو إلهنا، وبالمقارنة معه، لا يعادله آخر، إنه كشف جميع طرق المعرفة وأعطاها ليعقوب عبده وإسرائيل محبوبه. بعد ذلك ظهر على الأرض وتكلم مع الناس[33].

 

29ـ النبى يتكلم عن الابن، لأنه هو نفسه الذى تحَّدث مع الناس، وهذا ما يقوله: ” هو إلهنا، وبالمقارنة معه لا يعادله آخر “. لماذا نشك فيه هذا الذى يقول عنه نبى عظيم مثل هذا إنه لا يوجد من يُقَارن به؟ أى مقارنة مع آخر يُمكن أن تعمل عندما يكون الله واحدًا؟ هذا هو اعتراف أناس محفوفين بالمخاطر وهم يحترمون ويُوقِّرون الأمور الدينية، ولذلك فهم غير متمرسين في صراع المجادلات.

 

30   ـ تعالَ أيها الروح القدس وساعد أنبياءك الذين أردت أن تسكن فيهم، الذين نؤمن بهم. هل نؤمن بحكمة هذا العالم إن كنا لا نؤمن بالأنبياء؟ ولكن أين الحكيم، أين الكاتب؟ بينما هذا القروى[34] الذى يزرع التين، قد وجد ما لم يعرفه الفلاسفة، لأن الله قد اختار جُهَّال العالم ليخزى الأقوياء[35]. هل نصّدق اليهود؟ لأن الله عُرف مرة من قبل في اليهودية. لا، إنهم ينكرون نفس الشئ الذى هو أساس إيماننا، فهم كما نرى لا يعرفون الآب إذ هم ينكرون الابن[36].

 

 

 

 

 

الفصل الرابع

ملخص:

      وحدانية الله يُستدلُّ عليها بالضرورة في نظام الطبيعة، وفي الإيمان وفي المعمودية. إن هدايا المجوس توضح وحدانية الألوهة كما توضح ألوهية المسيح وإنسانيته. إن حقيقة عقيدة الثالوث في الوحدانية تظهر في الملاك الماشى في وسط الأتون في شدرخ وميشخ وعبدنغو.

 

          31ـ إن الطبيعة كلها تشهد على وحدانية الله من حيث إن العالم كله واحد. الإيمان يعلن أنه يوجد إله واحد، إذ أننا نرى اعتقادًا واحدًا في كلا العهدين القديم والجديد، أما عن وجود روح واحد[37] كُلِّى القداسة، فهذا ما تشهد له النعمة، لأنه توجد معمودية واحدة باسم الثالوث. إن الأنبياء يُعلنون، والرسل يسمعون صوت إله واحد. إن المجوس يؤمنون بإله واحد، وقد أحضروا معهم ـ تعبدًا وإكرامًا ـ ذهبًا ولبانًا ومرًا، وهم ذاهبون إلى مزود المسيح معترفين من خلال الذهب بملوكيته، ومن خلال البخور كانوا يعبدونه كإله، لأن الذهب هو علامة الملوكية، والبخور علامة الألوهة، والمُرّ علامة الدفن.

 

          32ـ ماذا إذًا كان معنى الهدايا السَّرية التي قُدَّمت، في إسطبل البهائم الوضيع، سوى أنه يجب أن نميِّز في المسيح الفرق بين الألوهة والجسد؟ إنه يُنظر إليه كإنسان[38] ولكنه يُعبد كرب. إنه راقد وسط الأقمطة ولكنه يشرق وسط النجوم. إن المهد يكشف ميلاده ولكن الكواكب تبرهن على سلطانه[39]. إنه الجسد هو المُقمّط في الملابس ولكن الألوهة تتقبّل خدمة الملائكة، وبهذا فإن كرامة عظمته الطبيعية لم تُفقد وبهذا يتبرهن اتخاذه للجسد حقًا.

 

          33ـ هذا هو إيماننا، ولقد أراد الله، أنه ينبغى أن يكون معروفًا هكذا من الجميع، وهكذا آمن الثلاثة فتية[40] ولم يشعروا بالنار التي أُلقوا في وسطها، النار التي أهلكت وأحرقت غير المؤمنين[41]، بينما صارت بلا ضرر وكَنَدَى على المؤمنين[42]، الذين صارت النيران التي أشعلت بواسطة الآخرين باردة بالنسبة لهم، لأن الأتون قد فقد قوته تمامًا في المعركة ضد الإيمان فقد كان في وسطهم واحد في شكل ملاك[43] يُعزيهم[44] وذلك بهدف أنه في عدد الثالوث يُقدم التسبيح والتمجيد لقوة واحدة فائقة السمو. لقد تمجد الله، ورأوا ابن الله في ملاك الله، والنعمة المقدسة الروحانية تكلَّمت في الفتية[45].

الفصل الخامس

ملخص:

      يذكر التجاديف المختلفة التى نطق بها الآريوسيين ضد المسيح، وقَبل الإجابة عنها، فإنه يحث المستقيمى الرأى (الأرثوذكس) لكى يحترسوا من حجج الفلاسفة المضللة نظرًا لأنهم (أى الفلاسفة) يضعون أملهم في هذه الحجج.

 

          34ـ دعنا نتمعن في معارك الآريوسيين بخصوص ابن الله.

 

          35ـ إنهم يقولون إن ابن الله ليس مثل أبيه، وأن يُقال هذا عن إنسان فهذا يكون إهانة[46] له.

 

          36ـ يقولون إن ابن الله له بداءة في الزمن، بينما هو نفسه مصدر الزمن ومنظمه بكل ما (يوجد) فيه. نحن بشر ولا نريد أن نكون محدودين بالزمن لقد بدأ وجودنا مرة (في الزمن) ونحن نؤمن أنه سوف يكون لنا وجود (بعد ذلك) غير محدد بزمن. نحن نشتاق إلى الخلود فكيف يمكن إذن أن ننكر أزلية ابن الله، الذي أُعلِنَ أنه أزلى بالطبيعة، وليس بالنعمة؟

 

          37ـ إنهم يقولون إنه مخلوق، ولكن هل يُحصَى الصانع مع مصنوعاته وكيف نجعله يبدو وكأنه أحد المصنوعات التي صنعها هو نفسه؟

 

          38ـ إنهم ينكرون صلاحه وتجديفهم هذا هو نفسه الذي يدينهم، لذلك فلا يوجد رجاء لهم للغفران.

          39ـ إنهم ينكرون أنه بالحقيقة ابن الله، وينكرون أنه كُلِّى القدرة إذ بينما هم يزعمون أن كل الأشياء قد صُنِعَت عن طريق خدمة الابن، فإنهم ينسبون المصدر الأصلي لوجود هذه الأشياء إلى قوة الله. ولكن ماذا تكون القوة سوى اكتمال الطبيعة[47]؟

 

          40ـ وأكثر من هذا، فإن الآريوسيين ينكرون أن الابن واحد مع الآب في الألوهة[48]. دعهم إذن يلغون الإنجيل، ويُسكتون صوت المسيح. لأن المسيح نفسه قال: ” أنا والآب واحد ” (يو30:10)، لستُ أنا الذي أقول هذا، المسيح هو الذي قال. فهل المسيح مخادع حتى يكذب[49]؟ وهل هو آثم حتى يَّدعى لنفسه ما لم يكنه بالمرة. وبخصوص هذه الأمور فنحن سوف نتناولها مرات عديدة، وبإسهاب أكبر في مكانها المناسب.

 

          41ـ وإذ نرى أن الهرطوقى يقول إن المسيح ليس مثل أبيه، ويسعى لتأكيد هذا بقوة الاحتيال والمراوغة، فيجب علينا أن نستشهد بقول الكتاب: ” انظروا أن لا يكون أحد يسبيكم بالفلسفة وبغرور باطل حسب تقليد الناس حسب أركان العالم وليس حسب المسيح، فإنه فيه يحلُّ كل ملء اللاهوت جسديًا” (كو8:2و9).

 

          42ـ لأنهم إنما قد ادخروا كل قوة سمومهم في منازعاتهم الجدلية، والتي بحسب حكم الفلاسفة، ليست لها أى قوة لتقيم أو تؤسس أى شئ كما ينبغى، بل تهدف فقط إلى الهدم، ولكن ليس بالجدال قد سُرّ الله أن يُخلِّص شعبه لأن ” ملكوت الله إنما هو ببساطة الإيمان وليس بإقناع الكلام” (1كو20:4)[50].

[1] 1مل1:10 ” وسمعت ملكة سَبَا بخبر سليمان لمجد الرب فأتت لتمتحنه بمسائل “.

[2] 1مل1:5 ” وأرسل حيرام ملك صور عبيده إلى سليمان .. ” .

[3] تك14:14 ” فلما سمع أبرام أن أخاه سُبى، جرَّ غلمانه المتمرنين ولدان بيته ثلاث مائة وثمانية عشر وتبعهم..” .

[4] إن شكل علامة الصليب هى مثل حرفt ، والرقم العددى لهذا الحرف (تاو tau) فى الحساب اليونانى هو رقم 300، أما الثمانية عشر فيُرمز له بالحرفين I , h  وهما الحرفان الأوَّلان للاسم يسوع باليونانى IhsoÚj، لهذا فإنه يُعزى للقديس أمبروسيوس نسبة القوة السرية للرقم 318، المرموز له بعلامة الصليب والحرفان الأولان لاسم المخلص، فيكون الرقم 318 هو التعبير عن   T I H صليب يسوع المسيح.

[5] يش6:6 ” فدعا يشوع بن نون الكهنة وقال لهم: احملوا تابوت العهد، وليحمل سبعة كهنة سبعة أبواق هتاف أمام تابوت الرب“.

[6] يش14،13:5 ” وحدث لما كان يشوع عند أريحا أنه رفع عينيه ونظر وإذا برجل واقف قبالته وسيفه مسلول بيده، فسار يشوع إليه وقال له هل لنا أنت أو لأعدائنا، فقال كلاَّ بل أنا رئيس جند الرب” .

[7] يقصد شواهد من الكتب المقدسة.

[8] يتكلم القديس أمبروسيوس هنا عن المجمع المسكونى المنعقد فى نيقية فى بيثينية عام 325م.

[9] إن النصرة على الكفر يُقصد بها طبعًا نصر الكنيسة الأرثوذكسية على الآريوسية، وأصبح القانون النيقاوى يُنظر إليه مثل ” نصب ” لتذكار النصرة، والتى تمثلت حقيقتها فى البلوغ إلى العبارة : (من نفس جوهر الآب

Of one substance with the Father.  ÐmooÚsiou tù Patr…)

والتى أقرها المجمع.

[10] حرفيًا: الأمم ” The Nations ـ t¦ œqnh ـ Gentes ” . إن الرومان فى الجمهورية تعوَّدوا أن يتكلموا عن الشعوب الغريبة خصوصًا إذا كانوا يخضعون لملوك ” أمم خارجيةGentes – exterae ” للتمييز عن ” شعب الجمهورية Populus Romanus “. القديس أمبروسيوس يقصد هنا بلا شك أولئك الذين لا يزالون يتمسكون بالديانات القديمة، الذين هم غرباء عن جمهور الكنيسة.

[11] كان سابيليوس قسًا فى برقة فى الخمس مدن الغربية فى ليبيا، ومنها أتى إلى روما حيث جاهر بتعاليمه الكفرية فى أوائل القرن الثالث الميلادى (حوالى210م). كان سابيليوس يعتقد أنه لا يوجد تمييز حقيقى بين أقانيم اللاهوت، ويقول إن الله هو أقنوم (شخص) واحد، وعندما يكون الكلام عن أقانيم إلهية متميزة عن بعضها، فهذا لا يعنى عنده أكثر من أوجه أو ظهورات مختلفة، أى أن نفس الأقنوم يقوم بأدوار مختلفة. فالآب يقوم بدور الابن عند التجسد، وهو نفسه يظهر بعد ذلك باسم الروح القدس.

[12] كان فوتينوس من أهل غلاطية على سيرميم Sirmium (فى سلافونيا Slavonia) فى القرن الرابع، وهو يعلّم أن يسوع المسيح لم يوجد قبل أمه مريم، ولكنه وُلد منها ومن يوسف النجار، وهذا الإنسان يسوع الذى عاش بروح عاقلة وجسد بشرى استنار وأُرشد واقتيد بتأثير اللوغوس أو العقل الإلهى، وبذلك فإنه صار ابن الله الفائق على جميع الأنبياء والمعلمين.

[13] كان آريوس كاهنًا بالأسكندرية، وبدأ فى عام 319م فى جذب الانتباه بتعليمه الهرطوقى المخالف، والذى أودى به ـ نتيجة لذلك ـ إلى حرمه، إلاّ أنه وجد استحسانًا وقبولاً لدى أشخاص لهم حيثيات فى الكنيسة مثل يوسابيوس القيصرى فى فلسطين، ويوسابيوس أسقف نيقوميدية، وآخرين. وقد نوقشت هرطقته فى النهاية فى مجمع نيقيا المسكونى بناءً على دعوة من الإمبراطور قسطنطين. أدان المجمع البدعة الآريوسية وشجبها، ومع ذلك فقد تفشت الهرطقة فى الشرق حتى حكم ثيئودوسيوس الكبير (379ـ395م).

            كان آريوس ينادى بما يلى: ” إما أن الابن له جوهر أصلى إلهى؛ وإن كان هكذا فإنه يجب علينا أن نعترف بإلهين، أو أنه يكون مخلوقًا، وإن كان هكذا فإنه ليس إلهًا بنفس المعنى الذى به يكون الآب إلهًا. وقد اختار آريوس البديل الأخير، هذا الذى اعتبره القديس أمبروسيوس سقوطًا فى الوثنية بـ” آلهتها المتعددة وأربابها المتعددة ” والآلهة المولود من الآلهة والإلاهات .

            إن أخطاء آريوس قد لُخصت فى الحرومات التى أُلحقت بالقانون النيقاوى الأصلى: إن أولئك الذين يقولون إنه كان يوجد زمان لم يكن فيه ابن الله موجودًا، أو انه تكوّن من أشياء غير موجودة، أو أن الذى يزعم أن ابن الله من جوهر مختلف أو أنه مخلوق، أو متغير، فإن جميع هؤلاء تشجبهم وتحرمهم كنيسة الله الرسولية الجامعة” .

[14] مز 9:69  قارن  يو17:2

[15] انظر يو16:15

[16] انظر يو23:16، 24

[17] انظر يو30:5

[18] يو3:1، عب7:5ـ10.

[19] انظر على سبيل المثال مز8:25 ، إر10:10، دا10،9:9، يع18،17:1، لو37:11.

[20] انظر دا 7:9، خر6:34

[21]  انظر يو1:1، يو14:1، رو4:1، مت18:28، 1كو24:1، كو3:2

[22] الوالد والمولود يلزم أن يتميزا كل واحد منهما بشخصه.

[23] كو19:1، كو9:2

[24] أع 32:4

[25] تك24:2، مت 5:19

[26] أع26:17

[27] أو رب الجنود كما في إش3:6

[28] إش18:45

[29] أو يهوه في يهوه

[30] قانون إيمان نيقية: إله حق من إله حق

[31] وهو المزمور 45  ترجمة دار الكتاب المقدس

[32] يلزم أن نتذكر أن القديس أمبروسيوس كان حاكمًا مدنيًا من قبل توليه منصب الأسقفية، لذلك فإن فكره يميل إلى أن ينظر إلى الأمور من وجهة نظر قانونية شرعية.

[33] سفر باروخ 36:3ـ38، الأصل الإنجليزي متروك بدون شاهد، لأنه بينما الشاهد هو سفر باروخ، إلاّ أنه فى الحديث يقول: “يتكلم فى سفر إرميا”، ولكن فى حاشية أخرى للفقرة 30 يذكر الشاهد باروخ36:3ـ38.

[34] المقصود بهذا القروى إرميا النبى (انظر إرميا 24)

[35] 1كو 27:1

[36] الله معروف في اليهودية: انظر مزمور 1:76 ولكنهم ينكرون الابن، ولذلك فإنهم لا يعرفون الآب (انظر متى27:16، يو18:1).

[37]  راجع: يو24:4 ، 2كو 17:3

[38] فيلبى 7:2

[39] رؤ16:1 ، 16:22 ـ  عدد 17:24.

[40] دا 17:3.

[41] دا 22:3.

[42] هوشع5:14.

[43] دا 28:3.

[44] لو43:22.

[45] دا 25:3.

[46] يكون إهانة من حيث افتراض أن الإنسان نغل، أى ليس ابنًا شرعيًا بل ابن زنا.

[47] إن تعليم آريوس بخصوص هذا الموضوع قد بيَّنه القديس أثناسيوس بما فيه الكفاية، فيقول آريوس: ” عندما قصد الله أن يوجِد طبيعة مخلوقة، ورأى عدم قدرتها على أن تحتمل لمسة يد الآب المباشرة وعمله، لذلك “خلق وصنع كائنًا واحدًا مفردًا وسماه “ابن” و”كلمة” لكى عن طريقه كوسيط، فإن كل الأشياء يؤتي بها إلى الوجود” (ضد الآريوسيين 24:2)

[48] بحسب ما يقول الآريوسيون فإن المسيح ليس إلهًا حقًا حتى لو كان قد دُعِى إلهًا. إنه يُدعى هكذا فقط بسبب انتقال النعمة إليه من الآب، وهكذا فإنه حصل على هذا اللقب والكرامة، باستخدام اسم الله (له) عند التكلم عنه بنوع من التحويل، كما نجد ذلك في مز 6:82 :” أنا قلت إنكم آلهة وبنو العلى كّلكم“، رغم أن ادعاء المسيح وحقه في هذا اللقب إنما يفوق أى كائن آخر.

[49]  عدد 19:23

[50] قارن 1كو 20:20 مع 1كو4:2و5:” وكلامى وكرازتى لم يكونا بكلام الحكمة الإنسانية المُقنع بل ببرهان الروح والقوة، لكى لا يكون إيمانكم بحكمة الناس بل بقوة الله“.

 

شرح الإيمان المسيحى ج1 – ق. أمبروسيوس – د. نصحى عبد الشهيد

الكرازة الرسولية ج3 – ق. إيرينيوس – د. نصحى عبد الشهيد

الكرازة الرسولية ج3 – ق. إيرينيوس – د. نصحى عبد الشهيد

 

الكرازة الرسولية ج3 – ق. إيرينيوس – د. نصحى عبد الشهيد

 

إبراهيم سبق فرآه:

         44 ـ وأيضًا يقول موسى، إن ابن الله نزل بالقرب من إبراهيم وتكلّم معه ” وظهر له الرب عند بلوطات ممرا وهو جالس في باب الخيمة وقت حر النهار. فرفع عينيه ونظر وإذا ثُلثة رجال واقفون لديه. فلما نظر ركض لاستقبالهم من باب الخيمة وسجد إلى الأرض. وقال يا سيد أن كنت قد وجدت نعمة في عينيك فلا تتجاوز عبدك[1]. وبعد ذلك تكلّم مع الرب والرب تحاور معه. اثنين من هؤلاء الأشخاص كانا ملاكين، لكن واحد كان ابن الله[2]، الذى تحدّث معه إبراهيم وهو يتوسط بأن لا يُدمر سكان سدوم، لو وجد فيها حتى عشرة أبرار على الأقل. وبينما هما يتحدثان، انتقل الملاكان إلى سدوم حيث قبلهما لوط، ثم بعد ذلك يضيف الكتاب: ” فأمطر الرب على سدوم وعمورة كبريتًا ونارًا من عند الرب من السماء[3]، أى أن الابن[4]، الذي تحدّث مع إبراهيم، وهو “الرب” أخذ سلطانًا أن يعاقب سكان سدوم وعمورة من رب السماء، الآب الذى هو سيد الكل. هكذا، كان إبراهيم نبيًا، ورأى[5] تلك الأمور التي سوف تحدث في المستقبل، أى أن ابن الله سيأتى في الشكل البشرى وأنه سوف يتحدّث مع البشر[6]، ويأكل معهم، وبعد ذلك يجلس ديّانًا لهم، هذا هو الذي أخذ من الآب ورب الكل سلطانًا ليعاقب سكان سدوم وعمورة.

 

يعقوب سبق فرآه:

         45ـ كذلك يعقوب وهو ذاهب إلى ما بين النهرين رآه في حلم واقفًا على سُلّم[7]، وكان السلم منتصبًا من الأرض إلى السماء، الذى هو كمثال الصليب. إذ يصعد المؤمنون به إلى السماء، حيث إن آلام ربنا هى بمثابة طريق صعودنا إلى فوق. كما أن الرؤى المتعددة تشير إلى ابن الله وهو يتحدّث مع البشر ويحيا بينهم. لأن الآب الذى لم يره أحد من العالم وخالق الكون ليس هو الذي قال: ” السموات كرسى والأرض موطئ قدمى. أين البيت الذي تبنون لى وأين مكان راحتى[8]. والذي ” كال بكفه المياه وقاس السموات بالشبر وكال بالكيل تراب الأرض ووزن الجبال بالقبان والآكام بالميزان[9]. وليس هو الذى نزل إلى ذلك الركن من الأرض لكى يتحدّث مع إبراهيم، بل إن كلمة الله، هو الذي كان دائمًا مع جنس البشرى، قد أعلن مسبقًا ما سوف يحدث في المستقبل وعلَّم البشر أمور الله[10].

 

الابن تحدّث مع موسى:

         46 ـ هكذا تحدث في العليقة المشتعلة[11] مع موسى قائلاً: ” إنى قد رأيت مذلة شعبى الذي في مصر وسمعت صراخهم من أجل مسخرينهم. إنى علمت أوجاعهم[12]. هذا هو الذي صعد ونزل لخلاص الحزانى (المتألمين)، لكى ينقذنا من استعباد المصريين، أى من كل عبادة للأوثان ومن كل فجور، لكى ينقذنا من البحر الأحمر، أى لكى يحفظنا من معارك الأمم الدامية، ومن عثرة تجديفاتهم المرّة. هكذا أتى كلمة الله[13] لكى يعايش ظروفنا، وأظهر لنا مسبقًا ما سوف يحدث في المستقبل، وهو نفسه الآن قد حرَّرنا من عبودية الأمم القاسية وفجَّر ماء بوفرة من الصخرة فى الصحراء، والصخرة كانت هو نفسه (المسيح)[14]. وأعطانا أيضًا اثنى عشر ينبوعًا، أى تعليم الرسل الاثنى عشر. فالذين لم يؤمنوا به قد ماتوا في الصحراء، أما الذين آمنوا، وكانوا أطفالاً في الشر، هؤلاء صاروا مقبولين في ميراث الآباء. هذا الميراث الذى أعطاه لنا يسوع ـ وليس موسى هو الذي حرَّرنا من عماليق ـ ببسط ذراعيه على الصليب، وهو أيضًا الذى يقودنا إلى ملكوت أبيه[15].

 

الآب والابن كلاهما ربٌ وإله:

         47 ـ فالآب إذًا رب والابن رب، الآب إله والابن هو إله، لأن الذي يُولد من إله هو إله[16]. هكذا إذن فبحسب كيانه وقوته وجوهره هو إله واحد. ولكن بحسب تدبير خلاصنا يوجد آب واحد وابن واحد. وحيث إن أبا الجميع هو غير منظور وغير مدرك من المخلوقات، فمن الضرورى على من يريدون أن يقتربوا إلى الله أن ينالوا نعمة القدوم إلى الآب بالابن[17].

 

الابن هو الله:

         ويتحدّث داود بوضـوح عن الآب والابن فيقـول: ” كرسيك يا الله إلى دهر الدهور. قضيب استقامة قضيب ملكك. أحببت البر وأبغضت الاثم من أجل ذلك مسحك الله إلهك بدهن الابتهاج أكثر من رفقائك[18]. طالما أن الابن هو إله بالحقيقة فهو يأخذ عرش الملكوت الأبدى من الآب أى من الله ويُمسح بدهن الابتهاج أكثر من رفقائه. “ودهن الابتهاج” أو زيت المسحة هو الروح الذى مُسح به، ورفقائه هم الأنبياء، والأبرار والرسل وجميع الذين ينالون شركة في ملكوته، أى تلاميذه.

 

الابن هو الرب:

         48 ـ ويقول داود أيضًا: ” قال الرب لربى[19] اجلس عن يمينى حتى أضع أعداءك موطئًا لقدميك. يرسل الرب قضيب عزك من صهيون. تسلط في وسط أعدائك. شعبك منتدب في يوم قوتك في زينة مقدسة من البطن قبل كوكب الصبح ولدتك. أقسم الرب ولن يندم. أنت كاهن إلى الأبد على رُتبة ملكى صادق. الرب عن يمينك يُحطم في يوم رجزه ملوكًا. يدين بين الأمم. ملأ جثثًا أرضًا واسعة سحق رؤوسها. من النهر يشرب في الطريق لذلك يرفع الرأس[20]. بهذه الكلمات يتضح تمامًا أن المسيح كائن قبل الكل، وأنه يسود على الأمم وأنه يدين كل البشر والملوك الذين يضطهدون اسمه الآن، لأن هؤلاء هم أعدائه، وإذ يدعوه كاهن الله الأبدى، فهذا إعلان بأنه الحى الذى لا يموت. وعندما يقول: “من النهر يشرب في الطريق لذلك يرفع رأسه” فهو يشير إلى تمجيد ناسوته وصعوده بعد المهانة والذل.

 

المسيح هو الابن والملك:

         49 ـ إشعياء النبى يقول: ” هكذا يقول الرب لمسيحه لكورش الذي أمسكت بيمينه لأدوس أمامه أممًا[21]، وأما كيف أن المسيح يُدعى ابن الله وملك الشعوب (الأمم)، أى ملك كل البشر، وأنه يُسمى ـ كما أنه هو فعلاً وبالحق ـ ابن الله وملك الأمم فهذا ما يتكلم عنه داود هكذا: ” الرب قال لى أنت ابنى أنا اليوم ولدتك. اسألنى فأعطيك الأمم ميراثًا وأقاصى الأرض مُلكًا لك[22]. هذه الأقوال لم تُوجه لداود، لأنه لم يملك على الأمم وعلى أقاصى الأرض، بل على اليهود فقط. إذن من الواضح أن الوعد المُعطى “للممسوح” بأن يملك حتى أقاصى الأرض إنما هو لابن الله الذي يعترف به داود نفسه قائلاً: ” قال الرب لربى اجلس عن يمينى…“. فهو يقول إن الآب يتحدث مع الابن، كما رأينا ذلك سابقًا في إشعياء، الذي تكلّم هكذا قائلاً: “هكذا يقول الرب لمسيحه… الذي أمسكت بيمينه لأدوس أمامه أممًا“. إن النبوءتين تتحدّثان عن نفس الوعد بأنه يكون ملكًا، وبالتالى فكلام الله مُوجه إلى شخص واحد بعينه، أى إلى المسيح ابن الله. وعندما يقول داود: ” قال الرب لربى“، فيلزم أن نعترف بأنه لا داود ولا غيره من الأنبياء، يتحدّث عن ذاته. لأن الإنسان لا ينطق بالنبوات، إنما روح الله، يتكلّم فى الأنبياء بكلمات تخص أحيانًا المسيح وأحيانًا أخرى الآب[23].

 

عبد الرب مجبول من البطن:

         50 ـ وهكذا فإن المسيح يقول بطريقة ملائمة جدًا بواسطة فم داود، إن الآب يتحدّث معه، ويكرز أيضًا بحقائق عن نفسه بواسطة الأنبياء. وهذا ما نقرأه على سبيل المثال في إشعياء: ” والآن قال الرب جابلى من البطن عبدًا له لإرجاع يعقوب إليه فينضم إليه إسرائيل فأتمجد في عينى الرب، وإلهى يصير قوتى. فقال قليل أن تكون لى عبدًا لإقامة أسباط يعقوب ورد محفوظى إسرائيل. فقد جعلتك نورًا للأمم لتكون خلاصى إلى أقصى الأرض[24].

         51 ـ إن الوجود الأزلى للابن يُستنتج من حقيقة أن الآب يتحدث معه وبهذا أُعلن عنه للبشر قبل ولادته. ثم بعد ذلك نستنتج أنه لابد له أن يولد إنسانًا بين الناس، طالما أنه سوف ينحدر من البشر[25] والله نفسه سيجبله من البطن، أى أنه سيُولد من العذراء بروح الله، وأنه سيكون رب جميع الناس ومخلّص المؤمنين به، اليهود والأمم. لأن الشعب اليهودى في اللغة العبرية يُدعى إسرائيل نسبة ليعقوب أب الآباء الذي كان هو أول من دُعى إسرائيل[26]، أما كل البشر فيدعوهم “الأمم”. وقد دُعى الابن “خادم” الآب، بسبب طاعته للآب، فهذا هو نفس ما يحدث بين البشر، أن كل ابن هو خادم لأبيه.

         52 ـ فَلنَر بعد ذلك ما تشهد به الكتب: أن المسيح الكلمة ابن الله الكائن أزليًا عند الآب، والذى لا يزال كائنًا عند الآب؛ قد ظهر بين البشر وكوَّن علاقة معهم، وهو ملك الكون كله، حيث إن الآب أخضع الكل تحت سلطانه وأنه هو مخلّص الذين يؤمنون به. كما أنه من الصعب أن نُحصى كل نصوص الكتاب المقدس التي تشير إلى هذا الموضوع، وهى كلها متشابهة، فينبغى عليك أن تؤمن بالمسيح وتطلب من الله فهمًا وحكمةً لكى تفهم ما قيل بواسطة الأنبياء.

         53 ـ المسيح الذي هو كلمة الله والذى كان عند الله، كان مزمعًا أن يتجسد، ويصير إنسانًا ويخضع لظروف الولادة البشرية، وأن يُولد من عذراء وأن يحيا وسط الناس[27]، وقد دبّر أبو الكل تجسده. إذ تنبأ إشعياء قائلاً: ” ويعطيكم السيد نفسه آية. ها العذراء تحبل وتلد ابنًا وتدعو اسمه عمانوئيل، زبدًا وعسلاً يأكل متى عرف أن يرفض الشر ويختار الخير[28]. وهو يؤكد أنه سيُولد من عذراء، لأن قوله “يأكل” يشير إلى أنه سوف يكون إنسانًا حقيقيًا، وأيضًا بأنه سوف يأتى طفلاً[29] ويُعطى له اسم لأن هذه هى العادة بالنسبة للأطفال. وسيحمل اسمًا مزدوجًا، “فالمسيا” فى اللغة العبرية معناها المسيح، أما “يسوع” فمعناها المخلّص، والاثنان يُستخدمان فى التعبير عن الأعمال التي سوف يتممها. لقد دُعى مسيحًا؛ لأن الآب مسح (قدَّس) به الكل ولأنه في تأنسه قد مَسحه روح الله أبيه، كما يقول هو نفسه في موضع آخر على فم إشعياء ” روح الرب علىَّ لأنه مَسحنى لأبشر المساكين[30]. وقد دُعى مخلّص لأنه سبب خلاص لأولئك الذين حرَّرهم هو نفسه فى تلك الأزمنة من كل أنواع الأمراض ومن الموت، كما أنه هو مُعطِى الخيرات العتيدة والخلاص الأبدى لأولئك الذين آمنوا به بعد ذلك.

         54 ـ إذن فلأجل هذا دُعى مخلّص. أما بالنسبة لكلمة عمانوئيل فهى تعنى: الله معنا، وإذا قيلت من النبى فهى تأتى في صيغة التمنى أى: فليكن الله معنا! وفي هذه الحالة تكون شرحًا وإعلانًا للوعد الإلهى ” ها العذراء تحبل وتلد ابنًا“، ولأنه هو الله فسيكون الله معنا. وأمام هذا الحدث يتنبأ النبى بدهشة كاملة، بأن الله سيكون معنا. ويشير النبى نفسه في مكان آخر إلى الميلاد بقـوله: ” قبل أن يأخذها الطلق ولدت، قبل أن يأتى عليها المخاض ولدت ذكرًا[31]. وبهذه الطريقة، فهو يشير إلى الولادة العجيبة الفائقة الوصف من العذراء.

 

”يُولد لنا ولد”:

         نفس النبى يقول أيضًا: ” لأنه يولد لنا ولد ونعطى ابنًا ويُدعى اسمه عجيبًا مشيرًا إلهًا قديرًا[32].

         55 ـ فهو يدعوه ” عجيبًا مشيرًا” للآب، لأنه بمشورته وبه خلق الآب كل شئ، كما هو مكتوب في سفر موسى الذي يُدعى التكوين:   ” نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا[33]. هنا يبدو أن الآب يتحدث مع الابن الذي هو ” المشير العجيب” للآب[34]. لكن في نفس الوقت هو مشيرنا الخاص لأنه يظل معنا، ينصحنا بدون أن يجبرنا[35] بسلطانه (كإله)، بالرغم من أنه “إله قدير”. فهو ينصحنا بأن نتخلى عن ظلام الجهل ونقبل نور المعرفة، وأن نبتعد عن الضلال ونأتى إلى الحق، وأن نطرح الفساد ونكتسب عدم الفساد[36].

         56 ـ ويقول إشعياء أيضًا: ” لأن كل سلاح المُتسلح في الوغى وكل رداء مُدحرج في الدماء يكون للحريق مأكلاً للنار. لأنه يولد لنا ولد ونُعطى ابنًا وتكون الرياسة على كتفه ويُدعى اسمًا عجيبًا مشيرًا إلهًا قديرًا أبًا أبديًا رئيس السلام. لنمو رئاسته وللسلام لا نهاية على كرسى داود وعلى مملكته ليثبتها ويعضدها بالحق والبر من الآن إلى الأبد[37]. من هذه الأقوال يتضح أن ابن الله سوف يُولد (كإنسان) وسوف يُدعى ملكًا أبديًا. أما تعبير “يكون للحريق مأكلاً للنار” فيشير إلى أولئك الذين لم يؤمنوا به وفعلوا ضده ما فعلوه. هؤلاء سوف يصرخون في يوم الدينونة: ” كان الأفضل لنا أن نكون مأكلاً للنار قبل ميلاد ابن الله، عن أن نكون غير مؤمنين به”، لأنه يوجد رجاء للذين ماتوا قبل مجىء المسيح أن ينالوا الخلاص وذلك بعد قيامتهم أى في الدينونة. وينطبق ذلك على الذين كانوا يخافون الله وقد ماتوا في البر وكان عندهم روح الله فى داخلهم مثل البطاركة والأنبياء والأبرار. أما أولئك الذين لم يؤمنوا بالمسيح بعد مجيئه فإن عقابهم في يوم الدينونة سيكون بلا رحمة.

أن تعبير ” وتكون الرياسة على كتفه” يشير رمزيًا إلى الصليب الذي سُمِرت عليه يداه. فالصليب الذي كان له عارًا وبسببه كان عارًا لنا أيضًا، هذا الصليب نفسه يشهد لرياسته، وهو راية مملكته. وأنه كان بالنسبة للآب هو: “ ملاك المشورة العظمى“، كما يقول النبى، وهو الذي أعلن لنا الآب.

         57 ـ أما كون ابن الله سوف يُولد والطريقة التى بها سوف يُولد وعن ظهوره كمسيح، فهذا ما تحدث عنه الأنبياء الذين تنبأوا عنه، فأخبروا عن ولادته، وعن العائلة التي سيولد منها.

 

رئيس من يهوذا:

         فموسى يتحدّث في سفر التكوين قائلاً: ” لا يزول قضيب من يهوذا ومشترع من بين رجليه حتى يأتى شيلون وله يكون خضوع شعوب. رابطًا بالكرمة جحشه وبالجفنة ابن أتانه غسل بالخمر لباسه وبدم العنب ثوبه[38]. يهوذا جد اليهود كان ابن ليعقوب، ومنه أخذ اليهود التسمية[39]. ولم يحدث في أية فترة أنهم كانوا بدون رئيس أو قائد حتى مجىء المسيح[40]. لكن بعد مجىء المسيح فإن رجال حرب مقتدرون احتلوا بلادهم بالسلاح، وخضعت أرض اليهود للرومان، ولم يعد لديهم كأمة رئيس ولا ملك. لأنه أتى ذاك الذي له الملكوت فى السموات، ذاك الذي غسل ” في الخمر لباسه وبدم العنب ثوبه”. اللباس والثوب هما هؤلاء الذين آمنوا به والذين غسلهم، عندما خلّصنا بدمه. الذى هو “دم عنب”[41] لأنه، كما أن دم العنب لا يصير بواسطة إنسان، لكن من الله الذي صنعه وهو يُفرِّح مَنْ يشربه، بنفس الطريقة فإن جسد المسيح ودمه ليسا من صنع إنسان، بل من الله.

         الرب نفسه أعطى نبوة عن ميلاده العذرى (نبوة إشعياء 11:7ـ14)، أى أن هذا هو الذي وُلد من العذراء، عمانوئيل الذي أبهج هؤلاء الذين يشربون منه، أى يأخذون روحه، وبذلك ينالون الفرح الأبدى. لذلك فهو يُمثل مشتهى الأمم، للذين يأملون فيه وينتظروا تأسيس ملكوته.

 

كوكب من يعقوب:

         58 ـ ويقول موسى أيضًا: ” يبرز كوكب من يعقوب ويقوم قضيب من إسرائيل[42]. هذا يعلن بوضوح أن تدبير ميلاده بحسب الجسد سيكون بين اليهود، وأن ذاك الذي سوف يولد من بيت يعقوب ويهوذا، سوف ينزل من السماء، هو الذى سيُتمم هذا التدبير. فقد ظهر “نجم” في السماء. و”قضيب” تعنى “ملك”[43] إذ هو ملك جميع المخلَّصين. وعند ميلاده ظهر النجم للمجوس الذين جاءوا من المشرق. وبظهور النجم عرفوا أن المسيح قد وُلِد، فأتوا إلى اليهودية منقادين بواسطة هذا النجم، إلى أن وصل إلى بيت لحم، حيث وُلِد المسيح. وعندما أتوا إلى البيت حيث كان الطفل مُقمطًا، توقف النجم فوق رأسه لكى يعلن للمجوس أن هذا الطفل المولود هو المسيح ابن الله[44].

 

قضيب من جذع يسى:

         59 ـ يعبّر إشعياء عن هذا قائلاً: ” ويخرج قضيب من جذع يسى وينبت غصن من أصوله. ويحل عليه روح الحكمة والفهم روح المشورة والقوة روح المعرفة ومخافة الرب. ولذته تكون في مخافة الرب فلا يقضى بحسب نظر عينيه ولا يحكم بحسب سمع اذنيه. بل يقضى بالعدل للمساكين ويحكم بالإنصاف لبائس الأرض ويضرب الأرض بقضيب فمه ويُميت المنافق بنفخة شفتيه. ويكون البر منطقة متنيه والأمانة منطقة حقويه. فيسكن الذئب مع الخروف. ويربض النمر مع الجدى، والعجل والشبل والمسمّن معًا ويلعب الرضيع على سرب الصل، ويمد الفطيم يده على جحر الأفعوان فلا يؤذيه… ويكون فى ذلك اليوم أن أصل يسى القائم ليسود على الأمم، وعليه يكون رجاء الأمم، ويكون قيامه مجدًا[45]. يتنبأ إشعياء بواسطة هذه الأقوال، إن المسيح سوف يُولد من العذراء التي هى من بيت داود وإبراهيم. لأن يسى كان من نسل إبراهيم وهو أبو داود. والعذراء التى حملت بالمسيح أتت من نفس العائلة. إذن هو المُشار إليه بـ”القضيب”. لذلك يستخدم موسى “العصا أو القضيب” لكى يصنع المعجزات أمام فرعون. والعصا في الشعوب الأخرى هى علامة السيادة. أما كونها قد أنبتت كقول إشعياء فهذا يشير إلى جسد المسيح الذي “نبت” بواسطة فعل الروح القدس كما قُلنا سابقًا.

         60 ـ الكلمات ” فلا يقضى بحسب نظر عينيه ولا يحكم بحسب سمع أذنيه. بل يقضى بالعدل للمساكين ويحكم بالإنصاف لبائس الأرض” تُظهر بالأكثر ألوهيته. لأن برّ الله وحده هو الذى يحكم بالعدل، بدون تمييز للأشخاص وبدون محاباة للأشراف (العظماء)، ويعطى العدل للفقراء بالتساوى وبالحق وفق أوامر العلى وعدله الإلهى. لأن الله لا يخضع لأى تأثير ولا يعمل سوى عدل وحق. والرحمة هى أيضًا تليق بالله نفسه الذي في صلاحه يريد أن يقدِّم الخلاص. وتعبير ” بل يقضى بالعدل للمساكين… ويُميت المنافق بنفخة شفتيه[46]. يشير أيضًا إلى الله الذي خلق الكل بكلمة. ويقول: “ويكون البر منطقة متنيه والأمانة منطقة حقويه” فهو يشير إلى الشكل البشرى للمسيح، وإلى بره الحقيقى والفائق.

 

عندما يملك على الجميع:

         61 ـ كل ما يؤمن به الشيوخ (الحاملون التقليد الرسولى)[47] عن سيادة الوفاق والوحدة والسلام بين الحيوانات المعادية بعضها لبعض بحسب طبيعتها سيتحقق عند مجىء المسيح عندما يملك على الجميع. ويستخدم النبى صورًا رمزية لكى يُعلّم بأن جموع البشر من مختلف الأمم بالرغم من اختلاف عاداتهم سوف يعيشون في سلام ووفاق باسم المسيح. فقد شبّه الأبرار بالأبقار والحملان والجداء مع صغارها حيث لا أحد يؤذى الآخر، بينما الرجال والنساء فى العصور السابقة قد تشبّهوا بالحيوانات المتوحشة بسبب شهواتهم، حتى أنهم مثل الذئاب والأسود يفتكون بالضعفاء ويجرّون ويشعلون بينهم معارك عنيفة. وهذا سوف يحدث بالنسبة للنساء اللاتي هن أخطر من الدروع والمركبات، إذ هنّ قادرات أن يسكبن سُمًا مُميتًا على من يحبون ويميتونهم بسبب الغيرة. أما الناس المجتمعون في مكان واحد باسم الرب، سوف يكتسبون بواسطة نعمة الله سلوكًا مستقيمًا وسيقتلعون من ذواتهم النزعات الوحشية الطبيعية. وهذا قد حدث بالفعل لأن كل الذين كانوا سابقًا أشرارًا جدًا، حتى أنهم كانوا يفعلون كل شر عندما تعلّموا عن المسيح آمنوا به تغيّروا، حتى أنهم يتممون كل بر. ما أعظم التغيير الذى يعمل فى المؤمنين بواسطة الإيمان بيسوع المسيح ابن الله!. ويضيف النبى، أن المسيح عندما يقوم سوف يسود على الأمم، لذلك كان يجب أن يموت ويقوم لكى يعترف الجميع ويؤمنون بأنه هو ابن الله والملك. كذلك يقول النبى بعد ذلك: “ويكون قيامه كرامه“، أى المجد، لأنه عندما قام مُجد كإله.

 

خيمة داود:

         62 ـ وأيضًا يقول نبى آخر: ” وفي ذلك اليوم أقيم خيمة داود الساقطـة[48]، أى جسد المسيح، المنحدر من داود، كما قلنا سابقًا، أن المسيح بعد موته سيقوم من الأموات، لأن الجسد يُدعى خيمة. كل شهادات الكتاب تتنبأ بأن المسيح الذي أتى من نسل داود بحسب الجسد، سيدعى ابن الله، وأنه بعد موته سوف يقوم، وأنه فى الشكل سيكون إنسانًا[49] ولكنه هو الله ذو القدرة، وأنه هو نفسه سوف يدين العالم كله، كما كان هو وحده صانع البر والخلاص.

 

بيت لحم اليهودية:

         63 ـ وقد تنبأ النبى ميخا أن المسيح سيولد في بيت لحم اليهودية، قائلاً: ” وأنت يا بيت لحم، أرض يهوذا لست الصغرى بين رئاسات يهوذا، لأن منك يخرج مدبر يرعى شعبى إسرائيل[50]. ولأن بيت لحم هى مدينة داود، فهذا برهان على أن المسيح هو ابن داود، ليس فقط لأنه وُلد من العذراء لكن لأنه وُلد في بيت لحم، مدينة داود.     

 

ثمرة بطن ” داود ”:

         64 ـ وداود تنبأ بأن المسيح سوف يُولد من نسله، هكذا: ” من أجل داود عبدك لا ترد وجه مسيحك. أقسم الرب لداود بالحق لا يرجع عنه. من ثمرة بطنك أجعل على كرسيك إن حفظ بنوك عهدى وشهاداتى التى أعلّمهم إياها فبنوهم إلى الأبد يجلسون على كرسيك[51]. لكن ولا واحد من أولاد داود مَلَك مُلكًا أبديًا، ولا كانت إلى الأبد مملكتهم لأنها قد تلاشت. ولكن المسيح وحده، المنحدر من نسل داود هو الملك الأبدى. كل هذه الشواهد تُظهر مرارًا وبوضوح نسل ابن داود بحسب الجسد وتظهر المكان الذى سيُولد فيه. فلا ينبغى البحث عن مجيء ابن الله بين الأمم أو في أى مكان آخر، إلاّ فى بيت لحم اليهودية، ومن نسل إبراهيم وداود.

         65 ـ ويصف إشعياء دخوله إلى أورشليم، عاصمة اليهودية ومركز رؤسائها والتى يوجد فيها هيكل الله قائلاً: ” قولوا لابنة صهيون هوذا ملكك آتِ وديع وراكب على حمار وعلى جحش ابن أتان[52]. فهو قد دخل إلى أورشليم راكبًا على جحش ابن أتان وفرش له الجموع ثيابهم. وقد دعا النبى أورشليم “ابنة صهيون”.

         66 ـ إذن، فطريقة ولادة ابن الله، ومكان ولادته وأنه هو المسيح الملك الأبدى ـ كل هذا قد تنبأ عنه الأنبياء. كما قالوا أيضًا، إن ابن الله سوف يشفى المرضى وحقًا قد شفاهم، إنه سيكون مكروهًا ومهانًا وسيُعذب، وسيُصلب ويموت، وبالفعل صار مكروهًا ومُحتقرًا وحُكِم عليه بالموت[53].

 

معجزات المسيح وآلامه وتمجيده:

         67 ـ دعونا نتحدّث عن معجزات شفائه. فإشعياء يقول: ” هو أخذ أسقامنا وحمل أمراضنا[54] أى سيأخذ عنا خطايانا وسيحملها في ذاته. عادةً ما يتحدّث روح الله على فم الأنبياء عن الأمور العتيدة كأنها قد حدثت بالفعل. لأن الله يضع الخطة في ذهنه وقد اتخذ قرارًا للتنفيذ، ولكن الكتاب يذكرها على أنها حدثت بالفعل، والروح القدس وكأنه يرى زمن التحقيق، يستخدم كلمات إعلانية، بأن النبوة قد تحققت بالفعل. بالنسبة لمعجزات الشفاء يقـول: ” ويسمع في ذلك اليوم الصُم أقوال السفر وتنظر من القتام والظلمة عيون العُمى[55]. وأيضًا يقول: ” شددوا الأيادى المسترخية والرُكب المرتعشة ثبتوها. قولوا لخائفى القلوب تشددوا لا تخافوا هوذا إلهكم. الانتقام يأتى. جزاء الله. هو يأتى ويخلّصكم. حينئذٍ تتفتح عيون العمى وآذان الصُم تتفتح. حينئذٍ يقفز الأعرج كالأيل ويترنم لسان الأخرس[56]، وعن الموتى يقول: ” تحيا أمواتك، تقوم الجثث، استيقظوا ترنموا يا سكان التراب[57]. فالذي يعمل كل هذه الأمور يستحق أن نؤمن به أنه ابن الله[58].

68ـ وإشعياء يتنبأ بأنه سيُهان ثم يموت إذ يقول: ” هوذا عَبدي يَعقِلُ يتعالى وَيَرتَقي ويتسامَى جِداً. كَمَا اندَهش منكَ كَثِيرُون. كَان منظَره كَذَا مُفسدًا أكثَرَ مِن الرَّجُلِ وَصُورَته أكثَرَ مِنْ بَنِي آدَمَ. هَكذَا يَنضِحُ أُمَمًا كَثِيرِينَ. مِنْ أَجلِهِ يَسُدُّ ملوكٌ أَفوَاهَهُم لأنهم قَد أَبصَروا مَا لَم يُخْبَُوا بِهِ وَمَا لَمْ يَسْمَعُوهُ فَهِمُوهُ مَنْ صَدَّقَ خَبَرنا وَلِمَن استُعلِنَت ذِرَاعُ الربِّ؟. نَبَت قُدامَهُ كَفرخٍ وَكعِرقٍ مِنْ أَرضٍ يَابِسَةٍ لا صُورَة لهُ ولا جَمَالَ فَنَنْظُرَ إِليه وَلاَ منظَرَ فَنَشتَهيه. محتَقَرٌ وَمَخذُولٌ مِنَ الناسِ رَجلُ أَوجَاعٍ وَمُختَبِرُ الحُزنِ وَكَمُستَّرٍ عَنهُ وُجُوهنَا مُحتَقرٌ فَلَم نَعتد به. لكن أَحزاننا حَمَلَهَا أوجاعنا تحمّلها. ونحنُ حسبنَاه مُصَابًا مَضروبًا مِنَ اللهِ ومذلولاً. وهو مَجروحٌ لأجل معاصينا مَسحوقٌ لأجل آثامنا. تَأدِيبُ سَلاَمِنَا عليه وبحُبُرهِ شُفِينَا[59].

         نرى هنا أن المسيح خضع للآلام التي سبق وقال عنها داود:       ” كنت مصابًا اليوم كله[60]، ليس داود بل المسيح هو ذاك الذي خضع للعذابات، عندما صدر الأمر بالصلب. وأيضًا يقول الله على فم إشعياء: ” بذلت ظهرى للضاربين وخدى للناتفين وجهى لم أستر عن العار والبصق[61]. وهذا يقوله النبى إرميا ” يعطى خده لضاربه، يشبع عارًا[62]. وقد تحمَّل المسيح كل هذا.

         69 ـ ويقول إشعياء: ” وبحبره شفينا. كلنا كغنم ضللنا ملنا كل واحد إلى طريقه والرب وضع عليه اثم جميعنا[63]. إذن من الواضح أنه بمشيئة الآب حدث هذا لأجل خلاصنا ” ظُلم أما هو فتذلل ولم يفتح فاه كشاة تُساق إلى الذبح وكنعجة صامتة أمام جازيها فلم يفتح فاه[64]. هنا يكرر بأنه خضع طوعًا للموت.

 

الدينونة:

         كلمات النبى ” من الضُغطة ومن الدينونة أُخذ[65] تعلن مدى تعرضه للإهانة ولأنه أخلى نفسه فقد قَبِلَ الدينونة. لقد صارت الدينونة مقبولة إذ أنها للبعض صارت للخلاص وللبعض الآخر صارت عذابًا للهلاك. وهكذا تظل الدينونة عقابًا للبعض ، بينما البعض الآخر تكون للخلاص. فالذين صلبوه جلبوا الدينونة على أنفسهم، وفعلوا هذا، لأنهم لم يؤمنوا به. لذلك بسبب هذه الدينونة هلكوا فى العذاب، بينما كل الذين آمنوا رُفعت عنهم الدينونة ولم يخضعوا لها. الدينونة التي ستصير بالنار سوف تجلب هلاكًا لغير المؤمنين في نهاية هذا العالم.

         70 ـ إذا كان النبى يقول: ” وفي جيله مَنْ كان يظن أنه قُطع من أرض الأحياء أنه ضُرب من أجل ذنب شعبى[66]، فإنه يقول هذا من خوفه أننا بسبب آلامه نكون شهود أحقاد ونعتبره نحن إنسانًا محتقرًا ومرذولاً. إن ذاك الذي عانى كل هذا له أصل ونسب لا يُوصف، أى أصله الذى هو أبوه، والذى لا يُوصف ولا يمكن التعبير عنه. اعرف إذن أن ذاك الذى خضع لهذه الآلام يمكن أن يسترد مجده الإلهى، فلا تحتقره بسبب العذابات التي تحملها لأجلنا، بالحرى فلنوقره ونكرّمه لأنه إله حقيقى بحسب طبيعته.

         71 ـ يقول إرميا في سياق آخر: ” نفس أنوفنا مسيح الرب أُخذ في حُفرهم الذي قلنا عنه في ظله، نعيش بين الأمم[67]. والكتاب يشهد بأن المسيح إذ هو روح (الله روح) سوف يصير إنسانًا متألمًا، وأيضًا إذ تعجب النبى لآلامه وللعذابات الكثيرة التي سيعانيها ـ شهد له قائلاً إننا سنحيا تحت ظله. فهو يدعو جسده “ظل”، لأنه كما أن الظِلّ يأتى من الجسد هكذا جسد المسيح يأتى من روحه. والظِلّ أيضًا يشير إلى التواضع وإلى تعرض جسده للاحتقار: لأنه كما أن ظِلّ الجسد المنتصب يكون على الأرض ويُداس تحت الأقدام، هكذا جسد المسيح، سقط على الأرض وقت آلامه وداسته الأقدام. وأيضًا ربما دعا النبى جسد المسيح “ظلاً” وكأنه كان يخفى مجد الروح ويغطيه. وأيضًا مرات كثيرة كانوا يوضعون المرضى على الطريق حيث يمر الرب والذين سقط ظله عليهم نالوا الشفاء[68].

72 ـ يقول النبى بخصوص آلام المسيح : ” باد الصديق وليس أحد يضع ذلك في قلبه ورجال الاحسان يُضمون وليس من يفطن بأنه من وجه الشر يُضم الصديق. دفنه يكون سلامًا. يستريحون في مضاجعهم. السالك بالاستقامة[69]. مَنْ هو الصديق البار والكامل إلاّ ابن الله الذي يقود إلى البر التام. وأولئك الذين يؤمنون به والذين يُضطهدون ويموتون مثله. عبارة “دفنه يكون”[70] يشير إلى الكرازة بموته لأجل خلاصنا. ” سلامًا ” تعنى “خلاصنا”. حقًا، بواسطة موته، كل مَنْ كانوا قبلاً أعداء بعضهم لبعض، فإنهم بإيمانهم به يحيون فى سلام فيما بينهم، فالإيمان المشترك به يجعلهم أصدقاء. أما قوله “رُفع من الوسط” أى أنه يعلن قيامته من بين الأموات، لأنه بعد قبره لم يره أحد ميتًا.

 

”حياة سألك”:

         كان لابد أن يقوم ويظل عديم الموت، هذا ما يعبّر عنه النبى قائلاً: ” حياة سألك فأعطيته. طول الأيام إلى الدهر والأبد[71]. فلماذا يقول ” حياة سألك” مادام مزمعًا أن يموت؟ إذن فالنبى يتكلّم هنا عن أنه سيقوم من الأموات وسيظل عديم الموت لأنه أُعطى حياة حتى يقوم، ” وطول الأيام إلى الدهر” لأنه سيكون في عدم فناء.

 

” اضجعت ونمت، ثم استيقظت ”:

         73 ـ وداود يتحدّث عن موت وقيامة المسيح هكذا: ” أنا اضطجعت ونمت ثم استيقظت لأن الرب عضدنى[72]. وداود لم يقل هذا عن نفسه، فهو لم يقم بعد موته، لكن روح المسيح ـ كما تحدث بواسطة الأنبياء الآخرين ـ يتحدّث الآن أيضًا عن المسيح بواسطة داود: ” أنا اضطجعت ونمت ثم استيقظت لأن الرب عضدنى“، هو يدعو الموت “نومًا” لأنه قام.

         74 ـ ويقول داود أيضًا عن آلام المسيح: ” لماذا ارتجت الأمم وتفكر الشعوب في الباطل. قام ملوك الأرض وتآمر الرؤساء معًا على الرب وعلى مسيحه[73]. تحققت هذه النبوءة إذ أن هيرودس ملك اليهود وبيلاطس البنطى وكيل الإمبراطور الرومانى قد اتفقا على الحكم عليه بالصلب.

         إذ أن هيرودس خاف أن يصير المسيح ملكًا على الأرض فيأخذ منه عرشه. وأيضًا بيلاطس، فبتحريض من هيرودس واليهود المحيطين به، قد أُجبِر بالإكراه على تسليم المسيح للموت، على أساس أنه لو لم يفعل هذا لاعتبُرَ عدوًا لقيصر بتبرأته إنسانًا نصّبَ نفسه ملكًا.

 

رُفضت ورذلت:

         75 ـ ويقول النبى أيضًا عن آلام المسيح: ” لكنك رفضت ورذلت. غضبت على مسيحك. نقضت عهد عبدك، طرحت مقدسه في التراب، هدمت كل جدرانه، جعلت حصونه خرابًا. أخذه كل عابرى الطريق. صار عارًا عند جيرانه. رفعت يمين مضايقيه فرحت جميع أعدائه. أيضًا رددت حد سيفه ولم تنصره في القتال. أبعدته عن النقاوة، وألقيت عرشه إلى الأرض. قصرت أيام شبابه غطيته بالخزى[74]. فالنبى يعلن بوضوح أن المسيح سيتحمل هذه الآلام وأنها ستكون بحسب مشيئة أبيه، فبالحقيقة أن كل ما تحمله إنما قد تحمَّله بمشيئة الآب.

 

” اضرب الراعى”:

         76 ـ تنبأ زكريا: ” استيقظ يا سيف على راعىّ وعلى رجل رفقتى يقول رب الجنود اضرب الراعى فتتشتت الغنم[75]، وقد تحقق هذا عندما قُبض على المسيح بواسطة اليهود، فقد تركه تلاميذه، لخوفهم من الموت، فإيمانهم لم يكن قد تثبّت بعد إلى أن رأوه قائمًا من بين الأموات.

 

” أحضروه مقيدًا”:

         77 ـ ويقول في الأنبياء الاثنى عشر: ” وأحضروه مقيدًا كهدية للملك[76]. فقد كان بيلاطس هو والى اليهودية وكان يكن عداوة لهيرودس ملك اليهودية، فلما أحضروا يسوع مقيدًا أمامه، أرسله إلى محكمة هيرودس بقصد استجوابه لكى يحققوا فيمَنْ يكون هو. وهذه كانت فرصة مناسبة لمصالحة الوالى الرومانى مع هيرودس الملك[77].

 

النزول إلى الجحيم:

         78 ـ نجد في إرميا التنبؤ بموته ونزوله إلى الجحيم (الهاوية) إذ يقول: ” الرب قدوس إسرائيل تذّكر أمواته الراقدين في التراب ونزل إليهم مبشرًا إياهم بخلاصـه[78]. هنا يبيّن بوضوح سبب موته، وأن نزوله إلى الجحيم هو خلاص للأموات.

 

” بسطت يدىَّ”

         79 ـ وأيضًا إشعياء يقول عن صلبه: ” بسطت يدى طول النهار إلى معاند ومقاوم[79]. هذه الكلمات تشير إلى الصليب. ويتحدث داود بأكثر وضوح: ” لأنه أحاطت بى كلاب جماعة من الأشرار اكتنفتنى. ثقبوا يدىّ ورجلى[80]، ثم يقول: “ صار قلبى كالشمع. قد ذاب وسط أمعائى. انفصلت كل عظامى[81] ويقول أيضًا: ” أنقذ من السيف نفسى قد اقشعر لحمى من رعبك لأن جماعة الأشرار قاموا علىَّ[82]. بهذه الكلمات يُعلن أن المسيح سوف يُصلب، وهذا ما سبق وقاله موسى للشعب: ” وتكون حياتك معلّقة قدامك وترتعب ليلاً ونهارًا ولا تأمن على حياتك[83].

 

”اقتسموا ثيابى”:

         80 ـ وأيضًا داود يقول: ” اقتسموا ثيابى بينهم وعلى لباسى يقتـرعون[84]. وهذا ما حدث بعد الصلب فقد اقتسم الجنود ثيابه فيما بينهم، بينما القميص (الرداء) الذى كان منسوجًا ألقوا عليه قرعة لكى يأخذه من تقع عليه القرعة[85].

 

” أخذوا الثلاثين من الفضة”:

         81 ـ ويقول النبى أيضًا: ” وأخذوا الثلاثين من الفضة ثمن المثمن الذي ثمنوه من بنى إسرائيل وأعطوها عن حقل الفخارى كمـا أمرنى الرب[86]. حقًا كان يهوذا واحد من تلاميذ المسيح، ولأنه عَرِف أن اليهود يريدون أن يقبضوا على المسيح، اتفق معهم لكى يسلّمه إذ كان يحمل بغضة تجاهه، لأنه قد توبخ منه، استلم الثلاثين من الفضة وسلّمهم المسيح، لكنه ندم لأجل خيانته، وألقى الثلاثين من الفضة عند أقدام رؤساء اليهود، وشنق نفسه. أما الرؤساء فقد اعتبروا أنه ليس من اللائق أن يضعوا هذه (الفضة) في خزانتهم لأنها كانت ثمن دم، فاشتروا بها حقل الفخارى مقبرة للغرباء[87].

 

” أعطوه خلاًّ”:

         82 ـ وعندما رُفعوه على الصليب، عطش وأعطوه خلاًّ ممزوجًا بمرارة وهذا ما قد سبق أن قاله داود: ” ويجعلون في طعامى علقمًا وفي عطشى يسقوننى خلاًّ[88].

 

موت المسيح وقيامته وصعوده:

         83 ـ وعن أنه سيقوم من الأموات ويصعد إلى السموات، فقد سبق وتنبأ عنه داود بقوله: ” مركبات الله ربوات ألوف مكررة. الرب فيها. صهيون في القدس. صعدت إلى العلاء. سبيت سبيًا. قبلت عطايا من الناس[89]. و”السبى” يشير إلى إبطَال سلطة الملائكة الساقطين. كما أنه أظهر المكان الذي سيصعد منه على الأرض نحو السماء. لأن الرب يقول: ” من صهيون صعد إلى العلاء“، أى من الجبل الذي هو مقابل أورشليم ويُدعى جبل الزيتون. عندما قام الرب جمّع تلاميذه وتحدث إليهم عن ملكوت السموات، حيث صعد أمام أنظارهم ورأوا السموات تنفتح لكى تستقبله[90].

 

” ارفعوا أبوابكم”:

         84 ـ عن هذا يقول داود ” ارفعوا أيها الرؤساء أبوابكم، وارتفعى أيتها الأبواب الدهرية فيدخل ملك المجد[91]. الأبواب الدهرية هى السموات. ولكن لأن الكلمة الذى تجسد لم يكن منظورًا بالنسبة للمخلوقات، عندما نزل على الأرض، إلاّ أنه بسبب تجسده، قد صعد منظورًا فى الأعـالى، فقد رأته الملائكة وصاحوا إلى نظرائهم الذين فى الأعالى: ” ارفعوا أيها الرؤساء أبوابكم، وارتفعى أيتها الأبواب الدهرية فيدخل ملك المجد“، وعندما اندهشت الملائكة الذين في الأعالى وقالوا: ” مَنْ هو ملك المجد؟“، صرخ كل الذين سبق أن شاهدوه: ” الرب القدير الجبار هو ملك المجد[92].

         85 ـ ويتحدّث داود عن قيامته وجلوسه عن يمين الآب وانتظاره لليوم المُعيّن من أبيه الذي فيه سيدين الكل ويخضع له أعدائه. أعداؤه هم كل أولئك الذين تمردوا: الملائكة رؤساء الملائكة، السلاطين والكراسى، الذين استهانوا بالحق، فيقول: ” قال الرب لربى اجلس عن يمينى حتى أضع أعداءك موطئًا لقدميك[93]. ويتحدّث داود عن صعوده إلى المكان الذي نزل منه: ” من أقصى السموات خروجها ومدارها إلى أقاصيها[94]، وبعد ذلك يشير إلى الدينونة فيقول: ” ولا شئ يختفى من حَرارته[95].

 

دعوة الأمم: شعب الله الجديد:

         86 ـ كل ما تنبأ به الأنبياء عن ابن الله، بأنه سوف يظهر على الأرض، أى في مكان محدد وكيف وفى أية ظروف سوف يظهر، جميع هذه الأمور تحققت في شخص ربنا. لذا فإيماننا به يستند على أساسات لا تتزعزع إذ أن تقليد الكرازة صادق وحق، الذى هو شهادة الرسل الذين أرسلهم الرب، وكرزوا في كل العالم، أن ابن الله أتى على الأرض وتحمل الألم لكى يبيد الموت ويمنح لنا الحياة[96].

         فهو إذ قد أبطل العداوة التى أوجدتها الخطية بيننا وبين الله، فإنه صالحنا مع الله وجعلنا أحباء له[97].

 

” ما أجمل أقدام المبشرين بالسلام”:

وهذا ما تنبأ عنه الأنبياء: ” ما أجمل أقدام المبشرين بالسلام المبشرين بالخيرات[98]. بعد ذلك يتنبأ إشعياء، عن الرسل أنهم سوف يخرجون من اليهودية ومن أورشليم لكى يُعلنوا لنا كلمة الله التي هى قانون لنا بقوله: “ لأن من صهيون تخرج الشريعة ومن أورشليم كلمة الرب[99]، وداود يقول، إنهم سوف يكـرزون في كل العالـم: ” في كل الأرض خرج منطقهم وإلى أقصى المسكونة كلماتهم[100].

 

قضاء الرب فى كل الأرض:

         87 ـ أيضًا يتنبأ إشعياء بأن البشر سوف لا يكونوا تحت نير فرائض الناموس، بل سوف يحيون في بساطة الإيمان والمحبة ” قد قضى بفناء فائض بالعدل. لأن السيد رب الجنود يصنع فناء وقضاء في كل الأرض[101]، لذلك يقول الرسول بولس: ” لأن من أحب غيره فقد اكمل الناموس. المحبة هى تكميل الناموس[102]. وأيضًا عندما سُئل الرب عن أعظم وصية أجاب: ” تحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك هذه هى الوصية الأولى والعظمى والثانية مثلها تحب قريبك كنفسك بهاتين الوصيتين يتعلّق الناموس كله والأنبياء[103]. فبإيماننا به ازدادت محبتنا نحو الله وللقريب، وجعلنا أتقياءً وأبرارًا وصالحين، لأجل هذا صنع الرب “قضاء في كل الأرض”.

 

يُدعون باسم جديد

         88 ـ ويشير إشعياء، إلى أنه بعد صعوده سوف يتمجد مجدًا عاليًا فوق الكل ولن يكون هناك مَنْ يُقارن به: ” من هو صاحب دعوى معى، ليتقدم مقابلى. مِنْ هو الذى يسير مبررًا. فليقترب من ابن الله! ويل لك، لأن الكل كالثوب يبلون يأكلهم العث[104]. وأيضًا     “ توضع عينا تشامخ الإنسان وتخفض رفعة الناس ويسمو الـرب وحده[105]. ويشير إشعياء أنه في النهاية، الذين يخدمون الله سوف يخلصون باسمه إذ يقول: ” والذين خدمونى سوف يُدعون باسم جديد. فالذي يتبرك في الأرض يتبرك بإله الحق[106]. أخيرًا، فإن هو نفسه وفي شخصه تتحقق هذه النبوة إنه يفدينا بدمه إذ يقول إشعياء: ” ليس شفيع ولا ملاك بل الرب نفسه، لأنه خلّصهم وأحبهم وقد أشفق عليهم وفداهم بنفسه[107].

 

” هاأنذا صانع أمرًا جديدًا”:

         89 ـ وأيضًا يعرفنا إشعياء، أن الرب لا يريد للمؤمنين أن يرتدوا إلى ناموس موسى، لأن الناموس قد تحقق بالمسيح، لكن بواسطة الإيمان والمحبة نحو ابن الله نخلّص بجدة الحياة بمعونة الكلمة، بقوله: ” لا تذكروا الأوليات والقديمات لا تتأملوا بها. هأنذا صانع أمرًا جديدًا. الآن ينبت. ألاَ تعرفونه. اجعل في البرية طريقًا في القفر أنهارًا. يمجدنى حيوان الصحراء الذئاب وبنات النعام لأنى جعلت في البرية ماء أنهارًا في القفر لأسقى شعبى مختارى. هذا الشعب جبلته لنفسى، يُحدّث بفضائلى[108]. قبل دعوة الأمم، كانت حياتهم مثل صحراء جرداء، لأن الكلمة لم يكن أتى إليهم ولا الروح القدس قد سقاهم، فالكلمة الذى مهّد طريقًا جديدًا للتقوى نحو الله والبر، هو أيضًا جعل الأنهار (النعمة) تفيض بغزارة ويُسكب الروح القدس بوفرة على الأرض، كما وعد بواسطة الأنبياء، بأنه سوف يسكب الروح القدس في الأيام الأخيرة على الأرض[109].

اكتب شريعتى على قلوبهم:

         90 ـ دعوتنا، إذن، هى فى ” جدة الروح القدس وليس في حفظ عتق الحرف”[110]، وفق نبوة إرميا ” ها أيام تأتى يقول الرب وأقطع مع بيت إسرائيل ومع بيت يهوذا عهدًا جديدًا. ليس كالعهد الذي قطعته مع آبائهم يوم أمسكتهم بيدهم لأخرجهم من أرض مصر حين نقضوا عهدى فرفضتهم يقول الرب. بل هذا هو العهد الذي أقطعه مع بيت إسرائيل بعد تلك الأيام يقول الرب. اجعل شريعتى في داخلهم وأكتبها على قلوبهم وأكون لهم إلهًا وهم يكونون لى شعبًا، ولا يعلّمون بعد كل واحد صاحبه وكل واحد أخاه قائلين: اعرفوا الرب، لأن الجميع سيعرفوننى من كبيرهم إلى صغيرهم، لأنى أصفح عن إثمهم ولا أذكر خطيتهم بعد[111].

 

” يثق الإنسان بصانعه”:

         91 ـ سبق لإشعياء أن أشار إلى أن الأمم سوف يُدعون لكى يرثوا هذه الوعود ويأخذوا مكانًا في العهد الجديد، بقوله: ” في ذلك اليوم يثق الإنسان بصانعه وتنظر عيناه إلى قدوس إسرائيل. ولا يلتفت إلى المذابح صنعة يديه ولا ينظر إلى ما صنعتـه أصابعه[112]. هذه الأقوال قيلت بوضوح عن الذين هجروا عبادة الأصنام وآمنوا بالله خالقنا قدوس إسرائيل. وقدوس إسرائيل هو المسيح، الذي ظهر للبشر، والذى إليه تنظر عيوننا، إذ نحن لا نثق بذبائح الأصنام ولا بأعمال أيدينا.

 

” صرت ظاهرًا للذين لم يسألوا عنى”:

         92 ـ الكلمة نفسه كرز بواسطة إشعياء، بأنه سوف يظهر بيننا، وأنه هو نفسه ابن الله، سيصير ابن الإنسان، وأنه سوف يُوجد بيننا نحن الذين لم نكن نعرفه بعد، بقوله: ” صرتُ ظاهرًا لمِنْ لم يسألوا عنى، وُجدتُ من الذين لم يطلبوننى. قلت هاأنذا لأمة لم تسمَ باسمى[113].

 

” أعطيهم قلب لحم”:

         93 ـ وكون أن هذا الشعب سيكون شعبًا مقدسًا فهذا ما تنبأ به هوشع الذى هو من الأنبياء الاثنى عشر: ” سأدعو الذي ليس شعبى شعبى والتي ليست محبوبة محبوبة ويكون في الموضع الذي قيل لهم فيه لستم شعبى أنه هناك يدعون أبناء الله الحى[114]. ونفس الأمر قاله يوحنا المعمدان أيضًا: ” إن الله قادر أن يقيم من الحجارة أولاد لإبراهيم[115]. فإن قلوبنا تحرّرت من عبادة الأوثان ورُفعنا بواسطة الإيمان إلى رؤية الله، وبذلك صرنا أبناء إبراهيم، الذي تبرر بالإيمان. ولذلك يقول الله على فم حزقيال: ” وأعطيهم قلبًا واحدًا وأجعل في داخلكم روحًا جديدًا وأنزع قلب الحجر من لحمهم وأعطيهم قلب لحم لكى يسلكوا في فرائضى ويحفظوا أحكامى ويعملوا بها ويكونون لى شعبًا فأنا أكون لهم إلهًا[116].

         94ـ إذن، بواسطة الدعوة الجديدة تغيّرت قلوب الأمم بواسطة الكلمة الذي تأنس وحلّ بيننا، كما يقول تلميذه يوحنا: ” الكلمة صار جسدًا وحلّ فينا[117]. لهذا فالكنيسة تضم عددًا كبيرًا من المُخلّصين، لأن الذى يخلّصنا ليس شفيعًا مثل موسى ولا ملاكًا (مرسلاً) مثل إيليا بل هو الرب نفسه[118]، وهو الذي أعطى الكنيسة أبناءً أكثر من أبناء المجمع (اليهودى)، كما يقول إشعياء: ” ترنمى أيتها العاقر التي لم تلد أشيدى بالترنم أيتها التي لم تمخض لأن بنى المستوحشة أكثر من بنى ذات البعل قال الـرب[119]، “ العاقر التي لم تلد” هى الكنيسـة التي لم يكـن لديها أبنـاء من قبل، ولهذا ينطبق عليها النبوة: ” اهتفى واصرخى أيتها التي لم تتمخض فإن أولاد الموحشة أكثر من التي لها زوج[120]، أما المجمع القديم فله زوج وهو الناموس.

 

” بأمة غبية أغيظكم”:

         95 ـ ويقول موسى في سفر التثنية، إن الأمم سيصبحون هم “الرأس”، والشعب غير المؤمن هو “الذنب”[121]، ويضيف: ” أهم أغارونى بم ليس إلهًا أغاظونى بأباطيلهم فأنا أغيّرهم بما ليس شعبًا بأمة غبية أغيظهم[122]. حقيقةً لقد هجر اليهود الله الكائن لكى يسجدوا للآلهة الغريبة غير الموجودة، قتلوا الأنبياء وتنبأوا بواسطة بعل[123]، الذي إليه يقدّم الكنعانيون الأصنام، مُهينين ابن الله، الكائن، وأنكروه وفضلوا عليه باراباس، الذي كان لصًا مُدانًا بجريمة القتل، رفضوا الملك الأبدى، لكى يُنادوا بملك وقتى هو قيصر. لأجل هذا سُرَّ الله أن يهب الأمم أن يكونوا شركاء في الميراث، وهم الذين لم يكونوا منتمين لله ولم يكونوا يعرفون مَنْ هو الله. وحيث إن الله منح الحياة بواسطة هذه الدعوة ووهب لنا إيمان إبراهيم، فلا ينبغى أن نرتد إلى الناموس القديم، طالما قبلنا ابن الله الذى هو رب الناموس. وبواسطة الإيمان به علّمنا أن نحب الله بكل قلوبنا وقريبنا كنفسنا. لكن المحبة لله هى بعيدة عن كل خطية، والمحبة للقريب لا تصنع شًرا للقريب[124].

 

” كان الناموس مؤدبًا لنا”:

         96 ـ لذلك فنحن لا نحتاج للناموس كمُربى[125]. نحن أطفال من جهة الشر، لكن أقوياء في كل بر وطهارة، وها نحن نقف أمام الآب ونتحدّث معه. الناموس لا يمكن أن يقول ” لا تزن” لذاك، الذي لا يشتهى حتى امرأة آخر[126]، أو ” لا تقتل” لذاك، الذي نزع من قلبه أى شعور بالغضب والعداوة، و” لا تشتهى حقل قريبك أو ثوره أو حماره” لأولئك الذين لا يهتمون بالأمور الأرضية، بل يكنزون كنوزًا في السماء. ولا يمكن أن يقول ” عين بعين وسن بسن” لذاك، الذي ليس له عدو أبدًا، إنما يعتبر الجميع إخوة، وبالتالى من المستحيل أن يرفع يده للانتقام. الناموس سوف لا يطلب العشور من ذاك الذي كرّس كل خيراته لله وترك الأب والأم والإخوة والأخوات، لكى يتبع الكلمة. الناموس لن يفرض بأن يُحفظ يومًا معينًا لذاك، الذي عنده كل يوم هو كيوم السبت ويحيا في هيكل الله، الذي هو الجسد البشرى، مشغولاً بعبادة الله وممارسًا للبر. فالله يقول: ” أريد رحمة لا ذبيحة ومعرفة الله أكثر من محرقات[127]، أما الإنسان المتعدى على الشريعة ” الذى يذبح ثورًا لى فهو كمن ينحر كلبًا، ومن يُصعد تقدمة دقيق فهو كمن يُصعد دم خنزير[128]. ولكن ” كل مَنْ يدعو باسم الرب يخلص[129].

 

يسوع المسيح خلاصنا:

 ” وليس بأحد غيره الخلاص. لأن ليس اسم آخر تحت السماء قد أُعطى بين الناس به ينبغى أن نخلص[130] إنه اسم يسوع، ابن الله الذي يخضع له حتى الشياطين والأرواح الشريرة والقوات المعادية.

         97 ـ بدعاء اسم يسوع المسيح، المصلوب على عهد بيلاطس البنطى[131]، يهرب الشيطان من البشر. يسوع المسيح يأتى ويبعد الشيطان عن البشر أينما وُجدوا. وحيث إنهم يؤمنون به ويحفظون إرادته ويدعون باسمه، فإنه يحضر معهم ويسمع توسلاتهم وطلباتهم المُوجهة إليه بقلب طاهر. وهو الذي بحكمته غير المتناهية وغير الموصوفة خلّصنا وبشرنا من السماء بالخلاص، بمجيئه بيننا، أى نعمة تجسده. فالبشر لا يستطيعون من أنفسهم أن يحصلوا على هذه النعمة، ولكن غير المستطاع عند الناس مستطاع عند الله. لذا يصرخ إرميا: ” مَن صعد إلى السماء فأمسكها ونزل بها من الغيوم؟ مَن عبر البحر فوجدها وحصل عليها بالذهب الابريز؟ ليس أحد يعرف طريقها ويرغب في سبيلها لكن العالِم بكل شئ يعلمها وبعقله وجدها، وهو الذي جهز الأرض للأبد، وملأها حيوانات من ذوات الأربع. والذي يُرسل النور فيذهب دعاة فأطاعه مُرتعدًا. أن النجوم أشرقت في محارسها وتهللت. دعاها فقالت: ” هاأنذا ” وأشرقت متهللة للذي صنعها. هذا هو إلهنا، ولا يُحسب غيرة تجاهه. اهتدى إلى كل طريق للمعرفة، وجعله ليعقوب عبده وإسرائيل حبيبه. وبعد ذلك رُئيت على الأرض وعاشت بين البشر. هى كتاب أوامر الله والشريعة القائمة للأبد. كل مَن تمسك بها فله الحياة والذين يُهملونها يموتون[132]. ويقصد بيعقوب وإسرائيل، ابن الله الذي أخذ من الآب السلطان لينزل على الأرض لكى ينقل لنا الحياة ويُصاحب البشر البعيدين عن الآب. لقد وَحّد روح الله بخليقة الله حتى أن الإنسان يظل على صورة الله ومثاله (أى التشبه بالله)[133].

         98 ـ أيها الصديق الحبيب، هذه هى كرازة الحق، وهذا هو قانون خلاصنا وهذا هو طريق الحياة. هذه الحقيقة تنبأ عنها الأنبياء، وقد ثبّتها المسيح ونقلها الرسل إلينا وقدّمتها الكنيسة إلى أبنائها[134]. ينبغى أن نحافظ عليها بحرص عظيم، مُرضين الله بأعمال صالحة وبذهن سليم.

         99 ـ لا ينبغى أن يُفهم بأنه يوجد إله آخر غير الله خالقنا، كما يظن الهراطقة[135]، الذين يحتقرون الله، الكائن، ويصنعون من الأصنام آلهة غير حقيقية، ويتمسكون “بأب” آخر أسمى من خالقنا. كل هؤلاء هم غير أتقياء ويجدفون على خالقهم وأبيهم، أيضًا برهنا على هذا في كتابنا ” نقد ودحض المعرفة الكاذبة”[136]. وهراطقة آخرون ينكرون مجيء ابن الله وتدبير تجسده، هذا الإيمان الذي سُلّم بواسطة الرسل وتنبأ عنه الأنبياء من أجل خلاص البشرية، كما أوضحنا هنا بإيجاز[137]. آخرون أيضًا لم يقبلوا عطايا الروح القدس وينكرون الموهبة النبوية، التي بواسطتها يصير الإنسان حاملاً الحياة الإلهية كثمرة. هؤلاء الذين يقول لهم إشعياء: ” لأنكم تصيرون كبطمة قد ذبل ورقها وكجنة ليس لها ماء[138]، هؤلاء لا نفع منهم عند الله إذ أنهم لا يحملون ثمارًا.

         100 ـ إذن، فالضلال المتعلق بالفهم المنحرف للبنود الأساسية لمعموديتنا[139]، يقود الكثيرين بعيدًا عن الحق، لأنهم إماَّ يحتقرون الآب أو لم يقبلوا الابن، رافضين تدبير تجسده، أو لم يقبلوا الروح القدس، أى أنهم احتقروا النبوة. وعلى كل حال ينبغى أن نحترس من هؤلاء الهراطقة ونهرب من أفكارهم والشركة معهم، إذا أردنا أن نُرضى الله حقًا ونحصل على الخلاص.

 

 

ختام المخطوط

شرح الكرازة الرسولية لإيرينيوس

المجد للثالوث القدوس، وللإله الواحد الآب والابن والروح القدس المحامى عن الجميع إلى دهر الدهور آمين

تذكار في الرب للقديس ومثلث البركات

رئيس الأساقفة يوحنا[140]،

ومالك هذا المخطوط

وأخو القديس باسيليوس

وأيضًا حقارتى الكاتب.

[1] تك1:18ـ3.

[2] هذا التفسير أيضًا عند يوستينوس فى حواره مع تريفو Di£logoj 56,22

[3] تك24:19.

[4] نفس الأمر يقوله القديس كيرلس الأورشليمى عن الكلمة فى العهد القديم مؤكدًا أن: [الرب (الكلمة) الذى هو مع الآب، عمل معه فى حالة سدوم أيضًا إذ يقول الكتاب المقدس “فأمطر الرب على سدوم وعمورة كبريتًا ونارًا من عند الرب من السماء” (تك24:19)] كيرلس الأورشليمى، المرجع السابق، المقال العاشر، ص201.

[5] يعلق القديس إيرينيوس على قول الرب يسوع لليهود: ” إبراهيم أبوكم تهلل بأن يرى يومى فرأى وفرح” (يو56:8)، قائلاً: [ … وهكذا إبراهيم أيضًا، إذ عرف الآب من خلال الكلمة، الذى ابدع السماء والأرض، اعترف بإلوهيته، وإذ تعلّم باستعلان أن ابن الله سيصير إنسانًا بين البشر، وأنه بمجيئه سيصير نسله كنجوم السماء، اشتهى أن يرى ذلك اليوم، لكى يعانق هو نفسه أيضًا المسيح، وإذ رآه بروح النبوة، تهلّل…] (AH4:7:1).

[6] يؤكد العلامة أوريجينوس على أن المسيح قد افتقد البشرية قبل مجيئه فى الجسد، قائلاً: [لم يكن هناك البتة حقبة زمنية (فى تاريخ البشرية) فيها لم يفتقد المسيح العالم بالخلاص الإلهى، ويعلن عن ذاته لقديسيه. فكلمة الله تجسد وصار بشرًا فى آخر الأزمنة (أى الأزمنة المحددة لاستعلان الخلاص الكامل)، وأعلن عن نفسه فى يسوع المسيح. ولكن قبل هذا المجيء المنظور فى الجسد كان كائنًا، ولكن بدون أن يتخذ هيئة إنسانية (كما اتخذها فى سر التجسد)، فهو الوسيط الدائم بين الله والناس] تفسير إنجيل يوحنا 12:20، PG14, 1297.

[7] أيضًا يفسر القديس كيرلس الأسكندرى ما رآه يعقوب فى حلمه بأن المسيح هو الذى كان جالسًا فى أعلى السُلّم، معتمدًا فى هذا على قول المسيح: ” الحق أقول لكم من الآن ترون السماء مفتوحة وملائكة الله يصعدون وينزلون على ابن الإنسان” (يو51:1) انظر جلافيرا على سفر التكوين المقالة الرابعة تحت النشر.

[8] إش1:66.

[9] إش12:40.

[10] انظر يو8:1

[11] يقول القديس يوستينوس: [ فكلمة الله هو ابن الله، وقد دُعى ملاكًا ورسولاً، لأنه أعلن لنا ما ينبغى أن نعرفه، وقد أُرسل ليكشف كل ما يجب أن يُستعلن، كما قال الرب نفسه: ” الذى يسمع منى يسمع الذى أرسلنى” (لو16:10). ومن كتابات موسى أيضًا يظهر هذا الأمر واضحًا، لأنه مكتوب فيها “وخاطب ملاك الرب موسى من لهيب النار من وسط العليقة قائلاً: أنا الكائن بذاتى، إله إبراهيم وإله إسحق وإله يعقوب، إله آبائك. انزل إلى مصر واخرج شعبى من هناك“. وإذا أردت أن تعرف ما جاء بعد ذلك، فيمكنك أن تفعل ولكن ما أكثر المكتوب لكى يبرهن على أن يسوع المسيح هو ابن الله ورسوله الذى هو الكلمة منذ القدم، الذى ظهر أحيانًا فى هيئة نار وأحيانًا اخرى شبه ملاك، ولكنه الآن صار إنسانًا، بإرادة الله، من أجل جنس البشر] (ANF Vol. I, p. 184).

[12] خر7:3. راجع القديس إيرينيوس AH4:23:1.

[13] يقول القديس إيرينيوس فى موضع آخر: [ لا يوجد إلاّ إله واحد وحيد: هو الله الآب، وكلمته الفاعلة والحاضرة مع البشرية على الدوام، وإن كان بأنواع وتدابير مختلفة، أو بمعاملات متعدّدة الأشكال، مخلّصًا منذ البدء كل الذين شملهم الخلاص، أى أولئك الذين يحبون الله، والذين بحسب مقتضيات زمانهم ـ يتبعون كلمته..] (AH4:28:2) (SC.100, 758). كما يقول أيضًا بأكثر وضوح: [إن المسيح لم يأتِ فقط لأولئك الذين بدأوا يؤمنون به منذ أيام طيباريوس، والآب لم يفتقد بعنايته الإلهية أُناس اليوم (المسيحيين) فحسب. وإنما رعايته هى لكل البشر بلا استثناء، الذين منذ البدء كانوا، بقدر طاقتهم وإمكانيات عصرهم، يخافون الله ويحبونه، ويمارسون البر والعطف تجاه القريب (كل إنسان)، ويشتهون أن يروا المسيح ويسمعوا صوته] (AH4:27:2) (SC.100, 688).

[14] راجع خر 6:17. 1كو 4:10.

[15] يجمع الآباء على أن نزول الله إلى شعبه لكى يخلّصهم هو إشارة إلى تجسد الكلمة لكى يخلّص الجنس البشرى، فيقول مار افرآم السريانى: [قال الله: إنى نظرت تعب شعبى وضيقهم واستعباد المصريين لهم، ونزلت لكى اخلصهم. الله متعالٍ عن كل كذب، وقوله: “نزلت”، لا يمكن تحقيقه فى الطبيعة الإلهية، لأن الذى لا يسعه مكان ولا يخلو منه موضع ولا نهاية له ولا حدّ، كيف يمكن أن يصِح له نزول؟ لأن المكان الذى يُقال أنه نزل منه هو لم يزل فيه. بل كان هذا القول إشارة إلى تجسده وظهوره على الأرض من أجل خلاص جنس آدم ونجاتهم من استعباد المصريين العقليين، أعنى إبليس وجنوده الذين كانوا يستعبدونهم فى الأعمال الشريرة المُهلكة وبعد ذلك يحدرونهم إلى الجحيم. فتجسد الله الكلمة هو نزول حقيقى، وذلك أن الطبيعة غير المنظورة اتحدَّت فى الأقنوم بطبيعة منظورة. والطبيعة غير المحدودة اتحدَّت بطبيعة محدودة، وصار غير المنظور بالحقيقة منظورًا، وغير المحدود بالحقيقة محدودًا من حيث إنه صار جسدًا. وهذا هو نزول واتضاع حقيقى فعله لخلاصنا] فى تفسيره للخروج، المخطوطة رقم 112هـ بمكتبة اكسفورد.

[16] راجع أيضًا القديس إيرينيوس AH1:1:18. وعن كون أن الابن هو الله، يقول القديس كيرلس الأورشليمى: [نقول إن الله حقيقى لا يلد إلهًا باطلاً، ولا هو تمعن وبعد ذلك وَلدَ، بل وَلدَ أزليًا بأكثر سرعة من ولادة كلماتنا وأفكارنا، إذ نحن نتكلّم فى زمان ونستهلك زمانًا، لكن بالنسبة للقوة الإلهية، فالميلاد هو بلا زمن…] كيرلس الأورشليمى، المرجع السابق، المقالة الحادية عشر: 14، ص218.

[17] انظر أف18:2 و12:3.

[18] انظر مز6:45ـ7، عب8:1و9.

[19] يعلق القديس كيرلس الأورشليمى على هذه الكلمات مبرهنًا على إلوهية الابن، بقوله: [الرب قال هذا للرب، لا لعبد، بل لرب الكل، ابنه الذى أخضع كل شئ له: ” ولكن حينما يقول إن كل شئ قد أُخضِع فواضح أنه غير الذى أخضع الكل له” وماذا يلى هذا؟ ” كى يكون الله الكل فى الكل“. الابن الوحيد هو رب الكل، لكن ابن الآب المُطيع لم يحصل على لاهوته كأنه لم يكن له بل هو ابن بالطبيعة] كيرلس الأورشليمى، المرجع السابق، المقالة العاشرة، ص203.

[20] مز109 (سبعينية).

[21] إش1:45.

[22] مز7:2ـ8.

[23] راجع الدفاع الأول ليوستينوس 36,2.

[24] إش5:49ـ6.

[25] يشرح القديس كيرلس الأورشليمى ـ بطريقة رائعة وواضحة ـ كيف أن الابن هو الإله الأزلى وكيف أنه بالتجسد صار ابن داود، قائلاً: [ هو ابن داود فى ملء الأزمنة، ولكنه ابن الله قبل الدهور بلا بداية. قد تقَبَل البنوة (لداود) إذ لم تكن له، أما البنوة للآب فهى له سرمديًا. إن له أبان؛ داود حسب الجسد، والآخر أى الله أباه فى اللاهوت (أى بالطبيعة). بكونه ابن داود يخضع للزمن وللتدبير والتنازل النسبى، لكن من جهة اللاهوت فلا يخضع لا لزمان ولا لمكان] كيرلس الأورشليمى، المرجع السابق، المقالة العاشرة ص231.

[26] راجع تك28:32.

[27] انظر باروخ38:3.

[28] إش14:7ـ16.

[29] لقد صار المسيح طفلاً لكى يعيد للأطفال الشركة مع الله، كذلك صبيًا وفتى وشابًا ورجلاً ليعيد ذلك أيضًا للصبيان والفتيان والشبان والبالغين، لذا يقول القديس إيرينيوس: [ فإن المسيح كما قلنا قد وحَّدَ الإنسان مع الله… فقد كان لائقًا أن الوسيط بين الله والناس بحق قرابته الخاصة مع كل منهما، يعيد الألفة والتوافق بينهما ويقدم الإنسان إلى الله ويُظهر الله للإنسان… فإنه من أجل ذلك قد جاء مجتازًا فى جميع الأعمار لكى يعيد للجميع الشركة مع الله] (AH7:18:3).

[30] إش1:61 . لو 18:4.

[31] إش7:66.

[32] إش6:9.

[33] تك26:1.

[34] صيغة الجمع في تك26:1 كحوار داخل الثالوث تشير إليها رسالة برنابا5:5، ورسالة ثيوفيلوس= =الأنطاكى إلى أوتوليكوس18:2. وكيرلس الأسكندرى حوار حول الثالوث ج29:2: [ تعبيرا “لنعمل” وأيضًا “على صورتنا” يدلان على أن المتكلّم ليس شخصًا واحدًا بل أكثر من واحد وأكثر من اثنين]، ويقول القديس كيرلس بوضوح فى موضع آخر متسائلاً: [ فلو كان الله أقنومًا واحدًا بلا تعدد وليس ثلاثة أقانيم فمَنْ الذى كان يتكلم مع مَنْ؟ ويقول له ” نخلق الإنسان على صورتنا“، ولو كان الله أقنومًا واحدًا لقال: ” أخلق الإنسان على صورتى” لكن الكتاب لم يذكر ذلك، ولكن حيث إن صيغة الجمع استخدمت “صورتنا” فإنها تعلن بصوت قوى أن أقانيم الثالوث هى أكثر من واحد] شرح إنجيل يوحنا ج1، المرجع السابق، ص24.

[35] فى تعليقه على قول المسيح لأورشليم: ” كم مرة أردت ان أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها ولم تريدوا” (مت17:23)، يحدثنا القديس إيرينيوس عن حرية الإنسان قائلاً: [أوضح الرب بقوله هذا الشريعة القديمة لحرية الإنسان، لأن الله منذ البدء خلق الإنسان حرًا. فللإنسان سلطانه على قراره، كما أن له حياته الخاصة، حتى يتمم مقاصد الله بدون قسرٍ من الله لأن الله لا يستخدم القهر، بل هو فى كل الأزمنة يريد ما هو لخير الإنسان، ولهذا فإن تدبيره صالح للكل. لقد زوّد الإنسان بسلطان الاختيار، مثلما زوّد الملائكة به، حتى أن كل من يطيع ينال الصلاح حقًا، الصلاح المُعطى من الله، والمنوط بالبشر الاحتفاظ به. فإن كان هناك حقًا (كما يدعى البعض) مَنْ هم بالطبيعة أشرار ومَنْ هم بالطبيعة أخيار، فلا يكون الأخيار جديرين بالمدح على فعلهم الصلاح، لأنه داخل تركيبهم الطبيعى، ولا الأشرار يكونون مسئولين عن شرهم لأنهم هكذا خُلقوا. ولكن الكل فى الحقيقة لهم نفس الطبيعة، أى سلطان قبول  الصلاح وتنفيذه أو الازدراء وعدم تنفيذه] (AH4:27:1).

[36] عند القديس إيرينيوس نعمة عدم الفساد هى عطية الثالوث القدوس للمؤمن: [ الروح القدس يهيئ الإنسان لاقتبال ابن الله، والابن يأتى به إلى الآب، والآب ينعم عليه بعدم الفساد للحياة الأبدية] AH4:20:5.

[37] إش5:9ـ7.

[38] تك10:49ـ11.

[39] راجع يوستينوس الدفاع الأول 32,3..

[40] نفس هذا المفهوم يؤكد عليه القديس كيرلس الأورشليمى حين علّق على هذه النبوة قائلاً: [بهذا أعطى علامة لمجيء المسيح هو انقطاع الحكم من اليهود. فلو لم يكونوا تحت حكم الرومان لما كان المسيح قد جاء بعد. لو كان لليهود ملك من يهوذا من نسل داود لما جاء المسيح بعد…] كيرلس الأورشليمى، المرجع السابق، المقالة الحادية عشر، ص235.

[41] غاية التجسد عند القديس إيرينيوس هى أن “يمتزج” الإنسان بالكلمة فيصير بذلك ابنًا لله وهذا= =الاتحاد بين الله والإنسان يشبّهه بقبول مزيج الخمر السماوى، فالهراطقة يفحصون شخص المسيح فى ذاته بمعزل عن عمله الخلاصى وبدون تفاعل داخلى مع هذا العمل الخلاصى: [ فباطل هو تعليم الإيبونيين الذين لا يقبلون فى نفوسهم بالإيمان اتحاد الله بالبشرية… فإن هؤلاء الهراطقة يرفضون مزيج الخمر السمائى ويتمسكون فقط بالماء العالمى ولا يريدون أن يقبلوا الإله (الذى جاء) ليمتزج (ليتحد) بهم] (AH5:1:3).

[42] عد 17:24.

[43] انظر مت2:2.

[44] انظر مت 1:2ـ11.

[45] إش1:11ـ10 سبعينية.

[46] إش4:11.

[47] انظر فقرة 3.

[48] عا11:9 ، أع 16:15. عن الخيمة المقدسة التى أمر الله موسى أن يبنيها يؤكد غريغوريوس النيسى أنها تشير ايضًا إلى المسيح، ويتساءل قائلاً: [ ما هى إذن هذه الخيمة “غير المصنوعة بيد”، التى أُظهرت لموسى على الجبل والتى تسلّم رسمها وشاهد ترتيب مثالها الأصلى، حتى يمكن أن يجعل هذه الاية العجيبة التى لم تُصنع بيد بشر مرئية فى هيئة خيمة مصنوعة بيد البشر؟.. فأى حقائق غير مرئية كانت هذه الأشياء (الموجودة فى الخيمة) رمزًا ومثالاً لها؟!.. انطلاقًا من إشارة بولس الرسول الذى أزاح الستار جزئيًا عن السر المكنون فى هذه الأشياء التى بُلغ بها موسى بالرمز مسبقًا عن سر الخيمة التى تشمل الكل، التى هى المسيح، فإنه هو  “قوة الله وحكمة الله”، الذى فى طبيعته الذاتية ليس مصنوعًا بيدٍ بشرية، ولكنه لبس جسدًا مخلوقًا لما صار ضروريًا أن ينصب خيمته بيننا] حياة موسى:2، 170و173.

[49] راجع في 7:2.

[50] ميخا1:5.

[51] مز 10:132ـ12.

[52] هذا النص من زكريا 9:9. راجع مت 5:21، إش11:62.

[53] هذه الفقرة (66) هى مُلخص لفقرات 53ـ65 وأيضًا تمهيدًا للفقرات القادمة (67ـ88).

[54] إش4:53 . راجع 17:8.

[55] إش18:29.

[56] إش3:35ـ6.

[57] إش19:26.

[58] والشهيد يوستينوس يرى أن الله برهّن على العهد الجديد بالتعليم والمعجزات قائلاً: [ لقد برهن الله على هذا العهد بالتعليم والمعجزات، ولذلك آمنا أنه (أى المسيح) هو الناموس الجديد والعهد الجديد. والذين آمنوا به جاءوا من كل الشعوب، وصار لهم رجاء صالح فى الله، وصار هو إسرائيل الروحى الذى من سبط يهوذا ويعقوب وإسحق، وإبراهيم الذى نال البركة وهو غير مختون بل دُعىَّ أب الشعوب، ونحن صرنا الذين أفرزهم الله من الشعوب بواسطة المسيح المصلوب] الحوار مع تريفو10.

[59] إش13:52ـ5:53.

[60] مز14:73.

[61] إش6:50.

[62] مراثى إر3:3.

[63] إش5:53ـ6.

[64] إش53:7.

[65] إش8:53.

[66] إش53:8.

[67] مراثى إرميا20:4.

[68] انظر أع 15:5.

[69] إش1:57ـ2.

[70] إش57:2 (الطبعة البيروتية) ” هلك البار ولم يُبال أحد وأزيل أهل التقوى ولم يفطن أحد بأنه بسبب الشر أزيل البار. لكن السلام سيأتى والسائرون بالاستقامة يستقرون في مضاجعهم“.

[71] مز4:21.

[72] مز6:3(س).

[73] مز 1:2ـ2. راجع أع 25:4ـ26.

[74] مز38:89ـ45.

[75] زك7:13. راجع مت 31:26. مر 27:14.

[76] هو6:10س.

[77] راجع لو6:23ـ12.

[78] هذا المقطع موجود باللغة اليونانية عند يوستينوس فى الحوار مع تريفو 4:74 الذي ينسبه إلى إرميا، ويقول إن اليهود قد حذفوه من نصوصهم العبرية. راجع:

  1. Bénoit, Ecriture et Tradition Chez st. Irénée, in Rev. d’ Hist. Et de philo.= =Religieuses, 1960, No1, p.82.

[79] إش2:65س، انظر رو21:10.

[80] مز17:22.

[81] مز14:22ـ15.

[82] هذا الشاهد مركب من: مز21:22س، مز120:119س، ومز17:22س، ومز14:86س.

[83] تث66:28.

[84] مز18:22.

[85] بشأن هذه النبوة يقول القديس كيرلس الأورشليمى: [قد يقول آخر: اعطنى علامة أخرى تحققت بدقة. فأقول له: يسوع صُلِب، ولم يكن له سوى لباس واحد وثوب واحد. الثوب اقتسمه العسكر فيما بينهم إلى أربعة أجزاء، أما اللباس فلم يُقسم بينهم، إذ كان يفقد نفعه لو اُقتسم، فطرحوا قرعة عليه كقطعة واحدة… ويقول المزمور: ” اقتسموا ثيابى وعلى لباسى ألقوا قرعة“] كيرلس الأورشليمى، المرجع السابق، المقال الثالث عشر، ص259.

[86] زكريا 12:11، 13، مت10:27 ومن المحتمل أن يكون مصدر إيرينيوس هو إنجيل متى.

[87] انظر مت 1:27ـ10.

[88] مز21:69. مت 34:27. يتأمل القديس كيرلس الأورشليمى التحقيق الواضح لهذه النبوة قائلاً: [ها أنت ترى وضوح النبوة وصفائها! لكن أى نوع من العلقم وضعوه فى فمه؟ أعطوه خمرًا ممزوجًا بمرٍ هذا المر طعمه كالعلقم شديد المرارة. أبهذا تجازى الرب أيتها الكرمة؟! أهذه تقدمتك له ؟! بالحقيقة قال إشعياء فى القديم مولولاً عليك: ” كان لحبيبى كرم على أكمة خصبة. فنقبه ونقى حجارته وغرسه كرمًا سورق.. فانتظر أن يصنع عنبًا (إذ عطش طالبًا عنبًا) فنع شوكًا” (راجع إش1:5و2)] كيرلس الأورشليمى، المرجع السابق، المقال الثالث عشر، ص260.

[89] ” مز18:68ـ19.

[90] راجع أع 1:1ـ11.

[91] مز7:24. يعلّق القديس أثناسيوس على هذه الآية من المزمور قائلاً: [ فلم يكن الكلمة نفسه هو المحتاج لانفتاح الأبواب، إذ هو رب الكل ـ فلم تكن مخلوقاته مغلقة فى وجهه هو الذى خلقها ـ بل نحن الذين كنا فى احتياج إلى ذلك (أى إلى انفتاح الأبواب)، نحن الذين حملنا فى جسده الخاص. لأنه قدم جسده للموت عن الجميع، هكذا بنفس هذا الجسد، أعد الطريق للصعود إلى السموات] تجسد الكلمة، المرجع السابق، 6:35.

[92] مز10:24س.

[93] مز1:110.

[94] مز6:19أ.

[95] مز6:19ب.

[96] يقول القديس كيرلس الأسكندرى: [قد صار الابن حقًا هو الخلاص والبر من الله الآب لأجلنا، إذ هو الحق، وهو الذى تبرّرنا به لأنه انتصر على الموت الذى كان متملكًا علينا منذ القديم، وأعادنا إلى عدم الموت، وأعاد تشكيلنا إلى الحالة التى كانت عليها طبيعتنا منذ البداية] تعليقات لامعة (جلافيرا)، المرجع السابق، الكتاب الشهرى أبريل2005، ص20.

[97] يوضّح القديس إيرينيوس مفهوم هذه المصالحة بأنها إقامة الشركة بين الله والإنسان، حين قال: [لقد فدانا الرب بدمه وبذل نفسه من أجل نفوسنا، وجسده من أجل أجسادنا، وأرسل لنا روح الآب ليقيم الوحدة والشركة بين الله والإنسان] AH5:1:1,10.

[98] إش7:52. راجع رو 15:10.

[99] إش3:2.

[100] مز4:19.

[101] إش22:10ـ23

[102] رو8:13و10.

[103] مت37:22ـ40. يؤكد القديس إيرينيوس على أن شريعة العهد الجديد جاءت لكى تكمّل وتحقق شريعة العهد القديم، وأن الإله الذى نؤمن به هو إله العهدين: [ بما أن الوصية الأولى والعظمى= =فى كل من الناموس والإنجيل، هى تحب الإله من كل القلب، والثانية مثلها، تحب قريبك كنفسك، فإنها تدل على أن واضع الناموس والإنجيل هو واحد. فبما أن مبادئ الحياة الكاملة واحدة فى كلا العهدين، فإنها تشير إلى إله واحد، الذى أوصى بلا ريب بوصايا محدّدة تتناسب مع كل عهد، بينما اعطى تزكيته الخاصة للوصايا الأعظم والأهم التى بدونها لا يمكن أن يكون هناك خلاص لأحد فى كلا العهدين] (AH4:12:3).

[104] إش8:50ـ9، 11:2 .

[105] إش11:2س.

[106] إش15:65ـ16س.

[107] إش9:63س. يشرح لنا القديس كيرلس كيف أن المسيح قد فدانا بدمه أى بذبيحة نفسه قائلاً: [إنه يمارس الكهنوت متخطيًا الناموس، لأنه هو نفسه الذبيحة والحمل الحقيقى، وهو بعينه أيضًا رئيس الكهنة الذى بلا شر وبلا لوم، الذى لا يكهن عن خطايا نفسه لأنه إله فوق الخطية، بل يكهن لكى يبطل خطايا العالم. فقد صار هو نفسه إذن الكاهن الذى يكهن بذبيحة نفسه] تفسير الرسالة إلى العبرانيين1:3، PG74: 969-972.

[108] إش18:43ـ20س.

[109] راجع يوئيل28:2ـ29؛ أع17:2ـ18.

[110] رو6:7.

[111] إر31:31ـ34، عب8:8ـ12. يؤكد القديس يوستينوس على الشريعة الجديدة قائلاً: [ لا يوجد خلاص (بوساطة) موسى أو الناموس مثلكم، ولكن كما قرأت فى الأسفار الإلهية أنه سيكون ناموس (شريعة) جديد أبدى هو نهاية أو كمال الناموس (الشريعة) القديم، وسيكون عهد يفوق العهد السابق، هذا العهد يدعو كل البشر إلى التمسك به، لأنه سيجعل الله نفسه هو الميراث. أما الناموس الذى أُعلِنَ على جبل حوريب فهو قديم ويخصكم أنتم فقط (اليهود)، وأنت تعلم أن القانون الذى يخلف قانونًا قديمًا يلغى القانون القديم، وهكذا ينطبق أيضًا على العهد. أما الناموس والعهد الأبدى فهو ما أعطاه المسيح لنا، وهو عهد جديد بالقبول والإيمان به، ولا يوجد بعده قانون أو وصايا أو فرائض] حواره مع تريفو اليهودى 10.

[112] إش7:17ـ8.

[113] إش1:65، وانظر رو20:10.

[114] رو25:9ـ26، انظر هو1:2و25.

[115] مت19:3.

[116] حز19:11ـ20.

[117] يو14:1.

[118] يعبّر القديس كيرلس عن هذا المفهوم قائلاً: [ لما صار إنسانًا ـ بحسب قول يوحنا إن الكلمة صار جسدًا ـ حينئذٍ جُِعل رسولاً من أجلنا ورئيس كهنة لاعترافنا ليرفع إلى الآب اعترافنا بالإيمان] الكنز فى الثالوث: 21.

[119] إش1:54.

[120] غلا27:4.

[121] انظر تث44:28.

[122] تث21:32. راجع رو 19:10.

[123] انظر إر8:2.

[124] راجع رو 10:13.

[125] هنا يشرح القديس إيرينيوس مدى تفوق شريعة العهد الجديد (النعمة) على شريعة الناموس وهو لا ينادى أبدًا بإلغاء الناموس ووصاياه الأخلاقية، فهى الحد الأدنى ـ بحسب رأيه ـ مقارنة بالحياة الروحية فى المسيح.

[126] انظر خر13:20، ومت27:5و28.

[127] هوشع6:6. راجع مت 13:9، 7:12.

[128] إش3:66.

[129] أع21:2.

[130] أع12:4.

[131] راجع يوستينوس الدفاع الثانى6:6.

[132] هذا النص ورد أيضًا في (AH5:35,1) وهو موجود فى سفر باروخ (29:3ـ104) وهذا النص هو مديح للحكمة.

[133] راجع فقرة 22و55. هدف التأنس بحسب إيرينيوس هو جمع الكل في المسيح  “anakefalaiwsij “ وإحضار الإنسان إلى الحالة الأولى قبل السقوط. وكل ما فقده الإنسان في آدم أى “التشبه” بالله، يمكن أن يكتسبه في المسيح وبالمسيح. هكذا “بحسب الصـورة” و”بحسب المثال ” تؤسس وفق إيرينيوس على الخريستولوجية (أى التعليم عن المسيح) ويشددّ إيرينيوس على أن “بحسب المثال” يتحقق بفعل عمل الروح القدس.

[134] انظر القديس أثناسيوس الرسولى: الرسائل عن الروح القدس للأسقف سرابيون، المرجع السابق الرسالة الأولى:28.

[135] الهراطقة التي يقصدهم إيرينيوس هم الغنوسيون ومنهم بالتأكيد ماركيون.

[136] الكتاب باللغة باليونانية باسم Elegcoj kai anatrop» tÁj yeudwnÚmou gnèsewj: المعروف بكتاب “ضد الهرطقات”.

[137] هنا يُفهم أن إيرينيوس أراد أن يتحدث في كتابه (ضد الهرطقات) عن اللاهوت أى التعليم عن الله (qeolog…a) أما في عمله الحالى ” شرح الكرازة الرسولية ” عن الخريستولوجية  “cristolog…an “ أى التعليم عن المسيح.

[138] إش30:1.

[139] يقصد قانون الإيمان الذى يقرّ به المقبل على العماد عندما يتجه ناحية الشرق.

[140] يقصد رئيس الأساقفة يوحنا الأخ الأكبر لباسيليوس كليكيا Hetum (1226-1270)، الذي صار أسقفًا عام 1259م ورحل عام 1289م.

 

الكرازة الرسولية ج3 – ق. إيرينيوس – د. نصحى عبد الشهيد

الكرازة الرسولية ج2 – ق. إيرينيوس – د. نصحى عبد الشهيد

الكرازة الرسولية ج2 – ق. إيرينيوس – د. نصحى عبد الشهيد

 

الكرازة الرسولية ج2 – ق. إيرينيوس – د. نصحى عبد الشهيد

 

 

الجزء الثانى

نص كتاب

”الكرازة الرسولية ” [1]

 

مقدمة:

          1ـ اعرف أيها المحبوب ماركيانوس[2] غيرتك وتقواك نحو الله، التي هى الطريق الوحيد الذى يقود الإنسان نحو الحياة الأبدية، كما أشاركك فرحك وأتمنى أن دخولك للإيمان وثباتك فيه يجعلك حسن القبول عند الله خالقك. ويا ليتنا كُنا معًا لكى يساعد الواحد منا الآخر ونتقاسم أمور هذه الحياة بالأحاديث اليومية في الموضوعات المفيدة. لكن طالما الواحد منا بعيد عن الآخر ـ فى الوقت الحاضر ـ  ولا يمكن أن نتواصل معًا إلاّ بواسطة الكتابة، لهذا أنوى أن أعرض لك كرازة الحق، بإيجاز، لكى تعضدك في الإيمان. وأرسل إليك “مذكرة ملخصة” فى شكل نقاط أساسية حتى تفهم أمورًا كثيرة بواسطة هذا القليل. وهذا العرض الموجز سوف يمدك بمحصلة “عن كل أعضاء جسد الحقيقة”[3] وبراهين العقائد الإلهية. أيضًا سيمكنك أن تقتنى ثمار الخلاص وتُفحم من يعيشون في الضلال. وبواسطة هذا العرض هنا ستتمكن من أن تنقل بأمانٍ تام كلمة مقدسة وبلا لوم إلى أولئك المشتاقين لمعرفة إيماننا.

 

سِر فى الطريق بالإيمان:

ولا يوجد سوى طريق واحد[4] فقط منير بواسطة النور الإلهى، لأولئك الذين يبصرون، أما الذين لا يبصرون، فهم يواجهون طُرقًا مُظلمة متعارضة فيما بينها. إذن، الطريق الأول يقود إلى ملكوت السموات بواسطة اتحاد الإنسان بالله، والطرق الأخرى تؤدى إلى الموت لأنها تُبعد الإنسان عن الله. وبالتالى فمن الضرورى لك ولكل الذين يعتنون بأمر خلاص نفوسهم أن يستمروا في مسيرتهم نحو نور الإيمان بتمسكهم بالإيمان بلا انحرافات وبغيرة وثبات. وإذا تكاسلتم وتوقفتم في الطريق فإنكم تسقطون فى شهوات جسيمة وتضلون وتبتعدون عن الطريق المستقيم[5].

 

 

قداسة الإنسان : النفس والجسد معًا:

          2 ـ إن الإنسان كائن حى مكوّن من: النفس والجسد، لهذا يجب أن يأخذ المرء في اعتباره هذا التكوين، لأنه يمكن أن يأتى السقوط من الاثنين[6]. فقداسة الجسد تتحقق بطرد الرغبات الوضيعة والابتعاد عن الأعمال الشريرة، بينما قداسة النفس تتحقق بسلامة الإيمان[7] بالله بدون إضافة أو حذف. لأن التقوى تذبل وتفسد بواسطة دنس الجسد ونجاسته، كما أن الضلال عندما يتسلّل إلى النفس يُجمّدها ويلوثها وتفقد سلامتها. وعلى العكس فإن التقوى تحفظ بهائها وجمالها طالما أن النفس تُوجد في الحق والجسد يحتفظ بالنقاوة[8].

          فما الفائدة أن يعرف الإنسان الحق بالكلام وهو يلوث الجسد ويسُلّمه إلى الأعمال الشريرة؟ وما الفائدة من قداسة الجسد لو أن الحق غير موجود في النفس؟ لأن هذان الاثنان (النفس والجسد) يفرحان معًا ويحاولان معًا أن يقودا الإنسان إلى حضرة الله. لذا يقول الروح القدس على فم داود: ” طوبى للرجل الذي لم يسلك في مشورة الأشرار[9]، أى مشورة الأمم الذين لا يعرفون الله. فالأشرار هم الأمم الذين لا يعبدون الله الكائن الحقيقى، إذ أن الكلمة أيضًا يقول لموسى: ” أنا هو الكائن[10]. إذن كل الذين لا يعبدون الله الكائن هم “أشرار”. ويكمل فى المزمور قائلاً: “ وفي طريق الخطاة لم يقف“. الخطاة هم الذين، بالرغم من أنهم يملكون معرفة الله، فإنهم لا يحفظون وصاياه بل يستهينون بها. ” وفي مجلس المستهزئين لا يجلس“، وهم الناس المملؤون من الكذب والتعليم الضال وينشرون المرض (الطاعون) ويفسدون لا ذواتهم فقط بل الآخرين أيضًا. إذ أن كلمة “مجلس” تعنى مدرسة أو مكان للتعليم. فكلام المزمور ينطبق على الهراطقة أيضًا الذين “يجلسون في مجلس المستهزئين” ينفثون سموم تعاليمهم فى الذين يسمعونهم.

 

حافظ على قانون الإيمان:

          3 ـ ولكى لا نتعرّض لمثل هذه الأمور لابد أن نتمسك بقانون الإيمان[11] الثابت ونحفظ فى إيمان وصايا الله، ونخافه كرب ونحبه كأب[12].

          إذن فإن حفظ الوصايا يأتى نتيجة للإيمان، لأن ” إن لم تؤمنوا ـ يقول إشعياء ـ فلا تفهموا[13]. فالحق يمنح الإيمان لأن الإيمان مؤسس على الأمور الموجودة حقًا، حتى إننا نؤمن بما هو حقيقى كما هو في الواقع، وإذ نؤمن بما هو موجود حقًا كما هو فعلاً، فإننا نحفظ اعتقادنا ثابتًا من جهة هذه الأشياء.

          إذن، طالما أن خلاصنا يعتمد على الإيمان، فمن الضرورى أن نبذل كل اهتمام لحفظ هذا الإيمان، وأيضًا كى يكون فهمنا لهذا الإيمان فهمًا صحيحًا وحقيقيًا.

 

الله والإنسان

          إذن ما الذي يخبرنا عنه الإيمان كما سُلم لنا من الشيوخ تلاميذ الرسل[14]. فإن الإيمان أول كل شئ يحثنا أن نتذكر أننا قبلنا المعمودية باسم الله الآب ويسوع المسيح ابن الله، الذي تجسد وصلب وقام، وروح الله القدوس، لغفران خطايانا، وأن هذه المعمودية هى ختم[15] الحياة الأبدية وميلادنا الثانى[16] من الله، حتى لا نكون بعد أولاد البشر المائتين، بل أولاد الله الأبدى. وعلينا دائمًا باستمرار أن نعمل لأجل أن نتسامى فوق كل الأشياء المخلوقة، فالكل موجود تحت سلطان الله، وكل ما هو موجود تحت سلطانه عليه أن يعمل لأجله، لأن الله هو رب الكل والكل ينتمى إليه. الله هو ذو السلطان المطلق والكل يأتى منه.

 

الله خلق الكل بكلمته وحكمته:

          4 ـ في الحقيقة، إن كل المخلوقات تستمد بالضرورة بداية وجودها من علة أولى عظيمة، وعلة كل الأشياء هو الله. الكل يأتى منه، أما هو فلم يُوجِده أحد. لذا فإنه من الاستقامة والحق أن نؤمن بأنه يوجد إله واحد، الآب، الذي خلق الكل[17]، وصنع كل ما لم يكن موجودًا من قبل، وهو يحوى “الكل”، هذا الذي هو نفسه غير المحوى من أى شئ. كما أن العالم يدخل في نطاق ذلك “الكل” الذي يحويه الله ومن بين هذا “العالم” الإنسان أيضًا، وبالتالى فإن الله خلق هذا العالم كله.

          5 ـ ويتضح تعليم إيماننا في الآتى: واحد فقط هو الله، الآب، غير مولود، غير منظور خالق الجميع، فوقه لا يوجد إله آخر[18]. ولأن الله هو ناطق فقد خلق كل الأشياء بكلمته. ولأن الله روح ولذلك فقد زيّن كل الأشياء بروحه، كما يقول النبى ” بكلمة الرب صُنعت السموات وبنسمة فيه كل جنودها[19]. وبينما الكلمة يؤسس أى يعطى الكائن جوهره ويمنحه الوجود، فإن الروح يمنح الشكل والجمال لهذه القوات المختلفة، لذا فإنه من الصواب أن يُدعى الابن كلمة الله، بينما يُدعى الروح حكمة الله[20]. لذلك بالصواب أيضًا يقول بولس: ” إله وآب واحد للكل الذي على الكل وبالكل وفي كلكم[21]. فالآب هو ” فوق الجميع“، والكلمة “بالكل” “ di£ p£ntwn“، طالما أن كل الأشياء بواسطته[22] خُلقت من الله. الروح هو فينا جميعًا ” في كلنا ἐn pάsin hm‹n ” وهو يصرخ ” يا أبا الآب[23].

          كما أنه يمنح الإنسان أن يكون على صورة الله. والروح أيضًا يُظهر الكلمة[24]، لذلك تنبأ الأنبياء عن ابن الله. والكلمة أيضًا متحد بالروح. لذلك فهو يفسر[25] كتب الأنبياء ويُدخل الإنسان إلى الآب.

 

ثلاثة بنود لقانون الإيمان والمعمودية:

          6ـ إن البند الأول من قانون إيماننا، وقاعدة البناء وأساس الخلاص هى أن: ” الله الآب غير المولود، غير المُحوى، غير المرئى[26] إله واحد خالق الجميع”.

          والبند الثانى: هو أن كلمة الله ” ابن الله، يسوع المسيح ربنا، الذي تنبأ عنه الأنبياء[27]، الذى كل شئ به كان[28] وبتدبير الآب في الأيام الأخيرة صار إنسانًا بين البشر[29] وتراءى للكل[30] لكى يُبطل الموت[31] ولكى يجمّع[32] كل شئ ويُظهر الحياة ويصنع شركة بين الله والإنسان”.

          والبند الثالث هو أن: “الروح القدس هو الذي بواسطته تنبأ الأنبياء وتعلّم الآباء بأمور الله، والذي بواسطته دخل الأبرار إلى طريق البر، كما أنه انسكب في الأيام الأخيرة[33] بطريقة جديدة على جنس البشر مجددًا الإنسان لله”[34].

          7 ـ لأجل هذا، فإن المعمودية التي هى ميلادنا الثانى[35] تُجرى على اسم الثالوث[36]، وهى التى تضمن لنا الميلاد الثانى من الله الآب بابنه في الروح القدس[37]. لأن الذين يعتمدون ينالون روح الله الذي يقودهم نحو الكلمة، أى نحو الابن، بينما الابن يأتى بهم إلى الآب الذى يمنحهم عدم الفساد[38]. إذن فبدون الروح لا يمكن أن يرى هؤلاء كلمة الله وبدون الابن لا يمكن لأحد أن يصل إلى الآب، لأننا ننقاد إلى الآب من خلال معرفة الابن[39]، بينما معرفة ابن الله الكلمة تصير بواسطة الروح القدس. كما أن الابن يمنح الروح بحسب ما يريد الآب[40].

          8 ـ والروح القدس يدعو الآب كلّى القدرة ورب القوات، لكى يعلّمنا أن الله هو مبدع السماء والأرض والكون كله، خالق الملائكة والناس ورب الكل، ذاك الذي به توجد وتُحفظ كل الأشياء، إنه الرحوم، والرؤوف، والصالح، والبار، والكامل في المحبة، إله الجميع؛ اليهود والأمم والمؤمنين. ومع ذلك هو أب للمؤمنين أيضًا لأنه في آخر الأزمنة أعطى لهم عهد[41] التبنى. بينما لليهود هو سيد ومُشرِّع، لأنه عبر الأزمنة تناسى البشر الله وابتعدوا عنه وتمردوا عليه فساقهم للعبودية، ونير الناموس يعلّمهم أن لهم رب واحد، خالق وصانع كل شئ، الذي يمنح نسمة الحياة، وله يجب أن نقدم العبادة صباحًا ومساءً. هو البداية الخالقة وهو السيد. هو المعتنى بالكل وفي نفس الوقت هو المُربى، والملك والديَّان، لأنه لا يوجد أحد يمكنه أن يفلت من دينونته سواء يهودى أو أممى ولا خاطئ ولا ملاك. لكن الذين ـ في الوقت الحاضر ـ يرفضون الإيمان بصلاحه فسوف يعرفون قوته في يوم الدينونة، وفق كلمات بولس الطوباوى: ” غير عالم أن لطف الله إنما يقتادك إلى التوبة. ولكنك من أجل قساوتك وقلبك غير التائب تذخر لنفسك غضبًا في يوم الغضب واستعلان دينونة الله العادلة الذي سيجازى كل واحد حسب أعماله[42]. هذا هو الله الذي يدعوه الناموس إله إبراهيم وإله اسحق وإله يعقوب، إله الأحياء. وعلى الرغم من ذلك فإن عظمة وسمو هذا الإله لا تُوصف.

 

عالم الملائكة:

          9ـ والعالم[43] مُحاط بسبعة سموات، هناك تسكن قوات لا تُحصى، وملائكة، ورؤساء ملائكة الذين يتممون واجب العبادة لله كُلى القدرة وخالق الجميع. ليس لأن الله في احتياج[44] (لعبادة الملائكة)، لكن حتى لا يظلوا بلا عمل وبلا فائدة وبلا نفع. وروح الله له فعل متعدد الوجوه، وإشعياء النبى يحصى سبعة أشكال لخدمة الروح عندما يتحدث عن الروح الذي سوف يحل على ابن الله أى على الكلمة في زمن تجسده، لذا ” ويحل عليه روح الرب روح الحكمة روح المشورة والقوة روح المعرفة ومخافة الرب[45]، فالسماء الأولى، العليا المحاطة بالسموات الأخرى، هى سماء الحكمة، الثانية هى للفهم، والثالثة للمشورة ـ والرابعة من فوق إلى أسفل ـ هى للقدرة، الخامسة للمعرفة، والسادسة للتقوى، والسابعة ـ التي تمثل قبتنا الزرقاء ـ هى مملوءة من مخافة الروح الذي ينير السموات.

          10 ـ هذا الإله يُمجد بواسطة كلمته الذي هو ابنه الأزلى وبالروح القدس الذي هو حكمة[46] الآب الذى هو أب الجميع. هذان الأقنومان الإلهيان، الكلمة والحكمة لهما في خدمتهما طغمة من الأرواح الملائكية تُدعى الشاروبيم والسيرافيم الذين يمجدون الله بتسابيحهم التي لا تنقطع، وكل ما فى السموات المخلوقة يعطى مجدًا لله، آب الجميع، الذي بكلمته خلق العالم ـ بما فيه ـ الملائكة وأعطى قوانين (نواميس) لكل العالم، حتى أن الجميع يظلون في مكانهم ولا يتجاوزن حدودهم المرسومة لهم بواسطة الله، بل إن كل واحد منهم يتمم العمل المحدد له من قِبَل الله.

 

خلق الإنسان:

          11 ـ أما الإنسان، فقد خلقه بيديه[47] نفسها، آخذًا جزءً رقيقًا ونقيًا من الأرض ثم وحّده بجزء من قوته. بعد ذلك طبع صورته على خليقته[48] حتى يكون مميزًا تمييزًا واضحًا، بأنه مخلوق على صورة الله. ثم وضع الإنسان المخلوق على الأرض لكى يمثل صورة الله فيها[49]. ولكى ينقل الله الحياة إلى الإنسان نفخ في وجهه نسمة الحياة[50]، وهذه جعلت الإنسان شبيهًا بالله[51].

          لقد خُلق الإنسان حرًا وسيدًا[52] وعُين من قِبَل الله لكى يتسلط على كل ما على الأرض. وهذا العالم العظيم المخلوق من قِبَل الله، والذي أُعد قبل خلق الإنسان، أُعطى للإنسان كمسكن له، حتى يحيا متنعمًا فيه[53] ووضع الله، خالق الجميع، داخل هذا العالم خُدامًا، وحدَّد لكل واحد منهم خدمة خاصة. حارس هذا العالم هو الرئيس المدبر رئيس الربوات، ورئيس لأعوانه الآخرين. الخُدام كانوا الملائكة ورئيس الربوات كان رئيس الملائكة.

          12 ـ وإذ جعل الإنسان (آدم) سيدًا على الأرض وكل شئ فيها، فإنه جعله كذلك سيدًا على الكائنات التي كان ينبغى أن تخدمه. ولكن بينما كانت هذه الكائنات الأخيرة في قمة قوتها، كان سيدها أى الإنسان لا يزال صغيرًا، كان طفلاً عليه أن ينمو لكى يحقق كماله[54]. ولكى يمكنه أن يحيا في فرح وهناء، أعدّ الله له أفضل مكان في العالم من حيث توفر الهواء والجمال والنور والغذاء والنبات والثمار والمياه، لم ينقصه شيئًا من مستلزمات الحياة، لذا دُعى هذا المكان الفردوس. هذا الفردوس كان جميلاً وحسنًا، كلمة الله (ابن الله) كان يتمشى هناك باستمرار يتحدث مع الإنسان عن الأمور العتيدة، بل حاول بالحرى أن يوضح له أنه سيكون رفيقًا له ويتحدث ويتحاور معه، وأنه سوف يسكن مع البشر لكى يعلّمهم البر. لكن الإنسان كان طفلاً، لم يكن لديه بعد إرادة ناضجة، لذا خُدع بسهولة من المضلّل.

 

خلق المرأة:

          13 ـ بينما كان آدم يتمشى في الفردوس، أحضر الله أمامه كل الحيوانات وأمره بأن يعطى اسمًا لكل واحد منها، وأعطى آدم اسمًا لكل من الكائنات الحية[55]. وقرر الله أيضًا أن يعطى معينًا للإنسان، إذ يقول: ” ليس جيدًا أن يكون آدم وحده، فأصنع له معينًا نظيره[56]، لأنه من كل الكائنات الحية لم يكن هناك مُعين مساوٍ لآدم ونظير وشبيه له. فمن ثمَّ أوقع الله آدم في سُبات وأنامه. هكذا لكى يكمل الله خليقته، سمح الله لآدم بأن ينام مع أن النوم لم يكن يوجد سابقًا في الفردوس. ثم أخذ الله واحدة (ضلع) من جنب آدم، وأكمل المكان الذي أُخذ منه باللحم، ومن هذا الجنب خلق المرأة وأحضرها أمام آدم. عندما رآها آدم قال: ” هذه الآن عظم من عظامى ولحم من لحمى هذه تُدعى امرأة لأنها من امرءٍ أُخذت[57].

          14 ـ كان آدم وحواء ـ وهذا هو اسم المرأة ـ عريانين ولا يخجلان[58]، لأنهما كانا بريئين وأفكارهما كانت طاهرة كأفكار الأطفال، ولم يكن شئ يدخل في روحهما وعقلهما يسبّب لهما شهوات دنسة ومخزية في النفس، وحَفِظا نقاء وسلامة طبيعتهما، لأنه فى لحظة الخلق نُفخ فيهما نسمة الحياة[59]. ومن ثمَّ، فطالما هذه النسمة كانت باقية تسرى فيهم بقوة، كانت تحمى فكرهما وروحهما من الشر. لذا فقد كانا لا يخجلان عندما يتعانقان ويداعبان الواحد الآخر كالأطفال.

 

ناموس للحياة:

          15 ـ لكن لكى لا يتعاظم الإنسان ولا يهاجمه الغرور[60]، كأن لا رب له، ولكى لا يتصور تصورات خاطئة في علاقاته مع الله، خالقه، بسبب القوة والحرية المحيطين به ويتجاوز حدوده المعينة له، ولكى لا ينزلق بسبب أفكار التعالى ويتمرد على الله، أُعطى إليه ناموس من الله، لكى يعلّمه أن سيده وربه، هو رب الكل. الله وضع له حدودًا معينة، حتى يمكنه أن يظل دائمًا في هذه الحالة، أى غير مائت، لو حفظ وصايا الله، بينما لو ظل غير مؤمن، فسيدركه الموت وسيرجع إلى الأرض التي أُخذ منها. وكانت الوصية هى: “من جميع شجر الجنة تأكل أكلاً وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها لأنك يوم تأكل منها موتًا تموت[61].

 

التعدى:

          16 ـ ولكن الإنسان لم يحفظ هذه الوصية، ولا أطاع الله، لكن خُدع من الملاك (الساقط)[62] الذي حسده بسبب العطايا الكثيرة التي أعطاها الله للإنسان، وجلب له الدمار وجعله خاطئًا، مقنعًا إياه أن يخالف وصية الله. بنفس الطريقة، إذ صار الملاك (الساقط) بواسطة الأكاذيب أبًا ومدبرًا للخطية، فإنه طُرد لأنه كان مضادًا لله وصار سببًا في طرد الإنسان من الفردوس. وبواسطة هذا التصرف تمرد وانفصل عن الله ، دُعى فى اللغة العبرية شيطان الذى يعنى المتمرد، وقد دُعى أيضًا إبليس. ثم لعن الله الحية التي كانت إناءً لإبليس، وحلت اللعنة على الحيوان نفسه (الحية) كما على الملاك الذي اختفى فيها أى الشيطان. أما بالنسبة للإنسان، فطرده الله من حضرته، وأسكنه بالقرب من الفردوس، لأن الخطاة لا يُقبلون داخل الفردوس[63].

 

قايين وهابيل:

          17 ـ طُرد آدم من الفردوس وكذلك امرأته حواء، فأتت عليهما أحزان ومصاعب، وحياتهما في هذا العالم سادها حزن شديد وتطلبت عملاً شاقًا. حقيقةً، لقد أفلح آدم الأرض تحت أشعة الشمس، ولكنها أنبتت له شوكًا وحسكًا كعقاب للخطية. بعد ذلك نقرأ ” وعرف آدم حواء امرأته فحبلت وولدت قايين. وقالت اقتنيت رجلاً من عند الرب. ثم عادت فولدت هابيل[64]. لكن الملاك المتمرد (الشيطان)، الذي قاد الإنسان إلى العصيان وجعله خاطئًا وكان هو سبب طرده من الفردوس، لم يكتفِ بهذا الشر الأول، إذ ملأ روح الشر قايين وجعله يقتل أخيه. هكذا مات هابيل، مقتولاً من أخيه، وهذه إشارة بأنه منذ ذلك الوقت فإن بعض الناس سوف يُضطهدون ويُقهرون ويُقتلون، بينما الظالمون سوف يطردون ويقتلون الأبرار[65]. عندئذٍ غضب الله ولعن قايين ونتيجة لهذا، صارت قبيلته من جيل إلى جيل مثل أبيهم (يقصد صاروا قتلة مثل أبيهم قايين). وعوضًا عن هابيل المقتول أعطى الله ابنًا آخر إلى آدم[66].

 

تكاثر الشر:

          18 ـ واتسع الشر وانتشر[67] بلا انقطاع حتى سيطر على كل الجنس البشرى، لدرجة أنه لم يبقِ إلاّ القليل جدًا من الأبرار بينهم. حقيقةً صار هناك زيجات مخالفة على الأرض، ملائكة صنعوا علاقات زيجة مع بنات الناس وانجبوا منهم أبناء، الذين بسبب قامتهم غير المعتادة (في الطول) دُعوا جبابرة[68]. والملائكة أعطوا لزوجاتهم دروسًا للشر، لأنهم علّموهم عن كيفية استخدام الجذور والأعشاب فى أعمال السحر، واستخدام الألوان وتزيين الوجوه، واكتشاف طريقة البحث عن الكنوز، والسحر، والكراهية، والزنى، والشهوات، والإبداعات الشريرة، وأسرار السحر، وكل أنواع التنجيم وعبادة الأوثان، التي هى عداوة لله. كل هذا تفاقم داخل العالم فتزايد تيار الشر بينما البر كان يتناقص.

 

نوح والطوفان:

          19ـ بعد عشرة قرون من خلق الإنسان الأول أرسل الله الطوفان لكى يعاقب العالم، لأنه لم يجد إلاّ بارًا واحدًا فقط هو نوح[69]. وبسبب بره خلّصه مع امرأته وثلاثة من أبنائه وزوجاتهم الثلاثة[70]. وأغلق عليهم داخل الفلك مع كل الحيوانات التي أراها الله لنوح لكى تدخل معه. وعندما سقط هذا السوط المدمر على كل البشر والحيوانات التي وُجدت على الأرض، فإن بذرة الحياة حُفظت في الفلك. وبواسطة الثلاثة أبناء سام وحام ويافث، تكاثر الجنس البشرى من جديد ومنهم أخذ البشر بدايتهم بعد الطوفان.

 

لعنة حام:

          20 ـ أحد الثلاثة وقع تحت اللعنة بينما الاثنين الآخرين نالوا بركة بسبب أعمالهم. فالأصغر منهم المدعو حام أهان أبيه[71] وبسبب السلوك المشين تجاه أبيه أُدين لعدم تقواه واستحق اللعنة التي انتقلت إلى أحفاده، وهؤلاء كانوا يزدادون لعنة كلما انغمسوا في الخطية. وعلى العكس، فإن سام ويافث أخواه بسبب تقواهما كابنين وفيّين تجاه أبيهما أخذا بركة عظيمة. وكانت لعنة الأب نوح الموجهة إلى حام كالآتى: ” فقال ملعون كنعان. عبد العبيد يكون لإخوته[72]. فكان له أبناء وأحفاد كثيرون على الأرض، حتى أربعة عشر جيلاً في منطقتهم، حتى عاقبهم الله وأدانهم. فالكنعانيون والحثيون والفرزيون والحوريون والأموريون واليبوسيون، والجرجاسيون والسدوميون، والعرب والساكنون في فينيقية، والمصريون واللوديميون انحدروا من قبيلة حام[73]، كل هؤلاء وقعت عليهم لعنة الله التي استمرت لمدة طويلة على غير الأنقياء.

 

البركة لسام ويافث:

          21 ـ وكما أن اللعنة تعاقبت على هذه الأجيال الشريرة هكذا أيضًا استمرت البركة للأحفاد المُباركين، كل واحد بدوره. سام، الأول منهم نال بركة بالكلمات الآتية: ” مبارك الرب إله سام وليكن كنعان عبدًا له[74]. نتيجة هذه البركة صار سام يعبد الله سيد الكل. هذه البركة الممتدة ازدهرت حين وصلت إلى إبراهيم، الحفيد المطيع لسام في الجيل العاشر. ولذلك فإن الله أبو الجميع قَبِل أن يُدعى ” إله إبراهيم واسحق ويعقوب[75]، لأن بركة سام امتدت واتسعت ووصلت حتى إبراهيم. بالنسبة لبركة يافث كانت هكذا: ” ليفتح الله ليافث فيسكن في مساكن سام وليكن كنعان عبدًا لهم[76]. وقد حقق الرب هذه البركة في نهاية الأزمنة، إذ امتدت دعوته حتى الأمم بظهور الرب حسب المكتوب: ” في كل الأرض خرج منطقهم وإلى أقصى المسكونة كلماتهم[77]. ليفتح الله ليافث يعنى دعوة الأمم أى الكنيسة، وعبارة ” فيسكن في مساكن سام” تعنى أن يسكن (الأمم) في إرث البطاركة في المسيح يسوع، ويحصلون على حقوق البكورية. هكذا كل واحد نال البركة بنفس الترتيب إذ قَبِل بواسطة أحفاده ثمار البركة[78].

العهد مع نوح:

          22 ـ قطع الله عهدًا بعد الطوفان مع كل الكون خاصةً الحيوانات والبشر ووعد بأنه سوف لا يدمر بالطوفان كل قائم على وجه الأرض مرة أخرى، وأعطاهم علامة: ” فيكون متى أنشر سحابًا على الأرض ويظهر القوس في السحاب. أنى أذكر ميثاقى الذي بينى وبينكم وبين كل نفس حية في كل جسد. فلا تكون أيضًا المياه طوفانًا لتهلك كل ذي جسد[79]. ثم غيّر غذاء البشر، إذ سمح بأكل اللحم، إذ أنه منذ خلق آدم حتى الطوفان تغذى البشر فقط بالخضروات وثمار الأشجار، ولم يكن مسموحًا لهم بأكل اللحم. ولأن الأبناء الثلاثة لنوح يمثلون جذور الجنس البشرى، باركهم الله قائلاً: ” وبارك الله نوحًا وبنيه وقال لهم اثمروا واكثروا واملأوا الأرض. ولتكن خشيتكم ورهبتكم على كل حيوانات الأرض وكل طيور السماء مع كل ما يدب على الأرض وكل أسماك البحر قد دُفعت إلى أيديكم. كل دابة حية تكون لكم طعامًا. كالعشب الأخضر دُفعت إليكم الجميع. غير أن لحمًا بحياته دمه لا تأكلوه. واطلب أنا دمكم لأنفسكم فقط. من يد كل حيوان أطلبه. ومن يد الإنسان أطلب نفس الإنسان. من يد الإنسان أخيه. سافك دم الإنسان بالإنسان يُسفك دمه. لأن الله على صورته عمل الإنسان[80]. صورة الله هى الابن[81]، والذى على صورته خُلِق الإنسان. لذلك ظهر الابن في الأيام الأخيرة[82] لكى يجعل الإنسان، الذى خُلِق على صورته، مشابهًا له[83].

          تكاثر الجنس البشرى المنحدر من الثلاثة أبناء بعد الطوفان، وكانت الأرض لها شفاه واحدة أى لسانًا واحدًا[84].

 

برج بابل:

          23ـ ارتحل البشر وابتعدوا من أرض المشرق ووصلوا إلى بقعة في أرض شنعار[85]. هناك شرعوا في بناء برج، وكان قصدهم أن يرتفعوا بواسطته حتى السماء، تاركين هكذا هذا البرج إلى الأجيال الآتية نصبًا تذكاريًا دائمًا لهم[86]. وعملوا البناء من اللبِن والحُمِر. ومما زاد تهورهم وجرأتهم أنه كان لهم فكر واحد وإرادة واحدة وساعدتهم وحدة اللغة أن يحققوا ما قصدوه. لكن الله إذ لم يَرِد أن يستمر هذا العمل، فإنه بلبل ألسنتهم[87]، بطريقة لا تُمكِّن الواحد من أن يفهم الآخر. هكذا انفصل الواحد عن الآخر وتبدَّدوا على كل وجه الأرض مرتحلين لينزلوا في أماكن مختلفة. وسكنوا في مجموعات حسب لغة كل مجموعة، ومن هنا صارت شعوب كثيرة ولغات مختلفة على الأرض. ثلاث قبائل (أجناس) من البشر سكنوا الأرض: واحدة منها حلّت عليها اللعنة، والاثنين الآخرين نالتا البركة، أعطيت البركة أولاً لسام الذي سكن أحفاده في الشرق وامتلكوا أرض الكلدانيين.

 

 

إبراهيم واسحق ويعقوب:

          24 ـ بعد مرور سنين كثيرة، في الجيل العاشر بعد الطوفان، أراد إبراهيم أن يعلم ما سوف يعود عليه من تحقيق النبوة المعطاة إلى جده، متشوقًا لمعرفه الله الذي ينتظره. وبسبب رغبة نفسه هذه طاف كل العالم باحثًا لعله يجد الله، وعندما نَفَدت محاولات البحث، رحمه الله. إذ بينما كان يطلبه في صمت ظهر الله له معلنًا نفسه بالكلمة كشعاع نور. إذ تحدث إليه من السماء وقال:” اذهب من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت أبيك إلى الأرض التي أريك[88]. آمن إبراهيم بصوت السماء وبالرغم من أنه كان متقدمًا في العمر إذ كان له سبعون عامًا وكان متزوجًا، خرج من بلاد ما بين النهرين مع امرأته، آخذًا معه لوط ابن أخيه المتوفى. عندما وصل إلى المكان المًسمى اليوم اليهودية والذي كانت تسكنه سبع قبائل من نسل حام، ظهر الله له وقال: ” لنسلك أعطى هذه الأرض[89]، وأخبره بأن نسله سوف يتغرّب في بلاد غريبة، وسوف يكابد شرًا فيها، ويعاني في عذاب وعبودية أربعة قرون وأنه في الجيل الرابع سوف يعود إلى الأرض، التي وُعد بها إبراهيم. وسوف يعاقب الله الأمم التي استعبدت نسله. ولكى يجعل الله إبراهيم عارفًا بمقدار كثرة نسله، دعاه في الليل وقال له: ” انظر إلى السماء وعِد النجوم إذ استطعت أن تعدها. هكذا يكون نسلك[90] ورأى الله أن إبراهيم لم يشك لكن آمن من كل نفسه فشهد له بواسطة الروح القدس قائلاً في الكتاب المقدس: ” فآمن بالرب فحسبه له برًا[91]. كان (إبراهيم) غير مختون، عندما أخذ هذه الشهادة، ثم أُعطِى له الختان كختم للبر الذي حققه بالإيمان إذ كان بعد غير مختون[92]. بعد هذا فإن سارة ـ التي كانت عاقرًا ـ ولدت اسحق، بحسب وعد الله لها وقام إبراهيم فختن إسحق، حسب العهد الذي قطعه الله معه، وإسحق ولد يعقوب[93].

          وهكذا البركة القديمة، المعطاة من البداية إلى سام، انتقلت من إبراهيم إلى اسحق ومن اسحق إلى يعقوب كميراث مُعطى لهم من الروح. لذا دُعى الله ” إله إبراهيم وإله اسحق وإله يعقوب“. ثم أن يعقوب ولد اثنى عشر ابنًا الذين بأسمائهم سُميت أسباط إسرائيل الاثنى عشر.

 

موسى والفصح والتحرر من العبودية:

          25 ـ لقد اجتاح الجوع في كل الأرض ولم يوجد بعد طعام إلاّ في مصر فقط. عندئذٍ هاجر يعقوب مع عائلته وأتى ليسكن في مصر[94]، وكان عدد المهاجرين خمسة وسبعون. وبعد مرور أربعمائة عام وبحسب النبوة التي أعطيت من قبل[95]، أصبح عددهم ستين ألفًا وستمائة نسمة. ولأنهم كانوا مقهورين[96] من المعاملات السيئة تحت نير العبودية القاسية تنهدوا وصرخوا إلى الله، إله البطاركة إبراهيم واسحق ويعقوب، فأخرجهم الله من مصر بواسطة موسى وهارون[97]، وضرب المصريين بعشرة ضربات. وأرسل فى الضربة الأخيرة الملاك المُهلك الذي قتل كل أبكار البشر والحيوانات[98]، لكنه أنقذ أبناء إسرائيل من الهلاك، معلنًا آلام المسيح فى سرٍ[99]، إذ أمرهم أن يذبحوا حملاً بلا عيب، ويدهنوا بدمه[100] أبواب بيوتهم لينجوا من العقاب. هذا السر يُدعى “فصح”[101]، وهو سبب التحرر. وقد شق الله البحر الأحمر، وقاد أبناء إسرائيل إلى الصحراء بكل أمانة. بينما حكم بالموت غرقًا في البحر على المصريين الذين أرادوا أن يلحقوا بهم[102]. وبهذه الطريقة عاقب الله هؤلاء الذين استعبدوا أبناء إبراهيم ظلمًا.

 

البرية والناموس:

          26 ـ استلم موسى الناموس من الله في الصحراء، أى الوصايا العشرة مكتوبة بإصبع الله على لوحى حجر[103]ـ بإصبع الله أى الروح القدس[104]ـ ثم بعد ذلك سُلّمت وصايا الناموس بواسطته إلى أبناء إسرائيل (ليحفظوها). وصنع موسى بأمر الله خيمة الشهادة وفق المثال الذي رآه وهى شبيهة بالأشياء الروحية وغير المنظورة التي في السموات وهى رمز لصورة الكنيسة[105] ونبوءة عن الأمور العتيدة. وتحتوى الخيمة أوانى للعبادة، والمذابح وتابوت العهد الذي وُضع داخله لوحا الشريعة. وعُيّن هارون وأولاده ككهنة وأُعطِى الكهنوت إلى السبط المنحدر من لاوى. وقد دعى هذا السبط بحسب أمر الله لكى توضع على عاتقه واجبات العبادة داخل هيكل الله، وأُعطى لهم شريعة اللاوى لكى يُظهر لهم الطريقة التى يجب أن يحيا بها الذين يقومون بخدمة الله داخل هيكل الله باستمرار[106].

 

تجسس الأرض، وتذمر الشعب:

          27 ـ عندما اقترب العبرانيون إلى الأرض التي وعد الله بها إبراهيم ونسله، فإن موسى اختار واحدًا من كل سبط وأرسلهم لكى يتجسسوا الأرض والمدن والساكنين فيها. عندئذٍ كشف الله له الاسم العتيد الذي يستطيع وحده أن يخلّص المؤمنين باسمه. ثم عمل موسى كل الترتيبات، واختار هوشع بن نون ودعاه يشوع[107]. ثم بعد ذلك أرسله بكل قوة الاسم مقتنعًا بأنه بقيادة هذا الاسم سوف يرجع إليه المُرسلون سالمين. وعندما رجع المُرسلون من مهمة التجسس حاملين معهم عناقيد العنب، فإن البعض من هؤلاء الاثنى عشر[108] أرعبوا كل الجماعة قائلين لقد رأينا مدنًا عظيمةً محصنةً بأسوارٍ وسكان هذه الأرض هم أبناء عمالقة[109]، لذا من المستحيل أن نأخذ هذه الأرض. عندئذٍ بدأ كل الشعب في البكاء وفقدان الأمل في أن يعطيهم الله القوة، وأن يُخضِع الكل تحت سلطانهم. وأضافوا قائلين بأن هذه الأرض لا تستحق المخاطرة لأجل الاستيلاء عليها. لكن اثنين من الاثنى عشر، يشوع بن نون وكالب بن يفُنّة، وهما ينظران النتيجة السيئة لهذه الأقوال، مزقا ثيابهما متوسلين إلى الشعب ألاّ يفقد شجاعته، لأن الله دفع كل شئ فى أيديهم، وأن هذه الأرض فائقة الخصوبة. لكن بسبب أن الشعب لم يصدقهما وبقى في يأسه، فإن الله غيّر مسارهم وسمح بأن يتوهوا داخل الصحراء كعقاب لهم. ولأن الجواسيس قد ظلوا يتجسسون الأرض لمدة أربعين يومًا، فإنه بالمثل أتاههم أربعين سنة، إذ استبدل الله كل يوم بسنة. حيث لم يكن أحد من المتقدمين في العمر والناضجين عقليًا كان مستحقًا أن يدخل هذه الأرض بسبب عدم إيمانهم، إلاّ الاثنين اللذين شهدا بحق عن الميراث الموعود، وهما يشوع بن نون وكالب بن يفُنّة، أما الذين كانوا صغارًا بعد، فلم يكونوا يميزون بعد يمينهم من شمالهم. وهكذا فإن كل الشعب غير المؤمن انقرض وهلك ومات فى الصحراء تدريجيًا. لكن خلال فترة الأربعين عامًا نما الأطفال وكبروا حتى وصلوا إلى الحد الذي يمكنهم أن يملأوا الفراغ  الناتج عن موت آبائهم.

 

التثنية:

          28 ـ بعد مرور أربعون عامًا، وصل الشعب بالقرب من الأردن وعسكروا أمام أريحا. هناك جمعّهم موسى وقصّ عليهم تاريخ كل ما حدث، إذ روى لهم كل الحوادث المعجزية التي صنعها الله بينهم، وكيف قاد أولئك الذين ترعرعوا في الصحراء حتى أرشدهم إلى مخافة الله وحفظ وصاياه، مستخدمًا تجاه هذا الشريعة التى أُعطيت لهم أولاً بالإضافة إلى ما يمكن ان يُسمى شريعة ثانية. وما يسمى بسفر التثنية الذي يحتوى أيضًا على نبوات كثيرة تشير إلى ربنا يسوع المسيح، وإلى الشعب، وإلى دعوة الأمم وإلى ملكوت الله.

 

أرض الموعد:

          29 ـ عندما وصل موسى إلى نهاية حياته، قال له الله ” اصعد إلى جبل… وانظر أرض كنعان التي أعطيتها لبنى إسرائيل… ومُت في الجبل الذي تصعد إليه وانضم إلى قومك…[110]. مات موسى بحسب كلام الرب، وخلفه يشوع بن نون، الذي عبر الأردن وقاد الشعب إلى أرض الميعاد، الذى طرح ودمر واستعبد الشعوب السبعة التي كانت تسكن هناك. وهناك كانت أورشليم التي صار داود ملكًا عليها وابنه سليمان الذي بنى الهيكل لتكريم الله على مثال خيمة الشهادة، التي صنعها موسى وفق صورة الأشياء السماوية الروحية.

 

الأنبياء:

          30 ـ هنا أرسل الله الأنبياء الذين بإلهام الروح القدس قادوا الشعب إلى إله الآباء، الكلى القدرة، وتنبأوا عن مجيء ربنا يسوع المسيح، ابن الله معلنين أنه سوف يأتى من نسل داود، بحسب الجسد وهكذا يكون المسيح هو ابن داود، الذى هو من خلال سلسلة من الأنساب من نسل إبراهيم، أما حسب الروح فهو ابن الله الكائن أزليًا، مولود من الآب قبل (كل الدهور) وكل الخليقة، ثم ظهر كإنسان في العالم في الأزمنة الأخيرة، فهو كلمة الله الذي يجمع في ذاته كل الأشياء ما في السماء وما على الأرض[111]

 

التجسد:

          31 ـ وهكذا وَحّدَ (اللوغوس المتجسد) الإنسان مع الله وصنع شركة بين الله والإنسان. فلو لم يكن قد أتى إلينا لكان من غير الممكن أن نشترك في عدم الفساد، لأنه لو كان عدم الفساد ظل غير منظور ومخفى عن أعيننا، لما كنا قد انتفعنا بأى شئ. لذلك فإن اللوغوس بواسطة تجسده جعل عدم الفساد منظورًا حتى يمكننا بكل الطرق أن نشترك فيه[112]. ولأن الجميع اقتيدوا إلى الموت بسبب عصيان أبونا الأول، آدم، كان مناسبًا وضروريًا أن يَبُطل نير الموت بواسطة طاعة ذاك، الذي صار إنسانًا من أجلنا. وبسبب أن الموت ساد على الجسد، كان من الضرورى أن يُهزم الموت بواسطة الجسد ويَخلُّص الإنسان من سطوته. وهكذا صار الكلمة جسدًا لكى بواسطة الجسد الذى استعبدته الخطية، يُخلّصنا (المسيح) من الخطية كى لا نعود نُستعبد من الخطية. لذلك أخذ ربنا جسدًا شبيهًا بجسد أبينا الأول، لكى بجهاده ـ  عوضًا عن أبوينا الأولين ـ ينتصر على ذاك الذي في آدم جرحنا جرحًا مميتًا[113].

 

الميلاد العذراوى:

32ـ لكن من أين يكون جسد أبينا الأول؟ ومن أين وُجِد؟   من إرادة وحكمة الله ومن الأرض البكر (العذراء) ” كل شجر البرية لم يكن بعد في الأرض وكل عشب البرية لم ينبت بعد. لأن الرب الإله لم يكن قد أمطر على الأرض. ولا كان إنسان ليعمل الأرض[114]. أخذ إذن الله طينًا من الأرض، التي كانت بعد عذراء[115]، خلق الإنسان، كبداية للجنس البشرى. وهكذا إذ أراد الرب أن يُعيد الإنسان، اتبع بتجسده هذا التدبير، بأن وُلِدَ من العذراء بإرادة وحكمة الله، لكى يوضح أنه أخذ جسدًا مشابهًا لجسد آدم، وليكون هو الإنسان، الذي كُتب عنه في البداية بأنه خُلِق بحسب “صورة الله ومثاله”.

          33 ـ وكما أنه بسبب عذراء عاصية (حواء) جُرِح الإنسان وسقط ومات، هكذا أيضًا بسبب عذراء مطيعة لكلمة الله أُعيد الإنسان ثانيةً إلى الحياة (الولادة الثانية). الإنسان كان هو الخروف الضال الذي جاء الرب ليبحث عنه على الأرض. لأجل هذا أخذ جسدًا مشابهًا به البشر، مِن هذه (العذراء) التى من نسل داود. حقيقةً، كان ضروريًا أن يتجدّد آدم في المسيح لكى يُبتلع الموت من عدم الموت (الخلود)، وهكذا تصير العذراء (مريم) شفيعة لعذراء أخرى (حواء)[116] وتَمحِى عصيان العذراء الأولى بواسطة طاعتها العذراوية[117].

 

الموت على الصليب:

          34 ـ الخطية التي حدثت بواسطة الشجرة[118]، أُزيلت بواسطة الطاعة على الشجرة التي صُلِب عليها ابن الإنسان، مطيعًا لله، مبطلاً بهذا معرفة الشر ومُعطيًا للبشر معرفة الخير. لأن الشر يتمثل في عصيان الله، أما الخير فهو طاعة الله. لذا يتحدث الكلمة على فم إشعياء النبى معلنًا مسبقًا الأمور العتيدة التي سوف تحدث ـ فالنبى هو الذي يتنبأ بالمستقبل ـ ولهذا فإن الكلمة يقول ” وأنا لم أعاند إلى الوراء لم أرتد، بذلت ظهرى للضاربين وخدى للناتفين وجهى لم أستر عن العار والبصق[119]. هكذا بواسطة الموت، موت الصليب[120] وطاعته غفر العصيان الأول الذى حدث بواسطة الشجرة[121]. لأن كلمة الله كُلّى القدرة، والذي حضوره غير المنظور، هو يمتد حتى يملأ كل العالم، ويستمر تأثيره على العالم كله طوله وعرضه وعلوه وعمقه ـ لأنه بواسطة كلمة الله يوجد الكل تحت تأثير التدبير الخلاصى ـ لقد صُلب ابن الله لأجل الجميع، وطبع علامة الصليب على كل الأشياء. لأنه كان من الضرورى لذاك الذي صار منظورًا أن يُظهر علامة الصليب فى كل الأشياء. وهكذا بواسطته شكله المنظور (على الصليب) يصير تأثيره محسوسًا في كل الأشياء المنظورة. لأن هو الذى ينير “الأعالى” أى السماويات، ويضبط “الأعماق” أى ما تحت الأرض، وهو يمد “الطول” العظيم من المشرق إلى المغرب، ويجمع “العرض” الهائل من الشمال حتى الجنوب، داعيًا البشر[122] المشتتين من كل الأنحاء إلى معرفة أبيه.

 

تحقيق الوعد المُعطى لإبراهيم

          35 ـ المسيح هو ذاك الذي حقق الوعد المُعطى لإبراهيم من قِبَل الله، بأن نسله سيكون كنجوم السماء[123]. فإن المسيح هو الذى حقق الوعد بميلاده من العذراء التي من نسل إبراهيم، وبإظهاره للمؤمنين به “كأنوار في العالم”، وأعطى البر للأمم بالإيمـان مثل إبراهيم. لأن إبراهيم ” آمن بالله فحسب له برًا[124]. هكذا نحن تبررنا بالإيمان لأن   ” البار بالإيمان يحيا[125]. فإن الوعد أُعطى إلى إبراهيم بالإيمان وليس بواسطة الناموس. وحيث إن إبراهيم تبرّر بالإيمان “والناموس لم يُوضع للبار”، هكذا بالمثل نحن لا نتبرر بالناموس، بل بالإيمان الذى شُهِد له من الناموس والأنبياء[126]، هذا الإيمان الذى أعطاه لنا كلمة الله.

 

تحقيق الوعد المُعطى لداود:

          36 ـ هكذا أيضًا حقق الوعد لداود. الله وعده بأنه سيقيم من نسله مَلِكًا أبديًا، ليس لملكه نهاية[127]. هذا الملك هو المسيح، ابن الله، الذي صار إنسانًا، إذ أنه وُلِد من العذراء التي من نسل داود[128]. إذن الوعد المُعطى قد تحقق بواسطة ثمرة رحم العذراء. الملمح الخاص والفريد لهذه الولادة يتمثل في أن الطفل يمثل ثمرة حبل خاص وفريد لامرأة وليس ثمرة مشيئة رجل أو باختلاط دم[129]، بطريقة حتى يُعلن هذا الحدث الفريد والخاص أنه حُبِل ووُلِد بواسطة العذراء، التى من بيت داود، وأنه يملك على بيت داود إلى الأبد وأن ملكه ليس له نهاية.

          37 ـ هكذا دبّر خلاصنا بمجدٍ عظيم، وحقق الوعد المُعطى لآبائنا وأصلح العصيان القديم. إذن ابن الله صار ابن داود وابن إبراهيم وجمع الكل في ذاته، لكى يمنح لنا الحياة. كلمة الله صار جسدًا من العذراء، حتى يُبطل الموت ويُحيي البشر[130]. لأننا (قبله) كُنا مقيدين بالخطية، وكنا خطاة وخاضعين تحت سلطان الموت.

          38 ـ هكذا، فإن الله الآب، الغنى فى الرحمة، أرسل لنا الكلمة[131] لكى يخلّصنا. فجاء في نفس المكان ونفس الوضع الذى كنا فيه، حينما فقدنا الحياة وحطم القيود. أشرق علينا بنوره، فبدّد ظلام السجن وقدَّس ميلادنا وحياتنا، وأبطل الموت، إذ حطّم القيود التي كُنا مقيدين بها. وبقيامته صار البكر بين الأموات[132]، وأقام الإنسان الساقط فى ذاته ورفّعه إلى أعالى السموات، إلى يمين مجد الآب. هكذا سبق ووعد الله بالأنبياء قائلاً: “وأقيم خيمة داود الساقطة[133]، أى الجسد الذى من داود. هذا ما حققه ربنا يسوع المسيح متممًا خلاصنا بصورة مجيدة، إذ أقامنا بالحقيقة وخلّصنا للآب[134]. وإذا لم يقبل المرء وُلادته من عذراء، فكيف يمكن أن يقبل قيامته من بين الأموات؟ لأنه ليس بعجيب ولا غريب على الاطلاق أنه بدون أن يُولد، لا يقوم من الأموات، لأنه فى هذه الحالة سيكون من المستحيل أن نتكلّم عن قيامته، طالما أنه لم يولد وبالتالى لم يمت حتى يقوم، فمَن ليست له ولادة زمنية لا يمكن أن يموت. لأن ذاك الذي لم تكن له بداية كإنسان كيف يمكن أن تصير له نهاية كإنسان؟

 

المسيح متقدِّم فى كل شئ:

          39 ـ إذن، فإن كان لم يُولد، فإنه لم يمت، وإن كان لم يمت، فإنه لم يقم من الأموات[135]، وإذا كان لم يقم من الأموات، فلا يكون الموت قد غُلِب[136]، ولا تكون مملكته قد أُبيدت، فإن كان الموت لم يُهزم فكيف يكون ممكنًا أن نرتفع إلى الحياة، نحن الذين من البداية قد خضعنا للموت؟ وهكذا فأولئك الذين يرفضون خلاص الإنسان ولا يؤمنون أن الله سيقيمهم من الأموات، هؤلاء يحتقرون ولادة ربنا، كلمة الله الذى تجسد لكى يُظهر لنا قيامة الجسد ولكى يكون متقدمًا فى كل شئ. ففى السماء هو البكر في مشورة الآب و”الكلمة” الكامل، الذى يضبط ويحكم الكل، بينما على الأرض، هو بكر[137] العذراء، الإنسان البار، القدوس، الصالح، المُرضِى لله، الكامل في كل شئ، والذي أنقذ جميع الذين تبعوه من الهاوية، إذ هو بكر[138] بين الأموات وهو رئيس الحياة التى من الله[139].

          40 ـ وهكذا فإن كلمة الله متقدم فى كل شئ لأنه هو الإنسان الحقيقى، وهو في نفس الوقت ” عجيبًا مشيرًا إلهًا قديرًا[140]، وهو الذى يدعو الإنسان من جديد ليكون له شركة قوية مع الله، لكى بهذه الشركة معه ننال شركة فى عدم فساده[141].

 

الناموس والأنبياء والرسل:

          من ثمَّ فإن ذاك الذي تنبأ عنه الناموس بواسطة موسى وأنبياء الله العلى والقدير، ابن أبى الجميع، الذى به كان كل شئ، وهو الذي تحدّث مع موسى، هذا أتى إلى اليهودية، وحُبِل به بواسطة الروح القدس ووُلِد من مريم العذراء، التى هى من نسل داود وإبراهيم، هو يسوع المسيح الذي تبرّهن أنه هو الذي تنبأ عنه الأنبياء.

          41 ـ يوحنا المعمدان[142]، السابق ومهيئ الطريق، الذي أَعدّ الشعب لقبول كلمة الحياة، شَهَد بأن الذي يستقر عليه روح الله بطريقة منظورة هو المسيح[143]. والرسل بصفتهم تلاميذ للمسيح وشهود لجميع أعماله وتعاليمه، وشهود لآلامه، وموته وقيامته وصعوده إلى السموات، هؤلاء أرسلهم المسيح إلى العالم بعد قيامته ـ مُعضَدين بقوة الروح القدس ـ لكى يدعوا الأمم، ويُظهروا للبشر طريق الحياة، ولكى يحوّلوهم من عبادة الأوثان، والزنى والشراهة والدعارة، ويطهروا نفوسهم وأجسادهم بمعمودية الماء والروح القدس[144]. لقد نقل الرسل الروح القدس إلى المؤمنين، ذلك الروح  الذي أخذوه هم أنفسهم من الرب، وبهذه الطريقة أسسوا الكنائس[145].

 

دعوة الأمم:

          كرز الرسل بالإيمان والمحبة والرجاء، وحققوا ما تنبأ به الأنبياء عن دعوة الأمم[146]. هكذا بواسطة عملهم ساهموا في ظهور رحمة الله التي تتمثل في قبول الأمم ليشتركوا في الموعد الذى أُعطى إلى البطاركة. لقد علّموا الذين قَبلوا كلمة الحق، أن يحبوا الرب ويحيوا في النقاوة والبر والصبر، وهكذا فإن الله سيمنحهم الحياة الأبدية بقيامتهم من الأموات، بفضل ذاك الذي صُلب وقام، يسوع المسيح، الذي أُعطيت له السيادة والمُلك على كل الأشياء، والسلطان على الأحياء والأموات والدينونة. لقد كرز الرسل بكلمة الحق، وعلّموا المؤمنين أن يحفظوا أجسادهم طاهرة لأجل القيامة ويحفظوا أرواحهم من كل دنس.

          42 ـ ولكى يفلح المؤمنون في هذا، يجب أن يبقى الروح القدس[147] متحدًا بهم اتحادًا قويًا، الروح القدس، المُعطى من الله بالمعمودية، ويظل الروح في الذي يأخذه، طالما هو يحيا في الحق، والقداسة والبر والصبر[148]. لأنه بواسطة هذا الروح سوف ينال المؤمنون القيامة، عندما يتحد الجسد من جديد مع النفس بقوة الروح القدس ويدخل إلى ملكوت الله. هكذا تكون ثمرة بركة يافث، أى دعوة الأمم، المُعلنة بواسطة الكنيسة التي تُدخِلهم لكى “يسكنون في بيت سام”، وفق وعد الله.

 

شرح الكرازة حسب الأنبياء:

          تنبأ الروح القدس بواسطة الأنبياء، أن كل هذا سوف يصير هكذا، لكى يؤكد إيمان أولئك الذين يعبدون الله بالحق. لأن كل ما هو غير ممكن إطلاقًا لطبيعتنا وهذا ما يثير عدم الإيمان بين البشر، سبق الله فتنبأ عنه بواسطة الأنبياء. ومن هذه الحقيقة: أن كل ما سبق التنبؤ عنه قبل حدوثه بأزمنة كثيرة تحقق أخيرًا، كما تنبأوا به بدقة مسبقًا، نستنتج أن الله هو الذى أعلن كل هذا مسبقًا لأجل خلاصنا.

 

الابن كان فى البدء مع الآب:

          43 ـ يجب أن نؤمن بالله في كل شئ لأنه صادق فى كل شئ. ويجب أن نؤمن بابن الله الذي هو كائن ليس فقط قبل زمن مجيئه إلى العالم، بل وقبل خلق العالم. فموسى، الذي هو الأول تنبأ، مُعبِّرًا باللغة العبرية قائلاً: “في البدء كان الابن، ثم خلق السماء والأرض”[149]. هذا ما يؤكده النبى قائلاً: ” قبل نجمة الصبح ولدتك واسمك قبل الشمس[150] أى قبل خلق العالم، طالما أن النجوم خُلقت في نفس الوقت مع العالم. هذا النبى يقول: ” طوبى، للذي كان قبل أن يصير إنسانًا[151]. فبالنسبة لله كان الابن موجودًا في البدء، فهو الذى خلق العالم، أما بالنسبة لنا فهو يُعتبر موجودًا الآن منذ اللحظة التى أُعلن فيها لنا، لأنه قبل ذلك لم يكن موجودًا بالنسبة لنا نحن الذين لم نكن نعرفه. لذلك فإن تلميذه يوحنا يخبرنا عن من هو ابن الله، الذى كان عند الله قبل خلق العالم، وأن به خُلق الكل، إذ يقول: ” في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله. هذا كان في البدء عند الله. كل شئ به كان وبغيره لم يكن شئ مما كان[152]، مظهرًا بوضوح، أن الكلمة الذى كان في البدء[153] عند الآب والذى به خُلِقت كل الأشياء، هذا هو ابنه.

 

[1] يذكر يوسابيوس المؤرخ الكنسى عنوان هذا العمل هكذا ” في (e„j) شرح الكرازة الرسولية” (تاريخ الكنيسة 1:26:5)، لكن لا يبدو أن (e„j) هى ضمن العنوان القديم لهذا العمل. كلمة epˆdeixij في اللاتينية ostensio وهى تعنى عند إيرينيوس عرض أو شرح تعليم الحقيقة. هذا العنوان موجود في الترجمة الأرمينية القديمة وبحسب اليونانية هو ” برهان أو شرح الكرازة الرسولية” وللسهولة سوف نشير إليه بعنوان “الكرازة الرسولية”.

[2] ماركيانوس المرسل إليه هنا هو غير ماركيون أحد أشهر الهراطقة الغنوسيين فى القرن الثانى.

[3] تعبير “جسد الحقيقة” sîma t»j alhqeˆaj تعنى الكرازة الرسولية والتي تمثل تعليم وعظى كامل، محتواه الإيمان المُسلّم للرسل القديسين من قِبل المسيح الذى تحققت فيه كل نبوات العهد القديم.

[4] يشرح لنا القديس أغسطينوس كيف أن المسيح هو “الطريق” قائلاً: [ المسيح هو “الطريق” الذى علينا أن نتبعه ونهتدى به، وهو فى نفس الوقت الهدف الذى نسعى لبلوغه] PL38, 1206.

[5] راجع (أم 18:4، 28:12، رسالة برنابا 1:18، ديداخى1).

[6] أى العنصر المادى: الجسد، والعنصر غير المادى: النفس، وهذه النفس تنال الروح من الله كما يعلّم القديس إيرينيوس (انظر تعليم القديس إيرينيوس عن الإنسان فى المقدمة).

[7] هنا يربط القديس إيرينيوس الإيمان المستقيم للنفس بالسلوك المقدس للجسد، أى بين قداسة النفس وقداسة الجسد. فالهرطوقى لا يسلك بنقاوة لأن نفسه تؤمن بإيمان غير مستقيم. وهنا نتذكر تعبير: أرثوذكسية العقيدة وارتباطها بأرثوذكسية السلوك العملى.

[8] هنا نتذكر صلوات سر مسحة المرضى التى تؤكد على أن الله هو الطبيب الذى يهتم بشفاء نفوسنا وأجسادنا، إذ يصلى الكاهن قائلاً: ” يا الله الآب الصالح طبيب أجسادنا وأرواحنا، الذى أرسل ابنه الوحيد يسوع المسيح ليشفى كل الأمراض وينقذ من الموت. أشف عبدك من أمراضه الجسدية. وامنحه حياة مستقيمة، ليمجد عظمتك ويشكر إحسانك وتكمل مشيئتك من أجل نعمة مسيحك” صلوات الخدمات فى الكنيسة القبطية، إصدار مكتبة المحبة، ص 159. والقديس أغناطيوس الأنطاكى يعظ قائلاً: [يوجد طبيب واحد نفسى وجسدى… يسوع المسيح ربنا] (ΒΕΠΕΣ2, 265). ويؤكد العلاّمة أوريجينوس فى تفسيره لسفر أيوب: [ إن المسيح أتى من السموات ليشفينا من الأمراض المستعصية، والتى ما كان لنفوسنا أن تُشفى منها بدونها] (ΒΕΠΕΣ15,287).

[9] مز1:1.

[10] خر14:3.

[11] راجع ضد الهرطقات. يقصد بقانون الإيمان هو الإيمان الذى تسلمناه وقبلناه فى المعمودية.

[12] راجع Kuprianoà, De Oratione, 15.

[13] إش9:7س.

[14] يعطى إيرينيوس أهمية كبرى لأصالة وشهادة الشيوخ الذين كانوا حاملين للتقليد الرسولى. وكشيوخ يصفهم أحيانًا بالتلاميذ المباشرين للرسل (AH5:5:1) وأحيانًا تلاميذ بوليكاربوس (AH3:3:4).

[15] يقول القديس كيرلس الأورشليمى عن المعمودية: [ إنها حدثٌ عظيم، فداء المأسورين، غفران الخطايا، فناء الخطية، ولادة ثانية للنفس، لباس النور، الختم المقدس الذى لا يُمحى، نعمة التنبى] PG33, 360A. والقديس غريغوريوس اللاهوتى يخبرنا بقائمة مُماثلة من الألقاب عن المعمودية: [المعمودية هى شركة اللوغوس، تحطيم الخطية، مركبة نحو الله، مفتاح لملكوت السموات، لباس عدم الفساد، حميم الميلاد الثانى، الختم] PG36, 361C.

[16] انظر تي5:3ـ6.

[17] راجع الراعى هرماس، الرؤيا الأولى I:6، III:4، الآباء الرسوليون، عربه عن اليونانية مطران حلب إلياس معوض، منشورات النور، 1970، ص174، 176.

[18] راجع الحوار مع تريفو6:5 أيضًا انظر ضد الهرطقات1:1:1، 3:28:1.

[19] مز6:33

[20] راجع AH2:47:2, 3:28:2.

[21] أف6:4 راجعAH4:34::2, 5:18:1 . نفس هذه الآية يستخدمها أيضًا القديس أثناسيوس فى رسائله عن الروح القدس إلى الأسقف سرابيون، قائلاً: [فالآب بالكلمة فى الروح القدس يعمل كل الأشياء، وهكذا تُحفظ وحدة الثالوث القدوس سالمة. وهكذا يُكرز بإله واحد فى الكنيسة ” الذى على الكل وبالكل وفى الكل” (أف6:4). “على الكل” كأب، وكبدء، وكينبوع، “وبالكل” أى بالكلمة. “وفى الكل” أى فى الروح القدس، هو ثالوث ليس فقط بالاسم وصيغة الكلام بل بالحق والوجود الفعلى] رسائل عن الروح القدس إلى الأسقف سرابيون، ترجمة د. موريس تاوضروس ود. نصحى عبد الشهيد، مركز دراسات الآباء، القاهرة1994، الرسالة الأولى: 28 ص83.

[22] أيضًا القديس أثناسيوس فى كتابه “تجسد الكلمة” يؤكد فى الفصل الأول على أن [الآب الصالح يضبط كل الأشياء بالكلمة، وأن كل شئ به وفيه يحيا ويتحرك] تجسد الكلمة1:1 ترجمة د. جوزيف موريس، المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، القاهرة2002، أيضًا انظر3:3، 1:17، 4:42ـ6، وضد الوثنيين 1:41.

[23] غلا6:4

[24] وشرح القديس أثناسيوس هذا الأمر فيما بعد قائلاً: [الروح القدس لا يمكن أن يكون ملاكًا ولا مخلوقًا على الإطلاق، بل هو خاص بالكلمة] رسائل عن الروح القدس إلى الأسقف سرابيون، المرجع السابق، الرسالة الأولى: 27.

[25] إيرينيوس ينسب إلهام الأنبياء إلى الروح القدس (الكرازة الرسولية6و9و40و100)، وأيضًا ينسبه إلى اللوغوسAH4:34:4، انظر أيضًا الكرازة الرسولية73.

[26] هى نفس التعبيرات الواردة فى القداس الغريغورى: [أيها الواحد وحده الحقيقى. الله محب البشر الذى لا يُنطق به. غير المرئى، غير المُحوى، غير المبتدئ، غير الزمنى، الذى لا يُحد. غير المفحوص، غير المستحيل، خالق الكل، مخلّص الجميع] الخولاجى المقدس، لجنة التحرير والنشر لمطرانية بنى سويف والبهنسا، الطبعة الثالثة1710ش، 1993م، ص469.

[27] انظر 1بط10:1ـ12.

[28] انظر يو3:1 ويقول القديس كيرلس الأسكندرى: [الله المُبدع الأعظم خلق بواسطة ابنه كل المخلوقات لأنه مكتوب:” كل شئ به كان وبغيره لم يكن شئ مما كان“] (تعليقات لامعة “جلافيرا” المقالة الأولى على سفر التكوين،الكتاب الشهرى نوفمبر 2003، ص10، ترجمة د. جورج عوض.

[29] انظر يو14:1.

[30] وقد شرح القديس أثناسيوس فى كتابه “تجسد الكلمة” فصل43، السبب الذى جعل الكلمة يصير إنسانًا بين البشر، قائلاً: [ إن الرب لم يأتِ لكى يتظاهر أو يستعرض نفسه، بل جاء لكى يُشفي ويعلّم أولئك الذين هم تحت الآلام] (1:43) ص124، وهكذا تراءى للكل لا لكى يبهر الأنظار لكن لأن الإنسان وحده هو الذى أخطأ دون سائر المخلوقات.

[31] يشرح القديس أثناسيوس باستفاضة هذا الأمر فى كتابه “تجسد الكلمة” قائلاً: [وهكذا إذ اتخذ جسدًا مماثلاً لطبيعة أجسادنا، وإذ كان الجميع خاضعين للموت والفساد، فقط بذل نفسه للموت عوضًا عن الجميع، وقدمه للآب. كل هذا فعله من أجل محبته للبشر، أولاً: لكى إذ كان الجميع قد ماتوا فيه، فإنه يُبطل عن البشر ناموس الموت والفناء، ذلك لأن سلطان الموت قد استُنفد فى جسد الرب، فلا يعود للموت سلطان على أجساد البشر (المماثلة لجسد الرب). ثانيًا: وأيضًا فإن البشر الذين رجعوا إلى الفساد بالمعصية يعيدهم إلى عدم الفساد ويحييهم من الموت بالجسد الذى جعله جسده الخاص، وبنعمة القيامة يبيد الموت منهم، كما تبيد النار القش] تجسد الكلمة4:8 ص22.

            أيضًا يؤكد القديس كيرلس الأسكندرى على إبطال الموت بواسطة الابن قائلاً: [ عندما سقط الإنسان بعصيانه واستُعبِد لقوة الموت وفقد كرامته القديمة أعاده الآب وجدَّده إلى الحياة الجديدة بالابن كما كان فى البدءِ. وكيف جدَّده الابن؟ بموته بالجسد ذبح الموت وأعاد الجنس البشرى إلى عدم الفساد عندما قام من الموت لأجلنا] قيامة المسيح، للقديس كيرلس عمود الدين، تفسير يوحنا20، ترجمة د. نصحى عبد الشهيد، المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، القاهرة 2003، ص27.

[32] الكلام هنا عن المصطلح الذى فضّله القديس إيرينيوس واقتبسه من الرسول بولس (أف10:1)، وهو “إنجماع (ανακεφαλίωση) الكل فى المسيح”. ويشرح أيضًا القديس كيرلس هذه الآية فى كلامه عن آدم فى كتابه “تعليقات لامعة” (جلافيرا) قائلاً: [إن بولس العارف الحقيقى للناموس قد فهم سر الخلاص بواسطة المسيح، إذ قال إنه فى شخص المسيح صار إنجماع (أف10:1) ما فى السموات وما فى الأرض، وفق محبة الله الآب وإرادته، موضحًا بكلمة إنجماع أنه قد حدثت عملية إصلاح للكل، كما ارتقت الطبيعة التى طالها الفساد إلى الحالة التي كانت عليها فى بداية الخليقة] (الكتاب الشهرى نوفمبر 2003، ص10).

[33] انظر يوئيل29:2، أع18:2.

[34] انظر الرسائل عن الروح القدس للقديس أثناسيوس، المرجع السابق، ص72، كما يخبرنا القديس كيرلس الأسكندرى بكل وضوح عن عمل الروح القدس فى تجديد الإنسان فى شرحه ليوحنا22:20ـ23: ” ولما قال هذا نفخ وقال لهم: اقبلوا الروح القدس…“، قائلاً: [ولكى نعلم أنه هو الذي في البدء خلقنا وختمنا بالروح القدس، لذلك يمنح مخلّصنا الروح القدس من خلال العلامة المنظورة أى “نفخته” للرسل القديسين لأنهم باكورة الطبيعة البشرية المجددة. وكما كتب موسى عن الخلق الأول أن الله نفخ في أنف الإنسان نسمة الحياة، يحدث نفس الشئ الذي حدث في البدء عندما يجدّد الله الإنسان وهو ما يسجله يوحنا هنا. وكما خلق الإنسان في البدء على صورة خالقه. كذلك الآن بالاشتراك في الروح القدس يتغير إلى صورة خالقه ويصبح على مثاله] قيامة المسيح، المرجع السابق، ص27.

[35] انظر يو3:3.

[36] هنا نعمة الميلاد الثانى تُمنح باسم الثالوث، وهذا التقليد يعرفه القديس أثناسيوس وينبه على خطورة إنكار أحد الأقانيم الثلاثة قائلاً: [ لأنه كما أن الإيمان بالثالوث ـ المُسلم إلينا ـ يجعلنا متحدين بالله، وكما أن ذلك الذى يستبعد أى واحد من الثالوث ويعتمد باسم الآب وحده، أو باسم الابن وحده، أو باسم الآب والابن بدون الروح القدس، لا ينال شيئًا، بل يظل غير فعّال وغير مكتمل… هكذا ذلك الذى يفصل فليس له الاب ولا الابن بل هو بدون إله، وهو أشر من غير المؤمن، ويمكن أن يكون أى شئ إلاّ أن يكون مسيحيًا]. الرسائل عن الروح القدس، المرجع السابق، الرسالة الأولى: 30، ص85ـ86.

[37] هكذا يعبّر القديس إيرينيوس عن التقليد الكنسى الذى استمر مع الآباء الذين اتوا بعده بخصوص أن الآب يفعل كل شئ بالابن فى الروح القدس، انظر القديس أثناسيوس على سبيل المثال، عندما= =شدد على وحدة عمل أقانيم الثالوث فى سياق شرحه لآية: ” نعمة ربنا يسوع المسيح ومحبة الله وشركة الروح القدس مع جميعكم” (2كو13:13)، حين قال: [لأن هذه النعمة والهبة تُعطى فى الثالوث من الآب بالابن فى الروح القدس. وكما أن النعمة المُعطاة هى من الآب بالابن، هكذا فإنه لا يكون لنا شركة فى العطية إلاّ فى الروح القدس] الرسائل عن الروح القدس، المرجع السابق، الرسالة الأولى ص 31.

[38] هنا يشرح القديس إيرينيوس عمل الثالوث فينا بوضوح، فالروح يقودنا إلى الابن، والابن يأتى بنا إلى الآب الذى يمنحنا عدم الفساد. راجعAH4:34:5.

[39] انظر يو6:14.

[40] يؤكد القديس كيرلس على هذه الحقيقة فى سياق حديثه عن إلوهية الابن وأنه واحد مع الآب فى الجوهر: [إذن فطالما أن كل عطية صالحة تأتى من فوق، من الآب وتوزع بواسطة الابن، الذى له السلطة الإلهية وليس كخادم، فبأى طريقة إذن لا يكون واحدًا فى الجوهر مع الآب الذى ولده، بمعنى كيف لا يكون إلهًا بالحق، وليس مزينًا من الخارج بكرامات مثل اللوحات المرسومة] حوار حول الثالوث، للقديس كيرلس عمود الدين، (الجزء الثانى ـ الحوار الثالث)، ترجمة د. جوزيف موريس، المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، القاهرة 2005، ص 73ـ74. وفى الحوار السابع يشرح القديس كيرلس عمل الروح القدس قائلاً: [ أليس هو الروح الذى ينقش صورة الله فينا، وهو الختم الذى يصنع فينا البر والجمال الفائق للعالم؟ قد يقولون: بلى، ولكن ليس باعتباره إلهًا، بل كموصل لنعمة إلهية فقط، فليس هو بنفسه الموسوم فينا، بل “نعمة” من خلاله. إذن، فإن كان الأمر كذلك، فكان ينبغى أن يُدعى الإنسان لا صورة الله بل صورة النعمة!] ΕΠΕ9, ΒΥΖΑΝΤΙΟΝ..

[41] مصطلح عهد Diαq»kh نجده في AH3:11:5, 3:18:1, 4:56:2, 5:9:4, 5:3:1.

[42] رو4:2ـ6.

[43] بدايةً من هذه الفقرة ينتقل القديس إيرينيوس من الكلام على الله (Θεολογία) ثيولوجيا إلى “الكلام عن العالم” (Κοσμολογία) الكوزمولوجيا. عن عدد السموات عند الغنوسيين انظر AH1:1:9, 1:19:1.

[44] يشرح لنا القديس غريغوريوس اللاهوتى سبب خلقة الملائكة قائلاً: [كان يجب أن يُسكب الصلاح وينتشر خارج ذاته، لكى يكثر الذين ينالون من إحسانه.. لذلك فإن الله فكر أولاً فى خلقة الملائكة والقوات السماوية] ثيوفانيا: ميلاد المسيح، ترجمة الدكتور نصحى عبد الشهيد، دكتور جورج عوض، المركز الأرثوذكسى للدراسات الابائية، يناير 2004، ص20.

[45] إش2:11.

[46] ينفرد القديس إيرينيوس بوصف الروح القدس بحكمة الله، الأمر الذى لا نجده فى كتابات الآباء بعد ذلك، انظر AH4:7:4.

[47] يقصد الابن والروح القدس، لأن القديس إيرينيوس ينفرد بتسمية الابن والروح القدس بيدى الله، الأمر الذى لا نجده أيضًا فى كتابات الآباء بعد ذلك انظر AH5:6:1، انظر أيضًا تعليم القديس إيرينيوس عن الثالوث فى المقدمة.

[48] نفس هذا المعنى نجده فى القداس الغريغوري: ” وكتبت فىَّ صورة سلطانك”، الخولاجى المقدس، المرجع السابق، ص478. يقول أيضًا القديس إيرينيوس موضحًا مفهوم “الصورة” و”الشبه”: [“الصورة” تتضمن المواهب الطبيعية، وعلى الأخص العقل وحرية الإرادة، وهذه لا يمكن أن تُفقد. و”الشبه” فائق للطبيعة وهو اقتناء الكلمة وشركة الروح، وهذا فقده آدم واسترجعه المسيح] (AH5:6:1).

[49] راجع تك26:1ـ27 . 1كو 7:11.

[50] انظر تك7:2. نفس الأمر يقوله القديس كيرلس الأسكندرى: [ الله الاب فى البدء بكلمته أخذ من تراب الأرض ـ كما هو مكتوب ـ وخلق الإنسان كائنًا حيًا له نفس عاقلة حسب إرادته وأناره بنصيب من روحه ” ونفخ فى أنفسه نسمة حياة” (تك7:2)] قيامة المسيح، للقديس كيرلس الأسكندرى، المرجع السابق، ص27.

[51] يتحدث القديس كيرلس الأسكندرى عن تميّز خلقة الإنسان عن سائر المخلوقات قائلاً: [فقد مضى في خلق الإنسان وجعل خلقته أسمى منها جميعًا، على الرغم من أن كل المخلوقات الأخرى صنعها بكلمته. ولأن الإنسان يعتبر وجودًا حيًا وعبقريًا بالحقيقة وشبيهًا جدًا بالله، وحتى لا يُعتبر أن هذا الذى كان شبيهًا جدًا بالمجد السماوى خُلِق بنفس الطريقة التى خُلِقت بها المخلوقات الأخرى التى لم تكن هكذا، كرّم خلقته وذلك بإرادته الإلهية فقط، وعلى الرغم من أنه قد خلقه من الطين، إلا أنه كائن حى عاقل ونفخ فيه مباشرة روح خالدة ومحيية، لأنه مكتوب: ” ونفخ فى وجهه نسمة حياة فصار آدم نفسًا حية” (تك7:2)] تعليقات لامعة (جلافيرا) نوفمبر 2003، ص13. وفى موضع آخر يقول القديس كيرلس: [ فالله قد خلق الإنسان، ذلك الكائن الحى، بطبيعة خاصة به كإنسان، مانحًا إياه غنى التشبع به. إذ قد رُسمت صورة الطبيعة الإلهية فى الطبيعة البشرية بنفخة الروح القدس. وحيث الله هو الحياة ـ بحسب الطبيعة ـ لذلك فهو يعطى نسمة الحياة] (السجود والعبادة بالروح والحق، الجزء الأول، ترجمة دكتور جورج عوض، المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، القاهرة 2001، ص28).

[52] يقول القديس كيرلس بهذا الشأن: [وبعد أن وضعه فى الفردوس وأعطاه السيادة على كل المخلوقات الأرضية، وجعله سيدًا على كل أنواع الكائنات التى تحيا فى المياه والطيور، وأخضع له الوحوش المفترسة ومعها أجناس الحيات السامة، وألزمها بنواميس طبيعية أن تهابه، أصبح الإنسان يمثّل المجد الأسمى على الأرض وصورة للسيادة الملائمة لله] تعليقات لامعة (جلافيرا) نوفمبر 2003، ص13. وفى موضع آخر يقول القديس كيرلس: [ لا ينبغى أن يشك أحد فى أن الإنسان قد جاء إلى الوجود ليس لأجل أعمال مخزية بل لأجل عمل كل ما هو ممدوح، بما أنه ثمرة إبداع الله الصالح. ولكن تظل الحقيقة قائمة أنه قد خُلق سيدًا لنفسه وحرًا، وقادرًا على التحرك بواسطة قوة إرادته الخاصة نحو أى اتجاه يختاره سواء كان خيرًا أو شرًا] ضد يوليانوس الجاحد (PG76, 925). راجع أيضًا qeof…lou Antioce…aj, prÒj AutÒlukon 2,27.

[53] قال بعد ذلك غريغوريوس النزينزى أن الله خلق أولاً القصر ثم بعد ذلك أدخل الملك (الإنسان) فيه. Lόgoj MD/ eij t»j kain» kuriak»n, 84, P.G. 36, 612.

[54] راجع  AH4:62,63, 1 kai qeof…lou Antioce…aj prÒj AutÒlukon 2,25.

ففكرة أن الإنسان الأول كان طفلاً من جهة النضوج فى الإيمان ينفرد بها القديس إيرينيوس الذى أراد أن يشدّد على أن الإنسان الأول كان مدعوًا لمسيرة نحو الكمال. هذه الدعوة تحدث عنها القديس باسيليوس الكبير الذى نادى بأن الهبات الإلهية ترمى إلى إصعاد الإنسان إلى حالة الكمال، أى الصعود من الخلق بـ”حسب الصورة” إلى “حسب المثال”، بمعنى تحقيق كل إمكانيات الصورة. وهذا الصعود مستمر ودائم مثل عطايا الله التى هى دائمة ومتجدّدة بالروح القدس (انظر القديس باسيليوس الكبير، الله ليس مسببًا للشرور، PG31. 345، لاحظ نفسك PG31. 212B-213A، أيضًا عن الروح القدس PG32: 109BC.

[55] راجع تك19:2.

[56] تك18:2.

[57] تك23:2.

[58] تك25:2.

[59] انظر فقرة 11.

[60] نفس الفكر قاله القديس كيرلس بعد أكثر من 200 سنة: [ولأن هذا الإنسان الذى وصل الى مثل هذه الدرجة من المجد والسعادة، كان يجب عليه أن يعرف جيدًا إن سلطان الله الملك والرب يفوق كل ما يمتلكه، وحتى لا ينزلق سريعًا بسبب امتيازاته الكثيرة إلى الاعتقاد بأنه صار حرًا من سلطان الله وسموه، أعطاه الله على الفور وصية] تعليقات لامعة (جلافيرا) المرجع السابق، نوفمبر 2003، ص13.

[61] تك16:2ـ17.

[62] ويقصد ايريناوس أن الشيطان الذى هو ملاك ساقط.

[63] راجع تك24:3.

[64] تك1:4.

[65] وقد عبّر عن ذلك القديس كيرلس فيما بعد: [ هكذا صار قايين معلّمًا لطريق قتل البشر] تعليقات لامعة (جلافيرا)، المرجع السابق،  مارس 2004، ص25.

[66] راجع تك25:4.

[67] بحسب القديس كيرلس: [ انعطف الجميع ناحية الخطية الجامحة] تعليقات لامعة (جلافيرا)، المرجع السابق، مايو 2004، ص20و21

[68] راجع تك2:6ـ4.

[69] تك8:6. حكمة سيراخ 17:44.

[70] راجع 1بط20:3، وقد شرح القديس كيرلس هذا الأمر فيما بعد قائلاً: [أن نوحًا نفسه وعناية الله الحكيمة والسرية بالفلك يمثل صورة الخلاص بواسطة المسيح] تعليقات لامعة (جلافيرا)، المرجع= =السابق،  مايو 2004، ص23.

[71] انظر القديس كيرلس الأسكندرى، تعليقات لامعة (جلافيرا)، المرجع السابق، أغسطس2004 ص16-18.

[72] تك25:9.

[73] انظر تك6:10ـ20.

[74] تك26:9.

[75] خر6:3.

[76] تك27:9.

[77] مز5:18، رو18:10.

[78] يشرح القديس كيرلس التفسير الروحى للبركة التى أُعطيت للابنين قائلاً: [إن كل الشعوب كانت ثلاثة، الشعب الأول الذى يمثله سام والمتوسط يرمز له حام الملعون والثالث الأخير هو يافث الذى يفسر بمعنى “المتسع”. عندما أعلن لنا الله الآب ابنه الذى يُرمز إليه بجسد نوح العارى وبينما هو محتقر وتعيس من جهة الشكل البشرى، فهو من جهة المفهوم الروحى يشير إلى جمال الألوهة. كما يقول النبى: ” وكمستر عنه وجوهنا محتقر فلم نعتد به” (إش2:53) فهذا قد تم بالضبط كما تؤكده طبيعة الأمور: الشعبان الأول والأخير ـ أى الابنان (سام ويافث) اللذان فى البداية وبالطبع اللذان دعيا أخيرًا ـ نالا رحمة من عمانوئيل الذى بواسطته صارا مباركين من الله الآب. لكن ذاك الذى كان بينهما (أى حام) ـ فلأنه استهزأ بنوح (الذى يشير للمسيح) بسبب منظره المحتقر من جهة طبيعته البشرية، فإنه ظل فى العبودية وفقد الحرية التى كانت للآباء] تعليقات لامعة (جلافيرا)، المرجع السابق، أغسطس 2004، ص18.

[79] تك14:9ـ15.

[80] تك1:9ـ6.

[81] يدعى يسوع المسيح “صورة الله” في رسائل بولس الرسول (2كو4:4، كو15:1). آباء كثيرون للكنيسة يميزون بين “صورة الله” و” بحسب صورة الله” فالأولى للمسيح والثانية للبشر. راجع أوريجينوس، ضد كيلسوس63:6، أثناسيوس، ضد الآريوسيين 1, 20:2. 49:3,10

[82] راجع 1بط 21:1: ” ولكنه قد أُظهر في الأيام الأخيرة من أجلكم “

[83] راجع AH5:16:2. يوضح القديس أثناسيوس الرسولى نفس هذا المعنى قائلاً: [ ولم يكن ممكنًا أن يعيد خلق البشر ليكونوا على صورة الله إلاّ الذى هو على صورة الآب] تجسد الكلمة، المرجع السابق، 1:20 ص56.

[84] راجع تك1:11: ” وكانت الأرض كلها لسانًا واحدًا ولغة واحدة“.

[85] راجع تك2:11ـ4.

[86] أو بحسب تعبير القديس كيرلس: [ أرادوا أن يفعلوا شيئًا للتفاخر] تعليقات لامعة (جلافيرا) الكتاب الشهرى أغسطس 2004، ص20.

[87] يقول القديس كيرلس فى تعليقه على بلبلة الألسنة، إن الله يظهر بلبلة الألسنة لأن الأفكار التى تتجاوز قدرات الإنسان لا يتركها الله بدون توبيخ، إذ بحسب قول القديس كيرلس: [بلبل الألسنة لأن هذه الأعمال التى تحتاج فقط لقوة الخالق، وأيضًا لسلطانه، ليس لأحد سلطان عليها إلا هو فقط] تعليقات لامعة (جلافيرا)، الكتاب الشهرى أغسطس 2004، ص20.

[88] تك1:12، يشرح القديس كيرلس الأسكندرى سر عن دعوة الله لإبراهيم بالهجرة من أرضه قائلاً: [إن الله عندما يدعو أُناسًا لكى يتبعوه روحيًا، يريد أن يبعدهم عن حياة العالم، وأيضًا بعيدًا عن حياة الملذات وحب الجسد، هؤلاء أراد الله أن يكرّمهم، فهل هناك شئ أفضل من هذا؟ فليتصاغر إذن أمام عيوننا، الوطن والعشيرة والبيت العائلى والتكالب على الخيرات الأرضية] السجود والعبادة بالروح والحق، المقالة الأولى، ترجمة الباحث جورج عوض، المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، ديسمبر 2001، ص 44.

[89] تك7:12، 15:13، 8:17. يقول القديس كيرلس الأسكندرى: [عندما كان (ابرآم) فى وطنه أُعطى له الأمر النافع والوحيد، أنه يجب أن ينتقل إلى أرض أخرى مهاجرًا من وطنه. لكن عندما وصل إلى أرض كنعان ومعه كل عائلته واحتياجاته، وصعد إلى الأرض المقدسة، أُعطيت له نعمة الرؤيا الإلهية وثقة الرجاء فى الحرية الثابتة، ثم التصريح له بعد ذلك ببناء مذبح] السجود والعبادة بالروح والحق، المرجع السابق ص46.

[90] تك5:15.

[91] تك6:15 ، رو3:4 ، غلا6:3.

[92] راجع رو 11:4.

[93] راجع تك1:21ـ4 ، 25:25.

[94] تك41:4 ، 6:46ـ7 ، أع 11:7ـ15.

[95] تك5:15.

[96] يفسر القديس كيرلس الأسكندرى هذا القهر تفسيرًا روحيًا قائلاً: [إن مشقة الإسرائيليين تمثل الصورة الواضحة المتكررة لأطماعنا الباطلة الدنسة هنا على الأرض، كما أن الشيطان وقواته الشريرة يمارسون ضغوطًا وهجومًا علينا] السجود والعبادة بالروح الحق، المرجع السابق، ص62.

[97] نفس المعنى يقوله القديس كيرلس الأسكندرى باستفاضة: [لكن الله أظهر حينذاك رحمته لهؤلاء الذين أصابهم شر بواسطة مقاصد المصريين الشريرة، لأن الله أعد موسى العظيم ليكون خادمًا لإحسانه نحوهم] السجود والعبادة بالروح والحق، المرجع السابق ص62.

[98] خر28:7 ، 3:12.

[99] أيضًا يُفضل القديس كيرلس الأسكندرى تعبير “سر المسيح”، إذ يقول: [ وأُمر أن يُحتفل بالفصح الذى يشير إلى سر المسيح قبل إعلان غضبه على أبكار المصريين] المسيح فصحنا الجديد،= =ترجمة د. جورج عوض إبراهيم، مراجعة د. نصحى عبد الشهيد، المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، مايو 2005، ص9.

[100] دم الحمل هنا يشير إلى دم المسيح لأنه كان من المستحيل ـ بحسب قول القديس كيرلس ـ أن يُبطل الموت بواسطة موسى والناموس [ بل إن دم المسيح الكريم وحده هو الذى يُبعد المُهلِك ويحرر المُقدَّسين من هلاك الموت. لأن المسيح هو الحياة وهو إله الكل إذ أنه إله من إله] المسيح فصحنا الجديد، المرجع السابق ص9.

[101] كلمة “فصح” بمعنى عبور فى اللغة العبرية، ويشرح القديس كيرلس هذا المعنى قائلاً: [” إنه فصحٌ للرب” (خر12: 11)، أي العبور من الحياة الحاضرة إلى المدينة التي يُسرُّ بها الله] المسيح فصحنا الجديد، المرجع السابق، ص23.

[102] خر15:14ـ31

[103] خر31:18.

[104] لقد ترجم Wilson ” إصبع الله هو الروح القدس لأنه ينبثق من الآب “. لكن هذه الترجمة ـ بحسب رأى البروفيسور جون كارافيدبولس ـ لا تُفهم من سياق النص، طالما أن إيرينيوس هنا لا يتحدث عن انبثاق الروح القدس، بل عن قوة الله، المرموز لها بالإصبع. راجع متى 28:12، لو 20:11. إن البروفيسور L.M Froidevaux الذى قام بالترجمة الفرنسية التى نُشرت فى SC سنة 1959م، يرى أن إيرينيوس يقتبس هنا آية خروج18:31 لكن على أساس الترجمة السبعينية.= =ونص إيرينيوس نجده في رسالة برنابا (2:14) “لوحى (الحجر) مكتوبين بإصبع يد الرب في الروح”.

[105] يرى القديس إيرينيوس أن الخيمة رمزًا لأورشليم السماوية مسكن الله مع الناس: [عندما تزول هذه الأشياء من على الأرض، يقول يوحنا تلميذ الرب: إن أورشليم الجديدة العُليا سوف تنزل (من السماء) كعروس مزينة لرجلها (رؤ2:21)، فهذا هو مسكن الله حيث يسكن مع الناس… وهذا المسكن تَقبّل موسى مثاله على الجبل…] (AH4:35:2).

[106] أيضًا يشرح القديس إيرينيوس الهدف الذى من أجله أمر الله موسى ببناء الخيمة وتشييد الهيكل واختيار اللاويين، وتقديم الذبائح والقرابين، وسائر مطالب الناموس التشريعية، قائلاً: [بالرغم من أن الله نفسه لا يحتاج بالحقيقة لأى شئ منها، لأنه ممتلئ دائمًا بكل صلاح، وينبع منه كل عبيق الجود والسخاء، وكل عطر طيب، حتى قبل أن يأتى موسى إلى الوجود، إلاّ أنه قصد أن يوصى الشعب الذى كان ميالاُ بطبعه إلى عبادة الأوثان ـ مكررًا لهم تعليماته بين الحين والآخر لكى يثابروا على عبادة الله، داعيًا إياهم بواسطة الأمور الثانوية إلى الأشياء التى لها الأهمية الرئيسية، أعنى بذلك جذبهم إلى الأشياء الحقيقية بواسطة ما هو رمزى، وعن طريق الأشياء الزمنية يأتى بهم إلى الأبديات، وبالجسديات يقودهم إلى الروحيات، ومن الأرضيات يرفعهم إلى السمائيات، كما قال هكذا لموسى: انظر فاصنعها على مثالها الذى أُظهر لك فى الجبل (خر40:25)] (AH4:14:3).

[107] عد16:13.

[108] يقارن القديس كيرلس الأسكندرى بين هؤلاء الجواسيس الاثنى عشر وبين الاثنين والسبعين المبشرين بملكوت الله، حيث هناك نرى المناداة بالخوف والذعر من أشياء لا ينبغى الخوف منها، بينما نجد تلاميذ المسيح يتقبلون منه القدرة على هزيمة (كل قوة العدو) انظر تعليقات لامعة (جلافيرا) على سفر العدد PG69, 606-615.

[109] انظر عد20:24، تث17:25و18. الاسم “عماليق” معناه “شعب يدمر كل ما هو أمامه”. وقد دعاهم يوسيفيوس المؤرخ اليهودى من القرن الأول الميلادى “جوبوليتس Gobolitis”. ومازالت القبائل المقيمة فى برية سيناء حول منطقة دير سانت كاترين تُدعى باسم “الجُبلية”، مما يؤكد صحة التقليد اليهودى الذى نقل عنه يوسيفوس. واسم “عماليق” قد ذُكر فى تك12:36 فى قائمة أنساب عيسو (المُلقب أدوم). ويرى القديس كيرلس فى الجبابرة بنى عناق أنهم يرمزون إلى الرؤساء والسلاطين وولاة العالم على ظلمة هذا الدهر مع أجناد الشر الروحية فى السماوات (انظر تعليقات لامعة (جلافيرا) على سفر العدد PG69, 606-615).

[110] تك49:32ـ52.

[111] راجع أف 10:1. انظر فقرة 6.

[112] وبحسب تعبير القديس غريغوريوس النيسى: [ وهكذا اتصلت البشرية بالله بواسطة ناسوت المسيح (الذى اتحد بلاهوته). فبجسدنا الذى حمله فى ذاته سرت القوة الإلهية فى كل الطبيعة البشرية] (ضد افنوميوس2 PG45, 533A).

[113] في هذه الفقرة لخص إيرينيوس جوهر تعليمه عن المسيح والخلاص. فتجسد المسيح له المجد كان ضروريًا لكى ينقل عدم الفساد إلى البشر ولكى يَبطُل الشر الآتى من عصيان آدم. وهذا الأمر قد شرحه فيما بعد القديس أثناسيوس فى كتابه “تجسد الكلمة”: [لأن المخلّص تمّم بتأنسه عمليتى المحبة: (أولاً): أنه أباد الموت من داخلنا وجدّدنا ثانية. (ثانيًا): أنه إذ هو غير ظاهر ولا منظور، فقد أعلن نفسه وعرّف ذاته بأعماله في الجسد، بأنه كلمة الآب، ومدّبر وملك الكون] تجسد الكلمة، المرجع السابق، 5:16. والقديس أمبروسيوس أسقف ميلان يصف لنا المسيح بأوصاف توضح نتائج التجسد بالنسبة لنا: [المسيح هو لنا كل شئ… إذا أردت أن تبرئ جرحك، فهو الطبيب الشافى؛ إذا أردت أن تروى عطشك الشديد، فهو ينبوع الماء الحي؛ إذا كنت فى حاجة إلى معونة، فهو القوة الحية الفعّالة؛ إذا كنت ترهب الموت، فهو الحياة القاهرة للموت؛ إذا كنت تخشى الظلام، فهو “النور الحقيقى”؛ إذا كنت جوعانًا، فهو قوت الحياة] (PL16, 305).

[114] تك5:2.

[115] راجع فيلون: Πer… t¾j kat£ Mοãsša kosmopol…aj, 137.

[116] راجع أيضًا AH3:23:4, 5:19:1.

[117] كل الترجمات تُنهى الفقرة (33) هنا هكذا فيما عدا الترجمة الصادرة عن سلسلة “المصادر المسيحية”، فهى تُنهى هذه الفقرة بجزء من فقرة (34) الذى ينتهى بعبارة: ” أما الخير فهو طاعة لله”. Sources Chrétiennes, L. M . Frodievaux.

[118] الشجرة أو العصا فى العهد القديم تشير إلى الصليب (انظر على سبيل المثال يوستينوس، الحوار مع تريفو 1:86ـ6). أو كما يقول القديس إيرينيوس فى موضع آخر: [ قد جاء الرب إلى خاصته علانية وصارت خليقته الخاصة تحمله، وهى بعينها المحمولة منه. والمخالفة التى صارت بالشجرة عوضها بالطاعة (التى) أكملها على الخشبة (الصليب)، والغواية التى أُغويت بها العذراء حواء على نحو يُرثى له، وهى تحت طاعة رجل، قد انحلّت ببشارة الحق التى بُشرت بها العذراء مريم على نحو مفرح بواسطة الملاك، وهى تحت طاعة رجل أيضًا (يوسف). فكما ان تلك (حواء) أُغويت بكلمة الملاك (الساقط) لكى تحيد عن الله وتخالف كلمته، هكذا هذه (مريم) أيضًا بُشرت بكلمة الملاك لكى تحمل الله وتطيع كلمته. وكما أن تلك (حواء) أُغويت بأن تخالف الله؛ هكذا هذه (مريم) اقتنعت بأن تطيع الله لكى تصير العذراء مريم محامية عن العذراء حواء. وكما أن الجنس البشرى= =صار مُقيدًا بالموت بواسطة عذراء (حواء)، هكذا قد انحل أيضًا بواسطة عذراء (مريم)، وكأن المخالفة العذراوية قد عادلتها الطاعة العذراوية] (AH5:19:5)، (SC. 153,249-251).

[119] إش6:50.

[120] راجع في 8:2.

[121] والقديس يوحنا ذهبى الفم أيضًا فى عظته عن “الصليب” يقول: [إذا عرفت بأي طريقة انتصر المسيح، سوف يصير إعجابك أعظم. فبنفس الأسلحة التي غلب الشيطان بها الإنسان، انتصر المسيح عليه. واسمع كيف؟ عذراء وخشبة وموت هي رموز هزيمتنا. العذراء كانت حواء، لأنها لم تكن قد عرفت رجلها. الخشبة كانت الشجرة (التي أوصى الله آدم بألاّ يأكل منها) والموت كان عقاب آدم. لكن العذراء والخشبة والموت التى كانت رموزًا لهزيمتنا، صارت رموزًا للانتصار. لأن لدينا مريم العذراء بدلاً من حواء، ولدينا خشبة الصليب بدلاً من شجرة معرفة الخير والشر، ولدينا موت المسيح بدلا من موت آدم. هل رأيت، فالشيطان هُزم بنفس الأسلحة التي انتصر بها قديمًا؟!] انظر كتاب “الصليب” عظتان للقديس يوحنا ذهبى الفم، ترجمة د. جوزيف موريس فلتس، ود. جورج عوض إبراهيم، المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، ابريل 2004، العظة الثانية، ص 28و29. أيضًا القديس كيرلس الأورشليمى يقول عن أبوينا الأولين: [ وإن كانا قد طُردا من الفردوس بسبب أكلهما منها أفلا يكون أسهل على المؤمنين الآن أن يدخلوا الفردوس بسبب شجرة يسوع] عظات للموعوظين 2:13، ΒΕΠΕΣ 39, 153.

[122] يشرح لنا القديس أثناسيوس لماذا تم الموت بالصليب من بين كل أنواع الموت؟ فيعطى لنا نفس معانى هذه الفقرة، قائلاً: [إن كان موت الرب هو فدية (lÝtron) عن الجميع وبواسطة موته هذا نقض “حائط السياج المتوسط” وصارت الدعوة لجميع الأمم، فكيف كان ممكنًا أن يدعونا إليه لو لم يكن قد صُلِبَ؟ لأنه على الصليب وحده يمكن أن يموت إنسان باسطًا ذراعيه. لهذا كان لائقًا بالرب أن يحتمل هذا الموت ويبسط ذراعيه، لكى بأحدهما يجتذب الشعب القديم وبالذراع الأخر يجتذب الذين هم من الأمم، ويوّحد الاثنين فى شخصه] تجسد الكلمة، المرجع السابق، 25:3.

[123] تك5:15.

[124] تك6:15 ، رو 3:4 ، غلا6:3.

[125] حب4:2، رو 17:1، غلا7:3، 11، عب 38:1.

[126] يؤكد القديس كيرلس الأورشليمى أن إيماننا يستند على شهادة الأنبياء وليس على براهين بشرية قائلاً:  [ لا تبالِ ببراهين من عندى كى لا تضل الطريق، بل إن لم تتقبل شهادة الأنبياء فلا تصدقنى. ما لم تتعلّم من الكتاب المقدس بخصوص البتول وعن مكان الميلاد وزمانه وطريقته فلا تقبل شهادة إنسان (يو34:5)] كيرلس الأورشليمى، كنيسة مار جرجس بسبورتنج، الأسكندرية 1970، المقالة الثانية عشر لطالبى العماد، ص227.

[127] انظر مز11:132، 29:89، 35:89.

[128] انظر مت9:21، يو13:12.

[129] يوضّح القديس أثناسيوس نفس هذا المعنى قائلاً: [ أخذ (الكلمة) جسدًا من جنسنا، وليس ذلك فحسب، بل أخذه من عذراء طاهرة نقية لم تعرف رجلاً، جسدًا طاهرًا وبدون زرع بشر] تجسد= =الكلمة، المرجع السابق3:8. وكذلك يقول القديس كيرلس الأورشليمى: [ يليق بكلى الطهارة ومعلّمها أن يتجسد فى أحشاء عروس طاهرة… إنه يقول بنفسه فى المزمور ” اخرجتنى من الرحم” (مز1:22)، مُظهرًا أنه مولود بغير زرع رجل، وهو إنما يحمل الجسد من عذراء، الأمر الذى يختلف عن المولودين من زرع بشرى] كيرلس الأورشليمى، المرجع السابق، ص238.

[130] يقول القديس ميليتوس أسقف ساردس (القرن الثانى): [ الإله لبس جسدًا واتخذ صورة الإنسان. قًبِل الآلام عن كل متألم وحُوكم من أجل كل محكوم عليه. ودُفِن فى القبر من أجل كل المدفونين، ولكنه قام حيًا من بين الأموات (بقوة لاهوته) وأعلن قائلاً: مَنْ ذا الذى يمكنه أن يقاضينى؟ لقد خلّصت المديونين، وأعَدتُ الحياة للذين ماتوا، وأخرجتهم من قبورهم (بكامل قواهم)؛ مَنْ هو الذى سيحاججنى؟ لقد أبطلتُ الموت؛ وسحقتُ الهاوية، ثم رفعت البشرية إلى أعلى السموات، نعم، أنا هو المسيح، أنا هو ذبيحة كفارة غفرانكم، أنا هو فصح خلاصكم، أنا هو نوركم، أنا هو قيامتكم] (SC.123, p. 116, 120, 122).

[131] وعن الهدف الذى من أجله أرسل الله الكلمة وليس أحد آخر، يقول القديس أثناسيوس متسائلاً: [إذن فما هو الذى كان ممكنًا أن يفعله الله؟ وماذا كان يمكن أن يتم سوى تجديد الخليقة التي وُجدت على صورة الله، مرة أخرى، ولكي يستطيع البشر أن يعرفوه مرة أخرى؟ ولكن كيف كان ممكنًا لهذا الأمر أن يحدث إلاّ بحضور نفس صورة الله ـ مخلّصنا يسوع المسيح؟ كان ذلك الأمر مستحيلاً أن يتم بواسطة البشر لأنهم هم أيضًا خُلِقوا على مثال تلك الصورة.(وليس هم الصورة= =نفسها)، ولا أيضًا بواسطة الملائكة لأنهم ليسوا صورًا (لله) ولهذا أتى كلمة الله بذاته لكي يستطيع ـ وهو صورة الآب ـ أن يجدّد خلقة الإنسان، على مثال الصورة] تجسد الكلمة، المرجع السابق، 7:13.

[132] رؤ5:1، كو18:1.

[133] عا11:9 . أع 16:15.

[134] نفس هذه المعانى القوية نجدها عند القديس هيلاريون أسقف بواتييه (+367م): [إن ابن الله قد وُلِد كإنسان من العذراء فى ملء الزمان لكى يرفع البشرية فى شخصه حتى إلى (الاتحاد) باللاهوت] (عن الثالوث PL 10, 284). وأيضًا: [ فقد صار كلمة الله جسدًا لكى يستطيع كل جسد بواسطة هذا الكلمة المتجسد أن يرتقى إلى الاتحاد بالله الكلمة] (PL10, 33)، لذا غاية التجسد عند هيلاريون هى: [ أن يأخذنا (الابن المتجسد) فى نفسه إلى داخل الله!] (PL10, 286).

[135] أو بحسب تعبير القديس أثناسيوس: [ فالموت لابد أن يسبق القيامة، لأنه لا يمكن أن تكون هناك قيامة ما لم يسبقها موت] تجسد الكلمة، المرجع السابق، 1:23.

[136] أيضًا يؤكد القديس أثناسيوس هذا المعنى قائلاً: [فالموت الذى قَبِلَه واحتمله على الصليب قد أوقعه عليه آخرون ـ الذين هم أعداؤه، ظانين أن هذا الموت مرعب ومهين ولا يمكن احتماله ـ لكن المسيح أباد هذا الموت، فآمن الجميع أنه هو الحياة، الذي به تتم إبادة سلطان الموت كلية] تجسد الكلمة، المرجع السابق، 3:24.

[137] يشرح القديس كيرلس معنى ما قاله لو7:2 ” فولدت ابنها البكر” قائلاً: [ إن معنى البكر هنا ليس أنه الأول بين اخوة عديدين، بل هو ابنها الأول والوحيد] تفسير إنجيل لوقا، الجزء الأول، ترجمة د.نصحى عبد الشهيد، مايو 1990م، ص29.

[138] يقول القديس كيرلس الأسكندرى: [ بسبب محبة الآب لخلائقه قد دعا الابن نفسه بكرًا لكل خليقة (1كو15:1). فهو بكر من أجلنا نحن، حتى تصير الخليقة كلها مُطعّمة فيه، كما فى أصل جديد خالد، فتنبت من جديد من الكائن الأزلى نفسه!] الكنز فى الثالوث: 25.

[139] أع15:3.

[140] إش6:9.

[141] يشرح القديس كيرلس الأسكندرى حقيقة نوالنا نعمة عدم الفساد قائلاً: [(المسيح) يقول: “أنا حى، ولأنى أنا الحياة بالطبيعة، فقد أظهرت هيكل (جسدى) أنه حى. وبالرغم من أنكم ذوى طبيعة فاسدة، لكنكم حينما سترون أنفسكم أحياءً، كما أنى أنا حي، فسوف تعرفون بكل وضوح أنه بسبب كونى أنا الحياة بالطبيعة، فقد ربطتكم من خلال ذاتى بالله الآب؛ الذى هو نفسه الحياة بالطبيعة، وبهذا جعلتكم شركاء ومشاركين فى صفة عدم الفساد التى له… لقد جعلتكم شركاء الطبيعة الإلهية، لما وضعت روحى فيكم”. لأن المسيح فينا بالروح وقد استرجع ما هو فاسد بالطبيعة إلى عدم الفساد، وغيَّره من الموت إلى عدم الموت] شرح إنجيل يوحنا20:14 Pussey, Lib IX, Cap. I, p. 487-488.

[142] الذى يقول عنه القديس كيرلس الأسكندرى، إنه: [ كنور الفجر قبل ظهور نور المخلّص الساطع، وهو المقدمة لنور النهار الروحى] تفسير إنجيل لوقا، ترجمة د. نصحى عبد الشهيد، مؤسسة القديس أنطونيوس القاهرة، 1990، العظة العاشرة، ص66.

[143] انظر لو30:1و33و34.

[144] انظر مت19:28.

[145] يقول القديس إيرينيوس: [ حيثما وجِدت الكنيسة وُجِد الروح القدس، وحيثما وُجِد الروح القدس وُجِدت الكنيسة] (AH3:24:1).

[146] يعلّق القديس أغسطينوس على وعد الله لإبراهيم المُؤكد بقسم ” ويتبارك فى نسلك جميع أمم= =الأرض، من أجل أنك سمعت لقولى” قائلاً: [ … وهكذا صار الوعد الخاص بدعوة الأمم فى نسل إبراهيم، مُؤكدًا بقَسمٍ من الله بعد هذه المحرقة (الكبش الذى قُدِّم عوضًا عن إسحق) التى ترمز للمسيح. لأنه كثيرًا ما وعد ولكنه لم يُقسِم قط. وماذا يكون قَسم الله الصادق والأمين إلاّ تأكيدًا للوعد وتوبيخًا مضاعفًا لغير المؤمن؟] (St. Augustine, The City of God, ch. 32).

[147] يقول القديس إيرينيوس فى موضع آخر: [ الرب قد وعد أن يُرسل لنا الباراقليط ليوّحِدنا مع الله. فكما أنه مستحيل أن تُعجن عجينة متماسكة من دقيق جاف بدون ماء ولا يمكن ابدًا أن تصير خبزة واحدة، هكذا أيضًا نحن الكثيرين لم يكن ممكنًا أن نصير واحدًا فى المسيح يسوع بدون الماء الذى من السماء (يقصد الروح القدس)] AH3:17:1-3.

[148] يؤكد القديس باسيليوس الكبير على هذا المفهوم قائلاً: [ إتحاد الروح بالنفس يحدث عندما تختفى الأهواء التى تنمو فى النفس بسبب اتحادها ومحبتها للجسد وهو ما يجعل النفس تتغرب عن الشركة مع الله. وعندما تتنقى النفس من عار الدنس الذى لحق بها بسبب فسادها وتعود إلى جمالها= =الطبيعى تتمسك بالصورة الملوكية (الإلهية) وتسترد شكلها الأول عند ذلك فقط يمكن أن تقترب من الباراقليط] الروح القدس:9.

[149] تك1:1.

[150] هذا المقطع مركب من مز 3:109 ، مز 17:71س.

[151] هذا العدد يتماثل مع المزمور 17:71.

[152] يو1:1ـ3.

[153] يفسر لنا القديس كيرلس الأسكندرى معنى ” فى البدء كان الكلمة” قائلاً: [لا يوجد ما سبق البدء. إذا ظل البدء بالحق بدأ، لأن بدء البدء مستحيل، وإذا تصورنا أن شيئًا ما سبق البدء تغير البدء ولم يعد بدءًا بالمرة. وإذا تصورنا أن شيئًا يمكن أن يسبق البدء، فإن اللغة الإنسانية سوف لا تمكننا من الكلام لأن ما سبق البدء هو البدء المطلق والحقيقي ويصبح ما بعد ذلك ليس بدءًا بالمرة. إذًا لا بدء للبدء حسب دقة المنطق، وتظل حقيقة البدء غير مدركة، لأن إدراكها يجعل البدء يفقد كونه أنه البدء. وحيث إننا مهما عدنا إلى الوراء فإننا نعجز عن الوصول إلى البدء مهما حاولنا، فإن هذا يعني أن الابن لم يخلق بالمرة، بل هو كائن مع الآب لأنه “كان في البدء”. وإذا كان في البدء فأين هو العقل الذي يستطيع أن يتخطى كلمة “كان” ويتصور أن الابن جاء إلى الوجود في الزمان، إن كلمة “كان” سوف تظل كما هي “كان” تتحدى وتسبق كل البراهين، بل تجوز أمام كل الأفكار التي تحاول عبثًا أن تدركها] شرح إنجيل يوحنا، الجزء الأول، مركز دراسات الآباء، القاهرة 1989، ص15ـ16.

الكرازة الرسولية ج2 – ق. إيرينيوس – د. نصحى عبد الشهيد

الكرازة الرسولية ج1 – ق. إيرينيوس – د. نصحى عبد الشهيد

الكرازة الرسولية ج1 – ق. إيرينيوس – د. نصحى عبد الشهيد

 

الكرازة الرسولية ج1 – ق. إيرينيوس – د. نصحى عبد الشهيد

 

كتاب

” الكرازة الرسولية ”

للقديس إيرينيوس

مع دراسة عن حياته وتعليمه

 

 

الجزء الأول

القديس إيرينيوس أسقف ليون

 

القديس إيرينيوس أو صانع السلام ـ كما يعنى اسمه ـ هو أشهر آباء القرن الثانى فى شهادته للإيمان الرسولى ودفاعه عن العقيدة المسيحية فى مواجهة البدع الغنوسية. ولذلك يستحق أن يُلقب بمؤسس علم اللاهوت المسيحى، ولُقب أيضًا بـ”أبو التقليد”.

 

نشأته:

         من الصعب تحديد تاريخ ميلاد إيرينيوس بالضبط، ولكن علماء الآباء يرجحون أنه وُلد ما بين 135 ـ 145م، إذ يخبرنا إيرينيوس نفسه أنه فى شبابه المبكر عرف القديس بوليكاربوس الذى كان تلميذًا ليوحنا الرسول، وأن القديس يوحنا الرسول هو الذى أقام بوليكاربوس أسقفًا على كنيسة سميرنا أو أزمير[1]، إذ سجل لنا يوسابيوس المؤرخ من بين ما سجل من كتابات القديس إيرينيوس الرسالة التى كتبها القديس إيرينيوس إلى فلورينوس:

[ لأننى لما كنت صبيًا رأيتك فى آسيا السفلى مع بوليكاربوس تتحرك فى عظمة الحاشية الملكية، ومحاولاً أن تنال رضاه. وإننى أتذكر حوادث ذلك الوقت بوضوح أكثر من حوادث السنوات الأخيرة. لأن ما يتعلّمه الصبيان يرسخ فى عقولهم. كذلك ففى إمكانى وصف نفس المكان الذى كان يجلس فيه المغبوط بوليكاربوس وهو يلقى أحاديثه، ودخوله وخروجه، وطريقة حياته، وهيئة جسمه، وأحاديثه للشعب، والوصف الذى قدمه عن عِشرته ليوحنا، والآخرين الذين رأوا الرب، ولأن بوليكاربوس كان متذكرًا كلماتهم، وما سمعه منهم عن الرب وعن معجزاته وتعاليمه لاستلامها من شهود شهدوا بأعينهم كلمة الحياة، فقد روى كل شئ بما يتفق مع الأسفار المقدسة. وإذ أصغيت إلى هذه الأمور برحمة الله بانتباه كبير مسجلاً إياها ليس على ورقٍ بل فى قلبى صرتُ أرددها على الدوام بأمانة بنعمة الله][2].

         ومن هذه الكلمات يتضح تمامًا أن إيرينيوس اتصل بالعصر الرسولى عن طريق القديس بوليكاربوس، وهذا ما أعده لكى يكون شاهدًا أمينًا للتقليد الرسولى الذى استلمه بواسطة بوليكاربوس الذى كان تلميذًا وصديقًا للقديس يوحنا الرسول وآخرين غيرهم من الذين رأوا الرب. وبعد عدة سنوات من استشهاد القديس بوليكاربوس فى سنة 156م، رحل إلى الغرب متجهًا إلى بلاد الغال (فرنسا حاليًا)، وربما يكون قد مكث بعض الوقت فى روما وهو فى الطريق إلى فرنسا، وقد يكون تتلمذ لبعض الوقت لمعلّمين مثل يوستينوس الذى كان فى روما فى تلك الفترة قبل استشهاده. ثم بعد ذلك انتهى به المطاف إلى الغال.

         وفى سنة 177م أرسله شهداء كنائس ليون وفيينا، الذين كانوا فى السجن، إذ كان قسيسًا لكنيسة ليون، للتوسط فى الصراع الذى نشأ بخصوص بدعة مونتانوس فى آسيا الصغرى. وكان يحمل رسالة كنائس فيينا وليون إلى كنائس آسيا وفريجية، والتى يرى بعض العلماء أنها من قلم إيرينيوس نفسه، وقد حُفظت أجزاء من هذه الرسالة فى تاريخ يوسابيوس الكتاب الخامس: 1ـ3.

         كما أن كنائس ليون وفيينا أرسلت رسالة أخرى إلى إليفثريوس أسقف روما (175ـ189) بواسطة إيرينيوس، وقد شهد هؤلاء المعترفون من السجن الشهادة التالية عن إيرينيوس فى هذه الرسالة:

         [ أيها الأب إليفثريوس إننا مرة أخرى نرجو لك السلام من الله على الدوام. ولقد طلبنا من أخينا ورفيقنا إيرينيوس أن يحمل هذه الرسالة إليك، ونتوسل إليك أن توقره وقارًا كبيرًا لأنه مملوء غيرةً على وديعة المسيح وعهده. فلو كان المركز يُضفى برًا على أى واحد لكنا أوصينا، فهو به أول من يستحقون التوصية لكونه قسيس الكنيسة وهذا هو مركزه][3].

         وبعد أن رجع إيرينيوس من روما، فإن أسقف ليون المُسن فوتيوس توفى شهيدًا، وصار إيرينيوس أسقفًا لليون خلفًا له.

 

إيرينيوس ومشكلة الأربعشرية (أى تعييد الفصح يوم 14 نيسان العبرى):

         فى سنة 190م حدث خلاف بين كنائس آسيا الصغرى وبين فيكتور الأول أسقف روما حول ميعاد تعييد الفصح المسيحى. وعقد فيكتور مجمعًا فى روما حرّم فيه أساقفة آسيا بسبب تعييدهم عيد القيامة يوم 14 نيسان. وطلب أسقف روما من كل كنائس العالم أن تتبع تقليد كنيسة رومية بخصوص عيد الفصح وهو أن يكون العيد المسيحى فى الأحد التالى للفصح اليهودى، فى حين أن كنائس آسيا الصغرى كانت تُعيّد عيد القيامة مع اليهود فى اليوم الرابع عشر من نيسان العبرى، فى أى يوم اتفق من أيام الأسبوع. قائلين إنهم تسلموا هذا التقليد من بوليكاربوس، وأنه بدوره استلمه من يوحنا الرسول.

         وفى هذا الموقف الصعب فى هذا العصر برز إيرينيوس وقام بدور هام لحفظ سلامة الكنيسة، فكتب عددًا من الرسائل إلى الأساقفة فى آسيا وإلى فيكتور أسقف روما نفسه، يحث فيها الجميع على السلام أو بحسب تعبير يوسابيوس المؤرخ فإنه قال: [ إن سر قيامة الرب يجب أن يُحفظ فقط فى يوم الرب]. ويضيف يوسابيوس قائلاً: [حقًا فعل (إيرينيوس) إذ نصح فيكتور بألاّ يقطع كنائس الله برمتها وهى حافظة تقليد عادة قديمة… وهكذا صار إيرينيوس صانعًا للسلام، وهذا هو معنى اسمه، إذ قدم النصائح وأرسل الرسائل اللازمة على هذا الوجه من أجل سلام الكنائس][4].

         بعد هذا الموقف الذى ظهر فيه دور إيرينيوس الرسولى فى إعادة السلام بين الكنائس مما جعل جيروم يسميه “الأسقف الرسولى والشهيد” وذلك فى سياق تفسيره لسفر إشعياء. ويذكر كواستن[5] أنه بعد هذا الدور البارز لصانع سلام الكنيسة كلها لم يرد ذكر لإيرينيوس فى المصادر التاريخية إلى أن ذكره غريغوريوس أسقف تور (573ـ594)[6]، الذى ذكر أنه مات شهيدًا سنة 202م. وهكذا يكون القديس إيرينيوس قد شهد خراب مدينة ليون الذى حدث سنة 197م.

 

كتابات إيرينيوس:

         بالإضافة إلى عمل إيرينيوس الرعائى كأسقف لإيبارشية، فإنه كرّس جزءً كبيرًا من وقته لمهمة دحض الهرطقات الغنوسية بواسطة الكتابات الكثيرة التى كتبها لهذا الغرض. وتظهر براعته وموهبته فى دحض التعاليم المنحرفة بنوع خاص فى الكتاب المشهور والضخم الذى كتبه القديس إيرينيوس وعُرِف باسم “ضد الهرطقات” فى خمس كتب. هذا ولقد جمع إيرينيوس بين معرفة واسعة وشاملة لمصادر الإيمان والتقليد مع روح جادة وحماس دينى كبير. فإن معرفته الشاملة بالتقليد الكنسى التى يدين بها لعلاقته بالقديس بوليكاربوس وغيره من تلاميذ الرسل الآخرين، هذه المعرفة بالتقليد الكنسى كانت مصدر قوة عظيمة جدًا فى كفاحه ضد الهراطقة.

         ومما يُؤسف له أن كتاباته باللغة اليونانية فُقدت فى وقت مبكر. ولم يتبق من كتاباته وأعماله الكثيرة التى كتبها بلغته اليونانية سوى كتابان:

         1 ـ أحد هذين الكتابين هو كتابه الذى يفوق كل الكتب الأخرى فى أهميته من جهة الإيمان. وهذا الكتاب هو ما اشتهر باسم “ضد الهرطقات”، ولكنه لم يصلنا فى لغته اليونانية الأصلية التى كُتب بها بل فى ترجمة لاتينية وهى ترجمة حرفية. وهذا الكتاب يتكون من جزءين رئيسيين. الجزء الأول يكشف أصول وتفاصيل الهرطقة الغنوسية. ويذكر فيه أسماء الهراطقة الغنوسيين ويعتبره العلماء أفضل مصدر لمعرفة الغنوسية وتاريخها. والجزء الثانى يدحض فيه تعاليم الغنوسيين خاصة فالنتينوس وماركيون، كما يوضّح عقيدة الكنيسة عن الآب والابن، وكل عقائد الإيمان الأساسية المُسلّمة من الرسل.

         2 ـ والكتاب الثانى الهام الذى كتبه القديس إيرينيوس هو “شرح الكرازة الرسولية” ولسهول الاستعمال سنذكره بعنوان “الكرازة الرسولية”. هذا الكتاب كان أصله اليونانى مفقودًا طوال القرون الماضية. ولم يكن لدينا سوى اسمه فقط، وقد حُفظ اسمه فى كتاب تاريخ الكنيسة ليوسابيوس (الكتاب الخامس فصل26)، وفى سنة 1904م أراد الله أن يُكتشف هذا الكتاب الهام كاملاً فى ترجمة باللغة الأرمينية، والذى اكتشفه هو “تيرمكيرتشيان” (Ter -Mekerttschian) الذى قام بنشره للمرة الأولى سنة 1907م.

 

 

التعليم اللاهوتى للقديس إيرينيوس:

         ترجع أهمية القديس إيرينيوس اللاهوتية لسببين:

السبب الأول: أنه رفع القناع الذى كانت البدعة الغنوسية تغطى به تعليمها، مدّعية أن تعاليمها هو الإيمان المسيحى الصحيح، وبرفع هذا القناع استطاعت الكنيسة فى عصره أن تستبعد هذه الهرطقة من الكنيسة.

والسبب الثانى: أنه نجح نجاحًا عظيمًا فى تحديد وتعريف عناصر إيمان الكنيسة الجامعة، الذى كان الغنوسيون ينكرونه أو يسيئون تفسيره، مما يجعله جديرًا بأن يُلقب بـ”مؤسس علم اللاهوت المسيحى”.

         كان إيرينيوس لا يميل إلى التفكير النظرى المجرد ولم يجتهد لكى يُبدع اكتشافات لاهوتية لم تكن مُسلّمة من الرسل، وبالعكس قد كان دائمًا يتشكك بسهولة فى أى نوع من المعرفة أو العِلم النظرى المجرد. ولذلك نجده يقول فى كتاب “ضد الهرطقات”: [من الأفضل للإنسان ألاّ يحصل على عِلم أو معرفة عن السبب الذى لأجله خُلق أى مخلوق من المخلوقات، بل بالحرى ينبغى أن تؤمن بالله وتستمر فى محبته أفضل من أن تنتفخ بمعرفة من هذا النوع وهذا يؤدى بك إلى السقوط من محبة الله، التى هى حياة الإنسان. ولا ينبغى للإنسان أن يسعى وراء أى معرفة أخرى سوى معرفة يسوع المسيح ابن الله الذى صُلِب من أجلنا، فمن يسعى وراء معرفة أخرى مستخدمًا أسئلة خبيثة وتعبيرات ماكرة ومُعقدة فإنه سيسقط فى الكفر وعدم التقوى] (AH2:26:1).

         وبالرغم من موقفه الحذر والمتشكك تجاه التعاليم اللاهوتية النظرية المجردة، كما يقول عالِم الآباء المشهور جوهانسن كواستن[7]، فإن إيرينيوس جدير بمكانة عظيمة وفضل لا يبارى على الإيمان المسيحى، لأنه أول من قام بصياغة المصطلحات العقائدية لكل تعاليم الإيمان المسيحى.

 

1ـ تعليم القديس إيرينيوس عن الثالوث:

         يتميز تعليم القديس إيرينيوس عن الثالوث بالتأكيد على أن الإله الواحد الحقيقى هو نفسه خالق العالم، وهو نفسه إله العهد القديم، وهو نفسه أبو الكلمة. ورغم أن إيرينيوس لا يبحث فى العلاقات بين الأقانيم الثلاثة أحدها بالآخر، إلاّ أنه مقتنع أن وجود الآب والابن والروح القدس ثابت بوضوح فى تاريخ الجنس البشرى. فالآب والابن والروح القدس موجودون قبل خلقة العالم لأنه كما يقول، فإن الكلمات: ” نصنع الإنسان على صورتنا ومثالنا” (تك26:1س) هى مُوجهة من الآب إلى الابن والروح القدس، هذين الأقنومين اللذين يدعوهما القديس إيرينيوس بلقب: “يدىّ الله” (انظر AH5:19:3، 5:28:1، 5:5:1). ويشرح القديس إيرينيوس بتكرار أن الروح القدس مع الكلمة يملأ الأنبياء بمسحة الوحى وكيف أن الآب هو الذى دبر كل هذه الأمور. ولذلك فإن كل تدبير الخلاص فى العهد القديم هو عند إيرينيوس درس ممتاز رائع عن الأقانيم الثلاثة فى الإله الواحد.

 

2ـ تعليم القديس إيرينيوس عن المسيح:

         أ ـ بخصوص علاقة الابن بالآب:

         يقول القديس إيرينيوس إنه لا يستطيع أحد أن يدرك كيفية ولادة الابن من الآب ولا يستطيع أحد أن يفهم طبيعة هذه الولادة الإلهية، وما هو الاسم الذى يطلقه عليها لأنها أمر يعلو على كل وصف أو شرح. ولا يوجد مَنْ يعرف هذه العلاقة سوى الآب الذى يلد الابن، والابن الذى وُلِدَ من الآب. ولذلك يقول القديس إيرينيوس: ” حيث إن هذه الولادة لا يمكن التعبير عنها بالكلام وتفوق الإدراك، لذلك فإن أولئك الذى يحاولون أن يضعوا ويرتبوا ولادات[8] وتوّلدات لا يمكن أن يكونوا عقلاء لأنهم يحاولون أن يصفوا أمورًا من المستحيل وصفها” (AH2:28:6).

         ويقدم لنا القديس إيرينيوس أول محاولة لإدراك العلاقة بين الآب والابن فيقول: ” الله قد أُعلِن من خلال الابن الذى هو فى الآب والذى له الآب فى ذاته” (AH3:6:2). كما يؤكد القديس إيرينيوس أن الآب هو نفسه خالق العالم وذلك ردًا على الغنوسيين. وهو أيضًا يعلّم أنه يوجد مسيح واحد حتى إن كنا نعطيه أسماء عديدة. لذلك فالمسيح هو ابن الله، وهو الكلمة، وهو يسوع الإله المتجسد، وهو مخلصنا وربنا.

 

ب ـ جمّع الكل فى المسيح:

         إن قلب تعليم إيرينيوس عن المسيح بل ومحور وقلب كل تعليمه اللاهوتى هو رؤيته الخاصة بـ ” جمّع الكل فى المسيح“. واضح أن القديس إيرينيوس استعار هذا التعبير من بولس الرسول فى رسالته إلى أفسس (10:1) ” لتدبير ملء الأزمنة ليجمع كل شئ فى المسيح“. ثم امتد بهذه الفكرة امتدادًا كبيرًا حتى صارت فكرة ” جمع كل شئ فى المسيح” تحوى كل تعليمه عن التجسد والفداء وحلول الروح القدس وتأسيس الكنيسة، وكون المسيح رأس الجسد أى “الكنيسة”. فيقول إيرينيوس إن “جمع كل شئ فى المسيح” يشمل أخذ كل الأشياء منذ البداية وجعلها فى المسيح. فالله أعاد الخطة الإلهية الأولى الخاصة بخلاص الجنس البشرى التى انقطعت بسقوط آدم، وهو يجمع كل ما عمله منذ البداية لكى يجدّد، ولكى يرد، ولكى يعيد تنسيق كل شئ فى ابنه المتجسد، الذى يصير بهذه الطريقة هو آدم ثانٍ لأجلنا. وحيث إنه بسقوط الإنسان ضاع كل الجنس البشرى، فكان يلزم أن يصير ابن الله إنسانًا لكى يتمّم إعادة خلق جنس البشر: [المخلوقات التى هلكت كان لها جسد ودم لأن الرب صنع الإنسان من تراب الأرض، ولأجله حدثت كل تدبيرات مجيء الرب. لذلك أخذ لنفسه جسدًا ودمًا جامعًا فى نفسه ليس إنسانًا آخر معينًا بل ذلك الإنسان الأول الذى خلقه الآب، إذ انه كان يطلب ذلك الذى كان قد هلك] (AH5:14:2).

         وبهذا “الجمع” للإنسان الأصلى فى المسيح قد تم تجدّيد ورد ليس آدم الأول شخصيًا فقط بل وكل الجنس البشرى، إذ يقول: [حينما تجسد وصار إنسانًا، جمّع فى نفسه كل تاريخ الإنسان الممتد جامعًا إيانا ومعطيًا لنا الخلاص لكى ننال مرةً أخرى فى المسيح يسوع ما قد فقدناه فى آدم، أى صورة الله ومثاله] (AH3:18:1).

         وفى نفس الوقت فإن النتائج الشريرة لعصيان آدم الأول قد أُبيدت، إذ يقول: [الله جمّع فى نفسه صورة الإنسان القديمة، لكى يقتل الخطية ويجرد الموت من سلطانه ويحيى الإنسان] (AH3:18:7). وبهذه الطريقة فإن آدم الثانى قد جدَّد الصراع القديم ضد إبليس وهزمه، إذ يقول القديس إيرينيوس: [ لو أن الرب كان قد أتى من أب آخر غير الله الآب لما كان قد جمّع فى نفسه تلك العداوة الأولى ضد الحية، ولكن لأنه هو هو نفسه الذى هو واحد، وهو نفسه الذى صنعنا فى البداية ثم أرسل إلينا ابنه فى النهاية، فإن الرب تمّم هذا الأمر، مولودًا من امرأة، إذ أباد عدونا كما أنه أكمّل الإنسان على صورة الله ومثاله] (AH5:21:2).

         ولهذا جدَّد المسيح كل شئ بجمعه كل شئ فى نفسه. فيقول القديس إيرينيوس: [إذن فما الذى أحضره المخلّص عند مجيئه، اعلم أنه أتى بكل الجدة، بأن حضر بنفسه، وهو نفسه الذى سبق التنبؤ عنه. لأن هذا قد أُعلِن جهارًا، أن هناك جدة سوف تأتى، لتجدّد الإنسان وتعطيه الحياة] (AH4:34:1).

 

 

 

3ـ تعليم القديس إيرينيوس عن الكنيسة:

أ ـ تعليم القديس إيرينيوس عن الكنيسة أو ما يسميه العلماء بـ”الإكليسولوجى” مرتبط ارتباطًا وثيقًا بفكرته عن “جمع الكل فى المسيح”. فالله يجمع فى المسيح ليس الماضى فقط بل والمستقبل أيضًا. لذلك فقد جعله الآب رأس الكنيسة كلها لكى يواصل بواسطتها عمل التجدّيد إلى نهاية العالم. فيقول: [ لذلك إذ يوجد إله واحد هو الآب كما سبق أن أوضحنا، ومسيح واحد هو المسيح يسوع ربنا، الذى جاء بتدبير جامع وشامل لكى يجمع كل الأشياء فى نفسه، ومن ضمن كل هذه الأشياء (المخلوقة) الإنسان الذى هو خليقة الله؛ لذلك فهو يجمع الإنسان أيضًا فى نفسه. فغير المنظور صار منظورًا وغير المُدرك صار مُدركًا وغير المتألم صار متألمًا؛ والكلمة صار إنسانًا جامعًا كل الأشياء فى نفسه من جديد. وهكذا، فكما أنه هو الأول بين الكائنات السماوية والروحية غير المنظورة، هكذا أيضًا هو الأول بين الأشياء المنظورة والجسمانية، فهو يأخذ الرئاسة لنفسه وإذ جعل نفسه رأس الكنيسة، فهو سوف يجذب كل الأشياء إلى نفسه فى الوقت المحدد] (AH3:16:6).

ب ـ القديس إيرينيوس كان متيقنًا بثبات تام أن تعليم الرسل مستمر بغير تغيير فى الكنيسة. هذا التعليم أى التقليد هو مصدر الإيمان وقاعدته، فهو قانون الحق، وقانون الحق هذا عند إيرينيوس هو قانون إيمان المعمودية، لأنه يقول إننا نستلمه فى المعمودية (AH1:9:4). ويعطى القديس إيرينيوس وصفًا لإيمان الكنيسة بحسب قانون إيمان الرسل بالضبط، إذ يقول: [ رغم أن الكنيسة منتشرة فى كل العالم، منتشرة فى كل المسكونة من أقاصيها إلى أقاصيها، فقد استلمت من الرسل وتلاميذهم الإيمان بإله واحد، الآب ضابط الكل، خالق السماء والأرض والبحار وكل ما فيها؛ والإيمان بالمسيح يسوع الواحد، الذى هو ابن الله، الذى تجسد لأجل خلاصنا؛ والإيمان بالروح القدس الذى أعلن التدبير بواسطة الأنبياء، أى بمجيء المسيح وميلاده العذراوى وآلامه وقيامته من بين الأموات، وصعود ربنا المحبوب المسيح يسوع إلى السماء جسديًا، وظهوره ثانيةً من السماء فى مجد الآب لكى يجمع كل الأشياء فى نفسه ولكى يقيم أجساد كل البشر إلى الحياة، لكى تجثو للمسيح يسوع ربنا وإلهنا ومخلصنا وملكنا كل ركبة، بحسب مشيئة الآب غير المنظور، ولكى يعترف كل لسان له، ولكى يجرى دينونة عادلة للجميع ولكى يطرد أرواح الشر والملائكة الذين تعدوا وصاروا مضادين وكذلك الأثمة والأشرار ومخالفى الناموس والدنسين، يطرح الجميع فى النار الأبدية؛ ولكن فى نعمته سوف يهب الحياة ومكافأة عدم الفساد والمجد الأبدى لأولئك الذين حفظوا وصاياه وثبتوا فى محبته سواء منذ بداية حياتهم أو منذ وقت توبتهم. هذه الكرازة وهذا الإيمان تحفظه الكنيسة باجتهاد رغم أنها مُشتتة فى كل العالم، تحفظه بكل اجتهاد كما لو كانت كلها تسكن فى بيت واحد، وهى تؤمن بهذا وكأن لها عقل واحد وتكرز وتعلّم وكأن لها فم واحد، ورغم أن هناك لغات كثيرة فى العالم، إلاّ أن معنى التقليد واحد، وهو هو نفسه. لأن نفس الإيمان تتمسك به وتسلّمه الكنائس المؤسسة فى ألمانيا، وأسبانيا، وقبائل قوط، وفى الشرق، وفى ليبيا، وفى مصر، وفى المناطق الوسطى من العالم. ولكن كما أن الشمس وهى مخلوقة من الله، هى واحدة، وهى هى نفسها فى كل المسكونة، هكذا أيضًا نور كرازة الحق، الذى يضيء على كل الذين يرغبون أن يحصلوا على معرفة الحق] (AH1:10:1-2).

ج ـ وعلّم القديس إيرينيوس أن الكنائس المُؤسسة من الرسل فقط هى التى يمكن أن يُعتمد عليها فى معرفة التعليم الصحيح للإيمان ومعرفة الحق، لأن تسلسل الأساقفة غير المنقطع فى هذه الكنائس هو الذى يضمن أن تعليمها هو الحق: [ أى شخص يريد أن يميز الحق، فإنه يمكن أن يرى التقليد الرسولى واضحًا وظاهرًا فى كل كنيسة فى العالم كله. ويمكننا أن نحصى أولئك الذين أُقيموا كأساقفة من الرسل فى الكنائس وكذلك خلفائهم حتى إلى يومنا الحاضر والذين لم يعرفوا أبدًا ولم يُعلّموا بتاتًا أى شئ يشبه التعليم الأحمق لهؤلاء (أى الغنوسيين). فلو كان الرسل قد عرفوا مثل هذه الأسرار الخفية التى يعلّمونها على انفراد وسرًا للكاملين لكانوا بالتأكيد قد استودعوا هذا التعليم للرجال الذين أقاموهم كمسئولين عن الكنائس، لأن الرسل كانوا يريدون أن هؤلاء الرجال الذين استلموا منهم السلطان أن يكونوا بلا لوم أو عيب] (AH3:3:1).

 

4 ـ تعليم القديس إيرينيوس عن الخلاص:

         محور تعليم القديس إيرينيوس عن الفداء هو حقيقة أن كل إنسان محتاج إلى الفداء ومُؤهل للفداء. وهذا نتج عن سقوط الأبوين الأولين الذى جعل كل نسلهم تحت الخطية والموت، وقد فقدوا صورة الله. فالفداء الذى صنعه ابن الله قد حرّر البشر من عبودية الشيطان وعبودية الخطية، وعبودية الموت. إضافة إلى ذلك، إن هذا الفداء استجمع كل البشرية فى المسيح، وقد أدى إلى إعادة الاتحاد بالله، وإلى التبنى لله، وإلى مشابهة الله. ولكن القديس إيرينيوس يتحاشى لفظة التأليه فى هذا المجال ولكنه يستخدم تعبيرات “الالتصاق بالله”، و”التعلق بالله” و”الاشتراك فى مجد الله”، ولكنه يتحاشى إلغاء الحدود الفاصلة بين الله والإنسان كما كان معتادًا فى الديانات الوثنية والهرطقات الغنوسية.

         والقديس إيرينيوس يميز بين صورة الله ومثال الله، فالإنسان عنده هو فى طبيعته ـ بروحه غير المادية ـ هو صورة لله. أما “مثال الله” فهو مشابهة لله من نوع فوق الطبيعة الذى كان آدم حاصلاً عليه بمبادرة من صلاح الله ونعمته. هذه المُماثلة لله تتحقق بفعل روح الله.

         فداء الشخص المفرد يتم بواسطة الكنيسة وأسرارها باسم المسيح، فالسر بالنسبة للطبيعة هو يقابل آدم الجديد بالنسبة للقديم. فالمخلوق ينال الكمال بالأسرار. فالسر هو ذروة جمع كل الخليقة فى المسيح. بالمعمودية يُولد الإنسان ثانية من الله. وعندما يتحدث عن المعمودية فإن إيرينيوس يشهد لأول مرة فى الكتابات المسيحية القديمة لمعمودية الأطفال: [ لقد جاء ابن الله ليخلّص الجميع بواسطة نفسه ـ أقول الجميع الذين يُولدون ثانية بواسطة الله ـ الرُضع، والأطفال ـ والصبيان، والشباب، والشيوخ] (AH2:22:4).

 

5ـ تعليم القديس إيرينيوس عن الإفخارستيا:

         القديس إيرينيوس كان عنده اقتناع تام بالحضور الحقيقى للمسيح بجسده ودمه فى الإفخارستيا لدرجة أنه يستنتج حقيقة قيامة الجسد الإنسانى من حقيقة كون هذا الجسد قد اغتذى بجسد المسيح ودمه:

         [ لذلك، حينما يحصل الكأس الممزوج والخبز المصنوع، على “كلمة الله”، وتصير الإفخارستيا جسد المسيح ودمه، هذه التى تنمى جسدنا وتسنده، فكيف يمكنهم أن يؤكدوا أن الجسد غير مهيأ لنوال موهبة الله، التى هى الحياة الأبدية؛ جسدنا هذا الذى يتغذى من جسد الرب ودمه، والذى هو عضو له؛ ذلك الجسد الذى يغتذى بالكأس التى هى دمه، وينال ازديادًا من الخبز الذى هو جسده. وكما أن الفرع المأخوذ من الكرمة عندما يُغرس فى أوانه، أو كما أن حبة الحنطة التى تسقط فى الأرض وتموت وتتحلل؛ تقوم بازدياد بأنواع كثيرة بقوة روح الله، وتصير هى الإفخارستيا التى هى جسد المسيح ودمه، هكذا أجسادنا أيضًا، إذ تتغذى منها، فإنها عندما توضع فى الأرض، وتتحلل وتموت، فإنها سوف تقوم فى وقتها المعين لها] (AH5:2:3). وفى موضع آخر يقول:

         [ وكيف يقولون إن الجسد يصير إلى فساد ولا يشترك فى الحياة، وهو الذى يتغذى على جسد الرب ودمه. فإما أن يغيروا رأيهم، أو فليكفوا أن يقدموا التقدمات التى ذكرتها. أما نحن فإن تعليمنا متفق مع الإفخارستيا، والإفخارستيا بدورها تثبت صحة تعليمنا. ونحن نقدم له التقدمات التى هى له، وبالتالى نكون مظهرين شركتنا واتحادنا، ومعترفين بقيامة الجسد والروح. لأنه كما أن الخبز الذى من الأرض، إذ ينال عطية الله، لا يبقى بعد خبزًا عاديًا بل إفخارستيا مكونة من عنصرين، واحد أرضى والآخر سماوى، هكذا أيضًا أجسادنا، إذ تنال من الإفخارستيا، لا تعود فيما بعد قابلة للفساد، بل يصير لها رجاء القيامة الأبدية] (AH4:18:5).

         ومن هذه الكلمات يتضح أن القديس إيرينيوس يؤمن بأن الخبز والخمر يتقدسان بصلاة استدعاء الروح. وكذلك يؤمن بأن الإفخارستيا ذبيحة، لأنه يرى فيها الذبيحة الجديدة التى تنبأ عنها ملاخى:

         [وإذ أعطى (الرب) توجيهات لتلاميذه أن يقدموا باكورات من كل الأشياء المخلوقة التى له ـ ليس كمن هو فى احتياج إليها، بل لكى لا يكونوا هم أنفسهم غير مثمرين، ولا غير شاكرين ـ لذلك أخذ ذلك الشئ المخلوق، أى الخبز، وشكر، وقال: ” هذا هو جسدى” وكذلك الكأس بالمثل، التى هى جزء من تلك الخليقة التى ننتمى نحن إليها، هذه الخمر اعترف بأنها دمه، وعلّم عن القربان الجديد الذى للعهد الجديد، والذى تقدمه الكنيسة لله فى كل العالم كما استلمته من الرسل، وهى تقدمة لذاك الذى يعطينا باكورة عطاياه للعهد الجديد كوسيلة للبقاء والوجود، تلك التقدمة التى تنبأ عنها ملاخى أحد الأنبياء الاثنى عشر قائلاً: ” ليست لى مسرة بكم قال رب القوات (الرب القدير)، ولا أقبل تقدمة من يدكم. لأنه من مشرق الشمس إلى مغربها اسمى عظيم بين الأمم، وفى كل مكان يُقرّب لاسمى بخور وتقدمة طاهرة لأن اسمى عظيم بين الأمم قال رب القوات (الرب القدير)” مبينًا بأوضح طريقة بهذه الكلمات، أن الشعب القديم (اليهود) سيكف عن أن يقدم تقدمات لله، ولكن سوف تُقدم له (لله) تقدمات فى كل مكان، تقدمات طاهرة، وأن اسمه سوف يتعظم بين الأمم] (AH41:17:5).

 

6 ـ تعليمه عن الإنسان:

         يتبنى القديس إيرينيوس فكرة تكوين الإنسان من جسد ونفس تنال الروح: فيقول: [ الجميع يعترفون أننا مكونون من جسد مأخوذ من الأرض، ونفس تلك التى تنال الروح من الله] (AH3:22:1).

         لذلك فالجسد البشرى الذى تحييه نفس طبيعية (أو حيوانية) فقط ليس إنسانًا كاملاً. ويبدو أن القديس إيرينيوس، مثل الرسول بولس، دائمًا يعتبر “الروح” الذى يكمل ويتوج الطبيعة البشرية، هو روح الله شخصيًا. فالمسيح وعد بهذا الروح كعطية لرسله ومؤمنيه، والرسول بولس يقول للمسيحيين مرة بعد مرة إنهم يحملون هذا الروح فى داخلهم كما فى هيكل. ويتضح تعليم إيرينيوس عن الإنسان من الفقرة التى يصف فيها الإنسان الكامل المخلوق على صورة الله:

         [ أنه بيدى الآب، أعنى بالابن والروح خُلِق الإنسان ـ وليس مجرد جزء من الإنسان ـ خُلِق على مثال الله. فالنفس والروح هما بالتأكيد جزء من الإنسان وبالتأكيد أيضًا ليس هما الإنسان؛ لأن الإنسان الكامل يتكوّن من مزيج واتحاد النفس بنوالها روح الآب، وخليط تلك الطبيعة اللحمية التى جُبلت أيضًا على حسب صورة الله.. لأنه إذا استبعد أحد الجسد من صناعة يدى الله، واعتبر الروح فقط صنعته، فإن هذا لا يكون إنسانًا روحيًا بل يكون روح إنسان أو روح الله. ولكن حينما تتحد الروح المندمجة مع النفس بالجسد، يصير الإنسان روحانيًا وكاملاً بسبب انسكاب الروح عليه، وهذا هو “الإنسان” الذى صُنِع على صورة الله ومثاله. ولكن إن كانت النفس بلا روح، فالذى يكون هكذا هو فى الحقيقة من طبيعة حيوانية وإذ يبقى لحميًا، فسيكون كائنًا ناقصًا حتى إن كان يملك صورة الله فى تكوينه، ولكنه غير حاصل على المماثلة بواسطة الروح؛ ولهذا يكون غير كامل. ولذلك أيضًا، إذا استبعد أحدٌ الصورة ووضع الجسد جانبًا فإنه لا يستطيع عندئذٍ أن يفهم أن هذا الكائن هو إنسان ـ كما قلت سابقًا ـ أو كشئ ما آخر غير الإنسان. لأن ذلك الجسد الذى قد جُبِل ليس هو إنسانًا كاملاً بذاته، ولكنه جسد إنسان وجزء من إنسان، وكذلك النفس ذاتها إذا اعتُبرت بذاتها فقط (أى بدون الجسد)، فهى ليس إنسانًا بل هى نفس الإنسان وجزء من الإنسان. وكذلك أيضًا فإن الروح ليست إنسانًا، لأنها تُدعى الروح، ولا تُدعى الإنسان؛ ولكن امتزاج الثلاثة معًا واتحادهم يكوّن إنسانًا كاملاً] (AH5:6:1).

         وفى موضع آخر من نفس الكتاب يقول: [ إذن، يوجد ثلاثة عناصر ـ كما سبق أن أوضحت ـ يتكوّن منها الإنسان “الكامل” وهى: الجسد، والنفس، والروح[9]. أحد هذه الثلاثة هو الذى يُحفظ ويشكِّل، وهذا هو الروح. أما بالنسبة للعنصر الآخر فهو المتحد والمُشَكّل فذلك هو الجسد؛ والعنصر الثالث هو بين هذين الاثنين ذلك هو النفس التى فى بعض الأحيان حينما تسير وراء الروح تسمو  بواسطة الروح، ولكن فى أحيانٍ أخرى إن مالت ناحية الجسد فإنها تسقط فى الشهوات الجسدية. إذن فأولئك الناس الذين ليس عندهم ما يخلِّص ويشكِّل للحياة الأبدية وليس فيهم الوحدة فإنهم يكونوا “لحمًا ودمًا”[10]، وبذلك سيُدعون هكذا “لحمًا ودمًا”. لأن هؤلاء هم الذين ليس لهم روح الله فى أنفسهم ومثل هؤلاء تكلم عنهم الرب بأنهم أموات حين  قال ” دع الموتى يدفنون موتاهم” (لو60:10)، لأنه ليس عندهم الروح الذى يحيى الإنسان” (AH5:9:1).

         ويُفهم من تعليم القديس إيرينيوس عن الإنسان أن قبول العنصر الثالث وحفظه ـ أى الروح ـ والذى يتوقف عليه كمال الإنسان الجوهرى هو مشروط بإرادة الإنسان وسلوكه الروحى والأخلاقى. فحتى الوجود الأبدى للنفس يعتمد على سلوكها هنا على الأرض، لأن النفس ليست خالدة بطبيعتها. فإن خلودها أمر متصل بالنمو الروحى والأخلاقى. فالنفس يمكنها أن تصير خالدة إن كانت شاكرة لخالقها؛ وفى هذا يقول القديس إيرينيوس:

         [ لأنه كما أن السماء التى هى فوقنا، أى الجلد والشمس والقمر وبقية الكواكب، وكل عظمتها، ورغم أنها ليس لها وجود سابق، قد دُعيت إلى الوجود، وتستمر موجودة لفترة طويلة من الزمن بحسب إرادة الله، هكذا أيضًا فكل إنسان يفكر هكذا من جهة النفوس والأرواح وفى الواقع من جهة كل المخلوقات لن يضل فى تفكيره بأى حال. إذ أن كل الأشياء التى قد خُلقت لها بداية وذلك حينما صُنعت وتستمر موجودةً مادام الله يريد أن يكون لها وجود واستمرار … لأن الحياة لا تُنشأ منا ولا من طبيعتنا الخاصة، بل تُمنح لنا حسب نعمة الله. ولذلك فالإنسان الذى يحافظ على الحياة الممنوحة له ويشكر خالقه الذى وَهَبه إياها سوف ينال طول أيام إلى الأبد وإلى أبد الآبدين. أما ذلك الذى يرفض العطية (الحياة) ويبرهن على أنه غير شاكر لخالقه ـ إذ أن هذا الإنسان مخلوق ـ ولم يُقدِّر ذلك الذى منحه الحياة ولم يعرفه، فهذا الإنسان يحرم نفسه من امتياز الدوام إلى الأبد وأبد الآبدين] (AH2:34:3).

         ومن الجدير بالملاحظة كما يقول Massuet[11] إن عبارة القديس إيرينيوس “لذلك فهذا الإنسان يحرم نفسه من امتياز الدوام إلى الأبد”، ينبغى أن تُفهم بما يتفق مع تأكيدات القديس إيرينيوس المتكررة أن الأشرار سيكونون فى تعاسة إلى الأبد. فهذه العبارة إذن لا تشير إلى ملاشاة الأشرار كليةً بل الحرمان من السعادة.

 

كتاب ” الكرازة الرسولية ”

مقدمة:

         الهدف الذى من أجله كتب القديس إيرينيوس كتاب “الكرازة الرسولية”، واضحٌ بشكل صريح، إذ يذكر القديس إيرينيوس فى السطور الأولى للكتاب أنه يقصد أن يزود ماركيانوس بـ ” مذكرة مُلخصة” فى شكل نقاط أساسية يستطيع ماركيانوس بواسطتها “فهم كل أعضاء جسد الحقيقة”. وهكذا يكون كتاب “الكرازة الرسولية” هو اقدم ملخص للتعليم المسيحى، نجده معروضًا بطريقة غير جدليةٍ أو دفاعيةٍ بل بطريقةٍ إيجابية. ولهذا السبب فإن اكتشاف هذا الكتاب فى بداية القرن العشرين ولّد حماسًا وإثارة كبيرة؛ إذ أصبح بين ايدينا كتاب قام بتأليفه أسقف يعرّفنا عن نفسه بأنه قد عاشر أولئك الذين هم انفسهم قد عرفوا الرسل، كما أشرنا سابقًا. وهكذا يعرض إيرينيوس فى كتابه مضمون تعليم الرسل. ولقد وُصف هذا الكتاب بأنه مقالة “تعليمية وعظية”، يقدّم المسيحية فى خطوط عامة كما كان يشرحها فى ذلك العصر أسقف لرعيته. ولذلك، فإن قيمة مثل هذه الوثيقة تتجاوز ما يمكن أن نعرفه من تقدير وأهمية.

         الطريقة التى يعرض بها إيرينيوس المسيحية ليست هى المنهج الذى تعودنا عليه بتقديم المعتقدات اللاهوتية، ولكنه بدلاً من ذلك يتبع منهج العظات الكبيرة المُسجلة فى سفر الأعمال التى تروى كل أعمال الله الخلاصية التى تصل إلى ذروتها فى تمجيد ابنه المصلوب ربنا يسوع المسيح، وأيضًا انسكاب روحه القدوس وإعطاء قلب جديد، قلب لحم بدلاً من قلب الحجر.

         وأهم ما يلفت النظر فى كتابه أنه فى سرده لهذا التاريخ لا يستعمل كتابات العهد الجديد كمرجع لشرحه[12].

         من الواضح أن القديس إيرينيوس يعرف كتابات العهد الجديد، ويعتبرها جزءً من الكتاب المقدس، كما يتضح تمامًا من كتابه الآخر “ضد الهرطقات”، وأيضًا يتضح من كونه فى كتاب “الكرازة الرسولية” حينما يقتبس آية من العهد القديم ويُرجعها إلى المكان التى اقتُبست منه فى العهد القديم، فإنه كثيرًا ما يُعطى هذه الآية فى الصورة المكتوبة بها فى العهد الجديد (مثلاً، الآيات المنسوبة إلى إرميا النبى فى مت9:27ـ10 هذا الاقتباس فى فقرة81 من “الكرازة الرسولية”)، لكن من الجهة الأخرى فإنه يتحدث عن ولادة يسوع من العذراء وصُنعه للمعجزات مبينًا ذلك من إشعياء وغيره من الأنبياء، بينما أسماء بيلاطس البنطى وهيرودس مذكورة فى الأناجيل التى تقول إن المسيح قُيد وأُحضر أمامهما كما يبيّن هوشع، وأنه صُلِب وقام وتمجّد كما يشهد بذلك أنبياء آخرون. بل إن كل محتوى “الكرازة الرسولية” مُستقى فى نظر إيرينيوس من العهد القديم. وهذه الحقيقة بالتالى تتضمن الاعتراف بأصالة النصوص الكتابية، التى تحمل نفس أصالة الكرازة الرسولية.

 

التعليم الآبائى فى القرن الثانى قبل إيرينيوس:

         لكى نحصل على فهم أفضل لكتاب “الكرازة الرسولية” فمن المفيد أن نضع أمامنا باختصار بعض الكتابات المسيحية السابقة على إيرينيوس:

         إن أقدم كتابات مسيحية وصلتنا من عصر ما بعد الرسل، أى كتابات الآباء الرسوليين تشير بوضوح إلى أنهم كانوا يعرفون بدرجات متفاوتة بعضًا من كتابات الرسل ولكنهم فى أغلب الأحوال لم يكونوا يقتبسون من كتابات الرسل أو يستندون إليها كمصادر وحي يُعتمد عليها، أى باعتبارها أنها هى الكتاب المقدس. فعبارة “الكتب المقدسة” بالنسبة للآباء الرسوليين وهكذا بالنسبة للعهد الجديد نفسه إنما تشير إلى كتابات العهد القديم. فالبشارة الإنجيلية كانت إلى ذلك الوقت لا تزال فى معظم الأحوال فى مرحلة المناداة (أى الكرازة بالفم). فكتاب الديداخى (2:8، 5:9)، وكذلك رسالة اكليمندس الرومانى الأولى (13، 7:46ـ8) كلاهما يشيران صراحة إلى أقوال يسوع المسيح، ولكن ما يذكرانه وخاصة رسالة اكليمندس هى مجموعة من أقوال متنوعة معروضة بترتيب آخر غير المُدون فى الأناجيل. إضافة إلى ذلك فإن اكليمندس الرومانى يحث الكورنثيين أن “يتذكروا” هذه الأقوال، مما يُبيّن أن ما كان يشير إليه اكليمندس من المحتمل جدًا أن يكون تقليد شفهى مُسلّم احتفظ بأقوال الرب.

 

القديس أغناطيوس الأنطاكى:

         حالة القديس أغناطيوس الأنطاكى الذى عاش وكتب فى السنوات الأولى للقرن الثانى هى حالة مُلهمة بنوع خاص. فهو يشير إلى رسائل الرسول بولس (رسالة أغناطيوس إلى أفسس2:12) ولكنه لا يقتبس منها أبدًا، فعند أغناطيوس، المسيح هو محتوى إيماننا كما أنه المصدر المُطلق النهائى لإيماننا، كما سُلِّم إلينا بواسطة الرسل. فالقديس أغناطيوس يذهب بعيدًا جدًا أكثر من كل كُتّاب عصره فى تقديره لدور الرسل. ففى كل الرموز المتقابلة المُغرم بها فى كتاباته، يضع الأسقف والقسوس والشماس فى ناحية ويقابلهم بالآب والمسيح والرسل (انظر الرسالة إلى كنيسة تراليا3). ومن ناحية أخرى فالرسل عنده يُوضعون دائمًا فى المستوى الأرفع، مع المسيح وأبيه. هذا المستوى ينعكس بعد ذلك على الكنيسة، فى وجودها الخاص تاريخيًا وجغرافيًا، وذلك فى الرتب الثلاث: الأسقف، القسوس، الشماس، وتبعًا لذلك فإن أغناطيوس يُصرِّح أو يذكر بتكرار أنه هو كأسقف ليس مثل الرسل، لأنه ليس فى وضع يسمح له بأن يعطى أوامر أو يضع مبادئ أو تعاليم (عقائد) جديدة، فهذه التعاليم والعقائد تأتى فقط من الرب ورسله (انظر مغنيسيا13، رومية3:4، أفسس1:3،… إلخ). لقد كان أغناطيوس متشددًا  فى تأكيده لإعلان الرسل والأنبياء عن يسوع المسيح، كأساس لفهمه هو شخصيًا للكتاب المقدس (العهد القديم). فبحسب أغناطيوس فإننا ينبغى أن نعطى اهتمامًا كبيرًا للأنبياء، لأنهم هم أيضًا عاشوا بحسب يسوع المسيح وقد ألهمهم بنعمته (مغنيسيا2:8). وفى مقطع هام فى رسالته إلى كنيسة فلادلفيا فصلى 8و9، يسجل أغناطيوس مناقشة ربما يكون أجراها مع بعض أعضاء تلك الكنيسة. وبعد حثه لسامعيه أن لا يفعلوا شيئًا بعيدًا عما هو “بحسب تعليم المسيح”، فإنه يصف كيف أنه سمع البعض يقولون: “إن كنت لا أجد (هذا الكلام) فى “الكتب المقدسة” فلن أؤمن أنه يكون موجودًا فى الإنجيل”، أى أنهم سيقبلون الرسالة المسيحية فقط بمقدار ما تتفق مع “الوثائق المقدسة”، أى تتفق مع ما هو مكتوب قبل ذلك، أى كتاب العهد القديم. فكانت إجابة أغناطيوس أنها “مكتوبة”؛ مشيرًا بذلك ليس إلى نصوص العهد الجديد، بل يشير إلى يقينه الأكيد أن العهد القديم يحتوى بالفعل على الإعلان عن المسيح. ولكن معارضيه لم يقتنعوا بهذا التفسير للعهد القديم المتمركز حول المسيح. وفيما بعد حينما أدرك سبب الاختلاف فى الفهم، فإنه شرح موقفه بوضوح أكثر فى رسالته: [الوثائق بالنسبة لى هى يسوع المسيح، الوثائق المقدسة الثانية هى صليبه وموته وقيامته والإيمان الذى بواسطته. بهذا أريد أن أتبرر بصلواتكم… الكهنة مُكرّمون، ولكن رئيس الكهنة هو أعظم لأنه مُؤتمن على قدس الأقداس، وهو وحده أيضًا المؤتمن على أسرار الله. إذ أنه هو الباب المؤدى إلى الآب، الذى دخل منه إبراهيم وإسحق ويعقوب والأنبياء والرسل والكنيسة… كل هذه تؤدى إلى الوحدة مع الله. ولكن الإنجيل فيه شئ فريد: فيه مجيء المخلّص، ربنا يسوع المسيح، وآلامه وقيامته. فالأنبياء المحبوبون قد تنبأوا مشيرين إليه، أما الإنجيل هو اكتمال عدم الفساد] (فلادلفيا2:8ـ1:9).

         فبالنسبة لأغناطيوس، فإن يسوع المسيح، وآلامه وقيامته هو الإعلان الإلهى الوحيد والكامل؛ هذا الإعلان وحده هو الذى يخلّص. وهكذا فمن خلال هذا الباب وحده، يسوع المسيح صار الدخول للأنبياء، وللرسل وللكنيسة كلها إلى الآب. فحينما يقول أغناطيوس إن “الوثائق بالنسبة لى هى المسيح” فهو لا يعنى بذلك أن يسوع المسيح هو سلطة مختلفة تعلو الكتاب المقدس؛ بل بالحرى بالنسبة لأغناطيوس فإن العهد القديم هو ببساطة يسوع المسيح ـ الكلمة الذى صار جسدًا. فكل كتاب من العهد القديم يختص بإعلان الله هو مُطابق لإعلان الله المُعطَى فى المسيح كما كرز به الرسل؛ وبالعكس، فكل ما ينادى به الإنجيل قد سبق وكُتِب فى الكتاب المقدس. لكن هذا لا يقلل من قيمة إعلان المسيح نفسه كما يذكر أغناطيوس هذا بقوله؛ إن الإنجيل فيه شئ “فريد”، لأنه يذكر مجيء المسيح وآلامه وقيامته، بينما الأنبياء أشاروا فقط إليه. فبالنسبة لأغناطيوس والآباء الرسوليين الآخرين، اعتبروا الإنجيل المسيحى، الذى هو الإعلان الخاص بيسوع المسيح، وهو بصفة أساسية يُعتبر قراءة للكتاب المقدس متمركزة حول المسيح كما سُلِّم بواسطة الرسل، رغم أن كتابات هؤلاء الرسل لم يحدث أن اقتُبس منها لإثبات هذا التعليم، ولا تم الاقتباس منها باعتبارها كتاب مقدس.

 

يوستينوس الفيلسوف والشهيد:

         أهم شخصية سابقة على إيرينيوس، وكان له تأثير عميق بنوع خاص عليه هو القديس يوستينوس الفيلسوف والشهيد المدافع عن الإيمان، يوستينوس الذى كتب فى منتصف القرن الثانى هو أول كاتب من الآباء يستشهد بكتابات العهد الجديد، وهو يشير إليها على أنها “مذكرات” الرسل والتى يقول عنها أنها تُسمى “بالأناجيل” (الدفاع الأول3:66).

         واستعمال يوستينوس لمصطلح “مذكرات الرسل” لوصف الأناجيل تشير إلى أن هذه الكتابات كان لها بالنسبة له قيمة تاريخية فى المقام الأول، ربما أكثر من كونها إعلانًا مُوحى بها مما كان يقتضى عليه فى هذه الحالة أن يسمى هذه الكتابات “الكتاب المقدس”. ومع ذلك فهذا الاستخدام للمصطلح من جانب يوستينوس يوضح أن مذكرات الرسل المكتوبة كانت قد بدأت تأخذ بالنسبة ليوستينوس مصداقية الرسل أنفسهم، وهذه المصداقية هى التى بها يصير الإعلان أو الوحى المسيحى مُسلّمًا بطريقة فريدة.

          والأمر الأكثر أهمية جدًا من جهة فهمنا لكتاب إيرينيوس “الكرازة الرسولية” هو أنه رغم أن يوستينوس قد بدأ بالتأكيد يستخدم بعض الكتابات الرسولية، فهو يقتفى أثر الآباء الرسوليين فى رؤيتهم للإعلان المسيحى باعتباره قد سبق التنبؤ به فى كتب العهد القديم. وهذه النقطة لها عند يوستينوس قيمة دفاعية معينة ـ فما يؤمن به المسيحيون ليس مجرد إدعاءات حديثة، بل هو النبوات القديمة التى يستطيع أى إنسان أن يقرأها والتى تحققت الآن. هذا الكلام يتضمن تفسيرًا دائريًا للإعلان المسيحى: أى أن يوستينوس يقول إن النبوات قد تحققت فى المسيح وهكذا أيضًا فإن الإعلان المسيحى المُعطى من الرسل، هو المفتاح لفهم الرسالة التى سبق أن بشر بها الأنبياء:

         [ نجد فى كتب الأنبياء هذه، إذن يسوع مسيحنا يُخبر به على انه يأتى مولودًا من عذراء وينمو إلى قامة رجل، ويشفى كل مرض وكل ضعف ويقيم الموتى، وأنهم يبغضونه ولا يعترفون به، ويُصلب ويموت، ويقوم ثانية ويصعد إلى السماء، وإذ هو فى كيانه ابن الله ويُدعى ابن الله، وأنه يرسل أشخاصًا معينين إلى كل جنس من البشر مبشرين بهذه الأمور، والناس الذين من الأمم هم الذين يؤمنون به (أكثر من اليهود)] (الدفاع الأول7:31).

         أى أن تبشير الرسل ليس شيئًا آخر سوى النبوات التى نطقها الأنبياء، وقد بشر بها الرسل إذ أنها قد تحققت فى يسوع المسيح. وهذا يعنى أن الكرازة الرسولية هى من ناحية المفتاح لفهم العهد القديم، والتأكيد على تحقيقه، بينما من الناحية الأخرى فإن العهد القديم هو الذى يشكّل الإعلان المسيحى كله.

 

خطورة الغنوسية فى القرن الثانى:

         مما يساعدنا على تقدير قيمة كتاب إيرينيوس “الكرازة الرسولية” هو أن نبحث فى تعليم أولئك الهراطقة الغنوسيين الذين كشفهم إيرينيوس بكتاباته مما أدى إلى استبعادهم تدريجيًا من جسم الكنيسة الجامعة. وأبرز هؤلاء الغنوسيون هو ماركيون. فهؤلاء الغنوسيون استخدموا أجزاء من العهد القديم وأجزاء من الكتابات الرسولية مع عناصر أخرى عديدة مأخوذة من مصادر مختلفة. وكوّنوا من كل هذه العناصر أساطيرًا مُركبة وألفوا كُتبًا كثيرة، بعض هذه الكتب ادعوا أن لها أصالة تعليم الرسل. ولأن الغنوسيين لم يستطيعوا أن ينكروا الكتابات الرسولية المُعترف بها والتى لا يوجد بها أى أساس واضح لأساطيرهم، لذلك ادعوا أن الرب لم يعّلم هذه التعاليم الموجودة فى كتبهم علانية، بل بدلاً من ذلك علّم عددًا قليلاً من التلاميذ الأكثر جدارة بالثقة، وأعطاهم هذه المعرفة سرًا فى فترة ما بين القيامة والصعود أو فى فترة ما بعد التجلى؛ وأن هذه المعرفة السرّية انتقلت من شخص إلى آخر بالتقاليد الشفهية دون أن تظهر بوضوح فى الكتابات الرسولية المُعترف بها فى الكنيسة. بينما هذه المعرفة السرّية واضحة جدًا فى كتاباتهم الغنوسية. ومن الجدير بالذكر أن الغنوسيين كانوا يفسرون كتابات بولس الرسول وإنجيل القديس يوحنا بطريقة خاطئة ليدعموا أفكارهم. إذ يخبرنا القديس إيرينيوس أن شخصًا يُدعى بطلميوس كان تلميذًا لفلاندينوس الغنوسى الذى كان دائمًا ينادى بأن الإنجيل الرابع قد كتبه “يوحنا تلميذ الرب”، وذلك ليعطى مصداقية لتعاليمه الغنوسية التى كانت تعتمد على التفسير الخاطئ لهذا الإنجيل (AH1:8:5).

         وأيضًا هناك تلميذ آخر لفلاندينوس يُدعى هيراكليون هو الذى كتب تفسير لإنجيل يوحنا بين سنتى 170 ـ 180م تقريبًا. وهذا التفسير يكون بهذا الشكل الغنوسى ـ على قدر ما نعلم ـ أول تفسير مكتوب لأى سفر من أسفار العهد الجديد.

         وإن كان الخطر الذى مثلته الغنوسية هو الشمولية المتطرفة والجمع المُلفق بين عقائد دينية متعارضة، فإن التحدى الذى اثاره ماركيون هو العكس تمامًا فى تطرفه، وهو الاختصار وحذف بعض الأسفار من الكتب المقدسة. فقد أنكر ماركيون العهد القديم كله، وكذلك رفض معظم الكتابات الرسولية مُدعيًا أن أغلب الرسل قد أساءوا فهم الإعلان الحقيقى الأصلى ليسوع المسيح. فقد استند على تأكيد بولس الرسول فى غلاطية (6:1ـ10) أنه يوجد إنجيل واحد فقط ولكن الإخوة الكذبة غيّروه، وكان ماركيون يؤمن أن الرسل الآخرين قد أساءوا فهم يسوع المسيح باعتباره المسيا المنتظر المُرسل من إله العهد القديم الخالق، وهكذا شوُهوا رسالة الخلاص التى تعطى الحرية الحقيقية. هذا الخلاص الذى هو من الإله الحقيقى. لقد كان ماركيون مقتنعًا أن بولس هو الرسول الوحيد الذى فهم يسوع المسيح فهمًا كاملاً، يسوع المسيح الذى هو إعلان الإله الواحد الحقيقى ـ ولكن رغم هذا فإن ماركيون أعاد كتابة رسائل بولس وحذف منها وأدخل عليها تغييرات، فمثلاً فيما يخص إبراهيم ونسله عندما يتكلّم الرسول بولس فى (غلا16:3ـ6:4) عن المواعيد التى أُعطيت لإبراهيم وكيف أنها تحققت فى نسله أى المسيح نجد أن ماركيون قد قام بحذف هذا الجزء من غلاطية لأنه يتعارض مع اعتقاده بأن العهد القديم غير مُوحى به من الله. كما كان ماركيون لا يثق سوى فى إنجيل واحد هو إنجيل القديس لوقا تلميذ بولس. ولكن هذا لم يمنع ماركيون أيضًا من حذف بعض الأجزاء حتى من هذا الإنجيل.

 

منهج إيرينيوس فى كتاب ”الكرازة الرسولية”:

         يبنى القديس إيرينيوس كتابه على أعمال الكُتّاب المسيحيين السابقين له، وهو يتخذ موقفًا حاسمًا ومدروسًا ضد كل من ماركيون والغنوسيين. فإيرينيوس هو أول أب من آباء الكنيسة يستخدم الكتابات الرسولية ويقول إنها من الكتاب المقدس. فهو يعرف نصوص العهد الجديد كلها التى نعترف بها نحن الآن ويستخدمها بالفعل فى كتاباته. وهو يُصرّ على أن الأناجيل لا يمكن أن تكون أكثر أو أقل من أربعة أو بالأحرى إنجيل واحد له أربعة أوجه. وهو فى كتابه الكبير ” ضد الهرطقات” بعد أن يصف أنظمة الغنوسيين فى الجزء الأول من كتاب “ضد الهرطقات”، ثم يوضح تناقضاتهم الموجودة فيها فى الجزء الثانى، ثم ينتقل فى الأجزاء الثالث والرابع والخامس إلى الشرح من الكتاب المقدس، وأيضًا الشرح من الرسل الذين كتبوا الإنجيل، والذين سجلوا فيه التعليم عن الله، مبينين فيه أن ربنا يسوع المسيح هو الحق ولا يوجد فيه غش (ضد الهرطقات AH3:5:1). وبعد ذلك ينسج بمهارة مقاطع من العهد القديم مع مقاطع من العهد الجديد، لكى يوضح أنه لا يوجد سوى إله واحد الذى أعلن عن نفسه للجنس البشرى الواحد فى ابنه الوحيد يسوع المسيح بالروح القدس الواحد، وذلك بواسطة التدبير الإلهى الذى يخيّم على الكل على مدى التاريخ.

         وكما سبق أن أشرنا فإن إيرينيوس فى كتابه “الكرازة الرسولية”، لا يستخدم الكتابات الرسولية كثيرًا وبشكل صريح. هو يشير إلى الرسل فى الفصول 3و41و46و47و86و98و99، ويقتبس من الرسول بولس ثلاث مرات، ومرة يشير إليه على أنه رسول المسيح فى فصل 5و8و87، ويقتبس من تلميذ المسيح يوحنا مرتين فى فصلى 43و94. وفيما عدا هذه الإشارات القليلة، فإن إيرينيوس يشرح “الكرازة الرسولية” ببساطة ضمن إطار قراءة العهد القديم المتمركزة حول المسيح تلك القراءة التى ميّزت التعاليم المسيحية فى القرن الثانى.

         إن منهج القديس إيرينيوس الخاص فى كتابه “الكرازة الرسولية” سبق أن أشار إليه بوضوح كل من أغناطيوس الأنطاكى ويوستينوس، ونقصد هنا قراءة العهد القديم المتمركزة حول المسيح. وهذا المنهج فى الواقع يُنسب إلى يسوع المسيح نفسه بعد القيامة، الذى ” ابتدأ من موسى ومن جميع الأنبياء يفسر لهم الأمور الخاصة به فى جميع الكتب” (لو27:24). وأكثر من ذلك فإن عددًا كبيرًا من النصوص الكتابية التى استخدمها إيرينيوس كان يوستينوس قد سبق باستخدامها لنفس الغرض. وفى أغلب الحالات بنفس تجميع الآيات مع بعضها وبنفس طريقة ترتيبها، فإما أن يكون إيرينيوس قد استقى فى كتابته كثيرًا من يوستينوس أو أن يكون كلاهما قد استقى من مصدر مشترك.

         ومع ذلك فإن فرادة إيرينيوس فى كتاب “الكرازة الرسولية” تكمن ليس فى التحليل النظرى للموضوع، بل فى عرضه الشامل والواضح الذى قدّمه. وبينما كان يوستينوس يتجول من موضوع إلى موضوع بدون تنسيق واضح، فإن إيرينيوس كان يعالج أو يقدم شرحًا للكرازة الرسولية بسهولة، بخصوص عمل الله منذ بداية الخليقة حتى يصل إلى تمجيد ابن الله بصعوده إلى المجد.

         ومما سبق أن قلناه بخصوص عرض “الإعلان المسيحى” فى كتابات القرن الثانى، يتضّح أنه كان هناك مشروعان مرتبطان معًا: الأول هو توضيح أو كشف محتوى الكتاب المقدس، العهد القديم فيما يختص بإعلان يسوع المسيح كما بشر به الرسل؛ والثانى هو الاعتراف بالإصالة الكتابية لتلك الكرازة الرسولية بإظهار أن كرازة الرسل التى كان مركزها يسوع المسيح كما صيغت فى الكتاب المقدس، قد سبق التنبؤ بها كما هى.

         هاتان المهمتان عبّر عنهما القديس إيرينيوس بكلمة واحدة هى επίδειξις أى شرح أو برهان للكرازة الرسولية.

 

محتوى كتاب ”الكرازة الرسولية”:

         يحتوى كتاب “الكرازة الرسولية” للقديس إيرينيوس:

أولاً: مقدمة قصيرة (فصول 1ـ3أ).

ثانيًا: قسمان كبيران:

         القسم الأول (فصول3ب ـ42أ).

         القسم الثانى (فصول 42ب ـ97)

ثالثًا: خاتمة (فصول98ـ100).

أولاً: مقدمة قصيرة:

         يبدأ القديس إيرينيوس كتاب “الكرازة الرسولية” بمقدمة قصيرة فى الفصول من (1ـ3أ)، ويذكر فى هذه المقدمة أنه بهذا الكتاب يرجو أن يقوى إيمان ماركيونوس، الشخص المُرسل له هذا الكتاب. وذلك بواسطة عرض مختصر “لكرازة الحق”. ويذكِّر إيرينيوس ماركيانوس أنه إذا أردنا أن نجتاز الطريق الوحيد نحو حضرة الله فإنه يلزمنا قداسة الجسد، أى الابتعاد عن مخالفة وصايا الله، وكذلك قداسة النفس، أى حفظ الإيمان بالله. وينبغى أن نتجنب الأنواع الثلاثة من الناس المذكورين فى (مز1:1):

         الأشرار، أى الذين لا يعرفون الله؛

         والخطاة، أى الذين يعرفونه ولكنهم لا يطيعون وصاياه؛

         والمستهزئون، وهم أولئك الذين يُضّلون أنفسهم والآخرين بواسطة تعاليمهم السامة.

         فلكى نخلص، من الضرورى أن نحفظ قاعدة الإيمان، وأيضًا أن نطيع وصايا الله، لأن الإيمان يتحقق فى العمل، والإيمان نفسه مُؤسس على ما هو حقيقى.

 

القسم الأول:

         وبعد هذه المقدمة القصيرة يأتى القسم الأول، وهو يحوى كما ذكرنا فصول (3ب ـ42أ). ويعطى إيرينيوس فى هذا القسم شرحًا للكرازة الرسولية. وهذا القسم ينقسم بدوره إلى ثلاثة أجزاء.

الجزء الأول: موضوعه “الله والإنسان”، وهو يحوى الفصول (3ب ـ16). وكما سبق أن أكد إيرينيوس فى نهاية المقدمة، فإن الإيمان يتأسس ويُبنى على ما هو صادق حقًا، وبذلك، فإننا يجب أن “نؤمن بما هو حقيقى كما هو فى الواقع”، حتى أننا “إذ نؤمن بما هو موجود حقًا كما هو فعلاً[13]، فإننا نحفظ اعتقادنا ثابتًا” (فصل3). والحق الكتابى بخصوص الإله الواحد، الاب: أنه هو خالق الكل؛ فهو يخلص كل الأشياء بكلمته ويزينها بروحه (فصل5). وهذا الاعتراف الثلاثى بالله الآب، والابن يسوع المسيح، والروح القدس، هو أساس إيماننا وسند سلوكنا (فصل6)؛ ومعموديتنا تتم بالاعتراف بهؤلاء الثلاثة، والمعمودية تجددنا لله بابنه بواسطة الروح (فصل7). فإن كان هذا هو الحق عن الله، فإن الحق من جهة الإنسان هو أنه “مخلوق”، “الله يخلق، أما الإنسان فمخلوق” (انظر AH4:11:2). وبعد أن يصف إيرينيوس السموات السبعة مع الجمع غير المُحصى الذى للقوات الملائكية (الفصلان9و10)، فإن إيرينيوس يصف الحق الخاص بالإنسان عن طريق شرح (تك3:1). فالله صنع من الطين مخلوقًا يحمل صورته فى جسده وفى روحه نسمة الحياة، كما صنع له معينًا ووضعهما معًا فى الفردوس (فصول 11ـ14). إن حقيقة العلاقة بين الخالق وخليقته تتضح من الوصية التى اعطاها الله للإنسان، والتى كان القصد منها أن يعلّمه “إن سيده وربه هو رب الكل” (فصل15). وكون أن الإنسان لم يحفظ هذه الوصية فهذه طبعًا هى الحقيقة الأخرى المختصة بالإنسان والتى تحدد حقيقة وضعه خارج الفردوس (فصل16).

الجزء الثانى: فصول (17ـ30)، يصف فيه القديس إيرينيوس تاريخ إعداد الله البشرية للخلاص الذى تمّ بابنه. فبعد موت قايين انتشر الشر فى الأرض كلها وفى أيام نوح لم يكن غيره وحده إنسان بار (فصول 17ـ18). ثم بعد تطهير الأرض بواسطة الطوفان، فإن ابن نوح الأصغر “حام” لُعن لعدم تقواه، واللعنة امتدت إلى كل نسله، بينما ابنا نوح الآخران سام ويافث، فقد نالا بركة ورثها أحفادهما (فصول19ـ23). وبركة سام ورثها إبراهيم، الذى طلب الله وتبرر بالإيمان، وبعد ذلك ورث إسحق هذه البركة وبعده ورثها يعقوب (فصل24). ثم أنقذ الله أحفاد إبراهيم من مصر بواسطة موسى، وهكذا كشف لهم سر الفصح، وأعطى الوصايا العشر لموسى (فصول25ـ26). وقبل دخول أرض الموعد هيأ موسى الشعب بأن أعاد تذكيرهم بأعمال الله العظيمة، ووضع لهم ناموسًا جديدًا وهو التثنية (فصل28). وأخيرًا فإن الله أتى بشعبه من البرية إلى أرض الموعد بواسطة يشوع بن نون الذى سُمى “يسوع”، ” الاسم الوحيد الذى يستطيع أن يُخلِّص” (فصول27 ـ29). وفى تلك الأرض، سكن داود الملك فى أورشليم؛ وفيها بُنى الهيكل على اسم الله، والأنبياء كانوا يحثون الشعب أن يرجعوا إلى إله آباءهم مُعلنين لهم أيضًا عن الإعلان الآتى الخاص بالرب يسوع المسيح، ابن داود وإبراهيم حسب الجسد، وابن الله بحسب الروح (فصول29ـ30).

الجزء الثالث فصول (31ـ40أ)، يواصل الحديث عن الخلاص الذى أتمه ابن الله، فإن الرب بفضل ولادته من عذراء كان له نفس الجسد مثل ابينا الأول آدم، من أرض عذراء، ولكن بينما كان الرب سالكًا بالطاعة فإن آدم كان عاصيًا، وهكذا فإن الرب أتى إلينا بالخلاص وقاد الإنسان إلى الشركة مع الله (فصل31ـ32)، كما يشير أيضًا للتقابل بين حواء ومريم، وبين الشجرة والصليب (فصلى33ـ34).

         وبواسطة العمل الخلاصى هذا تحققت المواعيد التى أُعطيت لإبراهيم ولداود (فصلى35ـ36)، ويؤكد إيرينيوس أن المسيح وُلد حقًا، ومات وقام مبينًا تقدمه فى كل شئ (فصول37ـ40أ).

         ثم يختم إيرينيوس القسم الأول فى الفصول (40ب ـ 42أ) لكى يلخص كيف أن الذى بُشر به بواسطة الناموس والأنبياء، أى ابن الآب، قد وُلِد من العذراء مريم بالروح القدس. هذه العذراء التى من نسل إبراهيم وداود، وأن يسوع الذى هو مسيح الله هو فى الحقيقة ذاك الذى سبق وأنبأ عنه الأنبياء (فصل 40ب). كما أن يوحنا المعمدان السابق له، قد أعدَّ الشعب لنوال كلمة الحياة. وقد أرسل المسيح تلاميذه ورسله والذين عاينوه إلى كل العالم لكى “يدعو الأمم ليسكنوا فى مساكن سام” ـ هذه هى ثمرة بركة يافث التى أُعلنت فى الكنيسة أى دعوة الأمم بحسب وعد الله (فصول41ـ42أ).

 

القسم الثانى:

         بعد أن استعرض القديس إيرينيوس تاريخ عمل الله الخلاصى، فإنه ينتقل إلى القسم الثانى من الكتاب، والذى يشمل كما ذكرنا الفصول (42ب ـ97). هذا القسم الثانى يختص بشرح “الكرازة الرسولية” عن طريق البرهنة عليها من الكتاب المقدس. وهذا واضحٌ تمامًا فى الفصل الافتتاحى (42ب) الذى يصف فيه إيرينيوس كيف أن كل الأشياء التى تمت فى يسوع المسيح سبق التنبؤ بها بواسطة الأنبياء، وأنها تحققت فى النهاية تمامًا كما سبق التنبؤ بها وذلك يجعلنا نوقن أن الله هو الذى أعلن لنا خلاصنا.

         ويمكن تقسيم هذا القسم الثانى إلى أربعة أجزاء متميزة:

الجزء الأول الفصول (43ـ52) يهتم فيه إيرينيوس بتوضيح الوجود الأزلى ليسوع المسيح. وهنا يستند على إصرار أغناطيوس على أن العهد القديم هو يسوع المسيح. فإن كانت الكرازة الرسولية الخاصة بيسوع المسيح هى إعلان الله الحاسم، أى كلمة الله، الذى تطلّع إليه كل رؤساء الآباء والأنبياء، فإنه يمكننا أن نرى الأمر بطريقة عكسية، ونؤكد أن الرب يسوع المسيح هو نفسه الذى ظهر وتحدث إلى إبراهيم وموسى (انظر ضد الهرطقات AH4:9:1). فبالنسبة لإيرينيوس توجد علاقة تبادلية بين رؤساء الآباء، الذين أُعطيت لهم المواعيد، وبين نسلهم الذين رأوا هذا الوعد يتحقق[14].

         وتبعًا لذلك ففى هذا الجزء من “الكرازة الرسولية” يوضح إيرينيوس من نصوص الكتاب المقدس كيف أن الابن، الذى نعرفه الآن ـ كواقع تاريخى ـ هو يسوع المسيح، وأنه كان فى البدء مع الآب (فصل43)، وكيف ظهر لإبراهيم (فصل44) ويعقوب (فصل45)، وتكلّم مع موسى من العليقة (فصل46)، وكيف يتكلّم داود وإشعياء عن الآب والابن (فصول47ـ51). ولكن بينما أن الابن بالنسبة لله هو كائن منذ البدء، قبل الخليقة فإنه صار معروفًا بالنسبة لنا الآن فقط، وذلك عندما كُشف لنا باسم يسوع المسيح (فصل43). وهكذا فإن كل الرؤى القديمة هى أحداث نبوية تنبأت بالأمور التى سوف تحدث (فصلى44ـ45). ويختم إيرينيوس بإعادة التأكيد بأن الكتاب المقدس يقول بوضوح إن المسيح هو ابن الله من قبل وجود العالم، وهو كائن مع الآب ومع الناس. وإنه هو يخلّص جميع الذين يؤمنون به (فصل52).

وفى الجزء الثانى من القسم الثانى (فصول53ـ66) يتحدث إيرينيوس عن ولادة المسيح بالجسد، مستندًا على شهادات من إشعياء (فصول53ـ57، 59ـ61، 65)، وعلى شهادات من موسى (فصلى 57ـ58)، وعاموس (فصل62)، وميخا (فصل63)، وداود (فصل64)، هذه الشهادات تؤكد أن ابن الله سيُولد، كما أنها تصف كيف يُولد، وأنه هو المسيح، وهو الملك الأبدى الوحيد (فصل66).

وفى الجزء الثالث من القسم الثانى، فإن إيرينيوس يوضح كيف أنه سبق التنبؤ (عن المسيح) بأنه سيُجرى معجزات وأشفية (فصل67 من مقاطع من سفر إشعياء)، وأنه سوف يُجلد (فصلى68ـ 69أ، من إشعياء وداود)، وأنه سوف يتألم، وسوف يُحكم عليه، وعن جيله الذى لا يستطيع أحد أن يخبر عنه (فصول69ب ـ 70، من إشعياء)، وأنه سيحضرونه مُقيدًا إلى الملك (فصل77، من هوشع)، وأن ثيابه ستُقسّم (فصل80، من المزامير)، وأنه سيُباع بثلاثين من الفضة (فصل81، من إرميا)، وأنه سيُعطى مُرًا ليشرب (فصل82، من مزامير داود)، وأنه يموت على الصليب (فصول71ـ76، 79، من إرميا، وإشعياء، وداود، وزكريا)، وأخيرًا يقوم ويتمجّد ويرتفع إلى يمين الآب (فصول 72ب، 83ـ85، من مزامير داود).

         ويختم إيرينيوس القسم الثانى من “الكرازة الرسولية” بالجزء الرابع (فصول86ـ97) موضحًا كيف أن دعوة الأمم بواسطة الرسل قد سبق وتنبأ عنها الأنبياء (فصل86). هذه الدعوة تحققت ليس بفرائض الناموس، بل بكلمة الإيمان البسيطة (فصل87). وأولئك الذين خلصوا دُعوا باسم جديد (فصل88)، ولذلك فلا ينبغى ان يعود أحد للوراء مرة أخرى إلى الناموس الذى قد تمَّ تحقيقه بواسطة المسيح (فصل89). إن ناموس الله الآب مكتوب على قلوبهم الجديدة التى من اللحم حتى أن الإنسان يستطيع الآن أن يثق فى خالقه (فصل 90ـ93). وبواسطة هذه الدعوة وتغيير القلب الذى يتم بالكلمة الصائر جسدًا والساكن بيننا، فإن التى كانت عاقرًا فى السابق قد ولدت عددًا كبيرًا من الأولاد أكثر من المجمع القديم (فصل94). فأولئك الذين لم يكونوا شعبًا هم الآن شعب الله الذين يعرفون رب الناموس، ليس لهم حاجة للمؤدب السابق (الناموس) (فصلى95ـ96) فالمسيح الذى قد ظهر على الأرض وتحدّث مع البشر قد أدمج روح الله مع خليقة الله (صنعة يدى الله) الذين كُوّنوا بحكمة من التراب، لكى يصير الإنسان فى النهاية حسب صورة الله ومثاله (فصل97).

 

الخاتمة:

         ويختم إيرينيوس كتابه “الكرازة الرسولية” بأن يكرر النصيحة التى أعطاها فى المقدمة: أننا يجب أن نتمسك بكرازة الحق التى أعلنها الأنبياء، والتى ثبّتها المسيح، والتى سلّمها الرسل ونتجنب كل المعاملات مع أولئك الذين يفكرون فى آلهة أخرى لأنفسهم، محتقرين الله الذى هو “الكائن” حقًا، ومنكرين مجيء ابنه وعطية الروح القدس.

 

منهج القديس إيرينيوس فى تفسير الكتاب المقدس:

         منهج القديس إيرينيوس فى تفسير الكتاب هو أنه ينبغى أن يُشرح على أساس الكتاب نفسه، وهو يذكر هذا المبدأ صراحة فى كتابه “ضد الهرطقات” بقوله: [تفسيرات نصوص الكتب المقدسة لا يمكن شرحها إلاّ من الكتب المقدسة نفسها] (ضد الهرطقات AH3:12:9)، وفى موضع آخر من نفس الكتاب يقول: [ فإن كانت بعض مقاطع الكتاب تبدو غامضةً، فيجب أن نحاول فهمها بواسطة ما هو واضح وظاهر فى الكتاب نفسه وليس بأى طريقة تفكير خارجية] (ضد الهرطقات AH2:27-28). ولهذا السبب بالتحديد انتقد إيرينيوس الغنوسيين لأنهم أسسوا تفسيرهم للكتب على أساس مبادئ غير كتابية، فبعد أن يفند القديس إيرينيوس بعض أساطيرهم، يقول:

         [ هذه هى طريقتهم التى لم يتنبأ بها الأنبياء، ولا الرب علّم لها، ولا الرسل سلّموها إلينا، فهم يفتخرون بصوتٍ عالٍ أنهم يعرفون أكثر من الآخرين. وهم يستندون فى هذا على مصادر خارج الكتاب المقدس، وكما يقول المثل الشعبى فهم يحاولون أن يضفروا حبالاً من الرمل. إنهم يحاولون أن يجعلوا أمثال الرب، أو أقوال الأنبياء، أو كلمات الرسل تتوافق مع أقوالهم بطريقة تجعل الناس يصدقونهم، حتى لا يبدو تلفيقهم أنه بدون مرجع. فهم يتجاهلون نظام الكتب المقدسة وترابطها مع بعضها. وبتجاهلهم لهذا الترابط فى الكتاب الذى يكمن فيه أساس الحق فإنهم يفككون أعضاء الحق] (ضد الهرطقات AH1:8:1).

         ويوضح إيرينيوس طريقة استعمال الكتاب، بأن يقارنها بما يفعله بشخص أو إنسان عندما يأخذ صورة جميلة من الفسيفساء لملك صنعها فنان ماهر من أحجار ثمينة، ثم يعيد ترتيب هذه الأحجار الكريمة التى فيها ليصنع منها صورة كلب أو ثعلب، ثم زعم أن هذه الصورة هى الصورة الأصلية التى صنعها الفنان الأول، ويعلّل قائلاً إن الحجارة أصيلة. والحق أن التصميم قد تهدم و”ضاع نموذج الإنسان الموضوع”. هذا بالضبط ما يفعله الهراطقة بالكتاب المقدس “ويقطعون أوصال الحقيقة”. إن كلماتهم وتعبيرهم وأمثالهم أصيلة، ولكن قياسهم (أو تصميمهم) مزاجى وخاطئ، فيقول: ” بنفس الطريقة فإن هؤلاء الناس يرقعون معًا خرافات العجائز ويقتلعون كلمات وأقوال وأمثال من هنا وهناك ويريدون أن يجعلوا كلمات الله تتكيف مع خرافاتهم” (ضد الهرطقات AH1:9:1).

         وفى مثال آخر، يصف إيرينيوس كيف أن بعض الناس يأخذون سطورًا متنوعة من كتابان هوميروس ثم يعيدون ترتيبها. وقد تخدع هذه السطور أولئك الذين ليس لهم سوى معرفة عابرة لهوميروس، لكنها لا تخدع أولئك المتمكنين جيدًا من معرفة أشعاره؛ وهؤلاء يستطيعون أن يعرفوا السطور المقتبسة تمامًا ويعرفون مكانها ثم يعيدونها إلى سياقها الصحيح (ضد الهرطقات AH1:9:4).

         وبنفس الطريقة يواصل إيرينيوس كلامه فيقول: [.. أى إنسان يحفظ فى نفسه قاعدة الحق غير المتغيّر الذى استلمه بواسطة المعمودية فإنه سيعرف الأسماء والأقوال والأمثال المأخوذة من الكتب المقدسة… لأنه إن عرف الجواهر، فإنه لن يقبل صورة الثعلب على أنها صورة الملك، بل هو سوف يعيد كل مقطع من المقاطع إلى مكانه الصحيح، إذ يكون منسجمًا ضمن جسم الحقيقة، وهكذا هو يفضح تلفيقهم ويبيّن أنهم بلا سند] (ضد الهرطقات AH1:9:4).

         وبعد ذلك يعطى إيرينيوس وصفًا شاملاً لـ”قانون الحق المُسلّم فى المعمودية”، الذى له ثلاثة بنود أساسية، وهى: الإيمان المُسلّم من الرسل بإله واحد الله الآب، والرب الواحد المصلوب والمُقام يسوع المسيح، والروح القدس” (انظر AH1:10:1).

         وقانون الحق المُعطى فى كتاب “الكرازة الرسولية” (فصلى6و7) رغم أنه مختصر عن ما ورد فى كتاب “ضد الهرطقات”، إلاّ أنه مبنى على البنود المحورية الثلاثة: الآب، والابن، والروح القدس، الذين باسمهم تتم معموديتنا.

         ومع ذلك، فإن هذه البنود الثلاثة هى جوهر  قانون الحق، وليست مجرد عناصر منفصلة لمعتقدات لاهوتية. ولذلك فهى عند إيرينيوس مرتبطة بلا انفصال مع ترتيب وترابط الكتب المقدسة (انظر AH1:8:1). وهذا الترتيب والارتباط هو طبعًا ما يصفه إيرينيوس بطريقة مختصرة فى كتاب “الكرازة الرسولية” لكى: “بواسطة هذا الكتاب الصغير يمكنك أن تفهم كل أعضاء جسد الحقيقة” (فصل1 من الكرازة الرسولية) التى هى الكتاب المقدس نفسه. وبكتابته لكتاب “الكرازة الرسولية” فإن إيرينيوس ـ الذى هو أكثر من أى كاتب آخر سابق له ـ حدّد وعرّف الكتاب المقدس كما نعرفه نحن الآن وثبته فى مكانه الصحيح والأساسى. وبهذا فإن القديس إيرينيوس قد أعطانا نموذجًا لا مثيل له عن كيف نقترب من الحقائق المُعلنة فى الكتاب وكيف نفهمها. وفى هذا تكمن الأهمية الفائقة لهذا الكتاب المختصر.

 

النص الأصلى لكتاب ”الكرازة الرسولية” وترجماته:

المخطوطات والطبعات والترجمات:

         كتاب “الكرازة الرسولية”  هو مقال فى صورة رسالة مُرسلة إلى شخص يُدعى ماركيانوس. وكان هذا المقال معروفًا منذ القديم إذ أن يوسابيوس المؤرخ أشار إليه فى كتابه “تاريخ الكنيسة” (كتاب36:5). ولكن بعد هذه الإشارة منذ القرن الرابع يبدو أن هذا الكتاب اختفى تمامًا، ولم يُعثر على أى آثار له. ولكن فى شهر ديسمبر سنة 1904م عثر الأرشمندريت الأرمنى “كارابت تيرمكيرتشيان” (Karapet Ter-Mekerttschian) على مخطوط فى مكتبة كنيسة والدة الإله فى إيرفان Erevan بأرمينيا، ثبت فيما بعد أنه يحوى ترجمة أرمينية قديمة للكتابين الرابع والخامس من كتاب “ضد الهرطقات” للقديس إيرينيوس، وأيضًا كتابه “الكرازة الرسولية”. وهذا المخطوط محفوظ الآن فى ماتينا داران بإيرفان (مخطوط رقم 3710). وبحسب ما وُجد مُسجلاً فى نهاية المخطوط فإن المخطوط كان مِلكًا لرئيس الأساقفة تير جوهانس  Ter Johannes” شقيق الملك المقدس” هذا الملك من المحتمل أن يكون Haïtoun I هايتون الأول (1226ـ1269م) الذى اشتهر شقيقه الأصغر بأنه كان عالمًا كبيرًا، وكان أسقفًا (1259م) إلى أن توفى سنة 1289م، لذلك يمكن أن يكون تاريخ المخطوط هو حوالى منتصف النصف الثانى من القرن الثالث عشر، رقم أن الترجمة ـ كما سنرى فيما بعد ـ قد تمت قبل هذا التاريخ بعدة قرون. ونص هذه المخطوط نُشر لأول مرة سنة 1907م مع ترجمة ألمانية ومُقدمة وملاحظات مختصرة قام بها العالِم اللاهوتى المشهور أدولف هارناك وهو الذى قسّم النص إلى مائة فصل.

         وبعد ذلك تُرجم النص الأرمنى إلى اللغة اللاتينية بواسطة       S. Weber، وحينما أُعيد طبع النص الأرمنى سنة 1919م صدرت معه ترجمة إنجليزية وأخرى فرنسية، وتضمنت هذه الطبعة التى صدرت سنة 1919م وصفًا للمخطوط، وتضمنت أيضًا بعض الملاحظات عن وجود تنقيحات فى المخطوط الأرمنى. وصدرت بعد ذلك ترجمات أخرى من بينها ترجمة إنجليزية ثانية قام بها          J. Armitage Robinson[15].

         وبعد فترة ركود لعدة عشرات من السنين ظهرت ترجمتان أخريتان ساهمت كلاهما فى ازدياد فهمنا للنص. الترجمة الأولى إلى الإنجليزية قام بها J.P. Smith واحتوت إلى جانب النص الأرمنى، ملاحظات كثيرة جدًا ملأت عدد صفحات أكثر من النص نفسه[16]، الأمر الذى جعل البروفيسور John Bher أستاذ علم الآباء بمعهد القديس فلاديمير الأرثوذكسى اللاهوتى بالولايات المتحدة الأمريكية أن يقول إن العالِم سميث قام بجهد كبير فى بحث المخطوطة الأرمينية وقيّم كل الترجمات السابقة واقترح تنقيحات للمخطوط.

         والترجمة الثانية التى تمت بعد الأولى بسنوات قليلة هى ترجمة فرنسية جديدة أعدّها L.M. Froidevaux وقد نُشرت فى سلسلة المصادر المسيحية بالفرنسية SC. 62 سنة 1959م. وقد أضافت هذه الترجمة ملاحظات كثيرة على ما قدمه سميث، إلاّ أن مساهمتها الهامة جدًا هى الملحق الموجود بها الذى يحوى مقارنة بين الترجمات، أعدّها Charles Mercier. هذه المقارنة موجودة أصلاً فى المخطوط P.O. 12:5 (مع ميكروفيلم لمخطوط إيرفان 3710).

         وقد اكتُشفت فيما بعد مخطوطتان بهما اقتبسات صغيرة من كتاب “الكرازة الرسولية”. المخطوط الأول يُسمى “ختم الإيمان”، اكتشفه نفس مُكتشف المخطوط الأول Bishop Karapet Ter-Mekerttschian لكن سنة 1911م فى دير القديس اسطفانوس بداراشامب Darachamb، وهذا المخطوط يرجع تاريخ كتابته إلى القرن الثالث عشر. والمخطوط الثانى يرجع إلى القرن الرابع عشر ويُعرف باسم “جالاطا54” وُجد فى دير القديس يعقوب للأرمن بأورشليم، وهو الآن محفوظ فى مكتبة البطريركية الأرمينية بإسطنبول.

         وأخيرًا بعد فترة ركود ثانية قام A. Rousseau بعد أن أكمل نشره لكتاب “ضد الهرطقات” فى سلسلة SC.، نشر ما يجب أن يُعتبر طبعة قياسية لكتاب “الكرازة الرسولية” باللغة الفرنسية طبعًا. وفى هذه الطبعة نشر روسو بالإضافة إلى النص الأرمنى نفسه، ترجمتين إحداهما لاتينية والأخرى فرنسية. ويرى روسو صاحب الترجمة الفرنسية أن النص الأرمنى قد تُرجم أصلاً  عن اللغة اليونانية بتصرف. وتحتوى أيضًا طبعة روسو التى نُشرت فى SC. سنة 1995، ملاحظات مستفيضة وصلت إلى عدد صفحات أكثر من النص نفسه، كما يختم طبعته هذه بستة ملاحق عن تعاليم القديس إيرينيوس اللاهوتية، ومقارنات بين الترجمات المختلفة للنص الأرمنى. وبهذا يكون عمل روسو حسب رأى جون بهر John Behr إنجازًا ملحوظًا فى مجال البحث الآبائى.

 

المراجع التى استُخدمت فى إعداد المقدمة عن

حياة القديس إيرينيوس وتعليمه اللاهوتى

  • JOHANNES Quasten: PATROLOGY, published 1950, reprinted by Christian Classic, INC., 1983, Westminster, Maryland S.A. Vol. I, ps. 287-315.
  • ANTE- NICENE FATHERS, 1884, reprinted by Hendrickson Publishers, INC., 1994, O. Box 3473, Peabody, Massachusettes 01961-3473. U.S.A. Vol. I, ps. 309-313.

3 ـ تاريخ الكنيسة ـ للأسقف يوسابيوس القيصرى،

                          الكتاب الرابع: فصل 21، ص 190

                          الكتاب الخامس: فصل 4، ص 217

                          الكتاب الخامس: فصل 8، ص 222.

تعريب القمص مرقس داود، نشر مكتبة المحبة، الطبعة الثانية، القاهرة 1970.

 

المراجع التى رجعنا إليها لترجمة

كتاب ”شرح الكرازة  الرسولية ”

1- ΙΩΑΝΟΥ Δ. ΚΑΡΑΒΙΔΟΠΟΥΛΟΥ Δ. Θ.,

            ΕΙΡΗΝΑΙΟΥ ΕΠΙΣΚΟΠΟΥ ΛΟΥΓΔΟΥΝΟΥ.

            ΕΠΙΔΕΙΞΙΣ ΤΟΥ ΑΠΟΣΤΟΛΙΚΟΥ ΚΗΡΥΓΜΑΤΟΣ

            ΕΙΣΑΓΩΓΗ- ΜΕΤΑΦΡΑΣΙΣ- ΣΧΟΛΙΑ ΕΝ

            ΘΕΣΣΑΛΟΝΙΚΗ, 1965.

 

2- St. Irenaeus of Lyons

            ON THE APOSTOLIC PREACHING

            Translated and Introduction by John Bher

            St. Vladimir’s Seminary Press, Crestwood, NY 1997.

 

3- ANCIENT CHRISTIAN WRITERS,

            St. Irenaaeus Proof of The Apostolic Preaching.

            Translated and Annotated by Joseph P. Smith, S.J.

            Professor in The Pontifical Biblical Instituite,

            Rome, Newman Press. No. 16.

 

 

الاختصارات

BEPES

:

Biblioq»kh ‘Ell»nwn Patšrwn ka… ‘Ekklhsiastikîn Suggrafšwn

(œkd.; ApostolikÁj Diakon…aj tÁj ‘Ekklhs…aj tÁj Ell£doj), AqÁvai 1955 ™x.

 

 

 

EPE

:

”Ellhnej Patšrej tÁj ‘Ekklhs…aj, Paterika… ™kdÒseij, « GrhgÒrioj Ð Palam©j » , Qessalon…kh 1972 ™x.

 

 

 

 

 

A.N.F

:

Ante- Nicene Fathers, Edited by Alexander Roberts, D.D. and James Dondaldson, LL.D. Hedrickson Publishers, Massashusetts 01961-3473, U.S.A. 1994.

 

 

 

AH

:

Against Heresies  كتاب ضد الهرطقات

 

 

 

P.L.

:

Patrologia Latina.

 

 

 

P.O.

:

Patrologia Orientalis.

 

 

 

S.C.

:

Sources Chrétiennes, Les Edition du Cref, BD De Latour MAUBOURG, Paris

 

 

 

س : سبعينية

 

 

 

[1] انظر Against The Heresies (=AH) 3:3:4، وأيضًا يوسابيوس القيصرى، تاريخ الكنيسة.

[2] يوسابيوس القيصرى: تاريخ الكنيسة، ترجمة القمص مرقس داود، ك5 فصل5:20ـ7، الطبعة الثانية، مكتبة المحبة القاهرة 1970، ص272ـ273.

[3] يوسابيوس القيصرى، تاريخ الكنيسة، 2:4:5، ص 247.

[4] يوسابيوس القيصرى، تاريخ الكنيسة11:24:5، 18.

[5] Quasten, Patrology Vol. I, 288.

[6] انظر Historia Francorum, !, 27، وانظر Murray Dictionary of Christian Biography, Vol. 2, p. 771, London 1880.

[7] Quasten, Patrology Vol. I, 294.

[8] يقصد الغنوسيين الذين كانوا يؤمنون بوجود عدة ولادات للدهور والأزمنة.

[9] يشدد القديس إيرينيوس على أن الإنسان الكامل يتكون من الجسد والنفس والروح، والروح عنده تناله النفس من الله.

[10] 1كو5:15، وهنا  يرد القديس إيرينيوس على الغنوسيين الذين نادوا بأن الجسد لا يخلص لأنه شرير فى ذاته بتفسيرهم الخاطئ لهذه الآية ” فإن لحمًا ودمًا لا يرث ملكوت السموات”.

[11] ملاحظة Massuet هذه أوردها ناشر المجلد رقم 1 من مجموعة A.N.F الذى يحوى كتاب “ضد الهرطقات”  للقديس إيرينيوس وجاءت الملاحظة فى هامش صفحة 412 من المجلد رقم 1 تعليقًا على العبارة المقتبسة أعلاه من الكتاب الثانى من ضد الهرطقات (AH2:34:3).

[12] علينا أن نلاحظ أن القديس إيرينيوس لم يكن يستعمل تعبيرات “العهد القديم” و”العهد الجديد” كعهدين منفصلين. بل بعكس أولئك الذين وضعوا فارقًا شديدًا بين الإعلان الجديد (أى إعلان إله آخر وبين الإعلان القديم) ـ نموذج هؤلاء ماركيون الهرطوقى فى القرن الثانى ـ بعكس هؤلاء فإن القديس إيريناوس هو أول من كتب من الآباء مؤكدًا على وحدة  معاملات الله مع الجنس البشرى طوال التاريخ. أى أنه يقول إنه يوجد تدبير إلهى واحد فقط. فحينما يكتب إيريناوس عن مراحل أو عصور مختلفة فهو يفضل أن يتكلّم عن أربعة مواثيق: عهد مع آدم، عهد مع نوح، عهد بواسطة موسى، وأخيرًا عهد الإنجيل (AH3:11:8)، وحينما يشير إلى الكتاب المقدس فهو كثيرًا ما يميز بين ثلاثة أقسام هى: الكتب النبوية (ويقصد بها كل العهد القديم)، والكتابات الإنجيلية (أى الأناجيل) والكتابات الرسولية (أى الرسائل). انظر Y.M. Blanchard, Aux Sources du canon: Le Témoignage d’ Irénée (Paris: Cerf, 1993) p. 132-145.

[13] وهذا الإصرار على أننا ينبغى أن نرى ونقبل ما هو موجود كما هو، يتكرر كثيرًا فى كتابه “ضد الهرطقات”، حيث يذكر أن هذا الكتاب الأخير يخص الحق عن الله والإنسان. ويشرح إيرينيوس اننا ينبغى “أن نعرف ما هو الذى يستطيع الله أن يفعله؟ وما هى الفوائد التى يمكن أن ينالها الإنسان؟، وذلك لكى لا نضل بالمرة عن الإدراك الصحيح للأمور كما هى فعلاً فيما يخص الله والإنسان” ضد الهرطقات AH5:2:3 .

[14] [إن تهليل إبراهيم نزل على ذريته الذين جاءوا منه… ومن الجهة الأخرى يوجد تهليل متبادل انتقل من الأبناء إلى إبراهيم الذى اشتهى أن يرى يوم المسيح أن يأتى. إذن فبصواب شهد ربنا لإبراهيم قائلاً: ” أبوكم إبراهيم تهلل بأن يرى يومى فرأى وفرح“] (ضد الهرطقات AH4:7:1 وانظر يو56:8).

 

[15] J. Armitage Robinson, St. Irenaeus: The Demonstration of the Apostolic Preaching (London & NY: SPCK, 1920).

[16] J.P. Smith, St. Irenaeus: Proof of the Apostolic Preaching (ACW16; London& Maryland: Westminster, 1952). A Further English version was prepared by J. Sparks (Brookline, MA: Holy Cross Orthodox Press, 1987), on the basis of the earlier translation.

 

الكرازة الرسولية ج1 – ق. إيرينيوس – د. نصحى عبد الشهيد

الله والأبدية – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد

الله والأبدية – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد

 

الله والأبدية – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد

 

الطريق الأرثوذكسي للأسقف كاليستوس وير

الفصل السابع (خاتمة)

الله والأبدية

 

” أذكرنى يارب متى جئت فى ملكوتك ” (لو42:23)

” بالنسبة للنفوس التي تحب الله، وبالنسبة لكل المسيحيين الحقيقيين، سيأتى أول الشهور ـ شهر نيسان ـ وهو يوم القيامة ”    (عظات القديس مقاريوس)

حينما اقترب الأنبا زكريا من لحظة الوفاة، سأله الأنبا موسى ” ماذا ترى ؟ ” فأجابه الأنبا زكريا ” أليس من الأفضل أيها الأب أن يُقال لا شئ ” فقال الأنبا موسى ” نعم يا ابنى، إنه من الأفضل أن نقول: لا شئ ”

(من أقوال آباء البرية)

” الكلام هو أداة العالم الحاضر. والصمت هو سر العالم الآتى ”

(مار اسحق السريانى)

النهاية تقترب:

          ” وننتظر قيامة الأموات وحياة الدهر الآتى “.

          قانون الإيمان فى اتجاهه إلى المستقبل ينتهي بعبارة فيها انتظار وتوقع. ولكن رغم أن حياة الدهر الآتى، هي التي ينبغى أن تشد انتباهنا على الدوام أثناء حياتنا على الأرض، إلاّ انه ليس ممكنًا لدينا أن نتكلم بأى تفاصيل عن حقائق الدهر الآتى. يقول القديس يوحنا الرسول: ” أيها الأحباء، الآن نحن أولاد الله ولا نعلم بعد ماذا سنكون” (1يو2:3). نحن نملك الآن ونحن هنا على الأرض عن طريق إيماننا بالمسيح، علاقة حية شخصية مع الله، ونحن نعرف ـ ليس كنظرية أو افتراض ـ بل نعرف كحقيقة اختبارية حاضرة، أن هذه العلاقة تحوى فى داخلها منذ الآن ـ بذور الأبدية. ولكننا لا نعرف ماذا يعنى أن نعيش ليس فى تتابع الزمن بل أن نعيش فى الحاضر، ” الحاضر الأبدى ” ـ أى ليس تحت أحوال السقوط بل فى “عالم يكون الله فيه الكل فى الكل” ـ عن هذا نحن نعرف فقط لمحات قليلة ولا نملك مفهومًا واضحًا؛ ولذلك يجب أن نتحدث بحذر فى هذا الأمر، ونعرف أننا هنا فى حاجة إلى الصمت.

 

          ومع ذلك، فهناك على الأقل ثلاث أمور ينبغى أن نؤكد عليها بدون أى غموض، وهي: أن المسيح سيأتى ثانية فى مجدٍ عظيم؛ وأنه عندما مجيئه ستتم القيامة من الأموات والدينونة؛ وأنه ” ليس لملكه نهاية ” (لو33:1).

فأولاً: يتحدث إلينا الكتاب المقدس والتقليد المقدس مرات عديدة عن المجيء الثانى. والكتاب والتقليد لا يعطياننا أى أساس للافتراض بأنه ـ عن طريق تقدم مستمر فى “الحضارة” فإن العالم سيصير أفضل فأفضل بالتدريج إلى أن ينجح الجنس البشرى فى تأسيس مملكة الله على الأرض. إن الرؤية المسيحية لتاريخ العالم تتعارض تمامًا مع هذا النوع من التفاؤل المبنى على التطور.

          ولكن الكتاب يعلمنا أن نتوقع كوارث فى عالم الطبيعة، وحروب متزايدة بين الشعوب، وارتباك وارتداد بين أولئك الذين يدعون أنفسهم مسيحيين (أنظر خاصة مت3:24ـ27). وهذه الفترة من الضيق تصل إلى ذروتها بظهور إنسان الخطية (2تس3:2ـ4) أى ضد المسيح، الذي بحسب التفسير التقليدى للكنيسة الأرثوذكسية، ليس هو الشيطان نفسه بل هو إنسان ـ إنسان تتركز فيه كل قوى الشر، والذي سوف يخضع العالم كل تحت سيطرته لفترة من الزمن. والفترة القصيرة التي يسيطر فيها ضد المسيح سوف تنتهي فجأة بمجيء الرب ثانية ـ ليس بطريقة خفية كما حدث وقت ولادته فى بيت لحم، بل ” جالسًا عن يمين القوة وآتيًا على سحاب السماء” (مت64:26). وهكذا فإن مسيرة التاريخ سوف تنتهي بطريقة فجائية وحاسمة، عن طريق التدخل الإلهي المباشر.

          ميعاد المجيء الثانى أخفاه الله عنا، كما يقول الإنجيل: ” ليس لكم أن تعرفوا الأزمنة والأوقات التي جعلها الآب فى سلطانه” (أع7:1). سيأتى الرب ” كلص فى الليل” (1تس2:5). وهذا يعنى أننا يجب أن نتحاشى التفكير فى تحديد ميعاد مجيء الرب، كما أننا يجب من الناحية الأخرى أن نكون دائمًا على استعداد وفى حالة توقع للمجيء. ” ما أقوله لكم أقوله للجميع، اسهروا ” (مر37:13). لأنه سواء أتت النهاية متأخرة أو مبكرة بحسب مقاييسنا البشرية ـ فهي دائمة قريبة ـ دائمًا قريبة منا روحيًا. ينبغى أن يكون لنا فى قلوبنا دائمًا إحساس التوقع الملح. وبكلمات القديس أندراوس الكريتى، التي تُصلى فى الصوم الكبير:

          “ نفسى، يا نفسى، قومى! لماذا أنت نائمة ؟

          النهاية تقترب، وحالاً سيعتريك الاضطراب.

          أسهرى إذن، حتى يحفظك المسيح إلهك،

          فهو حاضر فى كل مكان ويملأ كل الأشياء “.

 

ثانيًا: الربيع الآتى:

          نحن كمسيحيين لا نؤمن فقط بخلود النفس بل أيضًا بقيامة الجسد.. وبحسب أمر الله فى خلقتنا الأولى، فإن النفس والجسد يعتمد كل منهما على الآخر ولا يمكن لأحدهما أن يوجد بدون الآخر. وكنتيجة للسقوط يحدث الانفصال بينهما فى الموت الجسدى، ولكن هذا الانفصال ليس نهائيًا وليس دائمًا. فعند مجيء المسيح ثانية، سوف نُقام من الأموات بالنفس والجسد معًا، وهكذا بعودة النفس والجسد متحدين، سوف نظهر أمام الرب للدينونة الأخيرة.

 

          إن الدينونة، كما يؤكد إنجيل القديس يوحنا تتم باستمرار طوال فترة وجودنا على الأرض. فكلما اخترنا الخير والصلاح ـ سواء بوعى أو بغير وعى ـ فإننا ندخل مسبقًا منذ الآن إلى الحياة الأبدية، وحينما نختار الشر فإننا ننال من الآن تذوقًا مسبقًا للجحيم. من الأفضل أن نفهم الدينونة الأخيرة على أنها ” لحظة الحق”، حينما ينكشف كل شئ فى النور، حينما تصير كل اختياراتنا مكشوفة لنا بكل ما تتضمنه من نتائج، وحينما نعرف بوضوح كامل من نحن وماذا كان المعنى العميق لحياتنا وما هو هدفها. وهكذا، فبعد هذا التوضيح الكامل ـ فإننا سندخل بالنفس والجسد متحدين معًا ـ إما إلى السماء أو إلى جهنم، أى إما إلى الحياة الأبدية أو الموت الأبدى.

          المسيح هو الديان؛ ومع ذلك ـ فمن وجهة نظر أخرى، فإننا نحن الذين ننطق بالحكم على أنفسنا. فإن ذهب أحد إلى جهنم، فذلك ليس لأن الله قد حبسه هناك، ولكن لأنه هو الذي اختار لنفسه أن يكون هناك. الهالكون فى جهنم هم الذين حكموا على أنفسهم بذلك، وهم الذين جعلوا أنفسهم عبيدًا؛ لقد قيل بصواب أن أبواب جهنم هي مغلقة من الداخل.

 

          ربما يتساءل البعض، كيف يمكن أن يقبل إله المحبة أن يبقى ولو واحد فقط من خلائقه فى جهنم إلى الأبد ؟ يوجد هنا سر، لا نستطيع أن نفحصه من وجهة نظرنا فى هذه الحياة الحاضرة. وأفضل ما يمكن أن نفعله هو أن نمسك بحقيقتين فى توازن معًا، ورغم أنهما مختلفتان لكنهما غير متناقضتين. الحقيقة الأولى، هي أن الله قد أعطى حرية الإرادة للإنسان، ولذلك، فإنه فى إمكان الإنسان أن يرفض الله بصفة دائمة. ثانيًا: المحبة تعنى الرحمة والشفقة والمشاركة، وهكذا إن كان هناك من يوجدون فى جهنم إلى الأبد، فبمعنى من المعانى، أن الله موجود معهم هناك أيضًا. كما نقرأ فى المزامير ” إن نزلت إلى الجحيم، فأنت هناك أيضًا ” (مز7:139س). ويقول مار اسحق السريانى “من الخطأ أن نتصور أن الخطاة فى الجحيم محرومين تمامًا من محبة الله لهم”. فالحب الإلهي موجود فى كل مكان، ولا يرفض أحدًا. ولكننا نحن من جانبنا أحرار فى أن نرفض الحب الإلهي. ولا يمكن أن نفعل هذا دون أن نسبب ألمًا لأنفسنا وكلما كان رفضنا للحب نهائيًا كلما كانت آلامنا مُرة جدًا.

 

          تقول عظات القديس مقاريوس: ” فى القيامة تقوم كل أعضاء الجسد، ولا تهلك حتى شعرة واحدة ” (لو18:21). وفى نفس الوقت يُسمى جسد القيامة “جسمًا روحانيًا” (انظر 1كو35:15ـ46). هذا لا يعنى أن أجسادنا فى القيامة لا يكون لها قوام مادى، بل ينبغى أن نتذكر أن المادة كما نعرفها فى هذا العالم الساقط، بكل جمودها وعتامتها، ليست كالمادة التي قصدها الله أن تكون بالمرة. وجسد القيامة، عندما يتحرر من كثافة الجسد الساقط فإنه سيشترك فى خصائص جسد المسيح وقت التجلى وبعد قيامته. ورغم أن جسدنا فى القيامة سيتغير، فإنه سيظل يمكن التعرف عليه على أنه هو نفس الجسد الذي لنا الآن. إذ سيكون هناك استمرار بين الاثنين.

          وكما يقول القديس كيرلس الأورشليمى:

          [ إنه هو نفس الجسد الذي سيُقام، رغم أنه لن يكون فى نفس حالة الضعف الحاضرة لأنه ” سيلبس عدم فساد ” (1كو53:15)، وهكذا فإنه سيتغير. إنه لن يحتاج إلى الأطعمة التي نأكلها الآن لحفظ جسدنا حيًا، ولن يحتاج إلى سلم ليصعد عليه، لأنه سوف يصير روحانيًا، وسيصير جسدًا عجيبًا حتى إننا لا نستطيع أن نصفه بطريقة صحيحة ].

          ويقول القديس إيريناوس:

          [ إن تركيب الخليقة ومادتها لن يتلاشيا، بل إن ” هيئة هذا العالم هي التي ستزول ” (1كو31:7) ـ أى الظروف والأحوال التي نتجت عن السقوط، وحينما تزول الهيئة الخارجية فإن الإنسان سيتجدد وسوف يزدهر فى بداية حياة لا تفنى، حتى انه ليس من الممكن فيما بعد أن يشيخ الإنسان. ستكون هناك ” سماء جديدة وأرض جديدة” (رؤ1:21). وفى هذه السماء الجديدة والأرض الجديدة سوف يسكن الإنسان، ويكون جديدًا إلى الأبد، وفى حديث مع الله إلى الأبد ].

          ” سماء جديدة وأرض جديدة“: فالإنسان لا يخلص من جسده، بل يخلص فى جسده، لا يخلص من العالم المادى بل يخلص معه. ولأن الإنسان هو كون صغير وهو وسيط للخليقة، لذلك فإن خلاصه يقتضى مصالحة وتجلى كل الخليقة الحية وغير الحية التي تحيط به، أى يقتضى عتقها “من عبودية الفساد” ودخولها إلى ” حرية مجد أولاد الله” (رو21:8). أى أن كل الخليقة المادية بكل أنواعها ومفرداتها ستشترك فى الإنسان أو عن طريق الإنسان فى مجد أولاد الله وتتمجد معهم أى تشترك كلها فى الخلود.

 

ثالثًا: رحلة إلى اللانهاية:

          ملكوت القيامة هذا، الذي سوف نسكن فيه ـ برحمة الله ـ ونفسنا وجسدنا متحدة معًا، هو ملكوت ” ليس له نهاية “. إن أبدية هذا الملكوت ولا نهائيته يفوقان حدود تصورنا الساقط، ولكن على أى حال نحن متأكدون من أمرين:

          الأمر الأول هو أن الكمال ليس له شكل واحد بل له صور عديدة. والأمر الثانى هو أن الكمال ليس حالة راكدة بل هو ديناميكى متحرك.

          فأولاً، إن الأبدية تعنى تنوعًا لا يمكن حصره.

          فإن كان صحيحًا بحسب اختبارنا فى هذه الحياة أن القداسة ليست أمرًا رتيبًا بل هي متنوعة فى أشكالها، فهذا يجب أن يكون صحيحًا أيضًا ـ وبدرجة أعلى جدًا ـ فى الحياة الآتية. إن الله يعدنا قائلاً: ” من يغلب فأعطيه حصاة بيضاء، وعلى الحصاة اسم جديد، لا يعرفه أحد غير الذي يأخذ ” (رؤ17:2). وحتى فى الدهر الآتى، فإن المعنى الداخلى لشخصيتى الفريدة سوف يستمر سرًا بين الله وبينى إلى الأبد. فى ملكوت الله، كل شخص منا هو واحد مع آخرين، ومع ذلك فكل شخص هو متميز بذاته، وهو يحمل نفس السمات التي كانت له فى هذه الحياة، إلاّ أن هذه السمات تُشفى وتتجدد وتتمجد فى الدهر الآتى. وبكلمات الأنبا إشعياء الأسقيطى:

          [ الرب يمنح رحمته لكل واحد بحسب أعماله ـ فللعظيم حسب عظمته وللصغير حسب صغره، لأنه قال ” فى بيت أبى منازل كثيرة ” (يو2:14) فرغم أن الملكوت واحد، فإن كل واحد منا يجد فى هذا الملكوت الواحد، مكانه الخاص وعمله الخاص ].

          ثانيًا: إن الأبدية تعنى نموًا وتقدمًا بلا نهاية، أى تقدمًا لا يتوقف أبدًا. وكما قال  J.R.R. Tolkien ” تولكين ” [ الطرق تمضى وتمضى بلا نهاية ]. وهذا يصدق على الطريق الروحى، ليس فى الحياة الحاضرة فقط، بل أيضًا فى الدهر الآتى. نحن نتحرك دائمًا إلى الأمام. فاتجاهنا هو إلى قدام وليس إلى خلف. الدهر الآتى هو ليس مجرد عودة إلى البداية، ليس مجرد استعادة لحالة الكمال الأصلية التي كانت فى الفردوس، بل هو تقدم جديد. ستكون هناك سماء جديدة وأرض جديدة، والأمور الأخيرة ستكون أعظم من الأولى.

          يقول ” نيومان “: [ هنا على الأرض، أن تحيا يعنى أن تتغير، وأن تصير كاملاً يعنى أن تتغير كثيرًا ]. ولكن هل هذا هو الحال هنا فقط ؟ إن القديس غريغوريوس النيسى كان يعتقد أنه حتى فى السماء فإن الكمال هو نمو وتقدم. وفى تضاد لطيف يقول إن جوهر الكمال يكمن بالضبط فى أن الإنسان لا يصير كاملاً أبدًا بل هو دائمًا يتقدم إلى الأمام إلى درجة أعلى من الكمال الذي سبق أن وصل إليه. ولأن الله لا نهائى، فهذا ” التقدم إلى الأمام يكون بلا حدود. النفس تمتلك الله ومع ذلك تسعى إليه وتطلبه، هي تمتلئ بالفرح، ومع ذلك فإن فرحها ينمو ويزدادًا بأكثر قوة على الدوام. الله يقترب منا دائمًا أكثر فأكثر، ومع ذلك يظل دائمًا هو الآخر، نحن نراه وجهًا لوجه ومع ذلك نستمر فى التقدم أكثر فأكثر داخل السر الإلهي. ورغم أننا لم نعد غرباء بعد، إلاّ أننا نستمر حجاج مسافرين على الطريق. نحن نذهب “من مجد إلى مجد” (2كو18:3)، وبعد ذلك إلى مجد أعظم. ولن نصل ـ فى كل الأبدية ـ إلى نقطة نكون فيها قد تممّنا كل ما يمكن أن يتم أو نكون قد اكتشفنا كل ما يمكن أن يُعرف هناك. يقول القديس إيريناوس [ ليس فى العالم الحاضر فقط بل فى الدهر الآتى أيضًا، فإن الله سيكون عنده شئ أكثر يعلمه للإنسان، والإنسان سيكون محتاجًا دائمًا أن يتعلم من الله شيئًا أكثر].

 

الله والأبدية – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد

الله والصلاة – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد

الله والصلاة – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد 

 

الله والصلاة – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد

 

 

الطريق الأرثوذكسي للأسقف كاليستوس وير

الفصل السادس

الله والصلاة

 

” لا أنا بل المسيح فىَّ ” (غلا20:2)

” لا توجد حياة بدون صلاة. بدون صلاة يوجد فقط جنون ورعب. موهبة الصلاة هي روح الأرثوذكسية ”                                                                                    (فاسيلى روزانوف)

” سأل الاخوة الأنبا أغاثون: يا أبانا ما هي الفضيلة التي تحتاج إلى أعظم جهاد بين كل أنشطتنا المتنوعة؟. فأجاب: اغفروا لى فإنى اعتقد أنه لا يوجد جهاد أعظم من الصلاة لله. ففى كل مرة يريد الإنسان أن يصلى، يحاول أعداؤه أن يمنعوه، لأنهم يعرفون أنه لا يوجد شئ يعوقهم اكثر من الصلاة لله. ففى كل أمر يقوم به الإنسان، فإنه إذا ثابر سيصل إلى الراحة. ولكن لكى يصلى الإنسان فإنه ينبغى ان يصارع إلى النفس الأخير ”  

(من أقوال آباء البرية)

 

ثلاث مراحل على الطريق:

          بعد سيامتى كاهنًا، سألت أسقفًا يونانيًا أن يعطنى نصيحة فى تقديم العظات. فكان إجابته محددة ومختصرة، إذ قال: ” كل عظة يجب أن تحتوى على ثلاث نقاط لا أكثر ولا أقل “.

          وكذلك، فإنه قد جرت العادة أن نقسّم الطريق الروحى إلى ثلاث مراحل. وعند القديس ديونيسيوس الأريوباغى هذه المراحل هي: التطهير، والاستنارة، والاتحاد. وهذا التقسيم صار هو المتبع عادة فى الغرب. والقديس غريغوريوس النيسى، إذ يتخذ حياة موسى نموذجًا، فإنه يتحدث عن مراحل النور، السحاب، والظلام. ولكننا فى هذا الفصل سوف نتبع التقسيم الثلاثى الذي وضعه أوريجينوس ثم طوره مكسيموس المعترف. المرحلة الأولى: هي مرحلة العمل والممارسة أى ممارسة الفضائل؛ والمرحلة الثانية هي مرحلة الطبيعة، أى التأمل فى الطبيعة؛ والمرحلة الثالثة والأخيرة هي الثيؤولوجيا أى المرحلة اللاهوتية بالمعنى الدقيق للكلمة، أى تأمل الله ذاته.

 

          المرحلة الأولى: ممارسة الفضائل، تبدأ بالتوبة. فالمسيحى المُعمّد، بإنصاته إلى ضميره وباستخدام إرادته الحرة يجاهد بمعونة الله ليفلت من تأثير النزوات الشهوانية. وبتتميمه للوصايا، ونموه فى التمييز بين الصواب والخطأ وبتنمية إحساسه “بما يجب”، فإنه يصل تدريجيًا إلى نقاوة القلب؛ ونقاوة القلب هذه هي التي تشكل الغاية النهائية للمرحلة الأولى.

 

          فى المرحلة الثانية، مرحلة تأمل الطبيعة، يشحذ المسيحى إحساسه بوجود الأشياء المخلوقة ويزيد من حدة إحساسه بمخلوقيتها، وهكذا يكتشف الخالق حاضرًا فى كل الأشياء المخلوقة. وهذا يقود إلى المرحلة الثالثة، مرحلة رؤية الله المباشرة، الذي ليس هو فقط موجود فى كل الأشياء بل هو فوق كل الأشياء ووراء كل الأشياء. فى هذه المرحلة الثالثة، لا يعود المسيحى يختبر الله فقط من خلال ضميره أو من خلال الأشياء المخلوقة، بل هو يلتقى بالخالق وجهًا لوجه فى اتحاد حب بدون وسيط. إن الرؤية الكاملة للمجد الإلهي هي محفوظة للدهر الآتى، ومع ذلك، فحتى فى هذه الحياة الحاضرة، فإن القديسين يتمتعون بالعربون الأكيد وبباكورة الحصاد الآتى.

 

          المرحلة الأولى يُطلق عليها عادة وصف “حياة العمل”، بينما المرحلتين الثانية والثالثة تُجمعان معًا تحت وصف واحد وتسميان “حياة التأمل”. وحينما يستخدم الكُتّاب الأرثوذكس هذه العبارات فهم عادة يشيرون إلى الحالات الروحية الداخلية وليس إلى الحالات الخارجية. فليس الخادم الاجتماعى أو الكارز فقط هو الذي يتبع “حياة العمل”، بل أن الناسك أو المتوحد يتبع أيضًا “حياة العمل” وذلك إن كان هو أو هي (الناسك أو الناسكة) لا يزال يصارع ليتغلب على الشهوات ولكى ينمو فى الفضيلة.

 

          وبنفس الطريقة فإن “حياة التأمل” ليست مقصورة على الصحراء أو صومعة الراهب: فالعامل فى المنجم، والكاتب على الآلة الكاتبة أو ربة البيت يمكن أن يكون عندهم هدوء داخلى ويمارسون صلاة القلب، وبذلك يمكن أن يكونوا بمعنى حقيقى من الذين يحيون “حياة التأمل”. وفى كتاب “أقوال آباء البرية” نجد هذه القصة عن القديس أنطونيوس أعظم المتوحدين: ” أُعلن للأنبا أنطونيوس وهو فى البرية: أنه يوجد فى المدينة إنسان معادل لك، ومهنته طبيب. وكل ما يوفره يعطيه للمحتاجين، وطول اليوم يرتل تسبحة الثلاثة تقديسات مع الملائكة “.

 

          إن صورة المراحل الثلاثة للرحلة، رغم أنها مفيدة، إلاّ أنها لا ينبغى أن تؤخذ حرفيًا. الصلاة هي علاقة حية بين شخصين، والعلاقات الشخصية لا يمكن أن تُقسّم تقسيمًا دقيقًا. وينبغى التأكيد، بوجه خاص على أن المراحل الثلاث لا تتبع إحداها الأخرى بدقة بحيث تنتهي مرحلة قبل أن تبدأ المرحلة التي تليها.. فأحيانًا يمنح الله لمحات من المجد الإلهي لشخص كعطية غير متوقعة، قبل أن يكون هذا الشخص قد بدأ أن يتوب وقبل أن يسلم نفسه لجهاد “حياة العمل”. وبالعكس، فمهما كان الإنسان قد دخل بعمق ـ بمعونة الله ـ إلى أسرار التأمل، فما دام يحيا على الأرض ينبغى أن يواصل الجهاد ضد التجارب. وحتى آخر حياته على الأرض هو لا يزال يتعلم التوبة.. يقول القديس أنطونيوس: ” ينبغى أن يتوقع الإنسان مجيء المحاربات عليه، حتى آخر نسمة فى حياته”. وفى موضع آخر من ” أقوال آباء البرية ” يوجد وصف لموت أنبا صصوى، أحد أقدس وأحب الشيوخ: كان الاخوة الواقفون حول فراشه يرون شفتيه تتحركان. فسألوه: من هو الذي تكلمه يا أبانا ؟ فأجاب “جاء الملائكة ليأخذونى وأنا أسالهم أن يعطونى وقتًا أكثر ـ وقتًا أكثر للتوبة ” فقال له تلاميذه ” أنت لا تحتاج إلى توبة “، فأجاب الشيخ ” فى الحقيقة، أنا لست متأكدًا إن كنت قد بدأت التوبة أم لا “، وهكذا تنتهي حياته. هو فى نظر تلاميذه الروحيين إنسان كامل، ولكن فى نظر نفسه هو لا يزال فى البداية.

 

          إذن، لا يستطيع أحد، وهو لا يزال فى هذه الحياة أن يدّعى أنه قد اجتاز أكثر من المرحلة الأولى. المراحل الثلاث ليست متتابعة بل هي متداخلة معًا. وعلينا أن نفكر فى الحياة الروحية على أنها من ثلاث مراحل بمعنى ثلاث مستويات. وتعتمد على بعضها بعضًا، وموجودة معًا فى وقت واحد.

 

ثلاث افتراضات:

          قبل أن نمتد أكثر فى الكلام عن هذه المراحل والمستويات، أرى أنه من الحكمة أن نوضح ثلاث عناصر لا غنى عنها، يُفترض أن تكون موجودة فى كل نقطة على الطريق الروحى.

 

          أولاً: يُفترض أن يكون المسافر على “الطريق” هو “عضو فى الكنيسة”. فالرحلة تتم فى زمالة مع الآخرين، وليست على انفراد. فالتقليد الأرثوذكسى يدرك إدراكًا قويًا الطبيعة الكنسية لكل حياة مسيحية حقيقية. فلنأخذ اقتباسًا من ألكسى خومياكوف: ” لا أحد يخلص بمفرده. الذي يخلص إنما يخلص فى الكنيسة، كعضو فيها، وبالاتحاد مع كل أعضائها الآخرين. فإن كان أحدًا يؤمن، فإنه يصير فى شركة (جماعة) الإيمان، إن أحب، فهو فى شركة الحب، وإن صلى فهو فى شركة الصلاة”.

 

          ويقول الأب ألكسندر إلشانينوف: “الجهل والخطية هي سمات الأفراد المنعزلين بأنفسهم. وفى وحدة الكنيسة فقط نجد أن هذه العيوب يتم التغلب عليها. الإنسان يجد نفسه الحقيقية فى الكنيسة وحدها: هو لا يجدها فى عجز الانعزال الروحى بل يجدها فى القوة التي يحصل عليها من شركته مع اخوته ومع مخلصه”.

 

          صحيح طبعًا أنه يوجد بعض الناس الذين يرفضون المسيح وكنيسته بعقلهم الواعى، أو ربما لم يسمعوا عنه بالمرة؛ ومع ذلك ـ هؤلاء الأشخاص الذين لا يعرفون أنفسهم ـ هم عبيد حقيقيون للرب الواحد فى عمق قلبهم وفى الاتجاه الضمنى الخفى لكل حياتهم.

 

          الله يستطيع أن يخلص أولئك الذين لم ينتموا أبدًا لكنيسته فى هذه الحياة. ولكن إذا نظرنا للأمر من ناحيتنا نحن، هذا لا يجعلنا أن نقول: “الكنيسة ليست ضرورية بالنسبة لى”. لا يوجد فى المسيحية ما يُسمى “بنخبة روحية” غير ملزمة بضرورات العضوية العادية للكنيسة. فالمتوحد فى الصحراء هو عضو فى الكنيسة تمامًا مثل الحِرَفى فى المدينة. فالطريق النُسكى السرى (الصوفى)، رغم أنه من ناحية معينه هو “انطلاق الوحيد إلى الوحيد” إلاّ انه فى نفس الوقت هو أساسًا هو طريق اجتماعى وطريق شركة. المسيحى هو الشخص الذي له اخوة وأخوات. هو ينتمى إلى عائلة ـ عائلة الكنيسة.

 

          ثانيًا: الطريق الروحى يفترض ليس فقط الحياة فى الكنيسة، بل يفترض أيضًا “الحياة فى الأسرار”. وكما يؤكد نيقولا كاباسيلاس بشدة؛ فإن الأسرار هي التي تكوّن حياتنا فى المسيح. وهنا أيضًا لا يوجد مكان “للنخبة المتميزة“. فلا ينبغى أن نتصور أنه يوجد طريق “للمسيحى العادى” ـ طريق العبادة الجماعية التي تجتمع حول الأسرار ـ وطريق آخر لقلة مختارة مدعوة للصلاة الداخلية. بالعكس ـ هناك طريق واحد فقط؛ فطريق الأسرار وطريق الصلاة الداخلية ليسا بديلين (أحدهما عكس الآخر)، بل هما يشكلاّن وحدة واحدة. لا يمكن لأحد أن يكون مسيحيًا حقًا إن كان ينظر إلى الأسرار كطقس ميكانيكى. فالناسك فى الصحراء ربما يتناول من الأسرار مرات أقل من المسيحى فى المدينة، ولكن هذا لا يعنى أن الأسرار أقل أهمية بالنسبة للناسك، بل يعنى أن نظام حياته السرائرية مختلف. إن الله يستطيع أن يخلّص الذين لم تكن لهم الفرصة أن يعتمدوا ولكن حتى إن كان الله غير مقيد بالأسرار، فنحن مقيدون بالأسرار.

 

          وقد سبق أن لاحظنا مع القديس مرقس الناسك (فى الفصل السابق ص126)، كيف أن كل الحياة النسكية والتصوفية هي متضمنة فى سر المعمودية: فمهما تقدم الإنسان فى الطريق، فإن كل ما يكتشفه ليس سوى كشف وإظهار للنعمة التي نالها فى المعمودية. ونفس الشىء يمكن أن يُقال عن التناول من الأسرار المقدسة: فكل حياتنا النسكية والروحية هي تعميق وتحقيق لاتحادنا الإفخارستى مع المسيح المخلص. فى الكنيسة الأرثوذكسية يُعطى التناول للأطفال ابتداءً من لحظة معموديتهم فصاعدًا. وهذا معناه أن أولى ذكريات الطفولة التي تتكوّن عند المسيحى الأرثوذكسى تكون مرتبطة بمجيئه لتناول جسد المسيح ودمه؛ كما أنه يأمل أن يكون آخر عمل فى حياته؛ هو أن يتناول هذه الأسرار المقدسة. وهكذا فإن اختباره للتناول من الأسرار يمتد ليملأ كل مجال حياته الواعية. إنه من خلال الشركة فى الأسرار ـ فوق كل شئ ـ يصير المسيحى “واحدًا مع  المسيح”، يُغرس فى الله ingodded، أو يؤله (يصير إلهيًا). إنه من خلال التناول ـ فوق كل شئ ـ ينال باكورة الأبدية. يقول مار اسحق السريانى: [ مغبوط هو الذي قد أكل خبز المحبة الذي هو يسوع”. “هو يستنشق، وهو لا يزال فى هذا العالم ـ هواء القيامة ـ الذي سيبتهج به الأبرار بعد أن يقوموا من الأموات”. يقول نيقولا كاباسيلاس: “كل البشر الذين يجاهدون يصلون إلى غايتهم النهائية هنا، لأننا فى هذا السر نبلغ إلى الله نفسه، والله نفسه يصير واحدًا معنا بأكمل صورة من صور الاتحاد الممكنة. هذا هو السر النهائى: أبعد من هذا لا يمكن الذهاب، ولا يمكن أن يضاف إليه شئ آخر ].

 

          ثالثًا: الطريق الروحى ليس كنسيًا وسرائريًا فقط، بل هو أيضًا إنجيلى، هذا هو الافتراض الثالث بالنسبة للمسيحى الأرثوذكسى. فى كل خطوة على الطريق، نحن نلجأ لطلب الإرشاد من صوت الله الذي يكلمنا من خلال الكتاب. تخبرنا ” أقوال آباء البرية ” بأن “الشيوخ اعتادوا أن يقولوا: الله لا يطلب من المسيحيين شيئًا سوى أن يسمعوا للكتب المقدسة ويعملوا بالأمور التي تقولها الكتب”. (ولكن فى موضع آخر يؤكد نفس كتاب أقوال آباء البرية على أهمية الحصول على إرشاد من أب روحى ليساعدنا فى تتميم الكتاب باستقامة). وحينما سُئل القديس أنطونيوس: [ ما هي القوانين التي أحفظها لكى أرضى الله؟” أجاب: “حيثما ذهبت ليكن الله أمام عينيك ؛ وفى كل ما تفعل أو تقول ليكن لك شاهد من الكتب المقدسة؛ وأى مكان تسكن فيه لا تتعجل بتركه إلى موضع آخر. أحفظ هذه الثلاثة وأنت سوف تحيا “.

يكتب المطران فلاريت مطران موسكو:

المصدر النقى الوحيد والكافى تمامًا لتعاليم الإيمان هو كلمة الله الموحاة الموجودة فى الكتب المقدسة ]

 

          والأسقف أغناطيوس بريانتشانينوف يعطى للمبتدئ الذي يدخل الدير هذه التوصيات، وهي توصيات تصلح بالتساوى للعلمانيين:

          [ منذ أول دخوله إلى الدير ينبغى للراهب أن يكرس كل اهتمامه وانتباهه لقراءة الإنجيل المقدس. يجب أن يدرس الإنجيل بتدقيق حتى يصير حاضرًا دائمًا فى ذاكرته. وينبغى أن يكون تعليم الإنجيل حاضرًا فى ذهنه عند كل موقف أخلاقى، عند كل عمل، وعند كل فكر استمر فى دراسة الإنجيل حتى نهاية حياتك. لا تتوقف أبدًا. لا تظن أنك قد عرفته بدرجة كافية حتى لو كنت قد حفظته كله غيبًا ].

 

          ما هو موقف الكنيسة الأرثوذكسية من الدراسة النقدية للكتاب المقدس التي جرت فى الغرب فى العصور الحديثة؟. ينبغى أن نضع فى أذهاننا أن الكتاب المقدس ليس مجرد مجموعة وثائق تاريخية، بل هو كتاب الكنيسة، ” الذي يحوى كلمة الله “. وهكذا فنحن لا نقرأ الكتاب كأفراد منعزلين، نفسره فقط على ضوء فهمنا الخاص أو على أساس النظريات الشائعة عن نقد المصادر، أو نقد النص أو غيره من نظريات النقد. نحن نقرأه كأعضاء الكنيسة، ونحن فى شركة مع كل الأعضاء الآخرين طوال الأجيال. المعيار النهائى لتفسيرنا للكتاب هو ذهن الكنيسة. وهذا يعنى أن نضع أمامنا ما هو المعنى الذي شُرح به الكتاب فى التقليد المقدس: أو بمعنى آخر كيف فهم آباء الكنيسة القديسون الكتاب المقدس، وكيف تستخدم الكنيسة الكتاب فى عبادتها الليتورجية.

وفى قراءتنا للكتاب، نحن عادة نجمع معلومات، أو نبحث فى معنى جملة غامضة، ونقارن ونحلل. ولكن هذا كله أمر ثانوى. الهدف الحقيقى لدراسة الكتاب هو أهم من ذلك بكثير. هو أن نغذى حبنا للمسيح، أن نشعل قلوبنا للدخول فى الصلاة، ولكى يزودنا الكتاب بالإرشاد فى حياتنا الشخصية.

 

          إن دراسة الكلمات ينبغى أن تقودنا إلى حوار مباشر مع الكلمة الحى نفسه. يقول القديس تيخون من زادونسك ” كلما تقرأ الإنجيل، فالمسيح نفسه هو الذي يكلمك. وبينما أنت تقرأ، أنت تصلى وتتحدث معه “.

 

          وبهذه الطريقة فإن الأرثوذكس يعتادون على ممارسة قراءة بطيئة متأملة واعية للكتاب، بها تقودنا دراسة الكتاب مباشرة إلى الصلاة كما يحدث فى الرهبنات البندكتية والسسترسيانية فى الغرب. ولكن الأرثوذكس ليس لديهم قواعد مفصلة أو طرق لهذه القراءات التأملية. فالتقليد الروحى الأرثوذكسى لا يستخدم الأنظمة الخاصة بالهذيذ والتأمل، التي وُضعت فى الغرب بواسطة أغناطيوس ليولا أو فرانسوا دى سال. السبب الذي يجعل الأرثوذكس يشعرون عادة أنهم لا يحتاجون لمثل هذه الأنظمة هو أن الخدمات الليتورجية التي يشتركون فيها خاصة فى الأعياد الكبرى والأصوام، هي طويلة جدًا وتحتوى على عدة نصوص من الكتاب تكرر كثيرًا. كل هذا يكفى لتغذية الخيال الروحى للمصلى، حتى أنه لا يحتاج أن يضيف أفكارًا جديدةً لتطوير رسالة الكنيسة فى خدماتها لتوضع فى فترات يومية للتأمل الرسمى المنظم.

 

          وإذ نقترب من الكتاب بروح الصلاة، فإننا نجده دائمًا معاصرًا لنا، لا كمجرد كتابات كتبت من عصور سحيقة، بل هو رسالة موجهة مباشرة لى هنا والآن. يقول القديس مرقس الناسك: ” المتواضع فى أفكاره والمنشغل بالعمل الروحى، حينما يقرأ الكتاب المقدس، يطبق كل شئ على نفسه وليس على غيره”. والكتاب لأنه مُوحى به من الله، وموجه لكل مؤمن شخصيًا فإنه يملك قوة سرية، تنقل النعمة إلى القارئ، وتأتى به إلى نقطة اللقاء الحاسم. المعنى الحقيقى للكتاب سينكشف فقط للذين يدرسونه بذهنهم الروحى ودماغهم المفكر.

 

          الكنيسة، الأسرار، الكتاب ـ هذه هي الافتراضات الثلاث لرحلتنا.

[ والآن لنعالج المراحل الثلاث: (1) حياة العمل أى ممارسة الفضائل،   (2) تأمل الطبيعة، (3) تأمل الله ].

 

المرحلة الأولى: حياة العمل:

ملكوت السموات يُغضب:

          كما يظهر من عنوانها، فإن حياة العمل تستلزم من ناحيتنا مجهودًا وصراعًا وبذل جهد متواصل من إرادتنا الحرة. ” ما أضيق الباب وأكرب الطريق الذي يؤدى إلى الحياة.. ليس كل من يقول يارب يارب يدخل ملكوت السماوات، بل الذي يفعل إرادة أبى الذي فى السموات ” (مت21،14:7). يلزمنا أن نُمسك بحقيقتين مكملتين لبعضهما بشكل متوازن: فبدون نعمة الله لا نستطيع أن نعمل شيئًا؛ ولكن بدون تعاوننا الإرادى فإن الله لن يعمل شيئًا. ” إرادة الإنسان شرط أساسى لأنه بدونها فإن الله لا يعمل شيئًا ” (عظات القديس مقاريوس). إن خلاصنا يتم بتلاقى عاملين، هذان العاملان غير متساويين فى قيمتهما إلاّ أنه لا يمكن الاستغناء عن أى عامل منهما، وهما: المبادرة الإلهية والاستجابة البشرية. إن ما يعمله الله هو الأكثر أهمية بدون أى وجه للمقارنة، ولكن مشاركة الإنسان هي أيضًا لازمة.

          فى حالة ما قبل السقوط، فإن استجابة الإنسان للحب الإلهي تكون تلقائية تمامًا ومملوءة فرحًا. ولكن حتى فى هذا العالم الساقط فإن عنصر التلقائية يظل موجودًا، ولكن هناك حاجة أيضًا لأن نكافح بتصميم ضد العادات العميقة الجذور والميول الناتجة عن الخطية؛ سواء الخطية الأصلية أو الخطايا الشخصية. إحدى الصفات الهامة جدًا التي يحتاجها المسافر على “الطريق”، هي المثابرة والإخلاص. والاحتمال المطلوب من الشخص الذي يتسلق الجبل جسميًا، هو مطلوب بالمثل من أولئك الذين يريدون صعود جبل الله.

 

          يجب أن يغصب الإنسان نفسه ـ أى ذاته الساقطة ـ لأن ملكوت السموات يُغصب، والغاصبون يختطفونه (أنظر متى12:11). هذا ما يكرره لنا مرشدونا فى “الطريق” ويجب أن نتذكر أنهم يقولون هذا للمسيحيين المتزوجين مثلما يقولونه للرهبان والراهبات. ” الله يطلب كل شئ من الإنسان ـ فكره، وعقله، وأعماله… هل تريد أن تخلص عند موتك؟ أذهب وأبذل نفسك؛ اذهب واتعب؛ اذهب، وأطلب وسوف تجد؛ أسهر وأقرع؛ وسوف يُفتح لك” (من أقوال آباء البرية). “الحياة الحاضرة ليست وقتًا للراحة والنوم، بل هي كفاح، هي صراع، هي سوق، هي مدرسة، هي رحلة. لذلك ينبغى أن تجهد نفسك، ولا تكن مكتئبًا وكسولاً بل كرّس نفسك للأعمال المقدسة ” (الشيخ نازارى من فالامو). ” لا شئ يحدث بدون مجهود. معونة الله دائمًا حاضرة، ودائمًا قريبة، ولكنها تُعطى فقط لأولئك الذين يسعون ويعملون، تُعطى فقط لأولئك الساعين الذين ـ بعد أن يضعوا كل قواهم تحت الامتحان، فإنهم بعد ذلك يصرخون بكل قلبهم: يارب أعنا” (الأسقف ثيوفان الناسك). “حيث لا حزن لا يوجد خلاص” (القديس سيرافيم من صاروف). “أن تستريح يساوى أن تنسحب” (تيتو كولياندر). ومع ذلك، لئلا نُصاب بالكآبة بسبب هذا التشدد، فإنهم يقولون لنا أيضًا: “حياة الإنسان كلها هي يوم واحد، وذلك بالنسبة للذين يجاهدون بحماس” (من أقوال آباء البرية).

 

          كل هذه الكلمات عن بذل الجهد والمعاناة، ماذا تعنى عمليًا ؟ إنها تعنى أن نجدد علاقتنا مع الله كل يوم  من خلال الصلاة الحية، والصلاة ـ كما يقول أنبا أغاثون ـ هي أصعب كل الأعمال. إن كنا لم نجد صعوبة فى الصلاة، فهذا ربما لأننا لم نبدأ بعد الصلاة الحقيقية. هذه الكلمات تعنى أيضًا أن نجدد كل يوم علاقتنا مع الآخرين من خلال التعاطف الوجدانى، من خلال أعمال الشفقة العملية، ومن خلال قطع مشيئتنا الذاتية. إنهم يقصدون أن نحمل صليب المسيح، ليس مرة واحدةً بإيماءة متعظمة مفردة، بل أن نحمله كل يوم من جديد: ” إن أراد أحد أن يأتى ورائى فلينكر نفسه ويحمل صليبه كل يوم.. ” (لو23:9). ولكن هذا الحمل اليومى للصليب هو فى نفس الوقت اشتراك يومى فى تجلى الرب وقيامته: “ كحزانى ونحن دائمًا فرحون، كفقراء ونحن نغنى كثيرين، كأن لا شئ لنا ونحن نملك كل شئ.. كمائتين وها نحن نحيا ” (2كو10،9:6).

تغيير الذهن:

          هذه هي الصفة العامة لحياة العمل. إنها تتميز فوق كل شئ بأربعة خصائص:

1 ـ التوبة           2 ـ السهر          3 ـ التمييز         4 ـ حفظ (حراسة) القلب.

          فلننظر باختصار فى هذه الخصائص:

 

1 ـ التوبة: ” بداية الخلاص هي أن يحكم الإنسان على نفسه ” (إيفاجريوس). التوبة هي أول خطوة فى رحلتنا. الكلمة اليونانية metanoia كما سبق أن لاحظنا (أنظر الفصل الأول: الله سر ص15) تعنى أساسًا، ” تغيير الذهن “. والتوبة عندما تُفهم فهمًا صحيحًا ليست سلبية بل إيجابية. إنها تعنى، ليس العطف على الذات أو الندم، بل تعنى التغير، تعنى إعادة تركيز كل حياتنا حول الثالوث. هي أن ننظر ـ لا للوراء بأسف، بل إلى الأمام فى رجاء ـ لا إلى أسفل فنرى تقصيراتنا، بل إلى أعلا لنرى محبة الله. التوبة هي أن نرى ـ لا ما فشلنا أن نكون عليه (فيما سبق)، بل أن نرى ما يمكن أن نصير عليه الآن بالنعمة الإلهية ـ وأن نعمل على أساس ما نراه. أن نتوب هو أن نفتح أعيننا للنور.

 

          وبهذا المعنى، فالتوبة ليست مجرد عمل مفرد، أو خطوة أولية، بل هي حالة مستمرة، هي موقف القلب والإرادة الذي نحتاج أن نجدده بلا توقف حتى نهاية الحياة. وبكلمات الأنبا إشعياء الأسقيطى: ” الله يريدنا أن نستمر فى التوبة حتى آخر نسمة “. ويقول مار اسحق السريانى: ” هذه الحياة أُعطيت لك لأجل التوبة، فلا تضيعها فى أمور أخرى “.

 

2 ـ السهر: أن تتوب يعنى أن تستيقظ. التوبة، أى تغيير الذهن، تقود إلى “السهر“. الكلمة اليونانية “للسهر” nepsis، تعنى حرفيًا: ” التعقل والسهر” ـ وهي عكس حالة أن يكون الإنسان فى حالة تخدير أو حالة سُكر بالخمر، وهكذا ففى إطار الحياة الروحية، هي تعنى حالة التنبه، واليقظة والتركيز وجمع الفكر. وحينما تاب الابن الضال قال الإنجيل عنه إنه “رجع إلى نفسه ” (لو17:15). فالإنسان “اليقظ الساهر” هو ذلك الإنسان الذي رجع إلى نفسه، الذي لا يحلم أحلام يقظة ـ فينساق بلا هدف تحت تأثير المؤثرات العابرة ـ بل هو الذي يملك إحساسًا واضحًا بالاتجاه والهدف الذي يتجه إليه. وتعبّر إحدى كتابات القرن الثانى (سفر الحق) عن التائب بقولها “التائب يُشبه شخصًا يستفيق من السكر، ويرجع إلى نفسه… وهو يعرف من أين يأتى وإلى أين يذهب “.

 

          ” السهر” ـ يعنى ضمن معانى أخرى ـ أن نكون حاضرين حيثما نوجد ـ فى هذه النقطة المحددة من المكان، وفى هذه اللحظة المعينة من الزمان. نحن كثيرًا ما نكون مشتتين موزعين، فنعيش ـ ليس بانتباه وصحو فى الحاضر ـ بل فى حنين إلى الماضى، أو بشكوك أو تمنيات من جهة المستقبل. فبينما علينا مسئولية فى الواقع أن نخطط للمستقبل ـ لأن السهر هو عكس العجز والتواكل ـ فإننا ينبغى أن نفكر فى المستقبل فقط بقدر ما يعتمد على اللحظة الحاضرة. فالقلق على الاحتمالات البعيدة التي تقع خارج حدود مسئوليتنا المباشرة هو مجرد تضيع لطاقاتنا الروحية.

 

          الإنسان “الساهر” إذن، ينجمع فى “الحاضر” وفى “الآن”. هو ذلك الشخص الذي يمسك ” بالوقت أى الفرصة ” kairos، الذي يمسك بلحظة الفرصة الحاسمة. ” الله يرغب أن ينتبه الناس لأمرين أساسيين: للأبدية نفسها، ولتلك النقطة من الزمن التي يسمونها “الحاضر“. لأن الحاضر هو النقطة التي فيها يتلامس الزمن مع الأبدية. ومن هذه اللحظة الحاضرة، ومنها وحدها يحصل البشر على الاختبار الذي عند الله ـ عن الحقيقة ككل، وفى هذه اللحظة وحدها تقدم للبشر الحرية والحقيقة ” (من كتابThe Screwtape Letters لـC.S. Lewis سى إس لويس). وكما يعلم Meister Eckhart مايستر إيكهارت: “ذلك الذي يبقى دائمًا فى” حاضر الآن “، فإن الله يلد ابنه فيه باستمرار “.

          الإنسان ” الساهر ” هو ذلك الشحص الذي يفهم “سر اللحظة الحاضرة”، ويحاول أن يحيا بها. هو يقول لنفسه بعبارات بول أفدوكيموف: [ الساعة التي تمر بها فى الحاضر، الإنسان الذي تقابله هنا والآن، المهمة التي تنشغل بها فى هذه اللحظة ذاتها ـ هذه هي دائمًا أهم الأمور فى حياتك كلها “. وهو يأخذ لنفسه الشعار المكتوب على معطف روسكن Ruskin  للأسلحة. ” اليوم، اليوم، اليوم “]. ” هناك صوت يصرخ مناديًا الإنسان حتى آخر نسمة، هذا الصوت يقول: تغيّر اليوم ” (أقوال آباء البرية).

 

3 ـ التمييز والإفراز: بالنمو فى السهر ومعرفة النفس، فإن المسافر على الطريق يبدأ فى اكتساب قوة التمييز أو الإفراز. وهذا التمييز يعمل كحاسة للتذوق الروحى. فكما أن حاسة التذوق الطبيعى ـ إن كانت سليمة ـ فإنها تُعرّف الإنسان إن كان الطعام متعفنًا أم صحيًا؛ هكذا أيضًا فإن التذوق الروحى، عندما ينمو وينضج بالمجهود النسكى والصلاة، فهو يجعل الإنسان قادرًا أن يميز بين الأفكار والدوافع المختلفة فى داخله. فهو يتعلم الفرق بين  الخير والشر، بين ما هو غير ضرورى وما هو ملئ بالمعنى، بين الخيالات التي يوحى بها الشيطان والصور التي تنطبع فى مخيلته المبدعة من النماذج الأصلية السماوية.

 

4 ـ فبواسطة التمييز إذن، يبدأ الإنسان أن يلاحظ بحرص أكثر، ما هو الذي يحدث فى داخله، وهكذا فإنه يتعلم أن ” يحفظ (يحرس) القلب “، فيغلق الباب أمام تجارب العدو وإثاراته. “بكل تحفظ أحفظ قلبك” (أم23:4).

 

          حينما يُذكر “القلب” فى الكتابات الروحية الأرثوذكسية، فينبغى أن يُفهم فى معناه الكتابى الكامل. القلب لا يعنى فقط العضو الطبيعى داخل الصدر، ولا يعنى مجرد العواطف والانفعالات، بل يعنى المركز الروحى لكيان الإنسان، الشخص الإنسانى كمخلوق على صورة الله ـ النفس بكل الأكثر عمقًا والأكثر صدقًا، الهيكل الداخلى الذي يجب الدخول إليه فقط عن طريق التضحية والموت. لذلك، فالقلب يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالذهن الروحى الذي سبق الحديث عنه (أنظر الفصل الثالث: الله خالق ص59) وأحيانًا كثيرة يُستعمل التعبيران بالتبادل بنفس المعنى. ولكن “القلب” له فى الغالب معنى أشمل من تعبير “ الذهن “.

          فإن “صلاة القلب” فى التقليد الأرثوذكسى، تعنى الصلاة التي تُقدم من الشخص بكليته بما يشمل: الذهن، والعقل، والإرادة، والمشاعر، والجسد أيضًا.

          أحد النواحى الأساسية فى “حفظ القلب” هو “الحرب ضد الأهواء أو الشهوات” والمقصود “بالشهوة” هنا ليس فقط الشهوة الجنسية، بل أية شهوة مضطربة أو أية رغبة شديدة تتملك النفس بعنف: كالغضب، الغيرة، الشراهة، الجشع، شهوة القوة، الكبرياء، وغير ذلك. بعض الآباء يعتبرون أن الشهوات هي شئ شرير فى ذاتها، أى، أنها أمراض داخلية غريبة عن طبيعة الإنسان الحقيقية. ولكن البعض الآخر منهم لهم وجهة نظر إيجابية أكثر، إذ يعتبرون الشهوات كمؤثرات ديناميكية موضوعة أصلاً فى الإنسان من الله، ولذلك فهي أساسًا صالحة، رغم أنها حاليًا قد شوهتها الخطية. وبناءً على هذا الرأى الثانى اللطيف، فإن هدفنا ليس أن نستأصل الشهوات بل أن نعيد توجيه طاقتها. فالغضب الشديد غير المنضبط يجب أن نحوله إلى سخط على الشر، والغيرة الحقودة نحولها إلى غيرة لأجل الحق، والشهوة الجنسية نحولها إلى حب نقى فى حرارته. إذن، فالشهوات يجب أن نطهرها لا أن نقتلها؛ أن نهذبها لا أن نستأصلها؛ أن نستعملها إيجابيًا لا سلبيًا. فنقول لأنفسنا وللآخرين: لا ” تكبت ” بل “جلّى” ” اصنع تجليًا ” (أى غيّر الشكل).

 

          هذا المجهود لتطهير الشهوات يحتاج منا أن نتممه على مستوى النفس والجسد كليهما. فعلى مستوى النفس يتم تطهير الشهوات بواسطة الصلاة، وبالممارسة المنتظمة لسرى الاعتراف والتناول، وعن طريق القراءة اليومية فى الكتاب المقدس، وبواسطة تغذية ذهننا بأفكار صالحة، وممارسة أعمال وخدمات محبة للآخرين. أما على مستوى الجسد فالشهوات تتطهر ـ قبل كل شئ ـ بواسطة الصوم والتقشف، وبواسطة السجدات الكثيرة أثناء الصلاة. فالكنيسة الأرثوذكسية لأنها تعرف أن الإنسان ليس ملاكًا بل هو وحدة من جسد ونفس، لذلك تُصر وتؤكد على القيمة الروحية للصوم الجسدى. نحن لا نصوم بسبب وجود أى نجاسة فى عملية الأكل والشرب ذاتها. على العكس، فإن الطعام والشراب هما عطية من الله، يجب أن نتناولهما بفرح وشكر. نحن نصوم لا لأننا نحتقر العطية الإلهية، بل لكى نجعل أنفسنا تعى، أن عطية الطعام هي حقًا هبة ـ أى لكى نطهر أكلنا وشربنا، ولكى نجعلهما ـ ليس بعد إذعانًا للشراهة، بل يصيران “سر” ووسيلة للشركة مع ” الواهب“. وإذ نفهم الصوم النسكى بهذه الطريقة، فإنه يكون موجهًا ليس ضد الجسد Body بل ضد “اللحم” Flesh (أنظر الفصل الثالث: الله خالق ص59. فهدفه ليس الهدم لإضعاف الجسد، بل هدفه بنّاء خلاّق لجعل الجسد أكثر روحانية.

 

          تطهير الشهوات يؤدى فى النهاية ـ بنعمة الله ـ إلى ما يسميه إفاجريوس apatheia “عدم الهوى”. وهو يقصد بهذا التعبير ـ ليس حالة سلبية من عدم المبالاة أو عدم الإحساس ـ أى لا نعود نشعر بأى إغراء أو تجربة ـ بل يقصد حالة إيجابية من إعادة التكامل والحرية الروحية حيث لا نعود نستسلم للتجربة. وربما يكون أفضل ترجمة لتعبير apatheia  “أباثيا” هو ” نقاوة القلب”. إنها تعنى التقدم من “التزعزع” إلى “الثبات“، من الإزدواجية إلى البساطة أو إخلاص القلب، من حالة الخوف والتشكك المرتبطة بعدم النضج إلى حالة البراءة والثقة المرتبطة بالنضج. عند إفاجريوس، عدم الهوى والمحبة، مرتبطان ارتباطًا وثيقًا مثل وجهين لعملة واحدة. فإن كنت تشتهي فأنت لا تستطيع أن تحب. عدم الهوى يعنى أننا لم نعد بعد تحت سيطرة حب الذات والرغبة غير المضبوطة، وهكذا نصير قادرين على المحبة الحقيقية. الشخص “عديم الهوى”، ليس عديم الحس، بل هو ذلك الشخص الذي يشتعل قلبه بالمحبة لله، وبالمحبة للبشر الآخرين، ولكل مخلوق حى، ولكل ما خلقه الله. وكما يكتب القديس مار اسحق السريانى:

      [حينما يفكر الإنسان الذي له مثل هذا القلب فى المخلوقات وينظر إليها، تمتلئ عيناه بالدموع بسبب الحنان الغامر الذي يضغط على قلبه. فقلب مثل هذا الإنسان يصير رقيقًا، ولا يستطيع أن يحتمل أن يسمع أو يرى أى أذى أو حتى أى ألم يُوجه إلى أى شئ فى الخليقة. لذلك، فهو لا يكف عن الصلاة بدموع حتى لأجل الحيوانات العجماء، ولأجل أعداء الحق ولأجل جميع الذين يسيئون إلى الحق، متوسلاً (إلى الله) أن يُحفظوا وينالوا رحمة الله. ويصلى أيضًا بحنان عظيم لأجل الزواحف، هذا الحنان الذي يزداد بلا نهاية فى قلبه، على مثال الله].

 

المرحلة الثانية: تأمل الطبيعة:

إلى الخالق من خلال الخليقة:

          المرحلة الثانية على الطريق ذى المراحل الثلاث هي تأمل الطبيعة ـ وبدقة أكثر هي تأمل الطبيعة فى الله، أو تأمل الله فى الطبيعة ومن خلال الطبيعة. وهكذا فإن المرحلة الثانية هي تمهيد وطريق للدخول إلى المرحلة الثالثة. أى بتأمل الأشياء التي خلقها الله، فإن رجل الصلاة يأتى إلى تأمل الله نفسه. هذه المرحلة الثانية ” للتأمل الطبيعى ” كما سبق وذكرنا ـ ليست بالضرورة تالية “لمرحلة العمل” بل قد تكون معها فى نفس الوقت.

 

          ليس هناك إمكانية لأى تأمل من أى نوع بدون “سهر” (يقظة). لأنى لا أستطيع أن أتأمل الطبيعة أو أتأمل الله بدون أن أتعلم أن أكون حاضرًا حيثما أوجد، منجمعًا معًا فى هذه اللحظة الحاضرة، فى هذا المكان الحاضر. قف، أنظر وأنصت. هذه هي البداية الأولى للتأمل. تأمل الطبيعة يبدأ حينما افتح عينى ـ حرفيًا وروحيًا ـ وأبدأ فى ملاحظة العالم المحيط بى ـ حينما أبدأ أن ألاحظ العالم الحقيقى، أى عالم الله. الإنسان المتأمل، هو ذلك الإنسان الذي يخلع نعليه، مثل موسى أمام العليقة المشتعلة(خر5:3) ـ أى أنه يعرى نفسه من الاعتياد والضجر ـ والذي يدرك بعد ذلك أن المكان الذي يقف فيه هو أرض مقدسة. أن تتأمل هو أن تصير واعيًا لأبعاد المكان المقدس الزمان المقدس. هذا الشيء المادى، هذا الشخص الذي أتحدث إليه، هذه اللحظة من الزمن ـ كل من هؤلاء، مقدس. كل منهم ـ بطريقته الخاصة ـ هو غير قابل للتكرار ولذلك فهو ذو قيمة لا نهائية، وكل منهم يمكن أن يكون نافذة تفتح على الأبدية. وعندما أصير حساسًا لعالم الله المحيط بى، فإنى أنمو أكثر أيضًا فى إدراك عالم الله فى داخلى. وإذ أبدأ أن أرى الطبيعة فى الله، فإنى أبدأ أن أرى مكانى الخاص كشخص بشرى ضمن النظام الطبيعى؛ أى أبدأ أن أفهم ما معنى أن أكون “كون صغير” ووسيط.

 

          لقد أوضحنا فى فصول سابقة الأساس اللاهوتى لتأمل الطبيعة هذا. طاقات الله غير المخلوقة تنفذ فى كل الأشياء المخلوقة وتحفظها فى الوجود، وهكذا فإن كل الأشياء تكون تجليات يتحقق بها حضوره (أنظر الفصل الأول: الله سر تحت عنوان الجوهر والطاقات من ص30 إلى   33). ففى قلب كل شئ يوجد أساسه الداخلى أى كلمته (لوغوس logos)؛ مغروس فيه من الكلمة (اللوغوس) الخالق؛ وهكذا فإننا من خلال هذه الكلمات logoi ندخل فى شركة مع اللوغوس logos (أنظر الفصل الثانى ـ الله ثالوث ص38). الله أعلا من كل الأشياء وهو يفوق عليها كلها، ومع ذلك فهو كخالق موجود أيضًا داخل كل الأشياء ـ أى وجود الله فى كل الكون Panentheism وليس ألوهية الكون Pantheism (أنظر الفصل الثالث ـ الله خالق ص59). إذن، فأن نتأمل الطبيعة، هو بعبارة Blake (بليك)، ” أن نطهر أبواب حواسنا “، على المستويين الجسدى والروحانى، وبذلك نرى طاقات الله أو كلماته logoi فى كل شئ صنعه الله. أى نكتشف، ليس بواسطة عقلنا المنطقى أساسًا بل بالحرى بواسطة ذهننا الروحانى ـ أن العالم كله هو “عليقة كونية مشتعلة”، مملوءة بالنار الإلهية ولكنها لا تحترق.

 

          هذا هو الأساس اللاهوتى ؛ ولكن تأمل الطبيعة يحتاج أيضًا أساسًا أخلاقيًا. فنحن لا نستطيع أن نتقدم فى المرحلة الثانية للطريق الروحى إن لم نتقدم فى المرحلة الأولى بممارسة الفضائل وتكميل الوصايا. فتأملنا الطبيعى ـ إن كان ينقصه أساس راسخ من “حياة العمل” ـ يصير مجرد إحساس جمالى أو يصير رومانسيًا خياليًا، ويخفق فى أن يرتفع إلى مستوى “السهر” أو ما هو روحانى حقيقةً. لا يمكن أن يكون هناك إحساس بالعالم فى الله بدون توبة جذرية، بدون تغيير مستمر للذهن.

 

          تأمل الطبيعة له وجهان. الوجه الأول، أنه يعنى تقدير الـ ” هكذا ”     (Thusness) أو الـ”هذا” (thisness) للأشياء على وجه التخصيص، (أى تقدير كل شئ كما هو فى ذاته (وفى وضعه كما هو موجود) وللأشخاص واللحظات. يلزمنا أن نرى كل حجر، كل ورقة شجر، كل عشب، كل ضفدعة، كل وجه بشرى كما هو حقيقة فى ذاته، فى كل التميز والكثافة التي تميز وجوده الخاص به. وكما يحذرنا النبى زكريا، فإننا لا ينبغى أن  ” نزدرى بيوم الأمور الصغيرة ” (زك10:4). يقول أوليفيه كليمنت إن “التصوف الحقيقى (True Mysticism) (المستيكية الحقيقية) هو أن نكتشف ما هو غير معتاد فى ما هو معتاد “. ليس هناك شئ مخلوق يعتبر تافهًا أو يستحق الازدراء، فلأنه صنعة يد الله، فكل شئ مخلوق، له وضعه الفريد فى العالم المخلوق. الخطية وحدها هي وضيعة وتافهة، مثلها مثل معظم منتجات التكنولوجيا الساقطة الخاطئة؛ ولكن الخطية كما سبق أن لاحظنا، ليست شيئًا حقيقيًا، ومنتجات الخطية ـ رغم صلابتها الظاهرية وقوتها المدمرة ـ هي بالمثل أيضًا ليست حقيقية.

 

          والوجه الثانى لتأمل الطبيعة، يعنى أننا نرى كل الأشياء، والأشخاص واللحظات كعلامات وأسرار لله. ففى رؤيتنا الروحية نحن لا نرى فقط كل شئ بارزًا بشكل حاد، متميزًا جدًا بكل بريق وجوده الخاص، بل يجب أيضًا أن نرى كل شئ شفافًا: فيجب أن نرى الخالق فى كل ـ ومن خلال كل ـ شئ مخلوق. وعندما نكتشف فرادة كل شئ، فنحن نكتشف أيضًا كيف أن كل شئ يشير إلى من هو أبعد من ذاته ـ يشير إلى ذاك الذي صنعه. وهكذا نتعلم ـ بكلمات “هنرى سوزو” Henry Suso ـ أن نرى “الداخلى” فى “الخارجى” إذ يقول: “ذلك الذي يستطيع أن يرى ” الداخلى” فى “الخارجى”، يكون “الداخلى” بالنسبة إليه أكثر داخلية من ذاك الذي يستطيع فقط أن يرى “الداخلى” فى “الداخلى”.

 

          هذان الوجهان لتأمل الطبيعة يشار إليها بالضبط فى قصيدة شعر “جورج هربرت George Herbert”، الإكسير The Elixir:

علمنى، يا إلهي وملكى،                         أن أراك فى كل الأشياء،

وما أعمله فى أى شئ،                           أن أعمله كأنه لأجلك.

الإنسان الذي ينظر إلى مرآة           يمكن أن يبقى ناظرًا إليها،

أو إن رغب، يعبر خلالها،             ويلمح السماء من بعيد.

 

          أن تنظر إلى المرآة هو أن تدرك ” الـ هذا “، أى الحقيقة الكثيفة لكل شئ؛ أما أن تنظر “خلال” المرآة وهكذا تلمح السماء هو أن ترى حضور الله فى ذلك الشيء ووراء ذلك الشيء. هاتان الطريقتان فى النظر إلى العالم تؤكدان وتكملان إحداهما الأخرى. فالخليقة تقودنا إلى الله، والله يعيدنا مرة أخرى إلى الخليقة، إذ يعطينا الإمكانية أن ننظر إلى الطبيعة بعينى آدم فى الفردوس. لأننا عندما نرى كل الأشياء فى الله، فنحن نراها مملوءة بحيوية وإشراق لم يكن ممكنًا لها أن تملكهما بدون ذلك.

 

          لا ينبغى أن نحصر حضور الله فى العالم فى مجال محدود من الأمور والمواقف “التقوية”، بينما نلقب كل الأشياء الأخرى بلقب “دنيوى”؛ بل ينبغى أن ننظر إلى كل الأشياء على أنها أساسًا “مقدسة”، كهبة من الله وكوسيلة للشركة معه. ولكن هذا لا يعنى أن نقبل العالم الساقط بشروره كما هو. فهذا الموقف (قبول العالم الساقط) هو الخطية التعيسة التي سقطت فيها “المسيحية الدنيوية” فى الغرب المعاصر. كل الأشياء هي فى الحقيقة مقدسة فى كيانها الحقيقى، بحسب جوهرها العميق؛ ولكن علاقتنا بخليقة الله قد تشوشت بالخطية ـ الخطية الأصلية والخطايا الشخصية ـ ونحن لن نكتشف هذه القدسية الداخلية (فى المخلوقات) بدون أن يتنقى قلبنا. بدون إنكار الذات، بدون انضباط نسكى، لا نستطيع أن نجزم بالجمال الحقيقى للعالم. ولهذا السبب، فإنه لا يمكن أن يكون هناك تأمل حقيقى أصيل بدون توبة. التأمل يعنى أن نجد الله ليس فى كل الأشياء فقط، بل نجده بالتساوى فى كل الأشخاص. حينما نوقر الأيقونات المقدسة فى الكنيسة أو فى البيت، ينبغى أن نفكر جديًا أن كل رجل وكل امرأة هو أو هي أيقونة حية لله.     ” وبما أنكم فعلتموه بأحد اخوتى هؤلاء الأصاغر فبى فعلتم” (مت40:25). لكى نجد الله، نحن لا نحتاج أن نترك العالم، أن نعزل أنفسنا عن اخوتنا البشر، ونغمر أنفسنا فى نوع من الفراغ التصوفى. على العكس، فإن المسيح ينظر إلينا من خلال عيون جميع الذين نلاقيهم. فعندما يحدث أن ندرك حضوره الشامل هذا (فى كل الأشخاص)؛ فإن كل أعمال خدمتنا العملية للآخرين تصير أفعال صلاة.

 

          إنه لأمر شائع أن يعتبر التأمل كموهبة نادرة عالية جدًا، ولاشك أنها كذلك عندما يكون التأمل فى ملئه. ومع ذلك فإن بذور الموقف التأملى موجودة فينا جميعًا. فمن هذه الساعة وهذه اللحظة يمكننى أن أبدأ بالتمشى فى العالم، مدركًا أنه عالم الله، وأن الله قريب منى فى كل شئ أراه وألمسه، فى كل إنسان ألتقى به. وحتى إن كنت أفعل هذا بشكل متقطع وغير كامل، فإنى قد وضعت قدمى فعلاً على طريق التأمل.

 

          وأناس كثيرون من الذين يجدون صلاة السكون الخالية من كل تصور، فوق طاقتهم الحالية، والذين صارت العبارات المألوفة فى الكتاب المقدس أو فى كتب الصلاة، مملة وجافة بالنسبة لهم، هؤلاء يمكنهم أن يجددوا حياتهم الداخلية بواسطة ممارسة تأمل الطبيعة. وإذ أتعلم أن أقرأ كلمة الله فى كتاب الخليقة، وأكتشف توقيعه فى كل الأشياء، فإننى أجد حينئذٍ ـ حينما أعود لأقرأ كلمته فى الكتاب المقدس وفى كتب الصلاة ـ أن العبارات المألوفة قد صار لها معنى عميق جديد. وهكذا فإن الطبيعة والكتاب المقدس يكملان أحدهما الآخر ـ وبكلمات القديس مار افرام السريانى:

حيثما تحول عينيك،                              فهناك رمز الله؛

حيثما تقرأ                                                  فستجد هناك علاماته

تطلع وأنظر كيف أن الطبيعة والكتاب مرتبطان معًا…

فالتسبيح لرب الطبيعة،

والمجد لرب الكتاب.        

 

المرحلة الثالثة: تأمل الله:

من الكلام إلى الصمت:

          كلما سعى الإنسان أن يتأمل الله فى الطبيعة، بقدر ذلك يكتشف أيضًا أن الله هو فوق الطبيعة ويتجاوزها. وإذ يجد الإنسان بعض آثار قليلة لله فى كل الأشياء، يقول: ” هذا أيضًا هو أنت؛ كما أن هذا ليس هو أنت “. وهكذا فإن المرحلة الثانية للطريق الروحى تقود الإنسان ـ بمعونة الله ـ إلى المرحلة الثالثة، حينما لا يعود الله يُعرف فقط من خلال الأشياء التي خلقها، بل يُعرف بواسطة اتحاد مباشر وبدون وساطة.

          الانتقال من المستوى الثانى إلى المستوى الثالث، يتحقق بأن نطبق منهج النفى السالبى (Apophatic) (أنظر الفصل الأول: الله سر ص**)، على حياة الصلاة، وهذا ما نتعلمه من معلمينا الروحيين فى التقليد الأرثوذكسى. فالكتاب المقدس والنصوص الليتورجية والطبيعة تقدم لنا عددًا لا يُحصى من الكلمات، والصور، والرموز عن الله؛ وهم يعلموننا أن نعطى لهذه الكلمات والصور والرموز كل الأهمية، وأن نمعن النظر فيها، فى صلاتنا. ولكن بما أن هذه الأمور لا يمكن أن تعبر عن الحقيقة الكاملة بخصوص الإله الحى؛ فإنهم يشجعوننا أيضًا أن نوازن هذا الجانب الإيجابى (Cataphatic) للصلاة بالمنهج السالبى النافى (Apophatic) للصلاة. وكما يقول إيفاجريوس: ” الصلاة هي تنحية الأفكار جانبًا “. وهذا طبعًا لا يجب أن يعتبر تعريفًا كاملاً للصلاة، ولكنه يشير إلى نوع الصلاة التي تقود الإنسان من المرحلة الثانية إلى المرحلة الثالثة للطريق الروحى. فالإنسان الذي يسعى فى الطريق، إذ يمتد نحو الحق الأبدى الذي يعلو على كل الكلمات والأفكار البشرية، يبتدئ أن ينتظر الله فى هدوء وسكوت، فلا يعود يتكلم عن الله أو يتكلم معه بل ينصت فقط. ” اسكتوا، وأعلموا أنى أنا هو الله ” (مز10:46).

 

          هذا السكوت، أو السكون الداخلى يعرف فى اليونانية بـ “الـ هيزيخيا hesychia”، والذي يطلب صلاة السكون يسمى”هيزيخاست hesychast”. الـ”هيزيخيا” تعنى التركيز مع الهدوء الداخلى. ولا ينبغى أن تُفهم بمعنى سلبى على أنها: غياب الكلام وغياب النشاط الخارجى، ولكنها تعنى، بطريقة  إيجابية، انفتاح القلب البشرى لمحبة الله. وغنى عن القول، إنه بالنسبة لمعظم الناس إن لم يكن لكل الناس، “فالهيزيخيا” (صلاة الهدوء) ليست حالة دائمة. فالإنسان الهيزيخى، مثلما يدخل إلى صلاة الهدوء، فإنه يستعمل أشكالاً أخرى للصلاة أيضًا، إذ يشترك فى العبادة الليتورجية الجماعية، ويقرأ الكتاب المقدس، ويتناول من الأسرار المقدسة. فالصلاة السلبية (Apophatic) والصلاة الإيجابية (Cataphatic) توجدان معًا، وكل منهما تقوى الأخرى. فالطريق السالبى والطريق الإيجابى ليسا بديلين أحدهما للآخر، بل يكمل أحدهما الآخر.

 

          ولكن كيف نتوقف عن الكلام ونبدأ أن ننصت؟ هذا هو أصعب درس يمكن أن نتعلمه، من بين دروس الصلاة كلها. لن ينفعنا كثيرًا أن نقول لأنفسنا، “لا تفكر”، لأن منع تجول الفكر ليس أمرًا يمكن أن نصل إليه بمجرد جهد إرادى من ناحيتنا. فالذهن الذي لا يستريح أبدًا، يتطلب منا عملاً ما لكى يشبع حاجته المستمرة للنشاط. فلو أن خطتنا الروحية كانت سلبية تمامًا ـ أى إن حاولنا أن نستبعد كل تفكير شعورى دون أن نقدم لذهننا أى نشاط بديل ليقوم به ـ فمن المحتمل أن ينتهي الأمر بنا إلى أحلام يقظة غامضة. الذهن يحتاج إلى عمل ما ينشغل به، وفى نفس الوقت يمكّنه من أن يمتد ويتجاوز نفسه إلى الهدوء. وفى التقليد الهدوئى الأرثوذكسى، فإن العمل الذي يُقدم للذهن هو الترديد المستمر “لصلاة سهمية” قصيرة، وأكثرها شيوعًا هي “صلاة يسوع”: “يا ربى يسوع المسيح ابن الله، ارحمنى أنا الخاطئ”.

 

          حينما نردد صلاة يسوع ينبغى أن نتحاشى قدر الإمكان أية صورة معينة. يقول القديس غريغوريوس النيسى: ” العريس حاضر، ولكنه غير منظور”. صلاة يسوع ليست من أشكال التأمل التخيلى فى أحداث متنوعة فى حياة المسيح. بل بينما نتحول عن الصور، نحتاج أن نركز كل انتباهنا على الكلمات أو بالأحرى فى الكلمات. صلاة يسوع ليست تعزيم (رقية) منّوم، بل هي عبارة مملوءة بالمعانى، هي استدعاء موجه إلى شخص آخر. هدف صلاة يسوع، ليس الاسترخاء بل اليقظة، ليس النوم أثناء الصحو بل الصلاة الحية. ولذلك، فإن صلاة يسوع لا يجب أن تُقال بطريقة آلية بل بقصد داخلى؛ ومع ذلك، ففى نفس الوقت، يجب أن تُنطق الكلمات بدون توتر، وبدون عنف أو تشديد زائد. فالخيط الذي يلف حول حزمتنا الروحية يجب أن يكون محكمًا، متدليًا بارتخاء؛ كما أنه لا ينبغى أن يُشد بإحكام زائد حتى يقطع أطراف الحزمة.

          هناك ثلاث مستويات أو ثلاث درجات فى ترديد صلاة يسوع. فهي تبدأ “كصلاة بالشفتين“، أى صلاة شفوية. ثم تنمو وتتعمق إلى الداخل لتصير “صلاة الذهن“، أى صلاة عقلية. وأخيرًا فإن الذهن “ينزل” إلى القلب ويتحد به، وهكذا تصير الصلاة، “صلاة القلب“، أو بدقة أكثر “صلاة الذهن فى القلب“. وعند هذا المستوى فإنها تصير صلاة الشخص كله ـ فلا تكون بعد شيئًا نفكر فيه أو نقوله، بل شيئًا نكونه: لأن الهدف النهائى للطريق الروحى ليس شخصًا “يقول” صلوات من وقت لآخر، بل الهدف هو شخص يكون “هو” صلاة كل حين. أى أن صلاة يسوع تبدأ كمجموعة من “أفعال” الصلاة، أما هدفها النهائى فهو أن تؤسس فى الشخص الذي يصلى، “حالةصلاة بلا انقطاع، والتي تستمر بلا توقف حتى أثناء ممارسة الأنشطة الأخرى.

 

          وهكذا، فصلاة يسوع تبدأ كصلاة شفوية كأى صلاة أخرى. لكن التكرار المنتظم لنفس العبارة القصيرة يمكّن المصلى الهدوئى (الهزيخاست)، بسبب بساطة الكلمات نفسها التي يستعملها أن يتقدم متجاوزًا كل لغة وكل صورة ليدخل فى سر الله. وبهذه الطريقة، فإن صلاة يسوع، تنمو وتتطور ـ بمعونة الله ـ إلى ما يسميه الكُتّاب الغربيون بـ “صلاة الانتباه الحبى” أو “صلاة التفرس البسيط”، حيث تستريح النفس فى الله بدون التتابع المتواصل لمختلف الصور والأفكار والمشاعر. وبعد هذا توجد مرحلة أخرى، حينما تكف صلاة المصلى الهدوئى عن أن تكون نتيجة مجهوداته الخاصة، بل تصير ـ من وقت إلى آخر ـ “عاملة من ذاتها self-acting” كما يسميها الكُتّاب الأرثوذكس، أو “مسكوبة in fused” (أى موهوبة) كما يسميها الكُتاب الغربيون. وبكلمات أخرى، أنها لا تكون بعد صلاتى ” أنا “، بل تصير ـ بدرجة كبيرة أو قليلة ـ صلاة “المسيح فىَّ”.

 

          ومع ذلك لا ينبغى أن تتصور أن هذا الانتقال من الصلاة الشفوية إلى صلاة الصمت والهدوء، أو من ” الصلاة النشطة ” إلى الصلاة ” العاملة من ذاتها ” يحدث بسرعة وسهولة. المؤلف المجهول لكتاب “سائح روسى على دروب الرب” قد وُهب حالة صلاة مستمرة ” عاملة من ذاتها ” بعد أسابيع قليلة فقط من ممارسته ” لاستدعاء اسم يسوع “، ولكن هذه حالة نادرة جدًا ولا ينبغى بأى حال أن تُعتبر أنها هي القاعدة. ويحدث أحيانًا، لبعض الذين يرددون صلاة يسوع أن تحدث لهم من وقت إلى آخر لحظات ” نشوة روحية ” بصورة غير متوقعة تُعطى لهم كهبة مجانية، وذلك حينما تتراجع كلمات الصلاة أو تختفى كلية، ويحل محلها إحساس مباشر بحضور الله ومحبته. ولكن بالنسبة للغالبية العظمى فإن هذا الاختبار يكون لمحة خاطفة فقط، وليس حالة مستمرة. وعمومًا يكون من عدم الحكمة أن يحاول الإنسان أن يتمم بوسائل مصطنعة، ما يمكن أن يحدث فقط كثمرة لفعل الله المباشر. إن أفضل طريقة، حينما ندعو الاسم القدوس (اسم يسوع)، أن نركز كل جهودنا على تلاوة الكلمات؛ وإلاّ، فإننا فى محاولتنا غير الناضجة للوصول إلى صلاة القلب التي بلا كلمات، يمكن أن ننتهي إلى أننا فى الحقيقة لا نصلى بالمرة بل نكون فقط فى حالة شبه نوم. فلنتبع نصيحة القديس يوحنا الدرجى، ” أحصر ذهنك فى كلمات الصلاة “. إن الله سوف يتمم بقية العمل، ولكن بطريقته هو وفى الوقت الذي يراه هو“.

 

 

الاتحاد بالله:

          منهج النفى (apophatic)، سواء كان فى حديثنا اللاهوتى، أم فى حياة الصلاة يبدو كأنه سلبى، ولكنه فى هدفه النهائى هو إيجابى بشكل فائق. إن تنحية الأفكار والصور جانبًا يؤدى لا إلى فراغ بل إلى ملء يفوق كل ما يمكن أن يدركه العقل البشرى أو يعبر عنه.

          إن منهج النفى يشبه ليس تقشير بصلة بل يشبه نحت تمثال. حينما نقشر بصلة، فنحن نزيل قشرة بعد أخرى، حتى لا تبقى فى النهاية أية بصلة بالمرة: أى أننا ننتهي إلى لا شئ بالمرة. أما النحات، فحينما يقطّع فى كتلة من الرخام فإنه يلغى بعض أجزاء (ينفى) ليصل إلى نتيجة إيجابية. هو لا يحيل كتلة الرخام إلى كومة من أجزاء عشوائية، ولكنه بواسطة ما يبدو ظاهريًا أنه عملية تحطيم فى تكسيره للرخام، فإنه ينتهي بأن يكشف لنا عن شكل واضح له معنى.

          هكذا هو الأمر، على مستوى أعلى، عندما نستعمل منهج النفى apophaticism. فنحن نقول إن شيئًا ما ليس كذلك من أجل أن نقول إن شيئًا ما هو كذلك. طريق النفى يتحول إذن لكى يصير طريق التوكيد الفائق. إن تنحية الكلمات والمفهومات جانبًا، يكون كنقطة انطلاق أو منصة وثوب، نقفز منها إلى السرّ الإلهي. اللاهوت السالبى (النافى apophatic)، يؤدى فى معناه الحقيقى والكامل ليس إلى غياب بل إلى حضور، ليس إلى لاأدرية (agnosticism) أو عدم معرفة بل إلى اتحاد الحب. وهكذا فإن اللاهوت السالبى هو أكثر جدًا من تمرين كلمات مجرد، نوازن فيه التعبيرات الإيجابية بتعبيرات سالبية. هدف اللاهوت السالبى أن يأتى بنا إلى لقاء مباشر مع إله شخصى، وهو الذي يعلو بصورة لا نهائية على كل ما يمكننا أن نقوله عنه سواء كان سالبيًا أو إيجابيًا.

هذا الاتحاد بالحب، الذي يشكّل الهدف الحقيقى للمنهج السالبى، هو اتحاد بالله فى أفعاله (طاقاته) وليس اتحادًا بجوهره (أنظر الفصل الأول: الله سرـ الجوهر والطاقات ص30). وإذ نضع فى اعتبارنا ما قد قلناه سابقًا عن الثالوث والتجسد، فمن الممكن أن نميز بين ثلاثة أنواع من الاتحاد:

          أولاً: يوجد بين أقانيم الثالوث الثلاثة اتحاد بحسب الجوهر: الآب والابن والروح القدس هم “واحد فى الجوهر”. أما بين الله والقديسين فلا يحدث مثل هذا الاتحاد. فرغم أن القديسين “طُعموا فى الله” (ingodded) أو “تألهوا” (deified) (أى تقدسوا) إلاّ أنهم لا يصيرون أعضاء إضافيين فى الثالوث. الله يظل هو الله، والإنسان يظل هو الإنسان. الإنسان يصير إلهًا بالنعمة وليس إلهًا بالجوهر. فالتمييز بين الخالق والمخلوق يستمر موجودًا: المحبة المتبادلة توصل بين الاثنين ولكنها لا تلغى التمييز بينهما. فمهما اقترب الله من الإنسان، يظل هو ” الآخر الكلى The Wholly Other “.

          ثانيًا: يوجد بين الطبيعتين الإلهية والإنسانية للمسيح المتجسد اتحاد بحسب الأقنوم، اتحاد أقنومى أو اتحاد شخصى: فاللاهوت والناسوت فى المسيح متحدان بطريقة تامة حتى أنهما يشكلان شخصًا واحدًا أو هما يخصان شخصًا واحدًا. ومرة أخرى، فإن الاتحاد بين الله والقديسين ليس من هذا النوع. ففى الاتحاد السرى (المستيكى Mystical) بين الله والنفس، يوجد شخصان وليس شخص واحد. إنها علاقة ” أنا ـ أنت “: الأنت  لا تزال “هي الأنت”، مهما اقتربت “الـ أنا ” منها. القديسون يُغمرون  فى لجة الحب الإلهي، ولكنهم لا يُبتلعون. “الصيرورة فى المسيح Christification ” لا تعنى التلاشى. فى الدهر الآتى يكون الله ” الكل فى الكل ” (1كو28:15)؛ ولكن ” بطرس يظل هو بطرس، وبولس هو بولس، وفيلبس هو فيلبس. كل واحد يحتفظ بطبيعته الخاصة وبذاتيته الشخصية، ولكنهم جميعًا مملؤون بالروح ” (عظات القديس مقاريوس).

          ثالثًا: إذن، حيث إن الاتحاد بين الله وبين البشر الذين خلقهم هو ليس اتحادًا حسب الجوهر ولا اتحادًا حسب الأقنوم، يبقى، ثالثًا أنه ينبغى أن يكون اتحاد حسب “الطاقة”. القديسون لا يصيرون هم الله بالجوهر ولا يصيرون شخصًا واحدًا مع الله، ولكنهم يشتركون فى طاقات الله، أى فى حياته، فى قوته، فى نعمته وفى مجده. الطاقات كما أكدنا سابقًا لا يجب أن تُشيئ (objectified) (أى لا نجعلها أشياء)، أو أن نعتبرها كأنها وسيط بين الله والإنسان، أو “شئ” أو هبة يمنحها الله لخليقته. الطاقات الإلهية هي الله نفسه ـ ولكنها ليست هي الله كما هو كائن فى ذاته، فى حياته الداخلية، بل هي الله كما يوّصل أو يعطى نفسه فى محبة متدفقة. لذلك فالذي يشترك فى طاقات الله، إنما يلتقى بالله نفسه وجهًا لوجه، بواسطة اتحاد حب مباشر وشخصى ـ على قدر إمكانية المخلوق. أن نقول إن الإنسان يشترك فى الطاقات الإلهية وليس فى جوهر الله، هو أن نقول إنه يحدث بين الله والإنسان اتحاد وليس اختلاطًا. هذا يعنى أننا نتكلم إيجابيًا عن الله ـ بأقصى طريقة حرفية ويقينية، بأن “حياته هي لى”، ولكننا فى نفس الوقت نرفض مذهب ألوهية الخليقة pantheism. نحن نؤكد قرب الله منا ولكننا فى نفس الوقت نعلن آخريته (أنه آخر تمامًا غيرنا).

 

 

الظلمة والنور:

          وعند الإشارة إلى هذا ” الاتحاد حسب الطاقة “، الذي يفوق كل ما يمكن أن يتخيله الإنسان أو يصفه، فإن القديسين بحكم الضرورة قد استعملوا لغة التضاد والرمزية. لأن اللغة البشرية اعتادت أن تصور الموجودات بحسب المكان، والزمان وحتى فى هذه الحالات فإنها لا تستطيع أن تزودنا بوصف كامل. أما من جهة ما هو لا نهائى وأبدى، فإن اللغة البشرية لا تستطيع أكثر من أن تشير أو تلّمح.

          ” العلامتان ” أو الرمزان الرئيسيان اللذان استخدمهما الآباء هنا هما رمزًا الظلمة والنور. وطبعًا، هذا ليس معناه أن الله فى ذاته هو إما نور أو ظلمة: فنحن هنا نتحدث بالأمثلة والتشبيهات. والكُتّاب الصوفيون          (Mystical) يمكن أن يُوصفوا إما بأنهم كُتّاب ” ليل” (Nocturnal) أو كُتّاب ” شمس” (Solar) بحسب الاتجاه الذي يفضلونه فى استعمال ” رمز” على آخر. فكليمنضس الأسكندرى (الذي يأخذ عن فيلو) وغريغوريوس النيسى وديونيسيوس الأريوباغى يفضلون “رمز” الظلمة؛ أما أوريجينوس وغريغوريوس اللاهوتى، وأفاغريوس، وعظات القديس مقاريوس، وسمعان اللاهوتى الجديد وغريغوريوس بالاماس فيستعملون ” رمز” النور بصفة رئيسية.

          واستعمال لغة ” الظلمة ” عند الكلام عن الله جاءت أصلاً من وصف الكتاب المقدس عن موسى حينما قال إنه ” دخل إلى الضباب حيث كان الله” (خر21:20). والجدير بالملاحظة فى هذه العبارة إنه يقول لا إن الله ظلمة، بل يقول إنه يسكن فى ظلمة (ضباب): والظلمة (الضباب) لا تعنى غياب الله أو أنه غير حقيقى، بل تعنى عدم قدرة ذهننا البشرى على إدراك طبيعة الله الداخلية. فالظلمة فينا وليست فيه.

أما الأساس الأول للغة “النور” فهو عبارة القديس يوحنا الرسول: ” الله نور وليس فيه الظلمة البتة” (1يو5:1). الله أُعلن كنور ـ فوق كل شئ آخر ـ فى تجلى المسيح على جبل تابور، حينما ” أضاء وجهه كالشمس، وصارت ثيابه بيضاء كالنور“(مت2:17). هذا النور الإلهي ـ الذي رآه التلاميذ الثلاثة على الجبل ـ والذي رآه أيضًا قديسون كثيرون أثناء الصلاة ـ هو ليس شيئًا آخر سوى “ طاقات الله غير المخلوقة“. أى أن نور تابور ليس نورًا طبيعيًا مخلوقًا، كما أنه ليس نورًا عقليًا بمعنى مجازى أى ليس مجرد استنارة ذهنية. ورغم أنه نور غير مادى إلا أنه حقيقة موجودة بشكل موضوعى. فالطاقات غير المخلوقة لأنها إلهية فهي تفوق قدراتنا البشرية على الوصف؛ وهكذا عندما نسمى هذه الطاقات ” نور” فنحن بالضرورة نستخدم لغة “العلامة” والرمز. وهذا لا يعنى أن الطاقات هي نفسها مجرد رموز. فالطاقات موجودة حقًا ولكنها لا يمكن أن تُوصف بالكلمات، وعندما نشير إليها بكلمة “نور” فنحن نستعمل أقل التعبيرات التباساً، ولكن لا ينبغى أن تفسر لغتنا تفسيرًا حرفيًا.

          ورغم أن النور الإلهي نور غير طبيعى إلا أنه يمكن للإنسان أن يراه بعينه الطبيعية على أن تكون حواسه قد تغيرت وتطهرت بواسطة النعمة الإلهية. فعيناه لا تنظران النور (الإلهي) بقدرات الإدراك الطبيعية بل بقوة الروح القدس العامل فى داخله.

          يقول مكسيموس المعترف إن: [ الجسد يتأله (يتجلى) فى نفس الوقت مع النفس]. فالذي ينظر النور الإلهي يتغلغل فيه النور أكثر فأكثر حتى أن جسده يضئ بذلك المجد الذي يتأمله. فهو نفسه يصير نورًا. إن فلاديمير لوسكى لم يكن يتكلم بتشبيهات مجردة حينما كتب: [ نار النعمة التي تشتعل فى قلوب المسيحيين بالروح القدس تجعلهم يضيئون مثل شموع أمام ابن الله ]. وعظات القديس مقاريوس تؤكد على هذا التجلى لجسد الإنسان إذ تقول:

[ كما أن جسد الرب تمجد حينما صعد على الجبل وتغيرت هيئته إلى حالة مجد الله وإلى النور غير الموصوف، هكذا أيضًا تتمجد أجساد القديسين وتضئ كالبرق… ” المجد الذي أعطيتنى قد أعطيتهم” (يو22:17): ومثلما توقد مصابيح كثيرة من شعلة واحدة، هكذا أجساد القديسين ـ إذ هي أعضاء المسيح ـ لابد أن تكون مثل المسيح وليس شيئًا آخر.. إن طبيعتنا البشرية تتحول إلى قوة الله وتشتعل لتصير نارًا ونورًا]

 

          توجد أمثلة عديدة لمثل هذا التجلى الجسدى فى حياة القديسين شرقًا وغربًا. حينما نزل موسى من ضباب (ظلام) سيناء، كان وجهه يضئ بلمعان شديد حتى لم يستطع أحد أن ينظر إلى وجهه وكان عليه أن يضع برقعًا على وجهه حينما يكلم الشعب (انظر خر29:34ـ35). وتخبرنا “أقوال آباء البرية” كيف أن تلميذًا نظر من خلال نافذة قلاية الأنبا أرسانيوس ورأى الشيخ ” مثل شعلة نار“. كما تخبرنا عن أنبا بامبو أن “الله مجّده حتى لم يستطع أحد أن ينظر إلى وجهه بسبب المجد الذي كان لوجهه”. وبعد حوالى1400 سنة يستعمل نيكولاس موتوفيلوف هذه الكلمات ليصف الحديث الذي جرى مع شيخه الروحانى القديس سيرافيم من ساروف إذ يقول: [ تصور فى وسط قرص الشمس. فى شدة لمعان أشعتها فى منتصف النهار أنك ترى وجه إنسان يتحدث إليك].

 

          وعند بعض الكُتّاب فإن أفكار النور والظلمة توجد مرتبطة معًا. هنرى فوغان Henry Vaughan يتحدث عن ” ظلمة تخطف البصر” فى الله، بينما القديس ديونيسيوس يستعمل عبارة ” لمعان الضباب الإلهي”. كما يقول أيضًا: [ الضباب (الظلمة) الإلهي هو النور الذي لا يُدنى منه الذي يُقال إن الله يسكن فيه]. لا يوجد تناقض بين تعبيرات مثل هذه اللغة، لأنه بالنسبة لله فإن ” الظلمة مثل النور” (مز12:139). وكما يعبّر يعقوب بوهِم Jacob Boehm: [ الظلمة ليست هي غياب النور، بل هي الرعب الذي يأتى من النور الذي يعمى البصر]. فإن قيل إن الله يسكن فى الظلمة (الضباب)، فهذا لا يعنى أنه يوجد فى الله أى نقص أو عوز، بل إنه هو ملء المجد وملء المحبة بما يفوق إدراكنا تمامًا.

 

C D C D C D C D C D C D

 

          [ الصلاة هي مقياس كل شئ: إذا كانت الصلاة سليمة يكون كل شئ سليمًا ].                                                                                                              (الأسقف ثيوفان الناسك)

          [ اقتربوا إلى الله فيقترب إليكم” (يع8:4). علينا نحن أن نبدأ. إن خطونا خطوة واحدة نحو الرب، فهو يخطو نحونا عشر خطوات ـ هو الذي رأى الابن الضال بينما كان لا يزال بعيدًا، فتحنن وركض ووقع على عنقه وقبله].                                                                                                          (تيتو كولياندر)

[ كلما تقدمت النفس أكثر كلما كثر الأعداء الذين يجب عليها أن تحارب ضدهم.

طوباك، إن كانت الحرب تزداد ضراوة ضدك فى وقت الصلاة.

لا تظن أنك اقتنيت أية فضيلة قبل أن تقدم دمك فى قتالك لأجلها. يجب أن تحارب ضد الخطية حتى الموت، مقاومًا بكل قوتك.

          لا تعطى لعينيك نومًا ولا لأجفانك نعاسًا حتى ساعة موتك، بل اتعب بلا انقطاع لكى تتمتع بالحياة التي لا نهاية لها ].     (إيفاغريوس البنطى)

[ سُئِلَ راهب مرة: ماذا تفعلون هنا فى الدير ؟ فأجاب: نسقط ونقوم، نسقط ونقوم ونسقط ونقوم مرة أخرى.]                                             (تيتو كولياندر)

[ إن لم يعط الإنسان نفسه للصليب كلية، بروح التواضع وإذلال الذات؛ إن لم يطرح نفسه إلى تحت لكى تدوسه أقدام الكل ويكون محتقرًا، ويقبل الظلم والازدراء والسخرية، إن لم يحتمل كل هذه الأمور بفرح لأجل الرب، ولا يطالب بأى نوع من المكافأة البشرية أيًا كانت ـ مجد أو كرامة أو ملذات الطعام والشراب والثياب ـ فإنه لا يستطيع أن يكون مسيحيًا حقيقيًا].   

(القديس مرقس الناسك)

          [ إن أردت أن تكون منتصرًا، فتذوق آلام المسيح فى ذاتك لكى يختارك لتتذوق مجده. لأننا إن كنا نتألم معه فسوف نتمجد معه أيضًا. الذهن لا يمكن أن يتمجد مع يسوع إن لم يتألم الجسد مع يسوع.

طوباك إن كنت تتألم لأجل البر. انظر فإن طريق الله ـ طوال سنين وأجيال قد صار ممهدًا بواسطة الصليب والموت. الطريق إلى الله هو صليب يومى.

الصليب هو باب الأسرار ].                                                  (مار اسحق السريانى)

          [ لكى تتحرر من الأهواء ـ أى تصير عديم الهوى ـ بالمعنى الآبائى للكلمة وليس بمعناها الرواقى ـ هذا يحتاج إلى وقت وعمل شاق، فى حياة متقشفة، وصوم وسهر، وصلاة وعرق كالدم، وانسحاق، وازدراء العالم بك، والصلب، والمسامير، والحربة فى الجنب، وخل ومرارة، وأن يتخلى عنك الكل، وإهانات من أخوة أغبياء مصلوبين معنا، وتجديفات من العابرين: وبعد ذلك ـ القيامة فى الرب، القداسة الخالدة التي لعيد القيامة].

(الأب ثيئوكليتس من دير ديونيسيوس بجبل أثوس)

 

            [ صلِ ببساطة. لا تنتظر أن تجد فى قلبك أى موهبة واضحة للصلاة. اعتبر نفسك غير مستحق لها. حينئذ ستجد السلام. استعمل جفاف وبرودة صلاتك كغذاء لتواضعك. كرر باستمرار: أنا غير مستحق، يا رب، أنا غير مستحق. ولكن قل هذا بهدوء وبدون توتر. هذه الصلاة المتضعة ستكون مقبولة عند الله.

          حينما تمارس صلاة يسوع، تذكر أن أهم شئ هو الاتضاع، وبعد ذلك المقدرة ـ وليس القرار فقط ـ أن تحتفظ دائمًا بإحساس مرهف بالمسئولية نحو الله، ونحو مرشدك الروحى، ونحو الناس وحتى الأشياء أيضًا. تذكر أن مار اسحق السريانى يحذرنا أن غضب الله يأتى على كل من يرفض صليب الألم المر، من يرفض صليب المعاناة الفعاّلة، والذي يسعى وراء الرؤى ونعم الصلاة المتميزة، فإنه يسعى بتمرد إلى امتلاك أمجاد الصليب. وهو يقول أيضًا، ” نعمة الله تأتى من نفسها، فجأة، بدون أن نراها وهي تقترب منا. هي تأتى حينما يكون المكان نقيًا”. لذلك، طهّر المكان بحرص، واجتهاد وبصفة مستمرة؛ إكنس المكان بمكنسة التواضع].

(الشيخ مكارى من دير أوبتينو)

          [ حينما نكون قد أغلقنا كل منافذ العقل بواسطة تذكّر الله، فإنه يتطلب منا مهمة ما تشبع حاجته إلى النشاط. ولكى نحقق هدفه تحقيقًا تامًا ينبغى ألا نعطيه سوى صلاة “يا ربى يسوع..”. دع العقل يركز باستمرار على هذه الكلمات فى هيكله الداخلى بقوة شديدة حتى أنه لا يتحول إلى أية صورة ذهنية. وكما أن الأم تعلّم طفلها نطق اسم “بابا” وتجعل الطفل يكرر الكلمة معها مرة تلو مرة إلى أن تجعله يستعمل هذا الاسم بدلاً من أية صرخة طفولية أخرى، وحتى وهو نائم ينادى أباه بصوتٍ عالٍ: هكذا ينبغى أن تتعلم النفس أن تردد وأن تصرخ قائلة ” يا ربى يسوع “ ].

(القديس ديودوخوس)

          [ صلاة يسوع تساعد على رفع الحياة كلها ـ الجسد والنفس ـ إلى مستوى لا تعود فيه الحواس تطلب تغييرًا خارجيًا أو إثارة، بل يكون كل شئ خاضعًا لهدف واحد هو تركيز كل انتباه الجسد والنفس على الله، بمعنى أننا نسعى إلى العالم ونعرفه من خلال جمال الله، وليس إلى الله من خلال جمال العالم ].                                                                  (الأم ماريا من نورماندى)

 

          [ ما هو المقصود بأن موسى دخل إلى الضباب (الظلمة) لكى يرى الله فى الضباب ؟

          إن نص الكتاب يعلمنا هنا أنه كلما يتقدم الذهن وبواسطة انتباه أعظم وأكمل يأتى إلى إدراك ما هي معرفة الحقيقة. وكلما اقترب أكثر من التأمل، كلما أدرك أكثر أن الطبيعة الإلهية غير ممكن التأمل فيها. لأن الذهن إذ يترك وراءه كل منظر خارجى ـ ليس فقط المناظر التي يمكن أن تُرى بالحواس، بل أيضًا تلك المناظر التي يظن الذهن أنه يراها ـ فإن الذهن يتقدم باستمرار نحو ما هو كائن بالداخل أكثر، إلى أن ينفذ الذهن إلى ذلك الذي لا يمكن تأمله أو إدراكه، وهناك يرى الله. المعرفة الحقيقية والرؤية الحقيقية لما نسعى إليه تكمن بالضبط فى هذا ـ فى عدم الرؤية. لأن ما نطلبه يفوق كل معرفة، وهو منقطع الصلة بنا من كل جهة بواسطة ضباب (ظلمة) عدم القابلية للإدراك].                    (القديس غريغوريوس النيسى)

 

          [ فى التأمل السرى، فإن الإنسان لا يرى بواسطة العقل ولا بواسطة الجسد بل يرى بالروح ؛ وهو يعرف بيقين كامل أنه بطريقة تفوق الطبيعة ينظر نورًا يفوق كل نور آخر. ولكنه لا يعرف ما هو العضو الذي بواسطته يرى هذا النور، ولا يمكنه أن يحلل طبيعة ذلك العضو ؛ لأن طرق الروح ـ الذي بواسطته يرى ـ تفوق الفحص. وهذا ما أكده القديس بولس حينما سمع كلمات لا يسوغ لإنسان أن ينطق بها ورأى أشياء لا يستطيع أحد أن يراها: ” أ فى الجسد أم خارج الجسد لست اعلم” (2كو3:12). أى أنه لم يعرف إن كان ذهنه هو الذي رآها أم جسده. لأنه لم يدرك هذه الأشياء بالحواس، ومع ذلك كانت رؤيته واضحة تمامًا مثل رؤيتنا للأشياء بالحواس بل حتى أكثر وضوحًا من رؤيتنا. لقد رأى نفسه محمولاً خارج نفسه بواسطة العذوبة السرية لرؤية الله؛ أنه نُقل ليس فقط خارج كل الأشياء والأفكار بل حتى خارج نفسه.

          هذا الاختبار السعيد والمفرح الذي اختطف بولس وجعل ذهنه يعبر خارج كل الأشياء فى حالة الدهش، والذي جعله ينعطف ويدخل تمامًا داخل نفسه، هذا الاختبار أخذ شكل نور ـ نور الكشف والإعلانات، ولكنه لم يعلن له موضوعات تدرك بالحواس. كان نورًا بغير حدود أو نهاية سواء من أسفل أم أعلى أم من الجوانب، فهو لم يرَ أى حد للنور الذي ظهر له وأشرق حوله، ولكنه كان مثل شمس أكثر ضياء بلا نهاية وأكبر من الكون بلا نهاية: وفى وسط هذا النور وقف هو، إذ قد صار عينًا فقط. هذه تقريبًا كانت رؤيته].                                                                                               (غريغوريوس بالاماس)

 

          [ حينما تحسب النفس أهلاً أن تتمتع بشركة روح نور الله، وحينما يضئ الله عليها بجمال مجده الذي لا يعبر عنه، لكى يجهزها كعرش ومسكن لنفسه،فإنها تصير كلها نورًا وكلها وجهًا، وكلها عينًا، ولا يكون فيها جزء غير مملوء بعيون النور الروحانية. لا يوجد فيها جزء فى الظلمة، بل تصير بكليتها وبكل جزء فيها نورًا وروحًا ].

(عظات القديس مقاريوس)

 

الله والصلاة – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد 

الله روح – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد

الله روح – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد

 

الله روح – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد

 

الطريق الأرثوذكسي للأسقف كاليستوس وير

الفصل الخامس

الله روح

 

          ” روح الله الذي أُعطى لجسدنا لا يمكن أن يحتمل الحزن أو تقييد الحرية”

الراعى لهرماس

          ” حينما يحل روح الله على إنسان ويظلله بملء انسكابه، فحينئذ تفيض نفسه بفرحٍ لا يمكن وصفه، لأن الروح القدس يحوّل كل ما يلمسه إلى فرح.

          ملكوت السموات هو سلام وفرح فى الروح القدس. اقتنى سلامًا داخليًا، وألوف حولك سيخلصون ”                                                        القديس سيرافيم من ساروف.

 

القبضة المغلقة أم الأيدى المفتوحة ؟:

          يوجد على جدران “السراديب” فى روما رسمًا يصور امرأة تصلى أى The Orans الأورانز. إنها تحدق نحو السماء، ويداها المفتوحتان مرفوعتان والراحتان إلى فوق، هذه الصورة هي واحدة من أقدم الأيقونات المسيحية. من تمثل هذه المرأة؟ ـ هل العذراء القديسة مريم، أم الكنيسة، أم أنها تمثل النفس وهي تصلى؟ أم أنها ربما تمثل هذه الثلاثة كلها معًا؟ ومهما كان التفسير الذي يُعطى لهذه الأيقونة فإنها توضح موقفًا مسيحيًا أساسيًا: وأعنى موقف الدعاء والتوسل أى ” إبيكلسيس ” (Epiclesis)، أى طلب الروح القدس وانتظار حلوله.

 

          توجد ثلاث أوضاع رئيسية يمكن أن تتخذها أيدينا، وكل وضع له معناه الرمزى. فيمكن ان تكون أيدينا مغلقة، وقبضة يدنا مقفلة بإحكام، كإيماءة تحدى أو كمحاولة للامساك بإحكام، وهكذا فهذا الوضع لليد يعبر إما عن التحفز للعدوان أو يعبر عن الخوف (من شخص أو شئ). وعلى العكس تمامًا يمكن أن تتدلى أيدينا على الجانبين خاملتين لا فى تحدى ولا فى تقبل. والاحتمال الثالث أن تكون أيدينا مرفوعة إلى فوق مثل يدى أيقونة “الأورنز”، فهي ليست مغلقة بل مفتوحة كما أنها لم تعد خاملة بل مستعدة لتقبل مواهب الروح. والدرس الذي هو فى غاية الأهمية على الطريق الروحى هو أن نفهم كيف نفك قبضتنا ونفتح أيدينا. فنحتاج أن نجعل عمل أيقونة المرأة المصلية “الأورانز” هو موقفنا فى كل ساعة وكل دقيقة: بأن نرفع أيدينا المفتوحة نحو السماء بطريقة غير منظورة قائلين للروح، “تعال”.

 

          فالهدف الكامل السليم للحياة المسيحية هو أن يكون الإنسان حاملاً للروح، أن يحيا فى روح الله، أن يتنفس روح الله.

 

الريح والنار:

          يوجد سر خفى متصل بالروح القدس مما يجعل الكلام عنه أمرًا صعبًا. وكما يقول القديس سمعان اللاهوتى الجديد عنه:

إنه يتخذ اسمه من المادة التي يستريح عليها،

لأن ليس له اسم يميزه بين البشر  “.

          وفى موضع آخر يكتب كلمات تنطبق على الأقنوم الثالث من الثالوث: ” هو غير منظور ولا تستطيع أى يد أن تُمسك به ؛

هو لا يُلمس ومع ذلك يمكن أن نشعر به فى كل مكان..

ماذا يكون؟ يا للعجب! وماذا لا يكون؟ فليس له اسم،

فى غباوتى حاولت أن أمسك به،

وأغلقت يدى، ظانًا أننى امسكت به:

ولكنه أفلت منى ولم أستطع أن احتفظ به بين أصابعى.

وأنا فى ملء الحزن فتحت قبضتى.

ورأيته مرة أخرى فى راحة يدى.

أه يا للدهش الذي لا يُنطق به!

أه يا للسر العجيب!

لماذا نتعب أنفسنا باطلاً ؟ لماذا نتوه كلنا بعيدًا ؟

 

          صعوبة الإمساك بالروح القدس هذه نجدها واضحة فى الرموز التي يستعملها الكتاب المقدس ليشير بها إلى الروح. فهو مثل ” هبوب ريح عاصفة ” (أع2:2). فلقبه نفسه “روح” (وباليونانية بنفما Pneuma) يشير إلى الريح أو النسمة. كما قال يسوع لنيقوديموس ” الريح (أو الروح) تهب حيث تشاء وتسمع صوتها ولكنك لا تعلم من أين تأتى وإلى أين تذهب” (يو8:3). نحن نعرف أن الريح موجودة، ونسمع صوتها فى الأشجار بينما نرقد يقظين بالليل، نحن نشعر بها على وجوهنا عندما نسير على التلال ولكن إذا حاولنا أن نقبض عليها بين أيدينا، فإنها تفلت منا، هكذا الأمر مع روح الله. نحن لا نستطيع أن نزن الروح ونقيسه أو أن نحتفظ به فى صندوق مغلق بمفتاح. ويشبه “جيرارد مانلى هوبكنز”، العذراء المباركة مريم، فى أحد أشعاره بالهواء الذي نستنشقه: ونفس التشبيه يمكن أن ينطبق بالتساوى على الروح. فالروح مثل الهواء هو مصدر حياة، ” الحاضر فى كل مكان والمالئ الكل “، هو دائمًا يحيط بنا وهو دائمًا موجود فينا. وكما أن الهواء يظل كما هو غير منظور بالنسبة لنا ولكنه يعمل كوسيط نرى ونسمع من خلاله الأشياء الأخرى، هكذا أيضًا الروح لا يكشف لنا وجهه الخاص ولكنه يرينا وجه المسيح.

          وأيضًا يُشبَّه الروح القدس فى الكتاب المقدس بالنار. حينما حل المعزى (البارقليط) على المسيحيين الأولين فى يوم الخمسين فإنه نزل مثل ” ألسنة منقسمة كأنها من نار” (أع3:2). والنار مثل الريح، لا يمكن الإمساك بها: فهي حية، حرة، دائمة الحركة، لا يمكن أن تُقاس، أو توزن، أو تُحصر داخل حدود ضيقة. نحن نشعر بحرارة ألسنة اللهب، ولكننا لا نستطيع أن نغلق عليها أو نحتفظ بها فى أيدينا.

 

          وهكذا الأمر أيضًا فى علاقتنا مع الروح القدس. فنحن نشعر بحضوره ونحن نعرف قوته ولكننا لا نستطيع بسهولة أن نصور شخصه لأنفسنا.

          الأقنوم الثانى من الثالوث (الابن) تجسد وعاش على الأرض كإنسان؛ والأناجيل تخبرنا عن كلامه وأعماله، ووجهه ينظر إلينا من الأيقونات المقدسة، وهكذا ليس من الصعب أن نرسم صورة له فى قلوبنا. ولكن الروح لم يتجسد وشخصه الإلهي لم يُعلن لنا فى هيئة بشرية. فى حالة الأقنوم الثانى من الثالوث فإن تعبير “ولادة” أو “مولود”، تُستخدم لتُشير إلى أصله الأزلى من الآب، وتنقل إلى أذهاننا فكرة محددة ومفهومًا خاصًا، رغم أننا نُدرك أن هذا المفهوم لا ينبغى أن يُدرك بطريقة حرفية. ولكن التعبير المُستخدم للإشارة إلى علاقة الروح الأزلية مع الآب: “انبثاق” أو “منبثق” لا ينقل إلينا فكرة واضحة ومحددة. إنه مثل رسوم هيروغليفية مقدسة يشير إلى سر لم ينكشف بوضوح بعد. وهذا التعبير يوضح أن العلاقة بين الروح والآب ليست مثل العلاقة بين الابن والآب؛ ولكن الوحى لم يخبرنا عن ما هي طبيعة الاختلاف بالضبط.

          هذا أمر لابد منه، لأن عمل الروح القدس لا يمكن أن يُحدد بالألفاظ. فعمل الروح ينبغى أن نعيشه ونختبره مباشرة. ومع ذلك، فرغم هذه الخاصية السرية فى الروح القدس، فإن التقليد الأرثوذكسى يعلّم بشكل أكيد ـ بأمرين عن الروح القدس. الأول: أن الروح شخص. فهو ليس مجرد “تيار إلهي” (كما سمعت أحدهم مرة يصفه)، وهو ليس مجرد قوة عادمة الحس، بل هو أحد الأقانيم الثلاثة الأزلية للثالوث القدوس؛ وهكذا، رغم كل ما يبدو من صعوبة الإمساك به، فإننا يمكن أن ندخل فى علاقة شخصية معه، علاقة ” أنا ـ أنت ” بل إننا ندخل فعلاً فى هذه العلاقة معه.

 

          والأمر الثانى، أن الروح ـ الأقنوم الثالث فى الثالوث ـ مساوى للأقنومين الاخرين وأزلى معهما؛ هو ليس مجرد وظيفة معتمدة عليهما وليس مجرد وسيط يستخدمانه. إن أحد الأسباب الرئيسية التي تجعل الكنيسة الأرثوذكسية ترفض الإضافة اللاتينية: “والابن” إلى قانون الإيمان، وترفض أيضًا التعليم الغربى عن ” الانبثاق المزدوج ” للروح ـ الذي هو سبب هذه الإضافة ـ هو خوفنا من أن مثل هذا التعليم، قد يجعل الناس يتصورن أن الروح القدس ليس شخصًا، ويضعونه فى مرتبة أدنى.

 

          إن أزلية الروح أو مساواته للأقنومين الآخرين هو موضوع يتكرر كثيرًا فى التراتيل الأرثوذكسية فى عيد الخمسين (العنصرة):

          الروح القدس كان كائنًا منذ الأزل، وهو كائن، وسيكون ؛

          فليست له بداية ولا نهاية،

          بل هو دائمًا مرتبط بالآب والابن ويُحصى معهما:

          حياة ومعطى الحياة،

          نور ومانح النور،

          المحبة ذاتها وينبوع المحبة:

          من خلاله يُعرف اللآب،

          من خلاله يُمجد الابن ويُعلن للكل،

          قوة واحدة، كيان واحد،

          سجدة واحدة للثالوث القدوس.

 

الروح والابن:

          تُوجد علاقة متبادلة بين “اليدين” اللذين للآب، أى بين ابنه وروحه، كما توجد بينهما رابطة خدمة متبادلة. وفى أحيانٍ كثيرة يكون هناك ميل للتعبير عن العلاقة بين الاثنين بطريقة أحادية الاتجاه، تحجب هذه التبادلية.

          فيُقال، إن المسيح يأتى أولاً؛ ثم بعد صعوده إلى السماء يُرسل الروح يوم الخمسين. ولكن حقيقة الأمر، أن الروابط المتبادلة هي أكثر تشابكًا وأكثر توازنًا. المسيح يرسل الروح إلينا، ولكن فى نفس الوقت فإن الروح هو الذي يرسل المسيح. دعونا نتذكر بعضًا من النماذج الثالوثية التي سبق أن شرحناها (أنظر الفصل الثانى من الكتاب “الله ثالوث” تحت عنوان “يدا الله” ص48):

          1 ـ التجسد: الروح القدس يحل على العذراء مريم وقت البشارة، وهي تحمل بالمسيح “اللوغوس”: بحسب قانون الإيمان، يسوع المسيح      ” تجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء”، فهنا نجد أن الروح هو الذي يرسل المسيح إلى العالم.

          2 ـ المعمودية: هنا نجد نفس العلاقة. فعند صعود يسوع من مياه الأردن ينزل الروح عليه فى هيئة حمامة: إذن فالروح هو الذي ” يجهزّ ” المسيح ويرسله إلى خدمته الجهارية. وهذا يصير واضحًا جدًا فى الأمور التي حدثت مباشرة بعد المعمودية. فالروح يقتاد المسيح إلى البرية (مر12:1) ليُجرب أربعين يومًا، قبل أن يبدأ الكرازة. وحينما يرجع المسيح فى نهاية هذا الصراع، فهو يعود “بقوة الروح” (لو14:4). والكلمات الأولى التي نطق بها فى كرازته تشير مباشرة إلى حقيقة أن الروح هو الذي يرسله: فهو يقرأ إشعياء1:61، مطبقًا نص إشعياء على نفسه: “روح الرب علىّ، لأنه مسحنى لأبشر المساكين ” (لو18:4). ولقب “المسيح ” أو ” المسيا ” يعنى بالضبط أنه هو الشخص الممسوح بالروح القدس.

          3 ـ التجلى: ومرة أخرى ينزل الروح على المسيح وفى هذه المرة لا ينزل فى هيئة حمامة بل “كسحابة نيرة”. وكما أرسل الروح يسوع فى السابق إلى البرية ثم إلى كرازته الجهارية، هكذا الآن فإن الروح يرسله إلى “خروجه” أى موته مذبوحًا فى اورشليم (لو31:9).

          4 ـ يوم الخمسين: هنا تتحول العلاقة المتبادلة إلى العكس: فبعد أن كان الروح يرسل المسيح، فالآن، نجد أن المسيح الحى المُقام هو الذي يرسل الروح. يوم الخمسين يشكّل هدف التجسد كما يشكِّل تكميل التجسد. يقول القديس أثناسيوس: ” الكلمة أخذ جسدًا، لكى ننال نحن الروح “.

          5 ـ الحياة المسيحية: ولكن التبادل بين “اليدين” لا ينتهي هنا. فكما أن الروح يرسل الابن فى البشارة، وفى المعمودية، وفى التجلى، وكما أن الابن بدوره يرسل الروح يوم الخمسين، هكذا أيضًا بعد يوم الخمسين، فإن الروح هو الذي يتولى مهمة الشهادة للمسيح، وبذلك يجعل المسيح المُقام حاضرًا فى وسطنا على الدوام. فإن كانت غاية التجسد هي إرسال الروح يوم الخمسين، فغاية يوم الخمسين هو استمرار تجسد المسيح فى حياة الكنيسة. وهذا بالضبط هو ما يفعله الروح عند “استدعائه” (epiclesis) فى التقديس الإفخارستى. ” واستدعاء ” الروح هذا للتقديس يقدم لنا نموذجًا ومثالاً لما يحدث فى مجالات حياتنا فى المسيح.

          ” حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمى أكون حاضرًا فى وسطهم ” (مت20:18). كيف يكون المسيح حاضرًا فى وسطنا؟ الجواب، “بواسطة الروح القدس”. ” وها أنا أنا معكم كل الأيام وإلى انقضاء الدهر(مت20:28). كيف يكون المسيح معنا كل الأيام؟ الجواب، ” بواسطة الروح القدس”. وبسبب حضور المعزى فى قلوبنا، فإننا ببساطة لا نعرف المسيح من خلال أربعة أو خمسة أشخاص.. قبلنا، لا نعرفه كشخص كان يعيش فى الماضى البعيد ونعرف عنه معلومات حقيقية بواسطة السجلات المكتوبة، ولكننا نعرفه مباشرة، هنا والآن، نعرفه فى الحاضر، كمخلصنا الشخصى وصديقنا. ويمكننا أن نؤكد مع توما الرسول قائلين: ” ربى وإلهي” (يو28:20). نحن لا نقول فقط، ” وُلد المسيح ” مرة، منذ أزمنة قديمة جدًا؛ بل نقول ” المسيح يُولد ” الآن، فى هذه اللحظة فى قلبى. نحن لا نقول فقط: “المسيح مات”، بل المسيح مات من أجلى. نحن لا نقول فقط: “المسيح قام”. بل “المسيح قائم” ـ هو يحيا الآن لأجلى، يحيا فىّ. هذه الصلة الحميمة الشخصية والمباشرة فى علاقتنا بيسوع هي بالضبط من عمل الروح القدس.

          الروح القدس، إذن، لا يكلمنا عن نفسه بل يكلمنا عن المسيح. قال يسوع وقت العشاء الأخير، ” متى جاء روح الحق فسيرشدكم إلى جميع الحق، لأنه لا يتكلم من نفسه.. سيأخذ مما لى ويخبركم ” (يو14،13:16). هنا نجد سبب عدم وجود اسم للروح أو بدقة أكثر، شفافية الروح القدس: إنه يُوجه الأنظار لا إلى نفسه، بل إلى المسيح القائم الحى.

 

عطية يوم الخمسين:

          هناك ثلاثة أمور تلفتنا بنوع خاص بخصوص موهبة الباراقليط فى يوم الخمسين:

          أولاً: أنها عطية مقدمة لكل شعب الله: وامتلأ الجميع من الروح القدس” (أع4:2). فموهبة أى Charisma كاريزما الروح القدس لا تُمنح فقط للأساقفة والإكليروس بل هي تُمنح لكل واحد من المُعمّدين. فجميعهم يحملون الروح، أى هم حاملوا الروح، فالجميع ـ بالمعنى الصحيح للكلمة ـ هم “كاريزماتيك Charismatics ” أى حاملوا الموهبة.

 

          ثانيًا: عطية المعزى هي عطية الوحدة: وكان الجميع معًا بنفسٍ واحدة” (أع1:2). الروح القدس يجعل الكثيرين يصيرون جسدًا واحدًا فى المسيح، فنزول الروح يوم الخمسين يقلب تأثير برج بابل (أنظر تك7:11)، ولذلك نقول فى إحدى ترانيم عيد الخمسين:

          حينما نزل العلى وبلبل الألسنة،

          فإنه قسّم الأمم؛

          ولكنه حينما وزع ألسنة النار،

          فإنه دعا الجميع إلى الوحدة.

          لذلك نحن نمجد الروح الكلى القداسة بصوت واحد.

          الروح يصنع الوحدة والفهم المتبادل، ويعطينا الإمكانية أن نتكلم “بصوت واحد”، الروح يحول الأفراد إلى أشخاص. فقد كُتب عن الجماعة المسيحية الأولى فى أورشليم فى الفترة التالية مباشرة ليوم الخمسين أنهم: ” كان عندهم كل شئ مشتركًا “، وكان: ” لهم قلب واحد ونفس واحدة ” (أع44:22، 32:4)، وهذه الوحدة ينبغى أن تكون علامة الجماعة الكنسية فى كل عصر.

 

          ثالثًا: عطية الروح هي عطية التنّوع: فألسنة النار كانت موزعة أو “منقسمة”، وهي تُوزع على كل واحد مباشرة. فالروح القدس ليس فقط يجعلنا جميعًا واحدًا، بل يجعل كل منا مختلفًا عن الآخر. ففى يوم الخمسين لم تُلغَ الألسنة الكثيرة لكنها لم تعد سببًا للانفصال، فكل واحد تكلم بلغته الخاصة كما كان يفعل سابقًا ولكن بقوة الروح القدس يستطيع أن يفهم الآخرين. وأن أكون حاملاً للروح فهذا معناه بالنسبة لى أن أحقق فى شخصيتى كل الخصائص المميزة لها؛ هذا يعنى أن أصير حرًا حقًا وأن أكون أنا نفسى حقًا فى فرادتى. الحياة فى الروح تملك تنوعًا لا ينضب؛ إن فعل الشر وليس القداسة هو الذي يتسم بالضجر والتكرار. وكما اعتاد كاهن صديق كان يقضى ساعات طويلة كل يوم يسمع الاعترافات، أن يقول ” يا للغرابة لم تعد هناك خطايا جديدة!”. ولكن هناك دائمًا أشكال جديدة للقداسة.

 

آباء فى الروح وجُهال:

          فى التقليد الأرثوذكسى يظهر العمل المباشر للباراقليط داخل الجماعة المسيحية بصورة قوية فى صورتين “حاملتين للروح” وهما “الشيخ” أى الأب الروحانى، والأخرى ” الجاهل فى المسيح “.

          فالشيخ أو المتقدم فى السن الذي يُعرف فى اليونانية بلقب “جيرون geron” وبالروسية “ستارتز Starets”، لا يلزم بالضرورة أن يكون شيخًا فى عدد السنين ولكنه يكون حكيمًا فى اختباره للحق الإلهي ويكون موهوبًا فى نعمة “الأبوة فى الروح”، “بالكاريزما” الخاصة بإرشاد الآخرين فى الطريق. وما يقدمه لأبنائه الروحيين ليس هو فى الأساس تعليمات أخلاقية أو قانون للحياة، بل يقدم لهم علاقة شخصية. يقول ديستوفسكى: الـ “ستارتز هو الشخص الذي يأخذ نفسك، وإرادتك إلى نفسه وإرادته”. وقد اعتاد تلاميذ الأب زكريا أن يقولوا عنه “كأنه كان يحمل قلوبنا فى يديه”.

 

الـ “ستارتز”: هو إنسان السلام الداخلى الذي عنده يمكن أن يجد الألوف خلاصهم. هذا الإنسان أعطاه الروح القدس موهبة التميز أو الإفراز كثمرة لصلاته وإنكاره لذاته. وهذه الموهبة تمكّنه من قراءة خفايا قلوب الناس؛ وهكذا فهو يجيب ليس فقط على الأسئلة التي يسألها له الآخرون، بل أيضًا على الأسئلة ـ التي عادة ما تكون أساسية جدًا أكثر من التي يسألونها له ـ والتي لم يكونوا قد فكروا أن يسألوا عنها. وهو يملك مع موهبة التمييز موهبة أخرى وهي موهبة الشفاء الروحى ـ أى القدرة على استعادة وشفاء نفوس الناس، وفى بعض الأحيان شفاء أجسادهم أيضًا. وهو يعطى هذا الشفاء الروحى، ليس فقط بكلمات النصح التي ينصح بها بل أيضًا بواسطة سكونه وحضوره الحقيقى. ورغم أهمية نصيحته التي يعطيها، فإن الأكثر أهمية جدًا هي صلاته الشفاعية. فهو يجعل أبنائه الروحيين أصحاء بالصلاة الدائمة لأجلهم وبتوحيد نفسه معهم وتقبل أفراحهم وأحزانهم كأفراحه وأحزانه الخاصة، وأن يأخذ على عاتقه ثقل ذنبهم أو قلقهم. فلا يستطيع أحد أن يكون “ستارتز” إن لم يكن يصلى بلا انقطاع لأجل الآخرين.         

          وإذا كان الـ “ستارتز” كاهنًا فإن خدمته فى التوجيه الروحى تكون عادةً مرتبطة تمامًا بسر الاعتراف. ولكن الـ “ستارتز” بالمعنى الكامل كما يصفه ديستوفسكى أو كما يتمثل فى شخصية الأب زكريا، فهو أكثر من مجرد كاهن اعتراف. فالـ”ستارتز” بالمعنى الكامل لا يمكن أن يُعيّن ليكون هكذا بواسطة أية سلطة أعلى منه. وما يحدث فى حالة الـ “ستارتز” هو ببساطة أن الروح القدس ـ يتكلم مباشرة فى قلوب الشعب المسيحى، ويوضح لهم أن هذا الشخص أو ذاك قد باركه الله بنعمة خاصة تجعله يرشد الآخرين ويشفيهم. فالـ “ستارتز” الحقيقى هو بهذا المعنى شخص نبوى وليس موظفًا رسميًا من سلطة معينة. وبينما فى أغلب الأحوال يكون الـ “ستارتز” كاهنًا راهبًا إلاّ أنه يمكن أن يكون أيضًا كاهن راعية متزوج، أو ربما يكون راهبًا غير حاصل على رتبة كهنوتية أو ـ حتى قد يكون أحيانًا راهبة ـ أو مؤمن عادى أو مؤمنة عادية من الذين يحيون فى العالم الخارجى، رغم أن هذه الحالات الأخيرة تحدث قليلاً جدًا. فإذا كان الـ “ستارتز” هو نفسه ليس كاهنًا فإنه بعد أن يستمع إلى مشاكل الناس ويقدم لهم المشورة المناسبة فإنه كثيرًا ما يرسلهم إلى كاهن لممارسة سر الاعتراف ولنوال الحل بالمغفرة.

 

          العلاقة بين الابن وأبيه الروحى تتنوع كثيرًا. فالبعض يزورون الـ “ستارتز” مرة واحدة أو مرتين طوال حياتهم وذلك فى لحظة حدوث أزمة خاصة، بينما آخرون هم على صلة منتظمة بالـ “ستارتز”، إذ يرونه شهريًا أو أحيانًا ربما يوميًا. وهنا لا يمكن وضع قوانين محددة مسبقًا ؛ فالعلاقة تنمو من نفسها تحت الإرشاد المباشر للروح.

          وهذه العلاقة تكون دائمًا علاقة شخصية. فالـ “ستارتز” لا يطبق قوانين مجردة يتعلمها من كتاب ـ كما فى كتاب “فتاوى الضمير”         (Casuistry) الخاص بالثورة الكاثوليكية الإصلاحية المضادة ـ ولكنه يرى فى كل مناسبة بذاتها هذا الرجل أو هذه المرأة المعينة الذي أو التي أمامه ولأنه مستنير بالروح، فهو يسعى لأن يوصل مشيئة الله بشكل فريد وخاص بهذا الشخص الواحد (الذي أمامه). ولأن الـ “ستارتز” الحقيقي يفهم الشخصية المتميزة لكل واحد ويحترمها، فهو لا يلغى حريتهم الداخلية بل يساعد على تقويتها. هو لا يهدف إلى إيجاد طاعة ميكانيكة عند أبنائه، بل يقودهم نحو نقطة النضج الروحى الذي بواسطته يستطيعون أن يقرروا لأنفسهم. فهو يكشف لكل واحد أو واحدة وجهه أو وجهها الحقيقي الذي كان فيما سبق مخفيًا بدرجة كبيرة عن ذلك الشخص؛ والكلمة التي يقولها الـ “ستارتز” خلاّقة ومعطية للحياة، إذ أنها تمكّن الشخص الآخر من أن يتمم أعمالاً ومهامًا كانت تبدو مستحيلة فى السابق. ولكن الـ “ستارتز” يستطيع أن يحقق كل هذا فقط بسبب أنه يحب كل واحد شخصيًا. وبالإضافة لذلك فإن العلاقة تكون متبادلة: فلا يستطيع الـ “ستارتز” أن يساعد الشخص الآخر إن لم يكن الآخر يرغب بشكل جاد بتغيير طريقة حياته وأن يفتح قلبه بثقة ومحبة للـ “ستارتز”. وأى شخص يذهب ليرى “ستارتز” وهو مدفوع بروح النقد وحب الاستطلاع  فغالبًا يعود بيدين فارغتين، دون أن يتأثر بأى تأثير. ولأن العلاقة دائمًا شخصية فإن “ستارتز” معينًا لا يستطيع أن يساعد كل الناس بطريقة متساوية، بل يستطيع أن يساعد فقط أولئك الذين أرسلهم الروح خاصة إليه. وبالمثل فإن التلميذ لا ينبغى أن يقول: الـ “ستارتز” الذي يرشدنى هو أفضل من كل “ستارتز” آخر”. بل ينبغى أن يقول فقط إن الـ “ستارتز” الذي يرشدنى هو أفضل “ستارتز” بالنسبة لى.

والأب الروحانى فى إرشاده للآخرين ينتظر مشيئة وصوت الروح القدس. قال القديس سيرافيم ” أنا أعطى فقط ما  يخبرنى الله أن أعطيه وأيضًا أنا أؤمن أن الكلمة الأولى التي تأتينى هي ملهمة بواسطة الروح القدس“. ومن الواضح أنه لا يستطيع أحد أن يتكلم ويتصرف بهذه الطريقة إن لم يكن قد بلغ إلى وعى تام وإدراك واضح لحضور الله. فبالنسبة لأى شخص لم يصل بعد إلى هذا المستوى، فمثل هذا التصرف منه يكون إدعّاءً غير مسئول.

 

          والأب زكريا يتكلم بنفس العبارات مثل القديس سيرافيم إنه يقول:      ” أحيانًا لا يعرف الإنسان نفسه ماذا سوف يقول. والرب نفسه يتكلم من خلال شفيته فينبغى أن يصلى هكذا: يارب ليتك تحيا فىَّ، ليتك تتكلم من خلالى، ليتك تعمل من خلالى. وحينما يتحدث الرب من خلال شفتى إنسان فإن كل كلمات ذلك الإنسان تكون فعّالة وكل ما يقوله يتحقق، والإنسان الذي يتكلم هو نفسه يندهش من هذا.. فقط ينبغى للواحد منا أن لا يعتمد على حكمته “.

          العلاقة بين الأب الروحى وابنه تمتد إلى ما بعد الموت حتى الدينونة الأخيرة. وقد أكد الأب زكريا لتلاميذه قائلاً: ” بعد موتى سأكون حيًا أكثر كثيرًا جدًا مما أنا الآن، ولذلك لا تحزنوا حينما أموت.. وفى يوم الدينونة فإن الأب سوف يقول ها أنا والأولاد الذين أعطانيهم الرب “.

 

          وقد طلب القديس سيرافيم أن تُنقش هذه الكلمات الهامة على قبره:

          “ بعد موتى تعالوا إلى قبرى، ومن الأفضل أن تأتوا كثيرًا، وأى شئ يثقل نفوسكم ومهما كان الشئ الذي حدث لكم، تعالوا إلىَّ كما كنتم تأتون وأنا حى, واركعوا على الأرض واطرحوا كل مرارة عنكم على قبرى. وأخبروني بكل شئ وأنا سوف أنصت إليكم، وكل المرارة التي عندكم سوف تهرب وتفارقكم. وكما كنتم تتحدثون إلىّ عندما كنت حيًا أفعلوا هكذا بعد موتى. لأنى أنا حى وسأظل هكذا إلى الأبد “.

 

          ولكن ليس لجميع الأرثوذكس أب روحى خاص بهم. فماذا نفعل إذا كنا نبحث عن مرشد ولا نجد؟ طبعًا يمكن للإنسان أن يتعلم من الكتب، فسواء كان لنا “ستارتز” أم لا فنحن نلجأ للكتاب المقدس لطلب الإرشاد الدائم. (أنظر الفصل القادم ص150). لكن الصعوبة فى حالة الكتب هو كيف أعرف بالضبط ما ينطبق علىَّ شخصيًا فى هذه النقطة الخاصة أثناء مسيرتى الروحية.

          وبالإضافة للكتب وللأبوة الروحية أيضًا فهناك الأخوة الروحية (من الاخوة بالنسبة للرجال أو من الأخوات بالنسبة للنساء) ـ وهي المعونة التي تُعطى لنا ليس بواسطة المعلمين فى الرب، بل بواسطة زملائنا فى التلمذة. ولا يجب أن نهمل الفرص التي تُقدم لنا بهذه الطريقة. ولكن أولئك الذين يلتزمون بالطريق بشكل جاد ينبغى إضافة إلى ذلك أن يبذلوا كل جهد لكى يجدوا لهم أبًا فى الروح القدس، فإن كانوا يبحثون باتضاع فبلا شك سوف يُعطى لهم الإرشاد الذي يحتاجونه. وليس معنى هذا أنهم سوف يجدون “ستارتز” مثل القديس سيرافيم أو الأب زكريا. ينبغى أن نأخذ حذرنا أننا فى توقعنا لشئ أو لشخص هام جدًا ومشهور، فإننا نغض النظر عن المعونة التي يقوم الله فعلاً بتقديمها لنا فى الوقت الحاضر. فقد يكون هناك شخص ما فى نظر الآخرين ليس له أية أهمية أو قيمة ولكن ربما يصير هو نفسه الأب الروحى الذي يستطيع أن يتكلم إلىَّ شخصيًا، بكلمات نارية هي تلك الكلمات التي أحتاج أن أسمعها أهم من كل الكلمات الأخرى.

 

          والنوع الثانى من الذين يحملون الروح بطريقة نبوية داخل الجماعة المسيحية هو “الجُهال فى المسيح”. واليونانيون يدعونهم “Salos” والروس يدعونهم “IURODIVYI”. وعادة يكون من الصعب أن نكتشف كيف أن هذا “الجهل” قد اختاره هؤلاء الأشخاص بوعى وبإرادتهم وإلى أى مدى يكون هذا الجهل تلقائيًا أو غير إرادى. فهذا الإنسان “الجاهل” فى المسيح يقوم بفعل التوبة أى تغيير الذهن فيمتد بها إلى أقصى حد. وهو يفعل هذا بإلهام الروح وبطريقة جذرية أكثر من أى أحد آخر، فهو يجعل الهرم مقلوبًا على رأسه. وهو شهادة حية لحقيقة أن مملكة المسيح ليست من هذا العالم؛ هو يشهد لحقيقة “ضد العالم”. يشهد لإمكانية تحقيق المستحيل، هو يمارس فقرًا إراديًا مطلقًا ويوحد نفسه مع المسيح المذلول، المسحوق. وكما كتبت عنه “جوليا ديبوسوبر”، “هو ليس ابنًا لأحد، وليس أخًا لأحد، وليس أبًا لأحد، ولا بيت له”. وإذ هو يترك الحياة العائلية فإنه يعيش جوالاً أو سائحًا، وهو يشعر كأنه فى بيته فى كل مكان يذهب إليه، مع ذلك فهو لا يستقر فى أى مكان. هو يلبس أسمالاً بالية حتى فى البرد القارس وينام فى السقيفة أو فى مخزن إحدى الكنائس. وهو يتخلى ليس فقط عن الممتلكات الأرضية بل أيضًا عن ما يعتبره الآخرون سلامة عقله واتزانه. ومع ذلك فهو بذلك يصير مجرى تتدفق فيه حكمة الروح العليا.

 

          وغنى عن القول إن “الجهل لأجل المسيح” هو دعوة نادرة غاية الندرة كما أنه ليس من السهل أن نميز بين الحقيقى والمزيف فى هذه الدعوة، وبين “الانحلال” و”النفاذ”. ولكن فى النهاية يوجد محك واحد فقط للاختبار  ” من ثمارهم تعرفونهم” (مت20:7) “فالجاهل” المزيف هو عقيم وهدام،  لنفسه وللآخرين. وأما “الجاهل” فى المسيح حقًا فهو يملك نقاوة القلب، وله تأثير ينمى الحياة ويزيدها فى الجماعة التي يتعامل معها. ورغم أنه من وجهة النظر العملية لا يوجد أى هدف نافع من وراء أعمال ” الجاهل ” إلاّ أنه بواسطة عمل مثير أو كلمة غامضة وغالبًا ما تكون كلمة موبّخة عن قصد وصادمة فإنه يوقظ الناس من الفريسية ومن حالة الرضا عن الذات التي يعيشون فيها عادة. ولأنه هو نفسه متحرر من كل الارتباطات فإنه يطلق ردود أفعال فى الآخرين ويجعل اللاشعور يصعد إلى السطح وهكذا يصير ممكنًا أن يتطهر العقل الباطن ويتقدس. هو يقرن الجرأة بالاتضاع. وبسبب أنه تخلى عن كل شئ فهو حر فعلاً. ومثال لذلك هناك “الجاهل” المعروف فى روسيا “نيكولاس من بيسكوف”؛ الذي وضع فى يدى القيصر “إيفان الرهيب” قطعة لحم يقطر منها الدم، فإنه بذلك يستطيع أن يوبخ الأقوياء فى هذا العالم بجسارة تنقص الآخرين. وهو بهذا يكون الضمير الحى للمجتمع.

 

صر إلى ما أنت عليه:

          قليلون فقط من المسيحيين فى كل جيل هم الذين يصيرون شيوخًا روحيين، وأقل منهم يصيرون “جُهّال” فى المسيح. ولكن كل الذين اعتمدوا بلا استثناء هم “حاملون للروح”، إذ تقول عظات القديس مقاريوس ” اعرف قدرك وافهم الدرجة السامية التي أُعطيت لك.. فكل منكم قد مُسح بالمسحة السماوية، وقد صار مسيحًا بالنعمة، كل واحد قد صار ملكًا ونبيًا للأسرار السماوية ” (عظة1:17).

          وما حدث للمسيحيين الأولين يوم الخمسين يحدث أيضًا لكل واحد منا بعد معموديتنا مباشرة، فإننا فى الممارسة الأرثوذكسية ـ نُمسح بالمسحة أى الميرون. (هذا السر الثانى فى طقس الدخول المسيحى يقابل التثبيت فى التقليد الغربى). فسواء كان المعتمد طفلاً أو بالغًا، فإن الكاهن ـ بعد المعمودية مباشرة ـ يمسحه على جبهته، وعينيه، وأنفه، وفمه، وأذنيه، وصدره، ويديه وقدميه، وهو يقول ” ختم موهبة الروح القدس”. وهذا المسح هو عنصرة شخصية لكل واحد منا: فالروح الذي نزل بشكل منظور على الرسل بألسنة من نار، ينزل على كل واحد منا بطريقة غير منظورة، دون أن ينقص هذا من نزول الروح حقيقةً أو يُنقص من قوته. فكل واحد يصير “ممسوحًا”، “مسيحًا” على مثال يسوع الماسيا. كل واحد يُختم بموهبة المعزى. فمنذ لحظة معموديتنا ومسحنا، فإن الروح القدس يأتى مع المسيح ليسكن فى أعمق أعماق قلبنا. ورغم أننا نقول للروح: “تعال”، إلاّ أنه موجود داخلنا قبل أن ندعوه.

 

          ومهما كان المُعمّدون مهملين وغير مبالين فى حياتهم فإن سُكنى الروح هذا لا يتلاشى تلاشيًا تامًا. ولكن من الجهة الأخرى إن لم نتعاون مع نعمة الله ـ إن لم نجاهد ـ بإرادتنا لتتميم الوصايا ـ فمن الممكن أن حضور الروح القدس داخلنا يظل محتجبًا وغير محسوس. وكسائحين على “الطريق“، فإن هدفنا ـ هو أن نتقدم من مرحلة تكون فيها نعمة الروح حاضرة فى داخلنا بطريقة خفية، إلى المرحلة التي يكون لنا “معرفة واعية”، فيها نعرف قوة الروح بوضوح تام، ومباشرة وبكل إدراك قلوبنا. يقول المسيح الرب “جئت لألقى نارًا على الأرض فماذا أريد لو اضطرمت” (لو49:12). فشعلة الروح ـ الخاصة بيوم الخمسين ـ الموجودة فى كل منا منذ المعمودية، ينبغى أن تُضرم لتصير لهيبًا حيًا. ينبغى أن نصير إلى ما نحن عليه.

 

          ” ثمر الروح، محبة فرح سلام طول أناة لطف.. ” (غلا22:5). “فالمعرفة الواعية” لعمل الروح ينبغى أن تكون حالة تتخلل كل حياتنا الداخلية وتنفذ فيها. ليس من اللازم لكل واحد أن يحدث له ” اختبار تحول ” بارز. والأولى ليس من الضرورى لكل واحد  أن  “يتكلم بألسنة”. ومعظم الأرثوذكس المعاصرين ينظرون بحذر شديد إلى ذلك القسم من الحركة الخمسينية الذي يعتبر أن “الألسنة” هي البرهان الذي لا غنى عنه  على أن الشخص هو “حامل الروح” حقًا. إن موهبة “الألسنة” كانت منتشرة طبعاً في العصر الرسولي، ولكن منذ منتصف القرن الثانى صارت نادرة الحدوث رغم أنها لم تختفِ كلية. وعلى أى حال، فالرسول بولس يصر على أن هذه الموهبة هي أقل المواهب الروحية أهمية (أنظر 1كو5:14).

 

          وحينما يكون “التكلم بألسنة” روحيًا حقًا فهو يمثل نوعًا من إطلاق السراح أو الإفلات ـ أى اللحظة الحاسمة فى تحطيم الثقة الخاطئة فى ذواتنا، ليحل محلها الخضوع والتسليم لله لكى يكون هو العامل فينا. وفى التقليد الأرثوذكسى، فإن عملية إطلاق السراح هذه غالباً ما تأخذ صورة “موهبة الدموع”. يقول القديس مار اسحق السرياني: ” الدموع تمثل الحد الفاصل بين الحالة الجسدانية والحالة الروحانية, بين حالة الخضوع للشهوات و حالة النقاوة ” و يكتب في فقرة جديرة بأن تذكر ما يلي:

ثمار الإنسان الداخلي تبدأ بسكب الدموع. حينما تصل إلي موضع الدموع, فاعرف حينئذ أن روحك قد خرجت من سجن هذا العالم وبدأت تسير فى الطريق الذي يؤدى إلى العالم الجديد. وفى هذه اللحظة تبدأ روحك أن تستنشق الهواء العجيب الموجود هناك، وتبدأ فى سكب الدموع. ولحظة ولادة المولود الروحاني تكون الآن على وشك الحدوث, ويصير مخاض الولادة شديداً جداً. والنعمة ـ التي هي أمنا جميعاً ـ تسرع لتلد النفس ولادة سريعة ـ النفس التي هي صورة الله ـ و تأتي بها إلى نور الدهر الآتى. وحينما يأتى وقت الولادة، يبدأ العقل أن يحس بشىء من أمور ذلك العالم الآخر ـ كرائحة حقيقية، أو كالنفس الذي يأخذه الطفل حديث الولادة فى هيكله الجسمى. ولكننا لم نتعود على مثل هذا الاختبار، وإذ نجد أنه يصعب علينا احتماله، فإن جسدنا ينغلب فجأة ببكاء ممزوج بالفرح “.

 

          ولكن توجد هناك عدة أنواع من الدموع، وليست كلها موهبة من الروح. فإلى جانب الدموع الروحانية، هناك دموع الغضب والإحباط، والدموع التي تُسكب فى العطف على الذات، والدموع العاطفية. وهناك احتياج للتمييز بين أنواع الدموع، ولذلك توجد أهمية الحصول على مساعدة مرشد روحى مختبر. أى “ستارتز”. والتمييز يصير اكثر ضرورة فى حالة “الألسنة” وفى أغلب الأحوال، لا يكون روح الله هو الذي يتكلم من خلال “الألسنة” بل يكون المتكلم هو الروح البشرية التي تصنع الإيحاء الذاتى والهستريا الجماعية. بل فى بعض الحالات يكون “التكلم بالألسنة” هو صورة من صور التلبس بروح شيطانى. ” أيها الأحباء لا تصدقوا كل روح، بل امتحنوا الأرواح لتعرفوا هل هي من الله؟“(1يو1:4)

 

          لذلك، فالأرثوذكسية، بينما تصر على الحاجة إلى اختبار مباشر للروح القدس، فإنها تصر أيضًا على الحاجة إلى التمييز والتعقل. إن البكاء وكذلك اشتراكنا فى مواهب الروح الأخرى تحتاج أن تتطهر من كل الخيالات ومن الإثارات العاطفية. فالمواهب الروحية الحقيقية لا يجب أن تُرفض، ولكن لا ينبغى أن نسعى وراء هذه المواهب كهدف فى ذاتها. ما نهدف إليه فى حياة الصلاة ليس الحصول على مشاعر معينة أو اختبارات “حسية” من أى نوع خاص، بل ما نهدف إليه هو بكل بساطة، أن تتوافق مشيئتنا مع مشيئة الله.

          يقول الرسول بولس لأهل كورنثوس: ” لا أطلب ما هو لكم بل إياكم ” (2كو14:12)، ونحن نقول نفس الشىء لله. نحن لا نطلب المواهب بل الواهب.

?>?>?>?>

دعاء للروح القدس:

تعال, أيها النور الحقيقي.

تعال, أيها الحياة الأبدية.

تعال, أيها السر الخفي.

تعال, أيها الكنز الذي بلا أسم.

تعال, أيها الحقيقة التي تفوق كل الكلمات.

تعال, أيها الشخص الذي يفوق كل فهم.

تعال, أيها الفرح الذي بلا نهاية.

تعال, أيها النور الذي لا يعرف مساء.

تعال, يا رجاء المخلّصين الذي لا يخزي.

تعال, يا قيامة الساقطين.

تعال, يا قيامة الأموات.

تعال, يا كلى القدرة , لأنك تخلق بلا توقف , ودائماً تعيد صياغة كل الأشياء وتغيرها بإرادتك وحدك.

تعال, يا غير المنظور الذي لا يستطيع أحد أن يلمسك أو يمسك بك.

تعال, لأنك تستمر دائماّ غير متحرك , ومع ذلك فأنت دائم الحركة كليةً في كل لحظة ؛ أنت تقترب منا نحن الذين نقيم في الهاوية , ومع ذلك فأنت تظل اعلي من السموات.

تعال, فإن اسمك يملأ قلوبنا بالشوق , واسمك دائماً علي شفاهنا ؛ومع ذلك فإننا لا نستطيع أن نقول أو نعرف،من أنت أو ما هي طبيعتك.

تعال, أيها الوحيد , لمن هو وحيد.

تعال, فأنت نفسك هو الرغبة التي في داخلي.

تعال, يا نسمتي , ويا حياتي.

تعال, يا عزاء نفسي المنسحقة   

تعال, يا فرحي , يا مجدي , ويا بهجتي التي لا نهاية لها.

(القديس سمعان اللاهوتي الجديد )

 

الروح القدس هو نور وحياة,                                         هو ينبوع المعرفة الحي,

روح الحكمة ,                                                                            روح الفهم ,

مُحب , وبار , ومملوء بكل معرفة وقوة ,   مُطهرنا من كل خطايانا ,

إله ويجعلنا إلهيين ,                                                  هو النار التي تأتي من النار,

هو يتكلم , ويعمل , ويوزع مواهب النعمة.

بواستطه تكلّل كل الأنبياء , ورسل الله والشهداء.

عجيبة كانت الأخبار , عجيبة كان المنظر يوم الخمسين:

النار نزلت, مانحة مواهب النعمة لكل واحد.

(من صلوات عيد الخمسين في الطقس البيزنطي )    

” كل من قد أعتمد بطريقة أرثوذكسية, قد نال سراً ملء النعمة؛ فإن سار في طريق ممارسة الوصايا, فإنه سيصبح عارفاً بطريقة واعية بهذه النعمة التي في داخله.

ومهما تقدم الإنسان في الإيمان؛ ومهما كانت البركات التي يصل إليها عظيمة, فهو لا يكتشف ولا يمكن أبداً أن يكتشف أي شيء أكثر مما سبق أن ناله سراً بواسطة المعمودية. فالمسيح لأنه إله كامل, يمنح المُعمّدين نعمة الروح الكاملة. ونحن من جانبنا لا نستطيع أن نضيف شيئاً إلي هذه النعمة, ولكن هذه النعمة تُعلن وتكشف ذاتها لنا أكثر فأكثر بقدر تتميمنا للوصايا. إذن , فكل ما نقدمه للرب بعد ولادتنا بالمعمودية ,كان موجوداً في داخلنا وهو نابع منه هو أصلاً.”                                        (القديس مرقس الناسك )

 

الأقانيم الإلهية لا يؤكدون ذواتهم , بل كل أقنوم منهم يشهد للأخر لهذا السبب قال القديس يوحنا الدمشقي إن ” الابن هو صورة الآب, والروح صورة الابن ” وينتج عن ذلك أن الأقنوم الثالث للثالوث هو الأقنوم الذي ليس له صورته في أقنوم آخر. الروح القدس, كأقنوم, يظل غير منكشف, يظل خفياً, مخفياً نفسه في ذات عملية ظهوره…

الروح القدس هو المسحة الفائقة التي مُسح بها المسيح ومُسح بها كل المسيحيين المدعويين ليملكوا معه في الدهر الآتي. فحينئذ ـ في الدهر الأتي ـ فإن هذا الأقنوم الإلهي, غير المعروف الآن, والذي ليست له صورته في أقنوم آخر في الثالوث, سوف يظهر نفسه في الأشخاص المؤلهين: لان جماعة القديسين سوف تكون هي صورته.

(فلاديمير لوسكي )

 

 

الروح القدس يهب كل الأشياء:

    هو ينطق بالنبوات ,

    هو يقدس الكهنة ,

    هو يعلم الجهال الحكمة,

    هو الذي حول الصيادين إلي لاهوتيين.

    هو الذي يمسك بكل تركيبة الكنيسة معاً ويجعلها في وحدة.

    هو واحد في الجوهر وواحد في العرش مع الآب والابن.

أيها الباراكليت , المجد لك!

(من صلوات عشية عيد الخمسين فى الطقس البيزنطي)

 

 

الله روح – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد

Exit mobile version