الحجر مدحرجا – إنجيل لوقا 24 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

الحجر مدحرجا – إنجيل لوقا 24 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

الحجر مدحرجا – إنجيل لوقا 24 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

قيامة المسيح

(لو1:24ـ5): “ ثُمَّ فِي أَوَّلِ الأُسْبُوعِ أَوَّلَ الْفَجْرِ أَتَيْنَ إِلَى الْقَبْرِ حَامِلاَتٍ الْحَنُوطَ الَّذِي أَعْدَدْنَهُ وَمَعَهُنَّ أُنَاسٌ. فَوَجَدْنَ الْحَجَرَ مُدَحْرَجًا عَنِ الْقَبْرِ. فَدَخَلْنَ وَلَمْ يَجِدْنَ جَسَدَ الرَّبِّ يَسُوعَ. وَفِيمَا هُنَّ مُحْتَارَاتٌ فِي ذَلِكَ إِذَا رَجُلاَنِ وَقَفَا بِهِنَّ بِثِيَابٍ بَرَّاقَةٍ. وَإِذْ كُنَّ خَائِفَاتٍ وَمُنَكِّسَاتٍ وُجُوهَهُنَّ إِلَى الأَرْضِ“.

 

          النسوة أتين إلى القبر، ولما لم يجدن جسد المسيح ـ لأنه كان قد قام ـ فإنهن تحيّرن كثيرًا. ثم ماذا تبع ذلك؟ إنهنَّ لأجل حبهنَّ للمسيح، ولأجل غيرتهنَّ الحارَّة له، فقد حُسِبن مستحقات أن يَرين الملاكين المقدَّسَيْن اللذين أخبراهن بالأخبار السارة، وصارا مبشرين بالقيامة قائلين: “ لماذا تطلبن الحي بين الأموات؟ ليس هو ههنا لكنه قام” (لو5:24، 6). إن كلمة الله حي إلى الأبد، وبحسب طبيعته هو الحياة ذاتها، ولكنه عندما أخلى ذاته، ووضع نفسه ليصير مثلنا، فإنه ذاق الموت، ولكنه برهن على موت الموت، لأنه قام من الموت ليصير هو الطريق الذى به ليس هو فقط بل نحن أيضًا نعود إلى عدم الفساد. ليت لا أحد يبحث عن ـ هذا الحي إلى الأبد ـ بين الأموات، لأنه هو ليس هنا بين الأموات وهو ليس في القبر، ولكن أين يوجد بالأحرى؟ ببساطة ووضوح، هو في السماء، في مجد الله. ولأجل أن يرسِّخ الملاكان بأكثر ثبات إيمان النسوة بهذه الأخبار، فإنهما أعادا إلى ذاكرتهن ما سبق أن قاله المسيح: ” اذكرن كيف كلَّمكن وهو بعد في الجليل قائلاً: إنه ينبغي أن يُسلَّم ابن الإنسان في أيدي أناس خطاة ويُصلب وفي اليوم الثالث يقوم” (لو7:24).

 

          إن الملائكة هم الذين أتوا بالأنباء السارة للميلاد إلى الرعاة في بيت لحم، والآن أيضًا هم الذين يُبلِّغون أخبار القيامة، والسماء تُقدِّم خدمتها لتشهد له، والأجناد الروحانية العلوية تعبد الابن كإله حتى بعد أن صار جسدًا.

 

(عدد 9): ” وَرَجَعْنَ مِنَ الْقَبْرِ وَأَخْبَرْنَ الأَحَدَ عَشَرَ وَجَمِيعَ الْبَاقِينَ بِهَذَا كُلِّهِ“.

          بعد أن تعلََّّمن السِّر من صوت الملائكة، فإنهن أسرعن ليبلغن التلاميذ بهذه الأمور. كان لائقًا جدًّا أنَّ هذه النعمة، رغم أنها عظيمة جدًّا أن تُخوَّل للنساء، إذ أنَّ المرأة التي خدمت الموت في القديم قد أُعتِقت الآن من ذنبها، بالخدمة التي وصلتها بصوت الملائكة القديسين، وكذلك لأنها صارت الأولى لأنها أولاً: عَلِمت، وثانيًا: لأنها أخبرت بسرَّ القيامة المجيد. لذلك فإن الجنس النسائي قد نال البراءة من العار، وكذلك بطُلَت اللعنة، وذلك لأن الذي قال للمرأة في القديم: بالوجع تلدين أولادًا (تك16:3) هو الذى خلصها من البليَّة، بأن قابلها في البستان ـ كما ورد في إنجيل آخر ـ وقال لها: “ سلام” (متى9:28). أمَّا بخصوص الرسل القديسين، فقد ظلَّت رواية القيامة تبدو لهم وكأنها غير معقولة تمامًا ومزيَّفة، لأنه حتى ذلك الوقت لم يكونوا يعرفون الكتب المقدسة، لذلك كانوا غير مُصدِّقين، ولأجل ذلك فقد سَخَروا من خبر القيامة ورفضوه.

          ولكن كيف أنَّ التلاميذ في إنجيل يوحنا، بعد أن سمعوا مريم المجدلية، وركضوا تجاه القبر آمنوا ؟ بخصوص هذا فإن البشائر تشهد لهم بالقول: ” فحينئذٍ دخل أيضًا التلميذ الآخر الذى جاء أولاً إلى القبر ورأى فآمن” (يو8:20). فالاثنان آمنا: بطرس ويوحنا. أمَّا إنجيل لوقا فيقول: ورجعن من القبر وأخبرن الأحد عشر وجميع الباقين بهذا كله، وكانت مريم المجدلية ويونا ومريم أم يعقوب والباقيات معهن اللواتي قُلن هذا للرسل ، فتراءى كلامهن لهم كالهذيان ولم يصدقوهن.

 

(أعداد 13ـ15): “ وَإِذَا اثْنَانِ مِنْهُمْ كَانَا مُنْطَلِقَيْنِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ إِلَى قَرْيَةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ أُورُشَلِيمَ سِتِّينَ غَلْوَةً اسْمُهَا عِمْوَاسُ. وَكَانَا يَتَكَلَّمَانِ بَعْضُهُمَا مَعَ بَعْضٍ عَنْ جَمِيعِ هَذِهِ الْحَوَادِثِ. وَفِيمَا هُمَا يَتَكَلَّمَانِ وَيَتَحَاوَرَانِ اقْتَرَبَ إِلَيْهِمَا يَسُوعُ نَفْسُهُ وَكَانَ يَمْشِي مَعَهُمَا“.

          بخصوص الاثنين اللذين كانا منطلقين إلى قرية عمواس، فقد كانا يتكلمان مع بعضهما بشأن المسيح، وهما يعتبرانه أنه لم يَعُد بعد على قيد الحياة، بل كانا ينوحان عليه كميت، وبينما كانا يتكلمان ويتحاوران اقترب إليهما يسوع نفسه وكان يمشي معهما دون أن يعرفاه، لأن أعينهما أُمسِكت عن معرفته (ع16). فقال لهما: ” ما هذا الكلام الذي تتطارحان به وأنتما ماشيان عابسين؟ فأجاب أحدهما الذى اسمه كليوباس وقال له: هل أنت متغرِّب وحدك في أورشليم… إلخ” (أعداد 17ـ21)، ثم أخبراه عن الإشاعات التى وَافَتهُم بها النسوة بخصوص القيامة، وكذلك بخصوص كلام بطرس، ولكنهما لم يصدقوهن، لأنه بقولهما: “ بل بعض النسوة حيَّرننا… لأنهم لم يجدن الجسد…” (أعداد23،22)، يتضح أنهما لم يقتنعا ليؤمنا بالأخبار، ولا نظرا إليها كأخبار حقيقية، ولكنها أصبحت في نظرهما أخبارًا تدعو إلى القلق والدهشة، بل وحتى شهادة بطرس الذى رأى اللفائف الكتان عند القبر، لم يعتبراها برهانًا كافيًا جديرًا بالثقة والتصديق بخصوص القيامة لأن الإنجيلي لم يقل عنه إنه رأى الرب شخصيًّا، بل إنه استنتج أنه قام بسبب كونه لم يعد موجودًا في القبر. يجب عليكم أيضًا أن تعلموا أنَّ هذين الاثنين هما من عداد السبعين تلميذًا، وكان سمعان ـ وهو غير بطرس ـ هو رفيق كليوباس، كما أنه ليس من قانا، ولكنه واحد من السبعين[1].

         

(عدد 27 ): ” ثُمَّ ابْتَدَأَ مِنْ مُوسَى وَمِنْ جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ يُفَسِّرُ لَهُمَا الأُمُورَ الْمُخْتَصَّةَ بِهِ فِي جَمِيعِ الْكُتُبِ“.

          لقد بيَّن الرب من خلال هذا الحديث أنَّ الناموس كان ضروريًّا ليُمهِّد الطريق، وأيضًا خدمة الأنبياء كانت لازمة لتُعِد البشر للإيمان بهذا العمل الفائق، حتى إذا ما تم هذا العمل بالفعل، فإنه يجب على هؤلاء الذين ينزعجون بسبب المجد الفائق أن يتذكروا ما سبق أن قيل في القديم، وهذا يقودهم إلى الإيمان، لذلك فإن يسوع قد مهَّد الطريق لهم من خلال كتابات موسى والأنبياء، وهو يشرح لهما معانيها الخفية، ويفسِّر للذين يستحقون ما هو غامض على غير المستحقين، وهكذا يوطِّد في داخلهم الإيمان القديم والمتوارَث الذي تعلَّموه من الكتب المقدسة التي كانت في حوزتهم، لأنه لا شئ يأتي من عند الله بلا منفعة، بل الكل له الموضع والخدمة المحدَّدة. فالخدام يُرسَلون مسبقًا إلى مكانهم الواجب ليعدُّوا لحضور السيد، بأن يقدموا من قَبْل نبوات كإعداد ضرورى مسبق للإيمان، تمامًا مثل كنز ملكي قد سبق التنبؤ عنه، فإنه يجب في الأوان المناسب أن يُؤتى به من مخبئه السابق المُحاط بالغموض، بأن يُماط عنه اللثام ويصبح ظاهرًا جليًّا من خلال وضوح التفسير. وهكذا فإن الرب بعد أن حرَّك عقليهما عن طريق كتابات الناموس والأنبياء، فإنه بعد ذلك بوضوح أكثر، وضع نفسه أمامهما عندما قبل رجاءهما بأن يذهب معهما إلى القرية، إذ أنه أخذ خبزًا وباركه وقسمه بينهما، لأنه مكتوب: أُمسِكت أعينهما عن معرفته (ع16)، إلى أن دخلت الكلمة داخلهما وحركت قلبيهما للإيمان، وبعد ذلك صيَّرت ما سبق أن سمعاه وآمنا به، مرئيًّا، لأنه منحهما الرؤية في أوانها بعد السماع، إلاَّ أنه لم يستمر معهما لأن الكتاب يقول: “ ثم اختفى عنهما“، لأن علاقة الرب بالناس بعد القيامة لا تستمر كما كانت من قبل، لأنهم هم يحتاجون إلى تجديد وحياة ثانية في المسيح، حتى يلتحم الجديد بالجديد، وغير الفاسد يقترب من غير الفاسد، أليس لهذا السبب لم يسمح الرب ـ كما يقول يوحنا في إنجيله (انظر يو17:20) لمريم المجدلية أن تلمسه إلى أن يصعد ثم يعود ثانية.

 

(عدد 33): ” فَقَامَا فِي تِلْكَ السَّاعَةِ وَرَجَعَا إِلَى أُورُشَلِيمَ وَوَجَدَا الأَحَدَ عَشَرَ مُجْتَمِعِينَ هُمْ وَالَّذِينَ مَعَهُمْ “.

          يقول الكتاب إن كليوباس ورفيقه قاما في تلك الساعة. وذلك في نفس الوقت الذي اختفى فيه المسيح عن أعينهما ورجعا إلى أورشليم، ولكنه لم يقل إنهما وجدا الأحد عشر مجتمعين معًا في نفس تلك الساعة، وأنهما قالا لهم ما حدث بخصوص المسيح بل بعد مرور عدد من الساعات تكفي للسفر ستين غلوة بين عمواس وأورشليم، وفي أثناء هذه الساعات ظهر الرب لسمعان بطرس.

 

          والبشير (لوقا) حذف الأحداث التى تمَّت في خلال هذا الزمن (الأربعين) بين ظهوره للرسل في أورشليم وبين اليوم الذى ارتفع فيه. أمَّا ما سمعه كليوباس ورفيقه من الرسل: ” إنَّ الرب قام بالحقيقة وظهر لسمعان ” (لو24: 34)، فهذا الظهور لم يذكر عنه أين أو متى أو كيف تم… خلال هذه الفترة أيضًا (بين الظهور مساء القيامة وبين الصعود) تمت الأحداث التي في الجليل والتي سجلها القديس متى (انظر مت16:28ـ20)[2].

 

(عدد  36): ” وَفِيمَا هُمْ يَتَكَلَّمُونَ بِهَذَا وَقَفَ يَسُوعُ نَفْسُهُ فِي وَسَطِهِمْ وَقَالَ لَهُمْ: سَلاَمٌ لَكُمْ!“.

          والآن، نحن نلتزم بترتيب الحوادث، فإننا نقول إن رواية القيامة قد بلغت الرسل من جهات مختلفة، وصارت رغبتهم في رؤية الرب جامحة، وها هو يأتي بحسب رغبتهم ويقف مرئيًّا في وسطهم ويُعلِن نفسه إذ قد صاروا يبحثون عنه ويتوقَّعون حضوره، وها هو الآن يظهر لهم وأعينهم ليست مُمسكة عن المعرفة، ولا كمن يتحدث معهم عن شخص آخر، وهو الآن يسمح لهم أن يبصروه بوضوح، ويُحيِّيهم بالتحيَّة الملائمة، ولكن مع ذلك ” فإنهم جزعوا وخافوا وظنوا أنهم نظروا روحًا” (لو37:24)، أي ظنوا أنه ليس هو نفسه، بل مُجرَّد شبح وخيال. وللوقت فإنه هدَّأ من روعهم وقلقهم بسبب هذه الأفكار التى خطرت في قلوبهم وخاطبهم بتحيته المعتادة وقال: “سلام لكم“.

 

(عدد 38): ” فَقَالَ لَهُمْ: مَا بَالُكُمْ مُضْطَرِبِينَ وَلِمَاذَا تَخْطُرُ أَفْكَارٌ فِي قُلُوبِكُمْ؟“.

          لكي يقنعهم الرب بتأكيد لا يدع مجالاً للشك بأنه هو نفسه الذي تألّم، فإنه يٌبيَّن للتو أنه بسبب كونه الله بالطبيعة، فإنه يعرف ما هو مخفي، وأن الأفكار الثائرة داخلهم لا تخفى عن معرفته، لذلك قال لهم: ” ما بالكم مضطربين؟” هذا برهان واضح أنَّ هذا الذي يرونه أمامهم ليس شخصًا آخر، بل هو نفسه الذي رأوه يذوق الموت على الصليب، والذي وُضِع في القبر، وهو نفسه الذي يفحص القلوب والكُلى والذي ليس شيء غير مكشوف لعينيه. هذا الأمر يعطيه لهم كعلامة تدل علي شخصه، أعني معرفته بالأفكار الثائرة داخلهم. ولكي يبرهن لهم بصورة أقوى، وبطريقة أخرى أنَّ الموت قد قُهِرَ، وأن الطبيعة البشرية قد خلعت عنها الفساد في شخصه كباكورة، فإنه أراهم يديه ورجليه وثقوب المسامير وسمح لهم بأن يمسكوه، لكى يقنعهم بكل وسيلة أنَّ نفس الجسد الذي تألم هو الذى قام كما قلت لكم. لذلك ليت لا أحد يثير اعتراضات تافهة بخصوص القيامة، وإن كنتم تسمعون الكتاب المقدس يقول عن الجسم الإنسانى إنه يُزرع جسمًا حيوانيًّا ويُقام جسمًا روحانيًّا (1كو44:15) فلا تنكروا عودة الأجسام البشرية إلى عدم الفساد، لأنه كما أنَّ الحيواني هو الذي يكون تابعًا ويخضع للبهيمية أي الشهوات الجسدانية، كذلك أيضًا الروحاني هو تحت سلطان الروح القدس (أي جسمًا روحانيًّا).

 

          لأنه لن يوجد بعد القيامة من الموت فرصة للعواطف الجسدانية لأن مِهماز الخطية سيكون بلا قوة تمامًا، وهذا الجسد نفسه الذى جُبِل من الأرض، سوف يلبس عدم فساد. ولكى يتأكد التلاميذ تمامًا أنَّ هذا هو نفسه الذى تألم وقُبِرَ، وهو الذي قام ثانيةً وهو واقف الآن أمامهم، فإنه ـ كما قلت لكم ـ أراهم يديه ورجليه. وأمرهم أن يكونوا مقتنعين تمامًا أنه ليس روحًا كما يظنون، بل هو بالحري قام بجسد حقيقي، فيقول لهم: “ فإن الروح ليس له لحم وعظام كما ترون لي” (ع39)، لأن الظِّلَ والروح والشبح لا يمكن لمسها باليد.

 

          وبعد أن أراهم ـ كما قلنا ـ يديه ورجليه، فإنه أقنعهم تمامًا أنَّ الجسد الذي تألم قد قام، ولكن من أجل أن يجعل فيهم قدرًا وافرًا من الإيمان بتأكيد أكثر، فإنه سألهم عن طعام، فناولوه جزءًا من سمك مشوي (ع42)، فأخذ وأكل قدامهم (ع43)، وهذا فعله ليس لأي سبب آخر سوى أن يبيِّن أنَّ مَن قام من الأموات هو نفسه الذي فيما مضى أكل وشرب معهم طوال فترة خدمته معهم، وهو الذي تكلم معهم كإنسان بحسب الصوت النبوي في القديم (باروخ37:3)، وكان قصده من هذا أن يلاحظوا أنَّ الجسم البشري يحتاج فعلاً إلى غذاء من هذا النوع، أما الروح فلا تحتاج لذلك. فالذى يستحق أن يُدعَى مؤمنًا، والذي يقبل بلا تردد شهادة الإنجيليين القديسين (بخصوص القيامة) لن ينصت فيما بعد إلى خرافات الهراطقة، ولن يمكنه أن يحتمل تجارة الخياليين المُغرِضة والرخيصة[3]. إن قوة المسيح تفُوق أسئلة البشر، كما أنها ليست على مستوى الفهم كالأحداث المعتادة. المسيح أكل آنذاك جزءًا من سمك بسبب القيامة، أما النتائج الطبيعية للأكل فلا يمكن أن تحدث في حالة المسيح بالطريقة التى يمكن أن يعترض بها غير المؤمن، الذى لا يعرف سوى أنَّ ما يدخل الفم يلزم بالضرورة أن يمضي إلى الجوف ويندفع إلى المخرج (مت17:15)، أمَّا المؤمن فلن يفسح مجالاً لمثل هذه الاعتراضات التافهة في عقله، ولكن يترك الأمر إلى قوة الله.

 

(عدد 45): “ حِينَئِذٍ فَتَحَ ذِهْنَهُمْ لِيَفْهَمُوا الْكُتُبَ“.

          بعد أن هدَّأ الرب أفكارهم بما قاله لهم، وبلمسة أيديهم له، وبمشاركته لهم في الأكل، حينئذٍ فتح ذهنهم ليفهموا أنه كان ينبغى له أن يتألم وأن يُعلَّق على خشبة الصليب. هنا يعيد الرب إلى أذهان التلاميذ ما قاله لهم سابقًا، لأنه سبق أن أخبرهم بخصوص آلامه على الصليب بحسب ما تكلم الأنبياء قبل ذلك بوقت طويل كما أنه فتح أيضًا عيون قلوبهم حتى يفهموا النبوات القديمة.

 

          لقد وعد المخلص تلاميذه بحلول الروح القدس الذى سبق أن أعلن الله عنه في القديم بيوئيل النبي (يؤ28:2)، والقوة النازلة من الأعالى حتى يصيروا أقوياء لا يُقهرون ويكونوا بلا خوف تمامًا لكي يعلِّموا السر الإلهي للناس في كل مكان.

 

          إنه يطلب إليهم الآن بعد القيامة أن يقبلوا الروح القدس: ” اقبلوا الروح القدس” (يو22:20)، ويضيف: ” أن لا يبرحوا من أورشليم بل ينتظروا موعد الآب الذى سمعتموه مني، لأن يوحنا عمَّد بالماء وأما أنتم فستتعمَّدون بالروح القدس” (أع5،4:1). إنه لا يضيف ماء إلى ماء، ولكنه يكمل ما كان ناقصًا بإضافة ما كان مكملاً له (أي الروح).

(عدد 51): ” وَفِيمَا هُوَ يُبَارِكُهُمُ انْفَرَدَ عَنْهُمْ وَأُصْعِدَ إِلَى السَّمَاءِ “.

أنه ارتفع إلى السماء حتى يشترك في عرش الآب بالجسد الذى هو متَّحد به.

هذا الطريق الجديد قد صنعه الكلمة لنا بعد أن ظهر في الطبيعة البشرية. وبعد ذلك، وفي الوقت المناسب، سوف يأتي ثانيةً في مجد أبيه مع الملائكة، فيأخذنا إليه لنكون دائمًا معه.

لذلك دعنا نُمجِّده، هذا الذي وهو الإله الكلمة صار إنسانًا لأجلنا، هذا الذي تألم بإرادته في الجسد وقام من الأموات وأبطل الفساد، هذا الذي ارتفع إلى السماء، وسوف يأتي بمجدٍ عظيم ليدين الأحياء والأموات، وليعطي كل واحد بحسب أعماله، هذا الذي به ومعه لله الآب يليق المجد والقوة مع الروح القدس إلى دهر الدهور. آمين.

1 يقول أوريجينوس في ديباجة شرحه لإنجيل يوحنا نفس التقليد، فيذكر أنَّ رفيق كليوباس كان يُسمى سمعان، أما في المؤلفات المتأخرة مثل ثيؤفلاكت، فإنه يظن أنَّ هذا الرفيق كان لوقا نفسه.

2 ذكر القديس يوحنا في إنجيله ظهورات بعد ظهوره يوم القيامة نفسه وذلك في يوحنا 24:20ـ31، ويوحنا ص21 كله (المُترجِم).

3 يقصد هنا هؤلاء الذين يُروِّجون إشاعة أنَّ جسد الرب خيالي أو شبح أى ليس جسدًا حقيقيًّا.

 

الحجر مدحرجا – إنجيل لوقا 24 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

يسوع يعلق بين لصين – إنجيل لوقا 23 ج3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

يسوع يعلق بين لصين – إنجيل لوقا 23 ج3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

يسوع يعلق بين لصين – إنجيل لوقا 23 ج3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لوقا32:23ـ43 ): ” وَجَاءُوا أَيْضًا بِاثْنَيْنِ آخَرَيْنِ مُذْنِبَيْنِ لِيُقْتَلاَ مَعَهُ. وَلَمَّا مَضَوْا بِهِ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يُدْعَى جُمْجُمَةَ صَلَبُوهُ هُنَاكَ مَعَ الْمُذْنِبَيْنِ وَاحِدًا عَنْ يَمِينِهِ وَالآخَرَ عَنْ يَسَارِهِ. [فَقَالَ يَسُوعُ: يَا أَبَتَاهُ اغْفِرْ لَهُمْ لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ]. وَإِذِ اقْتَسَمُوا ثِيَابَهُ اقْتَرَعُوا عَلَيْهَا. وَكَانَ الشَّعْبُ وَاقِفِينَ يَنْظُرُونَ وَالرُّؤَسَاءُ أَيْضًا مَعَهُمْ يَسْخَرُونَ بِهِ قَائِلِينَ: خَلَّصَ آخَرِينَ فَلْيُخَلِّصْ نَفْسَهُ إِنْ كَانَ هُوَ الْمَسِيحَ مُخْتَارَ اللهِ. وَالْجُنْدُ أَيْضًا اسْتَهْزَأُوا بِهِ وَهُمْ يَأْتُونَ وَيُقَدِّمُونَ لَهُ خَلاًّ. قَائِلِينَ : إِنْ كُنْتَ أَنْتَ مَلِكَ الْيَهُودِ فَخَلِّصْ نَفْسَكَ. وَكَانَ عُنْوَانٌ مَكْتُوبٌ فَوْقَهُ بِأَحْرُفٍ يُونَانِيَّةٍ وَرُومَانِيَّةٍ وَعِبْرَانِيَّةٍ: هَذَا هُوَ مَلِكُ الْيَهُودِ. وَكَانَ وَاحِدٌ مِنَ الْمُذْنِبَيْنِ الْمُعَلَّقَيْنِ يُجَدِّفُ عَلَيْهِ قَائِلاً: إِنْ كُنْتَ أَنْتَ الْمَسِيحَ فَخَلِّصْ نَفْسَكَ وَإِيَّانَا!. فَانْتَهَرَهُ الآخَرُ قَائِلاً: أَوَلاَ أَنْتَ تَخَافُ اللهَ إِذْ أَنْتَ تَحْتَ هَذَا الْحُكْمِ بِعَيْنِهِ؟. أَمَّا نَحْنُ فَبِعَدْلٍ لأَنَّنَا نَنَالُ اسْتِحْقَاقَ مَا فَعَلْنَا وَأَمَّا هَذَا فَلَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ. ثُمَّ قَالَ لِيَسُوعَ: اذْكُرْنِي يَا رَبُّ مَتَى جِئْتَ فِي مَلَكُوتِكَ. فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ “.

 

          إن الطوباوي بولس يعتبر سِرّ تجسُّد الابن الوحيد جديرًا بكل إعجاب، وإن جاز القول، فإنه يبدي اندهاشه عن حكمة وسموِّ تدبير الخلاص فيقول: “ يا لعمق غنى الله وحكمته وعلمه” (رو33:11) فانظروا كيف أنَّ مخلِّص ورب الكل، الذي به أوجد الآب كل شيء يُجدِّد طبيعة الإنسان ويستردّها إلى ما كانت عليه في البدء بصيرورته هو نفسه مثلنا، وحمله لآلامنا من أجلنا. لأن الإنسان الأول كان حقًّا في البدء في فردوس البهجة، وقد أنعم الله عليه بغياب كلٍّ من الألم والفساد، لكن عندما احتقر الوصية التي أُعطِيَت له وسقط تحت اللعنة والدينونة وفى فخ الموت بأكله من الشجرة المحرَّمة، فإن المسيح ـ كما قلتُ ـ ردَّه إلى وضعه الأصلي بواسطة الشجرة (الخشبة، أي بواسطة خشبة الصليب) إذ احتمل الصليب الثمين لأجلنا كي ما يبيد الموت، الذي بواسطة الشجرة غزا أجساد البشر. فقد احتمل الآلام لكيما يخلِّصنا من الآلام، وكما هو مكتوب: “ احتُقِر وخُذِل من الناس” (إش3:53س) لكيما يجعلنا مكرَّمين، ولم يفعل خطية لكيما يكلِّل طبيعتنا بمجدٍ مشابه، وهو الذي لأجلنا صار إنسانًا خاضعًا كذلك لنصيبنا، وهو الذي يعطي حياة للعالم خضع للموت بالجسد. أفليس السرّ عميقًا إذن؟ ألا يلزمنا الاعتراف بأن التدبير أعظم ممَّا يمكن للغة أن تصفه؟ أيّ شك يمكن أن يوجد في هذا؟ لذلك ليتنا عندما نقدِّم له التسبيح أن نكرِّر ما أنشده المرنِّم بقيثارته: “ ما أعظم أعمالك… كلها بحكمة صنعتَ” (مز4:103س).

 

          وهكذا عندما عُلِّق على الصليب الثمين، صُلب معه اثنان من اللصوص. ما الذي ترتَّب على هذا؟ كان قصد اليهود حقًّا من هذا هو السخرية به إلى أبعد حدٍّ ممكن، لكنه من ناحية أخرى كان تذكيرًا بالنبوة، لأنه مكتوب أنه “ أُحصيَ مع أثمة” (إش12:53س) لأنه من أجلنا صار هو لعنة، أى ملعونًا، لأنه مكتوب أيضًا: ” ملعون كل من عُلِّق على خشبة” (تث23:21). لكن عمله هذا أبطل اللعنة التى كانت علينا، لأننا معه وبسببه نكون مُبارَكين، وإذ يعلم بهذا الطوباوي داود، فإنه يقول:” مبارَكون نحن من الرب الذي خلق السماء والأرض” (مز23:113س). لأن بآلامه حلَّت علينا البركات، وهو دفع ديوننا بدلاً عنَّا وحمل خطايانا، وكما هو مكتوب، “ هو حمل خطايانا وجُلد عوضًا عنَّا” (إش6:53س)، ” وهو حمل خطايانا في جسده على الخشبة” (1بط24:2). حقًّا إننا “ بِحُبره شُفينا” (إش5:53ش). هو أيضًا تألم بسبب خطايانا، وبهذا خلََّصنا من أمراض النفس. هو احتمل الهزء والازدراء والبصق لأن رؤساء مجمع اليهود استهزءوا به وهزُّوا رؤوسهم النجسة وصبُّوا عليه ضحكهم المرير قائلين: ” خلَّص آخرين فليخلِّص نفسه إن كان هو المسيح“. لكن إن كنتم حقًّا لا تؤمنون أنه هو المسيح فلماذا قتلتموه كالوريث؟ لماذا ترغبون في الاستيلاء على ميراثه؟ وإن كان قد خلَّص آخرين وأنتم تعرفون جيدًا أنَّ الأمر حقًّا كان هكذا، فكيف تُعوِزه القوَّة لأن يخلِّص نفسه من بين أيديكم؟ أنتم سمعتم في الهيكل أولئك الذين كانت وظيفتهم أن يرتِّلوا وينشدوا في الخورس يقولون على الدوام: “ ثقبوا يديَّ ورجليَّ… أحصوا كلَّ عظامي، وهم ينظرون ويتفرَّسون فيَّ، يقسمون ثيابي بينهم وعلى لباسي يقترعون” (مز16:21 ـ18س)، وكذلك ” يعطونني علقمًا لطعامي، ولعطشي يعطونني خلاًّ لأشرب ” (مز21:68س)، وحيث إنكم متمرِّسون في الناموس ـ مثلما تعتبرون أنفسكم هكذا ـ فكيف يتأتَّى لكم أن تتركوا النبوة وتتركوا دونما فحص ما سبق الإخبار به بخصوص هذه الأشياء؟ كان واجبكم أن تستفهموا  وتبحثوا عمَّن قيلت هذه الأشياء، أقصد على أي شخص يليق بكم أن تُطبِّقوا هذه الآيات. أنتم سمعتم قائدكم العظيم موسى ينبئكم عن وحشية هجماتكم، لأنه قال إنكم ” سوف تبصرون حياتكم معلَّقة على خشبة” (تث66:28س). أي سترون الذي هو علَّة الحياة، أو بالحري مَن هو الحياة ذاتها معلَّقًا على خشبة، فكيف تتجاهلون تمامًا نبوة موسى الذي به تفتخرون جدًّا؟ لأننا سمعناكم تُصرِّحون علانية: ” نحن تلاميذ موسى” (يو28:9).

          أخبرنى ماذا تقصد بإنغاضك الرأس عليه؟ هل تزدري بالاحتمال الوديع للمتألِّم؟ أم لكي تُبرهِن بهذا على تحجُّر قلبك وقساوته الشديدة؟ هل أنت متلهِّف على إخضاع رئيس الحياة لموت الجسد؟ لماذا تتطفل على التدابير المقدَّسة؟ لماذا تفكر في مشورةٍ لن تستطيع تحقيقها؟ إنه مكتوب: “ الساكن في السموات يضحك بهم، والرب يستهزئ بهم” (مز4:2).

 

          وكما قلتُ، صُلب معه لصان من باب السخرية على تلك الآلام التى تجلب الخلاص لكل العالم، ولكن أحد هذين اللصين شابه في سلوكه عقوق اليهود، إذ قذف بقوَّة نفس كلماتهم، وتفوَّه بسهولة بتعبيرات تجديفيَّة فقال: ” إن كنت أنت المسيح فخلِّص نفسك وإيانا“، أمَّا الآخر فقد اتَّبع مسلكًا مخالفًا وهو جدير عن حق بإعجابنا، لأنه آمن به. وبينما كان يكابد أقصى عقوبة، وبَّخ صرخات اليهود المتهوِّرة وكذلك كلمات اللص الآخر الذي كان مصلوبًا معه، إنه اعترف بخطاياه لكيما ما يتبرَّر (إش26:43س)، وصار لائمًا لطرق نفسه الخاطئة لكيما يبرئه الله من ذنبه كما هو مكتوب: ” قلتُ أعترفُ للرب بإثمي وأنت صفحتَ لي عن نفاقات قلبي” (مز5:31س)، وهو شهد للمسيح بالبراءة ووبَّخ افتقار اليهود لمحبتهم لله وأدان حكم بيلاطس إذ قال عن المسيح: أمَّا هذا فلم يفعل شيئًا مكروهًا. كم هو جميل هذا الاعتراف، كم هي حكيمة تعليلاته، كم هي سامية أفكاره. لقد صار معترفًا بمجد المخلص، ولائمًا لكبرياء الذين صلبوه. فأية مكافأة نالها؟ وأي كرامات كان هو جدير بها؟ وأية منفعة عادت على هذا اللص الذي كان أول من يُعلِن الإيمان؟ فهو عثر على كنز جدير بالامتلاك، وصار غنيًّا على غير توقع، واقتنى كل بركة، وفاز بميراث القديسين، وصار اسمه مكتوبًا فوق في السموات، والذي كان يكابد حكم الموت صار اسمه في سفر الحياة وأصبح في عداد سكان المدينة السماوية.

 

          فلنتطلَّع إلى اعترافه الإيمانى الجميل جدًّا، إذ قال ليسوع: ” اذكرني يا رب متى جئتَ في ملكوتك“. أنت تراه مصلوبًا وتدعوه ملكًا؛ وذاك الذي كان يكابد العذاب والاستهزاء، أنت تتوقع مجيئه في مجد إلهي؛ أنت تراه محاطًا بجموع اليهود وزمرة الفريسيين الأشرار وعسكر بيلاطس، وهؤلاء جميعًا يسخرون به، وليس بينهم واحد يعترف به…

 

(عدد 45،44): “ وَكَانَ نَحْوُ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ فَكَانَتْ ظُلْمَةٌ عَلَى الأَرْضِ كُلِّهَا إِلَى السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ. وَأَظْلَمَتِ الشَّمْسُ وَانْشَقَّ حِجَابُ الْهَيْكَلِ مِنْ وَسَطِهِ“.

          ذاك الذي يفوق كل المخلوقات ويشارِك في عرش الآب، وَضع ذاته إلى درجة الإخلاء وأخذ شكل العبد واحتمل حدود الطبيعة البشرية لكيما يوفي بالوعد الذي أعطاه الله لأجداد اليهود، لكنهم كانوا في منتهى العناد وعدم الطاعة إلى درجة أن يثوروا على سيدهم. لأنهم جعلوا جلَّ شغلهم الشاغل هو أن يُسلِّموا رئيس الحياة للموت وأن يصلبوا رب المجد، لكنهم لما ثبَّتوا رب الكل على الصليب، انسحبت الشمس من على رؤوسهم وتدثَّر النور بالظلام في منتصف النهار مثلما أنبأ عاموس النبي (عا18:5)، لأنه كانت هناك ظلمة من الساعة السادسة إلى الساعة التاسعة، وهذه كانت علامة واضحة لليهود أنَّ أذهان الذين صلبوه قد تغلَّفت بظلمة روحية، لأن العمى والقساوة قد حصلت جزئيًّا لإسرائيل (رو25:11)، وداود في محبته لله يلعنهم قائلاً: لتظلم عيونهم لكي لا يبصروا (مز23:68س).

          نعم! الخليقة ذاتها ندبت ربها، لأن الشمس أظلمت والصخور تشقَّقَت، والهيكل ذاته ارتدى ثياب النائحين إذ انشق حجابه من أعلى إلى أسفل، وهذا ما يشير به الله إلينا بفم إشعياء قائلاً أُلبس السموات ظلامًا، وبالمِسح أُغطِّيها (إش3:50س).

 

(عدد 47 ): ” فَلَمَّا رَأَى قَائِدُ الْمِئَةِ مَا كَانَ مَجَّدَ اللهَ قَائِلاً: بِالْحَقِيقَةِ كَانَ هَذَا الإِنْسَانُ بَارّاً!“.

          أتوسل إليكم أن تلاحظوا أيضًا أنه بمجرد أن كابد آلامه على الصليب لأجلنا، حتى ابتدأ في اكتساب الكثيرين إلى معرفة الحق، إذ يقول النص: إنه لما رأى قائد المائة ما حدث مجَّد الله قائلاً : بالحقيقة كان هذا الإنسان بارًّا، وبعض اليهود أيضًا قرعوا صدورهم إذ ـ بدون شك ـ قد وَخَزَتهم ضمائرهم وتطلَّعوا بأعين أذهانهم إلى الرب، وربما برَّأوا أنفسهم من سلوكهم المشين ضد المسيح بهتافهم ضدَّ من صلبوه حتى وإن لم يتجاسروا على فعل هذا علانية بسبب عدم تَقْوَى الحكام. لذلك قال ربنا عن حق:     ” وأنا إن ارتفعتُ عن الأرض أجذب إلىَّ جميع الناس” (يو32:12).

 

(عدد 55): “ وَتَبِعَتْهُ نِسَاءٌ كُنَّ قَدْ أَتَيْنَ مَعَهُ مِنَ الْجَلِيلِ وَنَظَرْنَ الْقَبْرَ وَكَيْفَ وُضِعَ جَسَدُهُ.“.

 

          إن نساء حكيمات تبعن المسيح مخلصنا جميعًا، جامعاتٍ كل ما كان مفيدًا ضروريًّا للإيمان به، وعندما قدَّم جسده كَفِدية لحياتنا جميعًا، عكفنَ بحكمة واجتهاد على الاعتناء بجسده، لأنهن ظننَ أنَّ جسده سيبقى على الدوام في القبر.

يسوع يعلق بين لصين – إنجيل لوقا 23 ج3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

يسوع في طريقه للصلب – إنجيل لوقا 23 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

يسوع في طريقه للصلب – إنجيل لوقا 23 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

يسوع في طريقه للصلب – إنجيل لوقا 23 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو24:23ـ31 ): “ فَحَكَمَ بِيلاَطُسُ أَنْ تَكُونَ طِلْبَتُهُمْ. فَأَطْلَقَ لَهُمُ الَّذِي طُرِحَ فِي السِّجْنِ لأَجْلِ فِتْنَةٍ وَقَتْلٍ الَّذِي طَلَبُوهُ وَأَسْلَمَ يَسُوعَ لِمَشِيئَتِهِمْ. وَلَمَّا مَضَوْا بِهِ أَمْسَكُوا سِمْعَانَ رَجُلاً قَيْرَوَانِيًّا كَانَ آتِيًا مِنَ الْحَقْلِ وَوَضَعُوا عَلَيْهِ الصَّلِيبَ لِيَحْمِلَهُ خَلْفَ يَسُوعَ. وَتَبِعَهُ جُمْهُورٌ كَثِيرٌ مِنَ الشَّعْبِ وَالنِّسَاءِ اللَّوَاتِي كُنَّ يَلْطِمْنَ أَيْضًا وَيَنُحْنَ عَلَيْهِ. فَالْتَفَتَ إِلَيْهِنَّ يَسُوعُ وَقَالَ: يَا بَنَاتِ أُورُشَلِيمَ لاَ تَبْكِينَ عَلَيَّ بَلِ ابْكِينَ عَلَى أَنْفُسِكُنَّ وَعَلَى أَوْلاَدِكُنَّ. لأَنَّهُ هُوَذَا أَيَّامٌ تَأْتِي يَقُولُونَ فِيهَا: طُوبَى لِلْعَوَاقِرِ وَالْبُطُونِ الَّتِي لَمْ تَلِدْ وَالثُّدِيِّ الَّتِي لَمْ تُرْضِعْ. حِينَئِذٍ يَبْتَدِئُونَ يَقُولُونَ لِلْجِبَالِ: اسْقُطِي عَلَيْنَا وَلِلآكَامِ: غَطِّينَا. لأَنَّهُ إِنْ كَانُوا بِالْعُودِ الرَّطْبِ يَفْعَلُونَ هَذَا فَمَاذَا يَكُونُ بِالْيَابِسِ؟“.

 

          إن مخافة الله مكروهة من فاعلي الشر، وهذا القول صحيح لأن الكتاب المقدس لا يمكن أن يكذب، لأن الرغبة في الحياة باستقامة وقداسة هو أمر غريب تمامًا عند أولئك الذين يحبون الشر، ولأن عنف أهوائهم يهاجمهم كوحشٍ كاسرٍ فهم لن ينصتوا لكلام من ينصحهم، بل يعتبرون كل من يعلِّمهم كيف ينبغي أن يحيوا الحياة الصالحة، بمثابة عدوٍّ لهم. كان هذا هو الشعور الذي جعل جموع اليهود يبغضون المسيح، مع أنَّ ما دعاهم إليه كان هو الخلاص وغفران الخطية، وإلى نمط من الحياة جدير بالإعجاب، وإلى برٍّ أسمى من برِّ الناموس، وإلى عبادة روحية أعلى من الرموز والظلال.

 

          لقد أتوا بالقدوس والبار إلى بيلاطس ونطقوا ضده بكلام عنيف ومتهوِّر، وانهالوا عليه باتهامات كاذبة ملفَّقة، واستمرُّوا طويلاً في كَيْل الاتهامات له بحدَّة حتى إن بيلاطس أخيرًا حكم أن تُلبَّى طلبتهم مع أنه قال علانية: ” أنا لا أجد علَّة في هذا الإنسان“، لكنهم ـ بحسب النص ـ صرخوا قائلين: ” خذه، اصلبه“. وكان الرب قد وبَّخهم لأجل هذه الصرخة بالذات ـ الصرخة القاسية وغير الشرعية ـ بصوت النبي إشعياء، لأنه هكذا مكتوب: ” إنَّ َكْرم رب الجنود، الغرس الجديد والمحبوب هو بيت يهوذا، فانتظرتُ أن يصنع عدلاً ولكنه عمل إثمًا، وليس استقامة بل صراخًا” (إش7:5س). وفي موضع آخر قال عنهم: ” ويل لهم لأنهم هربوا عنِّي. إنهم تعساء لأنهم أخطأوا ضدِّي، ولكن أنا افتديتهم أمَّا هم فتكلموا عليَّ بكذب” (هو13:7س)، وأيضًا: “سيسقط رؤساؤهم بالسيف بسبب فظاظة لسانهم” (هو16:7س).

 

          لذلك ـ بحسب النص ـ حكم بيلاطس أن تلبَّى طلبتهم، لكن كان من الأفضل لهم لو تغلَّبتْ رغبة بيلاطس وصار الحكم هو بإطلاق سراح الرب وتبرئته من كل جرم، وتمَّ فك البار البريء من قيوده لكنهم قاوموا وعارضوا بشدة، وهكذا فازوا بمأربهم الذي كان هو علَّة فسادهم، والذي أَعدَّ لهم الشرك الذي كان سبب خرابهم، وجلب عليهم البؤس الشديد والمُحتَّم.

 

          لكن أتوسل إليكم أن تلاحظوا هنا كيف أنَّ الحية المتمرِّدة، تُطرد من سيادتها علينا، وتحفر لنفسها هي ولرَهطِ الأشرار الذين يخدمونها هُوَّة الهلاك. لأنه كما يقول المرنم: ” وَقَعَت الأمم في الهلاك الذي صنعوه، وفي الفخ الذي نصبوه انتَشَبَت أرجلهم، سيُعرَف الرب أنه هو صانع الأحكام، والشرِّير يُؤخذ بعمل يديه” (مز16،15:9س)، ” إذ ثبت أنَّ أعمال يديه هي بمثابة فخ له، وسقط هو في الحفرة التي حفرها، وارتدَّ تعبه على رأسه، وعلى هامته هبط إثمه” (مز16،15:7س). لأنه كما قلت، قد طُرد من طغيانه علينا. وهذا ما علَّمنا المخلِّص إياه، لأنه عندما كان مزمعًا أن يحتمل آلامه الخلاصية لأجلنا قال: ” الآن دينونة هذا العالم، الآن يُطرح رئيس هذا العالم خارجًا، وأنا إن ارتفعتُ عن الأرض أجذب إلىَّ الجميع” (يو31:12و32). لذلك فإن يسوع جاء إلى الصليب حتى إذا ما رُفع يمكنه أن يجتذب إليه الجميع، ولكيما بهذا يجرِّد الشيطان من عابديه، وهو الذي في علوِّ كبريائه تجاسر على أن يقول: “سأُمسِك العالم كله في يدي كعش، وكما يُجمع بيض مهجور جمعتُ أنا كل الأرض، ولن يوجد من يفلت مني أو يتكلم ضدي” (إش14:10س).

          إذًا، أنت لم تكن تتوقع أن ينهض أحد ضدك حينما كنت مستوليًا على ما ليس هو لك. ولكن مع ذلك فالأنبياء تجاسروا أن يفعلوا ذلك، مع أنَّ الإسرائيليين كانوا بتهيُّجِك وإغرائك يندفعون باستمرار إلى العنف وارتكاب جرائم قتل شنيعة. ثم قام ضدّك رب الكل وتكلم ضدّك، وإذ قد أخذ شكل العبد وتكلم كنبي، مع أنه هو المُعطِي كل نبوة ومعرفة، وهو العالي الذي يفوق الكل تخلَّى عن مجده، وظهر في ضعفٍ مثلنا مع أنه رب الجنود. وأنت لم تعرف المخلِّص، وكما يقول إرميا النبى: ” قد وُجدتَ وأُمسكتَ لأنك قد وقفت ضد الرب” (إر24:50س). وكيف أُمسكتَ؟ بِكَوْن أولئك الذين كانوا في الظلمة والجهل الذي سبَّبته لهم نالوا نورًا، وأولئك الذين كانوا تائهين في الضلال جيء بهم إلى الطريق الصحيح، وسَقَطَت سيادتك الطاغية والقاسية، وبادت شوكة الخطية، وقُتل الموت بموت المسيح. هذه هي المنافع التي صُنِعَت لنا بواسطة آلام المخلِّص، لذلك قُدْ يسوع! نعم قُده إلى الصليب الذي سيؤدِّي إلى خرابك، واخزن لنفسك النار التي لا تُطفأ، واحفر لنفسك الحفرة التى ستُطرح فيها إذ ستداس تحت أقدام أولئك الذين يخافون الرب. لذلك إن كنت تضحك عندما تراه مصلوبًا ومعلَّقًا على خشبة، لكن سرعان ما سوف تراه وقد قام من الأموات، وآنذاك سوف تُولوِل على الموت لأنه قد سقط. إبكِ بغزارة لدى رؤيتك للهلاك وهو ينهزم، إبكِ لأن الله يُعيد تشكيل طبيعة الإنسان لتتأهَّل للحياة، إذ هو سحق الخطية وأخضعها، هذه التى بفعلك تسَلَّطَت علينا بوحشية، وأنت لن تعود بعد تشتكي على أي إنسان، لأن ” الله هو الذي يُبرِّر فمن هو الذي يدين” (رو34،33:8)، وكما يقول المرنم: ” كل إثم يسدُّ فاه” (مز42:107).

 

          وهكذا اقتيد المخلِّص إلى آلامه المخلِّصة، لكنهم ـ يقول الكتاب ـ وضعوا صليبه على سمعان القيرواني، لكن إنجيلي قديس آخر قال إن المخلص نفسه حمل الخشبة (يو17:19)، كلاهما حتمًا صادق فيما يقوله، لأن المخلِّص حمل الصليب فعلاً، ولكن ربما لاقاهم سمعان القيرواني في وسط الطريق فأمسكوه وجعلوه يحمل الصليب بدلاً منه. ويوجد سبب هام لحقيقة أنَّ المسيح مخلِّص الكل حَمَل الصليب، هو أنه قد قيل عنه بفم إشعياء النبى:” إنه يولَد لنا ولد ونُعطَى أيضًا ابنًا وتكون الرياسة على كتفه” (إش6:9س). لأن الرياسة كانت بالصليب الذي به صار مَلِكًا على العالم. وذلك لأنه أطاع الآب حتى الموت موت الصليب، فلأجل هذا السبب أيضًا رَفَّعه الله وعظَّمه جدًّا، وأعطاه اسمًا فوق كل اسم لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممَن في السماء ومَن على الأرض ومن تحت الأرض، ويعترف كل لسان أنَّ يسوع المسيح هو رب لمجد الله الآب (فى8:2ـ11).

 

          وأعتقد أنه من المهم أن نلاحظ هذا الأمر أيضًا هنا، هو أنه عندما صعد الطوباوي إبراهيم إلى الجبل الذي أراه الله إياه ليُصعِد هناك إسحق ذبيحة بحسب أمر الله، فإن إبراهيم وضع الحطب على الصبي الذي كان مثالاً للمسيح وهو يحمل صليبه الخاص على كتفيه وهو صاعد إلى مجد آلامه، لأن كَوْن آلام المسيح هي مجده، فهذا هو ما علَّمه لنا المسيح بنفسه عندما قال: ” الآن تمجد ابن الإنسان وتمجَّد الله فيه. إن كان الله قد تمجَّد فيه، فإن الله سيمجِّده في ذاته ويُمجِّده سريعًا” (يو32،31:13).

 

          كان يسوع ماضيًا إلى موضع الصلب وتبعته آنذاك نساء تبكين وكذلك آخرون كثيرون، لأن جنس النساء على الدوام يستسلم للبكاء، ولديهم استعداد أن يتأثَّروا بشِدَّة عندما يقترب أي شيء مُحزِن. أما يسوع فقال لهن: يا بنات أورشليم وفِّرن دموعكن لأجلي، وتوقَّفوا عن نحيبكن بخصوصي، بل ” بالأحرى لا تبكين علىَّ بل ابكين على أنفسكن وعلى أولادكن، لأنه هوذا أيام تأتي سيكون فيها أفضل للنساء أن تكنَّ عواقر من أن تَلِدن“. كيف هذا أو بأية طريقة؟ لأنه عندما وقعت الحرب على بلاد اليهود، هلك الجميع تمامًا كبيرهم مع صغيرهم، الأطفال مع أمهاتهم، والأبناء مع آبائهم، والجميع بادوا بلا تفريق. ويقول الرب إنه آنذاك سيعتبرونه أثمن شيء لديهم هو أن يُسحقوا تحت الجبال والآكام؛ لأنه في أثناء تلك الكوارث الفظيعة، فإن هذه المحن التي هي أقل وحشية وقسوة، تصير كأنها مرغوبة. لأنه يقول: ” لأنه إن كان بالعود الرطب يفعلون هذا، فماذا يكون باليابس؟” (لو31:23).

 

          إنه أمر جدير باهتمامنا أن نفهم ماذا كان يقصد المخلِّص بهذه الكلمات، لأن القول صيغ في هيئة مَثَل أو بالحري مِثال، لكنه مليء بالمعاني الروحية، وأنا أعتقد أنه ربما يقصد أن يوحِى بما يلى: فهو يشبِّه نفسه بالشجرة الخضراء التى لها أوراق وأزهار وثمر، وأثماره كانت تعاليم وعظات وأيضًا مظاهر قوته الإلهية في معجزاته الإلهية فائقة الوصف، فأي عمل من أعماله لا يفوق مستوى إعجابنا؟ فهو قد أقام الموتى وطهَّر البرص وشفى الأعمى وأعمال أخرى صنعها أثارت فينا كل التسبيح والتمجيد له. ورغم أنَّ هذه كانت هي أعماله، لكن جنود الرومان أو بالأحرى بيلاطس أدانه وحكم عليه بحكم جائر، وابتلاه بهذه الاستهزاءات القاسية، لذلك عندما يقول إن رؤساء الرومان قد أوقعوا بي كل هذه الأمور مع أنهم رأوني أتحلَّى بمثل هذا المجد والمديح العظيم، فماذا سيفعلون بإسرائيل عندما يجدون أنه عود يابس غير مثمر؟ لأنهم لن يجدوا فيه شيئًا يستحق الإعجاب مِن الأشياء التي ربما يعتبرونها جديرة بالتكريم والرحمة. من الواضح أنهم سيحرقونه بالنار بدون أن يُظهروا له أيَّة رحمة، بل وسيكابد بالأحرى القساوات التى ستتأتَّى من هياج وحشي. فهذه كانت فعلاً البلايا التى أصابت الإسرائيليين عندما حتَّم الله الذي يحكم بعدل، بالعقوبة التي استوجبها شرهم ضد المسيح. أمَّا نحن الذين نؤمن به، فإن المسيح ينعم علينا بالنعمة والبركة، الذي به ومعه لله الآب يليق التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى دهر الدهور. آمين.

يسوع في طريقه للصلب – إنجيل لوقا 23 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

تسليم يسوع إلى بيلاطس – إنجيل لوقا 23 ج1 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

تسليم يسوع إلى بيلاطس – إنجيل لوقا 23 ج1 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

تسليم يسوع إلى بيلاطس – إنجيل لوقا 23 ج1 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو1:23ـ5 ، 18ـ19): ” فَقَامَ كُلُّ جُمْهُورِهِمْ وَجَاءُوا بِهِ إِلَى بِيلاَطُسَ. وَابْتَدَأُوا يَشْتَكُونَ عَلَيْهِ قَائِلِينَ: إِنَّنَا وَجَدْنَا هَذَا يُفْسِدُ الأُمَّةَ وَيَمْنَعُ أَنْ تُعْطَى جِزْيَةٌ لِقَيْصَرَ قَائِلاً: إِنَّهُ هُوَ مَسِيحٌ مَلِكٌ. فَسَأَلَهُ بِيلاَطُسُ : أَنْتَ مَلِكُ الْيَهُودِ؟ فَأَجَابَهُ: أَنْتَ تَقُولُ. فَقَالَ بِيلاَطُسُ لِرُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْجُمُوعِ : إِنِّي لاَ أَجِدُ عِلَّةً فِي هَذَا الإِنْسَانِ. فَكَانُوا يُشَدِّدُونَ قَائِلِينَ: إِنَّهُ يُهَيِّجُ الشَّعْبَ وَهُوَ يُعَلِّمُ فِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ مُبْتَدِئًا مِنَ الْجَلِيلِ إِلَى هُنَا[1]…. فَصَرَخُوا بِجُمْلَتِهِمْ قَائِلِينَ : خُذْ هَذَا وَأَطْلِقْ لَنَا بَارَابَاسَ!. وَذَاكَ كَانَ قَدْ طُرِحَ فِي السِّجْنِ لأَجْلِ فِتْنَةٍ حَدَثَتْ فِي الْمَدِينَةِ وَقَتْلٍ “.

 

         يا إخوتي، إنَّ غباوة القلب وعدم الفهم هما مرض مُشِين يصحبه اختراع أفكار وضيعة، كثيرًا ما تقود البشر لكل ما هو شرِّير، بل وكثيرًا ما تجعلنا نخطئ ضد مجد الله. وهذا ما يمكن أن نراه بالنسبة لوضع مجمع اليهود، لأنهم أخطأوا ضد المسيح، ولذلك قاسوا كل بؤس، إذ أُدينوا بقضاء عادل من الله لنفس المصير الذي جلبوه على ذاك الذي كان يمكن أن يقيمهم إلى الحياة. ولأنهم جاءوا بيسوع إلى بيلاطس لذلك هم أنفسهم أيضًا سُلِّموا لعساكر الرومان الذين استولوا على كل أراضيهم وجعلوهم أسرى، كما اقتحموا مدينتهم التى كانت سابقًا المدينة المقدسة والمجيدة، وجعلوا سكانها فريسة للسيف والنار، ولذلك تحقَّقت فيهم نبوات الأنبياء القديسين، لأن واحدًا منهم يقول: “ويل للشرير، شرور سوف تحدث له بحسب أعمال يديه” (إش11:3س)، ويقول آخر: ” كما فعلتَ يُفعلُ بك، عملك يرتدّ على رأسك” (عوبديا15).

 

          لكن دعنا نرى ماذا كان نوع شرّهم، وماذا أيضًا قالوا لبيلاطس عندما صاغوا اتهاماتهم ضد المسيح مخلِّصنا كلنا. ” إننا وجدنا هذا يُفسد شعبنا ويمنع أن تُعطى جزية لقيصر، ويقول عن نفسه إنه هو مسيح ملك“. ولكن أنتم باشرتم محاكمته منذ وقت قليل مضى، ولم تثيروا مثل هذه القضايا، لكنكم سألتموه فقط إن كان هو المسيح. فهذا ما كنتم تسعون إلى معرفته، وبخلاف هذا لم تسألوه عن أي شيء آخر على الإطلاق. وهو في رده على أسئلتكم سعى أن يبيِّن أنه هو المسيح وأيضًا أنه هو بالطبيعة والحقيقة ابن الله الآب، لأنه قال: ” من الآن تُبصرون ابن الإنسان جالسًا عن يمين القوة” (انظر مت64:26). أرجوكم أن تُخبروني مَن الذي يحق له أن يجلس مع الآب إلاَّ الذي هو الابن بالطبيعة؟ لأنه لا يمكن لمخلوق على الإطلاق أن يتحدث عن جلوسه على عرش الألوهة، لأن كل كائن مخلوق يوضَع تحت قدمي الطبيعة الإلهية الفائقة التى تسود الكل وتتسامى على كل ما خُلق. الله الآب وحده هو الذي يجلس على العرش عاليًا ومرتفعًا، ويشاركه ابنه في عرشه، وهو الكائن دائمًا معه، ومولود منه بالطبيعة. لذلك فقد حصلتم بسؤالكم هذا على التأكيد الكامل بأنه هو المسيح، لكن في تلهُّفكم على أن تتَّهموه بالتجديف قد أعلن لكم مجده، فقلتم ما حاجتنا بعد إلى شهود لأننا نحن سمعنا من فمه. فكيف تتناسون هذا أو بالأحرى تتجاوزون في خبثكم وشركم كل بنود الاتهام التى حاكمتموه عليها وتأتون بقائمة اتهامات لها طبيعة مختلفة تمامًا وتقولون: إننا وجدنا هذا يُفسد الأُمَّة. أخبرونا فيما يكون هذا الإفساد! إن تعاليمه كانت منصبَّة على التوبة. أين مَنَع أن تُعطى جزية لقيصر؟ فأنتم في الحقيقة أرسلتم إليه بعضًا من جماعتكم مع قوم من هؤلاء الذين يُدعَون هيرودسيين ليجرِّبوه قائلين: يا معلم، أيجوز أن تُعطى جزية لقيصر أم لا (مت17:22) فردَّ المسيح عليهم قائلاً: أرونى معاملة الجزية، فسألهم لمن هذه الصورة والكتابة الموجودة على الدينار الذي قدَّمتموه؟ ولما قالوا له لقيصر قال لهم: أعطوا إذًا ما لقيصر لقيصر وما لله لله (مت15:22ـ21). إذن ففي أي موضع منع أن تُعطى جزية لقيصر؟ لكن كان هدفهم الوحيد هو أن يُحدِروا إلى الموت ذلك الذي يقيمهم إلى الحياة. كان هذا هو مقصد خططهم وهدف الأفعال الدنيئة والأكاذيب التي اخترعوها، والكلمات المُرَّة التي جرت على ألسنتهم الشريرة. ولكن الناموس يُعلن لكم بصوت عال: ” لا تشهد على قريبك شهادة زور” (خر16:20)، ويقول أيضًا:    ” لا تقتل البريء والبار” (خر7:23).

 

          وقال الله في أحد المواضع بلهجة عنيفة في غضبه بفم واحد مِن أنبيائه القديسين: ” أمَّا أنتم فتقدَّموا إلى هنا أيها البنون الأشرار، يا نسل الفاسقين والزانية: بمن تَسخَرون؟ وعلى من تفغرون الفم؟ وعلى من تُخرجون لسانكم؟ أما أنتم أولاد المعصية ونسل الظالمين” (إش3:57،4س). وكذلك داود النبى يصفهم في موضع ما في المزامير وهو يخاطب الله الآب في السموات:       ” شتِّتهم بقوَّتك، واهبط بهم يا رب يا عاضدي، إنَّ خطية أفواههم هي كلام شفاههم، وسوف يُؤخذون في كبريائهم“(مز11:58، 12س). لأنهم إذ أطلقوا العنان للسانهم الجامح ضد المسيح، وكما هو مكتوب، ” ورفعوا إلى العُلا قرنهم وتكلَّموا بالإثم ضد الله” (مز5:74س)، فإنهم إنما سقطوا في كبريائهم. بالتأكيد كان من واجبهم طالما يفتخرون بمعرفتهم لشرائع الله أن يتذكروا أنَّ الله قال لا تقتل التَقي ولا البار، لكنهم لم يعطوا أي اعتبار للاحترام الواجب للناموس، ولكن بسبب أنهم انقادوا بتهور شديد إلى كل ما يُسِرهم ويرضيهم هم وحدهم دون فحص لطبيعته، فإنهم اخترعوا اتهامات عديدة وحشدوا ضد المسيح اتهامات لم تكن صحيحة، ولا استطاعوا أيضًا أن يبرهنوا عليها. لكنهم كانوا بهذا مدانين بكونهم أكثر شرًّا من عابد الأوثان، لأن بيلاطس إذ برَّأ يسوع من كل لوم قال علانية: لم أجد علَّة واحدة في هذا الإنسان، ولم يَقل هذا مَرَّة واحدة بل ثلاث مرات.

          لكنهم اعترضوا بإصرار أنه يفسد الشعب ويعلِّم في كل اليهودية مبتدئًا من الجليل إلى هنا. ها إنهم يُغيِّرون مرة أخرى اتهاماتهم السابقة ويخترعون أعذارًا لتثقيل تهمته ويجمعون فرصًا جديدة لذمِّه واغتيابه، إذ قالوا ” إنه يُهيِّج الشعب وهو يُعلِّم مبتدئًا من الجليل إلى هنا“. لكن فيما هم يتهمونه بالتعليم، نجدهم قد صمتوا عن فحوى ما يُعلِّمه إذ خافوا ـ كما أظن ـ لئلا يكون بيلاطس نفسه ضمن مَن يؤمنون به، لأنه لو كان قد سمع المسيح وهو يكشف سرَّه الإلهي، ربما كان قد توقف منذ ذلك الوقت عن عبادة تلك الآلهة الكاذبة، بقبوله لسكنى نور معرفة الله الحقيقية في داخله، ولإمتَلَكَ في ذهنه وقلبه الدواء الذي تهبه تلك الرسالة المقدسة والخلاصية التى بالمسيح، لأنه ماذا كانت تعاليم المسيح؟ إنه يدعو مَن كانوا في ضلال ويعبدون المخلوق بدلاً من الخالق أن يأتوا إلى المعرفة الحقيقية لله. وهو يريد لكل من يقترب منه أن يتلألأ بأمجاد البر وأن يكون بلا عيب وصالحًا، لطيفًا ورحيمًا، حكيمًا وقديسًا وحياته مستقيمة وبلا لوم. لذلك هم بدهاء عظيم قالوا إنه يُعلِّم، لكنهم صمتوا من جهة طبيعة تعاليمه، لكن بالرغم من كلامهم هكذا، فإن بيلاطس وبَّخهم وبرَّأ نفسه قائلاً: إني لا أجد علة في هذا الإنسان. ” قد قدَّمتم إليَّ هذا الإنسان كمن يُفسد الشعب، وها أنا قد فحصته قدامكم ولم أجد في هذا الإنسان عِلَّة مما تشتكون به عليه ولا هيرودس أيضًا، لأنه أرجعه إلينا، وها لا شيء يستحق الموت صنعه” (انظر لو13:23ـ15).

 

          انظروا! فإن من يعرفون الشرائع الإلهية ويقولون بكبرياء وبعجرفة ” نحن تلاميذ موسى” يطالِبون بالحكم بالموت على مَن هو غير مذنب بأي إثم، بل من هو رأس ومُعلِّم كل تَقْوَى، وهو الذي يجعل مَن يؤمنون به ماهرين في كل فضيلة. وحينما برَّأه مَن كان يحق له أن يحاكمه فإنهم لكي يجعلوا عذابهم الأبدي أشد شِدَّة، طلبوا باجتهاد شديد أن يُحكم بعقوبة الموت على من لم يأتِ بأيِّ فعل أثيم، لأن كل الجمع صرخ قائلاً: “خذ هذا وأطلق لنا باراباس” (لو18:23). لذلك فقد أنكروا حقًّا بوضوح القدوس البار، كما قال الطوباوي بطرس، وطلبوا أن يوهب لهم رجل قاتل (أع14:3)، لكيما يكونوا شركاء في نصيبه ومتورِّطين في ذنبه، وكان نصيبهم أن ينالوا العذاب، لأنهم قد سُلّموا للهلاك والفزع، وهلكوا جميعهم مع كل جنسهم، لأنهم ” صرخوا قائلين اصلبه اصلبه” (لو21:23). وقد لام الرب صرختهم غير المقدسة هذه وقال بفم إرميا:   ” قد تركتُ بيتي هجرتُ ميراثي، دفعتُ حبيبتي الغالية ليد أعدائها. صار لي ميراثي كأسد في الوعر، أطلق علىَّ صوته، من أجل ذلك أبغضته” (إر7:12، 8). لذلك أبغضهم الله لأنهم هجموا على المسيح كأسد، وأطلقوا ضده صيحة تتَّسم بالقسوة وعدم الشفقة. أمَّا نحن فنُسبِّح المسيح الذي تألم بالجسد بدلاً عنا، الذي به ومعه لله الآب يليق التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى دهر الدهور. آمين.

[1] النص السريانى يحذف الأعداد 6ـ17 ويقرِّب الأحداث الروائية معًا، حيث إنَّ هذه الأعداد ذُكرت داخل صُلب العظة، وبعد ذلك تعبر المخطوطة السريانية على الأعداد 20ـ23، التي منها تقتبس العدد 21 فقط. 

تسليم يسوع إلى بيلاطس – إنجيل لوقا 23 ج1 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

المحاكمة في مجلس اليهود – إنجيل لوقا 22 ج9 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

المحاكمة في مجلس اليهود – إنجيل لوقا 22 ج9 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

المحاكمة في مجلس اليهود – إنجيل لوقا 22 ج9 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو63:22ـ71): “ وَالرِّجَالُ الَّذِينَ كَانُوا ضَابِطِينَ يَسُوعَ كَانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ وَهُمْ يَجْلِدُونَهُ. وَغَطَّوْهُ وَكَانُوا يَضْرِبُونَ وَجْهَهُ وَيَسْأَلُونَهُ: تَنَبَّأْ! مَنْ هُوَ الَّذِي ضَرَبَكَ؟. وَأَشْيَاءَ أُخَرَ كَثِيرَةً كَانُوا يَقُولُونَ عَلَيْهِ مُجَدِّفِينَ. وَلَمَّا كَانَ النَّهَارُ اجْتَمَعَتْ مَشْيَخَةُ الشَّعْبِ: رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةُ وَأَصْعَدُوهُ إِلَى مَجْمَعِهِمْ. قَائِلِينَ: إِنْ كُنْتَ أَنْتَ الْمسِيحَ فَقُلْ لَنَا. فَقَالَ لَهُمْ: إِنْ قُلْتُ لَكُمْ لاَ تُصَدِّقُونَ. وَإِنْ سَأَلْتُ لاَ تُجِيبُونَنِي وَلاَ تُطْلِقُونَنِي. مُنْذُ الآنَ يَكُونُ ابْنُ الإِنْسَانِ جَالِسًا عَنْ يَمِينِ قُوَّةِ اللهِ. فَقَالَ الْجَمِيعُ: أَفَأَنْتَ ابْنُ اللهِ؟ فَقَالَ لَهُمْ: أَنْتُمْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا هُوَ. فَقَالُوا: مَا حَاجَتُنَا بَعْدُ إِلَى شَهَادَةٍ؟ لأَنَّنَا نَحْنُ سَمِعْنَا مِنْ فَمِه “.

          فليقل النبي إرميا هنا أيضًا عن جنس إسرائيل: ” يا ليت رأسي ماء وعيني ينبوع دموع فأبكي نهارًا وليلاً لأجل هذا الشعب؟” (ار1:9س). أيّ نواح يمكن أن يكفي لأجل أولئك الذين سقطوا في هوة الهلاك بسبب تصرُّفهم الشرير ضد المسيح، وبسبب جرمهم العظيم جدًّا، حتى أنهم لم يحزنوه فقط بالكلمات وبسخريتهم عليه بصرخات ممتلئة تجديفًا، بل إنهم أمسكوه بأيديهم الآثمة وأعدوا له فخ الموت؟ وهكذا عاملوه بغطرسة، وبشرِّهم جعلوه تسلية لهم، بل إنهم أيضًا تجرَّأوا أن يضربوه، لأننا هكذا قد سمعنا اليوم البشير القديس يقول: “والرجال الذين كانوا ضابطين يسوع كانوا يستهزئون به وهم يجلدونه، قائلين: تنبأ من هو الذي ضربك؟..” أما هو ” فإذ شُتم لم يكن يشتم عوضًا، وإذ تألم لم يكن يُهدِّد بل كان يُسلِّم لمن يَقضي بعدل” (1بط23:2). حسنًا، لذلك يجب أن ننطق بما قاله واحد من الأنبياء عن بعض الناس: ” السموات دُهشت من هذا، وارتعدت جدًّا يقول الرب” (إر12:2س)، ذلك لأن سيد الأرض والسماوات، خالق الكل وصانعهم، ملك الملوك ورب الأرباب، الفائق العظمة والمجد والجلال، المؤسِّس كل الأشياء، الذي فيه يقوم الكل ويثبت، لأن ” فيه تقوم كل الأشياء” (كو17:1)، ذلك الذي هو حياة كل الأرواح المقدسة في السماء، صار يُزدرى به ويُحتقر كواحد مثلنا، وهو بصبر يحتمل الضربات، ويخضع لسخرية الأشرار، ويعطينا نفسه مثالاً كاملاً لطول الأناة، أو بالأحرى يُظهر لطفه الإلهي الذي لا يقارن في عظمته.

          وربما قد احتمل المسيح ذلك لكي يوبِّخ ضعف أذهاننا، ولكي يبين أنَّ أمور الناس تقع بعيدًا جدًّا عن الكمالات الإلهية، بمقدار ضعف وصغر طبيعتنا بالنسبة لطبيعته، لأننا نحن الأرضيون، ونحن مُجرَّد فساد ورماد، نهاجِم في الحال أولئك الذين يضايقوننا، إذ لنا قلب ممتلئ بالعنف كوحوش ضارية. أما ذلك الذي له طبيعة ومجد يفوقان حدود إدراكنا وقوَّة تعبيرنا، فقد احتمل بصبرٍ أولئك الجنود الذين لم يسخروا به فقط بل وأيضًا جلدوه، لأن (البشير) يقول: “وبعدما عصبوا عينيه وضربوه بعد ذلك، فإنهم سألوه قائلين: تنبَّأ من هو الذي ضربك؟” لقد سخروا منه كما لو كان شخصًا جاهلاً هذا الذي هو مانح كل معرفة، والذي يرى الخفيات التي فينا، لأنه يقول في موضع ما بواسطة واحد من الأنبياء القديسين: ” من الذي يخفى مشورة عني، ومن الذي يغلق على كلماتٍ في قلبه ويظن أنه يخبئها عني” (أى2:38س). فالذي يفحص القلب والكُلى والذي يمنح كل نبوَّة، كيف لا يقدر أن يعرف مَن الذي ضربه؟ لكن كما قال الرب نفسه: الظلمة قد أعمت عيونهم، وعميت أذهانهم (انظر يو40:12)، لذلك يمكن أن يُقال عنهم أيضًا: ” ويل للسكارى وليس من خمر!” (إش9:29س)، ” لأن جفنتهم من جفنة سدوم ومن كروم عمورة” (تث32:32س).

          وبعدما اجتمع مجمعهم الشرير في الفجر، فإن الذي هو رب موسى ومرسِل الأنبياء، بعدما استهزأوا به عن غير وجه حق، أحضروه في الوسط وسألوه إن كان هو المسيح؟ يا أيها الفريسي عديم الفهم، إن كنت تسأل لأنك لا تعلم، فكان يجب عليك ألاَّ تحزنه إلى أن تعرف الحقيقة ـ لئلا تكون بذلك قد أحزنتَ الله. ولكن إن كنت تتظاهر بالجهل بينما تعلم الحقيقة أنه هو المسيح، فكان يجب عليك أن تسمع ما يقوله الكتاب المقدس: ” الله لا يُشمخ عليه” (غل7:6).

          ولكن أخبرني لماذا تسأله وتريد أن تعلم منه إن كان هو المسيح؟ إنه من السهل للغاية أن تحصل على معرفة عنه من الناموس والأنبياء. فتِّش في كتب موسى فسوف تراه موصوفًا بطرق متنوِّعة. إنه ذُبح كحمل وقَهَر المُهلِك بدمه، وسبق ورُمِز إليه أيضًا بأشكال أخرى كثيرة. افحص أيضًا كتابات الأنبياء، سوف تسمعهم يعلنون عن معجزاته الإلهية العجيبة. إنهم يقولون: “حينئذٍ تتفتَّح عيون العمي، وآذان الصم سوف تسمع، حينئذٍ يقفز الأعرج كالأُيّل ولسان الخرس يصبح مستقيمًا” (إش5:35س)، ” وأيضًا الموتى يقومون والذين في القبور يستيقظون لأن طلَّك يشفيهم” (إش19:26س). لذلك إن كنتم أنتم أنفسكم ترون أنَّ تحقيق النبوات يتم بوضوح بخصوصه، فلماذا لا تعترفون به بالحري بسبب معجزاته الإلهية التي تشهد له، وبسبب أعماله فائقة الوصف؟ وهذا أيضًا ما قاله المسيح نفسه لكم: ” الأعمال التي أعطاني الآب لأكملها هذه الأعمال بعينها التي أنا أعملها هي تشهد لي إنَّ الآب قد أرسلني” (يو36:5)، وأيضًا:” لو لم أكن قد عملتُ بينهم أعمالاً لم يعملها أحد غيري لم تكن لهم خطية، وأما الآن فقد رأوا وأبغضوني أنا وأبي” (يو24:15). لذلك فإن رؤساء اليهود والشعب الذي تحت رعايتهم كانوا في الحقيقة غير مؤمنين وبدون فهم بكل معنى الكلمة.

          كما أظن أيضًا أنه يلزمنا أن نفحص الكلمات التي استخدمها المسيح، لأنها كانت توبيخًا لعدم محبة الله، وهو ما كان الكتبة والفريسيون مذنبين به. لذلك فإنهم عندما سألوه إن كان حقًّا المسيح، وأرادوا أن يعرفوا هذا الأمر بعينه، فإنه أجابهم قائلاً: إن قلتُ لكم لا تُصدِّقون، وإن سألتُ لا تجيبونني. تعالوا إذن ودعوني أشرح لكم، كأناس يُسرَّون بأن يتعلموا، ماذا كانت المناسبة التي سمعوا فيها ولم يؤمنوا، وما هي المناسبة التي صمتوا فيها عندما سُئلوا. عندما صعد المسيح إلى أورشليم وجد في الهيكل الذين كانوا يبيعون بقرًا وغنمًا وحمامًا والصيارف جلوسًا، يقول الكتاب إنه صنع سوطًا من حبال وطرد الجميع من الهيكل وقال: ” ارفعوا هذه من ههنا، لا تجعلوا بيت أبي بيت تجارة” (يو13:2ـ16)، وبسبب أنه دعا الله أباه، فإن أولئك الذين كانوا يُقدِّمون الذبائح في الهيكل تذمَّروا وهاجموه قائلين: بأي سلطان تفعل هذا؟ ومن أعطاك هذا السلطان؟ فأجاب يسوع وقال لهم: ” وأنا أيضًا أسألكم كلمة واحدة، فإن قلتم لي عنها أقول لكم أنا أيضًا بأي سلطان أفعل هذا. معمودية يوحنا من أين كانت، من السماء أم من الناس؟” ويقول الكتاب إنهم ” فكَّروا في أنفسهم قائلين: إن قلنا من السماء يقول فلماذا لم تؤمنوا به، وإن قلنا من الناس نخاف من الشعب لأن يوحنا كان عند الجميع مثل نبي، فأجابوا وقالوا: لا نعلم. فقال لهم المسيح: ولا أنا أقول لكم بأي سلطان أفعل هذا” (انظر مت23:21ـ27).

          وسألهم في مناسبة أخرى: ماذا تظنون في المسيح؟ ابن من هو؟ قالوا له ابن داود، فقال لهم الرب بعد ذلك: فكيف يدعوه داود بالروح ربًّا قائلاً: قال الرب لربى اجلس عن يميني حتى أضع أعدائك موطئًا لقدميك. فإن كان داود يدعوه ربًّا فكيف يكون ابنه؟ وفى هذه المناسبة أيضًا فإنهم سكتوا (انظر41:22ـ46). وهكذا ترون أنَّ المسيح يتكلم بالصواب عندما يقول: ” وإن سألتكم لا تجيبونني“.

          كما أنكم سوف ترون أيضًا أنَّ الإعلان الآخر هو صحيح أيضًا مثل الأول، وهو ما يلي: ” إن قلتُ لكم لا تصدِّقون“، لأن المغبوط يوحنا البشير يكتب أنه كان عيد التجديد في أورشليم وكان شتاء، ” وكان يسوع يتمشَّى في رواق سليمان، فاحتاط به اليهود وقالوا له: إلى متى تُعلِّق أنفسنا، إن كنت أنت المسيح فقل لنا جهرًا، فأجابهم يسوع: إني قلتُ لكم ولستم تؤمنون، الأعمال التي أنا أعملها باسم أبي هي تشهد لي، ولكنكم لستم تؤمنون” (يو22:10ـ26).

          ولكي يجعل دينونتهم أكثر قساوة، أقصد فيما يتعلق برفضهم الإيمان به، فإنه يضع مجده أمامهم بوضوح ويقول: ” منذ الآن يكون ابن الإنسان جالسًا عن يمين قوة الله“. وكأنه يقول: عندما كنت في الشكل مثلكم، مع أنني بالطبيعة والحق ابن الله الآب، فأنتم لم تقدموا لي أي اعتبار، ولكن أما كان ينبغي ألاّ تغيب عن انتباهكم هذه الطريقة الممتازة للتدبير في الجسد إذ أنكم متعلِّمون من الناموس ومتربُّون على كتابات موسى. بل ألم تكن تنبؤات الأنبياء القديسين معروفة لديكم؟! ولكن حيث إنكم جعلتم أنفسكم بهذا المقدار من عدم المعرفة، وامتلأتم من الجهل المطبق، ولم تتعرَّفوا على السِرِّ الخاص بي، فإنني أخبركم بالضرورة أنه سوف تُمنح لكم فرصة قصيرة جدًا لكبريائكم وخبثكم ضدي، أي إلى وقت صلبي. لأنه بعد هذا مباشرة سوف ألتحف بالكرامة وأصعد إلى المجد الذي كان لي منذ البدء، بل وحتى وأنا متجسد فأنا مشترك مع الله الآب في عرشه، وأملك كل سلطان على الكل، رغم أني لبستُ شبهكم. وحينما كان المسيح يتكلم هكذا، فإن جماعة الفريسيين التهبوا بغضب لا يُضبط، وأمسكوا بالعبارة كحجة على التجديف، واتهموا الحقَّ نفسه! وقالوا: ما حاجتنا بعد إلى شهادة لأننا نحن سمعنا كلماته. ماذا سمعتموه يقول أيها الرجال، يا عديمي الفهم والأردياء، لقد أردتم أن تعرفوا إن كان هو المسيح، وهو عرَّفكم إنه هو بالطبيعة وبالحق ابن الله الآب، ويشترك معه في عرش الألوهة، لذلك كما اعترفتم أنكم لا تحتاجون بعد إلى شهادة لأنكم سمعتموه يتكلم؛ فكان يجب أن تعلَموا جيدًا أنه هو المسيح؛ ولكان هذا سوف يدلكُّم على الطريق إلى الإيمان، وتكونون من بين أولئك الذين يعرفون الحق. أما هم فلكونهم جعلوا طريق الخلاص، سببًا لهلاك أنفسهم فإنهم لم يفهموا، بل بحماقة وعدم فهم قتلوه، واحتفظوا بهدف واحد مُزدرين بالشريعة كلها، وتغاضوا تمامًا عن الأوامر الإلهية، لأنه مكتوب: ” البريء والبار لا تقتلوه” (خر7:23س)، ولكنهم ـ كما قلتُ لكم ـ لم يراعوا على الإطلاق أيًّا من الأوامر المقدسة، ولكنهم اندفعوا إلى أسفل كما ينزلون إلى منحدر شديد ليسقطوا في أشراك الهلاك.

          كان هذا هو سلوكهم، وأما نحن فنقدِّم تسابيحنا لله الكلمة الذي صار إنسانًا لأجل خلاصنا، الذي به ومعه لله الآب يليق التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى دهر الدهور آمين.

المحاكمة في مجلس اليهود – إنجيل لوقا 22 ج9 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

إنكار بطرس – إنجيل لوقا 22 ج8 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

إنكار بطرس – إنجيل لوقا 22 ج8 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

إنكار بطرس – إنجيل لوقا 22 ج8 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو54:22ـ62): ” فَأَخَذُوهُ وَسَاقُوهُ وَأَدْخَلُوهُ إِلَى بَيْتِ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ. وَأَمَّا بُطْرُسُ فَتَبِعَهُ مِنْ بَعِيدٍ. وَلَمَّا أَضْرَمُوا نَارًا فِي وَسَطِ الدَّارِ وَجَلَسُوا مَعًا جَلَسَ بُطْرُسُ بَيْنَهُمْ. فَرَأَتْهُ جَارِيَةٌ جَالِسًا عِنْدَ النَّارِ فَتَفَرَّسَتْ فيهِ وَقَالَتْ: وَهَذَا كَانَ مَعَهُ. فَأَنْكَرَهُ قَائِلاً: لَسْتُ أَعْرِفُهُ يَا امْرَأَةُ!. وَبَعْدَ قَلِيلٍ رَآهُ آخَرُ وَقَالَ: وَأَنْتَ مِنْهُمْ! فَقَالَ بُطْرُسُ: يَا إِنْسَانُ لَسْتُ أَنَا !. وَلَمَّا مَضَى نَحْوُ سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ أَكَّدَ آخَرُ قَائِلاً: بِالْحَقِّ إِنَّ هَذَا أَيْضًا كَانَ مَعَهُ لأَنَّهُ جَلِيلِيٌّ أَيْضاً. فَقَالَ بُطْرُسُ: يَا إِنْسَانُ لَسْتُ أَعْرِفُ مَا تَقُولُ. وَفِي الْحَالِ بَيْنَمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ صَاحَ الدِّيكُ. فَالْتَفَتَ الرَّبُّ وَنَظَرَ إِلَى بُطْرُسَ فَتَذَكَّرَ بُطْرُسُ كَلاَمَ الرَّبِّ كَيْفَ قَالَ لَهُ: إِنَّكَ قَبْلَ أَنْ يَصِيحَ الدِّيكُ تُنْكِرُنِي ثَلاَثَ مَرَّاتٍ. فَخَرَجَ بُطْرُسُ إِلَى خَارِجٍ وَبَكَى بُكَاءً مُرًّا“.

 

من أجل أن نكون حذرين في أي عمل مقدَّس نباشره، فإن ربنا يسوع المسيح يوصينا أن نقدِّم باستمرار تضرعات وتوسلات، وأن يكون جزء من صلواتنا أن نطلب: ” لا تدخلنا في تجربة “، وذلك لأن عنف التجارب يكون في الغالب كافيًا أن يهزَّ حتى الذهن الثابت تمامًا، وأن يذل إلى درجة الترنُّح، وأن يُعِّرض إلى أهوال لا حدَّ لها حتى الإنسان الشجاع والقوى القلب. كان هذا هو نصيب التلميذ المختار أن يذوقه، وأنا أقصد به هنا القديس بطرس، لأنه قد ثبت ضعفه وأنكر المسيح مخلِّصنا كلنا، وهذا الإنكار لم يرتكبه مرة واحدة فقط بل ثلاث مرات وبقَسَم، لأن القديس متى يقول: ” فابتدأ حينئذ يلعن ويحلف إنِّي لا أعرف الرجل” (مت74:26). هناك البعض يريدون أن يقنعونا أنَّ ما حلف به التلميذ قُصِدَ أنه لم يكن يعرف المسيح كمجرَّد إنسان فقط، ولكن حجَّتهم تسقط، رغم أن هدفهم من هذا هو أن يلتمسوا عذرًا محبةً منهم للتلميذ، لأنه إن كان قد أقسم كما يقولون إنه لا يعرف أنَّ يسوع كان إنسانًا، فماذا يكون هذا سوى إنكار لسر التدبير الإلهي الخاص بتجسده ؟ لأنه يعرف أنَّ كلمة الله الابن الوحيد صار مثلنا، أي أنه صار إنسانًا، وهو قد اعترف جهارًا قائلاً: ” أنت هو المسيح ابن الله الحي” (مت16:16)، وهو لم يقصد بقوله هذا أن يؤكِّد أنه لكونه مثلنا فهو ابن الله، ولكن ليؤكِّد أنَّ الذي يراه واقفًا (وسط التلاميذ) في حدود الطبيعة البشرية هو الكلمة الذي يفوق كل شيء مخلوق، وهو الذي خرج من جوهر الله الآب. أقول      ـ ومع ذلك ـ فإنه لم يتحاشَ الاعتراف والإقرار به أنه هو ابن الله الحي، لذلك فإنه يصير من المنافي للعقل أن نفترض أنه رغم كونه يعرف سر التدبير الإلهي للتجسُّد، فإنه لا يعرف أنَّ المسيح إنسان. ولكن ما هي الحقيقة إذن؟

 

          كان بطرس في الواقع ضعيفًا. لأنه لا يمكن أن يكون عبثًا أن يقول المسيح محذِّرًا: “ قبل أن يصيح الديك سوف تنكرني ثلاث مرات“، كما أنه ليس صوابًا أن نقول إن الإنكار حدث كي يتحقَّق كلام المسيح، ولكن هدفه هو أن يحذِّر التلميذ نظرًا لأن ما هو مزمع أن يحدث لا يخفى عن معرفته. ولكن هذه البليَّة وقعت للتلميذ بسبب جُبن الطبيعة البشرية، فإنه بسبب أنَّ المسيح لم يكن قد قام بعد من الأموات، ولم يكن الموت قد أُبيد بعد ولا أُزيل الفساد، فإن مجابهة الموت كانت لا تزال أمرًا يفوق احتمال البشر. وكما قلتُ إن هذا الفعل التعس قد حدث بسبب علّة الجُبن البشرى، وأن التلميذ أُدين من ضميره الشخصي، فهذا قد تبرهن ببكائه بعد ذلك مباشرة، وبدموعه التي انهمرت من عينيه، كما لو كانت بسبب خطية ثقيلة كعلامة لتوبته، لأن الكتاب يقول إنه بعد أن نظر إليه يسوع، وتذكَّر بطرس ما كان قد قاله له: ” فإنه خرج إلى خارج وبكى بكاءً مُرًّا“.

 

          إنه يناسبنا بعد ذلك أن نلاحظ بأي طريقة قد غُفِرت خطيته، وكيف طُرح عنه ذنبه، لأن هذه الحادثة تبيِّن أنَّ لها منفعة ليست بقليلة لنا. إنه لم يؤجل توبته، ولا كان مهملاً لها، وكما كان سقوطه في الخطيئة سريعًا جدًّا، هكذا كانت دموعه سريعة بسببها؛ كما أنه لم يبكِ فقط ولكن بكى بمرارة، ومثل شخص قد سقط، فإنه نهض بشجاعة مرة أخرى، لأنه كان يعرف أنَّ الله الرحيم يقول في موضع ما بفم واحد من الأنبياء: ” من يسقط ألا يقوم؟ ومن يرتدّ ألا يرجع؟” (إر4:8س). لذلك ففي عودته لم يفقد الهدف، لأنه استمر على نفس الوضع الذي كان عليه سابقًا، أي تلميذًا حقيقيًّا؛ لأنه عندما حذَّره المسيح أنه سوف ينكره ثلاث مرات قبل أن يصيح الديك، فإنه أيضًا نال رجاء الغفران، لأن كلمات المسيح له كانت: “وأنت متى رجعت ثبّت إخوتك” إنَّ مثل هذه الكلمات تخص شخصًا يجهِّزه مرَّة ثانية ويعيده إلى الصلاحيات الرسولية، لأنه استأمنه ثانية إذ أسند إليه مهمَّة تثبيت الإخوة، الشيء الذي عمله أيضًا.

 

          ونقول أيضًا، إنه رغم أننا عرفنا عن سقطات القديسين من الكتب المقدسة، فهذا ليس لكي نسقط في فخاخ مماثلة بسبب إهمالنا للثبات الواجب، بل لكي إذا حدث أننا ضعفنا وفشلنا في عمل ما هو ضروري للخلاص، فلا ينبغي أن نيأس من أن نكون قادرين مرَّة أخرى على الصعود إلى حالة الثبات، وهكذا نستعيد صحتنا بعد مرض لم يكن مُتوقَّعًا. إن الله الرحوم قد منح لسكان الأرض التوبة كدواء للخلاص، ولا أعلم كيف أنَّ أُناسًا يحاولون أن يستعفوا منها قائلين إننا أنقياء، وفى جنونهم العظيم لا يفهمون أنَّ إضمارهم مثل هذه الفكرة عن أنفسهم هو أمر مملوء من كل نجاسة، لأنه مكتوب: ” ليس إنسانًا خاليًا من الدنس” (أم9:20س)، وبجانب هذا نقول: إن هذا يُغضب الله أن نتخيَّل أننا خالين من كل نجاسة، لأننا نجده يقول لأحد هؤلاء الذين يحيون حياة دنسة: ” هاأنذا أحاكمكِ لأنك قلتِ لم أخطئ، وأنتِ قد ازدريتِ جدًّا بتكرارك لطرقك” (إر35:2، 36س)، لأن تكرار السلوك في الخطية هو بالنسبة لنا أننا عندما نُباغَت بالخطايا (ونقع فيها) نرفض التصديق أننا مذنبون بالنجاسة التي تنشأ منها.

 

          إنهم يقولون: ” نعم إن رب الكل يصفح عن خطايا أولئك الذين لم يعتمدوا بعد، ولكن ليس الأمر هكذا بالنسبة لأولئك الذين دخلوا إلى نعمته” ماذا نقول عن هذا ؟ إن كانوا يقدمون قوانين بحسب أوهامهم، فإن كلماتهم لا تعنينا كثيرًا، أما إن كانوا يستشهدون بالكتب الإلهية المُوحَى بها، فمتى ذُكر فيها أنَّ إله الكل غير رحيم؟ لَيْتَهُم يسمعونه وهو يصيح عاليًا: “حدِّث بآثامك السابقة لكي تتبرَّر” (إش26:43س)، وليتهم يتذكرون الطوباوي داود الذي يقول في المزامير: ” هل ينسى الله رأفة أو هل هو يجمع مراحمه في غضبه؟” (مز9:76س) وأيضًا: ” قلتُ أعترف للرب بذنبي وأنتَ غفرتَ آثام قلبي” (مز5:31س)، وبجانب هذا، يلزم ألاَّ ينسوا أنه قبل أن يُقبض على المسيح، وقبل الإنكار، كان بطرس مشتركًا في جسد المسيح ودمه الثمين، لأن الرب:  ” أخذ الخبز وبارك وكسر وأعطاهم قائلاً: خذوا هذا هو جسدي، وبنفس الطريقة أيضًا أخذ الكأس قائلاً: اشربوا منها كلكم، لأن هذا هو دمي الذي للعهد الجديد ” (راجع مت26:26ـ28). لاحظوا إذن بوضوح أنه بعد أن صار شريكًا في العشاء السرِّي، فإنه وقع في الخطية، ونال غفرانًا عند توبته. دعهم إذن لا يجدون نقصًا في لطف الله، دعهم لا يفكرون بازدراء في محبته للجنس البشرى، ولكن تذكروا هذا الذي يقول بوضوح: ” شرّ الشرِّير لا يضرّه في يوم رجوعه عن شرِّه” (حز12:33س). فما دام الله يقدم لنا الهداية في أي يوم يريد الإنسان فيه أن يتوب، فلماذا لا يكلَّلون بالأحرى بمدائح الحمد هذا الذي يساعدهم بدلاً من أن يعارضوه بتمرُّد وبغباوة؟ إنهم بفعلهم هذا يجلبون الدينونة على رؤوسهم، ويُحضرون إلى أنفسهم غضبًا محتومًا. لأن الله الرحوم لا يتوقف عن أن يكون رحومًا، حيث إن صوت النبي يقول: ” إنه يُسرُّ بالرأفة” (ميخا18:7).

 

          فليتنا إذن نجاهد بكل قدرتنا كي لا نقع في خطية، وليت حبًا راسخًا مخلصًا للمسيح يثبت فينا بلا تغيير، ونقول بكلمات المغبوط بولس: “ من سيفصلني عن محبة المسيح ؟ أشِدَّة أم ضيق أم اضطهاد أم جوع أم عري أم خطر أم سيف؟” (رو35:8). ولكن إن هاجمتنا التجربة بعنف وثبت أننا ضعفاء، فدعنا نبكي بمرارة ونسأل الغفران من الله، لأنه يشفي أولئك النادمين المنسحقين ويقيم الساقطين، ويمد يده المخلِّصة لأولئك الذين أخطأوا، لأنه هو مخلِّص الكل، الذي به ومعه لله الآب يليق التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى دهر الدهور. آمين.

 

إنكار بطرس – إنجيل لوقا 22 ج8 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

القبض على يسوع – إنجيل لوقا 22 ج7 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

القبض على يسوع – إنجيل لوقا 22 ج7 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

القبض على يسوع – إنجيل لوقا 22 ج7 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو47:22ـ53): ” وَبَيْنَمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ إِذَا جَمْعٌ وَالَّذِي يُدْعَى يَهُوذَا ـ أَحَدُ الاِثْنَيْ عَشَرَ ـ يَتَقَدَّمُهُمْ، فَدَنَا مِنْ يَسُوعَ لِيُقَبِّلَهُ. فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: يَا يَهُوذَا أَبِقُبْلَةٍ تُسَلِّمُ ابْنَ الإِنْسَانِ؟. فَلَمَّا رَأَى الَّذِينَ حَوْلَهُ مَا يَكُونُ قَالُوا: يَا رَبُّ أَنَضْرِبُ بِالسَّيْفِ ؟. وَضَرَبَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ عَبْدَ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ فَقَطَعَ أُذْنَهُ الْيُمْنَى. فَقَالَ يَسُوعُ: دَعُوا إِلَى هَذَا! وَلَمَسَ أُذْنَهُ وَأَبْرَأَهَا. ثُمَّ قَالَ يَسُوعُ لِرُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَقُوَّادِ جُنْدِ الْهَيْكَلِ وَالشُّيُوخِ الْمُقْبِلِينَ عَلَيْهِ: كَأَنَّهُ عَلَى لِصٍّ خَرَجْتُمْ بِسُيُوفٍ وَعِصِيٍّ ! إِذْ كُنْتُ مَعَكُمْ كُلَّ يَوْمٍ فِي الْهَيْكَلِ لَمْ تَمُدُّوا عَلَيَّ الأَيَادِيَ. وَلَكِنَّ هَذِهِ سَاعَتُكُمْ وَسُلْطَانُ الظُّلْمَةِ “.

 

هناك أهواء متعددة ومُرَّة تحارب نفس الإنسان، وهي إذ تهاجمها بعنف لا يُحتمل، فإنها تهبط بها إلى أعمال غير لائقة، ولكن أردأ من الكل هي محبة المال التي هي أصل كل الشرور، والتي في شباكها ـ التي لا سبيل للخلاص منها ـ وقع ذلك التلميذ الخائن، الذي قَبِل أن يكون خادماً لخداع الشيطان، وأن يصير أداة في يد رؤساء مجمع اليهود الأشرار في تعدِّيهم على المسيح.

 

هذا هو ما يُظهِره لنا مرَّة أخرى بوضوح معنى الدروس الإنجيلية، لأن المخلِّص سبق ونبَّه الرسل القديسين أنه سوف يُقبض عليه ويكابد آلامه على الصليب بيد الأثمة. كما أنه أوصاهم بأنه عندما تضغط التجربة، عليهم ألاَّ يضجروا وألاَّ يناموا في وقت غير مناسب، بل بالأحرى أن يسهروا وأن يثابروا في الصلوات، وبينما كان لا يزال يكلِّمهم بهذه الأمور، إذا جمع والذي يُدعى يهوذا واحد من الاثني عشر يتقدَّمهم. هل ترون كيف يحزن الإنجيلي الطوباوي أو بالحري يخور ويضعف؟ لأنه كان يودّ ألاَّ يسمح لنفسه أن يُبقي في ذاكرته ذلك التلميذ الذي باع نفسه للشيطان هكذا بسهولة، حتى أنه يرفض أن يذكر اسم ذلك الأثيم، لأنه يقول: ” الذي يُدعى يهوذا” ولكن لماذا؟ أما يَعلَم أنَّ هذا الرجل كان معدودًا مع المختارين، ومحسوبًا ضمن جماعة الرسل القديسين؟ ولكن كما قلت لكم للتو، إنه كان يكره حتى اسمه، لذلك كتب التعبير: “الذي يُدعى يهوذا“.

 

كما أنه يضيف إلى ذلك أنه أحد الاثني عشر، وهذا أيضًا أمر له أهمية عظيمة ليُظهر بوضوح تام شناعة جريمة الخائن. لقد كان معادلاً في الكرامة للباقين، وكان مُزيَّنا بكل الكرامات الرسولية، ولكن هذا المختار والمحبوب، والذي تلطَّف الرب وأدخله إلى المائدة المقدسة وإلى أعلى الكرامات، صار الواسطة والوسيلة لقتلة المسيح. أيّ نوح يكفيه، أيّ فيض من الدموع يلزم على كل واحد أن يذرفه من عينيه عندما يُفكِّر مِن أي سعادة سقط هذا البائس إلى مثل هذا الشقاء التام! لأجل فلس لا قيمة له توقَّف عن أن يكون مع المسيح، وفقد رجاؤه في الله وفقد الكرامة والأكاليل والحياة، والمجد المُعَد لأتباع المسيح الحقيقيين، وفقد أحقيَّته في أن يملك معه.

 

          قد يكون من الجدير بالذكر أن نرى ما هي حيلته. لقد أعطى لأولئك القتلة علامة قائلاً: ” الذي أُقبِّله هو“. لقد نسيَ تمامًا مجد المسيح، وفى غبائه المُطبَق ربما تصوَّر أنه سوف يظل مستترًا عندما يعطي المسيح قُبلة، التي هي علامة المحبة ـ بينما كان قلبه ممتلئاً من المرارة والخداع الشرير. وحينما كان مع الرسل الآخرين في صحبة المسيح مخلِّصنا جميعًا في رحلاته، سمعه مرارًا وهو يخبر مسبقًا عمَّا سوف يحدث، ولأنه هو الله بالطبيعة، فقد عرف كل شيء، وقد أوضح له خيانته بجلاء إذ قال لرسله الأطهار: ” الحق أقول لكم: إن واحد منكم يسلِّمني” (مت21:26). فكيف يمكن إذا لمقاصد يهوذا ونواياه أن تظل غير معروفة؟ لا، إن الحيَّة كانت هناك داخله وتحارب ضد الله، وكان هو مسكناً للشيطان، لأن واحدًا من البشيرين القديسين يقول بخصوصه، إنه بينما كان المخلِّص متكئاً على المائدة مع باقي التلاميذ، فإنه أعطاه لقمة بعد أن غمسها في الصحفة: ” فبعد اللقمة دخله الشيطان ” (يو27:13). إنه اقترب من المسيح وكأنه أداة للخداع والخيانة والغدر، فإنه تظاهر بعاطفة غير عادية، لذلك فالمسيح أدانه بكل قوة وعن حق بقوله: ” يا يهوذا أبقبلة تسلِّم ابن الإنسان؟” ويقول متى البشير إن الخائن عندما اقترب من المسيح مخلِّصنا جميعًا، فإنه قبَّله، وأضاف: ” السلام يا سيدي” (مت49:26). كيف تقول ” السلام” للذي صار عن طريقك فريسة للموت، كيف يمكن أن تتم هذه الكلمة فعلاً. فنحن نرى أنَّ بسبب أنَّ ذلك ـ أي الشيطان ـ كان داخله، فإنه استخدم الكذب حتى في قوله: ” السلام“. وبسبب هذه الأعمال يقول النبي في موضع ما: ” لسانهم سهم نافذ، كلام فمهم خداع، يُكلِّم صاحبه بسلام وفى قلبه عداوة” (إر8:9س).

 

القبض على يسوع – إنجيل لوقا 22 ج7 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

 

          وعلاوة على ذلك يجب أن نتذكَّر ما كتبه يوحنا الإلهي بخصوص هذا الحدث، لأنه يقُص أنَّ جند اليهود اقتربوا ليقبضوا على يسوع، فخرج ليقابلهم وقال لهم: من تطلبون؟ فلما أجابوه: يسوع الناصري، فإنه أسلم نفسه إلى أيدي أولئك القتلة قائلاً:” أنا هو” (انظر يو3:18ـ8). ولكن يقول الكتاب: “ فلمَّا قال لهم إنِّي أنا هو رجعوا إلى الوراء“. إذن ما هو الهدف من هذا؟ ولأيِّ سبب سلَّم المخلِّص نفسه إليهم بينما هم سقطوا عندما سمعوه يقول إنِّي أنا هو؟ كان هذا لكي يتعلَّموا أنَّ آلامه لم تحدث له بدون إرادته الخاصة، ولم يكونوا يستطيعون أن يمسكوه لو لم يكن راضيًا أن يأخذوه. فهم لم يمسكوا المسيح بفعل قوَّتهم الخاصة، وبذلك أحضروه إلى الحكام الأشرار، بل هو الذي سلَّم نفسه لكي يتألم عارفًا تمامًا أنَّ آلامه على الصليب هي لأجل خلاص العالم كله.

 

          والتلاميذ المطوَّبون، بسبب غيرتهم الشديدة أخرجوا سيوفهم ليدفعوا الهجوم، ولكن المسيح لم يسمح لهم بهذا بل وبَّخ بطرس قائلاً:” اجعل سيفك في غمده، لأن كل الذين يأخذون بالسيف، بالسيف يهلكون” (مت51:26). هنا يعطينا المسيح أيضًا نموذجًا للطريقة التي يجب أن نضبط بها حبنا له، وللحدِّ الذي ينبغي أن تبلغ إليه غيرتنا الحارة للتقوى. فهو لا يريدنا أن نستخدم سيوف نقاوم بها أعدائنا، بل بالحري نستخدم المحبة والحكمة، وبهذه الطريقة ينبغي أن ننتصر على الذين يقاوموننا. وبالمِثل فإن بولس يُعلِّمنا قائلاً: “هادمين ظنونًا وكل علو يرتفع ضد معرفة الله، ومستأسرين كل فكر إلى طاعة المسيح” (2كو5:10)، لأن الحرب لأجل الحق هي حرب روحية، والدرع الكامل الذي يليق بالقديسين هو درع عقلي ومملوء من المحبة لله، ” لأنه يجب أن نلبس درع البر وخوذة الخلاص، حاملين فوق الكل ترس الإيمان وسيف الروح الذي هو كلمة الله” (انظرأف14:6ـ17). وهكذا فإن المخلِّص يهدِّئ من انفعال الرسل القديسين الشديد، وحتى يمنع أن يكون عملهم هذا مثلاً (يُحتذى به)، فهو يُعلِن أنَّ رؤساء ديانته لا يحتاجون إلى سيوف مهما كان الأمر. ثم أنه شفى بقدرته الإلهية هذا الذي أتت عليه الضربة، معطيًا لأولئك الذين أتوا ليمسكوه هذه العلامة الإلهية أيضًا لأجل إدانتهم. ولكي يُوضِّح أنه لا يستطيع أحد أن يُسيطِر على قوَّته وإرادته يقول: ” كأنه على لص خرجتم بسيوف وعصي لتأخذوني؟ إذ كنت معكم كل يوم في الهيكل لم تمدوا علىَّ الأيادي“. هل المسيح يلوم بهذا رؤساء اليهود لأنهم لم يمسكوه قبل الآن؟ ليس هذا هو المعنى الذي يقصده، ولكن يقصد أن يقول: بينما كان من السهل عليكم أن تأخذوني، إذ كنت معكم كل يوم أُعلِّم في الهيكل، فإنكم لم تقبضوا علىَّ. لماذا؟ لأنني لم أكن قد أردتُ بعد أتألَّم، ولكنِّي بالحري كنتُ أنتظر الوقت المناسب لآلامي، وهذا الوقت قد حان الآن، فلا تجهلوا أنَّ هذه ساعتكم وسلطان الظلمة، أي أنها هي فترة وجيزة ومُنِحت لكم فيها سلطان عليَّ، ولكن كيف أُعطِيت لكم؟ نعم أُعطِيَت لكم بإرادة الآب المتَّفقة مع إرادتي، لأنني أردت لأجل خلاص وحياة العالم أن أخضع نفسي للآلام، لذلك فلكم ساعة واحدة ضدِّي، إنها قصيرة جدًّا ولوقت محدَّد، وهي الفترة فيما بين الصليب الثمين والقيامة من الأموات، وهذا أيضًا هو السلطان الذي أُعطي للظلمة، ولكن الظُّلمة هي اسم الشيطان لأنه هو الليل والظلام الدامس، وعنه يقول أيضًا المبارَك بولس: ” إله هذا الدهر قد أعمي أذهان غير المؤمنين لئلا تضيء لهم إنارة إنجيل مجد المسيح” (2كو4:4). فالسلطان إذن قد أُعطي للشيطان واليهود ليقوموا ضد المسيح، ولكنهم حفروا لأنفسهم هوَّة الهلاك، لأنه بواسطة آلامه خلَّص جميع من هم تحت السماء، وقام في اليوم الثالث بعد أن وطأ تحت قدميه مملكة الموت، أما هم فقد جلبوا علي رؤوسهم الدينونة المحتمة في صحبة ذلك التلميذ الخائن. لذلك دعهم يسمعون الروح القدس وهو ينطق بصوت المرنم: ” لماذا ارتجت الشعوب وتفكرت الأمم بالباطل؟ قامت ملوك الأرض والرؤساء وتآمروا علي الرب وعلي مسيحه“، ولكن ماذا بعد ذلك؟    ” الساكن في السموات يضحك بهم، والرب يستهزئ بهم” (مز1:2ـ4س). إنَّ هؤلاء القوم التعساء قد ورَّطوا أنفسهم في جريمة قتل ربهم، أما نحن فنًمجِّد ونُسبِّح ربنا يسوع المسيح كمخلِّص ومنقِذ لنا، هذا الذي به ومعه لله الآب يليق التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى دهر الدهور آمين.

القبض على يسوع – إنجيل لوقا 22 ج7 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

يسوع ينبئ بإنكار بطرس له – إنجيل لوقا 22 ج4 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

يسوع ينبئ بإنكار بطرس له – إنجيل لوقا 22 ج4 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

يسوع ينبئ بإنكار بطرس له – إنجيل لوقا 22 ج4 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو31:22ـ34): ” سِمْعَانُ سِمْعَانُ هُوَذَا الشَّيْطَانُ طَلَبَكُمْ لِكَيْ يُغَرْبِلَكُمْ كَالْحِنْطَةِ ! وَلَكِنِّي طَلَبْتُ مِنْ أَجْلِكَ لِكَيْ لاَ يَفْنَى إِيمَانُكَ. وَأَنْتَ مَتَى رَجَعْتَ ثَبِّتْ إِخْوَتَكَ. فَقَالَ لَهُ: يَا رَبُّ إِنِّي مُسْتَعِدٌّ أَنْ أَمْضِيَ مَعَكَ حَتَّى إِلَى السِّجْنِ وَإِلَى الْمَوْتِ. فَقَالَ: أَقُولُ لَكَ يَا بُطْرُسُ لاَ يَصِيحُ الدِّيكُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ تُنْكِرَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ أَنَّكَ تَعْرِفُنِي “.

 

          يدعو النبي إشعياء أولئك الذين يُحبُّون حياة التقوى في المسيح أن يتوجَّهوا إلى إعلانات الإنجيل بقوله: ” هلموا إلى المياه أيها العطاش” (إش1:55). هذه المياه ليست هي مياه الأرض الماديَّة، بل هي بالأحرى مياه إلهية وروحية، منسكبة علينا من المسيح نفسه، لأنه هو نهر السلام، وسيل المسرة الغزير ونبع الحياة. وهكذا سمعناه هو نفسه يقول بوضوح: ” إن عطش أحد فليُقبِل إلىَّ ويشرب” (يو37:7). تعالوا إذن لكي نُمتِّع أنفسنا هنا أيضًا بالأنهار الإلهية التي تتدفَّق منه. فماذا يقول لبطرس؟ “سمعان سمعان، هوذا الشيطان طلبكم لكي يُغربلكم كالحنطة، ولكنِّي طلبت من أجلك لكي لا يفنى إيمانك“.

 

          وأظن الآن أنه من الضروري والنافع لنا أن نعرف ما المناسبة التي جعلت مخلِّصنا يتجه بكلماته إلى هذا الموضوع. كان التلاميذ المبارَكون يتجادلون فيما بينهم من منهم يكون أكبر، أما مخلِّص الكل الذي حصلوا منه على كل ما هو مفيد وضروري لخيرهم، فقد أنقذهم من شر الطموح، بأن نزع عنهم العراك على أشياء مثل هذه، كما حثَّهم على الهروب من شهوة التعالي على الغير لأنها شرك للشيطان. لأنه قال: ” الكبير فيكم ليكن كالأصغر والمتقدِّم كالخادم“. ثم علَّمهم أيضًا أنَّ وقت التكريم ليس في هذا الزمان الحاضر بل سيكون عند مجيء ملكوته، لأنهم هناك سوف ينالون مكافأة إخلاصهم، ويكونون شركاء مجده الأبدي، ويلبسون إكليل كرامة فائقة جدًّا، ويأكلون على مائدته، ويجلسون أيضًا على اثني عشر كرسيًّا يدينون أسباط إسرائيل الاثنا عشر.

 

          ولكن اُنظر ها هو يقدِّم لهم مساعدة ثالثًة كما قرأنا في الدروس التي أمامنا. إنه يعلِّمنا أنه يجب علينا أن نفكِّر باتضاع عن أنفسنا، فنحن في الواقع لا شيء من كلتا الناحيتين: من ناحية طبيعة الإنسان، وأيضًا من ناحية ميل ذهننا للسقوط في الخطية. فنحن نتقوَّى ونكون على ما نحن عليه (في القداسة) بواسطته هو فقط ومنه هو فقط. لذلك، إن كنا قد أخذنا خلاصنا منه، ومنه أيضًا أخذنا ما يجعلنا ذوي شأن في الفضيلة والتقوى ـ فلأي سبب تكون عندنا أفكار كبرياء؟ لأن كل ما عندنا إنما هو منه، ونحن لا نملك شيئًا من أنفسنا، “وأيُّ شيءٍ لك لم تأخذه؟ وإن كنتَ قد أخذتَ، فلماذا تفتخر كأنك لم تأخذ؟” (1كو7:4). هكذا تكلَّم الحكيم جدًّا بولس، ويقول المبارك داود أيضًا:     ” بالله نصنع ببأس” (مز12:59س) وفى مرَّة أخرى يقول: ” إلهنا هو ملجأنا وقوتنا” (مز1:45س). وأيضًا يقول إرميا النبي في موضع ما: ” يا رب، أنت قوَّتي وعوني وملجإي في أيام الشدة” (إر19:16س). ويمكن أن نبرز هنا المبارَك بولس أيضًا الذي يقول بكل وضوح: ” أستطيع كل شيء في المسيح الذي يقوِّيني” (فى13:4)، بل المسيح نفسه أيضًا يقول لنا في موضع ما ” بدوني لا تقدرون إنَّ تفعلوا شيئًا” (يو5:15).

          ليتنا إذن لا نفتخر بأنفسنا بل بالحري نفتخر بعطاياه. وإن كان كل واحد منا يفكر بهذه الطريقة، فلن تجد شهوة التعالي على الآخرين أيّ مكان لها فينا، وهكذا نكون كلنا شركاء في نفس النعمة الواحدة، وأيضًا كلنا لنا نفس رب الجنود كخالق، وأيضًا كمعطي للقدرة على فعل الصلاح.

          لذلك، ولكي يكسر ميلنا إلى التشامخ، ولكي يكبح المشاعر الطامحة، فإنه يبين أنه حتى من يبدو عظيمًا فهو لا شيء ويتَّسم بالعجز والضعف. لذلك ترك بقية التلاميذ الآخرين واتجه إلى الذي هو متقدِّم بينهم والمُقام قائدًا لرفقائه، وقال له: ” إن الشيطان طلبكم عدة مرات لكي يُغربِلكم كالحنطة“؛ أي أن يمتحنكم ويُجرِّبكم ويُعرِّضكم لضربات لا تُحتمل. لأنه من عادة الشيطان أن يهاجم الممتازين جدًّا من الناس، ومثل بربري عنيف ومتغطرس، فإنه يتحدَّى أولئك الذين لهم شهرة عظيمة في طُرُق التقوى لينازلهم في معركة فرديَّة. وبهذه الطريقة تحدَّى أيوب، ولكنه انهزم من صبره وسقط المتشامخ إذ قُهِرَ بواسطة احتمال ذاك البطل المنتصر. ولكن الفريسة التي يريد اصطيادها هي الطبيعة البشرية لأنها طبيعة عاجزة، ومن السهل قهرها. وهو قاسٍ وعديم الشفقة وهو في أعماقه لا يهدأ أبدًا. لأن الكتاب المقدس يقول عنه: ” قلبه قاسٍ كالحجر وهو ويقف مثل سندان الحداد الصلب” (أى15:41س). ولكن القديسين وطئوه تحت أقدامهم بقوة المسيح؛ لأنه قال: ” ها أنا أعطيكم سلطانًا لتدوسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو ولا يضركم شيء” (لو19:10)، لذلك يقول المسيح: ” الشيطان طلبكم لكي يغربلكم كالحنطة، ولكنِّي طلبت من أجلك لكي لا يفنى إيمانك“.

 

          لاحظ أنه يُنزِل (يُوضِع) نفسه إلينا، ويتكلم بحسب حدود الحالة الإنسانية، ومع ذلك فهو الله بالطبيعة، رغم أنه صار جسدًا، ومع أنه هو قوة الآب، الذي به تقوم كل الأشياء وتُحفظ، والذي منه ننال القدرة على الاستمرار في الصلاح، إلاَّ أنه مع ذلك يقول إنه يقدم طلبات كإنسان، لأنه كان من الضروري، نعم، من الضروري لذلك الذي ـ من أجل التدبير ـ صار مثلنا، أن يستخدم أيضًا كلماتنا حينما تستدعى المناسبة بحسب ما يتطلبه التدبير نفسه. إنه يقول: ” ولكنِّي طلبتُ من أجلك لكي لا يفنى إيمانك“، والآن إذن هو يبيِّن بهذا، أنه لو كان بطرس قد سُلِّم للشيطان ليجرِّبه، لكان قد برهن على عدم أمانته تمامًا؛ حيث إنه حتى حين لم يُسلَّم للشيطان، فإنه (أي بطرس) أثبت أنه ضعيف بسبب العجز البشري، لأنه لم يحتمل الخوف من الموت، لأنه أنكر المسيح بسبب كلمة فتاة صغيرة في دار رئيس الكهنة عندما قالت له: ” وأنت أيضًا واحدًا من تلاميذه” (انظر يو7:18).

 

          وبعد أن حذَّره المخلِّص عمَّا كانت ستكون النتيجة لو أنه سُلِّم لتجربة الشيطان؛ فإنه في نفس الوقت يُقدِّم له كلمة عزاء بقوله: ” وأنت متى رجعتَ ثبِّت إخوتك “، أي كن سندًا وموجِّهًا ومعلِّمًا لأولئك الذين يأتون إلىَّ للإيمان. وتعجَّب بالأكثر من هذا، أعني من المهارة الرائعة لهذه العبارة، ومن العظمة التي لا تُجارَى للُّطف الإلهي! فلئلا تُؤدِّي سقطة التلميذ الوشيكة إلى اليأس، كما لو كان سيُطرد من أمجاد الرسوليَّة ويفقد مكافأة تلمذته السابقة للمسيح، بسبب أنه أثبت عدم مقدرته أن يحتمل الخوف من الموت وهكذا أنكره؛ فإن المسيح في الحال يملأه بالرجاء الصالح، ويمنحه يقينًا أكيدًا أنه سوف يُحسب أهلاً للبركات الموعود بها، ويحصد ثمار الثبات، لأنه يقول له: ” وأنتَ متى رجعت ثبِّت إخوتك“. يا للشفقة العظيمة التي لا مثيل لها! إن التلميذ وهو لم يكن قد أُصيب بعد بداء عدم الإيمان قد نال دواء الغفران؛ وقبل أن يرتكب الخطية نال الصفح، وقبل أن يسقط فإن اليد المخلِّصة امتدَّت إليه، وقبل أن يتداعى فإنه حُفِظ، فإن الرب قال له: ” متى رجعتَ ثبِّت إخوتك“. ومثل هذا الكلام هو كلام ذلك الذي (أي الرب) يصفح عنه ويعيده مرة أخرى إلى الصلاحيات الرسولية.

أما بطرس، ففي حماس غيرته، قدَّم اعترافه بثبات وباحتماله إلى المنتهى قائلاً إنه سوف يجابه بشجاعة أوجاع الموت، وسوف لا يَحسب حسابًا للقيود. إلاَّ أنه بهذا قد جانب الصواب لأنه حينما أخبره المخلِّص بأنه سيضعف، ما كان يجب عليه أن يعارضه بصوتٍ عالٍ؛ لأن الحق (المسيح) لا يمكن أن يكذب؛ بل بالحري كان يجب على بطرس أن يطلب منه القوَّة حتى إما أنه لا يتعرض لهذا (السقوط) أو يُنقذ في الحال من الأذى. ولكن كما سبق أن قلت، إذ كان بطرس حارًّا في الروح، وملتهبًا في حبه للمسيح، وفى غيرته غير المقيَّدة من جهة عمل تلك الواجبات التي تليق بتلميذ في ملازمته لمعلِّمه، فإنه يعلن أنه سوف يحتمل إلى النهاية.

 

          إلاَّ أنه وُبِّخ لأنه تكلَّم بجهل ضد ما كان معروفًا سابقًا، وأيضًا بسبب تسرُّعه غير المتَّزن في الاعتراض على كلمات المخلِّص. ولهذا السبب يقول له الرب: ” الحق أقول لك: لا يصيح الديك هذه الليلة حتى تنكرني ثلاث مرات“. وهذا تبرهن أنه صحيح. لذلك، ليتنا لا نفكر بتعالٍ عن أنفسنا، حتى ولو رأينا أنفسنا متميِّزين جدًّا بسبب فضائلنا؛ بل بالأحرى فلنقدم تسابيح تشكُّراتنا للمسيح الذي يفتدينا، وهو نفسه أيضًا الذي يمنحنا الرغبة في أن نكون قادرين على فعل الصلاح، هذا الذي به ومعه يليق التسبيح والسلطان لله الآب مع الروح القدس إلى دهر الدهور آمين.

يسوع ينبئ بإنكار بطرس له – إنجيل لوقا 22 ج4 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

يسوع يصلي – إنجيل لوقا 22 ج6 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

يسوع يصلي – إنجيل لوقا 22 ج6 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

يسوع يصلي – إنجيل لوقا 22 ج6 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو39:22ـ42، 45، 46):  ” وَخَرَجَ وَمَضَى كَالْعَادَةِ إِلَى جَبَلِ الزَّيْتُونِ وَتَبِعَهُ أَيْضًا تَلاَمِيذُهُ. وَلَمَّا صَارَ إِلَى الْمَكَانِ قَالَ لَهُمْ: صَلُّوا لِكَيْ لاَ تَدْخُلُوا فِي تَجْرِبَةٍ. وَانْفَصَلَ عَنْهُمْ نَحْوَ رَمْيَةِ حَجَرٍ وَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَصَلَّى. قَائِلاً: يَا أَبَتَاهُ إِنْ شِئْتَ أَنْ تُجِيزَ عَنِّي هَذِهِ الْكَأْسَ . وَلَكِنْ لِتَكُنْ لاَ إِرَادَتِي بَلْ إِرَادَتُكَ… ثُمَّ قَامَ مِنَ الصَّلاَةِ وَجَاءَ إِلَى تَلاَمِيذِهِ فَوَجَدَهُمْ نِيَامًا مِنَ الْحُزْنِ. فَقَالَ لَهُمْ: لِمَاذَا أَنْتُمْ نِيَامٌ؟ قُومُوا وَصَلُّوا لِئَلاَّ تَدْخُلُوا فِي تَجْرِبَة “.

 

          يطلب ربنا يسوع المسيح من الذين يحبونه أن يكونوا باحثين مدقِّقين بخصوص كل ما كُتب عنه، لأنه يقول: ” يشبه ملكوت السموات كنزًا مخفًى في حقل” (مت44:13)، لأن سرَّ المسيح مُودع ـ إن جاز القول ـ على عمق عظيم، وهو ليس واضحًا للكثيرين، أما الذى يرفع الغطاء عنه بواسطة المعرفة الدقيقة فهو يجد الغنى المخبَّأ هناك. وهذا يشبه المرأة الحكيمة، أعنى مريم، التى قال عنها المسيح إنها: ” اختارت النصيب الصالح الذى لن يُنزع منها” (لو42:10). لأن هذه الأمور الأرضية والمؤقتة تذبل مع الجسد، أما الأمور الإلهية والعقلية والتى تنفع حياة النفس، فهى ثابتة تمامًا، ولا يمكن أن تتزعزع. لذلك هيا بنا نتطلع إلى معنى الدروس الموضوعة أمامنا .

          كان المخلِّص يقيم نهارًا في أورشليم يُعلِّم الإسرائيليين ويكشف لهم طريق ملكوت السموات، ولكن عندما كان يأتى المساء كان يستمر مع التلاميذ القديسين على جبل الزيتون عند بقعة تسمى جثسيمانى، فهكذا يخبرنا متى البشير بخصوصه.

 

          ولما جاء إلى هناك ـ كما يخبرنا أيضًا متى نفسه ـ فإنه أخذ معه بطرس ويعقوب ويوحنا وابتدأ يحزن ويكتئب، فقال لهم: ” نفسى حزينة جدًّا حتى الموت، ثم تقدم قليلاً وخر على وجهه وكان يصلِّي قائلاً: يا أبتاه، إن أمكن فلتعبر عنى هذه الكأس، ولكن ليس كما أريد أنا بل كما تريد أنت” (مت37:26ـ39). أرجوكم أن تنظروا هنا إلى عمق التدبير في الجسد، وإلى سُمو تلك الحكمة التى لا يمكن لكلمات أن تُخبِر بها، ثبِّتوا عليها عين العقل الثاقبة، وإن لم تستطيعوا رؤية جمال السر، فأنتم أيضًا ستقولون: ” يا لعمق غنى الله وحكمته وعلمه! ما أبعد أحكامه عن الفحص وطرقه عن الاستقصاء” (رو33:11). يقول الكتاب إنه ابتدأ يحزن ويكتئب. لأى سبب أيها الرب؟ هل أنت أيضًا ترتعب من الموت؟ هل أنت أيضًا يستولى عليك الخوف وتتراجع عن الألم؟ وأيضًا ألست أنت الذى علَّمت الرسل القديسين ألاَّ يبالوا بأهوال الموت بقولك: ” لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد، ولكن النفس لا يقدرون أن يقتلوها” (مت28:10). وأكثر من هذا، إن قال أحد إنَّ نعمة الثبات الروحي هي عطيَّتك للمختارين، فلا يكون قد حاد عن الصواب؛ لأن كل قوة هى من عندك وكذلك أيضًا كل ثقة وكل شجاعة في كل مواجهة ضارية. أنت الحياة بالطبيعة، أنت علَّة الحياة، ونحن نتطلَّع إليك كمخلِّص ومنقِذ ومحطِّم للفساد، منك يقتبل الجميع حياتهم ووجودهم. أنت خلقت كل ما يتنفس. الملائكة لك ومنك وبك، وهكذا أيضًا جميع الخليقة العاقلة. يتحدث إليك الطوباوى داود بخصوصنا: ” تُرسل روحك فيُخلَقُون، وتُجدِّد وجه الأرض” (مز30:103س). كيف إذن تحزن وتكتئب وتتأسَّى حتى الموت؟ فمن الواضح أنك تعلم أنك أنت هو الله بالطبيعة، وتعلم كل ما هو مزمع أن يحدث، وأنك باحتمالك الموت في الجسد سوف تُحرِّر سكان الأرض كلها من الموت، وسوف تهزأ بالشيطان، وسوف تقيم نصبًا للنصرة على كل قوة شريرة ومقاومة، وأنك سوف تكون معروفًا لكل شخص وتُعبد كإله وكخالق للجميع. أنت تعرف أنك سوف تُبيد الهاوية، وأنك سوف تُخلِّص الذين هناك من الرباطات التى كابدوها لأجيال عديدة، وأنك سوف تجذب إلى نفسك كل من هم تحت السماء. هذه الأمور أنت أعلنتها بنفسك لنا منذ القديم بواسطة الأنبياء القديسين. ونحن قد سمعناك تقول بوضوح عندما كنت مثلنا: ” الآن دينونة هذا العالم، الآن يُطرح رئيس هذا العالم خارجًا” (يو31:12)، وأيضًا: ” وأنا إن ارتفعتُ عن الأرض أجذب إليَّ الجميع” (يو32:12)، وأيضًا: ” الحق أقول لكم إن لم تقع حبة الحنطة في الأرض وتمُت فهى تبقى وحدها، ولكن إن ماتت تأتى بثمر كثير” (يو24:12).

 

          فلأي سبب إذن تحزن وتكتئب؟ إنه يقول: نعم، ليس بدون مناسبة أن أُوجد هكذا في هذا الكرب، لأنني أعرف حقًّا أنه بقبولي أن أقاسي الألم على الصليب، فإننى سوف أخلِّص كل الذين تحت السماء من كل شر، وأكون سببًا لبركات لا تُحصى لجميع سكان الأرض. أنا لا أجهل أني سأحل وثاقات الموت وسأبطل اضمحلال الأجساد، وسأهزم طغيان الشرير وأهب غفران الخطايا. ولكن، ما يحزننى هو بخصوص البكر إسرائيل؛ لأنه من الآن فصاعدًا، لن يعود يُحسب، حتى ولا بين الخدام. إن نصيب الرب وحبل ميراثى سوف يصير نصيبًا لبنات آوى ـ كما هو مكتوب (مز10:62س)، المحبوب سوف يُكره بشِدَّة، الذى له المواعيد سوف يُجرَّد تمامًا من جميع مواهبي، والكَرْم المختار مع عنبه الجيِّد سوف يصير من الآن فصاعدًا أرضًا جرداء، مكانًا مقفرًا بلا ماء لأني سوف آمر السحب بألاَّ تمطر عليه (إش6:5س)، وسوف أنزع سياجه فيصير للنهب، وأهدم جدرانه فيصير للدوس (إش5:5س). أخبرنى إذن أَلاَ يشعر صاحب الكرم بالكرب، بسبب ذلك عندما يصير كرمه خربًا وقفرًا؟ أي نوع من الرعاة يكون هذا من القسوة والشدة فلا يتأثر عندما يتلف قطيعه؟ كيف لا يتألم لأجله؟ إن هذه الأشياء مجتمعة هي سبب حزني، لأجل هذه الأمور أنا حزين، لأنني أنا هو الله اللطيف الرحيم الذي يحب الصفح والإنقاذ، والذي ليست لى مسرَّة بموت الخاطئ مثلما يرجع عن طريقه الشرير فيحيا (حز23:18س). فبالصواب، حقًّا بالصواب جدًّا، إذ أنني صالح ورحوم، فإنني لا أكون فقط فرحًا بما هو مُسرّ، بل وأشعر أيضًا بالأسى لكل ما هو مُحزِن.

 

          أمَّا بخصوص شفقته على أورشليم، فهو يدرك جيدًا ما هو مزمع أن يحدث لها، وأنها سوف تكابد كل شقاء بسبب جرائمها ضده. وهذا يمكنك أن تعرفه من الآتى: فالبشير يقول إنه فيما كان ذاهبًا من اليهودية إلى أورشليم، فإنه: ” نظر إلى المدينة وبكى عليها قائلاً: إنك لو علمتِ أنتِ أيضًا حتى في يومك هذا ما هو لسلامك، ولكن الآن قد أُخفيَ عن عينيك ” (لو42،41:19) فكما بكى على لعازر إشفاقًا على كل الجنس البشري الذي صار فريسة للفساد والموت، هكذا نقول إنه حزن وهو يرى أورشليم وقد تورَّطت في تعاسات شديدة جدًّا، وهي معرَّضة لكوارث مفجعة لا خلاص منها.

 

          ولكي نعرف ماذا كانت رغبته بخصوص إسرائيل[1]، قال لتلاميذه إنه في حزن وكرب شديدَيْن، لأنه كان من المستحيل عليهم أن يعرفوا ما هو مخبَّأ داخله إن لم يكشف مشاعره بواسطة الكلام.

 

          وأظن أنه من الضروري أن أضيف لما قيل أنَّ أوجاع الحزن، والكآبة، لا يمكن إرجاعها إلى طبيعة الكلمة الإلهية التى هى غير قابلة للألم، لأنه من المستحيل أن تتألم، إذ أنَّ هذه الطبيعة تعلو على كل ألم، ولكننا نقول إن الكلمة المتجسد شاء أن يُخضِع نفسه إلى قياس الطبع البشري، بأن فرض على نفسه أن يقاسي ما يخصّه (أي الطبع البشري)، وحيث إنه قيل إنه جاع مع أنه الحياة وسبب الحياة والخبز الحي، وقيل إنه تعب من رحلة طويلة مع أنه رب القوات، هكذا قيل أيضًا إنه حزن وبدا أنه قادر أن يتألم، لأنه لم يكن من المناسب أنَّ هذا الذي أخضع نفسه للإخلاء ألاَّ يشترك في معاناة الأمور البشرية. فكلمة الله الآب إذن هو خالٍ تمامًا من كل ألم، ولكن بحكمة ولأجل التدبير، فإنه أخضع ذاته للضعف البشري حتى لا يظهر أنه يرفض ما يتطلَّبه التدبير (تدبير التجسد). حقًّا، إنه قد استسلم تمامًا للطاعة للعوائد البشرية والنواميس مع أنه ـ كما قلتُ ـ لا يُوجد أي شيء من هذه الأمور في طبيعته الخاصة.

 

          ومع ذلك فيوجد كثير يُضاف على ما قيل، ولكن نكتفي في عظتنا بهذا الحدِّ في الوقت الحاضر، ونستبقى ما هو أكثر إلى لقاء آخر إن شاء المسيح مخلِّصنا كلنا أن يجمعنا هنا مرَّة أخرى، هذا الذي به ومعه يليق التسبيح والسلطان لله الآب مع الروح القدس إلى دهر الدهور آمين.

4 تضيف هنا مخطوطة Mai اليونانية شرحًا لعبارة ” لخوف المسيح من الموت ” على أنه خوف متعمد: أولاً: لتثبت إنه إنسان حقيقي، حيث إن الخوف هو جزء من صفات الطبيعة البشرية، وثانيًا: إنَّ فيه وهو مُمَثِّلنا الشخصي، يجب أن تُقهَر أوجاع الطبيعة البشرية الدنيئة عن طريق قوة الكلمة، وهكذا أصبح ربنا المثال الكامل للسلوك المسيحي.

يسوع يصلي – إنجيل لوقا 22 ج6 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

 

          ها أنا آتي إليكم لأوفي ما سبق أن وعدتكم به، ولكي أُضيف خاتمة مناسبة لحديثي عن المسيح. لأنه في كل الظروف من الخطر أن يكون الإنسان كاذبًا؛ ولكن حينما يرتكب الإنسان هذا الخطأ في الأمور الهامة لبنياننا، فحينئذ نخشى أن نجلب على أنفسنا دينونة من فوق، ونصير أيضًا سببًا لسخرية عامة.

          قلنا في اجتماعنا الأخير إن المسيح مخلِّص الجميع كان مع التلاميذ القديسين على جبل الزيتون، بينما كانت الحيَّة المتعدِّدة الرؤوس، أي الشيطان، يُعِدُّ للمسيح فخ الموت، وكان رؤساء مجمع اليهود والتلميذ الذي خانه، لم يتركوا وسيلة لم يلجأوا إليها ليمسكوا بشخصه، وقد جمعوا أولئك الذين سيقبضون عليه، وهم زمرة من جنود بيلاطس، وجمع من خدام اليهود الأشرار. لذلك بينما كانت المحاولة على وشك أن تتم كان هو في حزن، وكان يحث تلاميذه أن يتصرَّفوا بما يناسب هذا الظرف (العصيب) بقوله لهم: ” اسهروا وصلوا لئلا تدخلوا في تجربة“. وحتى لا يكون تعليمه بالكلام فقط، صار هو نفسه مثالاً لِمَا ينبغي أن يفعلوه هُم، فقد انفصل عنهم قليلاً، نحو رمية حجر، وجثا على ركبتيه وصلَّى قائلاً: ” يا أبتاه، إن شئت أن تجيز عنِّي هذه الكأس“. قد يتساءل أحد الآن: ” لماذا لم يُصلِّ مع التلاميذ القديسين ولكن انفصل عنهم وصلَّى بمفرده؟” كان هذا لكي يُعلِّمنا نمط هذا النوع من الصلاة التي تُسرّ الله، فحينما نصلِّي ليس من الصواب أن نستعرض أنفسنا على مرأى من الآخرين، ولا أن نسعى أن ينظرنا كثيرون، لئلا نُغرِق أنفسنا في وحل محاولة استرضاء الناس، فنجعل كل تعب صلواتنا بلا أيَّة منفعة. والكتبة والفريسيون كانوا مذنبين بهذا الخطأ، فقد وبَّخهم ربنا مرة بسبب محبتهم للصلاة في زوايا الشوارع، وبسبب الصلوات الطويلة التي كانوا يعملونها في المجامع لكي يراهم الناس. أمَّا بالنسبة للذين يريدون أن يعيشوا باستقامة، وهم شغوفون أن يمتلئوا بمحبة الله، فإنه يضع قانون الصلوات في هذه الكلمات: ” وأمَّا أنت فمتى صلَّيتَ فادخل إلى مخدعك وأغلق بابك وصلِّ إلى أبيك الذي في الخفاء، فأبوك الذي يرى في الخفاء يجازيك” (متى6:6). لذلك فنحن نجده في كل موضع يُصلِّي على انفراد، حتى تتعلَّم أنت أيضًا أنه يجب علينا أن نتحادث مع الله بذهن هادئ وقلب ساكن خالٍ من كل قلق، لأن الحكيم بولس يكتب: ” فأريد أن يُصلِّي الرجال… رافعين أيادي طاهرة بدون غضب ولا جدال” (1تى8:2).

          لذلك، فإنه كان يصلِّي بينما كانوا أولئك القادمين للقبض عليه على وشك الوصول، أي إنسان ذو فهم لن يقول إن الرب قدَّم هذه التوسلات كأنه في احتياج إلى قوة أو عون من آخرـ لأنه هو نفسه قوة واقتدار الآب الكُلِّى القدرة، ولكنه تصرَّف هكذا لكي نتعلم نحن منه أن نتخلَّى عن كل إهمال عندما تداهمنا التجربة وتضغط علينا الاضطهادات، ويحتال علينا الغادرون، ويحيكون لنا فخاخهم، ويعدُّون لنا شبكة الموت. هذه هي نفس وسيلة خلاصنا أن نسهر ونجثو على ركبنا، ونقدم تضرعات متواصلة، ونسأل المعونة التي تأتي من فوق، لئلا نضعف، فنعاني من تحطُّم مرعب جدًّا لسفينة حياتنا.

          إن الشجاعة الروحية تليق حقًّا بالقديسين، ولكن أولئك الذين يقاومون عنف التجارب ـ يجب أن يكون لهم ذهن راسخ لا يتراجع، لأنه من الجهل التام أن نثق ثقة زائدة في أنفسنا أثناء الصراعات، والذي يُفكِّر هكذا هو مُصاب بالتفاخر والتباهي، لذلك ينبغي ـ وأنا أُكرِّر ـ أن نقرن الشجاعة والصبر بتواضع الفكر، وإن تعرضنا لأيَّة تجربة فإن ذهننا يكون مستعدًّا بثبات لمقاومتها، ومع ذلك فلنسأل الله أن يعطينا القدرة على الاحتمال بشجاعة، لأننا أُمرنا أن نقول في صلواتنا: ” ولا تدخلنا في تجربة لكن نجنا من الشرير“.

 

          لاحظوا إذن النموذج المُقدَّم لكم في شخص المسيح مخلِّصنا كلنا لكي تسلكوا مثله، وهيا بنا نلاحظ طريقة صلاته. إنه يقول: ” إن شئت أن تجيز عنِّي هذه الكأس“. أتنظرون كيف أنَّ المسيح يجعل صلاته في مواجهة التجربة بتوقير يناسب الإنسان؟ فهو يقول: ” إن شئت أن تجيز“. وتذكروا هنا أيضًا ما كتبه المغبوط بولس بخصوصه: ” الذي في أيام جسده إذ قدَّم بصراخ شديد ودموع طلبات وتضرعات للقادر أن يُخلِّصه من الموت، وسُمع له من أجل تقواه، مع كونه ابنًا تعلم الطاعة ممَّا تألم به، وإذ كُمِّل صار لجميع الذين يطيعونه سبب خلاص أبدي” (عب7:5ـ9). فهو كواحد منا، يُسلِّم لإرادة أبيه أن يجري كل ما هو مزمع أن يحدث. لذلك فإذا حدث لنا في أي وقت وتعرَّضنا لصعوبات غير متوقَّعة، وكان لازمًا لنا أن نحتمل أي صراع فكري، فلنتوسل إلى الله لا أن ينتهي (الصراع) بحسب مشيئتنا، بل بالحري فلنطلب أن يفعل ما يعرف هو أنه مناسب ولازم لمنفعة نفوسنا. “ لأننا لا نعرف ما نصلِّي لأجله كما ينبغي ” (رو26:8)، بل هو مستودَع جميع الخيرات وهو يعطي كل ما هو مناسب لأولئك الذين يحبونه.

          إن ما قلته الآن أثق أنه يكون نافعًا لكم جميعًا، ولكن إن كان يجب أن نستنبط شرحًا آخر لهذه الصلاة، فإننا نقول أيضًا إنها تُوبِّخ شرَّ اليهود. وسنشرح الآن كيف تُوبِّخهم، لقد سمعتم المسيح يقول: ” يا أبتاه إن شئت أن تجيز عنِّي هذه الكأس“. فهل كانت آلامه إذن عملاً لا إرادي؟ وهل كان ضروريًّا له أن يتألم، أم كان عنف أولئك الذين تآمروا ضده أقوى من إرادته الخاصة؟ نقول لكم: ليس الأمر هكذا. إن آلامه لم تكن عملاً غير إرادي، مع أنها من جهة أخرى كانت مُحزِنة لأنها كانت تتضمَّن رفضًا لمجمع اليهود وملاشاته. لم تكن إرادته أن يكون إسرائيل هو قاتل ربه، لأنه بعمله هذا فإنه يُعرِّض نفسه لدينونة متناهية الشِدَّة، ويصير مشجوبًا ومرفوضًا من أن يكون له نصيب في عطاياه وفي الرجاء المُعدّ للقديسين، في حين أنه كان يومًا ما هو شعبه الخاص، وشعبه الوحيد، ومختاره، والوريث المتبنَّى. إن موسى يقول عنهم: “هوذا للرب إلهك السموات والأرض، أنت اختارك الرب من جميع الشعوب لتكون شعبه الخاص” (تث15،14:10س). لذلك فمن الصواب أن ندرك بوضوح أنه من أجل رحمته على إسرائيل كان ممكنًا أن يجيز عنه (عن المسيح) ضرورة الآلام، ولكن بما أنه لم يكن ممكنًا (للمسيح) أن لا يحتمل الآلام، فإنه خضع لها أيضًا لأن الله الآب هكذا أراد أن تحدُث هذه الآلام له.

          ولكن تعالوا نفحص هذا الأمر أكثر. “هل قرار الله الآب وإرادة الابن نفسه تدعوه لضرورة قبول الآلام؟ وإن كان الأمر هكذا، وإن كان ما قد قلته صحيحًا، أمَا كان من الضروري أن يكون شخص ما هو الخائن، وأن ينحدر الإسرائيليون إلى هُوَّة التجاسر حتى أنهم يرفضون المسيح، ويُسلِّموه للخزي والعار بطرق متعددة ويحكموا عليه بالموت مصلوبًا؟”. ولكن إن كان هذا هكذا، فكيف نجده يقول: “ ويلٌ لذلك الرجل الذي به يُسلَّم ابن الإنسان، كان خيرًا لذلك الرجل لو لم يُولد؟” (مت24:26). وما هو السبب العادل الذي يُؤدِّي إلى هلاك إسرائيل والحكم عليه بويلات الحرب؟ لأنه كيف يمكن أن يتعارض هذا مع قرار الله وأهدافه التي لا تُقاوم؟ إن الله ليس بظالم، ولكنه يزن أمور أعمالنا بحُكم مقدَّس، فكيف إذن يعامل ما هو غير إرادي على أنه إرادي؟ لأن الله يشفق على سكان الأرض البائسين الممسوكين في فخاخ الخطية والقابلين للموت والفساد، والخاضعين تحت يد طاغية، والمأسورين مِن سِرب مِن الشياطين. لقد أرسل الله ابنه من السماء ليكون مخلِّصًا ومنقذًا، وهو الذي صار أيضًا مثلنا في الشكل. ولكن مع أنه عرف مسبقًا ما سوف يتألم به، وأن عار آلامه ليس هو ثمر إرادته الخاصَّة، إلاَّ أنه قَبِل أن يتحمَّلها لكي يخلِّص (سكان) الأرض، والله الآب أراد هذا معه أيضًا بسبب شفقته ومحبته لجنس البشر، لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية (يو16:3). لذلك فبخصوص العار (الذي لاقاه) بسبب آلامه، فإنه لم يكن يريد أن يتألَّم، ولكن إذ لم يكن من الممكن له ألاَّ يتألم بسبب قسوة اليهود وعدم طاعتهم وعنفهم غير الملجم، فإنه احتمل الصليب مستهينًا بالخزي (عب2:12) وأطاع الآب حتى الموت موت الصليب (فى8:2)، ولكنه يقول: ” إن الله رفَّعه وأعطاه اسمًا فوق كل اسم، لكي تجثو باسم يسوع المسيح كل ركبة مِمن في السماء ومِمَّن على الأرض ومِمَّن تحت الأرض، ويعترف كل لسان أنَّ يسوع المسيح هو الرب لمجد الله الآب. آمين“.

يسوع يصلي – إنجيل لوقا 22 ج6 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

إعداد التلاميذ – إنجيل لوقا 22 ج5 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

إعداد التلاميذ – إنجيل لوقا 22 ج5 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

إعداد التلاميذ – إنجيل لوقا 22 ج5 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو35:22ـ38): ” ثُمَّ قَالَ لَهُمْ : حِينَ أَرْسَلْتُكُمْ بِلاَ كِيسٍ وَلاَ مِزْوَدٍ وَلاَ أَحْذِيَةٍ هَلْ أَعْوَزَكُمْ شَيْءٌ؟ فَقَالُوا: لاَ. فَقَالَ لَهُمْ : لَكِنِ الآنَ مَنْ لَهُ كِيسٌ فَلْيَأْخُذْهُ وَمِزْوَدٌ كَذَلِكَ. وَمَنْ لَيْسَ لَهُ فَلْيَبِعْ ثَوْبَهُ وَيَشْتَرِ سَيْفاً. لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ إِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَتِمَّ فِيَّ أَيْضًا هَذَا الْمَكْتُوبُ: وَأُحْصِيَ مَعَ أَثَمَةٍ. لأَنَّ مَا هُوَ مِنْ جِهَتِي لَهُ انْقِضَاءٌ. فَقَالُوا: يَا رَبُّ هُوَذَا هُنَا سَيْفَانِ. فَقَالَ لَهُمْ: يَكْفِي! “.

 

          غرس موسى المبارك خوف الله في بنى إسرائيل بقوله لهم: ” مخوف هو الوقوع في يدي الله الحي، لأن إلهنا نار آكلة” (انظر تث24:4،عب31:10)، كما قال نبي آخر عنه: ” إن غضبه يأكل الرؤساء، والصخور تذوب منه” (ناحوم6:1س)، وبالأكثر يقول عنه داود المبارك في موضع ما من المزامير: ” أنت مخوف، فمن يقف قدامك حال غضبك” (مز7:75س). لأنه ما هي قوة الإنسان، أو كيف يمكن لأية قوة مخلوقة مهما كانت أن تقف مقابل قوة الله الإله القدير التي لا تُقهر؟ ولكن غضبه لا ينزل إطلاقًا على الرجُل البار، لأن الله لا يمكن أن يظلم، إنما غضبه بالأحرى على أولئك الذين خطاياهم عديدة وغير محتملة، وشرورهم تفوق الحدود .

 

          وكَمَثَل لما قلناه، فلنأخذ ما حدث مع جموع اليهود بعد أن قام المسيح من الأموات وصعد إلى السماء. إن الله الآب أرسل لهم ابنه يدعوهم إلى خدمة أسمى من الناموس، وإلى معرفة كل صلاح، وهو أرسله ليحرِّرهم من كل إثم، ويخلِّصهم من وصمة الخطية، وليأتي بهم إلى تبنِّي البنين، وإلى المجد، وإلى الكرامة، وإلى شركة الروح القدس، وإلى الحياة التي لا تفنى، إلى مجد لا ينتهي، وإلى ملكوت السموات. ومع أنه كان من واجبهم أن يسرعوا بلهفة إلى هذه النعمة ويكرموا بتسابيح الشكر لمن أتى ليساعدهم، وأن يَقبلوا بفرح النعمة التي بالإيمان، إلاَّ أنهم في الواقع لم يفعلوا شيئًا من هذا، بل فعلوا العكس تمامًا، لأنهم قاموا ضده، واعتبروه كلا شيء بعدم طاعتهم، وحتى آياته الإلهية كانوا يغارون منها، وبعد أن عملوا وقالوا كل شيء رديء عليه، فإنهم صلبوه في النهاية. وهكذا صار نصيبهم أن يقاسوا تلك الأمور التي صرَّح بها جماعة الأنبياء القديسين من قبل، فإن واحدًا منهم يقول: “سيطرحهم الله بعيدًا لأنهم لم يسمعوا له، فيكونون تائهين بين الأمم” (هو17:9س)، وأيضًا: ” لأن أورشليم مرفوضة ويهوذا قد سقطت، وألسنتهم تنطق بالإثم، وهم لا يطيعون الرب، لذلك فإن مجدهم ينخفض وخزي وجوههم يقف ضدهم” (إش8:3و9س). وفى موضع آخر يخاطبهم الله الذي فوق الكل هكذا: ” والآن من أجل عملكم هذه الأعمال يقول الرب وقد كلمتكم مُبكرًا ومكلمًا فلم تسمعوا ودعوتكم فلم تُجيبوا، اصنعوا بالبيت الذي دُعي باسمي عليه الذي أنتم مُتكلون عليه وبالموضع الذي أعطيتكم وآبائكم إياه كما صنعت بشيلوه وأطرحكم من أمامي كما طرحت كل أخوتكم كل نسل افرايم ” (إر13:7ـ15). لأنهم سُلِّموا ـ كما قلت ـ إلى خراب، وتشتَّتوا في الأرض كلها، والتهمت النيران هيكلهم، وسُبى جميع اليهود.

 

          كان هذا هو الحال الذي سبق المسيح وأعلنه للتلاميذ، أما عن المناسبة التي جعلته يتكلم عن هذا الموضوع هو تحذيره المُسبَق لبطرس العجيب أنه سوف ينكره ثلاث مرات، وبالتحديد في وقت القبض عليه، عندما أحضره جنود بيلاطس وخدام اليهود إلى رؤساء الكهنة للمحاكمة، فهناك أنكره بطرس، وعند ذكر القبض عليه وإحضاره أمام قيافا كان من الطبيعي أن يتبع هذا الإشارة إلى ما كان سيحدث بعد ذلك أي إلى آلامه على الصليب، عندئذ أشار وتنبأ عن الحرب التي كانت ستندلع على اليهود، والتي انتشرت مثل نهر بعنف لا يُحتمل على كل أرضهم. وبخصوص هذا يقول: ” حين أرسلتكم بلا كيس ولا مذود ولا أحذية، هل أعوزكم شيء؟ فقالوا لا” لأن المخلِّص أرسل رسله القديسين وأوصاهم أن يكرزوا لسكان كل قرية ومدينة بإنجيل ملكوت السموات، وأن يشفوا كل ضعف وكل مرض في الشعب، ومنَعَهم من أن يشغلوا أنفسهم بالأمور التي تخص الجسد، بل بالأحرى ألاَّ يحملوا كيسًا ولا أي شيء يعوقهم، بل أن يضعوا كل اتكالهم فيما يخص طعامهم، عليه. وهذا ما فعلوه، فجعلوا أنفسهم مثالاً للسلوك الرسولي الممدوح. ويقول “ولكن الآن من له كيس فليأخذه ومزود كذلك” (لو36:22). أخبرني إذن، هل كان هذا بسبب أنَّ الرب غيَّر كلامه فابتكر أفكارًا أكثر نفعًا لهم؟ وهل كان من الأفضل في الظروف الأولى أن يكون لهم كيس ومزود ؟ وإن كان لا، فما الداعي إلى هذا التغيير المفاجئ؟ وما هو احتياج الرسل القديسين للكيس وللمزود ؟ أيَّة إجابة نعطيها عن ذلك؟ إن القول كما يبدو ظاهريًّا يشير للتلاميذ، ولكنه في الواقع ينطبق على اليهود، فهؤلاء هم الذين كان المسيح يوجه إليهم الخطاب، لأنه لم يقل إنه ينبغي على الرسل القديسين أن يأخذوا كيسًا ومزودًا، ولكن من له كيس مزود فليأخذه، ويعنى بذلك أنَّ مَن له ممتلكات خاصة في إقليم اليهودية، فعليه أن يجمع كل شيء ويهرب، حتى يمكنه بأي طريقة أن ينجِّى نفسه. أما من ليس له الوسائط لتجهيز نفسه للرحيل، بسبب شدة فقره، فيلزمه أن يبقى في الأرض. فيقول إن مثل هذا: ” فليبع ثوبه ويشتر سيفًا“، لأن السؤال لهؤلاء الذين سوف يبقون في الأرض لن يكون، إن كانوا يمتلكون شيئًا أم لا، بل بالحري يكون السؤال هو هل يمكنهم الإبقاء على حياتهم، لأن الحرب سوف تحل بهم بعنف لا يُحتمل، حتى لا يستطيع أحد أن يقف ضدها.

 

          وبعد ذلك يخبرهم عن سبب المصيبة ويخبرهم عن ضيقة عظيمة جدًّا لا نجاة منها سوف تحل بهم قائلاً إنه بحسب الكتب: “ سوف يُحصى مع الأثمة“. وهو يقصد هنا بوضوح تعليقه على الصليب مع اللصين اللذين صُلبا معه. وهكذا سوف يحتمل عقاب الأثمة، وعندما يبلغ التدبير هذا الحد، سوف يكون الانقضاء. لأنه بالفعل احتمل آلامه المخلِّصة لأجلنا، وهكذا ـ وإلى هذا الحد ـ قد كمل شرَّ اليهود المتجاسر، وهذا هو اكتمال غضبهم الشديد الجامح. ولكن بعد الآلام على الصليب، صارت جميع الأيدي بلا قوة، لأن: ” العدو لا يرغمه، وابن الإثم لا يمكنه أن يؤذيه فيما بعد” (مز22:88س). وذلك لأنه قام وداس الموت، وصعد إلى السموات، وجلس عن يمين الله الآب، وسوف يأتي بعد ذلك ليس في حالة وضيعة كما جاء سابقًا، ولا بقياس الطبيعة البشرية، إنما في مجد الآب، مع الملائكة القديسين كحرَّاسًا له يحفُّون به؛ وسوف يجلس أيضًا على عرش مجده، ليدين المسكونة بالعدل كما هو مكتوب (انظر إش4:11). وكما يقول النبي: ” سينظرون إلى الذي طعنوه ” (زك10:12). فالذي سَخَرتْ منه هذه المخلوقات البائسة عندما رأوه معلَّقًا على الصليب الثمين، سوف ينظروه وهو مُكلَّل بالمجد الإلهي، وبسبب شرهم نحوه، سوف يسقطون في هاوية الهلاك. إن قوله: “ ما هو من جهتي له انقضاء“، أي ما يتصل بمُعاناتي للموت في الجسد، وبعد هذا سوف تحدث تلك الأشياء التي تنبأ عنها الأنبياء القديسون في القديم عن أولئك الذين قتلوه.

          وبخصوص التنبؤ عن هذه الأشياء، فالمخلِّص كان يتكلم عما كان وشيكًا أن يحدث لبلاد اليهود. لكن التلاميذ الإلهيين لم يفهموا المعنى العميق ِلما قيل، بل ظنوا بالحري أنه يقصد أنَّ السيوف ضرورية بسبب الهجوم الوشيك أن يعمله التلميذ الذي خانه وأولئك الذين اجتمعوا للقبض عليه، لذلك قالوا: ” يا رب هوذا هنا سيفان “. وماذا كانت إجابة السيد؟ يكفي. لاحظ كيف أنه سخر من قولهم، إذ كان يعرف جيدًا أنَّ التلاميذ إذ لم يفهموا معنى ما قيل، فإنهم ظنُّوا أنه يوجد احتياج للسيوف بسبب الهجوم الوشيك أن يحدث عليه هو نفسه. أما هو، وقد ثبَّت نظره على تلك الأمور المزمع أن تقع وشيكًا على اليهود بسبب سلوكهم الشرير تجاهه، فإن المخلِّص ـ كما قلتُ ـ سخر من قولهم وقال: “يكفي”. نعم بالحق، هل يكفي سيفان لاحتمال وطأة الحرب العظيمة والوشيكة أن تحدث لهم، هذه التي لم تكن تنفع فيها آلاف السيوف؟ إن كبرياء اليهود جعلهم يقاومون مقاومة عنيفة ضد قوات أغسطس قيصر، ولكنهم لم ينتفعوا شيئًا، لأنهم قد حوصروا بقوة فتَّاكة، وقاسوا كل بؤس، كما يقول إشعياء النبي: ” ما قضى به الإله القدوس من يبطله؟ ويده عندما تُرفَع من يردها ” (إش27:14س). لذلك ليتنا نحترس لئلا نثير غضب الله، لأنه أمر مخيف هو الوقوع في يديه. أما الذين يؤمنون بالمسيح فهو رحيم بهم أي أولئك الذين يُسبِّحونه، والذين يدعونه فاديًا لهم ومخلِّصًا، وهم الذين يخدمونه خدمة روحية بكل سلوك فاضل. لأننا إن تصرفنا وتكلمنا هكذا، فإن المسيح سيجعلنا خاصته، الذي به ومعه لله الآب يليق التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى دهر الدهور، آمين.

 

إعداد التلاميذ – إنجيل لوقا 22 ج5 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

Exit mobile version