تمييز زمن المسيح – إنجيل لوقا 12 ج10 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

تمييز زمن المسيح – إنجيل لوقا 12 ج10 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

تمييز زمن المسيح – إنجيل لوقا 12 ج10 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لوقا 12: 54 ـ 59) “ ثُمَّ قَالَ أَيْضًا لِلْجُمُوعِ: إِذَا رَأَيْتُمُ السَّحَابَ تَطْلُعُ مِنَ الْمَغَارِبِ فَلِلْوَقْتِ تَقُولُونَ: إِنَّهُ يَأْتِي مَطَرٌ. فَيَكُونُ هَكَذَا. وَإِذَا رَأَيْتُمْ رِيحَ الْجَنُوبِ تَهُبُّ تَقُولُونَ: إِنَّهُ سَيَكُونُ حَرٌّ. فَيَكُونُ. يَا مُرَاؤُونَ تَعْرِفُونَ أَنْ تُمَيِّزُوا وَجْهَ الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ وَأَمَّا هَذَا الزَّمَانُ فَكَيْفَ لاَ تُمَيِّزُونَهُ؟. وَلِمَاذَا لاَ تَحْكُمُونَ بِالْحَقِّ مِنْ قِبَلِ نُفُوسِكُمْ؟. حِينَمَا تَذْهَبُ مَعَ خَصْمِكَ إِلَى الْحَاكِمِ ابْذُلِ الْجَهْدَ وَأَنْتَ فِي الطَّرِيقِ لِتَتَخَلَّصَ مِنْهُ لِئَلاَّ يَجُرَّكَ إِلَى الْقَاضِي وَيُسَلِّمَكَ الْقَاضِي إِلَى الْحَاكِمِ فَيُلْقِيَكَ الْحَاكِمُ فِي السِّجْنِ. أَقُولُ لَكَ: لاَ تَخْرُجُ مِنْ هُنَاكَ حَتَّى تُوفِيَ الْفَلْسَ الأَخِيرَ“.

 

          أولئك الأطباء المدقِّقون في عملهم والذين صاروا ماهرين بالممارسة الكثيرة، يشفون المرضى من أمراضهم باستخدام أنواع متعددة من الأدوية، والتي بواسطتها يُسكِّنون الآم الناس المبرحة، جامعين من كل الأصقاع كل ما من شأنه أن يفيدهم. وهذا ما يفعله المسيح مخلِّص الكل هنا أيضًا، لأنه طبيب الأرواح وهو يخلِّصنا من أمراض النفس، لأنه قال أيضًا بواسطة واحد من الأنبياء القديسين: ” ارجعوا أيها البنون العصاة فأشفي عصيانكم” (إر3: 22). وإذ قد عرف النبى إرميا هذا الأمر، قدَّم توسلاته إليه بهذه الكلمات: ” اشفني يا رب فأُشفى، خلِّصني فأخلُص لأنك أنت مجدي” (إر17: 14 س).

          لذلك لاحظوا كيف يُعِد لنا دواء النصح، ليس كما اعتاد أن يوجِّه كلامًا مباشرًا، بل إن جاز القول يخلطه، وكما لو كان ينسج معه صُوَرًا توضيحيَّة مأخوذة من أمثلة، ليجعل الحديث أكثر نفعًا جدًّا، لأنه يكلم الجموع قائلاً: ” إذا رأيتم السحاب تطلع من المغرب فللوقت تقولون إنه يأتي مطر فيكون هكذا، وإذا رأيتم ريح الجنوب تهب تقولون إنه سيكون حر فيكون “. لأن الناس يُركِّزون انتباههم على أشياء من هذا النوع، وبمداومة الملاحظة والممارسة يخبرون مقدمًا متى سيسقط المطر أو بحدوث عواصف شديدة. ويلاحظ المرء أن البحَّارة على الأخص ماهرون جدًّا في هذا الأمر. لذلك فهو يقول، ألا يليق حسنًا بأولئك الذين يمكنهم أن يحسبوا أشياء من هذا النوع، ويتنبأون إن كانت العواصف على وشك الحدوث، أن يُثبتوا نظرة نفاذة من عقولهم على الأمور ذات الأهمية أيضًا وما هي هذه الأمور؟

  إن الناموس أظهر مقدَّمًا سر المسيح، وأنه بالتأكيد سوف يشرق في الأزمنة الأخيرة على سكان الأرض، وأنه سيصير ذبيحة لأجل خلاص الجميع. لأن الناموس قد أوصى أيضًا بذبح حَمَل كمثال له نحو المساء، وعند إضاءة المصابيح (خر12: 6) نفهم ـ أنه عندما يميل العالم إلى نهايته مثل النهار ـ فإنه ستتم الآلام العظيمة والثمينة والخلاصية حقًّا، وينفتح باب الخلاص على مصراعيه لأولئك الذين يؤمنون به، ويكون نصيبهم سعادة غامرة. لأننا نجد أيضًا المسيح يدعو العروس في نشيد الأنشاد والتي تمثِّل شخصية الكنيسة ويصفها بتلك الكلمات: ” قومي، تعالي يا حبيبتي يا جميلتي، لأن الشتاء قد مضى والمطر مَرَّ وزال، الزهور ظهرت في الأرض وبلغ أوان القضب” (نش2: 10ـ12). لذلك كما قلت، إن سلامًا كالنهر الهادئ كان على وشك أن يظهر بالنسبة لمن يؤمنون به. لكن ضد هؤلاء الذين في عِظَم خبثهم ازدروا بصلاحه ورفضوا المخلِّص، هناك غضب وشقاء مقضي به، وكما لو كان شتاء من العذاب والعقوبة، وذلك من العاصفة التى سيكون من العسير الإفلات منها، لأنهم كما يقول المزمور: ” نار وكبريت، وريح السموم، نصيب كأسهم” (مز10: 6س). ولماذا هذا؟ لأنهم كما قلت رفضوا النعمة التى هي بالإيمان، ولذلك فذنب خطاياهم لا يمكن أن يُمحى، وينبغي لهم أن يتحملوا ـ كما يستحقون ـ العقوبة اللائقة لمن يحبون الخطية. لأنه هكذا عندما يكلم اليهود يقول: ” الحق أقول لكم إن لم تؤمنوا إني أنا هو تموتون في خطاياكم” (يو8: 24).

          وكون الأنبياء الطوباويون أيضًا بشَّروا بسر المسيح بطرق متنوعة، فهذا ما لا يمكن لأحد أن يتشكك فيه. لأن واحدًا منهم هكذا يتكلم باسم شخص الله الآب قائلاً:    ” ها أنا واضع في صهيون حجر صدمة وصخرة عثرة وكل من يؤمن به لا يخزى” (رو9: 33، إش8: 14). لأن أولئك الذين هم في خطاياهم، هم مملوؤن خزيًا، لأنه هكذا قيل في موضع ما عن الإسرائيليين الذين انتهكوا ناموس موسى: ” كخِزي السارق إذا وُجد هكذا يكون خزي بني إسرائيل” (إر2: 26). لكن الذين هم في المسيح بالإيمان، ويفلتون من دنس الخطية هؤلاء يكونون ليس فقط غير مملوءين بالخزي، بل تكون لهم تلك الدالة التى تليق بالأحرار.

          لذلك يقول، كان من واجبهم، نعم من واجبهم، لكونهم يملكون الفهم ويقدرون أن يميِّزوا وجه السماء والأرض أن يفحصوا الأمور المستقبلة أيضًا، وألاَّ يَدَعوا تلك العواصف التي تأتي على هذا العالم أن تفلت من ملاحظتهم، لأنه ستكون ريح جنوبية ومطر، أي عذاب ناري لأن ريح الجنوب ساخنة وإنزال تلك العقوبة شديد وحتمي، مثل المطر النازل على من يباغتهم فجأة. لذلك لا ينبغي لهم أن يدعوا زمن الخلاص يعبر عليهم دون أن ينتبهوا له، ذلك الزمن الذي جاء فيه مخلِّصنا، الزمن الذي فيه وَصَلَت معرفة الحق الكاملة إلى البشرية، وأشرقت النعمة التي تطهر الخطاة. وذلك، ليس بواسطة الناموس، لأن ” الناموس لا يكمل شيئًا” (عب7: 19)، إذ له فقط الأمثلة والظلال، بل بالأولى بالإيمان بالمسيح، غير رافضين الناموس بل متمِّمينه بعبادة روحية. لأن الحكيم جدًّا بولس الرسول كتب يقول: ” أفنُبطِل الناموس بالإيمان، حاشا” ذلك الذي قد أعلن عنه بطرق عديدة مسبقًا بواسطة موسى والأنبياء.

          لذلك فمن واجبنا أن نسهر ونسعى بسرعة كي نصل إلى الخلاص من خطايانا، أمَّا الوسيلة للإفلات من اللوم قبل أن نصل إلى نهاية حياتنا الطبيعية، فإنه أظهرها بقوله: ” ولماذا لا تحكُمون بالحق من قِبَل نفوسكم. حينما تذهب مع خصمك إلى الحاكم، ابذل الجهد وأنت في الطريق لتتخلَّص منه، لئلا يَجُرّك إلى القاضي، ويسلِّمك إلى الحاكم فيلقيك الحاكم في السجن. أقول لك لا تخرج من هناك حتى توفي الفلس الأخير” (لو 12: 57–59).

          ربما يتخيل البعض أن معنى هذا النص عسير الفهم، لكنه سيصير سهلاً جدًّا لو فحصنا هذا التشبيه بما يحدث بيننا. وهو يقول، لنفترض أن أحدهم قدَّم ضدك شكوى أمام أحد المسئولين إلى المحكمة، وجعلك تؤخذ إلى هناك. لذلك بينما أنت ” في الطريق” أي قبل أن تصل إلى القاضي ” اجتهد” أي لا تملَّ من استخدام كل جهدك حتى تتخلَّص منه، وإلاَّ سيسلِّمك للقاضي، وآنذاك عندما يَثبُت أنك مدين له، فإنك ستسلَّم إلى الحاكم، والحاكم سيلقي بك في السجن حتى توفى الفلس الأخير.

          نحن كلنا بلا استثناء الذين على الأرض مدانون بالآثام، والذي له قضية ضدنا ويلومنا هو الشيطان الخبيث، لأنه هو ” العدو والمنتقم” (مز8: 2). لذلك بينما نحن في الطريق أي لم نصل بعد إلى نهاية حياتنا هنا (على الأرض)، لنخلِّص نفوسنا منه، لنتخلَّص من الخطايا التي نحن قد أذنبنا بها، فلنغلق فمه، ولنتمسَّك بالنعمة، أي بالمسيح. هذه التي تحرِّرنا من كل دين وعقوبة، وتخلِّصنا من الخوف والعذاب، لئلا إن لم نتطهَّر من دنسنا، فإننا نقف أمام القاضي ونسلَّم إلى الحاكم، أي المعذبين الذين لا يمكن لأحد أن يفلت من قساوتهم، بل بالحري سينتقمون انتقامًا دقيقًا عن كل خطية، سواء كانت كبيرة أم صغيرة.

          إن الذين يفتشون عن زمن مجيء المسيح ولا يجهلون سره بل يعرفون جيدًا أن الكلمة مع أنه إله، أشرق على سكان الأرض وأنه صار مثلنا كواحد منا، هؤلاء هم بعيدون تمامًا عن هذا الخطر، فالمسيح يحرِّرهم من كل لوم. وهو يبارِك بغبطة زائدة أولئك الذين يؤمنون به ويعترفون به كإله وابن الله، الذي به ومعه لله الآب التسبيح والسلطان، مع الروح القدس إلى دهر الدهور آمين.

 

تمييز زمن المسيح – إنجيل لوقا 12 ج10 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

جئت لألقى نارًا على الأرض – إنجيل لوقا 12 ج9 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

جئت لألقى نارًا على الأرض – إنجيل لوقا 12 ج9 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

جئت لألقى نارًا على الأرض – إنجيل لوقا 12 ج9 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو12: 49 – 53) “ جِئْتُ لأُلْقِيَ نَارًا عَلَى الأَرْضِ فَمَاذَا أُرِيدُ لَوِ اضْطَرَمَتْ؟. وَلِي صِبْغَةٌ أَصْطَبِغُهَا وَكَيْفَ أَنْحَصِرُ حَتَّى تُكْمَلَ؟. أَتَظُنُّونَ أَنِّي جِئْتُ لأُعْطِيَ سَلاَمًا عَلَى الأَرْضِ؟ كَلاَّ أَقُولُ لَكُمْ! بَلِ انْقِسَاماً. لأَنَّهُ يَكُونُ مِنَ الآنَ خَمْسَةٌ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ مُنْقَسِمِينَ: ثَلاَثَةٌ عَلَى اثْنَيْنِ وَاثْنَانِ عَلَى ثَلاَثَةٍ. يَنْقَسِمُ الأَبُ عَلَى الاِبْنِ وَالاِبْنُ عَلَى الأَبِ وَالأُمُّ عَلَى الْبِنْتِ وَالْبِنْتُ عَلَى الأُمِّ وَالْحَمَاةُ عَلَى كَنَّتِهَا وَالْكَنَّةُ عَلَى حَمَاتِهَا“.

 

          الله الآب أرسل لنا الابن من السماء لأجل خلاص الكل. لأنه قد أعطى للإسرائيليين الناموس كمعين لهم وذلك بحسب الكتاب، وأيضًا تحدث إليهم بواسطة الأنبياء القديسين عن تلك الأشياء التى كانت نافعة لخلاصهم، وقد وعدهم بالخلاص الذي بواسطة المسيح. لكن عندما جاء الزمان الذي كان ينبغي أن تتم فيه الأشياء التي تنبأ بها الأنبياء منذ القديم، أشرق علينا الرب الذي هو الله. وهو يخبرنا سبب ذلك بهذه الكلمات: ” جئتُ لألقي نارًا على الأرض، فماذا أريد لو اضطرمت!”. لذلك تعالوا لنفحص ما هى طبيعة هذه النار التي يتحدث عنها هنا. هل هي نافعة لمن هم على الأرض؟ هل هي لأجل خلاصهم؟ أم أنها تُعذِّب الناس وتُسبِّب هلاكهم مثل تلك النار المعدَّة لإبليس وملائكته؟

          لذلك نحن نؤكِّد أن النار التي أرسلها المسيح هي لأجل خلاص البشر ونفعهم. وقد تفضَّل الله ومنحنا أن تمتلئ قلوبنا بها. لأن النار هنا هي رسالة الإنجيل المخلِّصة وقوَّة وصاياه. فنحن الذين على الأرض الذين كنا باردين وأموات بسبب الخطية، ونجهل ذاك الذي هو الله بالطبيعة وبالحق، تضرم فينا هذه النار حياة التقوى ونصير “حارِّين في الروح“، بحسب تعبير الطوباوي بولس. وبالإضافة إلى هذا نصير نحن شركاء الروح القدس الذي هو كنار داخلنا، لأننا قد اعتمدنا بالنار والروح القدس، لأننا قد عرفنا الطريق إلى هذا بما يقوله المسيح لنا، فى هذه الكلمات: ” الحق الحق أقول لك إن كان أحد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله” (يو3: 5).

          علاوة على هذا، فمن عادة الكتاب الموحَى به من الله أن يُعطِي أحيانًا اسم النار للكلمات الإلهية والمقدَّسة وللفاعلية والقوة التي بالروح القدس، والتي بها نصير كما قلت: “حارِّين في الروح“. لأن أحد الأنبياء القديسين تكلم الله فيه من جهة المسيح مخلِّصنا هكذا: ” يأتي بغتة إلى هيكله السيد الذي تطلبونه وملاك العهد الذي تُسرُّون به، هوذا يأتي قال الرب، ومن يحتمل يوم مجيئه، أو من يَثبُت عند ظهوره، لأنه مثل نار المُمحّص، ومثل أشنان القصَّار، فيجلس كمن هو منقِّيًا وممحِّصًا… كالفضة وكالذهب” (ملا 3: 1ـ3 س). وهو هنا يقصد الجسد المقدس بالحق وغير الدنس، الذي قد وُلِد من العذراء القديسة بواسطة الروح القدس بقوة الآب، لأنه هكذا قيل للعذراء المباركة: ” الروح القدس يحل عليكِ وقوة العلى تظّللك” (لو1: 35). وهو دعاه ” ملاك العهد” لأنه يُعرِّفنا مشيئة الآب الصالحة، ويخدم هذه المشيئة بالنسبة لنا. لأنه هو نفسه قال لنا: ” لأنِّي أعلمتكم بكل ما سمعته من أبي” (يو15:15). وأيضًا إشعياء النبي يكتب هكذا من جهته: ” لأنه يولد لنا ولد نُعطَى ابنًا وتكون الرياسة على كتفه، ويُدعَى اسمه ملاك المشورة العُظمَى” (إش9: 6س). لذلك كما أن الذين يعرفون كيف يُنقُّون الذهب والفضة، فإنهم يذيبون الشوائب التى فيهما باستخدام النار، كذلك أيضًا مخلِّص الكل ينقى قلوب كل الذين قد آمنوا به، بواسطة تعاليم الإنجيل بقوة الروح.

  وفضلاً عن ذلك قال إشعياء النبي أيضًا إنه، ” رأى رب الجنود جالسًا على كرسي عال ومرتفع، وحوله وقف السيرافيم يُسبِّحونه” بعد ذلك قال هو لنفسه: ” ويل لي إنِّي هلكت لأني إنسان نجس الشفتين وأنا ساكن بين شعب نجس الشفتين، لأن عيني قد رأتا الملك رب الجنود” (إش6: 1 و2 و3 و5). ولكنه يضيف إلى هذا أنه ” طار إليَّ واحد من السيرافيم وبيده جمرة قد أخذها بملقط من على المذبح، ومسَّ بها فمي وقال إنَّ هذه قد مسَّت شفتيك فانتُزِع إثمك وكُفِّر عن خطيتك” (إش6:6و7)، فأي تفسير إذن يجب أن نضعه للجمرة التي مسَّت شفتي النبي وطهَّرته من كل خطية؟ من الواضح أنها رسالة الخلاص، وإقرار الإيمان بالمسيح، فإن كل من يعترف به بفمه يتطهَّر تمامًا وفي الحال. وهذا الأمر يؤكده لنا بولس قائلاً: ” لأنك إن اعترفت بفمك بالرب يسوع وآمنت بقلبك أن الله أقامه من الأموات خلصت” (رو10: 9).

          لذلك نحن نقول إن قوة الرسالة الإلهية تشبه جمرة حيَّة وتشبه النار. ورب الكل قال في موضع ما لإرميا النبي، ” هأنذا جاعل كلامي في فمك نارًا“، ” وهذا الشعب حطبًا فتأكلهم” (إر5: 49) وأيضًا ” أليس كلامي هكذا كنار يقول الرب” (إر23: 29 س). لذلك فبحق قال لنا ربنا يسوع المسيح، ” جئت لألقي نارًا على الأرض، فماذا أريد لو اضطرمت؟” (لو12: 49). لأن بعضًا من الجمع اليهودى آمنوا به، وباكورة هؤلاء كانوا التلاميذ القديسين. والنار إذ تشتعل مرة فإنها حالاً ما تمسك بكل العالم، وفي الحال يصل التدبير إلى كماله سريعًا، أي أنه قد احتمل آلامه الثمينة على الصليب وأَمَر رباطات الموت أن تتوقف. لأنه قام في اليوم الثالث من بين الأموات.

          وهو يعلِّمنا هذا بقوله: ” ولي صبغة أصطبغها وكيف أنحصر حتى تكمل!” (لو12: 50). ويقصد بصبغته، موته بالجسد، ويقصد بكونه ينحصر بسببها، أنه كان حزينًا ومضطربًا إلى أن اكتملت، لأنه ما الذي كان سيحدث حينما تكتمل؟ الذي كان سيحدث هو أن رسالة الإنجيل المخلِّصة يُكرَز بها ليس في اليهودية فقط. وهو يقارن هذا بالنار عندما يقول: ” جئت لألقي نارًا على الأرض“، بل ينبغي أن تنتشر الآن إلى العالم كله، لأن الكرازة بوصايا وبمجد معجزاته الإلهية كان منحصرًا في اليهودية فقط قبل صليبه الثمين وقيامته من الأموات، ولكن بسبب أن إسرائيل أخطأوا إليه، إذ قتلوا رئيس الحياة فإنه قام سالبًا ـ القبر ـ الغنيمة التي كان قد اغتنمها. وفى الحال أَعطى وصية لرسله القديسين قائلاً: “ اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس، وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيكم به” (مت28: 19، 20). لذلك ها أنتم ترون أن تلك النار الإلهية والمقدسة قد انتشرت في كل الأمم بواسطة الكارزين القديسين.

          وقد تحدث المسيح عن الرسل القديسين والبشيرين، بواسطة أحد الأنبياء في موضع ما فقال: ” وسيحدث فى ذلك اليوم أني أجعل رؤوس الألوف ليهوذا كمصباح نار بين الحطب وكمشعل نار بين الحزم، فيأكلون كل الشعوب حولهم عن اليمين وعن اليسار” (زك12: 6). وكأنهم أكلوا الشعوب كنار واغتذوا بالأرض كلها، وأشعلوا كل سكانها، الذين ـ كما قلت ـ كانوا باردين وكانوا يعانون من موت الجهل والخطية.

          هل تريد أن ترى تأثيرات هذه النار الإلهية والعقلية؟ اسمع إذن مرَّة أخرى كلماته:    ” أتظنون أني جئت لأعطي سلامًا على الأرض، كلا أقول لكم، بل انقسامًا” (لو12: 51). ومع ذلك فالمسيح هو سلامنا بحسب الكتب ” أنه نقض حائط السياج المتوسط،… لكي يوحِّد الشعبين في إنسان واحد جديد، صانعًا سلامًا، ويصالح الاثنين فى جسد واحد مع الآب” (أف2: 4، 15). لقد وحَّد الأشياء السفلى بالأشياء العليا، فكيف يكون أنه لم يأت ليعطي سلامًا على الأرض؟ فماذا نقول إذن عن هذه الأشياء؟ ذلك السلام هو مُكرَّم، وهو بالحق أمر سامي جدًّا، ذلك أنه معطَى لنا من الله لأن الأنبياء أيضًا يقولون: ” يا رب أعطنا سلامك لأن كل شيء قد أعطيتنا” (إش26: 12س). لكن ليس كل سلام هو بالضرورة يخلو من العيوب. لأنه يوجد أحيانًا سلام غير مضمون، مثل هذا السلام يفصل عن محبة الله أولئك الذين لا تمييز لهم ولا فحص عندهم بل هم يرفعون من قيمة هذا السلام أكثر مما يستحق. ومثلاً فإن التصميم على تحاشي الأشرار، وعلى أن نرفض أن تكون فى سلام معهم وأعني به أن لا نقبل أن نشاركهم فى نفس عواطفهم ـ هو شيء مفيد ونافع لنا. وبنفس الطريقة فإن الاتجاه المضاد هو مؤذي لأولئك الذين آمنوا بالمسيح وأدركوا معرفة سرّه، فمن غير النافع لمثل هؤلاء أن يرتضوا اتِّباع نفس المشاعر مثل أولئك الذين ابتعدوا عن الطريق المستقيم، وسقطوا فى شبكة الضلال الوثني، أو أُمسكوا فى حبائل الهرطقات الخبيثة، إنه لأمر كريم أن نقاوم مثل هؤلاء، وأن نتهيَّأ للحرب ضدهم وأن نفتخر بالتمسُّك بمشاعر عكس مشاعرهم. وحتى إن كان ذلك الذي لا يؤمن هو أب، فيكون الابن غير ملام عندما يناقضه ويقاوم آراءه.

          وبنفس الطريقة أيضًا لو كان الأب مؤمنًا ومخلِصًا لله، لكن له ابن عاصي وله دوافع شريرة وهو يقاوم مجد المسيح، فإن الأب يكون أيضًا غير مُلام لو تجاهل العواطف الطبيعية من الأبوة له. ونفس الوضع يكون من جهة الأم والابنة، والكنَّة والحماة. لأنه من الصواب أن أولئك الذين هم فى ضلال ينبغي أن يتبعوا ذوي التفكير الصحيح، وليس العكس، إن أولئك الذين اختاروا أن تكون لهم مشاعر صحيحة ولهم معرفة سليمة بمجد الله يجب ألا يستسلموا للأشرار.

          وهذا أعلنه المسيح لنا أيضًا بطريقة أخرى فقال: ” من أحب أبًا أو أمًا أكثر مني فلا يستحقني ومن أحب ابنًا أو ابنة أكثر مني فلا يستحقني” (مت10: 37). لذلك عندما تُنكِر أباك بالجسد لأجل تقواك تجاه المسيح، فإنك ستقتني لك أبًا أي الآب الذي هو في السموات. ولو أنك تخلَّيت عن أخيك لأنه أهان الله برفضه أن يخدمه، فالمسيح سيقبلك كأخ له، لأنه مع إنعاماته الأخرى قد أعطانا هذه العطية أيضًا قائلاً: ” أُخبِر باسمك إخوتي” (مز21: 22 س). اترك أمك بحسب الجسد واتخذ لك تلك التي هي فوق، أورشليم السماوية ” التى هي أمنا جميعًا” (غلا4: 26). وهكذا سوف تجد نَسَبًا مجيدًا وعاليًا في أسرة القديسين. ومعهم ستصير وارثًا لمواهب الله، التي لا يمكن للعقل أن يدركها ولا للسان أن يخبر بها، التي يمكن أن نُحسَب أهلاً لها بنعمة ورأفة ومحبة المسيح، مخلِّصنا كلنا، الذي به ومعه لله الآب يليق التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى دهر الدهور آمين.

 

جئت لألقى نارًا على الأرض – إنجيل لوقا 12 ج9 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

الوكيل الأمين الحكيم – إنجيل لوقا 12 ج8 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

الوكيل الأمين الحكيم – إنجيل لوقا 12 ج8 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

الوكيل الأمين الحكيم – إنجيل لوقا 12 ج8 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو12: 41ـ 48) “ فَقَالَ لَهُ بُطْرُسُ: يَا رَبُّ أَلَنَا تَقُولُ هَذَا الْمَثَلَ أَمْ لِلْجَمِيعِ أَيْضاً؟. فَقَالَ الرَّبُّ: فَمَنْ هُوَ الْوَكِيلُ الأَمِينُ الْحَكِيمُ الَّذِي يُقِيمُهُ سَيِّدُهُ عَلَى خَدَمِهِ لِيُعْطِيَهُمُ الْعُلُوفَةَ فِي حِينِهَا؟. طُوبَى لِذَلِكَ الْعَبْدِ الَّذِي إِذَا جَاءَ سَيِّدُهُ يَجِدُهُ يَفْعَلُ هَكَذَا!. بِالْحَقِّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّهُ يُقِيمُهُ عَلَى جَمِيعِ أَمْوَالِهِ. وَلَكِنْ إِنْ قَالَ ذَلِكَ الْعَبْدُ فِي قَلْبِهِ: سَيِّدِي يُبْطِئُ قُدُومَهُ فَيَبْتَدِئُ يَضْرِبُ الْغِلْمَانَ وَالْجَوَارِيَ وَيَأْكُلُ وَيَشْرَبُ وَيَسْكَرُ. يَأْتِي سَيِّدُ ذَلِكَ الْعَبْدِ فِي يَوْمٍ لاَ يَنْتَظِرُهُ وَفِي سَاعَةٍ لاَ يَعْرِفُهَا فَيَقْطَعُهُ وَيَجْعَلُ نَصِيبَهُ مَعَ الْخَائِنِينَ. وَأَمَّا ذَلِكَ الْعَبْدُ الَّذِي يَعْلَمُ إِرَادَةَ سَيِّدِهِ وَلاَ يَسْتَعِدُّ وَلاَ يَفْعَلُ بِحَسَبِ إِرَادَتِهِ فَيُضْرَبُ كَثِيراً. وَلَكِنَّ الَّذِي لاَ يَعْلَمُ وَيَفْعَلُ مَا يَسْتَحِقُّ ضَرَبَاتٍ يُضْرَبُ قَلِيلاً. فَكُلُّ مَنْ أُعْطِيَ كَثِيرًا يُطْلَبُ مِنْهُ كَثِيرٌ وَمَنْ يُودِعُونَهُ كَثِيرًا يُطَالِبُونَهُ بِأَكْثَرَ“.

 

          إنه أمر صالح ويؤدِّي إلى خلاصنا أن نوجِّه نظرة سريعة نفَّاذة من عقلنا إلى كلام الله، لأنه مكتوب عن الكلمات التى يقولها الله: ” من هو حكيم حتى يفهم هذه الأمور، أو فهيم حتى يعرف معناها” (هو14: 9س)، لأن مجرد السماع وقبول الكلمة المنطوقة في الأذن، هو أمر مشترك بين الناس: للحكماء ولغير الحكماء، لكن عادة النفاذ العميق إلى الأفكار النافعة يوجَد فقط لدى من هم بالحق حكماء. لذلك فلنطلب هذا الأمر من المسيح، لنقتدى بالطوباوي بطرس ذلك التلميذ المختار، ذلك الوكيل الأمين، والمؤمن الحقيقى، الذي عندما سمع المسيح يقول كلامًا له منفعة عظيمة لهم، طلب أن يشرح له (الرب) ما قاله، ولم يَدَع الأمر يعبر بدون فهم، لأنه لم يكن قد أدرك معناه بوضوح بعد، لأنه قال: ” يا رب ألنا تقول هذا المثل أم للجميع أيضًا؟” (لو12: 14). إنه يسأل: هل هذا قانون عام يسري على الكل بالتساوي، أم هو يناسب فقط أولئك الذين هم أعلى من الباقين؟ فما الذي أزعج التلميذ الحكيم، أو ما الذي جعله يرغب أن يتعلَّم أمورًا كهذه من المسيح؟ لذلك فسوف نناقش هذه النقطة أولاً.

          إذن توجد بعض وصايا تناسب فقط أولئك الذين قد وصلوا إلى الكرامات الرسولية، أولئك الذين امتلكوا معرفة أكثر من المعتاد وامتلكوا فضائل روحية أعظم، بينما هناك وصايا أخرى تخُص من هم فى حالة أدنى، ويمكننا أن نرى مما كتبه المغبوط بولس إلى بعض تلاميذه أن هذا الكلام الصحيح ـ بحسب ما قلته: ” سقيتكم لبنًا لا طعامًا لأنكم لم تكونوا بعد تستطيعون، بل والآن أيضًا لا تستطيعون، أما الطعام القوي فللبالغين الذين بسبب التمرُّن قد صارت لهم الحواس مدرَّبة على التمييز بين الخير والشر” (كو3: 2)، (عب5: 14). فمثلاً كما أن الأحمال الثقيلة جدًّا يمكن أن يحملها أشخاص لهم بِنيَة قوية جدًّا، وهذا ما لا يقدر عليه ذوو البنية الضعيفة، هكذا يمكننا أن نتوقَّع بصواب مِن أصحاب الذهن القوي أن يُتمِّموا الوصايا البسيطة والسهلة جدًّا والخالية من كل صعوبة، فإنها تناسب أولئك الذين لم يصلوا بعد إلى هذه القوَّة الروحية. لذلك فإن الطوباوي بطرس إذ فكَّر في نفسه في قوة الكلام الذي قاله المسيح، سأل بصواب، هل يشير كلام الرب إلى كل المؤمنين، أم هم وحدهم أي الذين دعوا، وخاصة أولئك الذين شُرِّفوا بعطية السلطات الرسولية؟

          وماذا كان جواب ربنا؟ إنه استخدم مثالاً واضحًا صريحًا جدًّا، ليظهِر أن الوصية موجَّهة بنوع خاص إلى أولئك الذين يشغلون مركزًا أكثر كرامة، وقد قُبِلوا في رتبة المعلِّمين. لأنه يقول: ” فمن هو الوكيل الأمين الحكيم الذي يقيمه سيده على خدمه ليعطيهم طعامهم فى حينه” (لو12: 42). إنه يقول: ” لنفترض رب بيت كان مزمعًا أن يسافر في رحلة، أَوْكَلَ لواحد من عبيده الأُمناء مهمَّة تدبير كل بيته، لكى يعطي أهل البيت (أي خدَمَه)، الطعام المستحق لهم في حينه. ويقول، لذلك عندما يعود إلى بيته، إن وجده يفعل هكذا كما أمره، سيكون ذلك العبد مغبوطًا جدًّا ويقول إنه سوف يقيمه على جميع أمواله. ولكن إن كان مهملاً وكسولاً ويُسرّ بضرب العبيد رفاقه ويأكل ويشرب مُستسلِمًا لأهوائه وشهواته، فحينما يأتي سيد ذلك العبد في يوم لا ينتظره، وفي ساعة لا يعرفها فإنه سيشقّه من وسطه، أي أنه سيعاقبه بأشر عقوبة”.

          هذا هو المعنى البسيط والواضح للفقرة، والآن إن ثبَّتنا ذهننا بدقَّة في النص، سنرى ما هو المقصود به، وكيف أنه نافع لأولئك الذين دُعُوا إلى الرسولية، أي إلى وظيفة المعلِّم. لقد أقامهم المخلِّص كوكلاء على خَدمَه ـ أي على أولئك الذين تمَّ ربحهم بواسطة الإيمان لكى يعرفوا مجده ـ أناس أمناء ولهم فهم عظيم ومتعلِّمين جيدًا في التعاليم المقدسة. وقد أقامهم وأمرهم أن يعطوا العبيد رفقاءهم ما يحق لهم من الطعام، وذلك ليس اعتباطًا وبدون تمييز، بل بالأحرى فى الوقت المناسب وأقصد به الطعام الروحي كما يكفي لكل فرد ويناسبه. لأنه لا يليق أن نقدِّم تعليمًا عن كل النقاط لكل الذين قد آمنوا بالمسيح، لأنه مكتوب: ” معرفة اعرف نفوس قطيعك” (أم27: 23 س). لأن الطريقة التى بها نثبِّت في طريق الحق مَن قد بدأ الآن أن يصير تلميذًا هي مختلفة تمامًا، إذ أننا نستعمل فيها تعليمًا بسيطًا لا يكون فيه شيء عميق أو صعب الفهم، ناصحين إيَّاه أن يهرب من ضلال تعدُّد الآلهة، وبطريقة مناسبة نُقنعه أن يعرف بواسطة جَمَال الأشياء المخلوقة، الصانِع والخالِق العام الذي هو واحد بالطبيعة، وهو الله بالحقيقة. وتلك الطريقة تختلف عن الطريقة التي نُعلِّم بها أولئك الذين هم أكثر ثباتًا فى الذهن، ويقدرون أن يفهموا ما هو العُلُو والعمق والطول والعرض، وأن يدركوا تعريفات اللاهوت الفائق. لأنه كما سبق وقلنا: ” وأما الطعام القوي فللبالغين“.

          لذلك فمن يُقسِّم لرفقائه في العبودية بحكمة، في الوقت المناسب نصيبهم بحسب احتياجهم أي طعامهم، فإنه يكون مغبوطًا جدًّا بحسب كلمة المخلِّص، لأنه سيُحسَب مستحقًّا لأمور أعظم، وسوف ينال مكافأة مناسبة لأمانته. إنه يقول ” لأنه يقيمه على جميع أمواله“. وهذا قد علَّمنا إياه المخلِّص في موضع آخر، حيث يمتدح العبد الأمين والنشيط بقوله: ” نعمًا أيها العبد الصالح والأمين، كنت أمينًا في القليل فأقيمك على الكثير، ادخل إلى فرح سيدك” (مت25: 21).

          ويقول الرب إنه لو أهمل واجبه في أن يكون مجتهدًا وأمينًا، وازدرى بالسهر في هذه الأمور كأنَّ السَّهَر ليس مهمًّا، وجعل ذهنه يسكر بالاهتمامات الدنيويَّة، وسقط في سلوك غير لائق، فيتسلَّط بالقوَّة، ويظلم أولئك الخاضعين له، ولا يعطيهم نصيبهم، فإنه سيكون في قمَّة التعاسة. لأني أظن أن هذا هو المقصود بأنه يُقطع. ويقول “ويجعل نصيبه مع الخائنين“. لأن كل من أساء إلى مجد المسيح، أو تجاسر أن يستخف بالقطيع المؤتمن على رعايته، فإنه لا يختلف مِن أي ناحية عن أولئك الذين لم يعرفوا الرب أبدًا، ومثل هؤلاء الأشخاص سيُحسبون بحق ضمن أُولئك الذين لم يعرفوا الرب أبدًا. ومثل هؤلاء الأشخاص سيحسبون بحق ضمن أولئك الذين ليس لهم محبة نحو الرب، لأن المسيح أيضًا قال ذات مرَّة للمغبوط بطرس: ” يا سمعان بن يونا، أتحبني! ارع خرافي، وارع غنمي” (يو21: 16، 17). لذلك إن كان من يرعى خرافى يحبها، هكذا بالطبع فمن يهملها ويترك الخراف التى قد أؤتمن عليها بدون رعاية، فإنه يبغضها، وإن أبغضها فسيعاقَب، ويكون عرضة للدينونة المحكوم بها على غير المؤمنين (الخائنين)، لأنه يُدان بسبب إهماله وازدرائه، وهكذا كان ذلك الذي نال الوزنة ليتاجر بها في الروحيات ولم يفعل، بل بالعكس أحضر ما قد أُعطيَ له بدون ربح قائلاً ” يا سيد عرفتُ أنك إنسان قاس تحصد حيث لم تزرع، وتجمع من حيث لم تبذر، فخفتُ ومضيتُ وأخفيتُ وزنتك في الأرض، هوذا الذي لك” (مت25: 24 ـ25). لكن الذين أخذوا الخمس وزنات أو أكثر منها، وتعبوا وأحبُّوا الخدمة، قد شُرِّفوا بكرامات مجيدة لأن واحدًا منهم سمع القول: ” ليكن لك سلطان على عشر مدن” (لو19: 17ـ19) بينما ذلك العبد المستهتِر والكسول لاقى أقصى دينونة. لذلك فهو خطر أو بالحري يُسبِّب هلاك الناس، أن يكون الإنسان مهملاً في تأدية واجبات الخدمة، ولكن تأديتها بغيرة لا تكل يجلب لنا الحياة والمجد. وهذا يعني أن نتكلم مع العبيد رفقائنا بطريقة سليمة وبدون خطأ في الأمور التي تخص الله، وكل ما من شأنه أن ينفعهم فى الوصول إلى المعرفة والمقدرة على السلوك باستقامة. والمغبوط بطرس أيضًا يكتب إلى بعض الأشخاص قائلاً: ” ارعوا رعية الله التي بينكم، ومَتَى ظهر رئيس الرعاة تنالون مكافأتكم” (انظر 1بط5: 2ـ4).

          ولأن بولس أيضًا يعرف أن الكسل هو باب الهلاك، يقول: “ويل لي إن كنتُ لا أُبشِّر” (1كو9: 16).

          وكون تلك العقوبة المرَّة والحتميَّة تهدِّد كل من هم كسالى في هذا الواجب، هذا ما أظهره المخلِّص في الحال بإضافة مثالين واحدًا بعد الآخر فقال: ” لأن العبد الذي يَعلَم إرادة سيده ولا يستعد ولا يفعل بحسب إرادته فيُضرَب كثيرًا، ولكن الذي لا يَعلَم ويفعل ما يستحق ضربات يُضرَب قليلاً“. والآن فإن الذنب لا جدال فيه في حالة مَن عرف إرادة سيده لكنه أهملها بعد ذلك، ولم يفعل ما كان يجب عليه أن يعمله. فإنَّ هذا ازدراء واضح، لذلك يستحق ضربات كثيرة، لكن لأي سبب أُوقِعَت ضربات قليلة على من لم يعرف إرادة سيده ولم يفعلها ! لأنه ربما يسأل أحد، كيف يمكن لمن لم يعرف إرادة سيده أن يكون مذنبًا؟ السبب، هو لأنه لم يعرفها رغم أنه كان في مقدوره أن يتعلَّمها. لكن إن كان الذي تُوقَع عليه ضربات كثير بعدل وهو الذي عرف إرادة سيده واحتقرها؟ ” فكل من أعطِيَ كثيرًا يُطلب منه كثيرًا، ومن يودعونه كثيرًا يطالبونه بأكثر” (لو12: 48).

          لذلك، فمن يعلمون دينونتهم كبيرة جدًّا، وهذا أوضحه تلميذ المسيح، بقوله: ” لا تكونوا معلِّمين كثيرين يا إخوتي عالمين أننا نأخذ دينونة أعظم” (يع3: 1). لأن إعطاء المواهب الروحية يكون بسخاء لأولئك الذين هم رؤساء الشعب، لأنه هكذا كتب بولس الحكيم أيضًا فى مكان ما إلى تيموثاوس المغبوط: ” ليعطك الرب فهمًا فى كل شيء” (2تى2: 7) و” لا تُهمل الموهبة التي فيك التي أُعطِيَت لك بوضع يدي” (انظر 2تى1: 6). فهؤلاء الذين أعطاهم مخلِّص الكل كثيرًا هكذا، يطالبهم بكثير. وما هى الفضائل التي يطلبها؟ الثبات فى الإيمان، سلامة التعليم، أن يكونوا راسخين جدًّا في الرجاء، صابرين بلا تزعزع ولهم قوة روحية لا تُغلَب، فرحين وشجعان فى كل إنجاز ممتاز جدًّا، لكي بذلك نكون أمثلة للآخرين في الحياة الإنجيلية لأننا إن عشنا هكذا، فالمسيح سوف ينعم علينا بالإكليل، الذي به ومعه يليق لله الآب التسبيح والسلطان، مع الروح القدس، إلى أبد الآبدين. آمين.

 

الوكيل الأمين الحكيم – إنجيل لوقا 12 ج8 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

الاستعداد والسهر – إنجيل لوقا 12 ج7 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

الاستعداد والسهر – إنجيل لوقا 12 ج7 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

الاستعداد والسهر – إنجيل لوقا 12 ج7 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو12: 35ـ40) ” لِتَكُنْ أَحْقَاؤُكُمْ مُمَنْطَقَةً وَسُرُجُكُمْ مُوقَدَةً. وَأَنْتُمْ مِثْلُ أُنَاسٍ يَنْتَظِرُونَ سَيِّدَهُمْ مَتَى يَرْجِعُ مِنَ الْعُرْسِ حَتَّى إِذَا جَاءَ وَقَرَعَ يَفْتَحُونَ لَهُ لِلْوَقْتِ. طُوبَى لأُولَئِكَ الْعَبِيدِ الَّذِينَ إِذَا جَاءَ سَيِّدُهُمْ يَجِدُهُمْ سَاهِرِينَ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّهُ يَتَمَنْطَقُ وَيُتْكِئُهُمْ وَيَتَقَدَّمُ وَيَخْدِمُهُمْ. وَإِنْ أَتَى فِي الْهَزِيعِ الثَّانِي أَوْ أَتَى فِي الْهَزِيعِ الثَّالِثِ وَوَجَدَهُمْ هَكَذَا فَطُوبَى لأُولَئِكَ الْعَبِيدِ. وَإِنَّمَا اعْلَمُوا هَذَا: أَنَّهُ لَوْ عَرَفَ رَبُّ الْبَيْتِ فِي أَيَّةِ سَاعَةٍ يَأْتِي السَّارِقُ لَسَهِرَ وَلَمْ يَدَعْ بَيْتَهُ يُنْقَبُ. فَكُونُوا أَنْتُمْ إِذًا مُسْتَعِدِّينَ لأَنَّهُ فِي سَاعَةٍ لاَ تَظُنُّونَ يَأْتِي ابْنُ الإِنْسَانِ“.

 

          يخاطبُ المرنمُّ المسيحَ مخلِّص الجميع في موضع ما قائلاً: ” وصيَّتُك واسعة جدًّا” (مز118: 96 س). ويمكن لأي إنسان أن يرى إن أراد ـ من الوقائع ذاتها أن هذا القول صحيح، فإن الله لكي يقودنا إلى الخلاص يهيئ لنا سبلاً لا حصر لها غير محصاة، وهو يجعلنا نتعرَّف على كل عمل صالح، حتى إذا ما ربحنا إكليل التقوى لتتويج رؤوسنا، وتمثَّلنا بسلوك القديسين السامي، فإنه يمكننا أن نَصِل إلى ذلك النصيب الذي أُعِدَّ لهم بحسب ما هو ملائم. لهذا فهو يقول: ” لتكن أحقاؤكم مُمنطقة ومصابيحكم موقدة “، فهو يكلمهم كأشخاص لهم اهتمام روحاني، ومرَّة أخرى يصف الأمور العقلية بتشبيهات ظاهرة ومرئية.

          لا يقل أحد إنه يريد أن تكون أحقاؤنا الجسدية ممنطَقَة، ولنا مصابيح موقدة فى أيدينا. مثل هذا التفسير يناسب الغباء اليهودي فقط، ولكن قوله لتكن أحقاؤكم ممنطقة يعني به استعداد الذهن أن يعمل باجتهاد فى كل أمر جدير بالمديح. مثل أولئك الذين ينكبُّون على الأتعاب الجسدية، وينشغلون بأعمال شاقَّة يلزم أن تكون أحقاؤهم ممنطقة. والمصباح حسب الظاهر يُمثِّل، يقظة القلب والفرح العقلي. ونقول إن الذهن البشري يكون يقظًا عندما يَطرُد (عنه) كل ميل إلى الكسل الذي هو غالبًا الوسيلة التى تؤدِّي إلى الاستعباد لكل أنواع الشرور، فحينما يستغرق فى السبات، فإن النور السماوي الذي في داخله يتعرَّض للخطر، بل وقد يكون قد وقع فى الخطر فعلاً بسبب عاصفة ريح عنيفة، لذلك يأمرنا المسيح أن نسهر، فلهذا تلميذه أيضًا ينهضنا بقوله: ” اصحوا واسهروا” (1بط5: 8)، وأكثر من ذلك فإن بولس الحكيم جدًّا أيضًا يقول: ” استيقظ أيها النائم وقم من الأموات فيضيء لك المسيح” (أف5: 14).

 

          لذلك، فمن واجب أولئك الذين يريدون أن يكونوا مشتركين في الحياة الأبدية، وهم يثِقُون بصورة يقينية أن المسيح سوف ينزل فى الوقت المعيَّن من السماء كديَّان، من واجب هؤلاء ألاَّ يكونوا متراخين ويذوبون متحلِّلين في الملذات، ولا يكونون كأنهم منسكبون ومنصهرون بانغماسهم فى الشهوات العالمية، بل بالأحرى لتكن إرادتهم ممنطَقَة بشِدَّة، وأن يكونوا متميِّزين بغيرتهم في الاجتهاد في تلك الواجبات التي يُسرّ بها الله كثيرًا، ويجب أكثر من ذلك أن يكون لهم ذهن ساهر ويقِظ ويتمَّيزون بمعرفة الحق وأن يكونوا موهوبين بغنى بإشعاع رؤية الله، حتى يحق لهم أن يفرحوا بهذا قائلين: ” لأنك أنت يا رب ستضيء سراجي، أنت يا إلهي ستنير ظلمتي” (مز17: 28 س).

 

          إن مثل هذا التعبير غير مناسب بالمرَّة للهراطقة، سواء كانوا من المتشيِّعين أو من معلِّميهم، لأن المسيح نفسه قال: ” الظلمة أعمت عيونهم” (يو12: 40)[1]، وهذا ما يشرحه لنا بولس بقوله إن: ” إله هذا الدهر قد أعمى أذهان غير المؤمنين لئلا تضيء لهم إنارة إنجيل مجد المسيح” (2كو4:4). لذلك فمن الواجب علينا، أن نتحاشى بحرص كلماتهم الزائفة، وألاَّ نحيد عن تعاليم الحق، وألا نفسح مجالاً في أذهاننا لظلمة الشيطان، بل بالأحرى نقترب من النور الحقيقي، الذي هو المسيح، ونُسبِّحه بمزامير ونقول: ” أنر عيني لئلا أنام إلى الموت” (مز12: 3 س)، لأنه في حقيقة الأمر فإن السقوط من استقامة التعاليم الصحيحة واختيار الكذب بدلاً من الحق، هو موت ـ ليس موت للجسد ـ بل هو موت للنفس. فلتكن إذن أحقاؤنا ممنطقة ومصابيحنا موقدة بحسب ما قد قاله لنا الرب هنا. فلنعرف أيضًا أن ناموس موسى الحكيم جدًّا قد أمر الإسرائيليين بشيء من هذا القبيل، فقد كان يذبح فى اليوم الرابع عشر من الشهر الأول حَمَل كمثال للمسيح (خر12: 6)، ” لأن فصحنا أيضًا، المسيح قد ذُبِح لأجلنا” (1كو5: 7)، بحسب شهادة المقدَّس جدًّا بولس، و”معلِّم الأقداس”[2] موسى، بل بالحري الله نفسه بواسطته، أمرهم عندما يأكلون لحم الخروف قائلاً: ” لتكن أحقاؤكم ممنطقة وأحذيتكم فى أرجلكم وعصيِّكم في أيديكم” (خر12: 11). لذلك أنا أؤكد أنه من الواجب على الذين هم شركاء المسيح، أن يحذروا الكسل العقيم بل بالحري ألا تكون أحقاؤهم غير ممنطقة وسائبة، ولكن أن يكونوا مستعدِّين بابتهاج أن يقوموا بكل الأعمال والأتعاب اللائقة بالقديسين، وإلى جوار ذلك أن يُسرعوا بنشاط وفرح إلى حيثما يقودهم ناموس الله. ولهذا السبب فقد أوصى بما هو مناسب جدًّا لهم أن يلبسوا ثياب المسافرين (في الفصح)[3].

 

          فقد علَّمنا المسيح أن ننتظر مجيئه ثانية من السماء لأنه سيأتي في مجد الآب مع الملائكة القديسين، ولذلك قال لنا: ” وأنتم تشبهون أناسًا ينتظرون سيدهم متى يرجع من العرس، حتى متى جاء وقرع يَفتحون له الوقت“. لأن المسيح سوف يرجع كما من عرس، ومن هذا يظهر بوضوح أن الله يسكن في بهجة دائمة كما يليق به. لأنه لا توجد في السماء أي أحزان بالمرَّة، حيث لا يستطيع شيء أن يُحزِن تلك الطبيعة التى لا تقبل التألُّم، أو التأثُّر بأي نوع من الأوجاع بالمرَّة.

 

          لذلك فعندما يأتي ويجدنا ممنطَقين وساهرين وقلبنا مستنير، عندئذ فإنه في الحال سوف يجعلنا مبارَكين، لأنه ” يتمنطَق ويخدمهم“، ومن هذا نتعلم أنه سوف يكافئنا على أتعابنا، وبسبب أننا نبدو مجهَدين من التعب، فإنه يريحنا ويضع أمامنا موائد روحانية، ويبسط المائدة السخيَّة لمواهبه الخاصة.

 

          ويقول: ” وإن أتى في الهزيع الثاني أو أتى في الهزيع الثالث فطوبى لهم“. أرجوكم أن تلاحظوا هنا، اتِّساع الكَرَم الإلهي وسخاء لطفه من نحونا، لأنه يعرف حقًّا طبيعتنا، والاستعداد الذي به ينحرف عقل الإنسان نحو الخطية. إنه يَعلَم أن قوَّة الشهوة الجسدية تستبد بنا، وأن ارتباكات هذا العالم ـ كما لو كانت ـ تجرنا ضد إرادتنا بالقوة، وتقود الذهن إلى كل ما هو غير لائق، ولكن لأنه هو صالح، فإنه لم يتركنا لليأس بل على العكس، يشفق علينا، وقد أعطانا التوبة كدواء للخلاص، لهذا فطوبى لهم. والآن لابد أنكم تريدون فهم معنى هذه الكلمات بوضوح. إن الناس عادة يقسمون الليل إلى ثلاث أو أربع فترات (أهزعة). لأن حُرَّاس أسوار المدينة، الذين يراقبون تحركات العدو، بعد قيامهم بالحراسة ثلاث أو أربع ساعات، يُسلِّمون السهر والحراسة إلى آخرين. هكذا بالنسبة لنا، فإنه يوجد ثلاث مراحل: الأولى، هي التي نكون فيها أطفالاً، والثانية هي التي نكون فيها شبابًا، والثالثة هي التي نصل فيها إلى الشيخوخة. والآن فأوَّل هذه المراحل التى فيها كُنَّا لا نزال أطفالاً، لا نحاسَب عنها أمام الله، بل هي مرحلة تُحسب مستحقَّة للعفو، بسبب أن العقل يكون فيها ناقصًا، والفهم ضعيفًا. أمَّا الثانية والثالثة، اللتان هما مرحلتا الرجولة والشيخوخة، فنحن يكون علينا فيهما واجب الطاعة لله والعيشة بالتقوى، بحسب مسرته الصالحة. لذلك، فكل من يوجد ساهرًا متمنطقًا حسنًا ـ سواء كان لا يزال شابًا أم قد صار شيخًا ـ فإنه سوف يكون مغبوطًا، لأنه سوف يُحسب مستحقًّا للحصول على مواعيد المسيح.

 

          وبوصيَّته لنا أن نسهر، فإنه يضيف أيضًا لأجل سلامتنا، مثلاً واضحًا بسيطًا، وهذا (المَثَل) يرينا بطريقة رائعة جدًّا، أنه من الخطر أن نسلك بغير ذلك. لأنه يقول: “وإنما اعلَموا هذا أنه لو عرف رب البيت في أية ساعة يأتي السارق لسهر ولم يدع بيته يُنقَب، فكونوا أنتم إذن مستعدين لأنه في ساعة لا تظُنُّون يأتي ابن الإنسان“. وكما قال تلميذه: ” سيأتي كلص في الليل يوم الرب الذي فيه تزول السموات بضجيج وتنحل العناصر محترقة وتحترق الأرض والمصنوعات التى فيها، ولكننا ننتظر بحسب وعده سموات جديدة وأرضًا جديدة” (2بط3: 10، 13)، ويضيف إلى هذا: ” فبما أن هذه كلها تنحلّ، فأي أناس يجب أن تكونوا أنتم في سيرة مقدَّسة وبلا لوم أمامه؟” (2بط3: 11). لأنه لا يعلم أحد أبدًا وقت انحلال كل الأشياء، الذي فيه سيظهر المسيح من فوق، من السماء، ليدين المسكونة بالعدل، عندئذ سوف يعطِي أكليلاً لا يفنى للذين يسهرون، لأنه هو المُعطِي، ومُوزِّع وواهب العطايا الإلهية، الذي به ومعه لله الآب التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى دهر الدهور. آمين.

 

[1] من الواضح أن القديس كيرلس في هذا الاقتباس قد أدمج (يو40:12) مع (1يو11:2) حيث يقول: ” لأن الظلمة أعمت عيونهم“.

[2] معلِّم الأقداس هى ترجمة للكلمة اليونانية Hierophant وهى لقب للكاهن الإغريقي القديم (ويستعملها القديس كيرلس ليعبِّر عن سمو قدر موسى كوسيط للعهد القديم ومعلِّم الشعب فيما يخص أقداس الله وعبادته).

[3] يقصد القديس كيرلس أن شركاء المسيح يجب أن يمنطقوا أحقاؤهم بشدَّة وأن يلبسوا ثياب المسافرين أي كأناس عابرين في طريقهم إلى السماء، وهذا هو معنى كلمة في الفصح أي لأن كلمة فصح تعني العبور من الموت إلى الحياة ومن الهلاك إلى الخلاص ومن العبودية إلى الحرية ومن الأرض إلى السماء.

الاستعداد والسهر – إنجيل لوقا 12 ج7 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

الكنز السماوي – إنجيل لوقا 12 ج6 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

الكنز السماوي – إنجيل لوقا 12 ج6 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

الكنز السماوي – إنجيل لوقا 12 ج6 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو12: 32ـ34) ” لاَ تَخَفْ أَيُّهَا الْقَطِيعُ الصَّغِيرُ لأَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ سُرَّ أَنْ يُعْطِيَكُمُ الْمَلَكُوتَ. بِيعُوا مَا لَكُمْ وَأَعْطُوا صَدَقَةً. اِعْمَلُوا لَكُمْ أَكْيَاسًا لاَ تَفْنَى وَكَنْزًا لاَ يَنْفَدُ فِي السَّمَاوَاتِ حَيْثُ لاَ يَقْرَبُ سَارِقٌ وَلاَ يُبْلِي سُوسٌ. لأَنَّهُ حَيْثُ يَكُونُ كَنْزُكُمْ هُنَاكَ يَكُونُ قَلْبُكُمْ أَيْضًا“.

 

          يتنازل المخلِّص مرَّة أخرى لينعم علينا بطريق يؤدِّي إلى الحياة الأبدية، ويفتح لنا باب الخلاص بسِعَة، حتى عندما نسافر على هذا الطريق، ونزيِّن النفس بكل فضيلة، يمكننا أن نصل إلى المدينة التي هي فوق، والتي شهد عنها النبي إشعياء أيضًا قائلاً: “وستنظر عيناك أورشليم، المدينة الغنيَّة، الخيمة التي لا تُقلَع أوتادها إلى الأبد” (إش33: 20س). لأن تلك الخيمة التي في السماء هي غير متزعزعة، والفرح الذي لا ينتهي هو نصيب أولئك الذين يسكنون فيها. والرب يرينا طبيعة الطريق الذي يقودنا إلى هناك بقوله: ” لا تخف، أيها القطيع الصغير، لأن أباكم قد سُرَّ أن يعطيكم الملكوت“. هذا، إذن هو حقًا العزاء الروحاني، والطريق الذي يقودنا إلى الإيمان اليقيني.

          لذلك، أظن أنه يجب علىَّ قبل كل شيء أن أُوضِّح لكم السبب الذي لأجله تكلم المخلِّص بكلمات مثل هذه، لأنه بذلك يصير المعنى الكامل للفقرة التى أمامنا أكثر وضوحًا للسامعين. لذلك عندما يعلِّم المخلِّص تلاميذه أن لا يكونوا محبِّين للمال، فهو أيضًا يحوِّلهم عن القلق الدنيوي، وعن الأتعاب الباطلة والترف وأُبَّهة الملابس الفاخرة، وكل العادات الرديئة التى تتبع هذه الأمور، ويحثهم بالحري أن يكونوا جادِّين بشجاعة في السعي وراء الأمور التى هي صالحة وممتازة جدًّا، بقوله: ” لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون ولا للجسد بما تلبسون. لأن الحياة أفضل من الطعام والجسد أفضل من اللباس” وأضاف أيضًا إلى هذا: ” إن أباكم الذي في السماء يعلم أنكم تحتاجون إلى هذه” (لو12: 22 و23 و30).

          فقد أَعلَن كقاعدة عامة ـ نافعة وضرورية للخلاص ـ ليس فقط للرسل القديسين، بل لكل الساكنين على الأرض، أن الناس يجب أن يطلبوا ملكوته، وهم متيقِّنون أن ما يعطيه هو سيكون كافيًا لهم، حتى أنهم لن يكونوا فى احتياج إلى أي شيء بالمرَّة. لأنه ماذا يقول؟ ” لا تخف أيها القطيع الصغير“. وهو يعنى بـ” لا تخف“، أنهم ينبغي أن يؤمنوا بكل يقين، وبلا أدنى شك أن أباهم السماوي سيعطي وسائل الحياة للذين يحبونه. وهو لن يهمل خاصته، بل بالحري سوف يفتح يده لهم (انظر مز104: 28) وهى التي تُشبِع دائمًا الكون كله بالخير.

  وما هو البرهان على هذه الأمور؟ هو يقول إنَّ ” مسرَّة أبيكم الصالحة أن يعطيكم الملكوت“، وذلك الذي يعطي أشياء عظيمة وثمينة بهذا المقدار، ويعطي ملكوت السموات، فكيف يمكن أن تكون إرادته غير مستعدَّة للشفقة علينا، أو كيف لا يُزوِّدنا بالطعام واللباس؟ لأن أي خير أرضي يتساوى مع الملكوت السماوي؟ أو ما هو الذي يستحق أن نقارنه بتلك البركات، التى سيعطيها الله لنا، والتي لا يستطيع الفهم أن يدركها، ولا الكلمات أن تصفها ” ما لم تره عين، وما لم تسمع به أذن ولم يخطر على قلب إنسان، الأمور التي أعدها الله للذين يحبونه” (1كو2: 9). فحينما تَمدح الغِنى الأرضي، وتَعجَب بالسلطان العالمي، فإن هذه الأشياء ليست سوى العدم بالمقارنة بتلك التي أعدَّها الله لنا. لأنه مكتوب: ” لأن كل جسد كعشب وكل مجد إنسان كزهر عشب” (1بط1: 24). وإن تكلَّمت عن الغِنَى الزمني وأسباب الترف وعن الولائم، فهو يقول: ” العالم يمضي وشهوته” (1يو2: 17)، لذلك فأمور الله تفوق بدرجة لا تُقارَن ما يمتلكه هذا العالم، لذلك فإن كان الله يعطي ملكوت السموات لأولئك الذين يحبونه، فكيف يمكن أن يكون غير راغب أن يعطى اللباس؟

          وهو يدعو الذين على الأرض ” القطيع الصغير”.لأننا أقلّ من جموع الملائكة، الذين لا يحصون، ويتفوَّقون بغير قياس في القوة على أمورنا المائتة. وهذا أيضًا قد علَّمنا إياه المخلِّص نفسه، في ذلك المَثَل الوارد في الأناجيل، والذي صيغ ببراعة ممتازة لأجل تعليمنا، لأنه قال: ” أي إنسان منكم له مئة خروف وأضاع واحدًا منها، ألا يترك التسعة والتسعين على الجبال، ويذهب ليطلب ذلك الذي ضل، وإذا وجده فالحق أقول لكم، فإنه يفرح به أكثر من التسعة والتسعين الذين لم يضلُّوا” (لو15: 4ـ5). لاحظوا إذن أنه بينما عدد المخلوقات العقلية يصل إلى مئة، فإن القطيع الذي على الأرض ليس سوى واحد من مئة. ولكن رغم أنه صغير، فى الطبيعة كما في العدد والكرامة، بالمقارنة بجماعات وفِرَق الأرواح غير المحصاة التى هي فوق، إلاَّ أنَّ صلاح الآب الذي يفوق كل وصف قد أَعطَى له أيضًا نصيبًا مع تلك الأرواح المتعالية، وأعني نصيبًا في ملكوت السموات، لأنه قد أعطى الأذن بالدخول لكل من يريد أن يصل إلى هناك.

          ونحن نتعلم من كلمات المخلِّص، الوسائل التي نصل بواسطتها إلى الملكوت، لأنه يقول: “بيعوا ما لكم وأعطوا صدقة“. هذه ربما تكون وصية قاسية ويصعب على الأغنياء أن يحتملوها، لأنه هو نفسه قد قال فى موضع ما: ” ما أعسر دخول الأموال إلى ملكوت الله” (لو18: 24). ومع ذلك فالوصية ليست مستحيلة بالنسبة للذين لهم قلب كامل. فهيَّا بنا، واسمحوا لي أن أُوجِّه كلمات قليلة لأولئك الأغنياء. حوِّل انتباهك قليلاً عن تلك الأمور الزمنية. كُف عن مِثْل هذا الفكر الدنيوي جدًّا، وثبِّت عين عقلك على العالم الآتي فيما بعد، لأنه بلا نهاية. أما هذا العالم فهو محدود وزمنه قصير وفترة حياة كل فرد هنا محدودة بمقياس، أما حياته فى العالم الآتي فهي غير فانية، بل هي دائمة. لذلك فليكن سعينا هو الجري وراء الأمور الآتية، بلا تذبذب أو تردُّد، ولنختزن ككنز لنا، الرجاء فيما سيكون فيما بعد، فلنجمع لأنفسنا مقدَّمًا تلك الأمور، التي بواسطتها سنُحسب عندئذ جديرين بالهبات التى يمنحها الله لنا.

          إنه يحثنا أن نعتني بأنفسنا العناية الواجبة، لذلك هيا بنا نُفكِّر في الأمر بيننا وبين أنفسنا بالرجوع إلى الحسابات البشرية العادية. لنفترض أن واحدًا منا أراد أن يبيع مزرعة خصبة وفيرة الإنتاج، أو إن شئت فعندما يكون هناك بيت جميل جدًّا في بنائه، فإن واحدًا منكم ـ الذي يملك كثيرًا من الذهب ووفرة من الفضة ـ تكون له الرغبة فى شرائه، أفلا يشعر بالسعادة عندما يشتريه، ويقدِّم في الحال النقود التي كانت موضوعة فى خزائنه، بل وقد يضيف إلى ما يمتلكه نقودًا أخرى يقترضها؟ لا أظن أنه يمكن أن يكون هناك شك فى هذا الأمر، بل سوف يشعر بالسعادة في تقديم أمواله، لأن الصفقة لن تعرضه للخسارة بل بالحري فإنَّ توقُّعه للأرباح المستقبلة ستجعله فى نشوة فرح. والآن فإن ما أقوله هو مشابه لهذا إلى حد ما. فإله الكل يقدِّم لك الفردوس لتشتريه، وهناك سوف تحصد حياة أبدية، وفرحًا لا نهاية له، ومسكنًا مكرَّمًا ومجيدًا، ولمجرد وجودك هناك سوف تكون مبارَكًا بحق وسوف تملك مع المسيح. لذلك تعال واقترب، بحماس واشتياق، واشترِ المملكة، واحصل على الأمور الأبدية بهذه الأشياء الأرضية. أعطِ ما هو فانٍ، واربح ما هو ثابت ومضمون، أعطِ هذه الأشياء الأرضية واربح تلك التى فى السماء، أعطِ ما لابد أن تتركه ولو كان ضد إرادتك، لكى لا تفقد الأمور الآتية. أقرِض الله أموالك، حتى تكون غنيًّا بالحقيقة.

          والطريقة التى تُقرض بها يُعلِّمنا إياها بقوله: ” بيعوا ما لكم وأعطوا صدقة. اعملوا لكم أكياسًا لا تفنى وكنزًا لا ينفد (أي كنزًا أبديًّا) في السموات“. ونفس هذا الكلام يعلمنا إياه أيضًا داود المبارك في المزامير، حيث يتكلم بالوحي عن كل رجل صالح ورحوم: ” فرَّق، أعطى المساكين، برّه يبقى إلى الأبد” (مز111: 9 س). لأن الغِنَى الدنيوي له أعداء كثيرون، فاللصوص عديدون، وعالمنا هذا مليء بالظالمين الذين اعتاد بعضهم أن يسلبوا بوسائل خفيَّة، بينما البعض الآخر يستعملون العنف لينتزعوا المال حتى من أصحابه عندما يقاومونهم، أما الكنز الذي يوضع فوق في السماء فلا يسرقه أحد لأن الله هو حافظه، وهو الذي لا ينام.

          وبجانب هذا، فهو أمر سخيف جدًّا، أنه بينما نحن نأتمن عادة الأشخاص المستقيمين على ثروتنا الأرضية ولا نشعر بالخوف من أي خسارة قد تنتج من ثِقتنا في استقامة أولئك الذين استلموها منا، فإننا لا نأتمن الله عليها وهو الذي يستلم منا هذه الأمور الأرضية، كأنها قَرض وهو يعدنا أنه سوف يعطينا أمورًا أبدية مُضافًا إليها الأرباح. لأنه يقول: ” كيلاً جيدًا ملبدًا مهزوزًا فائضًا يعطون فى أحضانكم” (لو6: 38). وكون الكيل فائضًا، فهذا برهان مباشر على وفرتها (الأشياء الأبدية) العظيمة جدًّا.

          اهربوا إذن بعيدًا عن هذا الغِنَى المحب للذَّة، الذي هو والد الشهوات الوضيعة، وهو المحرِّض على الدنس الجسدي، وهو صديق الطمع وصانع الافتخار الباطل، فهو يربط الذهن البشري بأغلال لا تنفك مؤديًِّا به إلى التخنُّث والتراخي من جهة كل ما هو صالح، وهو يمد عنقًا متصلِّبة ومتعالية ضد الله، لأنه لا يخضع لذلك النير الذي يقود إلى التقوى.

          كن رقيقًا، ورحيمًا، وراغبًا فى التواصل مع الآخرين، وبشوشًا. لأن الرب صادق، وهو الذي يقول: ” حيث يكون كنزك هناك يكون قلبك أيضًا“. لأن كل أشواق أولئك الذين يقدَّرون تلك الأشياء الزمنية هي موضوعة فيها، بينما أولئك الذين يشتهون تلك الأشياء التي في السماء فإنهم يوجِّهون عين ذهنهم إلى هناك. لذلك، فكما قلتُ: كن صديقًا لرفقائك ورحومًا بهم. وبولس المبارك يجعلني أتحدَّث إليك حيث يكتب:        ” أوصِ الأغنياء في الدهر الحاضر ألا يستكبروا، ولا يلقوا رجاءهم على الغِنَى غير اليقيني، بل على الله الحي الذي يمنحنا كل شيء بغنى للتمتُّع، وأن يصنعوا صلاحًا، وأن يكونوا أغنياء في أعمال صالحة، مدَّخرين لأنفسهم كنوزًا سوف تكون أساسًا للمستقبل، لكي يمسكوا بالحياة الأبدية” (1تي6: 17 و18 و19). هذه هي الأشياء التي إن مارسناها بجديَّة، فسوف نصير ورثة لملكوت السموات، بالمسيح يسوع، الذي به ومعه لله الآب يليق التسبيح والسلطان مع الروح القدس، إلى دهر الدهور. آمين

 

الكنز السماوي – إنجيل لوقا 12 ج6 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

عدم الاهتمام بالطعام واللباس – إنجيل لوقا 12 ج5 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

عدم الاهتمام بالطعام واللباس – إنجيل لوقا 12 ج5 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

عدم الاهتمام بالطعام واللباس – إنجيل لوقا 12 ج5 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو12: 22ـ31) ” وَقَالَ لِتَلاَمِيذِهِ: مِنْ أَجْلِ هَذَا أَقُولُ لَكُمْ: لاَ تَهْتَمُّوا لِحَيَاتِكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَلاَ لِلْجَسَدِ بِمَا تَلْبَسُونَ لأن اَلْحَيَاةُ أَفْضَلُ مِنَ الطَّعَامِ وَالْجَسَدُ أَفْضَلُ مِنَ اللِّبَاسِ. تَأَمَّلُوا الْغِرْبَانَ: أَنَّهَا لاَ تَزْرَعُ وَلاَ تَحْصُدُ وَلَيْسَ لَهَا مَخْدَعٌ وَلاَ مَخْزَنٌ وَاللهُ يُقِيتُهَا. كَمْ أَنْتُمْ بِالْحَرِيِّ أَفْضَلُ مِنَ الطُّيُورِ!. وَمَنْ مِنْكُمْ إِذَا اهْتَمَّ يَقْدِرُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى قَامَتِهِ ذِرَاعًا وَاحِدَةً؟. فَإِنْ كُنْتُمْ لاَ تَقْدِرُونَ وَلاَ عَلَى الأَصْغَرِ فَلِمَاذَا تَهْتَمُّونَ بِالْبَوَاقِي؟. تَأَمَّلُوا الزَّنَابِقَ كَيْفَ تَنْمُو! لاَ تَتْعَبُ وَلاَ تَغْزِلُ وَلَكِنْ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّهُ وَلاَ سُلَيْمَانُ فِي كُلِّ مَجْدِهِ كَانَ يَلْبَسُ كَوَاحِدَةٍ مِنْهَا. فَإِنْ كَانَ الْعُشْبُ الَّذِي يُوجَدُ الْيَوْمَ فِي الْحَقْلِ وَيُطْرَحُ غَدًا فِي التَّنُّورِ يُلْبِسُهُ اللهُ هَكَذَا فَكَمْ بِالْحَرِيِّ يُلْبِسُكُمْ أَنْتُمْ يَا قَلِيلِي الإِيمَانِ؟. فَلاَ تَطْلُبُوا أَنْتُمْ مَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَشْرَبُونَ وَلاَ تَقْلَقُوا. فَإِنَّ هَذِهِ كُلَّهَا تَطْلُبُهَا أُمَمُ الْعَالَمِ. وَأَمَّا أَنْتُمْ فَأَبُوكُمْ يَعْلَمُ أَنَّكُمْ تَحْتَاجُونَ إِلَى هَذِهِ. بَلِ اطْلُبُوا مَلَكُوتَ اللهِ وَهَذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ “.

 

          إن ناموس موسى قد رتَّبه الله للإسرائيليين لكى يرشدهم إلى ما كان واجبًا عليهم ليفعلوه، ولكى يضع أمامهم بوضوح كل ما كان لمنفعتهم. وهذا جعلوه أمرًا ذا بهجة عظيمة فقالوا: ” طوبى لنا نحن أبناء إسرائيل لأن الأمور التى ترضي الرب قد صارت معروفة لدينا” (باروخ4:4). ولكني أؤكد لكم أنه يناسبنا نحن ويلائمنا بالأكثر أن نستخدم هذه الكلمات، لأن الذي كلَّمنا ليس نبيًّا ولا حتى ملاكًا، بل هو الابن في شخصه الذاتي، الذي هو رب الملائكة القديسين والأنبياء. وهذا ما يعلِّمنا إياه بوضوح الحكيم بولس خادم أسراره، فيكتب هكذا: ” الله بعدما كلَّم الآباء بالأنبياء قديمًا بأنواع وطرق كثيرة، كلَّمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه، الذي جعله وارثًا لكل شيء، الذي به أيضًا عمل العالمين” (عب1:1ـ2). لذلك، فطوبى لنا نحن، فقد تعلَّمنا منه هو ذاته إرادته الصالحة والمخلِّصة، والتي بها يرشدنا إلى كل سعي فاضل، وهكذا إذ نكمل حياة جديرة بالمحاكاة، التى تليق بالمختارين، فإننا سنملك معه.

          لذلك، لاحظ كيف أنه بعناية وبمهارة فائقة يصوغ الرب حياة الرسل القديسين نحو الرفعة الروحية، ولكنه يفيدنا نحن أيضًا معهم، لأنه يريد أن جميع البشر يخلصون، وأن يختاروا الحياة الحكيمة والأكثر امتيازًا. لأجل هذا السبب فهو يجعلهم يتخلُّون عن الاهتمام غير الضروري، ولا يسمح لهم أن يمارسوا عملاً ما بقلق وباستعجال لأجل الرغبة في جمع ما يزيد عن ضرورياتهم، ففي هذه الأمور، فإنَّ الزيادة سوف لا تضيف شيئًا لمنفعتنا، لذلك يقول ” لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون، ولا جسدكم بما تلبسون لأن الحياة أفضل من الطعام والجسد أفضل من اللباس“. فهو لم يقل ببساطة “لا تهتموا” بل أضاف ” لحياتكم “، ويقصد بذلك لا تنشغلوا باهتمام في هذه الأشياء، بل أعطوا اهتمامكم لأشياء ذات أهمية أعلى بكثير، لأن الحياة فى الواقع هي أكثر أهمية من الطعام والجسد أكثر أهمية من اللباس. لذلك، حيث أن هناك خطر يحيط بنا بخصوص الحياة والجسد كليهما، وهناك ألم وعقاب مقضيًّا بِهِما على أولئك الذين لا يعيشون باستقامة، فلنطرح عنا جانبًا كل هَمّ من جهة اللباس والطعام.

          وبجانب هذا، كيف لا يكون أمرًا دنيئًا بالنسبة لأولئك الذين يحبون الفضيلة، والساعين باجتهاد نحو الفضائل السامية والمقبولة من الله، أن يسكروا مزينين بزينة أنيقة مثل الصبية الصغار، وأن يسعوا وراء الموائد الفاخرة! لأن هذه يتبعها للتوِّ حشد متوحِّش من الشهوات الأخرى أيضًا، وتكون النتيجة الارتداد عن الله، لأنه مكتوب:   ” لا تحبوا العالم ولا الأشياء التي في العالم” (1يو2: 15)، وأيضًا: ” ألا تعلمون أن محبة العالم هي عداوة لله” (يع4:4). فواجبنا إذن أن نحفظ أقدامنا بعيدًا عن جميع الشهوات، وأن نجعل بالأحرى لذَّتنا في الأمور التي ترضي الله.

          ولكن ربما تجيب على هذا وتقول: ” مَن سيعطينا إذن ضروريات الحياة؟”. وجوابنا على هذا كالآتي: إن الرب جدير بأن يُصدَّق، وهو وَعَدَك بوضوح بهذه الأشياء، وبواسطة الأمور الصغيرة يعطيك تأكيدًا كاملاً أنه سيكون صادقًا أيضًا في الأمور العظيمة، فهو يقول: ” تأمَّلوا الغربان، إنها لا تزرع ولا تحصد وليس لها مَخدَع ولا مخزن والله يقيتها“. كذلك أيضًا عندما كان يُقوِّينا نحو الثبات الروحي، فإنه علَّمنا أن نحتقر حتى الموت ذاته بقوله ” لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد ولكن النفس لا يقدرون أن يقتلوها” (لو12: 4، مت10: 28). وبنفس الطريقة لكى يُظهر لك عنايته، فإنه استخدم أشياء بلا قيمة تمامًا لكى يُثبِت بها كلامه فيقول: ” أليس عصفوران يباعان بفلس، وواحد منها لا يسقط بدون أبيكم، وأما أنتم فحتى شعور رؤوسكم جميعها محصاة، فلا تخافوا أنتم أفضل من عصافير كثيرة” (مت10: 29ـ31). هكذا أيضًا بواسطة العصافير وزهور الحقل فإنه يغرس فيك إيمانًا ثابتًا غير متزعزِع. وهو لا يسمح لنا مطلقًا بالشك، بل بالتأكيد إنه سيعطينا مراحمه، ويمد يده المرِيحة ليهبنا كفاية في كل الأشياء. وبالإضافة إلى ذلك، إنه أمر رديء جدًّا، أنه بينما أولئك الذين هم تحت نير العبودية الجسدية يعتمدون على سادتهم كمصدر كاف لتزويدهم بالطعام واللباس، لا نضع نحن ثقتنا في الله ضابط الكل، عندما يعدنا أن يعطينا ضروريات الحياة.

          وأي فائدة توجد على الإطلاق في حياة الترف: ألا تجلب معها بالأحرى الدمار الكامل؟ لأنه سريعًا ما يدخل مع لذَّات التنعُّم، مخازي الشهوانية الوضيعة والحقيرة ـ الأشياء التي عندما تقترب منا، تكون مقاومتها صعبة. وأيضا أن نكتسي بلباس فخم أمر لا فائدة له بالمرَّة، لأنه يقول: ” تأملوا الزنابق كيف تنمو لا تتعب ولا تغزل، ولكن أقول لكم ولا سليمان فى كل مجده كان يلبس كواحدة منها“. وهذا أيضًا حقيقي لأن كلاً من الزنابق والزهور الأخرى التي تنبت في الحقول، فإن بهاء ألوانها يحوي جمالاً بارعًا بسبب تنوُّع درجات الألوان، وبسبب اختلاف ترتيبها، فتتألَّق في لونها الأرجواني الطبيعي، أو تضيء بلمعان ألوان أخرى، ومع ذلك فإن كل ما يفعله الإنسان بفنِّه ليُحاكِى جمالها، إما عن طريق مهارة الرسام أو بفنِّ الزخرفة والتطريز، فانه يعجز تمامًا عن الوصول إلى الحقيقة، وحتى ولو كان العمل ناجحًا كإنتاج فنِّي، فإنه نادرًا ما يقترب من الحق.

          لذلك فإن كانت هذه الإيضاحات عن طريق الفن، هي أدنى كثيرًا من مجد الزنابق وجمال ألوان الزهور الأخرى، فكيف لا يكون صوابًا أنه ولا سليمان، رغم أنه كان ملكًا عظيمًا جدًّا، فإنه في كل مجده لم يكن يلبس كواحدة منها؟ فباطل إذن تعبنا لأجل اللباس الجميل. يكفي الناس العقلاء أن يكون لباسهم كما تقتضيه الضرورة، محتشمًا، ويسهل اقتناؤه ويصاحب هذا قليل من الطعام الضروري الذي يكفى حاجات الطبيعة. ولتكن وليمتهم فى المسيح كافية للقديسين، فتكون وليمة روحية، إلهية، وعقلية بالإضافة للمجد الذي سوف يأتي بعد ذلك. لأنه ” سيُغيِّر شكل جسد تواضعنا ليكون على صورة جسد مجده” (في3: 21)، وكما يقول الرب نفسه: ” سيضيئون كالشمس في ملكوت أبيهم” (انظر مت13: 43). إذن فأي ثياب مهما كانت فإن العَظَمَة التي في المسيح تفوقها جدًّا في البهاء.

  وبنظرة أخرى، لا يليق بأولئك الذين سيصيرون قدوة ومثالاً للآخرين في السلوك المقدس، أنهم بإهمالهم يسقطون هم أنفسهم في تلك الأمور، التى بمجرَّد أن يصيروا معلمين للعالم، سيكون واجبًا عليهم أن يحثُّوا الآخرين على تركها. لأن تثقُّل التلاميذ بالاهتمام بالانشغالات العالمية سيكون له ضرر غير قليل يصيب غيرتهم وحماسهم، يؤثِّر على فائدة كرازتهم المقدسة. بل على العكس من واجبهم أن يهملوا تمامًا بعقل ثابت هذه الأمور، وأن يهتمُّوا بحماس وببساطة بالانتصارات الرسولية. ولهذا السبب فهو يشجب بحق تمامًا وصراحة الانشغال بالأمور الزمنية، فهو يقول: ” إن هذه كلها تطلبها أمم العالم“، وينهضهم إلى الاقتناع الراسخ الذي لا يهتز إنه بالتأكيد وفى جميع الأحوال سيكون عندهم ما يكفيهم، لأن أباهم الذي في السماء يعلم جيدًا ما يحتاجون إليه. وفي مناسبة ملائمة جدًّا يدعوه ” الآب ” حتى يَعلَموا أنه لن ينسى أولاده، بل هو شفوق ومُحب لهم.

          إذن فلنطلب ليس ذلك الطعام غير الضروري والزائد عن اللزوم، بل كل ما يؤدِّي إلى خلاص النفس، وليس ملابس كثيرة الثمن، بل أن نخلِّص جسدنا من النار ومن الدينونة. وليتنا نفعل هذا طالبين ملكوته، وكل ما يساعدنا على أن نصير شركاء ملكوت المسيح، الذي به ومعه لله الآب التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى أبد الآبدين آمين.

عدم الاهتمام بالطعام واللباس – إنجيل لوقا 12 ج5 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

تحفظوا من الطمع – إنجيل لوقا 12 ج4 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

تحفظوا من الطمع – إنجيل لوقا 12 ج4 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

تحفظوا من الطمع – إنجيل لوقا 12 ج4 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو12: 13ـ21) ” وَقَالَ لَهُ وَاحِدٌ مِنَ الْجَمْعِ: يَا مُعَلِّمُ قُلْ لأَخِي أَنْ يُقَاسِمَنِي الْمِيرَاثَ. فَقَالَ لَهُ: يَا إِنْسَانُ مَنْ أَقَامَنِي عَلَيْكُمَا قَاضِيًا أَوْ مُقَسِّمًا؟. وَقَالَ لَهُمُ: انْظُرُوا وَتَحَفَّظُوا مِنَ الطَّمَعِ فَإِنَّهُ مَتَى كَانَ لأَحَدٍ كَثِيرٌ فَلَيْسَتْ حَيَاتُهُ مِنْ أَمْوَالِهِ. وَضَرَبَ لَهُمْ مَثَلاً قَائِلاً: إِنْسَانٌ غَنِيٌّ أَخْصَبَتْ كُورَتُهُ. فَفَكَّرَ فِي نَفْسِهِ قَائِلاً: مَاذَا أَعْمَلُ لأَنْ لَيْسَ لِي مَوْضِعٌ أَجْمَعُ فِيهِ أَثْمَارِي؟. وَقَالَ: أَعْمَلُ هَذَا: أَهْدِمُ مَخَازِنِي وَأَبْنِي أَعْظَمَ وَأَجْمَعُ هُنَاكَ جَمِيعَ غَلاَّتِي وَخَيْرَاتِي. وَأَقُولُ لِنَفْسِي: يَا نَفْسُ لَكِ خَيْرَاتٌ كَثِيرَةٌ مَوْضُوعَةٌ لِسِنِينَ كَثِيرَةٍ. اِسْتَرِيحِي وَكُلِي وَاشْرَبِي وَافْرَحِي. فَقَالَ لَهُ اللهُ: يَا غَبِيُّ هَذِهِ اللَّيْلَةَ تُطْلَبُ نَفْسُكَ مِنْكَ فَهَذِهِ الَّتِي أَعْدَدْتَهَا لِمَنْ تَكُونُ؟. هَكَذَا الَّذِي يَكْنِزُ لِنَفْسِهِ وَلَيْسَ هُوَ غَنِيًّا للهِ “.

 

          يوصي القديس بولس كإنسان حكيم بمدوامة الصلاة فيقول: “ صلُّوا بلا انقطاع” (1تس5: 17)، وهذا بالحقيقة أمر مليء بالفائدة، ولكني أقول هذا، إن كل من يقترب من الله يجب عليه أن لا يفعل هذا بإهمال، ولا أن يُقدِّم توسُّلات غير لائقة، فيمكن للواحد منا أن يؤكد بحق أنه يوجد عديد من التوسلات غير المناسِبة، ومثل هذه ليست مناسِبة لله أن يعطيها، كما أن نوالها غير نافع بالنسبة لنا. وإذا وجَّهنا نظرة فاحصة من عقلنا إلى الفقرة التى أمامنا سوف نرى بدون صعوبة صِدق ما قلته، فقد اقترب من المسيح مخلِّصنا جميعًا واحد من الجمع وقال له: ” يا معلِّم قُل لأخي أن يقاسمني الميراث“، ولكن الرب قال له: ” يا إنسان من أقامني عليكما قاضيًا أو مقسِّمًا“؟ إن الابن فى الحقيقة عندما ظهر وصار مثلنا، فقد أقيم من الله الآب ” كرئيس وملك على صهيون جبل قدسه” بحسب كلمات المرتل (انظر مز2: 6)، وطبيعة وظيفته أعلنها هو نفسه بوضوح بقوله ” لأنِّي جئت لأكرز بأمر الله“، وما هو هذا؟ إن سيدنا المحب للفضيلة يريدنا أن نبتعد من كل الأمور الأرضية والزمنية، وأن نهرب من محبة الجسد، ومن همِّ انشغال الربح الباطل، ومن الشهوات الدنيئة، ولا نلقي بالاً لما فى الخزائن، وأن نحتقر الثروة وحب الربح، وأن نكون صالحين ومحبين بعضنا لبعض، وألا نكنز كنوزًا على الأرض، وأن نسمو فوق النزاع والحسد، ولا نتشاجر مع الإخوة، بل بالحري نفسح لهم المجال، حتى ولو كانوا يسعون لكسب فرصة أكثر منا، لأن الرب يقول: ” ومن أخذ الذي لك فلا تطالبه” (لو6: 29)، بل بالأحرى نسعى وراء تلك الأمور النافعة والضرورية لخلاص النفس.

          فبالنسبة لأولئك الذين يعيشون هكذا، يضع المسيح لهم قوانين يصيرون بها لامعين وجديرين بالمديح، لأنه قال ” لا تقتنوا ذهبًا ولا فضة ولا ثوبين… ولا مزودًا، ولا نحاسًا فى مناطقكم ” (انظر مت10: 9، 10). ويقول أيضًا: ” اعملوا لكم أكياسًا لا تفنى، كنزًا لا ينفد في السموات ” (لو12: 33). وعندما اقترب منه شاب يسأله؟ ” يا معلِّم ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية؟ ” أجابه: ” اذهب بع كل أملاكك وأعطِ الفقراء فيكون لك كنز في السماء وتعال اتبعني ” (مت19: 16ـ21).

          لذلك، فلهؤلاء الذين يحنون رقاب أذهانهم المطيعة، يعطي وصايا ويُعيِّن لهم قوانين، ويضع لهم تعاليم، ويوزِّع عليهم الميراث السماوي، ويعطيهم بركات روحية، ويكون لهم مستودع لمواهب لا تنقص أبدًا. بينما لأولئك، الذين يفكرون فقط فى الأمور الأرضية، وقد وضعوا قلوبهم على الثروة، ولأولئك الذين تقسَّى ذهنهم، وصاروا بلا رحمة، بلا لطف أو محبة للفقراء، فإنه لمثل هؤلاء سوف يقول بعدل: “من أقامني عليكم قاضيًا أو مقسِّمًا؟” لذلك فهو يرفض ذلك الإنسان لأنه مزعج ولأنه لا يملك رغبة فى أن يتعلم ما يناسبه.

          ولكنه لا يتركنا بدون تعليم، لأنه إذ قد وجد فرصة مواتية، فإنه يضع حديثًا نافعًا وخلاصيًّا، ويعلن محذِّرًا إياهم: ” انظروا وتحفَّظوا من الطمع“، إنه يرينا فخ الشيطان، أي الطمع، وهو أمر مكروه من الله، والذي يدعوه الحكيم بولس ” عبادة الأوثان” (كو5:3)، ربما لأنه يتناسب فقط مع أولئك الذين لا يعرفون الله، أو كأنَّهم مُتساوون في الدنس مع أولئك الناس الذين يختارون عبادة الأصنام والحجارة. إنه فخ الأرواح الشريرة، الذي بواسطته يحدِرون نفس الإنسان إلى شباك الهاوية. لهذا السبب فهو يقول بحق تمامًا، محذِّرًا إياهم:    “ انظروا وتحفظوا لأنفسكم من كل طمع“، أي من الطمع كثيره وقليله، ومن الاحتيال على أي إنسان أيًّا كان، لأنه كما قلت، هو شيء بغيض عند الله والناس.

          لأنه من ذا الذي لا يهرب ممَّن يستخدم العنف وهو سلاَّب وطمَّاع، ومستعِد للظلم في تلك الأشياء التى لا حقَّ له فيها، والذي بيد جشعه يجمع ما ليس له؟ أي وحش مفترس لا يفوقه مثل هذا الإنسان المحتال في وحشيته؟ وأية أحجار لا يكون هو أكثر قساوة منها؟ لأن قلب الذي يتم الاحتيال عليه يتمزق، بل إنه أحيانًا يذوب من الألم الحارق كما لو كان الألم نارًا ولكن المحتال يسر بهذا ويبتهج، ويجعل آلام الذين يعانون سببًا لفرحه. ولأن الإنسان المُساء إليه هو بالضرورة وبصفة عامة لا حَوْل له ولا قوة، فإنه لا يستطيع شيئًا سوى أن يرفع عينيه إلى هذا الذي هو وحده قادر أن يغضب لأجل ما قد تألم به، وهو (الله)، لأنه عادل وصالح، يقبل توسلاته ويشفق على دموع المتألم ويعاقِب أولئك المخطئين.

          وهذا يمكنك أن تتعلَّمه مما يقوله هو بنفسه بفم الأنبياء القديسين: ” لذلك مِن أجل أنكم تسحقون رؤوس المساكين وتأخذون منهم هدايا مختارة، وبنيتم بيوتًا من حجارة منحوتة لكنكم لن تسكنوا فيها، وغرستم كرومًا شهية ولن تشربوا خمرها، لأني علمتُ ذنوبكم الكثيرة وخطاياكم الثقيلة” (عا5: 11، 12 س). وأيضًا: ” ويل للذين يَصِلون بيتًا ببيت ويقرنون حقلاً بحقل، حتى يأخذوا ما لجارهم. أتسكنون وحدكم فى الأرض؟ لأن هذه الأشياء قد بلغت أذني رب الجنود، لأنه مع أنَّ بيوتكم كثيرة فإنها تصير خرابًا، ومع أنها كبيرة وحسنة فإنها ستصير بلا ساكن، لأن الأرض التي يفلحها عشرة فدادين بقر تصنع بثًّا واحدًا، والذي يزرع ستة أرادب سوف يجمع ثلاثة مكاييل” (إش5: 8ـ10)، لأن البيوت والحقول هي ناتجة عن ظلم الآخرين، لهذا يقول عنها أنها تتبدَّد وتصير مهجورة (بلا ساكن)، وسوف لا تأتي بأية فائدة لمن يعملون بظلم، لأن غضب الله العادل منسكب عليهم، لذلك فلا فائدة في الطمع من كل ناحية.

  ولكي ننظر إليه بمنظار آخر، فإن الطمع لا يفيد شيئًا، لأنه كما يقول الرب، ” متى كان لأحد كثير فليست حياته من أمواله“، وهذا واضح أنه حقيقي، لأن سِنِيّ حياة الإنسان لا تزداد بنسبة ثرائه، كما أن محصِّلة حياته لا تسير متوازية مع أرباحه الظالمة، وهذا قد أظهره المخلِّص وكشفه لنا بوضوح بأن أضاف بمهارة شديدة المَثَل الذي أمامنا مرتبطًا بحجته السابقة فيقول: ” رجُل غني أخصبت كورته وأَغَلَّت ثمارًا كثيرة“، تمعَّن بدقة، وتعجب من جمال فن الحديث، لأنه لم يُشر لنا إلى مقاطعة أعطَى جزء منها فقط حصادًا وفيرًا، بل كلها كانت خصبة ومثمرة لصاحبها، مما يدل على اتساع ثروته. وهذا يشبه قول أحد الرسل القديسين: ” هوذا أجرة الفَعَلَة الذين حصدوا حقولكم المبخوسة منكم تصرخ وصياح الحصَّادين قد دخل إلى أذني رب الجنود” (يع5: 4)، لذلك يقول المخلِّص إن كل كورته قد أغلَّت محاصيل وفيرة.

          لذلك فما الذي فعله الرجل الغني، وهو محاط بوفرة من بركات كثيرة جدًّا تفوق كل إحصاء؟ إنه ينطق في ضيق وقلق بكلمات الفقر، فهو يقول: ” وماذا أعمل؟”، إن الإنسان الذي في احتياج إلى الضروريات يبث باستمرار هذه اللغة البائسة، ولكن انظر هنا! إن واحدًا من ذوى الأموال غير المحدودة يستخدم تعبيرات مشابهة. لقد قرر أن يبني مخازن أكثر اتساعًا، وعزم أن يمتِّع نفسه بمفرده فقط بتلك الموارد التى كانت تكفي مدينة مكتظَّة بالناس. إنه لا ينظر إلى المستقبل، ولا يرفع عينيه نحو الله، ولم يحسبه أمرًا جديرًا بأن ينفق ماله من أجله ليربح لقلبه تلك الكنوز التى هى فوق فى السماء، ولا يهتم بمحبة الفقير، ولا يرغب فى التقدير الذي يحصل عليه من جراء هذا، ولا يتعاطف مع المتألمين، فهذا أمر لا يؤلمه ولا ينهض فيه الشفقة. وما هو أكثر من ذلك مما هو غير معقول، إنه يقرِّر لنفسه سنيِّ حياته، وكأنه سوف يحصد هذا أيضًا من الأرض لأنه يقول: ” أقول لنفسي، يا نفس لك الخيرات موضوعة لسنين كثيرة، كلي واشربي وافرحي“، ولكن أيها الإنسان الغبي، يمكننا أن نقول لك، أنت فعلاً تملك مخازن كثيرة لغلالك، ولكن من أين تحصل على سنين عديدة لنفسك؟ لأنه بحُكم من الله قد قَصُرت أيامك. لأن الله قال له: ” يا غبي هذه الليلة سوف تُطلب نفسك منك، فهذه التي أعددتها لمن تكون؟ “.

          لذلك، فإنه أمْر حقيقي أنَّ حياة الإنسان ليست من ممتلكاته، أي ليست بسبب أن له أموالاً كثيرة. بل يكون مغبوطًا جدًّا وله رجاء مجيد ذلك الإنسان الذي هو غَنِي نحو الله. من هو هذا إذن؟ من الواضح أنه هو الذي لا يُحب الثروة بل بالأحرى يحب الفضيلة، والذي يكفيه القليل، (انظر لو10: 42)، وهو الذي يده مبسوطة لاحتياجات المعوزين، والذي يريح الفقراء ويُعزِّيهم بحسب إمكانياته وبأقصى ما في طاقته. إنه هذا الذي يجمع في المخازن التي هي فوق، ويكنز كنوزًا في السماء، مثل هذا سوف يجد أرباح فضيلته، ومكافأة حياته المستقيمة والتى بلا لوم، والمسيح سوف يباركه، الذي به ومعه لله الآب التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى أبد الآبدين آمين.

 

تحفظوا من الطمع – إنجيل لوقا 12 ج4 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

الاعتراف بالمسيح وإنكاره – إنجيل لوقا 12 ج3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

الاعتراف بالمسيح وإنكاره – إنجيل لوقا 12 ج3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

الاعتراف بالمسيح وإنكاره – إنجيل لوقا 12 ج3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو12: 8 ـ10) ” وَأَقُولُ لَكُمْ: كُلُّ مَنِ اعْتَرَفَ بِي قُدَّامَ النَّاسِ يَعْتَرِفُ بِهِ ابْنُ الإِنْسَانِ قُدَّامَ مَلاَئِكَةِ اللهِ. وَمَنْ أَنْكَرَنِي قُدَّامَ النَّاسِ يُنْكَرُ قُدَّامَ مَلاَئِكَةِ اللهِ. وَكُلُّ مَنْ قَالَ كَلِمَةً عَلَى ابْنِ الإِنْسَانِ يُغْفَرُ لَهُ وَأَمَّا مَنْ جَدَّفَ عَلَى الرُّوحِ الْقُدُسِ فَلاَ يُغْفَرُ لَهُ “.

 

          هنا أيضًا يا من تُحبون أن تسمعوا، املأوا نفوسكم بكلمات القداسة، اقبلوا في داخلكم معرفة التعاليم المقدسة لكي إذ تتقدمون بنجاح في الإيمان، فإنكم تحصلون على أكليل المحبة والثبات في المسيح، لأنه يمنحه ليس لضعاف القلوب التي تهتز بسهولة، ولكن بالأولى لأولئك الذين يستطيعون أن يقولوا بحق ” لي الحياة هي المسيح والموت هو ربح” (فى1: 21). لأن هؤلاء الذين يعيشون بقداسة، يعيشون للمسيح، أولئك الذين يحتملون الأخطار لأجل التقوى يربحون الحياة غير الفاسدة، إذ يكلَّلون معه أمام منبر قضائه. هذا هو ما يعلِّمنا إياه بقوله: ” كل من اعترف بي قدام الناس يعترف به ابن الإنسان أيضًا قدام ملائكة الله“.

          إذن فهو شيء يعلو فوق كل الأشياء الأخرى وهو جدير بانتباهنا، أن نفحص من هو الذي يعترف بالمسيح، وبأية طريقة يمكن أن يعترف بالمسيح، بأية طريقة يمكن أن يُعترف به بحق وبلا لوم، لذلك فإن بولس الحكيم جدًّا يكتب لنا: ” لا تقُل في قلبك من يصعد إلى السماء؟ أي ليُحدِر المسيح، أو من يهبط إلى الهاوية؟ أي ليُصعِد المسيح من الأموات، لكن ماذا يقول الكتاب؟ الكلمة قريبة منك، في فمك وفي قلبك، أي كلمة الإيمان التي نكرز بها، لأنك إن اعترفت بفمك بأن يسوع هو الرب وآمنت بقلبك أن الله أقامه من الأموات فسوف تحيا، لأن بالقلب يؤمن الإنسان للبِر وبالفم يُعترف للخلاص” (رو10: 6ـ10).

يشرح الرسول بهذه الكلمات سر المسيح بطريقة ممتازة جدًّا. فأول كل شيء يجب أن نعترف أن الابن المولود من الله الآب، هو الابن الوحيد لجوهره، وأنه هو الله الكلمة، وهو رب الكل، وليس كَمَن وُهِبَت له الربوبية من الخارج، بالانتساب، بل هو الرب بالطبيعة وبالحق مثل الآب تمامًا، ويجب بعد ذلك أن نؤمن أن ” الله أقامه من الأموات“، أي أنه عندما صار إنسانًا، فإنه قد تألم من أجلنا بالجسد، ثم قام من الأموات.

          فالابن إذن ـ كما قلت ـ هو رب، ولكن لا يجب أن يُحسب بين أولئك الأرباب الآخرين الذين يُعطَى لهم ويُنسَب إليهم اسم الربوبية، لأنه ـ كما قلت ـ هو وحده الرب بالطبيعة، لكونه الله الكلمة، الذي يفوق كل شيء مخلوق، وهذا ما يعلِّمنا إياه الحكيم بولس بقوله: “ لأنه وإن وُجد ما يُسمَّى آلهة في السماء أو على الأرض ـ كما يوجد آلهة كثيرون وأرباب كثيرون ـ لكن لنا إله واحد الآب الذي منه جميع الأشياء ونحن منه، ورب واحد يسوع المسيح الذي به جميع الأشياء ونحن به ” (1كو8: 65).

          ولكن رغم أنه يوجد إله واحد الذي اسمه الآب، ورب واحد الذي هو الابن، ولكن لا الآب كفَّ عن أن يكون ربًّا بسبب كونه الله بالطبيعة، ولا الابن توقَّف عن أن يكون هو الله بسبب كونه ربًّا بالطبيعة، لأن الحرية الكاملة هى صفة الجوهر الإلهي الفائق وحده، وأن يكون بعيدًا عن نير العبودية، أو بالأحرى فإن الخليقة تكون خاضعة تحت قدميه. لذلك، رغم أن كلمة الله الوحيد الجنس صار مثلنا، وإذ اتخذ قياس الطبيعة البشرية، فإنه وُضع تحت نير العبودية، لأنه دَفَع عن قصد ـ الدرهمين لجباة الضرائب اليهود بحسب ناموس موسى، إلا أنه لم يخبئ المجد الذي سكن فيه، لأنه سأل المغبوط بطرس ” ممن يأخذ ملوك الأرض الجباية أو الجزية، أمِن بنيهم أم مِن الأجانب؟ ولما قال مِن الأجانب، عندئذ أجابه: إذن البنون أحرار” (مت18: 25ـ26).

          كذلك فالابن في طبيعته الذاتية هو رب لأنه حر، كما يعلِّمنا الحكيم بولس أيضًا ويكتب: ” ونحن جميعًا ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف كما في مرآة نتغيَّر إلى تلك الصورة عينها من مجد إلى مجد كما من الرب الروح” (2كو3: 18)، ” وأمَّا الرب فهو الروح، وحيث روح الرب فهناك حرية” (2كو3: 17).

          لذلك لاحظ كيف يؤكِّد أن الروح هو رب. لا كمن يملك البنوة إذ أنه هو الروح وليس الابن، بل لكونه واحدًا مع الابن في الجوهر، الذي هو رب وحر، وقد تبرهن بهذه المساواة الطبيعية معه أن له تلك الحرية التى تليق بالله.

          إذن، فمن يعترف بالمسيح أمام الناس أنه إله ورب، فسوف يعترف به المسيح أمام ملائكة الله. ولكن متى؟ واضح أنه في الوقت الذي سوف ينزل فيه من السماء في مجد أبيه مع الملائكة القديسين عند نهاية هذا العالم، وعندئذ سوف يكلِّل المعترِف الحقيقي به، الذي له إيمان غير متزعزع وأصيل، وهكذا يقدم اعترافه، وهناك أيضًا سوف يضيء جماعة الشهداء القديسين الذين احتملوا الضيقات كل الحياة وحتى الدم، وكرَّموا المسيح باحتمالهم وصبرهم، لأنهم لم ينكروا المخلص، ولا كانوا يجهلون مجده، بل احتفظوا بولائهم له. مثل هؤلاء سوف يُمدحون من الملائكة القديسين الذين أيضًا سوف يُمجِّدون المسيح مخلِّص الجميع، لأنه منح القديسين تلك الكرامات التى تحق لهم بنوع خاص، وهذا ما يعلنه المرتل أيضًا، ” وتُخبر السموات بعدله، لأن الله هو الديان” (مز49: 6 س)، وهذا سوف يكون نصيب أولئك الذين يعترفون به.

          أما الباقون، الذين أنكروه واحتقروه، فسوف ينكرهم، عندما يقول لهم الديان، كما تكلم أحد الأنبياء القديسين فى القديم: ” كما فعلت سيُفعل بك، وعملك يرتدّ على رأسك” (عوبديا15) وسوف ينكرهم بهذه الكلمات: ” اذهبوا عنى يا فاعلى الاثم، إننى لست أعرفكم ” (لو13: 27). مَن هم هؤلاء الذين سوف ينكرهم؟ أولاً: هم أولئك الذين عندما ضغط عليهم الاضطهاد ولاحقتهم المحن، تركوا الإيمان. إن رجاء مثل هؤلاء سوف يفارقهم تمامًا من جذوره، ولمثل هؤلاء لا تكفي كلمات بشرية لوصف حالتهم، لأن الغضب والدينونة والنار التى لا تُطفأ سوف تبتلعهم.

          وبطريقة مماثلة، فإن معلِّمي الهرطقة وتابعيهم ينكرونه لأنهم يجترئون ويقولون إن كلمة الله الوحيد الجنس ليس هو الله بالطبيعة وبالحق، ويطعنون في ولادته التي لا يُنطَق بها، بقولهم إنه ليس من جوهر الآب، بل وبالأحرى يحسبون من هو خالق الكل ضمن الأشياء المخلوقة. ويصنِّفون ذلك الذي هو رب الكل مع أولئك الذين هم تحت نير العبودية، رغم أن بولس يؤكد أننا يجب أن نقول إن ” يسوع رب” (في: 11).

          كما أن تلاميذ ” ثرثرة نسطوريوس الباطلة ” أيضًا ينكرونه بقولهم بابنين، واحد زائف، والآخر حقيقي: الحقيقي هو كلمة الآب، والزائف هو الذي يملك كرامة واسم ابن بالانتساب فقط. وهو بأسلوبهم هذا فقط هو ابن، ونَبَت من نسل المبارك داود بحسب الجسد. إن دينونة هؤلاء أيضًا هى ثقيلة جدًّا، لأنهم ” ينكرون الرب الذي اشتراهم” (2بط2: 1) ولم يفهموا سر تدبيره فى الجسد، لأنه يوجد ” رب واحد وإيمان واحد” كما هو مكتوب (أف4: 5).

          فنحن لا نؤمن بإنسان وبإله، ولكن برب واحد الكلمة الذي هو من الله الآب، الذي صار إنسانًا واتَّخذ لنفسه جسدنا. فلذلك فإن هؤلاء أيضًا يُحسبون ضمن من ينكرونه.

          وقد علَّمنا الرب أن التجديف هو جريمة عظيمة جدًّا يرتكبها الناس، بقوله أيضًا: ” كل من قال كلمة على ابن الانسان يُغفَر له، وأمَّا من جدَّف على الروح القدس فلا يُغفر له“. فبأية طريقة يجب أن نفهم هذا أيضًا، إذا كان المخلِّص يقصد هذا، وهو أنه إذ استُعمِلَت كلمة احتقار من أي إنسان منا تجاه إنسان عادي فإنه سوف يَحصل على الغفران إذا ما تاب، فإن الأمر يكون خاليًا من أي صعوبة، لأن الله إذ هو صالح بالطبيعة، فإنه سوف يبرئ من كل لوم جميع الذين يتوبون. ولكن إن كان التجديف موجه إلى المسيح نفسه، مخلِّص الكل، فكيف يمكن أن يتبرَّأ أو ينجو من الدينونة ذلك الذي يتكلم ضده؟ فما نقوله إذن هو هذا: أي شخص، لم يتعلم بعد معنى سر المسيح، ولم يفهم أنه إذ هو بالطبيعة الله، وقد وضع نفسه ونزل إلى حالتنا، وصار إنسانًا، ثم يتكلم هذا الإنسان، أي شيء ضده (المسيح)، ويجدف لحدٍّ ما، ولكن ليس بدرجة الشر التى تفقده الغفران، فالله سوف يغفر لأولئك الذين أخطأوا عن جهل. ولكى أُوضِّح ما أعنيه بمثال، فإن المسيح قال في موضع ما: ” أنا هو الخبز الحي النازل من السماء والمعطي الحياة للعالم” (يو6: 51).

          لذلك فبسبب أن البعض لم يعرفوا مجده، بل ظنُّوا أنه إنسان، فإنهم قالوا    ” أليس هو ابن النجار الذي نحن عارفون بأبيه وأمه، فكيف يقول إنِّي نزلت من السماء؟”. وفى مرة أخرى بينما كان واقفًا يعلِّم في المجمع حتى تعجَّب منه الجميع، لكن البعض قالوا: ” كيف هذا يعرف الكتب وهو لم يتعلَّم” (يو7: 15)، لأنهم لم يكونوا يعرفون طبعًا أن ” فيه مذخر كل كنوز الحكمة والعِلم“(كو2: 3).

          مثل هذه الأمور يمكن أن تُغفر، إذ قيلت بتهوُّر عن جهل.

          أما من جهة أولئك الذين قد جدّفوا على اللاهوت نفسه فإن الدينونة محتَّمة والعقاب أبدي في هذا العالم وفي الآتى. لأنه يقصد بالروح هنا ليس فقط الروح القدس ولكن كل طبيعة الألوهة، وكما هو معروف إنها هي طبيعة الآب والابن والروح القدس. والمخلِّص نفسه يقول فى مكان ما: ” الله روح” (يو4: 24). فالتجديف على الروح هو على كل الجوهر الفائق، لأنه كما قلت، إن طبيعة الألوهة كما أُعلِنَت لفهمنا هي الثالوث القدوس المسجود له الذي هو واحد. ليتنا إذن كما يقول يشوع ابن سيراخ في حكمته: ” نضع بابًا ومزلاجًا للسان” (يشوع ابن سيراخ28: 25)، ونقترب بالأكثر نحو الله ولنقل: “ضع يا رب حافظًا لفمي، وبابًا حصينًا لشفتيَّ، ولا تمل قلبي إلى كلام الشر” (مز140: 3 س). لأن تلك التجاديف هى كلمات رديئة ضد الله. وهكذا إن كنا نخاف الله حقًّا فالمسيح سوف يباركنا، الذي به ومعه لله الآب التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى دهر الدهور آمين.

الاعتراف بالمسيح وإنكاره – إنجيل لوقا 12 ج3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

عناية الله بمحبيه – إنجيل لوقا 12 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

عناية الله بمحبيه – إنجيل لوقا 12 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

عناية الله بمحبيه – إنجيل لوقا 12 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو12: 4ـ7): ” وَلَكِنْ أَقُولُ لَكُمْ يَا أَحِبَّائِي: لاَ تَخَافُوا مِنَ الَّذِينَ يَقْتُلُونَ الْجَسَدَ وَبَعْدَ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُمْ مَا يَفْعَلُونَ أَكْثَرَ. بَلْ أُرِيكُمْ مِمَّنْ تَخَافُونَ: خَافُوا مِنَ الَّذِي بَعْدَمَا يَقْتُلُ لَهُ سُلْطَانٌ أَنْ يُلْقِيَ فِي جَهَنَّمَ. نَعَمْ أَقُولُ لَكُمْ: مِنْ هَذَا خَافُوا! أَلَيْسَتْ خَمْسَةُ عَصَافِيرَ تُبَاعُ بِفَلْسَيْنِ وَوَاحِدٌ مِنْهَا لَيْسَ مَنْسِيًّا أَمَامَ اللهِ؟. بَلْ شُعُورُ رُؤُوسِكُمْ أَيْضًا جَمِيعُهَا مُحْصَاةٌ! فَلاَ تَخَافُوا. أَنْتُمْ أَفْضَلُ مِنْ عَصَافِيرَ كَثِيرَةٍ!“.

 

          الذِّهن الصبور المحتمِل الشجاع، هو سلاح القديسين الذي لا يمكن اختراقه، لأنه يجعلهم مزكِّين ومتألِّقين بمدائح التقوى. أخبَرَنا أحد الرسل القديسين مرَّة قائلاً:        ” بصبركم تقتنون أنفسكم ” (لو21: 19) وفى مرَّة أخرى: ” لأنكم تحتاجون إلى الصبر حتى إذا صنعتم مشيئة الله تنالون الموعد” (عب10: 16). بمثل هذه الفضائل الرجولية نصير مشهورين وجديرين بالثناء، ولنا صيت بين الناس فى كل مكان، ومستحقين لكل الكرامات والبركات المعَدَّة للقديسين، وحتى تلك البركات التى ” لم ترها عين ولم تسمع بها أذن” (1كو2: 9) كما يقول الحكيم بولس، وكيف لا يجب أن تكون تلك الأشياء جديرة بالإعجاب والاقتناء، وهى تفوق كل فهم وكل عقل؟ لهذا كما قلت، فإن المسيح يهيئ[1] الذين يحبونه للثبات الروحى فيقول: ” أقول لكم يا أحبائي”.

          إن حديث المسيح الحالى، كما يتبين، لا يخص كل أحد حتمًا بل على العكس إنه فقط لمن يحبونه بوضوح بكل قلبهم، ويستطيعون أن يقولوا بحق: ” من سيفصلني عن محبة المسيح، أشدة أم ضيق أم اضطهاد أم جوع أم عري أم خطر أم سيف ” (رو8: 35). لأن هؤلاء الذين ليست لهم محبة وثيقة للمسيح وأكيدة ومؤسسة جيدًا، من الممكن أن يحتفظوا بإيمانهم بالمسيح في الأوقات الهادئة، ولكن متى أزعجتهم الضيقة أو اضطهاد قليل فإنهم يَعرِضون عنه ويهجرونه ويفقدون إيمانهم كما يفقدون الدافع الذي حرَّكهم لمحبته. وكما أن النباتات الصغيرة التى أينعت حديثًا لا تقدر أن تحتمل عنف الريح العاصفة لأنها لم تكن قد ضربت جذورها في العمق، بينما تلك التى ثبتت بمتانة وتأصَّلت جذورها تظل آمنة فى الأرض حتى ولو هزَّتها عاصفة من الرياح الشديدة، هكذا أيضًا هؤلاء الذين لم تثبت عقولهم بمتانة في المسيح، فإنهم يتركونه بسهولة، ويهجرونه بسرعة. أما الذين يختزنون ويمتلكون في عقلهم وقلبهم حبًا متينًا ثابتًا غير متزعزَع للمسيح، هؤلاء يكونون غير متغيِّرين في عقلهم ولهم قلب ثابت غير متذبذب. إذ يصيرون أعلى من كل تراخٍ، وينظرون بازدراء إلى أعظم المخاطر التى لا تُحتمل، ويسخرون من الأهوال، كما لو كانوا يهزأون برعبة الموت. فالوصيَّة هنا إذن تخص هؤلاء الذين يحبونه.

  ولكن مَن هم هؤلاء الذين يحبونه؟ إنهم المشابهون له في فكرهم وهم مشتاقون أن يقتفوا خطواته. ولهذا فإن رسوله يشجِّعنا بقوله: ” إذ قد تألم المسيح من أجلنا بالجسد، تسلحوا أنتم أيضًا بهذه النيَّة” (1بط4: 1) إنه وضع نفسه عنا ” وكان بين الأموات غير مقيَّد” (انظر مز87: 5 س)، لأن الموت لم يهاجمه مثلما هاجمنا بسبب الخطية، لأنه منفصل بعيدًا عن كل خطية، وهو بلا إثم، ولكن بإرادته وحده احتمل الموت لأجلنا، بسبب حبه غير المحدود لنا، فلننصت إليه وهو يقول بوضوح: ” ليس لأحد حب أعظم من هذا أن يضع أحد نفسه لأجل أحبائه ” (يو15: 13)،  فكيف لا يكون إذن أمرًا رديئًا جدًا ألاَّ نرُد إلى المسيح ـ كدَيْن ضروري علينا ـ ما قد نلناه منه؟

          ولكي أضع الموضوع في ضوء آخر، فإنه يجب علينا، كأحبائه، ألا نخاف الموت ولكن بالحري نتمثل بإيمان الآباء القديسين. فإن أب الآباء إبراهيم لما جُرِّب، فإنه قدَّم ابنه الوحيد إسحق ” حاسبًا أن الله قادر على الإقامة من الأموات” (عب11: 19). فلذلك أي رعبة من الموت هذه التى يمكن أن تهجم علينا؟ بعد أن ” أبطلت الحياة الموت” (انظر 2تي1: 10). فالمسيح هو ” القيامة والحياة” (يو11: 25).

          ويجب أيضًا أن نضع فى ذهننا أن الأكاليل يُظفر بها بالجهاد. إنَّ بذل الجهد الشديد متحدًا مع المهارة هو الذي يُكمَّل أولئك المصارعين الأقوياء في المباريات. إنها الجرأة والذهن الشجاع هما النافعان جدًّا لهؤلاء الماهرين في المعارك، بينما الرجل الذي يلقي عنه ترسه، فحتى أعداؤه يسخرون منه، وإن عاش الهارب فإنه يعيش حياة ملؤها الخزي، ولكن الذي يصمد في المعركة ويقف بجرأة وشجاعة وبكل قوته ضد العدو، فإنه يُكرَم إذا نال النصرة، وإن سقط فإنه يُنظر إليه بإعجاب. وهذا ما يجب أن نحسبه لأنفسنا، لأنه عندما نحتمل بصبر ونواصل المعركة بشجاعة فهذا يجلب لنا مكافأة عظيمة. وهو أمر مرغوب فيه جدًا، وننال منه البركات الممنوحة من الله. أما إذا رفضنا مكابدة الموت فى الجسد من أجل محبة المسيح، فهذا سوف يجلب علينا عقابًا دائمًا أو بالحري لا نهاية له، لأن غضب الانسان إنما يصيب الجسد على الأكثر، وموت الجسد هو أقصى ما يمكن أن يدبِّروه ضدنا، ولكن عندما يعاقِب الله، فإن الخسارة لا تصيب الجسد فقط، ولكن النفس التعيسة أيضًا تُلقى معها في العذابات. ليت نصيبنا إذن يكون بالأحرى هو الموت المُكرَّم، لأنه يجعلنا نرتقي إلى بداءة حياة أبدية، والذي يلحق بها بالضرورة تلك البركات أيضًا التي تأتي من الجود الإلهي. وليتنا نهرب من حياة الخزى ونحتقرها، تلك الحياة الملعونة، قصيرة الأجل، والتي تهبط بنا إلى عذاب أبدى مرير.

          ولكي يمنح وسيلة أخرى بها يسعف عقولنا، فإنه يضيف بقوة: ” أليست خمسة عصافير بالكاد ربما تساوى فلسين، ومع ذلك فحتى واحد منها ليس منسيًّا قدام الله“. ويقول فضلاً عن ذلك: ” أيضًا شعور رؤوسكم محصاة” تأمل إذن ما أعظم العناية التى يخلعها على هؤلاء الذين يحبونه. لأنه إن كان حافظ الكون يمدّ معونته إلى أشياء تافهة بهذا المقدار، ويتنازل ـ إن جاز القول ـ إلى أصغر الحيوانات، فكيف يمكنه أن ينسى هؤلاء الذين يحبونه، لاسيما إذا كان يعتني بهم عناية عظيمة، ويتنازل ليفتقدهم لكي يعرف بالضبط أصغر الأشياء عن حالتهم، بل وحتى كم عدد شعور رؤوسهم. أين إذن هو تفاخُر الوثنين وثرثرتهم الفارغة الحمقاء؟ ” أين الحكيم؟ أين الكاتب؟ أين مباحث هذا الدهر ألم يُجهِّل الله حكمة العالم؟” (1كو1: 20). لأن بعضًا منهم ينكر تمامًا العناية الإلهية، بينما آخرون يجعلونها تصل إلى القمر فقط، ويضعون عليها قيودًا كما لو كانت هذه السلطة قد خُوِّلَت لهم. لمثل هؤلاء نقول: ” هل عناية الله أضعف من أن تمتد إلى ما هو أسفل بل وحتى أن تبلغ إلينا، أم أنَّ خالق الكل مُتعَب لهذه الدرجة حتى أنه لا يرى ما نفعل؟ إن قالوا إذن إن العناية ضعيفة جدًّا، فهذا هو الغباء بعينه ليس إلا. أما إذا صوَّروا الطبيعة الإلهية أنها خاضعة للكسل، فإنهم يجعلونها أيضًا قابلة للحسد وهذا أيضًا هو تجديف وجرم لا يوجد أعظم منه. ولكنهم يجيبون أنه إزعاج للإرادة الإلهية والفائقة أن تثقَّل بالعناية بكل هذه الأمور الأرضية، لأنهم لا يعلمون كم هي عظيمة هذه الطبيعة الإلهية التي لا يمكن للعقل أن يفهمها أو للنطق أن يصفها، والتي تملك على الكل، لأنه بالنسبة لها فإن جميع الأشياء صغيرة، وهكذا يعلِّمنا النبي المبارك إشعياء حيث يقول: ” حقًّا إنما جميع الأمم كنقطة من دلو وتحسب كغبار الميزان، وتُعدّ كبصاق، فبمَّن تشبِّهون الرب؟” (إش40: 15، 18 س). فماذا تكون نقطة واحدة من دلو؟ وماذا يكون غبار الميزان؟ وماذا يكون البصاق؟ أي تفلة واحدة؟ فإن كان هذا هو وضع جميع الأشياء أمام الله، فكيف يكون أي أمر عظيمًا عليه، أو يكون أمرًا يسبِّب له إزعاجًا أن يعتني بكل الأشياء؟ إن مشاعر الوثنيين الضارة إنما هي عديمة العقل.

          ليتنا إذن لا نشُك، بل نؤمن أنه بيد سخيَّة سوف يمنح نعمته لهؤلاء الذين يحبونه. لأنه إما أنه لن يسمح لنا أن نقع في تجربة، أو إذا سمح ـ بقصده الحكيم ـ أن نؤخذ فى الشرك لأجل أن نربح المجد بالآلام، فإنه بكل تأكيد سيمنحنا القوة أن نحتملها. وبولس المبارك هو الشاهد لنا ويقول: ” الله أمين، الذي لا يدعكم تجرَّبون فوق ما تستطيعون، بل سيجعل مع التجربة أيضًا المنفذ لتستطيعوا أن تحتملوا” (1كو10: 13). لأن الذي هو المخلِّص وهو ربنا جميعًا هو رب القوات، الذي به ومعه لله الآب التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى أبد الآبدين آمين.

 

[1] حرفيًّا “يمسح”، وهى استعارة مأخوذة من معهد المصارعة (الجمنزيوم) حيث كان المصارع يُدهن بالزيت قبل أن تبدأ المعركة مباشرة، فصار معنى يمسح إذن هو الإعداد للجهاد المرتقب.

عناية الله بمحبيه – إنجيل لوقا 12 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

مفتاح المعرفة – إنجيل لوقا 12 ج1 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

مفتاح المعرفة – إنجيل لوقا 12 ج1 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

مفتاح المعرفة – إنجيل لوقا 12 ج1 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو11: 52 ، 12: 1ـ2) ” وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا النَّامُوسِيُّونَ لأَنَّكُمْ أَخَذْتُمْ مِفْتَاحَ الْمَعْرِفَةِ. مَا دَخَلْتُمْ أَنْتُمْ وَالدَّاخِلُونَ مَنَعْتُمُوهُمْ. ولمَا خَرَج مِن هُنَاك ابْتَدَأَ الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ يَحْنَقُونَ جِدًّا وَيُصَادِرُونَهُ عَلَى أُمُورٍ كَثِيرَةٍ. وَهُمْ يُرَاقِبُونَهُ طَالِبِينَ أَنْ يَصْطَادُوا شَيْئًا مِنْ فَمِهِ لِكَيْ يَشْتَكُوا عَلَيْهِ  وَفِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ إِذِ اجْتَمَعَ رَبَوَاتُ الشَّعْبِ حَتَّى كَانَ بَعْضُهُمْ يَدُوسُ بَعْضًا ابْتَدَأَ يَقُولُ لِتَلاَمِيذِهِ: أَوَّلاً تَحَرَّزُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَمِيرِ الْفَرِّيسِيِّينَ الَّذِي هُوَ الرِّيَاءُ. فَلَيْسَ مَكْتُومٌ لَنْ يُسْتَعْلَنَ وَلاَ خَفِيٌّ لَنْ يُعْرَفَ، لِذَلِكَ كُلُّ مَا قُلْتُمُوهُ فِي الظُّلْمَةِ يُسْمَعُ فِي النُّورِ وَمَا كَلَّمْتُمْ بِهِ الأُذُنَ فِي الْمَخَادِعِ يُنَادَى بِهِ عَلَى السُّطُوحِ “.

 

          الذين يفتِّشون الكتب المقدسة ويعرفون إرادة الله، عندما يكونون رجالاً فاضلين، ومهتمين بما هو نافع للناس، وماهرين فى قيادتهم باستقامة إلى كل الأمور الممتازة، سوف يُكافأون بكل بركة، إذا أدُّوا مهامهم بكل اجتهاد. وهذا ما يؤكده لنا المخلِّص حيث يقول: “ فمن هو إذن العبد الأمين الحكيم الذي يقيمه سيده على خدمِهِ ليعطيهم الطعام فى حينه، طوبى لذلك العبد الذي إذا جاء سيده يجده يفعل هكذا، الحق أقول لكم إنه يقيمه على جميع أمواله” (مت45:24ـ47)، ولكن إن كان كسولاً ومهملاً وتسبب فى ضرر من أؤتُمن عليهم، فإنه بإنحرافه عن الطريق المستقيم، يكون في بؤس عظيم وفى خطر عقاب محقَّق، لأن المسيح نفسه أيضًا قد قال: “ ومن أعثر أحد هؤلاء الصغار المؤمنين بي، فخيرٌ له أن يُعلَّق في عنقه حجر حمار[1] ويُغرق في لُجَّة  البحر” (مت18: 6).

          وقد أثبت المسيح أنهم مذنبون بأخطاء فظيعة أولئك الذين يدعون أنهم حاذقون فى الناموس، أقصد الكتبة والناموسيون، ولهذا يقول لهم: ” ويل لكم أيها الناموسيون لأنكم أخذتم مفتاح المعرفة“، ونحن نعتقد أن مفتاح المعرفة يَقصد به الناموس نفسه، والتبرير بالمسيح وأنا أعني بالإيمان به. لأنه رغم أن الناموس كان ظلاً ومثالاً، إلاَّ أن هذه الرموز ترسم لنا الحقيقة، وتلك الظلال تصوِّر لنا بِر المسيح بطرق متنوعة. كان يقدَّم حَمَل ذبيحة بحسب ناموس موسى، وكانوا يأكلون لحمه ويدهنون القائمتين بدمه، وهكذا كانوا يَغلبون المهلِك. ولكن مجرد دم خروف لا يمكن أن يبعد الموت. لقد كان المسيح هو المشار إليه بمِثال في شكل حمل، هو الذي احتمل أن يكون ذبيحة عن حياة العالم، وأن يخلِّص بدمه أولئك الذين يشتركون فيه. ويمكن للإنسان أن يذكر أمثلة أخرى كثيرة، يمكن بواسطتها أن نميِّز سر المسيح المرسوم فى ظلال الناموس. والمسيح نفسه لمَّا تكلم ذات مرة لليهود قال: “يوجد الذي يشكُوكم وهو موسى الذي عليه رجاؤكم، لأنكم لو كنتم تُصدّقون موسى لكنتم تصدّقونني لأنه هو كتب عني” (يو5: 45ـ46)، وأيضًا ” فتِّشوا الكتب لأنكم تظنون أن لكم فيها حياة أبدية وهى التى تشهد لي، ولا تريدون أن تأتوا إليَّ لتكون لكم حياة” (يو5: 39)، لأن كل كلمة فى الكتب الإلهية الموحَى بها تتطلَّع نحوه وتشير إليه. وإن كان موسى الذي يتكلم، فهو على أى حال كان كما رأينا مثالاً للمسيح، وإن كان الأنبياء القديسون الذين تُذكر أسماؤهم، فإنهم أيضًا أعلنوا لنا سر المسيح مسبقًا عن الخلاص الذي بواسطته.

          لذلك كان يجب على أولئك الذين يُدعَون ناموسيون، بسبب دراستهم لناموس موسى وكانوا على دراية كبيرة بأقوال الأنبياء القديسين، كان ينبغي أن يفتحوا أبواب المعرفة لجماهير اليهود، لأن الناموس يُوجِّه الناس إلى المسيح، والإعلانات المقدسة التى للأنبياء القديسين تقود ـ كما قلت لكم ـ للتعرُّف عليه. لكن المدعُوِّين ناموسيون لا يفعلون هكذا، بل على العكس أبعدوا مفتاح المعرفة، والذي ينبغي أن نعرف أنه إرشاد الناموس. أو هو بالحقيقة الإيمان بالمسيح، لأن معرفة الحق هى بالإيمان، كما يقول إشعياء النبي في موضع ما: ” إن لم تؤمنوا فلا تفهموا” (إش7: 39 س). وطريقة الخلاص هذه نفسها بالإيمان بالمسيح أعلنها لنا سابقًا بواسطة الأنبياء القديسين قائلاً: “ قليلاً، بعد قليل سيأتي الآتي ولا يبطئ…” (حبقوق2: 3 س) ” وإن ارتدَّ لا تُسر به نفسي” (عب10: 37)، والمقصود بارتداد الشخص هو أن يستسلم للتواني، لذلك يقول إنه لا يجب أن يرتد واحد، فالمقصود أنه إذا كان يزداد توانيًا فى سَيرِه نحو النعمة التى بالإيمان فإن نفسي لن تُسر به.

          أما كون الآباء قد تزّكوا بالإيمان، ففحص أعمالهم يوضِّح ذلك. خُذ على سبيل المثال أب الآباء إبراهيم الذي دُعيَ خليل الله، ماذا كُتِب عنه؟ “ آمن إبراهيم بالله فحُسب إيمانه له برًّا ودُعيَ خليل الله” (يع2: 23). كما كُتب أيضًا ” بالإيمان نوح لما أُوحيَ إليه عن أمور لم تُرَ بعد خاف فبنى فُلكًا لخلاص بيته، الذي فيه خلص قليلون أي ثماني أنفس بالماء” (عب11: 7، 1بط3: 20). كما أن المبارك بولس قدَّم لنا تعريفًا، أو بالأحرى قانونًا عامًّا بقوله: ” بدون إيمان لا يمكن ارضاء الله” (عب11: 6)، لأنه قال إن به نال القدماء، شهادة حسنة (عب11: 2).

          أما هؤلاء المدعوون ناموسيون فقد أخذوا مفتاح المعرفة، ولم يسمحوا للناس أن يؤمنوا بالمسيح مخلِّص الجميع. إنه أجرى عجائب بطرق متنوعة، فأقام الموتى من القبور، وأعاد البصر للعميان الذين فقدوا الرجاء، وجعل العرج يمشون وطهَّر البرص، وانتهر الأرواح النجسة، أما هم رغم أنه كان من واجبهم أن ينظروا إليه بإعجاب بسبب هذه الأمور، إلا أنهم احتقروا آياته الإلهية، وجعلوا الشعب الذي أودع أمانة عندهم أن يعثر فيه، إذ قالوا: ” هذا الإنسان لا يُخرج الشياطين إلا ببعلزبول رئيس الشياطين” (مت12: 24). ها أنت ترى أنهم قد أخذوا مفتاح المعرفة. فهو علَّم في مجامعهم، وكشف لسامعيه مشيئة الله الآب الصالحة والمرضية الكاملة (رو12: 2)، لكنهم لم يتركوا حتى تعاليمه هذه بدون لوم، لأنهم صرخوا للجموع: به شيطان، وهو يهذي ” لماذا تسمعون له؟” (يو10: 20). حقًّا إنهم أخذوا مفتاح المعرفة فما دخلوا هم أنفسهم ومنعوا الآخرين.

          وهكذا وقد صاروا ساخطين على هذا التوبيخ، فإنهم كما يقول الكتاب: ” بدءوا يحنقون عليه” والذي يعني أنهم بدءوا يهاجمونه بمكرٍ ويقاومونه، ويُظهرون بغضهم له، بل وتجاسروا أيضًا كما يقول: ” أن يُفحموه على أمور كثيرة[2]،ومرَّة ثانية ما هو المقصود بأن يُفحموه (يسكتوه)؟

          المقصود هو أنهم طلبوا منه فورًا، أي بدون إعطائه فرصة للتفكير فى الإجابة على أسئلتهم الشريرة، ومتوقِّعين بكل تأكيد أن يقع في شباكهم وأن يقول شيئًا ما أو شيئًا آخر يمكن الاعتراض عليه. ولكنهم لم يعلموا أنه هو الله، بل بالحري هم الذين كانوا حقيرين، مغرورين، منتفخين. ولذلك قال المسيح لأصدقائه، أعنى لتلاميذه: ” تحرَّزوا لأنفسكم من خمير الفريسيين والكتبة“، وهو يقصد بالخمير تظاهرهم الكاذب، لأن الرياء أمر ممقوت لدى الله ومكروه من الناس ولا يجلب مكافأة وهو عديم الفائدة تمامًا لخلاص النفس بل بالأحرى هو سبب هلاكها. وإن اختبأ ولم ينكشف لفترة قصيرة، فلابد أن يُفضح بعد زمن ليس بطويل، ويجلب عليهم الاحتقار، مثل النسوة قبيحات المنظر، عندما تُنزع عنهن زينتهن الخارجية التى عملوها بوسائل مصطنعة.

          لذلك فالرياء شيء غريب عن أخلاق القديسين، لأنه من المستحيل أن تلك الأمور التى نفعلها ونقولها، أن تخفى على عين الله، وهذا ما أوضحه بقوله:    ” فليس مكتومٌ لن يُستعلن، ولا خفيٌّ لن يُعرف“، لأن جميع أقوالنا وأعمالنا سوف تنكشف فى يوم الدينونة. إن الرياء إذن هو عناء لا لزوم له، ومن واجبنا أن نثبت أننا عابدون حقيقيون، نخدم الله بوجه طلق مكشوف، ولا نخضع فكرنا لمن أخذوا مفتاح المعرفة، بل يجب أن نرى حتى في الناموس سر المسيح، ونمسك بكلمات الأنبياء القديسين لتثبت معرفتنا به. وهذا أيضًا ما علَّمنا به تلميذه بقوله: ” وعندنا الكلمة النبوية وهى أثبت، التى تفعلون حسنًا إن انتبهتم إليها كما إلى سراج منير في موضع مظلم إلى أن ينفجر النهار ويطلع كوكب الصبح فى قلوبكم ” (2بط1: 19).

          فنحن الذين في المسيح قد أشرق إذن علينا النهار، وقد طلع كوكب الصبح العقلي، حاصلين على معرفة صحيحة وبلا لوم لأنه هو نفسه قد وضع في ذهننا وقلبنا المعرفة الإلهية، إذ هو المخلِّص ورب الكل، الذي به ومعه لله الآب التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى دهر الدهور. آمين.

 

[1] يقصد القديس فى نصه هنا حجر الرحى الكبير الذى يُدار بحمار، لتمييزه عن حجر الرحى الصغير الذى يُدار باليد.

[2] هذا بحسب النص الذى فى يد القديس كيرلس To put him to Silence وكذلك نفس المعنى بحسب النص اليونانى. وفى ترجمة دار “الكتاب المقدس: ” يصادرونه على أمور كثيرة “.

 

مفتاح المعرفة – إنجيل لوقا 12 ج1 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

Exit mobile version