كيفية خلاص النفس؟ – إنجيل لوقا 17 ج4 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

كيفية خلاص النفس؟ – إنجيل لوقا 17 ج4 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

كيفية خلاص النفس؟ – إنجيل لوقا 17 ج4 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو31:17ـ37): ” فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مَنْ كَانَ عَلَى السَّطْحِ وَأَمْتِعَتُهُ فِي الْبَيْتِ فَلاَ يَنْزِلْ لِيَأْخُذَهَا وَالَّذِي في الْحَقْلِ كَذَلِكَ لاَ يَرْجِعْ إِلَى الْوَرَاءِ. اُذْكُرُوا امْرَأَةَ لُوطٍ!. مَنْ طَلَبَ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا وَمَنْ أَهْلَكَهَا يُحْيِيهَا. أَقُولُ لَكُمْ: أنهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ يَكُونُ اثْنــَانِ عَلَـى فِرَاشٍ وَاحِدٍ فَيُؤْخَذُ الْوَاحِدُ وَيُتْرَكُ الآخَرُ. تَكُونُ اثْنَتَانِ تَطْحَنَانِ مَعًا فَتُؤْخَذُ الْوَاحِدَةُ وَتُتْرَكُ الأُخْرَى. يَكُونُ اثْنَانِ فِي الْحَقْلِ فَيُؤْخَذُ الْوَاحِدُ وَيُتْرَكُ الآخَرُ. فَقَالُوا لَهُ: أَيْنَ يَا رَبُّ؟ فَقَالَ لَهُمْ: حَيْثُ تَكُونُ الْجُثَّةُ هُنَاكَ تَجْتَمِعُ النُّسُورُ “.

يقول الكتاب المقدس في موضع ما: ” هيئ أعمالك لأجل رحيلك، واجعل نفسك مستعدة للحقل” (أم 27:24 س). وأنا أعتقد أن المقصود برحيلنا هو خروجنا من هذا العالم وانتقالنا من هنا. وبالطبع لابد أن تلحق هذه الساعة كل إنسان، لأنه كما يقول المرنّم: ” أي إنسان يحيا ولا يرى الموت، ومن يستطيع أن ينجي نفسه من يد الهاوية؟” (مز 48:88 س). لأن طبيعة الإنسان قد أُدينت في آدم وسقطت في الانحلال، لأنه تعدَّى الوصية التي أعطيت له. أما أولئك المهملون والمزدرون فإنهم يعيشون حياة مخزّية ومحِبة للذة، وهم لا يعطون ذهنهم فرصة للتفكير في العالم الآتي ولا في الرجاء المعّد للقديسين، كما أنهم لا يشعرون بأي انزعاج من العذاب المعد لمن يحبون الشر. أما الذين يعيشون حياة فاضلة فإنهم يفرحون بالأتعاب لأجل الاستقامة، كما لو كانوا يتركون شهوة السعي وراء الأرضيات، ولا يعطون سوى انتباهًا قليلاً للضجيج الباطل الذي لهذا العالم.
يدعونا المخلّص أن نتمسك بشدة بهذا الهدف الممتاز، وبالاجتهاد المناسب له فيقول: ” في ذلك اليوم من كان على السطح وأمتعته في البيت فلا ينزل ليأخذها، والذي في الحقل كذلك لا يرجع إلى الوراء”. كان المسيح يتكلّم عن اليوم الأخير، أي عن نهاية هذا العالم ويقول: لأنه كما كان في أيام نوح ولوط، كانوا يأكلون ويشربون ويزوّجون ويتزوّجون إلى أن جاء الطوفان، ونزلت نار على سدوم وأهلكت الجميع، هكذا يكون اليوم الذي فيه يظهر ابن الإنسان. لذلك فهو يقويّهم ليتذكروا اليوم الأخير ونهاية الزمان، فيوصيهم ألاّ يكترثوا بكل الأمور الأرضيّة والوقتيّة، وأن يتطلّعوا فقط إلى غاية واحدة، التي هي اهتمام كل واحد بخلاص نفسه. لذلك يقول: مَنْ كان على السطح وأمتعته في البيت فلا ينزل ليأخذها. ومن الواضح أنه بهذه الكلمات يقصد الإنسان الذي يعيش رغد وسعة ومجد دنيوي، لأن أولئك الذين يقفون على السطوح يكونون دائمًا ظاهرين أمام أعين أولئك المحيطين بالمنزل. وهو يقول: فإن كان هناك أحد فدعه في ذلك الوقت لا يحسب حسابًا لأمتعته المخزونة في بيته، لأن مثل هذه الأشياء تكون حينئذ بلا قيمة ولا نفع منها لحياته، كما هو مكتوب: ” الكنوز لا تنفع الشرير، أما البر فينجي من الموت” (أم 2:10 س).

ويقول: وإن كان أحد في الحقل، دعه كذلك لا يرجع إلى الوراء. أي إن وُجد أحد منشغلاً تمامًا في فلاحته ومستغرقًا في الأشغال، وهو يرغب في الثمر الروحي وأن يجني عاقبة تعب الفضيلة، فليتمسك بثبات بهذا الاجتهاد، ودعه لا يرجع إلى الوراء، لأنه كما قال المسيح نفسه أيضًا في موضع ما: ” ليس أحد يضع يده على المحراث وينظر إلى الوراء يصلح لملكوت الله” (لو 62:9)، لأنه من واجبنا أن نحافظ على جهاداتنا الروحّية بلا تذبذب، وأن نثابر فيها بإرادة لا تكل، لئلا نقاسي نفس المصير الذي حلّ بالمرأة في سدوم، وإذ يضرب بها المثل فهو يقول: ” اذكروا امرأة لوط” لأنها بعد أن أُنقذت من سدوم ولكنها لأنها رجعت بقلبها بعد ذلك، فإنها صارت عمود ملح، أي صارت حمقاء ومثل حجر.

لذلك يقول: في ذلك اليوم وتلك الساعة، كل من هم معتادون على العيش في بذخ، يلزمهم أن يمتنعوا تمامًا عن مثل هذه الكبرياء وأن يجتهدوا بكل استعداد لكي يخلّصوا أنفسهم، وبالمثل على من هم كادحون ويقدّرون الجهاد النافع، يلزمهم أن يتمسّكوا بشجاعة بالهدف الموضوع أمامهم، لأن “من طلب أن يخلّص نفسه يهلكها، ومن أهلكها يحفظها حيّة”.

أما عن الطريقة التي يهلك بها الإنسان نفسه لكي ما يخلّصها، وكيف أن مَنْ يتصّور أنه يخلِّصها يهلكها، فهذا يبينّه بولس بوضوح عندما يقول عن القديسين: ” الذين هم للمسيح قد صلبوا الجسد مع الأهواء والشهوات” (غل 24:5). لأن الذين قد صاروا تابعين حقيقيين للمسيح مخلّصنا جميعًا، يصلبون جسدهم ويميتونه وذلك بانشغالهم دائمًا في أتعاب وجهادات لأجل التقوى، وبإماتتهم شهوة الجسد الطبيعية لأنه مكتوب: ” أميتوا أعضاءكم التي على الأرض، الزنا النجاسة الهوى الشهوة الردية الطمع” (كو 5:3). أما الذين يحبون سلوك الحياة الشهواني، ربما يتخيَّلون أنهم يربحون نفوسهم بالعيش في اللذة والتخنث، بينما هم يخسرونها بالتأكيد، لأنه يقول: ” لأن من يزرع لجسده فمن الجسد يحصد فسادًا” (غل 8:6). لكن كل مَنْ يخسر حياته فهو بالتأكيد سيخلِّصها، وهذا ما فعله الشهداء إذ احتملوا الصراعات حتى الدم وبذل الحياة، ووضعوا فوق رؤوسهم، محبتّهم الحقيقية للمسيح إكليلاً لهم. أما أولئك الذين أنكروا الإيمان بسبب ضعف العزيمة وضعف القلب، وهربوا من موت الجسد في الحاضر، فقد صاروا قتلة لأنفسهم لأنهم سيهبطون إلى الجحيم كي يكابدوا عقوبات جبنهم الشرير. لأن الديّان سينزل من السماء، وهؤلاء الذين أحبوه بكل قلوبهم ومارسوا باجتهاد حياة تقوى خالصة سوف يدعوهم قائلاً: ” تعالوا يا مباركي أبى رثوا المُلك المُعد لكم منذ تأسيس العالم” (مت 34:25). وأما الذين سلكوا حياة إهمال وانحلال، أو مَنْ لم يحافظوا على مجد الإيمان به، فسوف يحكم عليهم بعقوبة صارمة وشديدة جدًّا ويقول لهم: ” اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار الأبدية” (مت 41:25).

وهذا ما يعلّمنا إياه بقوله: ” في تلك الليلة يكون اثنان على فراش واحد فيُؤخذ الواحد ويُترك الآخر، تكون اثنتان تطحنان معًا فتُؤخذ الواحدة وتُترك الأخرى”. وعن الاثنين اللذين على فراش واحد، يبدو أنه يلمِّح إلى أولئك الذين يعيشون في راحة ويسر وهم مساوون لبعضهم البعض من جهة امتلاكهم للغنى الدنيوي، لأن الفراش يرمز إلى الراحة. ولكنه يقول واحد يُؤخذ ويُترك الآخر. كيف أو بأي طريقة؟ ذلك أنه ليس كل من يمتلكون ثروة ويحيون في راحة في هذا العالم، هم أشرار وقساة القلب. فلو أن إنسانًا كان غنيًا لكنه رحوم ولطيف وليس خاليًا من الشفقة الممدوحة على الفقراء؛ وإن كان مستعدًا أن يُشرك الآخرين في ثروته، وهو لطيف المعشر، وسخي ورزين العقل، ومستقيم الإيمان، وله غِيَرة حارة للتقوى، وإن كان أيضًا ـ بحسب تعبير المخلّص ـ يعمل أصدقاء لنفسه باستخدام مال الظلم، فمثل هذا الإنسان يُؤخذ، بينما يُترك الآخر، الذي لم يكن اهتمامه هكذا.
ويقول:” تكون اثنتان تطحنان معًا، فتُؤخذ الواحدة وتُترك الأخرى”. ويبدو أنه يقصد أيضًا بهاتين المرأتين، من يعيشون في فقر وعناء. ويقول حتى في حالة هؤلاء يوجد اختلاف شاسع لأن البعض احتملوا عبء الفقر بشجاعة وهم يسلكون سيرة حياة رزينة وفاضلة، بينما آخرون لهم سمات مختلفة، إذ يحتالون لممارسة كل عمل شرير ويخترعون كل ما هو وضيع. لذلك ففي حالتهم هذه، سيكون هناك فحص دقيق لأخلاقهم، ومن هو صالح، سيؤخذ، ومن هو ليس كذلك، سيُترك.

ولكن عندما استخدم المسيح مخلّصنا جميعًا تعبير “سيُؤخذ”، سأله التلاميذ بطريقة مفيدة وضرورية: أين يا رب؟ فقال لهم: حيث تكون الجثة هناك تجتمع النسور(ع 37). وماذا يعنى هذا؟ فإنه باستخدامه لحقيقة عامة وواضحة جدًّا يشير إلى سرّ عظيم وعميق. وما هو هذا؟ إنه سوف ينزل من السماء ليدين العالم بالعدل (أع 31:17). لكن كما يقول هو نفسه: ” يرسل ملائكته فيجمعون الأبرار والقديسين من بين الأشرار ويقربونهم إليه” (انظر مت 31:24) أما أولئك الآخرون فسيتركونهم كمستحقين للعذاب ومحكوم عليهم بالعقوبة التي بالنار.

وهذا يصرح به أيضًا بولس الحكيم جدًّا حيث يكتب: ” فإننا نقول لكم إننا نحن الأحياء الباقين لا نسبق الراقدين…” (1تس 15:4)، ” في لحظة في طرفة عين عند البوق الأخير، فإنه سيبوق والأموات في المسيح سيقومون عديمي فساد، ثم نحن الأحياء الباقين سنخطف جميعًا معهم في السحب لملاقاة الرب في الهواء، وهكذا نكون كل حين مع الرب” (1كو 52:15، 1تس 4: 16 و17).
لذلك يقول إنه عندما تنكشف جثة مائتة فإن الطيور الجارحة تجتمع حولها، كذلك عندما يظهر ابن الإنسان. فبالتأكيد فإن النسور حتى تلك التي تطير في علو شاهق وترتفع أعلى من الأشياء الأرضيّة والدنيوّية، تسارع إليه.

وهو يدعو الدينونة ” ليل”، بسبب أن مجيئه الثاني غير معروف وقته وغير متوقع. لأننا نتذكر أيضًا واحدًا من الأنبياء القديسين يصرخ إلى من يحبون الخطية ويقول: ” ويل للذين يشتهون يوم الرب! لماذا لكم يوم الرب؟ هو ظلام لا نور وظلمة كثيفة لا نور فيها” (عا 18:5 س).

وأيضًا المسيح نفسه قال في موضع ما لتلاميذه الأطهار: ” ينبغي أن أعمل أعمال الذي أرسلني مادام نهار، يأتي ليل حين لا يستطيع أحد أن يعمل” (يو 4:9). وأيضًا كتب واحد من الرسل القديسين يقول: ” يوم الرب كلص في الليل هكذا يجيء” (1تس 2:5) أي، دون أن يكون معروفًا مقدمًا. لذلك، لكي ما يأخذنا المسيح، لنتخلَّ عن كل هموم أرضية ونكرِّس أنفسنا لكل أنواع العمل الصالح. لأنه سوف يقبلنا ويجعلنا خاصته، ويكللّنا بكرامات من الأعالي؛ الذي به ومعه يليق لله الآب التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى دهر الدهور. آمين.

كيفية خلاص النفس؟ – إنجيل لوقا 17 ج4 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

متى يأتي ملكوت الله – إنجيل لوقا 17 ج3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

متى يأتي ملكوت الله – إنجيل لوقا 17 ج3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

متى يأتي ملكوت الله – إنجيل لوقا 17 ج3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو20:17ـ30): ” وَلَمَّا سَأَلَهُ الْفَرِّيسِيُّونَ: مَتَى يَأْتِي مَلَكُوتُ اللهِ؟ أَجَابَهُمْ: لاَ يَأْتِي مَلَكُوتُ اللهِ بِمُرَاقَبَةٍ. وَلاَ يَقُولُونَ: هُوَذَا هَهُنَا أَوْ: هُوَذَا هُنَاكَ لأَنْ هَا مَلَكُوتُ اللهِ دَاخِلَكُمْ. وَقَالَ لِلتَّلاَمِيذِ: سَتَأْتِي أَيَّامٌ فِيهَا تَشْتَهُونَ أَنْ تَرَوْا يَوْمًا وَاحِدًا مِنْ أَيَّامِ ابْنِ الإِنْسَانِ وَلاَ تَرَوْنَ. وَيَقُولُونَ لَكُمْ:هُوَذَا هَهُنَا أَوْ: هُوَذَا هُنَاكَ. لاَ تَذْهَبُوا وَلاَ تَتْبَعُوا. لأنهُ كَمَا أن الْبَرْقَ الَّذِي يَبْرُقُ مِنْ نَاحِيَةٍ تَحْتَ السَّمَاءِ يُضِيءُ إِلَى نَاحِيَةٍ تَحْتَ السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَكُونُ أَيْضًا ابْنُ الإِنْسَانِ فِي يَوْمِهِ. وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَوَّلاً أَنْ يَتَأَلَّمَ كَثِيرًا وَيُرْفَضَ مِنْ هَذَا الْجِيلِ. وَكَمَا كَانَ فِي أَيَّامِ نُوحٍ كَذَلِكَ يَكُونُ أَيْضًا فِي أَيَّامِ ابْنِ الإِنْسَانِ. كَانُوا يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيُزوِّجُونَ وَيَتَزَوَّجُونَ إِلَى الْيَوْمِ الَّذِي فِيهِ دَخَلَ نُوحٌ الْفُلْكَ وَجَاءَ الطُّوفَانُ وَأَهْلَكَ الْجَمِيعَ. كَذَلِكَ أَيْضًا كَمَا كَانَ فِي أَيَّامِ لُوطٍ كَانُوا يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَشْتَرُونَ وَيَبِيعُونَ وَيَغْرِسُونَ وَيَبْنُونَ. وَلَكِنَّ الْيَوْمَ الَّذِي فِيهِ خَرَجَ لُوطٌ مِنْ سَدُومَ أَمْطَرَ نَارًا وَكِبْرِيتًا مِنَ السَّمَاءِ فَأَهْلَكَ الْجَمِيعَ. هَكَذَا يَكُونُ فِي الْيَوْمِ الَّذِي فِيهِ يُظْهَرُ ابْنُ الإِنْسَانِ “.

مّرة ثانية يقاوم الفريسي الله، وهو لا يشعر أنه يرفس المناخس، لأنه بينما هو يتخّذ مظهر مَنْ هو شغوف بالتعلّم، فإنه يسخر من الأسرار الإلهيّة المقدَّسة جدًّا، تلك التي ” تشتهي الملائكة أن تطّلع عليها” حسب كلام الطوباوي بطرس (1بط 12:1). لهذا السبب فإن العمى (القساوة) حَدَثَ جزئيًا لإسرائيل والظلمة أعمّت عيونهم (رو 25:11). أما عن كونهم مظلمين وعمياناً، لدرجة أنهم كثيرًا ما جعلوا سر المسيح مناسبة للسخرية، فهذا ما يمكن لأي واحد أن يعرفه مما قد قُرئ علينا الآن. فقد اقتربوا منه وسألوه قائلين: ” متى يأتي ملكوت الله؟” أيها الفريسي الأحمق خفِّف من كبريائك، وتنحَّ عن السخرية التي تُعرِّضك لذنب ثقيل لا خلاص منه. فالكتاب يقول: ” والذي لا يؤمن بابن الله قد دين، لأنه لم يؤمن باسم ابن الله الوحيد” (يو 18:3). لأن موسى الإلهي سبق فأظهر بالمثال والظل أن الكلمة هو طريق العالم وباب الخلاص، ومع أنه هو الله، فقد ظهر في هيئة بشرّية واحتمل موت الجسد لأجل الأرض كلها. وتتفق أقوال الأنبياء القديسين أيضًا مع ما قاله موسى، لأنهم سبقوا فأنبأوا إنه سيأتي في الوقت المعيَّن في صورة مماثلة لنا. وهذا أيضًا قد حدث؛ لأنه أُظهِرَ للذين على الأرض، متخذًا هيئة عبد؛ ولكنه رغم هذا احتفظ بربوبيته الطبيعية وسلطانه، ومجده الإلهي، كما تبرّهن بروعة الأعمال التي أجراها.

لكن أنت أيها الفريسي لم تؤمن به ولم تقبل التبرير بواسطته لأنك معاند ومتكّبر، وبعد هذا أنت تسأل متى يأتي ملكوت الله؟

لذلك، فكما قلت، (فالفريسي) يسخر من سرّ هكذا مقدَّس حقًا وجدير بالإعجاب. ولأن مخلِّص الجميع كان يتكلّم في أحاديثه العلنيّة من حين لآخر عن ملكوت الله، لذلك فهؤلاء البؤساء، يزدرون به ـ أو ربما حتى قد وضعوا في ذهنهم أن يصطادوه بخبثهم، فإن عليه أن يحتمل الموت على الصليب ـ لذلك فهم يسألون في سخرية، متى يأتي ملكوت الله؟ وكأنهم يقولون إنه قبل أن يأتي هذا الملكوت الذي تتحّدث عنه، فإن الصليب والموت سوف يمسكان بك. لذلك، بماذا أجاب المسيح؟
مرّة أخرى يُظهر طول أناته وحبه الذي لا يبارى للإنسان، لأنه ” إذ شُتم لم يكن يشتم عوضًا، وإذ تألم لم يكن يُهدِّد” (1بط 23:2). لذلك فلم يُوبخهم بشدة، ولكن بسبب خبثهم لم يتلّطف لكي يجيب على سؤالهم، بل يقول إن ما ينفع كل الناس، هو أن لا يأتي ملكوت الله بمراقبة، لأن ها ملكوت الله داخلكم (لو 20:17 و21). ويقول لا تسألوا عن الأزمنة التي سيظهر فيها أيضًا ملكوت السموات ويأتي، بل بالحري اجتهدوا لكي تُحسَبوا أهلاً له، لأنه موجود داخلكم، أي أنه يعتمد على مشيئاتكم الخاصة، وهو في متناول أيدّيكم سواء قبلتموه أو رفضتموه. لأن كل إنسان قد حصل على التبرير بواسطة الإيمان بالمسيح، وهو متزّين بكل فضيلة، فإنه يُحسب أهلاً لملكوت السموات.
لذلك فبعد أن أوضح هذا الأمر للجميع، فإنه الآن يوجه كلامه إلى تلاميذه القديسين، لمن هم رفقاؤه القديسون ويقول: ستأتي أيام تشتهون فيها أن تروا يومًا واحدًا من أيام ابن الإنسان ولا ترون. هل الرب بحديثه هكذا يغرس الجبن في تلاميذه؟ هل هو يضعفهم مقدمًا ويوهن عزيمتهم حتى لا يستطيعوا أن يحتملوا تلك الاضطهادات والتجارب التي يجب عليهم أن يحتملوها؟ ليس هذا هو قصده بل بالأحرى العكس؛ لأنه يريدهم أن يكونوا مستعدين لكل ما يمكن أن يحزن الناس ويتهيئوا لاحتماله بصبر، وهكذا إذ ينالون استحسانه يمكنهم أن يدخلوا ملكوت الله. لذلك فهو ينذرهم مسبقًا بأنه قبل مجيئه من السماء عند انقضاء العالم، فسوف تسبقه تجارب واضطهادات، حتى إنهم يشتهون أن يروا يومًا من أيام ابن الإنسان؛ أي يومًا مثل تلك الأيام التي كانوا فيها لا يزالون يتجوّلون مع المسيح ويتحادثون معه. ومع هذا فإن اليهود كانوا حتى في ذلك الحين يخطئون ضده بعنف غير قليل، فقد رجموه بالحجارة واضطهدوه، ليس فقط مرة واحدة بل مرّات كثيرة؛ واقتادوه إلى حافة الجبل، لكي يطرحوه على الجرف؛ وأغاظوه بالتعييرات والافتراءات، وكل صور الخبث مارسها اليهود ضده. فكيف قال إذًا إن التلاميذ سوف يشتهون أن يروا يومًا من أيامه؟ قال هذا بسبب أن الشرور الأقل تُشتَهى عند مقارنتها بالشرور الأعظم.

أما عن نزوله من السماء في أزمنة العالم الأخيرة، ليس في الخفاء ولا في السّر، بل بمجد إلهي، وساكنًا في نور لا يدنى منه (1تي 16:6)، فهذا أعلنه بقوله إن مجيئه سيكون كالبرق. قد وُلد حقيقة بالجسد من امرأة لكي يتّمم التدبير لأجلنا، ولهذا السبب أخلى نفسه (في 7:2)، وافتقر، ولم يُظهر ذاته في مجد الألوهية؛ لأن الوقت نفسه، وضرورة التدبير، قاده إلى هذا الاتضاع. أما بعد قيامته من بين الأموات ـ وبعد أن صعد إلى السماء وجلس مع الله الآب ـ فسوف ينزل ثانية، بدون إخفاء لمجده، وليس في وضاعة الطبيعة البشرّية، بل في عظمة الآب ومجده، وبرفقة الملائكة المحيطين والواقفين أمامه، كإله ورب الكّل، لذلك فسوف يأتي، كالبرق، وليس في السّر.

وأيضًا لا يجب أن نصدق أي إنسان يقول: ” هوذا المسيح هنا أو هوذا هناك”. بل كما قال الرب فإنه ” ينبغي أولاً أن يتألم كثيرًا ويرفض من هذا الجيل” (لو 25:17)، والمسيح بقوله هذا، فإنه يقطع من قلب التلاميذ توقعًا آخر لأنهم افترضوا أنه بعد أن كان قد تجوّل في اليهودية وبعد ذلك في أورشليم، فإنه في الحال سوف يظهر ملكوت الله. فتقدّموا إليه وقالوا: يا رب هل في هذا الوقت ترد الملك إلى إسرائيل؟ (أع 6:1). وأُم ابني زبدي أيضًا كانت تتوقّع أن هذا سوف يحدث، ولذلك تقدَّمت إليه وقالت: ” قل أن يجلس ابناي هذان واحد عن يمينك والآخر عن اليسار في ملكوتك” (مت 21:20)، فلكي يعرفوا، أنه كان مزمعًا أولاً أن يجوز آلامه الخلاصية، وأن يبطل الموت بموت جسده، ويطرح خطية العالم خارجًا ويقضي على رئيس هذا العالم، وأن يصعد إلى الآب، وفى الوقت المعيّن يظهر ” ليدين المسكونة بالعدل” (مز 13:95 س)؛ لذلك يقول، إنه ” ينبغي أولاً أن يتألم كثيرًا”.

ولكي يوضّح أنه سوف يظهر على غير توقّع، وبدون أن يعرف أحد متى يكون هذا ومتى تكون نهاية العالم، فإنه يقول إن النهاية ستكون كما كان في أيام نوح ولوط. لأنه يقول إنهم كانوا يأكلون ويشربون ويزوجّون ويتزوّجون، ويشترون ويبيعون، ويبنون؛ لكن مجيء الطوفان قتل الأولين ، بينما كان الآخرون فريسة وطعامًا “للكبريت والنار” إذًا، فما معنى هذا؟ هو يطلب منّا أن نكون دائمًا ساهرين ومستعدين لأن نعطي جوابًا أمام منبر الله كما يقول بولس: ” لأنه لابد أننا جميعًا نُظهَر أمام كرسي المسيح لينال كل واحد ما كان بالجسد بحسب ما صنع خيرًا كلن أم شرًا” (2كو10:5).

” فيقيم الخراف عن يمينه والجداء عن اليسار ويقول للخراف تعالوا يا مباركي أبى رثوا الملكوت المُعد لكم منذ تأسيس العالم”، لكنه سينطق حكمًا مرعبًا على الجداء لأنه سيرسلهم ” إلى النار التي لا تُطفأ” (انظر مت 33:25ـ41).

لذلك، أيها الفريسي، إن أردت أن تُحسب مستحقًا لملكوت الله، فصرّ واحدًا من الخراف، قدِّم للمسيح ثمرة إيمانك به، وامدح السلوك المقدّس، الذي بحسب الإنجيل، أما إن ظللّت جديًا، أي غير مثمر، وخالٍ من الإيمان والأعمال الصالحة معًا، فلماذا تسأل متى يأتي ملكوت الله؟ لأنه لا يهمك، بل بالأحرى خَفْ من العذاب المقرّر لغير المؤمنين، ومن النار التي لا تُطفأ المعدّة لأولئك الذين يخطئون ضد المسيح؛ الذي به ومعه لله الآب يحق التسبيح والسلطان، مع الروح القدس، إلى دهر الدهور. آمين.

متى يأتي ملكوت الله – إنجيل لوقا 17 ج3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

الثبات في الإيمان – إنجيل لوقا 17 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

الثبات في الإيمان – إنجيل لوقا 17 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

الثبات في الإيمان – إنجيل لوقا 17 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

أما الثبات في الإيمان فهو نعمة عظيمة ومتميزة وهذا ما يظهره الرب بقوله:
(لو6:17): ” لَوْ كَانَ لَكُمْ إِيمَانٌ مِثْلُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ لَكُنْتُمْ تَقُولُونَ لِهَذِهِ الْجُمَّيْزَةِ انْقَلِعِي وَانْغَرِسِي فِي الْبَحْرِ فَتُطِيعُكُمْ “.

لأن الذي يثق في المسيح، لا يتكّل على قوته الذاتية، بل بالأحرى يؤمن أن المسيح يعمل كل الأشياء بقوته. إذ نحن نعترف أن إتمام كل الأشياء الحسنة في نفوس البشر يأتي منه، ومع ذلك ينبغي على النفوس أن تُعد ذواتها لنوال هذه النعمة العظيمة. لأنه إن كانت قوة الإيمان تنتزع ما هو ثابت ومتأصل في الأرض، فيمكن للمرء أن يقول بطريقة مطلقة إنه لا يوجد شيء مهما كان راسخًا لا يستطيع الإيمان أن يزعزعه لو كان اقتلاعه مطلوبًا. ولذلك فإن الأرض تزلزلت عندما كان الرسل يصلون، كما يخبرنا سفر أعمال الرسل (أع 31:4). وكذلك، فمن ناحية أخرى، فإن الإيمان يوقف الأشياء المتحركة مثل النهر المتدفق بسرعة (يش 16:3) ويوقف الأنوار التي تتحرك بلا توقف في السماء (يش 10:13)، ومع ذلك يجب علينا أن نلاحظ بعناية، أن الله لا يثير إعجابًا فارغًا أو دهشة باطلة. لأن مثل هذه الأمور هي أبعد ما تكون عن الجوهر الإلهي الذي هو حُرّ تمامًا من الكبرياء والافتخار، وهو حق كله، وهو يعمل كل هذه الأعمال فقط لأجل خير البشر وسلامتهم، وهذا أقوله لكي لا ينتظر أحد من الإيمان المقدس والقوة الإلهية تغيّرات غير نافعة للعناصر مثلاً، أو ينتظر إزالة الجبال والأشجار، فلو أن هذه التغيّرات لم تحدث، لا يكون ذلك بسبب أن الكلمة غير صادقة بل بسبب أن الرّب لا يريد أن يفسح مجالاً لعدم التقوى. وأيضًا لا يُحسب الإيمان ضعيفًا لو أنه لم يستطع أن يتمّم مثل هذه الأعمال. فليكن للشيء بعض الفائدة الحقيقية وعندئذ فلن يُحرَم من القوة اللازمة لإتمامه.

(لو7:17ـ10 ): ” وَمَنْ مِنْكُمْ لَهُ عَبْدٌ يَحْرُثُ أَوْ يَرْعَى يَقُولُ لَهُ إِذَا دَخَلَ مِنَ الْحَقْلِ: تَقَدَّمْ سَرِيعًا وَاتَّكِئْ. بَلْ أَلاَ يَقُولُ لَهُ: أَعْدِدْ مَا أَتَعَشَّى بِهِ وَتَمَنْطَقْ وَاخْدِمْنِي حَتَّى آكُلَ وَأَشْرَبَ وَبَعْدَ ذَلِكَ تَأْكُلُ وَتَشْرَبُ أَنْتَ. فَهَلْ لِذَلِكَ الْعَبْدِ فَضْلٌ لأنهُ فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ؟ لاَ أَظُنُّ. كَذَلِكَ أَنْتُمْ أَيْضًا مَتَى فَعَلْتُمْ كُلَّ مَا أُمِرْتُمْ بِهِ فَقُولُوا: أننَا عَبِيدٌ بَطَّالُونَ. لأننَا أنمَا عَمِلْنَا مَا كَانَ يَجِبُ عَلَيْنَا”.

وجَّه الرب لنا في هذه الأعداد حديثًا طويلاً وهامًا لكي يرينا الطرق التي تؤدي إلى المجد والكرامة، وليظهر أمجاد الحياة التي بلا لوم، لكي بتقدّمنا فيها وبسيرنا قدمًا وبحماس إلى كل ما هو مثير للإعجاب، فإننا ندرك جعالة دعوتنا العليا (في 14:3). ولكن حيث إن طبيعة ذهن الإنسان تتجّه دائمًا إلى المجد الباطل وتصاب بسهولة بالميل نحو ذلك الافتخار الباطل، وحيث إن المتميزين أمام الله يقدّمون دائمًا بعض الفضائل النبيلة جدًّا كحجة لهذه الخطية، وحيث إنها خطية خطيرة جدًّا وكريهة أمام الله، فالحّية مصدر كل شر تقود الناس أحيانًا إلى هذه الحالة الذهنية حتى أنهم ربما يتخيّلون أن الله يكون مدينًا لهم بأعلى الكرامات، عندما تكون حياتهم مجيدة وممتازة. فلكي يجتّذبنا الرب بعيدًا عن هذه الأفكار، فإنه يضع أمامنا مغزى الدروس التي قُرئت علينا حالاً ويعلّمنا بواسطتها بمثال، أن قوة سلطان الملك تتطلّب في كل مكان من عبيدها الخضوع، كدين عليهم. ويقول الرب إن السيد لا يعترف بأي فضل للعبد حتى لو فعل كل ما يجب عليه أن يفعل بحسب ما هو لائق بوضع العبد.
أتوسّل إليكم، لاحظوا هنا أن الرب يشجّع التلاميذ بل وكل الخاضعين لقضيب ملك المسيح مخلّصنا جميعًا، على الاجتهاد، ولكن ليس كأنهم يقدّمون خدمتهم له على أنها فضل منهم، بل كمن يدفعون دين الطاعة الواجب على العبيد، وبهذا يبطل داء المجد الباطل، الملعون. لأنك إن فعلت ما يجب عليك، فلماذا تتكبّر في نفسك ألست ترى أنك ستكون في خطر إن لم تسدّد دينك، وأنك حتى لو أوفيته فلا يحق لك الشكر؟ تلك الحقيقة قد تَعلَّمَها وفهِمَها جيدًا ذلك الخادم العجيب بولس الرسول الذي يقول: ” لأنه إن كنت أُبشِّر فليس لي فخر إذ الضرورة موضوعة عليَّ فويل لي إن كنت لا أُبشِّر” (1كو 16:9)، وأيضًا يقول: ” إني مديون لليونانيين والبرابرة، للحكماء والجهلاء ” (رو14:1). لذلك فإن كنت قد فعلت حسنًا وقد حَفظْتَ الوصايا الإلهية، وقد أطعّت ربك، فلا تطلب كرامة من الله كأنها حق لك، بل بالحرى اقِترب منه واطلب الهبات من سخائه بتوسل. تذكّر أنه فيما بيننا أيضًا، فإن السادة لا يقرون بأي شكر عندما يؤدي أي واحد من عبيدهم الخدمة المعينّة لهم، رغم أنهم بجودهم يكسبون ارتياح عبيدهم الأمناء، وهكذا يُولِّدون فيهم نشاطًا أكثر بفرح. وبالمثل يطلب الله منا خدمة العبيد، مستخدمًا حق سلطانه الملوكي، ولكن لكونه صالحًا وجوَّادًا، فإنه يَعِد أيضًا بالمكافآت لأولئك الذين يتعّبون. وعظمة إحسانه تفوق أتعاب عبيده جدًّا كما يؤكد لكم بولس الرسول إذ يكتب قائلاً: ” إن آلام الزمان الحاضر لا تقاس بالمجد العتيد أن يُستعلن فينا” (رو 18:8). نعم فرغم أننا عبيد فالرب يدعونا أبناء ويكللّنا بالمجد اللائق بالبنين. ولاحظوا أيضًا أن كل واحد إذ قد أعتنى أولاً بجسده، هكذا ينبغي عليه أن يهتم بعد ذلك بخير الآخرين، ” لأنه إن كان أحد لا يعرف أن يدبِّر بيته حسنًا فكيف يعتني بكنيسة الله” (1تي 5:3).

(لو12:17و13): ” وَفِيمَا هُوَ دَاخِلٌ إِلَى قَرْيَةٍ اسْتَقْبَلَهُ عَشَرَةُ رِجَالٍ بُرْصٍ فَوَقَفُوا مِنْ بَعِيدٍ. وَصَرَخُوا: يَا يَسُوعُ يَا مُعَلِّمُ ارْحَمْنَا “.

يُظهِر لنا المخلّص مرة ثانية مجده بعمله معجزات إلهية لكي يربح إلى الإيمان، إسرائيل الأحمق، رغم عناده وعدم إيمانه. أيَّة حجة سوف يعتذرون بها في يوم الدينونة لرفضهم قبول الخلاص بالمسيح، لا سيما إذا كانوا هم أنفسهم قد سمعوا كلامه وكانوا معاينّين لعجائبه التي لا ينطق بها؟ ولهذا السبب قال هو نفسه عنهم: ” لو لم أكن قد جئت وكلمتهم لم تكن لهم خطية”، وأيضًا لو لم أكن قد عملت بينهم أعمالاً لم يعملها أحد غيري لم تكن لهم خطية، وأما الآن فقد رأوا وأبغضوني أنا وأبى (يو 22:15 و24). وكما قلت لكم سابقًا، فإن تطهير الرجال البرص كان برهانًا واضحًا على قوته العجائبية، فبمقتضى ناموس موسى كان البُرص يُطرَدون خارج المدن والقرى لكونهم نجسين.
أظن أن هذا يكفي كملاحظات تمهيدية. لذلك فما أن قابل البُرص المخلِّص حتى طلبوا منه باجتهاد أن يحرّرهم من بؤسهم داعين إياه سيدًا أي معلّمًا.
لم يشفق أحد عليهم عندما كانوا يعانون من هذا المرض، سوى هذا الذي ظَهَرَ على الأرض خصيصًا لأجل هذا السبب بعينه، وقد صار إنسانًا لكي ما يُظهِر شفقته على الكّل، فتحرَّك بالشفقة عليهم ورحمهم.

(لو14:17) ” وَقَالَ لَهُمُ: اذْهَبُوا وَأَرُوا أَنْفُسَكُمْ لِلْكَهَنَةِ. وَفِيمَا هُمْ مُنْطَلِقُونَ طَهَرُوا”

ولماذا لم يقل بالحري أريد فاطهروا كما فعل في حالة أبرص آخر (لو 13:5)، بل أمرهم أن يمضوا ليروا أنفسهم للكهنة؟ كان هذا لأن الناموس أعطى توجيهات بهذا الخصوص لأولئك الذين قد تطهَّروا من البَرَص، إذ أمرهم أن يروا أنفسهم للكهنة وأن يقدِّموا ذبيحة لأجل تطهيرهم (لاويين 2:14). لذلك هو أمرهم بالذهاب لأنهم شُفوا فعلاً ولكي يمكنهم أن يقدّموا شهادة للكهنة (قادة اليهود) الذين هم دائمًا حاسدون لمجده، إنه بطريقة عجيبة تفوق توقعهم قد تخلَّصوا من بليّتهم بمشيئة المسيح الذي أعطاهم الشفاء. وهو لم يشفهم أولاً، بل أرسلهم للكهنة، لأنهم (الكهنة) كانوا يعرفون علامات البَرَص وعلامات شفائه. هو أرسلهم إلى الكهنة وأرسل معهم الشفاء أيضًا. لكن ماذا كانت شريعة البَرَص، وما هي أحكام تطهيره، وما هو معنى كل أوامر الناموس بخصوصه؟ كل هذا قد استوفيناه تمامًا في بداءة معجزات مخلِّصنا بحسب ما كتبه لوقا (انظر لو 12:5)، وكل من هو متعطّش للتعلّم فليرجع إلى ما سبق أن قلناه، أما الآن فلننتقل إلى ما يلي ذلك: إن تسعة منهم إذ كانوا يهودًا سقطوا في نسيان جاحد، ولم يرجعوا ليعطوا المجد لله، وبهذا الأمر يُظهر الرب أن إسرائيل كان قاسي القلب وعديم الشكر تمامًا، أما العاشر الغريب ـ فلأنه سامري فقد كان من جنس أجنبي إذ قد جاء من أشور؛ (لأن عبارة في وسط السامرة والجليل) ليست بلا معنى ـ هذا الغريب رجع ليمجِّد الله بصوت عال، لذلك يظهر من النص أن السامريين كانوا شاكرين، أما اليهود فكانوا غير شاكرين رغم انتفاعهم منه.

 

الثبات في الإيمان – إنجيل لوقا 17 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

العثرات والغفران للمخطئين – إنجيل لوقا 17 ج1 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

العثرات والغفران للمخطئين – إنجيل لوقا 17 ج1 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

العثرات والغفران للمخطئين – إنجيل لوقا 17 ج1 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو17: 1ـ3): ” وَقَالَ لِتَلاَمِيذِهِ: لاَ يُمْكِنُ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَ الْعَثَرَاتُ وَلَكِنْ وَيْلٌ لِلَّذِي تَأْتِي بِوَاسِطَتِهِ!. خَيْرٌ لَهُ لَوْ طُوِّقَ عُنُقُهُ بِحَجَرِ رَحىً وَطُرِحَ فِي الْبَحْرِ مِنْ أَنْ يُعْثِرَ أَحَدَ هَؤُلاَءِ الصِّغَارِ. اِحْتَرِزُوا لأَنْفُسِكُمْ. وَإِنْ أَخْطَأَ إِلَيْكَ أَخُوكَ فَوَبِّخْهُ وَإِنْ تَابَ فَاغْفِرْ لَهُ “.

ما هي العثرات التي يقول عنها المسيح إنها ستحدث بالتأكيد؟ العثرات نوعان: بعض العثرات هي ضد مجد الكائن الأعلى وتهاجم ذلك الجوهر المتعالي على الكّل، وذلك حسب غرض الذين يتسببّون فيها، بينما عثرات أخرى تحدث بين الحين والآخر ضد أنفسنا ولا تتعّدى أن تكون إيذاء لبعض الإخوة الذين هم شركاؤنا في الإيمان. لأنه أيًّا كانت الهرطقات التي اُبتدعت وكل مجادلة تقف ضد الحق، فهي في الحقيقة تقاوم مجد الألوهية الفائقة، باجتذابها أولئك الذين يسقطون فيها بعيدًا عن استقامة العقائد المقدَّسة وسلامتها. وهذه هي العثرات التي قال المخلّص نفسه عنها في موضع ما: ” الويل للعالم من العثرات، فلابد أن تأتي العثرات، ولكن ويل لذلك الإنسان الذي به تأتي العثرة” (مت 7:18). فالعثرات من هذا النوع، التي يسببّها الهراطقة عديمّي التقوى ليست موجهة ضد فرد واحد، بل هي موجهة بالأكثر ضد العالم كله، أي ضد سكان الأرض كلها. وبولس المغبوط يوبّخ مخترعي مثل تلك العثرات بقوله: ” وهكذا إذ تخطئون إلى الاخوة وتجرحون ضميرهم الضعيف تخطئون إلى المسيح ” (1كو 12:8). ولكي لا تسود مثل هذه العثرات على المؤمنين، تكلّم الله في موضع ما إلى الذين هم سفراء لكلمة الحق المستقيمة، الماهرين في تعليمها قائلاً: ” اعبروا بالأبواب، هيئوا طريقًا لشعبي، أعدوا السبيل، نقوه من الحجارة ” (إش 10:62). والمخلِّص قد جعل عقوبة مُرّة على من يضعون مثل هذه المعاثر في طريق الناس.
وربما لا تكون هذه هي العثرات التي يُشار إليها هنا، بل بالحرى هي تلك العثرات التي تحدث كثيرًا بسبب الضعف البشرى بين الأصدقاء والإخوة؛ وهذا الحديث الذي يتبع هذه الملاحظات الافتتاحية مباشرة، والذي يتحدّث عن غفراننا للإخوة عندما يخطئون إلينا، يقودنا إلى تلك الفكرة بأن هذه هي العثرات المقصودة هنا. إذن فما هي هذه العثرات؟ أنا أعتقد أنها أفعال خسيسة ومزعجة، مثل نوبات غضب سواء كانت لسبب ما أم كانت بلا مبرر، إهانات، اغتيابات كثيرة، وعثرات كثيرة أخرى قريبة لهذه ومشابهة لها. والرّب يقول إن مثل هذه العثرات لابد أن تأتي، فهل تأتي إذن، لأن الله، الذي يضبط الكلّ، يُجبر الناس على ارتكاب هذه العثرات؟ حاشا لله أن يصدر منه شيء شرير، بل بالأحرى فهو ينبوع كل فضيلة، فلماذا إذن يتحتّم أن تأتي؟ واضح أنها ـ بسبب عجزنا، كما هو مكتوب: ” لأننا في أشياء كثيرة نعثر جميعنا” (يع 2:3). وبالرغم من هذا فهو يقول: ويل للإنسان الذي يضع أحجار عَثْرة في الطريق، فالرّب لا يترك عدم المبالاة في هذه الأمور بدون توبيخ، بل هو بالأحرى يكبّحه بواسطة الخوف من العقوبة، ورغم ذلك فهو يوصينا أن نحتمل الذين يسببونها، بصبر.

(لو4:17 ): ” وَإِنْ أَخْطَأَ إِلَيْكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ فِي الْيَوْمِ وَرَجَعَ إِلَيْكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ فِي الْيَوْمِ قَائِلاً: أَنَا تَائِبٌ فَاغْفِرْ لَهُ “.
يقول الرّب إن كان الذي يخطئ ضدك، يتوب ويقّر بخطئه فاغفر له، وذلك ليس مرّة واحدة فقط، بل مرّات عديدة جدًّا، لأننا يجب ألاّ نُظهر أنفسنا ناقصين في المحبّة المتبادلة ونهمل الاحتمال. فكلنا ضعفاء ونخطئ مرارًا وتكرارًا، لذلك يجب بالأحرى أن نتشبّه بأولئك الذين يشتغلون بمعالجة أمراضنا الجسديّة، فهؤلاء لا يعتنون بالمريض مرّة واحدة فقط ولا مرتيّن، بل بعدد المرّات التي يمرض فيها. فلنذكر أننا نحن أيضًا عُرضّة للضعفات وأننا ننغلب من شهواتنا، وإن كان الأمر هكذا، فنحن نرجو أن أولئك الذين من واجبهم أن يوبّخونا والذين لهم السلطان أن يعاقبونا، يُظهِرون أنفسهم عطوفين علينا وغافرين لنا. لذلك فمن واجبنا ـ إذ لنا شعور عام فيما بيننا بضعفاتنا المشتركة ـ أن ” نحمل أثقال بعضنا البعض، وهكذا نتمّم ناموس المسيح” (غل 2:6). كما نلاحظ أيضًا أنه في الإنجيل بحسب متى، يسأل بطرس قائلاً: ” كم مرة يخطئ إليَّ أخي وأنا أغفر له”؟ ويخبر الرب الرسل عن هذا الأمر قائلاً: ” وإن أخطأ إليك سبع مرات في اليوم “، أي يخطئ كثيرًا، فعلى قدر ما يقّر بخطئه اغفر له (انظر مت 21:18 و22).

(لو5:17 ): ” فَقَالَ الرُّسُلُ: زِدْ إِيمَانَنَا “.
إن ما يعطي فرحًا أكيدًا لأنفس القديسين ليس هو امتلاك الخيرات الأرضيّة الزائلة، فهي قابلة للفساد وتُفقد بسهولة؛ بل إن ما يعطيهم الفرح بالحري هو تلك الخيرات التي تجعل من ينالونها موقرين ومباركين، أي هي النعم الروحية التي هي عطية الله. والشيء الذي له قيمة خاصة بين هذه النعم هو الإيمان، وأعني به أن يكون لنا ثقة بالمسيح مخلّصنا كلنا، والذي يعتبره بولس الرسول أنه أساس كل بركاتنا؛ لأنه قال: ” بدون الإيمان لا يمكن إرضاؤه” (عب 6:11)، ” لأنه في كل هذا شُهِدَ للقدماء” (عب 2:11). لذلك انظروا الرسل القديسين في اقتدائهم بسلوك قديسّي العهد القديم، فما الذي يطلبونه من المسيح؟ ” زد إيماننا” هم لم يطلبوا مجرد الإيمان، لئلا تظنوا أنهم بلا إيمان، بل بالحرى طلبوا من المسيح زيادة لإيمانهم وأن يتقووا في الإيمان، لأن الإيمان يتوَقف علينا نحن من ناحية، وعلى هبة النعمة الإلهية من ناحية أخرى، لأن بداءته تعتمد علينا، وهكذا أيضًا استمرار الثقة والإيمان في الله بكل قوتنا؛ أما الثبات والقوة اللازمة لهذا (الثبات في الإيمان) فتأتي من النعمة الإلهية. ولهذا فلكون كل الأشياء ممكنة لدى الله. يقول الرب: ” كل شيء مستطاع للمؤمن” (مر 23:9). لأن القوة التي تأتي إلينا بالإيمان هي من الله. والطوباوي بولس إذ يعرف هذا، يقول أيضًا في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس: ” فإنه لواحد يُعطى بالروح كلام حكمة، ولآخر كلام علم بحسب الروح الواحد، ولآخر إيمان بالروح” (1كو 8:12 و9). أنتم ترون أنه قد وضع الإيمان أيضًا في قائمة النعم الروحانية، وهذا ما طلب التلاميذ أن ينالوه من المخلّص، مساهمين من جهتهم أيضًا بأن يطلبوه؛ وهو من جهته قد منحهم إياه بعد اكتمال التدبير بحلول الروح القدس عليهم. فقبل القيامة كان إيمانهم ضعيفًا جدًّا لدرجة أنهم كانوا مُعرَّضين لأن يوصفوا بقلة الإيمان.
فعلى سبيل المثال، كان مخلّص الكّل يبحر ذات مرة في بحيرة طبرية مع الرسل الأطهار، وسمح لنفسه عن قصد بأن ينام، وعندما هبت ريح شديدة وصدمت الأمواج السفينة بعنف، اضطرب التلاميذ جدًّا، حتى أنهم أيقظوا الرب من النوم قائلين:” يا معلِّم نجنا فإننا نهلك” (لو 24:8)، فقام وانتهر الأمواج وحوَّل هياج العاصفة إلى هدوء، لكنه لاَمَ الرسل الأطهار جدًّا قائلاً لهم: ” أين إيمانكم؟” لأنه ما كان ينبغي لهم أن ينزعجوا بأي شكل كان طالما أن السيد المهيمّن على الكون والذي ترتعد وتتزلزل أمامه كل خلائقه ـ كان حاضرًا معهم. وإن كان يجب علينا أن نضيف مثلاً أخرً مشابهًا، فسأذكر واحدًا وهو الآتي: فقد أمر الرب الرسل القديسين أن يصعدوا إلى السفينة ويسبقوه إلى الجانب الآخر من البحيرة، وهم بالطبع فعلوا هكذا. وحينما كانوا قد جدّفوا نحو ثلاثين غلوة نظروا يسوع ماشيًا على البحر فخافوا جدًّا وظنوا أنهم رأوا خيالاً، لكن حينما ناداهم وقال لهم: ” أنا هو لا تخافوا”، قال له بطرس: ” إن كنت أنت هو فمرني أن آتي إليك على الماء. فقال له تعال. فنزل بطرس من السفينة ومشي على الماء ليأتي إلى يسوع، ولكن لما رأى الريح شديدة خاف، وإذ ابتدأ يغرق صرخ قائلاً: ” يا رب نجني”، فأمسك به ونجاه من هذا الخطر، لكنه أيضًا وبخه قائلاً: ” يا قليل الإيمان لماذا شككت؟” (انظر مت 22:14ـ31، يو 19:6). ومن المعروف جيدًا أنه في أسبوع الآلام عندما جاء الجنود والخدام الأشرار ليقبضوا على يسوع، فإن الجميع تركوه وهربوا، وأن بطرس أيضًا أنكره لأنه ارتعد أمام جارية.
ها أنت قد رأيت التلاميذ بينما لم يكن لهم سوى قليل من الإيمان، والآن تعجَّب منهم بعدما حصلوا من المسيح مخلّصنا جميعًا على زيادة لإيمانهم: لقد أوصاهم أن ” لا يبرحوا أورشليم بل ينتظروا موعد الآب” (أع 4:1) إلى أن يلبسوا قوة من الأعالي، ولكن حينما حلَّت عليهم القوة التي من الأعالي في شكل ألسنة نارية أي النعمة التي بواسطة الروح القدس، حينئذ صار التلاميذ بالحق شجعانًا وجسورين وحارين بالروح، حتى إنهم احتقروا الموت، بل وحسبوا الأخطار التي كانت تهدّدهم من غير المؤمنين، كلا شيء، بل وأيضًا صاروا قادرين على عمل المعجزات.

العثرات والغفران للمخطئين – إنجيل لوقا 17 ج1 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

Exit mobile version