إشباع الجموع – إنجيل لوقا 9 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

إشباع الجموع – إنجيل لوقا 9 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

إشباع الجموع – إنجيل لوقا 9 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو9: 12ـ 17) ” فَابْتَدَأَ النَّهَارُ يَمِيلُ. فَتَقَدَّمَ الاثْنَا عَشَرَ وَقَالُوا لَهُ: اصْرِفِ الْجَمْعَ لِيَذْهَبُوا إِلَى الْقُرَى وَالضِّيَاعِ حَوَالَيْنَا فَيَبِيتُوا وَيَجِدُوا طَعَامًا، لأَنَّنَا ههُنَا فِي مَوْضِعٍ خَلاَءٍ. فَقَالَ لَهُمْ: أَعْطُوهُمْ أَنْتُمْ لِيَأْكُلُوا. فَقَالُوا: لَيْسَ عِنْدَنَا أَكْثَرُ مِنْ خَمْسَةِ أَرْغِفَةٍ وَسَمَكَتَيْنِ، إِلاَّ أَنْ نَذْهَبَ وَنَبْتَاعَ طَعَامًا لِهذَا الشَّعْبِ كُلِّهِ. لأَنَّهُمْ كَانُوا نَحْوَ خَمْسَةِ آلاَفِ رَجُل. فَقَالَ لِتَلاَمِيذِهِ: أَتْكِئُوهُمْ فِرَقًا خَمْسِينَ خَمْسِينَ. فَفَعَلُوا هكَذَا، وَأَتْكَأُوا الْجَمِيعَ. فَأَخَذَ الأَرْغِفَةَ الْخَمْسَةَ وَالسَّمَكَتَيْنِ، وَرَفَعَ نَظَرَهُ نَحْوَ السَّمَاءِ وَبَارَكَهُنَّ، ثُمَّ كَسَّرَ وَأَعْطَى التَّلاَمِيذَ لِيُقَدِّمُوا لِلْجَمْعِ. فَأَكَلُوا وَشَبِعُوا جَمِيعًا. ثُمَّ رُفِعَ مَا فَضَلَ عَنْهُمْ مِنَ الْكِسَرِ اثْنَتَا عَشْرَةَ قُفَّةً “.

 

إن اليهود، في رأيي، ليس لهم ولا حجَّة واحدة يمكن أن تنفعهم أمام منبر الله ليبرروا بها عدم طاعتم، لأن مقاومتهم لا تبدو معقولة. ولماذا الأمر هكذا؟ لأن ناموس موسى يمكن أن يقودهم ـ بواسطة الظلال والرموز ـ إلى سر المسيح. لأن الناموس ـ أو بالحري الأشياء التي يحتويها ـ كان رمزيًّا، وكان سر المسيح مُصوَّرًا فيه بواسطة المثال والظل كما في رسم. وقد سبق الأنبياء المُباركون أيضًا فتنبأوا أنه في الوقت المُعيَّن ينبغي أن يأتي واحد ليفدي كل الذين تحت السماء، بل أعلنوا عن مكان ميلاده بالجسد، والآيات التي سيعملها. ولكن اليهود كانوا معاندين جدًّا، وكان عقلهم متشبثًا بما يتفق فقط مع تحيزاتهم حتى أنهم لم يقبلوا كلمات التعليم ولم ينقادوا للطاعة ولا بواسطة المعجزات الرائعة والمجيدة جدًّا.

هكذا إذن كان سلوكهم، ولكن دعونا نحن الذين قد اعترفنا بحقيقة ظهوره، أن نقدم له تسبيحنا لأجل أعماله الإلهية مثلما هو مُسجَّل في الفقرة التي أمامنا، لأننا نتعلم من هذه الفقرة أن مخلِّصنا كان يخرج من وقت إلى آخر إلى أورشليم والمدن والبلدان الأخرى، وكانت الجموع تتبعه، فكان البعض منهم يطلبون التحرر من طغيان الشياطين، أو الشفاء من المرض، ولكن البعض الآخر كانوا يرغبون أن ينالوا منه التعليم، وكانوا يلازمونه على الدوام بإخلاص عظيم وبجدية، لكي يتعرفوا تمامًا على تعاليمه المقدسة. وحينما بدأ النهار يميل، كما يقول البشير، وكان المساء قد أقبل أعطى التلاميذ اهتمامًا بالجموع واقتربوا من المخلِّص يسألونه من أجلهم. لأنهم قالوا: ” اصرف الجموع ليذهبوا إلى القرى والحقول حوالينا فيبيتوا ويجدوا طعامًا، لأننا هنا في موضع خلاء“.

ولكن دعونا نبحث بعناية عن معني عبارة ” اصرف الجموع” لأننا سنري بواسطتها الإيمان العجيب الذي للرسل القديسين، وأيضًا سنرى القوة الفائقة للطبيعة والمدهشة التي للمسيح مخلِّصنا، فقد كانوا يتبعونه طالبين منه أن ينقذهم من الأرواح الشريرة التي تعذبهم، بينما آخرون كانوا يطلبون الشفاء من أمراض متنوعة. لذلك حيث إن التلاميذ عرفوا أنه بمجرد رضا مشيئته يستطيع أن يتمم لأولئك المرضى ما كانوا يطلبونه، لذلك قالوا له ” اصرفهم”، وهم لا يتكلمون هكذا كما لو كانوا منزعجين من الجموع أو كانوا يعتبرون أن الوقت قد مضى، بل إذ كانوا مأخوذين بالمحبة نحو الجموع، بدأوا يهتمون بالشعب كما لو كانوا يمارسون مقدَّما وظيفتهم الرعوية، لكي نتخذ منهم قدوة لأنفسنا. لأن الاقتراب (من الرب) والتوسل إليه نيابة عن الشعب، هو فِعل لائق بالقديسين، وهو واجب الآباء الروحيين، ودليل على قلب له اهتمام ليس بالموضوعات الشخصية وحدها، بل يعتـبر مصالح الآخَرين هي مصلحته الشخصيَّة، وهذا مثل واضح جدًّا على هذه المحبة الفائقة. وإن كان يسمح لنا أن نمتد بتفكيرنا فوق مستوى الأمور البشرية، فإننا نقول: لأجل منفعة الذين يناسبهم هذا، إننا حينما نواصل الصلاة بحرارة، مع المسيح، سواء كنا نسأله الشفاء من أمراض أرواحنا، أو أن يخلصنا من أي أمراض أخرى، أو كنا نرغب أن نحصل على أي شيء لأجل فائدتنا، فليس هناك أدنى شك أنه حينما نسأل في الصلاة أي شيء صالح لنا، فإن القوات العقلية، وكذلك أولئك الرجال القديسين الذين لهم دالة أمامه، يتضرعون لأجلنا.

 

إشباع الجموع – إنجيل لوقا 9 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

ولكن لاحظوا اللطف غير المحدود لذلك الذي يتوسلون إليه، فهو لا يهب فقط كل ما يسألون منه أن يمنحه لأولئك الذين تبعوه، بل أيضًا يضيف خيرات من يده اليمنى السخية، منعشًا بكل طريقة أولئك الذين يحبونه، ويرعاهم ويغذيهم بالشجاعة الروحية. هذا ما يمكن أن نراه مما نقرأ الآن، لأن التلاميذ القديسين طلبوا من المسيح أن يصرف أولئك الذين كانوا يتبعونه ليتفرقوا بقدر ما هو مستطاع، ولكنه أمرهم أن يزودوهم بالطعام. ولكن هذا الأمر كان مستحيلاً في نظر التلاميذ، لأنه لم يكن معهم أي شيء سوي خمس خبزات وسمكتين، وهذا ما اعترفوا به له حينما اقتربوا منه. لذلك، فلكي يوضح عظمة المعجزة، ويجعلها تُظهر بكل طريقة أنه هو الله بطبيعته الخاصة، فقد أكثر هذه الكمية الصغيرة أضعافا مضاعفة، ونظر إلى فوق إلى السماء ليطلب بركة من فوق قاصدًا بهذا أيضًا ما هو لخيرنا. لأنه هو نفسه الذي يملأ كل الأشياء، إذ هو نفسه البركة التي تأتى من فوق، من الآب، ولكي نتعلم نحن أننا حينما نبدأ في الأكل ونكسر الخبز، فمن واجبنا أن نقدمه إلى الله، واضعين إياه على أيدينا الممدودة ونستنزل عليه بركة من فوق، ولذلك فقد صار هو سابقًا لنا، ومثالاً، وقدوة في هذا الأمر.

ولكن ماذا كانت نتيجة المعجزة؟ إنها كانت إشباع جمع كبير وذلك بحسب ما أضافه واحد آخر من البشيرين القديسين إلى رواية المعجزة. والمعجزة لا تنتهي هنا، إذ أنه جُمعت أيضًا ” اثنتا عشر قفة من الكسر“، وما هو الذي  نستنتجه من هذا؟ إنه تأكيد واضح أن كرم الضيافة ينال مكافأة جزيلة من الله فالتلاميذ قدموا خمس خبزات، ولكن بعد أن تم إشباع جمع كبير هكذا، فقد جمع لكل واحد منهم قفة مملوءة من الكسر. لذلك، فلا يجب أن يكون هناك شيء يعوق أولئك الذين يريدون أن يستضيفوا الغرباء، مهما كان هناك ما يمكن أن يثلم إرادة واستعداد الناس لذلك، ولا يقول أحد “إني لا أملك الوسيلة المناسبة، وما أستطيع أن أفعله هو تافه تمامًا لا يكفي كثيرين”. يا أحبائي استضيفوا الغرباء، وتغلبوا على عدم الاستعداد الذي لا يربح أي مكافأة لأن المخلِّص سيضاعف القليل الذي لكم مرات أكثر من أي توقع ورغم أنك لا تعطي إلاَّ القليل، فسوف تنال الكثير ” لأن من يزرع بالبركات، فالبركات أيضًا يحصد” (2كو9: 6) حسب كلمات بولس المبارك.

لذلك، فإن إشباع الجموع في البرية هو جدير بكل أعجاب، ولكنه نافع بطريقة أخرى. لأننا يمكن أن نري بوضوح أن هذه المعجزات الجديدة تتوافق مع تلك المعجزات التي في العهد القديم، وأنها أعمال ذات القوَّة الواحدة التي للشخص المقتدِر الذي صنع المعجزات في العهد القديم. فقد ” أمطر على الإسرائيليين منًّا في البرية وأعطاهم خبزًا من السماء، أكل الإنسان خبز الملائكة” حسب كلمات التسبيح في المزامير (مز77: 24،25 س). ولكن يا للعجب! فإنه في البرية أيضًا أشبع بسخاء ووفرة أولئك المحتاجين إلى الطعام، أتى به كأنه من السماء. لأن إكثاره للقليل مرات مضاعفة، وإطعامه جمع كثير كهذا بالقليل الذي  هو كالعدم، إنما يشبه تلك المعجزة السابقة (إعطاء المن). وأُوجِّه حديثي مرة أخري إلى حشد اليهود قائلا: ” إنكم كنتم في حاجة إلى الماء الطبيعي، حينما كنتم تسيرون في تلك البرية الشاسعة، وأعطاكم الله رغبتكم بما يفوق كل التوقعات، وذلك من مكان لم تكونوا تتطلعون إليه”. لأنه كما يقول المرنم: ” هو شق الصخرة في البرية، وأعطاهم شرابًا كأنه لجج عظيمة، وأخرج مياهًا من الصخر، وجعل المياه تفيض كالأنهار” (مز77: 15و16س). فأخبرني إذن: هل سبَّحتَ صانع المعجزة حينما شربتَ؟ هل تحرك لسانك بالشكر؟ أو هل دفعك ما قد حدث للاعتراف بقوة الله التي لا يُنطق بها؟ الأمر ليس كذلك، لأنك تتذمر على الله قائلاً: ” هل يقدر الله أن يرتِّب مائدة في البرية؟ إنه ضرب الصخرة فتفجرت المياه، وفاضت الأودية، فهل يستطيع أيضًا أن يعطي خبزًا أو يهيئ مائدة لشعبه؟” (مز77: 19و20س). أنت لم تندهش لرؤية الصخر الصواني يصير ينبوعًا لأنهار غزيرة، والينابيع تخرج بطريقة عجيبة من داخل الأحجار، والوديان تجري بقوة سريعة، ولكنك تنسب الضعف للقادر على كل شيء. ومع ذلك فكيف لا يكون واجبًا عليك بالحري أن تلاحظ وتدرك أنه هو رب القوات ؟ فكيف يكون غير قادر على أن يهيئ مائدة، وهو الذي  جعل الصخر الصواني ينبوعًا ونهرًا يفيضان على ذلك الجمع؟

ولكن حيث إنك قد أدخلت نفسك إلى هذه الحماقة العظيمة التي تتصور أنه ليس هناك شيئًا مستطاعًا عند الله، وتقول بثرثرة فارغة إنه لا يستطيع أن يرتب مائدة لشعبه في البرية، فأجب على السؤال الذي نوجهه إليك الآن، هل تقبل الإيمان الآن حينما تري المسيح قد رتب مائدة في البرية، وقد أشبع بوفرة وسخاء جمعًا لا يُحصي بالطعام، حتى تم جمع اثتني عشر قفة من الكسر المتبقية بعد أن شبعوا؟ أم هل لا تزال ترفض أن تؤمن، وتطلب آية أخرى؟ لذلك، فمتى تصير مؤمنًا؟ متى ستكف عن الاعتراض على قوة المسيح التي لا يُنطق بها ؟ متى ستضع بابًا ومزلاجًا للسانك ومتى تخلِّص لسانك من لغة التجديف، وتغيِّره إلى استعمال أفضل بأن تُسبِّحه لكي يمكنك أن تصير شريكًا في البركات التي يمنحها؟ لأن مراحمه تُستعلن لأولئك الذين يحبونه وهو يخلِّصهم من كل مرض. هو يغذيهم أيضًا بالطعام الروحاني، الذي  بواسطته يستطيع كل واحد أن يصل إلى الشجاعة في كل شيء جدير بالمديح.

أما عديمي الإيمان والمزدرين به فهو لا يمنحهم مثل هذه الهبات، بل بالحري يجلب عليهم تلك الدينونة التي يستحقونها عدلاً لأنه قال لهم بواسطة أحد أنبيائه القديسين: “ هوذا الذين يخدمونني يأكلون وأنتم تجوعون. هوذا الذين يخدمونني يشربون وأنتم تعطشون. هوذا الذين يخدمونني يفرحون في سعادة وأنتم تبكون من حزن القلب وتولولون من انكسار الروح” (إش65: 13و14س)، ومكتوب أيضًا ” الرب لا يقتل نفس الصديق بالجوع، ولكنه يبيد حياة الشرير” (أم10: 3 س).

لأن جماعات المؤمنين، لهم في الكتب المقدسة، مرعى مملوء بأنواع مختلفة من النباتات والزهور، تلك الكتب هي مرشدهم الحكيم، وإذ يمتلئ المؤمنون بالفرح الروحاني بسبب التعاليم المجيدة والإرشادات التي تحتويها هذه الكتب، لذلك فهم يأتون كثيرًا إلى المجالس الملكية المقدسة التي توفرها لهم هذه الكتب المقدسة، وهذا هو ما سبق الأنبياء به منذ زمن بعيد بكلمات إشعياء: ” ويكون على كل جبل عال وعلى كل أكمة مرتفعة سواقٍ ومجاري في ذلك اليوم” (إش30: 25). وأيضًا ” ويكون في ذلك اليوم أن الجبال تقطر حلاوة، والتلال تفيض لبنًا” (يؤ3: 18). لأنه من عادة الكتب الإلهية أن تُشبِّه بالجبال والتلال، أولئك الذين أقيموا على الآخرين، أولئك الذين عملهم أن يُعلِّموا الآخرين إذ أنهم مرتفعون جدًّا، وذلك الارتفاع أقصد به سمو أفكارهم المنشغلة بالأمور السماوية، وابتعادهم عن الأمور الأرضية، بينما المياه والحلاوة واللبن تشير إلى التعاليم التي تفيض منهم كما تفيض المياه من الينابيع ويقول الكتاب: ” ويكون حينئذ، في ذلك الوقت أن مياهًا متدفقة وعصيرًا ولبنًا تجرى من كل جبل عال، ومن كل أكمة مرتفعة“، وهذه هي التعزيات الروحية التي للمعلِّمين القديسين، التي يقدمونها للشعب الذي يتولون مسئولية رعايته. إن الجماعات اليهودية محرومة من هذه التعزيات، لأنهم لم يقبلوا المسيح، رب الجبال والتلال، ومعطي التعزيات الروحانية، وهو الذي يقدم نفسه كخبز الحياة لأولئك الذين يؤمنون به، لأنه هو الذي نزل من السماء، وأعطي الحياة للعالم، الذي به، ومعه، لله الآب يليق التسبيح والسلطان مع الروح القدس، إلى دهر الدهور. آمين.

إشباع الجموع – إنجيل لوقا 9 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

إرسال الاثني عشر – إنجيل لوقا 9 ج1 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

إرسال الاثني عشر – إنجيل لوقا 9 ج1 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

إرسال الاثني عشر – إنجيل لوقا 9 ج1 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو9: 1ـ5) ” وَدَعَا تَلاَمِيذَهُ الاثْنَيْ عَشَرَ، وَأَعْطَاهُمْ قُوَّةً وَسُلْطَانًا عَلَى جَمِيعِ الشَّيَاطِينِ وَشِفَاءِ أَمْرَاضٍ، وَأَرْسَلَهُمْ لِيَكْرِزُوا بِمَلَكُوتِ اللهِ وَيَشْفُوا الْمَرْضَى. وَقَالَ لَهُمْ: لاَ تَحْمِلُوا شَيْئًا لِلطَّرِيقِ: لاَ عَصًا وَلاَ مِزْوَدًا وَلاَ خُبْزًا وَلاَ فِضَّةً، وَلاَ يَكُونُ لِلْوَاحِدِ ثَوْبَانِ. وَأَيَُّ بَيْتٍ دَخَلْتُمُوهُ فَهُنَاكَ أَقِيمُوا، وَمِنْ هُنَاكَ اخْرُجُوا. وَكُلُّ مَنْ لاَ يَقْبَلُكُمْ فَاخْرُجُوا مِنْ تِلْكَ الْمَدِينَةِ، وَانْفُضُوا الْغُبَارَ أَيْضًا عَنْ أَرْجُلِكُمْ شَهَادَةً عَلَيْهِمْ “.

 

إنه قول صادق، أنَّ ثمر الأعمال الصالحة مشرِّف، لأن أولئك الذين يريدون أن يحيوا حياة نقية وغير مدنسة على قدر ما هو ممكن للناس، هؤلاء يزيِّنهم المسيح بمواهبه، ويمنحهم مكافأة مجزية وافرة، لأجل كل أعمال تقواهم، يجعلهم شركاء مجده، لأنه من المستحيل أن يكذب ذاك الذي يقول: “حيٌّ أنا، يقول الرب، فإني أكرم الذين يكرمونني” (1صم2: 30 سبعينية).

وكبرهان بسيط وواضح على هذا فإني استشهد بصحبة الرسل القديسين، المجيدة والنبيلة، انظروا كيف أنهم ممتازون جدًّا ومتوَّجون بما هو أكثر من المجد البشري، أي بهذه العطية الجديدة التي منحها لهم المسيح. لأن الإنجيل يقول ” إنه أعطاهم قوة وسلطانًا على جميع الشياطين وشفاء أمراض“. وأرجو أن تلاحظوا أيضًا، أن كلمة الله المتجسد يفوق مستوي البشرية، وهو يشع بأمجاد اللاهوت، لأنه أمر يفوق حدود الطبيعة البشرية، أن يعطي سلطانًا على الأرواح النجسة لكل من يريد، كما أنه يعطيهم القدرة أيضًا أن يشفوا من الأمراض أولئك المصابين بها، لأن الله، ينعم على من يريد بقُوَّات مِن هذا النوع، لأن الأمر يتوقف على قراره هو وحده ـ أن يتمكن أى أشخاص بحسب مسرة الله الصالحة ـ أن يعملوا معجزات إلهية، وأن يكونوا خدامًا للنعمة التي تُعطى من فوق، وأما أن يعطوا للآخرين، نفس الهبة التي من فوق التي وهبت لهم، فهذا أمر مستحيل تمامًا. لأن جلال ومجد الطبيعة الفائقة لا يوجدان جوهريًا في أي كائن من الكائنات، سوي في تلك الطبيعة نفسها، وفيها هي وحدها. لذلك فسواء كان ملاك أو رئيس ملائكة أو من العروش والسيادات، أو السيرافيم، التي هي أعلى في الكرامة، فينبغي أن نفهم هذا بحكمة، أنهم في الواقع يملكون سلطانًا متفوقًا بواسطة القدرات المعطاة لهم من فوق مما لا تستطيع اللغة أن تصفه ولا الطبيعة أن تمنحه، ولكن العقل يمنع كلية الافتراض أنهم يستطيعون أن يمنحوا هذه القدرات لآخرين. أما المسيح فهو يمنح هذه القدرات لكونه الله، وذلك من ملئه الخاص، لأنه هو نفسه رب المجد ورب القوات.

إذن، فالنعمة الممنوحة للرسل القديسين هي جديرة بكل إعجاب، ولكن سخاء المعطي يعلو على كل مديح وإعجاب، لأنه يعطيهم كما قلت، مجده الخاص، فالإنسان ينال سلطانا على الأرواح الشريرة ويخفض الكبرياء، الذي كان عاليًا جدًّا ومتعجرفًا، أي كبرياء الشيطان، يخفضه حتى العدم، يخفضه حتى العدم، ويجعل شره عديم الفاعلية، وبواسطة قوة الروح القدس وفاعليته يحرقه كما بنار، ويجعله يخرج مع أنَّات وبكاء من أولئك الذين كان متسلطا عليهم. ومع ذلك ففي القديم قال الشيطان: ” إني سأمسك كل العالم في يدي كعش وسأجمعه كبيض مهجور، وليس هناك أحد يهرب مني أو يتكلم ضدي” (إش10: 14 سبعينية). لقد فقد (الشيطان) الحق، إذن، وسقط من رجائه، رغم أنه كان متكبرًا ومتهورًا ومتبجحًا على ضعف الجنس البشري، لأن رب القوات أقام ضده خدام الكرازة الإلهية. وهذا قد سبق التنبؤ به حقًّا بواسطة أحد الأنبياء القديسين حينما تكلم عن الشيطان والمعلمين القديسين: ” ألا يقوم بغتة مقارضوك ويستيقظ مزعزعوك فتكون غنيمة لهم” (حب2: 7)، فكأنهم يمزقون الشيطان بالهجوم على مجده، ويجعلون الذين سبق فاقتناهم، غنيمة، ويأتون بهم إلى المسيح بواسطة الإيمان به، لأنهم هكذا قد هجموا على الشيطان نفسه. لذلك فكم هي عظيمة تلك القوة التي أُعطِيَت للرسل القديسين بقرار المسيح مخلِّصنا جميعا وإرادته لأنه أعطاهم   ” قوة وسلطانًا على الأرواح النجسة “.

وبعد ذلك، تبحث أيضًا، من أين هبطت هذه النعمة الرائعة جدًّا والممتازة جدًّا، على جنس البشر. إن كلمة الله الوحيد، قد توَّج الطبيعة البشرية بهذا الشرف العظيم بواسطة تجسده، متخذًا شكلنا، وهكذا بدون أن يفقد أي شيء من أمجاد جلاله ـ إذ أنه عمل أعمالا تليق بالله، رغم أنه كما قلت، قد صار مثلنا من لحم ودم ـ قد سحق قوة الشيطان بكلمته الكلية القدرة. وبانتهاره للأرواح الشريرة، فإن سكان الأرض أيضًا صاروا قادرين على أن ينتهروهم.

وأما كون ما أقوله صحيحًا فهذا ما سأسعى لكي أجعله أكيدًا، لأنه، كما قلت، فإن المخلِّص كان ينتهر الأرواح النجسة، ولكن الفريسيين إذ فتحوا أفواههم عليه ليسخروا من مجده كان عندهم من الوقاحة أن يقولوا: ” هذا لا يُخرج الشياطين إلا ببعلزبول رئيس الشياطين” (مت12: 24). ولكن المخلِّص وبخهم لأنهم تكلموا هذا كأناس ميالين إلى السخرية ويتخذون موقفًا معاديًا منه وهم عديمي الفهم تمامًا، لذلك قال لهم: “ إن كنت ببعلزبول أخرج الشياطين فأبناؤكم بمن يخرجون؟ لذلك هم يكونون قضاتكم” (مت12: 27)، لأن التلاميذ المباركين، الذين كانوا أبناء اليهود حسب الجسد، كانوا سبب رعب للشيطان وملائكته، لأن التلاميذ حطموا قوة الشيطان باسم يسوع المسيح الناصري. وأضاف ربنا قائلا: ” ولكن إن كنت أنا بروح الله أخرج الشياطين فقد أقبل عليكم ملكوت الله” (مت12: 28). لأنه، إذ هو ابن الآب الوحيد، وهو الكلمة، فقد كان ولا يزال كلي القدرة، وليس هناك شيء غير مستطاع لديه. ولكن، إذ قد انتهر الأرواح الشريرة حينما صار إنسانًا فإن الطبيعة البشرية صارت ظافرة فيه، ومكلَّلة بمجد إلهي، لأنها صارت قادرة على انتهار الأرواح الشريرة بقوة. لذلك، فبطرد المسيح للشياطين، قد أقبل علينا ملكوت الله، لأنه يمكننا أن نؤكد أن القدرة على سحق الشيطان رغم مقاومته هي كمال الجلال الإلهي.

لذلك، قد مجَّد المسيح تلاميذه بإعطائهم سلطانًا وقوة على الأرواح الشريرة وعلى الأمراض. فهل كرَّمهم هكذا بدون سبب، وهل جعلهم مشهورين بدون سبب مقنع؟ ولكن كيف يمكن أن يكون هذا صحيحًا؟ لأنه كان من الضروري، ومن الضروري جدًّا، وقد أقيموا علانية خدامًا للبشارة المقدسة، أن يكون لهم القدرة على عمل المعجزات، وبواسطة ما يعملونه، يُقنعون الناس أنهم خدام الله، ووسطاء لكل الذين تحت السماء، داعين إياهم جميعًا إلى المصالحة والتبرير بالإيمان، وموضحين طريق الخلاص والحياة التي بواسطته. لأن الأتقياء والأذكياء يحتاجون عمومًا إلى التفكير فقط لكي يجعلهم يدركون الحق، أما أولئك الذين انحرفوا بدون ضابط إلى العصيان، فهم غير مستعدين أن يقبلوا الكلام الصحيح من ذلك الذي يسعى أن يربحهم لأجل منفعتهم الحقيقية، مثل هؤلاء يحتاجون للمعجزات وعمل الآيات، ورغم ذلك فنادرًا ما يصلون إلى اقتناع شامل.

لأننا كثيرًا ما نجد أن كرازة الرسل قد ازدهرت بهذه الطريقة، فبطرس ويوحنا مثلاً، أنقذا الرجل الأعرج الذي كان يجلس عند باب الهيكل الجميل، من مرضه، فدخل الهيكل معهما وقدم شهادة للعمل العظيم الذي حدث معه. وتكلما بكل جرأة عن المسيح مخلِّصنا جميعًا رغم أنهما رأيا أن رؤساء مجمع اليهود كانوا لا يزالون مشحونين بعداوة مُرَّة ضد المخلِّص، لأنهما قالا: ” أيها الرجال الإسرائيليون، ما بالكم تتعجبون من هذا، ولماذا تشخصون إلينا كأننا بقوتنا أو تقوانا قد جعلنا هذا يمشي ؟ إن إله إبراهيم، وإله إسحق، وإله يعقوب، إله آبائنا، مجَّد فتاه يسوع، الذي أسلمتموه أنتم وأنكرتموه أمام وجه بيلاطس وهو حاكم بإطلاقه، ولكن أنتم أنكرتم القدوس البار، وطلبتم أن يوهَب لكم رجل قاتل. ورئيس الحياة قتلتموه، الذي  أقامه الله من الأموات ونحن شهود لذلك. وبالإيمان باسمه شدد اسمه هذا الذي تنظرونه وتعرفونه، والإيمان الذي بواسطته أعطاه هذه الصحة أمام جميعكم” (أع3: 12ـ16). ولكن رغم أن كثيرين من اليهود شعروا بمرارة من مثل هذا الحديث الرفيع،  ألاَّ أنهم كبحوا غضبهم رغمًا عن إرادتهم إذ أنهم خجلوا من عظمة المعجزة.

وهناك نقطة أخرى لا ينبغي أن ننساها، وهي أن المسيح إذ وشَّح أولاً الرسل القديسين بقوات عظيمة هكذا، فإنه يدعوهم بعد ذلك أن ينطلقوا بسرعة، ويبدأوا عملهم في إعلان سرِّه إلى سكان الأرض كلها. لأنه كما أن القواد المقتدِرِين بعد أن يُزوِّدوا جنودهم الشجعان بأسلحة الحرب، يرسلونهم ضد كتائب العدو، هكذا أيضًا يفعل المسيح مخلِّصنا وربنا جميعًا، يُرسل معلمي أسراره القديسين، مُوشَّحين بالنعمة التي يمنحهم إياها، ومُجهزين كلِّيَة بالسلاح الروحاني، ضد الشيطان وملائكته، لكي يكونوا غير مغلوبين ومقاتِلِين أشدّاء. لأنهم كانوا على وشك أن يدخلوا في معركة مع أولئك الذين سيطروا على سكان الأرض في الزمن القديم. أي أن يحاربوا ضد القوات الشريرة المضادة، الذين كانوا قد قسّموا فيما بينهم كل من هم تحت السماء، وجعلوا البشر الذين قد خُلِقوا على صورة الله، يتعبَّدون لهم. هذه الأرواح الشريرة، بدأ التلاميذ الإلهيون، حينئذ يُسببون لها غيظًا بدعوتهم أولئك الذين كانوا في الضلال إلى معرفة الحق، وبإنارتهم لأولئك الذين كانوا في الظلمة. وجعلوا أولئك الذين يتعبدون لهم في القديم، أتباعًا مخلصين للسعي في طريق القديسين.

ولأجل هذا السبب فقد كان مناسبًا جدًّا أن يوصيهم ألا يحملوا معهم أي شيء، وهو يريد بذلك أن يكونوا أحرار من كل هم عالمي، وبذلك يعفيهم من الأتعاب التي تجلبها الأمور العالمية، حتى أنهم بذلك لا يلقون بالاً حتى لخبزهم الضروري والذي لا غنى عنه. ولكنه من الواضح أن الذي  يأمرهم أن يمتنعوا عن مثل هذه الأشياء، فإنه بذلك يقطع كلية كل محبة للمال وشهوة الربح والاقتناء. لأنه يقول، إن مجدهم، أي أكاليلهم، هو ألاَّ يمتلكوا شيئًا. وهو يصرفهم عن الأشياء التي هي ضرورية لاستعمالهم إذ أنه أمرهم ألاَّ يحملوا شيئًا بالمرة: ” لا عصًا، ولا مزودًا، ولا خبزًا، ولا فضة، ولا يكون للواحد ثوبان“. لذلك، فكما قلت، لاحظوا، إنه يصرف أنظارهم عن الارتباكات الباطلة، وعن القلق من جهة الجسد، ويوصيهم ألاًَ يكون لهم أي اهتمام من جهة الطعام، وكأنه يكرر عليهم تلك العبارة التي في المزمور: ” ألقِ على الرب همك فهو يعولك” (مز55: 22). لأنه حق أيضًا هو ما قاله المسيح: ” لا تقدرون أن تخدموا الله والمال” (مت6: 24). وأيضًا: ” لأنه حيث يكون كنزك هناك يكون قلبك أيضًا” (مت6: 21).

لذلك فلكي يعيشوا حياة لائقة وبسيطة، وأن يكونوا أحرارًا من كل قلق باطل لا لزوم له، ولكي يكرسوا أنفسهم كلية لواجب الكرازة بسر الملكوت، ويجاهدوا بلا توقف في نشر أخبار الخلاص للناس في كل مكان، فإنه يوصيهم ألاَّ يعطوا اهتمامًا بل يكونوا بلا هم من جهة اللباس والطعام. وتكلَّم المخلِّص عن هذا الغرض ذاته في موضع حينما قال: ” لتكن أحقاؤكم مُمنطَقَة وسرجكم موقدة” (لو12ـ35). وهو يعني بقوله ” أحقاؤكم مُمنطقة“؟ استعداد العقل لكل عمل صالح، وبقوله ” سرجكم موقدة“، أن يكون قلبهم مملوءًا بالنور الإلهي. وبنفس الطريقة يأمر ناموس موسي بوضوح أولئك الذين أكلوا من خروف الفصح قائلاً: ” وهكذا تأكلونه، أحقاؤكم مشدودة وعصيكم في أيديكم، وأحذيتكم في أرجلكم” (خر12: 11). لذلك لاحظوا، أن أولئك الذين يسكن فيهم المسيح الحمل الحقيقي يجب أن يكونوا مثل أناس متمنطقين لرحلة، لأنهم يجب أن ” يحذوا أرجلهم باستعداد إنجيل السلام“، كما كتب لنا بولس المبارك (أف6: 15)، وأن يتوشَّحوا بما هو لائق بالمحاربين. لأنه ليس مناسبًا لأولئك الذين يحملون الرسالة الإلهية ـ إن أرادوا أن ينجحوا في عملهم ـ أن يظلوا غير متحركين، بل ينبغي أن يتحركوا دائمًا إلى الأمام، ويركضوا ليس نحو أمر غيـر يقيني، بل ليربحوا رجاءً مجيدًا. لأنه حتى أولئك الذين سقطوا مَرَّة تحت يد العدو، فإن كانوا بإيمان يجاهدون لأجل المسيح مخلِّصنا جميعًا فسوف يرِثون إكليلاً لا يفنى.

ولكن يمكنني أن أتخيل واحد يقول، يا رب، أنت قد أوصيت خدامك ألاَّ يحملوا أي زاد من أي نوع مما هو ضروري للطعام واللباس، فمن أين إذن يحصلون على ما هو ضروري وما لا غني عنه لاستعمالهم؟ هذا ما يشير إليه الرب، في الحال قائلاً: ” وأي بيت دخلتموه، فهناك أقيموا، ومن هناك اخرجوا“. وهو بذلك يقول، إن الثمر الذي ستحصلون عليه من الذين تُعلِّمونهم، سيكون كافيًا، لأن أولئك الذين يحصلون منكم على الروحيات، وينالون الزرع الإلهي في نفوسهم، سيعتنون باحتياجاتكم الجسدية. وهذا أمر لا يستطيع أحد أن يلوم عليه، لأن بولس الحكيم أيضًا كتب في الرسالة: ” إن كنا قد زرعنا لكم الروحيات، أفعظيم إن حصدنا منكم الجسديات؟ هكذا أيضًا أَمَر الرب، أن الذين ينادون بالإنجيل من الإنجيل يعيشون” (1كو9: 11، 14). ويبين بوضوح أن هذه الحقيقة نفسها يشير إليها موسى إذ يقول: ” مكتوب في ناموس موسى لا تكُمَّ ثورًا دارسًا” (تث25: 4). وهو يبين أيضًا ما هو قصد الناموس بقوله: ” ألعلَّ الله تهمه الثيران؟ أم يقول، مطلقًا من أجلنا، لأنه ينبغي للحَرَّاث أن يحرث على رجاء وللدارس على الرجاء أن يكون شريكا في رجائه؟” (1كو9: 9، 10). لذلك فأن يحصل المعلمون على هذه الأشياء التافهة وسهلة المنال من أولئك الذين يتعلمون منهم ليس أمرًا ضارًّا من أي ناحية.

ولكن المسيح أمرهم أن يقيموا في بيت واحد ومنه يخرجون، لأنه من الصواب أن أولئك الذين قبلوهم في بيتهم مرة، لا ينبغي أن تُسلب منهم الهبة أو العطية. هذا من ناحية، ومن الناحية الأخرى لكي لا يضع الرسل القديسون أنفسهم أي عائق في طريق غيرتهم واجتهادهم في الكرازة برسالة الله، بأن يدعوا أنفسهم يُحمَلون بالقوة إلى بيوت عديدة بواسطة أولئك الذين يهدفون لا أن يتعلموا منهم درسًا ضروريًّا، بل أن يُعِدُّوا أمامهم مائدة فاخرة، متجاوزين ما هو معتدل وضروري.

ونتعلم من كلمات مخلِّصنا أن إكرام القديسين له مكافأته، لأنه قال لهم: ” مَن يقبلكم يقبلني، ومَن يقبلني يقبل الذي أرسلني” (مت10: 40). لأنه يأخذ لنفسه ـ عن قصد ـ الإكرامات المقدمة للقديسين، ويجعلها خاصة به، لكي يكون لهم أمان من كل جهة. فهل هناك ما هو أفضل أو ما يمكن أن يقارن بالكرامة والمحبة الواجبة نحو الله؟ ولكن هذا يتحقق بإعطاء الإكرام للقديسين، وإن كان ذلك الذي يقبلهم هو مغبوط حقًّا، وله رجاء مجيد، فكيف لا يجب أن يكون العكس أيضًا صحيحًا بصورة كلية ومطلقة، لأنه ينبغي أن يكون مملوءًا من التعاسة التامة، ذلك الذي لا يبالى بواجب إكرام القديسين. لهذا السبب قال الرب: ” حينما تخرجون من ذلك البيت، انفضوا الغبار عن أرجلكم شهادة عليهم” (انظر مت10: 14، لو9: 5).

وبعد ذلك ينبغي أن نري ماذا يعني هذا الكلام؟ يعني أنهم ينبغي أن يرفضوا أن ينالوا أي شيء بالمرة من أولئك الذين لا يقبلونهم، ولا يحفظون الوصايا التي يسلمونها لهم ولا يطيعوا الرسالة المقدسة، ولا يقبلوا الإيمان. لأنه أمر بعيد الاحتمال أن أولئك الذين يحتقرون رب البيت يكونون كرماء مع خدامه، وأن أولئك الذين ـ بعدم التقوى ـ يتجاهلون الدعوة السماوية يطلبون بركة من كارزيها بأن يقدموا لهم أشياء لا قيمة لها، ومثل هذه الأشياء يستطيع التلاميذ أن يحصلوا عليها بدون تعب من الذين يرعونهم. لأنه مكتوب ” زيت الخاطئ لا يدهن رأسي” (مز141: 5 سبعينية)، وإلى جانب ذلك ينبغي أن يشعروا أنهم مدينين بالحب، فقط لأولئك الذين يُحبون المسيح ويمجِّدونه ويتجنبون كل الآخرين الذين هم على خلاف ذلك. لأنه مكتوب ” ألم أبغض مبغضيك، يا رب، وأمقت أعداءك. بغضًا تامًا أبغضتهم. صاروا لي أعداء” (مز139: 21، 22). هكذا يكون حب الجنود الأرضيين لملكهم: لأنه ليس ممكنًا لهم أن يحبوا الغرباء بينما يقدمون الاهتمام الواجب لمصالح ملكهم. ونحن نتعلم هذا أيضًا، مما قاله المسيح: ” من ليس معي فهو على ومن لا يجمع معي فهو يفرّق” (مت12: 30).

لذلك فكل ما أوصي به المسيح رسله القديسين كان مناسبا بالضبط لنفعهم وفائدتهم، الذي به ومعه لله الآب التسبيح والربوبية مع الروح القدس، إلى دهر الدهور آمين.

إرسال الاثني عشر – إنجيل لوقا 9 ج1 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

Exit mobile version