التجلـي – إنجيل لوقا 9 ج5 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

التجلـي – إنجيل لوقا 9 ج5 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

التجلـي – إنجيل لوقا 9 ج5 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو27:9ـ36) ” حَقًّا أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مِنَ الْقِيَامِ ههُنَا قَوْمًا لاَ يَذُوقُونَ الْمَوْتَ حَتَّى يَرَوْا مَلَكُوتَ اللهِ. وَبَعْدَ هذَا الْكَلاَمِ بِنَحْوِ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ، أَخَذَ بُطْرُسَ وَيُوحَنَّا وَيَعْقُوبَ وَصَعِدَ إِلَى جَبَل لِيُصَلِّيَ. وَفِيمَا هُوَ يُصَلِّي صَارَتْ هَيْئَةُ وَجْهِهِ مُتَغَيِّرَةً، وَلِبَاسُهُ مُبْيَضًّا لاَمِعًا. وَإِذَا رَجُلاَنِ يَتَكَلَّمَانِ مَعَهُ، وَهُمَا مُوسَى وَإِيلِيَّا، اَللَّذَانِ ظَهَرَا بِمَجْدٍ، وَتَكَلَّمَا عَنْ خُرُوجِهِ الَّذِي كَانَ عَتِيدًا أَنْ يُكَمِّلَهُ فِي أُورُشَلِيمَ. وَأَمَّا بُطْرُسُ وَاللَّذَانِ مَعَهُ فَكَانُوا قَدْ تَثَقَّلُوا بِالنَّوْمِ. فَلَمَّا اسْتَيْقَظُوا رَأَوْا مَجْدَهُ، وَالرَّجُلَيْنِ الْوَاقِفَيْنِ مَعَهُ. وَفِيمَا هُمَا يُفَارِقَانِهِ قَالَ بُطْرُسُ لِيَسُوعَ: يَامُعَلِّمُ، جَيِّدٌ أَنْ نَكُونَ ههُنَا. فَلْنَصْنَعْ ثَلاَثَ مَظَالَّ: لَكَ وَاحِدَةً، وَلِمُوسَى وَاحِدَةً، وَلإِيلِيَّا وَاحِدَةً. وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ مَا يَقُولُ. وَفِيمَا هُوَ يَقُولُ ذلِكَ كَانَتْ سَحَابَةٌ فَظَلَّلَتْهُمْ. فَخَافُوا عِنْدَمَا دَخَلُوا فِي السَّحَابَةِ. وَصَارَ صَوْتٌ مِنَ السَّحَابَةِ قَائِلاً: هذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ. لَهُ اسْمَعُوا. وَلَمَّا كَانَ الصَّوْتُ وُجِدَ يَسُوعُ وَحْدَهُ، وَأَمَّا هُمْ فَسَكَتُوا وَلَمْ يُخْبِرُوا أَحَدًا فِي تِلْكَ الأَيَّامِ بِشَيْءٍ مِمَّا أَبْصَرُوهُ “.

 

          إن أولئك الماهرون في المصارعة يفرحون حينما يُصفِّق لهم المشاهدون، وهم يرتفعون إلى مستوى عال ومجيد من الشجاعة بواسطة رجاء الحصول على إكليل النصر. وهكذا أيضًا أولئك الذين يرغبون أن يُحسبوا أهلاً للمواهب الإلهية، والذين يعطشون إلى أن يصيروا شركاء الرجاء المعد للقديسين، فإنهم يدخلون المعارك لأجل التقوى في المسيح، ويسلكون حياة زكية، ولا يركنون إلى الكسل في عدم الشكر، ولا يغرقون في جبن وضيع، بل بالحري، يقاومون برجولة كل تجربة، ولا يخافون من عنف الاضطهادات، إذ هم يحسبونه ربحًا أن يتألموا من أجله، لأنهم يتذكرون أن بولس المبارك يكتب هكذا: ” آلام الزمان الحاضر لا تقاس بالمجد العتيد أن يُستعلَن فينا” (رو18:8).

 

          لذلك، لاحظوا كم هي جميلة جدًّا الطريقة التي يستعملها أيضًا ربنا يسوع المسيح لمنفعة وبنيان جماعة الرسل. لأنه قال لهم: ” إن أراد أحد أن يأتي ورائي، فلينكر نفسه ويحمل صليبه كل يوم ويتبعني، لأن من يُخلص نفسه يهلكها، ومن يضيع نفسه من أجلى يجدها“. الوصية هي حقًّا لأجل خلاص القديسين ولأجل كرامتهم معًا، وهى تؤدِّي إلى أعلى مجد، وهى طريق الفرح الكامل، لأن اختيار التألم لأجل المسيح، ليس واجبًا لا شكر فيه، بل بالعكس يجعلنا مشاركين في الحياة الأبدية وفى المجد المُعد. ولكن لأن التلاميذ لم يكونوا قد حصلوا بعد على القوة من الأعالي، فربما يكون من المحتمل، أنهم هم أيضًا سقطوا في ضعفات بشرية، وحينما فكروا في أنفسهم في قول كهذا، ربما سألوا أنفسهم: ” كيف يُنكر الإنسان نفسه؟ أو كيف يجد نفسه بنفسه ثانية إذ يكون قد ضيَّعها؟ و أي مكافأة يعوض بها أولئك الذين يتألمون هكذا؟ أو ما هي الهبات التي سيصيرون شركاء فيها؟ لذلك فلكي ينقذهم، من مثل هذه الأفكار الجبانة، ولكي يصوغهم ـ كما لو كان ـ في قالب الرجولة، بأن يُولِّد فيهم رغبة في المجد العتيد أن يمنح لهم، لذلك يقول: ” أقول لكم، إن من القيام ههنا، قومًا لا يذوقون الموت حتى يروا ملكوت الله“. هل هو يقصد أن حياتهم ستمتد جدًّا حتى تصل إلى ذلك الوقت الذي  سيأتي فيه من السماء في نهاية العالم، ليمنح القديسين الملكوت المعد لهم؟ وحتى هذا كان ممكنًا عنده، لأنه كلِّى القدرة، وليس هناك شيء غير ممكن أو صعب بالنسبة لإرادته الكلية القوة. ولكنه يقصد بملكوت الله: رؤية المجد الذي سيظهر به عند ظهوره لسكان الأرض، لأنه سيأتي بمجد الله الآب وليس في الحالة المتواضعة التي تمثل حالتنا، لذلك، كيف جعل أولئك الذين قد نالوا الموعد مشاهدين لأمر عجيب كهذا؟

 

          إنه يصعد إلى الجبل آخذًا معه ثلاثة تلاميذ مختارين، ويتغير إلى مثل هذا اللمعان الفائق والبهاء الإلهي، حتى أن ثيابه كانت تتألق بأشعة من نار، وبَدَت تضئ مثل البرق. وأكثر من ذلك، وقف موسى وإيليا إلى جوار يسوع، وتكلم أحدهما مع الآخر عن خروجه، الذي  كان عتيدًا أن يكمله في أورشليم، والذي يقصد به سر التدبير في الجسد، وآلامه الثمينة على الصليب.

 

لأنه حق أيضًا أن شريعة موسى وكلمة الأنبياء القديسين، أشارت مسبقًا لسر المسيح: فالأول منهما بواسطة أمثلة وظلال، راسمًا إياه ـ كما لو كان ـ في صورة، بينما الآخر بطرق متنوعة معلنة قبل موعدها، وكلاهما يفيد أنه في الوقت المناسب سيظهر في صورتنا، ولأجل خلاصنا وحياتنا كلنا، يرضى أن يعانى الموت على الخشبة. لذلك، فوقوف موسى وإيليا أمامه، وكلاهما الواحد مع الآخر، كان نوعًا من الإشارة الرمزية تُظهِر بصورة رائعة، ربنا يسوع المسيح، وله الشريعة والأنبياء كحارسين لجسده، باعتباره رب الشريعة والأنبياء، وكما أعلن عنه مسبقًا فيهما بواسطة تلك الأمور التي سبق أن بشَّرا بها باتفاق متبادل. لأن كلمات الأنبياء ليست مختلفة مع تعاليم الشريعة. وهذا هو ما أتخيل أن موسى الكهنوتي العظيم وإيليا العظيم في الأنبياء كانا يتكلمان عنه أحدهما مع الآخر.

 

          ولكن التلاميذ المبارَكين ينامون فترة قصيرة، بينما استمر المسيح طويلاً في الصلاة ـ لأنه مارس هذه الواجبات البشرية باعتبارها خاصة بالتدبير ـ وبعد ذلك عند استيقاظهم صاروا مشاهِدين لتغيـُّرات باهرة ومجيدة جدًّا، إذ ظن (بطرس) حينئذ أن زمن ملكوت الله قد أتى الآن فعلاً فاقترح إقامة مساكن على الجبل، وقال إنه من اللائق أن يوجد هناك ثلاث مظال: واحدة للمسيح، والمظلَّتان الأخريتان للشخصين الآخرين موسى وإيليا، ولكنه كما يقول الكتاب: ” وهو لا يعلم ما يقول“. لأنه لم يكن هو وقت نهاية العالم، ولا الوقت الذي  فيه يمتلك القديسون الرجاء الموعود لهم به، لأنه كما يقول بولس: ” سيُغيـِّر شكل جسد تواضعنا ليكون على صورة الذي  له، أي صورة جسد مجد المسيح” (فى22:3). ولذلك، إذ أن التدبير كان لا يزال في بدايته، ولم يكن قد تحقَّق بعد، فكيف يكون مناسبًا للمسيح أن يتخلَّى عن محبته للعالم، ويتحول عن غرض التألُّم لأجله؟ لأنه فدى كل مَن تحت السماء، باحتماله الموت في الجسد وبإبادته الموت بالقيامة من الموت، معًا. لذلك فبطرس لم يكن يعلم ما يقول[1].

 

          ولكن إلى جانب منظر مجد المسيح العجيب والذي يفوق الوصف، حدث شيء آخر، نافع وضروري لتثبيت إيمانهم به، وليس نافعًا للتلاميذ فقط بل حتى لنا نحن أيضًا، لأن صوتًا أُعطيَ من السحابة من فوق من الله الآب، قائلاً: ” هذا هو ابني الحبيب له اسمعوا. وحينما كان الصوت، وُجد يسوع وحده” كما يقول الكتاب. فماذا يقول المجادل والعاصي إذن أمام هذه الأمور؟ ها هو موسى هناك، فهل يأمر الآب الرسل القديسين أن يسمعوا له؟ لو كانت إرادته هي أنهم ينبغي أن يتبعوا وصايا موسى، لكان قد قال، كما أظن، أطيعوا موسى، احفظوا الناموس. ولكن ليس هذا هو ما قاله الله الآب هنا، بل في حضور موسى والأنبياء، فإنه يأمرهم بالحري أن يسمعوا للمسيح.

 

ولكن لا يقلب أحد الحق ويقول إن الآب طلب منهم أن يسمعوا لموسى وليس للمسيح مخلِّصنا جميعًا، فإن البشير ذكر بوضوح قوله: ” وحينما كان الصوت، وُجد يسوع وحده” لذلك حينما أمر الله الآب من السحابة التي ظللتهم، الرسل القديسين قائلاً: ” له اسمعوا” كان موسى بعيدًا جدًّا، وإيليا أيضًا لم يعد قريبًا، ولكن كان هناك المسيح وحده لذلك فإياه وحده أمرهم الآب أن يطيعوا.

 

          لأنه هو أيضًا غاية الناموس والأنبياء: ولهذا السبب صرخ بصوت عالي لجموع اليهود: ” لو كنتم تصدقون موسى لكنتم تصدقون كلامي، لأنه هو كَتَب عنى” (يو46:5). ولكن لأنهم استمروا إلى النهاية يحتقرون الوصية المعطاة بواسطة موسى الحكيم جدًّا، وبرفضهم كلمة الأنبياء القديسين، فقد استُبعِدوا بعدل وحُرِموا من تلك البركات التي وعد بها لآبائهم، لأن ” الطاعة أفضل من الذبائح، والاستماع أفضل من شحم الكباش” (1صم22:15).

 

          وهكذا قد مُنحت كل هذه البركات بالضرورة لكثيرين من اليهود كما مُنحت لنا نحن أيضًا الذين قد قبلنا الإعلان الإلهي، بواسطة المسيح نفسه كهبة منه لنا، الذي به ومعه لله الآب التسبيح والسلطان مع الروح القدس، إلى دهر الدهور آمين.

 

 

[1] هنا يضيف ماي Mai  عبارة عن المخطوط B يعطي سببًا متميزًا تمامًا للتجلى،  أي أن التجلي لأجل أن يعلم التلاميذ أنه في القيامة “لن نخلع الجسد بل يغلفه نوع من المجد مثل النور”.

التجلـي – إنجيل لوقا 9 ج5 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

إتـباع المسيح – إنجيل لوقا 9 ج4 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

إتـباع المسيح – إنجيل لوقا 9 ج4 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

إتـباع المسيح – إنجيل لوقا 9 ج4 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو23:9ـ26): ” وَقَالَ لِلْجَمِيعِ: إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي، فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ كُلَّ يَوْمٍ، وَيَتْبَعْنِي. فَإِنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا، وَمَنْ يُهْلِكُ نَفْسَهُ مِنْ أَجْلِي فَهذَا يُخَلِّصُهَا. لأَنَّهُ مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ، وَأَهْلَكَ نَفْسَهُ أَوْ خَسِرَهَا؟ لأَنَّ مَنِ اسْتَحَى بِي وَبِكَلاَمِي، فَبِهذَا يَسْتَحِي ابْنُ الإِنْسَانِ مَتَى جَاءَ بِمَجْدِهِ وَمَجْدِ الآبِ وَالْمَلاَئِكَةِ الْقِدِّيسِينَ “.

إن قادة الجيوش الأقوياء يستحثون جنودهم المدربين على أعمال الشجاعة، ليس فقط بأن يَعِدوهم بكرامات النصر، بل بأن يخبروهم بحقيقة أن التألم يجلب لهم المجد، ويكسبهم كل مديح، لأنه من المستحيل على أولئك الذين يريدون أن يربحوا الشهرة في المعركة أن لا يتحملوا الجروح أحيانًا من أعدائهم، ولكن تألمهم ليس بلا مكافأة. ونحن نرى ربنا يسوع المسيح يستخدم الأفكار نفسها تقريبًا في الحديث الذي  كانت مناسبته كالآتي:

          فقبْل هذا الكلام مباشرة كان قد أظهر للتلاميذ أنه ينبغي له أن يحتمل مغامرات اليهود الشريرة، وأنهم سيهزأون به، ويتفلون في وجهه، ويقتلونه، وفى اليوم الثالث يقوم ثانية. لذلك فلكي يمنعهم من أن يتخيلوا أنه من أجل حياة العالم، سيحتمل هو نفسه استهزاء أولئك القتلة وأعمالهم الوحشية الأخرى التي أصابوه بها، بينما يتاح لهم أن يعيشوا بهدوء، وأن يتحاشوا التألم لأجل تقواهم ـ دون أن يكون عليهم لوم في ذلك، وأن يتحاشوا أن يحتملوا الموت نفسه في الجسد إن أتى عليهم، وأنهم لن يلحقهم أي عار إن فعلوا ذلك، فلكي يمنعهم من هذا التخيل فهو يشهد بالضرورة أن أولئك الذين سيحسبون أهلاً للمجد الذي يعطيه هو، ينبغي أن يصِلوا إليه بأعمال شجاعة مناسبة، قائلاً: ” من أراد أن يأتي ورائي فلينكر نفسه ويحمل صليبه كل يوم ويتبعني“.

          وهنا أيضًا، ينبغي أن ندهش من محبة المسيح مخلِّصنا جميعًا نحو العالم، لأنه لم يقبل فقط أن يتألم وأن يحتمل عارًا عظيمًا، ويضع نفسه حتى إلى الصليب والموت لأجلنا، لكنه يرفع تابعيه المختارين أيضًا إلى نفس هذه الرغبة الممتازة، أولئك الذين كانوا سيصيرون معلِّمين للناس في كل مكان، ويشغلون وضع القادة لشعوبهم الذين يوكَّلون إلى عنايتهم. لأن أولئك الذين يقامون على خدمة عظيمة يجب أن يكونوا بالفعل شجعانًا وباسلين تمامًا، متسلحين بعقل غير متزعزع وشجاعة غير مغلوبة، وذلك لكي لا يخافوا الصعوبات، وحتى إن أتاهم الموت فإنهم يسخرون من رعبه، ويلاشون كل خوف. وذلك الذي  يتصرف هكذا، فإنه ينكر نفسه، إذ أنه يتخلى عن حياته الزمنية ويحسب اهتماماتها غير مستحقة لأي اعتبار، وذلك بقدر اختياره لأن يتألم لأجل الغبطة والمحبة التي في المسيح.

          هكذا يتبع الإنسان المسيح، لأن صحبة الرسل القديسين كما لو كانت تضع أمامنا، بواسطة قيثارة المرنم، صارخًا إلى المسيح مخلِّص الجميع: ” من أجلك نُمات كل يوم، قد حُسبنا مثل غنم للذبح” (مز22:3س). فهم في هذا أيضًا مثل عمانوئيل، ” الذي  من أجل السرور الموضوع أمامه، احتمل الصليب، مستهينًا بالخزي” (عب2:12).

لذلك فإن أولئك الذين كانوا سيصيرون معلمين لكل الذين تحت الشمس، كانوا مرتفعين فوق الجبن وفوق حب العالم الدنيء، واضعين أمامهم كواجب عليهم أن يتألموا لأجل محبة المسيح. وهو نفسه علَّمنا ما هي ميَّزة رسله الذين يحبونه، إذ قال لبطرس المبارك: ” يا سمعان بن يونا، أتحبني؟ ارع خرافي، ارع غنمي” (يو15:21) ” هو الراعي الصالح بذل نفسه عن الخراف” (يو11:10) فهو لم يكن أجيرًا، بل بالحري أولئك الذين خلصوا هم خاصَّته، وقد رأى الذئب مقبلاً، فلم يحاول أن يهرب، فهو لم يحتقر القطيع، بل بالعكس سلم نفسه ليمزقه الذئب لكي يحررنا ويخلصنا لأننا ” بجراحاته شفينا، وهو مجروح لأجل معاصينا” (إش5:53). لذلك، فأولئك الذين يتبعونه، ويرغبون بإخلاص أن يكونوا مثله والذين يقامون على قطعانه الناطقة، فينبغي أن يجتازوا أتعابًا مماثلة. لأن وحوشًا شرسة كثيرة تحيط بهم، وحوشًا عنيفة حقودة، وهم يذبحون بقسوة، ويسرعون بالنفوس إلى هوة الهلاك. لأن الأكثر علمًا ومهارة بين الوثنيين يملكون فصاحة عظيمة، ويُزيِّنون تعليمهم الزائف بلغة جذابة، وهكذا يخدعون بعض البسطاء ويجعلونهم راغبين في المشاركة في مرضهم، ويبتعدون عن الله الذي هو فوق الكل ليعبدوا آلهة بدلاً منه وهم ليسوا بالحقيقة آلهة. هؤلاء أثاروا اضطهادات لا تُحتمل على الرسل القديسين، وكانوا يعرضونهم للأخطار مرة بعد أخرى. لأن بولس المبارك يتذكر الآلام التي أصابته في أيقونية ولسترة، وفى أفسس ودمشق. فإنه مرة يقول: ” في دمشق والي الحارث الملك كان يحرس مدينة الدمشقيين يريد أن يمسكني. فتدليت من طاقة في زنبيل من السور ونجوت من يديه” (2كو32:11، 33). وفى مرة أخرى يقول: ” إسكندر الحداد أظهر لي شرورًا كثيرة” (2تى14:4). فبماذا يشهد هذا الكارز الكبير، هذا البطل الشجاع الباسل، الذي ازدرى بأعظم الأخطار في كل مكان؟ إنه يقول: ” لي الحياة هي المسيح والموت هو ربح” (فى21:1). وأيضًا ” مع المسيح صُلبت، فلست أحيا أنا بعد، بل المسيح يحيا فيَّ، فما أحياه الآن في الجسد، أحياه في الإيمان، إيمان ابن الله، الذي أحبني وأسلم نفسه لأجلي” (غل20:2).

          ولكن عنف اليهود كان ينفجر كثيرًا ضد الرسل الآخرين أيضًا، حيث اضطهدوهم، واستدعوهم أمام مجامعهم وجلدوهم بقسوة، وأمروهم أن يصمتوا، ويكفوا عن كرازتهم المقدسة، قائلين لهم: ” أما أوصيناكم وصية أن لا تُعلِّموا بهذا الاسم؟ أي اسم المسيح،  مخلِّصنا جميعًا ـ وها أنتم قد ملأتم أورشليم بتعليمكم” (أع28:5). ولكن بعد أن احتمل التلاميذ اتهامهم العنيف، بسبب محبتهم الراسخة للمسيح، فإنهم خرجوا ” فرحين لأنهم حسبوا مستأهلين أن يهانوا من أجل اسمه” (أع41:5). ولكن لو أنهم كانوا جبناء وأذلاء، ويخافون من التهديدات، ويرتعبون من خوف الموت، فكيف كانوا يثبتون؟ أو كيف كانوا يقدمون أولئك الذين دعوا بواسطتهم، كثمار لله؟ لأن بولس الحكيم أيضًا، الذي لم تستطع أي صعوبة أن تغلبه، حينما كان في طريقه إلى أورشليم، وجاء النبي أغابوس وأخذ منطقته، ربط رجلي نفسه، وقال: ” الرجل الذي له هذه المنطقة هكذا سيربطه اليهود في أورشليم“، فأجاب بولس ” ماذا تفعلون تبكون وتكسرون قلبي لأني مستعد ليس أن أُربط فقط بل أن أموت أيضًا في أورشليم لأجل اسم الرب يسوع المسيح” (أع11:21، 13).

          لذلك كم هو رائع، أن يوصيهم أن يتغلبوا برجولة على كل اضطهاد، وأن يجتازوا التجارب بجسارة، مؤكدًا لهم بيقين أنهم إذ يكونون غيورين هكذا لأجله، فإنهم يصيرون أصدقاء، ويشتركون في مجده. لذلك فإن كان إنسان ما مستعدًا أن يحتمل مخاوف الموت ويزدرى بها، فهل لو ضيَّع نفسه ورحل، أفلا يبقى له شيء مذخرًا له، لأنه فيما هو يضيع حياته، فإنه يجدها بنوع خاص، بينما لو وجد حياته فإنه يجلب الهلاك لنفسه. لذلك، فأي خوف يمكن أن يشعر به القديسون، إن كان ما كان يبدو قبلاً أنه صعب، يتضح أنه مفرح لهم بالحري أن يتحملوه، بينما الحياة العزيزة على الناس، لكونها خالية من الألم، فإنها تنحدر بهم إلى الهلاك وإلى فخ الجحيم، كما يقول الكتاب.

          ولكنه يوضح لنا، أن التفوُّق في محبة المسيح هو أفضل جدًّا بما لا يُقاس فوق أُبَّهة العالم ولذته، وذلك بقوله: ” لأنه ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وأهلك نفسه أو خسرها؟” لأنه حين ينظر الإنسان بشكل رئيسي إلى لذة ومكسب اللحظة الحاضرة، وبسبب هذا يتحاشى الألم راغبًا أن يحيا في متعة، فإنه حتى إن كان له غنى وممتلكات وفيرة، فماذا ينتفع بها حينما يكون قد خسر نفسه؟ ” الكنوز لا تنفع الأشرار” (أم2:10س).

          فإن ” هيئة هذا العالم تزول” (1كو31:7)، ” ومثل ظلال تزول كل تلك اللذات” (حكمة9:5س)، والثروات تهرب من الذين يملكونها، ” أما البـِر فيُنجِّي من الموت” (أم2:10).

          وأكثر من ذلك، فلكي يضع أمامنا بوضوح المكافأة لاستعدادنا للتعب والألم، يقول: ” لأن من استحى بي وبكلامي، فبهذا يستحي ابن الإنسان متى جاء بمجده ومجد أبيه وملائكته القديسين“. إنه يحقق بهذه الكلمات، كثير مما هو نافع وضروري معًا. لأنه، أولاً، يبين أن أولئك الذين لا يستحون[1]به وبكلامه يلزم تمامًا وبالضرورة أن ينالوا المكافأة التي يستحقونها، وأي شيء يمكن أن يعطينا فرحًا مثل هذا؟ لأنه إن كان هناك بعض الناس الذين يشعر أمامهم الديَّان بالتوقير باعتبارهم مستحقين بسبب طاعتهم، لمكافأة وكرامات وإكليل بسبب محبتهم وولائهم له، والكرامات التي ربحوها بشجاعتهم، فكيف لا نقول نحن إن الذين وصلوا إلى مثل هذه البركات الممتازة، سيعيشون بالتأكيد من الآن في تمجيد وتكريم بلا نهاية.

ولكنه بعد ذلك، يُولِّد فيهم الخوف أيضًا، وذلك بقوله إنه سينزل من السماء، ليس في اتضاعه ومذلته السابقة، مثلنا، ولكن في مجد أبيه، أي في مجد إلهي فائق، والملائكة القديسون يحيطون به.

          إذًا، فكم هو بائس جدًّا ومدمر أن يكون الإنسان مدانًا بالجبن والتراخي حينما ينزل الديان من الأعالي، والرتب الملائكية واقفة بجانبه. ولكن كم هو عظيم ومبارك التذوُّق المُسبَق للغبطة النهائية، أى أن يستطيع الإنسان أن يبتهج بالأعمال التي تمت فعلاً، وينتظر المكافأة عن الأتعاب الماضية. لأن مثل هؤلاء سوف يُمدحون، إذ يقول لهم المسيح بنفسه: ” تعالوا يا مبارَكي أبى رثوا الملك المُعد لكم منذ تأسيس العالم” (متى34:25).

          ليتنا نُحسب نحن أيضًا أهلاً لهذه المكافآت بالنعمة ومحبة البشر التي للمسيح مخلِّصنا جميعًا، الذي به ومعه لله الآب التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى دهر الدهور. آمين.

[1] هنا يفهم القديس كيرلس كلمة “يستحي” بمعنى حسن، ويترجمها بمعنى “يشعرون بالتوقير لـ”

إتـباع المسيح – إنجيل لوقا 9 ج4 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

مسيح الله – إنجيل لوقا 9 ج3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

مسيح الله – إنجيل لوقا 9 ج3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

مسيح الله – إنجيل لوقا 9 ج3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو18:9ـ22) ” وَفِيمَا هُوَ يُصَلِّي عَلَى انْفِرَادٍ كَانَ التَّلاَمِيذُ مَعَهُ. فَسَأَلَهُمْ قِائِلاً: مَنْ تَقُولُ الْجُمُوعُ أَنِّي أَنَا؟ فَأَجَابُوا وَقَالوا: يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ. وَآخَرُونَ: إِيلِيَّا. وَآخَرُونَ: إِنَّ نَبِيًّا مِنَ الْقُدَمَاءِ قَامَ. فَقَالَ لَهُمْ: وَأَنْتُمْ، مَنْ تَقُولُونَ أَنِّي أَنَا؟ فَأَجَابَ بُطْرُسُ وَقَالَ:مَسِيحُ اللهِ!. فَانْتَهَرَهُمْ وَأَوْصَى أَنْ لاَ يَقُولُوا ذلِكَ لأَحَدٍ، قَائِلاً: إِنَّهُ يَنْبَغِي أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ يَتَأَلَّمُ كَثِيرًا، وَيُرْفَضُ مِنَ الشُّيُوخِ وَرُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ، وَيُقْتَلُ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومُ “.

          حسنًا أن ننادى على أولئك الذين يريدون أن يفتشوا الكتب المقدسة قائلين لهم: “قوموا، واستيقظوا”، لأنه من المستحيل أن ندرك معنى سر المسيح بالضبط إن كنا نستعمل لهذا الغرض عقلاً فاسدًا، وذهنًا ـ كما لو كان ـ غارقًا في النوم. فالأمر يحتاج بالحري إلى عقل يقظ، وبصيرة ثاقبة، لأن الموضوع يصعب فهمه إلى أقصى درجة، وهذا ما يتضح الآن حينما وصل حديثنا إلى شرح هذا المقطع الذي أمامنا. لأنه ماذا يقول البشير؟:

          ” وفيما هو يصلى على انفراد، كان التلاميذ معه فسألهم قائلاً، من تقول الجموع إني أنا؟“. والآن فإن أول شيء يجب أن نبحث عنه هو: ما الذي جعل ربنا يسوع المسيح يوجه هذا السؤال أو الاستفسار إلى الرسل القديسين. فلا كلمة من كلماته ولا عمل من أعماله تكون في وقت غير ملائم أو بدون سبب مناسب، بل بالحري هو يعمل كل الأشياء بحكمة وفى حينها. لذلك، فماذا نقول، وأي شرح مناسب نجده لأعماله الحاضرة؟ لقد أطعم جمعًا كبيرًا من خمسة آلاف رجل في البرية، وكيف أطعمهم؟ بخمس خبزات! وكسر معها سمكتين إلى أجزاء صغيرة! وهذه تكاثرت جدًّا من لا شيء حتى إنهم رفعوا اثنتي عشر قفة من الكسر المتبقية. لذلك، فالتلاميذ المباركون والجموع أيضًا دُهشوا ورأوا بواسطة المعجزة التي أُجريت إنه حقًّا هو الله وابن الله. وفيما بعد، حينما انصرف من الجموع، وكان هو على انفراد، وكان منشغلاً بالصلاة، وفى هذا أيضًا يجعل نفسه مثالاً لنا، أو بالحري يُعلِّم التلاميذ كيف يؤدون بكفاءة واجب وظيفتهم كمعلمين، لأني اعتقد، أن هذا هو واجب أولئك الذين يقامون لرعاية الشعب، والذين نصيبهم أن يُرشدوا قطعان المسيح، أن يشغلوا أنفسهم على الدوام بعملهم الضروري، وبحرية يمارسون تلك الأمور التي يُسر بها الله جدًّا،  أي سلوك القداسة والفضيلة الذي ينال إعجابًا عظيمًا، وهو بالتأكيد ينفع الشعب الذي تحت إشرافهم. لأنهم ينبغي إما أن ينشغلوا بنشاط في تلك الواجبات التي لمجد الله، أو أنهم في خلوتهم يحضرون لهم بركة، ويستنزلون عليهم قوة من الأعالي، وواحدة من هذه الأخيرة وهى الممتازة جدًّا فوق الكل في الصلاة. والتي عرفها بولس الإلهي فقال: “ صلوا بلا انقطاع ” (1تس17:5).

          وكما قلت حينئذ، فإن رب ومخلص الكل، جعل نفسه مثالاً للتلاميذ في سيرة القداسة، بصلاته على انفراد مصطحبًا إياهم وحدهم فقط معه. ولكن عمله هذا ربما يسبب ارتباكًا للتلاميذ ويولِّد فيهم أفكارًا خطرة. لأنهم رأوه يصلى بطريقة بشرية، وهو الذي  نظروه بالأمس يعمل معجزات تليق بالله. لذلك فلا يكون بلا سبب لو أنهم قالوا فيما بينهم: آه، إنه سلوك غريب! ماذا ينبغي أن نعتبره؟ إلهًا أم إنسانًا؟ فإن قلنا إنسان، ومثل واحد منا،  أي مثل أحد الأنبياء القديسين، فإننا نرى من معجزاته الفائقة الوصف، التي يعملها، أنه يعلو على حدود الطبيعة البشرية علوًّا كبيرًا، لأنه يعمل عجائب بطريقة متنوعة كإله، وإن قلنا هو الله، فبالتأكيد كونه يصلِّي فهذا لا يناسب مَن هو الله بالطبيعة، لأن مَن هو الذي يستطيع الله أن يسأل منه ما يريد أن يناله؟ وما هو الذي يمكن أن يكون الله في حاجة إليه؟

          لذلك، فلكي يطرد مثل هذه الأفكار المربكة، ولكي يهدئ إيمانهم، الذي ـ كما لو كانت ـ تتقاذفه العاصفة، فإنه يسألهم هذا السؤال، ليس كمَن يجهل كليًّا ما كان يُشاع عنه عمومًا، سواء من أولئك الذين لا ينتمون إلى مجمع اليهود، أو من الإسرائيليين أنفسهم، بل كان هدفه بالحري أن ينقذهم من طريقة التفكير العامة، ويزرع فيهم إيمانًا صحيحًا. لذلك سألهم، ” مَنْ تقول الجموع إني أنا؟“.

          ها أنت ترى مهارة السؤال. هو لم يقل مباشرة، “من تقول إني أنا؟” ولكنه يشير أولاً إلى ما أشاعه أولئك الذين من هم من خارج، وبعد أن يدحض رأيهم، ويوضح أنه غير سليم، عندئذ يعود بهم إلى الرأي الحقيقي. وهذا ما حدث أيضًا، لأنه حينما قال التلاميذ: البعض يقول إنك يوحنا المعمدان، وآخرون إيليا، وآخرون إن نبيًّا من القدماء قد قام،  فقال لهم وأنتم من تقولون إني أنا آه ! كم هي مملوءة معنى تلك الـ “أنتم”!. فهو يفصلهم عن كل الآخرين، لكي يتحاشوا آراءهم، لكي لا يفكروا عنه فكرة غير جديرة به، ولا يضمروا أفكارًا مشوَّشة متذبذبة، أو يتخيلوا أن يوحنا (المعمدان) أو أحد الأنبياء قد قام، لذلك يقول، “وأنتم” الذين تم اختياركم، “وأنتم” الذين ـ بقراري ـ قد دعيتم إلى الرسولية، “أنتم” شهود معجزاتي، “من تقولون إني أنا؟

      أولاً: انطلق بطرس أيضًا، قبل الباقين، وجعل نفسه الناطق بلسان الجماعة كلها، وسكب تعبير المحبة لله، ونطق باعتراف صحيح وبلا عيب للإيمان قائلاً: “مسيح الله“. التلميذ هنا معصوم، وهو شارح للسر بذكاء وشمول، لأنه لم يقل مجرد إن (يسوع) هو مسيح، بل بالحري “مسيح الله“، لأنه يوجد كثيرون قد لُقِّبوا بلقب “مسيح“، بسبب أنهم قد مُسحوا من الله بطرق متنوعة. لأن البعض قد مُسحوا ملوكًا، والبعض أنبياء، بينما آخرون قد نالوا الخلاص من ذلك “المسيح” الذي  هو مخلِّص الجميع، بل نحن أنفسنا نحصل على لقب المسيح، لأننا قد مُسحنا بالروح القدس، لأنه مكتوب في كلمات المرتل، عن أولئك القدماء،  أي قبل مجيء المسيح: ” لا تمسوا مسحائي، ولا تسيئوا إلى أنبيائي” (مز15:105). أما كلمات حبقوق فتشير إلينا: ” خرجتَ لخلاص شعبك، لتخلِّص مسحائك” (حب13:3 سبعينية). لذلك فالمسحاء كثيرون، وقد دُعوا هكذا من حقيقة [إنهم قد مُسحوا]، أما الذي  هو مسيح الله الآب فهو واحد، وواحد فقط، ليس كأننا نحن حقًّا مُسحاء ولسنا مُسحاء الله، بل ننتمي إلى شخص آخر، ولكن بسبب أنه هو، هو وحده له ذلك الذي  في السماء أبًا له. لذلك، حيث إن بطرس الحكيم جدًّا، باعترافه بالإيمان ـ بصواب وبدون خطأ ـ قال: “مسيح الله”. فواضح بتمييزه إياه عن أولئك الذين يُطلْق عليهم اللقب عمومًا، فإنه ينسبه[1] إلى الله، باعتباره مسيحه الوحيد. لأنه رغم كونه بالطبيعة الله وأشرق بطريقة لا يُنطق بها من الله الآب ككلمته الوحيد، إلاَّ أنه صار جسدًا بحسب الكتاب. لذلك، فبطرس المبارك، اعترف بالإيمان به، وكما قلتُ سابقًا، عبَّر بكلماته عن كل جماعة الرسل القديسين، وقام بدور الناطق بلسانهم جميعًا، باعتباره أكثر دقة من الباقين.

      وينبغي أن نلاحظ هذا أيضًا: إنه في رواية متى نجد التلميذ المبارك قال: “ أنت هو المسيح ابن الله الحي” (مت16:16)، ولكن الحكيم لوقا، إذ يلخص المعنى، فهو يتفق معه في الأفكار، ولكنه يستعمل كلمات أقل، ويخبرنا أنه قال “مسيح الله”. وبالإضافة إلى ذلك، فلا يوجد ذكر هنا لما قاله له المخلِّص، أما في متى أيضًا فإننا نجد إنه قال بوضوح: طوبى لك يا سمعان ابن يونا لأن لحمًا ودمًا لم يُعلِن لك، لكن أبي الذي  في السموات (مت17:16). لذلك فالتلميذ تعلم حقًّا من الله، وهو لم يجيء لنا بهذا الاعتراف بالإيمان من مجرد أفكاره الخاصة، بل بسبب أن النور الإلهي أشرق على ذهنه، وقاده الآب إلى معرفة صحيحة لسر المسيح. لذلك، فماذا يقول أولئك المبتدعون[2]المخطئون، عن هذا، أولئك الذين يحرِّفون بلا لياقة السر العظيم والموقر جدًّا، سر تجسد الابن الوحيد، ويسقطون من الطريق المستقيم، سائرين في سبيل الاعوجاج؟ لأن بطرس الحكيم اعترف بمسيح واحد، بينما هم يقسمون ذلك الواحد إلى اثنين، مضادِّين لتعاليم الحق. وهو يجيب[3] ويقول: ” ولكن التلميذ اعترف بمسيح واحد، وهكذا نحن أيضًا نؤكِّد أنَّه يوجد مسيح واحد ونعنى به الابن،  أي الكلمة الذي من الآب ” وبماذا نجيب عن هذا إذًا؟ نقول، أليس واضحًا لكل واحد، أن المسيح لا يسأل الرسل عن ماذا يقول الناس عن كلمة الله أنه هو؟ بل من هو ابن الإنسان؟ وإنه هو الذي  اعترف به بطرس أنه “مسيح الله”. دعهم أيضًا يشرحون هذا لنا، كيف يكون اعتراف بطرس جديرًا بالإعجاب إن كان لا يحتوى على أي شيء عميق وخفي، وكما لو كان، غير ظاهر لعامة الناس؟ لأن ما الذي أعلنه له الله الآب بالحقيقة؟ هل أعلن له أن ابن الإنسان هو إنسان؟ هل هذا هو السر المعلَن من الله؟ هل لأجل هذا صار موضع إعجاب، ويُحسب أهلاً لمثل هذه الكرامات الفائقة؟ لأنه هكذا خاطبه (الرب)،  ” طوبى لك يا سمعان بن يونا“.

          ومع ذلك فالسبب الذي لأجله نال هذا التطويب هو سبب عادل تمامًا، وذلك لأنه آمن أن ذلك الذي رآه كواحد منا، أي على شبهنا، هو ابن الله الآب، الكلمة، أي ذلك المولود من جوهره، والذي تجسد وصار إنسانًا. أرجو أن تروا هنا، عمق الأفكار، وأهمية الإقرار (بالإيمان)، والسر العالي الخطير، لأن الذي كان هناك في شبه البشر، وكجزء من الخليقة، هو الله الذي يفوق كل المخلوقات ويتجاوزها! وهو الذي يسكن في المكان العالي الرفيع، نزل من مجده ليكون في فقر مثلنا! والذي هو، كإله هو رب الكل، وملك الكل صار في شكل عبد، وفى درجة عبد! هذا هو الإيمان الذي يكلله المخلِّص، وهو يمد يده اليمنى السخية للذين لهم هذا الفكر. لأنه حينما مدح بطرس، وقال إنه تعلَّم مِن الله كمن قد حصل على إعلان من فوق، من الله الآب، فإنه جعله أكثر يقينًا، وأكثر تثبتًا بغزارة، في الإيمان الذي قد اعترف به، وذلك بقوله: ” وأنا أقول، لك أنت صخرة، وعلى هذه الصخرة سأبني كنيستي… وأعطيك مفاتيح ملكوت السموات. كل ما تربطه على الأرض يكون مربوطًا في السموات. وكل ما تحله على الأرض يكون محلولاً في السموات (مت16: 19،18). لاحظوا كيف يجعل نفسه رب السموات ورب الأرض في نفس الوقت، لأنه يعِد بأمور تفوق طبيعتنا، وتعلو على قياس البشرية، نعم، بل تعلو أيضًا فوق قياس الرتبة الملائكية، وتلك الطبيعة وحدها هي التي يليق بها أن تعطى، والتي مجدها وسيادتها تتفوق على الكل. لأنه، أولاً، يقول إن الكنيسة هي خاصة به، ومع ذلك فإن الكتب المقدسة تنسبها بالحري بوضوح لله، وحده، إذ تقول إنها ” كنيسة الله” (1تى15:7) إنها تقول إن المسيح أحضرها لنفسه بلا دنس ولا عيب.. بل بالحري مقدسة وبلا لوم (انظر أف27:5). لذلك، فلكونه الله، يقول إنها له، وفضلاً عن ذلك يعِد أن يؤسسها، ويعطيها أن تكون غير متزعزعة إذ أنه هو نفسه رب القوات.

وبعد ذلك يقول إنه يعطيه مفاتيح السماء. مَن هو ذلك الذي  يفيض بالكلمات اللائقة بالله؟ هل هو ملاك؟ أو مَن أية قوات عقلية، سواء كانت رئاسات أم عروش، أم ربوبيات؟ أو أولئك السيرافيم المقدسين، ليس كذلك بالمرة، بل كما قلت سابقًا، مثل هذه اللغة إنما تخص الله الضابط الكل وحده، الذي له السيادة على الأرض وعلى السماء. إذًا فليكف هؤلاء المبتدعين عن تقسيم الله الواحد، فيقولون إن كلمة الله الآب هو ابن واحد، وإن الذي من نسل داود هو ابن آخر. لأن بطرس ذكر مسيحًا واحدًا، الذي هو الابن الوحيد الذي تجسد وصار إنسانًا، ولأجل هذا الاعتراف حُسب أهلاً لهذه الكرامات غير العادية.

ومن جهة أخرى، حينما اعترف التلميذ بإيمانه فإنه انتهرهم وأوصاهم ألاَّ يقولوا ذلك لأي إنسان، إذ يقول: ” لأن ابن الإنسان سوف يتألم كثيرًا، ويُرفض، ويُقتل، وفى اليوم الثالث يقوم“، ومع ذلك كيف لا يكون واجبًا على التلاميذ، بالحري أن يُبشِّروا في كل مكان؟ إذ أنه هذا هو العمل نفسه الذي  كلَّف به أولئك الذين دعاهم إلى الرسولية. ولكن كما يقول الكتاب المقدس: “ لكل شيء وقت (جا1:3) فقد كانت هناك أمور لم تتم بعد، والتي ينبغي أن تكون ضمن محتويات كرازتهم به، مثل الصليب، والآلام، والموت بالجسد، والقيامة من الأموات، تلك الآية العظيمة والمجيدة حقًّا التي بها تتم الشهادة له أن عمانوئيل هو الله حقًّا، وهو بالطبيعة ابن الله الآب. لأنه أبطل الموت تمامًا، ولاشى الهلاك، وأباد الجحيم، وهزم طغيان العدو، وأزال خطية العالم، وفتح الأبواب التي فوق للساكنين على الأرض، ووحَّد الأرض بالسماء، هذه الأشياء برهنت على أنه ـ كما قلت ـ هو الله بالحقيقة. لذلك أوصاهم الله أن يحفظوا السر بصمت ملائم، إلى أن تصل خطة التدبير الكاملة إلى خاتمة مناسبة. لأنه حينما قام من بين الأموات أعطاهم وصية أن السر ينبغي أن يُعلن لكل سكان الأرض، واضعين أمام كل إنسان التبرير بالإيمان والقوة التي للمعمودية المقدسة. لأنه قال: ” دُفع لي كل سلطان في السماء وعلى الأرض، فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم، وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به. وها أنا معكم كل الأيام وإلى انقضاء الدهر” (مت18:28ـ20). لأن المسيح معنا وهو فينا بالروح القدس، ويسكن في نفوسنا جميعًا، الذي به ومعه لله الآب التسبيح والسيادة والكرامة مع الروح القدس، إلى دهر الدهور آمين.

[1]  أي ينسب يسوع المسيح إلى الله الآب (المترجم).

[2] يشير إلى نسطور وأتباعه.

[3] يشير القديس كيرلس إلى نسطور في جوابه على الرسالة التي أرسلها إليه التي تحمل رقم 4 وتمَّت ترجمتها ونشرها في كتاب “رسائل القديس كيرلس إلى نسطور ويوحنا الأنطاكى” يوليو 1988، مركز دراسات الآباء.

أما رسالة نسطور إلى القديس كيرلس التي يقتبس منها هنا ـ وهى تحمل رقم (5) فقد تُرجمت عن اليونانية ونُشرت في “رسائل القديس كيرلس الجزء الثانى” يوليو 1989، نشر مركز دراسات الآباء.

مسيح الله – إنجيل لوقا 9 ج3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

إشباع الجموع – إنجيل لوقا 9 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

إشباع الجموع – إنجيل لوقا 9 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

إشباع الجموع – إنجيل لوقا 9 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو9: 12ـ 17) ” فَابْتَدَأَ النَّهَارُ يَمِيلُ. فَتَقَدَّمَ الاثْنَا عَشَرَ وَقَالُوا لَهُ: اصْرِفِ الْجَمْعَ لِيَذْهَبُوا إِلَى الْقُرَى وَالضِّيَاعِ حَوَالَيْنَا فَيَبِيتُوا وَيَجِدُوا طَعَامًا، لأَنَّنَا ههُنَا فِي مَوْضِعٍ خَلاَءٍ. فَقَالَ لَهُمْ: أَعْطُوهُمْ أَنْتُمْ لِيَأْكُلُوا. فَقَالُوا: لَيْسَ عِنْدَنَا أَكْثَرُ مِنْ خَمْسَةِ أَرْغِفَةٍ وَسَمَكَتَيْنِ، إِلاَّ أَنْ نَذْهَبَ وَنَبْتَاعَ طَعَامًا لِهذَا الشَّعْبِ كُلِّهِ. لأَنَّهُمْ كَانُوا نَحْوَ خَمْسَةِ آلاَفِ رَجُل. فَقَالَ لِتَلاَمِيذِهِ: أَتْكِئُوهُمْ فِرَقًا خَمْسِينَ خَمْسِينَ. فَفَعَلُوا هكَذَا، وَأَتْكَأُوا الْجَمِيعَ. فَأَخَذَ الأَرْغِفَةَ الْخَمْسَةَ وَالسَّمَكَتَيْنِ، وَرَفَعَ نَظَرَهُ نَحْوَ السَّمَاءِ وَبَارَكَهُنَّ، ثُمَّ كَسَّرَ وَأَعْطَى التَّلاَمِيذَ لِيُقَدِّمُوا لِلْجَمْعِ. فَأَكَلُوا وَشَبِعُوا جَمِيعًا. ثُمَّ رُفِعَ مَا فَضَلَ عَنْهُمْ مِنَ الْكِسَرِ اثْنَتَا عَشْرَةَ قُفَّةً “.

 

إن اليهود، في رأيي، ليس لهم ولا حجَّة واحدة يمكن أن تنفعهم أمام منبر الله ليبرروا بها عدم طاعتم، لأن مقاومتهم لا تبدو معقولة. ولماذا الأمر هكذا؟ لأن ناموس موسى يمكن أن يقودهم ـ بواسطة الظلال والرموز ـ إلى سر المسيح. لأن الناموس ـ أو بالحري الأشياء التي يحتويها ـ كان رمزيًّا، وكان سر المسيح مُصوَّرًا فيه بواسطة المثال والظل كما في رسم. وقد سبق الأنبياء المُباركون أيضًا فتنبأوا أنه في الوقت المُعيَّن ينبغي أن يأتي واحد ليفدي كل الذين تحت السماء، بل أعلنوا عن مكان ميلاده بالجسد، والآيات التي سيعملها. ولكن اليهود كانوا معاندين جدًّا، وكان عقلهم متشبثًا بما يتفق فقط مع تحيزاتهم حتى أنهم لم يقبلوا كلمات التعليم ولم ينقادوا للطاعة ولا بواسطة المعجزات الرائعة والمجيدة جدًّا.

هكذا إذن كان سلوكهم، ولكن دعونا نحن الذين قد اعترفنا بحقيقة ظهوره، أن نقدم له تسبيحنا لأجل أعماله الإلهية مثلما هو مُسجَّل في الفقرة التي أمامنا، لأننا نتعلم من هذه الفقرة أن مخلِّصنا كان يخرج من وقت إلى آخر إلى أورشليم والمدن والبلدان الأخرى، وكانت الجموع تتبعه، فكان البعض منهم يطلبون التحرر من طغيان الشياطين، أو الشفاء من المرض، ولكن البعض الآخر كانوا يرغبون أن ينالوا منه التعليم، وكانوا يلازمونه على الدوام بإخلاص عظيم وبجدية، لكي يتعرفوا تمامًا على تعاليمه المقدسة. وحينما بدأ النهار يميل، كما يقول البشير، وكان المساء قد أقبل أعطى التلاميذ اهتمامًا بالجموع واقتربوا من المخلِّص يسألونه من أجلهم. لأنهم قالوا: ” اصرف الجموع ليذهبوا إلى القرى والحقول حوالينا فيبيتوا ويجدوا طعامًا، لأننا هنا في موضع خلاء“.

ولكن دعونا نبحث بعناية عن معني عبارة ” اصرف الجموع” لأننا سنري بواسطتها الإيمان العجيب الذي للرسل القديسين، وأيضًا سنرى القوة الفائقة للطبيعة والمدهشة التي للمسيح مخلِّصنا، فقد كانوا يتبعونه طالبين منه أن ينقذهم من الأرواح الشريرة التي تعذبهم، بينما آخرون كانوا يطلبون الشفاء من أمراض متنوعة. لذلك حيث إن التلاميذ عرفوا أنه بمجرد رضا مشيئته يستطيع أن يتمم لأولئك المرضى ما كانوا يطلبونه، لذلك قالوا له ” اصرفهم”، وهم لا يتكلمون هكذا كما لو كانوا منزعجين من الجموع أو كانوا يعتبرون أن الوقت قد مضى، بل إذ كانوا مأخوذين بالمحبة نحو الجموع، بدأوا يهتمون بالشعب كما لو كانوا يمارسون مقدَّما وظيفتهم الرعوية، لكي نتخذ منهم قدوة لأنفسنا. لأن الاقتراب (من الرب) والتوسل إليه نيابة عن الشعب، هو فِعل لائق بالقديسين، وهو واجب الآباء الروحيين، ودليل على قلب له اهتمام ليس بالموضوعات الشخصية وحدها، بل يعتـبر مصالح الآخَرين هي مصلحته الشخصيَّة، وهذا مثل واضح جدًّا على هذه المحبة الفائقة. وإن كان يسمح لنا أن نمتد بتفكيرنا فوق مستوى الأمور البشرية، فإننا نقول: لأجل منفعة الذين يناسبهم هذا، إننا حينما نواصل الصلاة بحرارة، مع المسيح، سواء كنا نسأله الشفاء من أمراض أرواحنا، أو أن يخلصنا من أي أمراض أخرى، أو كنا نرغب أن نحصل على أي شيء لأجل فائدتنا، فليس هناك أدنى شك أنه حينما نسأل في الصلاة أي شيء صالح لنا، فإن القوات العقلية، وكذلك أولئك الرجال القديسين الذين لهم دالة أمامه، يتضرعون لأجلنا.

 

إشباع الجموع – إنجيل لوقا 9 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

ولكن لاحظوا اللطف غير المحدود لذلك الذي يتوسلون إليه، فهو لا يهب فقط كل ما يسألون منه أن يمنحه لأولئك الذين تبعوه، بل أيضًا يضيف خيرات من يده اليمنى السخية، منعشًا بكل طريقة أولئك الذين يحبونه، ويرعاهم ويغذيهم بالشجاعة الروحية. هذا ما يمكن أن نراه مما نقرأ الآن، لأن التلاميذ القديسين طلبوا من المسيح أن يصرف أولئك الذين كانوا يتبعونه ليتفرقوا بقدر ما هو مستطاع، ولكنه أمرهم أن يزودوهم بالطعام. ولكن هذا الأمر كان مستحيلاً في نظر التلاميذ، لأنه لم يكن معهم أي شيء سوي خمس خبزات وسمكتين، وهذا ما اعترفوا به له حينما اقتربوا منه. لذلك، فلكي يوضح عظمة المعجزة، ويجعلها تُظهر بكل طريقة أنه هو الله بطبيعته الخاصة، فقد أكثر هذه الكمية الصغيرة أضعافا مضاعفة، ونظر إلى فوق إلى السماء ليطلب بركة من فوق قاصدًا بهذا أيضًا ما هو لخيرنا. لأنه هو نفسه الذي يملأ كل الأشياء، إذ هو نفسه البركة التي تأتى من فوق، من الآب، ولكي نتعلم نحن أننا حينما نبدأ في الأكل ونكسر الخبز، فمن واجبنا أن نقدمه إلى الله، واضعين إياه على أيدينا الممدودة ونستنزل عليه بركة من فوق، ولذلك فقد صار هو سابقًا لنا، ومثالاً، وقدوة في هذا الأمر.

ولكن ماذا كانت نتيجة المعجزة؟ إنها كانت إشباع جمع كبير وذلك بحسب ما أضافه واحد آخر من البشيرين القديسين إلى رواية المعجزة. والمعجزة لا تنتهي هنا، إذ أنه جُمعت أيضًا ” اثنتا عشر قفة من الكسر“، وما هو الذي  نستنتجه من هذا؟ إنه تأكيد واضح أن كرم الضيافة ينال مكافأة جزيلة من الله فالتلاميذ قدموا خمس خبزات، ولكن بعد أن تم إشباع جمع كبير هكذا، فقد جمع لكل واحد منهم قفة مملوءة من الكسر. لذلك، فلا يجب أن يكون هناك شيء يعوق أولئك الذين يريدون أن يستضيفوا الغرباء، مهما كان هناك ما يمكن أن يثلم إرادة واستعداد الناس لذلك، ولا يقول أحد “إني لا أملك الوسيلة المناسبة، وما أستطيع أن أفعله هو تافه تمامًا لا يكفي كثيرين”. يا أحبائي استضيفوا الغرباء، وتغلبوا على عدم الاستعداد الذي لا يربح أي مكافأة لأن المخلِّص سيضاعف القليل الذي لكم مرات أكثر من أي توقع ورغم أنك لا تعطي إلاَّ القليل، فسوف تنال الكثير ” لأن من يزرع بالبركات، فالبركات أيضًا يحصد” (2كو9: 6) حسب كلمات بولس المبارك.

لذلك، فإن إشباع الجموع في البرية هو جدير بكل أعجاب، ولكنه نافع بطريقة أخرى. لأننا يمكن أن نري بوضوح أن هذه المعجزات الجديدة تتوافق مع تلك المعجزات التي في العهد القديم، وأنها أعمال ذات القوَّة الواحدة التي للشخص المقتدِر الذي صنع المعجزات في العهد القديم. فقد ” أمطر على الإسرائيليين منًّا في البرية وأعطاهم خبزًا من السماء، أكل الإنسان خبز الملائكة” حسب كلمات التسبيح في المزامير (مز77: 24،25 س). ولكن يا للعجب! فإنه في البرية أيضًا أشبع بسخاء ووفرة أولئك المحتاجين إلى الطعام، أتى به كأنه من السماء. لأن إكثاره للقليل مرات مضاعفة، وإطعامه جمع كثير كهذا بالقليل الذي  هو كالعدم، إنما يشبه تلك المعجزة السابقة (إعطاء المن). وأُوجِّه حديثي مرة أخري إلى حشد اليهود قائلا: ” إنكم كنتم في حاجة إلى الماء الطبيعي، حينما كنتم تسيرون في تلك البرية الشاسعة، وأعطاكم الله رغبتكم بما يفوق كل التوقعات، وذلك من مكان لم تكونوا تتطلعون إليه”. لأنه كما يقول المرنم: ” هو شق الصخرة في البرية، وأعطاهم شرابًا كأنه لجج عظيمة، وأخرج مياهًا من الصخر، وجعل المياه تفيض كالأنهار” (مز77: 15و16س). فأخبرني إذن: هل سبَّحتَ صانع المعجزة حينما شربتَ؟ هل تحرك لسانك بالشكر؟ أو هل دفعك ما قد حدث للاعتراف بقوة الله التي لا يُنطق بها؟ الأمر ليس كذلك، لأنك تتذمر على الله قائلاً: ” هل يقدر الله أن يرتِّب مائدة في البرية؟ إنه ضرب الصخرة فتفجرت المياه، وفاضت الأودية، فهل يستطيع أيضًا أن يعطي خبزًا أو يهيئ مائدة لشعبه؟” (مز77: 19و20س). أنت لم تندهش لرؤية الصخر الصواني يصير ينبوعًا لأنهار غزيرة، والينابيع تخرج بطريقة عجيبة من داخل الأحجار، والوديان تجري بقوة سريعة، ولكنك تنسب الضعف للقادر على كل شيء. ومع ذلك فكيف لا يكون واجبًا عليك بالحري أن تلاحظ وتدرك أنه هو رب القوات ؟ فكيف يكون غير قادر على أن يهيئ مائدة، وهو الذي  جعل الصخر الصواني ينبوعًا ونهرًا يفيضان على ذلك الجمع؟

ولكن حيث إنك قد أدخلت نفسك إلى هذه الحماقة العظيمة التي تتصور أنه ليس هناك شيئًا مستطاعًا عند الله، وتقول بثرثرة فارغة إنه لا يستطيع أن يرتب مائدة لشعبه في البرية، فأجب على السؤال الذي نوجهه إليك الآن، هل تقبل الإيمان الآن حينما تري المسيح قد رتب مائدة في البرية، وقد أشبع بوفرة وسخاء جمعًا لا يُحصي بالطعام، حتى تم جمع اثتني عشر قفة من الكسر المتبقية بعد أن شبعوا؟ أم هل لا تزال ترفض أن تؤمن، وتطلب آية أخرى؟ لذلك، فمتى تصير مؤمنًا؟ متى ستكف عن الاعتراض على قوة المسيح التي لا يُنطق بها ؟ متى ستضع بابًا ومزلاجًا للسانك ومتى تخلِّص لسانك من لغة التجديف، وتغيِّره إلى استعمال أفضل بأن تُسبِّحه لكي يمكنك أن تصير شريكًا في البركات التي يمنحها؟ لأن مراحمه تُستعلن لأولئك الذين يحبونه وهو يخلِّصهم من كل مرض. هو يغذيهم أيضًا بالطعام الروحاني، الذي  بواسطته يستطيع كل واحد أن يصل إلى الشجاعة في كل شيء جدير بالمديح.

أما عديمي الإيمان والمزدرين به فهو لا يمنحهم مثل هذه الهبات، بل بالحري يجلب عليهم تلك الدينونة التي يستحقونها عدلاً لأنه قال لهم بواسطة أحد أنبيائه القديسين: “ هوذا الذين يخدمونني يأكلون وأنتم تجوعون. هوذا الذين يخدمونني يشربون وأنتم تعطشون. هوذا الذين يخدمونني يفرحون في سعادة وأنتم تبكون من حزن القلب وتولولون من انكسار الروح” (إش65: 13و14س)، ومكتوب أيضًا ” الرب لا يقتل نفس الصديق بالجوع، ولكنه يبيد حياة الشرير” (أم10: 3 س).

لأن جماعات المؤمنين، لهم في الكتب المقدسة، مرعى مملوء بأنواع مختلفة من النباتات والزهور، تلك الكتب هي مرشدهم الحكيم، وإذ يمتلئ المؤمنون بالفرح الروحاني بسبب التعاليم المجيدة والإرشادات التي تحتويها هذه الكتب، لذلك فهم يأتون كثيرًا إلى المجالس الملكية المقدسة التي توفرها لهم هذه الكتب المقدسة، وهذا هو ما سبق الأنبياء به منذ زمن بعيد بكلمات إشعياء: ” ويكون على كل جبل عال وعلى كل أكمة مرتفعة سواقٍ ومجاري في ذلك اليوم” (إش30: 25). وأيضًا ” ويكون في ذلك اليوم أن الجبال تقطر حلاوة، والتلال تفيض لبنًا” (يؤ3: 18). لأنه من عادة الكتب الإلهية أن تُشبِّه بالجبال والتلال، أولئك الذين أقيموا على الآخرين، أولئك الذين عملهم أن يُعلِّموا الآخرين إذ أنهم مرتفعون جدًّا، وذلك الارتفاع أقصد به سمو أفكارهم المنشغلة بالأمور السماوية، وابتعادهم عن الأمور الأرضية، بينما المياه والحلاوة واللبن تشير إلى التعاليم التي تفيض منهم كما تفيض المياه من الينابيع ويقول الكتاب: ” ويكون حينئذ، في ذلك الوقت أن مياهًا متدفقة وعصيرًا ولبنًا تجرى من كل جبل عال، ومن كل أكمة مرتفعة“، وهذه هي التعزيات الروحية التي للمعلِّمين القديسين، التي يقدمونها للشعب الذي يتولون مسئولية رعايته. إن الجماعات اليهودية محرومة من هذه التعزيات، لأنهم لم يقبلوا المسيح، رب الجبال والتلال، ومعطي التعزيات الروحانية، وهو الذي يقدم نفسه كخبز الحياة لأولئك الذين يؤمنون به، لأنه هو الذي نزل من السماء، وأعطي الحياة للعالم، الذي به، ومعه، لله الآب يليق التسبيح والسلطان مع الروح القدس، إلى دهر الدهور. آمين.

إشباع الجموع – إنجيل لوقا 9 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

إرسال الاثني عشر – إنجيل لوقا 9 ج1 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

إرسال الاثني عشر – إنجيل لوقا 9 ج1 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

إرسال الاثني عشر – إنجيل لوقا 9 ج1 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو9: 1ـ5) ” وَدَعَا تَلاَمِيذَهُ الاثْنَيْ عَشَرَ، وَأَعْطَاهُمْ قُوَّةً وَسُلْطَانًا عَلَى جَمِيعِ الشَّيَاطِينِ وَشِفَاءِ أَمْرَاضٍ، وَأَرْسَلَهُمْ لِيَكْرِزُوا بِمَلَكُوتِ اللهِ وَيَشْفُوا الْمَرْضَى. وَقَالَ لَهُمْ: لاَ تَحْمِلُوا شَيْئًا لِلطَّرِيقِ: لاَ عَصًا وَلاَ مِزْوَدًا وَلاَ خُبْزًا وَلاَ فِضَّةً، وَلاَ يَكُونُ لِلْوَاحِدِ ثَوْبَانِ. وَأَيَُّ بَيْتٍ دَخَلْتُمُوهُ فَهُنَاكَ أَقِيمُوا، وَمِنْ هُنَاكَ اخْرُجُوا. وَكُلُّ مَنْ لاَ يَقْبَلُكُمْ فَاخْرُجُوا مِنْ تِلْكَ الْمَدِينَةِ، وَانْفُضُوا الْغُبَارَ أَيْضًا عَنْ أَرْجُلِكُمْ شَهَادَةً عَلَيْهِمْ “.

 

إنه قول صادق، أنَّ ثمر الأعمال الصالحة مشرِّف، لأن أولئك الذين يريدون أن يحيوا حياة نقية وغير مدنسة على قدر ما هو ممكن للناس، هؤلاء يزيِّنهم المسيح بمواهبه، ويمنحهم مكافأة مجزية وافرة، لأجل كل أعمال تقواهم، يجعلهم شركاء مجده، لأنه من المستحيل أن يكذب ذاك الذي يقول: “حيٌّ أنا، يقول الرب، فإني أكرم الذين يكرمونني” (1صم2: 30 سبعينية).

وكبرهان بسيط وواضح على هذا فإني استشهد بصحبة الرسل القديسين، المجيدة والنبيلة، انظروا كيف أنهم ممتازون جدًّا ومتوَّجون بما هو أكثر من المجد البشري، أي بهذه العطية الجديدة التي منحها لهم المسيح. لأن الإنجيل يقول ” إنه أعطاهم قوة وسلطانًا على جميع الشياطين وشفاء أمراض“. وأرجو أن تلاحظوا أيضًا، أن كلمة الله المتجسد يفوق مستوي البشرية، وهو يشع بأمجاد اللاهوت، لأنه أمر يفوق حدود الطبيعة البشرية، أن يعطي سلطانًا على الأرواح النجسة لكل من يريد، كما أنه يعطيهم القدرة أيضًا أن يشفوا من الأمراض أولئك المصابين بها، لأن الله، ينعم على من يريد بقُوَّات مِن هذا النوع، لأن الأمر يتوقف على قراره هو وحده ـ أن يتمكن أى أشخاص بحسب مسرة الله الصالحة ـ أن يعملوا معجزات إلهية، وأن يكونوا خدامًا للنعمة التي تُعطى من فوق، وأما أن يعطوا للآخرين، نفس الهبة التي من فوق التي وهبت لهم، فهذا أمر مستحيل تمامًا. لأن جلال ومجد الطبيعة الفائقة لا يوجدان جوهريًا في أي كائن من الكائنات، سوي في تلك الطبيعة نفسها، وفيها هي وحدها. لذلك فسواء كان ملاك أو رئيس ملائكة أو من العروش والسيادات، أو السيرافيم، التي هي أعلى في الكرامة، فينبغي أن نفهم هذا بحكمة، أنهم في الواقع يملكون سلطانًا متفوقًا بواسطة القدرات المعطاة لهم من فوق مما لا تستطيع اللغة أن تصفه ولا الطبيعة أن تمنحه، ولكن العقل يمنع كلية الافتراض أنهم يستطيعون أن يمنحوا هذه القدرات لآخرين. أما المسيح فهو يمنح هذه القدرات لكونه الله، وذلك من ملئه الخاص، لأنه هو نفسه رب المجد ورب القوات.

إذن، فالنعمة الممنوحة للرسل القديسين هي جديرة بكل إعجاب، ولكن سخاء المعطي يعلو على كل مديح وإعجاب، لأنه يعطيهم كما قلت، مجده الخاص، فالإنسان ينال سلطانا على الأرواح الشريرة ويخفض الكبرياء، الذي كان عاليًا جدًّا ومتعجرفًا، أي كبرياء الشيطان، يخفضه حتى العدم، يخفضه حتى العدم، ويجعل شره عديم الفاعلية، وبواسطة قوة الروح القدس وفاعليته يحرقه كما بنار، ويجعله يخرج مع أنَّات وبكاء من أولئك الذين كان متسلطا عليهم. ومع ذلك ففي القديم قال الشيطان: ” إني سأمسك كل العالم في يدي كعش وسأجمعه كبيض مهجور، وليس هناك أحد يهرب مني أو يتكلم ضدي” (إش10: 14 سبعينية). لقد فقد (الشيطان) الحق، إذن، وسقط من رجائه، رغم أنه كان متكبرًا ومتهورًا ومتبجحًا على ضعف الجنس البشري، لأن رب القوات أقام ضده خدام الكرازة الإلهية. وهذا قد سبق التنبؤ به حقًّا بواسطة أحد الأنبياء القديسين حينما تكلم عن الشيطان والمعلمين القديسين: ” ألا يقوم بغتة مقارضوك ويستيقظ مزعزعوك فتكون غنيمة لهم” (حب2: 7)، فكأنهم يمزقون الشيطان بالهجوم على مجده، ويجعلون الذين سبق فاقتناهم، غنيمة، ويأتون بهم إلى المسيح بواسطة الإيمان به، لأنهم هكذا قد هجموا على الشيطان نفسه. لذلك فكم هي عظيمة تلك القوة التي أُعطِيَت للرسل القديسين بقرار المسيح مخلِّصنا جميعا وإرادته لأنه أعطاهم   ” قوة وسلطانًا على الأرواح النجسة “.

وبعد ذلك، تبحث أيضًا، من أين هبطت هذه النعمة الرائعة جدًّا والممتازة جدًّا، على جنس البشر. إن كلمة الله الوحيد، قد توَّج الطبيعة البشرية بهذا الشرف العظيم بواسطة تجسده، متخذًا شكلنا، وهكذا بدون أن يفقد أي شيء من أمجاد جلاله ـ إذ أنه عمل أعمالا تليق بالله، رغم أنه كما قلت، قد صار مثلنا من لحم ودم ـ قد سحق قوة الشيطان بكلمته الكلية القدرة. وبانتهاره للأرواح الشريرة، فإن سكان الأرض أيضًا صاروا قادرين على أن ينتهروهم.

وأما كون ما أقوله صحيحًا فهذا ما سأسعى لكي أجعله أكيدًا، لأنه، كما قلت، فإن المخلِّص كان ينتهر الأرواح النجسة، ولكن الفريسيين إذ فتحوا أفواههم عليه ليسخروا من مجده كان عندهم من الوقاحة أن يقولوا: ” هذا لا يُخرج الشياطين إلا ببعلزبول رئيس الشياطين” (مت12: 24). ولكن المخلِّص وبخهم لأنهم تكلموا هذا كأناس ميالين إلى السخرية ويتخذون موقفًا معاديًا منه وهم عديمي الفهم تمامًا، لذلك قال لهم: “ إن كنت ببعلزبول أخرج الشياطين فأبناؤكم بمن يخرجون؟ لذلك هم يكونون قضاتكم” (مت12: 27)، لأن التلاميذ المباركين، الذين كانوا أبناء اليهود حسب الجسد، كانوا سبب رعب للشيطان وملائكته، لأن التلاميذ حطموا قوة الشيطان باسم يسوع المسيح الناصري. وأضاف ربنا قائلا: ” ولكن إن كنت أنا بروح الله أخرج الشياطين فقد أقبل عليكم ملكوت الله” (مت12: 28). لأنه، إذ هو ابن الآب الوحيد، وهو الكلمة، فقد كان ولا يزال كلي القدرة، وليس هناك شيء غير مستطاع لديه. ولكن، إذ قد انتهر الأرواح الشريرة حينما صار إنسانًا فإن الطبيعة البشرية صارت ظافرة فيه، ومكلَّلة بمجد إلهي، لأنها صارت قادرة على انتهار الأرواح الشريرة بقوة. لذلك، فبطرد المسيح للشياطين، قد أقبل علينا ملكوت الله، لأنه يمكننا أن نؤكد أن القدرة على سحق الشيطان رغم مقاومته هي كمال الجلال الإلهي.

لذلك، قد مجَّد المسيح تلاميذه بإعطائهم سلطانًا وقوة على الأرواح الشريرة وعلى الأمراض. فهل كرَّمهم هكذا بدون سبب، وهل جعلهم مشهورين بدون سبب مقنع؟ ولكن كيف يمكن أن يكون هذا صحيحًا؟ لأنه كان من الضروري، ومن الضروري جدًّا، وقد أقيموا علانية خدامًا للبشارة المقدسة، أن يكون لهم القدرة على عمل المعجزات، وبواسطة ما يعملونه، يُقنعون الناس أنهم خدام الله، ووسطاء لكل الذين تحت السماء، داعين إياهم جميعًا إلى المصالحة والتبرير بالإيمان، وموضحين طريق الخلاص والحياة التي بواسطته. لأن الأتقياء والأذكياء يحتاجون عمومًا إلى التفكير فقط لكي يجعلهم يدركون الحق، أما أولئك الذين انحرفوا بدون ضابط إلى العصيان، فهم غير مستعدين أن يقبلوا الكلام الصحيح من ذلك الذي يسعى أن يربحهم لأجل منفعتهم الحقيقية، مثل هؤلاء يحتاجون للمعجزات وعمل الآيات، ورغم ذلك فنادرًا ما يصلون إلى اقتناع شامل.

لأننا كثيرًا ما نجد أن كرازة الرسل قد ازدهرت بهذه الطريقة، فبطرس ويوحنا مثلاً، أنقذا الرجل الأعرج الذي كان يجلس عند باب الهيكل الجميل، من مرضه، فدخل الهيكل معهما وقدم شهادة للعمل العظيم الذي حدث معه. وتكلما بكل جرأة عن المسيح مخلِّصنا جميعًا رغم أنهما رأيا أن رؤساء مجمع اليهود كانوا لا يزالون مشحونين بعداوة مُرَّة ضد المخلِّص، لأنهما قالا: ” أيها الرجال الإسرائيليون، ما بالكم تتعجبون من هذا، ولماذا تشخصون إلينا كأننا بقوتنا أو تقوانا قد جعلنا هذا يمشي ؟ إن إله إبراهيم، وإله إسحق، وإله يعقوب، إله آبائنا، مجَّد فتاه يسوع، الذي أسلمتموه أنتم وأنكرتموه أمام وجه بيلاطس وهو حاكم بإطلاقه، ولكن أنتم أنكرتم القدوس البار، وطلبتم أن يوهَب لكم رجل قاتل. ورئيس الحياة قتلتموه، الذي  أقامه الله من الأموات ونحن شهود لذلك. وبالإيمان باسمه شدد اسمه هذا الذي تنظرونه وتعرفونه، والإيمان الذي بواسطته أعطاه هذه الصحة أمام جميعكم” (أع3: 12ـ16). ولكن رغم أن كثيرين من اليهود شعروا بمرارة من مثل هذا الحديث الرفيع،  ألاَّ أنهم كبحوا غضبهم رغمًا عن إرادتهم إذ أنهم خجلوا من عظمة المعجزة.

وهناك نقطة أخرى لا ينبغي أن ننساها، وهي أن المسيح إذ وشَّح أولاً الرسل القديسين بقوات عظيمة هكذا، فإنه يدعوهم بعد ذلك أن ينطلقوا بسرعة، ويبدأوا عملهم في إعلان سرِّه إلى سكان الأرض كلها. لأنه كما أن القواد المقتدِرِين بعد أن يُزوِّدوا جنودهم الشجعان بأسلحة الحرب، يرسلونهم ضد كتائب العدو، هكذا أيضًا يفعل المسيح مخلِّصنا وربنا جميعًا، يُرسل معلمي أسراره القديسين، مُوشَّحين بالنعمة التي يمنحهم إياها، ومُجهزين كلِّيَة بالسلاح الروحاني، ضد الشيطان وملائكته، لكي يكونوا غير مغلوبين ومقاتِلِين أشدّاء. لأنهم كانوا على وشك أن يدخلوا في معركة مع أولئك الذين سيطروا على سكان الأرض في الزمن القديم. أي أن يحاربوا ضد القوات الشريرة المضادة، الذين كانوا قد قسّموا فيما بينهم كل من هم تحت السماء، وجعلوا البشر الذين قد خُلِقوا على صورة الله، يتعبَّدون لهم. هذه الأرواح الشريرة، بدأ التلاميذ الإلهيون، حينئذ يُسببون لها غيظًا بدعوتهم أولئك الذين كانوا في الضلال إلى معرفة الحق، وبإنارتهم لأولئك الذين كانوا في الظلمة. وجعلوا أولئك الذين يتعبدون لهم في القديم، أتباعًا مخلصين للسعي في طريق القديسين.

ولأجل هذا السبب فقد كان مناسبًا جدًّا أن يوصيهم ألا يحملوا معهم أي شيء، وهو يريد بذلك أن يكونوا أحرار من كل هم عالمي، وبذلك يعفيهم من الأتعاب التي تجلبها الأمور العالمية، حتى أنهم بذلك لا يلقون بالاً حتى لخبزهم الضروري والذي لا غنى عنه. ولكنه من الواضح أن الذي  يأمرهم أن يمتنعوا عن مثل هذه الأشياء، فإنه بذلك يقطع كلية كل محبة للمال وشهوة الربح والاقتناء. لأنه يقول، إن مجدهم، أي أكاليلهم، هو ألاَّ يمتلكوا شيئًا. وهو يصرفهم عن الأشياء التي هي ضرورية لاستعمالهم إذ أنه أمرهم ألاَّ يحملوا شيئًا بالمرة: ” لا عصًا، ولا مزودًا، ولا خبزًا، ولا فضة، ولا يكون للواحد ثوبان“. لذلك، فكما قلت، لاحظوا، إنه يصرف أنظارهم عن الارتباكات الباطلة، وعن القلق من جهة الجسد، ويوصيهم ألاًَ يكون لهم أي اهتمام من جهة الطعام، وكأنه يكرر عليهم تلك العبارة التي في المزمور: ” ألقِ على الرب همك فهو يعولك” (مز55: 22). لأنه حق أيضًا هو ما قاله المسيح: ” لا تقدرون أن تخدموا الله والمال” (مت6: 24). وأيضًا: ” لأنه حيث يكون كنزك هناك يكون قلبك أيضًا” (مت6: 21).

لذلك فلكي يعيشوا حياة لائقة وبسيطة، وأن يكونوا أحرارًا من كل قلق باطل لا لزوم له، ولكي يكرسوا أنفسهم كلية لواجب الكرازة بسر الملكوت، ويجاهدوا بلا توقف في نشر أخبار الخلاص للناس في كل مكان، فإنه يوصيهم ألاَّ يعطوا اهتمامًا بل يكونوا بلا هم من جهة اللباس والطعام. وتكلَّم المخلِّص عن هذا الغرض ذاته في موضع حينما قال: ” لتكن أحقاؤكم مُمنطَقَة وسرجكم موقدة” (لو12ـ35). وهو يعني بقوله ” أحقاؤكم مُمنطقة“؟ استعداد العقل لكل عمل صالح، وبقوله ” سرجكم موقدة“، أن يكون قلبهم مملوءًا بالنور الإلهي. وبنفس الطريقة يأمر ناموس موسي بوضوح أولئك الذين أكلوا من خروف الفصح قائلاً: ” وهكذا تأكلونه، أحقاؤكم مشدودة وعصيكم في أيديكم، وأحذيتكم في أرجلكم” (خر12: 11). لذلك لاحظوا، أن أولئك الذين يسكن فيهم المسيح الحمل الحقيقي يجب أن يكونوا مثل أناس متمنطقين لرحلة، لأنهم يجب أن ” يحذوا أرجلهم باستعداد إنجيل السلام“، كما كتب لنا بولس المبارك (أف6: 15)، وأن يتوشَّحوا بما هو لائق بالمحاربين. لأنه ليس مناسبًا لأولئك الذين يحملون الرسالة الإلهية ـ إن أرادوا أن ينجحوا في عملهم ـ أن يظلوا غير متحركين، بل ينبغي أن يتحركوا دائمًا إلى الأمام، ويركضوا ليس نحو أمر غيـر يقيني، بل ليربحوا رجاءً مجيدًا. لأنه حتى أولئك الذين سقطوا مَرَّة تحت يد العدو، فإن كانوا بإيمان يجاهدون لأجل المسيح مخلِّصنا جميعًا فسوف يرِثون إكليلاً لا يفنى.

ولكن يمكنني أن أتخيل واحد يقول، يا رب، أنت قد أوصيت خدامك ألاَّ يحملوا أي زاد من أي نوع مما هو ضروري للطعام واللباس، فمن أين إذن يحصلون على ما هو ضروري وما لا غني عنه لاستعمالهم؟ هذا ما يشير إليه الرب، في الحال قائلاً: ” وأي بيت دخلتموه، فهناك أقيموا، ومن هناك اخرجوا“. وهو بذلك يقول، إن الثمر الذي ستحصلون عليه من الذين تُعلِّمونهم، سيكون كافيًا، لأن أولئك الذين يحصلون منكم على الروحيات، وينالون الزرع الإلهي في نفوسهم، سيعتنون باحتياجاتكم الجسدية. وهذا أمر لا يستطيع أحد أن يلوم عليه، لأن بولس الحكيم أيضًا كتب في الرسالة: ” إن كنا قد زرعنا لكم الروحيات، أفعظيم إن حصدنا منكم الجسديات؟ هكذا أيضًا أَمَر الرب، أن الذين ينادون بالإنجيل من الإنجيل يعيشون” (1كو9: 11، 14). ويبين بوضوح أن هذه الحقيقة نفسها يشير إليها موسى إذ يقول: ” مكتوب في ناموس موسى لا تكُمَّ ثورًا دارسًا” (تث25: 4). وهو يبين أيضًا ما هو قصد الناموس بقوله: ” ألعلَّ الله تهمه الثيران؟ أم يقول، مطلقًا من أجلنا، لأنه ينبغي للحَرَّاث أن يحرث على رجاء وللدارس على الرجاء أن يكون شريكا في رجائه؟” (1كو9: 9، 10). لذلك فأن يحصل المعلمون على هذه الأشياء التافهة وسهلة المنال من أولئك الذين يتعلمون منهم ليس أمرًا ضارًّا من أي ناحية.

ولكن المسيح أمرهم أن يقيموا في بيت واحد ومنه يخرجون، لأنه من الصواب أن أولئك الذين قبلوهم في بيتهم مرة، لا ينبغي أن تُسلب منهم الهبة أو العطية. هذا من ناحية، ومن الناحية الأخرى لكي لا يضع الرسل القديسون أنفسهم أي عائق في طريق غيرتهم واجتهادهم في الكرازة برسالة الله، بأن يدعوا أنفسهم يُحمَلون بالقوة إلى بيوت عديدة بواسطة أولئك الذين يهدفون لا أن يتعلموا منهم درسًا ضروريًّا، بل أن يُعِدُّوا أمامهم مائدة فاخرة، متجاوزين ما هو معتدل وضروري.

ونتعلم من كلمات مخلِّصنا أن إكرام القديسين له مكافأته، لأنه قال لهم: ” مَن يقبلكم يقبلني، ومَن يقبلني يقبل الذي أرسلني” (مت10: 40). لأنه يأخذ لنفسه ـ عن قصد ـ الإكرامات المقدمة للقديسين، ويجعلها خاصة به، لكي يكون لهم أمان من كل جهة. فهل هناك ما هو أفضل أو ما يمكن أن يقارن بالكرامة والمحبة الواجبة نحو الله؟ ولكن هذا يتحقق بإعطاء الإكرام للقديسين، وإن كان ذلك الذي يقبلهم هو مغبوط حقًّا، وله رجاء مجيد، فكيف لا يجب أن يكون العكس أيضًا صحيحًا بصورة كلية ومطلقة، لأنه ينبغي أن يكون مملوءًا من التعاسة التامة، ذلك الذي لا يبالى بواجب إكرام القديسين. لهذا السبب قال الرب: ” حينما تخرجون من ذلك البيت، انفضوا الغبار عن أرجلكم شهادة عليهم” (انظر مت10: 14، لو9: 5).

وبعد ذلك ينبغي أن نري ماذا يعني هذا الكلام؟ يعني أنهم ينبغي أن يرفضوا أن ينالوا أي شيء بالمرة من أولئك الذين لا يقبلونهم، ولا يحفظون الوصايا التي يسلمونها لهم ولا يطيعوا الرسالة المقدسة، ولا يقبلوا الإيمان. لأنه أمر بعيد الاحتمال أن أولئك الذين يحتقرون رب البيت يكونون كرماء مع خدامه، وأن أولئك الذين ـ بعدم التقوى ـ يتجاهلون الدعوة السماوية يطلبون بركة من كارزيها بأن يقدموا لهم أشياء لا قيمة لها، ومثل هذه الأشياء يستطيع التلاميذ أن يحصلوا عليها بدون تعب من الذين يرعونهم. لأنه مكتوب ” زيت الخاطئ لا يدهن رأسي” (مز141: 5 سبعينية)، وإلى جانب ذلك ينبغي أن يشعروا أنهم مدينين بالحب، فقط لأولئك الذين يُحبون المسيح ويمجِّدونه ويتجنبون كل الآخرين الذين هم على خلاف ذلك. لأنه مكتوب ” ألم أبغض مبغضيك، يا رب، وأمقت أعداءك. بغضًا تامًا أبغضتهم. صاروا لي أعداء” (مز139: 21، 22). هكذا يكون حب الجنود الأرضيين لملكهم: لأنه ليس ممكنًا لهم أن يحبوا الغرباء بينما يقدمون الاهتمام الواجب لمصالح ملكهم. ونحن نتعلم هذا أيضًا، مما قاله المسيح: ” من ليس معي فهو على ومن لا يجمع معي فهو يفرّق” (مت12: 30).

لذلك فكل ما أوصي به المسيح رسله القديسين كان مناسبا بالضبط لنفعهم وفائدتهم، الذي به ومعه لله الآب التسبيح والربوبية مع الروح القدس، إلى دهر الدهور آمين.

إرسال الاثني عشر – إنجيل لوقا 9 ج1 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

Exit mobile version