تفسير انجيل مرقس 5 الأصحاح الخامس – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير انجيل مرقس 5 الأصحاح الخامس – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير انجيل مرقس 5 الأصحاح الخامس – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير انجيل مرقس 5 الأصحاح الخامس – القمص تادرس يعقوب ملطي

الأصحاح الخامس

سلطانه على

الأرواح النجسة والموت

إذ واجه السيد الرياح الملموسة وأخضعها، أعلن سلطانه أيضًا على الرياح غير المنظورة، أي الأرواح النجسة التي تفسد حياة الإنسان وسلامه الداخلي، وأخيرًا واجه الموت محطمًا شوكته.

  1. المسيح وساكن القبور 1-20.
  2. لقاؤه مع يايرس 21-24.
  3. شفاء نازفة الدم 25-34.
  4. إقامة ابنة ياير س 35-43.
  5. المسيح وساكن القبور

في الأصحاح السابق واجهت الأجساد رياح مضادة، إذ ظهرت الطبيعة ثائرة على الإنسان، وقد قام السيد يرد للإنسان سلامه الجسدي ويجعل من الطبيعة صديقًا له، أما الآن فتواجه النفوس الأرواح الشريرة أو “لَجِئون” التي تود أن تحطمها تمامًا، وتذلها، حتى تجعل من الإنسان ساكنًا في القبور.

يرى بعض الدارسين أن القصة تبدأ من عدد 6 أما الأعداد الخمسة الأولى فهي أشبه بمقدمة وضعها الإنجيلي ليعلن غاية القصة ألا وهي أن للسيد سلطان فائق على هذه القوى غير المنظورة التي تسيطر على الإنسان، فتنزع عنه إنسانيته وتعزله عن البشرية ليسكن في القبور فاقد الحرية ومحطمة لنفسه كما لجسده.

وقد سبق لنا دراسة هذا العمل الإلهي أثناء دراستنا لإنجيل معلمنا متى البشير (مت 8: 28 الخ.)، غير أنه يليق بنا أن نلاحظ هنا الآتي:

أولاً: يذكر الإنجيلي متى أنهما مجنونان (مت 8: 28 الخ)، أما الإنجيليان مرقس ولوقا (8: 26 الخ) فيذكران شخصًا واحدًا. يعلل القديس أغسطينوس[1] هذا بأن الإنجيليين اكتفيا بذكر الشخص المشهور، والذي كانت المنطقة هناك متألمة لأجله، بينما يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أنهما ذكرا شخصًا واحدًا يعاني أكثر من الآخر، وأن من يشفي شخصًا يشفي الآخر أيضًا، إذ هدفهما لا سرد القصة كحدثٍ تاريخيٍ، وإنما إعلان إمكانية الشفاء.

ثانيًا: يرى البعض أن السيد المسيح إذ انطلق إلى منطقة أممية، بحلوله تقدس الموضع، مهيئًا الطريق لتنصير الأمم، طاردًا عنهم عدو الخير الذي سيطر عليهم زمانًا[2]. ما فعله السيد المسيح مع هذا المسكين بقى يعمله خلال تلاميذه ليطهر كل بقعة من سيطرة عدو الخير، واهبًا ملكوته السماوي لكل نفس.

ثالثًا: تطلع المرتل إلى البشرية، وقد سحبتها الخطية من الفردوس الإلهي كما من بيتها، وانطلقت بها إلى القبور ليعيش الإنسان نفسه مسكنًا للروح النجس، فيصير في عزله داخلية عن الشركة مع الله مصدر حياته، يعاني من الوحدة القاتلة، حتى وإن كان في أحضان والديه أو بين أصدقائه أو أقربائه. صار في حاجة إلى الله نفسه كمخلص له ينقذه من “الروح الشرير” ليرده من جديد إلى البيت الإلهي والفردوس الداخلي، إذ يقول: الله مسكن المتوحدين في بيت، مخرج الأسري إلى فلاح (مز 68: 6).

أقول ما اشتهاه المرتل في الله مخلصه أو ما ترجاه في المسيا القادم إليه قد تحقق في هذا الإنسان الذي سكنه روح نجس حرمه من السكنى في بيته، وعزله عن حياة الشركة حتى مع أقربائه ليعيش في عزلة داخلية كما في عزلة جسدية وسط القبور، وقد جاء السيد المسيح يطرد منه الروح النجس بقوة، ليرده إليه، فيشاركه بيته السماوي ويكون له موضع في السيد المسيح، بهذا يستقر في حضن الآب!

وصف الإنجيلي هذا المسكين الذي يعاني من العزلة المرة، قائلاً: “كان مسكنه في القبور، ولم يقدر أحد أن يربطه ولا بسلاسل… وكان دائمًا ليلاً ونهارًا في الجبال وفي القبور يصيح ويجرح نفسه بالحجارة” [3-5]. لقد حولته الخطية كما إلى وحش ثائر، ليس من يقدر أن يضبطه، أو كالتنين البحري الذي قيل عنه: “من هو مثل الوحش؟ من يستطيع أن يحاربه؟ وأُعطى فمًا يتكلم بعظائم وتجاديف… وأُعطى سلطانًا على كل قبيلة ولسان وأمة” (رؤ 13: 4-5، 7)… وقد جاء السيد المسيح بسلطان يحطم سلطان هذا الوحش. هذا ما أعلنه ذات المرتل بقول: المهدي عجيج البحار، عجيج أمواجها، وضجيج الأمم (مز 65: 7).

يقول القديس أمبروسيوس: [مثل هذه النفوس تبدو كأنها ساكنة في قبور، فإن أجساد غير المؤمنين ليست إلا نوعًا من القبور يُدفن فيها الأموات (النفوس الميتة) حيث لا تسكن فيها كلمة الرب. لقد اندفع إلى الأماكن الخالية، أي الأماكن القفرة من فضائل الروح التي تجنبت الناموس وانفصلت عن الأنبياء فرفضتهم النعمة.]

رابعًا: ساد اليهود ا‎لاعتقاد بأن الشياطين تفضل ثلاثة مناطق لسكناها: البرية أو الأماكن الخربة، والمياه في أعماقها، والقبور. الأولى تشير إلى اشتياق الشيطان نحو الإنسان أن يفقده كل حيوية، وينزع عنه كل ثمرٍ روحيٍ، ليجعل منه برية قاحلة أو خراب بلا ساكن. والثانية تشير إلى رغبة العدو أن يدخل بالإنسان إلى دوامة الحياة ليلهيه عن أبديته، فيكون كمن في أعماق المياه بلا رجاء. والثالثة أي القبور، فتشير إلى طبيعة الشيطان كمقاتل للإنسان يبغي موته، كما تعلن عن راحة إبليس في نتانة الأعمال الميتة وفسادها. لهذا أعلن السيد سلطانه الإلهي وعمله فينا بانطلاقه إلى البرية يصارع العدو وجهًا لوجه، كما انطلق إلى المياه بالأردن ليحطم سلطان العدو تحت أقدامنا، واهبًا إيّانا البنوة لله الغالبة للشرير والشر، وها هو يلتقي بساكن القبور ليخلصه من الروح النجس ويرده إلى بيته.

خامسًا: لم يحتمل الروح النجس أن يرى يسوع، فإنه من بعيد ركض، وصرخ بصوت عظيم، وقال “مالي ولك يا يسوع ابن الله العلي، أستحلفك بالله أن لا تعذبني” [8]. إن قارنا بين هذه الكلمات التي نطق بها الروح النجس الساكن إنسانًا أمميًا بالكلمات التي نطق بها روح نجس آخر كان ساكنًا إنسانًا يهوديًا، إذ قال: آه مالنا ولك يا يسوع الناصري! أتيت لتهلكنا! أنا أعرفك من أنت قدوس الله”! (مر 1: 24) لأدركنا حالة الارتباك التي سادت مملكة إبليس سواء كان الساقط تحت سلطانها أممين أو يهودًا. فقد أدرك العدو أن مملكته تنهار وسلطانه يزول، والعقاب قد اقترب جدًا بمجيء “يسوع الناصري ابن الله”. يقول القديس كيرلس الكبير: [تأمل سلطان المسيح غير المنهزم، فقد ارتعب أمامه الشيطان، فإن كلمات المسيح بالنسبة له نار ولهيب، وكما يقول المرتل: “ذابت الجبال قدام الرب (مز 97: 5)، أي ذابت القوات العظيمة المتعجرفة[3].] ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ظنت الشياطين أن عقوبتهم قد اقتربت جدًا، فارتعبوا كمن سيحل بهم العقاب فورًا[4].]

لقد حسبت الشياطين أن طردهم من الإنسان عذابًا لهم، إذ يجدون راحتهم في مملكتهم التي يقيمونها في القلب الفاسد، وانهيار هذه المملكة يتبعه العقاب الأبدي أيضًا. ولعله بمجيء السيد المسيح أدرك عدو الخير أن النهاية قد اقتربت، فقد جاء مشتهى العالم كله في ملء الزمان.

سادسًا: أراد السيد المسيح أن يظهر قسوة عدو الخير لذلك سأل الروح النجس: “ما اسمك؟ فأجاب قائلاً: اسمي لجئون، لأننا كثيرون” [9]. وكما يقول الأب ثيؤفلاكتيوس: [حقًا سأله الرب لا ليعرف شيئًا، وإنما لكي يدرك من هم حوله أن كثيرين يسكنونه.]

ما حدث مع هذا المسكين يمثل صورة حية للإنسان حين يخضع لخطيةٍ ما أو لشيطانٍ ما، فالخطية تسلمه إلى أخرى، والشيطان إلى آخر ليكون مستعبدًا للجئون، وكما يقول القديس يوحنا سابا: [الآلام (الخطايا) متشابكة بعضها ببعض، إن خضعت لألم ما فبالضرورة تصير عبدًا لبقية رفقائه[5].]

يرى البعض أن كلمة “لجئون” في الأصل معناها “جندي[6]“، وكأنه يقول أننا فرقة عسكرية لا تكف عن الحرب. وقد قيل أنه اسم فرقة رومانية قوامها ستة آلاف جندي. هذا ويلاحظ أن هذا العدد كان يتحدث قبلاً بصيغة المفرد، إذ لم يكن يرد أن يكشف عن نفسه، لكن إذ اعترف بأنه لجئون صار يتحدث بصيغة الجمع.

سابعًا: سألته الشياطين أن يسمح لها بالذهاب إلى قطيع الخنازير، فمن جانب أدركت الشياطين أن السيد المسيح لن يسمح لهم بدخول إنسانٍ آخر، إذ رأته جاء يكرم البشرية بتجسده، ولا طلبت منه الدخول في حيوانات طاهرة، يمكن أن تستخدم كتقدمة في هيكل الرب، فاستأذنت أن تدخل الخنازير النجسة، وقد سمح لها السيد ليعلن للحاضرين قيمة النفس البشرية، فهي أثمن من ألفين من الخنازير! وأيضًا ليكشف لهم بطريقة ملموسة شر الشياطين وطبيعتهم المحبة للهلاك حتى بالنسبة للحيوانات غير العاقلة، ويكشف أنها لا تستطيع أن تدخل كائنًا ما بدون إذنه!

يعلق أيضًا القديس أمبروسيوس على طلب الشياطين هذا بقوله: [يدأت الشياطين تتضرع إليه ليأمرها حتى تدخل في قطيع الخنازير، وهنا يجب ملاحظة مراحم الله، إذ لم يبدأ بدينونة أحد، لكن كل واحد يعمل لدينونته، لم يطرد الشياطين إلى قطيع الخنازير، إنما هم طلبوا ذلك، لأنهم لم يستطيعوا احتمال بهاء شعاع النور الإلهي. وكما أن مرضى العيون لا يستطيعون احتمال التطلع في ضوء الشمس، مفضلين الظلام، هاربين من النور، هكذا تهرب الشياطين من بهاء النور الأبدي مرتعبة قبل حلول الوقت حيث ينتظرها العذاب… ما هو قطيع الخنازير هذا إلا أولئك الذين قيل عنهم: لا تطرحوا قدسكم للخنازير” (مت 7: 6)؟

هؤلاء الذين يشبهون الحيوانات الحقيرة التي بلا نطق ولا فهم، يدنسون حياتهم بالأعمال النجسة… فيقودهم تصرفهم إلى الهاوية إذ لا يقدرون المكافأة، وباندفاعهم من فوق إلى أسفل الشر يختنقون في المياه بين أمواج هذه الحياة ويهلكون بسبب الاختناق وسدّ قنوات التنفس. هكذا الذين ينقادون بكل ريح لا يمكن أن تكون لهم شركة محيية مع الروح. إذن الإنسان يجلب التعاسة لنفسه بنفسه، فإن لم يعش عيشة الخنازير لا يكون للشيطان سلطان عليه، وحتى إن نال سلطانًا عليه فلا يكون لهلاكه وإنما لتجربته[7].]

ثامنًا: من هم هؤلاء الرعاة الذين قيل عنهم: “وأما رعاة الخنازير فهربوا، وأخبروا في المدينة وفي الضياع، فخرجوا ليروا ما جرى. وجاءوا إلى يسوع فنظروا المجنون الذي كان فيه اللجئون جالسًا ولابسًا وعاقلاً، فخافوا… فابتدوا يطلبون إليه أن يمضي من تخومهم” [14-17].

أ. يمثل هؤلاء الرعاة نظرة الكثيرين، أنه لا يليق أن نهتم بعضو واحد في الجماعة إن كان خلاصه وبنيانه يكلف البعض خسارة مادية. هؤلاء لا يقَّدرون قيمة النفس البشرية، أيا كانت هذه النفس! أما الله فيهتم بكل نفسٍ، فهي ثمينة عنده، يقدم حياة ابنه الحبيب مبذولة لأجلها.

ب. يمثل هؤلاء الرعاة العاملين والخدام الذين يميلون للحياة الراكدة، حتى وإن كان عملهم رعاية خنازير، فإن تجلى عمل السيد المسيح الواهب التعقل والسلام الداخلي للنفوس خافوا واضطربوا مشتهين أن يمضي من تخومهم! يرى القديس أمبروسيوس[8] أنهم يمثلون معلمي الفلسفة ورؤساء المجمع اليهودي، إذ كانت نفوسهم ضعيفة لا تحتمل كلمة الله ولا ثقل حكمته.

تاسعًا: لم يقاومهم السيد بل تركهم ودخل السفينة، وإذ طلب إليه ذاك الذي كان مجنونًا أن يكون معه لم يدعه بل سأله أن يذهب إلى بيته وأهله يخبرهم كم صنع الرب به ورحمه، فمضى وابتدأ ينادي في العشر المدن كم صنع به يسوع، فتعجب الجميع [18-20].

إن كان رعاة الخنازير يرمزون للمجمع الذي قبل الحياة الراكدة التي بلا روح عن الكرازة بالإنجيل، فإن رب المجد يسوع تركهم ودخل سفينة الكنيسة، أي ترك الأمة اليهودية التي فُقدت ليحل وسط كنيسة العهد الجديد. أما هذا الرجل فقد أرسله للكرازة يمهد الطريق للعمل الإنجيلي بين الأمم، وبالفعل انطلق إلى العشر مدن التي ترمز للعالم الأممي والوثني.

العشر مدن Decapolis: عبارة عن تسع مدن شرق الأردن هي: هيبوس، دمشق وجدارا، جيراسا، فيلادلفيا (ربة عمون أو عمان)، ديون، رافاتا، كاناتا، بيلا، ومدينة غرب الأردن هي سكيتوبوليس (بيسان). وتعتبر هذه المدن إغريقية، سكانها اليونان أثر هجوم الإسكندر الأكبر على الشرق ، كانت مدن مزدهرة تجاريًا لموقعها الجغرافي الطبيعي وسط سوريا ، لكنها كانت مستقلة عن سوريا من الجانبين السياسي والتجاري.

  1. لقاؤه مع يايرس

إن كان شفاء مجنون كورة الجدريين يكشف عن قبول الأمم لعمل السيد المسيح، وموقف رعاة الخنازير هناك يعلن عن موقف المجمع اليهودي الرافض للمخلص، فإن الإنجيلي لم يسدل الستار عند هذا الحد، بل قدم لنا قصة إقامة الصبية ابنه يايرس رئيس المجمع اليهودي ملتحمة بقصة شفاء نازفة الدم، ليعلن أنه بعد شفاء الأمم (نازفة الدم) يتمتع اليهود بالخلاص في آخر الأزمنة، إذ يقبلون السيد المرفوض منهم قبلاً ويقومون كهذه الصبية. وقد سبق لنا عرض أقوال القديسين هيلاري أسقف بواتييه وأغسطينوس في هذا الشأن[9]. والآن نكتفي بمقتطفات من كلمات القديس أمبروسيوس:

[سبق أن قلنا أن المسيح ترك المجمع في شخص الجدريين، إذ خاصته لم تقبله (يو 1: 11)، أما نحن فقبلناه، قبلنا ذاك الذي كنا ننتظره، فلم يرفض من كانوا ينتظرونه، لكن إن عاد الآخرون إليه يرفض رجوعهم. لقد كان لرئيس المجمع ابنة وحيدة وكان يطلب شفاء المجمع الذي قد أوشك على الموت، لأن المسيح تركه. تُرى من يكون رئيس المجمع هذا سوى الناموس! من أجله لم يهمل الرب المجمع نهائيًا بل حفظ شفاء الذين لم يؤمنوا منهم. وبينما كان كلمة الله مسرعًا نحو ابنة هذا الرئيس ليخلص بيت إسرائيل، تمتعت الكنيسة المقدسة التي اجتمعت من الأمم بالخلاص المُعد للآخرين.

جاء كلمة الله لليهود فجذبه الأمم، أصحاب الناموس لم يؤمنوا به بل آمن به أولاً الآخرون، الذين هم كتلك المرأة التي أنفقت كل معيشتها على الأطباء، إذ خسر شعوب الأمم كل مواهبهم الطبيعية وبددوا ميراثهم من الحياة… اقتربت منه بالإيمان وبالحكمة عرفت أنها نالت الشفاء. هكذا فعلت شعوب الأمم المقدسة التي آمنت بالرب، وخجلت من خطيتها فتركتها وتقدمت بالإيمان… واتزرت بالحكمة فأدركت الشفاء وتشجعت لتعرف أنها اغتصبت ما هو ليس لها.

لماذا جاءت من ورائه؟ لأنه مكتوب: وراء الرب إلهكم تسيرون، وإياه تتقون، ووصاياه تحفظون (تث 13: 4).

وما معنى أن تكون ابنة الرئيس على وشك الموت في سن الثانية عشر إلا أن يشير هذا الأمر إلى المجمع فإنه إذا (صار فاقد) القوة اقتربت الكنيسة؟ ضعف الواحد هو قوة الآخر، لأن بزلتهم صار الخلاص للأمم” (رو 11: 11)، ونهاية الواحد هو بداية للآخر، لا بداية بالطبيعة إنما بالخلاص، “لأن المعصية قد حصلت جزئيًا لإسرائيل ليدخل ملء الأمم[10]” (رو 11: 25).]

هذا وكلمة “يايرس” تعني “المستنير”، فإن كان يايرس يشير إلى الناموس، وابنته تشير إلى الأمة اليهودية التي سقطت تحت المرض حتى أوشكت على الموت، فإنها لا تستطيع أن تنعم بالقيامة من هذا الموت ما لم تتمتع بروح الاستنارة ويقودها الناموس لا إلى الحرف القاتل، وإنما إلى ذاك القادر أن يقيم من الأموات.

  1. شفاء نازفة الدم

أولاً: يقول القديس يوحنا الذهبي الفم أن هذه المرأة لم تجسر أن تقترب من المخلص علانية، ولا أن تأتي إليه من أمامه لأنها حسب الشريعة تُحسب نجسة، فجاءت من ورائه وتجاسرت لتلمس هدب ثوبه. يكمل القديس حديثه فيقول أنها شفيت لا من أجل هدب الثوب في ذاته وإنما من أجل إيمانها[11].

يرى القديس أغسطينوس في هدب الثوب رمزًا لمعلمنا بولس الرسول الذي دعا نفسه “آخر الكل”، فبكرازته التقت الشعوب الأممية بالسيد المسيح وتمتعت بالخلاص الإلهي، هذه الشعوب التي لم تشاهد السيد حسب الجسد لكنها جاءت بالإيمان الذي كرز به معلمنا بولس لتتلامس معه من ورائه وتتمتع بالشفاء.

يعلق القديس أمبروسيوس على هذا التلامس بقوله: [إن كنا ندرك عظمة ابن الله يمكننا أن نفهم أننا لا نستطيع إلا أن نلمس هدب ثوبه، أما على ثوبه فلا نقدر أن نبلغه. إن أردنا أن نبرأ، فلنلمس بالإيمان هدب ثوبه من ورائه، فإن الله لا يحتاج إلى أعين يرى بها إذ ليس له الحواس الجسدية، إنما فيه معرفة كل الأشياء. طوبى لمن يلمس ولو هدب ثوب الكلمة إذ من يقدر أن يحويه؟[12]]

كان كل عبراني يلتزم بعمل أربعة أهداب لثوبه حسب الوصية (عد 15: 38-40)، ويصنع عليها عصابة من إسمانجوني، إشارة إلى أنه من شعب الله المختار. فإن كان ذيل الثوب الذي يتلامس مع الأرض به عصابة إسمانجونية أي سماوية، فإن هذا يعني أنه يليق بالإنسان في كليته أن يكون سماويًا! هذا بالنسبة للإنسان العبراني بوجه عام أما السيد المسيح فهو ابن الله السماوي إن تلامسنا معه إنما نلتقي برب السماوات نفسه!

ثانيًا: يرى القديس أغسطينوس أن الأطباء الذين التجأت إليهم هذه المرأة وأنفقت كل معيشتها عليهم هم تعاليم الفلاسفة، إذ يقول: [تعاليم الفلاسفة ألهبت بالأكثر الجوع للحق دون أن تشبعه… أما لمسة هدب ثوبه (مر 5: 27) فهي صرخة القلب المؤمن[13].]

ثالثًا: إن كان الرب قد شفى هذه المرأة نازفة الدم، فإن هذا الشفاء كلفه الحب الباذل، إذ يقول الإنجيلي: “التفت يسوع بين الجمع شاعرًا في نفسه بالقوة التي خرجت منه، وقال: من لمس ثيابي؟” [30] لم يكن الأمر مجرد لمسة هدب ثوب لكن “قوة خرجت منه”. هذا لا يعني خسارة أو فقدان إنما التهاب حب انطلق نحوها، كما نشعل فتيلة من شعلة نار، فالشعلة لا يصيبها ضرر أو فقدان، إنما تقدم نارًا من عندها للغير.

لقد قدم السيد المسيح “قوة” انطلقت خلال صليبه لتشفي النفوس المريضة، إنه يقدم عطاءً داخليًا حقيقيًا، وبذلاً فائقًا سحب قلب الكنيسة تمامًا، فيقول الرسول: “الذي بذل نفسه لأجلنا لينقذنا من العالم الحاضر الشرير، حسب إرادة الله وأبينا” (غل 1: 4)، ويقول السيد نفسه: “أنا هو الراعي الصالح، والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف” (يو 10: 11).

رابعًا: إذ قالت المرأة للسيد “الحق كله” سمعته يقول لها “يا ابنة”، وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [دعاها “ابنة” لأنها خلصت بالإيمان، فإن إيماننا بالمسيح يجعلنا أبناء له[14].] لقد آمنت بالقادر أن يهب خلاصًا وترجمت إيمانها عمليًا بانطلاقها نحو وسط الجماهير لتلتقي به خلال هدب ثوبه… أعلنت إيمانها حيًا فتمتعت بعمل السيد المسيح فيها.

  1. إقامة ابنة يايرس

إن كان يايرس كرئيس مجمع قد ذهب بنفسه إلى السيد المسيح الذي حسب المجمع كخارج عن ديانته لا يجوز ليهودي مخلص أن يتعامل معه، وجاء ليرتمي عند قدمي معلم متجول طالبًا منه المعونة، فقد تمتع يايرس بدخول السيد إلى بيته ومعه ثلاثة من تلاميذه، وكأن بيته قد صار هيكلاً مقدسًا يحل فيه رب السماء نفسه!

لم يدخل السيد إلى الصبية ومعه جموع كثيرة، لأنه أراد أن يؤكد أن ليس للجميع أن يتمتعوا بقوة القيامة بل للذين يريدونها ويشتاقون إليها. لم يكن إقامة الصبية استعراضًا لعمل فائق معجزي، إنما كان كشفًا عن السيد المسيح كواهب القيامة يختبره من يلتصق به ويتتلمذ على يديه.

دخل السيد إلى البيت ليجد مراسيم الجنازة قد بدأت حيث يشق الأقرباء ثيابهم، ويصرخ البعض بمرارة مع ضربات محزنة على الناي، ويجز البعض شعرهم. وسط هذا المنظر الكئيب قال: “لماذا تضجون وتبكون؟ لم تمت الصبية لكنها نائمة” [39]. لقد ماتت في نظر الناس لا يستطيعون أن يردوا لها الحياة، أما بالنسبة له فهي نائمة إن أراد يوقظها في الوقت الذي يشاءه. على أي الأحوال تركهم السيد يضحكون عليه، حتى يصير ضحكهم شهادة حق أنها ماتت وأنه أقامها.

أمسك السيد المسيح بيد الصبية [41]. وكما يقول القديس أمبروسيوس: [فليمسكني الكلمة ويدخلني إلى حجاله، ليبعد عني روح الشر ويحوطني بالروح المحي، ليأمر فيُعطى لي فآكل الخبز السماوي الذي هو كلمة الله[15].]

ركز كثير من الآباء على العبارة، “وقال أن تعطى لتأكل” [43]، لتأكيد أن إقامتها لم تكن خيالاً بل حقيقة ملموسة. في هذا يقول القديس جيروم: [عندما كان يقيم أحدًا من الأموات يأمر بتقديم طعام له حتى لا يُظن أن القيامة وهم[16].] ويقول القديس أمبروسيوس [تمت مراسيم الجنازة لتأكيد الموت، وقد عادت الروح سريعًا بكلمة الرب، وقام الجسد منتعشًا أُعطى طعامًا لتصدق شهادة الحياة [17].]

أخيرًا فقد سبق فرأينا أن القديس أغسطينوس[18] يرى في حالات الإقامة التي وردت في الأناجيل المقدسة تشير إلى إقامة النفوس من موت الخطية. الصبية ابنة يايرس التي كانت على سريرها تشير إلى النفس الميتة بخطية الفكر الداخلي ولم تمارسها عمليًا بل كامنة في بيتها، والشاب ابن الأرملة (لو 7: 14-15) يمثل النفس التي ماتت بالخطية التي انتقلت من الفكر إلى القول أو العمل وظهرت خلال السلوك خارج بيتها، وأخيرًا إقامة لعازر بعد أربعة أيام (يو 11) تشير إلى إقامة النفس التي ماتت خلال ممارستها للخطية كعادة مستمرة في حياتها.

[1] Conc. Evang, 2: 24.

[2] Nineham, p 151.

[3] Catena Aurea.

[4] In Matt. hom 28.

[5] رسالة 17.

[6] Nineham, p. 154.

[7] In Luc. 8.

[8] In Luc. 8.

[9] الإنجيل بحسب متى، 1983، ص 221-222.

[10] In Luc 8: 40-56.

[11] In Matt. hom 31.

[12] In Luc 8: 40–56.

[13] On Ps. hom 33.

[14] In Matt hom 31.

[15] In Luc 8: 40-56.

[16] Adv. Jovin. 2: 16.

[17] On Belief of Res. 2: 82.

[18] الإنجيل بحسب متى، 1983، ص 219، 220 (راجع أيضًا تفسيره يوحنا مقال 3:49).

تفسير انجيل مرقس 5 الأصحاح الخامس – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير كورنثوس الأولى 5 – الأصحاح الخامس – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير كورنثوس الأولى 5 – الأصحاح الخامس – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير كورنثوس الأولى 5 – الأصحاح الخامس – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير كورنثوس الأولى 5 – الأصحاح الخامس – القمص تادرس يعقوب ملطي

الباب الثاني

معالجة الانحطاط الخلقي

5-6

الانحطاط الخلقي

إذ كان الرسول يهتم بوحدة الكنيسة خلال الصليب والسلوك الروحي خاصة التواضع اهتم بقداسة كل عضوٍ. فإنه لن تتحقق الوحدة الصادقة بدون القداسة حيث يتحد الكل في اللَّه الواحد القدوس. ففي حزمٍ شديدٍ طلب عزل الخميرة الفاسدة، مؤكدًا أنه من واجب الكنيسة أن تدين من هم بالداخل لا من هم بالخارج، إذ يقول: “فاعزلوا الخبيث من بينكم” (13:5).

يتطلع الرسول إلى الكنيسة كمن هي في حالة عيدٍ، تحتفل دائمًا بعيد الفصح الحقيقي. والمسيح هو فصحها، أي عيدها الدائم، ولا يمكن أن يُحتفل بالعيد بخميرة فاسدة. فرحنا لن يتحقق مع وجود الفساد المحطم للسلام مع اللَّه.

 هكذا يربط الرسول بين الوحدة الكنسية والحياة المقدسة والفرح الدائم، فهذه الأمور الثلاثة تقدم صورًا عملية للحياة السماوية، وتحقق للكنيسة شخصيتها كأيقونة السماء.

 

الإصحاح الخامس

جريمة فاضحة!

بعد أن عالج الرسول بولس مشكلة الانقسامات التي حلت بكنيسة كورنثوس قدم قضية لجريمةٍ فاضحةٍ أساءت إليهم جميعًا.

قبل أن يناقش موضوع “خميرة الشر” التي يجب عزلها أوضح الرسول بولس أمرين: الأول أُبوّته في المسيح يسوع (15:4) التي كلفته موته اليومي من أجل خلاص النفوس. والثاني هو ملكوت اللَّه أنه ليس بكلام بل بقوة (20:4).

حياتنا هي تمتع ببرّ المسيح، هذا البرّ نناله منه ونمارسه لأجله. هو خبرة يومية تعيشها الكنيسة كعروس للعريس البار، لذا فهي تحرص على عزل الخمير الفاسدة لا للعقوبة، وإنما لتأديب الفاسد حتى ينحل فساده ويتمتع ببرّ المسيح خلال التوبة الصادقة.

  1. خطورة القضية         
  2. نزع الخميرة الفاسدة 2-6.
  3. الاحتفال بعيدٍ دائمٍ
  4. عزل الأخ الخبيث 8-13.

1. خطورة القضية

“يُسمع مطلقًا أن بينكم زنى،

وزنى هكذا لا يُسمى بين الأمم حتى أن تكون للإنسان امرأة أبيه” [1].

كلمة “زنى” هناporneia  تحمل المعنى الواسع للزنا وعدم الطهارة، خاصة الزنا في صورته البشعة.

يظن البعض أن هذه السيدة كانت أممية قبلت اليهودية، وبحسب الشريعة اليهودية فإن مثل هذه السيدة في حل من كل علاقاتها الماضية حتى زوجها غير المؤمن، فمن حقها أن تطلق رجلها وتتزوج مؤمنًا حتى وإن كان ابنا لزوجها غير المؤمن[1].

بالرغم من إنها قد تكون حالة فردية لكن يليق بالكنيسة أن تقف في حزمٍ ضد فسادٍ كهذا. هنا نتلمس كيف لم يستطع الرسول بولس أن يشتم رائحة الزنا تفوح من عضوٍ في الكنيسة، سواء كان قائدًا أو من الشعب. فإن كانت الطهارة أو القداسة هي العين التي بها نعاين القدوس، فإن الزنا يعكر القلب فلا يعاين اللََّه.

  • أحرص على طهارة جسمك وسلامة قلبك، فإنك إن تحققت من نوالهما تبصر اللََّه ربك.
  • حب السلام والطهارة فتتأهل لمعاينة وجه الرب إلهك.
  • كما أن البخور يعطي لذة للأنف، هكذا يُسر الروح القدس بالطهارة ويسكن في الإنسان.

مار إفرام السرياني

  • الطهارة هي تأله البشر، زينة الفضائل، تكريس الجنس، رباط العفة، ينبوع النقاء، راحة المسكن، تاج التآلف…

    الطهارة لا تبحث عن شيء يزينها، لأنها هي بهاء ذاتها. إنها  توصي الرب بنا، وتجعلنا متحدين مع المسيح…

    بعكس عدوتها، النجاسة، المبغوضة دائمًا، صانعة بقعة قذرة وقبيحة لمن يخدمونها، غير تاركة الأجساد ولا النفوس من قذارتها. لأنه حينما يسود طبعها تجعل الإنسان كله تحت نير شهوتها… تبدأ بالإغراء وتنتهي بخرابٍ عظيم للنفس التي استمالت نحوها[2]

القديس كبريانوس

لم يوجه الرسول اللوم إلي زوجة الأب، ربما لأنها لم تكن قد قبلت الإيمان بالسيد المسيح.

أجرة الخطية بلا شك أن هي موت، فلماذا يقول الرسول: “زنا هكذا“؟ تميز الكنيسة بين السقوط في الخطية عن عمدٍ، والسقوط عن ضعفٍ. وبين السقوط مع شخصٍ غريبٍ والسقوط مع شخص من المحرم الزواج بهم كالابنة أو الابن أو أحد الوالدين أو زوجة الأب أو زوج الأم الخ.

  • نتعلم من هذا أنه توجد أنواع كثيرة من الزنا، بعضها أكثر خطورة من الأخرى. عندما يدينها اللَّه، فإنه يضع في الاعتبار عوامل الخطورة ويجعل العقوبة مختلفة حسبها. في هذه الحالة يعلمنا بولس بأنه حتى وإن تم زواج شرعي، فإنه إن كان ذلك ضد شريعة اللَّه يُحسب الزواج زنا ويستحق الدينونة[3].

العلامة أوريجينوس

يري البعض أن ما ارتكبه هذا الشخص يرفضه حتى الأمم، وبحسب الشريعة الموسوية يستحق الموت، فكيف يتجاسر مؤمن مسيحي أن يرتكب مثل هذه الخطية؟

  • كان هذا الشخص مستحقًا الموت (حسب الشريعة الموسوية) بسبب جريمته، وأما الذين كانوا يسندونه فهم أيضًا غير أبرياء[4].

أمبروسياستر

2. قطع الفساد

“أفأنتم منتفخون؟

وبالحري لم تنوحوا حتى يُرفع من وسطكم الذي فعل هذا الفعل” [2].

يبدو أن هذا الزاني كان قائدًا بليغًا، له موهبة الكلام، فكانوا يفتخرون به عوض أن ينوحوا عليه ويعزلوه.

ويرى البعض أن فريقًا مضادًا إذ سمعوا عن زناه افتخروا بأنه لا يوجد بينهم فساد مثل هذا، فكانوا يعيرون الفريق الأول بدلاً من الاهتمام بخلاص نفسه والبكاء عليه. هذه هي إحدى ثمار الانقسام أن يعير كل فريق الآخر بضعفاته عوض الاهتمام بقداسة الكنيسة كلها.

يُرفع من وسطهم” تعني عزله أو حرمانه من العضوية الكنسية.

  • يحدر بولس كبرياءهم لكن بطريقة بها يرغبون في التعاون معه ولا يكونوا غاضبين[5].

أمبروسياستر

فإني أنا كأني غائب بالجسد ولكن حاضر بالروح قد حكمت،

كأني حاضر في الذي فعل هذا هكذا” [3].

اعتبر الرسول بولس أنه حاضر بالروح بالرغم من غيابه بالجسد بكونه الكارز الأول لهذه المدينة، فإذ ينعقد مجمع كنسي لبحث هذه القضية يحسب نفسه مسئولاً عن الكنيسة حاضرًا في المجمع بروحه كرئيسٍ له.

  • لاحظوا طاقته، فإنه لم يسمح لهم بالانتظار إلى حين حضوره، ولا أن يستقبلوه أولاً وبعد ذلك يصدر الحكم… ولكن كمن ينتزع العدوى قبل أن تنتشر في بقية الجسم فأسرع بحصرها[6].
  • هذا هو معنى أنه حاضر بالروح، كما كان إليشع حاضرًا مع جيحزي وقال له: “ألم يذهب قلبي معك؟” (2مل26:5) يا للعجب! يا لعظمة قوة هذه العطية إذ تجعل الكل معًا كأنهم واحد، وتؤهلهم لمعرفة الأمور البعيدة: “قد حكمت كأني حاضر”[7].

القديس يوحنا ذهبي الفم

باسم ربنا يسوع المسيح إذ أنتم وروحي مجتمعون،

مع قوة ربنا يسوع المسيح” [4].

باسم ربنا يسوع المسيح بكونه رأس الكنيسة، وبسلطانه يتم كل أمر. حضوره بروحه ليحكم علي هذا الزاني ربما يقصد به سلطانه الرسولي الذي تسلمه من الرب.

  • لئلا يظنوا أنه متسلط جدًا وأن نغمة صوته تحمل تشبثًا برأيه لاحظوا كيف جعلهم شركاء معه في الحكم[8].
  • ما هو هذا؟ “إذ أنتم مجتمعون باسم الرب“، بمعنى: “اسمه الذين فيه تلتقون وتجتمعون معًا” ومع “روحي“. مرة أخرى يقيم نفسه كرأس لهم حتى يصدر الحكم. فإنه ليس لهم إلا أن يقطعوا العاصي كأنه حاضر، وإلا يتجاسر أحد ويحكم عليه بالعفو، واضعًا في اعتباره أن بولس يعلم كل التفاصيل والحيثيات[9].

القديس يوحنا ذهبي الفم

  • كان يليق بالكورنثوسيين أن يعزلوا هذا الرجل ليس فقط بالموافقة الجماعية بينهم، وإنما أيضًا في قوة المسيح التي كان بولس وكيلاً لها[10].

أمبروسياستر

أن يُسلم مثل هذا للشيطان لهلاك الجسد،

لكي تخلص الروح في يوم الرب يسوع” [5].

يرى البعض أنه إذ يشعر الزاني بأنه قد عُزل من الكنيسة يصير في مرارة نفس، ويشعر كأن الموت قد حلّ به، فيهزل جسده جدًا، أو يقبل حياة الإماتة، ويصير في حكم الموت، بهذا يرجع إلي نفسه بالتوبة ويتمتع بخلاص نفسه.

ويرى آخرون أن الرسول بولس يطلب بسلطانٍ رسوليٍ من السيد المسيح أن يسمح لهذا الزاني أن يُسلم لأمراض جسدية ومتاعب حتى يصير كمن في حكم الموت وكمن هو تحت سلطان إبليس، فيكون ذلك فرصة لعودة قلبه إلي مخلصه.

أشار التلمود إلي درجات للعزل أو الحرمان التالية:

* nidduy منع الشخص من أن يأكل مع آخرين لمدة معينة، غالبًا ثلاثين يومًا.

* cherem أناثيما لمدة 90 يومًا.

* shamata استقصاء دائم من الجماعة المقدسة.

يرى آباء الغرب أن الكتاب المقدس يقدم لنا مملكتين لا ثالث لهما، هما ملكوت اللَّه ومملكة إبليس، فتسليم الشخص للشيطان إنما يشير إلى عزله من الكنيسة، مملكة اللَّه، فيكون منتميًا إلى مملكة إبليس التي اختارها بإصراره علي شره ورفضه التوبة، حتى متى أدرك حاله يتوب فيرجع إلي مملكة اللَّه وتخلص نفسه.

لعل هذا التعبير يشير إلي السماح بتأديب الشخص أو دخوله في ضيق، كقول اللَّه للشيطان عن أيوب: “ها هو في يدك ولكن احفظ نفسه” (أي 2: 6). وقول الرسول بولس: “هيمينايس والإسكندر اللذان أسلمتهما للشيطان لكي ويُؤدبا حتى لا يجدفا” (1 تي 1:20).

لم يقل لهلاك الجسم بل لهلاك الجسد مشيرًا إلى إماتة شهوات الجسد، أما الجسم فيشارك النفس المجد الأبدي، فإن الجسد الفاسد لا يرث ملكوت اللَّه. “هلاك الجسد” لا يعني موته أو هلاك جسمه، إذ عاد الرسول يطلب من أهل كورنثوس أن يردوه إلى شركتهم (2 كو 2:7). إنما يقصد هنا أعمال الجسد كقول الرسول: “وأعمال الجسد ظاهرة التي هي زنى عهارة نجاسة دعارة” (غلا 5:20). إذن يقصد هلاك شهوات الجسد الفاسدة.

  • لم يقل أنه “ييأس منه” بل “يُسلّم” للشيطان، فيفتح أمامه أبواب التوبة، ويسلمه كما لناظر مدرسة.

يقول: “مثل هذا” دون ذكر اسمه. “لهلاك الجسد” كما حدث في حالة الطوباوي أيوب، ولكن ليس على نفس الأساس؛ لأنه في الحالة الأخيرة كانت له أكاليل بهيّة، أما هنا فلأجل إزالة الخطايا وبعض الأمراض الأخرى[11].

القديس يوحنا ذهبي الفم

يجيب القديس يوحنا ذهبي الفم على السؤال: ألم يكن في سلطان الرسول أن يعاقب؟

  • لم يكن هذا لكي يٌعاقبوا بل لكي يتعلّموا. فإنه قد أظهر أن له سلطان كما جاء في عبارات أخرى: “ماذا تريدون: أبعصا آتي إليكم أم بالمحبة وروح الوداعة؟” (1 كو 21:4). مرة أخرى يقول: “لكي لا استعمل جزمًا وأنا حاضر حسب السلطان الذي أعطاني إيّاه الرب للبنيان لا للَّهدم” (2 كو 10:13). لماذا إذن دعا الشيطان ليعاقبهم؟ لكي يكون عارهم أعظم فيكون الضيق والعقوبة أكثر إثارة[12].

القديس يوحنا ذهبي الفم

  • إن كان أحد ما قد مُنع من الصلاة (الجماعية) بسبب خطأ ما قد ارتكبه، فليس من حق أحد أن يصلي معه قبل إتمام ندامته على أساس سليم، ويتمتع بالمصالحة والعفو عن معصيته علانية بواسطة الأب قدام جميع الاخوة. فإنه بهذه الخطة يعزلون أنفسهم عن الشركة معه في الصلاة للسبب التالي. فإنهم يعتقدون أن الذي مُنع من الصلاة كما يقول الرسول: “سُلِّم للشيطان”. فإن تحرك أحد بعاطفة شريرة وأقام شركة معه في الصلاة قبل أن يقبله الشيخ يجعل من نفسه شريكًا معه في اللعنة التي حلَّت به، ويُسلِّم نفسه بكامل إرادته للشيطان الذي سُلِّم له الآخر من أجل تصحيح جريمته. وهو بهذا يسقط في معصية أكثر خطورة، لأنه بالاتحاد معه خلال الشركة سواء بالكلام أو الصلاة يعطيه فرصة ليبقى في تشامخه ويشجع العاصي ليجعله أكثر عنادًا[13].

القديس يوحنا كاسيان

  • ينتقد أتباع ماني العهد القديم ولا يعترفون به لأجل تلك الأحكام (التأديبية). ولكن عليهم أن يتأملوا ما قاله بولس الرسول بخصوص الخاطئ الذي أُسلم إلى الشيطان لهلاك الجسد “لكي تخلص الروح” (1 كو 5:5). ورغم أن هذا النص لا يُفهم منه موت الجسم إلا أن الرسول كان يفرض هذا التأديب لا عن كراهية بل في حبٍ كما يتضح من قوله “لكي تخلص الروح[14][15].

القديس أغسطينوس

  • إن كل ما يحل بنا هو بواسطة اللَّه أو بسماحٍ منه، سواء ما يظهر في الوقت الحالي محزنًا أو مفرحًا، فإنه لأجل نفعنا كما من أبٍ فائق الحنان وطبيب عظيم الترفق. ولهذا فإن البشر كما لو كانوا تحت عناية معلمين يُذلون هنا حتى إذا ما رحلوا من هذا العالم يصيرون في الحياة الأخرى في حال أعظم نقاوة. إنهم ينالون هنا عقابًا خفيفًا حتى كما يقول الرسول: يُسلمون في الوقت الحاضر “للشيطان لهلاك الجسد لكي تخلص الروح في يوم الرب يسوع” (1 كو 5:5)[16].

الأب سيرينوس

3. نزع الخميرة العتيقة

ليس افتخاركم حسنًا.

ألستم تعلمون أن خميرة صغيرة تخمر العجين كله؟” [6].

 إذ كان هذا الرجل في مركز قيادي فإنه وإن أخطأ كحالة فردية لكنه يمثل خميرة تفسد العجين كله، أي يجلب فسادًا علي كنيسة اللَّه.

  • إن لم يُعزل هذا الشخص لن تخلص روح الكنيسة في يوم الدينونة، لأن مصدر العدوى قد أصاب الكل[17].
  • كما أن خطية شخص واحد تعدي الكثيرين إن لم تُعالج في الحال متى اُكتشفت، هكذا تكون أيضًا خطية الكثيرين متى عرفوها ولم يحيدوا عنها أو يتظاهروا كمن لم يلاحظوها. تبدو الخطية كأنها ليست خطية إن لم تُصحح أو يتجنبها الشخص[18].

أمبروسياستر

  • لا يُؤخذ هذا بمعنى حرفي. ما يعنيه بولس أن هذا الشخص يُعزل من الكنيسة، فيلتزم أن يحيا في العالم الذي يسيطر عليه الشيطان. بهذه الوسيلة سيتعلم مخافة الرب ويهرب من العقوبة العظمى المقبلة[19].

ثيؤدور أسقف المصيصة

  • يسلم بولس للشيطان من هم قد جدفوا بكامل إرادتهم[20].

القديس جيروم

  • إنه لا يعني أنه يسلمه لقوى الشرير، بل بالأحرى إلى شرور هذه الحياة مثل الأمراض والأحزان والآلام والظروف الأخرى المنسوبة للشيطان. هذا المعنى هو ما استخدمه بولس. ما يعنيه أن هذا الإنسان يلزم أن يُطرد ليواجه متاعب الحياة[21].

سفيريان أسقف جبالة

  • نتعلم من هذا أن ابليس يقتحم الذين انفصلوا عن جسد الكنيسة إذ يجدهم محرومين من النعمة[22].

ثيؤدورت اسقف قورش

  • خميرة صغيرة“: لست أود أن أُكمّل العبارة، بل بالأحرى أرغب أن أتوسل إليكم وأنصحكم أن تتحول الخميرة ذاتها إلى ما هو أفضل، لئلا تغير العجين كله إلى ما هو أردأ كما حدث فعلاً[23].

القديس أغسطينوس

إذًا نقوا منكم الخميرة العتيقة

لكي تكونوا عجينًا جديدًا كما أنتم فطير،

لأن فصحنا أيضًا المسيح قد ذُبح لأجلنا” [7].

 يطلب النقاوة من الخميرة العتيقة لكي تكون الكنيسة كلها بوجه عام طاهرة ومقدسة للرب، لا تضم أعضاء فاسدين ودنسين. هكذا يليق بالكنيسة ككلٍ كما بكل عضوٍ فيها أن يحفظ حياة الطهارة والنقاوة في الرب.

إذ قتل اليهود السيد المسيح (الفصح الحقيقي) حفظوا العيد بفطيرٍ بلا خميرة، أما نحن فيليق بنا أن نحفظ عيدنا لا لمدة سبعة أيام بل كل أيام حياتنا بلا خميرة من الفساد. يليق بنا أن نموت مع مخلصنا عن الخطية، ونحمل شبه موته بالإماتة عن الخطية، ونتمتع بقوة قيامته بتمتعنا بالحياة الجديدة المقدسة في الرب، في الداخل كما في الخارج.

يسألهم لا أن ينزعوا الخميرة الفاسدة التي يتحدث عنها هنا “الزنا” بل كل خميرة فاسدة، أي كل خطية، لأنهم إذ قبلوا الولادة الجديدة صاروا “فطيرًا” لا موضع للفساد فيهم. فلا يليق بهم أن يعودوا ويسمحوا للشر أن يدخل في حياتهم ويفسد طبيعتهم الجديدة، الإنسان الجديد المخلوق علي صورة المسيح.

كما كان يلزم لليهود أن ينزعوا كل أثر للخميرة من مساكنهم حتى يعيدوا الفصح، هكذا يليق بنا نحن أن ننزع كل فسادٍ في حياتنا مادمنا نعيد بالمسيح فصحنا. وكما كان الحمل رمزًا للسيد المسيح حمل اللَّه الحامل خطية العالم، هكذا ترمز الخميرة إلي الفساد الذي يلزم نزعه من القلب.

  • كان اليهود دائمًا ينسون إحسان اللَّه لهم. لهذا فإن اللَّه ربط معنى هذه الأمور، إحسانه، ليس فقط بزمنٍ معينٍ بل وبعاداتهم مثل الأكل. لهذا كانوا يأكلونه متمنطقين وأحذيتهم في أرجلهم (خر 11:15). فإن سُئلوا عن السبب يقولون: كنا مستعدّين للرحلة، كنا على وشك الخروج من مصر إلى أرض الموعد، كنا مستعدّين لخروجنا. هذا إذن هو الرمز التاريخي.

لكن الحقيقة هي أننا نحن أيضًا نأكل فصحنا المسيح، لأنه قد ذبح لأجلنا [7]. ماذا إذن؟ يلزمنا أن نأكله متمنطقين وأحذيتنا في أرجلنا. لماذا؟ لكي نكون نحن أيضًا مستعدّين لخروجنا، لرحيلنا من هنا[24].

  • لنشرح لماذا نُزعت الخميرة من كل الجوانب. ما هو معناها الخفي؟ يليق بالمؤمن أن يهرب من كل شر. فكما يفسد (العجين) متى وُجدت فيه خميرة قديمة هكذا نحن أيضًا إذ وُجد فينا شر فستكون العقوبة عظيمة[25].
  • لدي اقتناع قوي بأن القول بخصوص الخميرة يخص أيضًا الكهنة الذين يسمحون بالتعامل مع الخميرة القديمة أن تكون في الداخل ولا ينزعونها خارج حدودهم، أي خارج الكنيسة، الطمّاعين والعنفاء وكل المُستبعدين من ملكوت السموات. فالطمع حتمًا هو خميرة عتيقة، ومهما بدا بسيطًا ودخل أي منزل يجعله غير نقي؛ ربما تكسب قليلاً لكن بظلمك يختمر الكل![26]

القديس يوحنا ذهبي الفم

  • أنه بسبب هذه البداية للحياة الجديدة، بسبب الإنسان الجديد الذي أمرنا أن نلبسه ونخلع الإنسان العتيق (كو 9:3-10) يلزمنا أن ننقي الخميرة العتيقة لكي تكون عجينًا جديدًا، لأن المسيح فصحنا مُقدس لأجلنا (1كو7:5)[27].

القديس أغسطينوس

  • للخميرة العتيقة هنا معنى مزدوج. فمن جانب تشير إلى التعليم الخاطئ كما حذر يسوع تلاميذه أن يتحرزوا من خمير الفريسيين (مت 16: 6- 12؛ مر 8 : 15؛ لو 12 : 1). ومن جانب آخر تشير أيضًا إلى خطية الزنا التي يعالجها هنا. يعلم بولس أن الفصح هو ذبيحة وليست خروجًا كما يظن البعض. الذبيحة تأتي أولاً، وبعد ذلك يصير ممكنًا الانتقال من الحياة العتيقة إلى الحياة الجديدة. لهذا السبب فإن الصليب هو الحقيقة المخلصة التي أشار إليها فصح العهد القديم[28].

أمبروسياستر

إذا لنعيد ليس بخميرة عتيقة،

ولا بخميرة الشر والخبث،

بل بفطير الإخلاص والحق” [8].

 يحذرنا الرسول من الاستهانة بأية خطية مهما بدت تافهة، فإنها كالخميرة تفسد العجين كله، سواء علي مستوى الفرد أو الجماعة.

مسيحنا هو الحمل الذي بلا عيب، الفصح الطاهر، مات لكي نكون نحن طاهرين، قدس القدوس نفسه لأجلنا لكي نكون له قديسين.

يقدم لنا الرسول بولس مفهومًا جديدًا للحياة المسيحية، وهي احتفال مستمر ودائم بعيد الفصح مادمنا نقبل صلبه وموته ونختبر قيامته كل يومٍ. الحياة الكنسية هي عيد مفرح عل الدوام إذ هي شركة مع المسيح مصدر فرحنا الحقيقي.

  • إنه عيد، كل أيام حياتنا. فمع قوله “لنحفظ العيد” فإنه لم يقل هذا بخصوص حلول الفصح أو البنطقستي، وإنما يشير إلى كل الزمن كعيد للمسيحيين، وذلك بسبب سمو الخيرات التي نتقبّلها[29].
  • إنه عيد، يمتد كل زماننا. لذلك يقول بولس: “افرحوا في الرب كل حين، وأقول أيضًا افرحوا” (في4:4). في أيام العيد لا يرتدي أحد ثيابًا قذرة. هكذا ليتنا نحن أيضًا لا نفعل ذلك. فقد تحقق الزواج، الزواج الروحي، لأنه يقول: “يشبه ملكوت السموات إنسانا ملكًا صنع عرسًا لابنه” (مت2:22)[30].
  • ليته لا يدخل أحد ملتحفًا بخرقٍ… فإن كان حيث يوجد الكل بمظهر بهي وُجد شخص واحد في العرس مرتديًا ثيابًا قذرة قد طُرد بمهانة، فكم يكون الأمر يتطلب غاية الدقة وبكل طهارة لمن يدخل في حفل العرس هذا[31].

القديس يوحنا ذهبي الفم

  • إن سعادة عيدنا يا إخوتي هي قريبة منا جدًا، ولن يفشل في بلوغها من يرغب في تبجيله، لأن “الكلمة” هو قريب، هذا الذي هو بالنسبة لنا كل شيء لخيرنا.

لقد وعدنا ربنا يسوع المسيح أن يكون معنا على الدوام… قائلاً: “ها أنا معكم كل الأيام وإلى انقضاء الدهر” (مت20:28).

فإذ هو الراعى، ورئيس الكهنة، والطريق، والباب، وكل شيء في نفس الوقت لأجلنا، هكذا يظهر أيضًا “عيدًا” لنا كقول الطوباوى بولس: “لأن فصحنا المسيح قد ذبح” (1 كو 7:5).

إنه هو ما كنا ننتظره، لقد أضاء على مرتل المزامير القائل: “ابتهج وأفرح برحمتك، لأنك نظرت إلى مذلتي وعرفت في الشدائد نفسي” (مز 7:31).

إنه بحق فرح حقيقي، إذ يخلصنا من الشر، وهذا يبلغه الإنسان خلال تبنيه الأحاديث الصالحة، وتزكية فكره بخضوعه للّه[32].

البابا أثناسيوس الرسولي

  • كما أن خميرة قليلة تخمر العجين كله، هكذا الحياة الشريرة تفسد الإنسان كله. لهذا يريدنا بولس أن نتجنب ليس فقط الأفعال الشريرة، بل وكل اهتمامات الخطية، حتى بالاخلاص تغتسل حياتنا ويُنزع الحق كل خداع[33].

أمبروسياستر

4. عدم الشركة مع الاخوة الزناة

كتبت إليكم في الرسالة أن لا تخالطوا الزناة” [9].

 بينما يرى البعض[34] أن الرسول يشير هنا إلى رسالة سبق فكتبها إليهم بخصوص هذا الأمر، يرى البعض أنه يتحدث هنا عن ما سبق فكتبه في نفس هذه الرسالة[35]. يرى القديس يوحنا ذهبي الفم وثيؤدورت وأغلب المفسرين اللاتين مع إجماع الكتاب الألمان بأن النص هنا يشير إلى ذات الرسالة وليس إلى رسالة سابقة مفقودة.

  • يعني بولس أنه من الأفضل الموت (الخروج من العالم) عن الاختلاط بزملاء مؤمنين يخطئون مثل الزاني موضوع الحديث هنا، لأن الموت يضع نهاية لذلك حالاً دون تأخير[36].

أمبروسياستر

  • غير المؤمنين الزناة لا يستطيعون أن يؤذوا الكنيسة، أما المؤمنون الزناة فيفسدونا في الداخل، لهذا يجب تجنبهم وعزلهم[37].

العلامة أوريجينوس

  • واضح أنه إن كان يجب ألا نشاركهم في الطعام العادي، يلزم ألا نشترك معهم في مائدة الرب[38].

ثيؤدورت أسقف قورش

وليس مطلقًا زناة هذا العالم أو الطماعين أو الخاطفين أو عبدة الأوثان،

وإلا فيلزمكم أن تخرجوا من العالم” [10].

يخطئ الزناة في حق أنفسهم، إذ يفقدوا طهارتهم ونقاوتهم. ويخطئ الطامعون والخاطفون في حق اخوتهم، أما عبدة الأوثان فيخطئون في حق اللَّه.

 وأما الآن فكتبت إليكم أن كان أحد مدعو أخًا زانيًا أو طماعًا أو عابد وثن أو شتامًا أو سكيرًا أو خاطفًا أن لا تخالطوا ولا تؤاكلوا مثل هذا” [11].

  • يمكن أن يوجد أناس ليسوا أبناء حقيقيين، مثل أولئك الذين قيل عنهم: “إن كان أحد مدعو أخًا…” [11]. هنا يوجد بالإيمان، لكنه ليس ابنًا حقيقيًا. حقيقة هو ابن، لأنه نال مرة النعمة وتجدد (وُلد ثانية)، لكنه ليس بالابن الحقيقي، لأنه غير أهلٍ لأبيه الذي هجره وصار أسير سلطان آخر[39].
  • ليتنا لا نطرد النعمة. لقد أخبرنا أن ننسحب من كل أخ يسلك بلا ترتيب. هذا كان شرًا عظيمًا يجب فصله عن كل جسد الاخوة. بهذا في الواقع يعاقب الكل، وكما في موضع آخر في رسالته إلى أهل كورنثوس يقول: “لا تُواكلوا مثل هذا” [11]. لكننا نجد الآن الغالبية لا يعتقدوا أن هذا شر عظيم. إنما كل شيء مرتبك وفاسد، فنختلط مع الزناة والطمّاعين بلا ضابط، كأنه أمر حتمي.

إن كان يجب أن ننسحب ممن كان ينال معونة وهو كسلان فماذا يكون الحال مع الآخرين؟

يجب أن تعرفوا كم هو أمر مرعب أن يُفصل أحد من جماعة الاخوة، وأي نفع ينالونه عندما يُوبّخ هؤلاء بفكرٍ سليمٍ. اسمع ماذا حدث مع ذاك الرجل الذي افتخر بخطيته وبلغ قمّة الشر، الذي ارتكب مثل هذا الزنا الذي لا يُسمّى حتى بين الأمم، والذي لم يشعر بجرحه هذا والذي فسد، فإنه بعد هذا كله، فإن هذا قد انحنى وتواضع. حتى أن بولس قال: “مثل هذا يكفيه هذا القصاص الذي من الأكثرين… اطلب أن تُمكّنوا له المحبة” (2 كو 6:2، 8). إذ كان في ذلك الوقت كعضوٍ منفصل عن بقية الجسم[40].

القديس يوحنا ذهبي الفم

  • ماذا نفعل بخصوص هذه الحقيقة وهي أن الرسول نفسه قدم لنا قائمة ضخمة من الرذائل، وأشار من بينها إلى السُكر وختمها بالتحذير من أن نأكل خبزًا مع من يخطئون بمثل هذه الأمور؟[41]
  • إنه لأمر مثير للشفقة مذكّرًا إيّانا مدى خطورة الأكل مع الذين هم يخطئون بالنهم حتى في بيوتهم[42].

القديس أغسطينوس

لأنه ماذا لي أن أدين الذين من خارج

ألستم أنتم تدينون الذين من داخل؟” [12].

 استخدم بعض المفسرين هذه العبارة للَّهجوم علي الحياة الرهبانية كحياة غير إنجيلية، فيها انسحاب من العالم وانغلاق وعدم شهادة للإنجيل أمام الغير. ولعل سرّ هذا عدم إدراكهم للفكر الرهباني الإنجيلي الحق. فالرهبنة منذ بدء نشأتها هي انطلاق النفس نحو السماء، واتساع القلب بالحب نحو كل البشرية. الراهب حتى في توحده يرفع يديه نحو السماء، حاملاً في قلبه كل البشر مشتهيًا خلاص الكل. فتح القديس أنبا انطونيوس أب كل الأسرة الرهبانية في العالم مغارته لكثير من الفلاسفة الوثنيين، وكسب بعضهم للسيد المسيح. وقام الرهبان الروحيون بخدمة الكثيرين، في الكنيسة وفي العالم .

  • أيها الاخوة، هذا هو عملي أن أتحدث إليكم، عملي أن أتكلم مع المسيحيين، “لأنه ماذا لي أن أدين الذين من خارج؟” [12][43].

القديس أغسطينوس

  • سأل الرسول: “لأنه ماذا لي أن أدين الذين من خارج؟” حقًا هؤلاء الأشخاص هم خارج المحكمة التي فيها تُنطق كلمات أسرارنا، إنهم لا يُنصبون تحت سقف اللَّه، وإنما في دير الشرير. إنهم يؤسرون بواسطته بإرادته. لهذا فهم لا يفهمون أن كل الفضائل توجد في الاعتدال وإن أي انحراف من أي جانب يتحول إلى رذيلة[44].

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

  • لا يستطيع الأسقف أن يصنع شيئًا مع غير المؤمنين. أما الأخ الذي يُمسك مرتكبًا مثل هذا الأشياء فُيمكن للأسقف أن يمنعه ليس فقط عن الأسرار بل وعن الأحاديث العادية العامة مع زملائه، حتى متى تجنبوه يشعر بالخجل فيتوب[45].

أمبروسياستر

  • طالما يصعب علينا معرفة هدف الآخرين من اكتنازهم للأشياء الزمنية… فقد يكون قلبهم بسيطًا أو مزدوجًا، لذلك يليق أن يُقال: لا تدينوا لكي لا تدانوا. لأنكم بالدينونة التي بها تدينون تدانون. وبالكيل الذي به تكيلون يكال لكم.

  أظن أننا من هذه الوصية نتعلم ضرورة افتراض أحسن قصدٍ ممكنٍ لأعمال الآخرين التي يمكن أن نشك في نيتها.

أما عندما كُتب: “من ثمارهم تعرفونهم” فقد قصد بها الثمار التي لا يُمكن الشك فيها مثل الدعارة والتجديف والسرقة والسكر وأمثال ذلك التي سُمح بالحكم فيها (من الكنيسة) حيث يقول الرسول: “لأنه ماذا لي أن أدين الذين من الخارج؟ ألستم أنتم تدينون من الداخل؟” (1 كو 12:5) فلا ندين إنسانًا من أجل أكل معين، فقد يأكل بنية صالحة بدون شهوة. لهذا يمنع الرسول الممتنعين عن أكل اللحم وشرب الخمر عن إدانة من يأكلونه ويشربونه، قائلاً: “لا يزدري مَنْ يأكل بمَنْ لا يأكل. ولا يدِنْ مَنْ لا يأكل مَنْ يأكل”. كما يقول: “مَنْ أنت الذي تدين عبد غيرك. هو لمولاهُ يثبت أو يسقط” (رو 3:14-4)[46].

القديس أغسطينوس

أما الذين من خارج فاللَّه يدينهم،

فاعزلوا الخبيث من بينكم” [13].

الكنيسة في اتساع قلبها لا تدين الذين في الخارج بل تصلي لأجلهم لكي يكشف لهم الرب القداسة الحقة خلال نعمة اللَّه الغنية. لكنها ملتزمة أن تعيش طاهرة ومقدسة، لذا تكون حازمة مع الذين في الداخل، وكلما نال العضو مركز قياديًا أكبر وأخطأ يكون التأديب أكثر حزمًا.

  • اصنع ما في وسعك أن تستبعد الإنسان الشرير، فإنه إذ يرحل يحضر المسيح فيك[47].

العلامة أوريجينوس

من وحي 1كو5

انزع فسادي،

فأفرح بك يا عيدي الدائم

  • بإرادتي سمحت لعدوّي أن يتسلل إلى قلبي،

    ويسيطر على إرادتي،

    فأسلك بما لا يليق كابنٍ حقيقيٍ لك!

  • مع كل تهاونٍ وتراخٍ واستهتارٍ،

    مع كل خطيةٍ ارتكبها،

    أُُهين بنوتك يا أيها الكلّي القداسة.

  • قل كلمة،

    هب لي روح القوة،

    فلن اسمح للخميرة الفاسدة أن تفسد عجين حياتي.

    اطرد بقوة كل فسادٍ في داخلي،

    فأصير لك فطير الحق بلا خميرة فساد.

    وأتهلل بعيد فصحٍ دائم، يا أيها الفصح الحقيقي.

  • أراك دومًا على الصليب يا حمل اللََّه.

    تُقدم ذاتك فصحًا، لتعبر بي من أرض العبودية.

    تُخرجني من المرارة إلى عذوبة الحرية.

    أنت فصحنا جميعًا.

    حوّلتَ حياتنا إلى عيدٍ دائم لا ينقطع!

    أقمتَ في داخلي حفل عُرس لا ينتهي!

    حوّلتَ نوحي إلى فرح!

  • هب لي بروحك ألا أقبل دنسًا في أعماقي،

    بل بالحق أصير أيقونتك يا أيها القدوس.

    أتقدس فلا أدين أحدًا في الخارج.

    بل أدين نفسي في الداخل!

  • هب لكنيستك روح القوة والقداسة.

    بروحك تنتزع كل فسادٍ،

    لا لتدين بل لتؤدب.

    لا بروح النقمة بل بدموع الحنان.

    تبتر الشر وتبكي على الشرير.

    لا تطيق رائحة الفساد،

    ولا تحتمل هلاك أحد!

    لتحكم أنت فيها يا أيها الحب الحقيقي الحازم!

[1] Adam Clarke Commentary.

[2] كيفية الطهارة وفوائدها، ف.3.

[3] Comm. On 1 Cor.2:23:15-20.

[4] CSEL 81:52.

[5] CSEL 81:52.

[6] In 1 Corinth., hom. 15:3.

[7] In 1 Corinth., hom. 15:3.

[8] In 1 Corinth., hom. 15:3.

[9] In 1 Corinth., hom. 15:3.

[10] CSEL 81:53.

[11] In 1 Corinth., hom. 15:4.

[12] In 1 Tim., hom. 5.

[13] Institutes, 2:16.

[14]   كان يقصد الرسول أن يعزل هذا الشخص وأمر بعدم مخالطته (1كو11:5،13). ويبدو أن هذا الأخ قد حزن حزنًا مفرطًا حتى كاد أن يبتلع من الحزن، لذلك كتب الرسول في رسالته الثانية مطالبًا بمسامحته (2كو5:2-8).

[15] Sermon on the Amount 1:20:64. 

[16] Cassian: Conferences 7:28.

[17] CSEL 81:54.

[18] CSEL 81:55.

[19] Pauline Commentary from the Greek Church.

[20] Against Rufinuis, 7.

[21] Pauline Commentary from the Greek Church.

[22] PG 82:262.

[23] Ep. 211:3.

[24] In Ephes., hom. 23.

[25] In 1 Corinth., hom. 15:8.

[26] In 1 Corinth., hom. 15:11.

[27] Ep. 55:5.

[28] CSEL 81:55.

[29] In 1 Corinth., hom. 15:6.

[30] In 1 Corinth., hom. 15:6.

[31] In 1 Corinth., hom. 15:6.

[32]  للمؤلف: الحب الإلهي، ص 630.

[33] CSEL 81:56-57.

[34] Ambrosiaster: CSEL 81:57.

[35] Theodoret of Cyrus: PG 82:263.

[36] CSEL 81:57.

[37] Comm. On 1 Cor.2:26:23-26.

[38] PG 82:263.

[39] In Titus, hom. 1.

[40] In 2 Thess., hom. 5.

[41] Ep. 22:3.

[42] Ep. 39:5.

[43] Sermons on New Testament Lessons.

[44] On Virginity, 8.

[45] CSEL 81:58.

[46] Sermon on the Amount 2:59.

[47] Comm. On 1 Cor.2:26:57-59.

تفسير كورنثوس الأولى 5 – الأصحاح الخامس – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير سفر الرؤيا 5 الأصحاح الخامس – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير سفر الرؤيا 5 الأصحاح الخامس – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير سفر الرؤيا 5 الأصحاح الخامس – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير سفر الرؤيا 5 الأصحاح الخامس – القمص تادرس يعقوب ملطي

 

الأصحاح الخامس

السفر المختوم

بعدما كشف لنا عن المشهد السماوي يوضح لنا اهتمام السماء “بالسفر المختوم”:

  1. السفر المختوم 1 – 4.
  2. فاتح السفر 5 – 14.
  3. السفر المختوم

“ورأيت على يمين الجالس على العرش

سفرًا مكتوبًا من داخل ومن وراء،

مختومًا بسبعة ختوم[1].

رآه الرسول عن يمين العظمة الإلهيّة، أي في مكان مُكرم لا يقدر مخلوق ما مهما بلغ سموه أن يفتحه أو حتى يلمسه. فماذا يكون هذا السفر؟

  1. يقول ابن العسال: [إنه الدرج… والرمز بالسفر على احاطة العلم الإلهي بما في مضمونه، وثباته على ما سيأتي.]
  2. ويقول الأسقف فيكتورينوس: [هذا السفر يعني العهد القديم الذي تسلمته أيدي ربنا يسوع المسيح الذي أخذ الحكم من الآب]، أي ليحقق النبوات الواردة فيه منذ تجسده إلى يوم مجيئه على السحاب للدينونة ومكافأته للأبرار وإدانته للأشرار.
  3. ويرى العلامة أوريجينوس[1] والقديس جيروم[2] وطيخون الإفريقي أن السفر المختوم هو الكتاب المقدس بعهديه، إذ هو سفر واحد يعلن مقاصد الله ومحبته للبشر وتأديباته لهم.

وهو مكتوب من داخل ومن وراء، لأن معانيه الظاهرة تحمل في طياتها معانٍ عميقة.

والكتابة من داخل تشير إلى العهد الجديد الذي يدخل بالنفس إلى أعماق الشركة مع الله، والكتابة من وراء تشير إلى العهد القديم الذي هو بمثابة غشاء للعهد الجديد، إذ يحوى رموزًا وظلالاً ونبوات لا يفسرها إلاّ العهد الجديد.

أما سرّ ختمه بسبعة ختوم، فهو بسبب احتجاب معانيه ومفاهيمه عن فهم البشر بسبب اعتمادهم على حكمتهم البشرية، وكما يقول النبي: “توانوا وابهتوا، تلذذوا واعموا… وصارت لكم رؤيا الكل مثل كلام السفر المختوم الذي يدفعونه لعارف الكتابة، قائلين: اقرأ هذا، فيقول لا أستطيع لأنه مختوم” (إش 29: 9-11).

وقد فسّر القديس جيروم هذه الختوم في رسالته إلى الأسقف [3]Paulinus بقوله: [ظهر في سفر الرؤيا كتاب مختوم بسبعة ختوم، هذا الذي متى سلمته لواحدٍ متعلمٍ قائلاً له: “اقرأ هذا“، يجيبك: “لا أستطيع لأنه مختوم!”

كم من كثيرين اليوم يظنون في أنفسهم أنهم متعلمون، لكن الكتاب المقدس بالنسبة لهم مختوم ولا يستطيع أحد أن يفتحه إلاّ بواسطة ذاك الذي له مفتاح داود، “الذي يفتح ولا أحد يغلق، ويغلق ولا أحد يفتح
(رؤ 3: 7).        

هذا السفر هو الموضوع الشاغل للسماء كلها، إذ يقول الرسول: “ورأيت ملاكًا قويًا ينادي بصوت عظيم: من هو مستحق أن يفتح السفر ويفك ختومه؟” [2].

لقد أخذ ملاك من طغمة سماوية عالية بالمناداة لعله يجد من يفتح السفر ويفك ختومه، أي يكشف أسراره معلنًا مقاصده. إنه بلا شك يعلم أن هذا السفر يخص البشرية وخلاصهم وميراثهم مع تأديبهم، فمع أنه ملاك لا يطمع في مجد أعظم مما هو فيه، ولا يخاف أحداثًا تتم في السماء أو على الأرض لكن بروح سيده، روح الحب، يصرخ مشغولاً بنا مهتمًا بما يحدث لنا!

عجبًا من أولئك الذين يجعلون من الملائكة أرواحًا جامدة بلا مشاعر ولا محبة، وكأنهم قطع حجرية تخدم الله بلا حب، لكنهم بالحق محبون، عاملون بروح الرب.

ولعلنا ندرك محبة الملائكة لنا إذ نحس في نبرات هذا الملاك الألم، لأنه يتوق إلى أمر خلاصهم إذ “تشتهي الملائكة أن تتطَّلع عليها” (1 بط 1: 12)، كما يدرك أن في فتح السفر ابادة لموت البشر وبالتالي خلودهم في عدم فساد كقول الأسقف فيكتورينوس.

نادى الملاك من أجلنا، مشتاقًا أن نبلغ ما يكنّه قلب الله من حب إلهي، لكنه للأسف لم يجد من السمائيّين أو البشريين أو المنتقلين من هو مستحق أن يقرأ السفر أو حتى يطلع عليه. وهنا غُلب يوحنا الحبيب على أمره، فأخذ يبكي بكاء مرًا، مظهرًا ضعف الطبيعة البشرية.

 

  1. فاتح السفر

“فقال لي واحد من القسوس (الشيوخ) لا تبكِ.

هوذا قد غلب الأسد الذي من سبط يهوذا أصل داود

ليفتح السفر، ويفك ختومه السبعة.

ورأيت فإذا في وسط العرش والمخلوقات الحية الأربعة في وسط الشيوخ

خروف قائم كأنه مذبوح،

له سبعة قرون،

وسبعة أعين هي سبعة أرواح الله المرسلة إلى كل الأرض.

فأتى وأخذ السفر عن يمين الجالس على العرش[5-7].

قدم أحد السمائيّين المحبين تعزية لنفوسنا الخائرة التي لا تعرف سوى العجز والبكاء الكثير، بل وجهنا إلى“المعزي الحقيقي” قائلاً: “هوذا قد غلب الأسد”. هنا ينبوع تعزية كل نفس مرهفة ومحطمة من اليأس والبكاء. إنه الأسد الغالب الذي وحده يفتح لنا السفر! إنه الغالب بحبه الأبدي، المعلن في تقديم نفسه حملاً ليُذبح عنا.

يقول الأسقف فيكتورينوس: [لم يوجد من هو مستحق أن يفعل هذا بين ملائكة السماء أو البشريّين على الأرض أو أرواح القديسين في الراحة، سوى السيد المسيح ابن الله وحده، ذاك الذي قال عنه إنه رآه حملاً قائمًا كأنه مذبوح له سبعة قرون.]

أما صفات فاتح السفر فهي:

  1. أسد: وسرّ دعوته أسدًا ما يقوله القديس يوحنا الذهبي الفم: [لقد أشار البطريرك يعقوب إلى الصليب، قائلاً “جثا وربض كأسد، وكلبوة من ينهضه!” (تك 49: 9) فكما أن الأسد مرعِب لا في يقظته فحسب بل وفي نومه، هكذا السيد المسيح مخوف لا قبل الصليب فقط بل وعلى الصليب أيضًا. في لحظة الموت عينها كان مهوبًا… إذ صار الموت كلا شيء مبيدًا سلطانه[4].]

ويقول القديس كيرلس الأورشليمي:

[يُدعى أسدًا لا لكونه مفترسًا للبشر بل علامة ملكه وثباته والثقة فيه. لقد دُعي أسدًا مقابل الأسد خصمنا الذي يزأر مفترسًا المنخدعين منه… فبكونه الأسد القوي الخارج من سبط يهوذا ينقذ المؤمنين محطمًا العدو[5].]

  1. من سبط يهوذا أصل داود. إنه ذاك “الذي كتب عنه موسى والأنبياء” أنه من سبط يهوذا (تك 49: 9) وأصل داود. وقد دعا نفسه: “أنا أصل وذرية داود” (رؤ 22: 16)، لأنه خالق داود وصار له ابنًا بالجسد.
  2. حمل قائم كأنه مذبوح، وقد دُعي بالحَمَل 29 مرة في هذا السفر، لأنه سفر الأبدية، فيه نهيم في حبه كفادٍ مندهشين من قوة الدم الذي رفعنا لا إلى مصاف السمائيّين فحسب، بل إلى أحضان الله نفسه! وكلمة “حمل” الواردة هنا جاءت في اليونانيّة تحمل معنى “حمل صغير حولي”، أي حمل الذبيحة الكفارية (خر 12: 7)، الذي حمل خطايانا في جسده على الصليب.

وهو “قائم” لا يكف عن العمل لتتميم خلاص كل أولاده، كالأب الذي لا ينام ولا يكف عن الحركة المستمرة عاملاً كل ما في وسعه لإنقاذ ابنه الوحيد المريض!

قائم” كشفيعٍ كفاريٍ أمام الآب، يقدم دمه كفّارة لخطايانا حتى لا نموت بعد فيها. “قائم” أيضًا يستعد للقاء عروسه المجيدة يوم الدينونة، ويرسل ملائكته لحصاد الأشرار، وإلقاء إبليس وجنوده في مسكنهم الأبدي!

أما قوله “:كأنه مذبوح”، فذلك لأنه حي قائم وليس بمطروحٍ وفي نفس الوقت مذبوح يفيض بدمه لتطهير مؤمنيه.

  1. له سبعة قرون: يشير القرن إلى القوة، والسبعة علامة كمال القوة في ذاته وكمال القوة فينا كأعضاء جسده.
  2. له سبعة أعين، وهي سبعة أرواح الله المرسلة إلى كل الأرض، له الروح القدس روحه الذي أرسله للكنيسة ليقودها، فيعمل بكمال قوته لتنقيتها وتقديسها وتزيينها بالفضائل الإلهيّة، واستنارتها بفيض نور إلهي في طريق الخلاص حتى تعبر هذا العالم من غير أن تتدنس بالفساد[6].

هذه الأوصاف جميعها التي للرب، ليس من أجل نفسه بل من أجلنا، إذ نصير به كأسود حاملين سمات محبته فينا، وأقوياء بعمل روحه فينا.

تقدم وأخذ السفر، وكلمة: “أخذ” بالتعبير اليوناني تحمل معنى الأخذ بصفة مطلقة مع عدم رده مرة أخرى.

وما أن أخذ السفر حتى تقدم الكل شاكرًا الرب بالفرح والتسبيح، معبرين عن تسبيحهم بصورٍ متعددة من تقديم سجود “مطانيات” وصلوات وعزف على القيثارات وتقديم بخور وترنم بتسابيح جديدة الخ.

 

أ. المخلوقات الأربعة تسبحه بالسجود

“ولما أخذ السفر خرَّت الأربعة مخلوقات الحية والأربعة وعشرون قسيسًا أمام الخروف”.

ها هم السمائيّون يشكرون الله من أجل عظم صنيعه معنا معبرين عن شكرهم وتسبيحهم له بالسجود.

ما أجمل روحانيّة الكنيسة التي تدرب أولادها على السجود بالمطانيات، حتى يخضع الجسد وتخضع معه النفس بكل طاقاتها ورغباتها في استسلام وحب لله مع ابتهال وشكر لذلك الذي أحبنا وأسلم نفسه لأجلنا.

 

ب. الأربعة والعشرون قسيسًا يترنمون.

ولا يقف تسبيح الأربعة والعشرون قسيسًا عند السجود أمام الحمل، بل “ولهم كل واحد قيثارات وجامات من ذهب مملوءة بخورًا هي صلوات القديسين.

وهم يترنمون ترنيمة جديدة، قائلين:

مستحق أنت أن تأخذ السفر،

وتفتح ختومه،

لأنك ذبحت واشتريتنا لله بدمك، من كل قبيلة ولسان وشعب وأُمة.

وجعلتنا ملوكًا وكهنة،

فسنملك على الأرض[8-10].

ما أكثر وسائل التعبد عن طريق التسبيح! القيثارات تشير إلى الألحان الكنسيّة، وجامات الذهب مملوءة بخورًا، والترنيم بتسابيح جديدة. والكنيسة تستخدم هذه الوسائل وغيرها مما ورد في سفر الرؤيا وسفر التهليل (المزامير) وغيرهما من أسفار الكتاب المقدس للتسبيح للرب مثل:

  • رفع اليدين في الصلاة كقول المرتل “ليكن رفع يدي كذبيحة مسائيّة” (مز 141: 2).
  • قرع الصدر كما فعل العشار (لو 18: 13).
  • الوقوف بخشوع ورعدة (مز 55: 5).
  • إيقاد الشموع كقول الأب صاروفيم صاروفسكي: [ليت قلبنا يضطرم بنار، وحياتنا تضيء كنور أمام الرب الإله كشمعة موقدة أمام أيقونته المقدسة[7].
  • الانطراح عند عتبة بيت الرب وأمام هيكله (مز 84: 10).

نعود إلى القسوس لنراهم يسبحون للرب على ألسنتنا لأنهم ككهنة الله العلي، يصلون عنا، ويقدمون صلواتنا أمام العرش الإلهي.

يا له من منظر سماوي مفرح حينما تنطق بكلمة تسبيح، أو تترنم بلحن سماوي، أو تسجد بانسحاق قلب، أو تقرع صدرك في تواضع. هذا كله بما يحمله من تسبيح روحي في داخل القلب تحمله الملائكة لتضعه في جامات الذهب السماوية، ويقدمها الأربعة والعشرون قسيسًا، فيمتلئ العرش الإلهي بتسابيح البشرية كلها من مجاهدين ومنتقلين، ممتزجة مع تسابيح الطغمات السمائية في وحدة الحب الحقيقي.

لهذا نترنم جميعًا ويسبح معنا المنتقلون قائلين ككنيسة واحدة أو كشخص واحد: “لتستقم صلاتي كالبخور قدامك” (مز 141: 2).

أما من جهة القيثارات فيبدو أن لكل قسيس قيثارات روحية كثيرة. إن كل ما فيهم هو بمثابة آلة موسيقية تخرج لحنًا عذبًا يسبح الله!

أما الترنيمة الجديدة فيقول البعض إن النص الأصلي لها هو: “لأنك ذبحت واشتريت الناس لله بدمك … وجعلتهم ملوكًا …”.

على أي الأوضاع فإن من يتذوق الحياة مع الرب يسوع يدرك هذه الحقيقة الخالدة، أنه “لا أنانيّة في السماء”، فالقسوس غير المتجسدين بحبهم لنا لا يميزون بين أنفسهم وبيننا، فينطقون بالتسبيح عنا بلساننا ويفرحون لفرحنا، ويشعرون أننا إخوتهم وشركاءهم في الحياة السماوية. وهكذا وحَّد الحمل بين السماء والأرض، فصارتا واحدًا.

وفكرة “الترنيمة الجديدة” عرفناها من العهد القديم[8].

ونسبح نحن أيضًا في كل يوم بترنيمة جديدة ومزامير جديدة، لا من جهة الألفاظ والحروف ولا بتجديد العبارات، لكن في كل يوم نقدمها بتذوقٍ جديدٍ وحلاوةٍ جديدةٍ، كأنه لأول مرة نتنعم بها، شاكرين إياه.

إن الأم العاشقة لطفلها الوحيد ترى في ملاغاته ونبراته كأنها جديدة في كل لحظة. وذلك من فرط حبها له. هكذا كلما التهب القلب حبًا يرى أنه يقدم للرب شيئًا جديدًا.

يقول القديس أغسطينوس: [الإنسان العتيق تسبحته قديمة، والإنسان الجديد تسبحته جديدة. من يحب الأرض تسبحته عتيقة، ومن يحب السماويات يسبح ترنيمة جديدة. إن المحبة أبدية، إذ لا تشيخ فتبقى دومًا جديدة.]

هي تسبحة شكر كقول العلامة ترتليان[9]، موضوعها تجسد الرب وآلامه وقيامته وإحساناته الجديدة علينا في كل لحظة. لأن هذه الأمور كلها فوق حدود الزمن نرتبط بها ونعيش فيها وندركها إلى الأبد.

نسبحه لأنه ربطنا به كأعضاء في جسده وأعطانا كل ما له، فكملك الملوك صرنا به ملوكًا، كأسقف نفوسنا صرنا كهنة، نملك معه وارثين أرض الأحياء الجديدة التي هي السموات بعينها.

 

ج. تسبيح الملائكة

“ونظرت وسمعت صوت ملائكة كثيرين

حول العرش والمخلوقات الحية والقسوس،

وكان عددهم ربوات ربوات وألوف ألوف.

قائلين بصوت عظيم:

مستحق هو الخروف المذبوح

أن يأخذ القدرة والغنى والحكمة والقوة والكرامة والمجد والبركة[11-12].

اشتركت الملائكة بتسابيحهم يوم ميلاده، وجاءت ليلة صلبه تقدم له المجد في بستان جثسيماني، وظهرت في القبر الفارغ والصعود. وها هي في السماء تسبح الخروف القائم كأنه مذبوح من أجل خلاص البشر!

أنهم يرونه “الخروف المذبوح” معنا لأن ما نناله كأنهم ينالونه هم بسبب حبهم، وعندئذ ينطلقون قائلين بصوت عظيم: “مستحق هو الخروف المذبوح أن يأخذ“:

  1. القدرة… إذ هو وحده الغالب الذي يغلب، وواهب الغلبة.
  2. الغنى… لأنه افتقر لكي نغتني نحن أولاده بفقره.
  3. الحكمة… سار كجاهلٍ بين البشر لكي يفدي بجهالة الصليب البسطاء والودعاء.
  4. القوة… صار كضعيفٍ ليسند ضعفنا.
  5. الكرامة… أخلى ذاته عن الكرامة، ليشرك الترابيّين في كرامته السماوية.
  6. المجد… حمل خزينا حاملاً خطايانا في جسده، لكي نتمجد به ومنه.
  7. البركة… انحني ليحمل لعنتنا، لكي نكون به مباركين.

هذه هي تسبحة الملائكة السباعيّة، جوهرها عمل الله معنا لنصير سمائيّين.

هذه التسبحة تدربنا عليها الكنيسة في صلواتنا فنترنم بها في ختام الصلاة الربانية قائلين “لأن لك الملك والقوة والمجد، وفي ختام تسبحة الشكر “الذي من قِبله المجد والكرامة والعز والسجود”. وفي أغلب الصلوات والتسابيح الموضوعة بإرشاد الروح القدس في كل المناسبات. هكذا يتدرب اللسان ومعه القلب والروح على تسبيح الملائكة السماوي.

 

د. كل الخليقة تمجده

“وكل خليقة مما في السماء وعلى الأرض وتحت الأرض وما على البحر،

كل ما فيها سمعتها قائلة للجالس على العرش وللخروف:

البركة والكرامة والمجد والسلطان إلى أبد الأبدين.

وكانت المخلوقات الحية الأربعة تقول: آمين.

والقسوس الأربعة والعشرون خروا وسجدوا للحي إلى أبد الآبدين[13-14].

كل الخليقة تشهد للرب الفادي وتمجده في كل عمل.

وكما يقول مار أفرآم:

[هوذا كل الخليقة صارت أفواهًا تنطق عنه: المجوس بتقدماتهم، والعاقر بطفلها، والنجم المنير في الهواء! هوذا ابن الملك.. السماوات له انفتحت، والمياه هدأت، والحمامة مجدته… الملائكة أعلنت عنه، والأطفال صرخوا إليه “أوصنا“. هذه الأصوات جميعها من الأعالي ومن أسفل، الكل يصرخ شاهدًا له[10]!]

وكما سبق أن أشهد الأرض الجامدة والسماوات على غلاظة قلب اليهود (إش 1: 2) هكذا تبقى شاهدة لأعمال محبته مع البشرية.

 

 

[1] مجموعة آباء نيقية مجلد 10 ص 348، وتفسير الخروج الأصحاح 12.

[2] تفسير إشعياء لجيروم ص 22.

[3] رسالة 53.

[4] المؤلف: الحب الإلهي، 1967، ص 371.

[5] Lect, 10: 3.

[6] St. Ambrose: Of the Holy Spirit 2, 129.

[7] حياة الصلاة طبعة 2 ص 722.

[8] مز 33: 3، 40: 3، 96: 1، 149: 1.

[9] Tert: On the Resurrection of the flesh 26.

[10] ميامر الميلاد للقديس مار اأفرآم ص 41.

تفسير سفر الرؤيا 5 الأصحاح الخامس – القمص تادرس يعقوب ملطي

Exit mobile version