الله والأبدية – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد
الله والأبدية – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد
الطريق الأرثوذكسي للأسقف كاليستوس وير
الفصل السابع (خاتمة)
الله والأبدية
” أذكرنى يارب متى جئت فى ملكوتك ” (لو42:23)
” بالنسبة للنفوس التي تحب الله، وبالنسبة لكل المسيحيين الحقيقيين، سيأتى أول الشهور ـ شهر نيسان ـ وهو يوم القيامة ” (عظات القديس مقاريوس)
حينما اقترب الأنبا زكريا من لحظة الوفاة، سأله الأنبا موسى ” ماذا ترى ؟ ” فأجابه الأنبا زكريا ” أليس من الأفضل أيها الأب أن يُقال لا شئ ” فقال الأنبا موسى ” نعم يا ابنى، إنه من الأفضل أن نقول: لا شئ ”
(من أقوال آباء البرية)
” الكلام هو أداة العالم الحاضر. والصمت هو سر العالم الآتى ”
(مار اسحق السريانى)
النهاية تقترب:
” وننتظر قيامة الأموات وحياة الدهر الآتى “.
قانون الإيمان فى اتجاهه إلى المستقبل ينتهي بعبارة فيها انتظار وتوقع. ولكن رغم أن حياة الدهر الآتى، هي التي ينبغى أن تشد انتباهنا على الدوام أثناء حياتنا على الأرض، إلاّ انه ليس ممكنًا لدينا أن نتكلم بأى تفاصيل عن حقائق الدهر الآتى. يقول القديس يوحنا الرسول: ” أيها الأحباء، الآن نحن أولاد الله ولا نعلم بعد ماذا سنكون” (1يو2:3). نحن نملك الآن ونحن هنا على الأرض عن طريق إيماننا بالمسيح، علاقة حية شخصية مع الله، ونحن نعرف ـ ليس كنظرية أو افتراض ـ بل نعرف كحقيقة اختبارية حاضرة، أن هذه العلاقة تحوى فى داخلها منذ الآن ـ بذور الأبدية. ولكننا لا نعرف ماذا يعنى أن نعيش ليس فى تتابع الزمن بل أن نعيش فى الحاضر، ” الحاضر الأبدى ” ـ أى ليس تحت أحوال السقوط بل فى “عالم يكون الله فيه الكل فى الكل” ـ عن هذا نحن نعرف فقط لمحات قليلة ولا نملك مفهومًا واضحًا؛ ولذلك يجب أن نتحدث بحذر فى هذا الأمر، ونعرف أننا هنا فى حاجة إلى الصمت.
ومع ذلك، فهناك على الأقل ثلاث أمور ينبغى أن نؤكد عليها بدون أى غموض، وهي: أن المسيح سيأتى ثانية فى مجدٍ عظيم؛ وأنه عندما مجيئه ستتم القيامة من الأموات والدينونة؛ وأنه ” ليس لملكه نهاية ” (لو33:1).
فأولاً: يتحدث إلينا الكتاب المقدس والتقليد المقدس مرات عديدة عن المجيء الثانى. والكتاب والتقليد لا يعطياننا أى أساس للافتراض بأنه ـ عن طريق تقدم مستمر فى “الحضارة” فإن العالم سيصير أفضل فأفضل بالتدريج إلى أن ينجح الجنس البشرى فى تأسيس مملكة الله على الأرض. إن الرؤية المسيحية لتاريخ العالم تتعارض تمامًا مع هذا النوع من التفاؤل المبنى على التطور.
ولكن الكتاب يعلمنا أن نتوقع كوارث فى عالم الطبيعة، وحروب متزايدة بين الشعوب، وارتباك وارتداد بين أولئك الذين يدعون أنفسهم مسيحيين (أنظر خاصة مت3:24ـ27). وهذه الفترة من الضيق تصل إلى ذروتها بظهور إنسان الخطية (2تس3:2ـ4) أى ضد المسيح، الذي بحسب التفسير التقليدى للكنيسة الأرثوذكسية، ليس هو الشيطان نفسه بل هو إنسان ـ إنسان تتركز فيه كل قوى الشر، والذي سوف يخضع العالم كل تحت سيطرته لفترة من الزمن. والفترة القصيرة التي يسيطر فيها ضد المسيح سوف تنتهي فجأة بمجيء الرب ثانية ـ ليس بطريقة خفية كما حدث وقت ولادته فى بيت لحم، بل ” جالسًا عن يمين القوة وآتيًا على سحاب السماء” (مت64:26). وهكذا فإن مسيرة التاريخ سوف تنتهي بطريقة فجائية وحاسمة، عن طريق التدخل الإلهي المباشر.
ميعاد المجيء الثانى أخفاه الله عنا، كما يقول الإنجيل: ” ليس لكم أن تعرفوا الأزمنة والأوقات التي جعلها الآب فى سلطانه” (أع7:1). سيأتى الرب ” كلص فى الليل” (1تس2:5). وهذا يعنى أننا يجب أن نتحاشى التفكير فى تحديد ميعاد مجيء الرب، كما أننا يجب من الناحية الأخرى أن نكون دائمًا على استعداد وفى حالة توقع للمجيء. ” ما أقوله لكم أقوله للجميع، اسهروا ” (مر37:13). لأنه سواء أتت النهاية متأخرة أو مبكرة بحسب مقاييسنا البشرية ـ فهي دائمة قريبة ـ دائمًا قريبة منا روحيًا. ينبغى أن يكون لنا فى قلوبنا دائمًا إحساس التوقع الملح. وبكلمات القديس أندراوس الكريتى، التي تُصلى فى الصوم الكبير:
“ نفسى، يا نفسى، قومى! لماذا أنت نائمة ؟
النهاية تقترب، وحالاً سيعتريك الاضطراب.
أسهرى إذن، حتى يحفظك المسيح إلهك،
فهو حاضر فى كل مكان ويملأ كل الأشياء “.
ثانيًا: الربيع الآتى:
نحن كمسيحيين لا نؤمن فقط بخلود النفس بل أيضًا بقيامة الجسد.. وبحسب أمر الله فى خلقتنا الأولى، فإن النفس والجسد يعتمد كل منهما على الآخر ولا يمكن لأحدهما أن يوجد بدون الآخر. وكنتيجة للسقوط يحدث الانفصال بينهما فى الموت الجسدى، ولكن هذا الانفصال ليس نهائيًا وليس دائمًا. فعند مجيء المسيح ثانية، سوف نُقام من الأموات بالنفس والجسد معًا، وهكذا بعودة النفس والجسد متحدين، سوف نظهر أمام الرب للدينونة الأخيرة.
إن الدينونة، كما يؤكد إنجيل القديس يوحنا تتم باستمرار طوال فترة وجودنا على الأرض. فكلما اخترنا الخير والصلاح ـ سواء بوعى أو بغير وعى ـ فإننا ندخل مسبقًا منذ الآن إلى الحياة الأبدية، وحينما نختار الشر فإننا ننال من الآن تذوقًا مسبقًا للجحيم. من الأفضل أن نفهم الدينونة الأخيرة على أنها ” لحظة الحق”، حينما ينكشف كل شئ فى النور، حينما تصير كل اختياراتنا مكشوفة لنا بكل ما تتضمنه من نتائج، وحينما نعرف بوضوح كامل من نحن وماذا كان المعنى العميق لحياتنا وما هو هدفها. وهكذا، فبعد هذا التوضيح الكامل ـ فإننا سندخل بالنفس والجسد متحدين معًا ـ إما إلى السماء أو إلى جهنم، أى إما إلى الحياة الأبدية أو الموت الأبدى.
المسيح هو الديان؛ ومع ذلك ـ فمن وجهة نظر أخرى، فإننا نحن الذين ننطق بالحكم على أنفسنا. فإن ذهب أحد إلى جهنم، فذلك ليس لأن الله قد حبسه هناك، ولكن لأنه هو الذي اختار لنفسه أن يكون هناك. الهالكون فى جهنم هم الذين حكموا على أنفسهم بذلك، وهم الذين جعلوا أنفسهم عبيدًا؛ لقد قيل بصواب أن أبواب جهنم هي مغلقة من الداخل.
ربما يتساءل البعض، كيف يمكن أن يقبل إله المحبة أن يبقى ولو واحد فقط من خلائقه فى جهنم إلى الأبد ؟ يوجد هنا سر، لا نستطيع أن نفحصه من وجهة نظرنا فى هذه الحياة الحاضرة. وأفضل ما يمكن أن نفعله هو أن نمسك بحقيقتين فى توازن معًا، ورغم أنهما مختلفتان لكنهما غير متناقضتين. الحقيقة الأولى، هي أن الله قد أعطى حرية الإرادة للإنسان، ولذلك، فإنه فى إمكان الإنسان أن يرفض الله بصفة دائمة. ثانيًا: المحبة تعنى الرحمة والشفقة والمشاركة، وهكذا إن كان هناك من يوجدون فى جهنم إلى الأبد، فبمعنى من المعانى، أن الله موجود معهم هناك أيضًا. كما نقرأ فى المزامير ” إن نزلت إلى الجحيم، فأنت هناك أيضًا ” (مز7:139س). ويقول مار اسحق السريانى “من الخطأ أن نتصور أن الخطاة فى الجحيم محرومين تمامًا من محبة الله لهم”. فالحب الإلهي موجود فى كل مكان، ولا يرفض أحدًا. ولكننا نحن من جانبنا أحرار فى أن نرفض الحب الإلهي. ولا يمكن أن نفعل هذا دون أن نسبب ألمًا لأنفسنا وكلما كان رفضنا للحب نهائيًا كلما كانت آلامنا مُرة جدًا.
تقول عظات القديس مقاريوس: ” فى القيامة تقوم كل أعضاء الجسد، ولا تهلك حتى شعرة واحدة ” (لو18:21). وفى نفس الوقت يُسمى جسد القيامة “جسمًا روحانيًا” (انظر 1كو35:15ـ46). هذا لا يعنى أن أجسادنا فى القيامة لا يكون لها قوام مادى، بل ينبغى أن نتذكر أن المادة كما نعرفها فى هذا العالم الساقط، بكل جمودها وعتامتها، ليست كالمادة التي قصدها الله أن تكون بالمرة. وجسد القيامة، عندما يتحرر من كثافة الجسد الساقط فإنه سيشترك فى خصائص جسد المسيح وقت التجلى وبعد قيامته. ورغم أن جسدنا فى القيامة سيتغير، فإنه سيظل يمكن التعرف عليه على أنه هو نفس الجسد الذي لنا الآن. إذ سيكون هناك استمرار بين الاثنين.
وكما يقول القديس كيرلس الأورشليمى:
[ إنه هو نفس الجسد الذي سيُقام، رغم أنه لن يكون فى نفس حالة الضعف الحاضرة لأنه ” سيلبس عدم فساد ” (1كو53:15)، وهكذا فإنه سيتغير. إنه لن يحتاج إلى الأطعمة التي نأكلها الآن لحفظ جسدنا حيًا، ولن يحتاج إلى سلم ليصعد عليه، لأنه سوف يصير روحانيًا، وسيصير جسدًا عجيبًا حتى إننا لا نستطيع أن نصفه بطريقة صحيحة ].
ويقول القديس إيريناوس:
[ إن تركيب الخليقة ومادتها لن يتلاشيا، بل إن ” هيئة هذا العالم هي التي ستزول ” (1كو31:7) ـ أى الظروف والأحوال التي نتجت عن السقوط، وحينما تزول الهيئة الخارجية فإن الإنسان سيتجدد وسوف يزدهر فى بداية حياة لا تفنى، حتى انه ليس من الممكن فيما بعد أن يشيخ الإنسان. ستكون هناك ” سماء جديدة وأرض جديدة” (رؤ1:21). وفى هذه السماء الجديدة والأرض الجديدة سوف يسكن الإنسان، ويكون جديدًا إلى الأبد، وفى حديث مع الله إلى الأبد ].
” سماء جديدة وأرض جديدة“: فالإنسان لا يخلص من جسده، بل يخلص فى جسده، لا يخلص من العالم المادى بل يخلص معه. ولأن الإنسان هو كون صغير وهو وسيط للخليقة، لذلك فإن خلاصه يقتضى مصالحة وتجلى كل الخليقة الحية وغير الحية التي تحيط به، أى يقتضى عتقها “من عبودية الفساد” ودخولها إلى ” حرية مجد أولاد الله” (رو21:8). أى أن كل الخليقة المادية بكل أنواعها ومفرداتها ستشترك فى الإنسان أو عن طريق الإنسان فى مجد أولاد الله وتتمجد معهم أى تشترك كلها فى الخلود.
ثالثًا: رحلة إلى اللانهاية:
ملكوت القيامة هذا، الذي سوف نسكن فيه ـ برحمة الله ـ ونفسنا وجسدنا متحدة معًا، هو ملكوت ” ليس له نهاية “. إن أبدية هذا الملكوت ولا نهائيته يفوقان حدود تصورنا الساقط، ولكن على أى حال نحن متأكدون من أمرين:
الأمر الأول هو أن الكمال ليس له شكل واحد بل له صور عديدة. والأمر الثانى هو أن الكمال ليس حالة راكدة بل هو ديناميكى متحرك.
فأولاً، إن الأبدية تعنى تنوعًا لا يمكن حصره.
فإن كان صحيحًا بحسب اختبارنا فى هذه الحياة أن القداسة ليست أمرًا رتيبًا بل هي متنوعة فى أشكالها، فهذا يجب أن يكون صحيحًا أيضًا ـ وبدرجة أعلى جدًا ـ فى الحياة الآتية. إن الله يعدنا قائلاً: ” من يغلب فأعطيه حصاة بيضاء، وعلى الحصاة اسم جديد، لا يعرفه أحد غير الذي يأخذ ” (رؤ17:2). وحتى فى الدهر الآتى، فإن المعنى الداخلى لشخصيتى الفريدة سوف يستمر سرًا بين الله وبينى إلى الأبد. فى ملكوت الله، كل شخص منا هو واحد مع آخرين، ومع ذلك فكل شخص هو متميز بذاته، وهو يحمل نفس السمات التي كانت له فى هذه الحياة، إلاّ أن هذه السمات تُشفى وتتجدد وتتمجد فى الدهر الآتى. وبكلمات الأنبا إشعياء الأسقيطى:
[ الرب يمنح رحمته لكل واحد بحسب أعماله ـ فللعظيم حسب عظمته وللصغير حسب صغره، لأنه قال ” فى بيت أبى منازل كثيرة ” (يو2:14) فرغم أن الملكوت واحد، فإن كل واحد منا يجد فى هذا الملكوت الواحد، مكانه الخاص وعمله الخاص ].
ثانيًا: إن الأبدية تعنى نموًا وتقدمًا بلا نهاية، أى تقدمًا لا يتوقف أبدًا. وكما قال J.R.R. Tolkien ” تولكين ” [ الطرق تمضى وتمضى بلا نهاية ]. وهذا يصدق على الطريق الروحى، ليس فى الحياة الحاضرة فقط، بل أيضًا فى الدهر الآتى. نحن نتحرك دائمًا إلى الأمام. فاتجاهنا هو إلى قدام وليس إلى خلف. الدهر الآتى هو ليس مجرد عودة إلى البداية، ليس مجرد استعادة لحالة الكمال الأصلية التي كانت فى الفردوس، بل هو تقدم جديد. ستكون هناك سماء جديدة وأرض جديدة، والأمور الأخيرة ستكون أعظم من الأولى.
يقول ” نيومان “: [ هنا على الأرض، أن تحيا يعنى أن تتغير، وأن تصير كاملاً يعنى أن تتغير كثيرًا ]. ولكن هل هذا هو الحال هنا فقط ؟ إن القديس غريغوريوس النيسى كان يعتقد أنه حتى فى السماء فإن الكمال هو نمو وتقدم. وفى تضاد لطيف يقول إن جوهر الكمال يكمن بالضبط فى أن الإنسان لا يصير كاملاً أبدًا بل هو دائمًا يتقدم إلى الأمام إلى درجة أعلى من الكمال الذي سبق أن وصل إليه. ولأن الله لا نهائى، فهذا ” التقدم إلى الأمام يكون بلا حدود. النفس تمتلك الله ومع ذلك تسعى إليه وتطلبه، هي تمتلئ بالفرح، ومع ذلك فإن فرحها ينمو ويزدادًا بأكثر قوة على الدوام. الله يقترب منا دائمًا أكثر فأكثر، ومع ذلك يظل دائمًا هو الآخر، نحن نراه وجهًا لوجه ومع ذلك نستمر فى التقدم أكثر فأكثر داخل السر الإلهي. ورغم أننا لم نعد غرباء بعد، إلاّ أننا نستمر حجاج مسافرين على الطريق. نحن نذهب “من مجد إلى مجد” (2كو18:3)، وبعد ذلك إلى مجد أعظم. ولن نصل ـ فى كل الأبدية ـ إلى نقطة نكون فيها قد تممّنا كل ما يمكن أن يتم أو نكون قد اكتشفنا كل ما يمكن أن يُعرف هناك. يقول القديس إيريناوس [ ليس فى العالم الحاضر فقط بل فى الدهر الآتى أيضًا، فإن الله سيكون عنده شئ أكثر يعلمه للإنسان، والإنسان سيكون محتاجًا دائمًا أن يتعلم من الله شيئًا أكثر].
الله والأبدية – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد
الله والصلاة – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد
الله والصلاة – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد
الطريق الأرثوذكسي للأسقف كاليستوس وير
الفصل السادس
الله والصلاة
” لا أنا بل المسيح فىَّ ” (غلا20:2)
” لا توجد حياة بدون صلاة. بدون صلاة يوجد فقط جنون ورعب. موهبة الصلاة هي روح الأرثوذكسية ” (فاسيلى روزانوف)
” سأل الاخوة الأنبا أغاثون: يا أبانا ما هي الفضيلة التي تحتاج إلى أعظم جهاد بين كل أنشطتنا المتنوعة؟. فأجاب: اغفروا لى فإنى اعتقد أنه لا يوجد جهاد أعظم من الصلاة لله. ففى كل مرة يريد الإنسان أن يصلى، يحاول أعداؤه أن يمنعوه، لأنهم يعرفون أنه لا يوجد شئ يعوقهم اكثر من الصلاة لله. ففى كل أمر يقوم به الإنسان، فإنه إذا ثابر سيصل إلى الراحة. ولكن لكى يصلى الإنسان فإنه ينبغى ان يصارع إلى النفس الأخير ”
(من أقوال آباء البرية)
ثلاث مراحل على الطريق:
بعد سيامتى كاهنًا، سألت أسقفًا يونانيًا أن يعطنى نصيحة فى تقديم العظات. فكان إجابته محددة ومختصرة، إذ قال: ” كل عظة يجب أن تحتوى على ثلاث نقاط لا أكثر ولا أقل “.
وكذلك، فإنه قد جرت العادة أن نقسّم الطريق الروحى إلى ثلاث مراحل. وعند القديس ديونيسيوس الأريوباغى هذه المراحل هي: التطهير، والاستنارة، والاتحاد. وهذا التقسيم صار هو المتبع عادة فى الغرب. والقديس غريغوريوس النيسى، إذ يتخذ حياة موسى نموذجًا، فإنه يتحدث عن مراحل النور، السحاب، والظلام. ولكننا فى هذا الفصل سوف نتبع التقسيم الثلاثى الذي وضعه أوريجينوس ثم طوره مكسيموس المعترف. المرحلة الأولى: هي مرحلة العمل والممارسة أى ممارسة الفضائل؛ والمرحلة الثانية هي مرحلة الطبيعة، أى التأمل فى الطبيعة؛ والمرحلة الثالثة والأخيرة هي الثيؤولوجيا أى المرحلة اللاهوتية بالمعنى الدقيق للكلمة، أى تأمل الله ذاته.
المرحلة الأولى: ممارسة الفضائل، تبدأ بالتوبة. فالمسيحى المُعمّد، بإنصاته إلى ضميره وباستخدام إرادته الحرة يجاهد بمعونة الله ليفلت من تأثير النزوات الشهوانية. وبتتميمه للوصايا، ونموه فى التمييز بين الصواب والخطأ وبتنمية إحساسه “بما يجب”، فإنه يصل تدريجيًا إلى نقاوة القلب؛ ونقاوة القلب هذه هي التي تشكل الغاية النهائية للمرحلة الأولى.
فى المرحلة الثانية، مرحلة تأمل الطبيعة، يشحذ المسيحى إحساسه بوجود الأشياء المخلوقة ويزيد من حدة إحساسه بمخلوقيتها، وهكذا يكتشف الخالق حاضرًا فى كل الأشياء المخلوقة. وهذا يقود إلى المرحلة الثالثة، مرحلة رؤية الله المباشرة، الذي ليس هو فقط موجود فى كل الأشياء بل هو فوق كل الأشياء ووراء كل الأشياء. فى هذه المرحلة الثالثة، لا يعود المسيحى يختبر الله فقط من خلال ضميره أو من خلال الأشياء المخلوقة، بل هو يلتقى بالخالق وجهًا لوجه فى اتحاد حب بدون وسيط. إن الرؤية الكاملة للمجد الإلهي هي محفوظة للدهر الآتى، ومع ذلك، فحتى فى هذه الحياة الحاضرة، فإن القديسين يتمتعون بالعربون الأكيد وبباكورة الحصاد الآتى.
المرحلة الأولى يُطلق عليها عادة وصف “حياة العمل”، بينما المرحلتين الثانية والثالثة تُجمعان معًا تحت وصف واحد وتسميان “حياة التأمل”. وحينما يستخدم الكُتّاب الأرثوذكس هذه العبارات فهم عادة يشيرون إلى الحالات الروحية الداخلية وليس إلى الحالات الخارجية. فليس الخادم الاجتماعى أو الكارز فقط هو الذي يتبع “حياة العمل”، بل أن الناسك أو المتوحد يتبع أيضًا “حياة العمل” وذلك إن كان هو أو هي (الناسك أو الناسكة) لا يزال يصارع ليتغلب على الشهوات ولكى ينمو فى الفضيلة.
وبنفس الطريقة فإن “حياة التأمل” ليست مقصورة على الصحراء أو صومعة الراهب: فالعامل فى المنجم، والكاتب على الآلة الكاتبة أو ربة البيت يمكن أن يكون عندهم هدوء داخلى ويمارسون صلاة القلب، وبذلك يمكن أن يكونوا بمعنى حقيقى من الذين يحيون “حياة التأمل”. وفى كتاب “أقوال آباء البرية” نجد هذه القصة عن القديس أنطونيوس أعظم المتوحدين: ” أُعلن للأنبا أنطونيوس وهو فى البرية: أنه يوجد فى المدينة إنسان معادل لك، ومهنته طبيب. وكل ما يوفره يعطيه للمحتاجين، وطول اليوم يرتل تسبحة الثلاثة تقديسات مع الملائكة “.
إن صورة المراحل الثلاثة للرحلة، رغم أنها مفيدة، إلاّ أنها لا ينبغى أن تؤخذ حرفيًا. الصلاة هي علاقة حية بين شخصين، والعلاقات الشخصية لا يمكن أن تُقسّم تقسيمًا دقيقًا. وينبغى التأكيد، بوجه خاص على أن المراحل الثلاث لا تتبع إحداها الأخرى بدقة بحيث تنتهي مرحلة قبل أن تبدأ المرحلة التي تليها.. فأحيانًا يمنح الله لمحات من المجد الإلهي لشخص كعطية غير متوقعة، قبل أن يكون هذا الشخص قد بدأ أن يتوب وقبل أن يسلم نفسه لجهاد “حياة العمل”. وبالعكس، فمهما كان الإنسان قد دخل بعمق ـ بمعونة الله ـ إلى أسرار التأمل، فما دام يحيا على الأرض ينبغى أن يواصل الجهاد ضد التجارب. وحتى آخر حياته على الأرض هو لا يزال يتعلم التوبة.. يقول القديس أنطونيوس: ” ينبغى أن يتوقع الإنسان مجيء المحاربات عليه، حتى آخر نسمة فى حياته”. وفى موضع آخر من ” أقوال آباء البرية ” يوجد وصف لموت أنبا صصوى، أحد أقدس وأحب الشيوخ: كان الاخوة الواقفون حول فراشه يرون شفتيه تتحركان. فسألوه: من هو الذي تكلمه يا أبانا ؟ فأجاب “جاء الملائكة ليأخذونى وأنا أسالهم أن يعطونى وقتًا أكثر ـ وقتًا أكثر للتوبة ” فقال له تلاميذه ” أنت لا تحتاج إلى توبة “، فأجاب الشيخ ” فى الحقيقة، أنا لست متأكدًا إن كنت قد بدأت التوبة أم لا “، وهكذا تنتهي حياته. هو فى نظر تلاميذه الروحيين إنسان كامل، ولكن فى نظر نفسه هو لا يزال فى البداية.
إذن، لا يستطيع أحد، وهو لا يزال فى هذه الحياة أن يدّعى أنه قد اجتاز أكثر من المرحلة الأولى. المراحل الثلاث ليست متتابعة بل هي متداخلة معًا. وعلينا أن نفكر فى الحياة الروحية على أنها من ثلاث مراحل بمعنى ثلاث مستويات. وتعتمد على بعضها بعضًا، وموجودة معًا فى وقت واحد.
ثلاث افتراضات:
قبل أن نمتد أكثر فى الكلام عن هذه المراحل والمستويات، أرى أنه من الحكمة أن نوضح ثلاث عناصر لا غنى عنها، يُفترض أن تكون موجودة فى كل نقطة على الطريق الروحى.
أولاً: يُفترض أن يكون المسافر على “الطريق” هو “عضو فى الكنيسة”. فالرحلة تتم فى زمالة مع الآخرين، وليست على انفراد. فالتقليد الأرثوذكسى يدرك إدراكًا قويًا الطبيعة الكنسية لكل حياة مسيحية حقيقية. فلنأخذ اقتباسًا من ألكسى خومياكوف: ” لا أحد يخلص بمفرده. الذي يخلص إنما يخلص فى الكنيسة، كعضو فيها، وبالاتحاد مع كل أعضائها الآخرين. فإن كان أحدًا يؤمن، فإنه يصير فى شركة (جماعة) الإيمان، إن أحب، فهو فى شركة الحب، وإن صلى فهو فى شركة الصلاة”.
ويقول الأب ألكسندر إلشانينوف: “الجهل والخطية هي سمات الأفراد المنعزلين بأنفسهم. وفى وحدة الكنيسة فقط نجد أن هذه العيوب يتم التغلب عليها. الإنسان يجد نفسه الحقيقية فى الكنيسة وحدها: هو لا يجدها فى عجز الانعزال الروحى بل يجدها فى القوة التي يحصل عليها من شركته مع اخوته ومع مخلصه”.
صحيح طبعًا أنه يوجد بعض الناس الذين يرفضون المسيح وكنيسته بعقلهم الواعى، أو ربما لم يسمعوا عنه بالمرة؛ ومع ذلك ـ هؤلاء الأشخاص الذين لا يعرفون أنفسهم ـ هم عبيد حقيقيون للرب الواحد فى عمق قلبهم وفى الاتجاه الضمنى الخفى لكل حياتهم.
الله يستطيع أن يخلص أولئك الذين لم ينتموا أبدًا لكنيسته فى هذه الحياة. ولكن إذا نظرنا للأمر من ناحيتنا نحن، هذا لا يجعلنا أن نقول: “الكنيسة ليست ضرورية بالنسبة لى”. لا يوجد فى المسيحية ما يُسمى “بنخبة روحية” غير ملزمة بضرورات العضوية العادية للكنيسة. فالمتوحد فى الصحراء هو عضو فى الكنيسة تمامًا مثل الحِرَفى فى المدينة. فالطريق النُسكى السرى (الصوفى)، رغم أنه من ناحية معينه هو “انطلاق الوحيد إلى الوحيد” إلاّ انه فى نفس الوقت هو أساسًا هو طريق اجتماعى وطريق شركة. المسيحى هو الشخص الذي له اخوة وأخوات. هو ينتمى إلى عائلة ـ عائلة الكنيسة.
ثانيًا: الطريق الروحى يفترض ليس فقط الحياة فى الكنيسة، بل يفترض أيضًا “الحياة فى الأسرار”. وكما يؤكد نيقولا كاباسيلاس بشدة؛ فإن الأسرار هي التي تكوّن حياتنا فى المسيح. وهنا أيضًا لا يوجد مكان “للنخبة المتميزة“. فلا ينبغى أن نتصور أنه يوجد طريق “للمسيحى العادى” ـ طريق العبادة الجماعية التي تجتمع حول الأسرار ـ وطريق آخر لقلة مختارة مدعوة للصلاة الداخلية. بالعكس ـ هناك طريق واحد فقط؛ فطريق الأسرار وطريق الصلاة الداخلية ليسا بديلين (أحدهما عكس الآخر)، بل هما يشكلاّن وحدة واحدة. لا يمكن لأحد أن يكون مسيحيًا حقًا إن كان ينظر إلى الأسرار كطقس ميكانيكى. فالناسك فى الصحراء ربما يتناول من الأسرار مرات أقل من المسيحى فى المدينة، ولكن هذا لا يعنى أن الأسرار أقل أهمية بالنسبة للناسك، بل يعنى أن نظام حياته السرائرية مختلف. إن الله يستطيع أن يخلّص الذين لم تكن لهم الفرصة أن يعتمدوا ولكن حتى إن كان الله غير مقيد بالأسرار، فنحن مقيدون بالأسرار.
وقد سبق أن لاحظنا مع القديس مرقس الناسك (فى الفصل السابق ص126)، كيف أن كل الحياة النسكية والتصوفية هي متضمنة فى سر المعمودية: فمهما تقدم الإنسان فى الطريق، فإن كل ما يكتشفه ليس سوى كشف وإظهار للنعمة التي نالها فى المعمودية. ونفس الشىء يمكن أن يُقال عن التناول من الأسرار المقدسة: فكل حياتنا النسكية والروحية هي تعميق وتحقيق لاتحادنا الإفخارستى مع المسيح المخلص. فى الكنيسة الأرثوذكسية يُعطى التناول للأطفال ابتداءً من لحظة معموديتهم فصاعدًا. وهذا معناه أن أولى ذكريات الطفولة التي تتكوّن عند المسيحى الأرثوذكسى تكون مرتبطة بمجيئه لتناول جسد المسيح ودمه؛ كما أنه يأمل أن يكون آخر عمل فى حياته؛ هو أن يتناول هذه الأسرار المقدسة. وهكذا فإن اختباره للتناول من الأسرار يمتد ليملأ كل مجال حياته الواعية. إنه من خلال الشركة فى الأسرار ـ فوق كل شئ ـ يصير المسيحى “واحدًا مع المسيح”، يُغرس فى الله ingodded، أو يؤله (يصير إلهيًا). إنه من خلال التناول ـ فوق كل شئ ـ ينال باكورة الأبدية. يقول مار اسحق السريانى: [ مغبوط هو الذي قد أكل خبز المحبة الذي هو يسوع”. “هو يستنشق، وهو لا يزال فى هذا العالم ـ هواء القيامة ـ الذي سيبتهج به الأبرار بعد أن يقوموا من الأموات”. يقول نيقولا كاباسيلاس: “كل البشر الذين يجاهدون يصلون إلى غايتهم النهائية هنا، لأننا فى هذا السر نبلغ إلى الله نفسه، والله نفسه يصير واحدًا معنا بأكمل صورة من صور الاتحاد الممكنة. هذا هو السر النهائى: أبعد من هذا لا يمكن الذهاب، ولا يمكن أن يضاف إليه شئ آخر ].
ثالثًا: الطريق الروحى ليس كنسيًاوسرائريًا فقط، بل هو أيضًا إنجيلى، هذا هو الافتراض الثالث بالنسبة للمسيحى الأرثوذكسى. فى كل خطوة على الطريق، نحن نلجأ لطلب الإرشاد من صوت الله الذي يكلمنا من خلال الكتاب. تخبرنا ” أقوال آباء البرية ” بأن “الشيوخ اعتادوا أن يقولوا: الله لا يطلب من المسيحيين شيئًا سوى أن يسمعوا للكتب المقدسة ويعملوا بالأمور التي تقولها الكتب”. (ولكن فى موضع آخر يؤكد نفس كتاب أقوال آباء البرية على أهمية الحصول على إرشاد من أب روحى ليساعدنا فى تتميم الكتاب باستقامة). وحينما سُئل القديس أنطونيوس: [ ما هي القوانين التي أحفظها لكى أرضى الله؟” أجاب: “حيثما ذهبت ليكن الله أمام عينيك ؛ وفى كل ما تفعل أو تقول ليكن لك شاهد من الكتب المقدسة؛ وأى مكان تسكن فيه لا تتعجل بتركه إلى موضع آخر. أحفظ هذه الثلاثة وأنت سوف تحيا “.
يكتب المطران فلاريت مطران موسكو:
“ المصدر النقى الوحيد والكافى تمامًا لتعاليم الإيمان هو كلمة الله الموحاة الموجودة فى الكتب المقدسة ]
والأسقف أغناطيوس بريانتشانينوف يعطى للمبتدئ الذي يدخل الدير هذه التوصيات، وهي توصيات تصلح بالتساوى للعلمانيين:
[ منذ أول دخوله إلى الدير ينبغى للراهب أن يكرس كل اهتمامه وانتباهه لقراءة الإنجيل المقدس. يجب أن يدرس الإنجيل بتدقيق حتى يصير حاضرًا دائمًا فى ذاكرته. وينبغى أن يكون تعليم الإنجيل حاضرًا فى ذهنه عند كل موقف أخلاقى، عند كل عمل، وعند كل فكر استمر فى دراسة الإنجيل حتى نهاية حياتك. لا تتوقف أبدًا. لا تظن أنك قد عرفته بدرجة كافية حتى لو كنت قد حفظته كله غيبًا ].
ما هو موقف الكنيسة الأرثوذكسية من الدراسة النقدية للكتاب المقدس التي جرت فى الغرب فى العصور الحديثة؟. ينبغى أن نضع فى أذهاننا أن الكتاب المقدس ليس مجرد مجموعة وثائق تاريخية، بل هو كتاب الكنيسة، ” الذي يحوى كلمة الله “. وهكذا فنحن لا نقرأ الكتاب كأفراد منعزلين، نفسره فقط على ضوء فهمنا الخاص أو على أساس النظريات الشائعة عن نقد المصادر، أو نقد النص أو غيره من نظريات النقد. نحن نقرأه كأعضاء الكنيسة، ونحن فى شركة مع كل الأعضاء الآخرين طوال الأجيال. المعيار النهائى لتفسيرنا للكتاب هو ذهن الكنيسة. وهذا يعنى أن نضع أمامنا ما هو المعنى الذي شُرح به الكتاب فى التقليد المقدس: أو بمعنى آخر كيف فهم آباء الكنيسة القديسون الكتاب المقدس، وكيف تستخدم الكنيسة الكتاب فى عبادتها الليتورجية.
وفى قراءتنا للكتاب، نحن عادة نجمع معلومات، أو نبحث فى معنى جملة غامضة، ونقارن ونحلل. ولكن هذا كله أمر ثانوى. الهدف الحقيقى لدراسة الكتاب هو أهم من ذلك بكثير. هو أن نغذى حبنا للمسيح، أن نشعل قلوبنا للدخول فى الصلاة، ولكى يزودنا الكتاب بالإرشاد فى حياتنا الشخصية.
إن دراسة الكلمات ينبغى أن تقودنا إلى حوار مباشر مع الكلمة الحى نفسه. يقول القديس تيخون من زادونسك ” كلما تقرأ الإنجيل، فالمسيح نفسه هو الذي يكلمك. وبينما أنت تقرأ، أنت تصلى وتتحدث معه “.
وبهذه الطريقة فإن الأرثوذكس يعتادون على ممارسة قراءة بطيئة متأملة واعية للكتاب، بها تقودنا دراسة الكتاب مباشرة إلى الصلاة كما يحدث فى الرهبنات البندكتية والسسترسيانية فى الغرب. ولكن الأرثوذكس ليس لديهم قواعد مفصلة أو طرق لهذه القراءات التأملية. فالتقليد الروحى الأرثوذكسى لا يستخدم الأنظمة الخاصة بالهذيذ والتأمل، التي وُضعت فى الغرب بواسطة أغناطيوس ليولا أو فرانسوا دى سال. السبب الذي يجعل الأرثوذكس يشعرون عادة أنهم لا يحتاجون لمثل هذه الأنظمة هو أن الخدمات الليتورجية التي يشتركون فيها خاصة فى الأعياد الكبرى والأصوام، هي طويلة جدًا وتحتوى على عدة نصوص من الكتاب تكرر كثيرًا. كل هذا يكفى لتغذية الخيال الروحى للمصلى، حتى أنه لا يحتاج أن يضيف أفكارًا جديدةً لتطوير رسالة الكنيسة فى خدماتها لتوضع فى فترات يومية للتأمل الرسمى المنظم.
وإذ نقترب من الكتاب بروح الصلاة، فإننا نجده دائمًا معاصرًا لنا، لا كمجرد كتابات كتبت من عصور سحيقة، بل هو رسالة موجهة مباشرة لى هنا والآن. يقول القديس مرقس الناسك: ” المتواضع فى أفكاره والمنشغل بالعمل الروحى، حينما يقرأ الكتاب المقدس، يطبق كل شئ على نفسه وليس على غيره”. والكتاب لأنه مُوحى به من الله، وموجه لكل مؤمن شخصيًا فإنه يملك قوة سرية، تنقل النعمة إلى القارئ، وتأتى به إلى نقطة اللقاء الحاسم. المعنى الحقيقى للكتاب سينكشف فقط للذين يدرسونه بذهنهم الروحى ودماغهم المفكر.
الكنيسة، الأسرار، الكتاب ـ هذه هي الافتراضات الثلاث لرحلتنا.
[ والآن لنعالج المراحل الثلاث: (1) حياة العمل أى ممارسة الفضائل، (2) تأمل الطبيعة، (3) تأمل الله ].
المرحلة الأولى: حياة العمل:
ملكوت السموات يُغضب:
كما يظهر من عنوانها، فإن حياة العمل تستلزم من ناحيتنا مجهودًا وصراعًا وبذل جهد متواصل من إرادتنا الحرة. ” ما أضيق الباب وأكرب الطريق الذي يؤدى إلى الحياة.. ليس كل من يقول يارب يارب يدخل ملكوت السماوات، بل الذي يفعل إرادة أبى الذي فى السموات ” (مت21،14:7). يلزمنا أن نُمسك بحقيقتين مكملتين لبعضهما بشكل متوازن: فبدون نعمة الله لا نستطيع أن نعمل شيئًا؛ ولكن بدون تعاوننا الإرادى فإن الله لن يعمل شيئًا. ” إرادة الإنسان شرط أساسى لأنه بدونها فإن الله لا يعمل شيئًا ” (عظات القديس مقاريوس). إن خلاصنا يتم بتلاقى عاملين، هذان العاملان غير متساويين فى قيمتهما إلاّ أنه لا يمكن الاستغناء عن أى عامل منهما، وهما: المبادرة الإلهية والاستجابة البشرية. إن ما يعمله الله هو الأكثر أهمية بدون أى وجه للمقارنة، ولكن مشاركة الإنسان هي أيضًا لازمة.
فى حالة ما قبل السقوط، فإن استجابة الإنسان للحب الإلهي تكون تلقائية تمامًا ومملوءة فرحًا. ولكن حتى فى هذا العالم الساقط فإن عنصر التلقائية يظل موجودًا، ولكن هناك حاجة أيضًا لأن نكافح بتصميم ضد العادات العميقة الجذور والميول الناتجة عن الخطية؛ سواء الخطية الأصلية أو الخطايا الشخصية. إحدى الصفات الهامة جدًا التي يحتاجها المسافر على “الطريق”، هي المثابرة والإخلاص. والاحتمال المطلوب من الشخص الذي يتسلق الجبل جسميًا، هو مطلوب بالمثل من أولئك الذين يريدون صعود جبل الله.
يجب أن يغصب الإنسان نفسه ـ أى ذاته الساقطة ـ لأن ملكوت السموات يُغصب، والغاصبون يختطفونه (أنظر متى12:11). هذا ما يكرره لنا مرشدونا فى “الطريق” ويجب أن نتذكر أنهم يقولون هذا للمسيحيين المتزوجين مثلما يقولونه للرهبان والراهبات. ” الله يطلب كل شئ من الإنسان ـ فكره، وعقله، وأعماله… هل تريد أن تخلص عند موتك؟ أذهب وأبذل نفسك؛ اذهب واتعب؛ اذهب، وأطلب وسوف تجد؛ أسهر وأقرع؛ وسوف يُفتح لك” (من أقوال آباء البرية). “الحياة الحاضرة ليست وقتًا للراحة والنوم، بل هي كفاح، هي صراع، هي سوق، هي مدرسة، هي رحلة. لذلك ينبغى أن تجهد نفسك، ولا تكن مكتئبًا وكسولاً بل كرّس نفسك للأعمال المقدسة ” (الشيخ نازارى من فالامو). ” لا شئ يحدث بدون مجهود. معونة الله دائمًا حاضرة، ودائمًا قريبة، ولكنها تُعطى فقط لأولئك الذين يسعون ويعملون، تُعطى فقط لأولئك الساعين الذين ـ بعد أن يضعوا كل قواهم تحت الامتحان، فإنهم بعد ذلك يصرخون بكل قلبهم: يارب أعنا” (الأسقف ثيوفان الناسك). “حيث لا حزن لا يوجد خلاص” (القديس سيرافيم من صاروف). “أن تستريح يساوى أن تنسحب” (تيتو كولياندر). ومع ذلك، لئلا نُصاب بالكآبة بسبب هذا التشدد، فإنهم يقولون لنا أيضًا: “حياة الإنسان كلها هي يوم واحد، وذلك بالنسبة للذين يجاهدون بحماس” (من أقوال آباء البرية).
كل هذه الكلمات عن بذل الجهد والمعاناة، ماذا تعنى عمليًا ؟ إنها تعنى أن نجدد علاقتنا مع الله كل يوم من خلال الصلاة الحية، والصلاة ـ كما يقول أنبا أغاثون ـ هي أصعب كل الأعمال. إن كنا لم نجد صعوبة فى الصلاة، فهذا ربما لأننا لم نبدأ بعد الصلاة الحقيقية. هذه الكلمات تعنى أيضًا أن نجدد كل يوم علاقتنا مع الآخرين من خلال التعاطف الوجدانى، من خلال أعمال الشفقة العملية، ومن خلال قطع مشيئتنا الذاتية. إنهم يقصدون أن نحمل صليب المسيح، ليس مرة واحدةً بإيماءة متعظمة مفردة، بل أن نحمله كل يوم من جديد: ” إن أراد أحد أن يأتى ورائى فلينكر نفسه ويحمل صليبه كل يوم.. ” (لو23:9). ولكن هذا الحمل اليومى للصليب هو فى نفس الوقت اشتراك يومى فى تجلى الرب وقيامته: “ كحزانى ونحن دائمًا فرحون، كفقراء ونحن نغنى كثيرين، كأن لا شئ لنا ونحن نملك كل شئ.. كمائتين وها نحن نحيا ” (2كو10،9:6).
تغيير الذهن:
هذه هي الصفة العامة لحياة العمل. إنها تتميز فوق كل شئ بأربعة خصائص:
1 ـ التوبة 2 ـ السهر 3 ـ التمييز 4 ـ حفظ (حراسة) القلب.
فلننظر باختصار فى هذه الخصائص:
1 ـ التوبة: ” بداية الخلاص هي أن يحكم الإنسان على نفسه ” (إيفاجريوس). التوبة هي أول خطوة فى رحلتنا. الكلمة اليونانية metanoia كما سبق أن لاحظنا (أنظر الفصل الأول: الله سر ص15) تعنى أساسًا، ” تغيير الذهن “. والتوبة عندما تُفهم فهمًا صحيحًا ليست سلبية بل إيجابية. إنها تعنى، ليس العطف على الذات أو الندم، بل تعنى التغير، تعنى إعادة تركيز كل حياتنا حول الثالوث. هي أن ننظر ـ لا للوراء بأسف، بل إلى الأمام فى رجاء ـ لا إلى أسفل فنرى تقصيراتنا، بل إلى أعلا لنرى محبة الله. التوبة هي أن نرى ـ لا ما فشلنا أن نكون عليه (فيما سبق)، بل أن نرى ما يمكن أن نصير عليه الآن بالنعمة الإلهية ـ وأن نعمل على أساس ما نراه. أن نتوب هو أن نفتح أعيننا للنور.
وبهذا المعنى، فالتوبة ليست مجرد عمل مفرد، أو خطوة أولية، بل هي حالة مستمرة، هي موقف القلب والإرادة الذي نحتاج أن نجدده بلا توقف حتى نهاية الحياة. وبكلمات الأنبا إشعياء الأسقيطى: ” الله يريدنا أن نستمر فى التوبة حتى آخر نسمة “. ويقول مار اسحق السريانى: ” هذه الحياة أُعطيت لك لأجل التوبة، فلا تضيعها فى أمور أخرى “.
2 ـ السهر: أن تتوب يعنى أن تستيقظ. التوبة، أى تغيير الذهن، تقود إلى “السهر“. الكلمة اليونانية “للسهر” nepsis، تعنى حرفيًا: ” التعقل والسهر” ـ وهي عكس حالة أن يكون الإنسان فى حالة تخدير أو حالة سُكر بالخمر، وهكذا ففى إطار الحياة الروحية، هي تعنى حالة التنبه، واليقظة والتركيز وجمع الفكر. وحينما تاب الابن الضال قال الإنجيل عنه إنه “رجع إلى نفسه ” (لو17:15). فالإنسان “اليقظ الساهر” هو ذلك الإنسان الذي رجع إلى نفسه، الذي لا يحلم أحلام يقظة ـ فينساق بلا هدف تحت تأثير المؤثرات العابرة ـ بل هو الذي يملك إحساسًا واضحًا بالاتجاه والهدف الذي يتجه إليه. وتعبّر إحدى كتابات القرن الثانى (سفر الحق) عن التائب بقولها “التائب يُشبه شخصًا يستفيق من السكر، ويرجع إلى نفسه… وهو يعرف من أين يأتى وإلى أين يذهب “.
” السهر” ـ يعنى ضمن معانى أخرى ـ أن نكون حاضرين حيثما نوجدـ فى هذه النقطة المحددة من المكان، وفى هذه اللحظة المعينة من الزمان. نحن كثيرًا ما نكون مشتتين موزعين، فنعيش ـ ليس بانتباه وصحو فى الحاضر ـ بل فى حنين إلى الماضى، أو بشكوك أو تمنيات من جهة المستقبل. فبينما علينا مسئولية فى الواقع أن نخطط للمستقبل ـ لأن السهر هو عكس العجز والتواكل ـ فإننا ينبغى أن نفكر فى المستقبل فقط بقدر ما يعتمد على اللحظة الحاضرة. فالقلق على الاحتمالات البعيدة التي تقع خارج حدود مسئوليتنا المباشرة هو مجرد تضيع لطاقاتنا الروحية.
الإنسان “الساهر” إذن، ينجمع فى “الحاضر” وفى “الآن”. هو ذلك الشخص الذي يمسك ” بالوقت أى الفرصة ” kairos، الذي يمسك بلحظة الفرصة الحاسمة. ” الله يرغب أن ينتبه الناس لأمرين أساسيين: للأبدية نفسها، ولتلك النقطة من الزمن التي يسمونها “الحاضر“. لأن الحاضر هو النقطة التي فيها يتلامس الزمن مع الأبدية. ومن هذه اللحظة الحاضرة، ومنها وحدها يحصل البشر على الاختبار الذي عند الله ـ عن الحقيقة ككل، وفى هذه اللحظة وحدها تقدم للبشر الحرية والحقيقة ” (من كتابThe Screwtape Letters لـC.S. Lewis سى إس لويس). وكما يعلم Meister Eckhart مايستر إيكهارت: “ذلك الذي يبقى دائمًا فى” حاضر الآن “، فإن الله يلد ابنه فيه باستمرار “.
الإنسان ” الساهر ” هو ذلك الشحص الذي يفهم “سر اللحظة الحاضرة”، ويحاول أن يحيا بها. هو يقول لنفسه بعبارات بول أفدوكيموف: [ الساعة التي تمر بها فى الحاضر، الإنسان الذي تقابله هنا والآن، المهمة التي تنشغل بها فى هذه اللحظة ذاتها ـ هذه هي دائمًا أهم الأمور فى حياتك كلها “. وهو يأخذ لنفسه الشعار المكتوب على معطف روسكن Ruskin للأسلحة. ” اليوم، اليوم، اليوم “]. ” هناك صوت يصرخ مناديًا الإنسان حتى آخر نسمة، هذا الصوت يقول: تغيّر اليوم ” (أقوال آباء البرية).
3 ـ التمييز والإفراز: بالنمو فى السهر ومعرفة النفس، فإن المسافر على الطريق يبدأ فى اكتساب قوة التمييز أو الإفراز. وهذا التمييز يعمل كحاسة للتذوق الروحى. فكما أن حاسة التذوق الطبيعى ـ إن كانت سليمة ـ فإنها تُعرّف الإنسان إن كان الطعام متعفنًا أم صحيًا؛ هكذا أيضًا فإن التذوق الروحى، عندما ينمو وينضج بالمجهود النسكى والصلاة، فهو يجعل الإنسان قادرًا أن يميز بين الأفكار والدوافع المختلفة فى داخله. فهو يتعلم الفرق بين الخير والشر، بين ما هو غير ضرورى وما هو ملئ بالمعنى، بين الخيالات التي يوحى بها الشيطان والصور التي تنطبع فى مخيلته المبدعة من النماذج الأصلية السماوية.
4 ـ فبواسطة التمييز إذن، يبدأ الإنسان أن يلاحظ بحرص أكثر، ما هو الذي يحدث فى داخله، وهكذا فإنه يتعلم أن ” يحفظ (يحرس) القلب “، فيغلق الباب أمام تجارب العدو وإثاراته. “بكل تحفظ أحفظ قلبك” (أم23:4).
حينما يُذكر “القلب” فى الكتابات الروحية الأرثوذكسية، فينبغى أن يُفهم فى معناه الكتابى الكامل. القلب لا يعنى فقط العضو الطبيعى داخل الصدر، ولا يعنى مجرد العواطف والانفعالات، بل يعنى المركز الروحى لكيان الإنسان، الشخص الإنسانى كمخلوق على صورة الله ـ النفس بكل الأكثر عمقًا والأكثر صدقًا، الهيكل الداخلى الذي يجب الدخول إليه فقط عن طريق التضحية والموت. لذلك، فالقلب يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالذهن الروحى الذي سبق الحديث عنه (أنظر الفصل الثالث: الله خالق ص59) وأحيانًا كثيرة يُستعمل التعبيران بالتبادل بنفس المعنى. ولكن “القلب” له فى الغالب معنى أشمل من تعبير “ الذهن “.
فإن “صلاة القلب” فى التقليد الأرثوذكسى، تعنى الصلاة التي تُقدم من الشخص بكليته بما يشمل: الذهن، والعقل، والإرادة، والمشاعر، والجسد أيضًا.
أحد النواحى الأساسية فى “حفظ القلب” هو “الحرب ضد الأهواء أو الشهوات” والمقصود “بالشهوة” هنا ليس فقط الشهوة الجنسية، بل أية شهوة مضطربة أو أية رغبة شديدة تتملك النفس بعنف: كالغضب، الغيرة، الشراهة، الجشع، شهوة القوة، الكبرياء، وغير ذلك. بعض الآباء يعتبرون أن الشهوات هي شئ شرير فى ذاتها، أى، أنها أمراض داخلية غريبة عن طبيعة الإنسان الحقيقية. ولكن البعض الآخر منهم لهم وجهة نظر إيجابية أكثر، إذ يعتبرون الشهوات كمؤثرات ديناميكية موضوعة أصلاً فى الإنسان من الله، ولذلك فهي أساسًا صالحة، رغم أنها حاليًا قد شوهتها الخطية. وبناءً على هذا الرأى الثانى اللطيف، فإن هدفنا ليس أن نستأصل الشهوات بل أن نعيد توجيه طاقتها. فالغضب الشديد غير المنضبط يجب أن نحوله إلى سخط على الشر، والغيرة الحقودة نحولها إلى غيرة لأجل الحق، والشهوة الجنسية نحولها إلى حب نقى فى حرارته. إذن، فالشهوات يجب أن نطهرها لا أن نقتلها؛ أن نهذبها لا أن نستأصلها؛ أن نستعملها إيجابيًا لا سلبيًا. فنقول لأنفسنا وللآخرين: لا ” تكبت ” بل “جلّى” ” اصنع تجليًا ” (أى غيّر الشكل).
هذا المجهود لتطهير الشهوات يحتاج منا أن نتممه على مستوى النفس والجسد كليهما. فعلى مستوى النفس يتم تطهير الشهوات بواسطة الصلاة، وبالممارسة المنتظمة لسرى الاعتراف والتناول، وعن طريق القراءة اليومية فى الكتاب المقدس، وبواسطة تغذية ذهننا بأفكار صالحة، وممارسة أعمال وخدمات محبة للآخرين. أما على مستوى الجسد فالشهوات تتطهر ـ قبل كل شئ ـ بواسطة الصوم والتقشف، وبواسطة السجدات الكثيرة أثناء الصلاة. فالكنيسة الأرثوذكسية لأنها تعرف أن الإنسان ليس ملاكًا بل هو وحدة من جسد ونفس، لذلك تُصر وتؤكد على القيمة الروحية للصوم الجسدى. نحن لا نصوم بسبب وجود أى نجاسة فى عملية الأكل والشرب ذاتها. على العكس، فإن الطعام والشراب هما عطية من الله، يجب أن نتناولهما بفرح وشكر. نحن نصوم لا لأننا نحتقر العطية الإلهية، بل لكى نجعل أنفسنا تعى، أن عطية الطعام هي حقًا هبة ـ أى لكى نطهر أكلنا وشربنا، ولكى نجعلهما ـ ليس بعد إذعانًا للشراهة، بل يصيران “سر” ووسيلة للشركة مع ” الواهب“. وإذ نفهم الصوم النسكى بهذه الطريقة، فإنه يكون موجهًا ليس ضد الجسد Body بل ضد “اللحم” Flesh (أنظر الفصل الثالث: الله خالق ص59. فهدفه ليس الهدم لإضعاف الجسد، بل هدفه بنّاء خلاّق لجعل الجسد أكثر روحانية.
تطهير الشهوات يؤدى فى النهاية ـ بنعمة الله ـ إلى ما يسميه إفاجريوس apatheia “عدم الهوى”. وهو يقصد بهذا التعبير ـ ليس حالة سلبية من عدم المبالاة أو عدم الإحساس ـ أى لا نعود نشعر بأى إغراء أو تجربة ـ بل يقصد حالة إيجابية من إعادة التكامل والحرية الروحية حيث لا نعود نستسلم للتجربة. وربما يكون أفضل ترجمة لتعبير apatheia “أباثيا” هو ” نقاوة القلب”. إنها تعنى التقدم من “التزعزع” إلى “الثبات“، من الإزدواجية إلى البساطة أو إخلاص القلب، من حالة الخوف والتشكك المرتبطة بعدم النضج إلى حالة البراءة والثقة المرتبطة بالنضج. عند إفاجريوس، عدم الهوى والمحبة، مرتبطان ارتباطًا وثيقًا مثل وجهين لعملة واحدة. فإن كنت تشتهي فأنت لا تستطيع أن تحب. عدم الهوى يعنى أننا لم نعد بعد تحت سيطرة حب الذات والرغبة غير المضبوطة، وهكذا نصير قادرين على المحبة الحقيقية. الشخص “عديم الهوى”، ليس عديم الحس، بل هو ذلك الشخص الذي يشتعل قلبه بالمحبة لله، وبالمحبة للبشر الآخرين، ولكل مخلوق حى، ولكل ما خلقه الله. وكما يكتب القديس مار اسحق السريانى:
[حينما يفكر الإنسان الذي له مثل هذا القلب فى المخلوقات وينظر إليها، تمتلئ عيناه بالدموع بسبب الحنان الغامر الذي يضغط على قلبه. فقلب مثل هذا الإنسان يصير رقيقًا، ولا يستطيع أن يحتمل أن يسمع أو يرى أى أذى أو حتى أى ألم يُوجه إلى أى شئ فى الخليقة. لذلك، فهو لا يكف عن الصلاة بدموع حتى لأجل الحيوانات العجماء، ولأجل أعداء الحق ولأجل جميع الذين يسيئون إلى الحق، متوسلاً (إلى الله) أن يُحفظوا وينالوا رحمة الله. ويصلى أيضًا بحنان عظيم لأجل الزواحف، هذا الحنان الذي يزداد بلا نهاية فى قلبه، على مثال الله].
المرحلة الثانية: تأمل الطبيعة:
إلى الخالق من خلال الخليقة:
المرحلة الثانية على الطريق ذى المراحل الثلاث هي تأمل الطبيعة ـ وبدقة أكثر هي تأمل الطبيعة فى الله، أو تأمل الله فى الطبيعة ومن خلال الطبيعة. وهكذا فإن المرحلة الثانية هي تمهيد وطريق للدخول إلى المرحلة الثالثة. أى بتأمل الأشياء التي خلقها الله، فإن رجل الصلاة يأتى إلى تأمل الله نفسه. هذه المرحلة الثانية ” للتأمل الطبيعى ” كما سبق وذكرنا ـ ليست بالضرورة تالية “لمرحلة العمل” بل قد تكون معها فى نفس الوقت.
ليس هناك إمكانية لأى تأمل من أى نوع بدون “سهر” (يقظة). لأنى لا أستطيع أن أتأمل الطبيعة أو أتأمل الله بدون أن أتعلم أن أكون حاضرًا حيثما أوجد، منجمعًا معًا فى هذه اللحظة الحاضرة، فى هذا المكان الحاضر. قف، أنظر وأنصت. هذه هي البداية الأولى للتأمل. تأمل الطبيعة يبدأ حينما افتح عينى ـ حرفيًا وروحيًا ـ وأبدأ فى ملاحظة العالم المحيط بى ـ حينما أبدأ أن ألاحظ العالم الحقيقى، أى عالم الله. الإنسان المتأمل، هو ذلك الإنسان الذي يخلع نعليه، مثل موسى أمام العليقة المشتعلة(خر5:3) ـ أى أنه يعرى نفسه من الاعتياد والضجر ـ والذي يدرك بعد ذلك أن المكان الذي يقف فيه هو أرض مقدسة. أن تتأمل هو أن تصير واعيًا لأبعاد المكان المقدس الزمان المقدس. هذا الشيء المادى، هذا الشخص الذي أتحدث إليه، هذه اللحظة من الزمن ـ كل من هؤلاء، مقدس. كل منهم ـ بطريقته الخاصة ـ هو غير قابل للتكرار ولذلك فهو ذو قيمة لا نهائية، وكل منهم يمكن أن يكون نافذة تفتح على الأبدية. وعندما أصير حساسًا لعالم الله المحيط بى، فإنى أنمو أكثر أيضًا فى إدراك عالم الله فى داخلى. وإذ أبدأ أن أرى الطبيعة فى الله، فإنى أبدأ أن أرى مكانى الخاص كشخص بشرى ضمن النظام الطبيعى؛ أى أبدأ أن أفهم ما معنى أن أكون “كون صغير” ووسيط.
لقد أوضحنا فى فصول سابقة الأساس اللاهوتى لتأمل الطبيعة هذا. طاقات الله غير المخلوقة تنفذ فى كل الأشياء المخلوقة وتحفظها فى الوجود، وهكذا فإن كل الأشياء تكون تجليات يتحقق بها حضوره (أنظر الفصل الأول: الله سر تحت عنوان الجوهر والطاقات من ص30 إلى 33). ففى قلب كل شئ يوجد أساسه الداخلى أى كلمته (لوغوس logos)؛ مغروس فيه من الكلمة (اللوغوس) الخالق؛ وهكذا فإننا من خلال هذه الكلمات logoi ندخل فى شركة مع اللوغوس logos (أنظر الفصل الثانى ـ الله ثالوث ص38). الله أعلا من كل الأشياء وهو يفوق عليها كلها، ومع ذلك فهو كخالق موجود أيضًا داخل كل الأشياء ـ أى وجود الله فى كل الكون Panentheism وليس ألوهية الكون Pantheism (أنظر الفصل الثالث ـ الله خالق ص59). إذن، فأن نتأمل الطبيعة، هو بعبارة Blake (بليك)، ” أن نطهر أبواب حواسنا “، على المستويين الجسدى والروحانى، وبذلك نرى طاقات الله أو كلماته logoi فى كل شئ صنعه الله. أى نكتشف، ليس بواسطة عقلنا المنطقى أساسًا بل بالحرى بواسطة ذهننا الروحانى ـ أن العالم كله هو “عليقة كونية مشتعلة”، مملوءة بالنار الإلهية ولكنها لا تحترق.
هذا هو الأساس اللاهوتى ؛ ولكن تأمل الطبيعة يحتاج أيضًا أساسًا أخلاقيًا. فنحن لا نستطيع أن نتقدم فى المرحلة الثانية للطريقالروحى إن لم نتقدم فى المرحلة الأولى بممارسة الفضائل وتكميل الوصايا. فتأملنا الطبيعى ـ إن كان ينقصه أساس راسخ من “حياة العمل” ـ يصير مجرد إحساس جمالى أو يصير رومانسيًا خياليًا، ويخفق فى أن يرتفع إلى مستوى “السهر” أو ما هو روحانى حقيقةً. لا يمكن أن يكون هناك إحساس بالعالم فى الله بدون توبة جذرية، بدون تغيير مستمر للذهن.
تأمل الطبيعة له وجهان. الوجه الأول، أنه يعنى تقدير الـ ” هكذا ” (Thusness) أو الـ”هذا” (thisness) للأشياء على وجه التخصيص، (أى تقدير كل شئ كما هو فى ذاته (وفى وضعه كما هو موجود) وللأشخاص واللحظات. يلزمنا أن نرى كل حجر، كل ورقة شجر، كل عشب، كل ضفدعة، كل وجه بشرى كما هو حقيقة فى ذاته، فى كل التميز والكثافة التي تميز وجوده الخاص به. وكما يحذرنا النبى زكريا، فإننا لا ينبغى أن ” نزدرى بيوم الأمور الصغيرة ” (زك10:4). يقول أوليفيه كليمنت إن “التصوف الحقيقى (True Mysticism) (المستيكية الحقيقية) هو أن نكتشف ما هو غير معتاد فى ما هو معتاد “. ليس هناك شئ مخلوق يعتبر تافهًا أو يستحق الازدراء، فلأنه صنعة يد الله، فكل شئ مخلوق، له وضعه الفريد فى العالم المخلوق. الخطية وحدها هي وضيعة وتافهة، مثلها مثل معظم منتجات التكنولوجيا الساقطة الخاطئة؛ ولكن الخطية كما سبق أن لاحظنا، ليست شيئًا حقيقيًا، ومنتجات الخطية ـ رغم صلابتها الظاهرية وقوتها المدمرة ـ هي بالمثل أيضًا ليست حقيقية.
والوجه الثانى لتأمل الطبيعة، يعنى أننا نرى كل الأشياء، والأشخاص واللحظات كعلامات وأسرار لله. ففى رؤيتنا الروحية نحن لا نرى فقط كل شئ بارزًا بشكل حاد، متميزًا جدًا بكل بريق وجوده الخاص، بل يجب أيضًا أن نرى كل شئ شفافًا: فيجب أن نرى الخالق فى كل ـ ومن خلال كل ـ شئ مخلوق. وعندما نكتشف فرادة كل شئ، فنحن نكتشف أيضًا كيف أن كل شئ يشير إلى من هو أبعد من ذاته ـ يشير إلى ذاك الذي صنعه. وهكذا نتعلم ـ بكلمات “هنرى سوزو” Henry Suso ـ أن نرى “الداخلى” فى “الخارجى” إذ يقول: “ذلك الذي يستطيع أن يرى ” الداخلى” فى “الخارجى”، يكون “الداخلى” بالنسبة إليه أكثر داخلية من ذاك الذي يستطيع فقط أن يرى “الداخلى” فى “الداخلى”.
هذان الوجهان لتأمل الطبيعة يشار إليها بالضبط فى قصيدة شعر “جورج هربرت George Herbert”، الإكسير The Elixir:
علمنى، يا إلهي وملكى، أن أراك فى كل الأشياء،
وما أعمله فى أى شئ، أن أعمله كأنه لأجلك.
الإنسان الذي ينظر إلى مرآة يمكن أن يبقى ناظرًا إليها،
أو إن رغب، يعبر خلالها، ويلمح السماء من بعيد.
أن تنظر إلى المرآة هو أن تدرك ” الـ هذا “، أى الحقيقة الكثيفة لكل شئ؛ أما أن تنظر “خلال” المرآة وهكذا تلمح السماء هو أن ترى حضور الله فى ذلك الشيء ووراء ذلك الشيء. هاتان الطريقتان فى النظر إلى العالم تؤكدان وتكملان إحداهما الأخرى. فالخليقة تقودنا إلى الله، والله يعيدنا مرة أخرى إلى الخليقة، إذ يعطينا الإمكانية أن ننظر إلى الطبيعة بعينى آدم فى الفردوس. لأننا عندما نرى كل الأشياء فى الله، فنحن نراها مملوءة بحيوية وإشراق لم يكن ممكنًا لها أن تملكهما بدون ذلك.
لا ينبغى أن نحصر حضور الله فى العالم فى مجال محدود من الأمور والمواقف “التقوية”، بينما نلقب كل الأشياء الأخرى بلقب “دنيوى”؛ بل ينبغى أن ننظر إلى كل الأشياء على أنها أساسًا “مقدسة”، كهبة من الله وكوسيلة للشركة معه. ولكن هذا لا يعنى أن نقبل العالم الساقط بشروره كما هو. فهذا الموقف (قبول العالم الساقط) هو الخطية التعيسة التي سقطت فيها “المسيحية الدنيوية” فى الغرب المعاصر. كل الأشياء هي فى الحقيقة مقدسة فى كيانها الحقيقى، بحسب جوهرها العميق؛ ولكن علاقتنا بخليقة الله قد تشوشت بالخطية ـ الخطية الأصلية والخطايا الشخصية ـ ونحن لن نكتشف هذه القدسية الداخلية (فى المخلوقات) بدون أن يتنقى قلبنا. بدون إنكار الذات، بدون انضباط نسكى، لا نستطيع أن نجزم بالجمال الحقيقى للعالم. ولهذا السبب، فإنه لا يمكن أن يكون هناك تأمل حقيقى أصيل بدون توبة. التأمل يعنى أن نجد الله ليس فى كل الأشياء فقط، بل نجده بالتساوى فى كل الأشخاص. حينما نوقر الأيقونات المقدسة فى الكنيسة أو فى البيت، ينبغى أن نفكر جديًا أن كل رجل وكل امرأة هو أو هي أيقونة حية لله. ” وبما أنكم فعلتموه بأحد اخوتى هؤلاء الأصاغر فبى فعلتم” (مت40:25). لكى نجد الله، نحن لا نحتاج أن نترك العالم، أن نعزل أنفسنا عن اخوتنا البشر، ونغمر أنفسنا فى نوع من الفراغ التصوفى. على العكس، فإن المسيح ينظر إلينا من خلال عيون جميع الذين نلاقيهم. فعندما يحدث أن ندرك حضوره الشامل هذا (فى كل الأشخاص)؛ فإن كل أعمال خدمتنا العملية للآخرين تصير أفعال صلاة.
إنه لأمر شائع أن يعتبر التأمل كموهبة نادرة عالية جدًا، ولاشك أنها كذلك عندما يكون التأمل فى ملئه. ومع ذلك فإن بذور الموقف التأملى موجودة فينا جميعًا. فمن هذه الساعة وهذه اللحظة يمكننى أن أبدأ بالتمشى فى العالم، مدركًا أنه عالم الله، وأن الله قريب منى فى كل شئ أراه وألمسه، فى كل إنسان ألتقى به. وحتى إن كنت أفعل هذا بشكل متقطع وغير كامل، فإنى قد وضعت قدمى فعلاً على طريق التأمل.
وأناس كثيرون من الذين يجدون صلاة السكون الخالية من كل تصور، فوق طاقتهم الحالية، والذين صارت العبارات المألوفة فى الكتاب المقدس أو فى كتب الصلاة، مملة وجافة بالنسبة لهم، هؤلاء يمكنهم أن يجددوا حياتهم الداخلية بواسطة ممارسة تأمل الطبيعة. وإذ أتعلم أن أقرأ كلمة الله فى كتاب الخليقة، وأكتشف توقيعه فى كل الأشياء، فإننى أجد حينئذٍ ـ حينما أعود لأقرأ كلمته فى الكتاب المقدس وفى كتب الصلاة ـ أن العبارات المألوفة قد صار لها معنى عميق جديد. وهكذا فإن الطبيعة والكتاب المقدس يكملان أحدهما الآخر ـ وبكلمات القديس مار افرام السريانى:
حيثما تحول عينيك، فهناك رمز الله؛
حيثما تقرأ فستجد هناك علاماته
تطلع وأنظر كيف أن الطبيعة والكتاب مرتبطان معًا…
فالتسبيح لرب الطبيعة،
والمجد لرب الكتاب.
المرحلة الثالثة: تأمل الله:
من الكلام إلى الصمت:
كلما سعى الإنسان أن يتأمل الله فى الطبيعة، بقدر ذلك يكتشف أيضًا أن الله هو فوق الطبيعة ويتجاوزها. وإذ يجد الإنسان بعض آثار قليلة لله فى كل الأشياء، يقول: ” هذا أيضًا هو أنت؛ كما أن هذا ليس هو أنت “. وهكذا فإن المرحلة الثانية للطريق الروحى تقود الإنسان ـ بمعونة الله ـ إلى المرحلة الثالثة، حينما لا يعود الله يُعرف فقط من خلال الأشياء التي خلقها، بل يُعرف بواسطة اتحاد مباشر وبدون وساطة.
الانتقال من المستوى الثانى إلى المستوى الثالث، يتحقق بأن نطبق منهج النفى السالبى (Apophatic) (أنظر الفصل الأول: الله سر ص**)، على حياة الصلاة، وهذا ما نتعلمه من معلمينا الروحيين فى التقليد الأرثوذكسى. فالكتاب المقدس والنصوص الليتورجية والطبيعة تقدم لنا عددًا لا يُحصى من الكلمات، والصور، والرموز عن الله؛ وهم يعلموننا أن نعطى لهذه الكلمات والصور والرموز كل الأهمية، وأن نمعن النظر فيها، فى صلاتنا. ولكن بما أن هذه الأمور لا يمكن أن تعبر عن الحقيقة الكاملة بخصوص الإله الحى؛ فإنهم يشجعوننا أيضًا أن نوازن هذا الجانب الإيجابى (Cataphatic) للصلاة بالمنهج السالبى النافى (Apophatic) للصلاة. وكما يقول إيفاجريوس: ” الصلاة هي تنحية الأفكار جانبًا “. وهذا طبعًا لا يجب أن يعتبر تعريفًا كاملاً للصلاة، ولكنه يشير إلى نوع الصلاة التي تقود الإنسان من المرحلة الثانية إلى المرحلة الثالثة للطريق الروحى. فالإنسان الذي يسعى فى الطريق، إذ يمتد نحو الحق الأبدى الذي يعلو على كل الكلمات والأفكار البشرية، يبتدئ أن ينتظر الله فى هدوء وسكوت، فلا يعود يتكلم عن الله أو يتكلم معه بل ينصت فقط. ” اسكتوا، وأعلموا أنى أنا هو الله ” (مز10:46).
هذا السكوت، أو السكون الداخلى يعرف فى اليونانية بـ “الـ هيزيخيا hesychia”، والذي يطلب صلاة السكون يسمى”هيزيخاست hesychast”. الـ”هيزيخيا” تعنى التركيز مع الهدوء الداخلى. ولا ينبغى أن تُفهم بمعنى سلبى على أنها: غياب الكلام وغياب النشاط الخارجى، ولكنها تعنى، بطريقة إيجابية، انفتاح القلب البشرى لمحبة الله. وغنى عن القول، إنه بالنسبة لمعظم الناس إن لم يكن لكل الناس، “فالهيزيخيا” (صلاة الهدوء) ليست حالة دائمة. فالإنسان الهيزيخى، مثلما يدخل إلى صلاة الهدوء، فإنه يستعمل أشكالاً أخرى للصلاة أيضًا، إذ يشترك فى العبادة الليتورجية الجماعية، ويقرأ الكتاب المقدس، ويتناول من الأسرار المقدسة. فالصلاة السلبية (Apophatic) والصلاة الإيجابية (Cataphatic) توجدان معًا، وكل منهما تقوى الأخرى. فالطريق السالبى والطريق الإيجابى ليسا بديلين أحدهما للآخر، بل يكمل أحدهما الآخر.
ولكن كيف نتوقف عن الكلام ونبدأ أن ننصت؟ هذا هو أصعب درس يمكن أن نتعلمه، من بين دروس الصلاة كلها. لن ينفعنا كثيرًا أن نقول لأنفسنا، “لا تفكر”، لأن منع تجول الفكر ليس أمرًا يمكن أن نصل إليه بمجرد جهد إرادى من ناحيتنا. فالذهن الذي لا يستريح أبدًا، يتطلب منا عملاً ما لكى يشبع حاجته المستمرة للنشاط. فلو أن خطتنا الروحية كانت سلبية تمامًا ـ أى إن حاولنا أن نستبعد كل تفكير شعورى دون أن نقدم لذهننا أى نشاط بديل ليقوم به ـ فمن المحتمل أن ينتهي الأمر بنا إلى أحلام يقظة غامضة. الذهن يحتاج إلى عمل ما ينشغل به، وفى نفس الوقت يمكّنه من أن يمتد ويتجاوز نفسه إلى الهدوء. وفى التقليد الهدوئى الأرثوذكسى، فإن العمل الذي يُقدم للذهن هو الترديد المستمر “لصلاة سهمية” قصيرة، وأكثرها شيوعًا هي “صلاة يسوع”: “يا ربى يسوع المسيح ابن الله، ارحمنى أنا الخاطئ”.
حينما نردد صلاةيسوع ينبغى أن نتحاشى قدر الإمكان أية صورة معينة. يقول القديس غريغوريوس النيسى: ” العريس حاضر، ولكنه غير منظور”. صلاة يسوع ليست من أشكال التأمل التخيلى فى أحداث متنوعة فى حياة المسيح. بل بينما نتحول عن الصور، نحتاج أن نركز كل انتباهنا على الكلمات أو بالأحرى فى الكلمات. صلاة يسوع ليست تعزيم (رقية) منّوم، بل هي عبارة مملوءة بالمعانى، هي استدعاء موجه إلى شخص آخر. هدف صلاة يسوع، ليس الاسترخاء بل اليقظة، ليس النوم أثناء الصحو بل الصلاة الحية. ولذلك، فإن صلاة يسوع لا يجب أن تُقال بطريقة آلية بل بقصد داخلى؛ ومع ذلك، ففى نفس الوقت، يجب أن تُنطق الكلمات بدون توتر، وبدون عنف أو تشديد زائد. فالخيط الذي يلف حول حزمتنا الروحية يجب أن يكون محكمًا، متدليًا بارتخاء؛ كما أنه لا ينبغى أن يُشد بإحكام زائد حتى يقطع أطراف الحزمة.
هناك ثلاث مستويات أو ثلاث درجات فى ترديد صلاة يسوع. فهي تبدأ “كصلاة بالشفتين“، أى صلاة شفوية. ثم تنمو وتتعمق إلى الداخل لتصير “صلاة الذهن“، أى صلاة عقلية. وأخيرًا فإن الذهن “ينزل” إلى القلب ويتحد به، وهكذا تصير الصلاة، “صلاة القلب“، أو بدقة أكثر “صلاة الذهن فى القلب“. وعند هذا المستوى فإنها تصير صلاة الشخص كله ـ فلا تكون بعد شيئًا نفكر فيه أو نقوله، بل شيئًا نكونه: لأن الهدف النهائى للطريق الروحى ليس شخصًا “يقول” صلوات من وقت لآخر، بل الهدف هو شخص يكون “هو” صلاة كل حين. أى أن صلاة يسوع تبدأ كمجموعة من “أفعال” الصلاة، أما هدفها النهائى فهو أن تؤسس فى الشخص الذي يصلى، “حالة” صلاة بلا انقطاع، والتي تستمر بلا توقف حتى أثناء ممارسة الأنشطة الأخرى.
وهكذا، فصلاة يسوع تبدأ كصلاة شفوية كأى صلاة أخرى. لكن التكرار المنتظم لنفس العبارة القصيرة يمكّن المصلى الهدوئى (الهزيخاست)، بسبب بساطة الكلمات نفسها التي يستعملها أن يتقدم متجاوزًا كل لغة وكل صورة ليدخل فى سر الله. وبهذه الطريقة، فإن صلاة يسوع، تنمو وتتطور ـ بمعونة الله ـ إلى ما يسميه الكُتّاب الغربيون بـ “صلاة الانتباه الحبى” أو “صلاة التفرس البسيط”، حيث تستريح النفس فى الله بدون التتابع المتواصل لمختلف الصور والأفكار والمشاعر. وبعد هذا توجد مرحلة أخرى، حينما تكف صلاة المصلى الهدوئى عن أن تكون نتيجة مجهوداته الخاصة، بل تصير ـ من وقت إلى آخر ـ “عاملة من ذاتها self-acting” كما يسميها الكُتّاب الأرثوذكس، أو “مسكوبة in fused” (أى موهوبة) كما يسميها الكُتاب الغربيون. وبكلمات أخرى، أنها لا تكون بعد صلاتى ” أنا “، بل تصير ـ بدرجة كبيرة أو قليلة ـ صلاة “المسيح فىَّ”.
ومع ذلك لا ينبغى أن تتصور أن هذا الانتقال من الصلاة الشفوية إلى صلاة الصمت والهدوء، أو من ” الصلاة النشطة ” إلى الصلاة ” العاملة من ذاتها ” يحدث بسرعة وسهولة. المؤلف المجهول لكتاب “سائح روسى على دروب الرب” قد وُهب حالة صلاة مستمرة ” عاملة من ذاتها ” بعد أسابيع قليلة فقط من ممارسته ” لاستدعاء اسم يسوع “، ولكن هذه حالة نادرة جدًا ولا ينبغى بأى حال أن تُعتبر أنها هي القاعدة. ويحدث أحيانًا، لبعض الذين يرددون صلاة يسوع أن تحدث لهم من وقت إلى آخر لحظات ” نشوة روحية ” بصورة غير متوقعة تُعطى لهم كهبة مجانية، وذلك حينما تتراجع كلمات الصلاة أو تختفى كلية، ويحل محلها إحساس مباشر بحضور الله ومحبته. ولكن بالنسبة للغالبية العظمى فإن هذا الاختبار يكون لمحة خاطفة فقط، وليس حالة مستمرة. وعمومًا يكون من عدم الحكمة أن يحاول الإنسان أن يتمم بوسائل مصطنعة، ما يمكن أن يحدث فقط كثمرة لفعل الله المباشر. إن أفضل طريقة، حينما ندعو الاسم القدوس (اسم يسوع)، أن نركز كل جهودنا على تلاوة الكلمات؛ وإلاّ، فإننا فى محاولتنا غير الناضجة للوصول إلى صلاة القلب التي بلا كلمات، يمكن أن ننتهي إلى أننا فى الحقيقة لا نصلى بالمرة بل نكون فقط فى حالة شبه نوم. فلنتبع نصيحة القديس يوحنا الدرجى، ” أحصر ذهنك فى كلمات الصلاة “. إن الله سوف يتمم بقية العمل، ولكن بطريقته هو وفى الوقت الذي يراه هو“.
الاتحاد بالله:
منهج النفى (apophatic)، سواء كان فى حديثنا اللاهوتى، أم فى حياة الصلاة يبدو كأنه سلبى، ولكنه فى هدفه النهائى هو إيجابى بشكل فائق. إن تنحية الأفكار والصور جانبًا يؤدى لا إلى فراغ بل إلى ملء يفوق كل ما يمكن أن يدركه العقل البشرى أو يعبر عنه.
إن منهج النفى يشبه ليس تقشير بصلة بل يشبه نحت تمثال. حينما نقشر بصلة، فنحن نزيل قشرة بعد أخرى، حتى لا تبقى فى النهاية أية بصلة بالمرة: أى أننا ننتهي إلى لا شئ بالمرة. أما النحات، فحينما يقطّع فى كتلة من الرخام فإنه يلغى بعض أجزاء (ينفى) ليصل إلى نتيجة إيجابية. هو لا يحيل كتلة الرخام إلى كومة من أجزاء عشوائية، ولكنه بواسطة ما يبدو ظاهريًا أنه عملية تحطيم فى تكسيره للرخام، فإنه ينتهي بأن يكشف لنا عن شكل واضح له معنى.
هكذا هو الأمر، على مستوى أعلى، عندما نستعمل منهج النفى apophaticism. فنحن نقول إن شيئًا ما ليس كذلك من أجل أن نقول إن شيئًا ما هو كذلك. طريق النفى يتحول إذن لكى يصير طريق التوكيد الفائق. إن تنحية الكلمات والمفهومات جانبًا، يكون كنقطة انطلاق أو منصة وثوب، نقفز منها إلى السرّ الإلهي. اللاهوت السالبى (النافى apophatic)، يؤدى فى معناه الحقيقى والكامل ليس إلى غياب بل إلى حضور، ليس إلى لاأدرية (agnosticism) أو عدم معرفة بل إلى اتحاد الحب. وهكذا فإن اللاهوت السالبى هو أكثر جدًا من تمرين كلمات مجرد، نوازن فيه التعبيرات الإيجابية بتعبيرات سالبية. هدف اللاهوت السالبى أن يأتى بنا إلى لقاء مباشر مع إله شخصى، وهو الذي يعلو بصورة لا نهائية على كل ما يمكننا أن نقوله عنه سواء كان سالبيًا أو إيجابيًا.
هذا الاتحاد بالحب، الذي يشكّل الهدف الحقيقى للمنهج السالبى، هو اتحاد بالله فى أفعاله (طاقاته) وليس اتحادًا بجوهره (أنظر الفصل الأول: الله سرـ الجوهر والطاقات ص30). وإذ نضع فى اعتبارنا ما قد قلناه سابقًا عن الثالوث والتجسد، فمن الممكن أن نميز بين ثلاثة أنواع من الاتحاد:
أولاً: يوجد بين أقانيم الثالوث الثلاثة اتحاد بحسب الجوهر: الآب والابن والروح القدس هم “واحد فى الجوهر”. أما بين الله والقديسين فلا يحدث مثل هذا الاتحاد. فرغم أن القديسين “طُعموا فى الله” (ingodded) أو “تألهوا” (deified) (أى تقدسوا) إلاّ أنهم لا يصيرون أعضاء إضافيين فى الثالوث. الله يظل هو الله، والإنسان يظل هو الإنسان. الإنسان يصير إلهًا بالنعمة وليس إلهًا بالجوهر. فالتمييز بين الخالق والمخلوق يستمر موجودًا: المحبة المتبادلة توصل بين الاثنين ولكنها لا تلغى التمييز بينهما. فمهما اقترب الله من الإنسان، يظل هو ” الآخر الكلى The Wholly Other “.
ثانيًا: يوجد بين الطبيعتين الإلهية والإنسانية للمسيح المتجسد اتحاد بحسب الأقنوم، اتحاد أقنومى أو اتحاد شخصى: فاللاهوت والناسوت فى المسيح متحدان بطريقة تامة حتى أنهما يشكلان شخصًا واحدًا أو هما يخصان شخصًا واحدًا. ومرة أخرى، فإن الاتحاد بين الله والقديسين ليس من هذا النوع. ففى الاتحاد السرى (المستيكى Mystical) بين الله والنفس، يوجد شخصان وليس شخص واحد. إنها علاقة ” أنا ـ أنت “: الأنت لا تزال “هي الأنت”، مهما اقتربت “الـ أنا ” منها. القديسون يُغمرون فى لجة الحب الإلهي، ولكنهم لا يُبتلعون. “الصيرورة فى المسيح Christification ” لا تعنى التلاشى. فى الدهر الآتى يكون الله ” الكل فى الكل ” (1كو28:15)؛ ولكن ” بطرس يظل هو بطرس، وبولس هو بولس، وفيلبس هو فيلبس. كل واحد يحتفظ بطبيعته الخاصة وبذاتيته الشخصية، ولكنهم جميعًا مملؤون بالروح ” (عظات القديس مقاريوس).
ثالثًا: إذن، حيث إن الاتحاد بين الله وبين البشر الذين خلقهم هو ليس اتحادًا حسب الجوهر ولا اتحادًا حسب الأقنوم، يبقى، ثالثًا أنه ينبغى أن يكون اتحاد حسب “الطاقة”. القديسون لا يصيرون هم الله بالجوهر ولا يصيرون شخصًا واحدًا مع الله، ولكنهم يشتركون فى طاقات الله، أى فى حياته، فى قوته، فى نعمته وفى مجده. الطاقات كما أكدنا سابقًا لا يجب أن تُشيئ (objectified) (أى لا نجعلها أشياء)، أو أن نعتبرها كأنها وسيط بين الله والإنسان، أو “شئ” أو هبة يمنحها الله لخليقته. الطاقات الإلهية هي الله نفسه ـ ولكنها ليست هي الله كما هو كائن فى ذاته، فى حياته الداخلية، بل هي الله كما يوّصل أو يعطى نفسه فى محبة متدفقة. لذلك فالذي يشترك فى طاقات الله، إنما يلتقى بالله نفسه وجهًا لوجه، بواسطة اتحاد حب مباشر وشخصى ـ على قدر إمكانية المخلوق. أن نقول إن الإنسان يشترك فى الطاقات الإلهية وليس فى جوهر الله، هو أن نقول إنه يحدث بين الله والإنسان اتحاد وليس اختلاطًا. هذا يعنى أننا نتكلم إيجابيًا عن الله ـ بأقصى طريقة حرفية ويقينية، بأن “حياته هي لى”، ولكننا فى نفس الوقت نرفض مذهب ألوهية الخليقة pantheism. نحن نؤكد قرب الله منا ولكننا فى نفس الوقت نعلن آخريته (أنه آخر تمامًا غيرنا).
الظلمة والنور:
وعند الإشارة إلى هذا ” الاتحاد حسب الطاقة “، الذي يفوق كل ما يمكن أن يتخيله الإنسان أو يصفه، فإن القديسين بحكم الضرورة قد استعملوا لغة التضاد والرمزية. لأن اللغة البشرية اعتادت أن تصور الموجودات بحسب المكان، والزمان وحتى فى هذه الحالات فإنها لا تستطيع أن تزودنا بوصف كامل. أما من جهة ما هو لا نهائى وأبدى، فإن اللغة البشرية لا تستطيع أكثر من أن تشير أو تلّمح.
” العلامتان ” أو الرمزان الرئيسيان اللذان استخدمهما الآباء هنا هما رمزًا الظلمة والنور. وطبعًا، هذا ليس معناه أن الله فى ذاته هو إما نور أو ظلمة: فنحن هنا نتحدث بالأمثلة والتشبيهات. والكُتّاب الصوفيون (Mystical) يمكن أن يُوصفوا إما بأنهم كُتّاب ” ليل” (Nocturnal) أو كُتّاب ” شمس” (Solar) بحسب الاتجاه الذي يفضلونه فى استعمال ” رمز” على آخر. فكليمنضس الأسكندرى (الذي يأخذ عن فيلو) وغريغوريوس النيسى وديونيسيوس الأريوباغى يفضلون “رمز” الظلمة؛ أما أوريجينوس وغريغوريوس اللاهوتى، وأفاغريوس، وعظات القديس مقاريوس، وسمعان اللاهوتى الجديد وغريغوريوس بالاماس فيستعملون ” رمز” النور بصفة رئيسية.
واستعمال لغة ” الظلمة ” عند الكلام عن الله جاءت أصلاً من وصف الكتاب المقدس عن موسى حينما قال إنه ” دخل إلى الضباب حيث كان الله” (خر21:20). والجدير بالملاحظة فى هذه العبارة إنه يقول لا إن الله ظلمة، بل يقول إنه يسكن فى ظلمة (ضباب): والظلمة (الضباب) لا تعنى غياب الله أو أنه غير حقيقى، بل تعنى عدم قدرة ذهننا البشرى على إدراك طبيعة الله الداخلية. فالظلمة فينا وليست فيه.
أما الأساس الأول للغة “النور” فهو عبارة القديس يوحنا الرسول: ” الله نور وليس فيه الظلمة البتة” (1يو5:1). الله أُعلن كنور ـ فوق كل شئ آخر ـ فى تجلى المسيح على جبل تابور، حينما ” أضاء وجهه كالشمس، وصارت ثيابه بيضاء كالنور“(مت2:17). هذا النور الإلهي ـ الذي رآه التلاميذ الثلاثة على الجبل ـ والذي رآه أيضًا قديسون كثيرون أثناء الصلاة ـ هو ليس شيئًا آخر سوى “ طاقات الله غير المخلوقة“. أى أن نور تابور ليس نورًا طبيعيًا مخلوقًا، كما أنه ليس نورًا عقليًا بمعنى مجازى أى ليس مجرد استنارة ذهنية. ورغم أنه نور غير مادى إلا أنه حقيقة موجودة بشكل موضوعى. فالطاقات غير المخلوقة لأنها إلهية فهي تفوق قدراتنا البشرية على الوصف؛ وهكذا عندما نسمى هذه الطاقات ” نور” فنحن بالضرورة نستخدم لغة “العلامة” والرمز. وهذا لا يعنى أن الطاقات هي نفسها مجرد رموز. فالطاقات موجودة حقًا ولكنها لا يمكن أن تُوصف بالكلمات، وعندما نشير إليها بكلمة “نور” فنحن نستعمل أقل التعبيرات التباساً، ولكن لا ينبغى أن تفسر لغتنا تفسيرًا حرفيًا.
ورغم أن النور الإلهي نور غير طبيعى إلا أنه يمكن للإنسان أن يراه بعينه الطبيعية على أن تكون حواسه قد تغيرت وتطهرت بواسطة النعمة الإلهية. فعيناه لا تنظران النور (الإلهي) بقدرات الإدراك الطبيعية بل بقوة الروح القدس العامل فى داخله.
يقول مكسيموس المعترف إن: [ الجسد يتأله (يتجلى) فى نفس الوقت مع النفس]. فالذي ينظر النور الإلهي يتغلغل فيه النور أكثر فأكثر حتى أن جسده يضئ بذلك المجد الذي يتأمله. فهو نفسه يصير نورًا. إن فلاديمير لوسكى لم يكن يتكلم بتشبيهات مجردة حينما كتب: [ نار النعمة التي تشتعل فى قلوب المسيحيين بالروح القدس تجعلهم يضيئون مثل شموع أمام ابن الله ]. وعظات القديس مقاريوس تؤكد على هذا التجلى لجسد الإنسان إذ تقول:
[ كما أن جسد الرب تمجد حينما صعد على الجبل وتغيرت هيئته إلى حالة مجد الله وإلى النور غير الموصوف، هكذا أيضًا تتمجد أجساد القديسين وتضئ كالبرق… ” المجد الذي أعطيتنى قد أعطيتهم” (يو22:17): ومثلما توقد مصابيح كثيرة من شعلة واحدة، هكذا أجساد القديسين ـ إذ هي أعضاء المسيح ـ لابد أن تكون مثل المسيح وليس شيئًا آخر.. إن طبيعتنا البشرية تتحول إلى قوة الله وتشتعل لتصير نارًا ونورًا]
توجد أمثلة عديدة لمثل هذا التجلى الجسدى فى حياة القديسين شرقًا وغربًا. حينما نزل موسى من ضباب (ظلام) سيناء، كان وجهه يضئ بلمعان شديد حتى لم يستطع أحد أن ينظر إلى وجهه وكان عليه أن يضع برقعًا على وجهه حينما يكلم الشعب (انظر خر29:34ـ35). وتخبرنا “أقوال آباء البرية” كيف أن تلميذًا نظر من خلال نافذة قلاية الأنبا أرسانيوس ورأى الشيخ ” مثل شعلة نار“. كما تخبرنا عن أنبا بامبو أن “الله مجّده حتى لم يستطع أحد أن ينظر إلى وجهه بسبب المجد الذي كان لوجهه”. وبعد حوالى1400 سنة يستعمل نيكولاس موتوفيلوف هذه الكلمات ليصف الحديث الذي جرى مع شيخه الروحانى القديس سيرافيم من ساروف إذ يقول: [ تصور فى وسط قرص الشمس. فى شدة لمعان أشعتها فى منتصف النهار أنك ترى وجه إنسان يتحدث إليك].
وعند بعض الكُتّاب فإن أفكار النور والظلمة توجد مرتبطة معًا. هنرى فوغان Henry Vaughan يتحدث عن ” ظلمة تخطف البصر” فى الله، بينما القديس ديونيسيوس يستعمل عبارة ” لمعان الضباب الإلهي”. كما يقول أيضًا: [ الضباب (الظلمة) الإلهي هو النور الذي لا يُدنى منه الذي يُقال إن الله يسكن فيه]. لا يوجد تناقض بين تعبيرات مثل هذه اللغة، لأنه بالنسبة لله فإن ” الظلمة مثل النور” (مز12:139). وكما يعبّر يعقوب بوهِم Jacob Boehm: [ الظلمة ليست هي غياب النور، بل هي الرعب الذي يأتى من النور الذي يعمى البصر]. فإن قيل إن الله يسكن فى الظلمة (الضباب)، فهذا لا يعنى أنه يوجد فى الله أى نقص أو عوز، بل إنه هو ملء المجد وملء المحبة بما يفوق إدراكنا تمامًا.
C D C D C D C D C D C D
[ الصلاة هي مقياس كل شئ: إذا كانت الصلاة سليمة يكون كل شئ سليمًا ]. (الأسقف ثيوفان الناسك)
[ اقتربوا إلى الله فيقترب إليكم” (يع8:4). علينا نحن أن نبدأ. إن خطونا خطوة واحدة نحو الرب، فهو يخطو نحونا عشر خطوات ـ هو الذي رأى الابن الضال بينما كان لا يزال بعيدًا، فتحنن وركض ووقع على عنقه وقبله]. (تيتو كولياندر)
[ كلما تقدمت النفس أكثر كلما كثر الأعداء الذين يجب عليها أن تحارب ضدهم.
طوباك، إن كانت الحرب تزداد ضراوة ضدك فى وقت الصلاة.
لا تظن أنك اقتنيت أية فضيلة قبل أن تقدم دمك فى قتالك لأجلها. يجب أن تحارب ضد الخطية حتى الموت، مقاومًا بكل قوتك.
لا تعطى لعينيك نومًا ولا لأجفانك نعاسًا حتى ساعة موتك، بل اتعب بلا انقطاع لكى تتمتع بالحياة التي لا نهاية لها ]. (إيفاغريوس البنطى)
[ سُئِلَ راهب مرة: ماذا تفعلون هنا فى الدير ؟ فأجاب: نسقط ونقوم، نسقط ونقوم ونسقط ونقوم مرة أخرى.] (تيتو كولياندر)
[ إن لم يعط الإنسان نفسه للصليب كلية، بروح التواضع وإذلال الذات؛ إن لم يطرح نفسه إلى تحت لكى تدوسه أقدام الكل ويكون محتقرًا، ويقبل الظلم والازدراء والسخرية، إن لم يحتمل كل هذه الأمور بفرح لأجل الرب، ولا يطالب بأى نوع من المكافأة البشرية أيًا كانت ـ مجد أو كرامة أو ملذات الطعام والشراب والثياب ـ فإنه لا يستطيع أن يكون مسيحيًا حقيقيًا].
(القديس مرقس الناسك)
[ إن أردت أن تكون منتصرًا، فتذوق آلام المسيح فى ذاتك لكى يختارك لتتذوق مجده. لأننا إن كنا نتألم معه فسوف نتمجد معه أيضًا. الذهن لا يمكن أن يتمجد مع يسوع إن لم يتألم الجسد مع يسوع.
طوباك إن كنت تتألم لأجل البر. انظر فإن طريق الله ـ طوال سنين وأجيال قد صار ممهدًا بواسطة الصليب والموت. الطريق إلى الله هو صليب يومى.
الصليب هو باب الأسرار ]. (مار اسحق السريانى)
[ لكى تتحرر من الأهواء ـ أى تصير عديم الهوى ـ بالمعنى الآبائى للكلمةوليس بمعناها الرواقى ـ هذا يحتاج إلى وقت وعمل شاق، فى حياة متقشفة، وصوم وسهر، وصلاة وعرق كالدم، وانسحاق، وازدراء العالم بك، والصلب، والمسامير، والحربة فى الجنب، وخل ومرارة، وأن يتخلى عنك الكل، وإهانات من أخوة أغبياء مصلوبين معنا، وتجديفات من العابرين: وبعد ذلك ـ القيامة فى الرب، القداسة الخالدة التي لعيد القيامة].
(الأب ثيئوكليتس من دير ديونيسيوس بجبل أثوس)
[ صلِ ببساطة. لا تنتظر أن تجد فى قلبك أى موهبة واضحة للصلاة. اعتبر نفسك غير مستحق لها. حينئذ ستجد السلام. استعمل جفاف وبرودة صلاتك كغذاء لتواضعك. كرر باستمرار: أنا غير مستحق، يا رب، أنا غير مستحق. ولكن قل هذا بهدوء وبدون توتر. هذه الصلاة المتضعة ستكون مقبولة عند الله.
حينما تمارس صلاة يسوع، تذكر أن أهم شئ هو الاتضاع، وبعد ذلك المقدرة ـ وليس القرار فقط ـ أن تحتفظ دائمًا بإحساس مرهف بالمسئولية نحو الله، ونحو مرشدك الروحى، ونحو الناس وحتى الأشياء أيضًا. تذكر أن مار اسحق السريانى يحذرنا أن غضب الله يأتى على كل من يرفض صليب الألم المر، من يرفض صليب المعاناة الفعاّلة، والذي يسعى وراء الرؤى ونعم الصلاة المتميزة، فإنه يسعى بتمرد إلى امتلاك أمجاد الصليب. وهو يقول أيضًا، ” نعمة الله تأتى من نفسها، فجأة، بدون أن نراها وهي تقترب منا. هي تأتى حينما يكون المكان نقيًا”. لذلك، طهّر المكان بحرص، واجتهاد وبصفة مستمرة؛ إكنس المكان بمكنسة التواضع].
(الشيخ مكارى من دير أوبتينو)
[ حينما نكون قد أغلقنا كل منافذ العقل بواسطة تذكّر الله، فإنه يتطلب منا مهمة ما تشبع حاجته إلى النشاط. ولكى نحقق هدفه تحقيقًا تامًا ينبغى ألا نعطيه سوى صلاة “يا ربى يسوع..”. دع العقل يركز باستمرار على هذه الكلمات فى هيكله الداخلى بقوة شديدة حتى أنه لا يتحول إلى أية صورة ذهنية. وكما أن الأم تعلّم طفلها نطق اسم “بابا” وتجعل الطفل يكرر الكلمة معها مرة تلو مرة إلى أن تجعله يستعمل هذا الاسم بدلاً من أية صرخة طفولية أخرى، وحتى وهو نائم ينادى أباه بصوتٍ عالٍ: هكذا ينبغى أن تتعلم النفس أن تردد وأن تصرخ قائلة ” يا ربى يسوع “ ].
(القديس ديودوخوس)
[ صلاة يسوع تساعد على رفع الحياة كلها ـ الجسد والنفس ـ إلى مستوى لا تعود فيه الحواس تطلب تغييرًا خارجيًا أو إثارة، بل يكون كل شئ خاضعًا لهدف واحد هو تركيز كل انتباه الجسد والنفس على الله، بمعنى أننا نسعى إلى العالم ونعرفه من خلال جمال الله، وليس إلى الله من خلال جمال العالم ]. (الأم ماريا من نورماندى)
[ ما هو المقصود بأن موسى دخل إلى الضباب (الظلمة) لكى يرى الله فى الضباب ؟
إن نص الكتاب يعلمنا هنا أنهكلما يتقدم الذهنوبواسطة انتباه أعظم وأكمل يأتى إلى إدراك ما هي معرفة الحقيقة. وكلما اقترب أكثر من التأمل، كلما أدرك أكثر أن الطبيعة الإلهية غير ممكن التأمل فيها. لأن الذهن إذ يترك وراءه كل منظر خارجى ـ ليس فقط المناظر التي يمكن أن تُرى بالحواس، بل أيضًا تلك المناظر التي يظن الذهن أنه يراها ـ فإن الذهن يتقدم باستمرار نحو ما هو كائن بالداخل أكثر، إلى أن ينفذ الذهن إلى ذلك الذي لا يمكن تأمله أو إدراكه، وهناك يرى الله. المعرفة الحقيقية والرؤية الحقيقية لما نسعى إليه تكمن بالضبط فى هذا ـ فى عدم الرؤية. لأن ما نطلبه يفوق كل معرفة، وهو منقطع الصلة بنا من كل جهة بواسطة ضباب (ظلمة) عدم القابلية للإدراك]. (القديس غريغوريوس النيسى)
[ فى التأمل السرى، فإن الإنسان لا يرى بواسطة العقل ولا بواسطة الجسد بل يرى بالروح ؛ وهو يعرف بيقين كامل أنه بطريقة تفوق الطبيعة ينظر نورًا يفوق كل نور آخر. ولكنه لا يعرف ما هو العضو الذي بواسطته يرى هذا النور، ولا يمكنه أن يحلل طبيعة ذلك العضو ؛ لأن طرق الروح ـ الذي بواسطته يرى ـ تفوق الفحص. وهذا ما أكده القديس بولس حينما سمع كلمات لا يسوغ لإنسان أن ينطق بها ورأى أشياء لا يستطيع أحد أن يراها: ” أ فى الجسد أم خارج الجسد لست اعلم” (2كو3:12). أى أنه لم يعرف إن كان ذهنه هو الذي رآها أم جسده. لأنه لم يدرك هذه الأشياء بالحواس، ومع ذلك كانت رؤيته واضحة تمامًا مثل رؤيتنا للأشياء بالحواس بل حتى أكثر وضوحًا من رؤيتنا. لقد رأى نفسه محمولاً خارج نفسه بواسطة العذوبة السرية لرؤية الله؛ أنه نُقل ليس فقط خارج كل الأشياء والأفكار بل حتى خارج نفسه.
هذا الاختبار السعيد والمفرح الذي اختطف بولس وجعل ذهنه يعبر خارج كل الأشياء فى حالة الدهش، والذي جعله ينعطف ويدخل تمامًا داخل نفسه، هذا الاختبار أخذ شكل نور ـ نور الكشف والإعلانات، ولكنه لم يعلن له موضوعات تدرك بالحواس. كان نورًا بغير حدود أو نهاية سواء من أسفل أم أعلى أم من الجوانب، فهو لم يرَ أى حد للنور الذي ظهر له وأشرق حوله، ولكنه كان مثل شمس أكثر ضياء بلا نهاية وأكبر من الكون بلا نهاية: وفى وسط هذا النور وقف هو، إذ قد صار عينًا فقط. هذه تقريبًا كانت رؤيته]. (غريغوريوس بالاماس)
[ حينما تحسب النفس أهلاً أن تتمتع بشركة روح نور الله، وحينما يضئالله عليها بجمال مجده الذي لا يعبر عنه، لكى يجهزها كعرش ومسكن لنفسه،فإنها تصير كلها نورًا وكلها وجهًا، وكلها عينًا، ولا يكون فيها جزء غير مملوء بعيون النور الروحانية. لا يوجد فيها جزء فى الظلمة، بل تصير بكليتها وبكل جزء فيها نورًا وروحًا ].
(عظات القديس مقاريوس)
الله والصلاة – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد
” روح الله الذي أُعطى لجسدنا لا يمكن أن يحتمل الحزن أو تقييد الحرية”
الراعى لهرماس
” حينما يحل روح الله على إنسان ويظلله بملء انسكابه، فحينئذ تفيض نفسه بفرحٍ لا يمكن وصفه، لأن الروح القدس يحوّل كل ما يلمسه إلى فرح.
ملكوت السموات هو سلام وفرح فى الروح القدس. اقتنى سلامًا داخليًا، وألوف حولك سيخلصون ” القديس سيرافيم من ساروف.
القبضة المغلقة أم الأيدى المفتوحة ؟:
يوجد على جدران “السراديب” فى روما رسمًا يصور امرأة تصلى أى The Orans الأورانز. إنها تحدق نحو السماء، ويداها المفتوحتان مرفوعتان والراحتان إلى فوق، هذه الصورة هي واحدة من أقدم الأيقونات المسيحية. من تمثل هذه المرأة؟ ـ هل العذراء القديسة مريم، أم الكنيسة، أم أنها تمثل النفس وهي تصلى؟ أم أنها ربما تمثل هذه الثلاثة كلها معًا؟ ومهما كان التفسير الذي يُعطى لهذه الأيقونة فإنها توضح موقفًا مسيحيًا أساسيًا: وأعنى موقف الدعاء والتوسل أى ” إبيكلسيس ” (Epiclesis)، أى طلب الروح القدس وانتظار حلوله.
توجد ثلاث أوضاع رئيسية يمكن أن تتخذها أيدينا، وكل وضع له معناه الرمزى. فيمكن ان تكون أيدينا مغلقة، وقبضة يدنا مقفلة بإحكام، كإيماءة تحدى أو كمحاولة للامساك بإحكام، وهكذا فهذا الوضع لليد يعبر إما عن التحفز للعدوان أو يعبر عن الخوف (من شخص أو شئ). وعلى العكس تمامًا يمكن أن تتدلى أيدينا على الجانبين خاملتين لا فى تحدى ولا فى تقبل. والاحتمال الثالث أن تكون أيدينا مرفوعة إلى فوق مثل يدى أيقونة “الأورنز”، فهي ليست مغلقة بل مفتوحة كما أنها لم تعد خاملة بل مستعدة لتقبل مواهب الروح. والدرس الذي هو فى غاية الأهمية على الطريق الروحى هو أن نفهم كيف نفك قبضتنا ونفتح أيدينا. فنحتاج أن نجعل عمل أيقونة المرأة المصلية “الأورانز” هو موقفنا فى كل ساعة وكل دقيقة: بأن نرفع أيدينا المفتوحة نحو السماء بطريقة غير منظورة قائلين للروح، “تعال”.
فالهدف الكامل السليم للحياة المسيحية هو أن يكون الإنسان حاملاً للروح، أن يحيا فى روح الله، أن يتنفس روح الله.
الريح والنار:
يوجد سر خفى متصل بالروح القدس مما يجعل الكلام عنه أمرًا صعبًا. وكما يقول القديس سمعان اللاهوتى الجديد عنه:
” إنه يتخذ اسمه من المادة التي يستريح عليها،
لأن ليس له اسم يميزه بين البشر “.
وفى موضع آخر يكتب كلمات تنطبق على الأقنوم الثالث من الثالوث: ” هو غير منظور ولا تستطيع أى يد أن تُمسك به ؛
صعوبة الإمساك بالروح القدس هذه نجدها واضحة فى الرموز التي يستعملها الكتاب المقدس ليشير بها إلى الروح. فهو مثل ” هبوب ريح عاصفة ” (أع2:2). فلقبه نفسه “روح” (وباليونانية بنفما Pneuma) يشير إلى الريح أو النسمة. كما قال يسوع لنيقوديموس ” الريح (أو الروح) تهب حيث تشاء وتسمع صوتها ولكنك لا تعلم من أين تأتى وإلى أين تذهب” (يو8:3). نحن نعرف أن الريح موجودة، ونسمع صوتها فى الأشجار بينما نرقد يقظين بالليل، نحن نشعر بها على وجوهنا عندما نسير على التلال ولكن إذا حاولنا أن نقبض عليها بين أيدينا، فإنها تفلت منا، هكذا الأمر مع روح الله. نحن لا نستطيع أن نزن الروح ونقيسه أو أن نحتفظ به فى صندوق مغلق بمفتاح. ويشبه “جيرارد مانلى هوبكنز”، العذراء المباركة مريم، فى أحد أشعاره بالهواء الذي نستنشقه: ونفس التشبيه يمكن أن ينطبق بالتساوى على الروح. فالروح مثل الهواء هو مصدر حياة، ” الحاضر فى كل مكان والمالئ الكل “، هو دائمًا يحيط بنا وهو دائمًا موجود فينا. وكما أن الهواء يظل كما هو غير منظور بالنسبة لنا ولكنه يعمل كوسيط نرى ونسمع من خلاله الأشياء الأخرى، هكذا أيضًا الروح لا يكشف لنا وجهه الخاص ولكنه يرينا وجه المسيح.
وأيضًا يُشبَّه الروح القدس فى الكتاب المقدس بالنار. حينما حل المعزى (البارقليط) على المسيحيين الأولين فى يوم الخمسين فإنه نزل مثل ” ألسنة منقسمة كأنها من نار” (أع3:2). والنار مثل الريح، لا يمكن الإمساك بها: فهي حية، حرة، دائمة الحركة، لا يمكن أن تُقاس، أو توزن، أو تُحصر داخل حدود ضيقة. نحن نشعر بحرارة ألسنة اللهب، ولكننا لا نستطيع أن نغلق عليها أو نحتفظ بها فى أيدينا.
وهكذا الأمر أيضًا فى علاقتنا مع الروح القدس. فنحن نشعر بحضوره ونحن نعرف قوته ولكننا لا نستطيع بسهولة أن نصور شخصه لأنفسنا.
الأقنوم الثانى من الثالوث (الابن) تجسد وعاش على الأرض كإنسان؛ والأناجيل تخبرنا عن كلامه وأعماله، ووجهه ينظر إلينا من الأيقونات المقدسة، وهكذا ليس من الصعب أن نرسم صورة له فى قلوبنا. ولكن الروح لم يتجسد وشخصه الإلهي لم يُعلن لنا فى هيئة بشرية. فى حالة الأقنوم الثانى من الثالوث فإن تعبير “ولادة” أو “مولود”، تُستخدم لتُشير إلى أصله الأزلى من الآب، وتنقل إلى أذهاننا فكرة محددة ومفهومًا خاصًا، رغم أننا نُدرك أن هذا المفهوم لا ينبغى أن يُدرك بطريقة حرفية. ولكن التعبير المُستخدم للإشارة إلى علاقة الروح الأزلية مع الآب: “انبثاق” أو “منبثق” لا ينقل إلينا فكرة واضحة ومحددة. إنه مثل رسوم هيروغليفية مقدسة يشير إلى سر لم ينكشف بوضوح بعد. وهذا التعبير يوضح أن العلاقة بين الروح والآب ليست مثل العلاقة بين الابن والآب؛ ولكن الوحى لم يخبرنا عن ما هي طبيعة الاختلاف بالضبط.
هذا أمر لابد منه، لأن عمل الروح القدس لا يمكن أن يُحدد بالألفاظ. فعمل الروح ينبغى أن نعيشه ونختبره مباشرة. ومع ذلك، فرغم هذه الخاصية السرية فى الروح القدس، فإن التقليد الأرثوذكسى يعلّم بشكل أكيد ـ بأمرين عن الروح القدس. الأول: أن الروح شخص. فهو ليس مجرد “تيار إلهي” (كما سمعت أحدهم مرة يصفه)، وهو ليس مجرد قوة عادمة الحس، بل هو أحد الأقانيم الثلاثة الأزلية للثالوث القدوس؛ وهكذا، رغم كل ما يبدو من صعوبة الإمساك به، فإننا يمكن أن ندخل فى علاقة شخصية معه، علاقة ” أنا ـ أنت ” بل إننا ندخل فعلاً فى هذه العلاقة معه.
والأمر الثانى، أن الروح ـ الأقنوم الثالث فى الثالوث ـ مساوى للأقنومين الاخرين وأزلى معهما؛ هو ليس مجرد وظيفة معتمدة عليهما وليس مجرد وسيط يستخدمانه. إن أحد الأسباب الرئيسية التي تجعل الكنيسة الأرثوذكسية ترفض الإضافة اللاتينية: “والابن” إلى قانون الإيمان، وترفض أيضًا التعليم الغربى عن ” الانبثاق المزدوج ” للروح ـ الذي هو سبب هذه الإضافة ـ هو خوفنا من أن مثل هذا التعليم، قد يجعل الناس يتصورن أن الروح القدس ليس شخصًا، ويضعونه فى مرتبة أدنى.
إن أزلية الروح أو مساواته للأقنومين الآخرين هو موضوع يتكرر كثيرًا فى التراتيل الأرثوذكسية فى عيد الخمسين (العنصرة):
الروح القدس كان كائنًا منذ الأزل، وهو كائن، وسيكون ؛
فليست له بداية ولا نهاية،
بل هو دائمًا مرتبط بالآب والابن ويُحصى معهما:
حياة ومعطى الحياة،
نور ومانح النور،
المحبة ذاتها وينبوع المحبة:
من خلاله يُعرف اللآب،
من خلاله يُمجد الابن ويُعلن للكل،
قوة واحدة، كيان واحد،
سجدة واحدة للثالوث القدوس.
الروح والابن:
تُوجد علاقة متبادلة بين “اليدين” اللذين للآب، أى بين ابنه وروحه، كما توجد بينهما رابطة خدمة متبادلة. وفى أحيانٍ كثيرة يكون هناك ميل للتعبير عن العلاقة بين الاثنين بطريقة أحادية الاتجاه، تحجب هذه التبادلية.
فيُقال، إن المسيح يأتى أولاً؛ ثم بعد صعوده إلى السماء يُرسل الروح يوم الخمسين. ولكن حقيقة الأمر، أن الروابط المتبادلة هي أكثر تشابكًا وأكثر توازنًا. المسيح يرسل الروح إلينا، ولكن فى نفس الوقت فإن الروح هو الذي يرسل المسيح. دعونا نتذكر بعضًا من النماذج الثالوثية التي سبق أن شرحناها (أنظر الفصل الثانى من الكتاب “الله ثالوث” تحت عنوان “يدا الله” ص48):
1 ـ التجسد: الروح القدس يحل على العذراء مريم وقت البشارة، وهي تحمل بالمسيح “اللوغوس”: بحسب قانون الإيمان، يسوع المسيح ” تجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء”، فهنا نجد أن الروح هو الذي يرسل المسيح إلى العالم.
2 ـ المعمودية: هنا نجد نفس العلاقة. فعند صعود يسوع من مياه الأردن ينزل الروح عليه فى هيئة حمامة: إذن فالروح هو الذي ” يجهزّ ” المسيح ويرسله إلى خدمته الجهارية. وهذا يصير واضحًا جدًا فى الأمور التي حدثت مباشرة بعد المعمودية. فالروح يقتاد المسيح إلى البرية (مر12:1) ليُجرب أربعين يومًا، قبل أن يبدأ الكرازة. وحينما يرجع المسيح فى نهاية هذا الصراع، فهو يعود “بقوة الروح” (لو14:4). والكلمات الأولى التي نطق بها فى كرازته تشير مباشرة إلى حقيقة أن الروح هو الذي يرسله: فهو يقرأ إشعياء1:61، مطبقًا نص إشعياء على نفسه: “روح الرب علىّ، لأنه مسحنى لأبشر المساكين ” (لو18:4). ولقب “المسيح ” أو ” المسيا ” يعنى بالضبط أنه هو الشخص الممسوح بالروح القدس.
3 ـ التجلى: ومرة أخرى ينزل الروح على المسيح وفى هذه المرة لا ينزل فى هيئة حمامة بل “كسحابة نيرة”. وكما أرسل الروح يسوع فى السابق إلى البرية ثم إلى كرازته الجهارية، هكذا الآن فإن الروح يرسله إلى “خروجه” أى موته مذبوحًا فى اورشليم (لو31:9).
4 ـ يوم الخمسين: هنا تتحول العلاقة المتبادلة إلى العكس: فبعد أن كان الروح يرسل المسيح، فالآن، نجد أن المسيح الحى المُقام هو الذي يرسل الروح. يوم الخمسين يشكّل هدف التجسد كما يشكِّل تكميل التجسد. يقول القديس أثناسيوس: ” الكلمة أخذ جسدًا، لكى ننال نحن الروح “.
5 ـ الحياة المسيحية: ولكن التبادل بين “اليدين” لا ينتهي هنا. فكما أن الروح يرسل الابن فى البشارة، وفى المعمودية، وفى التجلى، وكما أن الابن بدوره يرسل الروح يوم الخمسين، هكذا أيضًا بعد يوم الخمسين، فإن الروح هو الذي يتولى مهمة الشهادة للمسيح، وبذلك يجعل المسيح المُقام حاضرًا فى وسطنا على الدوام. فإن كانت غاية التجسد هي إرسال الروح يوم الخمسين، فغاية يوم الخمسين هو استمرار تجسد المسيح فى حياة الكنيسة. وهذا بالضبط هو ما يفعله الروح عند “استدعائه” (epiclesis) فى التقديس الإفخارستى. ” واستدعاء ” الروح هذا للتقديس يقدم لنا نموذجًا ومثالاً لما يحدث فى مجالات حياتنا فى المسيح.
” حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمى أكون حاضرًا فى وسطهم ” (مت20:18). كيف يكون المسيح حاضرًا فى وسطنا؟ الجواب، “بواسطةالروح القدس”. ” وها أنا أنا معكم كل الأيام وإلى انقضاء الدهر” (مت20:28). كيف يكون المسيح معنا كل الأيام؟ الجواب، ” بواسطة الروح القدس”. وبسبب حضور المعزى فى قلوبنا، فإننا ببساطة لا نعرف المسيح من خلال أربعة أو خمسة أشخاص.. قبلنا، لا نعرفه كشخص كان يعيش فى الماضى البعيد ونعرف عنه معلومات حقيقية بواسطة السجلات المكتوبة، ولكننا نعرفه مباشرة، هنا والآن، نعرفه فى الحاضر، كمخلصنا الشخصى وصديقنا. ويمكننا أن نؤكد مع توما الرسول قائلين: ” ربى وإلهي” (يو28:20). نحن لا نقول فقط، ” وُلد المسيح ” مرة، منذ أزمنة قديمة جدًا؛ بل نقول ” المسيح يُولد ” الآن، فى هذه اللحظة فى قلبى. نحن لا نقول فقط: “المسيح مات”، بل المسيح مات من أجلى. نحن لا نقول فقط: “المسيح قام”. بل “المسيح قائم” ـ هو يحيا الآن لأجلى، يحيا فىّ. هذه الصلة الحميمة الشخصية والمباشرة فى علاقتنا بيسوع هي بالضبط من عمل الروح القدس.
الروح القدس، إذن، لا يكلمنا عن نفسه بل يكلمنا عن المسيح. قال يسوع وقت العشاء الأخير، ” متى جاء روح الحق فسيرشدكم إلى جميع الحق، لأنه لا يتكلم من نفسه.. سيأخذ مما لى ويخبركم ” (يو14،13:16). هنا نجد سبب عدم وجود اسم للروح أو بدقة أكثر، شفافية الروح القدس: إنه يُوجه الأنظار لا إلى نفسه، بل إلى المسيح القائم الحى.
عطية يوم الخمسين:
هناك ثلاثة أمور تلفتنا بنوع خاص بخصوص موهبة الباراقليط فى يوم الخمسين:
أولاً: أنها عطية مقدمة لكل شعب الله: ” وامتلأ الجميع من الروح القدس” (أع4:2). فموهبة أى Charisma كاريزما الروح القدس لا تُمنح فقط للأساقفة والإكليروس بل هي تُمنح لكل واحد من المُعمّدين. فجميعهم يحملون الروح، أى هم حاملوا الروح، فالجميع ـ بالمعنى الصحيح للكلمة ـ هم “كاريزماتيك Charismatics ” أى حاملوا الموهبة.
ثانيًا: عطية المعزى هي عطية الوحدة: ” وكان الجميع معًا بنفسٍ واحدة” (أع1:2). الروح القدس يجعل الكثيرين يصيرون جسدًا واحدًا فى المسيح، فنزول الروح يوم الخمسين يقلب تأثير برج بابل (أنظر تك7:11)، ولذلك نقول فى إحدى ترانيم عيد الخمسين:
حينما نزل العلى وبلبل الألسنة،
فإنه قسّم الأمم؛
ولكنه حينما وزع ألسنة النار،
فإنه دعا الجميع إلى الوحدة.
لذلك نحن نمجد الروح الكلى القداسة بصوت واحد.
الروح يصنع الوحدة والفهم المتبادل، ويعطينا الإمكانية أن نتكلم “بصوت واحد”، الروح يحول الأفراد إلى أشخاص. فقد كُتب عن الجماعة المسيحية الأولى فى أورشليم فى الفترة التالية مباشرة ليوم الخمسين أنهم: ” كان عندهم كل شئ مشتركًا “، وكان: ” لهم قلب واحد ونفس واحدة ” (أع44:22، 32:4)، وهذه الوحدة ينبغى أن تكون علامة الجماعة الكنسية فى كل عصر.
ثالثًا: عطية الروح هي عطية التنّوع: فألسنة النار كانت موزعة أو “منقسمة”، وهي تُوزع على كل واحد مباشرة. فالروح القدس ليس فقط يجعلنا جميعًا واحدًا، بل يجعل كل منا مختلفًا عن الآخر. ففى يوم الخمسين لم تُلغَ الألسنة الكثيرة لكنها لم تعد سببًا للانفصال، فكل واحد تكلم بلغته الخاصة كما كان يفعل سابقًا ولكن بقوة الروح القدس يستطيع أن يفهم الآخرين. وأن أكون حاملاً للروح فهذا معناه بالنسبة لى أن أحقق فى شخصيتى كل الخصائص المميزة لها؛ هذا يعنى أن أصير حرًا حقًا وأن أكون أنا نفسى حقًا فى فرادتى. الحياة فى الروح تملك تنوعًا لا ينضب؛ إن فعل الشر وليس القداسة هو الذي يتسم بالضجر والتكرار. وكما اعتاد كاهن صديق كان يقضى ساعات طويلة كل يوم يسمع الاعترافات، أن يقول ” يا للغرابة لم تعد هناك خطايا جديدة!”. ولكن هناك دائمًا أشكال جديدة للقداسة.
آباء فى الروح وجُهال:
فى التقليد الأرثوذكسى يظهر العمل المباشر للباراقليط داخل الجماعة المسيحية بصورة قوية فى صورتين “حاملتين للروح” وهما “الشيخ” أى الأب الروحانى، والأخرى ” الجاهل فى المسيح “.
فالشيخ أو المتقدم فى السن الذي يُعرف فى اليونانية بلقب “جيرون geron” وبالروسية “ستارتز Starets”، لا يلزم بالضرورة أن يكون شيخًا فى عدد السنين ولكنه يكون حكيمًا فى اختباره للحق الإلهي ويكون موهوبًا فى نعمة “الأبوة فى الروح”، “بالكاريزما” الخاصة بإرشاد الآخرين فى الطريق. وما يقدمه لأبنائه الروحيين ليس هو فى الأساس تعليمات أخلاقية أو قانون للحياة، بل يقدم لهم علاقة شخصية. يقول ديستوفسكى: الـ “ستارتز هو الشخص الذي يأخذ نفسك، وإرادتك إلى نفسه وإرادته”. وقد اعتاد تلاميذ الأب زكريا أن يقولوا عنه “كأنه كان يحمل قلوبنا فى يديه”.
الـ “ستارتز”: هو إنسان السلام الداخلى الذي عنده يمكن أن يجد الألوف خلاصهم. هذا الإنسان أعطاه الروح القدس موهبة التميز أو الإفراز كثمرة لصلاته وإنكاره لذاته. وهذه الموهبة تمكّنه من قراءة خفايا قلوب الناس؛ وهكذا فهو يجيب ليس فقط على الأسئلة التي يسألها له الآخرون، بل أيضًا على الأسئلة ـ التي عادة ما تكون أساسية جدًا أكثر من التي يسألونها له ـ والتي لم يكونوا قد فكروا أن يسألوا عنها. وهو يملك مع موهبة التمييز موهبة أخرى وهي موهبة الشفاء الروحى ـ أى القدرة على استعادة وشفاء نفوس الناس، وفى بعض الأحيان شفاء أجسادهم أيضًا. وهو يعطى هذا الشفاء الروحى، ليس فقط بكلمات النصح التي ينصح بها بل أيضًا بواسطة سكونه وحضوره الحقيقى. ورغم أهمية نصيحته التي يعطيها، فإن الأكثر أهمية جدًا هي صلاته الشفاعية. فهو يجعل أبنائه الروحيين أصحاء بالصلاة الدائمة لأجلهم وبتوحيد نفسه معهم وتقبل أفراحهم وأحزانهم كأفراحه وأحزانه الخاصة، وأن يأخذ على عاتقه ثقل ذنبهم أو قلقهم. فلا يستطيع أحد أن يكون “ستارتز” إن لم يكن يصلى بلا انقطاع لأجل الآخرين.
وإذا كان الـ “ستارتز” كاهنًا فإن خدمته فى التوجيه الروحى تكون عادةً مرتبطة تمامًا بسر الاعتراف. ولكن الـ “ستارتز” بالمعنى الكامل كما يصفه ديستوفسكى أو كما يتمثل فى شخصية الأب زكريا، فهو أكثر من مجرد كاهن اعتراف. فالـ”ستارتز” بالمعنى الكامل لا يمكن أن يُعيّن ليكون هكذا بواسطة أية سلطة أعلى منه. وما يحدث فى حالة الـ “ستارتز” هو ببساطة أن الروح القدس ـ يتكلم مباشرة فى قلوب الشعب المسيحى، ويوضح لهم أن هذا الشخص أو ذاك قد باركه الله بنعمة خاصة تجعله يرشد الآخرين ويشفيهم. فالـ “ستارتز” الحقيقى هو بهذا المعنى شخص نبوى وليس موظفًا رسميًا من سلطة معينة. وبينما فى أغلب الأحوال يكون الـ “ستارتز” كاهنًا راهبًا إلاّ أنه يمكن أن يكون أيضًا كاهن راعية متزوج، أو ربما يكون راهبًا غير حاصل على رتبة كهنوتية أو ـ حتى قد يكون أحيانًا راهبة ـ أو مؤمن عادى أو مؤمنة عادية من الذين يحيون فى العالم الخارجى، رغم أن هذه الحالات الأخيرة تحدث قليلاً جدًا. فإذا كان الـ “ستارتز” هو نفسه ليس كاهنًا فإنه بعد أن يستمع إلى مشاكل الناس ويقدم لهم المشورة المناسبة فإنه كثيرًا ما يرسلهم إلى كاهن لممارسة سر الاعتراف ولنوال الحل بالمغفرة.
العلاقة بين الابن وأبيه الروحى تتنوع كثيرًا. فالبعض يزورون الـ “ستارتز” مرة واحدة أو مرتين طوال حياتهم وذلك فى لحظة حدوث أزمة خاصة، بينما آخرون هم على صلة منتظمة بالـ “ستارتز”، إذ يرونه شهريًا أو أحيانًا ربما يوميًا. وهنا لا يمكن وضع قوانين محددة مسبقًا ؛ فالعلاقة تنمو من نفسها تحت الإرشاد المباشر للروح.
وهذه العلاقة تكون دائمًا علاقة شخصية. فالـ “ستارتز” لا يطبق قوانين مجردة يتعلمها من كتاب ـ كما فى كتاب “فتاوى الضمير” (Casuistry) الخاص بالثورة الكاثوليكية الإصلاحية المضادة ـ ولكنه يرى فى كل مناسبة بذاتها هذا الرجل أو هذه المرأة المعينة الذي أو التي أمامه ولأنه مستنير بالروح، فهو يسعى لأن يوصل مشيئة الله بشكل فريد وخاص بهذا الشخص الواحد (الذي أمامه). ولأن الـ “ستارتز” الحقيقي يفهم الشخصية المتميزة لكل واحد ويحترمها، فهو لا يلغى حريتهم الداخلية بل يساعد على تقويتها. هو لا يهدف إلى إيجاد طاعة ميكانيكة عند أبنائه، بل يقودهم نحو نقطة النضج الروحى الذي بواسطته يستطيعون أن يقرروا لأنفسهم. فهو يكشف لكل واحد أو واحدة وجهه أو وجهها الحقيقي الذي كان فيما سبق مخفيًا بدرجة كبيرة عن ذلك الشخص؛ والكلمة التي يقولها الـ “ستارتز” خلاّقة ومعطية للحياة، إذ أنها تمكّن الشخص الآخر من أن يتمم أعمالاً ومهامًا كانت تبدو مستحيلة فى السابق. ولكن الـ “ستارتز” يستطيع أن يحقق كل هذا فقط بسبب أنه يحب كل واحد شخصيًا. وبالإضافة لذلك فإن العلاقة تكون متبادلة: فلا يستطيع الـ “ستارتز” أن يساعد الشخص الآخر إن لم يكن الآخر يرغب بشكل جاد بتغيير طريقة حياته وأن يفتح قلبه بثقة ومحبة للـ “ستارتز”. وأى شخص يذهب ليرى “ستارتز” وهو مدفوع بروح النقد وحب الاستطلاع فغالبًا يعود بيدين فارغتين، دون أن يتأثر بأى تأثير. ولأن العلاقة دائمًا شخصية فإن “ستارتز” معينًا لا يستطيع أن يساعد كل الناس بطريقة متساوية، بل يستطيع أن يساعد فقط أولئك الذين أرسلهم الروح خاصة إليه. وبالمثل فإن التلميذ لا ينبغى أن يقول: الـ “ستارتز” الذي يرشدنى هو أفضل من كل “ستارتز” آخر”. بل ينبغى أن يقول فقط إن الـ “ستارتز” الذي يرشدنى هو أفضل “ستارتز” بالنسبة لى.
والأب الروحانى فى إرشاده للآخرين ينتظر مشيئة وصوت الروح القدس. قال القديس سيرافيم ” أنا أعطى فقط ما يخبرنى الله أن أعطيه وأيضًا أنا أؤمن أن الكلمة الأولى التي تأتينى هي ملهمة بواسطة الروح القدس“. ومن الواضح أنه لا يستطيع أحد أن يتكلم ويتصرف بهذه الطريقة إن لم يكن قد بلغ إلى وعى تام وإدراك واضح لحضور الله. فبالنسبة لأى شخص لم يصل بعد إلى هذا المستوى، فمثل هذا التصرف منه يكون إدعّاءً غير مسئول.
والأب زكريا يتكلم بنفس العبارات مثل القديس سيرافيم إنه يقول: ” أحيانًا لا يعرف الإنسان نفسه ماذا سوف يقول. والرب نفسه يتكلم من خلال شفيته فينبغى أن يصلى هكذا: يارب ليتك تحيا فىَّ، ليتك تتكلم من خلالى، ليتك تعمل من خلالى. وحينما يتحدث الرب من خلال شفتى إنسان فإن كل كلمات ذلك الإنسان تكون فعّالة وكل ما يقوله يتحقق، والإنسان الذي يتكلم هو نفسه يندهش من هذا.. فقط ينبغى للواحد منا أن لا يعتمد على حكمته “.
العلاقة بين الأب الروحى وابنه تمتد إلى ما بعد الموت حتى الدينونة الأخيرة. وقد أكد الأب زكريا لتلاميذه قائلاً: ” بعد موتى سأكون حيًا أكثر كثيرًا جدًا مما أنا الآن، ولذلك لا تحزنوا حينما أموت.. وفى يوم الدينونة فإن الأب سوف يقول ها أنا والأولاد الذين أعطانيهم الرب “.
وقد طلب القديس سيرافيم أن تُنقش هذه الكلمات الهامة على قبره:
“ بعد موتى تعالوا إلى قبرى، ومن الأفضل أن تأتوا كثيرًا، وأى شئ يثقل نفوسكم ومهما كان الشئ الذي حدث لكم، تعالوا إلىَّ كما كنتم تأتون وأنا حى, واركعوا على الأرض واطرحوا كل مرارة عنكم على قبرى. وأخبروني بكل شئ وأنا سوف أنصت إليكم، وكل المرارة التي عندكم سوف تهرب وتفارقكم. وكما كنتم تتحدثون إلىّ عندما كنت حيًا أفعلوا هكذا بعد موتى. لأنى أنا حى وسأظل هكذا إلى الأبد “.
ولكن ليس لجميع الأرثوذكس أب روحى خاص بهم. فماذا نفعل إذا كنا نبحث عن مرشد ولا نجد؟ طبعًا يمكن للإنسان أن يتعلم من الكتب، فسواء كان لنا “ستارتز” أم لا فنحن نلجأ للكتاب المقدس لطلب الإرشاد الدائم. (أنظر الفصل القادم ص150). لكن الصعوبة فى حالة الكتب هو كيف أعرف بالضبط ما ينطبق علىَّ شخصيًا فى هذه النقطة الخاصة أثناء مسيرتى الروحية.
وبالإضافة للكتب وللأبوة الروحية أيضًا فهناك الأخوة الروحية (من الاخوة بالنسبة للرجال أو من الأخوات بالنسبة للنساء) ـ وهي المعونة التي تُعطى لنا ليس بواسطة المعلمين فى الرب، بل بواسطة زملائنا فى التلمذة. ولا يجب أن نهمل الفرص التي تُقدم لنا بهذه الطريقة. ولكن أولئك الذين يلتزمون بالطريق بشكل جاد ينبغى إضافة إلى ذلك أن يبذلوا كل جهد لكى يجدوا لهم أبًا فى الروح القدس، فإن كانوا يبحثون باتضاع فبلا شك سوف يُعطى لهم الإرشاد الذي يحتاجونه. وليس معنى هذا أنهم سوف يجدون “ستارتز” مثل القديس سيرافيم أو الأب زكريا. ينبغى أن نأخذ حذرنا أننا فى توقعنا لشئ أو لشخص هام جدًا ومشهور، فإننا نغض النظر عن المعونة التي يقوم الله فعلاً بتقديمها لنا فى الوقت الحاضر. فقد يكون هناك شخص ما فى نظر الآخرين ليس له أية أهمية أو قيمة ولكن ربما يصير هو نفسه الأب الروحى الذي يستطيع أن يتكلم إلىَّ شخصيًا، بكلمات نارية هي تلك الكلمات التي أحتاج أن أسمعها أهم من كل الكلمات الأخرى.
والنوع الثانى من الذين يحملون الروح بطريقة نبوية داخل الجماعة المسيحية هو “الجُهال فى المسيح”. واليونانيون يدعونهم “Salos” والروس يدعونهم “IURODIVYI”. وعادة يكون من الصعب أن نكتشف كيف أن هذا “الجهل” قد اختاره هؤلاء الأشخاص بوعى وبإرادتهم وإلى أى مدى يكون هذا الجهل تلقائيًا أو غير إرادى. فهذا الإنسان “الجاهل” فى المسيح يقوم بفعل التوبة أى تغيير الذهن فيمتد بها إلى أقصى حد. وهو يفعل هذا بإلهام الروح وبطريقة جذرية أكثر من أى أحد آخر، فهو يجعل الهرم مقلوبًا على رأسه. وهو شهادة حية لحقيقة أن مملكة المسيح ليست من هذا العالم؛ هو يشهد لحقيقة “ضد العالم”. يشهد لإمكانية تحقيق المستحيل، هو يمارس فقرًا إراديًا مطلقًا ويوحد نفسه مع المسيح المذلول، المسحوق. وكما كتبت عنه “جوليا ديبوسوبر”، “هو ليس ابنًا لأحد، وليس أخًا لأحد، وليس أبًا لأحد، ولا بيت له”. وإذ هو يترك الحياة العائلية فإنه يعيش جوالاً أو سائحًا، وهو يشعر كأنه فى بيته فى كل مكان يذهب إليه، مع ذلك فهو لا يستقر فى أى مكان. هو يلبس أسمالاً بالية حتى فى البرد القارس وينام فى السقيفة أو فى مخزن إحدى الكنائس. وهو يتخلى ليس فقط عن الممتلكات الأرضية بل أيضًا عن ما يعتبره الآخرون سلامة عقله واتزانه. ومع ذلك فهو بذلك يصير مجرى تتدفق فيه حكمة الروح العليا.
وغنى عن القول إن “الجهل لأجل المسيح” هو دعوة نادرة غاية الندرة كما أنه ليس من السهل أن نميز بين الحقيقى والمزيف فى هذه الدعوة، وبين “الانحلال” و”النفاذ”. ولكن فى النهاية يوجد محك واحد فقط للاختبار ” من ثمارهم تعرفونهم” (مت20:7) “فالجاهل” المزيف هو عقيم وهدام، لنفسه وللآخرين. وأما “الجاهل” فى المسيح حقًا فهو يملك نقاوة القلب، وله تأثير ينمى الحياة ويزيدها فى الجماعة التي يتعامل معها. ورغم أنه من وجهة النظر العملية لا يوجد أى هدف نافع من وراء أعمال ” الجاهل ” إلاّ أنه بواسطة عمل مثير أو كلمة غامضة وغالبًا ما تكون كلمة موبّخة عن قصد وصادمة فإنه يوقظ الناس من الفريسية ومن حالة الرضا عن الذات التي يعيشون فيها عادة. ولأنه هو نفسه متحرر من كل الارتباطات فإنه يطلق ردود أفعال فى الآخرين ويجعل اللاشعور يصعد إلى السطح وهكذا يصير ممكنًا أن يتطهر العقل الباطن ويتقدس. هو يقرن الجرأة بالاتضاع. وبسبب أنه تخلى عن كل شئ فهو حر فعلاً. ومثال لذلك هناك “الجاهل” المعروف فى روسيا “نيكولاس من بيسكوف”؛ الذي وضع فى يدى القيصر “إيفان الرهيب” قطعة لحم يقطر منها الدم، فإنه بذلك يستطيع أن يوبخ الأقوياء فى هذا العالم بجسارة تنقص الآخرين. وهو بهذا يكون الضمير الحى للمجتمع.
صر إلى ما أنت عليه:
قليلون فقط من المسيحيين فى كل جيل هم الذين يصيرون شيوخًا روحيين، وأقل منهم يصيرون “جُهّال” فى المسيح. ولكن كل الذين اعتمدوا بلا استثناء هم “حاملون للروح”، إذ تقول عظات القديس مقاريوس ” اعرف قدرك وافهم الدرجة السامية التي أُعطيت لك.. فكل منكم قد مُسح بالمسحة السماوية، وقد صار مسيحًا بالنعمة، كل واحد قد صار ملكًا ونبيًا للأسرار السماوية ” (عظة1:17).
وما حدث للمسيحيين الأولين يوم الخمسين يحدث أيضًا لكل واحد منا بعد معموديتنا مباشرة، فإننا فى الممارسة الأرثوذكسية ـ نُمسح بالمسحة أى الميرون. (هذا السر الثانى فى طقس الدخول المسيحى يقابل التثبيت فى التقليد الغربى). فسواء كان المعتمد طفلاً أو بالغًا، فإن الكاهن ـ بعد المعمودية مباشرة ـ يمسحه على جبهته، وعينيه، وأنفه، وفمه، وأذنيه، وصدره، ويديه وقدميه، وهو يقول ” ختم موهبة الروح القدس”. وهذا المسح هو عنصرة شخصية لكل واحد منا: فالروح الذي نزل بشكل منظور على الرسل بألسنة من نار، ينزل على كل واحد منا بطريقة غير منظورة، دون أن ينقص هذا من نزول الروح حقيقةً أو يُنقص من قوته. فكل واحد يصير “ممسوحًا”، “مسيحًا” على مثال يسوع الماسيا. كل واحد يُختم بموهبة المعزى. فمنذ لحظة معموديتنا ومسحنا، فإن الروح القدس يأتى مع المسيح ليسكن فى أعمق أعماق قلبنا. ورغم أننا نقول للروح: “تعال”، إلاّ أنه موجود داخلنا قبل أن ندعوه.
ومهما كان المُعمّدون مهملين وغير مبالين فى حياتهم فإن سُكنى الروح هذا لا يتلاشى تلاشيًا تامًا. ولكن من الجهة الأخرى إن لم نتعاون مع نعمة الله ـ إن لم نجاهد ـ بإرادتنا لتتميم الوصايا ـ فمن الممكن أن حضور الروح القدس داخلنا يظل محتجبًا وغير محسوس. وكسائحين على “الطريق“، فإن هدفنا ـ هو أن نتقدم من مرحلة تكون فيها نعمة الروح حاضرة فى داخلنا بطريقة خفية، إلى المرحلة التي يكون لنا “معرفة واعية”، فيها نعرف قوة الروح بوضوح تام، ومباشرة وبكل إدراك قلوبنا. يقول المسيح الرب “جئت لألقى نارًا على الأرض فماذا أريد لو اضطرمت” (لو49:12). فشعلة الروح ـ الخاصة بيوم الخمسين ـ الموجودة فى كل منا منذ المعمودية، ينبغى أن تُضرم لتصير لهيبًا حيًا. ينبغى أن نصير إلى ما نحن عليه.
” ثمر الروح، محبة فرح سلام طول أناة لطف.. ” (غلا22:5). “فالمعرفة الواعية” لعمل الروح ينبغى أن تكون حالة تتخلل كل حياتنا الداخلية وتنفذ فيها. ليس من اللازم لكل واحد أن يحدث له ” اختبار تحول ” بارز. والأولى ليس من الضرورى لكل واحد أن “يتكلم بألسنة”. ومعظم الأرثوذكس المعاصرين ينظرون بحذر شديد إلى ذلك القسم من الحركة الخمسينية الذي يعتبر أن “الألسنة” هي البرهان الذي لا غنى عنه على أن الشخص هو “حامل الروح” حقًا. إن موهبة “الألسنة” كانت منتشرة طبعاً في العصر الرسولي، ولكن منذ منتصف القرن الثانى صارت نادرة الحدوث رغم أنها لم تختفِ كلية. وعلى أى حال، فالرسول بولس يصر على أن هذه الموهبة هي أقل المواهب الروحية أهمية (أنظر 1كو5:14).
وحينما يكون “التكلم بألسنة” روحيًا حقًا فهو يمثل نوعًا من إطلاق السراح أو الإفلات ـ أى اللحظة الحاسمة فى تحطيم الثقة الخاطئة فى ذواتنا، ليحل محلها الخضوع والتسليم لله لكى يكون هو العامل فينا. وفى التقليد الأرثوذكسى، فإن عملية إطلاق السراح هذه غالباً ما تأخذ صورة “موهبة الدموع”. يقول القديس مار اسحق السرياني: ” الدموع تمثل الحد الفاصل بين الحالة الجسدانية والحالة الروحانية, بين حالة الخضوع للشهوات و حالة النقاوة ” و يكتب في فقرة جديرة بأن تذكر ما يلي:
” ثمار الإنسان الداخلي تبدأ بسكب الدموع. حينما تصل إلي موضع الدموع, فاعرف حينئذ أن روحك قد خرجت من سجن هذا العالم وبدأت تسير فى الطريق الذي يؤدى إلى العالم الجديد. وفى هذه اللحظة تبدأ روحك أن تستنشق الهواء العجيب الموجود هناك، وتبدأ فى سكب الدموع. ولحظة ولادة المولود الروحاني تكون الآن على وشك الحدوث, ويصير مخاض الولادة شديداً جداً. والنعمة ـ التي هي أمنا جميعاً ـ تسرع لتلد النفس ولادة سريعة ـ النفس التي هي صورة الله ـ و تأتي بها إلى نور الدهر الآتى. وحينما يأتى وقت الولادة، يبدأ العقل أن يحس بشىء من أمور ذلك العالم الآخر ـ كرائحة حقيقية، أو كالنفس الذي يأخذه الطفل حديث الولادة فى هيكله الجسمى. ولكننا لم نتعود على مثل هذا الاختبار، وإذ نجد أنه يصعب علينا احتماله، فإن جسدنا ينغلب فجأة ببكاء ممزوج بالفرح “.
ولكن توجد هناك عدة أنواع من الدموع، وليست كلها موهبة من الروح. فإلى جانب الدموع الروحانية، هناك دموع الغضب والإحباط، والدموع التي تُسكب فى العطف على الذات، والدموع العاطفية. وهناك احتياج للتمييز بين أنواع الدموع، ولذلك توجد أهمية الحصول على مساعدة مرشد روحى مختبر. أى “ستارتز”. والتمييز يصير اكثر ضرورة فى حالة “الألسنة” وفى أغلب الأحوال، لا يكون روح الله هو الذي يتكلم من خلال “الألسنة” بل يكون المتكلم هو الروح البشرية التي تصنع الإيحاء الذاتى والهستريا الجماعية. بل فى بعض الحالات يكون “التكلم بالألسنة” هو صورة من صور التلبس بروح شيطانى. ” أيها الأحباء لا تصدقوا كل روح، بل امتحنوا الأرواح لتعرفوا هل هي من الله؟“(1يو1:4)
لذلك، فالأرثوذكسية، بينما تصر على الحاجة إلى اختبار مباشر للروح القدس، فإنها تصر أيضًا على الحاجة إلى التمييز والتعقل. إن البكاء وكذلك اشتراكنا فى مواهب الروح الأخرى تحتاج أن تتطهر من كل الخيالات ومن الإثارات العاطفية. فالمواهب الروحية الحقيقية لا يجب أن تُرفض، ولكن لا ينبغى أن نسعى وراء هذه المواهب كهدف فى ذاتها. ما نهدف إليه فى حياة الصلاة ليس الحصول على مشاعر معينة أو اختبارات “حسية” من أى نوع خاص، بل ما نهدف إليه هو بكل بساطة، أن تتوافق مشيئتنا مع مشيئة الله.
يقول الرسول بولس لأهل كورنثوس: ” لا أطلب ما هو لكم بل إياكم ” (2كو14:12)، ونحن نقول نفس الشىء لله. نحن لا نطلب المواهب بل الواهب.
?>?>?>?>
دعاء للروح القدس:
تعال, أيها النور الحقيقي.
تعال, أيها الحياة الأبدية.
تعال, أيها السر الخفي.
تعال, أيها الكنز الذي بلا أسم.
تعال, أيها الحقيقة التي تفوق كل الكلمات.
تعال, أيها الشخص الذي يفوق كل فهم.
تعال, أيها الفرح الذي بلا نهاية.
تعال, أيها النور الذي لا يعرف مساء.
تعال, يا رجاء المخلّصين الذي لا يخزي.
تعال, يا قيامة الساقطين.
تعال, يا قيامة الأموات.
تعال, يا كلى القدرة , لأنك تخلق بلا توقف , ودائماً تعيد صياغة كل الأشياء وتغيرها بإرادتك وحدك.
تعال, يا غير المنظور الذي لا يستطيع أحد أن يلمسك أو يمسك بك.
تعال, لأنك تستمر دائماّ غير متحرك , ومع ذلك فأنت دائم الحركة كليةً في كل لحظة ؛ أنت تقترب منا نحن الذين نقيم في الهاوية , ومع ذلك فأنت تظل اعلي من السموات.
تعال, فإن اسمك يملأ قلوبنا بالشوق , واسمك دائماً علي شفاهنا ؛ومع ذلك فإننا لا نستطيع أن نقول أو نعرف،من أنت أو ما هي طبيعتك.
تعال, أيها الوحيد , لمن هو وحيد.
تعال, فأنت نفسك هو الرغبة التي في داخلي.
تعال, يا نسمتي , ويا حياتي.
تعال, يا عزاء نفسي المنسحقة
تعال, يا فرحي , يا مجدي , ويا بهجتي التي لا نهاية لها.
(القديس سمعان اللاهوتي الجديد )
الروح القدس هو نور وحياة, هو ينبوع المعرفة الحي,
روح الحكمة , روح الفهم ,
مُحب , وبار , ومملوء بكل معرفة وقوة , مُطهرنا من كل خطايانا ,
إله ويجعلنا إلهيين , هو النار التي تأتي من النار,
هو يتكلم , ويعمل , ويوزع مواهب النعمة.
بواستطه تكلّل كل الأنبياء , ورسل الله والشهداء.
عجيبة كانت الأخبار , عجيبة كان المنظر يوم الخمسين:
النار نزلت, مانحة مواهب النعمة لكل واحد.
(من صلوات عيد الخمسين في الطقس البيزنطي )
” كل من قد أعتمد بطريقة أرثوذكسية, قد نال سراً ملء النعمة؛ فإن سار في طريق ممارسة الوصايا, فإنه سيصبح عارفاً بطريقة واعية بهذه النعمة التي في داخله.
ومهما تقدم الإنسان في الإيمان؛ ومهما كانت البركات التي يصل إليها عظيمة, فهو لا يكتشف ولا يمكن أبداً أن يكتشف أي شيء أكثر مما سبق أن ناله سراً بواسطة المعمودية. فالمسيح لأنه إله كامل, يمنح المُعمّدين نعمة الروح الكاملة. ونحن من جانبنا لا نستطيع أن نضيف شيئاً إلي هذه النعمة, ولكن هذه النعمة تُعلن وتكشف ذاتها لنا أكثر فأكثر بقدر تتميمنا للوصايا. إذن , فكل ما نقدمه للرب بعد ولادتنا بالمعمودية ,كان موجوداً في داخلنا وهو نابع منه هو أصلاً.” (القديس مرقس الناسك )
الأقانيم الإلهية لا يؤكدون ذواتهم , بل كل أقنوم منهم يشهد للأخر لهذا السبب قال القديس يوحنا الدمشقي إن ” الابن هو صورة الآب, والروح صورة الابن ” وينتج عن ذلك أن الأقنوم الثالث للثالوث هو الأقنوم الذي ليس له صورته في أقنوم آخر. الروح القدس, كأقنوم, يظل غير منكشف, يظل خفياً, مخفياً نفسه في ذات عملية ظهوره…
الروح القدس هو المسحة الفائقة التي مُسح بها المسيح ومُسح بها كل المسيحيين المدعويين ليملكوا معه في الدهر الآتي. فحينئذ ـ في الدهر الأتي ـ فإن هذا الأقنوم الإلهي, غير المعروف الآن, والذي ليست له صورته في أقنوم آخر في الثالوث, سوف يظهر نفسه في الأشخاص المؤلهين: لان جماعة القديسين سوف تكون هي صورته.
(فلاديمير لوسكي )
الروح القدس يهب كل الأشياء:
هو ينطق بالنبوات ,
هو يقدس الكهنة ,
هو يعلم الجهال الحكمة,
هو الذي حول الصيادين إلي لاهوتيين.
هو الذي يمسك بكل تركيبة الكنيسة معاً ويجعلها في وحدة.
الله إنسانا – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد
الله إنسانا – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد
الطريق الأرثوذكسي للأسقف كاليستوس وير
الفصل الرابع
الله إنسانـًا
” الله، كان فى المسيح مصالحًا العالم لنفسه ” (2كو19:5)
” تعطشّ ليسوع، وهو سيرويك بحبه ” (القديس اسحق السريانى)
” قال الأنبا اسحق: “كنت جالسًا مرةً مع الأنبا بيمن، ورأيت أنه فى حالة دهش (اختطاف)، ولما كنت معتادًا على الكلام معه بصراحة، عملت له مطانية وسألته ” اخبرنى، أين كنت؟” ولم يرد أن يخبرنى. لكن لما ألححت عليه، أجاب: ” كانت أفكارى مع القديسة مريم والدة الإله، حينما كانت واقفة تبكى عند صليب المخلص، وودت لو أننى أستطيع على الدوام أن أبكى مثلما بكت هي آنذاك ” (أقوال آباء البرية)
رفيقنا على الطريق:
فى نهاية ” الأرض الخراب ” يكتب ت. س. إليوت:
من هو الثالث الذي يسير دومًا إلى جوارك ؟
حينما أحصى العدد، أجد أن هناك فقط أنت وأنا معًا، لكننى حين أنظر إلى الطريق الأبيض، أجد دائمًا واحدًا آخر يمشى إلى جوارك…
وهو يشرح فى ملاحظاته أنه يفكر فى قصة قيلت عن بعثة شاكلتون إلى القطب المتجمد الجنوبى (أنتاركتيكا):
وكيف أن جماعة المكتشفين، حينما خارت قواهم، كانوا يشعرون دائمًا أن ثمة شخصًا آخر زائدًا رغم أنهم لا يستطيعون إحصاءه فعلاً. وقديمًا جدًا، وقبل شاكلتون بزمن بعيد، كان للملك نبوخذنصر اختبار مماثل حينما قال: ” ألم نلقِ ثلاثة رجال موثقين فى وسط النار؟.. ومع هذا فها أنا ناظر أربعة رجال محلولين يتمشون فى وسط النار، وما بهم ضرر ومنظر الرابع شبيه بابن الله ” (دا 24:3ـ25).
هذا هو معنى ” يسوع ” مخلصا بالنسبة لنا. فهو الشخص الذي يسير دائمًا إلى جوارنا حين تخور قوانا، فهو معنا فى برية الصقيع وفى أتون النار. وحينما يكون كل واحد منا فى وقت عزلته الشديدة وحده أو فى وقت التجربة، تُقال له هذه الكلمة: ” لست وحدك “، فإن لك رفيقًا.
وقد أنهينا فصلنا الأخير بالحديث عن اغتراب الإنسان ومنفاه. ورأينا كيف أن الخطية، سواء الأصلية أم الشخصية، قد أوجدت هوة بين الله والإنسان، هوة لا يقدر الإنسان بمجهوداته الهزيلة أن يعبرها. فإن الإنسان الساقط وقد انفصل عن خالقه، وانعزل عن رفقائه، وتدهور داخليًا، لم يعد قادرًا على شفاء نفسه. ودائمًا ما نسأل نحن، أين نجد علاجًا ؟ ورأينا أيضًا كيف أن الثالوث، كإله محبة شخصية، لا يقدر أن يبقى غير مبالٍ بألم الإنسان، بل قد اشترك فى هذا الألم. فإلى أى مدى وصل هذا التشارك الإلهي؟
الإجابة أن هذا الانخراط فى ألم الإنسان قد بلغ أقصى مدى ممكن. ولأن الإنسان لم يقدر أن يأتى إلى الله، فقد جاء الله إلى الإنسان، وقد وَّحَد نفسه مع الإنسان بأكثر الطرق مباشرة. فإن الكلمة الأزلى، ابن الله، الأقنوم الثانى فى الثالوث، قد صار إنسانًا حقيقيًا، صار واحدًا منا؛ لقد شفى إنسانيتنا وردها (إلى الله) بأن أخذها كلها لنفسه. وبكلمات قانون الإيمان: ” أؤمن.. برب واحد يسوع المسيح.. إله حق من إله حق، واحد مع الآب فى الجوهر.. الذي لأجلنا نحن البشر ولأجل خلاصنا نزل من السماء، وتجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء… ” هذا إذن هو رفيقنا فى الصقيع أو النار: الرب يسوع الذي أخذ جسدًا من العذراء، الواحد من الثالوث وهو واحد منا فى نفس الوقت، إلهنا ومع ذلك فهو أخونا.
يارب يسوع، ارحمنى:
فى فصل سابق[1]، تبحرنا فى المعنى الثالوثى لصلاة يسوع، ” يارب يسوع المسيح، ابن الله، ارحمنى أنا الخاطئ “. فلنتأمل الآن ما تخبرنا به هذه الصلاة عن تجسد يسوع المسيح، وشفائنا به وفيه.
هناك قطبان فى صلاة يسوع أو هناك نقطتان هما طرفان:
القطب الأول: “ياربى.. ابن الله”: تتحدث الصلاة أولاً عن مجد الله، معترفة بيسوع أنه رب كل الخليقة وبأنه الابن الأزلى. وفى القطب الثانى أى فى نهايتها تتجه الصلاة إلى حالتنا كخطاة ـ خطاة بسبب السقوط، خطاة بسبب أعمالنا الشخصية فى فعل الخطأ: “.. أنا خاطئ”. (فى معناها الحرفى فى النص اليونانى هي أكثر تأكيدًا، إذ يقول، “أنا الخاطئ” وكأنه يقول أنا الخاطئ الوحيد).
وهكذا فالصلاة تبدأ بالتمجيد وتنتهي بالتوبة. فمن هو أو ما هو الذي يصالح هذا القطبان المختلفان تمامًا: المجد الإلهي وخطيئة الإنسان ؟
هناك ثلاث كلمات فى الصلاة تعطينا الإجابة. الأولى هي “يسوع” الاسم الشخصى المعطى للمسيح بعد ميلاده البشرى من مريم العذراء. هذا الاسم له معنى “مخلِّص”: كما قال الملاك للقديس يوسف خطيب مريم: “.. وتدعو اسمه يسوع؛ لأنه يخلص شعبه من خطاياهم ” (مت21:1)
الكلمة الثانية هي اللقب “المسيح”، الترجمة اليونانية لكلمة “المسيا” العبرية، والتي تعنى “الممسوح” ـ أى الممسوح بروح الله القدوس. لأنه بالنسبة للشعب اليهودى فى العهد القديم، كان المسيا هو المخلص الآتى، والملك المنتظر، الذي سيحررهم من أعدائهم بقوة الروح.
الكلمة الثالثة هي “رحمة”، وهي اللفظة التي تعنى “الحب العامل”، الحب الذي يعمل لجلب المغفرة والحرية والصحة الكاملة. سؤال الرحمة يعنى تبرئة الآخر (الذي يطلب الرحمة) من الذنب الذي لا يقوى على محوه بمجهوداته الشخصية، وإعفاءه من ديون لا يستطيع هو نفسه أن يوفيها، وشفاءه من المرض الذي لا يمكنه أن يجد له علاجًا بدون عون. إن كلمة ” رحمة ” تعنى فوق هذا أن يُمنح كل ذلك كهبة مجانية: فالذي يطلب رحمة ليس له على الآخر مطالبات، ولا حقوق يستند عليها.
إذن، تدل صلاة يسوع على مشكلة الإنسان من جهة وعلى الحل الذي يقدمه الله من جهة أخرى. يسوع هو المخلص، الملك الممسوح، هو الشخص الرحيم. لكن الصلاة تخبرنا أيضًا بشىء آخر حول شخص يسوع نفسه. فنحن نخاطبه “يارب” و”ابن الله”: هنا تتحدث الصلاة عن لاهوته، وتعاليه وأزليته. لكننا أيضًا نخاطبه بالتساوى (فى هذه الصلاة) باسم “يسوع”، أى باسمه الشخصى الذي أعطته له أمه ويوسف بعد ولادته البشرية فى بيت لحم. وهكذا، فالصلاة تتحدث أيضًا عن إنسانيته، عن الحقيقة الأصيلة لميلاده ككائن بشرى.
هكذا فإن صلاة يسوع هي تأكيد على الإيمان بيسوع المسيح كإله حقيقى وإنسان كامل معًا Theoanthropos أى ” الإله الإنسان “، الذي يخلصنا من خطايانا بالضبط لأنه إله وإنسان معًا وفى نفس الوقت.
الإنسان لم يقدر أن يأتى إلى الله، لهذا أتى الله إلى الإنسان، بأن جعل نفسه إنسانًا. وفى محبته الفائقة أو “المذهلة” ecstatic، يوحدّ الله نفسه بخليقته بألصق ما يكون الاتحاد، بأن يجعل نفسه يصير ذلك الذي خلقه (أى الإنسان). والله، كإنسان، يحقق مهمة الوساطة التي رفضها الإنسان عند السقوط. ويعبر يسوع مخلصنا الهوة السحيقة بين الله والإنسان، لأنه هو الله والإنسان معًا فى آنٍ واحد، مثلما نقول فى إحدى الترانيم الأرثوذكسية عشية عيد الميلاد “اليوم اتحدت السماء والأرض، لأن المسيح وُلد. اليوم نزل الله إلى الأرض، وارتفع الإنسان إلى السماء “.
التجسد إذن، هو فعل الله للخلاص، إذ يعيدنا إلى الشركة مع نفسه. لكن ماذا كان يمكن أن يحدث لو لم يكن هناك سقوط؟ هل كان الله سيختار أن يصير إنسانًا حتى لو لم يخطئ الإنسان أبدًا؟ هل كان التجسد سيُعدّ هكذا ببساطة استجابة الله لورطة الإنسان الساقط، أم أن التجسد بطريقة ما، هو جزء من القصد الأزلى لله؟ هل يجب أن ننظر فيما وراء السقوط، ونرى فعل الله فى صيرورته إنسانًا على أنه هو التحقيق للغاية الحقيقية للإنسان؟
ليس من الممكن لنا، فى وضعنا الحالى، أن نجيب إجابة نهائية على هذا السؤال الافتراضى. ولأننا نحيا فى ظل ظروف السقوط، فإننا لا نستطيع أن نتصور بوضوح ما كانت ستكون عليه علاقة الله بالبشرية، لو لم يكن السقوط قد حدث بالمرة. وقد جعل الكُتّاب المسيحيون فى معظم الأحوال مناقشتهم للتجسد قاصرة على إطار حالة الإنسان الساقطة. لكن كان هناك قلة منهم أخذوا على عاتقهم أن يكون لهم رأى أوسع، خاصة مار اسحق السريانى ومكسيموس المعترف فى الشرق، ودونس سكوتس (Duns Scotus) فى الغرب. يقول مار اسحق السريانى إن التجسد هو أكثر الأمور المفرحة والمباركة الذي كان يمكن أن يحدث للجنس البشرى. فهل من الصواب، إذن، أن يكون سبب هذا الحدث المفرح شئ ما، كان يمكن أن لا يحدث أبدًا، وفى الحقيقة هو شئ كان ينبغى ألاّ يحدث؟ ويقول القديس مار اسحق، إنه من المؤكد أن أخذ الله لبشريتنا لا ينبغى أن نفهمه كفعل إصلاح ورد فقط، وليس فقط كمواجهة لخطية الإنسان، بل أيضًا وبشكل أساسى كفعل محبة، وكتعبير عن طبيعة الله الذاتية. فحتى لو لم يكن هناك سقوط، فإن الله فى محبته المتدفقة غير المحدودة كان سيختار أن يوحد نفسه مع خليقته بصيرورته إنسانًا.
إن تجسد المسيح، عندما ننظر إليه من هذه الزاوية، يُحدث تأثيرًا أكبر من مجرد انعكاس السقوط أو مقلوبه وأكثر من رد الإنسان إلى حالته الأولى فى الفردوس. حين يصبح الله إنسانًا، تبدأ مرحلة جديدة جوهريًا فى تاريخ الإنسان، ولا يكون الأمر مجرد عودة إلى الماضى. فالتجسد يرفع الإنسان إلى مستوى جديد، وتكون الحالة الأخيرة أعلى من الأولى. وفى يسوع المسيح فقط نرى أكمل إمكانات طبيعتنا البشرية وقد انكشفت واستعلنت؛ وحتى ميلاد المسيح، لم تكن الملامح الحقيقية للشخص البشرى (Personhood) قد ظهرت بعد. إن ميلاد المسيح، كما يصفه القديس باسيليوس هو “ميلاد الجنس البشرى كله”. المسيح أول إنسان كامل ـ كامل، أى ليس فقط بمعنى (الصورة) أى أنه كمال محتمل، يمكن أن يتحقق فى المستقبل، مثلما كان آدم فى براءته قبل السقوط، بل بمفهوم ” المثال ” (likeness) المتحقق بالكامل. ليس التجسد إذن، هو ببساطة طريقًا لإزالة آثار الخطية الأصلية، بل هو مرحلة جوهرية عبر رحلة الإنسان من الصورة الإلهية إلى الشبه (المثال) الإلهي. فالصورة الحقيقية والمثال الحقيقى لله هو المسيح نفسه، وهكذا، ومنذ اللحظة الأولى لخلقة الإنسان على الصورة، فإن تجسد المسيح كان متضمنًا فعلاً بطريقة ما. إن السبب الحقيقى للتجسد، إذن، يكمن لا فى خطية الإنسان بل فى طبيعته غير الساقطة ككائن مخلوق على الصورة الإلهية وعنده الإمكانية للاتحاد بالله.
ثنائى لكنه واحد:
ويتلخص الإيمان الأرثوذكسى عن التجسد فى القرار الذي يتكرر فى ترنيمة الميلاد للقديس رومانوس المرنم ” طفل مولود حديثًا، هو الله قبل الدهور ” وفى هذه العبارة القصيرة نجد ثلاثة تأكيدات:
1 ـ يسوع المسيح إله بالتمام وبالكمال.
2 ـ يسوع المسيح إنسان بالتمام وبالكمال.
3 ـ يسوع المسيح ليس شخصين بل شخص واحد.
وقد أعلنت المجامع المسكونية عن هذا الأمر وبتفصيل شامل تمامًا، فمثلما عنى مجمع نيقية (325) ومجمع القسطنطينية (381) بعقيدة الثالوث (أنظر الفصل الثانى)، هكذا اهتم مجمع أفسس بالتجسد.
فقد أعلن مجمع أفسس المسكونى فى سنة 431م، أن العذراء مريم هي “الثيؤطوكوس” أى والدة الإله. وفى هذا اللقب تأكيد ضمنى، ليس عن العذراء أساسًا، بل عن المسيح: أى أن الله قد وُلِدَ وأن العذراء هي أم، لا لشخص بشرى متحد بالشخص الإلهي للكلمة (اللوغوس)، بل أم لشخص واحد غير منقسم هو الله المتأنس بأنٍ واحد[2] 000
هناك تضاد فى الصياغة الفنية (التقنية) بين عقيدة الثالوث وعقيدة التجسد الإلهي. ففى حالة الثالوث، نحن نؤكد على جوهر واحد وحيد خاص أو طبيعة واحدة خاصة فى ثلاثة أقانيم (أو أشخاص). وفى حالة المسيح المتجسد، من جهة أخرى، فإن هناك طبيعتين؛ واحدة إلهية والأخرى بشرية، لكنهما متحدتان فى شخص واحد وحيد؛ هو الكلمة الأزلى الذي صار إنسانًا أو جسدًا. وكل ما قيل فى الأناجيل؛ وفعله المسيح أو عاناه وتألم به يُنسب إلى نفس الشخص الواحد نفسه، ابن الله الأزلى الذي وُلِد الآن كإنسان فى داخل الزمان والمكان.
وإذا أردنا أن نحدد التعاريف المجمعية حول المسيح كإله متأنس فإن هناك مبدأين أساسيين بخصوص خلاصنا: الأول، الله وحده فقط يقدر أن يخلصنا فإن نبيًا أو معلمًا للبر لا يمكن أن يكون هو فادى العالم. إذن، فلكى يكون المسيح مخلصًا لنا، فلابد أن يكون بالتمام والكمال هو الله. ثانيًا، لابد أن يفى الخلاص بحاجة البشرية. وفقط إن كان المسيح هو بالتمام والكمال إنسانًا مثلما نحن، يمكن لنا نحن البشر أن نشترك فيما فعله لأجلنا.
لهذا من الخطر المميت على عقيدة خلاصنا إن نحن اعتبرنا المسيح ـ مثلما فكّر الآريوسيون ـ كنوع من نصف إله موجود فى منطقة ضبابية متوسطة بين الإنسانية والألوهية. إن التعليم المسيحى عن خلاصنا يتطلب أن نكون متطرفين Maximalists. ولا ينبغى علينا أن نفكر فى المسيح على أنه “نصف إله ونصف إنسان” (أو بالعامية “نص نص”). فليس المسيح يسوع 50% إلهًا و50% إنسانًا، بل هو 100% إله و100% إنسان فى وقت واحد معًا. أو بعبارة أخرى، فإن المسيح ” كامل فيما يخص ذاته، وكامل فيما يخصنا نحن.
كامل فيما يخص ذاته: يسوع المسيح نافذتنا على المجال الإلهي، إذ يكشف لنا من هو الله ذاته ” الله لم يره أحد قط، الابن الوحيد الذي فى حضن الآب هو خبّر (جعله معروفًا ومعلومًا لنا) ” (يو18:1).
كامل فيما يخصنا نحن: يسوع المسيح هو آدم الثانى، كاشفًا لنا عن السمة أو الخاصية الحقيقية لشخصيتنا البشرية. الله وحده هو الإنسان الكامل.
فمن هو الله ؟ ومن أكون أنا ؟ لقد أعطانا يسوع المسيح الجواب على كلا هذين السؤالين.
الخلاص كمشاركة:
الرسالة المسيحية عن الخلاص يمكن إيجازها على أفضل صورة بلغة “المشاركة”، أى بلغة التضامن والتوحد والتطابقidentification . إن فكرة المشاركة أو الشركة هي مفتاح للتعليم عن الله الواحد فى ثالوث، كما أنها مفتاح للتعليم عن الله المتجسد. ويؤكد تعليم الثالوث أنه، كما أن الإنسان يكون شخصًا بحق حينما يشارك الآخرين، هكذا فإن الله ليس شخصًا منفردًا يعيش وحده، بل هو ثلاثة أشخاص يشاركون حياة أحدهم الآخر فى محبة كاملة. والتجسد بالمثل هو تعليم عن المشاركة أو الشركة. فالمسيح يشاركنا ما نحن عليه مشاركةً كاملة، وهكذا يجعله ممكنًا لنا أن نشارك ما هو عليه (أو فيما هو عليه)، أى نشترك فى حياته ومجده الإلهييين؛ لقد صار ما نحن، ليجعلنا ما هو (أو صار ما نحن عليه ليصيرنا ما هو عليه).
ويعبر القديس بولس عن هذا بشكل استعارى بلغة الغنى والفقر: ” فإنكم تعرفون نعمة ربنا يسوع المسيح أنه من إجلكم افتقر وهو غنى لكى تستغنوا أنتم بفقره ” (2كو9:8). وغنى المسيح هو مجده الأبدى، وفقر المسيح هو تطابقه أو توحده الشخصى الكامل مع حالتنا البشرية الساقطة. وفى كلمات ترنيمة ميلاد أرثوذكسية ” إذ شاركتنا بالكامل فى فقرنا، فقد جعلت طبيعتنا الأرضية إلهية، باتحادك معها واشترتكك فيها”. المسيح يشاركنا موتنا، ونحن نشاركه حياته. هو ” أخلى ذاته ” ونحن ” نتمجد مجدًا عاليًا ” (أنظر فى5:2ـ9). إن نزول الله قد جعل ارتفاع الإنسان ممكنًا. ويكتب القديس مكسيموس المعترف: ” الغير المحدود حدّد نفسه بطريقة لا يُنطق بها، بينما اتسع المحدود إلى قياس الغير المحدود “.
وكما قال المسيح بعد العشاء الأخير ” أنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتنى، ليكونوا واحدًا كما أننا نحن واحد. أنا فيهم وأنت فىّ ليكونوا مكمَّلين إلى واحد” (يو22:17ـ23). فإن المسيح يمكنّنا من أن نشترك فى المجد الإلهي للآب. فالمسيح هو الرابطة ونقطة اللقاء والتقابل: فلأنه إنسان، فهو واحد معنا؛ ولأنه إله، فهو واحد مع الآب. لهذا فبواسطته وفيه نحن واحد مع الله، ويصبح مجد الآب هو مجدنا. تجسد الله يفتح الطريق إلى تأليه الإنسان. فأن نُؤلَّه (أى نصير إلهيين)، معناه على وجه الخصوص جدًا، أن نكون “مُمسحَنين” (Christified): فالمثال الإلهي الذي دُعينا إلى بلوغه هو مثال المسيح. ومن خلال يسوع المسيح الإله المتأنس (أو الإله ـ الإنسان)، يمكن لنا نحن البشر أن “نُغرس فى الله” (ingoded) (ندخل فى الله)، نصير مُؤلَّهين (divinized)، أو يصيرنا” شركاء الطبيعة الإلهية” (2بط4:1). فالمسيح باتخاذه بشريتنا، وهو ابن الله بالطبيعة، قد صيَّرنا أبناء لله بالنعمة. فيه يتبنانا الله الآب، فنصير أبناءً فى الابن.
هذه الفكرة عن الخلاص كشركة تتضمن أمرين بوجه خاص، حول التجسد الإلهي:
أولاً، تتضمن أن المسيح لم يأخذ جسدًا بشريًا فقط مثل أجسادنا، بل أخذ أيضًا روحًا بشريًا وعقلاً ونفسًا مثلنا (مثل أرواحنا وعقولنا ونفوسنا). والخطية كما عرفنا (فى الفصل السابق ص59)، لا تستمد أصولها من أسفل بل من أعلى، هي ليست مادية فيزيقية فى أصلها بل هي روحية. إذن فإن العنصر من الإنسان الذي يحتاج أن يُفتدى ليس هو جسده فى المقام الأول بل هو إرادته ومركز اختياره الأخلاقى. فلو لم يكن للمسيح عقل بشرى، فإن ذلك سوف يؤثر بشكل خطير ومميت على المبدأ الثانى للخلاص، وهو أن الخلاص الإلهي يجب أن يصل إلى نقطة الاحتياج البشرى.
إن أهمية هذا المبدأ قد أُعيد التأكيد عليها خلال النصف الثانى من القرن الرابع حين ابتدع أبوليناريوس النظرية ـ التي أُدين بسببها فورًا كهرطوقى ـ أنه عند التجسد أخذ المسيح فقط جسدًا بشريًا لكنه لم يأخذ عقلاً بشريًا ولا نفسًا عاقلة. وقد أجاب القديس غريغوريوس اللاهوتى على هذا بعبارة: ” ما لا يُؤخذ لا يَخلُّص (أو لا يُشفى)”. أى أن المسيح يخلصنا بصيرورته ما نحن عليه (أى بصيرورته إنسانًا)، هو يُشفينا بأخذه بشريتنا المكسورة لنفسه، (يشفينا) “بأخذه” هذه البشرية له خاصةً، وبدخوله فى خبرتنا البشرية وبمعرفته لها من الداخل بسبب كونه واحدًا منا. ولكن لو كانت مشاركته لبشريتنا ناقصة من أى ناحية، لأصبح خلاص الإنسان أيضًا ناقصًا بالمثل. فإن كنا نؤمن أن المسيح قد أتى إلينا بخلاصٍ كاملٍ شاملٍ، فيتبع ذلك أنه ” إتخذ ” لنفسه كل شئ (فى طبيعتنا البشرية).
ثانيًا، هذه الفكرة عن الخلاص كمشاركة تتضمن ـ على الرغم من أن كثيرين أحجموا عن قول ذلك صراحة ـ أن المسيح أخذ لا الطبيعة البشرية غير الساقطة بل الساقطة. وكما تؤكد الرسالة إلى العبرانيين (وفى كل العهد الجديد لا يوجد نص خريستولوجى (خاص بالمسيح) أكثر أهمية من هذا): ” ليس لنا رئيس كهنة غير قادر أن يرثى لضعفاتنا بل مُجرّب فى كل شئ مثلنا، بلاخطية ” (عب15:4). لقد عاش المسيح حياته على الأرض فى ظل ظروف السقوط. هو نفسه ليس شخصًا خاطئًا، لكن بتضامنه مع الإنسان الساقط يقبل عواقب خطية آدم قبولاً تامًا، يقبل كليةً ليس فقط العواقب الجسدية الطبيعية كالتعب والألم الجسدى وبالتالى انفصال النفس عن الجسد بالموت، بل هو يقبل أيضًا العواقب الأخلاقية، كالشعور بالوحدة، والشعور بالغربة، والصراع الداخلى. قد يبدو شيئًا جسورًا أن ننسب هذا كله إلى الإله الحى، لكن تعليمًا رصينًا متماسكًا عن التجسد يستلزم كل ذلك. فلو كان المسيح قد أخذ فقط مجرد طبيعة بشرية غير ساقطة، وعاش حياته على الأرض فى وضع آدم فى الفردوس لَمَا كان قد تأثر أو شعر بضعفاتنا، ولا كان قد جُربَ فى كل شئ تمامًا مثلما نُجرب نحن: وفى تلك الحالة لا يكون هو “مخلّصنا ” الذي يخلصنا.
ويذهب القديس بولس إلى حدٍ بعيد حتى أنه يكتب قائلاً: ” لأن الله جعل الذي لم يعرف خطية، خطية، لأجلنا ” (2كو21:5). ولا يجب أن نفكر هنا بلغة الإجراءات القضائية فقط، تلك التي اقتضت أن المسيح رغم أنه برئ بلا ذنب، قد حمل ذنبنا الذي ” نُسِبَ ” إليه (أو أُلصِقَ به) بشكلٍ خارجى: إن الأمر يتضمن ما هو أعمق من ذلك بكثير. فالمسيح يخلصنا باختباره “من الداخل” ـ كواحد منا ـ كل ما نعانيه نحن داخليًا من خلال معيشتنا فى عالم خاطئ.
لماذا الميلاد من عذراء:
ذكر كتاب العهد الجديد صراحة أن أم يسوع المسيح كانت عذراء (مت25،23،18:1) إن ربنا له أب أزلى فى السماء، ولكن ليس له أب على الأرض. لقد وُلد خارج الزمن من الآب بدون أم، ووُلد فى الزمن من أمه بلا أب. وهذا الاعتقاد فى الميلاد العذراوى لا يقلل رغم ذلك أبدًا من ملء بشرية المسيح. فعلى الرغم من أن الأم كانت عذراء، كان هناك ميلاد حقيقى لطفل بشرى أصيل وحقيقى.
ورغم ذلك، نتساءل، لماذا كان ميلاده كإنسان لابد أن يأخذ هذا الشكل الخاص ؟ والإجابة على ذلك أن عذراوية الأم تخدم كآية (كعلامة) على فرادة الابن. والعذراوية تفعل ذلك من خلال ثلاثة طرق وثيقة الصلة ببعضها:
أولاً: حقيقة أن المسيح ليس له أب أرضى تعنى أنه يشير دائمًا إلى ما وراء وضعه فى المكان والزمان، إلى أصله السماوى والأزلى. فالطفل المولود من مريم هو بالحقيقة إنسان، لكنه “ليس إنسانًا فقط”، هو داخل التاريخ لكنه أيضًا فوق التاريخ. إن ميلاده من عذراء يؤكد أنه على الرغم من أنه متنازل (وحال على الأرض) إلاّ أنه أيضًا متعالٍ وسامٍ؛ وعلى الرغم من أنه إنسان كامل فهو أيضًا إله كامل.
ثانيًا: حقيقة أن أم المسيح كانت عذراء تدل على أن ميلاده يجب أن يُنسب بطريقة فريدة إلى ” المبادرة الإلهية “. وعلى الرغم من أنه إنسان كامل، فإن ميلاده لم يكن نتيجة اتحاد جنسى بين رجل وامرأة، بل كان بطريقة خاصة، عمل الله ” المباشر “.
ثالثًا: ميلاد المسيح من عذراء يؤكد أن التجسد لم يتضمن مجىء شخصجديد إلى الوجود. فعندما يولد طفل من أبوين بشريين، بالطريقة العادية، يبدأ شخص جديد فى الوجود. لكن شخص المسيح المتجسد ليس شخصًا آخر سوى الأقنوم الثانى فى الثالوث القدوس. ولهذا فعند ميلاد المسيح، لم يأتِ شخص جديد إلى الوجود، لكن الشخص الكائن سابقًا، شخص ابن الله بدأ الآن يحيا حسب طريقة وجود بشرية وإلهية معًا. لهذا فالميلاد العذراوى يُظهر وجود المسيح الأزلى السابق لتجسده.
ولأن شخص المسيح المتجسد هو هو نفسه شخص الكلمة اللوغوس، فيحق أن نُلقب العذراء مريم بلقب “ثيؤطوكوس”، “والدة الإله” فهي أم، لا لابن بشرى عادى مرتبط بالابن الإلهي، بل هي أم لابن بشرى هو ابن الله الوحيد الجنس. ابن مريم هو هو شخص ابن الله نفسه؛ لهذا، وبفضل التجسد، فإن مريم هي بملء الحقيقة ” أم الله “.
وبينما تضع الأرثوذكسية دور العذراء المباركة فى كرامة عالية كأم المسيح، فهي لا ترى حاجة إلى أية عقيدة (Dogma) عن ” الحبل بلا دنس”. وهذا التعليم كما حددته الكنيسة الكاثوليكية الرومانية فى عام 1854 ينص على أن مريم، ” من اللحظة الأولى للحبل بها ” بواسطة أمها القديسة حنة، كانت مبرأة من ” كل دنس الخطية الأصلية “. وثمة نقطتان بحاجة أن نفتكر فيهما هنا.
أولاً، ومثلما سبق ولاحظنا (فى الفصل السابق عن السقوط ص79)، أن الأرثوذكسية لا تفهم السقوط بالمفاهيم الأغسطينية، كدنس من الذنب الموروث. فلو كنا نحن الأرثوذكس قد قبلنا الرأى اللاتينى عن الخطية الأصلية، لكنا ربما شعرنا أيضًا بالحاجة إلى تأييد التعليم عن الحبل بلا دنس. لكن لأن مصادرنا فى البحث مختلفة، لذلك فإن العقيدة اللاتينية تبدو لنا ليس فقط خاطئة جدًا بل بالحرى زائدة عن الحاجة ولا لزوم لها.
ثانيًا: بالنسبة للأرثوذكسية، تشكل العذراء مريم، مع يوحنا المعمدان، تاج وذروة بتولية العهد القديم. هي الشخصية “الرابطة”: آخر وأعظم الأبرار من الرجال والنساء فى العهد القديم. وهي فى نفس الوقت، القلب الخفى للكنيسة الرسولية (أنظر أع14:1). لكن تعليم ” الحبل بلا دنس ” يبدو لنا وقد أخرج العذراء مريم من العهد القديم ليضعها مسبقًا فى العهد الجديد، كلية. وفى التعليم اللاتينى، فإنها لا تقف بعد على قدم المساواة مع القديسين الآخرين فى العهد القديم، ومن ثم فإن دورها ” كرابطة ” أو “حلقة وصل” يتعطل.
وعلى الرغم من رفضها للتعليم اللاتينى عن “الحبل بلا دنس”، فإن الكنيسة الأرثوذكسية فى عبادتها الليتورجية تخاطب أم الله بأنها “بلا عيب” (achrantos) و”كلية القداسة” (panagia) “التي بلا دنس بالكامل” (panamomos). ونؤمن نحن الأرثوذكس أنها بعد موتها أُخذت إلى السماء، حيث تقيم الآن، بجسدها ونفسها ـ فى مجد أبدى مع ابنها. وهي بالنسبة لنا ” فرح كل الخليقة ” (قداس القديس باسيليوس) ” زهرة الجنس البشرى وباب السماء ” (التمجيد باللحن الأول) ” الكنز الثمين للعالم كله ” (القديس كيرلس الأسكندرى)، ونقول مع القديس مار أفرام السريانى:
” أنت وحدك، يا يسوع، مع أمك جميل من كل الوجوه:
لأنه لا يوجد فيك عيب، ياربى، ولا دنس فى والدتك “.
من هذا يمكن أن يُرى، علو المكانة التي نعطيها نحن الأرثوذكس، للعذراء القديسة، فى اللاهوت وفى الصلاة. هي بالنسبة لنا التقدمة الفائقة التي قدمها الجنس البشرى لله.
وبكلمات إحدى الترانيم الميلادية:
” ماذا نقدم لك، أيها المسيح،
أنت الذي من أجلنا قد ظهرت على الأرض كإنسان؛
كل خليقة من صنعك تقدم لك التشكرات.
الملائكة يقدمون تسبيحة؛ والسماء، تقدم لك نجمًا؛
المجوس يقدمون الهدايا؛ والرعاة يقدمون دهشتهم؛
الأرض تقدم مغارتها؛ والصحراء تقدم مذودًا؛
ونحن نقدم لك ـ أمًا عذراء.
أطاع حتى الموت:
تجسد المسيح هو بذاته عمل خلاصى. فالمسيح باتخاذه إنسانيتنا المكسورة لنفسه، فإنه يعيدها ويصلحها، وأيضًا ـ بكلمات ترنيمة ميلادية أخرى ـ “يرفع الصورة الساقطة”. ولكن لماذا كان الموت على الصليب ضروريًا؟ ألم يكن كافيًا أن يحيا أحد أقانيم الثالوث، كإنسان على الأرض، وأن يفكر وأن يشعر وأن يريد كإنسان، دون حاجة أن يموت أيضًا كإنسان؟
إن تجسد المسيح كان يمكن فى الواقع أن يكفى كتعبير كامل عن حب الله الدافق، فى عالم غير ساقط، ولكن فى عالم ساقط وخاطئ كان يلزم لمحبته أن تذهب إلى ما هو أكثر من مجرد التجسد. فبسبب الوجود المأساوى للخطية والشر، صارت مهمة إعادة الإنسان تجديده مكلفة بغير حدود. كان يلزم للإنسان شفاء عن طريق فعل تضحية ذبائحى، وهي تضحية لا يستطيع أن يقدمها سوى إله متألم ومصلوب.
التجسد هو فعل اتحاد ومشاركة: فالله يخلصنا بأن يوّحد نفسه بنا، بأن يتعرف على خبرتنا البشرية من الداخل. فالصليب يعنى أن فعل المشاركة هذا قد وصل إلى أقصى حدوده وذلك بطريقة قاسية جدًا ومتصلبة إلى أقصى حد. فالإله المتجسد يدخل إلى اختبارنا البشرى دخولاً كاملاً. فيسوع المسيح رفيقنا، يشترك ليس فقط فى ملء الحياة البشرية، بل يشترك أيضًا فى ملء الموت البشرى. ” أحزاننا حملها وأوجاعنا تحملها” (إش4:53) ـ كل أحزاننا وكل أوجاعنا. ” فالذي لا يُؤخذ لا يُشفى”: لكن المسيح طبيبنا الشافى قد أخذ فى نفسه كل شئ، إنه قد أخذ حتى الموت نفسه.
الموت له وجهان وجه طبيعى (جسدى) ووجه روحى، والوجه الروحى للموت هو الأكثر رعبًا. الموت الطبيعى هو انفصال جسد الإنسان عن نفسه؛ والموت الروحى هو انفصال نفس الإنسان عن الله. فحينما نقول إن المسيح ” أطاع حتى الموت ” (فى8:2)، فلا ينبغى أن نحصر معنى هذه الكلمات فى الموت الطبيعى وحده. فلا ينبغى أن نفكر فقط فى المعاناة الجسدية التي احتملها المسيح فى آلامه: كالجلد، والسقوط تحت ثقل الصليب، والمسامير، والعطش، والحرارة والعرق، والتمزق الناتج عن التعليق مشدودًا على الخشبة. فالمعنى الحقيقى للآلام ينبغى أن نجده ليس فى هذه الآلام فقط، بل بالأكثر فى آلامه الروحية ـ فى الشعور بالإخفاق والعزلة والوحشة التامة، وفى التألم بسبب رفض محبته التي قدمها ولكنها رُفضت.
ونحن نتفهم الطريقة المتحفظة التي تتحدث بها الأناجيل عن هذه المعاناة الداخلية، ومع ذلك فهي تزودنا ببعض اللمحات. فأولاً تخبرنا الأناجيل عن جهاد المسيح فى بستان جثسيمانى، حينما كان يغمره الرعب والفزع وهو يصلى إلى أبيه متألمًا: ” إن أمكن فلتعبر عنى هذه الكأس ” (مت36:26). وكذلك تخبرنا عن سقوط ” عرقه كقطرات دم نازلة على الأرض” (لو44:22). وكما يصر المطران أنطونيوس أسقف كييف، فإن جثسيمانى تزودنا بمفتاح عقيدتنا عن الكفارة بكليتها. فهنا (فى جثسيمانى) يواجه المسيح ضرورة الاختيار. فمن ناحية هو ليس محتمًا عليه أن يموت، بل هو يختار بإرادته الحرة أن يموت. وبتقديمه لنفسه بإرادته، فإنه يحوّل ما كان عنفًا عشوائيًا وقتلاً شرعيًا، إلى ذبيحة خلاصية. ولكن فعل الاختيار الحر هذا، هو فى غاية الصعوبة. فعندما قرر يسوع أن يسير نحو ساعة القبض عليه والصلب فإنه بكلمات “وليم لو” (William Law): “يختبر رعبًا وفزعًا شديدًا وهو ما تتسم به النفس الضائعة.. أى حقيقة الموت الأبدى “. وينبغى أن نعطى وزنًا كاملاً لكلمات المسيح فى جثسيمانى: ” نفسى حزينة جدًا حتى الموت ” (مت38:26)، ففى هذه اللحظة يدخل يسوع دخولاً تامًا فى اختبار الموت الروحى. وهو فى هذه اللحظة يوّحد نفسه مع كل يأس البشرية وتألمها الذهنى؛ وهذا التوّحد (بينه وبيننا) هو أكثر أهمية لنا من اشتراكه فى آلامنا الجسدية.
ويقدم لنا الصليب لمحة ثانية حينما صرخ المسيح بصوت عظيم قائلاً: ” إلهي إلهي لماذا تركتنى” (مت46:27). وهنا أيضًا ينبغى أن نعطى تقديرًا ووزنًا كاملاً لهذه الكلمات، فهنا نجد ذروة الشعور بالتخلى والهجر بالنسبة للمسيح، حينما يشعر ليس فقط بتخلى الناس عنه، بل أيضًا بتخلى الآب عنه. ولا يمكننا أن نبدأ بشرح كيف يكون ممكنًا بالنسبة للذى هو نفسه الإله الحى، أن يضيع منه الشعور بالحضور الإلهي. ولكن هذا هو الأمر الواضح أمامنا. فلا يوجد فى آلام المسيح أى نوع من التمثيل ولم يعمل شيئًا فى آلامه للاستعراض الخارجى. فكل كلمة على الصليب تعنى تمامًا ما تقول، وإن كانت صرخة “ إلهي إلهي..” تعنى شيئًا على الإطلاق، فينبغى أن تعنى أن يسوع فى هذه اللحظة كان يختبر الموت الروحى الذي هو الانفصال عن الله (بمعنى تخلى الآب وحجب وجهه عنه). فهو لم يسفك فقط دمه لأجلنا، بل قَبِلَ من أجلنا حتى فقدان الله أيضًا.
“ونزل إلى الجحيم “[3] (قانون إيمان الرسل)، هل يعنى هذا فقط أن المسيح ذهب ليكرز للأرواح المنتقلة، فى الفترة بين مساء الجمعة العظيمة وفجر القيامة (أنظر 1بط19:3). ولكن بالتأكيد أن لهذه العبارة أيضًا معنى أعمق. فالجحيم ليس نقطة فى مكان ما بل فى النفس. الجحيم هو المكان الذي لا يكون الله موجودًا فيه (ومع ذلك فالله موجود فى كل مكان!). “فنزول المسيح إلى الجحيم ” يعنى نزوله إلى الأعماق التي يغيب الله عنها. وقد وحّد المسيح نفسه كلية وبدون أى تحفظ مع كل معاناة الإنسان ووحشته وإحساسه بالعزلة والرفض. لقد أخذ على عاتقه كرب الإنسان، وبإتخاذه إياه فقد شفاه.
لم تكن هناك طريقة أخرى يمكنه أن يشفي بها (كرب الإنسان) سوى بأن يجعل الألم والكرب خاصين به (بالمسيح).
هذه هي رسالة الصليب لكل واحد منا، فمهما كانت المسافة التي علىَّ أن أسيرها فى وادى ظل الموت، “فأنا لست وحدى إطلاقًا“. فهنا أجد لى رفيقًا، وهذا الرفيق ليس فقط إنسانًا حقيقيًا مثلى، بل هو أيضًا إله حق من إله حق. ففى أعمق لحظات انسحاق المسيح على الصليب، هو فى نفس الوقت الإله الأزلى والحى كما كان هكذا تمامًا عند تجليه بالمجد على جبل طابور. وعندما أنظر إلى المسيح مصلوبًا لا أرى فقط إنسانًا متألمًا بل “إلهًامتألمًا “.
الموت نصرة وغلبة:
إن موت المسيح على الصليب ليس إخفاقًا تم تصحيحه فيما بعد بواسطة قيامته. فالموت على الصليب فى ذاته هو انتصار. ما الذي انتصر؟ ليس هناك إلاّ إجابة واحدة: انتصار المحبة المتألمة ” المحبة قوية كالموت… مياه كثيرة لا تستطيع أن تطفئ المحبة” (نش7،6:8). فالصليب يرينا المحبة التي هي قوية كالموت بل هي محبة أقوى من الموت.
ويفتتح القديس يوحنا روايته عن العشاء الأخير والآلام بهذه الكلمات ” فيسوع.. إذ كان قد أحب خاصته الذين فى العالم، أحبهم إلى المنتهي” (يو1:13). “إلى المنتهي” ـ وباللغة اليونانية تعنى “إلى النهاية”، أى “إلى الكمال”. وهذه الكلمة اليونانية Telos نجدها فيما بعد مستعملة فى الصرخة الأخيرة التي نطق بها على الصليب: ” قد أُكمّل” (يو30:19) وهذه الصرخة لا ينبغى أن تُفهم كصرخة استسلام أو يأس بل كصرخة انتصار: قد اكتمل، قد أُنجز، قد تحقق. ما هو الذي تحقق؟ ونجيب: عمل المحبة المتألمة، انتصار المحبة على البغضة. المسيح إلهنا قد أحب خاصته إلى المنتهي. لقد خلق العالم بسبب محبته، وبسبب المحبة وُلد فى هذا العالم كإنسان، وبسبب المحبة إتخذ إنسانيتنا المكسورة لنفسه وجعلها خاصة به. بسبب المحبة وحّد نفسه مع آلامنا. بسبب المحبة قدم نفسه ذبيحة واختار وهو فى جثسيمانى أن يمضى بإرادته إلى آلامه: ” وأنا أضع نفسى عن خرافى.. ليس أحد يأخذها منى بل أضعها أنا من ذاتى ” (يو18،15:10). فالذي أتى بيسوع إلى الموت لم يكن قهرًا خارجيًا، بل محبة قوية ومريدة. وفى جهاده فى البستان وعلى الصليب فإن قوات الظلمة تهاجمه بكل عنفها، ولكنها لا تستطيع أن تحوّل محبته إلى بغضة؛ لا تستطيع أن تمنع محبته من أن تظل كما هي. لقد امتُحنت محبته إلى أقصى حد ولكنها لم تُقهر. ” النور يضئ فى الظلمة والظلمة لم تبتلعه” (يو5:1). ويمكن أن نتكلم عن نصرة المسيح على الصليب بالكلمات التي تكلم بها كاهن روسى عند إطلاق سراحه من معسكر السجن، عندما قال: ” الألم قد حطم كل شئ، شئ واحد قد ظل ثابتًا ـ ألاّ وهو المحبة “.
فعندما نفهم الصليب على أنه انتصار فهذا يضع أمامنا مضادة المحبة الكلية القدرة. ويقترب ديستوفسكى من المعنى الحقيقى لنصرة المسيح فى بعض عباراته التي يضعها على لسان الستارتز زوسيما[4]:
[ يقف الإنسان مرتبكًا أمام بعض الأفكار، وخاصة أمام منظر الخطية البشرية، ويتحير الإنسان هل يقاومها بالقوة أم بالمحبة المتواضعة. قرّر وصمم دائمًا وقل سأقاومها بالمحبة المتواضعة. فإن عزمت على ذلك مرة واحدة، فإنك تستطيع أن تغلب العالم كله. التواضع المملوء محبة هو قوة مرعبة: إنه الأقوى بين الأشياء ولا يوجد شئ آخر مثله ].
التواضع المملوء محبة هو قوة مرعبة: فحينما نتخلى عن أى شئ أو نتألم من أى شئ لا بإحساس المرارة المرتبط بالتمرد، بل باستعداد ورغبة ونتيجة المحبة، فهذا لا يجعلنا أضعف بل اقوى. هكذا الأمر أيضًا ـ وأكثر من الكل ـ فى حالة يسوع المسيح. يقول القديس أغسطينوس إن ضعف المسيح كان قوة. إن قوة الله تظهر بالأكثر ليس فى خلقته للعالم أو فى أى معجزة من معجزاته بل بالحرى فى حقيقة أن الله بسبب محبته، قد ” أخلى نفسه” (فى7:2)، قد سكب نفسه فى عطاء سخى للذات باختياره الحر ورضاه بأن يتألم وأن يموت. وهذا الإخلاء للنفس هو تحقيق للذات: الإخلاء هو امتلاء (Kenosis is Plerosis) إن الله لا يكون فى أقصى قوته إلاّ كما يكون وهو فى غاية الضعف.
المحبة والبغضة هما ليس مجرد مشاعر ذاتية، تؤثر فى العالم الداخلى لأولئك الذين يختبرونهما بل هما أيضًا قوتين موضوعيتين فعلاً، وهما تغيران العالم الذي حولنا خارج نفوسنا. بمحبة الآخر أو بغضه فإنى أجعل الآخر ـ إلى درجة ما ـ يتحول ليصير بحسب ما أراه أنا أو أراها. إن محبتى خلاّقة ليس فقط لنفسى بل لحياة كل الذين حولى، وبالمثل فإن كراهيتى هدامة. فإن كان هذا صحيحًا بالنسبة لمحبتى أنا فيكون صحيحًا بدرجة أعظم بما لا يُقاس بالنسبة لمحبة المسيح. فانتصار محبة المسيح المتألمة على الصليب ليس فقط يضع أمامى نموذجًا يبين لىّ ما يمكن أن أصل إليه إن تمثلت به بواسطة جهودى الخاصة، بل أكثر جدًا من هذا فإن محبته المتألمة لها تأثير خلاّق علىَّ ـ إذ أنها تغير قلبى وإرادتى، وتحررنى من العبودية وتجعلنى صحيحًا معافى، وتجعلنى قادرًا على أن أحب بطريقة تتجاوز قواىَّ تمامًا لو لم أكن قد نلت أولاً محبته لىّ. ولأنه وحّد نفسه معى بالمحبة، فإن انتصاره هو انتصارى. وهكذا فإن موت المسيح على الصليب هو بحق “موت خلاّق للحياة” (موت مُحيِى)، كما يصفه قداس القديس باسيليوس.
إذن، فآلام المسيح وموته لهما قيمة موضوعية: لقد عمل لنا شيئًا كنا غير قادرين أن نعمله بدونه. وفى نفس الوقت، لا ينبغى أن نقول إن المسيح قد تألم “بدلاً منا”، بل بالحرى قد تألم “لأجلنا”. ابن الله تألم “حتى الموت”، لا لكى نُعفى نحن من الألم والمعاناة، بل لكى تكون آلامنا مثل ألامه. فالمسيح يقدم لنا طريقًا لا للهروب من الألم بل طريقًا للسير فى وسط الألم؛ فهو لا يقدم لنا مبادلة، بل يرافقنافى آلامنا وبمرافقته لنا يخلصنا.
هذه هي قيمة صليب المسيح بالنسبة لنا. فإذا أخذناه وربطناه بالتجسد والتجلى اللذين يسبقانه، وبالقيامة التي حدثت بعده ـ فإن كل هذه إنما هي عناصر لعمل واحد لا تقبل الانفصال عن بعضها، أى أنها “دراما”. فإن الصلب ينبغى أن يُفهم على أنه أعظم وأكمل نصرة، وتضحية، ومثال. وفى كل الحالات فإن النصرة، والتضحية، والمثال، هي خاصة بالمحبة المتألمة:
وهكذا فنحن نرى فى الصليب:
النصرة الكاملة للتواضع المُحب على البغضة والخوف ؛
التضحية الكاملة أى تقديم الذات الإرادى الذي للمحبة المشفقة ؛
المثال الكامل لقوة المحبة الخلاّقة.
وبكلمات جوليان (من نوريخ Julian of Norwich):
“هل تريد أن تتعلم قصد سيدك فى هذا الأمر؟ تعلّمه جيدًا. المحبة كانت قصده. من الذي أظهرها لك؟ المحبة. ماذا أظهر لك؟ المحبة. لماذا أظهرها لك؟ لأجل المحبة. فأمسك أنت بها وأنت ستتعلم وتعرف أكثر فى نفس هذا الأمر (المحبة). ولكنك لن تعرف أو تتعلم هناك شيئًا آخر بغير حدود.. ثم قال ربنا الصالح يسوع المسيح: هل أنتِ مسرورة لأنى تألمت لأجلكِ؟ فقلت له: نعم أيها الرب الصالح، إنى أشكرك؛ نعم ياربى الصالح لتكن أنت مباركًا. حينئذٍ قال يسوع سيدنا الحنون: إن كنتِ مسرورة فأنا مسرور. إنه لفرح وإنه لسعادة وأمر مشبع لىّ بلا نهاية إننى عانيت الآلام لأجلكِ، وإن كان يلزم أن أتألم أكثر فإننى سوف أتألم أكثر”.
المسيح قام :
بسبب أن المسيح إلهنا هو إنسان حقيقى، لهذا مات موتًا بشريًا تامًا، موتًا حقيقيًا على الصليب. ولكن لأنه ليس فقط إنسانًا حقيقيًا بل هو أيضًا إله حقيقى، بسبب أنه هو الحياة ذاتها ومصدر الحياة، فهذا الموت لم يكن ولا يمكن أن يكون الخاتمة النهائية.
الصلب ذاته نصرة؛ ولكن النصرة تظل خفية يوم الجمعة العظيمة، ولكن فى فجر القيامة تصير النصرة ظاهرة مكشوفة. المسيح قام من بين الأموات وبقيامته يحررنا من القلق والخوف: فهنا تتأكد نصرة الصليب ويظهر بوضوح أن الحب أقوى من البغضة وأن الحياة أقوى من الموت. الله نفسه مات وقام من الأموات، وهكذا لم يعد هناك موت بعد. فحتى الموت قد صار مملوءًا بالله. وبسبب قيامة المسيح فلم نعد نخاف من أى ظلمة أو قوة شريرة فى الكون كله. وكما نعلن فى صلاة قداس ليلة القيامة ـ بكلمات للقديس يوحنا ذهبى الفم:
لا أحد يخاف الموت، لأن موت المخلص قد حررنا
المسيح قام والشياطين قد سقطت
المسيح قام والملائكة تتهلل
هنا ـ مثلما فى مواقف أخرى ـ فإن الأرثوذكسية تصل إلى الطرف الأقصى. فنحن نكرر مع القديس بولس: ” إن لم يكن المسيح قد قام فباطلة كرازتنا، وباطل أيضًا إيمانكم” (1كو14:15). كيف نستمر أن نكون مسيحيين، إن كنا نعتقد أن المسيحية مؤسسة على أوهام ؟ وكما أنه لا يكفى أن نعتبر المسيح مجرد نبى أو مجرد معلم للبر، ولم نعتبره الإله المتجسد، هكذا أيضًا لا يكفى أن نشرح القيامة بقولنا أن “روح” المسيح عاش بطريقة ما وسط تلاميذه. فالذي لا يكون “إله حق من إله حق”، والذي لم يقهر الموت بموته وقيامته من بين الأموات، لا يمكن أن يكون هو خلاصنا ورجاؤنا.
نحن الأرثوذكس نؤمن أنه قد حدثت قيامة حقيقية من بين الأموات، أى أن نفس المسيح البشرية قد عادت واتحدت بجسده البشرى، وأن القبر وُجد فارغًا. وبالنسبة لنا نحن الأرثوذكس حينما ندخل فى حوارات “مسكونية” ـ فإن أحد أهم الانقسامات وسط المسيحيين المعاصرين هي بين الذين يؤمنون بالقيامة والذين لا يؤمنون بها.
” وأنتم شهود لهذه الأمور” (لو48:24). المسيح المُقام يرسلنا إلى العالم لنشرك الآخرين معنا فى “الفرح العظيم” الذي لقيامته. كتب الأب ألكسندر شميمان:
[ المسيحية منذ بدايتها كانت هي الكرازة بالفرح، الكرازة بالفرح الوحيد الممكن على الأرض… بدون الكرازة بهذا الفرح تبقى المسيحية غير مفهومة. الكنيسة كانت منتصرة فى العالم لسبب واحد وهو أنها كانت مملوءة بالفرح، وهي فقدت العالم حينما فقدت الفرح، حينما توقفت عن الشهادة للفرح. من بين الاتهامات الموجهة للمسيحيين فإن أشدها هولاً هو الاتهام الذي نطق به نيتشه حينما قال: إن المسيحيين ليس عندهم فرح… الإنجيل يبدأ هكذا: ” ها أنا أبشركم بفرح عظيم..” وينتهي هكذا ” فسجدوا له ورجعوا إلى أورشليم بفرحٍ عظيم.. ” (لو10:2، 52:24).]
[ اعتاد أحد الشيوخ أن يقول: نادى اسم يسوع باتضاع وبقلبٍ منسحق، اخبره بضعفك الشديد، وهو يصير قوتك ] من أقوال آباء البرية
[ ما أسهل أن تقول مع كل نَفَس: ياربى يسوع، ارحمنى! اباركك ياربى يسوع، ياربى يسوع، أعنى ] القديس مقاريوس المصرى
[ كل الآمال، والخطط، والعادات، والحسابات ـ وفوق الكل ـ المعنى، معنى الحياة، كل هذه تطير إلى داخل القبر المظلم المفتوح. المعنى فقد معناه، وهناك معنى آخر يفوق الإدراك هذا المعنى جعل للإنسان أجنحة تنمو فى ظهره… واعتقد أن أى إنسان يكون له هذا الاختبار للأبدية ـ ولو مرة واحدة، الإنسان الذي عرف طريقه الذي يسير فيه، ولو مرة واحدة ؛ ذلك الذي رأى “ذاك” الذي يسير أمامه، ولو مرة واحدة ـ مثل هذا الشخص سيجد أنه من الصعب أن يتحول عن هذا الطريق: فبالنسبة إليه، كل راحة تبدو سريعة الزوال، كل الكنوز لا قيمة لها، وكل الرفقاء لا لزوم لهم إذا فشل فى ان يرى بينهم ” الرفيق الوحيد”، حاملاً صليبه ]
[ الحق بالنسبة لنا ليس منظومة فكرية. الحق غير مخلوق. الحق كائن. المسيح هو الحق. الحق شخص. الحق ليس منحصرًا فى حدود إدراكنا له. الحق يسمو فوق إدراكنا، نحن لا نستطيع أن نبلغ إلى إدراك كامل للحق. البحث عن الحق هو البحث عن شخص المسيح.
الحق هو سر شخص المسيح، ولأن الحق هو شخص، فإن السر مرتبط بدون انفصال بالحدث: حدث المقابلة. السر والحدث هما واحد.
السر، عند الذهن الأرثوذكسى، هو حقيقة دقيقة وبسيطة تمامًا. السر هو المسيح، وهو أن تلتقى بالمسيح ] (الأم ماريا من نورماندى)
[ الرب قد صار كل شئ لأجلك، وأنت ينبغى ان تصير كل شئ لأجل الرب ] القديس يوحنا من كرونستادت
[ لو لم يكن (المسيح) قد اتخذ (على عاتقه) الإنسان كله لما كان الإنسان كله قد خَلُص ] أوريجينوس
[ عجيبة مدهشة قد أتت اليوم،
الطبيعة تجددت، والله صار إنسانًا.
ما كان عليه، ظل كما هو،
وما لم يكن عليه، ذلك قد أخذه لنفسه
وأثناء آلامه ليس هناك اختلاط ولا انقسام
كيف أخبر عن هذا السر العظيم ؟
فذاك الذي هو بدون جسم صار متجسدًا،
الكلمة لبس جسدًا ؛
غير المرئى صار مرئيًا ؛
والذي لا تستطيع اليد أن تلمسه صار يُمسك ؛
والذي ليس له بداية، يبدأ الآن أن يوجد ؛
ابن الله صار ابن الإنسان:
يسوع المسيح هو نفسه، أمس، واليوم وإلى الأبد ]
(من صلاة عشية عيد الميلاد)
[ من لنا مثلك، يارب ؟
العظيم الذي صار صغيرًا، الساهر الذي نام، الطاهر الذي اعتمد، الحى الذي مات، الملك الذي حقر نفسه ليضمن الكرامة للجميع.
مباركة كرامتك، يجب على الإنسان أن يعترف بألوهيتك،
ويليق بالسمائيين أن يسجدوا لبشريتك.
الكائنات السمائية ذُهلت إذ رأتك كيف صرت صغيرًا جدًا.
والكائنات الأرضية ذُهلت إذ رأتك مُمجدًا جدًا ]
القديس مار افرآم السريانى
[ لأن المسيح هو المحبة الكاملة، لذلك فحياته على الأرض لا يمكن أن تصير حياة من الماضى. هو يظل “حاضر” طوال الأبدية كلها. كان وحيدًا عندئذ، وحمل وحده خطايا البشر جميعًا كوحدة واحدة. ولكن فى موته، أخذنا جميعًا فى عمله. لذلك فالأنجيل حاضر معنا الآن. ويمكننا أن ندخل داخل ذبيحته الخاصة ] (الأم ماريا من نورماندى)
[ ذاك الذي لا يمكن لأحد أن يلمسه، يُقبض عليه ؛
ذاك الذي يحل آدم من اللعنة، يُربط.
ذاك الذي يمتحن القلوب وأفكار الإنسان الداخلية، يؤتى به إلى المحاكمة ظلمًا ؛
ذاك الذي أغلق الجحيم يُوضع فى الحبس.
ذاك الذي تقف أمامه قوات السماء مرتعدة، يقف أمام بيلاطس ؛
الخالق يُضرب بيد خليقته ؛
ذاك الذي سيأتى ليدين الأحياء والأموات يُحكم عليه بالصلب ؛
[ أعمق أساس للرجاء والفرح، وهو الأساس الذي يميز الأرثوذكسية ويتغلغل فى كل عبادتها، هو القيامة. عيد القيامة، محور العبادة الأرثوذكسية هو انفجار للفرح، نفس الفرح الذي شعر به التلاميذ حينما رأوا المخلص المُقام. عيد القيامة هو انفجار فرح الكون بانتصار الحياة، بعد الحزن الغامر على الموت ـ الموت الذي عاناه رب الحياة حينما صار إنسانًا “. لتفرح السموات ولتتهلل الأرض، وليحتفل العالم كله المنظور وغير المنظور بالعيد، لأن المسيح فرحنا الأبدى قد قام “. كل الكائنات قد امتلأت الآن بيقين الحياة، بينما كانت قبل ذلك تسير بإطراد نحو الموت.
الأرثوذكسية تشدد بأصرار على إيمان المسيحية بانتصار الحياة ].
الأب دوميترو ستانيلو
[عندما يكون الإنسان سجينًا فى معسكر سوفيتى بسبب معتقداته الدينية، عندئذ فقط يمكنه أن يفهم حقًا سر سقوط الإنسان الأول، والمعنى التصوفى (mystical) لافتداء كل الخليقة، ونصرة المسيح العظيمة على قوات الشر. إننا، إذ نتألم لأجل مبادئ الإنجيل المقدس فعندئذ فقط يمكننا أن نفهم بوضوح ضعفنا وخطيئتنا، وندرك عدم استحقاقنا بالمقارنة بالشهداء العظام للكنيسة الأولى. وعندئذ فقط يمكننا أن نفهم أن الوداعة والتواضع العميقين هما ضرورة قصوى، وبدونهما (بدون الوداعة والتواضع العميقين) لا يمكننا أن نخلص؛ عندئذ فقط يمكننا أن نبدأ فى تمييز الصورة العابرة لما هو منظور، كما نميز الحياة الأبدية لما هو غير منظور.
فى يوم عيد القيامة (الفصح) ـ نحن جميعًا الذين كنا مسجونين بسبب معتقداتنا الدينية ـ اتحدنا معًا فى الفرح الواحد ـ فرح المسيح. لقد انجذبنا كلنا إلى شعور واحد، إلى انتصار روحانى واحد، ممجدين الإله الأبدى الواحد. لم يكن هناك قداس عيد القيامة المهيب المصحوب بصوت أجراس الكنيسة، ولم يكن هناك أى احتمال فى معسكرنا أن نجتمع للعبادة، أو أن نرتدى ملابس العيد، أو أن نعد أطباق عيد الفصح. بل بالعكس، كان هناك عمل أكثر وتدخّل أكثر من المعتاد فى شئون حياتنا. كل السجناء هنا بسبب معتقداتهم الدينية ـ أيًا كانت الكنيسة التي ينتمون إليها ـ كانوا محاصرين بتجسس أكثر، وبتهديدات أكثر من البولس السرى.
ومع ذلك، فعيد القيامة (الفصح) كان هناك: عظيمًا، مقدسًا، روحانيًا، وغير ممكن نسيانه. نال عيدنا الفصحى بركة حضور إلهنا القائم (الحى) فى وسطنا ـ نال عيدنا بركة هدوء وسكون نجوم صحراء سيبريا، كما نال عيدنا بركة أحزاننا.
كم هو عجيب أن تنبض قلوبنا بفرح عظيم وهي تشترك فى القيامة العظيمة.
انهزم الموت، لم يعد هناك خوف، لقد أُعطىَ لنا فصح أبدى! وها نحن ـ ونحن ممتلئون بهذا الفصح العجيب ـ نرسل لكم من معسكر سجننا، الأخبار المنتصرة والفرحة: المسيح قام
(خطاب مرسل من معسكر اعتقال سوفيتى)
[1] يشير إلى الفصل الثانى ” الله ثالوث ” فى الجزء الخاص بصلاة ” ياربى يسوع.. ” (ص17).
2 بعد مجمع أفسس سنة 431م، ذكر المؤلف المجامع المسكونية عند الروم الأرثوذكس من الرابع إلى السابع، وعلاقتها بالتجسد. وما جاء فى قرارات هذه المجامع هو عبارة عن الإيمان بالثالوث وباتحاد الطبيعتين فى شخص ابن الله المتجسد الواحد، سبق أن أوردته المجامع الثلاث الأولى التي تعترف بها كنيستنا القبطية (المعرب).
3 وردت أيضًا فى القداس القبطى.
1 ديستوفسكى هو الروائى الروسى العالمى الشهير فى القرن التاسع عشر، وشخصية زوسيما هي إحدى شخصيات رواية ” الاخوة كارمازوف “.
3 راهبة روسية كانت متزوجة قبل الرهبنة، فى الفترة الأخيرة من حياتها كرست نفسها لخدمة المرضى والفقراء والسجناء فى فرنسا، وتوفيت فى معسكرات النازى فى رافنزبروك بألمانيا سنة 1945.
1 من صلوات الجمعة العظيمة عند الروم الأرثوذكس.
الله إنسانا – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد
الله خالق – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد
الله خالق – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد
الطريق الأرثوذكسي للأسقف كاليستوس وير
الفصل الثالث
الله خالقٌ
جاء إلى القديس أنطونيوس فى البرية أحد الحكماء فى ذلك الزمان وقال له: ” يا أبى، كيف تحتمل العيش هنا محرومًا من كل تعزية من الكتب؟”.
فأجابه أنطونيوس ” كتابى، أيها الفيلسوف هو طبيعة الأشياء المخلوقة، وكلما أردت أقدر أن أقر فيها أعمال الله “. إفاجريوس البنطى
اعرف أن فى داخلك، على مستوى صغير، كونًا آخر: فى داخلك شمس وهناك قمر، وهناك أيضًا نجوم. أوريجينوس
تطلع إلى السموات:
تصف الممثلة ليللا مكارثى كيف أنها ذهبت مرة وهي تشعر بتعاسة شديدة لتقابل ” جورج برنارد شو “، بعد أن هجرها زوجها:
كنت أرتجف، كان شو يجلس ساكنًا جدًا. جلبت لى النيران الدفء.. لم أعرف كم مكثنا على هذا الحال، لكننى وجدت نفسى الآن أسير بخطى متثاقلة وشو يسير بجوارى.. نقطع “ممر أدلفى” صعودًا وهبوطًا. وتخفف الثقل الواقع على كاهلى رويدًا وأذرفت الدمع الذي لم يكن يفيض من قبل أبدًا.. وتركنى أصرخ. وسرعان ما سمعت صوتًا يتحدث إلىَّ اجتمعت فيه كل رقة العالم ولطفه. قال الصوت: ” تطلعى، يا عزيزتى، تطلعى إلى السموات. هناك فى الحياة ما هو أكثر من هذا. هناك المزيد والكثير”.
ومهما كان إيمان “شو” بالله أو عدمه، فإن “شو” يشير هنا إلى شئ أساسى فى الطريق الروحى. إنه لم يقدم كلمات ناعمة لتعزية ليللا مكارثى، أو تظاهر أن ألمها من السهل تحمله. ما فعله كان أكثر إدراكًا وتبصرًا. أخبرها أن تخرج لحظة من نفسها، من مأساتها الشخصية، وأن ترى العالم فى موضوعيته، وأن تتحسس جماله وتنوعه، أن تحس به “هكذا كما هو”. وتنطبق نصيحته على جميعنا. ورغم أن آلامى وآلام الآخرين تقهرنى، فينبغى ألا أنسى أنه يوجد فى العالم أكثر من هذا، هناك الكثير جدًا.
ويقول القديس يوحنا من كرونستادت “الصلاة حالة من الشكر الدائم”. فإن كنت لا أشعر بأى إحساس فرح بخليقة الله، وإن كنت أنسى أن أقدم العالم لله بالشكر، فلا أكون قد تقدمت سوى القليل على “الطريق”. ولم أتعلم بعد أن أكون إنسانًا بالحق. لأنه بالشكر فقط أقدر أن “أصبح أنا نفسى”. والشكر الممتزج بالفرح، البعيد جدًا عن كونه شكرًا مغرقًا فى الخيال أو شكرًا عاطفيًا، هو على النقيض شكر واقعى تمامًا ـ لكنها واقعية المرء الذي ” يرى العالم فى الله “، كخليقة إلهية.
جسر الماس:
” أتيت بنا إلى الوجود من العدم ” (قداس القديس يوحنا ذهبى الفم). كيف لنا أن نفهم علاقة الله بالعالم الذي خلقه ؟ ما معنى هذه العبارة “من العدم”، ولماذا، فى الحقيقة، يخلق الله أصلاً ؟
إن عبارة ” من العدم ” تدل أولاً وقبل كل شئ، على أن الله خلق العالم ” بفعل مشيئته الحرة”. ولا شئ أجبره على أن يخلق، هو اختار أن يفعل ذلك. لم يُخلق العالم بغير قصدٍ أو عن ضرورة، إنه ليس انبثاقًا آليًا أو فيضًا من الله، بل هو نتيجة الاختيار الإلهي.
فإن لم يكن شئ قد اضطر الله إلى الخلق، فلماذا إذن اختار أن يفعل هكذا ؟ وبقدر ما يسمح مثل هذا السؤال بإجابة، فإن ردنا يجب أن يكون: إن دافع الله فى الخلق هو محبته. وعوضًا عن القول إنه خلق العالم من عدم، يجب علينا القول بالأحرى إنه خلقه من ذاته هو، التي هي المحبة. علينا أن نفكر، لا فى “الله الصانع” ولا فى “الله الحرَفى” بل فى “الله المحب”. ليس الخلق بالأكثر فعل مشيئته الحرة بقدر ما هو فعل “محبته الحرة”. أن نحب معناه أن نشارك، كما أوضح لنا تعليم الثالوث بكل جلاء. ليس الله مجرد واحد، بل واحد فى ثلاثة، لأنه شركة أشخاص يتشاركون فى المحبة الواحد مع الآخر. إن دائرة الحب الإلهي، رغم ذلك، لم تبقَ مغلقة. إن محبة الله بكل ما تحمله الكلمة من معنى، محبة ” نشوة ودهش ” ـ محبة تجعل الله يخرج من ذاته وأن يخلق أشياء غير ذاته. وخلق الله العالم فى محبة ” دهشٍ ” باختيار إرادى، لتكون بجواره كائنات أخرى تشترك فى حياته ومحبته.
لم يكن الله تحت أى اضطرار لكى يخلق، لكن ذلك لا يعنى أن هناك أى شئ بمحض الصدفة أو غير منطقى حول فعله فى الخلق. الله هو “كل” ما يفعل، لهذا فإن فعله فى الخلق ليس شيئًا ما منفصلاً عن نفسه. إن كل واحد منا كان موجودًا دائمًا فى قلب الله وفى محبته. ومنذ الأزل رأى الله كل واحد منا كفكرة أو فكر فى عقله الإلهي، ومنذ الأزل كان عنده خطة خاصة ومتميزة لكل واحد منا. نحن كنا موجودين على الدوام بالنسبة له، ويعنى الخلق أنه فى نقطة ما معينة فى الزمن بدأنا نوجد نحن أيضًا بالنسبة لأنفسنا.
وكثمرة مشيئة الله الحرة، ومحبته الحرة، لم يكن العالم ضروريًا ولا مكتفيًا بذاته، بل هو عارض ومعتمد (على الله). وككائنات مخلوقة، لا يمكن أن نصبح نحن أنفسنا أبدًا وحدنا؛ فالله هو قلب كياننا، وإلاّ توقفنا عن الوجود. وفى كل لحظة نحن نعتمد فى وجودنا على مشيئة الله المُحِبة. الوجود هو دائمًا عطية أو هبة من الله ـ عطية مجانية من محبته، عطية لا تسترد أبدًا، لكنها على أى حال عطية، وليست شيئًا ما نمتلكه نحن بقدرتنا الذاتية. الله وحده هو الذي يملك سبب ومصدر كيانه فى ذاته، أما كل الكائنات المخلوقة فإن علتها ومصدرها، ليس فى أنفسها، بل فيه هو. الله وحده ذاتى المصدر، وكل الخلائق مصدرها الله، وجذرها فى الله، تجد أصلها وكمالها فيه. الله وحده ” اسم “، وكل المخلوقات ” صفات “.
وبقولنا إن الله خالق العالم، لا نعنى فقط أنه وضع الأشياء فى حالة حركة بفعل أولى “فى البدء”، بعده استمرت فى أداء أعمالها بذاتها. ليس الله مجرد صانع ساعات كونيًا، يملأ الآلة ويتركها تستمر فى الدق من نفسها. على النقيض، فالخلق “مستمر“. وإن توخينا الدقة فى الحديث عن الخلق، علينا ألاّ نستخدم صيغة الزمن الماضى، بل الحاضر المستمر.
علينا ألاّ نقول إن “الله خلق العالم، وخلقنى أنا فيه”، بل نقول إن ” الله يخلق العالم، ويخلقنى أنا فيه، هنا والآن، فى هذه اللحظة وباستمرار”. ليس الخلق حدثًا فى الماضى، بل هو علاقة فى الحاضر. لو لم يستمر الله فى أعمال مشيئته الخلاقة فى كل لحظة، لتهاوى الكون على الفور إلى عدم الوجود، لا شئ يمكنه أن يبقى موجودًا ثانيةً واحدةً لو لم يشأ الله له أن يكون. ومثلما يعبّر عنها المطران فيلاريت رئيس أساقفة موسكو، “كل المخلوقات تعتمد على كلمة الله الخالقة، كما فوق “جسر من ماس”، فوقها هاوية اللانهائية الإلهية، وتحتها هاوية عدميتها “. ويصدق هذا الأمر حتى على الشيطان والملائكة الساقطين فى الهاوية: إنهم هم أيضًا يعتمدون فى وجودهم على مشيئة الله.
إن غاية تعليم الخلق، إذن، ليس فى أن ننسب نقطة بداية زمنية للعالم، بل أن نؤكد على أنه فى هذه اللحظة الراهنة، كما فى كل اللحظات، يعتمد العالم فى وجوده على الله. وحينما يعلن سفر التكوين ” فى البدء خلق الله السموات والأرض ” (تك1:1)، فإن كلمة ” بدء ” لا تؤخذ هكذا ببساطة بمعنى زمنى (مؤقت)، بل ككلمة تدل على أن الله هو العلة الثابتة لكل الأشياء والحافظ لكل الأشياء.
وكخالق، إذن، فإن الله هو دائمًا فى قلب كل شئ، وهو يحفظه فى الوجود. وعلى مستوى الاستفسار العلمى، فإننا ندرك بعض العمليات أو العواقب الخاصة بالسبب والنتيجة. وعلى مستوى الرؤيا الروحية والتي لا تناقض العلم لكنها تتجاوزه، ندرك فى كل مكان قدرات الله الخالقة، التي تضبط كل ما هو موجود، والتي تشكل الجوهر العميق جدًا للأشياء كلها. ولكن رغم أن الله حاضر فى كل مكان فى العالم، فإن الله ليس متطابقًا مع العالم. ونحن كمسيحيين لا نؤكد على ألوهية الكون أو “وحدة الوجود”[1] بل على “عدم ألوهية الكون” (أو عدم وحدة الوجود). فالله موجود فى كل شئ ومع هذا فهو أيضًا يفوقويتجاوز كل الأشياء. هو ” أعظم من كل عظيم ” وأيضًا ” أصغر من كل صغير “.
وحسب تعبير غريغوريوس بالاماس ” هو فى كل مكان وليس فى أى مكان، هو كل شئ ولا شئ”. ومثلما عبر راهب بندكتى من نيو كليرفو الجديدة ” الله فى القلب (قلب الأشياء Core ومركزها). والله شئ آخر خلاف القلب. الله فى داخل القلب، وهو خلال كل القلب، وهو ما وراء القلب، وهو أقرب إلى القلب من القلب. “.
” ورأى الله كل ما عمله، فإذ هو حسنٌ جدًا” (تك31:1). الخليقة بكاملها هي من صنع الله، وكل المخلوقات هي فى عمق جوهرها “حسنة جدًا”. وترفض المسيحية الأرثوذكسية الثنائية بكل أشكالها: الثنائية الجذرية الخاصة بالمانوية، والتي تعزى وجود الشر لقوة ثانية، شريكة فى الأزلية Coeternal مع إله المحبة؛ وترفض الثنائية الأقل جذرية للفالنتينيين الغنوسيين، الذين يرون النظام المادى، بما فيه الجسم البشرى، كنظام أتى إلى الوجود كنتيجة للسقوط ما قبل الكونى، كما ترفض الثنائية الأكثر حذقًا للأفلاطونيين، الذين لا يعتبرون المادة شرًا، لكنهم يعتبرونها غير حقيقية.
وتؤكد المسيحية، ضد الثنائية بكل أشكالها، أن هناك خيرًا فائقًا، “الخير الأسمى” ـ أعنى، الله نفسه ـ لكن لا يوجد ولا يمكن أن يكون هناك شر فائق، فالشر ليس شريكًا فى الأزلية مع الله. فى البدء كان الله فقط: وكل الأشياء التي توجد هي خليقته، سواء فى السماء أو على الأرض، سواء كانت روحية أم مادية، وهكذا فهي فى حالتها الأساسية التي خُلقت عليها، كلها حسنة.
ماذا نحن قائلون إذن عن الشر ؟ مادامت كل المخلوقات هي فى داخلها حسنة (صالحة)، والخطية أو الشر فى حد ذاته ليس ” شيئًا “، ولا هو بالكائن الموجود أو الجوهر الموجود. وتقول “يوليان” من نورويخ فى كتابها “كشوف”: “أنا لم أر الخطية لأننى أعتقد أنها ليست لها جوهر من نوع ما، ولا تشارك فى الكيان، ولا يمكن التعرف عليها إلاّ من خلال الألم الذي يتسبب عنها”. ويقول القديس أغسطينوس “الخطية عدم”. “ما هو شر بالمعنى الدقيق” ـ كما يلاحظ إفاجريوس ” ليس هو جوهر بل هو غياب الخير، مثلما أن الظلمة ليست سوى غياب النور”. يعلن القديس غريغوريوس النيصّى ” لا توجد الخطية فى الطبيعة بمعزل عن الإرادة الحرة، إنها ليست جوهرًا قائمًا بذاته “. ويقول مكسيموس المعترف “حتى الشياطين أنفسهم ليسوا أشرارًا بطبيعتهم، لكنهم أصبحوا هكذا لما أساءوا استخدام قدراتهم الطبيعية “. الشر دائمًا طفيلي. هو التواء وسوء استعمال ما هو حسن فى ذاته. ولا يكمن الشر فى الشيء نفسه بل فى موقفنا نحو الشيء ـ أى، يكمن فى إرادتنا.
وقد يبدو بتسمية الشر ” عدمًا “، أننا نقلل من بطشه وقوته. لكن كما لاحظ “س. إسس. لويس”، ” العدم” هو قوى جدًا. فالقول بأن الشر هو سوء استعمال الخير ـ ومن ثم فى التحليل الأخير، وهمًا وليس حقيقة ـ هذا لا يعنى أن ننكر قبضته القوية علينا. لأنه ما من قوة أعظم فى الخليقة من الإرادة الحرة للكائنات التي أُعطى لها وعى ذاتى وذهن روحى، لهذا فإن سوء استخدام هذه الإرادة الحرة يمكن أن تكون له عواقب مرعبة جدًا.
الإنسان كجسد، ونفس وروح:
وماذا عن مكان الإنسان فى خليقة الله ؟
“ وإله السلام يقدسكم بالتمام ولتحفظ روحكم ونفسكم وجسدكم كاملة بلا لوم حتى مجيء ربنا يسوع المسيح ” (1تس23:5).
هنا يذكر القديس بولس العناصر أو الأوجه الثلاثة التي تكوّن الإنسان. وبينما تتمايز هذه العناصر إلاّ أنها معتمدة تمامًا الواحد على الآخر؛ فالإنسان وحدة متكاملة وليس المجموع الكلى لأجزاء منفصلة.
أولاً، هناك “الجسد” ” تراب من الأرض” (تك7:2)، وهو الجانب الفيزيفى أو المادى لطبيعة الإنسان.
ثانيًا، هناك النفس، قوة الحياة التي تحيى وتنشّط الجسد، فتجعله ليس مجرد كتلة أو عجينة من المادة، لكن شيئًا ينمو ويتحرك، ويشعر ويدرك. وللحيوانات أيضًا نفس، وربما النباتات لها أيضًا. لكن النفس فى حالة الإنسان منحها الله وعيًا، فهي نفس عاقلة، تملك القدرة على التفكير المجرد، والقدرة على التقدم بواسطة النقاش الاستطرادى من مقدمات منطقية إلى الاستنتاج.
ثالثًا، هناك ” الروح “، ” النسمة ” من الله (أنظر تك7:2)، والتي لا توجد فى الحيوانات. ومن المهم أن نميز ” الروح” (القدس) عن ” الروح” العادية. فالروح المخلوقة التي للإنسان ليست هي الروح غير المخلوق أى روح الله القدوس الأقنوم الثالث فى الثالوث؛ ومع ذلك فإن الروحيين مرتبطان ارتباطًا حميمًا، لأنه من خلال روحه يدرك الإنسان الله ويدخل فى شركة معه.
وبنفسه (psyche) يدخل الإنسان فى الاستفسارات العلمية أو الفلسفية، فيحلل بيانات خبرته الحسية بواسطة التفكير الاستطرادى. وبروحه (pneuma) والتي تُلقب أحيانًا بلفظة nous أى ذهن روحى، يفهم الحق الأبدى عن الله أو عن الجواهر الداخلية للمخلوقات (أو logoi)، ليس من خلال التفكير الاستنباطى، بل من خلال الإحساس المباشر أو الإدراك الروحى ـ بواسطة نوع من الحدس يسميه القديس مار اسحق السريانى “المعرفة البسيطة”. هكذا فإن الروح أو الذهن الروحى متميز عن قدرات الإنسان العقلية وعواطفه الجمالية، وتسمو على كليهما معًا.
ولأن للإنسان نفسًا عاقلة وذهنًا روحيًا، فهو يملك القدرة على تقرير مصير نفسه ويملك الحرية الأخلاقية، بمعنى إحساس الخير والشر، والقدرة على الاختيار بينهما. وبينما تتصرف الحيوانات بالفطرة أو الغريزة، فإن الإنسان قادر على اتخاذ قرار حر وواعٍ.
وفى بعض الأحيان، ينبئ “الآباء” نظامًا ثنائيًا لا ثلاثيًا، واصفين الإنسان ببساطة كوحدة من جسد ونفس؛ فى تلك الحالة يعتبرون الروح أو الذهن أنه الجانب الأعلى للنفس. لكن النظام الثلاثى للجسد والنفس والروح أكثر دقة وأكثر توضيحًا، خاصة فى عصرنا هذا حيث يحدث خلط بين النفس والروح، وحين لا يكون معظم الناس حتى على وعى بأنهم يملكون ذهنًا روحيًا. إن النظام الثقافى والتعليمى للغرب المعاصر قائم على وجه الحصر تقريبًا على تدريب الدماغ العقلانى، وبدرجة أقل، على العواطف الجمالية. وقد نسى معظمنا أننا لسنا فقط دماغًا وإرادة، وأحاسيس ومشاعر، إنما نحن أيضًا روح. لقد فقد الإنسان الحديث غالبًا التلامس مع أصدق وأعلى وجه من أوجه شخصيته، ويمكن رؤية أثر هذا الاغتراب الداخلى وبشكل جلى جدًا فى قلقه، وفقدان الهوية وضياع الرجاء.
الإنسان وسيط وكون صغير:
الجسد والنفس والروح هم ثلاثة فى واحد، ويشكل الإنسان وضعًا فريدًا فى النظام المخلوق.
ووفقًا للنظرة الأرثوذكسية للعالم، فقد جبل الله مستويين للمخلوقات: أولاً المستوى ” العقلى “، ” الروحى ” أو ” الذهنى “.
ثانيًا، المستوى المادى أو الجسدانى.
وعلى المستوى الأول خلق الله الملائكة الذين لا جسد مادى لهم. وعلى المستوى الثانى خلق الكون المادى ـ الأجرام السماوية، والنجوم والكواكب السيارة مع الأنواع المتعددة من المعادن والنباتات والحيوانات.
الإنسان، والإنسان وحده، هو الذي يوجد فى كلا المستويين فى آن واحد. فمن خلال روحه أو ذهنه الروحى يشارك فى المجال العقلى noetic وهو فى هذا رفيق الملائكة، ومن خلال جسده ونفسه، يتحرك ويشعر ويفكر وأيضًا يأكل ويشرب ويحول الطعام إلى طاقة ويشارك بشكل عضوى فى المجال المادى، الذي يسرى فى داخله من خلال إدراكاته الحسية.
هكذا فإن طبيعتنا البشرية أكثر تعقيدًا من الطبيعة الملائكية، وقد وُهبت إمكانيات أغنى. والإنسان من وجهة النظر هذه ليس أدنى بل أعلى من الملائكة؛ وكما يؤكد التلمود البابلى، “الأبرار أعظم من الملائكة الخادمين” (سنهدرين 93أ). يقف الإنسان فى قلب خليقة الله. ومن ثم يشارك فى كل من المجالين العقلى والمادى، وهو صورة أو مرآة للخليقة كلها، (أو بالتعبير اللاتينى imago mundi)، أى ” كون صغير ” (ميكروكوزم). وتتلاقى فيه كل المخلوقات. وقد يقول الإنسان عن نفسه، بكلمات كاثلين راين:
لأننى أحب
تسكب الشمس أشعتها من الذهب الخالص
تسكب ذهبها وفضتها على البحر..
لأننى أحب
ينمو نبات السرخس أخضر، ويخضر العشب،
وتخضر الأشجار المشمسة الشفافة.
لأننى أحب
يفيض النهرُ الليلَ كله فى نومى،
وتنام بين ذراعى عشرات الألوف من الأحياء
ويستيقظ النيام، والمتدفقون يجدون راحة.
ولأن الإنسان كون صغير ـ ميكروكوزم ـ فإنه وسيط أيضًا. ومهمته المعطاة له من الله أن يصالح ويوفق المجالين العقلى مع المادى، ليوحدهما معًا، وليروحن المادى، وليجعل كل القدرات الكامنة للنظام المخلوق تصير ظاهرة ومثلما عبّر الحاسيديم اليهودى، يُدعى الإنسان “ليتقدم من درجة إلى درجة، حتى يتحد كل شئ بواسطته “.
وككون صغير، فإن الإنسان إذن، هو ذلك الشخص الذي يتلخص العالم فيه. وكوسيط، هو الكائن الذي من خلاله يُقدَم العالم لله،.
والإنسان قادر على ممارسة دور الوساطة هذا فقط لأن طبيعته البشرية هي بالأساس والجوهر، وحدة واحدة. فلو كان الإنسان مجرد نفس تسكن جسدًا بشكل مؤقت، مثلما تصور كثير من فلاسفة الإغريق والهند ـ ولو كان جسده ليس جزءً من نفسه الحقيقية، بل مجرد قطعة من الملابس التي يخلعها يومًا ما، أو سجن يسعى أن يهرب منه ـ لما استطاع الإنسان بهذا الشكل أن يعمل كوسيط.
الإنسان يروحن الخليقة أولاً وقبل كل شئ، بروحنة جسده وتقديمه لله. ويكتب القديس بولس ” أم لستم تعلمون أن جسدكم هو هيكل للروح القدس الذي فيكم؟.. فمجدوا الله فى أجسادكم.. فأطلب إليكم أيها الاخوة، برأفة الله، أن تقدموا أجسادكم ذبيحة حية، مقدسة، مرضية عند الله” (1كو19:6،20، رو1:12). لكن فى ” روحنة ” الجسد، لا يلغى الإنسان مادية هذا الجسد: على العكس، فإن الإنسان مدعو أساسًا أن يعلن أو يظهر الروحى “فى المادى ومن خلاله”. والمسيحيون بهذا المفهوم هم الوحيدون أصحاب المذهب المادى Materialists الحقيقيون.
الجسد إذن، هو جزء مكمِّل للشخصية الإنسانية. وانفصال النفس عن الجسد فى الموت هو أمر غير طبيعى، هو شئ ما مضاد لخطة الله الأصلية. وهذا الموت قد حدث نتيجة السقوط. الأكثر من ذلك، فإن هذا الانفصال مؤقت: ونحن ننظر إلى ما هو قدام، فيما بعد الموت، إلى القيامة النهائية فى اليوم الأخير، حينما تتحد النفس مع الجسد مرة أخرى.
الصورة والمثال:
” مجد الله هو الإنسان ” هكذا يؤكد التلمود (Derech Eretz Zutta 10,5)
ويعلن القديس إيريناوس نفس الشيء: ” مجد الله هو الإنسان الحى “. إن الإنسان يشكل محور خليقة الله وتاجها. ووضع الإنسان الفريد هذا فى الكون نعرفه من الحقيقة التي تؤكد أنه مخلوق ” على صورة الله ومثاله ” (تك26:1). الإنسان تعبير محدود للتعبير الذاتى غير المحدود لله.
وأحيانًا يربط الآباء الشرقيون الصورة الإلهية أو ” الأيقونة ” (Ikon) فى الإنسان بطبيعته كلها، معتبرًا كاتحاد ثلاثى للروح والنفس والجسد. وفى أحيان أخرى يربطون الصورة بنوع خاص بأعلى سمة من سمات الإنسان، أى بروحه أو ذهنه الروحى، الذي ينال بواسطته معرفة الله والاتحاد به. وبشكل أساسى، فإن صورة الله فى الإنسان تشير إلى كل شئ يميز الإنسان عن الحيوانات، والذي يجعله ” شخصًا ” بكل ما تحمله الكلمة من معنى ـ وهو كائن أخلاقى قادر على الصواب والخطأ، وكائن روحى وهبه الله حرية داخلية.
إن صفة ” الاختيار الحر” لها أهميتها الخاصة لفهم الإنسان كمخلوق على صورة الله. ومثلما الله حر، هكذا بالمثل الإنسان حر. وإذ أنه حر، فإن كل إنسان يحقق الصورة الإلهية فى داخل نفسه بأسلوبه الخاص المتميز. وليس البشر عملات نقدية يمكن استبدال الواحدة بأخرى، أو قطع غيار آلة يمكن استبدالها: فكل شخص، إذ هو حر، لا يمكن تكراره، وكل شخص، إذ هو غير قابل للتكرار، هو ثمين بغير حدود. ولا يُقاس البشر كمّيًا: فليس لنا الحق أن نفترض أن شخصًا ما بعينه أكثر قيمة من شخص آخر بعينه، أو أن عشرة أشخاص هم بالضرورة أكثر قيمة من شخص واحد. مثل هذه الحسابات تسيء إلى الشخصية الأصيلة. إن كل شخص لا يمكن استبداله بآخر، ولهذا ينبغى أن يعامل كل إنسان “كغاية” فى حد ذاته أو ذاتها، وألاّ يعامل أبدًا كوسيلة لغاية أبعد. ينبغى أن يُعتبر كل شخص لا كشيء بل كشخص. وإن كنا نجد الناس مملين ومن الصعب جدًا التكهن بما فى داخلهم، فذلك لأننا لم ننفذ إلى مستوى الشخصية الحقيقية فى الآخرين وفى أنفسنا، حيث لا توجد أنماط مكررة بل كل شخص هو فريد.
ويميز كثير من الآباء الشرقيين، وإن لم يكن كلهم، بين “صورة” الله و”مثال” الله. فالصورة بالنسبة لأولئك الذين يميزون اللفظتين، تدل على “إمكانية” الإنسان على الحياة فى الله، و”المثال” يدل على “تحقيقه” لهذه الإمكانية أو القدرة. الصورة هي ما يمتلكه الإنسان منذ البداية، والتي تمكنه من أن يضع خطاه فى المحل الأول على الطريق الروحى؛ أما الشبه فهو ما يرجو أن يصل إليه فى نهاية رحلته. وبتعبير أوريجينوس “أخذ الإنسان كرامة الصورة فى خلقه الأول، لكن كمال تحقيق مثال الله سيُمنح له فقط فى نهاية الدهور”. كل الناس مخلوقون على صورة الله، ورغم أن حياتهم قد تكون فاسدة، إلاّ أن الصورة الإلهية فى داخلهم قد بهتت فقط وتغطت بقشرة معتمة، ومع هذا فهي لم تفقد تمامًا. لكن الشبه (أو المثال) يتحقق بالكامل فقط بواسطة الطوباويين فى ملكوت السموات فى الدهر الآتى.
وبحسب القديس إيريناوس، فإن الإنسان فى بدء خلقته كان ” مثل طفل صغير”، واحتاج أن “ينمو” إلى كماله. بعبارة أخرى، فإن الإنسان فى بدء خلقته كان بريئًا وقادرًا على التطور روحيًا (الصورة)، لكن هذا التطور لم يكن حتميًا أو أوتوماتيكيًا. دُعى الإنسان للتعاون مع نعمة الله، وهكذا من خلال الاستخدام الصحيح لإرادته الحرة، فإنه ببطء وتدريجيًا يمكن أن يصير كاملاً فى الله (الشبه أو المثال). ويظهر هذا الأمر كيف يمكن لمفهوم الإنسان كمخلوق على صورة الله، أن يُفسر بالأحرى بمعنى ديناميكى متحرك لا استاتيكى ساكن. وهذا لا يعنى بالضرورة أن الإنسان قد وهبه (الله) منذ البداية كمالاً محققًا بالكامل، وأعلى قداسة ومعرفة ممكنة، بل أنه ببساطة قد أُعطى الفرصة لينمو إلى شركة كاملة مع الله.
إن التمييز بين “الصورة” و”المثال” لا يتضمن طبعًا فى ذاته قبول أية “نظرية للتطور” لكنه ليس متنافرًا مع مثل هذه النظرية.
إن الصورة والمثال يدلان على التوجّه والعلاقة. مثلما يعبر فيليب شيرارد ” إن عمق مفهوم الإنسان يتضمن علاقة، يتضمن اتصالاً مع الله. فحينما نؤكد على الإنسان، فإننا نؤكد أيضًا على الله”. ومعنى الإيمان بأن الإنسان مخلوق على صورة الله هو الإيمان بأن الإنسان مخلوق لأجل شركة واتحاد مع الله، وإن كان يرفض هذه الشركة يكف عن أن يكون إنسانًا بمعنى الكلمة. وليس هناك ما يسمى ” بإنسان طبيعى ” يوجد منفصلاً عن الله: الإنسان المنفصل عن الله هو فى حالة غير طبيعية تمامًا. لذلك فإن تعليم “الصورة” يعنى، أن الإنسان يجعل الله هو المركز العميق جدًا لكيانه. إن الله هو العنصر الحاسم فى بشريتنا، فإن فقدنا إحساسنا بالإلهي نفقد أيضًا إحساسنا بالإنسانى.
وقد تأكد ذلك بشكل ملفت بما حدث فى الغرب، منذ عصر النهضة، وعلى الأخص منذ الثورة الصناعية. فصاحب الدنيوية المتزايدة نمو فى تجريد المجتمع من إنسانيته. وأكبر مثال على ذلك نراه فى النسخة اللينينية ـ الستالينية للشيوعية، فى الاتحاد السوفيتى. حيث تزامن إنكار الله مع القهر القاسى لحرية الإنسان الشخصية. وهو الأمر الذي لا يثير أدنى دهشة. إن الأساس الآمن الوحيد للتعليم عن الحرية والكرامة البشرية هو الاعتقاد بأن كلإنسان مخلوق على صورة الله.
والإنسان مخلوق، ليس فقط على صورة الله، بل بوجه أخص على صورة الثالوث. وكل ما قيل مثلاً عن ” كيف نحيا الثالوث ” (أنظر الفصل الثانى ص53) يكتسب قوة إضافية حينما نعبر عن ذلك بتعليم “الصورة”. فلما كانت صورة الله فى الإنسان هي صورة ثالوثية، يتبع أن الإنسان، مثله مثل الله، يحقق طبيعته الحقيقية من خلال الحياة المشتركة المتبادلة. والصورة تشير إلى العلاقة لا مع الله فقط، بل مع الآخرين من الناس أيضًا. ومثلما تحيا الأقانيم الإلهية فى ولأجل بعضهم البعض، هكذا الإنسان، إذ هو مخلوق على الصورة الثالوثية ـ يصبح شخصًا حقيقيًا برؤيته العالم من خلال عيون الآخرين. بجعله أفراح وأحزان الآخرين أفراحه هو وأحزانه هو. كل إنسان هو شخص فريد، ومع هذا فكل واحد فى فرادته مخلوق للشركة مع الآخرين.
” نحن الذين من أهل الإيمان يجب أن نرى المؤمنين كلهم كشخص واحد.. وأن نكون مستعدين أن نبذل حياتنا لأجل قريبنا “.
(سمعان اللاهوتى الجديد)
” ما من طريق آخر به نخلص، سوى بواسطة قريبنا.. هذه هي نقاوة القلب: حينما ترون الخطاة أو السقماء، وتشعرون حيالهم بالرأفة وحنان القلب نحوهم ” (من عظات القديس مقاريوس)
” اعتاد الشيوخ أن يقولوا إننا يجب أن نهتم بخبرات جارنا، وكأنها خبراتنا نحن. وعلينا أن نعانى مع جارنا فى كل شئ وأن نبكى معه، وأن نسلك وكأننا فى داخل جسده هو، وإن ألم به أى ضيق، علينا أن نشعر بالضيق الذي نشعر به لأجل أنفسنا ” (أقوال آباء البرية)
كل هذا حقيقى، بالضبط لأن الإنسان مخلوق على صورة الله الثالوث.
كاهن وملك:
الإنسان إذ هو مخلوق على الصورة الإلهية ـ ككون صغير ووسيط ـ هو كاهن الخليقة وملكها. ويستطيع الإنسان ـ عن وعى وعن قصد، أن يعمل أمران، تعملها الحيوانات بدون وعى وبشكل غريزى. الأمر الأول، أن الإنسان يستطيع “أن يبارك الله ويسبحه لأجل العالم”. أفضل تعريف للإنسان ليس أنه “حيوان ناطق” أو “عاقل”، بل أنه حيوان “إفخارستى” (أى شاكر). فالإنسان ليس مجرد أنه يحيا فى العالم ويفكر فيه ويستعمله، بل هو يستطيع أن يرى العالم على أنه عطية الله، على أنه سر لحضور الله ووسيلة للشركة مع الله، وهكذا فهو يستطيع أن يقدّم العالم لله بالشكر: “نقدم لك من الذي لك، فى الكل ولأجل الكل ” (قداس القديس يوحنا ذهبى الفم).
والأمر الثانى، إلى جانب أنه يستطيع أن يبارك الله ويسبحه نيابة عن العالم، أن الإنسان يستطيع أن “يعيد تشكيل العالم وأن يغيره”؛ ومن ثم يعطيه معنى آخر وبتعبير “الأب ديمترى ستانيلو”، “يضع الإنسان ختم فهمه وعمله الذكى على الخليقة..” ليس العالم هبة فقط، بل مهمة للإنسان”.
إنها دعوتنا أن نتعاون مع الله، نحن، بعبارة القديس بولس، ” عاملون مع الله ” (1كو9:3). ليس الإنسان مجرد كائن حى عاقل وكائن حى إفخارستى Eucharistic animal، بل هو كائن حى خلاّق أيضًا Creative: وحقيقة أن الإنسان هو على صورة الله تعنى أن الإنسان خالق على صورة الله الخالق. وهو يتمم هذا الدور الخلاّق، ليس بواسطة قوة بهيمية غشيمة، لكن من خلال جلاء ووضوح رؤيته الروحية؛ وليس الإنسان مدعوًا ليسيطر على الطبيعة ويدمرها، بل أن يغير شكلها ويجلّيها وأن يقدّسها.
وبواسطة العديد من الطرق ـ من خلال استزراع الأرض، ومن خلال الحرف، ومن خلال كتابة الكتب ورسم الأيقونات ـ يستنطق الإنسان الأشياء المادية ويعطيها صوتًا ويجعل الخليقة تنطق بحمد الله وبتسبيحه. وجدير بالملاحظة أن المهمة الأولى لآدم بعد خلقه، كانت أن يعطى للحيوانات أسماءً (تك19:2،20). وإعطاء الأسماء هو فى حد ذاته فعل خلاّق: فمن دون أن نجد اسمًا لشيء ما أو خبرة ما، وأن نجد ” كلمة يتعذر اجتنابها “تدلل على صفة الشيء الحقيقية، لا نقدر أن نبدأ فى فهمه واستخدامه. وأمر ذو دلالة أيضًا، أننا حين نقدم باكورات الأرض لله فى الإفخارستيا، فإننا نقدمها لا فى شكلها الأصلى بل نقدمها وقد أعادت يد الإنسان تشكيلها: فنحن لا نأتى إلى المذبح بسنابل من قمح بل بأرغفة من خبز، ولا نأتى بعنب بل بنبيذ خمر.
الإنسان إذن هو كاهن الخليقة من خلال قدرته على أن يقدم الشكر وأن يقدم الخليقة لله؛ وهو ملك الخليقة من خلال قدرته على أن يصيغ ويشكّل، وأن يتصل وأن ينوّع. وهذه الوظيفة الكهنوتية والملوكية يصفها القديس لونيتوس القبرصى وصفًا جميلاً:
” من خلال السماء والأرض، والبحر، من خلال الخشب والحجر، من خلال الخليقة كلها المنظورة وغير المنظورة، أقدم التكريم للخالق والسيد وجابل كل شئ. لأن الخليقة لا تكرم الخالق بشكل مباشر ومن ذاتها، لكنها من خلالى أنا تعلن السموات مجد الله، من خلالى أنا يعبد القمر الله، من خلالى أنا تمجد النجوم الله، من خلالى أنا فإن المياه ورخات المطر والندى وكل الخليقة، تكرم الله وتعطيه مجدًا “.
ونفس الأفكار يعبر عنها المعلم اليهودى أبراهام ياكوف من سادا جورا:
كل المخلوقات والنباتات والحيوانات تأتى وتقدم نفسها للإنسان، لكنها من خلال الإنسان يؤتى بها كلها وتُقدم لله. وحينما يطهر الإنسان نفسه ويقدسها فى كل أعضائه كتقدمة لله، فإنه يطهر ويقدس كل الخليقة.
الملكوت الداخلى:
” طوبى لأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله ” (مت8:5). الإنسان إذ خُلِق على صورة الله، فهو مرآة لله. هو يعرف الله بمعرفته لنفسه: حين يدخل إلى داخل نفسه، يرى الله منعكسًا فى نقاوة قلبه. إن تعليم خلقة الإنسان حسب الصورة يعنى أن فى داخل كل شخص ـ فى داخل ذاته أو ذاتها الأصدق والأعمق، والتي تسمى غالبًا ” بالقلب العميق ” أو ” قاعدة النفس ” ـ هناك التقاء واتحاد مباشر مع غير المخلوق. ” ها ملكوت الله داخلكم ” (لو21:17).
وهذا السعى للملكوت الداخلى هو أحد أهم الأفكار الرئيسية الموجودة فى كتابات الآباء. يقول القديس كليمندس الأسكندرى: ” إن أعظم الدروس كلها أن تعرف نفسك، لأنه إن عرف الإنسان نفسه ـ سوف يعرف الله، وإن عرف الله، سوف يصبح مثل الله “. ويكتب القديس باسيليوس الكبير: ” حينما لا يتبدد الذهن وسط أمور خارجية أو يشتت فى العالم من خلال الحواس، فإنه يعود إلى ذاته، وبواسطة ذاته يرتفع إلى التفكير فى الله “. ويقول مار اسحق السريانى ” من يعرف نفسه يعرف كل شئ “. ويكتب فى موضع آخر: ” كن فى سلام مع نفسك، حينئذ تسالمك السماء والأرض، أدخل بشوق إلى داخل الكنز الذي فيك، وهكذا ترى كل أمور السماء؛ إذ يوجد مدخل واحد إلى كليهما معًا. إن السُلم الذي يؤدى إلى الملكوت مخبأ فى داخل نفسك. أهرب من الخطية، غصّ داخل نفسك، وفى نفسك ستكتشف درجات السلم التي تصعد عليها “.
ونضيف إلى هذه النصوص شهادة شاهد غربى فى أيامنا هذه، هو توماس مِرتون:
” فى كياننا نقطة عَدم لا تلمسها الخطية والخداع، نقطة الحق الصافى. نقطة أو جذوة هي ملك الله بالكامل، ليست تحت تصرفنا أبدًا، منها يرتب الله حياتنا، هي نقطة لا تصل إليها خيالات عقلنا أو وحشية إرادتنا. هذه النقطة الضئيلة من العدم والفقر المطلق هي مجد الله الصافى داخلنا. إنها إن جاز التعبير، اسمه مكتوبًا فينا، كفقرنا، وعوزنا، واتكالنا، وبنوتنا. إنها مثل جوهرة نقية، تتلألأ بنور السماء الغير مرئى. هي فى كل إنسان، وإن استطعنا رؤيتها سوف نرى بلايين من نقاط النور تتجمع معًا فى وجه وضوء شمس تبدد تمامًا كل ظلمة وقسوة الحياة… إن باب السماء هو فى كل مكان “.
ويؤكد مار اسحق قائلاً: ” اهربوا من الخطية “، وعلينا أن ننتبه لهذه الكلمات الثلاث. فإن كنا نريد أن نرى وجه الله منعكسًا فينا، علينا أن ننظف المرآة. بدون توبة لن تكون هناك معرفة لذواتنا، ولا اكتشاف للملكوت الداخلى. حينما يُقال لى ” أرجع إلى نفسك: أعرف نفسك “، من الضرورى أن أسأل: أى “نفس” علىّ أن اكتشفها ؟ وما هي نفسى الحقيقية؟ إن التحليل النفسى، يكشف لنا عن نوع واحد من “الذات”، لكنها فى أغلب الأحيان، لا ترشدنا إلى “السُلّم الذي يؤدى بنا إلى الملكوت”، بل تقودنا إلى الدرج الذي يهوى بنا إلى قبو عفن ممتلئ بالثعابين. إن عبارة ” أعرف نفسك ” تعنى ” أعرف نفسك كإنسان أصله هو الله، جذره هو الله، أعرف نفسك فى الله “. ومن وجهة نظر التقليد الروحى الأرثوذكسى ينبغى التأكيد على أننا لن نكتشف هذه النفس الحقيقية “بحسب الصورة “، إلاّ بواسطة موت ذاتنا الزائفة والساقطة. ” من يضيّع نفسه من أجلى يجدها ” (مت25:16). الذي يرى ذاته الزائفة على ما هي عليه ويرذلها هو فقط الذي يصبح قادرًا على إدراك ذاته الحقيقية، الذات التي يراها الله. والقديس برصنوفيوس يؤكد هذا التمييز بين النفس الزائفة والنفس الحقيقية قائلاً:
” أنسَ نفسك واعرف نفسك “.
الشر والألم وسقوط الإنسان:
فى الرواية العظيمة للكاتب ديستوفسكى ” الاخوة كرامازوف “، يتحدى إيفان أخاه: ” افترض أنك تخلق نسيج القدر الإنسانى لغرض إسعاد الناس فى النهاية ومنحهم السلام والراحة، ولكن لكى تفعل هذا من الضرورى أن تعذب طفلاً واحدًا صغيرًا 000 وأن تشيد بناءك على دموعه ـ فهل توافق على إنجاز البناء على هذا الشرط؟ ويجيبه أليوشا: “لا، لن أوافق “. فإن كنا لا نوافق أن نفعل هذا، فمن الواضح إذن أن الله لا يفعله بالأولى.
يخبرنا الأديب سومرست موم، أنه بعد أن رأى طفلاً صغيرًا يحتضر ببطء من مرض الالتهاب السحائى، لم يقدر بعدها أن يؤمن بإله المحبة. وآخرون اضطروا أن يراقبوا زوجًا أو زوجة، طفلاً أو والدًا، تعصف بهم ضائقة شديدة: فإنه فى عمق الألم ربما لا يكون هناك شئ أكثر إزعاجًا لنا من إنسان مصاب باكتئاب سوداوى مزمن (ميلانخوليا). فما هي إجابتنا؟ كيف لنا أن نصالح الإيمان بإله محب ـ الذي خلق كل الأشياء ورأى أنها “حسنة جدًا” ـ مع وجود الألم والخطية والشر؟
أولاً يجب أن نقر أنه من غير الممكن تدبير إجابة سهلة أو مصالحة واضحة. إن الألم والشر يواجهاننا كشيء أصم مصمت. وآلامنا وألام الآخرين، هي خبرة علينا أن نحياها، وهي ليست مشكلة نظرية يمكننا أن نشرحها. وإن كان هناك شرح، فإنه يكون على مستوٍ أعمق من الكلمات. لا يمكن “تبرير” الألم، لكن يمكن استخدامه وقبوله ـ ومن خلال هذا القبول، تتغير هيئته ويتجلى. يقول نيكولاوس برداييف، ” إن مضادة الألم والشر، يمكن حلها فى خبرة التعاطف والحب”.
لكن، وبينما نكون نحن مرتابين من جهة أى حل سهل “لمشكلة الشر”، فإننا نجد فى حدث سقوط الإنسان، الوارد بالإصحاح الثالث من سفر التكوين ـ سواء تم تفسير ذلك حرفيًا أو رمزيًا ـ نجد علامتين حيويتين، يجب أن نقرأهما بعناية.
العلامة الأولى:
أولاً، تبدأ قصة التكوين بالكلام عن “الحية” (1:3)، أى، الشيطان ـ أول من تحول من الملائكة وابتعد عن الله إلى جحيم الإرادة الذاتية. لقد كان هناك سقوط مزدوج: أولاً سقوط الملائكة، ثم سقوط الإنسان. ويُعد سقوط الملائكة بالنسبة للأرثوذكسية حقيقة روحية وليس قصة أسطورية مثيرة للخيال. وقبيل خلق الإنسان، كان قد حدث فعلاً تفريق للطرق داخل المجال العقلى: فقد بقى بعض الملائكة ثابتين فى طاعة الله، ورفضه آخرون. وحول هذه “الحرب فى السماء” (رؤ7:12)، لدينا إشارات مقتضبة فقط فى الكتاب المقدس، فهو لم يخبرنا بتفاصيل ما حدث، بل إن لدينا معرفة أقل حول الخطط التي وضعها الله لمصالحة ممكنة داخل المجال العقلى.
وعلينا، أن نلاحظ ثلاث نقاط تهمنا فى جهودنا للتعرف على مشكلة الألم. أولاً، بجانب الشر الذي نعتبر نحن البشر مسئولين مسئولية شخصية عنه، هناك فى الكون قوى ذات بطش شديد إرادتها متجهة إلى الشر. هذه القوى، بينما تكون غير بشرية، فإنها رغم ذلك شخصية. إن وجود مثل هذه القوى الشيطانية ليس افتراضًا ولا أسطورة خيالية ـ لكنها هي مسألة خبرة مباشرة بالنسبة لكثيرين من، وللأسف!
ثانيًا وجود قوات روحية ساقطة يعيننا على فهم السبب فى وجود التشويق والضياع والقسوة فى عالم الطبيعة، وذلك فى نقطة ما من الزمن، من الواضح أنها قُبيل خلقة الإنسان.
ثالثًا: أوضح تمرد الملائكة وبشكل كبير أن الشر يستمد أصله لا من تحت بل من فوق، لا من المادة بل من الروح. والشر، كما سبق وأكدنا، هو “عدم”؛ ليس الشر كائنًا له وجود ولا مادة موجودة؛ لكنه موقف خطأ تجاه ما هو خير فى ذاته. وهكذا يكمن مصدر الشر فى “الإرادة الحرة” للكائنات الروحية التي منحها (الله) اختيارًا حرًا، والتي تستخدم قوة الاختيار بطريقة خاطئة.
العلامة الثانية:
نكتفى بهذا القدر للعلامة الأولى، حيث الإشارة إلى “الحية”. لكن ثمة علامة أخرى ثانية يوضحها سفر التكوين فى سرده للأحداث، فعلى الرغم من أن الإنسان جاء إلى الوجود فى عالم ملوث فعلاً بسقوط الملائكة، فإنه على الرغم من ذلك، لم يجبر شئ الإنسان على ارتكاب الخطيئة. حواء أغوتها “الحية”، لكنها كانت تملك حرية رفض اقتراحات الحية. إن خطيتها وخطية آدم “الأصلية” كانت عبارة عن فعل عصيان واعٍ، رفض متعمد لمحبة الله، انحراف عن الله إلى الذات تم بإرادة حرة (تك2:3،11:3).
وفى اقتناء الإنسان لحرية إرادته وممارستها لا نجد شرحًا كاملاً، لكن نجد على الأقل بدايات إجابة لمشكلتنا. لماذا سمح الله للملائكة والإنسان أن يقترفوا الخطية ؟ لماذا يسمح الله بالشر والألم ؟ نحن نجيب: لأنه إله محبة. فالمحبة تتضمن المشاركة، وتتضمن المحبة أيضًا الحرية.
وكثالوث محبة، أراد الله أن يشاركه فى حياته أشخاص مخلوقين مجبولين على صورته، أشخاص قادرين على الاستجابة له بحرية وطوعًا بإرادتهم فى علاقة محبة.
وحيث لا حرية، لا يمكن أن تكون محبة. إن الإجبار يطرد الحب، كما اعتاد “بول افدوكيموف” أن يقول، يقدر الله أن يفعل كل شئ ما عدا أن يجبرنا على محبته. وإذ يريد الله أن نشاركه محبته، خلقنا، لا كإنسان آلى نطيعه آليًا، بل خلق ملائكة وبشرًا ومنحهم الاختيار الحر. ولكى نضع الموضوع بصيغة بشرية وبألفاظ بشرية، فقد خاطر الله: لأنه مع هذه العطية، عطية الحرية، كان هناك أيضًا احتمال فعل الخطية. لكن الذي لا يجازف لا يحب.
بدون حرية لن تكون هناك خطية. لكن بدون حرية لن يصبح الإنسان على صورة الله، بدون حرية لن يصبح الإنسان قادرًا على الدخول فى شركة مع الله فى علاقة حب.
عواقب السقوط:
إذ خُلق الإنسان لشركة مع الثالوث القدوس، ودُعى ليتقدم بالحب من الصورة الإلهية إلى الشبه الإلهي، اختار الإنسان بدلاً من ذلك طريقًا أو مسارًا لا يرفعه بل يهوى به إلى أسفل. ورفض العلاقة مع الله التي هي جوهره الحقيقى. وبدلاً من أن يعمل كوسيط ومركز توحيد، فقد أحدث انقسامًا. انقسام فى داخل نفسه، وانقسام بين نفسه والآخرين، وانقسام بين نفسه والعالم الطبيعى. ورغم أن الله ائتمنه على هبة الحرية، فإنه راح ينكر على الآخرين حريتهم. وإذ باركه (الله) بقوة خاصة لإعادة صياغة العالم وإعطائه معنى جديدًا، فإنه أساء استخدام تلك القوة ليصنع أدوات للقبح والدمار. وكان من عواقب سوء الاستخدام هذا، وخاصة منذ الثورة الصناعية، أن أُصيبت البيئة بتلوث سريع تظهر آثاره البشعة من حولنا.
وكان للخطية الأصلية للإنسان، وانحرافه بعيدًا عن الله كمركز له، إلى التمركز حول ذاته، فى المقام الأول والأخير، معنى واحد، أنه لم يعد ينظر إلى العالم وبقية الكائنات البشرية بطريقة إفخارستية، كسّر شركة مع الله. وتوقف عن أن يعتبرهم عطية، يعود فيقدمها بشكر إلى المعطِى، وبدأ فى التعامل معهم كملكية أو اقتناء شخصى له، يتمسك بهم، يستغلهم، ويبددهم. لهذا لم يعد الإنسان يرى الأشخاص الآخرين والأشياء الأخرى كما هي فى حد ذاتها وفى الله، ورآهم فقط من منظور اللذة والشبع اللذين يمكن أن توفرها له، وكانت نتيجة ذلك، وقوعه فريسة دائرة خبيثة لشهوته ذاتها، التي كانت تزداد جوعًا كلما أشبعها وكافئها. وكف العالم عن أن يكون شفافًا ـ كف عن أن يكون نافذة يطل منها على الله ويراه ـ وازداد العالم عتامةً، وكف عن أن يكون واهبًا للحياة وأصبح عرضة للفساد والموت. ” لأنك من تراب، وإلى تراب تعود ” (تك19:3). ويصدق هذا القول على الإنسان الساقط وعلى كل شئ مخلوق، لمجرد أن أنقطع جذره عن المصدر الواحد الوحيد للحياة: الله نفسه.
وكانت آثار سقوط الإنسان مادية وأخلاقية. فعلى المستوى المادى أصبح البشر معرضين للألم والمرض، وللعجز والتحلل الجسدى فى الشيخوخة. وأصبحت فرحة المرأة بولادة مولود جديد مختلطة بمخاض وآلام الولادة (تك16:3). ولم يكن أى شئ من ذلك ضمن خطة الله الأولية للبشرية. ومن عواقب السقوط، أصبح الناس أيضًا معرضين لانفصال النفس عن الجسد فى الموت الجسدى. ومع ذلك، يجب أن نرى الموت الجسدى لا كعقاب بالدرجة الأولى، بل كأداة تحرير وراحة أمدنا بها إله محب. ففى رحمته، لم يرد الله أن يستمر الناس يحيون إلى ما لا نهاية فى عالم ساقط، مُمسَكين إلى الأبد فى الدائرة الخبيثة الشريرة، التي اخترعوها بأنفسهم: لهذا دبر الله طريقًا للهروب. لأن الموت ليس نهاية الحياة بل بداية تجديدها. ففيما وراء الموت المادى نتطلع إلى عودة اتحاد النفس بالجسد فى مستقبلها فى القيامة العامة فى اليوم الأخير. لهذا وعند انفصال جسدنا عن النفس فى الموت، يعمل الله كالفخارى: فحينما يصبح الوعاء فوق عجلته فاسدًا ومعوجًا يكسره إلى قطع ليعيد تشكيله من جديد (قارن إرميا1:18ـ6) وهذا ما تؤكده إحدى الصلوات الليتورجية الأرثوذكسية:
منذ القديم خلقتنى من عدم،
وكرمتنى بصورتك الإلهية،
لكننى حين عصيت وصيتك،
أعدتنى إلى الأرض التي أُخذتُ منها.
أعدنى من جديد إلى شبهك،
معيدًا تشكيل جمالى القديم.
وعلى المستوى الأخلاقى، وكعاقبة من عواقب السقوط، أصبح البشر معرضين للإحباط والملل والاكتئاب. والعمل الذي كان القصد منه أن يصبح مصدر فرح للإنسان وأداة شركة مع الله، صار الآن يتم إنجازه اضطراريًا فى معظم أحواله “بعرق الجبين” (تك19:3). ولم يكن هذا كل شئ. إذ أصبح الإنسان عرضةً لاغتراب داخلى: وقد وهنت إرادته، وانقسم على ذاته، وأصبح عدو نفسه وجلادها. ومثلما يعبّر القديس بولس: ” إنى أعلم أنه ليس ساكن فىَّ أى فى جسدى شئ صالح، لأن الإرادة حاضرة عندى، وأما أن أفعل الحسنى فلست أجد. لأنى لست أفعل الصالح الذي أريده، بل الشر الذي لست أريده، فإياه أفعل000 ويحى أنا الإنسان الشقى! من ينقذنى؟” (رو18:7،19،24).
والقديس بولس هنا لا يقول إن هناك مجرد صراع فى داخلنا بين الخير والشر. إنه يقول إننا فى أغلب الأحيان، نجد أنفسنا مشلولين أخلاقيًا: فنحن نريد بإخلاص أن نختار الخير، لكننا نجد أنفسنا أسرى وضع معين فيه “كل” اختياراتنا تنتهي بالشر. وكل واحد منا يعرف من خبرته الشخصية ما يعنيه القديس بولس تمامًا.
ورغم ذلك، فإن القديس بولس حريص أن يقول ” إنى أعلم أنه لا يسكن ’جسدى‘ شئ صالح “. إن جهادنا النُسكى هو ضد الجسد بمعنى الشهوات، وليس ضد الجسد فى حد ذاته. فتيار الشهوة الجسدانى (flesh) ليس هو نفسه الجسد (body). إن لفظة جسد (flesh)، كما ورد استخدامها فى النص المقتبس أعلاه، يشير إلى كل ما هو آثم ومضاد لله فينا؛ هكذا ليس الجسد وحده فى الإنسان الساقط هو الذي أصبح جسدانيًا وشهوانيًا، بل النفس أيضًا. وعلينا أن نمقت الشهوة الردية (flesh) وألاّ نمقت الجسد، الذي هو من صنع الله وهيكل الروح القدس. لهذا كان إنكار الذات النسكى جهادًا ضد شهوة الجسد، لكنه ليس جهادًا ضد الجسد بل لأجل الجسد. وكما تعود الأب “سيرجى بولجاكوف” أن يقول ” أقتل الشهوة الجسدانية، لكى تقتنى جسدًا “. وليس النسك استعبادًا للذات، بل هو الطريق إلى الحرية. والإنسان متورط فى فخ من المتناقضات النفسية: ومن خلال النسك (الحقيقى) فقط يمكن أن يقتنى العفوية (السلوك التلقائى).
وإذ نفهم النسك على هذا النحو، كجهاد ضد شهوات الجسد، وضد الوجه الخاطئ والساقط للنفس، فإنه أمر مطلوب من ” كل ” المسيحيين، وليس فقط من أولئك الذين تحت النذور الرهبانية. إن الدعوة الرهبانية ودعوة الزواج ـ طريق النفى وطريق الإيجاب ـ هما طريقان متوازيان ومكملان لبعضهما بعضًا. وليس الراهب أو الراهبة بشخص ثنائى النزعة duelist، بل هو وبنفس الدرجة مثل المسيحى المتزوج. يسعى أن يعلن الخير الكامن فى الخليقة المادية وفى الجسد البشرى، وبنفس القدر، فإن المسيحى المتزوج مدعو إلى النسك. ويكمن الفارق فقط فى الأحوال الخارجية التي يُمارس فيها الجهاد النسكى. كلاهما ناسك بنفس القدر، كلاهما يتعامل مع المادة وهما ماديان بنفس القدر (مادى بالمفهوم المسيحى الحقيقى الذي شرحناه قبلاً). وكلاهما منكر للخطية ويقبل العالم بنفس القدر.
إن التقليد الأرثوذكسى، بدون التقليل من آثار السقوط، لا يعتقد رغم ذلك، أن تلك الآثار نجم عنها “حرمان كامل”، مثلما يؤكد أتباع “كالفن” فى لحظاتهم الأكثر تشاؤمًا. فالصورة الإلهية فى الإنسان تشوهت لكنها لم تُمحَ تمامًا. والاختيار الحر للإنسان فى ممارسته صار محدودًا، لكنه لم يتلاش. حتى فى عالم ساقط، لا يزال الإنسان قادرًا على التضحية بالذات وإبداء عاطفة الحب فى سخاء. حتى فى عالم ساقط لا يزال الإنسان يحوز بعض المعرفة عن الله ويمكنه بالنعمة أن يدخل فى شركة معه. هناك العديد من القديسين فى صفحات العهد القديم، رجالاً ونساءً أمثال إبراهيم وسارة، ويوسف وموسى، وإيليا وإرميا، وخارج شعب الله القديم، هناك شخصيات مثل سقراط الذي لم يعلّم الحق فقط بل عاشه. ومع ذلك يبقى حقيقيًا أن الخطية البشرية ـ خطية آدم الأصلية ـ والتي تضخمت بالخطايا الشخصية لكل جيل لاحق ـ قد أقامت هوةً سحيقة بين الله والإنسان، لا يقوى الإنسان بجهوده الذاتية أن يعبرها.
لا أحد يسقط بمفرده:
بالنسبة للتقليد الأرثوذكسى، فإن خطية آدم الأصلية تؤثر فى الجنس البشرى بكامله، ولها عواقب على المستويين المادى والأخلاقى معًا: فهي لم تسبب فقط المرض والموت الطبيعى، بل تسببت أيضًا فى الضعف والشلل الأخلاقى. فهل هي تتضمن أيضًا ذنبًا guilt متوارثًا؟ هنا تتحفظ الأرثوذكسية جدًا. فالخطية الأصلية لا تُفسر بمفاهيم قضائية أو شبه بيولوجية، وكأنها كانت وصمة عار طبيعية للذنب، تنتقل بواسطة الاتصال الجنسى. فالأرثوذكسية ترفض تمامًا هذه الصورة التي نقلتها النظرة الأوغسطينية (نسبة إلى أغسطينوس). إن تعليم الخطية الأصلية يعنى بالأحرى أننا مولودون فى بيئة يسهل فيها فعل الشر ويصعب فيها عمل الصلاح، يسهل فيها إيذاء الآخرين ويصعب فيها شفاء جراحهم، من السهل أن نثير شكوك الناس ومن الصعب أن نربح ثقتهم. وهذا معناه أن كل واحد فينا أصبح محكومًا بتضامن الجنس البشرى كله فى تراكم ” فعل الخطأ”، “والتفكير الخطأ”، ومن ثم “الكيان الخطأ”. وقد أضفنا نحن أنفسنا بأفعالنا المتعمدة ـ إلى تراكم الخطأ هذا، فاتسعت الهوة أكثر فأكثر.
وفى تضامن الجنس البشرى (فى الخطية)، نجد هنا تفسيرًا لهذا الظلم الظاهرى فى تعليم الخطية الأصلية. ونحن نسأل، لماذا ينبغى أن يتألم الجنس البشرى بأكمله بسبب سقوط آدم؟ والإجابة أن البشر، المخلوقين على صورة الله الثالوث، هم معتمدون على بعضهم البعض ويجمعهم أصلهم الفطرى المشترك معًا. فالإنسان، أى إنسان ليس جزيرة منعزلة. ” لأننا بعضنا أعضاء بعض ” (أف25:4)، ولهذا فإن أى فعل، يقوم به أى عضو فى الجنس البشرى، يؤثر حتمًا فى كل الأعضاء الآخرين. حتى وإن كنا غير “مذنبين” بالمعنى الدقيق للكلمة وأبرياء من خطايا الآخرين، إلاّ أننا وبشكل ما مشتركون دائمًا معًا.
ويعلن “ألكسى خومياكوف”، ” حينما يسقط أى واحد، فإنه يسقط وحده، ولكن ما من أحد يخلص وحده ” أما كان ينبغى أن يقول أيضًا “إن لا أحد يسقط وحده؟”. وفى رواية ديستوفسكى ” الاخوة كرامازوف “، فإن المرشد الروحى زوسيما يقترب كثيرًا من الحقيقة حين يقول إن كل واحد فينا ” مسئول عن كل واحد وعن كل شئ “:
” لا يوجد سوى طريق واحد للخلاص، هو أن تجعل نفسك مسئولاً عن خطايا كل الناس. وبمجرد أن تجعل نفسك مسئولاً بكل إخلاص عن كل شئ وعن كل واحد، ستجد على الفور أن الأمر هو فى الحقيقة هكذا، وأنك فى الواقع تُلام عن كل واحد وعن كل شئ “.
إله متألم:
هل تتسبب خطيتنا فى إحزان قلب الله ؟
هل يتألم حينما نتألم ؟
هل لنا الحق أن نقول للرجل أو للمرأة التي تتألم: ” إن الله نفسه، فى هذه اللحظة بعينها، يتألم بالألم الذي تتألم أنت به وينتصر عليه؟ “
وإذ أراد الآباء الأوائل من الذين كتبوا باليونانية واللاتينية أن يحافظوا على التسامى الإلهي، فقد أصروا على “التأكيد على عدم التألم ” بالنسبة لله. تفسير هذا بدقة، يعنى أنه عندما يتألم الله الصائر إنسانًا (المتجسد)، فإن الله فى ذاته لا يتألم. ودون إنكار التعليم الآبائى، ألاّ يجب علينا أيضًا أن نقول شيئًا أكثر من هذا؟ ففى العهد القديم، ومنذ زمن أقدم من تجسد المسيح، نجد مكتوبًا عن الله ” حزنت نفسه بسبب مشقة إسرائيل ” (قض16:10). وفى موضع آخر فى العهد القديم هناك كلمات مثل هذه قيلت بفم الله “هل أفرايم ابن عزيز لدىّ ؟ هل هو ولد محبوب؟ لأننى رغم أنى تحولت عنه، لا أزال أذكره. من أجل ذلك اضطرب قلبى لأجله” (إر20:31س).
” كيف أرفضك يا أفرايم؟ كيف أهجرك يا إسرائيل؟… قد اضطرم قلبى فى داخلى ” (هو8:11س).
فإن كانت هذه النصوص تعنى شيئًا، فإنها يجب أن تعنى أنه حتى قبل التجسد الإلهي كان الله يشترك مباشرة فى آلام خليقته. إن شقاءنا يسبب الحزن لله، إن دموع الله مرتبطة بدموع الإنسان. إن التوقير اللائق لمنهج النفى سوف يجعلنا بالطبع حذرين من أن نعزى لله مشاعر بشرية بشكل فج وغير دقيق. لكننا على الأقل مسموح لنا أن نؤكد هذا: إن ” الحب يجعل آلام الآخرين هي آلامه”، هكذا نقرأ فى كتاب “المساكين بالروح”. فإن كان هذا يصدق بالنسبة للحب البشرى، فإنه يصدق بالأحرى على الحب الإلهي. ولما كان الله محبة، وخلق العالم كفعل محبة ـ حيث إن الله إله شخصى، والشخصانية personhood تعنى المشاركة ـ فإن الله لا يبقى غير مبالٍ بالنسبة لأحزان هذا العالم الساقط. وإن كنت كإنسان أظل غير متأثرًا بعذاب الآخر، فبأى معنى أكون محبًا له فعلاً وحقًا ؟ إذن فإن الله يقينًا يُوحِّد نفسه مع خليقته فى كربها anguish.
لقد قيل بحق، إنه كان هناك صليب فى قلب الله قبل أن يكون هناك صليب منتصب خارج أورشليم، ورغم أن الصليب الخشبى قد تم إنزاله، فإن الصليب الذي فى قلب الله لا يزال هناك. إنه صليب الألم والنصرة ـ كلاهما معًا. والذين يستطيعون أن يؤمنوا بهذا سيجدون أن الفرح ممتزج بكأس مرارتهم. سوف يشتركون على المستوى البشرى فى الخبرة الإلهية للمعاناة الغالبة.
CDCDCDCDCD
يا من تغطى مرتفعاتك بالمياه
يا من تقيم الرمال حدًا للبحر
وتضبط كل شئ:
الشمس ترنم بتسابيحك،
والقمر يعطيك مجدًا،
وكل خليقة تقدم لك تسبيحًا
أنت خالقها وصانعها، إلى الأبد
(من كتاب التريوديون)
ما أعظمك يارب، عجيبة هي أعمالك:
لا تكفى الكلمات أن ترنم بالسبح لعجائبك.
لأنك بمشيئتك أتيت بكل شئ من العدم إلى الوجود.
بقوتك تحفظ الخليقة وبعنايتك تضبط العالم
خلقت الخليقة من عناصر أربعة: وبأربعة فصول توجت مدار السنة.
كل القوات الروحانية ترتعد أمامك.
الشمس ترنم بتسابيحك،
القمر يمجدك؛
النجوم تتضرع إليك؛
النور يطيعك؛
الأعماق ترتعد أمام حضورك؛
الينابيع خدامك.
بسطت السموات كستارة ؛
على المياه ثبَّت الأرض؛
وسيجت حول البحر بالرمال.
سكبت الهواء ليتنفس الأحياء.
القوات الملائكية تخدمك، وجوقات رؤساء الملائكة تعبدك؛
ويطيرون حولك، يخفون وجوههم خوفًا من مجدك الذي لا يدنى منه..
العناصر، والملائكة، والبشر، والأشياء المنظورة، وغير المنظورة،
يمجدون أسمك القدوس، مع الآب والروح القدس،
الآن وإلى الأبد، وإلى دهر الدهور. آمين
(من صلاة بركة المياه الكبيرة فى عيد الظهور الإلهي ـ الإبيفانيا)
إن المخاطرة الإلهية، الكامنة فى قرار خلق كائنات على صورة الله ومثاله، هي ذروة القوة الإلهية الكلية القدرة، أو بالأحرى هي التي تفوق على تلك الذروة فى تنازل تلك القدرة إلى الضعف الذي اتخذه الله عن طواعية. لأن ” ضعف الله أقوى من الناس ” (1كو25:1).
فلاديمير لوسكى
الكون هو الكرم الذي أعطاه الله للناس.
يقول القديس يوحنا ذهبى الفم ” كل الأشياء هي لأجلنا، وليس نحن لأجلها”. كل شئ هو عطية من الله للإنسان، هو علامة لمحبته. كل الأشياء تشهد لفيض محبة الله، ومشيئته الصالحة ونعمته، وهي تنقلها إلينا. ومن ثم فإن كل شئ هو وعاء لعطية المحبة الإلهية هذه، تمامًا مثلما تكون كل هدية نقدمها لبعضنا بعضًا علامةً ووعاءً للمحبة نحو بعضنا بعضًا. لكن العطية تتطلب عطية مقابلة استجابة لها، وهكذا يتحقق تبادل المحبة. لكن الإنسان لا يستطيع أن يرد لله شيئًا سوى ما قد أُعطى له لسد أعوازه، لهذا فإن عطية لإنسان هي ذبيحة يقدمها بالشكر لله. إن تقدمة الإنسان لله هي ذبيحة وهي ” إفخارستيا ” (شكر) بأوسع معنى.
مع ذلك فإننا عند تقديم العالم لله كتقدمة أو ذبيحة، نضع عليها ختم عملنا الخاص، وختم فهمنا، وختم روح ذبيحتنا، ختم حركتنا الذاتية نحو الله. وكلما أدركنا بالأكثر قيمة وعظم هذه العطية الإلهية ونمينا إمكانياتها، ومن ثم نزيد الوزنات التي قد أُعطيت لنا، كلما سبحنا الله أكثر، وجعلناه فرحًا بنا، مبرهنين أننا شركاء نشيطون فى حوار الحب بينه وبيننا.
(الأب ديمترى ستانيلو)
فى الكاتدرائية الشاسعة التي هي عالم الله، فإن كل إنسان، سواء كان دارسًا أم عاملاً يدويًا، مدعو ليعمل ككاهن لحياته كلها ـ وليأخذ كل ما هو إنسانى، ويحوله إلى تقدمة وترنيمة مجد. (بول إفدوكيموف)
إن صار قليل من الناس صلاة ـ صلاة ” نقية ” قد تبدو بحسب ظاهرها عديمة الفائدة ـ فإنهم بمجرد حضورهم ووجودهم ذاته، إنما يغيرون الكون. (أوليفيه كليمنت)
أنت عالم داخل عالم: أنظر داخل نفسك، وهناك ترى الخليقة كلها. لا تنظر إلى الأشياء الخارجية بل حوّل انتباهك إلى ما يكمن فى داخلك. اجمع شتات عقلك كله إلى داخل كنز نفسك الذهنى، وهيأ للرب مقدسًا خاليًا من التخيلات. (القديس نيلوس من أنكيرا)
يبدو للروسى أن الإنسان يمكنه أن يعرف شيئًا ما، كإنسان، فقط من خلال المشاركة.
إن الخير والشر، على الأرض هنا، مرتبطان ببعضهما البعض بغير انفصال. وهذا بالنسبة لنا هو السر العظيم للحياة على الأرض. وحيث يكون الشر فى أشده، هناك ينبغى أن يكون أيضًا الخير الأعظم.
وبالنسبة لنا، ليس هذا فرضًا نظريًا، بل هو أمر بديهي.
لا ينبغى أن نتجنب الخطاة، بل أن نتشارك معهم أولاً ونتفهمهم من خلال المشاركة، ثم من خلال الفهم نفتديهم ونجعلهم يتغيرون ويتجلون.
(جوليادو بوسوبر)
يجب أن يقدم القديسون توبة لا عن أنفسهم فقط، بل عن قريبهم أيضًا، لأنه من دون الحب الفعّال لا يمكنهم أن يصيروا كاملين. هكذا يُحفظ الكون كله معًا، وبعناية الله يساعد كل منا الآخر. (القديس مرقس الراهب)
الله لا يريدنا أن نحزن بوجع القلب، بل بالأحرى، يريدنا لفرط حبه لنا أن نبتهج بفرح النفس. أطرح عنك الخطية، تصبح الدموع لا لزوم لها، فحيث لا يكون جرح، فلا حاجة هناك إلى مرهم. آدم قبل السقوط لم يكن يسكب الدمع، وهكذا لن تكون هناك دموع بعد القيامة من الأموات، حينما تكون الخطية قد أبيدت ويكون الألم والحزن والتنهد قد هربوا.
(القديس يوحنا الدرجى)
المجد المدعو له الإنسان، هو أنه ينبغى أن ينمو فى مشابهته لله، بأن ينمو دومًا أكثر، ليصير إنسانيًا أكثر. (الأب ديمترى ستانيلو)
[1] المذهب القائل بأن الله والوجود أو الكون شئ واحد (المعرب).
الله خالق – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد
الله ثالوث – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد
الله ثالوث – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد
الطريق الأرثوذكسي للأسقف كاليستوس وير
الفصل الثانى
الله ثالوث
أيها الآب رجائى:
أيها الابن، ملجأى:
أيها الروح القدس حمايتى:
أيها الثالوث القدوس. المجد لك.
صلاة القديس يؤنيكيوس
أيها الثالوث، غير المخلوق الذي بلا نهاية،
أيها الواحد غير المنقسم، الثلاثة في واحد،
الآب والابن والروح، إله واحد..
أقبل ترنيمتنا هذه من ألسنة الطين
وكأنها من أفواه ملتهبة
عن كتاب التريوديون
الله كمحبة متبادلة:
نحن نؤكد في بداية قانون الإيمان أننا ” نؤمن بإله واحد “، لكننا نقول على الفور ما هو أكثر من ذلك. فنحن نستمر قائلين، نحن نؤمن بإله واحد الذي هو في نفس الوقت ثلاثة: الآب والابن والروح القدس. يوجد في الله تمايز أصيل وأيضًا وحدانية حقيقية. إله المسيحيين ليس مجرد وحدة unit من الوحدات بل هو اتحاد، ليس مجرد وحدة بل شركة. هناك في الله شئ ما مماثل للـ” المجتمع “. هو ليس شخصًا فرديًا يحب ذاته وحده، وليس جوهرًا فرديًا monad أو “الواحد”. بل هو ثالوث أو وحدة ثالوثية triunity: ثلاثة أشخاص متساوون، كل شخص يوجد في الاثنين الآخرين بفضل حركة محبة متبادلة لا تتوقف. ” أنا أحب، لهذا أنا كائن Amo ergo sum” ذلك عنوان قصيدة “كاتلين راين” والتي يمكن أن تكون شعارًا لله الثالوث القدوس. وما يقوله شكسبير بشأن الحب الإنسانى بين شخصين يمكن تطبيقه أيضًا على المحبة الإلهية بين الأقانيم الثلاثة الأزليين:
هكذا أحبا، حبًا بين اثنين
ولهما جوهر واحد
والاثنان متميزان، بلا انقسام
فالعدد في الحب شئ منعدم
إن الغاية الأخيرة من الطريق الروحى أننا نحن البشر يجب أن نكون أيضًا جزءً من الوجود الحى المتبادل في الثالوث [Trinitarian Coinherence أو ما يسمى بالـPerichoresis ]، إذ تجذبنا بالكامل دائرة الحب القائمة في داخل الله. هكذا صلى المسيح لأبيه ليلة صلبه ” ليكون الجميع واحدًا، كما أنك أنت أيها الآب فيّ وأنا فيك، ليكون هم أيضًا واحدًا فينا ” (يو21:17).
لماذا نؤمن أن الله ثلاثة ؟ أليس من الأسهل أن نؤمن ببساطة بالوحدانية الإلهية، مثلما يفعل اليهود والمسلمون؟ بالتأكيد هذا أسهل. إن عقيدة الثالوث تقف أمامنا بمثابة تحدٍ، كاللغز (crux) بالمعنى الحرفى: إنها بعبارة فلاديمير لوسكى “صليب لطريق التفكير البشرية”، وهي تتطلب يتطلب منا التوبة (metanoia) بصورة جذرية ـ وليس مجرد لفتة تصديق رسمى، بل تغير حقيقى في الذهن وفى القلب.
لماذا الإيمان إذن بالله كثالوث ؟ وجدنا في الفصل السابق أن أكثر طريقين يساعدانا على الدخول إلى السر الإلهي أن نؤكد أن الله شخص وأن الله محبة. ويتضمن هذان المفهومان المشاركة والتبادل. أولاً، ليس “الشخص” هو نفس الشيء “كالفرد” على الإطلاق. فأى واحد منعزل ومستقل بذاته لا يكون شخصًا أصيلاً حقيقيًا بل مجرد فرد، أى وحدة مجردة كما يتم تسجيلها في التعداد. إن التمركز حول الأنا هو موت الشخصية الحقيقية. ويصبح كل فرد شخصًا حقيقيًا فقط من خلال الدخول في علاقة مع أشخاص آخرين، أى من خلال الحياة لأجلهم وفيهم. لقد قيل وهذا حق، إنه ما من إنسان يمكن أن يوجد، ما لم يكن اثنان على الأقل في علاقة معًا. ونفس الشيء يُصدق، على المحبة. لا يمكن للمحبة أن تقوم في عزلة، بل هي تفترض وجود الآخر. إن محبة الذات هي إلغاء المحبة. ومثلما أوضح ” تشارلز ويليامز” هذا التأثير المُخرِّب فى روايته ” الهبوط إلى الجحيم “، فإن حب الذات هو الجحيم، لأن حب الذات إذا ما بلغ منتهاه، إنما يدل على نهاية كل فرح وكل معنى. ليس الجحيم هو الآخرون، إنما الجحيم هو ذاتى، إذا ما انفصلت عن الآخرين وتمركزت حول نفسها.
إن الله أفضل بكثير من أحسن ما نعرفه في نفوسنا. فإن كان اثمن عنصر في حياتنا كبشر هو العلاقة بين ” الأنا والأنت “، فإننا لا يمكننا إلاّ أن ننسب نفس العلاقة، بمعنى ما، إلى كيان الله الأزلى ذاته. وهذا بالضبط ما تعنيه عقيدة الثالوث القدوس. ففى قلب الحياة الإلهية ذاتها، ومنذ الأزل يعرف الله ذاته بصفته ” أنا وأنت ” I and Thou “، بأسلوب ثالوثى، وهو يفرح على الدوام بهذه المعرفة. إذن، كل ما يتضمنه فهمنا المحدود للشخص الإنسانى وللحب الإنسانى، هذا نؤكده أيضًا عن الله الثالوث، ونضيف أن هذه الأمور في حالة الثالوث تعنى أكثر بغير حدود مما يمكن أن نتخيله على الإطلاق.
إن الشخص والمحبة يعنيان الحياة، والحركة، والاكتشاف. هكذا فإن عقيدة الثالوث تعنى أننا يجب أن نفكر في الله بمعانٍ متحركة أكثر منها ساكنة. فليس الله مجرد سكون وراحة وكمال غير قابل للتغيير. ولكى نكوّن صورًا عن الله الثالوث علينا أن نتأمل الريح، والمياه الجارية ولهب النيران المتأججة. هناك تشبيه مفضل عن الثالوث كان دائمًا يصوره بثلاثة مشاعل تشتعل بلهب واحد. وتخبرنا ” أقوال آباء البرية ” كيف أن أخًا جاء مرة ليتحدث إلى الأنبا يوسف فى بانيفو وقال الزائر ” يا أبانا، إنى أتبع حسب مقدرتى قاعدة متواضعة للصلاة والصوم، والقراءة والصمت، وبقدر استطاعتى أحفظ نفسى طاهرًا في أفكارى. فماذا لى أن أفعل أكثر؟ فأجابه الأنبا يوسف وقد وقف على قدميه ورفع ذراعيه نحو السماء، وأصبحت أصابعه مثل عشرة مشاعل مضيئة، وقال الشيخ العجوز للزائر: “إن أردت، يمكنك أن تصير كلك نارًا بالكامل”. فإن كانت هذه الصورة عن اللهب الحى تساعدنا على فهم طبيعة الإنسان في أعلى حالاتها، ألاّ يمكن أن تنطبق أيضًا على الله ؟ إن أقانيم الثالوث هم ” بالكامل نار “.
لكن في النهاية، فإن أقل صورة تضلل فهمنا يمكن أن نجدها، لا في العالم الطبيعى خارجنا، بل في القلب البشرى، إن التشبيه الأفضل هو ذلك الذي بدأناه ألاّ وهو خبرتنا بالاهتمام الشديد بشخص آخر ومعرفتنا أن محبتنا تُرد لنا بمحبة مثلها.
ثلاثة أشخاص (أقانيم) في جوهر واحد:
قال المسيح ” أنا والآب واحد ” (يو30:10) فماذا كان يعنى ؟ للإجابة علينا أولاً أن نرجع أول مجمعين من المجامع المسكونية: مجمع نيقية (325)، ومجمع القسطنطينية (381)، وإلى قانون الإيمان الذي صاغه هذان المجمعان. إن التأكيد الأساسى والحاسم في قانون الإيمان هو أن يسوع المسيح هو “الإله الحق من الإله الحق”، “واحد في الجوهر” (أو “هوموأوسيوس”) مع الله الآب. بعبارة أخرى، فإن يسوع المسيح مساوٍ للآب: هو الله بنفس معنى أن الآب هو الله، ومع ذلك فهما ليسا إلهين بل إله واحد. ومن ثم إن الآباء الشرقيين في أواخر القرن الرابع الميلادى قالوا نفس الشيء عن الروح القدس: هو بالمثل إله حق، “واحد في الجوهر” مع الآب والابن. ورغم أن الآب والابن والروح القدس إله واحد، فإن كلاً منهم هو منذ الأزل شخص (أقنوم)، هو مركز متميز لوعى ذاته. الله الثالوث إذن يوصف بأنه ثلاثة أقانيم في جوهر واحد. توجد في الله منذ الأزل وحدة حقيقية، مرتبطة بتمايز شخصى أصيل: لفظة “جوهر”، “كيان” (ousia)، إنما تدل على الوحدة، ولفظة “شخص” أو “أقنوم” (هيبوستاسيس) (hypostasis) أو (بروسوبون) تدل على التمايز. فلنحاول أن نفهم ما الذي تدل عليه هذه اللغة المحيرة، لأن عقيدة الثالوث القدوس عقيدة حيوية بالنسبة لخلاصنا.
الآب والابن والروح واحد في الجوهر، لا بمعنى فقط أن الثلاثة هم أمثله لنفس المجموعة أو الجنس العام، بل بمفهوم أنهم يشكلون معًا حقيقة واحدة فريدة وخاصة. وفي هذا الصدد هناك فارق هام بين معنى أن أشخاص الله الثلاثة هم واحد، ومعنى أن يدعى ثلاثة أشخاص من البشر واحدًا. فالأشخاص الثلاثة من البشر بطرس ويعقوب ويوحنا، ينتمون إلى نفس الجنس العام، جنس “الإنسان”. وبرغم أنهم متقاربون معًا متعاونون معًا، فإن لكل واحد منهم إرادته الخاصة وقدرته الخاصة، يعمل كل واحد بمقتضى قوته الخاصة المنفصلة في اتخاذ القرار أو المبادرة. باختصار، هم ثلاثة رجال وليس رجلاً واحدًا. لكن في حالة أشخاص الثالوث الثلاثة ليس الأمر هكذا. هناك تمايز، لكن ليس هناك انفصال على الإطلاق. فالآب والابن والروح كما يؤكد القديسون ـ تابعين شهادة الكتاب المقدس ـ لهم إرادة واحدة فقط وليست ثلاث إرادات. لهم طاقة واحدة وليست ثلاثًا. لا أحد من الثلاثة يعمل منفردًا، بمعزل عن الاثنين الآخرين. هم ليسوا ثلاثة آلهة، بل إله واحد.
ومع ذلك ورغم أن الأقانيم أو الأشخاص الثلاثة لا يعملون أبدًا بمعزل الواحد عن الآخر، فإن في الله تمايزًا أصيلاً كما أن فيه وحدة خاصة. فى اختبارنا لله وهو يعمل في عمق حياتنا الخاصة، وبينما نجد أن الثلاثة يعملون دائمًا معًا، مع ذلك فإننا نعلم أن كلاً منهم يعمل فينا بطريقة مختلفة. نحن نختبر الله كثلاثة فى واحد، ونؤمن أن هذا التمايز الثلاثى فى عمل الله الخارجى يعكس تمايزًا ثلاثيًا فى حياته الداخلية. والتمايز بين الأشخاص الثلاثة يعتبر تمايزًاأزليًا قائمًا فى داخل طبيعة الله نفسه؛ فالتمايز لا ينطبق فقط على فعله الخارجى فى العالم. الآب والابن والروح القدس ليسوا مجرد “أشكال” أو “أساليب” للاهوت (الألوهية)، ليسوا مجرد أقنعة يرتديها الله لفترة فى تعاملاته مع الخليقة ثم يخلعها جانبًا. هم على النقيض ثلاثة أشخاص متساوون معًا وأزليون معًا (Coequal, Coeternal Persons). الأب البشرى أكبر سنًا من ابنه. لكن حين نتحدث عن الله “كأب” و”كابن” لا نفسر هذه الألفاظ بهذا المعنى الحرفى. نحن نؤكد أن ” الابن ” لم يكن هناك وقت لم يكن فيه موجودًا. ونفس الشيء يُقال عن الروح.
كل واحد من الثلاثة هو بالكامل وبالكلية الله. ليس أحد منهم أكثر أو أقل من إله بالنسبة للآخرين. كل واحد يملك، لا ثلث لاهوت، بل الألوهية الكاملة فى مجملها، ومع هذا فكل واحد يحيا ويكون هذا اللاهوت الواحد بطريقته المتميزة الخاصة والشخصية. وإذ يؤكد القديس غريغوريوس النيسى على هذه الوحدة الثالوثية فى تنوع، يكتب:
[ كل ما يكونه الآب، نراه ظاهرًا (مستعلنًا) فى الابن، وكل ما هو للابن فهو للآب أيضًا، لأن الابن بكامله يسكن فى الآب، وله الآب بكامله ساكنًا فى ذاته، الابن الكائن دائمًا فى الآب لا يمكن أن ينفصل عنه، ولا يمكن أن ينفصل الروح عن الابن الذي يعمل بالروح كل شئ. والذي يقبل الآب يقبل أيضًا وفى آنٍ واحد الابن والروح. من المستحيل أن نتخيل أى نوع من الانفصال أو القطع بينهم: فلا يمكن للمرء أن يفكر فى الابن بمعزل عن الآب، ولا أن يفصل الروح عن الابن. هناك بين الثلاثة مشاركة وتمايز يفوق التعبير بالكلام ويفوق الفهم. والتمايز بين الأشخاص لا يضعف وحدانية الطبيعة ولا تقود وحدانية الجوهر المشتركة إلى اختلاط بين الخصائص المتميزة للأشخاص (الثلاثة). لا تندهشوا أننا يجب أن نتكلم عن اللاهوت بأنه موحد ومتمايز في آنٍ واحد. وإذا استخدمنا الألغاز، إن جاز التعبير، فإننا نتصور تنوعًا ـ فى ـ وحدة، ووحدة ـ فى تنوع، غريبة ومتناقضة].
وباستخدامه عبارة ” إذا استخدمنا الألغاز.. ” فإن القديس غريغوريوس مضطر أن يؤكد أن تعليم الثالوث ” فيه تناقض ظاهرى ” Paraoxical وأنه ” يفوق التعبير بالكلام والفهم “. إنه شئ أعلنه الله لنا ولم توضحه لنا عقولنا. يمكننا أن نلمح له بلغة بشرية، لكننا لا نقدر أن نشرحه بالكامل. وقدراتنا العقلية هي هبة من الله ويجب أن نستخدمها حتى الكمال، لكن علينا أن ندرك محدوديتها. ليس الثالوث نظرية فلسفية، لكنه الله الحى الذي نعبده، لهذا تأتى نقطة فى اقترابنا من الثالوث حين يجب لمناقشتنا وتحليلنا أن يترك المكان للصلاة التي بغير كلام:
” فليصمت كل جسد مائت
وليقف فى خوف ورعدة.” (ليتورجية القديس يعقوب)
الخصائص الشخصية فى الثالوث:
الشخص الأول فى الثالوث، الله الآب، هو “نبع اللاهوت”، المصدر، العلة، أو مبدأ أصل الشخصين الآخرين. هو رابطة الوحدة بين الثلاثة: هناك إله واحد لأن هناك آبًا واحدًا. ” الوحدة هي الآب، الذي منه وإليه يسير مجرى نظام الأشخاص” (القديس غريغوريوس اللاهوتى). كل شخص من الشخصين الآخرين يُعّرف بألفاظ تعبر عن علاقته بالآب: فالابن “مولود” من الآب، والروح “ينبثق” من الآب. وفى الغرب اللاتينى، هناك اعتقاد ثابت بأن الروح ينبثق ” من الآب ومن الابن “. وقد أُضيفت لفظة فيليوك filioque (أى من الابن) إلى النص اللاتينى لقانون الإيمان. وتعتبر الأرثوذكسية لفظة فيليوك إضافة غير شرعية ـ لأنها أُضيفت إلى قانون الإيمان دون موافقة الشرق المسيحى ـ ليس هذا فحسب، بل إنها تعتبر أيضًا أن تعليم ” الانبثاق المزدوج “، كما يُشرح عادة، هو تعليم غير دقيق لاهوتيًا وضار روحيًا. وبحسب آباء القرن الرابع الشرقيين، الذين تتبعهم الكنيسة الأرثوذكسية حتى يومنا هذا، فإن الآب هو المصدر الوحيد وأساس وحدة اللاهوت. ولكى نجعل الابن مصدرًا مثل الآب، أو بالاشتراك معه، معناه أن نتسبب فى ارتباك الخصائص المميزة للأشخاص.
والشخص الثانى فى الثالوث هو ابن الله، ” كلمته ” أو اللوغوس. ولكى نتحدث بهذا الأسلوب عن الله كابن وآب معناه على الفور أن يتضمن (هذا الحديث) حركة من المحبة المتبادلة، كما أشرنا قبلاً. ومعناه أن يتضمن (كلامنا) أنه منذ الأزل فإن الله نفسه، كابن ـ فى طاعة بنوة ومحبة ـ يرد إلى الله الآب الكيان الذي يولّده الآب فيه منذ الأزل بالبذل الذاتى الأبوى. وفى الابن ومن خلاله يُستعلن أو ينكشف الآب لنا: ” أنا هو الطريق والحق والحياة. ليس أحد يأتى إلى الآب إلاّ بى” (يو6:14). هو الذي وُلِدَ على الأرض كإنسان من العذراء مريم فى مدينة بيت لحم. لكنه كالكلمة أو لوغوس الله فهو أيضًا يعمل قبل التجسد الإلهي. هو مبدأ النظام وهو الغاية الذي يتغلغل فى كل الأشياء ويجذبها إلى الوحدة فى الله، وهكذا يجعل العالم universe “كونًا Cosmos”، أى كلاً متكاملاً ومتناسقًا. وقد أسبغ اللوغوس الخالق على كل شئ مخلوق اللوغوس الخاص به الساكن فيه أى المبدأ الداخلى، الذي يجعل هذا الشيء هو ذاته بشكل متميز، والذي يجذب فى آنٍ واحد ويوجه كل شئ نحو الله. ومهمتنا البشرية كصناع أو حرفيين هي أن ندرك هذا اللوغوس الساكن فى كل شئ وأن نجعله ظاهرًا (معلنًا)، نحن لا نسعى أن نهيمن ونسيطر بل أن نتعاون.
أما الشخص الثالث فهو الروح القدس، “الريح” أو” نفس” (نسمة) الله. وبينما نحن ندرك عدم دقة التقسيمات المرتبة، فإننا يمكن أن نقول إن الروح هو الله فينا، والابن هو الله معنا، والآب هو الله فوقنا أو فيما وراءنا أو أبعد منا. ومثلما يكشف الابن الآب لنا، هكذا فإن الروح هو الذي يكشف الابن لنا، ويجعله حاضرًا معنا. ومع ذلك فالعلاقة متبادلة. فالروح يجعل الابن حاضرًا معنا، لكن الابن هو الذي يرسل الروح إلينا. (نحن نلاحظ أن هناك تمايزًا بين “الانبثاق الأزلى” للروح و”إرساليته الزمنية”. فالروح مرسل إلى العالم فى الزمن، بواسطة الابن، لكن بالنسبة لأصله فى داخل الحياة الأزلية للثالوث، فإن الروح ينبثق من الآب وحده).
ويكتب سينيسيوس القيروانى مميزًا كل شخص من الأشخاص الثلاثة:
نهتف، يا أيها الآب، نبع الابن،
أيها الابن، صورة الآب،
أيها الآب، القاعدة حيث يقوم الابن،
أيها الابن، ختم الآب؛
أيها الآب، قوة الابن،
أيها الابن، جمال الآب،
أيها الروح الكلى الطهر، الرابطة بين الآب والابن،
أرسل أيها المسيح، الروح،
أرسل الآب إلى نفسى،
أغمر قلبى الجاف فى هذا الندى، أحسن كل عطاياك.
لماذا نتحدث عن آب وليس أم:
لكن لماذا نتحدث عن الله كآب وابن، وليس كأم وابنة، إن اللاهوت فى ذاته ليس فيه ذكورة ولا أنوثة. وعلى الرغم من أن خصائصنا البشرية كذكر وأنثى تعكس، فى أعلى وأصدق صورها ملمحًا أو مظهرًا من الحياة الإلهية، إلاّ أنه لا يوجد فى الله مثل هذا التمايز الجنسى. لهذا فحينما نتحدث عن الله كآب فإننا لا نتكلم كلامًا حرفيًا بل روحيًا. ومع ذلك فلماذا تكون الرموز ذكرية وليست أنثوية؟ لماذا ندعو الله ” هو ” وليس ” هي” ؟ فى الحقيقة فإن المسيحيين قد طبقوا أحيانًا لغة ” الأم ” على الله. فيتحدث أفراهات، أحد قدامى الآباء السريان الأوائل، عن محبة المؤمن “لله أبيه والروح القدس أمه”، بينما نجد فى العصور الوسطى للغرب أن الليدى يوليان من نورويخ تؤكد أن: “الله يتهلل بأنه أبونا، والله يتهلل بأنه أمنا “. لكن تلك استثناءات. فالرمزية المستخدمة عن الله بواسطة الكتاب المقدس وفى عبادة الكنيسة هي تقريبًا على الدوام رمزية ذكرية.
ولا يمكننا أن نثبت بالمجادلات لماذا يجب أن يكون الأمر هكذا، ومع ذلك تبقى حقيقة اختبارنا المسيحى أن الله وضع ختمه على بعض الرموز دون رموز أخرى. ولم نختر نحن الرموز بل هي قد أُعطيت وأُعلنت لنا من الله. يمكن للرمز أن يتحقق ويُعاش ويُصلى به ـ لكن لا يمكن أن “نبرهن” عليه منطقيًا. وهذه الرموز ” المعطاة ” رغم ذلك، وإن كان من غير الممكن أن يكون لها برهان، إلاّ أنها بعيدة رغم ذلك عن أن تكون اعتباطية Arbitrary. ومثل رموز الأساطير، والأدب والفن، فإن رموزنا الدينية تتغلغل بعمق إلى جذور كياننا الخفية، ولا يمكن أن تتبدل أو تتغير دون أن تنتج عنها عواقب فورية. فإن بدأنا مثلاً بالقول ” أمنا التي فى السموات ” بدلاً من ” أبانا”، فإننا لا نكون فقط قد غيرنا فى نص بتصور آخر عارض بل نكون قد بدلنا المسيحية بدين جديد. فإن الإلهة الأم ليست هي الرب الذي تؤمن به الكنيسة المسيحية.
ولماذا يكون الله شركة أشخاص ثلاثة إلهيين لا أكثر ولا أقل ؟ هنا أيضًا لا يوجد دليل منطقى. فإن ثالوثية الله شئ معطى وموحى به لنا فى الكتاب المقدس، واستلمناه فى التقليد الرسولى، وفى خبرة القديسين عبر القرون. كل ما يمكننا عمله أن نثبت صحة هذه الحقيقة المعطاة من خلال حياتنا الخاصة فى الصلاة.
الولادة والانبثاق:
ما الفرق بالضبط بين “ولادة” الابن و”انبثاق” الروح ؟ “إن طريقة الولادة وطريقة الانبثاق من الأمور التي لا يمكن إدراكها بالعقل”، هكذا يقول القديس يوحنا الدمشقى. ” لقد عرفنا أن هناك فرقًا بين الولادة والانبثاق لكن ما هي طبيعة هذا الفارق، فهذا ما لا نفهمه على الإطلاق”. فإن كان القديس يوحنا الدمشقى نفسه يعترف أنه متحير أفلا نكون نحن كذلك. إن ألفاظ “ولادة” و” انبثاق” هي رموز اصطلاحية لواقع يفوق مدارك دماغنا المفكر. يقول القديس باسيليوس الكبير ” إن عقلنا المفكر ضعيف ولساننا أضعف، من الأسهل قياس البحر كله بقدح صغير عن أن ندرك عظمة الله غير المدركة بالعقل البشرى “. ولكن إن كانت تلك الرموز لا يمكن شرحها بالكامل إلاّ أننا يمكن (كما قلنا) أن نتأكد منها خلال لقائنا بالله فى الصلاة، فنعرف أن الروح ليس هو نفسه الابن، حتى إن كنا لا نستطيع تعريف الفارق بالضبط بواسطة الكلمات.
يدا الله:
فلنحاول أن نشرح تعليم الثالوث بالتأمل فى النماذج الثالوثية فى تاريخ الخلاص وفى حياة الصلاة التي نعيشها.
إن الأشخاص الثلاثة، كما رأينا، يعملون دائمًا معًا، ولهم إرادة وقوة واحدة. ويتحدث القديس إيريناؤس عن الابن والروح القدس “كيديّ” الله الآب؛ وفى كل فعل خلاّق وتقديسى يستخدم الآب هاتين ” اليدين” معًا فى وقت واحد. ويوفر لنا الكتاب المقدس والعبادة أمثلة متكررة لذلك:
1 ـ الخلق: “ بكلمة الرب صُنعت الأرض السموات وبنسمة فيه كل جنودها” (مز6:33). يخلق الله الآب بواسطة “كلمته” أى اللوغوس (الأقنوم الثانى)، وبواسطة “نسمته” أى روحه (الأقنوم الثالث). وتعمل “يدا” الآب معًا فى تشكيل الكون. وقيل عن اللوغوس ” كل شئ به كان” (يو3:1). قارن قانون الإيمان.. ” الذي به كان كل شئ ” ـ وقيل عن الروح فى الخلق إنه ” كان يرف على وجه المياه ” (تك2:1). فكل المخلوقات تحمل ختم الثالوث.
2ـ التجسد: عند البشارة، يرسل الآب الروح القدس على العذراء المباركة مريم فتحمل بابن الله الأزلى (لو35:1). هكذا فإن إتخاذ الله لبشريتنا هو عمل ثالوثى. يُرسل الروح من الآب، ليحقق حضور الابن فى داخل رحم العذراء. ويجب أن نضيف أن التجسد ليس فقط عمل الثالوث بل أيضًا عمل إرادة مريم الحرة. لقد انتظر الله قبولها الإرادى، الذي تعبر عنه الكلمات “ هوذا أنا أمة الرب، ليكن لى كقولك ” (لو38:1)، وهو القبول الذي لو كانت قد امتنعت عن تقديمه، لِما أصبحت مريم أم الله. فالنعمة الإلهية لا تحطم الحرية البشرية بل تؤكدها.
3 ـ معمودية المسيح: فى التقليد الأرثوذكسى، تُرىَ هذه المعمودية كاستعلان للثالوث. فصوت الآب من السماء يحمل الشهادة للابن قائلاً: “هذا هو ابنى الحبيب الذي به سررت ” وفى نفس اللحظة، فإن الروح القدس، فى شكل حمامة، ينزل من الآب ويستقر على الابن (مت16:3ـ17). ولهذا تُرّنم الكنيسة الأرثوذكسية فى عيد الظهور الإلهي عيد معمودية المسيح [1]:
حين تعمدت أيها الرب فى نهر الأردن
استعلنت عبادة الثالوث.
لأن صوت الآب حمل الشهادة لك
فناداك بالابن الحبيب.
والروح فى شكل حمامة
ختم على كلمته بأنها أكيدة وثابتة.
4 ـ تجلى المسيح: وهو حدثٌ ثالوثى أيضًا. فنفس العلاقة تتجلى بين الأقانيم الثلاثة كما فى المعمودية. فالآب يشهد من السماء ” هذا هو ابنى الحبيب الذي به سررت له اسمعوا ” (مت5:17)، بينما ينزل الروح كما حدث قبلاً على الابن، وفى هذه المرة فى شكل سحابة نور(لو34:9). كما نؤكد فى واحدة من ترانيم هذا العيد:
اليوم على جبل طابور فى استعلان نورك أيها الرب
أنرت أيها النور غير المتغير من نور الآب غير المولود،
ورأينا الآب كنور
والروح كنور
الذي بنوره يرشد الخليقة كلها.
5 ـ استدعاء الروح فى الإفخارستيا: نفس النموذج الثالوثى الذي يتجلى فى البشارة وفى المعمودية، وفى التجلى، يظهر أيضًا فى لحظة الذروة فى الإفخارستيا، لحظة استدعاء الروح القدس (Epiclesis)، فالكاهن خديم السر حينما يخاطب الآب يقول فى قداس القديس يوحنا ذهبى الفم:
نقدم لك هذه العبادة الروحية بدون سفك دم.
ونصلى ونتضرع ونبتهل إليك
أن ترسل إلينا روحك القدوس، علينا وعلى هذه القرابين الموضوعة أمامك
وأن تجعل هذا الخبز الجسد الثمين لمسيحك
وأن تجعل ما بداخل هذه الكأس دم مسيحك
محوّلاً إياهما بروحك القدوس.
ومثلما هو الحال فى البشارة هكذا فى الإفخارستيا التي هي امتداد لتجسد المسيح. فالآب يرسل الروح القدس ليحقق حضور الابن فى القرابين المقدسة. وهنا ـ مثلما هو فى كل حال ـ فإن الأقانيم الثلاثة للثالوث يعملون معًا.
نصلى للثالوث ونحيا الثالوث
نحن نصلى للثالوث:
ومثلما يكون فى استدعاء الروح القدس فى الإفخارستيا بنيان ثالوثى، هكذا الأمر تقريبًا فى كل صلوات الكنيسة. فالابتهالات الافتتاحية، التي يستخدمها الأرثوذكس فى صلواتهم اليومية كل صباح ومساء، هي ذات روح ثالوثية واضحة. وهي صلوات مألوفة جدًا، وتكرارها دائم، حتى أنه من السهل أن يفوتنا الانتباه إلى سمتها الحقيقية باعتبارها تمجيد للثالوث القدوس. ونحن نبدأ بالاعتراف بالله بأنه ثلاثة فى واحد، حينما نرشم علامة الصليب ونتلو الكلمات التالية:
باسم الآب والابن والروح القدس
هكذا أيضًا فى مستهل كل يوم جديد، فنحن نضع اليوم تحت حماية الثالوث. ثم نقول ” المجد لك، يا إلهنا، المجد لك” ـ ويبدأ اليوم الجديد بالاحتفال والبهجة والشكر. ويلى هذا صلاة للروح القدس، ” أيها الملك السمائى… ” ثم نكرر ثلاث مرات:
قدوس الله، قدوس القوى، قدوس الحى الذي لا يموت، ارحمنا
وهذه التقديسات الثلاث، هي تمثل بتسبحة ” قدوس قدوس قدوس ” التي يسبح بها الشاروبيم فى رؤيا إشعياء (إش3:6)، والأربعة الكائنات الحية فى سفر الرؤيا (رؤ8:4).وفى هذه الـ ” قدوس” التي تتكرر ثلاث مرات هناك ابتهال للثلاثة اقانيم الأزليين. ونتبع ذلك، فى صلواتنا اليومية، بأكثر عباراتنا الليتورجية تكرارًا: ” المجد للآب وللابن وللروح القدس..” وعلينا هنا قبل كل شئ ألاّ نسمح للألفة أن تولد الاحتقار. ففى كل مرة نستخدم هذه العبارة، من الضرورى أن نتذكر معناها الحقيقى باعتبارها تقديم المجد للثالوث. وهذا التمجيد Gloria تليه صلاة أخرى للأقانيم الثلاثة:
أيها الثالوث الأقدس ارحمنا يارب اغفر لنا خطايانا
يا سيد اصفح عن آثامنا أيها القدوس افتقدنا واشفِ أمراضنا
لأجل اسمك القدوس.
وهكذا تستمر صلواتنا اليومية. وفى كل خطوة، سواء ضمنًا أم صراحة، هناك بنية ثالوثية، واعتراف بالله كواحد فى ثلاثة. فنحن نفكر بالثالوث، نتحدث بالثالوث، ونتنفس الثالوث.
هناك أيضًا بعد ثالوثى فى الصلاة المحبوبة جدًا، وهي صلاة أرثوذكسية من جملة واحدة، ألاّ وهي “صلاة يسوع”، وهي “صلاة سهمية” تستخدم فى العمل وفى أثناء فترات الهدوء. وأكثر أشكالها شيوعًا هو:
يا ربى يسوع المسيح، ابن الله، ارحمنى أنا الخاطئ
وهي فى شكلها الخارجى، صلاة للأقنوم الثانى من الثالوث، الرب يسوع المسيح. لكن الأقنومين الآخرين موجودان أيضًا فيها، رغم أنهما لا يذكران بالاسم. لأننا بذكرنا ليسوع أنه ” ابن الله ” نشير بذلك إلى أبيه، وتتضمن صلاتنا الروح أيضًا لأنه “لا يقدر أحد أن يقول إن يسوع رب إلاّ بالروح القدس” (1كو3:12). إذن فصلاة يسوع ليست صلاة متمركزة فقط حول المسيح، بل هي صلاة ثالوثية.
نحن نحيا الثالوث:
يقول تيتو كولياندر: ” الصلاة فعل “.
” ما هي الصلاة النقية ؟ هي الصلاة الموجزة فى كلماتها لكنها غزيرة فى فعلها. لأنه إن كانت أعمالك لا تفوق توسلاتك، فإن صلواتك ليست إلاّ مجرد كلمات، وليس فيها بذار اليدين ” (من أقوال آباء البرية)
فإن تحولت الصلاة إلى فعل، فإن هذا الإيمان الثالوثى الذي يغذى كل صلاتنا يجب أن يظهر أيضًا فى حياتنا اليومية. وقبيل تلاوة قانون الإيمان مباشرة فى القداس الإلهي[2]، نردد هذه الكلمات:
” فلنحب بعضنا بعضًا، حتى إننا بذهن واحد نعترف بالآب والابن والروح القدس، الثالوث الواحد فى الجوهر والغير منقسم”. لاحظوا هذه الكلمات، “حتى إننا”. إن الاعتراف الأصيل بالإيمان بالإله الثالوث فى واحد لا يمكن أن يقوم به إلاّ أولئك الذين، بحسب مثال الثالوث، يظهرون محبة الواحد نحو الآخر. هناك صلة وثيقة بين محبتنا الواحد للآخر وإيماننا بالثالوث: فالمحبة شرط أساسى للإيمان بالثالوث، والإيمان بالثالوث بدوره يعطى كامل القوة والمعنى للمحبة.
إن عقيدة الثالوث أبعد من أن ندفع بها فى ركن بعيد ونعاملها كقطعة عويصة من التنظير اللاهوتى الذي لا يعنى به إلاّ المتخصصون، بل يجب أن يكون لعقيدة بالثالوث أثرها على حياتنا اليومية، ذلك الأثر الذي ينبغى أن لا يقل عن أن يكون أثرًا ثوريًا. فالبشر إذ هم مخلوقون على صورة الله الثالوث، مدعون أن يُظهروا على الأرض سر المحبةالمتبادلة التي يحياها أقانيم الثالوث فى السماء.
وفى العصور الوسطى بروسيا، كرس القديس سرجيوس الرادونيزى ديره الجديد للثالوث القدوس، وكان قصده الفعلى فى ذلك أن يظهر رهبانه المحبة الواحد نحو الآخر كل يوم، وهي نفس المحبة التي تسرى بين أقانيم الثالوث الثلاثة. وهذه ليست دعوة الرهبان وحدهم بل هي دعوة كل واحد فينا.
فينبغى على كل وحدة اجتماعية: الأسرة، المدرسة، الورشة، والإيبارشية والكنيسة الجامعة ـ أن تصبح أيقونة للثالوث.
ولأننا نعرف أن الله ثلاثة فى واحد، فإن كل واحد منا ملتزم أن يحيا حياة البذل مع الآخر ولأجل الآخر، كل منا ملتزم بشكل نهائى أن يحيا حياة الخدمة العملية، أن يحيا حياة الحنان النشيط. إن إيماننا بالثالوث يضعنا تحت التزام الجهاد على كل مستوى، من الشخصى جدًا وحتى العام المنظم تنظيمًا عاليًا، أى أن نناضل ضد كل أشكال القهر، والظلم، واستغلال الإنسان لأخيه الإنسان. وفى صراعنا لأجل البر الاجتماعى و”حقوق الإنسان”، فإننا نتصرف بوجه خاص ” باسم الثالوث القدوس “.
” إن أكمل قاعدة للمسيحية، وتعريفها الدقيق، وذروتها العليا، هي هذه: أن نبحث عما هو لنفع الجميع “، هكذا يقول القديس يوحنا ذهبى الفم. “.. لا أقدر أن أؤمن أنه من الممكن لأى إنسان أن يخلص إن لم يعمل لأجل خلاص جاره ” تلك هي المضامين العملية لعقيدة الثالوث. وهذا هو معنى أن ” نحيا الثالوث “.
CDCDCDCDCD
لا نمجد ثلاثة آلهة بل إلهًا واحدًا.
نحن نكرم الأقانيم الثلاثة الذين هم بالحقيقة ثلاثة:
الآب غير المولود والابن المولود من الآب
والروح القدس المنبثق من الآب إله واحد فى ثلاثة:
وبإيمان ومجد حقيقيين ننسب إلى كل منهم لقب الله.
(من كتاب التريوديون)
تعالوا، يا جميع الشعوب، لنعبد اللاهوت الواحد فى ثلاثة أقانيم،
الابن فى الآب مع الروح القدس لأن الآب أعطى الميلاد قبل الزمان للابن،
الأزلى معه والجالس فى العرش معه،
والروح القدس ممجد فى الآب مع الابن:
قوة واحدة، جوهر واحد، لاهوت واحد، الذين نعبدهم كلهم والذين نقول لهم:
قدوس الله، الذي خلق كل الأشياء بالابن، بمشاركة الروح القدس.
قدوس وقوى الذي به نعرف الآب والذي به أتى الروح القدس ليسكن فى العالم
قدوس وغير مائت، الروح البارقليط، المنبثق من الآب والمستقر على الابن.
أيها الثالوث القدوس، المجد لك
(من صلوات عيد الخمسين)
أسبح اللاهوت، الواحد فى ثلاثة أقانيم
لأن الآب نور، والابن نور، والروح نور
لكن يبقى النور بغير انقسام ساطعًا فى وحدة الطبيعة،
ومع ذلك فهو يسطع فى ثلاثة أشعة من الأقانيم (من كتاب التريوديون)
المحبة هي الملكوت الذي وعد به الرب سريًا للتلاميذ، حينما قال إنهم سيأكلون فى ملكوته ” ستأكلون وتشربون على مائدتى فى ملكوتى ” (لو30:22). فما الذي سيأكلونه ويشربونه، المحبة؟
وحينما نبلغ المحبة، نكون قد أدركنا الله وتكتمل رحلتنا. فقد عبرنا إلى الجزيرة التي تقع فيما وراء العالم، حيث الآب والابن والروح القدس: الذين لهم المجد والسلطان. فليجعلنا الله مستحقين أن نخافه ونحبه. آمين. (القديس مار اسحق السريانى)
مهما حاولت جاهدة، أجد من المستحيل أن أشيد شيئًا أعظم من هذه الكلمات الثلاث، ” احبوا بعضكم بعضًا ” فقط حتى النهاية، ومن دون استثناءات: حينئذٍ يتبرر كل شئ وتستنير الحياة، وإلاّ صارت خلاف ذلك بغيضة وعبئًا ثقيلاً. (الأم ماريا من باريس)
لا يمكن أن تكون كنيسة بدون محبة. (القديس يوحنا كرونستادت)
صدقونى، توجد حقيقة واحدة تسود وتسمو ابتداءً من أهداب إكليل المجد وحتى أدنى ظل لأتفه المخلوقات الدنيا: هذه الحقيقة هي المحبة. المحبة هي المنبع الذي تفيض منه الينابيع المقدسة للنعمة بدون توقف من مدينة الله، تروى الأرض وتجعلها مثمرة”، “غمر ينادى غمرًا” (مز7:42): كمثل غمر أو هاوية، وفى لانهائيتها تساعدنا المحبة على أن نصور لذواتنا الرؤيا المرهبة للألوهية. إنها المحبة التي تشكل كل الأشياء وتحافظ عليها فى وحدة. المحبة هي التي تهب الحياة والدفء، وتلهم وترشد. المحبة هي الختم الموضوع على الخليقة، هي توقيع الخالق. المحبة هي شرح صنع يديه.
كيف نجعل المسيح يأتى ويسكن فى قلوبنا؟ كيف إن لم يكن بالمحبة ؟
(الأب ثيوكليتوس من دير ديونيسيوس)
أرح المتعبين، افتقد المرضى، أعن الفقراء، لأن هذه أيضًا صلاة.
(القديس أفراهات)
علينا أن نعامل أجساد رفقائنا من البشر بعناية أكثر مما نوليها لأجسادنا. تعلمنا المحبة المسيحية أن لا نعطى اخوتنا عطايا روحية فقط، بل عطايا مادية كذلك. حتى قميصنا الأخير، وآخر قطعة خبز عندنا، علينا أن نعطيها لهم. إن الصدقة الشخصية وأوسع الأعمال الاجتماعية انتشارًا، هما بالتساوى مهمان وضروريان.
يكمن الطريق إلى الله فى محبة الآخرين، وليس هناك من طريق آخر. فى الدينونة الأخيرة، لن أُسأَل إن كنت ناجحًا فى نسكياتى أو كم عدد السجدات التي أديتها فى صلواتى، بل أُسأل، هل أطعمت الجوعى، وكسوت العرايا، وافتقدت المرضى والمساجين، هذا ما سوف أُسأل عنه.
(الأم ماريا من باريس)
أيها الثالوث، الأعلى فى الكيان أيتها الوحدانية التي بلا بداية
أجناد الملائكة يرنمون بتسابيحك، وهم يرتعدون أمامك،
تقف السموات والأرض والأعماق فى رهبة أمامك أيها الثالوث الكلى القداسة: يباركك الناس، وتخدمك النار، ويطيعك كل شئ فى خوف
(من كتاب الميناون يوم 8 سبتمبر)
[1] هذه التسابيح موجودة فى الكتب الطقسية لكنيسة الروم الأرثوذكس، وتوجد صلوات مشابهة فى كتب الكنيسة القبطية الأرثوذكسية.
علامات على الطريق – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد
علامات على الطريق – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد
الطريق الأرثوذكسي للأسقف كاليستوس وير
” أنا هو الطريق والحق والحياة ” (يو6:14)
” لا تعطينا الكنيسة نظامًا، بل مفتاحًا، لا خطة عن مدينة الله، بل تعطينا وسيلة لدخولها. وقد يفقد شخص ما طريقه لأنه لا يملك خطة. لكن كل ما يمكن أن يراه، سيراه من دون وسيط، سيراه مباشرة، ويكون حقيقيًا بالنسبة له، بينما الذي درس الخطة فقط، يغامر بالبقاء خارجًا، ولا يجد في الحقيقة أي شئ “.
(الأب جورج فلورفسكى)
القديس سرابيون السائح، أحد أشهر آباء البرية في القرن الرابع الميلادي، كان قد سافر ذات مرة لزيارة روما. وهناك علم بأمر إحدى الناسكات ذائعة الصيت، وهي امرأة كانت تعيش دائمًا داخل غرفة ضيقة واحدة، لم تغادرها قط، وإذ كان يرتاب في طريقة حياتها ـ لأنه هو نفسه كان سائحًا عظيمًا، دعاها وسألها: لماذا تجلسين هاهنا؟ فأجابته ” أنا لست جالسة، أنا على سفر “.
“ أنا لست جالسة، أنا على سفر“. كلمات يمكن أن يطبقها كل مسيحي على نفسه. فلكي تكون مسيحيًا، يعنى أن تكون مسافرًا، أي في رحلة. يقول الآباء الشرقيون، إن حالنا يشبه حال الشعب الإسرائيلي في برية سيناء، فنحن نعيش في خيام، لا في بيوت، لأننا نتحرك على الدوام روحيًا. نحن في رحلة (سفر) عبر الفضاء الداخلي للقلب، رحلة لا تُقاس بالساعات في معاصمنا ولا بالأيام في نتائج حوائطنا، لأنها رحلة خارج الزمن إلى الأبدية.
ومن أقدم أسماء المسيحية هو ببساطة ” الطريق “. ومكتوب في سفر أعمال الرسل (23:19) ” وحدث في ذلك الوقت شغب ليس بقليل بسبب هذا الطريق “، ” فلما سمع هذا فيلكس أمهلهم، إذ كان يعلم بأكثر تحقيق أمور هذا الطريق” (أع22:24). إنه اسم يؤكد الصفة العملية للإيمان المسيحي.
المسيحية أكبر من أن تكون نظرية حول الكون، وأكبر من كونها تعاليم مكتوبة على ورق. إنها طريق نسافر من خلاله، في أعمق وأغني معنى، إنها ” طريق الحياة “.
وهناك طريقة واحدة فقط لاكتشاف الطبيعة الحقيقية للمسيحية. يجب علينا أن نخطو على هذا الطريق، وأن نلزم أنفسنا بطريق الحياة هذا، عندئذ سنبدأ في رؤية ما به بأنفسنا. وطالما بقينا خارجًا، لا نقدر أن نفهم بشكل صحيح. من المؤكد أننا بحاجة إلى أخذ إرشادات قبل أن نبدأ؛ نحتاج أن نعرف ما هي علامات الطريق التي نبحث عنها، ونحتاج أن يكون معنا رفقاء صحبة. حقًا، بدون إرشاد من الآخرين، من الصعب أن نبدأ الرحلة. لكن إرشادات الآخرين لا يمكنها أن تنقل إلينا ماهية الطريق فعلاً، ولا يمكنها أن تكون بديلاً للخبرة الشخصية المباشرة. إن كل واحد منا مدعو أن يتحقق بنفسه مما تعلمه ـ كل واحد مطالب أن يعيد اختبار ” التقليد ” الذي تسلمه ويحياه بنفسه.
يقول المطران ” فيلاريت ” أسقف موسكو إن قانون الإيمان لا يخصك إن لم تكن قد عشته. وما من أحد يقدر أن يكون مسافرًا في هذه الرحلة البالغة الأهمية بينما هو قابع في مكانه، ما من أحد يقدر أن يكون مسيحيًا بشكل غير مباشر. إن لله أولادًا لكن ليس له أحفاد !
وكمسيحي في الكنيسة الأرثوذكسية، أود بشكلٍ خاص أن أؤكد على هذه الحاجة إلى “الاختبار الحي”. تبدو الكنيسة الأرثوذكسية في نظر كثيرين من أهل الغرب في القرن العشرين أنها كنيسة جديرة بالاعتبار بشكل ملحوظ، لأنها تمثل جو التراث القديم والتقاليد المحافظة. إن رسالة الأرثوذكس لإخوانهم الغربيين تبدو هكذا، ” نحن ماضيكم “، ورغم ذلك، فإن الولاء للتقليد بالنسبة للأرثوذكس لا يعني بالدرجة الأولى قبول صيغ أو عادات قديمة من أجيال ماضية، بل بالأحرى قبول الجديد الدائم الجدة والاختبار الشخصي والمباشر للروح القدس، ” في الحاضر، هنا والآن “.
وفي وصفه لزيارة إحدى كنائس الريف باليونان، يؤكد يوحنا بيتجمان على عنصر ” التراث “، لكنه يركز أيضًا على شئ آخر أكثر:
… الظلام الدامس يبتلع النهار.
هنا حيث توقد شمعة وتصلي.
وعلى لهب الشمعة تظهر العيون المتوهجة.
لقديسي الموضع الذين يُظهرون ودون إبهار
استشهادهم منقوشًا على الجدار
حيث يسقط نور النهار
الخافت باهتًا
والضوء يُظهر لوحة مشروخة، ألوانها الأزرق والأخضر البحري والأحمر والذهبي،
يظهر من خلالها الخشب الحبيبي
لأيقونات، أكْثَر الناس من تقبيلها وربما تعود
إلى القرن الرابع عشر…
هكذا تنمو الشجرة العتيقة في قوة واقتدار
وقد جعلها الاضطهاد مشذبة ترويها الدماء
وجذورها الحية عميقة في طين ما قبل المسيحية
لا تحتاج إلى حماية بيروقراطية
فحمايتها في قيامتها الدائمة.
ويلفت بيتجمان الأنظار هنا إلى أكثر ما يملكه الأرثوذكس من نفائس: أعني إلى قيمة الإشارات الرمزية، مثل لهب الشمعة، ودور الأيقونات في إيصال معنى كنيسة محلية ” كسماء على الأرض “، وسمو الاستشهاد في الاختبار الأرثوذكسي تحت حكم الأتراك منذ عام 1453م، وتحت حكم الشيوعيين منذ عام 1917م. وتعد الأرثوذكسية وبحق في العالم الحديث “شجرة عتيقة “. وبجانب عمرها الضارب في القدم هناك الحيوية، حيث “القيامة الدائمة ” وهذا هو المهم، وليس مجرد التراث القديم. فالمسيح لم يقل ” أنا عادة قديمة ” بل قال ” أنا هو الحياة “.
وهدف هذا الكتاب الحالي أن يكشف عن المنابع العميقة لهذه ” القيامة الدائمة “، ويشير الكتاب إلى بعض علامات الطريق الحاسمة والإشارات على الطريق الروحي. وما من محاولة بذلناها هنا لتقديم تقرير فعلي دقيق على التاريخ الماضي والحالة المعاصرة للعالم الأرثوذكسي. وهذا ما يمكن الحصول على معلومات عنه فى كتابى السابق ” الكنيسة الرثوذكسية The Orthodox Church (Penguin Books)، الذي نُشر أصلاً سنة1963؛ وحاولت بقدر الإمكان أن أتجنب هنا تكرار ما ذكرته فى ذلك الكتاب.
وهدفي من هذا الكتاب الحالي أن أقدم تقريرًا موجزًا عن التعاليم الأساسية للكنيسة الأرثوذكسية، حيث يظهر الإيمان طريقًا للحياة، وسبيلاً للصلاة. تمامًا مثلما عنون تولستوى الروائي إحدى قصصه القصيرة ” ما يحيا به الناس “، هكذا يمكن أن يُدعى هذا الكتاب ” ما يحيا به المسيحيون الأرثوذكس “. وفي حقبة مبكرة أكثر رسمية كان يمكن أن يأخذ هذا العمل شكل ” تعليم مسيحى للكبار” يحوي أسئلة وأجوبة. لكن ليست هناك محاولة أن يكون العمل شاملاً كل شئ، فقد قيل القليل جدًا هنا عن الكنيسة وصفة “المجمعية” (Conciliar) فيها، وحول شركة القديسين، والأسرار المقدسة، ومعنى العبادة الليتورجية: وربما استطعت أن أجعل هذا الخط الفكري موضوعًا لكتابٍ آخر. وبينما أشير من حين لآخر إلى طوائف مسيحية أخرى، فإني لا أعقد أية مقارنات منهجية. فاهتمامي منصب على وصف الإيمان الذي أحياه كأرثوذكسي، وأن أجعل ذلك بألفاظ إيجابية، عن أن أقترح مناطق الاتفاق والاختلاف مع الكاثوليكية الرومانية أو مع البروتستانتية.
وإذ اشتاق أن أسمع صوت الآخر، وأن أري شهادات أخرى أفضل بجانب صوتي وشهادتي، فقد وضعت في الكتاب عدة اقتباسات، خاصة في بدء كل فصل وختامه. وتوجد ملاحظات مختصرة عن المؤلفين (وكتبهم)، الذين اقتبست منهم فى نهاية هذا الكتاب. إن معظم الفقرات المقتبسة هي من ” كتب الصلوات الأرثوذكسية ” المستعملة يوميًا فى عبادتنا الكنسية[1]، أو من كتابات الذين نطلق عليهم لقب ” الآباء “. وهم كُتّاب غالبًا من القرون الثمانية الأولى للتاريخ المسيحى، وفى بعض الحالات من تاريخ متأخر عن ذلك؛ لأنه يمكن أن يوجد مؤلف من عصرنا الحاضر ونطلق عليه أيضًا لقب ” أب ” وإن كان بمعنى خاص. وهذه الاقتباسات هي ” الكلمات ” التي ثبت أنها أكثر الكلمات عونًا لي شخصيًا، كعلامات على الطريق لاكتشافاتي الخاصة على الطريق. ويوجد طبعًا كُتاب آخرون كثيرون، لم يُذكروا بالاسم فى هذا الكتاب، وقد اقتبست من هؤلاء بعض الكلمات أيضًا..
أيها المخلص،
يا من سافرت مع لوقا وكليوباس إلى عمواس،
سافر مع خدامك الذين بدأوا الآن ارتحالهم على الطريق واحفظهم من كل شر.. (صلاة تُقال قبل بداية أى الرحلة)
عيد القديس الرسول والإنجيلي يوحنا اللاهوتى
26 سبتمبر 1978
الأرشمندريت كاليستوس
2 يقصد كتب صلوات الخدمات فى كنيسة الروم الأرثوذكس التي هو عضو فيها وأحد لاهوتييها المعاصرين.
علامات على الطريق – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد