تدبير الخلاص بين ق. أثناسيوس وأنسلم الكانتربري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

تدبير الخلاص بين ق. أثناسيوس وأنسلم الكانتربري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

تدبير الخلاص بين ق. أثناسيوس وأنسلم الكانتربري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

تدبير الخلاص بين ق. أثناسيوس وأنسلم الكانتربري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

 

 

إعداد

د. أنطون جرجس عبد المسيح

القاهرة – ابريل 2024م

 

 

الفهرست

مقدمة. 1

الفصل الأول: تدبير الخلاص في تعليم ق. أثناسيوس الرسولي. 5

خلاص الإنسان بالتأله. 5

الخلاص بتألهنا عن طريق تأله ناسوت المسيح. 7

الخلاص بالأسرار والتأله. 8

الانجماع الكلي للبشرية في المسيح. 9

مفهوم العدالة الإلهية. 10

مفهوم الفدية. 10

مفهوم الدين. 12

مفهوم اللعنة. 14

مفهوم العداوة 15

دحض نظرية البدلية العقابية. 15

وجودنا الكياني في المسيح أثناء الخلاص… 16

مفهوم التبرير والتقديس.. 16

الخلاص بتأليه البشرية. 21

مفهوم التبرير بالدم 21

التقديس باتحاد الطبيعتين في المسيح. 22

دحض نظرية الإبدال العقابي. 23

مفهوم المصالحة. 24

إعادة خلق الطبيعة البشرية في المسيح. 25

الاتحاد بالآب في المسيح. 27

المبادلة الخلاصية الشفائية وليس العقابية. 28

مفهوم التقدمة. 30

مفهوم الذبيحة. 32

المبادلة الخلاصية وليس العقابية. 34

هدف التجسد هو إبادة الموت.. 35

تجديد الإنسان بنعمة الروح القدس.. 36

انجماع البشرية في المسيح. 36

موت المسيح هو موت جميع البشر. 37

تمجيد البشرية في المسيح. 39

جسد الكلمة هو جسدنا نحن. 41

انجماع البشرية في المسيح. 41

تقديس الأشياء بالروح القدس.. 42

تقديس جسدنا بجسد المسيح. 43

الخلاص بتأليه البشر. 44

الفصل الثاني: الكفارة والفداء في تعليم أنسلم الكانتربري.. 46

الخطية كإهانة لله وسلب لكرامته. 47

لا يوجد غفران بدون عقوبة. 47

مبدأ إيفاء العدل الإلهي. 48

توضيح نظرية الترضية لأنسلم 49

نقد نظرية الترضية لأنسلم 55

الفصل الثالث: الدراسات الحديثة حول تدبير الخلاص بين الشرق والغرب.. 58

نورمان راسل. 58

توماس تورانس.. 59

خالد أناطوليوس.. 63

جوهانس رولدانوس.. 64

لويس بيركهوف.. 64

ستيفن هولمز. 66

جون كيلي. 68

لورانس جرينستيد 69

هستنجس راشدال. 69

جوناثان هيل. 70

أليستر ماجراث.. 71

كاليستوس وير. 72

فلاديمير لوسكي. 73

جورج فلورفسكي. 74

فالتر كاسبر. 75

جوهانس كواستن. 76

كاثرين ساندرجير. 77

توماس ويناندي.. 78

جوستاف ألين. 78

المطران كيرلس بسترس وآخرون. 79

عبد المسيح اسطفانوس.. 80

الفصل الرابع: أهم الاعتراضات على البدلية العقابية في اللاهوت الغربي. 84

 

 

مقدمة

سوف نحاول في هذا البحث الموجز توضيح نقاط الاختلاف بين تعليم ق. أثناسيوس عن تدبير الخلاص، وبين تعليم أنسلم رئيس أساقفة كانتربري بانجلترا في القرن الحادي عشر عن الكفارة والفداء، وابتكاره لنظرية ”الترضية“ التي سادت العصر الوسيط في أوروبا، وتسلَّلت إلى كنائسنا في غفلة من الزمن، وذلك للرد على الذين يعتنقون فكرة وجود نظرية البدلية العقابية في تعليم ق. أثناسيوس الرسوليّ، لاهوتيّ التألُّه والانجماع الكليّ في المسيح، حيث يعتقدون أنهم عندما يجدون كلمات مثل: بدلاً عنا، عوضًا عنا، نيابةً عنا، فدية، ثمن، كفارة، دَّين، ذبيحة لعنة، حكم، وغيرها من المصطلحات القانونية، إنه يوجد بذلك تعليم بدلية عقابية عند ق. أثناسيوس، وهذا ضرب من الوهم والخيال.

فالدراس الحقيقيّ الموضوعيّ لتعاليم ق. أثناسيوس حول تدبير الخلاص، يجد أن تعاليمه الخلاصية تتمحور حول تأليه الطبيعة البشرية عن طريق اتحادها بأقنوم الكلمة في المسيح يسوع ربنا، وتبتعد كل البعد عن نظرية الترضية، أو مصالحة العدل مع الرحمة على الصليب، أو إيفاء العدل الإلهيّ، أو ترضية كرامة الله المهدرة بسبب خطية البشرية غير المحدودة، وغيرها من الأفكار في لاهوت العصر الوسيط التي أنتشرت في أوروبا لقرونٍ عديدةٍ، وسبَّبت العديد من المجادلات والمجامع لعلاج المشاكل الناجمة عن هذه التعاليم الخطيرة البعيدة كل البعد عن التعليم الآبائيّ الشرقيّ الأرثوذكسيّ، الذي يُمثِّله في هذا البحث، ق. أثناسيوس العظيم، مُعلِّم المسكونة.

سنحاول في هذا البحث الموجز استعراض أهم ملامح ومفاهيم تدبير الخلاص في تعليم ق. أثناسيوس، ومقارنتها بنلامح ومفاهيم نظرية الترضية والبدلية العقابية في تعليم أنسلم الكانتربري لإبرارز نقاط الاختلاف الشديدة والواضحة بين التعليمين، وردًا على محاولات البعض عن جهل ودون دراسة وعلم ووعي بالدراسات الأكاديمية إلصاق تعليم البدلية العقابية في تعليم ق. أثناسيوس الرسوليّ.

أود التنويه إلى أن البعض يدَّعي أننا نُقدِّم تعليم غربيّ أكاديميّ غير أرثوذكسيّ، ويبدو أنهم نسوا أو تناسوا أو نغافلوا عن أن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية أكثر كنيسة استفادت من الإسهامات الغربية الأكاديمية الحديثة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: ترجمة كرنيليوس قاندياك البروتستانتية الغربية مع البستانيّ، وهي الترجمة المعتمدة حاليًا في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية. وهناك أيضًا مجلدات كتابات آباء ما قبل نيقية ونيقية وما بعد نيقية التي يتهافت الباحثين الأقباط وغيرهم من المترجمين حاليًا على ترجمتها والاقتباس منها بكل اريحية وثقة، وهي في الأساس منتج بروتستانتيّ غربيّ صرف، فالمحرِّر لهذه المجلدات هو فيليب شاف مؤرخ وأستاذ لاهوت بروتستانتيّ، وفريقه من المترجمين لمجموعة المجلدات والمحرِّرين المساعدين أغلبهم بروتستانت غير أرثوذكس، سأكتفي بهذين المثالين، رغم أن الأمثلة كثيرة جدًا، ولكن حتى لا أطيل على القارئ، سأكتفي بذلك. فالذي يُغفِل الإسهام الأكاديميّ الغربيّ غير الأرثوذكسيّ في العالم المسيحيّ، فهو إمَّا جاهل أو شعبويّ أو مُنافِق أو مُخادِع أو مُدلِّس أو ناكر الجميل والمعروف، وسامحوني في هذه الألفاظ، لأنه كم الخداع والتضليل والتدليس والتجهيل والتغييب وصل لدرجاتٍ غير مسبوقة، نصلي إلى الله أن يغير النفوس، وينير العيون والقلوب لمجد اسمه القدوس.

أود التنويه أيضًا إلى أن النصوص المذكورة في هذا البحث الموجز، سواء للقديس أثناسيوس الرسوليّ أو أنسلم الكانتربريّ، هي بعض من كل، فهناك العديد والعديد من النصوص الأخرى التي تخدم هدف البحث، كما ذكرنا أعلاه، ولكننا أكتفينا بهذه النصوص لتوضيح الفكرة والهدف من البحث للقارئ العزيز.

وأخيرًا، أصلي إلى الله أن يمون هذا البحث سبب بركة ونعمة في حياة الكثيرين، بصلوات وشفاعات القديسة العذراء مريم والدة الإله، وصلوات وشفاعات الآباء القديسين مُعلِّمي الكنيسة العظام الذين أثروا العالم بتعاليمهم الغنية والعميقة.

 

تدبير الخلاص بين ق. أثناسيوس وأنسلم الكانتربري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

 

الفصل الأول: تدبير الخلاص في تعليم ق. أثناسيوس الرسولي

سوف نتتبع في هذ الفصل ملامح ومفاهيم تدبير الخلاص في تعليم القديس أثناسيوس، وذلك لمقارنتها بين تعليم أنسلم الكانتربريّ، وذلك لتوضيح نقاط الاختلاف الشديدة بين مفهوم ق. أثناسيوس للخلاص ومفهوم أنسلم للترضية والكفارة، الذي يؤمن به البعض في أيامنا هذه ويُدافِع عنه وكأنه تعليم آبائيّ أرثوذكسيّ سليم، رغم أنه تعليم معيب وغير أرثوذكسيّ تركه أصحابه وانتقدوه، ولكن يتشبث به الجهلاء في عصرنا هذا عن دون دراية ووعي ودراسة لتاريخ تطوُّر شرح العقيدة المسيحية عبر العصور.

خلاص الإنسان بالتأله

يقول ق. أثناسيوس عبارته التبادلية الشهيرة التي تُوضِّح عقيدة التألُّه بالنعمة، لكي يؤكد أن المسيح قد تجسَّد من أجل أن يؤلهنا، وبالتالي، الخلاص في فكر ق. أثناسيوس هو من خلال تأليه الإنسان كالتالي:

”ﻷن كلمة الله صار انسانًا لكي يُؤلِّهنا نحن“.[1]

ويتحدَّث ق. أثناسيوس أيضًا عن عقيدة التألُّه بالنعمة، وتألُّه ناسوت المسيح الذي صار طريقًا نحو تأليه أجسادنا أيضًا قائلاً:

”فإن اللوغوس لم يحط قدره باتخاذه جسدًا حتى يسعى للحصول على نعمة أيضًا، بل بالحري فإن الجسد الذي لبسه قد تألَّه، بل وأكثر من ذلك فقد أنعم بهذه النعمة على جنس البشر بدرجةٍ أكثر“.[2]

يشير ق. أثناسيوس إلى أننا بشركتنا في الروح القدس نصير شركاء الطبيعة الإلهية، وبالتالي يُثبِت عقيدة ألوهية الروح القدس مُستخدِمًا عقيدة التألُّه بالنعمة، حيث يرى أنه إذَا كان الروح القدس مخلوقًا، فكيف يُؤلِّهنا نحن البشر بالنعمة كالتالي:

”ولكن إنْ كُنا بالاشتراك في الروح نصير شركاء الطبيعة الالهية، فإنه يكون من الجنون أن نقول إن الروح من طبيعة المخلوقات، وليس من طبيعة الله، وعلى هذا الأساس فإن الذين هم فيه يتألَّهون، وإنْ كان [الروح القدس] يُؤلِّه البشر فلا ينبغي أن يشك في أن طبيعته هي طبيعة إلهية“.[3]

وهكذا يُؤكِّد ق. أثناسيوس هنا أن مَنْ يُشكِّك في تأليه الروح القدس للبشر بالنعمة هو كمَّن يُشكِّك في ألوهية الروح القدس ويدعوه جنونًا.

يدحض ق. أثناسيوس نظرية البدلية العقابية ويشير إلى أن الكلمة صار إنسانًا لكي يُؤلِّهنا في ذاته، وهكذا نقل المسيح في نفسه جنسنا نحن البشر الضالين لكي نصبح نسلاً مُقدَّسًا، ونصير شركاء الطبيعة الإلهية، ولم يقل مات بديلاً عقابيًا عن البشر، بل نقل البشر في نفسه لكي يتألهوا بمشاركة طبيعته الإلهية، مما يؤكد على أن مفهوم الخلاص عند ق. أثناسيوس هو من خلال تأليه الإنسان كالتالي:

”لأنه قد صار إنسانًا لكي يُؤلِّهنا في ذاته. وقد صار جسدًا من امرأةٍ ووُلِدَ من عذراء كي ينقل إلى نفسه جنسنا نحن البشر الذين ضلَّلنا، ولكي نصبح بذلك جنسًا مُقدَّسًا، ونصير شركاء الطبيعة الإلهية (2بط 1: 4) كما كتب بطرس المطوَّب“.[4]

ويرى ق. أثناسيوس أن كل الأشياء التي تألم بها جسد الكلمة البشريّ كان الكلمة الذي سكن الجسد ينسبها لنفسه، لكي نستطيع أن نشترك نحن البشر في لاهو الكلمة، لا يوجد مكان هنا للبدلية العقابية، بل اشتراك البشرية المتَّحِدة بالكلمة في لاهوته، لا يوجد مكان هنا لإنزال عقوبة الموت على الكلمة الذي سكن الجسد، بل توجد شركة للبشرية في لاهوت الكلمة كالتالي:

”لأن تلك الأشياء التي كان يتألم منها جسد الكلمة البشريّ، كان الكلمة الذي سكن في الجسد ينسبها لنفسه، لكي نستطيع نحن أن نشترك في لاهوت الكلمة“.[5]

الخلاص بتألهنا عن طريق تأله ناسوت المسيح

يُؤكِّد ق. أثناسيوس الرسوليّ على تألُّه ناسوت المسيح كوسيلة لتألُّه أجسادنا، ويُؤكِّد أيضًا على تبادل الخواص أو الصفات أو الأسماء في المسيح كالتالي:

”بل كُتِبَت هذه العبارة عنه بسببنا ولأجلنا. لأنه كما مات المسيح ثم رُفِعَ كإنسان، فبالمثل قيل عنه إنه أخذ كإنسان ما كان له دائمًا كإله، وذلك لكي تصل إلينا عطية مثل هذه النعمة، فإن اللوغوس لم يحط من قدره باتخاذه جسدًا حتى يسعى للحصول على نعمة أيضًا، بل بالأحرى فإن الجسد الذي لبسه قد تألَّه، بل وأكثر من ذلك، فقد أنعم بهذه النعمة على جنس البشر بدرجة أكثر“.[6]

ويُكرِّر ق. أثناسيوس نفس الحديث عن تألُّه ناسوت المسيح في موضع آخر كالتالي:

”لأنه حينما صار إنسانًا، لم يكف عن أن يكون الله، ولا بسبب كونه الله يتجنب ما هو خاص بالإنسان، حاشا بل بالحري، إذ هو الله فقد أخذ الجسد لنفسه، وبوجوده في الجسد، فإنه يُؤلِّه الجسد“.[7]

ويُشدِّد ق. أثناسيوس أيضًا على تألُّه ناسوت المسيح كوسيلة لخلاصنا عن طريق تألُّه أجسادنا باتحادنا به قائلاً:

”وعندئذٍ لم يقل ’والابن‘ كما سبق وقال إنسانيًا، بل قال: ’ليس لكم أن تعرفوا‘، لأن الجسد عندئذٍ كان قد قام وخلع عنه الموت وتألَّه، ولم يعد يليق به أن يجيب بحسب الجسد عندما كان مُنطلقًا إلى السماوات، بل أن يُعلِّم بطريقةٍ إلهيةٍ“.[8]

الخلاص بالأسرار والتأله

يشير ق. أثناسيوس إلى تقديسنا وتأليهنا بتناولنا من جسد الكلمة نفسه وليس بتناول مُجرَّد جسد لإنسانٍ ما، حيث أننا ننال التألُّه بالنعمة من خلال الاتحاد السريّ بجسد الكلمة ذاته في الإفخارستيا، وبالتالي تُعتبر الأسرار الكنسية ضروريةً في نوال نعمة التألُّه والحياة الأبدية كالتالي:

”ولكن ’الكلمة صار جسدًا‘ (يو 1: 14) مرةً واحدةً في ملء الزمان ليزيل الخطية، ووُلِدَ من العذراء مريم إنسانًا مثلنا، كما قال لليهود: ’تطلبون أن تقتلوني وأنا إنسان قد كلمكم بالحق‘ (يو 8: 40)، لذا نحن نتألَّه بتناولنا جسد الكلمة نفسه، وليس باشتراكنا في جسد إنسانٍ ما“.[9]

الانجماع الكلي للبشرية في المسيح

يتحدَّث ق. أثناسيوس عن وجودنا الكيانيّ في المسيح عند موته، ويتحدَّث عن موت الجميع في المسيح مُؤكِّدًا على وحدة الجنس البشريّ في المسيح آدم الجديد قائلاً:

”لكي إذَا كان الجميع قد ماتوا فيه، فإنه يُبطِل عن البشر ناموس الموت والفناء، ذلك لأن سلطان الموت قد استُنفِذَ في جسد الرب، فلا يعود للموت سلطان على أجساد البشر“.[10]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس أيضًا على وحدة البشرية في شخص المسيح، لارتباطنا به في جسده، وصعودنا معه إلى السماء في جسده، وهكذا يصير لنا شركة الحياة الأبدية، لأننا لم نعد بشرًا عاديين، بل صرنا في اللوغوس لوغسيين كالتالي:

”ولكن ارتباطنا بالكلمة الذي من السماء، فأننا نُحمَل إلى السموات بواسطته، لذلك بطريقةٍ مماثلةٍ قد نقل إلى نفسه أوجاع الجسد الأخرى لكي يكون لنا شركة في الحياة الأبدية، ليس كبشر فيما بعد، بل أيضًا لأننا قد صرنا خاصين بالكلمة [أي لوغسيون]“.[11]

مفهوم العدالة الإلهية

يربط ق. أثناسيوس الرسوليّ بين العدل والقداسة في الله، فالله هو عادلٌ وقدوسٌ بطبيعته قائلاً:

”ولكنه لكونه إله وكلمة الآب، فهو قاضٍ عادلٍ ومُحِب للفضيلة، وبالأحرى هو مانح الفضيلة. إذًا، فهو عادلٌ وقدوسٌ بطبيعته. فلهذا يُقَال إنه يحب البر ويبغض الإثم (إش 61: 8). وهذا يُعادِل القول القائل إنه يحب الصالحين ويُعِينهم“.[12]

مفهوم الفدية

نجد مفهوم ومجاز الفدية الخاص بالحروب والأسر عند ق. أثناسيوس، حيث يشير ق. أثناسيوس إلى تقديم المسيح الفدية للموت من أجل خلاص كل الخليقة، وذلك من خلال مجيئه في الجسد كالتالي:

”فإن مجيء المخلِّص مُتجسِّدًا، قد صار فديةً للموت وخلاصًا لكل الخليقة“.[13]

ويتحدَّث ق. أثناسيوس في موضع آخر عن تقديم المسيح الفدية للموت من أجل خلاص الكل قائلاً:

”وبموته صار الخلاص للجميع، وتمَّ الفداء لكل الخليقة. هذا هو ’حياة‘ الكل، الذي سلَّم جسده للموت كحَمَل فدية لأجل خلاص الكل، ولو لم يؤمن اليهود بذلك“.[14]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس أيضًا على تقديم المسيح الفدية للموت عن حياة الجميع كالتالي:

”ولأن كلمة الله هو فوق الجميع، فقد كان لائقًا أن يُقدِّم هيكله الخاص وأداته البشرية فديةً عن حياة الجميع مُوفِيًا دَّين الجميع بموته. وهكذا باتَّخاذه جسدًا مماثلاً لجسد جميع البشر وباتحاده بهم، فإن ابن الله عديم الفساد ألبس الجميع عدم الفساد بوعد القيامة من الأموات. ولم يعدّ الفساد الفعلي بالموت له أي سلطان على البشر بسبب الكلمة الذي جاء وسكن بينهم بواسطة جسده“.[15]

ويُشِير ق. أثناسيوس إلى تقديم المسيح جسده للموت وإقامته ثانيةً كالتالي:

”ولهذا السبب أيضًا فإنه لم يُتمِّم ذبيحته عن الكل بمُجرَّد مجيئه مُباشرةً، بتقديم جسده للموت ثم إقامته ثانيةً“.[16]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس على أن الدَّين المستحق على الجميع هو دَّين الموت، وبالتالي أسلَّم المسيح هيكله للموت من أجل إيفاء دَّين الموت كالتالي:

”ولمَّا كان من الواجب وفاء الدَّين المستحق على الجميع، إذ – كما بيَّنا سابقًا – كان الجميع مستحقين الموت، فلأجل هذا الغرض، جاء المسيح بيننا. وبعدما قدَّم براهينًا كثيرةً على ألوهيته بواسطة أعماله في الجسد، فإنه قدَّم ذبيحته عن الجميع، فأسلَّم هيكله للموت عوضًا عن الجميع“.[17]

ويُشدِّد ق. أثناسيوس أيضًا على أن موت الرب هو الفدية عن الجميع من أجل نقض حائط السياج المتوسط كالتالي:

”وإضافة إلى ذلك، إنْ كان موت الرب هو فديةٌ عن الجميع وبواسطة موته هذا ’نقض حائط السياج المتوسط‘، وصارت الدعوة لجميع الأمم“.[18]

يتحدَّث ق. أثناسيوس عن تقديم المسيح الفدية للآب، ولكن ليس بمعنى الإبدال العقابيّ، بل من أجل تطهيرنا من الخطايا بدم نفسه، وبإقامتنا من بين الأموات كالتالي:

”وعندما أراد الآب أن تُقدَّم الفدية لأجل الجميع، وأن تُعطَى النعمة الكل، عندئذٍ مثلما أرتدى هارون الجبة؛ أخذ الكلمة جسدًا من الأرض مُتَّخِذًا له من مريم الجسد كما من أرض بكر حتى إذ يكون له – كرئيس كهنة – شيء يُقدِّمه، فهو يُقدِّم ذاته للآب، ويُطهِّرنا جميعًا من الخطايا بدم نفسه، ويُقِيمنا من بين الأموات“.[19]

مفهوم الدين

يستخدم ق. أثناسيوس مجاز ”الدَّين“ التجاريّ في سياق سوتيرلوچيّ [خلاصيّ]، حيث يفهم ”الدَّين“ على أنه دَّين الموت الذي كان الجميع مدينًا به لله مانح وواهب الحياة للجميع، فالإنسان بخطيته جلب الموت على نفسه، وبدَّد هبة الحياة التي أعطاها الله له، فصار مدينًا لله بحياته التي بدَّدها بموته، فكان ينبغي أن يُوفِي أحدٌ هذا الدَّين بأن يعيد الحياة المفقودة من الإنسان مرةً أخرى بموته ليُسدِّد دَّين الموت، ويهب الحياة للإنسان الذي فقد حياته بإرادته بالخطية والموت. وهنا لم يطلب الله مقابل الدَّين، بل ساعد الله نفسه الإنسان بتجسُّده ليعيد ما فَقَدَه الإنسان من حياة بموته ليهب له الحياة، كالتالي:

”وهكذا تمَّ في جسد المسيح فعلان مُتناقِضان في نفس الوقت: الأول، هو أن موت الجميع قد تمَّ في جسد الربِّ على الصليب، والثاني، هو أن الموت والفساد قد أُبِيدا من الجسد بفضل اتحاد الكلمة به، فلقد كان الموت حتميًا، وكان لا بد أن يتمَّ الموت نيابةً عن الجميع لكي يُوفِي الدَّين المستحق على الجميع“.[20]

يُوضِّح ق. أثناسيوس مفهوم الدَّين أيضًا، حيث يرى إنه في جسد المسيح تمَّ فعلان متناقضان في نفس الوقت، هما: موت الجميع في جسد الرب، داحضًا بذلك نظرية الإبدال العقابيّ، فطالما أن موت الجميع تمَّ في جسد الربِّ، فأين الإبدال العقابيّ الذي يفصل بيننا نحن المؤمنون وبين جسد المسيح المقدَّم على عود الصليب كترضيةٍ نيابيةٍ عن البشرية المعاقَبة للآب، كما يدحض أيضًا نظرية الأجساد الثلاثة التي تفصل بين جسد المسيح الذي أخذه من العذراء، وبين جسد المسيح في الإفخارستيا، وبين جسد المسيح السري أي الكنيسة، والتي تهدم عمل المسيح الخلاصيّ من أساسه، بفصلنا نحن المؤمنون عن جسد المسيح السريّ. لذا يُؤكِّد ق. أثناسيوس على الانجماع الكليّ في المسيح أثناء عمله الخلاصيّ بموت الجميع فيه على الصليب كالتالي:

”وهكذا تمَّ في جسد المسيح فعلان متناقضان في نفس الوقت: الأول هو أن موت الجميع قد تمَّ في جسد الربِّ على الصليب، والثاني هو أن الموت والفساد قد أُبيدَا من الجسد بفضل اتحاد الكلمة به. فلقد كان الموت حتميًا، وكان لا بد أن يتمَّ الموت نيابةً عن الجميع لكي يُوفِي الدَّين المستحق على الجميع“.[21]

مفهوم اللعنة

ويرى ق. أثناسيوس أن المسيح أبطل اللعنة وهو كائنٌ فينا أي في بشريتنا كالتالي:

”إذ أن لعنة الخطية قد أُبطِلَت بسبب ذاك الذي هو كائنٌ فينا، والذي قد صار لعنةً لأجلنا“.[22]

ويُشدِّد ق. أثناسيوس على نقطة خطيرة جدًا يُنكِرها البعض في عصرنا الحالي وهي أن موت المسيح كان موتنا جميعًا، وقيامته وتمجيده وصعوده للسماء كان هو قيامتنا وتمجيدنا وصعودنا، لأننا في المسيح نفسه أيضًا كالتالي:

”لأجل هذا السبب يُقَال إنه إنسان مُجِّدَ أيضًا نيابةً عنا ومن أجلنا، لكي كما بموته قد متنا جميعًا في المسيح، وعلى نفس المنوال أيضًا، فإننا في المسيح نفسه أيضًا قد مُجِّدَنا مجدًا عاليًا، مُقَامين من بين الأموات وصاعدين إلى السموات، حيث دخل يسوع كسابق لأجلنا“.[23]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس في عبارة خطيرة جدًا على عدم اندهاش القوات السمائية عندما ترانا نحن المؤمنين بالمسيح أي كنيسته المتَّحِدين به داخلين إلى مناطقهم السمائية قائلاً:

”لذلك لن تُدهَش القوات السمائية حينما ترانا نحن جميعًا – المتَّحِدين معه في نفس الجسد – داخلين إلى مناطقهم السمائية“.[24]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس على وحدتنا في جسد المسيح التي صِرنا بها هيكلاً لله، وصِرنا أبناءً لله يُعبَد الرب فينا كالتالي:

”أنه ليس اللوغوس بسبب كُونه لوغوس هو الذي حصل على مثل هذه النعمة، بل نحن لأنه بسبب علاقتنا بجسده فقد صرنا نحن أيضًا هيكل الله – وتبعًا لذلك قد جُعِلَنا أبناء الله، وذلك حتى يُعبَد الرب فينا أيضًا، والذين يُبصِروننا يُعلِنون – كما قال الرسول: ’إنَّ الله بالحقيقة فيكم‘“.[25]

مفهوم العداوة

أحد نتائج التعليم بالبدلية العقابية هو الادعاء بأنه كانت هناك خصومة بين الآب والبشرية المتمثلة في ناسوت المسيح المتألم على الصليب. هذا الرأي يصوِّر اللاهوت بأنه قد كان في خصومة مع ناسوت المسيح في المسيح الواحد، طالما الآب كان في خصومة مع ناسوت المسيح الذي اتَّحد به لاهوت الكلمة في التجسُّد. وهذا للأسف أحد نتائج التعليم بالبدلية العقابية. يرفض ق. أثناسيوس ترك الآب للناسوت، أو وجود خصومة بين الآب وناسوت المسيح قائلاً:

”لذلك لا يمكن أن يُترَك الرب من الآب، وهو كائنٌ دائمًا في الآب قبل أن يتكلَّم وأثناء نطقه بهذه الصرخة“.[26]

دحض نظرية البدلية العقابية

يدحض ق. أثناسيوس نظرية البدلية العقابية التي تُميِّز اللاهوت الغربيّ، حيث يرى ق. أثناسيوس أن موت المسيح هو موت جميع البشر كالتالي:

”حيث أن الجميع ماتوا بواسطته، هكذا قد تمَّ الحكم إذ أن الجميع ماتوا في المسيح. وهكذا فإن الجميع يصيرون بواسطته أحرارًا من الخطية ومن اللعنة الناتجة عنها، ويبقى الجميع على الدوام قائمين من الأموات، ولابسين عدم موت وعدم فساد“.[27]

وجودنا الكياني في المسيح أثناء الخلاص

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس على وحدتنا ووجودنا في المسيح بسبب سُّكنى الروح القدس فينا الذي يُوحِّدنا معه، وهكذا نصير في الله ويصير الله فينا كالتالي:

”لذلك فبسبب نعمة الروح الذي أُعطِي لنا نصير نحن فيه وهو فينا، وحيث إن روح الله فينا، لذلك فبواسطة سُّكناه فينا وبحسب حصولنا على الروح، نُحسَب أننا في الله، وهكذا يكون الله فينا“.[28]

مفهوم التبرير والتقديس

يُوضِّح ق. أثناسيوس كيفية تقديس وتبرير وتمجيد الجميع في المسيح لله الآب، فاللوغوس نفسه لا يحتاج إلى التقديس أو التبرير أو التمجيد، لأنه هو ذاته القداسة والبرّ ومصدر كل برّ وقداسة، بل اللوغوس بتقديس ذاته، فإنه يُقدِّسنا ويُمجِّدنا ويُبرِّرنا جميعًا فيه، وبالتالي، يدحض ق. أثناسيوس أي تبرير أو تقديس بالمعنى القضائيّ والقانونيّ سوف نراه فيما بعد في اللاهوت الغربيّ اللاتينيّ سواء المبكر أو المدرسيّ أو البروتستانتيّ كالتالي:

”وكما أنه وهو الذي يُقدِّس الجميع، يقول أيضًا إنه يُقدِّس نفسه للآب من أجلنا – ليس بالطبع لكي يكون اللوغوس مُقدَّسًا – بل لكي بتقديس ذاته يُقدِّسنا جميعًا في ذاته. وهكذا بنفس المعنى ينبغي أن نفهم ما يُقَال الآن أنه ’تمجَّد‘. ليس لكي يُمجَّد هو نفسه [أي اللوغوس] – إذ أنه هو الأعلى – بل لكي هو ذاته ’يصير برًا‘ من أجلنا، أمَّا نحن فلكي نتمجَّد ونُرفَع فيه ولندخل إلى أبواب السماء، التي قد فتحها هو ذاته من أجلنا […] فإنْ كان الابن هو البرّ، إذًا، فهو لم يرتفع بذاته كما لو كان في حاجة إلى الرفعة، بل نحن الذين ارتفعنا وتمجَّدنا بسبب البرّ الذي هو المسيح نفسه“.[29]

يستطرد ق. أثناسيوس في شرح مفهوم التبرير والتقديس من وجهة نظر شفائية وتجددية بحتة، حيث يُشِير ق. أثناسيوس إلى أن مسحة الرب يسوع بالروح القدس كانت من أجلنا ليبني فينا سُّكنى الروح وألفته تمامًا مثلما وهبنا الرفعة والقيامة، لذا يُقدِّس المسيح ذاته، ليس لأنه مُحتاجٌ إلى التقديس في ذاته، بل نحن الذين نتقدَّس فيه كالتالي:

”فهو كإنسان يُقَال عنه إنه يُمسَح بالروح، وذلك حتى يبني فينا نحن البشر سُّكنى الروح وألفته تمامًا مثلما وهبنا الرفعة والقيامة. وهذا ما عناه هو نفسه عندما أكَّد الرب عن نفسه في الإنجيل بحسب يوحنا: ’كما أرسلتني إلى العالم، أرسلتهم أنا إلى العالم، ولأجلهم أُقدِّس أنا ذاتي ليكونوا هم أيضًا مُقدَّسين في الحق‘ (يو 17: 18-19). وقد أوضَّح بقوله هذا إنه ليس هو المقدَّس بل المقدِّس. لأنه لم يُقدَّس من آخر، بل هو يُقدِّس ذاته. حتى نتقدَّس نحن في الحق. وهذا الذي يُقدِّس ذاته؛ إنما هو رب التقديس. كيف، إذًا، حدث هذا؟ وماذا يريد أن يقول بهذا سوى إنه: ’كوني أنا كلمة الآب، فأنا نفسي أُعطِي ذاتي الروح حينما أصير إنسانًا. وأنا الصائر إنسانًا أُقدِّس نفسي (في الآب) لكي يتقدَّس الجميع فيَّ. وأنا الذي هو الحق. لأن ’كلامك هو حق‘ (يو 17: 17)“.[30]

ويُفسِّر ق. أثناسيوس، في سياق مفهومه عن التبرير والتقديس من خلال الاتحاد بالمسيح، سبب نزول الروح القدس في هيئة حمامة على المسيح في نهر الأردن، وهل كان المسيح محتاجًا للتقديس والمسحة من الروح القدس، بالرغم من أنه الإله مانح وواهب القداسة؟ ولكن يدحض ق. أثناسيوس بدعة التبني لبولس الساموساطيّ – الذي أدَّعى حلول أو سُّكنى الروح القدس في المسيح كما كان يحلّ ويملأ الأنبياء في العهد القديم – مشيرًا إلى أن نزول الروح عليه في الأردن كان نزولاً علينا نحن بسبب أنه لَبِسَ جسدنا من أجل تقديسنا من جديد واشتراكنا في مسحته كالتالي:

”إذًا، فإنْ كان يُقدِّس ذاته من أجلنا، وهو يفعل هذا لأنه قد صار إنسانًا، فمن الواضح جدًا أن نزول الروح عليه في الأردن، إنما كان نزولاً علينا نحن بسبب لبسه جسدنا. وهذا لم يصر من أجل ترقية اللوغوس، بل من أجل تقديسنا من جديد، ولكي نشترك في مسحته، ولكي يُقَال عنا: ’أمَّا تعلمون أنكم هيكل الله، روح الله يسكن فيكم؟‘ (1كو 3: 16). فحينما أغتسل الرب في الأردن كإنسان، كنا نحن الذين نغتسل فيه وبواسطته. وحينما أقتبل الروح، كنا نحن الذين صرنا مُقتبلين للروح بواسطته. ولهذا السبب، فهو ليس كهارون، أو داود، أو الباقين – قد مُسِحَ بالزيت هكذا – بل بطريقةٍ مغايرةٍ لجميع الذين هم شركاؤه – أي ’بزيت الابتهاج‘ – الذي فُسِّرَ أنه يعني الروح – قائلاً بالنبي: ’روح السيد الرب عليَّ، لأن الرب مسحني‘ (إش 61: 1). كما قال الرسول أيضًا: ’كيف مسحه الله بالروح القدس‘ (أع 10: 38). متى قيلت عنه هذه الأشياء – إلا عندما صار في الجسد وأعتمد في الأردن، ’ونزل عليه الروح‘؟ (مت 3: 16). وحقًا يقول الرب لتلاميذه إن ’الروح سيأخذ مما ليَّ‘ (يو 14: 16). و ’أنا أُرسِله‘ (يو 16: 7). و ’اقبلوا الروح القدس‘ (يو 20: 22). إلا أنه في الواقع هذا الذي يُعطِي للآخرين ككلمة وبهاء الآب، يُقَال الآن إنه يتقدَّس، وهذا من حيث إنه قد صار إنسانًا، والذي يتقدَّس هو جسده ذاته“.[31]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس على أن التبرير والتقديس يحدث في الإنسان من خلال تبرير وتقديس جسد الكلمة الذي هو جسد جميع البشر، فيدحض بذلك أية فرصة للإشارة إلى التبرير والتقديس القانوني بمعاقبة الآب للابن المتجسِّد بديلاً عن البشرية كالتالي:

”أمَّا وإنْ كان هو الله، ويكون ’عرش ملكه أبديّ‘، فإلى أي مدى يمكن أن يرتقي الله؟ أو ماذا ينقص هذا الذي هو جالس على عرش الآب؟ وكما قال الرب نفسه، إنْ كان الروح هو روحه والروح أخذ منه، وهو نفسه أرسل الروح (يو 16: 14، 16: 7)، إذًا، فلا يكون اللوغوس باعتباره اللوغوس والحكمة هو الذي يُمسَح من الروح، الذي يُعطِيه هو ذاته، بل الجسد الذي قد اتَّخذه، هو الذي يُمسَح فيه ومنه، وذلك لكي يصير التقديس الصائر إلى الرب كإنسان، يصير (هذا التقديس) إلى جميع البشر به. لأنه يقول: ’إن الروح لا يتكلم من نفسه‘ (يو 16: 13)، بل اللوغوس هو الذي يعطي هذا (الروح) للمستحقين. فإن هذا يُشبِه ما سبق من قول، لأنه كما كتب الرسول: ’الذي إذ كان في صورة الله، لم يُحسَب خلسةً أن يكون معادلاً لله‘ لكنه أخلى نفسه، آخذًا صورة عبدٍ، صائرًا في شبه الناس‘ (في 2: 6، 7). وبالمثل يُرنِّم داود للرب إنه إله وملك أبدي، مُرسَل إلينا ومُتَّخِذًا جسدنا الذي هو مائت؛ لأن هذا هو المقصود في المزمور بالقول: ’كل ثيابك مر وعود وسليخة‘ (مز 45: 8) […] إذًا، مثلما كان قبل تأنُّسه – إذ أنه كان اللوغوس، فإنه منح الروح للقديسين باعتباره خاصًا به – وهكذا عندما صار إنسانًا، فإنه قدَّس الجميع بالروح، وقال لتلاميذه: ’اقبلوا الروح القدس‘ (يو 20: 22)“.[32]

ويُوضِّح ق. أثناسيوس إنه في تدبير الإخلاء والتواضع أقام الابن الجسد وشيَّده إذ هو ربه وخالقه، وكإله قدَّسه، ولذلك صار كلمة الله إنسانًا لأجل تقديس الجسد كالتالي:

”حينما يتحدَّث عن التواضع لكي نعرف على الفور رفعته وجلاله الذي من الآب. ولذلك قال: وموسى كان خادمًا أما المسيح فهو ابن. كان الأول ’أمينًا في بيته‘، أما الثاني فكان ’على بيته‘ (عب 3: 5، 6)، لأنه هو الذي أقامه وشيَّده إذ هو ربه وخالقه، وكإله قدَّسه. ولما كان موسى إنسانًا بالطبيعة. فإنه قد صار أمينًا بسبب إيمانه بالله الذي تحدث إليه عن طريق الكلمة، أما الكلمة فلم يكن في الجسد كأحد المخلوقات، ولم يكن كمخلوق قي مخلوق، بل هو كإله في الجسد، كخالق ومشيِّد وسط ما خُلِقَ بواسطته. وإن كان البشر قد لبسوا جسدًا، فلكي يكون لهم وجود وكيان. أما كلمة الله فقد صار إنسانًا لأجل تقديس الجسد، وبينما هو رب فقد وُجِدَ في هيئة عبد، لأن كل الخليقة التي وُجِدَت بالكلمة، وخُلِقَت به هي عبدة له“.[33]

ويُشِير ق. أثناسيوس إلى أن الرب قد جعل من الابن إنسانًا لكي يكون بذلك ربًا على الكل ويُقدِّس الكل بواسطة المسحة، فالتقديس والتبرير صارا بالتجسُّد والاتحاد بين الله والإنسان في المسيح، وليس عن طريق تحمل الابن العقوبة بدلاً عن البشر الخطأة أمام الله الآب، كما جاء في لاهوت العصر الوسيط، بل الكلمة باتخاذ الجسد، قد حرَّر كل البشرية، وصار في هيئة عبد لكي يقدس الجميع بالروح القدس الذي مسح جسد الرب في تجسُّده لأجلنا كالتالي:

”وهذا مُشابِه للقول إن الرب إذ قد جعل منه إنسانًا -لأنه أمر يخص الإنسان أن يكون مصنوعًا- فهو لم يجعله إنسانًا فقط، بل جعله هكذا لأنه يكون ربًا على الجميع، ويُقدِّس الكل بواسطة المسحة. لأنه وإن كان الكلمة وهو في صورة الله، اتخذ صورة عبد، إلا أن اتخاذه للجسد، لم يجعل الكلمة وهو رب الطبيعة أن يكون عبدًا، بل بالأحرى، فإن الكلمة بهذا الحدث [اتخاذ الجسد]، قد حرَّر كل البشرية. فإن الكلمة نفسه وهو بالطبيعة الرب الكلمة، قد جُعِلَ إنسانًا، ومن خلال صورة العبد، صار رب الجميع ومسيحًا، أي لكي يُقدِّس الجميع بالروح“.[34]

تدبير الخلاص بين ق. أثناسيوس وأنسلم الكانتربري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الخلاص بتأليه البشرية

ويربط ق. أثناسيوس كما ربط كثيرًا بين التقديس وتأليه البشرية فيه، فغاية التجسُّد وفداء البشرية هو تقديس وتأليه البشرية في المسيح كالتالي:

”ولكن إن كان الكلمة قد جاء بيننا لكي يفدي جنس البشر، وإن كان الكلمة قد صار جسدًا لكي يُقدِّس البشر ويُؤلِّههم. وهو لهذه الغاية قد جاء فعلاً. فلمَّن لا يكون واضحًا عندئذٍ أن ما يقول الرب إنه أخذه، حينما صار جسدًا، فهو لم يأخذه لأجل نفسه، لكن لأجل الجسد، لأن العطايا المعطَاة بواسطته من الآب تخص الجسد، ولقد كان مُتَّحِدًا بهذا الجسد، عندما نطق بهذه الأمور“.[35]

مفهوم التبرير بالدم

يُوضِّح ق. أثناسيوس نقطة تبرير الجسد بدم المسيح، ولكن المفاجأة ليس كما شرح أنسلم، أو اللاهوتيون المدرسيون، أو مارتن لوثر أو فيليب ميلانكتون، أو چون كالفن، أو غيرهم من لاهوتي الإصلاح، بل يربط ق. أثناسيوس التبرير بالدم بإحياء الجسد المخلوق الذي أماته الإنسان الأول بسبب تعديه، وليس لأنه بسفك دم المسيح قد تم تسكين وتهدئة غضب الآب على البشرية الخاطئة كما جاء في نظرية البدلية العقابية التي تبناها اللاهوت الغربي في شرح الكفارة والفداء، وهكذا يدحض ق. أثناسيوس فكرة التبرير بالدم بسفك دم بريء من أجل الآثمة؛ والذي لا يُعتبر عدلاً هنا على الأرض، فبالأولى لا يكون عدلاً في السماء أو لإيفاء العدل الإلهي. الدم هو رمز الحياة أي حياة الإنسان، لذلك سفك المسيح دمه أي حياته لكي بموته يبطل عز الموت، وليس لكي يرى الآب السماوي الدم المسفوك والمهرق أمامه فيصفح عن الخليقة العاصية كالتالي:

”لأنه حيث إن الطريق الأول الذي كان من خلال آدم، قد ضاع، وانحرفنا إلى الموت بدل الفردوس، وسمعنا القول: ’إنك من التراب وإلى التراب تعود‘ (تك 3: 19)، لذا فإن كلمة الله المحب للبشر، لبس – بمشيئة الآب – الجسد المخلوق لكي يُحِيي بدم نفسه هذا الجسد الذي أماته الإنسان الأول بسبب تعديه، كما قال الرسول: ’وكرَّس لنا طريقًا حيًا حديثًا بالحجاب أي جسده‘ (عب 10: 20). وهو ما أشار إليه في موضع آخر، حين قال: ’إن كان أحد في المسيح، فهو خليقة جديدة. الأشياء العتيقة قد مضت هوذا الكل قد صار جديدًا‘ (2كو 5: 17)“.[36]

التقديس باتحاد الطبيعتين في المسيح

يُشِير ق. أثناسيوس إلى تقديس الجسد البشري أو الطبيعة البشرية باتحادها بالطبيعة الإلهية في المسيح، مؤكدًا على أن التبرير والتقديس للطبيعة البشرية قد تمَّ عن طريق الاتحاد بين الطبيعتين الإلهية والإنسانية في المسيح كالتالي:

”وهذا هو الأمر العجيب، أنه بينما كان يتصرف كإنسان، كان ككلمة الله يحيي كل الأشياء، وكابنٍ كان كائنًا مع أبيه. ولذلك عندما ولدته العذراء لم يعتريه أيّ تغيير (من جهة طبيعته الإلهية)، ولا تدنس بحلوله في الجسد، بل بالعكس فهو قد قدَّس الجسد أيضًا“.[37]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس على تقديس الكلمة للجسد من خلال اتحاده بهذا الجسد، وليس بإنزال العقوبة على الجسد لكي يتبرَّر ويتقدَّس، بل بمُجرَّد اتحاد الكلمة بالجسد قدَّس طبيعة الجسد فيه، ويمنح هذا التقديس للمؤمنين من خلال اتحادهم به، ولكنه لم يشترك في خواص هذا الجسد، بل استخدمه كأداة لتقديس الجسد قائلاً:

”لأنه كما أنه كائنٌ في الخليقة، ومع ذلك لا يشترك في طبيعتها بأي حال، بل بالحري، فإن كل المخلوقات قَبِلت قوةً منه، هكذا أيضًا عندما اتَّخذ الجسد كأداةٍ له، فإنه لم يشترك في خواص الجسد، بل بالحري، فإنه قدَّس الجسد“.[38]

دحض نظرية الإبدال العقابي

يهدم ق. أثناسيوس نظرية البدلية العقابية تمامًا عندما يشير إلى عمل المسيح في فداء البشرية من خلال نزع الخطية من الجسد، لا بتسديد عقوبة الخطية بديلاً عن البشرية لله الآب، بل باتحاد اللوغوس بالجسد، فينزع عنه الخطية مُقدسًا ومُطهرًا إياه من كل دينونة الخطية، ويعيد خلقة الإنسان فيه بحسب الروح لا بحسب الجسد، وليس كما في نظرية الإبدال العقابي بتسديد عقوبة الخطية في الجسد كالتالي:

”وبحسب هذا فإن الخدمة من خلاله قد صارت أفضل، إذ أيضًا ’لأنه ما كان الناموس عاجزًا عنه في ما كان ضعيفًا بالجسد، فالله إذ أرسل ابنه في شبه جسد الخطية، ولأجل الخطية، دان الخطية في الجسد‘ (رو 8: 3)، نازعًا الخطيئة من الجسد، الذي كان أسيرًا لها على الدوام لدرجة أنه لم يستوعب الفكر الإلهي. وإذ جعل الجسد قادرًا على تقبل اللوغوس، فإنه خلقنا حتى ’لا نسلك بعد بحسب الجسد، بل بحسب الروح‘. ونقول ونكرز نحن ’لسنا في الجسد، بل في الروح‘ (رو 8: 9)، وأن ابن الله جاء ’إلى العالم لا لكي يدين العالم‘، بل لكي يفدي الجميع، ’ويخلص به العالم‘ (يو 3: 17). لأنه في السابق كان الناموس يدين العالم كمسئول، أما الآن فإن اللوغوس أخذ الدينونة على نفسه، وبتألمه لأجل الجميع بالجسد، وهب الخلاص للجميع. هذا ما رآه يوحنا فصاح قائلاً: ’لأن الناموس بموسى أُعطِيَ، أما النعمة والحق فبيسوع المسيح صارا‘ (يو 1: 17). فالنعمة أفضل من الناموس، والحقيقة أفضل من الظل“.[39]

مفهوم المصالحة

ويُشِير ق. أثناسيوس إلى عمل المسيح الخلاصي لأجلنا، لأنه أرتدى جسدنا المخلوق ليعيد خلقة الجسد فيه ويبطل الموت ويدين الخطية في الخطية ويُقِيم الجميع من الأموات، ويؤكد ق. أثناسيوس على أن الكلمة يمنح كل هذه المفاعيل إلى المتَّحِدين معه في جسده، الذين هم فيه وهو فيهم، وبالتالي ينفي ق. أثناسيوس أية إشارة إلى نظرية الإبدال العقابيّ بتسديد عقوبة الخطية نيابةً عن البشرية لإيفاء العدل الإلهي، بل على العكس، يُؤكِّد على أننا نحن المتَّحِدون به نصير فيه خليقةً جديدةً معتوقةً من الخطية واللعنة التي بدَّدها باتحاده بالجسد، وليس بتسديد العقوبة على الصليب كما في لاهوت العصر الوسيط ولاهوت الإصلاح، وهكذا يربط بين محو الخطية واللعنة من الجسد وتجديد الطبيعة البشرية فيه عن طريق الاتحاد به في جسده كالتالي:

”وإنْ كان لم يُخلَق لأجل ذاته، بل لأجلنا، فلا يكون هو نفسه مخلوقًا، بل يقول هذا لأنه أرتدى جسدنا. وهذا المفهوم هو ما تعنيه الكتب المقدَّسة. وهذا هو ما نتعلَّمه من الرسول؛ لأنه يقول في رسالته إلى أهل أفسس: ’ونقض حائط السياج المتوسط (أي العداوة). مُبطِلاً بجسده ناموس الوصايا في فرائض، لكي يخلق الاثنين في نفسه إنسانًا واحدًا جديدًا، صانعًا سلامًا‘ (أف 2: 14، 15). فلو أن الاثنين خُلِقَا في نفسه ووُجِدَا في جسده، فمن الطبيعي أنه كان يلبس الاثنين في نفسه، فإنه يكون كما لو كان هو نفسه الذي يُخلَق. لأن الذين يخلقهم يتحدون به، ويكون هو فيهم كما يكونون هم فيه. هكذا إذًا فما دام قد خُلِقَ الاثنان فيه، فيكون من الملائم تمامًا أن يقول: ’الرب خلقني‘. فلأنه يأخذ على عاتقه ضعفاتنا، يُقال عنه إنه يضعفُ رغم أنه هو لا يضعفُ؛ لأنه قوة الله، وقد صار خطيةً لعنةً من أجلنا، بالرغم من أنه غير خاطئ، ولكنه يُقال هذا ؛ لأنه حمل خطايانا ولعنتنا. وهكذا إذ قد خُلِقَنا فيه، فيُقال أيضًا: ’خلقني من أجل الأعمال‘، رغم أنه غير مخلوق“.[40]

إعادة خلق الطبيعة البشرية في المسيح

ويُفسِّر ق. أثناسيوس كيفية إبطال سلطان الخطية على الجسد من خلال إعادة خلقة الطبيعة البشرية في المسيح، فيُقال عنه أنه مخلوق رغم أننا نحن المخلوقون فيه من جديد باتحادنا بجسده، وهكذا يطرد المسيح الخطية من الجسد بسكناه فيه، وليس بتسديد عقوبة الخطية عن الجنس البشري أمام الله الآب، بل بسكناه في الجسد من أجل تقديسه وتطهيره من كل خطية كالتالي:

”وبحسب فكر أولئك يُعتبر جوهر الكلمة مخلوقًا بسبب قوله ’الرب خلقني‘، وبالتالي، لكونه مخلوقًا، فهو لم يُخلَق من أجلنا، وإنْ لم يكن قد خُلِقَ من أجلنا، فنحن لم نُخلَق به، وإن لم نُخلَق به، فلن يكون هو لنا في داخلنا، بل سيكون من خارجنا، كما لو كنا نقبل منه التعليم مثلما نقبله من مُعلِّمٍ. ولو كان الأمر كذلك معنا، لما فقدت الخطية سلطانها على الجسد، بل لظلت مُلتصِقةً به وليست بعيدةً عنه. غير أن الرسول يعارض تعليم هؤلاء بإعلانه لأهل أفسس قبل ما سبق أن اقتبسنا بقليلٍ قائلاً: ’لأننا نحن عمله مخلوقين في المسيح يسوع‘. فإن كنا قد خُلِقَنا في المسيح، فلا يكون هو الذي خلقنا، بل نحن الذين خُلِقَنا بواسطته. لذا فالقول ’خلق‘ هو من أجلنا نحن وبسبب احتياجنا. فإن الكلمة رغم أنه خالق، احتمل أيضًا لقب المخلوقين. ولم يكن هذا لقبه الخاص. إذ إنه هو الكلمة، ولكن اللقب ’خلق‘ هو خاص بنا نحن المخلوقين بواسطته. وأيضًا كما أن الآب كائن دائمًا، فإن كلمته كائن دائمًا أيضًا، ولأنه كائن دائمًا، فهو يقول: ’وكنتُ أنا موضع بهجته، فرحًا في حضرته كل يوم‘ (أم 30: 8)، وأيضًا ’أنا في الآب والآب فيَّ‘ (يو 10: 14). هكذا فإنه حينما صار إنسانًا تابعًا لجنسنا البشري مثلنا، قال: ’الرب خلقني‘ لكي يستطيع أن يطرد الخطية بعيدًا عن الجسد بسُكناه فيه، ولكي نحصل نحن على فكر حر“.[41]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس على أن المسيح هو أخونا وبكرنا؛ لأنه لبس جسدًا مشابهًا لأجسادنا، وكان أول جسد خلصه وحرَّره الكلمة هو جسده، وهكذا إذ قد صرنا مُتَّحِدين بجسد الكلمة، خلُصنا على مثال جسده، وصار بهذا الجسد قائدنا إلى السماء، نحن الذين قد متنا قبل موت الكلمة في الجسد بعد مخالفة آدم، فيدحض ق. أثناسيوس بذلك أي معنى لنظرية البديل العقابيّ على الصليب، طالما أن جسده قد تم تخليصه وتحريره باتحاده بالكلمة نفسه في لحظة التجسُّد كالتالي:

”ولهذا من الصواب أن يُدعَى أيضًا ’أخانا‘ و ’بكرنا‘. لأنه بما أن البشر قد هلكوا بسبب مخالفة آدم، فإن جسده كان أول ما تمَّ تخليصه وتحريره، إذ أن هذا الجسد هو جسد الكلمة نفسه. وهكذا إذ قد صرنا متحدين بجسده، قد خلُصنا على مثال جسده، وبهذا الجسد صار الرب قائدنا إلى ملكوت السماوات وإلى أبيه؛ لأنه يقول: ’أنا هو الطريق‘ (يو 14: 6). و ’أنا هو الباب‘ (يو 10: 7). ويجب على الجميع ’أن يدخلوا بي‘. من أجل ذلك، يُدعَى ’بكر من بين الأموات‘، لا لأنه مات أولاً -إذ أننا قد متنا قبله- بل لأنه قد أخذ على عاتقه أن يموت لأجلنا، وقد أبطل هذا الموت، فإنه هو الأول الذي قام كإنسان، إذ قد أقام جسد لأجلنا. وتبعًا لذلك، حيث إن الجسد قد اُقِيم، هكذا نحن أيضًا ننال القيامة من بين الأموات منه وبسببه“.[42]

الاتحاد بالآب في المسيح

يرى ق. أثناسيوس أن المسيح يُكمِّل في الروح القدس كل معرفتنا عن الله، ويُتمِّم فيه كمالنا الخاص بنا، ويُوحِّدنا بالروح القدس مع شخصه ومن خلاله مع الآب، أي مع الثالوث القدوس كالتالي:

”ولكي يُكمِّل فيه كل معرفتنا عن الله [أي كل التعليم عن الله]، ويُتمِّم كمالنا الخاص، والذي به وحَّدنا مع شخصه ومن خلاله مع الآب“.[43]

يُوضِّح ق. أثناسيوس أن قداستنا مُستمدة من الآب بالابن في الروح القدس، وذلك لأن الروح القدس هو القوة الحيوية والعطية التي تُقدِّسنا ونستنير بها كالتالي:

”وأن نُفكِّر بطريقةٍ مشروعةٍ، وأن نُؤمِن بقداسةٍ واحدةٍ مُستمَدة من الآب بالابن في الروح القدس. لأنه كما أن الابن هو وليدٌ وحيدٌ، هكذا أيضًا الروح إذ هو مُعطَى ومُرسَل من الابن، هو نفسه واحد وليس كثيرين، وليس واحدًا من كثيرين، بل هو نفسه وحيد. إذًا، كما أن الابن – الكلمة الحيّ – هو واحدٌ، هكذا فإن القوة الحيوية والعطية التي بها يُقدِّس ويضيء، ينبغي أن تكون واحدة وكاملة وتامة، وهي التي يُقال عنها إنها تنبثق من الآب، لأنها من الكلمة – الذي يُعترَف أنه من الآب – وهي التي تشرق وتُرسَل وتُعطَى“.[44]

المبادلة الخلاصية الشفائية وليس العقابية

ويرى ق. أثناسيوس أن المسيح كطبيب ومخلص بعدما خلق الإنسان، واستدعت الضرورة علاج ما هو موجود، عندئذٍ جاء المسيح الطبيب الشافي لكي يشفي الخلائق الموجودة مُستخدِمًا جسده كأداةٍ بشريةٍ في إتمام ذلك، أي إتمام المبادلة الخلاصية وليس العقابية للموت بالحياة وللفساد بعدم الفساد عن طريق اتحاده بالكلمة الذي هو الحياة في ذاته كالتالي:

”ونجيب على اعتراضهم هذا بجوابٍ معقولٍ قائلين إنه في البدء لم يكن شيء موجودًا بالمرة. فكل ما كان مطلوبًا هو مجرد ’نطق‘ مع إرادة إلهية لإتمام الخلق. ولكن بعد أن خُلِقَ الإنسان (وصار موجودًا)، واستدعت الضرورة علاج ما هو موجود، وليس ما هو غير موجود، عندئذٍ كان من الطبيعي أن يظهر الطبيب والمخلِّص فيما هو موجود لكي يشفي الخلائق الموجودة. لهذا السبب قد صار إنسانًا، واستخدم جسده أداةً بشريةً […] ثم ينبغي أن يُعرَف هذا أيضًا، أن الفساد الذي جرى لم يكن خارج الجسد، بل كان ملتصقًا به، وكان الأمر يحتاج إلى أن تلتصق به الحياة بدلاً من الفساد حتى كما صار الموت في الجسد، تصير الحياة في داخل الجسد أيضًا“.[45]

يُؤكِّد ق. أثناسيوس على البعد الشفائيّ للخلاص في موضع آخر، حيث يتحدَّث عن سيادة الموت على الجنس البشري من آدم إلى موسى، ولعنة الأرض، وفتح الجحيم، وغلق الفردوس، وإهانة السماء، لذلك دفع الله محب البشر الإنسان المصنوع على صورته إلى الكلمة نفسه، لكي يعالج الإنسان كطبيب من لدغة الحية، وكان ذلك باتخاذه جسدًا من أجل استعادة الإنسان بالكامل كالتالي:

”لأنه حينما أخطأ الإنسان وسقط، وصارت كل الأشياء بسقطته في ارتباكٍ: حين ساد الموت من آدم إلى موسى (رو 5: 14)، ولُعِنَت الأرض، وفُتِحَ الجحيم، وأُغلِقَ الفردوس، وأُهِينت السماء، وأخيرًا، فسد الإنسان وتوحش (مز 49: 12)، وكان إبليس يسخر منا؛ فحينئذ قال الله مُحِب البشر الذي لم يُرد هلاك الإنسان المصنوع حسب الصورة: ’مَن أُرسِل؟ ومَن يذهب؟‘ (إش 6: 8). ولكن بعدئذٍ ذاك القائل: ’اذهب أنت‘ (إش 6: 9)، هو الذي دفع الإنسان إليه، لكي يستطيع الكلمة نفسه أن يصير جسدًا، وهكذا استعاد هذا الجسد بالكامل من خلال اتخاذ الجسد. لقد كان طبيبًا بالنسبة للإنسان الذي قد دُفِعَ إليه ليعالج لدغة الحية، وحياةً ليرفع مَن كان مائتًا، ونورًا ليضيء الظلمة؛ ولأنه كان الكلمة ليجدد الطبيعة العاقلة. لقد دُفِعت إليه كل الأشياء منذ ذلك الحين، وعندما صار إنسانًا، تمَّ ضبط وتكميل كل الأشياء في الحال. وهكذا نالت الأرض بركةً بدلاً من اللعنة، وفُتِحَ الفردوس للص، وانحسر الجحيم، وتفتحت القبور، وأُقِيم الموتى، وفُتِحَت أبواب السماء في انتظار ذلك ’الآتي من أدوم‘ (مز 24: 7؛ إش 63: 1)“.[46]

ويُشِير ق. أثناسيوس إلى شفاء ضعفات وأوجاع الجسد البشريّ من خلال حمل الكلمة لضعفات الجسد، لأنه اتَّخذ جسدًا وصارت ضعفات الجسد خاصة بجسده، وخدم الجسد أعمال اللاهوت المتَّحِد به، وبالتالي، يتمُّ افتدائنا نحن البشر من أوجاعنا ونمتلئ ببرّ الكلمة كالتالي:

”والكلمة حمل ضعفات الجسد، كما لو كانت له، لأن الجسد كان جسده، والجسد خدم أعمال اللاهوت، لأن اللاهوت كان في الجسد، ولأن الجسد كان جسد الله. وحسنًا قال النبي: ’حملها‘ (إش 53: 4)، ولم يقل إنه ’شفى ضعفاتنا‘، لئلا تكون هذه الضعفات خارج جسده، وهو يشفيها فقط – كما كان يفعل دائمًا – فيترك البشر بذلك خاضعين للموت، ولكنه حمل ضعفاتنا، وحمل هو نفسه خطايانا، لكي يتضح أنه قد صار إنسانًا لأجلنا، وأن الجسد الذي حمل الضعفات هو جسده الخاص، وبينما هو نفسه لم يصبه ضرر أبدًا، ’حمل خطايانا في جسده على الخشبة‘، كما قال بطرس (1بط 2: 24)، فإننا نحن البشر قد افتُدِينا من أوجاعنا وامتلأنا ببر الكلمة“.[47]

مفهوم التقدمة

يتحدَّث ق. أثناسيوس في سياق دفاعه عن ألوهية الابن عن مفهوم تقدمة الابن الجنس البشريّ للآب كجنسٍ طاهرٍ، وكاملٍ، ومُقدَّسٍ قائلاً:

”من أجل هذا أيضًا، فإنه إذ قد صار إنسانًا، فقد أظهر جهل البشر في نفسه، أولاً، لكي يُظهِر أن له جسدًا بشريًا حقًا، وثانيًا، لكي -عندما يكون له في جسده جهل البشر، يُقدِّم للآب جنسًا بشريًا مُفتدَى من بين الجميع، وطاهرًا، وكاملاً، ومُقدَّسًا […] فبالأولى جدًا كلمة الله كلي القداسة، خالق الشمس وربها، لا يتدنس بمجيئه في الجسد، بل بالعكس، فلكونه عديم الفساد، فقد أحيا الجسد المائت وطهَّره، فهو الذي كُتِبَ عنه: ’الذي لم يفعل خطيةً، ولا وُجِدَ في فمه مكر‘ (1بط 2: 22؛ إش 53: 9)“.[48]

ويربط ق. أثناسيوس بين مفهوم التألُّه أو شركة الطبيعة الإلهية وبين التقديس في إطار عرضه لمفهوم التقدمة أيضًا، حيث يتحدَّث عن انتقال الجنس البشريّ الضال إلى المسيح من خلال تجسده من العذراء لكي نصبح فيه جنسًا مُقدَّسًا ونصير شركاء الطبيعة الإلهية؛ فقد صار ابن الله إنسانًا لكي يُؤلِّهنا في ذاته كالتالي:

”وإنْ كان الله قد أرسل ابنه مولودًا من امرأة، فإن هذا الأمر لا يسبب لنا عارًا، بل على العكس مجدًا ونعمةً عظمى. لأنه قد صار إنسانًا لكي يُؤلِّهنا في ذاته، وقد صار (جسدًا) من امرأة، وُلِدَ من عذراء كي ينقل إلى نفسه جنسنا (نحن البشر) الذين ضللنا، ولكي نصبح بذلك جنسًا مُقدَّسًا، ونصير شركاء الطبيعة الإلهية (2بط 1: 4) كما كتب بطرس المطوَّب. وما ’كان الناموس عاجزًا عنه إذ أنه كان (الناموس) ضعيفًا بواسطة الجسد، فإن الله إذ أرسل ابنه في شبه جسد الخطية، ولأجل الخطية دان الخطية في الجسد‘ (رو 8: 3)“.[49]

وهكذا أخذ كلمة الله جسدًا ليُحرِّر به كل الأشياء ويُقرِّب العالم إلى الآب ويصنع سلامًا لكل المخلوقات سواء السماوية أو الأرضية كالتالي:

”لأن إيمان الكنيسة الجامعة يُقرّ بأن كلمة الله هو خالق كل الأشياء ومبدعها، ونحن نعرف أنه ’في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله‘ (يو 1: 1). فإننا نعبد ذلك الذي صار هو نفسه أيضًا إنسانًا لأجل خلاصنا، لا كما لو كان هذا الذي صار جسدًا هو مُساوٍ للجسد بالمثل، بل (نعبده) كسيد آخذًا صورة عبد، كصانع وخالق، صائرًا في مخلوق أي (الجسد) لكي بعد أن يُحرِّر به كل الأشياء، يُقرِّب العالم إلى الآب، ويصنع سلامًا لكل المخلوقات، سواء التي في السماوات أو التي على الأرض“.[50]

مفهوم الذبيحة

يشير ق. أثناسيوس إلى أن عمل الفداء لم يكن من أجل خلاص اللاهوت نفسه، بل من أجل خلاصنا نحن نسل إبراهيم، فالمسيح لم يقدم ذاته ذبيحةً لأجل نفسه ليفتدي نفسه، بل يفتدي الآخرين من الخطايا، وهنا يرفض ق. أثناسيوس فكرة احتياج اللاهوت إلى ذبيحة لأجل نفسه وعن نفسه، بل قدَّم الابن جسده لأجلنا نحن، ولم يكن تقديم الذبيحة ليفتدي نفسه كالتالي:

”فلو كان الكلمة حقًا من نفس جوهر الجسد حسبما تقولون، فأية حاجة كانت هناك لكي يقيم الكلمة بيننا، لكي يلبس ما هو من نفس جوهره الخاص، أو أن يتحوَّل عن طبيعته الذاتية فيصير جسدًا؟ لأن اللاهوت لم يخطئ في شيء وهو يفتدي خطايا الآخرين، حتى يصير جسدًا ويُقدِّم ذاته لأجل نفسه ويفتدى نفسه. لكن حاشا له أن يكون هكذا. لأنه كما قال الرسول جاء لمساعدة نسل إبراهيم، ومن ثم كان ينبغي أن ’يشبه أخوته في كل شيء‘ (عب 2: 16، 17)، ويتَّخذ جسدًا مشابهًا لنا. ولهذا السبب أيضًا، كانت مريم في الحقيقة مفترضةً من قبل ليأخذ الكلمة منها (جسدًا) خاصًا به ويُقدِّمه لأجلنا“.[51]

ويُوضِّح ق. أثناسيوس أن الكلمة بعدما اتَّخذ جسدًا مماثلاً لطبيعة أجسادنا، نحن الخاضعين للموت والفساد، بذل جسده للموت عن الجميع وقدَّمه للموت وللآب من أجل محبته للبشر، وليس ترضيةً للآب الغاضب على البشرية، بل إبطالاً لناموس الموت والفناء عن البشر، وهكذا يدحض ق. أثناسيوس أية فكرة عن الإبدال العقابيّ للابن عنَّا، أو إنزال الآب عقوبة البشر على الابن المتجسِّد، بل الابن مِن فرط محبته للبشرية بذل ذاته لأجلهم، إذ قد مات الجميع في المسيح، فأين الإبدال العقابي إذا كان الجميع قد مات في المسيح؟ فالهدف من الخلاص هو إبادة الموت من البشر كما تبيد النار القش؛ لذا يقول التالي:

”وهكذا إذ اتَّخذ جسدًا مماثلاً لطبيعة أجسادنا، وإذ كان الجميع خاضعين للموت والفساد، فقد بذل جسده للموت عوضًا عن الجميع، وقدَّمه للآب. كل هذا فعله من أجل محبته للبشر أولاً: لكي إذ كان الجميع قد ماتوا فيه، فإنه يُبطِل عن البشر ناموس الموت والفناء، ذلك لأن سلطان الموت قد استُنفِذَ في جسد الربِّ، فلا يعود للموت سلطان على أجساد البشر المماثلة لجسد الربِّ. ثانيًا: وأيضًا فإن البشر الذين رجعوا إلى الفساد بالمعصية يُعِيدهم إلى عدم فساد، ويُحِييهم من الموت بالجسد الذي جعله جسده الخاص، وبنعمة القيامة يبيد الموت منهم كما تبيد النار القش“.[52]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس على تقديم الكلمة جسده للموت كتقدمة مُقدَّسة وذبيحة خالية من كل عيب قائلاً:

”لذلك قدَّم للموت ذلك الجسد الذي اتَّخذه لنفسه كتقدمةٍ مُقدَّسةٍ وذبيحة خالية من كل عيب. وببذله لهذا الجسد كتقدمةٍ مناسبةٍ، فإنه رفع الموت فورًا عن جميع نظرائه البشر“.[53]

ويُشدِّد ق. أثناسيوس على تقديم جسده للموت وإقامته ثانيةً وبالتالي، تمَّم بتأنُّسه هذا عمليتي المحبة، وهما: إبادة الموت من داخلنا وتجديدنا ثانيةً، وإعلان إنه كلمة الآب بأعماله في الجسد كالتالي:

”ولهذا السبب أيضًا، فإنه لم يُتمِّم ذبيحته عن الكل بمُجرَّد مجيئه مُباشرةً، بتقديم جسده للموت ثم إقامته ثانيةً. لأنه لو فعل ذلك لجعل ذاته غير ظاهر، ولكنه صيَّر نفسه ظاهرًا جدًا بتلك الأعمال التي عملها وهو في الجسد، والمعجزات التي أظهرها، وبذلك صار معروفًا أنه ليس بعد مُجرَّد إنسان فقط، بل أنه هو الله الكلمة. لأن المخلِّص تمَّم بتأنسه عمليتي المحبة: أولاً، أنه أباد الموت من داخلنا وجدَّدنا ثانيةً. ثانيًا، إنه إذ هو غير ظاهر ولا منظور، فقد أعلن عن نفسه، وعرَّف ذاته بأعماله في الجسد، بأنه كلمة الآب، ومُدبِّر وملك الكون“.[54]

المبادلة الخلاصية وليس العقابية

يُؤكِّد ق. أثناسيوس على المبادلة الخلاصية وليس الإبدال العقابيّ، حيث أخذ الكلمة الذي لنا وأعطانا الذي له، أخذ كل الأشياء التي كان يتألم منها في جسده وينسبها لنفسه، لكي نستطيع نحن أن نشترك في لاهوت الكلمة، وهكذا يُلبِسنا ما له أي عدم الموت وعدم الفساد كالتالي:

”لأن تلك الأشياء التي كان يتألم بها جسد الكلمة البشري، كان الكلمة الذي سكن في الجسد ينسبها لنفسه، لكي نستطيع نحن أن نشترك في لاهوت الكلمة. ومن الغريب أن الكلمة نفسه كان متألمًا وغير متألم، فمن ناحية، كان [الكلمة] يتألم لأن جسده هو الذي كان يتألم، وكان هو المتألم فيه، ومن الناحية الأخرى، لم يكن الكلمة يتألم، لأن الكلمة – إذ هو إله بالطبيعة – فهو لا يقبل التألم. وكان الكلمة غير الجسدي موجودًا في الجسد الذي يتألم، وكان الجسد يحوي فيه الكلمة غير المتألم؛ الذي كان يبيد العلل التي قَبِلَها في جسده. وكان يصنع هذا، وهكذا كان يصير، كي بعد أن يأخذ ما لنا [أي الجسد] ويُقدِّمه كذبيحةٍ، يقضي على العلل والضعفات كلها. وهكذا يُلبِسنا ما له، وهذا ما يجعل الرسول يقول: ’لأن هذا الفاسد لا بد أن يلبس عدم فساد، وهذا المائت يلبس عدم موت‘ (1كو 15: 53)“.[55]

ويُشِير ق. أثناسيوس إلى المبادلة الخلاصية في سياق تدبير الخلاص، حيث اتَّحد الكلمة بالجسد البشريّ المائت، وحوَّله من جسد مائت إلى جسد غير مائت، ومن جسد حيواني نفسانيّ إلى جسد روحانيّ، ومن جسد ترابيّ إلى جسد سماويّ كالتالي:

”ولم يأت الكلمة من مريم لكي يرتقي هو، بل لكي يفدي الجنس البشريّ. فكيف، إذًا، يُفكِّرون أن الجسد وهو الذي افتداه الكلمة وأحياه، يقوم بإضافة شيءٍ ما من ناحية اللاهوت إلى الكلمة الذي أحياه؟ بل بالعكس، فإن الجسد البشريّ ذاته هو الذي حدثت له زيادة كبيرة، بسبب شركة الكلمة معه واتحاده به، لأنه [الجسد] صار غير مائت بعد أن كان مائتًا، ورغم أن الجسد كان حيوانيًا (نفسانيًا)، فقد صار روحانيًا، ورغم أنه من تراب الأرض، فقد اجتاز الأبواب السماوية“.[56]

هدف التجسد هو إبادة الموت

يُؤكِّد ق. أثناسيوس على أن الهدف من اتخاذ الكلمة جسدًا قابلاً للموت هو إبادة الموت فيه وتجديد خلقة البشر الذين خُلِقوا على صورته كالتالي:

”ولهذا فقد كان من اللائق أن يأخذ جسدًا قابلاً للموت حتى يمكن أن يبيد فيه الموت، ويُجدِّد خلقة البشر الذي خُلِقوا على صورته. إذًا، فلم يكن كفئًا لسد هذه الحاجة سوى صورة الآب“.[57]

تجديد الإنسان بنعمة الروح القدس

يُشِير ق. أثناسيوس إلى تجديد الرب لكل الأشياء بنعمة الروح القدس، وهكذا يجدد الله أرواحنا البشرية بروحه القدوس كالتالي:

”فمتى كان هذا إلا عندما جاء الرب وجدَّد كل الأشياء بنعمته؟ هوذا إذًا أيضًا في هذا القول، يتبيَّن لنا الاختلاف بين الأرواح. فروحنا هي التي تجدَّدت، ولكن الله يقول إن ذلك الروح الذي به تجدَّدت أرواحنا هو روحه، كما يقول المرنِّم في المزمور المئة والثالث: ’تنزع روحها فتموت وإلى ترابها تعود. تُرسِل روحك فتخلق وتُجدِّد وجه الأرض‘ (مز 103: 29، 30). وإذا كنا نتجدَّد بروح الله، فإن الروح الذي يُقَال عنه الآن إنه خُلِقَ لا يشير إلى الروح القدس، بل إلى روحنا“.[58]

انجماع البشرية في المسيح

يُؤكِّد ق. أثناسيوس أن كل ما كُتِبَ عن المخلِّص فيما يخص طبيعته الجسدية، يمكن تطبيقه على كل جنس البشرية، وذلك لأنه أخذنا جسدنا وأظهر ضعف البشرية، فهو يُؤكِّد بذلك على الانجماع الكليّ للبشرية في المسيح، بحيث أن كل ما يُقَال عن المسيح من جهة ناسوته، فإنه يُقَال عن البشرية كلها، فهو يدحض بذلك نظرية البديل العقابيّ أو نظرية الأجساد الثلاثة التي تفصل بين أجسادنا وجسد المسيح، وهكذا تقول باختلاف أجسادنا عن جسد المسيح، وأننا كجسد المسيح مُجرَّد جسدًا اعتباريًا رمزيًا وليس أننا ككنيسة جسدًا حقيقيًا للمسيح يسوع ربّنا كالتالي:

”لأن كل ما كُتِبَ عن المخلِّص فيما يخص طبيعته الجسدية، يمكن تطبيقه على كل جنس البشرية، لأنه أخذ جسدنا، وأظهر فيه ضعف البشرية“.[59]

موت المسيح هو موت جميع البشر

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس على حقيقة أن موت الرب هو موت جميع البشر وليس موته الخاص، وذلك لإبادة الموت في الجسد، ويدحض بذلك نظرية البدلية العقابية، التي ترى أن المسيح مات كبديل عقابيّ في ذاته، وأن عقوبة الموت وقعت على المسيح من قِبَل الآب كنائب عن البشرية، رغم أن ق. أثناسيوس يؤكد على أن موت المسيح كان موت البشر كلهم، وليس فردًا واحدًا نائبًا عن البشرية كلها، وكأنَّ المسيح كان منفصلاً عن البشرية وقت موته، بل كانت كل البشرية منجمعةً في شخص المسيح، وهذا ما لم يفهمه المنادون بنظرية البدلية العقابية في تعليم ق. أثناسيوس عن جهل ودون علم كالتالي:

”وفضلاً عن ذلك، فإن المخلِّص لم يأت لكي يُتمِّم موته هو، بل موت البشر، لذلك لم يضع جسده ليموت بموتٍ خاصٍ به إذ إنه هو الحياة وليس فيه موت، بل قَبِلَ في الجسد ذلك الموت الذي أتاه من البشر لكي يبيد ذلك الموت تمامًا عندما يلتقي به في جسده“.[60]

ويدحض ق. أثناسيوس مرةً أخرى نظرية الإبدال العقابيّ التي كانت منتشرة في لاهوت العصر الوسيط، وامتدت إلى اللاهوت البروتستانتيّ، حيث ترى موت المسيح إنه عقوبة أنزلها الآب على الابن نيابةً عن البشر لإيفاء العدل الإلهي حقه، وهذا ما يدحضه ق. أثناسيوس مُشِيرًا إلى أن الكلمة كان يحملنا نحن جميع البشر في جسده الخاص كالتالي:

”فلم يكن الكلمة نفسه هو المحتاج لانفتاح الأبواب، إذ هو رب الكل – فلم تكن مخلوقاته مغلقة في وجهه هو الذي خلقها – بل نحن الذين كنا في احتياج إلى ذلك، أي إلى انفتاح الأبواب، نحن الذين حملنا في جسده الخاص. لأنه كما قدَّم جسده للموت عن الجميع، هكذا بنفس هذا الجسد أيضًا، أعدَّ الطريق للصعود إلى السماوات“.[61]

يشير ق. أثناسيوس إلى أن جسد الربِّ هو جسد مشترك لنا جميعًا، الذي أحتمل فيه الإهانات بإرادته من أجلنا، داحضًا بذلك نظرية الأجساد الثلاثة والبديل العقابيّ اللتين تفصلان البشرية عن جسد المسيح وعمله الخلاصي للبشرية جمعاء، ولأسف هذا الفصل هو فصل نسطوريّ بحت، حيث يرى نسطوريوس انفصال اللاهوت عن الناسوت في المسيح، وبالتالي انفصال البشرية عن الاتحاد بالله في المسيح، لذا يقول ق. أثناسيوس التالي:

”أمَّا الشمس فإذ لم تحتمل تلك الإهانات المثيرة التي وقعت على جسد الربِّ المشترك لنا جميعًا، والتي احتملها هو نفسه من أجلنا بإرادته. فإنها استدارت وحجبت أشعتها، وجعلت ذلك اليوم بلا شمس“.[62]

يُؤكِّد ق. أثناسيوس أيضًا على الموت الكليّ للبشرية في المسيح داحضًا بذلك نظرية الأجساد الثلاثة والبديل العقابيّ اللتين تفصلان البشرية عن جسد المسيح، كما يشير إلى أننا في المسيح نفسه قد تمَّ تمجيدنا مُقَامين من بين الأموات وصاعدين إلى السماوات كالتالي:

”وبما أن الكلمة هو صورة الآب، وهو غير مائت، قد أتَّخذ صورة عبد، وكإنسان عانى الموت بجسده من أجلنا. لكي بذلك يبذل نفسه للآب بالموت من أجلنا، لأجل هذا السبب يُقَال عنه إنه كإنسان مُجِّد أيضًا نيابةً عنَّا ومن أجلنا، لكي كما بموته قد متنا جميعًا في المسيح، وعلى نفس المنوال أيضًا، فإننا في المسيح نفسه أيضًا قد مُجِّدَنا مجدًا عاليًا، مُقَامين من بين الأموات، وصاعدين إلى السماوات ’حيث دخل يسوع كسابق لأجلنا‘ (عب 6: 20)، ’لأن المسيح لم يدخل إلى أقداسٍ مصنوعةٍ بيدٍ أشباه الحقيقية، بل إلى السماء عينها، ليظهر الآن أمام وجه الله لأجلنا‘ (عب 9: 24). فإن كان المسيح قد دخل الآن إلى السماء عينها لأجلنا، رغم أنه من قبل هذا الحدث، كان هو دائمًا الرب وخالق السماوات، فتبعًا لذلك تكون هذه الرفعة الحالية قد كُتِبَت أيضًا من أجلنا نحن“.[63]

تمجيد البشرية في المسيح

يُشِير ق. أثناسيوس إلى اتحاد البشرية بنفس الجسد مع المسيح مما يؤدي إلى تمجيدنا العالي في المسيح، فلا تندهش القوات السمائية حينما ترانا نحن البشر المتحدين مع المسيح في نفس الجسد ونحن ندخل إلى مناطقهم السمائية بالمجد والبهاء في المسيح كالتالي:

”لأن مجد الله الآب هو أن يوجد الإنسان الذي كان قد خُلِقَ ثم هلك، وهو أن يحيا الذي مات، وهو أن يصير الإنسان هيكل الله. ولأن القوات السمائية من ملائكة ورؤساء ملائكة كانت تعبده دائمًا، فإنهم الآن أيضًا يسجدون للرب باسم يسوع، فهذه النعمة وهذا التمجيد العالي إنما هو لنا، وإنه بالرغم من أنه صار إنسانًا وهو ابن الله فإنه يُعبَد. لذلك لن تُدهَش القوات السمائية حينما ترانا نحن جميعًا – المتَّحِدين معه في نفس الجسد – داخلين إلى مناطقهم السمائية، وهذا قطعًا -لم يكن ممكنًا أن يحدث بأية طريقة أخرى، اللهم إلا إذا كان هذا الذي كان موجودًا في صورة الله، قد اتَّخذ لنفسه صورة العبد، وأذل ذاته راضيًا بأن يصل جسده حتى إلى الموت“.[64]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس على الانجماع الكليّ للبشرية في المسيح في سياق حديثه عن مسحة البشرية بالروح القدس في شخصه، واعتماد البشرية في شخصه، وتمجيد البشرية في شخصه، وفي الأخير تقديس البشرية في شخصه كالتالي:

”أمَّا البشر – الذين يأخذون البداية منه وبسببه – فهؤلاء هم الذين يرتقون. لأنه حينما يُقَال بحسب الوجهة البشرية إنه الآن يُمسَح -نكون نحن الذين نُمسَح في شخصه، حيث إنه حينما اعتمد، نكون نحن الذين نعتمد في شخصه، ويُوضِّح المخلِّص بالأحرى كل هذه الأمور، حينما يقول للآب: ’وأنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتني ليكونوا واحدًا، كما أننا نحن واحد‘ (يو 17: 22). وتبعًا لذلك، فإنه كان يطلب المجد أيضًا من أجلنا. وبسببنا أيضًا استخدم كلمة ’أخذ‘ وكلمة ’أعطى‘ وكلمة ’مُجِّدَ مجدًا عاليًا‘. وذلك لكي نأخذ نحن أيضًا ولكي يُعطِي لنا، ولكي نُمجَّد نحن فيه مجدًا عاليًا. وذلك كما يُقدِّس ذاته من أجلنا، لكي نتقدَّس نحن في شخصه“.[65]

يُشِير ق. أثناسيوس إلى اشتراك المخلوقات في الابن المولود لا بسبب طبيعتها الذاتية، بل بسبب مشاركتها للابن في الروح القدس، داحضًا بذلك أية إشارة إلى نظرية الأجساد الثلاثة التي تفصل بين المخلوقات والابن خالقها كالتالي:

”أمَّا المخلوقات فلأنها مخلوقةٌ، فمن المستحيل أن يُقَال عنها إنها مولودةٌ، إلا فيما بعد، أي بعد خلقتها، حينما تشترك في الابن المولود. وفي هذه الحالة، يقولون عنها أيضًا إنها قد وُلِدَت ليس بسبب طبيعتها الذاتية، بل بسبب مشاركتها للابن في الروح“.[66]

جسد الكلمة هو جسدنا نحن

يُؤكِّد ق. أثناسيوس على أن جسد الكلمة هو جسدنا نحن؛ الذي اتخذه عندما صار إنسانًا، داحضًا بذلك نظرية الأجساد الثلاثة التي تقول بأننا نحن المؤمنون أي الكنيسة، مُجرَّد جسد اعتباريّ رمزيّ، وليس جسدًا حقيقيًا للربِّ يسوع المسيح كالتالي:

”وواضح أن بيت الحكمة هو جسدنا، الذي عندما اتَّخذه الكلمة، صار إنسانًا. وقال عنه يوحنا بحقٍ: ’الكلمة صار جسدًا‘ (يو 1: 14)“.[67]

انجماع البشرية في المسيح

يُشِير ق. أثناسيوس إلى الانجماع الكليّ للبشرية في جسد المسيح من أجل بقاء جسدنا غير مائت وغير فاسد، وهكذا نصل به إلى الإنسان الكامل في المسيح قائلاً:

”إذًا، فالرب عندما ’أُسِّس‘، لم يكن هذا هو بداية وجوده لأنه قبل التأسيس كان هو الكلمة، لكن عندما لبس جسدنا الذي أخذه كقطعة من جسد مريم، عندئذٍ يقول: ’أسَّسني‘، كما لو كان يقول: ’لكوني الكلمة فقد ألبسني جسدًا ترابيًا‘. لأنه هكذا تأسَّس من أجلنا؛ آخذًا ما يخصنا على عاتقه. لكي باتحادنا معه في الجسد، وارتباطنا به بسبب مشابهة الجسد، نبقى غير مائتين وغير قابلين للفساد، ونصل به إلى إنسان كامل (أف 4: 13)“.[68]

ويدحض ق. أثناسيوس نظريتي البديل العقابيّ والأجساد الثلاثة من خلال تأكيده على أننا محمولون في الابن، لأن الكلمة جاء ليحلَّ فينا، وهكذا صرنا جميعًا باشتراكنا فيه جسدًا واحدًا؛ لأننا نحصل على الرب الواحد في أنفسنا، وهكذا نصير كاملين بكمال جسد المسيح الذي نكون معه جسدًا واحدًا كالتالي:

”إذًا، فالكلمة هو في الواقع وبالحقيقة واحدٌ مع الآب في الجوهر. أمَّا نحن فقد أُعطِيَ لنا أن نتشبه بهذه الطبيعة [أي الطبيعة الإلهية]، كما سبق أن قيل لأنه أضاف مُباشرةً: ’أنا فيهم وأنت فيَّ ليكونوا مكملين إلى واحد‘ (يو 17: 23). ولذا فالربّ هنا يطلب لأجلنا شيئًا أعظم وأكمل. لأنه واضح أن الكلمة قد جاء لكي يكون فينا؛ لأنه قد لبس جسدنا. وبقوله: ’وأنت أيها الآب فيَّ‘، فهو يعني ’لأني أنا كلمتك‘، وحيث إنك أنت فيَّ بسبب كوني كلمتك، وأنا فيهم بسبب الجسد، ومنك يتحقَّق خلاص البشر فيَّ، لذلك أسأل أن يصيروا هم واحدًا بسبب الجسد الذي فيَّ، وبحسب كماله لكي يصيروا هم أيضًا كاملين؛ إذ يكون لهم وحدة مع الجسد، ولأنهم قد صاروا واحدًا في هذا الجسد، فإنهم كما لو كانوا محمولين فيَّ، يصيرون جميعًا جسدًا واحدًا، وروحًا واحدًا؛ لأننا جميعًا باشتراكنا فيه، نصير جسدًا واحدًا، لأننا نحصل على الربِّ الواحد في أنفسنا“.[69]

تقديس الأشياء بالروح القدس

يُشِير ق. أثناسيوس إلى تقديس وتمجيد كل الأشياء أي المخلوقات بالمشاركة في الروح القدس الذي يُقدِّس ويُمجِّد كل الأشياء التي تشترك معه كالتالي:

”فإن كل هذه الأشياء الأخرى [أي المخلوقات] قد تكوَّنت وتقدَّست وتمجَّدت بالمشاركة أيضًا. إذًا، فهناك حاجة ملحة أن تقولوا لنا، مَنْ هو الذي يُشارِكه (الابن)، ما دامت كل الأشياء الأخرى لها شركة في الروح (القدس)، أما هو -فبحسب قولكم- لمَّن يستطيع أن يكون (الابن) مُشارِكًا؟ هل للروح؟ بل كما قال هو ذاته حقًا بالأحرى إن الروح نفسه يأخذ من الابن (يو 16: 14)، ومن غير المعقول القول بأن هذا (الابن) يُقدَّس من ذلك (الروح)، ولا يتبقى بعد ذلك بالضرورة إلا أن نقول إن الآب هو الذي يُشارِكه الابن“.[70]

تقديس جسدنا بجسد المسيح

ويُوضِّح ق. أثناسيوس أن اللوغوس واهب الروح القدس نفسه، قد مُسِحَ لأجلنا بالروح القدس في الجسد، لكي ما نمتلك هذا التقديس بشركة ومسحة الروح القدس في أجسادنا نحن، وهكذا لم يشر ق. أثناسيوس إلى تقديس البشرية بإزالة العقوبة عن البشرية كما في نظرية البدلية العقابية التي انتشرت في لاهوت العصر الوسيط وفي اللاهوت البروتستانتيّ، بل باتحاد اللوغوس بالجسد ومسحة الروح القدس لجسده من أجلنا؛ فصرنا من خلال ذلك مُقدَّسين في المسيح كالتالي:

”هكذا يُرِينا داود أيضًا أنه ليست هناك طريقة أخرى لكي نُشارِك الروح، ونتقدَّس لو لم يقل اللوغوس ذاته، واهب الروح، بأنه هو ذاته مُسِحَ بالروح من أجلنا، ولهذا السبب طبعًا أخذنا الروح، إذ إنه هو الذي قيل فيه إنه قد مُسِحَ بالجسد. حيث إن جسده الخاص هو الذي تقدَّس أولاً، وإذ قيل عنه كإنسان إن جسده قد اتَّخذ هذا الروح، فلأجل هذا، فنحن نمتلك نتيجة ذلك نعمة الروح، آخذين إياها ’من ملئه‘ (يو1: 16)“.[71]

الخلاص بتأليه البشر

يُؤكِّد ق. أثناسيوس على ترقي ورفعة الأشياء التي يعوزها الترقي والرفعة في المسيح، لأن الابن في تجسُّده جعل البشر أبناءً للآب وقام بتأليه البشر في تأنسه كالتالي:

”لذلك فإنْ كان للابن ذلك المجد حتى قبل خِلقة العالم، وكان هو رب المجد وهو العلي، ونزل من السماء، وهو معبود على الدوام، فينتج من ذلك أنه لم يترق بنزوله، بل بالأحرى هو نفسه الذي رقى الأشياء التي يعوزها الترقي، وإنْ كان قد نزل من أجل ترقيتها، لذلك فإنه لم يحصل على اسم ابن وإله كمكافأة، بل بالأحرى فإنه هو نفسه جعلنا أبناء للآب وألَّه البشر بكونه صار إنسانًا“.[72]

 

تدبير الخلاص بين ق. أثناسيوس وأنسلم الكانتربري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

 

الفصل الثاني: الكفارة والفداء في تعليم أنسلم الكانتربري

سوف نستعرض في هذا الفصل تعليم الكفارة والفداء عند أنسلم رئيس أساقفة كانتربريّ بإنجلترا، وذلك لمقارنة تعاليمه بتعاليم ق. أثناسيوس عن تدبير الخلاص، لنرى الاختلاف الكبير بن تعليم ق. أثناسيوس عن التعليم الغربي بالترضية وإيفاء العدل الإلهيّ، والإبدال العقابيّ.

يُسمَّى أنسلم أبا المدرسيين الذين درَّسوا في جامعات العصور الوسطى. وكان أنسلم رئيس أساقفة كانتربري في القرن الثاني عشر. وكان واقعيًا. حيث يفترض الواقعيون أن الأفكار والآراء لها وجود في الواقع، بينما أعتقد الأسميون بأن الأفكار أو الأفكار العامة بين جميع البشر هي مُجرَّد أفكار ليس لها أيّ وجود سوى في الفكر. فهم يرون أن الأشياء التي لها أهمية هي الموضوعات الفردية في العالم الماديّ فقط.[73] وإذ كان أنسلم يقف على حافة نهضة القرن الثاني عشر اللاهوتية، قدَّم إسهامات حاسمة في مجالين من مجالات الدراسة، وهما: البراهين على وجود الله، والتفسير العقلانيّ لموت المسيح على الصليب.[74] وخلال إحدى الفترات التي قضاها أنسلم في العمل في إيطاليا، بعيدًا عن إنجلترا، كتب ذلك المؤلَّف الذي ربما يُعدُّ أهم مؤلفاته، بعنوان Cur Deus homo ”لماذا صار الله إنسانًا“. سعى أنسلم في هذا المؤلَّف إلى تقديم إثبات عقلانيّ لضرورة أن يصير الله إنسانًا، بالإضافة إلى تحليل للفوائد التي تعود على البشرية نتيجة تجسُّد ابن الله وطاعته. ومرةً أخرى، يُظهِر هذا المؤلَّف خصائص تنتمي إلى السكولائية في أفضل صورها، ومنها الاحتكام إلى العقل، وحشد الحجج المنطقيّ، واستكشاف معاني الأفكار الضمنية ونتائجها وتطبيقاتها، هذا الاستكشاف الذي لا يلين، بالإضافة إلى القناعة الأساسية بأن الإنجيل المسيحيّ في لبه هو إنجيل عقلانيّ، يمكن إثبات كونه عقلانيًا.[75]

الخطية كإهانة لله وسلب لكرامته

للحديث عن مفهوم ”الترضية“ و ”البدلية العقابية“ عند أنسلم الكانتربريّ، ينبغي علينا أولاً الحديث عن مفهوم أنسلم عن الخطية كإهانة لله وسلب لكرامته، والذي نتج عنه مبدأ الترضية، والتعويض، وإيفاء العدل الإلهيّ، والإبدال العقابيّ. حيث يتحدَّث أنسلم عن ماهية الخطية كإهانة لله، وسلب لحقه في الإكرام، وحط من قدره قائلاً:

”فمَّنْ لا يؤدي واجب الإكرام هذا لله، يكون قد سلب الله حقه، وحطَّ من كرامته […] وكذلك مَنْ حطَّ من كرامة صاحبه، فلا يكفي أن يرد له الإكرام الواجب، ينبغي عليه أيضًا التعويض الكافي عن طريق ترضيته عن الإهانة. ومن الملاحظ في هذا الشأن أن المغتصِب الذي يرد المال المغتصَب، ينبغي عليه أن يُعطِي شيئًا، لم يُطالِب به، لو لم يعتد على غيره في ماله. وبالتالي، ينبغي على كل مَنْ يفعل الخطية أن يرد لله الإكرام الواجب الذي سلبه. وهذا هو الإيفاء المطلوب من الخاطئ لله“.[76]

لا يوجد غفران بدون عقوبة

يتحدَّث أنسلم عن عدم غفران الله للخطية من دون عقاب في موضع آخر قائلاً:

”لا يليق بالله أن يغفر خطية من دون عقاب عليها“.[77]

مبدأ إيفاء العدل الإلهي

يشرح أنسلم الكانتربريّ مبدأ إيفاء العدل الإلهيّ حقه، ورد كرامة الله المهانة من البشر بسبب الخطية، واسترداد الله لكرامته المهانة بفرض العقوبة على الخطأة قائلاً:

”لا يوجد شيء ينبغي الحفاظ عليه عند الله أكثر من كرامة مقامه. […] ثم يتساءل: أنسلم: هل يبدو لك إذَا سمح الله بحدوث هذا النهب، ولم يسترد الشيء المنهوب، ولم يُعاقِب الناهب، أنه بذلك يُحافِظ على كرامته العالية المحافِظة الحقيقية التي لا يشوبها أيّ شيء. بوزو Boso: لا أستطيع قول ذلك. أنسلم: بناءً على ذلك، ينبغي أن يسترد الكرامة المهَانة، أو يفرض العقاب، وإلا لن يسير كل من العدالة والقوة الإلهية في مسارهما، ولا يمكن تصوُّر ذلك على الإطلاق“.[78]

ثم يشرح أنسلم بمثالٍ كيفية إيفاء المسيح للقصاص الإلهيّ العادل عوضًا عن البشر المجرمين في حق الله الآب كالتالي:

”حيث كان من الصعب لأحد غيره أن يجد منفذًا من حكم القصاص. وكان ابنه الأمين والصادق هذا له مكانة عظيمة عند ذلك الأب، وهو يحب كثيرًا أولئك الأولاد المجرِمين، فأراد بما له من القدرة أن يُصالِح كل الذين يثقون بمشورته مع الأب بعمل خدمة مُرضِية جدًا، لديه واجب أن يعملها في يوم مُحدَّد بحسب مشيئة الأب […] وحيث كان من الصعب على الذين يريدون الخلاص أن يحضروا جميعًا حينما أكمل المسيح ذلك الفداء، كانت قوته موته فعَّالة بهذا القدر، حتى أن غير الموجودين في الزمان والمكان، يُمكِنهم استنتاج ذلك“.[79]

توضيح نظرية الترضية لأنسلم

انصب تركيز أنسلم بالكامل على برِّ الله. فالله يفتدي البشر على نحوٍ متسق تمامًا مع صفة بره. وقد كانت أطروحة أنسلم بعنوان Cur Deus homo ”لماذا صار الله إنسانًا“ عبارة عن تناول بارع لمسألة إمكانية فداء البشر، في هيئة حوار ثنائيّ. وفي سياق تحليله، أثبت – مع أن مدى نجاحه في هذا يُعدُّ مثار جدل – كلا من ضرورة التجسُّد، والطاقة الخلاصية الكامنة في موت يسوع المسيح وقيامته من بين الأموات. وقد كانت حجته مُعقَّدة، ويمكن تلخيصها على النحو التالي:

  • خلق الله البشر في حالة من البر الأصليّ كي يقتادهم إلى حالة من النعيم الأبديّ.
  • كانت هذه الحالة من النعيم الأبديّ مشروطةً بطاعة الإنسان لله. لكن، بسبب الخطية، صار البشر عاجزين عن تتميم شرط الطاعة اللازم توافره، الأمر الذي يبدو كما لو أنه أحبط قصد الله من خلق البشر من الأساس.
  • وإذ من المستحيل أن تُحبَط مقاصد الله، لا بد من وجود وسيلة يمكن بها علاج هذا الوضع. لكن، لا يمكن علاج الوضع، إلا إذَا قُدِّمَت ترضيةً عن الخطايا. بعبارةٍ أخرى، كان ينبغي فعل شيء، يمكن من خلاله محو الإساءة التي تسبَّبت فيها خطايا البشر وتطهيرها.
  • لكن ما مِن وسيلة يمكن بها للبشر أن يُقدِّموا هذه الترضية اللازمة. فالبشر يفتقرون إلى الموارد اللازمة. لكن في المقابل، لدى الله الموارد اللازمة لتقديم الترضية المطلوبة.
  • ومن ثمَّ، كان من شأن ”الله-الإنسان“ أن تكون لديه القدرة بصفته الله، وأن يكون عليه الإلزام بصفته إنسانًا، بأن يسدّ الترضية المطلوبة. ومن ثمَّ، حدث التجسُّد حتى يمكن تقديم الترضية المطلوبة، وفداء البشر.

تستلزم بعض النقاط السابقة تعليقًا. أولاً، حُسِبَت الخطية هنا إساءةً في حق الله. ويبدو أن حجم هذه الإساءة متناسب طرديًا مع مكانة الطرف المساء إليه. رأى العديد من الباحثين والدارسين أن هذا يوحي بتأثُّر أنسلم الشديد بالمبادئ الإقطاعية التي كانت سائدةً في أيامه، وأنه ربما اَعتبر الله مُعادِلاً لشخصية ”السيد الإقطاعيّ“ أو ”البارون“.

ثانيًا، أُثِيرَ جدلٌ لا بأس به حول أصول فكرة ”الترضية“ Satisfaction. فربما كانت هذه الفكرة مُستمَدة من القوانين الألمانية في تلك الفترة، والتي كانت تنص على وجوب محو الإساءة أو تطهيرها عن طريق دفع ثمن ملائم. لكن، يعتقد غالبية الباحثين والدارسين أن أنسلم احتكم في هذا بشكلٍ مباشرٍ إلى نظام التوبة الذي كان متبعًا في الكنيسة. فقد كان الخاطئ الذي يلتمس التوبة يُطالَب بالاعتراف بكل خطاياه. وعند نطق الكاهن بالحلِّ أو الصفح، كان يطلب من التائب أن يفعل شيئًا (مثل الذهاب في رحلةٍ إلى الأراضي المقدَّسة، أو القيام بعملٍ خيريّ) باعتباره ”ترضيةً“ – أي وسيلةٌ علنيةٌ للتعبير عن الامتنان لأجل الصفح. ومن المحتمَل أن يكون أنسلم قد استقى فكرته من هذا المصدر.

لكن، على الرغم من الصعوبات الواضحة التي صاحبت منهجية أنسلم، أحرز من خلالها تقدُّمٌ مهمٌ. فإن إصرار أنسلم على كون الله مُلزمًا كليةً وتمامًا بالتصرف طوال عملية فداء البشر وفقًا لمبادئ العدل والبرِّ، هو أمر مثَّل مقاطعةً حاسمةً لمنهجية ”كريستور فيكتور“ (المسيح الغالب)، تلك المنهجية المشكوك في إتباعها المبادئ الأخلاقية السليمة. وبتبني الكُتَّاب اللاحقين منهجية أنسلم، استطاعوا وضعها فوق أساس أكثر ثباتًا، وذلك عن طريق ترسيخها في مبادئ القانون العامة.[80]

ويرى الأب الكاثوليكيّ فالتر كاسبر أن أنسلم ينطلق في نظريته عن التكفير أو الترضية من ”نظام الكون“. هذا النظام الشامل المعقول تُعكِره الخطيئة. والإنسان مُسلَّم هكذا إلى الجنون. وهذا الفساد يستدعي التعويض الذي سيكون التكفير. ولو كان الله نفسه يمنح التكفير بمحض الرحمة، لما أرضى ذلك العدل.[81] فلا بد إذًا من القول: ”إمَّا التكفير وإمَّا العقاب“ (أنسلم، لماذا تجسَّد الله، 1: 15). يجب أن يقتضي الله تكفيرًا وتعويضًا. ولكن مقتضى الله هذا يُحبِطه الإنسان. فالخطيئة هي ضد الله اللا متناهي، ولذلك فهي نفسها لا متناهية.[82] ويشرح أنسلم منطقه هذا باستناده خصوصًا إلى مفهوم ”شرف الله“. فقد خُلِقَ الإنسان ليُطِيع الله ويخدمه، ويستسلم له. وقد حاد عن هذه الغاية بالخطيئة. ولكن كلما كان المهَان عظيمًا، عظُمَت أيضًا الإهانة. وشرف الله لا مُتناهٍ، فدَّين الإنسان كذلك لا مُتناهٍ. والتكفير اللا متناهيّ ضروريّ. ولكن الإنسان المتناهيّ غير قادر على القيام به.

وينتج من ذلك أن الإنسان مُلزَم بالتكفير، ولكن الله وحده قادرٌ على القيام به. والتكفير الذي يُعِيد ”نظام الكون“ و ”شرف الله“ لا يمكن تحقيقه إلا بمَّن هو في الوقت عينه إلهٌ وإنسانٌ، أي الإنسان الإله. والسؤال: ”لماذا صار الله إنسانًا“؟ يجد هكذا الجواب عنه. ولكن هذا لا يقول بعد لماذا كان على الله أن يصعد على الصليب ليفتدينا. ويُضِيف أنسلم أيضًا أن حياة يسوع في الطاعة لا تكفي للفداء، إذ إن الإنسان مُلزَم من قبل بتلك الطاعة بالخلق. فالتكفير لا يمكن أن يتحقَّق إلا بشيءٍ لا يُلزِم من قِبَل يسوع بكونه إنسانًا. ولا يمكن يكون سوى موته، إذ إن يسوع لمَّا كان بلا خطيئة فهو غير خاضع لمصير الموت. وبما أن يسوع نفسه لم يكن بحاجة إلى هذا التكفير، فالله قادرٌ على أن يجعله موضوع استحقاق لجميع الآخرين. والعجز في ميزانية جميع الآخرين يُسدِّده فيض ما هو عند المسيح. فيسوع أعاد إذًا بموته الطوعيّ التوازن لـ ”نظام الكون“ وحقَّق التكفير عن الجميع.

لا يمكن أن تُفهَم نظرية أنسلم جيدًا إلا إذَا وُضِعَت في إطار الإقطاع الچرمانيّ، في بداية العصر الوسيط. وهذا يرتكز على علاقة الأمانة التي تربط السيد بمَّن هو تحت يده، وهذا يُقطِعه السيد أرضًا مع حمايته التي تجعل له نصيبًا في السلطة العامة. ويتقبَّل السيد منه الوعد بأن يتبعه ويخدمه. والاعتراف بجميل السيد هو إذًا أساس النظام، والسلام، والحرية، والحقّ. وشرف السيد ليس شرفه الخاص، بل هو موقعه الاجتماعيّ الذي يجعله ضامنًا للسلام العام. وكل نيل من هذا الشرف يتضمَّن هدم الحقّ والسلام، وخسارة الحرية، والفوضى. وبطلب هذا الشرف لا يُنظَر إلى الإرضاء الشخصيّ للسيد، بل إلى إعادة النظام الجماعيّ. ويُميِّز أنسلم بالطريقة نفسها شرف الله ”في ما يعود إليه“ وشرف الله ”في ما يعود إلى الخليقة نفسها“. ففي الأمر الأول لا يمكن زيادة أيّ شيء عليه أو إنقاص أيّ شيء منه. أمَّا إذَا كان الإنسان لم يعدّ يعترف بشرف الله، فينهار ”نظام العدالة“ في العالم.

إن انتهاك شرف الله لا ينال إذًا من الله نفسه، بل من الإنسان والنظام وجمال العالم. وليس شرف الله الشخصيّ الذي يُطلَب رده إلى نصابه، بل العالم المشوَّش والمخلَّع، هذا العالم الذي لا يسوده النظام إلا ما دام يحترم شرف الله. وليس الموضوع هنا التعويض عن شرف إله غيور، ولا شأن نظام قانونيّ مُجرَّد، أو ميزانية يجب أن تُوازن. الموضوع هو الاعتراف بشرف الله وإعادته في سبيل الحرية والسلام والنظام، ولأجل أن يُعَاد إلى العالم معناه.[83]

يحاول أنسلم إثبات حتمية حدوث التجسُّد من خلال العقل بدلاً من التقليد والكتاب المقدَّس. وكانت خطة بحسب الظاهر هو أن يُثبِت لليهود والمسلمين تلك العقيدة مُقدَّمةً في صورة حوار ثنائيّ، والمتحاوران هما أنسلم نفسه وتلميذًا له يُدعَى بوزو Boso.

يبدأ أنسلم بالمشكلة التي يحلها التجسُّد: مشكلة الخطيئة.[84] ويُعرِّف الخطيئة على أنها عصيان لله. وأيّ إخفاق في التسليم الكامل لإرادة الله يجعلنا في حالة خطيئة أمامه. وللأسف، هذا ما حدث، فليس هناك ما يمكننا القيام به لتصحيح الوضع، كما يقول أنسلم:

”إن أيّ شخص لا يعطي الاحترام الواجب لله، فكأنه يسرق من الله ما ينتمي إليه، وهذه خطيئةٌ. وما هو أكثر من ذلك، طالما أنه لا يُسدِّد ما سرقه من الله، فإنه سيظلُّ مُذنِبًا. وليس كافيًا أن نرد ما سرقه، لأن هذا الشخص أهان الله، وعليه أن يُعيد شيئًا أكثر مما أخذ“.[85]

وقد أقتبس أنسلم هذه الأفكار مُباشرةً من مجتمع العصور الوسطى. فالناس الذين خضعوا للنظام الإقطاعيّ في العصور الوسطى دانوا بالولاء للسيد، وكان عليهم أن يطيعوه، وإنْ لم يفعلوا ذلك فهذه إهانةٌ كبيرةٌ له، وكأنهم سرقوا كرامته وشرفه. وإنْ لم يرد السارق ما أخذه، بل وزيادة، نظرًا لأنه قد تسبَّب في الإهانة، فسوف يُعاقَب. أمَّا في حالة الخطيئة، فيتوجَّه أنسلم لنقطة أننا لا نستطيع أن نُعوِّض الله. فلكي نفعل ذلك، علينا أن نعطيه شيئًا لا ندين به له. لكننا ندين لله بكل شيء، إذ أننا موجودون فقط لأنه خلقنا، وحتى لو لم نكن قد أخطأنا سنكون أيضًا مدينين له بولائنا الكامل وكل شيء نمتلكه. ويسأل أنسلم بوزو السؤال الحاسم:

”أنسلم: ما الذي ستُقدِّمه لله من أجل خطاياك؟ بوزو: إذَا كنتُ أنا مدينٌ له بنفسي وبكل شيء حتى وإنْ لم أفعل خطيئةً، ثم بعد أن أخطأت، لم يعدّ لديَّ شيء لأُقدِّمه. أنسلم: ماذا سيحدث لك؟ وكيف يمكنك أن تخلُص؟ بوزو: إذَا أنا فكَّرت فيما قلته لي. لا أستطيع أن أجد أيّ طريق للخلاص“.[86]

وما هو أسوأ قادمٌ. إن عصيان الله هو أسوأ شيء يمكن أن يحدث. هي جريمةٌ شرها لا نهائيّ. لذا، فلكي نُعوِّض الله عن حقه من الاحترام الواجب، علينا أن نُقدِّم شيئًا ثمينًا يفوق هذه الخطيئة اللا نهائية، وكيف يمكننا فعل ذلك؟ المشكلة هي هنا بما أن الطرف المذنب، أي البشرية يجب أن تُرضِي الله، وهذا ما تعجز عن فعله. في الواقع، أن الله وحده مَن يمكنه فعل ذلك. وهنا يكون الاستنتاج واضح:

”أنسلم: إذًا، فالله وحده هو القادر على أن يُقدِّم هذه الترضية. بوزو: هذا ما يتبع ذلك. أنسلم: لكن ليس من أحد سوى البشر يلزمهم فعل هذا، وإلا لن يكون البشر قد قدَّموا هذه الترضية. بوزو: ليس هناك عدل أكثر من هذا. أنسلم: […] حتى إذَا لم يكن أحدٌ سوى الله الذي يمكنه القيام بهذه الترضية، وليس مَن يمكنه غير الإنسان الذي يلزم عليه القيام بها، لذلك يجب أن يكون هناك إله-إنسان لكي يقوم بذلك. بوزو: تبارك الله!“.[87]

ولتنفيذ هذه الخطة يجب أن يكون الله-الإنسان إلهًا كاملاً وإنسانًا كاملاً. وعليه أن يُقدِّم تقدمةً غاليةً لا نهائيةً. ولأنه هو الله، فإن موته له قيمة لا نهائية. لذا، يسمح هذا الله-الإنسان لنفسه أن يموت مُقدِّمًا موته كتعويض عن الإهانة التي لحقت به بسبب البشرية. وهذا يكفي ويزيد لتعويض ما سُلِبَ، ويمكن للبشرية الخاطئة أن تنال الغفران.

نقد نظرية الترضية لأنسلم

إن تعليم أنسلم هو تقرير موضوعيّ عن الخلاص. فهو يرى الخطيئة على أنها دَّينٌ كونيّ، سدَّده الله لنفسه. وتقف البشرية الخاطئة موقف المراقِب لهذه المبادلة بطريقةٍ سلبيةٍ بدون أن تُشارِك فيها [وهذا عكس تعليم الانجماع الكليّ للبشرية في المسيح عند ق. أثناسيوس وآباء الشرق اليونانيّ]. ولا يتحدَّث هذا التعليم عن تغيُّر العلاقة مع الله، ولا الطريقة التي يمكن من خلالها للبشرية الخاطئة أن تتغيَّر إلى حياةٍ أفضل. بالطبع هذه الأمور مهمةٌ لأنسلم، ولكنها لا تلعب دورًا في فكره اللاهوتيّ عن الخلاص بالمعنى الدقيق للكلمة. فبالنسبة له، يُشبِه البشر مجرمون هربوا من حكم الإعدام. وأيّ تغيير لاحق في القلب والحياة الأفضل التي يمكن أن يتمتَّع بها الإنسان تأتي كرد فعل للخلاص، وليست جزءًا من الخلاص ذاته، وهذا يتعارض بشدةٍ مع تعاليم أبيلارد في وقتٍ لاحقٍ، وكذلك مع تأكيدات أوغسطينوس السابقة له.

إن مفهوم أنسلم القانونيّ للخلاص سيكون مُؤثِّرًا جدًا، وسيكون السبب الجذري لتعاليم كلٍّ من لوثر وكالفن عن الكفارة، والذي من خلالهما تأسَّست الحكمة المنزلة للبروتستانتية عمومًا.[88]

 

 

 

الفصل الثالث: الدراسات الحديثة حول تدبير الخلاص بين الشرق والغرب

سوف نستعرض في هذا الفصل أهم الدراسات الحديثة للأساتذة والباحثين اللاهوتيين حول الاختلافات بين الشرق والغرب في مفهوم تدبير الخلاص، للتأكيد على أن البدلية العقابية تعليم غير موجود في فكر آباء الشرق عامةً، وفي فكر ق. أثناسيوس خاصةً.

نورمان راسل

يشرح البروفيسور نورمان راسل،[89] أستاذ اللاهوت والآبائيات في جامعة أوكسفورد، تدبير الخلاص عند ق. أثناسيوس، وكيف يربط ق. أثناسيوس بين الخلاص وتأليه الإنسان، حيث يرى أن الخلاص هو عن طريق تأليه الإنسان، وليس عن طريق البدلية العقابية كالتالي:

”إن استخدم أثناسيوس لأول مرة لمصطلح θεοποιέω في الإطار المسيحيّ اللاهوتيّ كان في منطوقه المعروف لـ ’الصيغة التبادلية‘ الذي ورد في كتاب ’تجسد الكلمة‘، فصل 54: ’لقد صار [الله] إنسانًا كي نصير مُؤلَّهين‘. وقد أُشِيرَ منذ أكثر من قرن مضى إلى اعتماده في هذا الصدد على إيرينيؤس. إن عبارة أثناسيوس هي إعادة صياغة بلغةٍ أكثر تقنيةً من لغة إيرينيؤس الذي قال: ’هو صار على ما نحن عليه لكي يجعلنا على ما هو في نفسه‘. (ضد الهرطقات، برهان الكرازة الرسولية، الفصل 5). على مثال إيرينيؤس، فإن أثناسيوس يرى الخلاص كعملية تصحيح لمسار الإنسانية الساقطة نحو الله. ففي فكره، هناك تناقضٌ بين الله غير المخلوق والخليقة التي أحضرها من العدم إلى الوجود. وبالتالي، فإن سقوط الإنسانية هو انجذاب نحو الطبيعة المخلوقة المائلة للعودة نحو العدم. لقد قام التجسُّد بعكس اتجاه الانجذاب [من العدم نحو الله]. بينما هو في الوقت نفسه ’قريبٌ‘ كونه واحدًا منَّا، فإن الإنسانية الآن مُنجذِبة نحو الاتجاه المعاكس، أي نحو غير المخلوق. ويستمر أثناسيوس على هذا النهج في التفسير مُوضِّحًا: ’إنه أعلن ذاته بواسطة الجسد لكي يصير من الممكن لنا أن نُكوِّن فكرة عن الآب غير المنظور، واحتمل الإهانات من البشر لكي نرث نحن عدم الفساد‘. إن ثمار تألُّه البشرية التي تُمثِّلنا والتي اتَّخذها الكلمة هي معرفة الله والانحلال من الفساد“.[90]

توماس تورانس

يستعرض البروفيسور توماس تورانس،[91] أستاذ العقائد المسيحية في جامعة أدنبرج Edinburgh باسكتلندا، جوانب عقيدة الفداء في الكتاب المقدَّس والتقليد الآبائيّ، مؤكدًا على عدم وجود بدلية عقابية في تعليم الآباء الشرقيين، ويشير إلى اختلاف مفاهيم تدبير الخلاص بين الشرق والغرب كالتالي:

”علاقة نظريات الكفارة بجوانب الفداء الثلاثة في العهد القديم: لقد مالت النظريات التاريخية إلى أن تقع في ثلاث مجموعات أساسية، معروفة في العموم كالتالي: نظرية التأثير الأخلاقي، ونظرية الفدية ransom،[92] ونظرية البدلية العقابية penal substitution.[93] هذا التمييز، يجعله أكثر وضوحًا التاريخ الذي يتفق بمعيار حقيقي مُعيَّن مع الجوانب الأساسية الثلاثة في المفهوم الكتابيّ للفداء، ولكن ليس بشكلٍ كاملٍ: فعلى سبيل المثال، يتم إغفال الجانب التعبديّ للفداء، ولكن الأهم من الكل هو حقيقة فقدان الروابط البينية عندما ننظر إلى الكفارة بهذه الطريقة، وبالتالي، الأجزاء الثلاثة التي تنقسم الكفارة إليها هي أكثر ضيقًا وفقرًا من الجوانب الأساسية الثلاثة أو خطوط الفداء padah أي الفدية، و kipper أي الكفارة، و goel أي الفادي. لذا دعونا نفحص هذه الجوانب في ضوء النظريات التاريخية. (1) الجانب الدراميّ [التمثيليّ] للكفارة: لقد مال إلى أن يقع في نظرية ’الفدية للشيطان‘، أو على أحسن تقدير مفهوم المسيح المنتصر Christus Victor. غالبًا هذه النظرية هي نظرية آبائية وفي العصر الوسيط المبكر، بل ولها مثيلاتها الحديثة في الدوائر اللوثرية والأنجلو-كاثوليكية، ولكن ليس كثيرًا جدًا في الأرثوذكسية اليونانية أو اللاهوت الروماني الكاثوليكي. لذا عندما يضيق الجانب الدرامي [التمثيلي] للكفارة بهذه الطريقة، فيكون لديه نزعة مميَّزة نحو الثنائية dualism، ويستدعي هذا ’تجريد الصفات الميثولوچية‘ Demythologisation. فمن الجدير بالملاحظة إنه في حين يتحدَّث المؤرِّخون في كثير من الأحيان عن ذلك بأنه آبائي وعصر وسيط، ولكنه يوجد فقط بالحقيقة الفعلية في جزء بسيط من الفكر الآبائي، أي في الأوريجانية، وفي مواضع مُعيَّنة من الفكر الرهبانيّ، حيث سادت الثنائية. ولم يُنادِ به أيّ من الآباء العظام (فيما عدا غريغوريوس النيسي)، ونجده أيضًا مرةً أخرى في أزمنة العصر الوسيط، في الفكر الشعبيّ والرهبانيّ، ولكنه غير واضح تمامًا عند اللاهوتيين – حيث قضى عليه عمليًا أنسلم وبرنارد من كليرڨو. (2) الجانب التعبديّ – القضائيّ للكفارة: لقد مال هذا إلى أن يقع في مفهومين هما: (أ) المفهوم التعبديّ للكفارة دون عنصر التبرير، موجود غالبًا في النصوص والسياقات الليتورچية. حيث مال إلى المضي قُدمًا في الفكر الغربيّ غالبًا بالارتباط مع ذبيحة القداس، دون العلاقة الكافية بالمسيح نفسه في عمله الخلاصيّ. ولكن يتم المبالغة في ذلك بأيّ حال من الأحوال عند اللاهوتيين العظام. فعلى سبيل المثال، العشرون سؤالاً التي خصَّصها توما الأكويني للإفخارستيا، يوجد سؤال واحد فقط منها مُخصَّص لمفهوم الذبيحة الإفخارستية. كما يوجد مفهوم أفضل كثيرًا في صلوات وتأملات أنسلم. (ب) المفهوم العقابيّ دون الجانب الكهنوتيّ – مفهوم الترضية في الكفارة. هذا المفهوم مُستمَد في الغرب غالبًا من الفكر الأساسيّ لترتليان – ولديه نزعة مُميَّزة نحو الناحية القضائية، مع مفهوم بسيط للخلاص من الناموس، ومفهوم للخلاص ’بمعزل عن الناموس‘. حيث يدين تطوُّر مفاهيم العقوبة والترضية في الكفارة بالكثير إلى اللغة اللاتينية والمفاهيم الأكثر تأثرًا باللاتينية، كما يُمكِننا أن نرى عندما نُقارِن التطوُّر الغربيّ لهذه المفاهيم، سواء في الفكر الرومانيّ أو البروتستانتيّ، مع إيضاح جوانب العقوبة والترضية في فكر كيرلس الإسكندريّ على وجه الخصوص. لقد كان مفهوم البدلية العقابية مع الفهم الضيق للتبرير، هو الذي أصبح سائدًا في القرون المعروفة بالأرثوذكسية البروتستانتية، وفيما يُعرَف اليوم بالبروتستانتية الإنجيلية. (3) الجانب الأنطولوچيّ [الوجوديّ] للكفارة: لقد مال هذا مجددًا إلى أن يقع في مفهومين هما: (أ) المفهوم التجسُّدي incarnational، حيث يكون العنصر الخلاصيّ من خلال المعرفة والاتحاد المستيكيّ [السرائريّ] بالمسيح. وهذا واضح مبكرًا جدًا عند الآباء اليونانيين، على سبيل المثال، عند كليمندس الإسكندريّ، وسابقًا جدًا عند أغناطيوس الأنطاكيّ – ولكنه يختلف في الرسالة إلى ديوجنيتوس. لقد أصبح أحد الخطوط الأساسية للتطور في جميع أنحاء التقليد المستيكيّ [الصوفيّ]، حيث يتم التركيز أكثر في بعض الأحيان على الاتحاد بالله من خلال المعاينة السرية، وأحيانًا على الاتحاد بالله من خلال التجسُّد. (ب) المفهوم الذاتيّ للكفارة، حيث يكون التأثير الأخلاقي لذبيحة المسيح، أو معرفة ماذا فعل الله لأجلنا في محبته هو العنصر الخلاصيّ – على سبيل المثال عند أبيلارد، أو عند سوسينوس Socinus. ولكن يمتلك هذا تطورًا عميقًا ومؤثرًا في الليتورچية، على سبيل المثال، في صلاة مريم أسفل الصليب Stabat Mater – قارن هنا صلاة مريم لهايدن Haydan، والقوة الهائلة للتأمل في جراحات يسوع“.[94]

وهكذا نُدرِك من هذا القول لهذا العلامة اللاهوتيّ الكبير وأستاذ العقائد المسيحية أن مفهوم البدلية العقابية هو مفهوم غربيّ نشأ بالأساس من فكر ترتليان، وتطوَّر في الغرب في اللاهوت الكاثوليكيّ والبروتستانتيّ حتى وصل إلى ما هو عليه في يومنا هذا.

يُحاوِل البروفيسور توماس تورانس التفريق بين جانب الإبدال العقابي للكفارة كما جاء في العهد الجديد من وجهة نظره، وبين فكر الإبدال العقابي كما تطوَّر في الغرب اللاتيني، أو الروماني، أو البروتستانتي، ولكنه يؤكِّد على أن العهد الجديد لم يستخدم لفظة ’يُعاقِب‘ عن العلاقة بين الآب والابن، حيث يقول التالي:

”لهذا السبب، يتحدَّث العهد الجديد عن جانب الإبدال العقابي للكفارة، ليس في أقسام قضائية [شرعية] مُنفصِلة كالتي قد تطوَّرت في الغرب اللاتينيّ، أو الرومانيّ، أو البروتستانتيّ، بل من ناحية حميمية العلاقة بين الآب والابن، حيث يُخضِع الابن ذاته لحكم الآب، وتستجيب له مسرة الآب الصالحة – أنظر هنا الأهمية الكبيرة لچون مكليود كامبل J. Mcleod Campbell وكتابه العظيم ’طبيعة الكفارة‘، حيث يُحذِّرنا بحقٍ من التفكير في الكفارة بتعبيراتٍ عقابيةٍ محضةٍ، لأننا لا نستطيع التفكير في المسيح المعاقَب من الآب بدلاً عنا، فلا يستخدم العهد الجديد في أيّ موضع كلمة Kolazo أي يُعاقِب، عن العلاقة بين الآب والابن“.[95]

ويرى البروفيسور توماس تورانس أن الفداء عند ق. أثناسيوس يحدث في حياة الابن المتجسِّد التوسطية وفي شخصه، يحدث خلاصنا في علاقات الوسيط الداخلية، وليس ببساطةٍ في علاقة المسيح الخارجية بالخطأة، وهذا ينفي عن أثناسيوس فكرة الإبدال العقابيّ، الذي يحاول البعض عن جهل أن ينسبها إليه كالتالي:

”يحدث [الفداء] في حياة الابن المتجسِّد التوسطية وفي شخصه، فكما أنه [أثناسيوس] أعتقد أن اللوغوس هو داخل كيان الله، كذلك أعتقد أن خلاصنا يحدث في علاقات الوسيط الداخلية، وليس ببساطةٍ في علاقة المسيح الخارجية مع الخطأة“.[96]

خالد أناطوليوس

يرى البروفيسور خالد أناطوليوس،[97] أستاذ اللاهوت في جامعة نوتردام والمتخصِّص في تعليم ق. أثناسيوس، أن خلاصنا وتألُّهنا، بحسب ق. أثناسيوس، يتأسَّس بالكامل على أن حالتنا الإنسانية قد انتسبت إلى الكلمة، لأن ذلك في الأساس هو الذي يجعل كياننا مفعمًا بالكلمة كالتالي:

”إن خلاصنا وتألُّهنا يتأسَّس بالكامل على أساس أن حالتنا الإنسانية قد انتسبت للكلمة، لأن ذلك في الأساس هو ما يجعل كياننا مُفعَمًا بالكلمة“.[98]

جوهانس رولدانوس

يرى الباحث الكبير چوهانس رولدانوس أن مفهوم أثناسيوس عن الخلاص يتوقف على وحدة جسد المسيح البشريّ مع جسدنا، وكذلك على وحدة طبيعته الإلهية مع الطبيعة الإلهية للآب قائلاً:

”إن مفهومه عن الخلاص يتوقف على إتمامه لوحدة جسد المسيح البشريّ مع جسدنا، وكذلك على وحدة طبيعته الإلهية مع الطبيعة الإلهية الخاصة بالآب“.[99]

لويس بيركهوف

يتحدَّث البروفيسور المعروف لويس بيركهوف[100] عن الاختلاف بين اللاهوت الشرقيّ اليونانيّ واللاهوت الغربيّ اللاتينيّ في عقيدة الكفارة وعمل المسيح على الصليب، حيث يقول التالي:

”في اللاهوت الآبائيّ اللاتينيّ: على الرغم من أن تعليم عمل المسيح في اللاهوت الآبائيّ اللاتينيّ لديه نقاط عديدة مُشتركة مع تعليم اللاهوت اليونانيّ المبكر، ولكن حتى في هذه الفترة المبكرة، تبدأ اختلافات مُهمة في الظهور. حيث يبدأ النوع اللاتينيّ المختلِف من اللاهوت مع ترتليان. حيث يتبنى إلى حد ما نظرية إيرينيؤس الانجماع الكلي، ولكنه يتصوَّر التجسُّد على أنه يُؤثِّر على الجنس البشريّ بالأساس من خلال الإرشاد والمثال. ولكن تتراجع هذه الفكرة كلها بشكلٍ أو بآخر إلى الخلفية. حيث يُركِّز كثير جدًا أكثر من إيرينيؤس على الأهمية المحورية لموت المسيح على الصليب، مُعتبرًا إياه نقطة الذروة والنهاية الحقيقية لإرسالية المسيح. لا يُمكِن القول بأنه ذهب بعيدًا عن إيرينيؤس في الصياغة المحدَّدة لعقيدة موت المسيح. ولكن تقع أهميته الحقيقية في حقيقة أنه أدخل استعمال مصطلحات قانونية عديدة إلى اللاهوت، مثل: ’ذنب‘، و ’ترضية‘، و ’استحقاق‘، وما إلى ذلك، التي تمَّ توجيهها لتلعب دورًا كبيرًا في التطوُّر اللاهوتي لعقيدة عمل المسيح. ومع ذلك، يجدر ملاحظة أنه مازال لم يُطبِّق تلك المصطلحات على عمل المسيح الكفاريّ، بل على التوبة والأعمال الصالحة التي ينبغي أن تتبع الخطايا المرتكَبة بعد المعمودية. كما وضع الأساس لتطوُّر عقيدة التوبة في الكنيسة الرومانية الكاثوليكية“.[101]

يستطرد البروفيسور لويس بيركهوف في نفس السياق مُتحدِّثًا عن عقيدة الكفارة عند أوغسطينوس أبو اللاهوت اللاتينيّ، مُوضِّحًا الاختلاف بين اللاهوت اليونانيّ واللاهوت الأوغسطينيّ بشأن عقيدة الكفارة والفداء، حيث يقول التالي:

”نشعر بشكلٍ طبيعيّ بالميل إلى اعتبار أن أوغسطينوس – الأب الكنسيّ الأعظم في الغرب – قد أضاف بشكلٍ كبيرٍ، سواء على المستويين الجوهريّ والشكليّ، إلى عقيدة عمل المسيح. ولكن ليست تلك هي القضية، بل تقع إنجازاته في موضع آخر. حيث يُقدِّم آراءً متنوعةً، جامعًا في ذاته التطور السابق. كما توجد فكرة تألُّه الطبيعة البشرية بالتجسُّد، ولكن بطريقة أخلاقية فقط، ويوجد أيضًا مفهوم أن الشيطان لديه حق على الإنسان، ولكن تم استكماله، عن طريق فكرة أن حق الشيطان تم إبطاله بموت المسيح. ولكن فيما يُعتبر بأنه خط تفكيره الأساسي، يُعتبَر أوغسطينوس بعيدًا جدًا عن اللاهوت اليونانيّ. حيث كل من افتراضاته واستنتاجاته مُختلفة. فالأفكار الرئيسة هي أفكار الخطية الأصلية، والتبرير بالنعمة، والمصالحة بذبيحة المسيح. حيث يفرض النوع الغربي الجديد من الفكر نفسه، ونجد أنفسنا ندور في دائرة الأفكار البولسية. حيث يتم النظر إلى الإنسان على أنه موضوع الغضب الإلهيّ، وذبيحة المسيح كتهدئة لهذا الغضب، وكمُصالحة للإنسان مع الله. لم يُطوِّر أوغسطينوس هذه الأفكار إلى نظام كامل، حيث تقع أقواله بعيدًا بقليل عن نظرية أنسلم المترابطة تمامًا عن الكفارة. حيث لم يُميِّز بصورةٍ حادةٍ بين الجانب القضائيّ والتجديديّ للفداء“.[102]

ويتَّضح من هنا اتفاق رأي البروفيسور لويس بيركهوف مع غيره من أساتذة العقائد المسيحية أن عقيدة الكفارة والفداء بجانبها القانونيّ والقضائيّ في اللاهوت الغربيّ اللاتينيّ تختلف تمام الاختلاف عن الجانب الشفائيّ والتأليهيّ في اللاهوت الشرقيّ اليونانيّ.

ستيفن هولمز

يُقرِّر البروفيسور ستيفنز هولمز[103]Stephens R. Holmes  المحاضر الكبير للاهوت النظامي في جامعة ق. أندراوس باسكتلندا حقيقة واضحة أثناء تأصيله لعقيدة ”البدلية العقابية“ من الكتاب المقدَّس، والأدب المسيحيّ الآبائيّ في مختلف العصور المسيحية، وهي أن ”البدلية العقابية“ ليست فكرة أصيلة في اللاهوت الأرثوذكسيّ الشرقيّ، بل هي فكرة بروتستانتية بامتياز نشأت مع رجالات حركة الإصلاح، وبالأخص عند جون كالفن، حيث يقول التالي:

”أقترح علاوة على تلك الاقتراحات الكثيرة من أجل ايجاد تعليم واضح عن البدلية العقابية في أحداث الكتاب المقدَّس عن طريق اتخاذ صورة تُقرَأ بصورةٍ أكثر طبيعيةً وبشكلٍ مُختلفٍ، وترجمتها إلى أشكال وأنواع البدلية العقابية وصورتها، وهذا الاتجاه مرئي أيضًا في أغلب المحاولات من أجل ايجاد البدلية العقابية عند آباء الكنيسة، حيث هناك فقرات عرضية تنشر بالطبع المجاز القانونيّ، ولكن لا يوجد وعي أن هذا تعليم مُتطوِّر عن الكنيسة الأولى، ولا يوجد دليل على أنه علامة مُميَّزة مفترضة للأرثوذكسية. ويستمر هذا الموقف خلال فترة العصر الوسيط، وأول تفسير مُتكامِل ومُتطوِّر بالفعل للبدلية العقابية أستطيع ايجاده في التاريخ هو في كتاب ’الأسس‘ لكالفن (١٥٣٦- ١٥٥٩م). لقد طوَّر لوثر بالطبع أفكار مُشابِهة قبل عقدين من الزمن، وتوجد بلا شك إرهاصات مُهمة بين كُتَّاب العصور الوسطى في القرن ١٥، ولكن يُقدِّم كالفن تعليم البدلية العقابية بشكلٍ مُفصَّلٍ وناضجٍ. لقد تحدَّث الكُتَّاب الأوائل عن أمور قد تُفهَم بمُصطلحات البدلية العقابية، ولكنهم لم يُعلِّموا أبدًا بالفكرة بشكلٍ مُباشرٍ“.[104]

وهكذا يتَّضح لنا في الأخير اختلاف المفاهيم حول تدبير الخلاص بين اللاهوت الغربيّ مُمثَّلاً في اللاهوت المدرسيّ في العصر الوسيط، ومن بعده اللاهوت البروتستانتيّ، وبين اللاهوت الشرقيّ مُمثَّلاً في آباء الكنيسة الذين يرونا في تدبير الخلاص مبادلة خلاصية شفائية، وليست مبادلة عقابية، والذين يؤكِّدون على وجودنا الكياني في المسيح أثناء تدبيره الخلاصي، وإنه ليس مُجرَّد مثال على فضيلة البذل والحب، وكأنه مُنفصِل عنا، بل نحن ندخل ونتَّحد معه في عمق السر الإلهيّ العجيب الذي صنعه لأجلنا. لم يكن المسيح مُجرَّد ترضية أو إيفاء لدَّين خطية آدم وخطايانا كما يُعلِّم البعض في أيامنا، بل هو مُتَّحِد بنا وبطبيعتنا ليُؤلِّهنا ويُؤلِّه طبيعتنا فيه، ويستبدل الموت بالحياة، والظلمة بالنور، والغلبة بالنصرة، واللعنة بالبركة، والضعف بالقوة.

جون كيلي

يتحدَّث البروفيسور چون كيلي،[105] أستاذ تاريخ العقيدة في جامعة أوكسفورد، عن تعليم ق. أثناسيوس الخلاصي قائلاً:

”لم يشفنا المسيح فقط، بل حمل العبء الثقيل لضعفنا وخطايانا. المظهر الخارجيّ للتعليم هو أحد تعليم البدلية، ولكن ما يُحاوِل أثناسيوس إبرازه، لم يكن أكثر من أن ذبيحة واحدة كانت بديلة عن الأخرى، حيث ’استُنفِذَ موت الجميع في جسد الرب‘ (تجسد الكلمة، ٢٠). بمعنى آخر، إنه بسبب الاتحاد بين جسده وجسدنا، كان موته وانتصاره بالأساس لنا (أي موتنا وانتصارنا). تمامًا كما ورثنا الموت من خلال ارتباطنا بآدم الأول، هكذا نهزم الموت ونرث الحياة من خلال ارتباطنا بـ ’الإنسان من السماء‘ (ضد الآريوسيين ١: ٤٤: ٢، ٦١؛ ٢: ٦٧)“.[106]

وهذه هي البدلية التي يقصدها أثناسيوس مُبادلة الموت بالحياة، والفساد بعدم الفساد، والظلمة بالنور، والخطية بالقداسة… إلخ.

لورانس جرينستيد

يُقارِن البروفيسور لورانس جرينستيد،[107] أستاذ تاريخ العقيدة في جامعة أوكسفورد، بين تعليم أثناسيوس السوتيريولوجيّ (الخلاصيّ) وتعليم البدلية العقابية، مُؤكِّدًا على أن ق. أثناسيوس لم يقل في أيّ موضع أن موت المسيح كان بمثابة معاناة عقابية، كالتالي:

”لا يوجد مُبرِّر للادعاء بأن أثناسيوس هو أصل وبادرة النظريات العقابية اللاحقة. لا توجد إشارة إنه يَعتبر الموت في أيّ موضع أنه بمثابة مُعاناة عقابية، وقليلاً ما يَعتبر أن موت المسيح بمثابة عقابًا نيابيًا. لم يستخدم بالفعل عبارات ’تألم نيابةً عن الكل‘ و ’الموت نيابةً عن الكل‘ ولكن ينبغي تفسير تلك العبارات بحسب فهمه القوي لوحدة الجنس البشريّ في الكلمة المتجسِّد ’بالنظر إلى موت الجميع فيه‘“.[108]

هستنجس راشدال

يشرح البروفيسور هستنجس راشدال،[109] أستاذ تاريخ العقيدة في جامعة أوكسفورد، تعليم القديس أثناسيوس الخلاصيّ ويُقارِن بينه وبين تعليم ”البدلية العقابية“ في اللاهوت الغربيّ، حيث يرفض وجود تعليم بدلية عقابية في تعليم ق. أثناسيوس عن تدبير الخلاص كالتالي:

”هذا هو التعليم المحدَّد عن الذبيحة النيابية، ولكنه مع ذلك، لم يكن بكلماتٍ واضحةٍ تعليم العقاب النيابيّ. يبدو أن الفكرة هي كالتالي، إنه بموت هذه الذبيحة، تمَّ إيفاء دَّين الموت – الذي جلبته خطية آدم – واستُوفِي في حالة الجميع الذين يشتركون في ذلك الناسوت، الذي اتَّحد الكلمة به في حالة الجسد الواحد. حيث يبدو واضحًا أكثر من عند إيرينيؤس، أن موت المسيح لا يُمثِّل مُجرَّد مُعادِل، بل مُساوِي حقًا لموت الجميع (تجسد الكلمة ٢٠: ٤، ٥): مات الجميع بالفعل حرفيًا في موت الواحد. بالرغم من ذلك، لم يكن التركيز على فعل الذبيحة المتعلِق بالماضي، بل على آثار التجديد التابعة، والتابعة من القيامة أكثر من الموت. […] هذا هو خط التفكير الذي قابلناه بالفعل عند إيرينيؤس، ولكنه أكثر تطوُّرًا وتنظيمًا بكثير عند أثناسيوس. يُحاوِل [أثناسيوس] توضيح أن قابلية الفساد ليست عقوبة جزائية تعسفية فرضها الله، بل نتيجة طبيعية وحتمية للخطية“.[110]

جوناثان هيل

يتحدَّث چوناثان هيل،[111] الباحث الكبير في تاريخ العقيدة المسيحية من جامعة أوكسفورد، عن تدبير الخلاص في تعليم ق. أثناسيوس، وأنه مثل ق. إيرينيؤس، يرى أننا خلُصنا باتحاد الله والإنسان في المسيح، الأمر الذي رفع البشرية إلى مستوى الألوهية، أي أن الخلاص عند ق. أثناسيوس هو عن طريق تأليه الإنسان كالتالي:

”على أيّ حال، فالابن يجب أن يكون الله. ولو لم يكن فما كان بمقدوره أن يُخلِّصنا. ويؤمن أثناسيوس، مثل ق. إيرينيؤس من قبله، بأننا خلُصنا باتحاد الله والإنسان في المسيح، الأمر الذي رفع البشرية كلها إلى مستوى الألوهية. وبحسب نظرته، فإن إنكار ألوهية المسيح هو إنكار لأساس الخلاص كله“.[112]

أليستر ماجراث

يتحدَّث البروفيسور أليستر ماجراث،[113] أستاذ اللاهوت التاريخيّ في جامعة أوكسفورد، عن أن الفداء بحسب المدرسة الإسكندرية معناه هو الاشتراك في حياة الله، أو أن يصير المرء إلهيًا، وهي الفكرة التي وُصِفَت قديمًا بمفردات التأليه كالتالي:

”كانت المدرسة الإسكندرية، التي يُعدُّ أثناسيوس واحدًا من ممثليها، سوتيريولوچية في طبيعة منظورها وفي توجهها. فإن يسوع المسيح هو فادي البشرية، حيث كان الفداء [redemption] بحسب هذه المدرسة معناه: ’الاشتراك في حياة الله‘، أو ’أن يصير المرء إلهيًا‘، وهي الفكرة التي وُصِفَت قديمًا بمفردات التأليه. وتُعبِّر الكريستولوچيا عمَّا توحي به ضمنًا هذه الفكرة السوتيريولوچية [الخلاصية]. يمكن تلخيص مسار حجة الكريستولوچيا الإسكندرية على النحو التاليّ: لتأليه الطبيعة البشرية، ينبغي أن تتَّحد هذه الطبيعة بالطبيعة الإلهية. فينبغي أن يصير الله مُتَّحِدًا بالطبيعة البشرية بحيث تأخذ الأخيرة إمكانية الاشتراك في حياة الله. وقال الإسكندريون إن هذا هو بالتحديد ما حدث في تجسُّد ابن الله في يسوع المسيح ومن خلاله. فقد اتَّخذ الأقنوم الثاني في الثالوث طبيعةً بشريةً، وبهذا، ضمن تأليه هذه الطبيعة. صار الله إنسانًا حتى يصير البشر إلهيين“.[114]

كاليستوس وير

يشرح المطران الأرثوذكسيّ كاليستوس وير،[115] أستاذ اللاهوت الأرثوذكسيّ في جامعتي كامبريدچ وأوكسفورد، الفرق بين نظرة الشرق لتدبير الخلاص باعتباره انتصار ظافر على قوة الشر وبين نظرة الغرب منذ عهد أنسلم الكانتربريّ إلى الصليب بتعابير قانونية وجزائية، وباعتبار عملية الصلب عملاً استعطافيًا للإرضاء أو الإبدال من أجل تهدئة غضب الآب الخالق كالتالي:

”فحينما تتطلع الأرثوذكسية إلى المسيح الظافر قبل كل شيء، يتطلع غرب العصر الوسيط والعصر الذي عقبه إلى المسيح الضحية أولاً. وبينما تُفسِّر الأرثوذكسية فعل الصلب على أنه بالدرجة الأولى انتصارٌ ظافرٌ على قوة الشر، يميل الغرب، وبنوعٍ خاصٍ منذ عهد أنسلموس رئيس أساقفة كانتربري (حوالي عام 1033- 1109) إلى التفكير في أمر الصليب بتعابير قانونية وجزائية، أو باعتبار عملية الصلب عملاً استعطافيًا للإرضاء أو الإبدال من أجل تهدئة غضب الآب الخالق“.[116]

ويتحدَّث المطران كاليستوس وير عن أن هدف الحياة المسيحية هو تأليه الإنسان، وذلك في تعليم القديسين أثناسيوس وباسيليوس الكبير، حيث أن مفهوم فداء الإنسان وخلاصه في الأرثوذكسية معناه تأليه الإنسان قائلاً:

”وقد صوَّر ق. باسيليوس الكبير الإنسان على أنه مخلوقٌ أُمِرَ بأن يصبح إلهًا، أمَّا أثناسيوس فقال بأن الله صار إنسانًا لكي يصبح الإنسان إلهًا. ’في ملكوتي، يقول المسيح، سأكون الله وأنتم آلهةٌ معي‘. ذلك هو، وفقًا لتعاليم الكنيسة الأرثوذكسية، الهدف النهائيّ الذي يجب أن يتطلع إليه كل مسيحيّ: أن يصبح إلهًا، أي أن يبلغ التأليه. ففي مفهوم الأرثوذكسية، فداء الإنسان وخلاصه يعنيان تأليهه“.[117]

فلاديمير لوسكي

يشرح اللاهوتيّ الأرثوذكسيّ المعروف فلاديمير لوسكي[118] تدبير الخلاص بحسب ق. أثناسيوس، حيث يرى أن جسد المسيح الذي يتَّحد المسيحيون به في المعمودية، هو بحسب ق. أثاسيوس جذر قيامتنا وخلاصنا، فنحن ككنيسة في المسيح جسد واحد، يجري فيه دم المسيح ليُطهِّرنا من كل خطيئة، ولقد اتَّخذ الكلمة جسدًا لنستطيع أن ننال الروح القدس، لأن حضور الروح القدس فينا هو شرط تألُّهنا كالتالي:

”أمَّا جسد المسيح، الذي به يتَّحد المسيحيون بالمعمودية، فيصير، بحسب القديس أثناسيوس، ’جذر قيامتنا وخلاصنا‘ [Oratio III contra Arianos, 13, PG, t. 25, 393-396]. الكنيسة شيءٌ أكبر من الفردوس الأرضيّ؛ فحالة المسيحيين أفضل من حالة البشر الأولين. ففي الكنيسة لا يعود يُحتمَل فقدان الشركة مع الله نهائيًا، وذلك كوننا محتوين في جسدٍ واحدٍ، يجري فيه دم المسيح الذي ’يُطهِّرنا من كل خطيئة ومن كل غضن. فقد اتَّخذ الكلمة جسدًا لنستطيع أن ننال الروح القدس‘ [S. Athanase, De incarnatione et contra Arianos, 8, PG, t, 26, 996C]. حضور الروح القدس هذا فينا شرط تألُّهنا، لا يمكن أن يضيع“.[119]

جورج فلورفسكي

يرى الأب الأرثوذكسيّ چورچ فلورفسكي،[120] أستاذ اللاهوت الأرثوذكسيّ في جامعات هرفارد وبرنستون الأمريكية، والعميد السابق لمعهد القديس سرجيوس بفرنسا، والعميد السابق أيضًا لمعهد القديس فلاديمير بأمريكا، أن مغزى الخلاص والفداء في اللاهوت المسيحيّ المبكر هو الاتحاد الحميم بين الله والإنسان في المسيح، ويؤكد على أن هذا كان الخط الرئيسيّ عند ق. أثناسيوس وق. غريغوريوس النزينزيّ اللاهوتيّ كالتالي:

”كانت الرسالة المسيحية ومنذ البداء فعلاً هي رسالة الخلاص، وبحسب ربنا فقد عرفناه وبالأساس بصفته المخلِّص، الذي افتدى شعبه من عبودية وأسر الخطية والفساد. إن عمق حقيقة سر التجسُّد الإلهيّ فعلاً قد تمَّ تفسيره وعلى الدوام في اللاهوت المسيحيّ المبكر عن منظور الفداء، فقد كانت المفاهيم الخاطئة عن شخص المسيح والتي كان على الكنيسة الأولى مواجهتها ومقاومتها ونقدها ودحضها هي تلك التي كانت تفعل ذلك وبالتمام حين كانت تُقلِّل من واقعية وحقيقة الفداء البشريّ. وقد تمَّ الافتراض عمومًا أن منتهى ومغزى الخلاص هو أن الاتحاد الحميم بين الله والإنسان قد تمَّت استعادته، واستقر المقام على أن الإنسان المفتدَى لا بد أن ينتمي بنفسه إلى كلا الجانبين، أي أن يكون من جهة إلهيًا وفي آنٍ إنسانيًا، وإلا ما كانت قد تأصلت وتأسَّست تلك الشركة المشروخة أو المسكورة بين الله والإنسان. ذلك كان الخط الرئيسيّ للفكر اللاهوتيّ العقلانيّ عند القديس أثناسيوس في صراعه مع الآريوسيين، والقديس غريغوريوس النزينزيّ في دحضه للأبولينارية، وللعديد من كُتَّاب آخرين في القرنين الرابع والخامس“.[121]

فالتر كاسبر

يشرح الأسقف الكاثوليكيّ الشهير فالتر كاسبر[122] تدبير الخلاص عند ق. أثناسيوس، حيث يرى أن اهتمام أثناسيوس الأساسيّ في الدفاع عن ألوهية الكلمة كان اهتمام خلاصيّ وليس نظريّ، لذا يرى ق. أثناسيوس ضرورة ألوهية يسوع المسيح وفهمها في الإطار العام للتعليم الخلاصيّ في الكنيسة القديمة الذي يرى الفداء كتأليه للإنسان، فالإنسا ن المخلوق على صورة الله لا يستطيع الحصول على كيانه الحقيقيّ بدون المشاركة في حياة الله، وبالتالي التماثُّل مع الله، ولكن بما أن صورة الله قد أفسدتها الخطيئة، فلا بد من أن يصبح الله إنسانًا لكي نتألَّه نحن، ونبلغ من جديد إلى معرفة الله غير المنظور كالتالي:

”لم تكن هذه التأكيدات متأتية أولاً من اهتمام نظريّ، بل من اهتمام خلاصيّ، كان أثناسيوس يُبرِزه دائمًا: إذَا لم يكن المسيح إلهًا فلسنا نحن مُفتَدين، لأن الله الذي لا يموت وحده يستطيع أن يُحرِّرنا من عبودية الموت، ويجعلنا مُشاركين في ملء الحياة. فعقيدة ألوهية يسوع المسيح الصحيحة يجب أن تُفهَم في الإطار العام للتعليم الخلاصيّ في الكنيسة القديمة مع فكرتها عن الفداء كتأليه للإنسان. إن الإنسان المخلوق على صورة الله لا يستطيع الحصول على كيانه الحقيقيّ والصحيح إلا بالمشاركة في حياة الله، ومن ثمَّ، بالتماثُّل مع الله. ولكن بما أن صورة الله قد أفسدتها الخطيئة، فلا بد من أن يصبح الله إنسانًا لكي نتألَّه نحن، ونبلغ من جديد إلى معرفة الله غير المنظور. ولا علاقة لعقيدة الفداء هذه الطبيعية (في شأن الكيان) بمفهوم طبيعيّ فيزيولوچيّ، بل حتى سحريّ للخلاص، كما ادُّعِيَ ذلك مرارًا. إنها ترتكز في الحقيقة على الفكرة اليونانية عن البايدييا، أي تربية الإنسان، بسعيه لكي يُشبِه هيئة المثال الإلهيّ الأول المنظور في الصورة ويُشارِك فيها“.[123]

جوهانس كواستن

يشرح العلامة الآبائيّ الكاثوليكيّ الكبير چوهانس كواستن[124] تعليم الخلاص عند ق. أثناسيوس، حيث يرى أن أساس ق. أثناسيوس في دافعه عن ألوهية اللوغوس هو أساس خلاصيّ، ويرى أن تأليه الإنسان هو غاية الخلاص في دفاع ق. أثناسيوس عن ألوهية الكلمة كالتالي:

”إن أساس ما كان يُدافِع عنه ق. أثناسيوس فيما يخص اللوغوس هو عقيدة الفداء. والعبارات التالية تُعبِّر عن التعليم اللاهوتيّ للقديس أثناسيوس: ’لقد صار [كلمة الله] إنسانًا لكي يُؤلِّهنا، وقد أظهر نفسه في جسدٍ لكي نحصل على معرفة الآب غير المنظور، واحتمل إهانة البشر لكي نرث نحن عند الموت‘ (تجسد الكلمة، فصل 54). […] لذلك يستدل ق. أثناسيوس على ضرورة تجسُّد الكلمة وموته من مشيئة الله لفداء البشر. فلم يكن ممكنًا أن نحصل على الفداء إذَا لم يكن الله نفسه قد صار إنسانًا، وإذَا لم يكن المسيح هو الله. ولذا، فإن اللوغوس باتّخاذه الطبيعة البشرية، قد ألّه البشر. وقد غلب الموت ليس من أجل نفسه بل من أجلنا كلنا. […] ولو لم يكن المسيح إلهًا بالطبيعة، ولكن بالمشاركة (كما يقول الهراطقة)، فإنه لم يكن بمقدوره أبدًا إعادة تشكيل الإنسان على صورة الله. لأن الذي لا يملك شيئًا إلا الذي استعاره من آخر فلا يمكن أن يمنحه لآخرين“.[125]

كاثرين ساندرجير

تُسجِّل البروفيسور كاثرين ساندرچير[126]Katherine Sanderegger  ، أستاذ اللاهوت في جامعة يال الإمريكية، اعتراض البعض على مفهوم أنسلم عن إيفاء الدَّين وذبيحة الترضية بأنه مفهوم نسطوريّ على نحوٍ خطير، مما يُؤكِّد على ما قلناه قبلاً من اختلاف مفهوم اللاهوت الغربيّ للدَّين عن اللاهوت الشرقيّ، كالتالي:

”علاوة على ذلك، سردية أنسلم عن ’إيفاء الدَّين‘ و ’ذبيحة الترضية‘ تبدو للبعض نسطورية بشكلٍ خطيرٍ، كما لو كان يمكن تقديم ناسوت المسيح كعملٍ مُستقِلٍ للموت البريء، بمعزل عن الاتحاد الأقنوميّ الملازِم للألوهة. بالإضافة إلى ذلك، تبدو مُعالجة أنسلم المدرسية المبكرة لفكرة اللا محدودية، سواء في تقدير الخطية، وفي قيمة الاستحقاق الشخصيّ للمسيح بالنسبة لانتقاداته ذات العقلية الفلسفية غير قوية وغير مُقنِعة“.[127]

توماس ويناندي

لذا يُؤكِّد البروفيسور توماس ويناندي[128] Thomas G. Weinandy على أن مفهوم الدَّين عند ق. أثناسيوس هو دَّين الموت كما ذكرنا سابقًا، ولقد قام المسيح بإيفاء دَّين الموت بموته عن الجميع ليهبهم حياة القيامة عديمة الفساد كالتالي:

”السبب في أن الكلمة المتجسِّد يضمن للبشر حياة القيامة عديمة الفساد هو أنه يُقدِّم ’إلى الموت، الجسد الذي قد أخذه هو نفسه كتقدمةٍ وذبيحةٍ بلا عيب، لأنه أبعد للتو الموت عن جميع نظرائه بتقديم النظير. وبما أنه فوق الجميع، وَفَىَ كلمة الله بالطبيعة عن طريق تقديم هيكله وأداته الجسدية الدَّين بموته من أجل حياة الجميع‘ (تجسد الكلمة ٩: ١-٢؛ ٢٠: ٢، ٥-٦). لأن الكلمة، وقد اتَّخذ طبيعتنا عينها، يُقدِّم حياته البشرية النقية والطاهرة كذبيحةٍ بدلاً عنا ولأجلنا، فينقض ويوفي دَّين الموت الذي جلبته أنا وهكذا أقرَّته الخطية. وبالتالي، نعي هنا بوضوحٍ مركزية الصليب داخل سوتيريولوچية [التعليم الخلاصيّ] أثناسيوس“.[129]

جوستاف ألين

يرى البروفيسور چوستاف ألين[130] أن مفهوم الدَّين عند ق. أثناسيوس هو دَّين الموت كالتالي:

”نفس الشيء هو حقيقيّ عن مجاز الدَّين، الذي يُوازِيه مجاز الفدية، ولكنها أقل استخدامًا للغاية. حيث يتحدَّث أثناسيوس عن كلمة الله بأنه عن طريق تقديم جسده ’مُوفيًا الدَّين عن الجميع بموته‘، وإنه بذلك الموت تمَّ ’إيفائه‘، كما يربط أيضًا هذه الفكرة مع فكرة الذبيحة، ويقول إن ’الكلمة اتَّخذ الجسد الذي أخذه قربانًا، كذبيحة غير دنسة بالموت، وهكذا أزال الموت من جميع أخوته بذبيحته النيابية‘ (تجسُّد الكلمة، فصل ٩). وبالتالي يُعد الدَّين مدفوعًا في المقام الأول للموت“.[131]

المطران كيرلس بسترس وآخرون

يرى المطران كيرلس سليم بسترس[132] وآخرون، في سياق شرحه لكتاب ”تجسد الكلمة“ للقديس أثناسيوس، أن هدف التجسُّد عند ق. أثناسيوس هو أن يعيد معرفة الله ويُبطِل الخطيئة ويُؤلِّه الإنسان، ويُوحِّده بالله بموهبة الروح القدس ويمنحه الخلود، فالتجسُّد يهدف إلى الفداء، وإعادة الإنسان إلى أصله، فالإنسان مخلوق على صورة الله كالتالي:

”لا نجد في هذا الكتاب أية إشارة إلى الآريوسية. فهو يرجع إلى سنة 318، وكان لأثناسيوس من العمر 23 سنة، ولم يكن بعد أمين سرّ أسقفه ألكسندروس. يتضمن الكتاب قسمين: القسم الأول هو دفاعٌ عن المسيحية بإزاء الوثنيين؛ يُثبِت فيه الكاتب صحة التوحيد الإلهيّ وبطلان عبادة الأصنام وتعدُّد الألهة. والقسم الثاني يُوضِّح الإيمان بالتجسُّد والهدف منه: فقد تجسَّد كلمة الله ليُعيد معرفة الله ويُبطِل الخطيئة، ويُؤلِّه الإنسان ويُوحِّده بالله بموهبة الروح القدس، ويمنحه الخلود. فالتجسُّد يهدف إلى الفداء. يتجسَّد الكلمة ليعيد الإنسان إلى أصله، فالإنسان مخلوقٌ على صورة الله“.[133]

ويتحدَّث المطران كيرلس بسترس وآخرون عن أن الفكرة الرئيسية في لاهوت الآباء اليونانيين عامةً ولاهوت ق. أثناسيوس خاصةً، هو أن كلمة الله تجسَّد لكي يُؤلِّه الإنسان، فالتجسُّد يهدف إلى الفداء والتألُّه، وهنا يربط بين الفداء والتألُّه في التعليم الخلاصيّ للقديس أثناسيوس كالتالي:

”إن لاهوته يُلخَّص في الجملة التالية التي تُعبِّر أيضًا عن الفكرة الرئيسية في لاهوت الآباء اليونانيين: ’تجسَّد كلمة الله ليُؤلِّه الإنسان‘ (ضد الآريوسيين 1: 39). فالتجسُّد يهدف إلى الفداء والتألُّه، وإذَا كان كلمة الله مخلوقًا، فكيف يمكنه أن يُؤلِّه الإنسان؟“.[134]

عبد المسيح اسطفانوس

يتحدَّث القس الدكتور عبد المسيح اسطفانوس[135] عن أن تأليه الإنسان هو محور تعليم الخلاص عند ق. أثناسيوس قائلاً:

”وجدير بالذكر أن أثناسيوس كان قد كتب كتابه ’تجسُّد الكلمة‘ قبل ظهور آريوس وتعاليمه، ولذلك لا نجد فيه مناقشة لآراء آريوس والرد عليها. كان اهتمام أثناسيوس بصفةٍ أساسيةٍ بموضوع الخلاص. ولذلك وجد أن الخلاص لو لم ينبع من الله نفسه لا يكون خلاصًا كاملاً، ولذلك اهتم كثيرًا بألوهية الابن ، واَعتبر أن التجسُّد أمرٌ أساسيّ تمامًا ليتحقَّق الخلاص. وكان هذا ما دفعه لمقاومة تعاليم آريوس. ومن المهم أن نتذكَّر أن اهتمام أغناطيوس وإيرينيؤس بموضوع الخلاص كما رأينا من قبل دفعهما إلى التنبير على ألوهية الربِّ يسوع، ولذلك فقد كانت هنالك خلفية لاهوتية وفكرية هامة موجودةٌ في الكنيسة قبل أثناسيوس. لم يكن اهتمام أثناسيوس أن يكون المسيح هو الله بمعنى أنه هو الله بشخصه، ولكنه أهتم بأن يُوضِّح أن المسيح والله جوهرٌ واحدٌ. ويُنبِّر أثناسيوس على الطبيعة الإنسانية الكاملة للمسيح والطبيعة الإلهية الكاملة ليتحقَّق الخلاص للإنسان. ويقول في هذا الشأن: ’ما كان يمكن للإنسان أن يأتي إلى حضرة الله ما لم يكن ذاك الذي تجسَّد هو بالطبيعة وحقيقةً اللوغوس الصادر منه. كما أنه ما كان يمكن أن نتحرَّر من الخطية ومن اللعنة ما لم يكن الجسد الذي اتَّخذه الكلمة جسدًا إنسانيًا حقيقيًا. إذ لا يمكن أن تكون هنالك شركةٌ بيننا وبين غريب عنَّا. ولذلك، فما كان يمكن للإنسان أن يتألَّه ما لم يكن الكلمة بالطبيعة من الآب وينتمي إليه فعلاً وحقيقةً‘ (ضد الآريوسيين 2: 70). فالآب هو الآب فعلاً لأنه أبو الابن. والابن لا يكون ابنًا سوى لأنه ابن الآب. فالآب والابن أزليان خالدان. ولذلك، فتجسُّد الكلمة [اللوغوس] يمنحنا الخلود. وهذا يُوضِّح لنا أن حديث أثناسيوس عن ’تألُّه‘ الإنسان كان يُقصَد به غالبًا تحقيق الخلود بالمشاركة في الطبيعة الإلهية“.[136]

ويستطرد الدكتور القس عبد المسيح اسطفانوس في التأكيد على أن الخلاص بتأليه الإنسان هو الفكر السائد في تعليم الآباء اليونانيين قائلاً:

”ومن المهم أن نُلاحِظ أن الفكر السائد عند الآباء اليونانيين هو أن الكلمة صار جسدًا لا ليُقدِّم مثالاً لمَّا يجب أن تكون عليه الإنسانية، ولا ليفي الدَّين الذي على الإنسان لله. ولكن لكي يغلب قوات الشرِّ التي أسرتنا، ولكي يفتح في نفس الوقت الطريق لنبلغ الطبيعة الإلهية [ثيؤسيس]. ومن المهم أن نُلاحِظ أن ’التألُّه‘ في فكر الكنيسة الشرقية لم يعن أبدًا أن البشر يتخطون الحدود الإنسانية. فحتى غريغوريوس النزينزيّ الذي كان يحلو له استخدام فكرة ’التألُّه‘، لم يكن يقصد بذلك أن الإنسان يصبح إلهًا مثل اللوغوس [ابن الله]، إلا أنه يبدو أنه كان يؤمن أن الهدف النهائيّ للخلاص والتجسُّد هو أن يصل المؤمنون إلى ’إنسانية‘ الرب يسوع“.[137]

 

 

الفصل الرابع: أهم الاعتراضات على البدلية العقابية في اللاهوت الغربي

نستعرض الآن أهم الانتقادات والاعتراضات الموجَّهة لنظرية ”الإبدال العقابيّ“ في شرح عمل المسيح على الصليب كالتالي:

(1) نجد في ملمح الغضب في سياق ”الإبدال العقابيّ“، تحويل أقانيم الثالوث إلى الآب الساحق والابن المسحوق، أو إلى الآب الغاضب والابن المغضوب عليه، الذي يُسكِّن غضب الآب ويُهدئ من غضبه، وهذا يُعتبر فصل بين أقنومي الآب والابن في جوهر الثالوث الواحد، وهذه هي الهرطقة الآريوسية عينها.

(2) لا نجد أيّ دور لأقنوم الروح القدس في عملية الترضية، والتعويض، والعقوبة، ودفع الثمن. تلك الأمور التي قدَّمها الابن للآب، ولا وجود ولا حضور جلي لأقنوم الروح القدس في تلك الأمور، مما يؤدي إلى التقليل من شأن أقنومية الروح القدس، وهذه هي الهرطقة الأفنومية والمقدونية.

(3) إخضاع الله لقوانين وشروط مُلزِمة له في عملية قبول الثمن والتعويض، وضرورة قبول الترضية لأجلنا. وحاشا لله أن يخضع لمثل هذه القوانين والشروط. فالله غير المحدود، وخالق الكل، وواضع النواميس، كيف يمكن إخضاعه لقوانين ونواميس؟ حاشا.

(4) تقديم صور مُشوَّهة وثنية صنمية عن الله تُظهِره أنه إله غاضب على البشر، ويكرههم، ويبغضهم بسبب خطاياهم، رغم أنه لا توجد مثل هذه المشاعر والأهواء في جوهر الله، فهل الغضب صفة من صفات الجوهر الإلهي؟ وتُظهِر ”البدلية العقابية“ الله إنه يحتاج مَنْ يُهدئه ويُسكِّن غضبه، ويجعله يعود يحب البشر مرةً أخرى بعدما أبغضهم بسبب خطاياهم!

(5) كيف يمكن نقل جميع ذنوب البشر إلى جسد المسيح، بالرغم من أنه القدوس بلا خطية، وشابهنا في كل شيء ما خلا الخطية وحدها، بل بالحري أتَّخذ المسيح جسدًا مائتًا لكي يهبه الحياة الأبدية بحياته، وموته، وقيامته، وصعوده، وجلوسه عن يمين الآب، وليس بمُجرَّد حمل الخطايا في جسده الطاهر من الخطية ليُعاقَب بها في جسده لأجلنا كما يتحدَّث منظرو ”البدلية العقابية“.

(6) تلغي ”البدلية العقابية“ مفاعيل الأسرار الكنسية الخلاصية كالمعمودية، والميرون، والتناول، لأنه بحسب ”البدلية العقابية“ تم إيفاء الدَّين ودفع الثمن بموت المسيح، فما الحاجة لأن نموت مرةً أخرى، ونُدفَن، ونقوم في المعمودية، بعدما مات المسيح عنا مرةً واحدةً. ولماذا نُمارِس القداسات ونُكرِّر ذبيحة وصلب وعقاب المسيح مرات ومرات على المذابح، طالما تمَّ العقاب والترضية والإيفاء على الصليب، فلا حاجة لمثل هذه الطقوس في سياق نظرية ”البدلية العقابية“ ومفاهيمها وشروحاتها. البدلية العقابية باختصار تدحض وتلغي أسرار الكنيسة.

(7) تُشرِّع، وتُكرِّس، وتُحرِّض ”البدلية العقابية“ على العنف، والتعذيب، والعقاب، والتشفي، وإرضاء الذات، فطالما الله يُعاقِب ابنه لأجل البشر، ويُنزِل جام غضبه على الابن لأجلنا، ويُنزِل العقاب عليه لأجلنا، فهذا خير مُرشِد ودليل لنا لتقليد الله ومحاكاته بإنزال العنف والعقاب والغضب على أبنائنا أيضًا. صور مُشوَّهة، ووثنية، وعنيفة، عن الله الصالح مُحِب البشر.

(8) تُؤدِي البدلية العقابية إلى صراع الصفات داخل الجوهر الإلهيّ الواحد، ما بين محبته ورحمته، وعدله وقصاصه من البشر الخطاة العصاة، وهكذا تُحدِث ”البدلية العقابية“ انقسام وانفصام داخل الجوهر الإلهيّ بين صفتي العدل والرحمة، وإلى تقسيم الله إلى إله غاضب وقاسي ومُنتقِم وكاره، وإله مُحِب وصالح ورحيم ورؤوف، وهذه هي الهرطقة الغنوصية والمانوية عينها. وهذا لا يليق بالله، وحاشا أن يوجد داخل الجوهر الإلهيّ. بل تجعل البدلية العقابية من الآب هو العدل، والابن هو الرحمة، والروح القدس هو التقديس، ويؤدي هذا إلى انقسام داخل جوهر الثالوث القدوس.

(9) تُركِّز نظرية البدلية العقابية على موت المسيح، ولا تُعطِي أية أهمية لقيمة وتأثير قيامة المسيح، وهذا يُمثِّل عدم اكتمال في إدراكنا لموت المسيح على الصليب. حيث تسلط البدلية العقابية الضوء على موت المسيح على الصليب كأكبر حدث للخلاص، وهكذا يطغى على كل شيء آخر، فكل شيء تحقَّق بموت المسيح فقط دون غيره.

(10) ترى نظرية البدلية العقابية أن المشكلة في الله ونظرة الله للإنسان، لأن الفداء صار علاجًا لإرضاء كرامة الله المهدرة، وليس علاجًا للإنسان، رغم أن المشكلة هي مشكلة الإنسان في الأساس، والله يُساعِده في حل هذه المشكلة. فترضية الله نفسه ومحو الإهانة والتعدي عليه بالخطية، وبالتالي رد الكرامة إليه، ينفي المحبة الإلهية والجود الإلهيّ، لأنه صارت غاية الكفارة والفداء هي إرضاء الله ورد كرامته المجروحة والمعتدَى عليها من قِبَل الإنسان.

(11) لو مات المسيح لإيفاء مطالب العدل الإلهيّ، وإنْ كان قضاء الموت على آدم هو قضاء أبديّ، فينبغي أن يبقى المسيح إلى الأبد في قبضة الموت، وهذا لم يحدث، بل المسيح وطئ الموت بالموت، وقضى على سلطانه إلى الأبد.

(12) تأليه الخطية، حيث ينسب المنادين بنظرية البدلية العقابية صفة عدم المحدودية الحصرية والخاصة بالله إلى الخطية، ويقولون إن خطية الإنسان غير محدودة، ونسوا أن الله فقط غير المحدود، وهكذا يجعلون من الخطية إلهًا ثانيًا.

(13) ينبغي أن يدفع الابن للآب الثمن أو الدَّين في سياق نظرية البدلية العقابية وإيفاء مطالب العدل الإلهيّ، على الرغم من أن الآب لا يحتاج لمَّن يدفع له شيئًا، لأن الآب والابن والروح القدس جوهر واحد وطبيعة واحدة ومشيئة واحدة. كما أن الابن هو فوق الكل وغير قابل للمقايضة بالخطأة بحسب نظرية الإبدال العقابيّ.

(14) إهمال الجانب القانونيّ في شرح الفداء والكفارة لأهمية الاتحاد بين اللاهوت والناسوت في المسيح من أجل تجديد الطبيعة البشرية وتحريرها من سلطان الفساد والموت، وذلك باتحاد الحياة بالطبيعة البشرية لإبادة الفساد والموت، كل هذا يغيب عن نظرية البدلية العقابية والجانب القضائيّ في شرح الفداء.

(15) تُصوِّر البدلية العقابية الابن أعظم من الآب الغاضب، لأن الابن يحتمل ويصبر على ما لا يستطيع الآب احتماله والصبر عليه، وهكذا يصبح الابن أكثر هدوءًا وثباتًا وقوةً من الآب، لأن الابن استطاع بقوته أن يحلَّ مشكلة الموت والخطية والعقوبة، التي عجز الآب عن حلها، حاشا!

 

تدبير الخلاص بين ق. أثناسيوس وأنسلم الكانتربري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

 

[1] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، 54: 3، ص 159.

[2] أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: د. صموئيل كامل وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، 1: 11: 42، ص 111.

[3] أثناسيوس (قديس)، الرسائل عن الروح القدس إلى سرابيون الأسقف، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد ود. موريس تاوضروس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، 1: 24، ص 87.

[4] أثناسيوس (قديس)، المسيح في رسائل القديس أثناسيوس، ترجمة: أ. صموئيل كامل ود. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، الرسالة إلى أدلفيوس : 4، ص 27.

[5] المرجع السابق، الرسالة إلى أبكتيتوس : 6، ص 41.

[6] أثناسيوس (قديس)، المقالات ضد الآريوسيين، ترجمة: أ. صموئيل كامل وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٧)، ١: ١١: ٤٢، ص ١١٠، ١١١.

[7] المرجع السابق، ٣: ٢٧: ٣٨، ص ٣٤٣، ٣٤٤.

[8] المرجع السابق، ٣: ٢٨: ٤٨، ص ٣٥٨.

[9] Athanasius (St.), Select Works and Letters (Letter to Maximus the Philosopher), NPNF, Ser-II, Vol. IV, Trans. by A. T. Robertson, Edit. by P. Schaff & H. Wace, (New York: Christian Literature Co., 1892), p. 578-579.

[10] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، 8: 4، ص 22.

[11] أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، ٣: ٣٣، ص 336.

[12] المرجع السابق، 1: 12: 52، ص 128.

[13] أثناسيوس (قديس)، المسيح في رسائل ق. أثناسيوس، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد ود. صموئيل كامل، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٧)، الرسالة إلى أدلفيوس المعترف، الفصل ٦، ص ٢٩.

[14] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، 37: 7، ص 106.

[15] المرجع السابق، 9: 2، ص 24.

[16] المرجع السابق، 16: 4، ص 46.

[17] المرجع السابق، 20: 2، ص 57.

[18] المرجع السابق، 25: 3، ص 71.

[19] أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: صموئيل كامل وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، ١: ١١: ٤١، ص 109.

[20] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2008)، ٢٠: ٥، ص 58.

[21] المرجع السابق، 20: 5، ص 58.

[22] أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، ٣: ٣٣، ص 336.

[23] المرجع السابق، ١: ٤١، ص 109.

[24] المرجع السابق، ١: ٤٢، ص 111.

[25] المرجع السابق، ١: ٤٣، ص 112.

[26] المرجع السابق، ٣: ٢٩: ٥٦، ص 369.

[27] المرجع السابق، ٢: ٦٩، ص 260.

[28] المرجع السابق، ٣: ٢٣، ص 322.

[29] المرجع السابق، 1: 41، ص 109، 110.

[30] المرجع السابق، 1: 46، ص 118.

[31] المرجع السابق، 1: 47، ص 118، 119.

[32] المرجع السابق، 1: 47، 48، ص 120، 121.

[33] المرجع السابق، 2: 14: 10، ص 168.

[34] المرجع السابق، 2: 15: 14، ص 174، 175.

[35] المرجع السابق، 3: 27: 39، ص 345.

[36] المرجع السابق، 2: 21: 65، ص 254.

[37] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس فلتس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، 17: 5-7، ص 49، 50.

[38] المرجع السابق، 43: 6، ص 126.

[39] أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: أ. صموئيل كامل و د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، 1: 13: 60، ص 143، 144.

[40] المرجع السابق، 2: 20: 55، ص 240، 241.

[41] المرجع السابق، 2: 20: 56، ص 241، 242.

[42] المرجع السابق، 2: 21: 61، ص 249.

[43] أثناسيوس (قديس)، الرسائل عن الروح القدس (الرسالة الأولى إلى سرابيون الأسقف)، ترجمة: د. موريس تاوضروس و د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، 1: 6، ص 44، 45.

[44] المرجع السابق، 1: 20، ص 78، 79.

[45] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس فلتس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، 44: 2، 4، ص 128، 129.

[46] Athanasius (St.), Select Works and Letters (on Luke 10: 22), NPNF, Ser-II, Vol. IV, Trans. by A. T. Robertson, Edit. by P. Schaff & H. Wace, (New York: Christian Literature Co., 1892), p. 87-90.

[47] أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: أ. صموئيل كامل و د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، 3: 26: 31، ص 333، 334.

[48] أثناسيوس (قديس)، المسيح في رسائل القديس أثناسيوس، ترجمة: أ. صموئيل كامل ود. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، الرسالة إلى سرابيون، الفصل 9، ص 19.

[49] أثناسيوس (قديس)، المسيح في رسائل القديس أثناسيوس، ترجمة: أ. صموئيل كامل و د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، الرسالة إلى أدلفيوس، الفصل 4، ص 27.

[50] المرجع السابق، الفصل 8، ص 31، 32.

[51] المرجع السابق، الرسالة إلى أبكتيتوس، الفصل 4، 5، ص 39.

[52] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس فلتس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، 8: 4، ص 22.

[53] المرجع السابق، 9: 1، ص 23، 24.

[54] المرجع السابق، 16: 4، 5، ص 46، 47.

[55] أثناسيوس (قديس)، المسيح في رسائل القديس أثناسيوس، ترجمة: أ. صموئيل كامل و د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، الرسالة إلى أبكتيتوس، الفصل 6، ص 41، 42.

[56] المرجع السابق، الفصل 9، ص 45.

[57] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس فلتس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، 13: 9، ص 38، 39.

[58] أثناسيوس (قديس)، الرسائل عن الروح القدس إلى سرابيون الأسقف، ترجمة: د. موريس تاوضروس و د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، الرسالة الأولى إلى سرابيون، 1: 9، ص 52، 53.

[59] أثناسيوس (قديس)، الدفاع عن الهروب، ترجمة: ريمون يوسف، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج، 2011)، ص 32.

[60] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس فلتس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، 22: 3، ص 64، 65.

[61] المرجع السابق، 25: 6، ص 73.

[62] أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: أ. صموئيل كامل و د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، 1: 2: 7، ص 45.

[63] المرجع السابق، 1: 11: 41، ص 109.

[64] المرجع السابق، 1: 11: 42، ص 111.

[65] المرجع السابق، 1: 12: 48، ص 122.

[66] المرجع السابق، 1: 13: 56، ص 136.

[67] المرجع السابق، 2: 19: 44، ص 224.

[68] المرجع السابق، 2: 22: 74، ص 269.

[69] المرجع السابق، 3: 25: 21، ص 319، 320.

[70] المرجع السابق، 1: 5: 15، ص 63.

[71] المرجع السابق، 1: 12: 50، ص 125، 126.

[72] المرجع السابق، 1: 11: 38، ص 105.

[73] مايكل باركر (قس، دكتور)، نظرة عامة على تاريخ المسيحية، ترجمة: ماريانا كتكوت، (القاهرة: دار الثقافة، 2019)، 183، 184.

[74] أليستر أي ماجراث، اللاهوت التاريخي، ترجمة: مجموعة من المترجمين، (لبنان: دار منهل الحياة، 2022)، ص 162.

[75] المرجع السابق، ص 163.

[76] أنسلم الكانتربري (رئيس أساقفة)، لماذا تجسد الكلمة، ترجمة: القس إبراهيم سعيد، (القاهرة: دار الثقافة، 2021)، 1: 10، ص 35.

[77] المرجع السابق، 1: 11، ص 36.

[78] المرجع السابق، 1: 12، ص 39.

[79] المرجع السابق، 2: 15، ص 98.

[80] أليستر أي ماجراث، اللاهوت التاريخي، ترجمة: مجموعة من المترجمين، (لبنان: دار منهل الحياة، 2022)، ص 192-194.

[81] نجد هنا تجسيد الصراع بين العدل والرحمة في جوهر الله.

[82] هذا هو تأليه الخطية، حيث وصف الخطية بالخطية غير المحدودة، وهو الشرح المعيب الذي يتبناه البعض في أيامنا هذه ويدافع عنه كما لو كان الأرثوذكسية، وهو في الحقيق شرح أنسلم الكانتربريّ في العصر الوسيط.

[83] فالتر كاسبر، يسوع المسيح، ترجمة: المطران يوحنا منصور، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 2000)، ص 359- 361.

[84] للأسف هذا هو لاهوت المنادين بالبدلية العقابية في عصرنا، حيث يبدأون، مثل أنسلم ولاهوت العصر الوسيط،  بشرح تدبير الخلاص من مشكلة الخطيئة، ولا يبدأون من صلاح الله ومحبته للبشرية كدافع له من أجل التجسُّد والاتحاد بالبشرية، فهم يرون أن الخطية هي الدافع الأساسيّ والوحيد لتجسُّد الكلمة، وهذا عكس تعليم تدبير الخلاص عند الآباء اليونانيين الشرقيين، الذين يبدأون من صلاح الله ومحبته للبشرية ورغبته في الاتحاد بها.

[85] Anselm of Canterbury, Cur Deus Homo, 1: 2.

[86] Ibid, 1: 20.

[87] Ibid, 2: 6.

[88] چوناثان هيل، تاريخ الفكر المسيحي، ترجمة: سليم إسكندر ومايكل رأفت، (القاهرة: مكتبة دار الكلمة للنشر والتوزيع، 2012)، ص 144-147.

[89] لاهوتي أرثوذكسيّ، حرصنا أن نورد رأيه لأنه يشرح تدبير الخلاص عند ق. أثناسيوس بكل حيادية وأمانة علمية، وذلك للتأكيد على أنه لا يوجد شيء اسمه بدلية عقابية في التعليم الخلاصيّ للقديس أثناسيوس.

[90] نورمان راسل، عقيدة التأله في التقليد الآبائي، ترجمة: مجموعة من المترجمين، (القاهرة: مركز إبيفانيا للنشر والتوزيع، 2019)، ص 225.

[91] بروفيسور بروتستانتي مشيخيّ يؤمن بالبدلية العقابية، ولكنه يشرح تدبير الخلاص بتجرُّد وحيادية وموضوعية بعيدًا عن انتماءاته الطائفية.

[92] يرتبط هذا المفهوم مع مفهوم المسيح المنتصر، حيث رأت نظرية الفدية موت المسيح كفدية مدفوعة لتحرير البشرية. حيث دُفِعَت، في عيون أوريجينوس، والعديد من الآباء اللاتين، الفدية للشيطان الذي أسر البشرية بسبب الخطية.

[93] النظرية هي أن المسيح قاسى العقوبة في موته من أجل كسرنا للناموس، ومات كبديل بدلاً عنا (العقابية، تتضمن العقوبة، أو العقاب القانوني، من الكلمة اللاتينية poena، عقاب، جزاء، بدلية).

[94] Thomas F. Torrance, Atonement, Edit. by Robert T. Walker, (USA: IVP Academics press, 2009), p. 56-58.

[95] Ibid, p. 72.

[96] Thomas F. Torrance, Divine Meaning: Studies in Patristic Hermeneutics, (Edinburgh: T&T Clark, 1995), p. 193.

[97] لاهوتي كاثوليكي ينتمي لكنيسة الروم الكاثوليك، يشرح بكل حيادية وأمانة مفهوم تدبير الخلاص عند ق. أثناسيوس.

[98] Khaled Anatolios, The soteriological significance of Christ’s humanity in St. Athanasius, (New York: St. Vladimir’s theological quarterly, vol. 40, 1996), pp. 265-286.

[99] J. Roldanus, Le Christ et l’homme dans la theologie d’Athanase d’Alexandrie, (Leiden: Brill, 1968), p. 164.

[100] بروفيسور بروتستاني كالفيني يؤمن بالبدلية العقابية، ولكنه يشرح تدبير الخلاص بكل حيادية وأمانة علمية لاهوتية حتى لو عكس معتقدات طائفته.

[101] Louis Berkhof, The History of the Christian Doctrines, (Michigan, 1949), the doctrine of the atonement or the work of Christ, p. 125-129.

[102] Ibid.

[103] بروفيسور بروتستانتيّ مشيخيّ يؤمن بالبدلية العقابية، ولكنه يشرح بحيادية تامة موضوع الكفارة والفداء، حتى لو عكس معتقدات طائفته.

[104] R. S. Holmes, T & T Clark Companion to Atonement, Edit. by Andrews J. Johnson, (BLOOMSBURY: T & T CLARK, 2017), p. 306, 307.

[105] بروفيسور بروتستانتيّ مشيخي يؤمن بالبدلية العقابية، ولكنه يشرح بكل أمانة وحيادية وموضوعية تدبير الخلاص والفداء بعيدًا عن الانتماءات والمعتقدات العقائدية لطائفته.

[106] J. N. D., Kelly, Early Christian doctrines, (London: Adam & Charles Black, 1968), 4th edit., p. 380.

[107] بروفيسور بروتستانتي إنجليكانيّ يؤمن بالبدلية العقابية، ولكنه يشرح تدبير الخلاص والفداء بكل حيادية وأمانة علمية وأكاديمية بعيدًا عن معتقداته الطائفية.

[108] L. W. Grensted, A short History of The Doctrine of Atonement, (London & New York: Manchester University Press, 1920), p. 380.

[109] بروفيسور بروتستانتي إنجليكاني يؤمن بالبدلية العقابية، ولكنه يشرح تدبير الخلاص بكل أمانة وحيادية وموضوعية بعيدًا عن انتماءاته الطائفية والعقائدية.

[110] Hastings Rashdall, The Idea of Atonement in Christian Theology, (London: MACMILLAN & CO., 1919), Lect. 4, p. 296.

[111] باحث لاهوتيّ بروتستانتي يؤمن بالبدلية العقابية، ولكنه يشرح بكل أمانة وتجرُّد تدبير الخلاص والفداء حتى لو كان يُخالِف انتماءاته العقائدية.

[112] چوناثان هيل، تاريخ الفكر المسيحي، ترجمة: سليم إسكندر ومايكل رأفت، (القاهرة: مكتبة دار الكلمة للنشر والتوزيع، 2012)، ص 71.

[113] بروفيسور بروتستانتي إنجليكاني يؤمن بالبدلية العقابية، ولكنه يعرض بكل أمانة وحيادية وتجرُّد تدبير الخلاص والفداء حتى لو كان يتعارض مع انتماءاته العقائدية.

[114] أليستر أي. ماجراث، اللاهوت التاريخي، ترجمة: مجموعة من المترجمين، (لبنان: دار منهل الحياة، 2022)، ص 82، 83.

[115] مطران روميّ أرثوذكسيّ، تحول من البروتستانية إلى الأرثوذكسية، لا يؤمن بالبدلية العقابية، ولكننا حرصنا على تسجيل شهادته في موضوع تدبير الخلاص، لكي نضع أمام القارئ العزيز رؤية كاملة وشاملة وموضوعية ومحايدة من كافة الطوائف المسيحية، لكي يتأكَّد أن هدف البحث هو موضع إجماع أكاديميّ عالميّ من كافة الطوائف، حيث يؤكدون جميعًا أنه لا يوجد شيء اسمه ”بدلية عقابية“ في تعليم آباء الشرق عامةً، وق. أثناسيوس خاصةً.

[116] كاليستوس وير (مطران)، الكنيسة الأرثوذكسية إيمان وعقيدة، (منشورات النور، ١٩٨٢)، ص 50.

[117] المرجع السابق، ص 53.

[118] باحث روميّ أرثوذكسيّ، لا يؤمن بالبدلية العقابية، حرصنا على أن نعرض رأيه لنوضح إجماع الطوائف المسيحية سواء أرثوذكسية وكاثوليكية أو بروتستانية على أنه لا يوجد شيء اسمه ”بدلية عقابية“ في تعليم ق. أثناسيوس.

[119] فلاديمير لوسكي، بحث في اللاهوت الصوفي لكنيسة الشرق، ترجمة: نقولا أبو مراد، مراجعة: رهبنة دير القديس جاورجيوس – دير الحرف، (لبنان: منشورات النور، 2000)، ص 149، 150.

[120] لاهوتي روميّ أرثوذكسيّ أكاديميّ معروف، لا يؤمن بالبدلية العقابية، حرصنا أن نأتي برأيه لنؤكد على الإجماع الأكاديميّ بأنه لا يوجد شيء اسمه ”بدلية عقابية“ في تعليم آباء الشرق عامةً، وق. أثناسيوس خاصةً.

[121] چورچ فلورفسكي (أب)، التجسد والفداء (موضوعات لاهوتية)، ترجمة: د. جرجس كامل يوسف، (القاهرة: دار جذور للنشر والتوزيع، 2016)، المقالة اللاهوتية التاسعة، ص 103، 104.

[122] لاهوتي وكادرينال كاثوليكيّ شهير، ورئيس لجنة السعي نحو الوحدة المسيحية، وهو كاردينال على مدينة روتنبرج بألمانيا، ولقد حرصنا على أن نعرض رأيه لأنه يشرح تدبير الخلاص بحسب ق. أثناسيوس بكل حيادية وأمانة بعيدًا عن معتقداته وانتماءاته الطائفية.

[123] فالتر كاسبر، يسوع المسيح، ترجمة: المطران يوحنا منصور، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 2000)، ص 294.

[124] عالم آبائيات كاثوليكي وأستاذ الأدب الكلاسيكي القديم، وهو يؤمن بنظريات الترضية والإبدال العقابي، ولكنه عندما يشرح تعليم ق. أثناسيوس يشرح التعليم بكل أمانة وحيادية وتجرُّد من انتماءاته ونزعاته الطائفية.

[125] چوهانس كواستن، علم الآبائيات ”باترولوچيا“، مج3، ترجمة: الراهب غريغوريوس البرموسي ود. نادر مدحت، (القاهرة: باناريون للتراث الآبائي، 2021)، ص 92-94.

[126] لاهوتية بروتستانية إنجليكانية تؤمن بالبدلية العقابية، ولكنها تنتقد نظرية أنسلم عن الترضية وإيفاء الدَّين بكل أمانة علمية وحيادية، حتى لو كان ذلك عكس قناعاتها الطائفية واللاهوتية.

[127] Katherine Sanderegger, T&T Clark Companion to Atonement (Anselmanian Atonement), Edit. by Adam J. Johnson, (London & New York: Bloomsbury, 2017), p. 177.

[128] لاهوتي كاثوليكي، نورد رأيه الأكاديمي المحايد حول مفهوم الدَّين عند ق. أثناسيوس.

[129] Thomas G. Weinandy, T&T Clark Companion to Atonement (Athanasius’s Incarnational Soteriology), Edit. by Adam J. Johnson, (London & New York: Bloomsbury, 2017), p. 142.

[130] لاهوتي بروتستانتي لوثري، يؤمن بالبدلية العقابية، وهو أسقف سترنجراس بالسويد، حرصنا على أن نأتي برأيه المحايد حول مفهوم الدَّين عند ق. أثناسيوس.

[131] Gustaf Aulén, Christus Victor: An Historical Study of The Three Main Types of The Idea of Atonement, Trans. by A. G. Hebert, (London: S. P. C. K, 1975), p. 56.

[132] مطران روم كاثوليك يؤمن بالمعتقدات الكاثوليكية حول الكفارة والفداء، ولكنه عندما يشرح تدبير الخلاص في لاهوت ق. أثناسيوس، يشرحه بأمانة وتجرُّد وحيادية.

[133] كيرلس سليم بسترس وآخرون، تاريخ الفكر المسيحي عند آباء الكنيسة، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 2001)، ص 461.

[134] المرجع السابق، ص 466.

[135] قس بروتستانتي مشيخي، يؤمن بالبدلية العقابية، كان أستاذ اللاهوت في الكلية الإنجيلية بالقاهرة، ورئيس السنودس الإنجيلي مرتين، ولكنه رغم انتماءاته الطائفية والعقائدية، إلا أنه يشرح تدبير الخلاص كما جاء في تعليم ق. أثناسيوس بكل حيادية وأمانة لاهوتية وأكاديمية بعيدًا عن معتقداته الطائفية.

[136] عبد المسيح اسطفانوس (قس، دكتور)، تاريخ الفكر المسيحي في القرون الأولى، (القاهرة، 2012)، ص 173، 174.

[137] المرجع السابق، ص 203.

تدبير الخلاص بين ق. أثناسيوس وأنسلم الكانتربري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الله والأبدية – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد

الله والأبدية – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد

 

الله والأبدية – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد

 

الطريق الأرثوذكسي للأسقف كاليستوس وير

الفصل السابع (خاتمة)

الله والأبدية

 

” أذكرنى يارب متى جئت فى ملكوتك ” (لو42:23)

” بالنسبة للنفوس التي تحب الله، وبالنسبة لكل المسيحيين الحقيقيين، سيأتى أول الشهور ـ شهر نيسان ـ وهو يوم القيامة ”    (عظات القديس مقاريوس)

حينما اقترب الأنبا زكريا من لحظة الوفاة، سأله الأنبا موسى ” ماذا ترى ؟ ” فأجابه الأنبا زكريا ” أليس من الأفضل أيها الأب أن يُقال لا شئ ” فقال الأنبا موسى ” نعم يا ابنى، إنه من الأفضل أن نقول: لا شئ ”

(من أقوال آباء البرية)

” الكلام هو أداة العالم الحاضر. والصمت هو سر العالم الآتى ”

(مار اسحق السريانى)

النهاية تقترب:

          ” وننتظر قيامة الأموات وحياة الدهر الآتى “.

          قانون الإيمان فى اتجاهه إلى المستقبل ينتهي بعبارة فيها انتظار وتوقع. ولكن رغم أن حياة الدهر الآتى، هي التي ينبغى أن تشد انتباهنا على الدوام أثناء حياتنا على الأرض، إلاّ انه ليس ممكنًا لدينا أن نتكلم بأى تفاصيل عن حقائق الدهر الآتى. يقول القديس يوحنا الرسول: ” أيها الأحباء، الآن نحن أولاد الله ولا نعلم بعد ماذا سنكون” (1يو2:3). نحن نملك الآن ونحن هنا على الأرض عن طريق إيماننا بالمسيح، علاقة حية شخصية مع الله، ونحن نعرف ـ ليس كنظرية أو افتراض ـ بل نعرف كحقيقة اختبارية حاضرة، أن هذه العلاقة تحوى فى داخلها منذ الآن ـ بذور الأبدية. ولكننا لا نعرف ماذا يعنى أن نعيش ليس فى تتابع الزمن بل أن نعيش فى الحاضر، ” الحاضر الأبدى ” ـ أى ليس تحت أحوال السقوط بل فى “عالم يكون الله فيه الكل فى الكل” ـ عن هذا نحن نعرف فقط لمحات قليلة ولا نملك مفهومًا واضحًا؛ ولذلك يجب أن نتحدث بحذر فى هذا الأمر، ونعرف أننا هنا فى حاجة إلى الصمت.

 

          ومع ذلك، فهناك على الأقل ثلاث أمور ينبغى أن نؤكد عليها بدون أى غموض، وهي: أن المسيح سيأتى ثانية فى مجدٍ عظيم؛ وأنه عندما مجيئه ستتم القيامة من الأموات والدينونة؛ وأنه ” ليس لملكه نهاية ” (لو33:1).

فأولاً: يتحدث إلينا الكتاب المقدس والتقليد المقدس مرات عديدة عن المجيء الثانى. والكتاب والتقليد لا يعطياننا أى أساس للافتراض بأنه ـ عن طريق تقدم مستمر فى “الحضارة” فإن العالم سيصير أفضل فأفضل بالتدريج إلى أن ينجح الجنس البشرى فى تأسيس مملكة الله على الأرض. إن الرؤية المسيحية لتاريخ العالم تتعارض تمامًا مع هذا النوع من التفاؤل المبنى على التطور.

          ولكن الكتاب يعلمنا أن نتوقع كوارث فى عالم الطبيعة، وحروب متزايدة بين الشعوب، وارتباك وارتداد بين أولئك الذين يدعون أنفسهم مسيحيين (أنظر خاصة مت3:24ـ27). وهذه الفترة من الضيق تصل إلى ذروتها بظهور إنسان الخطية (2تس3:2ـ4) أى ضد المسيح، الذي بحسب التفسير التقليدى للكنيسة الأرثوذكسية، ليس هو الشيطان نفسه بل هو إنسان ـ إنسان تتركز فيه كل قوى الشر، والذي سوف يخضع العالم كل تحت سيطرته لفترة من الزمن. والفترة القصيرة التي يسيطر فيها ضد المسيح سوف تنتهي فجأة بمجيء الرب ثانية ـ ليس بطريقة خفية كما حدث وقت ولادته فى بيت لحم، بل ” جالسًا عن يمين القوة وآتيًا على سحاب السماء” (مت64:26). وهكذا فإن مسيرة التاريخ سوف تنتهي بطريقة فجائية وحاسمة، عن طريق التدخل الإلهي المباشر.

          ميعاد المجيء الثانى أخفاه الله عنا، كما يقول الإنجيل: ” ليس لكم أن تعرفوا الأزمنة والأوقات التي جعلها الآب فى سلطانه” (أع7:1). سيأتى الرب ” كلص فى الليل” (1تس2:5). وهذا يعنى أننا يجب أن نتحاشى التفكير فى تحديد ميعاد مجيء الرب، كما أننا يجب من الناحية الأخرى أن نكون دائمًا على استعداد وفى حالة توقع للمجيء. ” ما أقوله لكم أقوله للجميع، اسهروا ” (مر37:13). لأنه سواء أتت النهاية متأخرة أو مبكرة بحسب مقاييسنا البشرية ـ فهي دائمة قريبة ـ دائمًا قريبة منا روحيًا. ينبغى أن يكون لنا فى قلوبنا دائمًا إحساس التوقع الملح. وبكلمات القديس أندراوس الكريتى، التي تُصلى فى الصوم الكبير:

          “ نفسى، يا نفسى، قومى! لماذا أنت نائمة ؟

          النهاية تقترب، وحالاً سيعتريك الاضطراب.

          أسهرى إذن، حتى يحفظك المسيح إلهك،

          فهو حاضر فى كل مكان ويملأ كل الأشياء “.

 

ثانيًا: الربيع الآتى:

          نحن كمسيحيين لا نؤمن فقط بخلود النفس بل أيضًا بقيامة الجسد.. وبحسب أمر الله فى خلقتنا الأولى، فإن النفس والجسد يعتمد كل منهما على الآخر ولا يمكن لأحدهما أن يوجد بدون الآخر. وكنتيجة للسقوط يحدث الانفصال بينهما فى الموت الجسدى، ولكن هذا الانفصال ليس نهائيًا وليس دائمًا. فعند مجيء المسيح ثانية، سوف نُقام من الأموات بالنفس والجسد معًا، وهكذا بعودة النفس والجسد متحدين، سوف نظهر أمام الرب للدينونة الأخيرة.

 

          إن الدينونة، كما يؤكد إنجيل القديس يوحنا تتم باستمرار طوال فترة وجودنا على الأرض. فكلما اخترنا الخير والصلاح ـ سواء بوعى أو بغير وعى ـ فإننا ندخل مسبقًا منذ الآن إلى الحياة الأبدية، وحينما نختار الشر فإننا ننال من الآن تذوقًا مسبقًا للجحيم. من الأفضل أن نفهم الدينونة الأخيرة على أنها ” لحظة الحق”، حينما ينكشف كل شئ فى النور، حينما تصير كل اختياراتنا مكشوفة لنا بكل ما تتضمنه من نتائج، وحينما نعرف بوضوح كامل من نحن وماذا كان المعنى العميق لحياتنا وما هو هدفها. وهكذا، فبعد هذا التوضيح الكامل ـ فإننا سندخل بالنفس والجسد متحدين معًا ـ إما إلى السماء أو إلى جهنم، أى إما إلى الحياة الأبدية أو الموت الأبدى.

          المسيح هو الديان؛ ومع ذلك ـ فمن وجهة نظر أخرى، فإننا نحن الذين ننطق بالحكم على أنفسنا. فإن ذهب أحد إلى جهنم، فذلك ليس لأن الله قد حبسه هناك، ولكن لأنه هو الذي اختار لنفسه أن يكون هناك. الهالكون فى جهنم هم الذين حكموا على أنفسهم بذلك، وهم الذين جعلوا أنفسهم عبيدًا؛ لقد قيل بصواب أن أبواب جهنم هي مغلقة من الداخل.

 

          ربما يتساءل البعض، كيف يمكن أن يقبل إله المحبة أن يبقى ولو واحد فقط من خلائقه فى جهنم إلى الأبد ؟ يوجد هنا سر، لا نستطيع أن نفحصه من وجهة نظرنا فى هذه الحياة الحاضرة. وأفضل ما يمكن أن نفعله هو أن نمسك بحقيقتين فى توازن معًا، ورغم أنهما مختلفتان لكنهما غير متناقضتين. الحقيقة الأولى، هي أن الله قد أعطى حرية الإرادة للإنسان، ولذلك، فإنه فى إمكان الإنسان أن يرفض الله بصفة دائمة. ثانيًا: المحبة تعنى الرحمة والشفقة والمشاركة، وهكذا إن كان هناك من يوجدون فى جهنم إلى الأبد، فبمعنى من المعانى، أن الله موجود معهم هناك أيضًا. كما نقرأ فى المزامير ” إن نزلت إلى الجحيم، فأنت هناك أيضًا ” (مز7:139س). ويقول مار اسحق السريانى “من الخطأ أن نتصور أن الخطاة فى الجحيم محرومين تمامًا من محبة الله لهم”. فالحب الإلهي موجود فى كل مكان، ولا يرفض أحدًا. ولكننا نحن من جانبنا أحرار فى أن نرفض الحب الإلهي. ولا يمكن أن نفعل هذا دون أن نسبب ألمًا لأنفسنا وكلما كان رفضنا للحب نهائيًا كلما كانت آلامنا مُرة جدًا.

 

          تقول عظات القديس مقاريوس: ” فى القيامة تقوم كل أعضاء الجسد، ولا تهلك حتى شعرة واحدة ” (لو18:21). وفى نفس الوقت يُسمى جسد القيامة “جسمًا روحانيًا” (انظر 1كو35:15ـ46). هذا لا يعنى أن أجسادنا فى القيامة لا يكون لها قوام مادى، بل ينبغى أن نتذكر أن المادة كما نعرفها فى هذا العالم الساقط، بكل جمودها وعتامتها، ليست كالمادة التي قصدها الله أن تكون بالمرة. وجسد القيامة، عندما يتحرر من كثافة الجسد الساقط فإنه سيشترك فى خصائص جسد المسيح وقت التجلى وبعد قيامته. ورغم أن جسدنا فى القيامة سيتغير، فإنه سيظل يمكن التعرف عليه على أنه هو نفس الجسد الذي لنا الآن. إذ سيكون هناك استمرار بين الاثنين.

          وكما يقول القديس كيرلس الأورشليمى:

          [ إنه هو نفس الجسد الذي سيُقام، رغم أنه لن يكون فى نفس حالة الضعف الحاضرة لأنه ” سيلبس عدم فساد ” (1كو53:15)، وهكذا فإنه سيتغير. إنه لن يحتاج إلى الأطعمة التي نأكلها الآن لحفظ جسدنا حيًا، ولن يحتاج إلى سلم ليصعد عليه، لأنه سوف يصير روحانيًا، وسيصير جسدًا عجيبًا حتى إننا لا نستطيع أن نصفه بطريقة صحيحة ].

          ويقول القديس إيريناوس:

          [ إن تركيب الخليقة ومادتها لن يتلاشيا، بل إن ” هيئة هذا العالم هي التي ستزول ” (1كو31:7) ـ أى الظروف والأحوال التي نتجت عن السقوط، وحينما تزول الهيئة الخارجية فإن الإنسان سيتجدد وسوف يزدهر فى بداية حياة لا تفنى، حتى انه ليس من الممكن فيما بعد أن يشيخ الإنسان. ستكون هناك ” سماء جديدة وأرض جديدة” (رؤ1:21). وفى هذه السماء الجديدة والأرض الجديدة سوف يسكن الإنسان، ويكون جديدًا إلى الأبد، وفى حديث مع الله إلى الأبد ].

          ” سماء جديدة وأرض جديدة“: فالإنسان لا يخلص من جسده، بل يخلص فى جسده، لا يخلص من العالم المادى بل يخلص معه. ولأن الإنسان هو كون صغير وهو وسيط للخليقة، لذلك فإن خلاصه يقتضى مصالحة وتجلى كل الخليقة الحية وغير الحية التي تحيط به، أى يقتضى عتقها “من عبودية الفساد” ودخولها إلى ” حرية مجد أولاد الله” (رو21:8). أى أن كل الخليقة المادية بكل أنواعها ومفرداتها ستشترك فى الإنسان أو عن طريق الإنسان فى مجد أولاد الله وتتمجد معهم أى تشترك كلها فى الخلود.

 

ثالثًا: رحلة إلى اللانهاية:

          ملكوت القيامة هذا، الذي سوف نسكن فيه ـ برحمة الله ـ ونفسنا وجسدنا متحدة معًا، هو ملكوت ” ليس له نهاية “. إن أبدية هذا الملكوت ولا نهائيته يفوقان حدود تصورنا الساقط، ولكن على أى حال نحن متأكدون من أمرين:

          الأمر الأول هو أن الكمال ليس له شكل واحد بل له صور عديدة. والأمر الثانى هو أن الكمال ليس حالة راكدة بل هو ديناميكى متحرك.

          فأولاً، إن الأبدية تعنى تنوعًا لا يمكن حصره.

          فإن كان صحيحًا بحسب اختبارنا فى هذه الحياة أن القداسة ليست أمرًا رتيبًا بل هي متنوعة فى أشكالها، فهذا يجب أن يكون صحيحًا أيضًا ـ وبدرجة أعلى جدًا ـ فى الحياة الآتية. إن الله يعدنا قائلاً: ” من يغلب فأعطيه حصاة بيضاء، وعلى الحصاة اسم جديد، لا يعرفه أحد غير الذي يأخذ ” (رؤ17:2). وحتى فى الدهر الآتى، فإن المعنى الداخلى لشخصيتى الفريدة سوف يستمر سرًا بين الله وبينى إلى الأبد. فى ملكوت الله، كل شخص منا هو واحد مع آخرين، ومع ذلك فكل شخص هو متميز بذاته، وهو يحمل نفس السمات التي كانت له فى هذه الحياة، إلاّ أن هذه السمات تُشفى وتتجدد وتتمجد فى الدهر الآتى. وبكلمات الأنبا إشعياء الأسقيطى:

          [ الرب يمنح رحمته لكل واحد بحسب أعماله ـ فللعظيم حسب عظمته وللصغير حسب صغره، لأنه قال ” فى بيت أبى منازل كثيرة ” (يو2:14) فرغم أن الملكوت واحد، فإن كل واحد منا يجد فى هذا الملكوت الواحد، مكانه الخاص وعمله الخاص ].

          ثانيًا: إن الأبدية تعنى نموًا وتقدمًا بلا نهاية، أى تقدمًا لا يتوقف أبدًا. وكما قال  J.R.R. Tolkien ” تولكين ” [ الطرق تمضى وتمضى بلا نهاية ]. وهذا يصدق على الطريق الروحى، ليس فى الحياة الحاضرة فقط، بل أيضًا فى الدهر الآتى. نحن نتحرك دائمًا إلى الأمام. فاتجاهنا هو إلى قدام وليس إلى خلف. الدهر الآتى هو ليس مجرد عودة إلى البداية، ليس مجرد استعادة لحالة الكمال الأصلية التي كانت فى الفردوس، بل هو تقدم جديد. ستكون هناك سماء جديدة وأرض جديدة، والأمور الأخيرة ستكون أعظم من الأولى.

          يقول ” نيومان “: [ هنا على الأرض، أن تحيا يعنى أن تتغير، وأن تصير كاملاً يعنى أن تتغير كثيرًا ]. ولكن هل هذا هو الحال هنا فقط ؟ إن القديس غريغوريوس النيسى كان يعتقد أنه حتى فى السماء فإن الكمال هو نمو وتقدم. وفى تضاد لطيف يقول إن جوهر الكمال يكمن بالضبط فى أن الإنسان لا يصير كاملاً أبدًا بل هو دائمًا يتقدم إلى الأمام إلى درجة أعلى من الكمال الذي سبق أن وصل إليه. ولأن الله لا نهائى، فهذا ” التقدم إلى الأمام يكون بلا حدود. النفس تمتلك الله ومع ذلك تسعى إليه وتطلبه، هي تمتلئ بالفرح، ومع ذلك فإن فرحها ينمو ويزدادًا بأكثر قوة على الدوام. الله يقترب منا دائمًا أكثر فأكثر، ومع ذلك يظل دائمًا هو الآخر، نحن نراه وجهًا لوجه ومع ذلك نستمر فى التقدم أكثر فأكثر داخل السر الإلهي. ورغم أننا لم نعد غرباء بعد، إلاّ أننا نستمر حجاج مسافرين على الطريق. نحن نذهب “من مجد إلى مجد” (2كو18:3)، وبعد ذلك إلى مجد أعظم. ولن نصل ـ فى كل الأبدية ـ إلى نقطة نكون فيها قد تممّنا كل ما يمكن أن يتم أو نكون قد اكتشفنا كل ما يمكن أن يُعرف هناك. يقول القديس إيريناوس [ ليس فى العالم الحاضر فقط بل فى الدهر الآتى أيضًا، فإن الله سيكون عنده شئ أكثر يعلمه للإنسان، والإنسان سيكون محتاجًا دائمًا أن يتعلم من الله شيئًا أكثر].

 

الله والأبدية – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد

الله والصلاة – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد

الله والصلاة – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد 

 

الله والصلاة – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد

 

 

الطريق الأرثوذكسي للأسقف كاليستوس وير

الفصل السادس

الله والصلاة

 

” لا أنا بل المسيح فىَّ ” (غلا20:2)

” لا توجد حياة بدون صلاة. بدون صلاة يوجد فقط جنون ورعب. موهبة الصلاة هي روح الأرثوذكسية ”                                                                                    (فاسيلى روزانوف)

” سأل الاخوة الأنبا أغاثون: يا أبانا ما هي الفضيلة التي تحتاج إلى أعظم جهاد بين كل أنشطتنا المتنوعة؟. فأجاب: اغفروا لى فإنى اعتقد أنه لا يوجد جهاد أعظم من الصلاة لله. ففى كل مرة يريد الإنسان أن يصلى، يحاول أعداؤه أن يمنعوه، لأنهم يعرفون أنه لا يوجد شئ يعوقهم اكثر من الصلاة لله. ففى كل أمر يقوم به الإنسان، فإنه إذا ثابر سيصل إلى الراحة. ولكن لكى يصلى الإنسان فإنه ينبغى ان يصارع إلى النفس الأخير ”  

(من أقوال آباء البرية)

 

ثلاث مراحل على الطريق:

          بعد سيامتى كاهنًا، سألت أسقفًا يونانيًا أن يعطنى نصيحة فى تقديم العظات. فكان إجابته محددة ومختصرة، إذ قال: ” كل عظة يجب أن تحتوى على ثلاث نقاط لا أكثر ولا أقل “.

          وكذلك، فإنه قد جرت العادة أن نقسّم الطريق الروحى إلى ثلاث مراحل. وعند القديس ديونيسيوس الأريوباغى هذه المراحل هي: التطهير، والاستنارة، والاتحاد. وهذا التقسيم صار هو المتبع عادة فى الغرب. والقديس غريغوريوس النيسى، إذ يتخذ حياة موسى نموذجًا، فإنه يتحدث عن مراحل النور، السحاب، والظلام. ولكننا فى هذا الفصل سوف نتبع التقسيم الثلاثى الذي وضعه أوريجينوس ثم طوره مكسيموس المعترف. المرحلة الأولى: هي مرحلة العمل والممارسة أى ممارسة الفضائل؛ والمرحلة الثانية هي مرحلة الطبيعة، أى التأمل فى الطبيعة؛ والمرحلة الثالثة والأخيرة هي الثيؤولوجيا أى المرحلة اللاهوتية بالمعنى الدقيق للكلمة، أى تأمل الله ذاته.

 

          المرحلة الأولى: ممارسة الفضائل، تبدأ بالتوبة. فالمسيحى المُعمّد، بإنصاته إلى ضميره وباستخدام إرادته الحرة يجاهد بمعونة الله ليفلت من تأثير النزوات الشهوانية. وبتتميمه للوصايا، ونموه فى التمييز بين الصواب والخطأ وبتنمية إحساسه “بما يجب”، فإنه يصل تدريجيًا إلى نقاوة القلب؛ ونقاوة القلب هذه هي التي تشكل الغاية النهائية للمرحلة الأولى.

 

          فى المرحلة الثانية، مرحلة تأمل الطبيعة، يشحذ المسيحى إحساسه بوجود الأشياء المخلوقة ويزيد من حدة إحساسه بمخلوقيتها، وهكذا يكتشف الخالق حاضرًا فى كل الأشياء المخلوقة. وهذا يقود إلى المرحلة الثالثة، مرحلة رؤية الله المباشرة، الذي ليس هو فقط موجود فى كل الأشياء بل هو فوق كل الأشياء ووراء كل الأشياء. فى هذه المرحلة الثالثة، لا يعود المسيحى يختبر الله فقط من خلال ضميره أو من خلال الأشياء المخلوقة، بل هو يلتقى بالخالق وجهًا لوجه فى اتحاد حب بدون وسيط. إن الرؤية الكاملة للمجد الإلهي هي محفوظة للدهر الآتى، ومع ذلك، فحتى فى هذه الحياة الحاضرة، فإن القديسين يتمتعون بالعربون الأكيد وبباكورة الحصاد الآتى.

 

          المرحلة الأولى يُطلق عليها عادة وصف “حياة العمل”، بينما المرحلتين الثانية والثالثة تُجمعان معًا تحت وصف واحد وتسميان “حياة التأمل”. وحينما يستخدم الكُتّاب الأرثوذكس هذه العبارات فهم عادة يشيرون إلى الحالات الروحية الداخلية وليس إلى الحالات الخارجية. فليس الخادم الاجتماعى أو الكارز فقط هو الذي يتبع “حياة العمل”، بل أن الناسك أو المتوحد يتبع أيضًا “حياة العمل” وذلك إن كان هو أو هي (الناسك أو الناسكة) لا يزال يصارع ليتغلب على الشهوات ولكى ينمو فى الفضيلة.

 

          وبنفس الطريقة فإن “حياة التأمل” ليست مقصورة على الصحراء أو صومعة الراهب: فالعامل فى المنجم، والكاتب على الآلة الكاتبة أو ربة البيت يمكن أن يكون عندهم هدوء داخلى ويمارسون صلاة القلب، وبذلك يمكن أن يكونوا بمعنى حقيقى من الذين يحيون “حياة التأمل”. وفى كتاب “أقوال آباء البرية” نجد هذه القصة عن القديس أنطونيوس أعظم المتوحدين: ” أُعلن للأنبا أنطونيوس وهو فى البرية: أنه يوجد فى المدينة إنسان معادل لك، ومهنته طبيب. وكل ما يوفره يعطيه للمحتاجين، وطول اليوم يرتل تسبحة الثلاثة تقديسات مع الملائكة “.

 

          إن صورة المراحل الثلاثة للرحلة، رغم أنها مفيدة، إلاّ أنها لا ينبغى أن تؤخذ حرفيًا. الصلاة هي علاقة حية بين شخصين، والعلاقات الشخصية لا يمكن أن تُقسّم تقسيمًا دقيقًا. وينبغى التأكيد، بوجه خاص على أن المراحل الثلاث لا تتبع إحداها الأخرى بدقة بحيث تنتهي مرحلة قبل أن تبدأ المرحلة التي تليها.. فأحيانًا يمنح الله لمحات من المجد الإلهي لشخص كعطية غير متوقعة، قبل أن يكون هذا الشخص قد بدأ أن يتوب وقبل أن يسلم نفسه لجهاد “حياة العمل”. وبالعكس، فمهما كان الإنسان قد دخل بعمق ـ بمعونة الله ـ إلى أسرار التأمل، فما دام يحيا على الأرض ينبغى أن يواصل الجهاد ضد التجارب. وحتى آخر حياته على الأرض هو لا يزال يتعلم التوبة.. يقول القديس أنطونيوس: ” ينبغى أن يتوقع الإنسان مجيء المحاربات عليه، حتى آخر نسمة فى حياته”. وفى موضع آخر من ” أقوال آباء البرية ” يوجد وصف لموت أنبا صصوى، أحد أقدس وأحب الشيوخ: كان الاخوة الواقفون حول فراشه يرون شفتيه تتحركان. فسألوه: من هو الذي تكلمه يا أبانا ؟ فأجاب “جاء الملائكة ليأخذونى وأنا أسالهم أن يعطونى وقتًا أكثر ـ وقتًا أكثر للتوبة ” فقال له تلاميذه ” أنت لا تحتاج إلى توبة “، فأجاب الشيخ ” فى الحقيقة، أنا لست متأكدًا إن كنت قد بدأت التوبة أم لا “، وهكذا تنتهي حياته. هو فى نظر تلاميذه الروحيين إنسان كامل، ولكن فى نظر نفسه هو لا يزال فى البداية.

 

          إذن، لا يستطيع أحد، وهو لا يزال فى هذه الحياة أن يدّعى أنه قد اجتاز أكثر من المرحلة الأولى. المراحل الثلاث ليست متتابعة بل هي متداخلة معًا. وعلينا أن نفكر فى الحياة الروحية على أنها من ثلاث مراحل بمعنى ثلاث مستويات. وتعتمد على بعضها بعضًا، وموجودة معًا فى وقت واحد.

 

ثلاث افتراضات:

          قبل أن نمتد أكثر فى الكلام عن هذه المراحل والمستويات، أرى أنه من الحكمة أن نوضح ثلاث عناصر لا غنى عنها، يُفترض أن تكون موجودة فى كل نقطة على الطريق الروحى.

 

          أولاً: يُفترض أن يكون المسافر على “الطريق” هو “عضو فى الكنيسة”. فالرحلة تتم فى زمالة مع الآخرين، وليست على انفراد. فالتقليد الأرثوذكسى يدرك إدراكًا قويًا الطبيعة الكنسية لكل حياة مسيحية حقيقية. فلنأخذ اقتباسًا من ألكسى خومياكوف: ” لا أحد يخلص بمفرده. الذي يخلص إنما يخلص فى الكنيسة، كعضو فيها، وبالاتحاد مع كل أعضائها الآخرين. فإن كان أحدًا يؤمن، فإنه يصير فى شركة (جماعة) الإيمان، إن أحب، فهو فى شركة الحب، وإن صلى فهو فى شركة الصلاة”.

 

          ويقول الأب ألكسندر إلشانينوف: “الجهل والخطية هي سمات الأفراد المنعزلين بأنفسهم. وفى وحدة الكنيسة فقط نجد أن هذه العيوب يتم التغلب عليها. الإنسان يجد نفسه الحقيقية فى الكنيسة وحدها: هو لا يجدها فى عجز الانعزال الروحى بل يجدها فى القوة التي يحصل عليها من شركته مع اخوته ومع مخلصه”.

 

          صحيح طبعًا أنه يوجد بعض الناس الذين يرفضون المسيح وكنيسته بعقلهم الواعى، أو ربما لم يسمعوا عنه بالمرة؛ ومع ذلك ـ هؤلاء الأشخاص الذين لا يعرفون أنفسهم ـ هم عبيد حقيقيون للرب الواحد فى عمق قلبهم وفى الاتجاه الضمنى الخفى لكل حياتهم.

 

          الله يستطيع أن يخلص أولئك الذين لم ينتموا أبدًا لكنيسته فى هذه الحياة. ولكن إذا نظرنا للأمر من ناحيتنا نحن، هذا لا يجعلنا أن نقول: “الكنيسة ليست ضرورية بالنسبة لى”. لا يوجد فى المسيحية ما يُسمى “بنخبة روحية” غير ملزمة بضرورات العضوية العادية للكنيسة. فالمتوحد فى الصحراء هو عضو فى الكنيسة تمامًا مثل الحِرَفى فى المدينة. فالطريق النُسكى السرى (الصوفى)، رغم أنه من ناحية معينه هو “انطلاق الوحيد إلى الوحيد” إلاّ انه فى نفس الوقت هو أساسًا هو طريق اجتماعى وطريق شركة. المسيحى هو الشخص الذي له اخوة وأخوات. هو ينتمى إلى عائلة ـ عائلة الكنيسة.

 

          ثانيًا: الطريق الروحى يفترض ليس فقط الحياة فى الكنيسة، بل يفترض أيضًا “الحياة فى الأسرار”. وكما يؤكد نيقولا كاباسيلاس بشدة؛ فإن الأسرار هي التي تكوّن حياتنا فى المسيح. وهنا أيضًا لا يوجد مكان “للنخبة المتميزة“. فلا ينبغى أن نتصور أنه يوجد طريق “للمسيحى العادى” ـ طريق العبادة الجماعية التي تجتمع حول الأسرار ـ وطريق آخر لقلة مختارة مدعوة للصلاة الداخلية. بالعكس ـ هناك طريق واحد فقط؛ فطريق الأسرار وطريق الصلاة الداخلية ليسا بديلين (أحدهما عكس الآخر)، بل هما يشكلاّن وحدة واحدة. لا يمكن لأحد أن يكون مسيحيًا حقًا إن كان ينظر إلى الأسرار كطقس ميكانيكى. فالناسك فى الصحراء ربما يتناول من الأسرار مرات أقل من المسيحى فى المدينة، ولكن هذا لا يعنى أن الأسرار أقل أهمية بالنسبة للناسك، بل يعنى أن نظام حياته السرائرية مختلف. إن الله يستطيع أن يخلّص الذين لم تكن لهم الفرصة أن يعتمدوا ولكن حتى إن كان الله غير مقيد بالأسرار، فنحن مقيدون بالأسرار.

 

          وقد سبق أن لاحظنا مع القديس مرقس الناسك (فى الفصل السابق ص126)، كيف أن كل الحياة النسكية والتصوفية هي متضمنة فى سر المعمودية: فمهما تقدم الإنسان فى الطريق، فإن كل ما يكتشفه ليس سوى كشف وإظهار للنعمة التي نالها فى المعمودية. ونفس الشىء يمكن أن يُقال عن التناول من الأسرار المقدسة: فكل حياتنا النسكية والروحية هي تعميق وتحقيق لاتحادنا الإفخارستى مع المسيح المخلص. فى الكنيسة الأرثوذكسية يُعطى التناول للأطفال ابتداءً من لحظة معموديتهم فصاعدًا. وهذا معناه أن أولى ذكريات الطفولة التي تتكوّن عند المسيحى الأرثوذكسى تكون مرتبطة بمجيئه لتناول جسد المسيح ودمه؛ كما أنه يأمل أن يكون آخر عمل فى حياته؛ هو أن يتناول هذه الأسرار المقدسة. وهكذا فإن اختباره للتناول من الأسرار يمتد ليملأ كل مجال حياته الواعية. إنه من خلال الشركة فى الأسرار ـ فوق كل شئ ـ يصير المسيحى “واحدًا مع  المسيح”، يُغرس فى الله ingodded، أو يؤله (يصير إلهيًا). إنه من خلال التناول ـ فوق كل شئ ـ ينال باكورة الأبدية. يقول مار اسحق السريانى: [ مغبوط هو الذي قد أكل خبز المحبة الذي هو يسوع”. “هو يستنشق، وهو لا يزال فى هذا العالم ـ هواء القيامة ـ الذي سيبتهج به الأبرار بعد أن يقوموا من الأموات”. يقول نيقولا كاباسيلاس: “كل البشر الذين يجاهدون يصلون إلى غايتهم النهائية هنا، لأننا فى هذا السر نبلغ إلى الله نفسه، والله نفسه يصير واحدًا معنا بأكمل صورة من صور الاتحاد الممكنة. هذا هو السر النهائى: أبعد من هذا لا يمكن الذهاب، ولا يمكن أن يضاف إليه شئ آخر ].

 

          ثالثًا: الطريق الروحى ليس كنسيًا وسرائريًا فقط، بل هو أيضًا إنجيلى، هذا هو الافتراض الثالث بالنسبة للمسيحى الأرثوذكسى. فى كل خطوة على الطريق، نحن نلجأ لطلب الإرشاد من صوت الله الذي يكلمنا من خلال الكتاب. تخبرنا ” أقوال آباء البرية ” بأن “الشيوخ اعتادوا أن يقولوا: الله لا يطلب من المسيحيين شيئًا سوى أن يسمعوا للكتب المقدسة ويعملوا بالأمور التي تقولها الكتب”. (ولكن فى موضع آخر يؤكد نفس كتاب أقوال آباء البرية على أهمية الحصول على إرشاد من أب روحى ليساعدنا فى تتميم الكتاب باستقامة). وحينما سُئل القديس أنطونيوس: [ ما هي القوانين التي أحفظها لكى أرضى الله؟” أجاب: “حيثما ذهبت ليكن الله أمام عينيك ؛ وفى كل ما تفعل أو تقول ليكن لك شاهد من الكتب المقدسة؛ وأى مكان تسكن فيه لا تتعجل بتركه إلى موضع آخر. أحفظ هذه الثلاثة وأنت سوف تحيا “.

يكتب المطران فلاريت مطران موسكو:

المصدر النقى الوحيد والكافى تمامًا لتعاليم الإيمان هو كلمة الله الموحاة الموجودة فى الكتب المقدسة ]

 

          والأسقف أغناطيوس بريانتشانينوف يعطى للمبتدئ الذي يدخل الدير هذه التوصيات، وهي توصيات تصلح بالتساوى للعلمانيين:

          [ منذ أول دخوله إلى الدير ينبغى للراهب أن يكرس كل اهتمامه وانتباهه لقراءة الإنجيل المقدس. يجب أن يدرس الإنجيل بتدقيق حتى يصير حاضرًا دائمًا فى ذاكرته. وينبغى أن يكون تعليم الإنجيل حاضرًا فى ذهنه عند كل موقف أخلاقى، عند كل عمل، وعند كل فكر استمر فى دراسة الإنجيل حتى نهاية حياتك. لا تتوقف أبدًا. لا تظن أنك قد عرفته بدرجة كافية حتى لو كنت قد حفظته كله غيبًا ].

 

          ما هو موقف الكنيسة الأرثوذكسية من الدراسة النقدية للكتاب المقدس التي جرت فى الغرب فى العصور الحديثة؟. ينبغى أن نضع فى أذهاننا أن الكتاب المقدس ليس مجرد مجموعة وثائق تاريخية، بل هو كتاب الكنيسة، ” الذي يحوى كلمة الله “. وهكذا فنحن لا نقرأ الكتاب كأفراد منعزلين، نفسره فقط على ضوء فهمنا الخاص أو على أساس النظريات الشائعة عن نقد المصادر، أو نقد النص أو غيره من نظريات النقد. نحن نقرأه كأعضاء الكنيسة، ونحن فى شركة مع كل الأعضاء الآخرين طوال الأجيال. المعيار النهائى لتفسيرنا للكتاب هو ذهن الكنيسة. وهذا يعنى أن نضع أمامنا ما هو المعنى الذي شُرح به الكتاب فى التقليد المقدس: أو بمعنى آخر كيف فهم آباء الكنيسة القديسون الكتاب المقدس، وكيف تستخدم الكنيسة الكتاب فى عبادتها الليتورجية.

وفى قراءتنا للكتاب، نحن عادة نجمع معلومات، أو نبحث فى معنى جملة غامضة، ونقارن ونحلل. ولكن هذا كله أمر ثانوى. الهدف الحقيقى لدراسة الكتاب هو أهم من ذلك بكثير. هو أن نغذى حبنا للمسيح، أن نشعل قلوبنا للدخول فى الصلاة، ولكى يزودنا الكتاب بالإرشاد فى حياتنا الشخصية.

 

          إن دراسة الكلمات ينبغى أن تقودنا إلى حوار مباشر مع الكلمة الحى نفسه. يقول القديس تيخون من زادونسك ” كلما تقرأ الإنجيل، فالمسيح نفسه هو الذي يكلمك. وبينما أنت تقرأ، أنت تصلى وتتحدث معه “.

 

          وبهذه الطريقة فإن الأرثوذكس يعتادون على ممارسة قراءة بطيئة متأملة واعية للكتاب، بها تقودنا دراسة الكتاب مباشرة إلى الصلاة كما يحدث فى الرهبنات البندكتية والسسترسيانية فى الغرب. ولكن الأرثوذكس ليس لديهم قواعد مفصلة أو طرق لهذه القراءات التأملية. فالتقليد الروحى الأرثوذكسى لا يستخدم الأنظمة الخاصة بالهذيذ والتأمل، التي وُضعت فى الغرب بواسطة أغناطيوس ليولا أو فرانسوا دى سال. السبب الذي يجعل الأرثوذكس يشعرون عادة أنهم لا يحتاجون لمثل هذه الأنظمة هو أن الخدمات الليتورجية التي يشتركون فيها خاصة فى الأعياد الكبرى والأصوام، هي طويلة جدًا وتحتوى على عدة نصوص من الكتاب تكرر كثيرًا. كل هذا يكفى لتغذية الخيال الروحى للمصلى، حتى أنه لا يحتاج أن يضيف أفكارًا جديدةً لتطوير رسالة الكنيسة فى خدماتها لتوضع فى فترات يومية للتأمل الرسمى المنظم.

 

          وإذ نقترب من الكتاب بروح الصلاة، فإننا نجده دائمًا معاصرًا لنا، لا كمجرد كتابات كتبت من عصور سحيقة، بل هو رسالة موجهة مباشرة لى هنا والآن. يقول القديس مرقس الناسك: ” المتواضع فى أفكاره والمنشغل بالعمل الروحى، حينما يقرأ الكتاب المقدس، يطبق كل شئ على نفسه وليس على غيره”. والكتاب لأنه مُوحى به من الله، وموجه لكل مؤمن شخصيًا فإنه يملك قوة سرية، تنقل النعمة إلى القارئ، وتأتى به إلى نقطة اللقاء الحاسم. المعنى الحقيقى للكتاب سينكشف فقط للذين يدرسونه بذهنهم الروحى ودماغهم المفكر.

 

          الكنيسة، الأسرار، الكتاب ـ هذه هي الافتراضات الثلاث لرحلتنا.

[ والآن لنعالج المراحل الثلاث: (1) حياة العمل أى ممارسة الفضائل،   (2) تأمل الطبيعة، (3) تأمل الله ].

 

المرحلة الأولى: حياة العمل:

ملكوت السموات يُغضب:

          كما يظهر من عنوانها، فإن حياة العمل تستلزم من ناحيتنا مجهودًا وصراعًا وبذل جهد متواصل من إرادتنا الحرة. ” ما أضيق الباب وأكرب الطريق الذي يؤدى إلى الحياة.. ليس كل من يقول يارب يارب يدخل ملكوت السماوات، بل الذي يفعل إرادة أبى الذي فى السموات ” (مت21،14:7). يلزمنا أن نُمسك بحقيقتين مكملتين لبعضهما بشكل متوازن: فبدون نعمة الله لا نستطيع أن نعمل شيئًا؛ ولكن بدون تعاوننا الإرادى فإن الله لن يعمل شيئًا. ” إرادة الإنسان شرط أساسى لأنه بدونها فإن الله لا يعمل شيئًا ” (عظات القديس مقاريوس). إن خلاصنا يتم بتلاقى عاملين، هذان العاملان غير متساويين فى قيمتهما إلاّ أنه لا يمكن الاستغناء عن أى عامل منهما، وهما: المبادرة الإلهية والاستجابة البشرية. إن ما يعمله الله هو الأكثر أهمية بدون أى وجه للمقارنة، ولكن مشاركة الإنسان هي أيضًا لازمة.

          فى حالة ما قبل السقوط، فإن استجابة الإنسان للحب الإلهي تكون تلقائية تمامًا ومملوءة فرحًا. ولكن حتى فى هذا العالم الساقط فإن عنصر التلقائية يظل موجودًا، ولكن هناك حاجة أيضًا لأن نكافح بتصميم ضد العادات العميقة الجذور والميول الناتجة عن الخطية؛ سواء الخطية الأصلية أو الخطايا الشخصية. إحدى الصفات الهامة جدًا التي يحتاجها المسافر على “الطريق”، هي المثابرة والإخلاص. والاحتمال المطلوب من الشخص الذي يتسلق الجبل جسميًا، هو مطلوب بالمثل من أولئك الذين يريدون صعود جبل الله.

 

          يجب أن يغصب الإنسان نفسه ـ أى ذاته الساقطة ـ لأن ملكوت السموات يُغصب، والغاصبون يختطفونه (أنظر متى12:11). هذا ما يكرره لنا مرشدونا فى “الطريق” ويجب أن نتذكر أنهم يقولون هذا للمسيحيين المتزوجين مثلما يقولونه للرهبان والراهبات. ” الله يطلب كل شئ من الإنسان ـ فكره، وعقله، وأعماله… هل تريد أن تخلص عند موتك؟ أذهب وأبذل نفسك؛ اذهب واتعب؛ اذهب، وأطلب وسوف تجد؛ أسهر وأقرع؛ وسوف يُفتح لك” (من أقوال آباء البرية). “الحياة الحاضرة ليست وقتًا للراحة والنوم، بل هي كفاح، هي صراع، هي سوق، هي مدرسة، هي رحلة. لذلك ينبغى أن تجهد نفسك، ولا تكن مكتئبًا وكسولاً بل كرّس نفسك للأعمال المقدسة ” (الشيخ نازارى من فالامو). ” لا شئ يحدث بدون مجهود. معونة الله دائمًا حاضرة، ودائمًا قريبة، ولكنها تُعطى فقط لأولئك الذين يسعون ويعملون، تُعطى فقط لأولئك الساعين الذين ـ بعد أن يضعوا كل قواهم تحت الامتحان، فإنهم بعد ذلك يصرخون بكل قلبهم: يارب أعنا” (الأسقف ثيوفان الناسك). “حيث لا حزن لا يوجد خلاص” (القديس سيرافيم من صاروف). “أن تستريح يساوى أن تنسحب” (تيتو كولياندر). ومع ذلك، لئلا نُصاب بالكآبة بسبب هذا التشدد، فإنهم يقولون لنا أيضًا: “حياة الإنسان كلها هي يوم واحد، وذلك بالنسبة للذين يجاهدون بحماس” (من أقوال آباء البرية).

 

          كل هذه الكلمات عن بذل الجهد والمعاناة، ماذا تعنى عمليًا ؟ إنها تعنى أن نجدد علاقتنا مع الله كل يوم  من خلال الصلاة الحية، والصلاة ـ كما يقول أنبا أغاثون ـ هي أصعب كل الأعمال. إن كنا لم نجد صعوبة فى الصلاة، فهذا ربما لأننا لم نبدأ بعد الصلاة الحقيقية. هذه الكلمات تعنى أيضًا أن نجدد كل يوم علاقتنا مع الآخرين من خلال التعاطف الوجدانى، من خلال أعمال الشفقة العملية، ومن خلال قطع مشيئتنا الذاتية. إنهم يقصدون أن نحمل صليب المسيح، ليس مرة واحدةً بإيماءة متعظمة مفردة، بل أن نحمله كل يوم من جديد: ” إن أراد أحد أن يأتى ورائى فلينكر نفسه ويحمل صليبه كل يوم.. ” (لو23:9). ولكن هذا الحمل اليومى للصليب هو فى نفس الوقت اشتراك يومى فى تجلى الرب وقيامته: “ كحزانى ونحن دائمًا فرحون، كفقراء ونحن نغنى كثيرين، كأن لا شئ لنا ونحن نملك كل شئ.. كمائتين وها نحن نحيا ” (2كو10،9:6).

تغيير الذهن:

          هذه هي الصفة العامة لحياة العمل. إنها تتميز فوق كل شئ بأربعة خصائص:

1 ـ التوبة           2 ـ السهر          3 ـ التمييز         4 ـ حفظ (حراسة) القلب.

          فلننظر باختصار فى هذه الخصائص:

 

1 ـ التوبة: ” بداية الخلاص هي أن يحكم الإنسان على نفسه ” (إيفاجريوس). التوبة هي أول خطوة فى رحلتنا. الكلمة اليونانية metanoia كما سبق أن لاحظنا (أنظر الفصل الأول: الله سر ص15) تعنى أساسًا، ” تغيير الذهن “. والتوبة عندما تُفهم فهمًا صحيحًا ليست سلبية بل إيجابية. إنها تعنى، ليس العطف على الذات أو الندم، بل تعنى التغير، تعنى إعادة تركيز كل حياتنا حول الثالوث. هي أن ننظر ـ لا للوراء بأسف، بل إلى الأمام فى رجاء ـ لا إلى أسفل فنرى تقصيراتنا، بل إلى أعلا لنرى محبة الله. التوبة هي أن نرى ـ لا ما فشلنا أن نكون عليه (فيما سبق)، بل أن نرى ما يمكن أن نصير عليه الآن بالنعمة الإلهية ـ وأن نعمل على أساس ما نراه. أن نتوب هو أن نفتح أعيننا للنور.

 

          وبهذا المعنى، فالتوبة ليست مجرد عمل مفرد، أو خطوة أولية، بل هي حالة مستمرة، هي موقف القلب والإرادة الذي نحتاج أن نجدده بلا توقف حتى نهاية الحياة. وبكلمات الأنبا إشعياء الأسقيطى: ” الله يريدنا أن نستمر فى التوبة حتى آخر نسمة “. ويقول مار اسحق السريانى: ” هذه الحياة أُعطيت لك لأجل التوبة، فلا تضيعها فى أمور أخرى “.

 

2 ـ السهر: أن تتوب يعنى أن تستيقظ. التوبة، أى تغيير الذهن، تقود إلى “السهر“. الكلمة اليونانية “للسهر” nepsis، تعنى حرفيًا: ” التعقل والسهر” ـ وهي عكس حالة أن يكون الإنسان فى حالة تخدير أو حالة سُكر بالخمر، وهكذا ففى إطار الحياة الروحية، هي تعنى حالة التنبه، واليقظة والتركيز وجمع الفكر. وحينما تاب الابن الضال قال الإنجيل عنه إنه “رجع إلى نفسه ” (لو17:15). فالإنسان “اليقظ الساهر” هو ذلك الإنسان الذي رجع إلى نفسه، الذي لا يحلم أحلام يقظة ـ فينساق بلا هدف تحت تأثير المؤثرات العابرة ـ بل هو الذي يملك إحساسًا واضحًا بالاتجاه والهدف الذي يتجه إليه. وتعبّر إحدى كتابات القرن الثانى (سفر الحق) عن التائب بقولها “التائب يُشبه شخصًا يستفيق من السكر، ويرجع إلى نفسه… وهو يعرف من أين يأتى وإلى أين يذهب “.

 

          ” السهر” ـ يعنى ضمن معانى أخرى ـ أن نكون حاضرين حيثما نوجد ـ فى هذه النقطة المحددة من المكان، وفى هذه اللحظة المعينة من الزمان. نحن كثيرًا ما نكون مشتتين موزعين، فنعيش ـ ليس بانتباه وصحو فى الحاضر ـ بل فى حنين إلى الماضى، أو بشكوك أو تمنيات من جهة المستقبل. فبينما علينا مسئولية فى الواقع أن نخطط للمستقبل ـ لأن السهر هو عكس العجز والتواكل ـ فإننا ينبغى أن نفكر فى المستقبل فقط بقدر ما يعتمد على اللحظة الحاضرة. فالقلق على الاحتمالات البعيدة التي تقع خارج حدود مسئوليتنا المباشرة هو مجرد تضيع لطاقاتنا الروحية.

 

          الإنسان “الساهر” إذن، ينجمع فى “الحاضر” وفى “الآن”. هو ذلك الشخص الذي يمسك ” بالوقت أى الفرصة ” kairos، الذي يمسك بلحظة الفرصة الحاسمة. ” الله يرغب أن ينتبه الناس لأمرين أساسيين: للأبدية نفسها، ولتلك النقطة من الزمن التي يسمونها “الحاضر“. لأن الحاضر هو النقطة التي فيها يتلامس الزمن مع الأبدية. ومن هذه اللحظة الحاضرة، ومنها وحدها يحصل البشر على الاختبار الذي عند الله ـ عن الحقيقة ككل، وفى هذه اللحظة وحدها تقدم للبشر الحرية والحقيقة ” (من كتابThe Screwtape Letters لـC.S. Lewis سى إس لويس). وكما يعلم Meister Eckhart مايستر إيكهارت: “ذلك الذي يبقى دائمًا فى” حاضر الآن “، فإن الله يلد ابنه فيه باستمرار “.

          الإنسان ” الساهر ” هو ذلك الشحص الذي يفهم “سر اللحظة الحاضرة”، ويحاول أن يحيا بها. هو يقول لنفسه بعبارات بول أفدوكيموف: [ الساعة التي تمر بها فى الحاضر، الإنسان الذي تقابله هنا والآن، المهمة التي تنشغل بها فى هذه اللحظة ذاتها ـ هذه هي دائمًا أهم الأمور فى حياتك كلها “. وهو يأخذ لنفسه الشعار المكتوب على معطف روسكن Ruskin  للأسلحة. ” اليوم، اليوم، اليوم “]. ” هناك صوت يصرخ مناديًا الإنسان حتى آخر نسمة، هذا الصوت يقول: تغيّر اليوم ” (أقوال آباء البرية).

 

3 ـ التمييز والإفراز: بالنمو فى السهر ومعرفة النفس، فإن المسافر على الطريق يبدأ فى اكتساب قوة التمييز أو الإفراز. وهذا التمييز يعمل كحاسة للتذوق الروحى. فكما أن حاسة التذوق الطبيعى ـ إن كانت سليمة ـ فإنها تُعرّف الإنسان إن كان الطعام متعفنًا أم صحيًا؛ هكذا أيضًا فإن التذوق الروحى، عندما ينمو وينضج بالمجهود النسكى والصلاة، فهو يجعل الإنسان قادرًا أن يميز بين الأفكار والدوافع المختلفة فى داخله. فهو يتعلم الفرق بين  الخير والشر، بين ما هو غير ضرورى وما هو ملئ بالمعنى، بين الخيالات التي يوحى بها الشيطان والصور التي تنطبع فى مخيلته المبدعة من النماذج الأصلية السماوية.

 

4 ـ فبواسطة التمييز إذن، يبدأ الإنسان أن يلاحظ بحرص أكثر، ما هو الذي يحدث فى داخله، وهكذا فإنه يتعلم أن ” يحفظ (يحرس) القلب “، فيغلق الباب أمام تجارب العدو وإثاراته. “بكل تحفظ أحفظ قلبك” (أم23:4).

 

          حينما يُذكر “القلب” فى الكتابات الروحية الأرثوذكسية، فينبغى أن يُفهم فى معناه الكتابى الكامل. القلب لا يعنى فقط العضو الطبيعى داخل الصدر، ولا يعنى مجرد العواطف والانفعالات، بل يعنى المركز الروحى لكيان الإنسان، الشخص الإنسانى كمخلوق على صورة الله ـ النفس بكل الأكثر عمقًا والأكثر صدقًا، الهيكل الداخلى الذي يجب الدخول إليه فقط عن طريق التضحية والموت. لذلك، فالقلب يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالذهن الروحى الذي سبق الحديث عنه (أنظر الفصل الثالث: الله خالق ص59) وأحيانًا كثيرة يُستعمل التعبيران بالتبادل بنفس المعنى. ولكن “القلب” له فى الغالب معنى أشمل من تعبير “ الذهن “.

          فإن “صلاة القلب” فى التقليد الأرثوذكسى، تعنى الصلاة التي تُقدم من الشخص بكليته بما يشمل: الذهن، والعقل، والإرادة، والمشاعر، والجسد أيضًا.

          أحد النواحى الأساسية فى “حفظ القلب” هو “الحرب ضد الأهواء أو الشهوات” والمقصود “بالشهوة” هنا ليس فقط الشهوة الجنسية، بل أية شهوة مضطربة أو أية رغبة شديدة تتملك النفس بعنف: كالغضب، الغيرة، الشراهة، الجشع، شهوة القوة، الكبرياء، وغير ذلك. بعض الآباء يعتبرون أن الشهوات هي شئ شرير فى ذاتها، أى، أنها أمراض داخلية غريبة عن طبيعة الإنسان الحقيقية. ولكن البعض الآخر منهم لهم وجهة نظر إيجابية أكثر، إذ يعتبرون الشهوات كمؤثرات ديناميكية موضوعة أصلاً فى الإنسان من الله، ولذلك فهي أساسًا صالحة، رغم أنها حاليًا قد شوهتها الخطية. وبناءً على هذا الرأى الثانى اللطيف، فإن هدفنا ليس أن نستأصل الشهوات بل أن نعيد توجيه طاقتها. فالغضب الشديد غير المنضبط يجب أن نحوله إلى سخط على الشر، والغيرة الحقودة نحولها إلى غيرة لأجل الحق، والشهوة الجنسية نحولها إلى حب نقى فى حرارته. إذن، فالشهوات يجب أن نطهرها لا أن نقتلها؛ أن نهذبها لا أن نستأصلها؛ أن نستعملها إيجابيًا لا سلبيًا. فنقول لأنفسنا وللآخرين: لا ” تكبت ” بل “جلّى” ” اصنع تجليًا ” (أى غيّر الشكل).

 

          هذا المجهود لتطهير الشهوات يحتاج منا أن نتممه على مستوى النفس والجسد كليهما. فعلى مستوى النفس يتم تطهير الشهوات بواسطة الصلاة، وبالممارسة المنتظمة لسرى الاعتراف والتناول، وعن طريق القراءة اليومية فى الكتاب المقدس، وبواسطة تغذية ذهننا بأفكار صالحة، وممارسة أعمال وخدمات محبة للآخرين. أما على مستوى الجسد فالشهوات تتطهر ـ قبل كل شئ ـ بواسطة الصوم والتقشف، وبواسطة السجدات الكثيرة أثناء الصلاة. فالكنيسة الأرثوذكسية لأنها تعرف أن الإنسان ليس ملاكًا بل هو وحدة من جسد ونفس، لذلك تُصر وتؤكد على القيمة الروحية للصوم الجسدى. نحن لا نصوم بسبب وجود أى نجاسة فى عملية الأكل والشرب ذاتها. على العكس، فإن الطعام والشراب هما عطية من الله، يجب أن نتناولهما بفرح وشكر. نحن نصوم لا لأننا نحتقر العطية الإلهية، بل لكى نجعل أنفسنا تعى، أن عطية الطعام هي حقًا هبة ـ أى لكى نطهر أكلنا وشربنا، ولكى نجعلهما ـ ليس بعد إذعانًا للشراهة، بل يصيران “سر” ووسيلة للشركة مع ” الواهب“. وإذ نفهم الصوم النسكى بهذه الطريقة، فإنه يكون موجهًا ليس ضد الجسد Body بل ضد “اللحم” Flesh (أنظر الفصل الثالث: الله خالق ص59. فهدفه ليس الهدم لإضعاف الجسد، بل هدفه بنّاء خلاّق لجعل الجسد أكثر روحانية.

 

          تطهير الشهوات يؤدى فى النهاية ـ بنعمة الله ـ إلى ما يسميه إفاجريوس apatheia “عدم الهوى”. وهو يقصد بهذا التعبير ـ ليس حالة سلبية من عدم المبالاة أو عدم الإحساس ـ أى لا نعود نشعر بأى إغراء أو تجربة ـ بل يقصد حالة إيجابية من إعادة التكامل والحرية الروحية حيث لا نعود نستسلم للتجربة. وربما يكون أفضل ترجمة لتعبير apatheia  “أباثيا” هو ” نقاوة القلب”. إنها تعنى التقدم من “التزعزع” إلى “الثبات“، من الإزدواجية إلى البساطة أو إخلاص القلب، من حالة الخوف والتشكك المرتبطة بعدم النضج إلى حالة البراءة والثقة المرتبطة بالنضج. عند إفاجريوس، عدم الهوى والمحبة، مرتبطان ارتباطًا وثيقًا مثل وجهين لعملة واحدة. فإن كنت تشتهي فأنت لا تستطيع أن تحب. عدم الهوى يعنى أننا لم نعد بعد تحت سيطرة حب الذات والرغبة غير المضبوطة، وهكذا نصير قادرين على المحبة الحقيقية. الشخص “عديم الهوى”، ليس عديم الحس، بل هو ذلك الشخص الذي يشتعل قلبه بالمحبة لله، وبالمحبة للبشر الآخرين، ولكل مخلوق حى، ولكل ما خلقه الله. وكما يكتب القديس مار اسحق السريانى:

      [حينما يفكر الإنسان الذي له مثل هذا القلب فى المخلوقات وينظر إليها، تمتلئ عيناه بالدموع بسبب الحنان الغامر الذي يضغط على قلبه. فقلب مثل هذا الإنسان يصير رقيقًا، ولا يستطيع أن يحتمل أن يسمع أو يرى أى أذى أو حتى أى ألم يُوجه إلى أى شئ فى الخليقة. لذلك، فهو لا يكف عن الصلاة بدموع حتى لأجل الحيوانات العجماء، ولأجل أعداء الحق ولأجل جميع الذين يسيئون إلى الحق، متوسلاً (إلى الله) أن يُحفظوا وينالوا رحمة الله. ويصلى أيضًا بحنان عظيم لأجل الزواحف، هذا الحنان الذي يزداد بلا نهاية فى قلبه، على مثال الله].

 

المرحلة الثانية: تأمل الطبيعة:

إلى الخالق من خلال الخليقة:

          المرحلة الثانية على الطريق ذى المراحل الثلاث هي تأمل الطبيعة ـ وبدقة أكثر هي تأمل الطبيعة فى الله، أو تأمل الله فى الطبيعة ومن خلال الطبيعة. وهكذا فإن المرحلة الثانية هي تمهيد وطريق للدخول إلى المرحلة الثالثة. أى بتأمل الأشياء التي خلقها الله، فإن رجل الصلاة يأتى إلى تأمل الله نفسه. هذه المرحلة الثانية ” للتأمل الطبيعى ” كما سبق وذكرنا ـ ليست بالضرورة تالية “لمرحلة العمل” بل قد تكون معها فى نفس الوقت.

 

          ليس هناك إمكانية لأى تأمل من أى نوع بدون “سهر” (يقظة). لأنى لا أستطيع أن أتأمل الطبيعة أو أتأمل الله بدون أن أتعلم أن أكون حاضرًا حيثما أوجد، منجمعًا معًا فى هذه اللحظة الحاضرة، فى هذا المكان الحاضر. قف، أنظر وأنصت. هذه هي البداية الأولى للتأمل. تأمل الطبيعة يبدأ حينما افتح عينى ـ حرفيًا وروحيًا ـ وأبدأ فى ملاحظة العالم المحيط بى ـ حينما أبدأ أن ألاحظ العالم الحقيقى، أى عالم الله. الإنسان المتأمل، هو ذلك الإنسان الذي يخلع نعليه، مثل موسى أمام العليقة المشتعلة(خر5:3) ـ أى أنه يعرى نفسه من الاعتياد والضجر ـ والذي يدرك بعد ذلك أن المكان الذي يقف فيه هو أرض مقدسة. أن تتأمل هو أن تصير واعيًا لأبعاد المكان المقدس الزمان المقدس. هذا الشيء المادى، هذا الشخص الذي أتحدث إليه، هذه اللحظة من الزمن ـ كل من هؤلاء، مقدس. كل منهم ـ بطريقته الخاصة ـ هو غير قابل للتكرار ولذلك فهو ذو قيمة لا نهائية، وكل منهم يمكن أن يكون نافذة تفتح على الأبدية. وعندما أصير حساسًا لعالم الله المحيط بى، فإنى أنمو أكثر أيضًا فى إدراك عالم الله فى داخلى. وإذ أبدأ أن أرى الطبيعة فى الله، فإنى أبدأ أن أرى مكانى الخاص كشخص بشرى ضمن النظام الطبيعى؛ أى أبدأ أن أفهم ما معنى أن أكون “كون صغير” ووسيط.

 

          لقد أوضحنا فى فصول سابقة الأساس اللاهوتى لتأمل الطبيعة هذا. طاقات الله غير المخلوقة تنفذ فى كل الأشياء المخلوقة وتحفظها فى الوجود، وهكذا فإن كل الأشياء تكون تجليات يتحقق بها حضوره (أنظر الفصل الأول: الله سر تحت عنوان الجوهر والطاقات من ص30 إلى   33). ففى قلب كل شئ يوجد أساسه الداخلى أى كلمته (لوغوس logos)؛ مغروس فيه من الكلمة (اللوغوس) الخالق؛ وهكذا فإننا من خلال هذه الكلمات logoi ندخل فى شركة مع اللوغوس logos (أنظر الفصل الثانى ـ الله ثالوث ص38). الله أعلا من كل الأشياء وهو يفوق عليها كلها، ومع ذلك فهو كخالق موجود أيضًا داخل كل الأشياء ـ أى وجود الله فى كل الكون Panentheism وليس ألوهية الكون Pantheism (أنظر الفصل الثالث ـ الله خالق ص59). إذن، فأن نتأمل الطبيعة، هو بعبارة Blake (بليك)، ” أن نطهر أبواب حواسنا “، على المستويين الجسدى والروحانى، وبذلك نرى طاقات الله أو كلماته logoi فى كل شئ صنعه الله. أى نكتشف، ليس بواسطة عقلنا المنطقى أساسًا بل بالحرى بواسطة ذهننا الروحانى ـ أن العالم كله هو “عليقة كونية مشتعلة”، مملوءة بالنار الإلهية ولكنها لا تحترق.

 

          هذا هو الأساس اللاهوتى ؛ ولكن تأمل الطبيعة يحتاج أيضًا أساسًا أخلاقيًا. فنحن لا نستطيع أن نتقدم فى المرحلة الثانية للطريق الروحى إن لم نتقدم فى المرحلة الأولى بممارسة الفضائل وتكميل الوصايا. فتأملنا الطبيعى ـ إن كان ينقصه أساس راسخ من “حياة العمل” ـ يصير مجرد إحساس جمالى أو يصير رومانسيًا خياليًا، ويخفق فى أن يرتفع إلى مستوى “السهر” أو ما هو روحانى حقيقةً. لا يمكن أن يكون هناك إحساس بالعالم فى الله بدون توبة جذرية، بدون تغيير مستمر للذهن.

 

          تأمل الطبيعة له وجهان. الوجه الأول، أنه يعنى تقدير الـ ” هكذا ”     (Thusness) أو الـ”هذا” (thisness) للأشياء على وجه التخصيص، (أى تقدير كل شئ كما هو فى ذاته (وفى وضعه كما هو موجود) وللأشخاص واللحظات. يلزمنا أن نرى كل حجر، كل ورقة شجر، كل عشب، كل ضفدعة، كل وجه بشرى كما هو حقيقة فى ذاته، فى كل التميز والكثافة التي تميز وجوده الخاص به. وكما يحذرنا النبى زكريا، فإننا لا ينبغى أن  ” نزدرى بيوم الأمور الصغيرة ” (زك10:4). يقول أوليفيه كليمنت إن “التصوف الحقيقى (True Mysticism) (المستيكية الحقيقية) هو أن نكتشف ما هو غير معتاد فى ما هو معتاد “. ليس هناك شئ مخلوق يعتبر تافهًا أو يستحق الازدراء، فلأنه صنعة يد الله، فكل شئ مخلوق، له وضعه الفريد فى العالم المخلوق. الخطية وحدها هي وضيعة وتافهة، مثلها مثل معظم منتجات التكنولوجيا الساقطة الخاطئة؛ ولكن الخطية كما سبق أن لاحظنا، ليست شيئًا حقيقيًا، ومنتجات الخطية ـ رغم صلابتها الظاهرية وقوتها المدمرة ـ هي بالمثل أيضًا ليست حقيقية.

 

          والوجه الثانى لتأمل الطبيعة، يعنى أننا نرى كل الأشياء، والأشخاص واللحظات كعلامات وأسرار لله. ففى رؤيتنا الروحية نحن لا نرى فقط كل شئ بارزًا بشكل حاد، متميزًا جدًا بكل بريق وجوده الخاص، بل يجب أيضًا أن نرى كل شئ شفافًا: فيجب أن نرى الخالق فى كل ـ ومن خلال كل ـ شئ مخلوق. وعندما نكتشف فرادة كل شئ، فنحن نكتشف أيضًا كيف أن كل شئ يشير إلى من هو أبعد من ذاته ـ يشير إلى ذاك الذي صنعه. وهكذا نتعلم ـ بكلمات “هنرى سوزو” Henry Suso ـ أن نرى “الداخلى” فى “الخارجى” إذ يقول: “ذلك الذي يستطيع أن يرى ” الداخلى” فى “الخارجى”، يكون “الداخلى” بالنسبة إليه أكثر داخلية من ذاك الذي يستطيع فقط أن يرى “الداخلى” فى “الداخلى”.

 

          هذان الوجهان لتأمل الطبيعة يشار إليها بالضبط فى قصيدة شعر “جورج هربرت George Herbert”، الإكسير The Elixir:

علمنى، يا إلهي وملكى،                         أن أراك فى كل الأشياء،

وما أعمله فى أى شئ،                           أن أعمله كأنه لأجلك.

الإنسان الذي ينظر إلى مرآة           يمكن أن يبقى ناظرًا إليها،

أو إن رغب، يعبر خلالها،             ويلمح السماء من بعيد.

 

          أن تنظر إلى المرآة هو أن تدرك ” الـ هذا “، أى الحقيقة الكثيفة لكل شئ؛ أما أن تنظر “خلال” المرآة وهكذا تلمح السماء هو أن ترى حضور الله فى ذلك الشيء ووراء ذلك الشيء. هاتان الطريقتان فى النظر إلى العالم تؤكدان وتكملان إحداهما الأخرى. فالخليقة تقودنا إلى الله، والله يعيدنا مرة أخرى إلى الخليقة، إذ يعطينا الإمكانية أن ننظر إلى الطبيعة بعينى آدم فى الفردوس. لأننا عندما نرى كل الأشياء فى الله، فنحن نراها مملوءة بحيوية وإشراق لم يكن ممكنًا لها أن تملكهما بدون ذلك.

 

          لا ينبغى أن نحصر حضور الله فى العالم فى مجال محدود من الأمور والمواقف “التقوية”، بينما نلقب كل الأشياء الأخرى بلقب “دنيوى”؛ بل ينبغى أن ننظر إلى كل الأشياء على أنها أساسًا “مقدسة”، كهبة من الله وكوسيلة للشركة معه. ولكن هذا لا يعنى أن نقبل العالم الساقط بشروره كما هو. فهذا الموقف (قبول العالم الساقط) هو الخطية التعيسة التي سقطت فيها “المسيحية الدنيوية” فى الغرب المعاصر. كل الأشياء هي فى الحقيقة مقدسة فى كيانها الحقيقى، بحسب جوهرها العميق؛ ولكن علاقتنا بخليقة الله قد تشوشت بالخطية ـ الخطية الأصلية والخطايا الشخصية ـ ونحن لن نكتشف هذه القدسية الداخلية (فى المخلوقات) بدون أن يتنقى قلبنا. بدون إنكار الذات، بدون انضباط نسكى، لا نستطيع أن نجزم بالجمال الحقيقى للعالم. ولهذا السبب، فإنه لا يمكن أن يكون هناك تأمل حقيقى أصيل بدون توبة. التأمل يعنى أن نجد الله ليس فى كل الأشياء فقط، بل نجده بالتساوى فى كل الأشخاص. حينما نوقر الأيقونات المقدسة فى الكنيسة أو فى البيت، ينبغى أن نفكر جديًا أن كل رجل وكل امرأة هو أو هي أيقونة حية لله.     ” وبما أنكم فعلتموه بأحد اخوتى هؤلاء الأصاغر فبى فعلتم” (مت40:25). لكى نجد الله، نحن لا نحتاج أن نترك العالم، أن نعزل أنفسنا عن اخوتنا البشر، ونغمر أنفسنا فى نوع من الفراغ التصوفى. على العكس، فإن المسيح ينظر إلينا من خلال عيون جميع الذين نلاقيهم. فعندما يحدث أن ندرك حضوره الشامل هذا (فى كل الأشخاص)؛ فإن كل أعمال خدمتنا العملية للآخرين تصير أفعال صلاة.

 

          إنه لأمر شائع أن يعتبر التأمل كموهبة نادرة عالية جدًا، ولاشك أنها كذلك عندما يكون التأمل فى ملئه. ومع ذلك فإن بذور الموقف التأملى موجودة فينا جميعًا. فمن هذه الساعة وهذه اللحظة يمكننى أن أبدأ بالتمشى فى العالم، مدركًا أنه عالم الله، وأن الله قريب منى فى كل شئ أراه وألمسه، فى كل إنسان ألتقى به. وحتى إن كنت أفعل هذا بشكل متقطع وغير كامل، فإنى قد وضعت قدمى فعلاً على طريق التأمل.

 

          وأناس كثيرون من الذين يجدون صلاة السكون الخالية من كل تصور، فوق طاقتهم الحالية، والذين صارت العبارات المألوفة فى الكتاب المقدس أو فى كتب الصلاة، مملة وجافة بالنسبة لهم، هؤلاء يمكنهم أن يجددوا حياتهم الداخلية بواسطة ممارسة تأمل الطبيعة. وإذ أتعلم أن أقرأ كلمة الله فى كتاب الخليقة، وأكتشف توقيعه فى كل الأشياء، فإننى أجد حينئذٍ ـ حينما أعود لأقرأ كلمته فى الكتاب المقدس وفى كتب الصلاة ـ أن العبارات المألوفة قد صار لها معنى عميق جديد. وهكذا فإن الطبيعة والكتاب المقدس يكملان أحدهما الآخر ـ وبكلمات القديس مار افرام السريانى:

حيثما تحول عينيك،                              فهناك رمز الله؛

حيثما تقرأ                                                  فستجد هناك علاماته

تطلع وأنظر كيف أن الطبيعة والكتاب مرتبطان معًا…

فالتسبيح لرب الطبيعة،

والمجد لرب الكتاب.        

 

المرحلة الثالثة: تأمل الله:

من الكلام إلى الصمت:

          كلما سعى الإنسان أن يتأمل الله فى الطبيعة، بقدر ذلك يكتشف أيضًا أن الله هو فوق الطبيعة ويتجاوزها. وإذ يجد الإنسان بعض آثار قليلة لله فى كل الأشياء، يقول: ” هذا أيضًا هو أنت؛ كما أن هذا ليس هو أنت “. وهكذا فإن المرحلة الثانية للطريق الروحى تقود الإنسان ـ بمعونة الله ـ إلى المرحلة الثالثة، حينما لا يعود الله يُعرف فقط من خلال الأشياء التي خلقها، بل يُعرف بواسطة اتحاد مباشر وبدون وساطة.

          الانتقال من المستوى الثانى إلى المستوى الثالث، يتحقق بأن نطبق منهج النفى السالبى (Apophatic) (أنظر الفصل الأول: الله سر ص**)، على حياة الصلاة، وهذا ما نتعلمه من معلمينا الروحيين فى التقليد الأرثوذكسى. فالكتاب المقدس والنصوص الليتورجية والطبيعة تقدم لنا عددًا لا يُحصى من الكلمات، والصور، والرموز عن الله؛ وهم يعلموننا أن نعطى لهذه الكلمات والصور والرموز كل الأهمية، وأن نمعن النظر فيها، فى صلاتنا. ولكن بما أن هذه الأمور لا يمكن أن تعبر عن الحقيقة الكاملة بخصوص الإله الحى؛ فإنهم يشجعوننا أيضًا أن نوازن هذا الجانب الإيجابى (Cataphatic) للصلاة بالمنهج السالبى النافى (Apophatic) للصلاة. وكما يقول إيفاجريوس: ” الصلاة هي تنحية الأفكار جانبًا “. وهذا طبعًا لا يجب أن يعتبر تعريفًا كاملاً للصلاة، ولكنه يشير إلى نوع الصلاة التي تقود الإنسان من المرحلة الثانية إلى المرحلة الثالثة للطريق الروحى. فالإنسان الذي يسعى فى الطريق، إذ يمتد نحو الحق الأبدى الذي يعلو على كل الكلمات والأفكار البشرية، يبتدئ أن ينتظر الله فى هدوء وسكوت، فلا يعود يتكلم عن الله أو يتكلم معه بل ينصت فقط. ” اسكتوا، وأعلموا أنى أنا هو الله ” (مز10:46).

 

          هذا السكوت، أو السكون الداخلى يعرف فى اليونانية بـ “الـ هيزيخيا hesychia”، والذي يطلب صلاة السكون يسمى”هيزيخاست hesychast”. الـ”هيزيخيا” تعنى التركيز مع الهدوء الداخلى. ولا ينبغى أن تُفهم بمعنى سلبى على أنها: غياب الكلام وغياب النشاط الخارجى، ولكنها تعنى، بطريقة  إيجابية، انفتاح القلب البشرى لمحبة الله. وغنى عن القول، إنه بالنسبة لمعظم الناس إن لم يكن لكل الناس، “فالهيزيخيا” (صلاة الهدوء) ليست حالة دائمة. فالإنسان الهيزيخى، مثلما يدخل إلى صلاة الهدوء، فإنه يستعمل أشكالاً أخرى للصلاة أيضًا، إذ يشترك فى العبادة الليتورجية الجماعية، ويقرأ الكتاب المقدس، ويتناول من الأسرار المقدسة. فالصلاة السلبية (Apophatic) والصلاة الإيجابية (Cataphatic) توجدان معًا، وكل منهما تقوى الأخرى. فالطريق السالبى والطريق الإيجابى ليسا بديلين أحدهما للآخر، بل يكمل أحدهما الآخر.

 

          ولكن كيف نتوقف عن الكلام ونبدأ أن ننصت؟ هذا هو أصعب درس يمكن أن نتعلمه، من بين دروس الصلاة كلها. لن ينفعنا كثيرًا أن نقول لأنفسنا، “لا تفكر”، لأن منع تجول الفكر ليس أمرًا يمكن أن نصل إليه بمجرد جهد إرادى من ناحيتنا. فالذهن الذي لا يستريح أبدًا، يتطلب منا عملاً ما لكى يشبع حاجته المستمرة للنشاط. فلو أن خطتنا الروحية كانت سلبية تمامًا ـ أى إن حاولنا أن نستبعد كل تفكير شعورى دون أن نقدم لذهننا أى نشاط بديل ليقوم به ـ فمن المحتمل أن ينتهي الأمر بنا إلى أحلام يقظة غامضة. الذهن يحتاج إلى عمل ما ينشغل به، وفى نفس الوقت يمكّنه من أن يمتد ويتجاوز نفسه إلى الهدوء. وفى التقليد الهدوئى الأرثوذكسى، فإن العمل الذي يُقدم للذهن هو الترديد المستمر “لصلاة سهمية” قصيرة، وأكثرها شيوعًا هي “صلاة يسوع”: “يا ربى يسوع المسيح ابن الله، ارحمنى أنا الخاطئ”.

 

          حينما نردد صلاة يسوع ينبغى أن نتحاشى قدر الإمكان أية صورة معينة. يقول القديس غريغوريوس النيسى: ” العريس حاضر، ولكنه غير منظور”. صلاة يسوع ليست من أشكال التأمل التخيلى فى أحداث متنوعة فى حياة المسيح. بل بينما نتحول عن الصور، نحتاج أن نركز كل انتباهنا على الكلمات أو بالأحرى فى الكلمات. صلاة يسوع ليست تعزيم (رقية) منّوم، بل هي عبارة مملوءة بالمعانى، هي استدعاء موجه إلى شخص آخر. هدف صلاة يسوع، ليس الاسترخاء بل اليقظة، ليس النوم أثناء الصحو بل الصلاة الحية. ولذلك، فإن صلاة يسوع لا يجب أن تُقال بطريقة آلية بل بقصد داخلى؛ ومع ذلك، ففى نفس الوقت، يجب أن تُنطق الكلمات بدون توتر، وبدون عنف أو تشديد زائد. فالخيط الذي يلف حول حزمتنا الروحية يجب أن يكون محكمًا، متدليًا بارتخاء؛ كما أنه لا ينبغى أن يُشد بإحكام زائد حتى يقطع أطراف الحزمة.

          هناك ثلاث مستويات أو ثلاث درجات فى ترديد صلاة يسوع. فهي تبدأ “كصلاة بالشفتين“، أى صلاة شفوية. ثم تنمو وتتعمق إلى الداخل لتصير “صلاة الذهن“، أى صلاة عقلية. وأخيرًا فإن الذهن “ينزل” إلى القلب ويتحد به، وهكذا تصير الصلاة، “صلاة القلب“، أو بدقة أكثر “صلاة الذهن فى القلب“. وعند هذا المستوى فإنها تصير صلاة الشخص كله ـ فلا تكون بعد شيئًا نفكر فيه أو نقوله، بل شيئًا نكونه: لأن الهدف النهائى للطريق الروحى ليس شخصًا “يقول” صلوات من وقت لآخر، بل الهدف هو شخص يكون “هو” صلاة كل حين. أى أن صلاة يسوع تبدأ كمجموعة من “أفعال” الصلاة، أما هدفها النهائى فهو أن تؤسس فى الشخص الذي يصلى، “حالةصلاة بلا انقطاع، والتي تستمر بلا توقف حتى أثناء ممارسة الأنشطة الأخرى.

 

          وهكذا، فصلاة يسوع تبدأ كصلاة شفوية كأى صلاة أخرى. لكن التكرار المنتظم لنفس العبارة القصيرة يمكّن المصلى الهدوئى (الهزيخاست)، بسبب بساطة الكلمات نفسها التي يستعملها أن يتقدم متجاوزًا كل لغة وكل صورة ليدخل فى سر الله. وبهذه الطريقة، فإن صلاة يسوع، تنمو وتتطور ـ بمعونة الله ـ إلى ما يسميه الكُتّاب الغربيون بـ “صلاة الانتباه الحبى” أو “صلاة التفرس البسيط”، حيث تستريح النفس فى الله بدون التتابع المتواصل لمختلف الصور والأفكار والمشاعر. وبعد هذا توجد مرحلة أخرى، حينما تكف صلاة المصلى الهدوئى عن أن تكون نتيجة مجهوداته الخاصة، بل تصير ـ من وقت إلى آخر ـ “عاملة من ذاتها self-acting” كما يسميها الكُتّاب الأرثوذكس، أو “مسكوبة in fused” (أى موهوبة) كما يسميها الكُتاب الغربيون. وبكلمات أخرى، أنها لا تكون بعد صلاتى ” أنا “، بل تصير ـ بدرجة كبيرة أو قليلة ـ صلاة “المسيح فىَّ”.

 

          ومع ذلك لا ينبغى أن تتصور أن هذا الانتقال من الصلاة الشفوية إلى صلاة الصمت والهدوء، أو من ” الصلاة النشطة ” إلى الصلاة ” العاملة من ذاتها ” يحدث بسرعة وسهولة. المؤلف المجهول لكتاب “سائح روسى على دروب الرب” قد وُهب حالة صلاة مستمرة ” عاملة من ذاتها ” بعد أسابيع قليلة فقط من ممارسته ” لاستدعاء اسم يسوع “، ولكن هذه حالة نادرة جدًا ولا ينبغى بأى حال أن تُعتبر أنها هي القاعدة. ويحدث أحيانًا، لبعض الذين يرددون صلاة يسوع أن تحدث لهم من وقت إلى آخر لحظات ” نشوة روحية ” بصورة غير متوقعة تُعطى لهم كهبة مجانية، وذلك حينما تتراجع كلمات الصلاة أو تختفى كلية، ويحل محلها إحساس مباشر بحضور الله ومحبته. ولكن بالنسبة للغالبية العظمى فإن هذا الاختبار يكون لمحة خاطفة فقط، وليس حالة مستمرة. وعمومًا يكون من عدم الحكمة أن يحاول الإنسان أن يتمم بوسائل مصطنعة، ما يمكن أن يحدث فقط كثمرة لفعل الله المباشر. إن أفضل طريقة، حينما ندعو الاسم القدوس (اسم يسوع)، أن نركز كل جهودنا على تلاوة الكلمات؛ وإلاّ، فإننا فى محاولتنا غير الناضجة للوصول إلى صلاة القلب التي بلا كلمات، يمكن أن ننتهي إلى أننا فى الحقيقة لا نصلى بالمرة بل نكون فقط فى حالة شبه نوم. فلنتبع نصيحة القديس يوحنا الدرجى، ” أحصر ذهنك فى كلمات الصلاة “. إن الله سوف يتمم بقية العمل، ولكن بطريقته هو وفى الوقت الذي يراه هو“.

 

 

الاتحاد بالله:

          منهج النفى (apophatic)، سواء كان فى حديثنا اللاهوتى، أم فى حياة الصلاة يبدو كأنه سلبى، ولكنه فى هدفه النهائى هو إيجابى بشكل فائق. إن تنحية الأفكار والصور جانبًا يؤدى لا إلى فراغ بل إلى ملء يفوق كل ما يمكن أن يدركه العقل البشرى أو يعبر عنه.

          إن منهج النفى يشبه ليس تقشير بصلة بل يشبه نحت تمثال. حينما نقشر بصلة، فنحن نزيل قشرة بعد أخرى، حتى لا تبقى فى النهاية أية بصلة بالمرة: أى أننا ننتهي إلى لا شئ بالمرة. أما النحات، فحينما يقطّع فى كتلة من الرخام فإنه يلغى بعض أجزاء (ينفى) ليصل إلى نتيجة إيجابية. هو لا يحيل كتلة الرخام إلى كومة من أجزاء عشوائية، ولكنه بواسطة ما يبدو ظاهريًا أنه عملية تحطيم فى تكسيره للرخام، فإنه ينتهي بأن يكشف لنا عن شكل واضح له معنى.

          هكذا هو الأمر، على مستوى أعلى، عندما نستعمل منهج النفى apophaticism. فنحن نقول إن شيئًا ما ليس كذلك من أجل أن نقول إن شيئًا ما هو كذلك. طريق النفى يتحول إذن لكى يصير طريق التوكيد الفائق. إن تنحية الكلمات والمفهومات جانبًا، يكون كنقطة انطلاق أو منصة وثوب، نقفز منها إلى السرّ الإلهي. اللاهوت السالبى (النافى apophatic)، يؤدى فى معناه الحقيقى والكامل ليس إلى غياب بل إلى حضور، ليس إلى لاأدرية (agnosticism) أو عدم معرفة بل إلى اتحاد الحب. وهكذا فإن اللاهوت السالبى هو أكثر جدًا من تمرين كلمات مجرد، نوازن فيه التعبيرات الإيجابية بتعبيرات سالبية. هدف اللاهوت السالبى أن يأتى بنا إلى لقاء مباشر مع إله شخصى، وهو الذي يعلو بصورة لا نهائية على كل ما يمكننا أن نقوله عنه سواء كان سالبيًا أو إيجابيًا.

هذا الاتحاد بالحب، الذي يشكّل الهدف الحقيقى للمنهج السالبى، هو اتحاد بالله فى أفعاله (طاقاته) وليس اتحادًا بجوهره (أنظر الفصل الأول: الله سرـ الجوهر والطاقات ص30). وإذ نضع فى اعتبارنا ما قد قلناه سابقًا عن الثالوث والتجسد، فمن الممكن أن نميز بين ثلاثة أنواع من الاتحاد:

          أولاً: يوجد بين أقانيم الثالوث الثلاثة اتحاد بحسب الجوهر: الآب والابن والروح القدس هم “واحد فى الجوهر”. أما بين الله والقديسين فلا يحدث مثل هذا الاتحاد. فرغم أن القديسين “طُعموا فى الله” (ingodded) أو “تألهوا” (deified) (أى تقدسوا) إلاّ أنهم لا يصيرون أعضاء إضافيين فى الثالوث. الله يظل هو الله، والإنسان يظل هو الإنسان. الإنسان يصير إلهًا بالنعمة وليس إلهًا بالجوهر. فالتمييز بين الخالق والمخلوق يستمر موجودًا: المحبة المتبادلة توصل بين الاثنين ولكنها لا تلغى التمييز بينهما. فمهما اقترب الله من الإنسان، يظل هو ” الآخر الكلى The Wholly Other “.

          ثانيًا: يوجد بين الطبيعتين الإلهية والإنسانية للمسيح المتجسد اتحاد بحسب الأقنوم، اتحاد أقنومى أو اتحاد شخصى: فاللاهوت والناسوت فى المسيح متحدان بطريقة تامة حتى أنهما يشكلان شخصًا واحدًا أو هما يخصان شخصًا واحدًا. ومرة أخرى، فإن الاتحاد بين الله والقديسين ليس من هذا النوع. ففى الاتحاد السرى (المستيكى Mystical) بين الله والنفس، يوجد شخصان وليس شخص واحد. إنها علاقة ” أنا ـ أنت “: الأنت  لا تزال “هي الأنت”، مهما اقتربت “الـ أنا ” منها. القديسون يُغمرون  فى لجة الحب الإلهي، ولكنهم لا يُبتلعون. “الصيرورة فى المسيح Christification ” لا تعنى التلاشى. فى الدهر الآتى يكون الله ” الكل فى الكل ” (1كو28:15)؛ ولكن ” بطرس يظل هو بطرس، وبولس هو بولس، وفيلبس هو فيلبس. كل واحد يحتفظ بطبيعته الخاصة وبذاتيته الشخصية، ولكنهم جميعًا مملؤون بالروح ” (عظات القديس مقاريوس).

          ثالثًا: إذن، حيث إن الاتحاد بين الله وبين البشر الذين خلقهم هو ليس اتحادًا حسب الجوهر ولا اتحادًا حسب الأقنوم، يبقى، ثالثًا أنه ينبغى أن يكون اتحاد حسب “الطاقة”. القديسون لا يصيرون هم الله بالجوهر ولا يصيرون شخصًا واحدًا مع الله، ولكنهم يشتركون فى طاقات الله، أى فى حياته، فى قوته، فى نعمته وفى مجده. الطاقات كما أكدنا سابقًا لا يجب أن تُشيئ (objectified) (أى لا نجعلها أشياء)، أو أن نعتبرها كأنها وسيط بين الله والإنسان، أو “شئ” أو هبة يمنحها الله لخليقته. الطاقات الإلهية هي الله نفسه ـ ولكنها ليست هي الله كما هو كائن فى ذاته، فى حياته الداخلية، بل هي الله كما يوّصل أو يعطى نفسه فى محبة متدفقة. لذلك فالذي يشترك فى طاقات الله، إنما يلتقى بالله نفسه وجهًا لوجه، بواسطة اتحاد حب مباشر وشخصى ـ على قدر إمكانية المخلوق. أن نقول إن الإنسان يشترك فى الطاقات الإلهية وليس فى جوهر الله، هو أن نقول إنه يحدث بين الله والإنسان اتحاد وليس اختلاطًا. هذا يعنى أننا نتكلم إيجابيًا عن الله ـ بأقصى طريقة حرفية ويقينية، بأن “حياته هي لى”، ولكننا فى نفس الوقت نرفض مذهب ألوهية الخليقة pantheism. نحن نؤكد قرب الله منا ولكننا فى نفس الوقت نعلن آخريته (أنه آخر تمامًا غيرنا).

 

 

الظلمة والنور:

          وعند الإشارة إلى هذا ” الاتحاد حسب الطاقة “، الذي يفوق كل ما يمكن أن يتخيله الإنسان أو يصفه، فإن القديسين بحكم الضرورة قد استعملوا لغة التضاد والرمزية. لأن اللغة البشرية اعتادت أن تصور الموجودات بحسب المكان، والزمان وحتى فى هذه الحالات فإنها لا تستطيع أن تزودنا بوصف كامل. أما من جهة ما هو لا نهائى وأبدى، فإن اللغة البشرية لا تستطيع أكثر من أن تشير أو تلّمح.

          ” العلامتان ” أو الرمزان الرئيسيان اللذان استخدمهما الآباء هنا هما رمزًا الظلمة والنور. وطبعًا، هذا ليس معناه أن الله فى ذاته هو إما نور أو ظلمة: فنحن هنا نتحدث بالأمثلة والتشبيهات. والكُتّاب الصوفيون          (Mystical) يمكن أن يُوصفوا إما بأنهم كُتّاب ” ليل” (Nocturnal) أو كُتّاب ” شمس” (Solar) بحسب الاتجاه الذي يفضلونه فى استعمال ” رمز” على آخر. فكليمنضس الأسكندرى (الذي يأخذ عن فيلو) وغريغوريوس النيسى وديونيسيوس الأريوباغى يفضلون “رمز” الظلمة؛ أما أوريجينوس وغريغوريوس اللاهوتى، وأفاغريوس، وعظات القديس مقاريوس، وسمعان اللاهوتى الجديد وغريغوريوس بالاماس فيستعملون ” رمز” النور بصفة رئيسية.

          واستعمال لغة ” الظلمة ” عند الكلام عن الله جاءت أصلاً من وصف الكتاب المقدس عن موسى حينما قال إنه ” دخل إلى الضباب حيث كان الله” (خر21:20). والجدير بالملاحظة فى هذه العبارة إنه يقول لا إن الله ظلمة، بل يقول إنه يسكن فى ظلمة (ضباب): والظلمة (الضباب) لا تعنى غياب الله أو أنه غير حقيقى، بل تعنى عدم قدرة ذهننا البشرى على إدراك طبيعة الله الداخلية. فالظلمة فينا وليست فيه.

أما الأساس الأول للغة “النور” فهو عبارة القديس يوحنا الرسول: ” الله نور وليس فيه الظلمة البتة” (1يو5:1). الله أُعلن كنور ـ فوق كل شئ آخر ـ فى تجلى المسيح على جبل تابور، حينما ” أضاء وجهه كالشمس، وصارت ثيابه بيضاء كالنور“(مت2:17). هذا النور الإلهي ـ الذي رآه التلاميذ الثلاثة على الجبل ـ والذي رآه أيضًا قديسون كثيرون أثناء الصلاة ـ هو ليس شيئًا آخر سوى “ طاقات الله غير المخلوقة“. أى أن نور تابور ليس نورًا طبيعيًا مخلوقًا، كما أنه ليس نورًا عقليًا بمعنى مجازى أى ليس مجرد استنارة ذهنية. ورغم أنه نور غير مادى إلا أنه حقيقة موجودة بشكل موضوعى. فالطاقات غير المخلوقة لأنها إلهية فهي تفوق قدراتنا البشرية على الوصف؛ وهكذا عندما نسمى هذه الطاقات ” نور” فنحن بالضرورة نستخدم لغة “العلامة” والرمز. وهذا لا يعنى أن الطاقات هي نفسها مجرد رموز. فالطاقات موجودة حقًا ولكنها لا يمكن أن تُوصف بالكلمات، وعندما نشير إليها بكلمة “نور” فنحن نستعمل أقل التعبيرات التباساً، ولكن لا ينبغى أن تفسر لغتنا تفسيرًا حرفيًا.

          ورغم أن النور الإلهي نور غير طبيعى إلا أنه يمكن للإنسان أن يراه بعينه الطبيعية على أن تكون حواسه قد تغيرت وتطهرت بواسطة النعمة الإلهية. فعيناه لا تنظران النور (الإلهي) بقدرات الإدراك الطبيعية بل بقوة الروح القدس العامل فى داخله.

          يقول مكسيموس المعترف إن: [ الجسد يتأله (يتجلى) فى نفس الوقت مع النفس]. فالذي ينظر النور الإلهي يتغلغل فيه النور أكثر فأكثر حتى أن جسده يضئ بذلك المجد الذي يتأمله. فهو نفسه يصير نورًا. إن فلاديمير لوسكى لم يكن يتكلم بتشبيهات مجردة حينما كتب: [ نار النعمة التي تشتعل فى قلوب المسيحيين بالروح القدس تجعلهم يضيئون مثل شموع أمام ابن الله ]. وعظات القديس مقاريوس تؤكد على هذا التجلى لجسد الإنسان إذ تقول:

[ كما أن جسد الرب تمجد حينما صعد على الجبل وتغيرت هيئته إلى حالة مجد الله وإلى النور غير الموصوف، هكذا أيضًا تتمجد أجساد القديسين وتضئ كالبرق… ” المجد الذي أعطيتنى قد أعطيتهم” (يو22:17): ومثلما توقد مصابيح كثيرة من شعلة واحدة، هكذا أجساد القديسين ـ إذ هي أعضاء المسيح ـ لابد أن تكون مثل المسيح وليس شيئًا آخر.. إن طبيعتنا البشرية تتحول إلى قوة الله وتشتعل لتصير نارًا ونورًا]

 

          توجد أمثلة عديدة لمثل هذا التجلى الجسدى فى حياة القديسين شرقًا وغربًا. حينما نزل موسى من ضباب (ظلام) سيناء، كان وجهه يضئ بلمعان شديد حتى لم يستطع أحد أن ينظر إلى وجهه وكان عليه أن يضع برقعًا على وجهه حينما يكلم الشعب (انظر خر29:34ـ35). وتخبرنا “أقوال آباء البرية” كيف أن تلميذًا نظر من خلال نافذة قلاية الأنبا أرسانيوس ورأى الشيخ ” مثل شعلة نار“. كما تخبرنا عن أنبا بامبو أن “الله مجّده حتى لم يستطع أحد أن ينظر إلى وجهه بسبب المجد الذي كان لوجهه”. وبعد حوالى1400 سنة يستعمل نيكولاس موتوفيلوف هذه الكلمات ليصف الحديث الذي جرى مع شيخه الروحانى القديس سيرافيم من ساروف إذ يقول: [ تصور فى وسط قرص الشمس. فى شدة لمعان أشعتها فى منتصف النهار أنك ترى وجه إنسان يتحدث إليك].

 

          وعند بعض الكُتّاب فإن أفكار النور والظلمة توجد مرتبطة معًا. هنرى فوغان Henry Vaughan يتحدث عن ” ظلمة تخطف البصر” فى الله، بينما القديس ديونيسيوس يستعمل عبارة ” لمعان الضباب الإلهي”. كما يقول أيضًا: [ الضباب (الظلمة) الإلهي هو النور الذي لا يُدنى منه الذي يُقال إن الله يسكن فيه]. لا يوجد تناقض بين تعبيرات مثل هذه اللغة، لأنه بالنسبة لله فإن ” الظلمة مثل النور” (مز12:139). وكما يعبّر يعقوب بوهِم Jacob Boehm: [ الظلمة ليست هي غياب النور، بل هي الرعب الذي يأتى من النور الذي يعمى البصر]. فإن قيل إن الله يسكن فى الظلمة (الضباب)، فهذا لا يعنى أنه يوجد فى الله أى نقص أو عوز، بل إنه هو ملء المجد وملء المحبة بما يفوق إدراكنا تمامًا.

 

C D C D C D C D C D C D

 

          [ الصلاة هي مقياس كل شئ: إذا كانت الصلاة سليمة يكون كل شئ سليمًا ].                                                                                                              (الأسقف ثيوفان الناسك)

          [ اقتربوا إلى الله فيقترب إليكم” (يع8:4). علينا نحن أن نبدأ. إن خطونا خطوة واحدة نحو الرب، فهو يخطو نحونا عشر خطوات ـ هو الذي رأى الابن الضال بينما كان لا يزال بعيدًا، فتحنن وركض ووقع على عنقه وقبله].                                                                                                          (تيتو كولياندر)

[ كلما تقدمت النفس أكثر كلما كثر الأعداء الذين يجب عليها أن تحارب ضدهم.

طوباك، إن كانت الحرب تزداد ضراوة ضدك فى وقت الصلاة.

لا تظن أنك اقتنيت أية فضيلة قبل أن تقدم دمك فى قتالك لأجلها. يجب أن تحارب ضد الخطية حتى الموت، مقاومًا بكل قوتك.

          لا تعطى لعينيك نومًا ولا لأجفانك نعاسًا حتى ساعة موتك، بل اتعب بلا انقطاع لكى تتمتع بالحياة التي لا نهاية لها ].     (إيفاغريوس البنطى)

[ سُئِلَ راهب مرة: ماذا تفعلون هنا فى الدير ؟ فأجاب: نسقط ونقوم، نسقط ونقوم ونسقط ونقوم مرة أخرى.]                                             (تيتو كولياندر)

[ إن لم يعط الإنسان نفسه للصليب كلية، بروح التواضع وإذلال الذات؛ إن لم يطرح نفسه إلى تحت لكى تدوسه أقدام الكل ويكون محتقرًا، ويقبل الظلم والازدراء والسخرية، إن لم يحتمل كل هذه الأمور بفرح لأجل الرب، ولا يطالب بأى نوع من المكافأة البشرية أيًا كانت ـ مجد أو كرامة أو ملذات الطعام والشراب والثياب ـ فإنه لا يستطيع أن يكون مسيحيًا حقيقيًا].   

(القديس مرقس الناسك)

          [ إن أردت أن تكون منتصرًا، فتذوق آلام المسيح فى ذاتك لكى يختارك لتتذوق مجده. لأننا إن كنا نتألم معه فسوف نتمجد معه أيضًا. الذهن لا يمكن أن يتمجد مع يسوع إن لم يتألم الجسد مع يسوع.

طوباك إن كنت تتألم لأجل البر. انظر فإن طريق الله ـ طوال سنين وأجيال قد صار ممهدًا بواسطة الصليب والموت. الطريق إلى الله هو صليب يومى.

الصليب هو باب الأسرار ].                                                  (مار اسحق السريانى)

          [ لكى تتحرر من الأهواء ـ أى تصير عديم الهوى ـ بالمعنى الآبائى للكلمة وليس بمعناها الرواقى ـ هذا يحتاج إلى وقت وعمل شاق، فى حياة متقشفة، وصوم وسهر، وصلاة وعرق كالدم، وانسحاق، وازدراء العالم بك، والصلب، والمسامير، والحربة فى الجنب، وخل ومرارة، وأن يتخلى عنك الكل، وإهانات من أخوة أغبياء مصلوبين معنا، وتجديفات من العابرين: وبعد ذلك ـ القيامة فى الرب، القداسة الخالدة التي لعيد القيامة].

(الأب ثيئوكليتس من دير ديونيسيوس بجبل أثوس)

 

            [ صلِ ببساطة. لا تنتظر أن تجد فى قلبك أى موهبة واضحة للصلاة. اعتبر نفسك غير مستحق لها. حينئذ ستجد السلام. استعمل جفاف وبرودة صلاتك كغذاء لتواضعك. كرر باستمرار: أنا غير مستحق، يا رب، أنا غير مستحق. ولكن قل هذا بهدوء وبدون توتر. هذه الصلاة المتضعة ستكون مقبولة عند الله.

          حينما تمارس صلاة يسوع، تذكر أن أهم شئ هو الاتضاع، وبعد ذلك المقدرة ـ وليس القرار فقط ـ أن تحتفظ دائمًا بإحساس مرهف بالمسئولية نحو الله، ونحو مرشدك الروحى، ونحو الناس وحتى الأشياء أيضًا. تذكر أن مار اسحق السريانى يحذرنا أن غضب الله يأتى على كل من يرفض صليب الألم المر، من يرفض صليب المعاناة الفعاّلة، والذي يسعى وراء الرؤى ونعم الصلاة المتميزة، فإنه يسعى بتمرد إلى امتلاك أمجاد الصليب. وهو يقول أيضًا، ” نعمة الله تأتى من نفسها، فجأة، بدون أن نراها وهي تقترب منا. هي تأتى حينما يكون المكان نقيًا”. لذلك، طهّر المكان بحرص، واجتهاد وبصفة مستمرة؛ إكنس المكان بمكنسة التواضع].

(الشيخ مكارى من دير أوبتينو)

          [ حينما نكون قد أغلقنا كل منافذ العقل بواسطة تذكّر الله، فإنه يتطلب منا مهمة ما تشبع حاجته إلى النشاط. ولكى نحقق هدفه تحقيقًا تامًا ينبغى ألا نعطيه سوى صلاة “يا ربى يسوع..”. دع العقل يركز باستمرار على هذه الكلمات فى هيكله الداخلى بقوة شديدة حتى أنه لا يتحول إلى أية صورة ذهنية. وكما أن الأم تعلّم طفلها نطق اسم “بابا” وتجعل الطفل يكرر الكلمة معها مرة تلو مرة إلى أن تجعله يستعمل هذا الاسم بدلاً من أية صرخة طفولية أخرى، وحتى وهو نائم ينادى أباه بصوتٍ عالٍ: هكذا ينبغى أن تتعلم النفس أن تردد وأن تصرخ قائلة ” يا ربى يسوع “ ].

(القديس ديودوخوس)

          [ صلاة يسوع تساعد على رفع الحياة كلها ـ الجسد والنفس ـ إلى مستوى لا تعود فيه الحواس تطلب تغييرًا خارجيًا أو إثارة، بل يكون كل شئ خاضعًا لهدف واحد هو تركيز كل انتباه الجسد والنفس على الله، بمعنى أننا نسعى إلى العالم ونعرفه من خلال جمال الله، وليس إلى الله من خلال جمال العالم ].                                                                  (الأم ماريا من نورماندى)

 

          [ ما هو المقصود بأن موسى دخل إلى الضباب (الظلمة) لكى يرى الله فى الضباب ؟

          إن نص الكتاب يعلمنا هنا أنه كلما يتقدم الذهن وبواسطة انتباه أعظم وأكمل يأتى إلى إدراك ما هي معرفة الحقيقة. وكلما اقترب أكثر من التأمل، كلما أدرك أكثر أن الطبيعة الإلهية غير ممكن التأمل فيها. لأن الذهن إذ يترك وراءه كل منظر خارجى ـ ليس فقط المناظر التي يمكن أن تُرى بالحواس، بل أيضًا تلك المناظر التي يظن الذهن أنه يراها ـ فإن الذهن يتقدم باستمرار نحو ما هو كائن بالداخل أكثر، إلى أن ينفذ الذهن إلى ذلك الذي لا يمكن تأمله أو إدراكه، وهناك يرى الله. المعرفة الحقيقية والرؤية الحقيقية لما نسعى إليه تكمن بالضبط فى هذا ـ فى عدم الرؤية. لأن ما نطلبه يفوق كل معرفة، وهو منقطع الصلة بنا من كل جهة بواسطة ضباب (ظلمة) عدم القابلية للإدراك].                    (القديس غريغوريوس النيسى)

 

          [ فى التأمل السرى، فإن الإنسان لا يرى بواسطة العقل ولا بواسطة الجسد بل يرى بالروح ؛ وهو يعرف بيقين كامل أنه بطريقة تفوق الطبيعة ينظر نورًا يفوق كل نور آخر. ولكنه لا يعرف ما هو العضو الذي بواسطته يرى هذا النور، ولا يمكنه أن يحلل طبيعة ذلك العضو ؛ لأن طرق الروح ـ الذي بواسطته يرى ـ تفوق الفحص. وهذا ما أكده القديس بولس حينما سمع كلمات لا يسوغ لإنسان أن ينطق بها ورأى أشياء لا يستطيع أحد أن يراها: ” أ فى الجسد أم خارج الجسد لست اعلم” (2كو3:12). أى أنه لم يعرف إن كان ذهنه هو الذي رآها أم جسده. لأنه لم يدرك هذه الأشياء بالحواس، ومع ذلك كانت رؤيته واضحة تمامًا مثل رؤيتنا للأشياء بالحواس بل حتى أكثر وضوحًا من رؤيتنا. لقد رأى نفسه محمولاً خارج نفسه بواسطة العذوبة السرية لرؤية الله؛ أنه نُقل ليس فقط خارج كل الأشياء والأفكار بل حتى خارج نفسه.

          هذا الاختبار السعيد والمفرح الذي اختطف بولس وجعل ذهنه يعبر خارج كل الأشياء فى حالة الدهش، والذي جعله ينعطف ويدخل تمامًا داخل نفسه، هذا الاختبار أخذ شكل نور ـ نور الكشف والإعلانات، ولكنه لم يعلن له موضوعات تدرك بالحواس. كان نورًا بغير حدود أو نهاية سواء من أسفل أم أعلى أم من الجوانب، فهو لم يرَ أى حد للنور الذي ظهر له وأشرق حوله، ولكنه كان مثل شمس أكثر ضياء بلا نهاية وأكبر من الكون بلا نهاية: وفى وسط هذا النور وقف هو، إذ قد صار عينًا فقط. هذه تقريبًا كانت رؤيته].                                                                                               (غريغوريوس بالاماس)

 

          [ حينما تحسب النفس أهلاً أن تتمتع بشركة روح نور الله، وحينما يضئ الله عليها بجمال مجده الذي لا يعبر عنه، لكى يجهزها كعرش ومسكن لنفسه،فإنها تصير كلها نورًا وكلها وجهًا، وكلها عينًا، ولا يكون فيها جزء غير مملوء بعيون النور الروحانية. لا يوجد فيها جزء فى الظلمة، بل تصير بكليتها وبكل جزء فيها نورًا وروحًا ].

(عظات القديس مقاريوس)

 

الله والصلاة – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد 

الله روح – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد

الله روح – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد

 

الله روح – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد

 

الطريق الأرثوذكسي للأسقف كاليستوس وير

الفصل الخامس

الله روح

 

          ” روح الله الذي أُعطى لجسدنا لا يمكن أن يحتمل الحزن أو تقييد الحرية”

الراعى لهرماس

          ” حينما يحل روح الله على إنسان ويظلله بملء انسكابه، فحينئذ تفيض نفسه بفرحٍ لا يمكن وصفه، لأن الروح القدس يحوّل كل ما يلمسه إلى فرح.

          ملكوت السموات هو سلام وفرح فى الروح القدس. اقتنى سلامًا داخليًا، وألوف حولك سيخلصون ”                                                        القديس سيرافيم من ساروف.

 

القبضة المغلقة أم الأيدى المفتوحة ؟:

          يوجد على جدران “السراديب” فى روما رسمًا يصور امرأة تصلى أى The Orans الأورانز. إنها تحدق نحو السماء، ويداها المفتوحتان مرفوعتان والراحتان إلى فوق، هذه الصورة هي واحدة من أقدم الأيقونات المسيحية. من تمثل هذه المرأة؟ ـ هل العذراء القديسة مريم، أم الكنيسة، أم أنها تمثل النفس وهي تصلى؟ أم أنها ربما تمثل هذه الثلاثة كلها معًا؟ ومهما كان التفسير الذي يُعطى لهذه الأيقونة فإنها توضح موقفًا مسيحيًا أساسيًا: وأعنى موقف الدعاء والتوسل أى ” إبيكلسيس ” (Epiclesis)، أى طلب الروح القدس وانتظار حلوله.

 

          توجد ثلاث أوضاع رئيسية يمكن أن تتخذها أيدينا، وكل وضع له معناه الرمزى. فيمكن ان تكون أيدينا مغلقة، وقبضة يدنا مقفلة بإحكام، كإيماءة تحدى أو كمحاولة للامساك بإحكام، وهكذا فهذا الوضع لليد يعبر إما عن التحفز للعدوان أو يعبر عن الخوف (من شخص أو شئ). وعلى العكس تمامًا يمكن أن تتدلى أيدينا على الجانبين خاملتين لا فى تحدى ولا فى تقبل. والاحتمال الثالث أن تكون أيدينا مرفوعة إلى فوق مثل يدى أيقونة “الأورنز”، فهي ليست مغلقة بل مفتوحة كما أنها لم تعد خاملة بل مستعدة لتقبل مواهب الروح. والدرس الذي هو فى غاية الأهمية على الطريق الروحى هو أن نفهم كيف نفك قبضتنا ونفتح أيدينا. فنحتاج أن نجعل عمل أيقونة المرأة المصلية “الأورانز” هو موقفنا فى كل ساعة وكل دقيقة: بأن نرفع أيدينا المفتوحة نحو السماء بطريقة غير منظورة قائلين للروح، “تعال”.

 

          فالهدف الكامل السليم للحياة المسيحية هو أن يكون الإنسان حاملاً للروح، أن يحيا فى روح الله، أن يتنفس روح الله.

 

الريح والنار:

          يوجد سر خفى متصل بالروح القدس مما يجعل الكلام عنه أمرًا صعبًا. وكما يقول القديس سمعان اللاهوتى الجديد عنه:

إنه يتخذ اسمه من المادة التي يستريح عليها،

لأن ليس له اسم يميزه بين البشر  “.

          وفى موضع آخر يكتب كلمات تنطبق على الأقنوم الثالث من الثالوث: ” هو غير منظور ولا تستطيع أى يد أن تُمسك به ؛

هو لا يُلمس ومع ذلك يمكن أن نشعر به فى كل مكان..

ماذا يكون؟ يا للعجب! وماذا لا يكون؟ فليس له اسم،

فى غباوتى حاولت أن أمسك به،

وأغلقت يدى، ظانًا أننى امسكت به:

ولكنه أفلت منى ولم أستطع أن احتفظ به بين أصابعى.

وأنا فى ملء الحزن فتحت قبضتى.

ورأيته مرة أخرى فى راحة يدى.

أه يا للدهش الذي لا يُنطق به!

أه يا للسر العجيب!

لماذا نتعب أنفسنا باطلاً ؟ لماذا نتوه كلنا بعيدًا ؟

 

          صعوبة الإمساك بالروح القدس هذه نجدها واضحة فى الرموز التي يستعملها الكتاب المقدس ليشير بها إلى الروح. فهو مثل ” هبوب ريح عاصفة ” (أع2:2). فلقبه نفسه “روح” (وباليونانية بنفما Pneuma) يشير إلى الريح أو النسمة. كما قال يسوع لنيقوديموس ” الريح (أو الروح) تهب حيث تشاء وتسمع صوتها ولكنك لا تعلم من أين تأتى وإلى أين تذهب” (يو8:3). نحن نعرف أن الريح موجودة، ونسمع صوتها فى الأشجار بينما نرقد يقظين بالليل، نحن نشعر بها على وجوهنا عندما نسير على التلال ولكن إذا حاولنا أن نقبض عليها بين أيدينا، فإنها تفلت منا، هكذا الأمر مع روح الله. نحن لا نستطيع أن نزن الروح ونقيسه أو أن نحتفظ به فى صندوق مغلق بمفتاح. ويشبه “جيرارد مانلى هوبكنز”، العذراء المباركة مريم، فى أحد أشعاره بالهواء الذي نستنشقه: ونفس التشبيه يمكن أن ينطبق بالتساوى على الروح. فالروح مثل الهواء هو مصدر حياة، ” الحاضر فى كل مكان والمالئ الكل “، هو دائمًا يحيط بنا وهو دائمًا موجود فينا. وكما أن الهواء يظل كما هو غير منظور بالنسبة لنا ولكنه يعمل كوسيط نرى ونسمع من خلاله الأشياء الأخرى، هكذا أيضًا الروح لا يكشف لنا وجهه الخاص ولكنه يرينا وجه المسيح.

          وأيضًا يُشبَّه الروح القدس فى الكتاب المقدس بالنار. حينما حل المعزى (البارقليط) على المسيحيين الأولين فى يوم الخمسين فإنه نزل مثل ” ألسنة منقسمة كأنها من نار” (أع3:2). والنار مثل الريح، لا يمكن الإمساك بها: فهي حية، حرة، دائمة الحركة، لا يمكن أن تُقاس، أو توزن، أو تُحصر داخل حدود ضيقة. نحن نشعر بحرارة ألسنة اللهب، ولكننا لا نستطيع أن نغلق عليها أو نحتفظ بها فى أيدينا.

 

          وهكذا الأمر أيضًا فى علاقتنا مع الروح القدس. فنحن نشعر بحضوره ونحن نعرف قوته ولكننا لا نستطيع بسهولة أن نصور شخصه لأنفسنا.

          الأقنوم الثانى من الثالوث (الابن) تجسد وعاش على الأرض كإنسان؛ والأناجيل تخبرنا عن كلامه وأعماله، ووجهه ينظر إلينا من الأيقونات المقدسة، وهكذا ليس من الصعب أن نرسم صورة له فى قلوبنا. ولكن الروح لم يتجسد وشخصه الإلهي لم يُعلن لنا فى هيئة بشرية. فى حالة الأقنوم الثانى من الثالوث فإن تعبير “ولادة” أو “مولود”، تُستخدم لتُشير إلى أصله الأزلى من الآب، وتنقل إلى أذهاننا فكرة محددة ومفهومًا خاصًا، رغم أننا نُدرك أن هذا المفهوم لا ينبغى أن يُدرك بطريقة حرفية. ولكن التعبير المُستخدم للإشارة إلى علاقة الروح الأزلية مع الآب: “انبثاق” أو “منبثق” لا ينقل إلينا فكرة واضحة ومحددة. إنه مثل رسوم هيروغليفية مقدسة يشير إلى سر لم ينكشف بوضوح بعد. وهذا التعبير يوضح أن العلاقة بين الروح والآب ليست مثل العلاقة بين الابن والآب؛ ولكن الوحى لم يخبرنا عن ما هي طبيعة الاختلاف بالضبط.

          هذا أمر لابد منه، لأن عمل الروح القدس لا يمكن أن يُحدد بالألفاظ. فعمل الروح ينبغى أن نعيشه ونختبره مباشرة. ومع ذلك، فرغم هذه الخاصية السرية فى الروح القدس، فإن التقليد الأرثوذكسى يعلّم بشكل أكيد ـ بأمرين عن الروح القدس. الأول: أن الروح شخص. فهو ليس مجرد “تيار إلهي” (كما سمعت أحدهم مرة يصفه)، وهو ليس مجرد قوة عادمة الحس، بل هو أحد الأقانيم الثلاثة الأزلية للثالوث القدوس؛ وهكذا، رغم كل ما يبدو من صعوبة الإمساك به، فإننا يمكن أن ندخل فى علاقة شخصية معه، علاقة ” أنا ـ أنت ” بل إننا ندخل فعلاً فى هذه العلاقة معه.

 

          والأمر الثانى، أن الروح ـ الأقنوم الثالث فى الثالوث ـ مساوى للأقنومين الاخرين وأزلى معهما؛ هو ليس مجرد وظيفة معتمدة عليهما وليس مجرد وسيط يستخدمانه. إن أحد الأسباب الرئيسية التي تجعل الكنيسة الأرثوذكسية ترفض الإضافة اللاتينية: “والابن” إلى قانون الإيمان، وترفض أيضًا التعليم الغربى عن ” الانبثاق المزدوج ” للروح ـ الذي هو سبب هذه الإضافة ـ هو خوفنا من أن مثل هذا التعليم، قد يجعل الناس يتصورن أن الروح القدس ليس شخصًا، ويضعونه فى مرتبة أدنى.

 

          إن أزلية الروح أو مساواته للأقنومين الآخرين هو موضوع يتكرر كثيرًا فى التراتيل الأرثوذكسية فى عيد الخمسين (العنصرة):

          الروح القدس كان كائنًا منذ الأزل، وهو كائن، وسيكون ؛

          فليست له بداية ولا نهاية،

          بل هو دائمًا مرتبط بالآب والابن ويُحصى معهما:

          حياة ومعطى الحياة،

          نور ومانح النور،

          المحبة ذاتها وينبوع المحبة:

          من خلاله يُعرف اللآب،

          من خلاله يُمجد الابن ويُعلن للكل،

          قوة واحدة، كيان واحد،

          سجدة واحدة للثالوث القدوس.

 

الروح والابن:

          تُوجد علاقة متبادلة بين “اليدين” اللذين للآب، أى بين ابنه وروحه، كما توجد بينهما رابطة خدمة متبادلة. وفى أحيانٍ كثيرة يكون هناك ميل للتعبير عن العلاقة بين الاثنين بطريقة أحادية الاتجاه، تحجب هذه التبادلية.

          فيُقال، إن المسيح يأتى أولاً؛ ثم بعد صعوده إلى السماء يُرسل الروح يوم الخمسين. ولكن حقيقة الأمر، أن الروابط المتبادلة هي أكثر تشابكًا وأكثر توازنًا. المسيح يرسل الروح إلينا، ولكن فى نفس الوقت فإن الروح هو الذي يرسل المسيح. دعونا نتذكر بعضًا من النماذج الثالوثية التي سبق أن شرحناها (أنظر الفصل الثانى من الكتاب “الله ثالوث” تحت عنوان “يدا الله” ص48):

          1 ـ التجسد: الروح القدس يحل على العذراء مريم وقت البشارة، وهي تحمل بالمسيح “اللوغوس”: بحسب قانون الإيمان، يسوع المسيح      ” تجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء”، فهنا نجد أن الروح هو الذي يرسل المسيح إلى العالم.

          2 ـ المعمودية: هنا نجد نفس العلاقة. فعند صعود يسوع من مياه الأردن ينزل الروح عليه فى هيئة حمامة: إذن فالروح هو الذي ” يجهزّ ” المسيح ويرسله إلى خدمته الجهارية. وهذا يصير واضحًا جدًا فى الأمور التي حدثت مباشرة بعد المعمودية. فالروح يقتاد المسيح إلى البرية (مر12:1) ليُجرب أربعين يومًا، قبل أن يبدأ الكرازة. وحينما يرجع المسيح فى نهاية هذا الصراع، فهو يعود “بقوة الروح” (لو14:4). والكلمات الأولى التي نطق بها فى كرازته تشير مباشرة إلى حقيقة أن الروح هو الذي يرسله: فهو يقرأ إشعياء1:61، مطبقًا نص إشعياء على نفسه: “روح الرب علىّ، لأنه مسحنى لأبشر المساكين ” (لو18:4). ولقب “المسيح ” أو ” المسيا ” يعنى بالضبط أنه هو الشخص الممسوح بالروح القدس.

          3 ـ التجلى: ومرة أخرى ينزل الروح على المسيح وفى هذه المرة لا ينزل فى هيئة حمامة بل “كسحابة نيرة”. وكما أرسل الروح يسوع فى السابق إلى البرية ثم إلى كرازته الجهارية، هكذا الآن فإن الروح يرسله إلى “خروجه” أى موته مذبوحًا فى اورشليم (لو31:9).

          4 ـ يوم الخمسين: هنا تتحول العلاقة المتبادلة إلى العكس: فبعد أن كان الروح يرسل المسيح، فالآن، نجد أن المسيح الحى المُقام هو الذي يرسل الروح. يوم الخمسين يشكّل هدف التجسد كما يشكِّل تكميل التجسد. يقول القديس أثناسيوس: ” الكلمة أخذ جسدًا، لكى ننال نحن الروح “.

          5 ـ الحياة المسيحية: ولكن التبادل بين “اليدين” لا ينتهي هنا. فكما أن الروح يرسل الابن فى البشارة، وفى المعمودية، وفى التجلى، وكما أن الابن بدوره يرسل الروح يوم الخمسين، هكذا أيضًا بعد يوم الخمسين، فإن الروح هو الذي يتولى مهمة الشهادة للمسيح، وبذلك يجعل المسيح المُقام حاضرًا فى وسطنا على الدوام. فإن كانت غاية التجسد هي إرسال الروح يوم الخمسين، فغاية يوم الخمسين هو استمرار تجسد المسيح فى حياة الكنيسة. وهذا بالضبط هو ما يفعله الروح عند “استدعائه” (epiclesis) فى التقديس الإفخارستى. ” واستدعاء ” الروح هذا للتقديس يقدم لنا نموذجًا ومثالاً لما يحدث فى مجالات حياتنا فى المسيح.

          ” حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمى أكون حاضرًا فى وسطهم ” (مت20:18). كيف يكون المسيح حاضرًا فى وسطنا؟ الجواب، “بواسطة الروح القدس”. ” وها أنا أنا معكم كل الأيام وإلى انقضاء الدهر(مت20:28). كيف يكون المسيح معنا كل الأيام؟ الجواب، ” بواسطة الروح القدس”. وبسبب حضور المعزى فى قلوبنا، فإننا ببساطة لا نعرف المسيح من خلال أربعة أو خمسة أشخاص.. قبلنا، لا نعرفه كشخص كان يعيش فى الماضى البعيد ونعرف عنه معلومات حقيقية بواسطة السجلات المكتوبة، ولكننا نعرفه مباشرة، هنا والآن، نعرفه فى الحاضر، كمخلصنا الشخصى وصديقنا. ويمكننا أن نؤكد مع توما الرسول قائلين: ” ربى وإلهي” (يو28:20). نحن لا نقول فقط، ” وُلد المسيح ” مرة، منذ أزمنة قديمة جدًا؛ بل نقول ” المسيح يُولد ” الآن، فى هذه اللحظة فى قلبى. نحن لا نقول فقط: “المسيح مات”، بل المسيح مات من أجلى. نحن لا نقول فقط: “المسيح قام”. بل “المسيح قائم” ـ هو يحيا الآن لأجلى، يحيا فىّ. هذه الصلة الحميمة الشخصية والمباشرة فى علاقتنا بيسوع هي بالضبط من عمل الروح القدس.

          الروح القدس، إذن، لا يكلمنا عن نفسه بل يكلمنا عن المسيح. قال يسوع وقت العشاء الأخير، ” متى جاء روح الحق فسيرشدكم إلى جميع الحق، لأنه لا يتكلم من نفسه.. سيأخذ مما لى ويخبركم ” (يو14،13:16). هنا نجد سبب عدم وجود اسم للروح أو بدقة أكثر، شفافية الروح القدس: إنه يُوجه الأنظار لا إلى نفسه، بل إلى المسيح القائم الحى.

 

عطية يوم الخمسين:

          هناك ثلاثة أمور تلفتنا بنوع خاص بخصوص موهبة الباراقليط فى يوم الخمسين:

          أولاً: أنها عطية مقدمة لكل شعب الله: وامتلأ الجميع من الروح القدس” (أع4:2). فموهبة أى Charisma كاريزما الروح القدس لا تُمنح فقط للأساقفة والإكليروس بل هي تُمنح لكل واحد من المُعمّدين. فجميعهم يحملون الروح، أى هم حاملوا الروح، فالجميع ـ بالمعنى الصحيح للكلمة ـ هم “كاريزماتيك Charismatics ” أى حاملوا الموهبة.

 

          ثانيًا: عطية المعزى هي عطية الوحدة: وكان الجميع معًا بنفسٍ واحدة” (أع1:2). الروح القدس يجعل الكثيرين يصيرون جسدًا واحدًا فى المسيح، فنزول الروح يوم الخمسين يقلب تأثير برج بابل (أنظر تك7:11)، ولذلك نقول فى إحدى ترانيم عيد الخمسين:

          حينما نزل العلى وبلبل الألسنة،

          فإنه قسّم الأمم؛

          ولكنه حينما وزع ألسنة النار،

          فإنه دعا الجميع إلى الوحدة.

          لذلك نحن نمجد الروح الكلى القداسة بصوت واحد.

          الروح يصنع الوحدة والفهم المتبادل، ويعطينا الإمكانية أن نتكلم “بصوت واحد”، الروح يحول الأفراد إلى أشخاص. فقد كُتب عن الجماعة المسيحية الأولى فى أورشليم فى الفترة التالية مباشرة ليوم الخمسين أنهم: ” كان عندهم كل شئ مشتركًا “، وكان: ” لهم قلب واحد ونفس واحدة ” (أع44:22، 32:4)، وهذه الوحدة ينبغى أن تكون علامة الجماعة الكنسية فى كل عصر.

 

          ثالثًا: عطية الروح هي عطية التنّوع: فألسنة النار كانت موزعة أو “منقسمة”، وهي تُوزع على كل واحد مباشرة. فالروح القدس ليس فقط يجعلنا جميعًا واحدًا، بل يجعل كل منا مختلفًا عن الآخر. ففى يوم الخمسين لم تُلغَ الألسنة الكثيرة لكنها لم تعد سببًا للانفصال، فكل واحد تكلم بلغته الخاصة كما كان يفعل سابقًا ولكن بقوة الروح القدس يستطيع أن يفهم الآخرين. وأن أكون حاملاً للروح فهذا معناه بالنسبة لى أن أحقق فى شخصيتى كل الخصائص المميزة لها؛ هذا يعنى أن أصير حرًا حقًا وأن أكون أنا نفسى حقًا فى فرادتى. الحياة فى الروح تملك تنوعًا لا ينضب؛ إن فعل الشر وليس القداسة هو الذي يتسم بالضجر والتكرار. وكما اعتاد كاهن صديق كان يقضى ساعات طويلة كل يوم يسمع الاعترافات، أن يقول ” يا للغرابة لم تعد هناك خطايا جديدة!”. ولكن هناك دائمًا أشكال جديدة للقداسة.

 

آباء فى الروح وجُهال:

          فى التقليد الأرثوذكسى يظهر العمل المباشر للباراقليط داخل الجماعة المسيحية بصورة قوية فى صورتين “حاملتين للروح” وهما “الشيخ” أى الأب الروحانى، والأخرى ” الجاهل فى المسيح “.

          فالشيخ أو المتقدم فى السن الذي يُعرف فى اليونانية بلقب “جيرون geron” وبالروسية “ستارتز Starets”، لا يلزم بالضرورة أن يكون شيخًا فى عدد السنين ولكنه يكون حكيمًا فى اختباره للحق الإلهي ويكون موهوبًا فى نعمة “الأبوة فى الروح”، “بالكاريزما” الخاصة بإرشاد الآخرين فى الطريق. وما يقدمه لأبنائه الروحيين ليس هو فى الأساس تعليمات أخلاقية أو قانون للحياة، بل يقدم لهم علاقة شخصية. يقول ديستوفسكى: الـ “ستارتز هو الشخص الذي يأخذ نفسك، وإرادتك إلى نفسه وإرادته”. وقد اعتاد تلاميذ الأب زكريا أن يقولوا عنه “كأنه كان يحمل قلوبنا فى يديه”.

 

الـ “ستارتز”: هو إنسان السلام الداخلى الذي عنده يمكن أن يجد الألوف خلاصهم. هذا الإنسان أعطاه الروح القدس موهبة التميز أو الإفراز كثمرة لصلاته وإنكاره لذاته. وهذه الموهبة تمكّنه من قراءة خفايا قلوب الناس؛ وهكذا فهو يجيب ليس فقط على الأسئلة التي يسألها له الآخرون، بل أيضًا على الأسئلة ـ التي عادة ما تكون أساسية جدًا أكثر من التي يسألونها له ـ والتي لم يكونوا قد فكروا أن يسألوا عنها. وهو يملك مع موهبة التمييز موهبة أخرى وهي موهبة الشفاء الروحى ـ أى القدرة على استعادة وشفاء نفوس الناس، وفى بعض الأحيان شفاء أجسادهم أيضًا. وهو يعطى هذا الشفاء الروحى، ليس فقط بكلمات النصح التي ينصح بها بل أيضًا بواسطة سكونه وحضوره الحقيقى. ورغم أهمية نصيحته التي يعطيها، فإن الأكثر أهمية جدًا هي صلاته الشفاعية. فهو يجعل أبنائه الروحيين أصحاء بالصلاة الدائمة لأجلهم وبتوحيد نفسه معهم وتقبل أفراحهم وأحزانهم كأفراحه وأحزانه الخاصة، وأن يأخذ على عاتقه ثقل ذنبهم أو قلقهم. فلا يستطيع أحد أن يكون “ستارتز” إن لم يكن يصلى بلا انقطاع لأجل الآخرين.         

          وإذا كان الـ “ستارتز” كاهنًا فإن خدمته فى التوجيه الروحى تكون عادةً مرتبطة تمامًا بسر الاعتراف. ولكن الـ “ستارتز” بالمعنى الكامل كما يصفه ديستوفسكى أو كما يتمثل فى شخصية الأب زكريا، فهو أكثر من مجرد كاهن اعتراف. فالـ”ستارتز” بالمعنى الكامل لا يمكن أن يُعيّن ليكون هكذا بواسطة أية سلطة أعلى منه. وما يحدث فى حالة الـ “ستارتز” هو ببساطة أن الروح القدس ـ يتكلم مباشرة فى قلوب الشعب المسيحى، ويوضح لهم أن هذا الشخص أو ذاك قد باركه الله بنعمة خاصة تجعله يرشد الآخرين ويشفيهم. فالـ “ستارتز” الحقيقى هو بهذا المعنى شخص نبوى وليس موظفًا رسميًا من سلطة معينة. وبينما فى أغلب الأحوال يكون الـ “ستارتز” كاهنًا راهبًا إلاّ أنه يمكن أن يكون أيضًا كاهن راعية متزوج، أو ربما يكون راهبًا غير حاصل على رتبة كهنوتية أو ـ حتى قد يكون أحيانًا راهبة ـ أو مؤمن عادى أو مؤمنة عادية من الذين يحيون فى العالم الخارجى، رغم أن هذه الحالات الأخيرة تحدث قليلاً جدًا. فإذا كان الـ “ستارتز” هو نفسه ليس كاهنًا فإنه بعد أن يستمع إلى مشاكل الناس ويقدم لهم المشورة المناسبة فإنه كثيرًا ما يرسلهم إلى كاهن لممارسة سر الاعتراف ولنوال الحل بالمغفرة.

 

          العلاقة بين الابن وأبيه الروحى تتنوع كثيرًا. فالبعض يزورون الـ “ستارتز” مرة واحدة أو مرتين طوال حياتهم وذلك فى لحظة حدوث أزمة خاصة، بينما آخرون هم على صلة منتظمة بالـ “ستارتز”، إذ يرونه شهريًا أو أحيانًا ربما يوميًا. وهنا لا يمكن وضع قوانين محددة مسبقًا ؛ فالعلاقة تنمو من نفسها تحت الإرشاد المباشر للروح.

          وهذه العلاقة تكون دائمًا علاقة شخصية. فالـ “ستارتز” لا يطبق قوانين مجردة يتعلمها من كتاب ـ كما فى كتاب “فتاوى الضمير”         (Casuistry) الخاص بالثورة الكاثوليكية الإصلاحية المضادة ـ ولكنه يرى فى كل مناسبة بذاتها هذا الرجل أو هذه المرأة المعينة الذي أو التي أمامه ولأنه مستنير بالروح، فهو يسعى لأن يوصل مشيئة الله بشكل فريد وخاص بهذا الشخص الواحد (الذي أمامه). ولأن الـ “ستارتز” الحقيقي يفهم الشخصية المتميزة لكل واحد ويحترمها، فهو لا يلغى حريتهم الداخلية بل يساعد على تقويتها. هو لا يهدف إلى إيجاد طاعة ميكانيكة عند أبنائه، بل يقودهم نحو نقطة النضج الروحى الذي بواسطته يستطيعون أن يقرروا لأنفسهم. فهو يكشف لكل واحد أو واحدة وجهه أو وجهها الحقيقي الذي كان فيما سبق مخفيًا بدرجة كبيرة عن ذلك الشخص؛ والكلمة التي يقولها الـ “ستارتز” خلاّقة ومعطية للحياة، إذ أنها تمكّن الشخص الآخر من أن يتمم أعمالاً ومهامًا كانت تبدو مستحيلة فى السابق. ولكن الـ “ستارتز” يستطيع أن يحقق كل هذا فقط بسبب أنه يحب كل واحد شخصيًا. وبالإضافة لذلك فإن العلاقة تكون متبادلة: فلا يستطيع الـ “ستارتز” أن يساعد الشخص الآخر إن لم يكن الآخر يرغب بشكل جاد بتغيير طريقة حياته وأن يفتح قلبه بثقة ومحبة للـ “ستارتز”. وأى شخص يذهب ليرى “ستارتز” وهو مدفوع بروح النقد وحب الاستطلاع  فغالبًا يعود بيدين فارغتين، دون أن يتأثر بأى تأثير. ولأن العلاقة دائمًا شخصية فإن “ستارتز” معينًا لا يستطيع أن يساعد كل الناس بطريقة متساوية، بل يستطيع أن يساعد فقط أولئك الذين أرسلهم الروح خاصة إليه. وبالمثل فإن التلميذ لا ينبغى أن يقول: الـ “ستارتز” الذي يرشدنى هو أفضل من كل “ستارتز” آخر”. بل ينبغى أن يقول فقط إن الـ “ستارتز” الذي يرشدنى هو أفضل “ستارتز” بالنسبة لى.

والأب الروحانى فى إرشاده للآخرين ينتظر مشيئة وصوت الروح القدس. قال القديس سيرافيم ” أنا أعطى فقط ما  يخبرنى الله أن أعطيه وأيضًا أنا أؤمن أن الكلمة الأولى التي تأتينى هي ملهمة بواسطة الروح القدس“. ومن الواضح أنه لا يستطيع أحد أن يتكلم ويتصرف بهذه الطريقة إن لم يكن قد بلغ إلى وعى تام وإدراك واضح لحضور الله. فبالنسبة لأى شخص لم يصل بعد إلى هذا المستوى، فمثل هذا التصرف منه يكون إدعّاءً غير مسئول.

 

          والأب زكريا يتكلم بنفس العبارات مثل القديس سيرافيم إنه يقول:      ” أحيانًا لا يعرف الإنسان نفسه ماذا سوف يقول. والرب نفسه يتكلم من خلال شفيته فينبغى أن يصلى هكذا: يارب ليتك تحيا فىَّ، ليتك تتكلم من خلالى، ليتك تعمل من خلالى. وحينما يتحدث الرب من خلال شفتى إنسان فإن كل كلمات ذلك الإنسان تكون فعّالة وكل ما يقوله يتحقق، والإنسان الذي يتكلم هو نفسه يندهش من هذا.. فقط ينبغى للواحد منا أن لا يعتمد على حكمته “.

          العلاقة بين الأب الروحى وابنه تمتد إلى ما بعد الموت حتى الدينونة الأخيرة. وقد أكد الأب زكريا لتلاميذه قائلاً: ” بعد موتى سأكون حيًا أكثر كثيرًا جدًا مما أنا الآن، ولذلك لا تحزنوا حينما أموت.. وفى يوم الدينونة فإن الأب سوف يقول ها أنا والأولاد الذين أعطانيهم الرب “.

 

          وقد طلب القديس سيرافيم أن تُنقش هذه الكلمات الهامة على قبره:

          “ بعد موتى تعالوا إلى قبرى، ومن الأفضل أن تأتوا كثيرًا، وأى شئ يثقل نفوسكم ومهما كان الشئ الذي حدث لكم، تعالوا إلىَّ كما كنتم تأتون وأنا حى, واركعوا على الأرض واطرحوا كل مرارة عنكم على قبرى. وأخبروني بكل شئ وأنا سوف أنصت إليكم، وكل المرارة التي عندكم سوف تهرب وتفارقكم. وكما كنتم تتحدثون إلىّ عندما كنت حيًا أفعلوا هكذا بعد موتى. لأنى أنا حى وسأظل هكذا إلى الأبد “.

 

          ولكن ليس لجميع الأرثوذكس أب روحى خاص بهم. فماذا نفعل إذا كنا نبحث عن مرشد ولا نجد؟ طبعًا يمكن للإنسان أن يتعلم من الكتب، فسواء كان لنا “ستارتز” أم لا فنحن نلجأ للكتاب المقدس لطلب الإرشاد الدائم. (أنظر الفصل القادم ص150). لكن الصعوبة فى حالة الكتب هو كيف أعرف بالضبط ما ينطبق علىَّ شخصيًا فى هذه النقطة الخاصة أثناء مسيرتى الروحية.

          وبالإضافة للكتب وللأبوة الروحية أيضًا فهناك الأخوة الروحية (من الاخوة بالنسبة للرجال أو من الأخوات بالنسبة للنساء) ـ وهي المعونة التي تُعطى لنا ليس بواسطة المعلمين فى الرب، بل بواسطة زملائنا فى التلمذة. ولا يجب أن نهمل الفرص التي تُقدم لنا بهذه الطريقة. ولكن أولئك الذين يلتزمون بالطريق بشكل جاد ينبغى إضافة إلى ذلك أن يبذلوا كل جهد لكى يجدوا لهم أبًا فى الروح القدس، فإن كانوا يبحثون باتضاع فبلا شك سوف يُعطى لهم الإرشاد الذي يحتاجونه. وليس معنى هذا أنهم سوف يجدون “ستارتز” مثل القديس سيرافيم أو الأب زكريا. ينبغى أن نأخذ حذرنا أننا فى توقعنا لشئ أو لشخص هام جدًا ومشهور، فإننا نغض النظر عن المعونة التي يقوم الله فعلاً بتقديمها لنا فى الوقت الحاضر. فقد يكون هناك شخص ما فى نظر الآخرين ليس له أية أهمية أو قيمة ولكن ربما يصير هو نفسه الأب الروحى الذي يستطيع أن يتكلم إلىَّ شخصيًا، بكلمات نارية هي تلك الكلمات التي أحتاج أن أسمعها أهم من كل الكلمات الأخرى.

 

          والنوع الثانى من الذين يحملون الروح بطريقة نبوية داخل الجماعة المسيحية هو “الجُهال فى المسيح”. واليونانيون يدعونهم “Salos” والروس يدعونهم “IURODIVYI”. وعادة يكون من الصعب أن نكتشف كيف أن هذا “الجهل” قد اختاره هؤلاء الأشخاص بوعى وبإرادتهم وإلى أى مدى يكون هذا الجهل تلقائيًا أو غير إرادى. فهذا الإنسان “الجاهل” فى المسيح يقوم بفعل التوبة أى تغيير الذهن فيمتد بها إلى أقصى حد. وهو يفعل هذا بإلهام الروح وبطريقة جذرية أكثر من أى أحد آخر، فهو يجعل الهرم مقلوبًا على رأسه. وهو شهادة حية لحقيقة أن مملكة المسيح ليست من هذا العالم؛ هو يشهد لحقيقة “ضد العالم”. يشهد لإمكانية تحقيق المستحيل، هو يمارس فقرًا إراديًا مطلقًا ويوحد نفسه مع المسيح المذلول، المسحوق. وكما كتبت عنه “جوليا ديبوسوبر”، “هو ليس ابنًا لأحد، وليس أخًا لأحد، وليس أبًا لأحد، ولا بيت له”. وإذ هو يترك الحياة العائلية فإنه يعيش جوالاً أو سائحًا، وهو يشعر كأنه فى بيته فى كل مكان يذهب إليه، مع ذلك فهو لا يستقر فى أى مكان. هو يلبس أسمالاً بالية حتى فى البرد القارس وينام فى السقيفة أو فى مخزن إحدى الكنائس. وهو يتخلى ليس فقط عن الممتلكات الأرضية بل أيضًا عن ما يعتبره الآخرون سلامة عقله واتزانه. ومع ذلك فهو بذلك يصير مجرى تتدفق فيه حكمة الروح العليا.

 

          وغنى عن القول إن “الجهل لأجل المسيح” هو دعوة نادرة غاية الندرة كما أنه ليس من السهل أن نميز بين الحقيقى والمزيف فى هذه الدعوة، وبين “الانحلال” و”النفاذ”. ولكن فى النهاية يوجد محك واحد فقط للاختبار  ” من ثمارهم تعرفونهم” (مت20:7) “فالجاهل” المزيف هو عقيم وهدام،  لنفسه وللآخرين. وأما “الجاهل” فى المسيح حقًا فهو يملك نقاوة القلب، وله تأثير ينمى الحياة ويزيدها فى الجماعة التي يتعامل معها. ورغم أنه من وجهة النظر العملية لا يوجد أى هدف نافع من وراء أعمال ” الجاهل ” إلاّ أنه بواسطة عمل مثير أو كلمة غامضة وغالبًا ما تكون كلمة موبّخة عن قصد وصادمة فإنه يوقظ الناس من الفريسية ومن حالة الرضا عن الذات التي يعيشون فيها عادة. ولأنه هو نفسه متحرر من كل الارتباطات فإنه يطلق ردود أفعال فى الآخرين ويجعل اللاشعور يصعد إلى السطح وهكذا يصير ممكنًا أن يتطهر العقل الباطن ويتقدس. هو يقرن الجرأة بالاتضاع. وبسبب أنه تخلى عن كل شئ فهو حر فعلاً. ومثال لذلك هناك “الجاهل” المعروف فى روسيا “نيكولاس من بيسكوف”؛ الذي وضع فى يدى القيصر “إيفان الرهيب” قطعة لحم يقطر منها الدم، فإنه بذلك يستطيع أن يوبخ الأقوياء فى هذا العالم بجسارة تنقص الآخرين. وهو بهذا يكون الضمير الحى للمجتمع.

 

صر إلى ما أنت عليه:

          قليلون فقط من المسيحيين فى كل جيل هم الذين يصيرون شيوخًا روحيين، وأقل منهم يصيرون “جُهّال” فى المسيح. ولكن كل الذين اعتمدوا بلا استثناء هم “حاملون للروح”، إذ تقول عظات القديس مقاريوس ” اعرف قدرك وافهم الدرجة السامية التي أُعطيت لك.. فكل منكم قد مُسح بالمسحة السماوية، وقد صار مسيحًا بالنعمة، كل واحد قد صار ملكًا ونبيًا للأسرار السماوية ” (عظة1:17).

          وما حدث للمسيحيين الأولين يوم الخمسين يحدث أيضًا لكل واحد منا بعد معموديتنا مباشرة، فإننا فى الممارسة الأرثوذكسية ـ نُمسح بالمسحة أى الميرون. (هذا السر الثانى فى طقس الدخول المسيحى يقابل التثبيت فى التقليد الغربى). فسواء كان المعتمد طفلاً أو بالغًا، فإن الكاهن ـ بعد المعمودية مباشرة ـ يمسحه على جبهته، وعينيه، وأنفه، وفمه، وأذنيه، وصدره، ويديه وقدميه، وهو يقول ” ختم موهبة الروح القدس”. وهذا المسح هو عنصرة شخصية لكل واحد منا: فالروح الذي نزل بشكل منظور على الرسل بألسنة من نار، ينزل على كل واحد منا بطريقة غير منظورة، دون أن ينقص هذا من نزول الروح حقيقةً أو يُنقص من قوته. فكل واحد يصير “ممسوحًا”، “مسيحًا” على مثال يسوع الماسيا. كل واحد يُختم بموهبة المعزى. فمنذ لحظة معموديتنا ومسحنا، فإن الروح القدس يأتى مع المسيح ليسكن فى أعمق أعماق قلبنا. ورغم أننا نقول للروح: “تعال”، إلاّ أنه موجود داخلنا قبل أن ندعوه.

 

          ومهما كان المُعمّدون مهملين وغير مبالين فى حياتهم فإن سُكنى الروح هذا لا يتلاشى تلاشيًا تامًا. ولكن من الجهة الأخرى إن لم نتعاون مع نعمة الله ـ إن لم نجاهد ـ بإرادتنا لتتميم الوصايا ـ فمن الممكن أن حضور الروح القدس داخلنا يظل محتجبًا وغير محسوس. وكسائحين على “الطريق“، فإن هدفنا ـ هو أن نتقدم من مرحلة تكون فيها نعمة الروح حاضرة فى داخلنا بطريقة خفية، إلى المرحلة التي يكون لنا “معرفة واعية”، فيها نعرف قوة الروح بوضوح تام، ومباشرة وبكل إدراك قلوبنا. يقول المسيح الرب “جئت لألقى نارًا على الأرض فماذا أريد لو اضطرمت” (لو49:12). فشعلة الروح ـ الخاصة بيوم الخمسين ـ الموجودة فى كل منا منذ المعمودية، ينبغى أن تُضرم لتصير لهيبًا حيًا. ينبغى أن نصير إلى ما نحن عليه.

 

          ” ثمر الروح، محبة فرح سلام طول أناة لطف.. ” (غلا22:5). “فالمعرفة الواعية” لعمل الروح ينبغى أن تكون حالة تتخلل كل حياتنا الداخلية وتنفذ فيها. ليس من اللازم لكل واحد أن يحدث له ” اختبار تحول ” بارز. والأولى ليس من الضرورى لكل واحد  أن  “يتكلم بألسنة”. ومعظم الأرثوذكس المعاصرين ينظرون بحذر شديد إلى ذلك القسم من الحركة الخمسينية الذي يعتبر أن “الألسنة” هي البرهان الذي لا غنى عنه  على أن الشخص هو “حامل الروح” حقًا. إن موهبة “الألسنة” كانت منتشرة طبعاً في العصر الرسولي، ولكن منذ منتصف القرن الثانى صارت نادرة الحدوث رغم أنها لم تختفِ كلية. وعلى أى حال، فالرسول بولس يصر على أن هذه الموهبة هي أقل المواهب الروحية أهمية (أنظر 1كو5:14).

 

          وحينما يكون “التكلم بألسنة” روحيًا حقًا فهو يمثل نوعًا من إطلاق السراح أو الإفلات ـ أى اللحظة الحاسمة فى تحطيم الثقة الخاطئة فى ذواتنا، ليحل محلها الخضوع والتسليم لله لكى يكون هو العامل فينا. وفى التقليد الأرثوذكسى، فإن عملية إطلاق السراح هذه غالباً ما تأخذ صورة “موهبة الدموع”. يقول القديس مار اسحق السرياني: ” الدموع تمثل الحد الفاصل بين الحالة الجسدانية والحالة الروحانية, بين حالة الخضوع للشهوات و حالة النقاوة ” و يكتب في فقرة جديرة بأن تذكر ما يلي:

ثمار الإنسان الداخلي تبدأ بسكب الدموع. حينما تصل إلي موضع الدموع, فاعرف حينئذ أن روحك قد خرجت من سجن هذا العالم وبدأت تسير فى الطريق الذي يؤدى إلى العالم الجديد. وفى هذه اللحظة تبدأ روحك أن تستنشق الهواء العجيب الموجود هناك، وتبدأ فى سكب الدموع. ولحظة ولادة المولود الروحاني تكون الآن على وشك الحدوث, ويصير مخاض الولادة شديداً جداً. والنعمة ـ التي هي أمنا جميعاً ـ تسرع لتلد النفس ولادة سريعة ـ النفس التي هي صورة الله ـ و تأتي بها إلى نور الدهر الآتى. وحينما يأتى وقت الولادة، يبدأ العقل أن يحس بشىء من أمور ذلك العالم الآخر ـ كرائحة حقيقية، أو كالنفس الذي يأخذه الطفل حديث الولادة فى هيكله الجسمى. ولكننا لم نتعود على مثل هذا الاختبار، وإذ نجد أنه يصعب علينا احتماله، فإن جسدنا ينغلب فجأة ببكاء ممزوج بالفرح “.

 

          ولكن توجد هناك عدة أنواع من الدموع، وليست كلها موهبة من الروح. فإلى جانب الدموع الروحانية، هناك دموع الغضب والإحباط، والدموع التي تُسكب فى العطف على الذات، والدموع العاطفية. وهناك احتياج للتمييز بين أنواع الدموع، ولذلك توجد أهمية الحصول على مساعدة مرشد روحى مختبر. أى “ستارتز”. والتمييز يصير اكثر ضرورة فى حالة “الألسنة” وفى أغلب الأحوال، لا يكون روح الله هو الذي يتكلم من خلال “الألسنة” بل يكون المتكلم هو الروح البشرية التي تصنع الإيحاء الذاتى والهستريا الجماعية. بل فى بعض الحالات يكون “التكلم بالألسنة” هو صورة من صور التلبس بروح شيطانى. ” أيها الأحباء لا تصدقوا كل روح، بل امتحنوا الأرواح لتعرفوا هل هي من الله؟“(1يو1:4)

 

          لذلك، فالأرثوذكسية، بينما تصر على الحاجة إلى اختبار مباشر للروح القدس، فإنها تصر أيضًا على الحاجة إلى التمييز والتعقل. إن البكاء وكذلك اشتراكنا فى مواهب الروح الأخرى تحتاج أن تتطهر من كل الخيالات ومن الإثارات العاطفية. فالمواهب الروحية الحقيقية لا يجب أن تُرفض، ولكن لا ينبغى أن نسعى وراء هذه المواهب كهدف فى ذاتها. ما نهدف إليه فى حياة الصلاة ليس الحصول على مشاعر معينة أو اختبارات “حسية” من أى نوع خاص، بل ما نهدف إليه هو بكل بساطة، أن تتوافق مشيئتنا مع مشيئة الله.

          يقول الرسول بولس لأهل كورنثوس: ” لا أطلب ما هو لكم بل إياكم ” (2كو14:12)، ونحن نقول نفس الشىء لله. نحن لا نطلب المواهب بل الواهب.

?>?>?>?>

دعاء للروح القدس:

تعال, أيها النور الحقيقي.

تعال, أيها الحياة الأبدية.

تعال, أيها السر الخفي.

تعال, أيها الكنز الذي بلا أسم.

تعال, أيها الحقيقة التي تفوق كل الكلمات.

تعال, أيها الشخص الذي يفوق كل فهم.

تعال, أيها الفرح الذي بلا نهاية.

تعال, أيها النور الذي لا يعرف مساء.

تعال, يا رجاء المخلّصين الذي لا يخزي.

تعال, يا قيامة الساقطين.

تعال, يا قيامة الأموات.

تعال, يا كلى القدرة , لأنك تخلق بلا توقف , ودائماً تعيد صياغة كل الأشياء وتغيرها بإرادتك وحدك.

تعال, يا غير المنظور الذي لا يستطيع أحد أن يلمسك أو يمسك بك.

تعال, لأنك تستمر دائماّ غير متحرك , ومع ذلك فأنت دائم الحركة كليةً في كل لحظة ؛ أنت تقترب منا نحن الذين نقيم في الهاوية , ومع ذلك فأنت تظل اعلي من السموات.

تعال, فإن اسمك يملأ قلوبنا بالشوق , واسمك دائماً علي شفاهنا ؛ومع ذلك فإننا لا نستطيع أن نقول أو نعرف،من أنت أو ما هي طبيعتك.

تعال, أيها الوحيد , لمن هو وحيد.

تعال, فأنت نفسك هو الرغبة التي في داخلي.

تعال, يا نسمتي , ويا حياتي.

تعال, يا عزاء نفسي المنسحقة   

تعال, يا فرحي , يا مجدي , ويا بهجتي التي لا نهاية لها.

(القديس سمعان اللاهوتي الجديد )

 

الروح القدس هو نور وحياة,                                         هو ينبوع المعرفة الحي,

روح الحكمة ,                                                                            روح الفهم ,

مُحب , وبار , ومملوء بكل معرفة وقوة ,   مُطهرنا من كل خطايانا ,

إله ويجعلنا إلهيين ,                                                  هو النار التي تأتي من النار,

هو يتكلم , ويعمل , ويوزع مواهب النعمة.

بواستطه تكلّل كل الأنبياء , ورسل الله والشهداء.

عجيبة كانت الأخبار , عجيبة كان المنظر يوم الخمسين:

النار نزلت, مانحة مواهب النعمة لكل واحد.

(من صلوات عيد الخمسين في الطقس البيزنطي )    

” كل من قد أعتمد بطريقة أرثوذكسية, قد نال سراً ملء النعمة؛ فإن سار في طريق ممارسة الوصايا, فإنه سيصبح عارفاً بطريقة واعية بهذه النعمة التي في داخله.

ومهما تقدم الإنسان في الإيمان؛ ومهما كانت البركات التي يصل إليها عظيمة, فهو لا يكتشف ولا يمكن أبداً أن يكتشف أي شيء أكثر مما سبق أن ناله سراً بواسطة المعمودية. فالمسيح لأنه إله كامل, يمنح المُعمّدين نعمة الروح الكاملة. ونحن من جانبنا لا نستطيع أن نضيف شيئاً إلي هذه النعمة, ولكن هذه النعمة تُعلن وتكشف ذاتها لنا أكثر فأكثر بقدر تتميمنا للوصايا. إذن , فكل ما نقدمه للرب بعد ولادتنا بالمعمودية ,كان موجوداً في داخلنا وهو نابع منه هو أصلاً.”                                        (القديس مرقس الناسك )

 

الأقانيم الإلهية لا يؤكدون ذواتهم , بل كل أقنوم منهم يشهد للأخر لهذا السبب قال القديس يوحنا الدمشقي إن ” الابن هو صورة الآب, والروح صورة الابن ” وينتج عن ذلك أن الأقنوم الثالث للثالوث هو الأقنوم الذي ليس له صورته في أقنوم آخر. الروح القدس, كأقنوم, يظل غير منكشف, يظل خفياً, مخفياً نفسه في ذات عملية ظهوره…

الروح القدس هو المسحة الفائقة التي مُسح بها المسيح ومُسح بها كل المسيحيين المدعويين ليملكوا معه في الدهر الآتي. فحينئذ ـ في الدهر الأتي ـ فإن هذا الأقنوم الإلهي, غير المعروف الآن, والذي ليست له صورته في أقنوم آخر في الثالوث, سوف يظهر نفسه في الأشخاص المؤلهين: لان جماعة القديسين سوف تكون هي صورته.

(فلاديمير لوسكي )

 

 

الروح القدس يهب كل الأشياء:

    هو ينطق بالنبوات ,

    هو يقدس الكهنة ,

    هو يعلم الجهال الحكمة,

    هو الذي حول الصيادين إلي لاهوتيين.

    هو الذي يمسك بكل تركيبة الكنيسة معاً ويجعلها في وحدة.

    هو واحد في الجوهر وواحد في العرش مع الآب والابن.

أيها الباراكليت , المجد لك!

(من صلوات عشية عيد الخمسين فى الطقس البيزنطي)

 

 

الله روح – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد

الله إنسانا – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد

الله إنسانا – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد

 

الله إنسانا – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد

 

الطريق الأرثوذكسي للأسقف كاليستوس وير

الفصل الرابع

الله إنسانـًا

       ” الله، كان فى المسيح مصالحًا العالم لنفسه ” (2كو19:5)

      ” تعطشّ ليسوع، وهو سيرويك بحبه ” (القديس اسحق السريانى)

      ” قال الأنبا اسحق: “كنت جالسًا مرةً مع الأنبا بيمن، ورأيت أنه فى حالة دهش (اختطاف)، ولما كنت معتادًا على الكلام معه بصراحة، عملت له مطانية وسألته ” اخبرنى، أين كنت؟” ولم يرد أن يخبرنى. لكن لما ألححت عليه، أجاب: ” كانت أفكارى مع القديسة مريم والدة الإله، حينما كانت واقفة تبكى عند صليب المخلص، وودت لو أننى أستطيع على الدوام أن أبكى مثلما بكت هي آنذاك ”                                  (أقوال آباء البرية)

 

رفيقنا على الطريق:

          فى نهاية ” الأرض الخراب ” يكتب ت. س. إليوت:

          من هو الثالث الذي يسير دومًا إلى جوارك ؟

          حينما أحصى العدد، أجد أن هناك فقط أنت وأنا معًا، لكننى حين أنظر إلى الطريق الأبيض، أجد دائمًا واحدًا آخر يمشى إلى جوارك…

          وهو يشرح فى ملاحظاته أنه يفكر فى قصة قيلت عن بعثة شاكلتون إلى القطب المتجمد الجنوبى (أنتاركتيكا):

          وكيف أن جماعة المكتشفين، حينما خارت قواهم، كانوا يشعرون دائمًا أن ثمة شخصًا آخر زائدًا رغم أنهم لا يستطيعون إحصاءه فعلاً. وقديمًا جدًا، وقبل شاكلتون بزمن بعيد، كان للملك نبوخذنصر اختبار مماثل حينما قال: ” ألم نلقِ ثلاثة رجال موثقين فى وسط النار؟.. ومع هذا فها أنا ناظر أربعة رجال محلولين يتمشون فى وسط النار، وما بهم ضرر ومنظر الرابع شبيه بابن الله ” (دا 24:3ـ25).

 

          هذا هو معنى ” يسوع ” مخلصا بالنسبة لنا. فهو الشخص الذي يسير دائمًا إلى جوارنا حين تخور قوانا، فهو معنا فى برية الصقيع وفى أتون النار. وحينما يكون كل واحد منا فى وقت عزلته الشديدة وحده أو فى وقت التجربة، تُقال له هذه الكلمة: ” لست وحدك “، فإن لك رفيقًا.

 

          وقد أنهينا فصلنا الأخير بالحديث عن اغتراب الإنسان ومنفاه. ورأينا كيف أن الخطية، سواء الأصلية أم الشخصية، قد أوجدت هوة بين الله والإنسان، هوة لا يقدر الإنسان بمجهوداته الهزيلة أن يعبرها. فإن الإنسان الساقط وقد انفصل عن خالقه، وانعزل عن رفقائه، وتدهور داخليًا، لم يعد قادرًا على شفاء نفسه. ودائمًا ما نسأل نحن، أين نجد علاجًا ؟ ورأينا أيضًا كيف أن الثالوث، كإله محبة شخصية، لا يقدر أن يبقى غير مبالٍ بألم الإنسان، بل قد اشترك فى هذا الألم. فإلى أى مدى وصل هذا التشارك الإلهي؟

          الإجابة أن هذا الانخراط فى ألم الإنسان قد بلغ أقصى مدى ممكن. ولأن الإنسان لم يقدر أن يأتى إلى الله، فقد جاء الله إلى الإنسان، وقد وَّحَد نفسه مع الإنسان بأكثر الطرق مباشرة. فإن الكلمة الأزلى، ابن الله، الأقنوم الثانى فى الثالوث، قد صار إنسانًا حقيقيًا، صار واحدًا منا؛ لقد شفى إنسانيتنا وردها (إلى الله) بأن أخذها كلها لنفسه. وبكلمات قانون الإيمان:    ” أؤمن.. برب واحد يسوع المسيح.. إله حق من إله حق، واحد مع الآب فى الجوهر.. الذي لأجلنا نحن البشر ولأجل خلاصنا نزل من السماء، وتجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء… ” هذا إذن هو رفيقنا فى الصقيع أو النار: الرب يسوع الذي أخذ جسدًا من العذراء، الواحد من الثالوث وهو واحد منا فى نفس الوقت، إلهنا ومع ذلك فهو أخونا.

 

يارب يسوع، ارحمنى:

          فى فصل سابق[1]، تبحرنا فى المعنى الثالوثى لصلاة يسوع، ” يارب يسوع المسيح، ابن الله، ارحمنى أنا الخاطئ “. فلنتأمل الآن ما تخبرنا به هذه الصلاة عن تجسد يسوع المسيح، وشفائنا به وفيه.

          هناك قطبان فى صلاة يسوع أو هناك نقطتان هما طرفان: 

القطب الأول: “ياربى.. ابن الله”: تتحدث الصلاة أولاً عن مجد الله، معترفة بيسوع أنه رب كل الخليقة وبأنه الابن الأزلى. وفى القطب الثانى أى فى نهايتها تتجه الصلاة إلى حالتنا كخطاة ـ خطاة بسبب السقوط، خطاة بسبب أعمالنا الشخصية فى فعل الخطأ: “.. أنا خاطئ”. (فى معناها الحرفى فى النص اليونانى هي أكثر تأكيدًا، إذ يقول، “أنا الخاطئ” وكأنه يقول أنا الخاطئ الوحيد).

 

          وهكذا فالصلاة تبدأ بالتمجيد وتنتهي بالتوبة. فمن هو أو ما هو الذي يصالح هذا القطبان المختلفان تمامًا: المجد الإلهي وخطيئة الإنسان ؟

          هناك ثلاث كلمات فى الصلاة تعطينا الإجابة. الأولى هي “يسوع” الاسم الشخصى المعطى للمسيح بعد ميلاده البشرى من مريم العذراء. هذا الاسم له معنى “مخلِّص”: كما قال الملاك للقديس يوسف خطيب مريم: “.. وتدعو اسمه يسوع؛ لأنه يخلص شعبه من خطاياهم ” (مت21:1)

          الكلمة الثانية هي اللقب “المسيح”، الترجمة اليونانية لكلمة “المسيا” العبرية، والتي تعنى “الممسوح” ـ أى الممسوح بروح الله القدوس. لأنه بالنسبة للشعب اليهودى فى العهد القديم، كان المسيا هو المخلص الآتى، والملك المنتظر، الذي سيحررهم من أعدائهم بقوة الروح.

          الكلمة الثالثة هي “رحمة”، وهي اللفظة التي تعنى “الحب العامل”، الحب الذي يعمل لجلب المغفرة والحرية والصحة الكاملة. سؤال الرحمة يعنى تبرئة الآخر (الذي يطلب الرحمة) من الذنب الذي لا يقوى على محوه بمجهوداته الشخصية، وإعفاءه من ديون لا يستطيع هو نفسه أن يوفيها، وشفاءه من المرض الذي لا يمكنه أن يجد له علاجًا بدون عون. إن كلمة ” رحمة ” تعنى فوق هذا أن يُمنح كل ذلك كهبة مجانية: فالذي يطلب رحمة ليس له على الآخر مطالبات، ولا حقوق يستند عليها.

          إذن، تدل صلاة يسوع على مشكلة الإنسان من جهة وعلى الحل الذي يقدمه الله من جهة أخرى. يسوع هو المخلص، الملك الممسوح، هو الشخص الرحيم. لكن الصلاة تخبرنا أيضًا بشىء آخر حول شخص يسوع نفسه. فنحن نخاطبه “يارب” و”ابن الله”: هنا تتحدث الصلاة عن لاهوته، وتعاليه وأزليته. لكننا أيضًا نخاطبه بالتساوى (فى هذه الصلاة) باسم “يسوع”، أى باسمه الشخصى الذي أعطته له أمه ويوسف بعد ولادته البشرية فى بيت لحم. وهكذا، فالصلاة تتحدث أيضًا عن إنسانيته، عن الحقيقة الأصيلة لميلاده ككائن بشرى.

 

          هكذا فإن صلاة يسوع هي تأكيد على الإيمان بيسوع المسيح كإله حقيقى وإنسان كامل معًا Theoanthropos أى ” الإله الإنسان “، الذي يخلصنا من خطايانا بالضبط لأنه إله وإنسان معًا وفى نفس الوقت.

          الإنسان لم يقدر أن يأتى إلى الله، لهذا أتى الله إلى الإنسان، بأن جعل نفسه إنسانًا. وفى محبته الفائقة أو “المذهلة” ecstatic، يوحدّ الله نفسه بخليقته بألصق ما يكون الاتحاد، بأن يجعل نفسه يصير ذلك الذي خلقه (أى الإنسان). والله، كإنسان، يحقق مهمة الوساطة التي رفضها الإنسان عند السقوط. ويعبر يسوع مخلصنا الهوة السحيقة بين الله والإنسان، لأنه هو الله والإنسان معًا فى آنٍ واحد، مثلما نقول فى إحدى الترانيم الأرثوذكسية عشية عيد الميلاد “اليوم اتحدت السماء والأرض، لأن المسيح وُلد. اليوم نزل الله إلى الأرض، وارتفع الإنسان إلى السماء “.

 

          التجسد إذن، هو فعل الله للخلاص، إذ يعيدنا إلى الشركة مع نفسه. لكن ماذا كان يمكن أن يحدث لو لم يكن هناك سقوط؟ هل كان الله سيختار أن يصير إنسانًا حتى لو لم يخطئ الإنسان أبدًا؟ هل كان التجسد سيُعدّ هكذا ببساطة استجابة الله لورطة الإنسان الساقط، أم أن التجسد بطريقة ما، هو جزء من القصد الأزلى لله؟ هل يجب أن ننظر فيما وراء السقوط، ونرى فعل الله فى صيرورته إنسانًا على أنه هو التحقيق للغاية الحقيقية للإنسان؟

 

          ليس من الممكن لنا، فى وضعنا الحالى، أن نجيب إجابة نهائية على هذا السؤال الافتراضى. ولأننا نحيا فى ظل ظروف السقوط، فإننا لا نستطيع أن نتصور بوضوح ما كانت ستكون عليه علاقة الله بالبشرية، لو لم يكن السقوط قد حدث بالمرة. وقد جعل الكُتّاب المسيحيون فى معظم الأحوال مناقشتهم للتجسد قاصرة على إطار حالة الإنسان الساقطة. لكن كان هناك قلة منهم أخذوا على عاتقهم أن يكون لهم رأى أوسع، خاصة مار اسحق السريانى ومكسيموس المعترف فى الشرق، ودونس سكوتس   (Duns Scotus) فى الغرب. يقول مار اسحق السريانى إن التجسد هو أكثر الأمور المفرحة والمباركة الذي كان يمكن أن يحدث للجنس البشرى. فهل من الصواب، إذن، أن يكون سبب هذا الحدث المفرح شئ ما، كان يمكن أن لا يحدث أبدًا، وفى الحقيقة هو شئ كان ينبغى ألاّ يحدث؟ ويقول القديس مار اسحق، إنه من المؤكد أن أخذ الله لبشريتنا لا ينبغى أن نفهمه كفعل إصلاح ورد فقط، وليس فقط كمواجهة لخطية الإنسان، بل أيضًا وبشكل أساسى كفعل محبة، وكتعبير عن طبيعة الله الذاتية. فحتى لو لم يكن هناك سقوط، فإن الله فى محبته المتدفقة غير المحدودة كان سيختار أن يوحد نفسه مع خليقته بصيرورته إنسانًا.

 

          إن تجسد المسيح، عندما ننظر إليه من هذه الزاوية، يُحدث تأثيرًا أكبر من مجرد انعكاس السقوط أو مقلوبه وأكثر من رد الإنسان إلى حالته الأولى فى الفردوس. حين يصبح الله إنسانًا، تبدأ مرحلة جديدة جوهريًا فى تاريخ الإنسان، ولا يكون الأمر مجرد عودة إلى الماضى. فالتجسد يرفع الإنسان إلى مستوى جديد، وتكون الحالة الأخيرة أعلى من الأولى. وفى يسوع المسيح فقط نرى أكمل إمكانات طبيعتنا البشرية وقد انكشفت واستعلنت؛ وحتى ميلاد المسيح، لم تكن الملامح الحقيقية للشخص البشرى (Personhood) قد ظهرت بعد. إن ميلاد المسيح، كما يصفه القديس باسيليوس هو “ميلاد الجنس البشرى كله”. المسيح أول إنسان كامل ـ كامل، أى ليس فقط بمعنى (الصورة) أى أنه كمال محتمل، يمكن أن يتحقق فى المستقبل، مثلما كان آدم فى براءته قبل السقوط، بل بمفهوم ” المثال ” (likeness) المتحقق بالكامل. ليس التجسد إذن، هو ببساطة طريقًا لإزالة آثار الخطية الأصلية، بل هو مرحلة جوهرية عبر رحلة الإنسان من الصورة الإلهية إلى الشبه (المثال) الإلهي. فالصورة الحقيقية والمثال الحقيقى لله هو المسيح نفسه، وهكذا، ومنذ اللحظة الأولى لخلقة الإنسان على الصورة، فإن تجسد المسيح كان متضمنًا فعلاً بطريقة ما. إن السبب الحقيقى للتجسد، إذن، يكمن لا فى خطية الإنسان بل فى طبيعته غير الساقطة ككائن مخلوق على الصورة الإلهية وعنده الإمكانية للاتحاد بالله.

 

ثنائى لكنه واحد:

          ويتلخص الإيمان الأرثوذكسى عن التجسد فى القرار الذي يتكرر فى ترنيمة الميلاد للقديس رومانوس المرنم ” طفل مولود حديثًا، هو الله قبل الدهور ” وفى هذه العبارة القصيرة نجد ثلاثة تأكيدات:

          1 ـ يسوع المسيح إله بالتمام وبالكمال.

          2 ـ يسوع المسيح إنسان بالتمام وبالكمال.

          3 ـ يسوع المسيح ليس شخصين بل شخص واحد.

          وقد أعلنت المجامع المسكونية عن هذا الأمر وبتفصيل شامل تمامًا، فمثلما عنى مجمع نيقية (325) ومجمع القسطنطينية (381) بعقيدة الثالوث (أنظر الفصل الثانى)، هكذا اهتم مجمع أفسس بالتجسد.

 

          فقد أعلن مجمع أفسس المسكونى فى سنة 431م، أن العذراء مريم هي “الثيؤطوكوس” أى والدة الإله. وفى هذا اللقب تأكيد ضمنى، ليس عن العذراء أساسًا، بل عن المسيح: أى أن الله قد وُلِدَ وأن العذراء هي أم، لا لشخص بشرى متحد بالشخص الإلهي للكلمة (اللوغوس)، بل أم لشخص واحد غير منقسم هو الله المتأنس بأنٍ واحد[2] 000

          هناك تضاد فى الصياغة الفنية (التقنية) بين عقيدة الثالوث وعقيدة التجسد الإلهي. ففى حالة الثالوث، نحن نؤكد على جوهر واحد وحيد خاص أو طبيعة واحدة خاصة فى ثلاثة أقانيم (أو أشخاص). وفى حالة المسيح المتجسد، من جهة أخرى، فإن هناك طبيعتين؛ واحدة إلهية والأخرى بشرية، لكنهما متحدتان فى شخص واحد وحيد؛ هو الكلمة الأزلى الذي صار إنسانًا أو جسدًا. وكل ما قيل فى الأناجيل؛ وفعله المسيح أو عاناه وتألم به يُنسب إلى نفس الشخص الواحد نفسه، ابن الله الأزلى الذي وُلِد الآن كإنسان فى داخل الزمان والمكان.

 

          وإذا أردنا أن نحدد التعاريف المجمعية حول المسيح كإله متأنس فإن هناك مبدأين أساسيين بخصوص خلاصنا: الأول، الله وحده فقط يقدر أن يخلصنا فإن نبيًا أو معلمًا للبر لا يمكن أن يكون هو فادى العالم. إذن، فلكى يكون المسيح مخلصًا لنا، فلابد أن يكون بالتمام والكمال هو الله. ثانيًا، لابد أن يفى الخلاص بحاجة البشرية. وفقط إن كان المسيح هو بالتمام والكمال إنسانًا مثلما نحن، يمكن لنا نحن البشر أن نشترك فيما فعله لأجلنا.

          لهذا من الخطر المميت على عقيدة خلاصنا إن نحن اعتبرنا المسيح ـ مثلما فكّر الآريوسيون ـ كنوع من نصف إله موجود فى منطقة ضبابية متوسطة بين الإنسانية والألوهية. إن التعليم المسيحى عن خلاصنا يتطلب أن نكون متطرفين Maximalists. ولا ينبغى علينا أن نفكر فى المسيح على أنه  “نصف إله ونصف إنسان” (أو بالعامية “نص نص”). فليس المسيح يسوع 50% إلهًا و50% إنسانًا، بل هو 100% إله و100% إنسان فى وقت واحد معًا. أو بعبارة أخرى، فإن المسيح ” كامل فيما يخص ذاته، وكامل فيما يخصنا نحن.

 

          كامل فيما يخص ذاته: يسوع المسيح نافذتنا على المجال الإلهي، إذ يكشف لنا من هو الله ذاته ” الله لم يره أحد قط، الابن الوحيد الذي فى حضن الآب هو خبّر (جعله معروفًا ومعلومًا لنا) ” (يو18:1).

          كامل فيما يخصنا نحن: يسوع المسيح هو آدم الثانى، كاشفًا لنا عن السمة أو الخاصية الحقيقية لشخصيتنا البشرية. الله وحده هو الإنسان الكامل.

          فمن هو الله ؟ ومن أكون أنا ؟ لقد أعطانا يسوع المسيح الجواب على كلا هذين السؤالين.

 

الخلاص كمشاركة:

          الرسالة المسيحية عن الخلاص يمكن إيجازها على أفضل صورة بلغة “المشاركة”، أى بلغة التضامن والتوحد والتطابقidentification . إن فكرة المشاركة أو الشركة هي مفتاح للتعليم عن الله الواحد فى ثالوث، كما أنها مفتاح للتعليم عن الله المتجسد. ويؤكد تعليم الثالوث أنه، كما أن الإنسان يكون شخصًا بحق حينما يشارك الآخرين، هكذا فإن الله ليس شخصًا منفردًا يعيش وحده، بل هو ثلاثة أشخاص يشاركون حياة أحدهم الآخر فى محبة كاملة. والتجسد بالمثل هو تعليم عن المشاركة أو الشركة. فالمسيح يشاركنا ما نحن عليه مشاركةً كاملة، وهكذا يجعله ممكنًا لنا أن نشارك ما هو عليه (أو فيما هو عليه)، أى نشترك فى حياته ومجده الإلهييين؛ لقد صار ما نحن، ليجعلنا ما هو (أو صار ما نحن عليه ليصيرنا ما هو عليه).

 

          ويعبر القديس بولس عن هذا بشكل استعارى بلغة الغنى والفقر: ” فإنكم تعرفون نعمة ربنا يسوع المسيح أنه من إجلكم افتقر وهو غنى لكى تستغنوا أنتم بفقره ” (2كو9:8). وغنى المسيح هو مجده الأبدى، وفقر المسيح هو تطابقه أو توحده الشخصى الكامل مع حالتنا البشرية الساقطة. وفى كلمات ترنيمة ميلاد أرثوذكسية ” إذ شاركتنا بالكامل فى فقرنا، فقد جعلت طبيعتنا الأرضية إلهية، باتحادك معها واشترتكك فيها”. المسيح يشاركنا موتنا، ونحن نشاركه حياته. هو ” أخلى ذاته ” ونحن ” نتمجد مجدًا عاليًا ” (أنظر فى5:2ـ9). إن نزول الله قد جعل ارتفاع الإنسان ممكنًا. ويكتب القديس مكسيموس المعترف: ” الغير المحدود حدّد نفسه بطريقة لا يُنطق بها، بينما اتسع المحدود إلى قياس الغير المحدود “.

 

          وكما قال المسيح بعد العشاء الأخير ” أنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتنى، ليكونوا واحدًا كما أننا نحن واحد. أنا فيهم وأنت فىّ ليكونوا مكمَّلين إلى واحد” (يو22:17ـ23). فإن المسيح يمكنّنا من أن نشترك فى المجد الإلهي للآب. فالمسيح هو الرابطة ونقطة اللقاء والتقابل: فلأنه إنسان، فهو واحد معنا؛ ولأنه إله، فهو واحد مع الآب. لهذا فبواسطته وفيه نحن واحد مع الله، ويصبح مجد الآب هو مجدنا. تجسد الله يفتح الطريق إلى تأليه الإنسان. فأن نُؤلَّه (أى نصير إلهيين)، معناه على وجه الخصوص جدًا، أن نكون “مُمسحَنين” (Christified): فالمثال الإلهي الذي دُعينا إلى بلوغه هو مثال المسيح. ومن خلال يسوع المسيح الإله المتأنس (أو الإله ـ الإنسان)، يمكن لنا نحن البشر أن “نُغرس فى الله” (ingoded) (ندخل فى الله)، نصير مُؤلَّهين (divinized)، أو يصيرنا” شركاء الطبيعة الإلهية” (2بط4:1). فالمسيح باتخاذه بشريتنا، وهو ابن الله بالطبيعة، قد صيَّرنا أبناء لله بالنعمة. فيه يتبنانا الله الآب، فنصير أبناءً فى الابن.

 

          هذه الفكرة عن الخلاص كشركة تتضمن أمرين بوجه خاص، حول التجسد الإلهي:

          أولاً، تتضمن أن المسيح لم يأخذ جسدًا بشريًا فقط مثل أجسادنا، بل أخذ أيضًا روحًا بشريًا وعقلاً ونفسًا مثلنا (مثل أرواحنا وعقولنا ونفوسنا). والخطية كما عرفنا (فى الفصل السابق ص59)، لا تستمد أصولها من أسفل بل من أعلى، هي ليست مادية فيزيقية فى أصلها بل هي روحية. إذن فإن العنصر من الإنسان الذي يحتاج أن يُفتدى ليس هو جسده فى المقام الأول بل هو إرادته ومركز اختياره الأخلاقى. فلو لم يكن للمسيح عقل بشرى، فإن ذلك سوف يؤثر بشكل خطير ومميت على المبدأ الثانى للخلاص، وهو أن الخلاص الإلهي يجب أن يصل إلى نقطة الاحتياج البشرى.

 

          إن أهمية هذا المبدأ قد أُعيد التأكيد عليها خلال النصف الثانى من القرن الرابع حين ابتدع أبوليناريوس النظرية ـ التي أُدين بسببها فورًا كهرطوقى ـ أنه عند التجسد أخذ المسيح فقط جسدًا بشريًا لكنه لم يأخذ عقلاً بشريًا ولا نفسًا عاقلة. وقد أجاب القديس غريغوريوس اللاهوتى على هذا بعبارة: ” ما لا يُؤخذ لا يَخلُّص (أو لا يُشفى)”. أى أن المسيح يخلصنا بصيرورته ما نحن عليه (أى بصيرورته إنسانًا)، هو يُشفينا بأخذه بشريتنا المكسورة لنفسه، (يشفينا) “بأخذه” هذه البشرية له خاصةً، وبدخوله فى خبرتنا البشرية وبمعرفته لها من الداخل بسبب كونه واحدًا منا. ولكن لو كانت مشاركته لبشريتنا ناقصة من أى ناحية، لأصبح خلاص الإنسان أيضًا ناقصًا بالمثل. فإن كنا نؤمن أن المسيح قد أتى إلينا بخلاصٍ كاملٍ شاملٍ، فيتبع ذلك أنه   ” إتخذ ” لنفسه كل شئ (فى طبيعتنا البشرية).

          ثانيًا، هذه الفكرة عن الخلاص كمشاركة تتضمن ـ على الرغم من أن كثيرين أحجموا عن قول ذلك صراحة ـ أن المسيح أخذ لا الطبيعة البشرية غير الساقطة بل الساقطة. وكما تؤكد الرسالة إلى العبرانيين (وفى كل العهد الجديد لا يوجد نص خريستولوجى (خاص بالمسيح) أكثر أهمية من هذا): ” ليس لنا رئيس كهنة غير قادر أن يرثى لضعفاتنا بل مُجرّب فى كل شئ مثلنا، بلاخطية ” (عب15:4). لقد عاش المسيح حياته على الأرض فى ظل ظروف السقوط. هو نفسه ليس شخصًا خاطئًا، لكن بتضامنه مع الإنسان الساقط يقبل عواقب خطية آدم قبولاً تامًا، يقبل كليةً ليس فقط العواقب الجسدية الطبيعية كالتعب والألم الجسدى وبالتالى انفصال النفس عن الجسد بالموت، بل هو يقبل أيضًا العواقب الأخلاقية، كالشعور بالوحدة، والشعور بالغربة، والصراع الداخلى. قد يبدو شيئًا جسورًا أن ننسب هذا كله إلى الإله الحى، لكن تعليمًا رصينًا متماسكًا عن التجسد يستلزم كل ذلك. فلو كان المسيح قد أخذ فقط مجرد طبيعة بشرية غير ساقطة، وعاش حياته على الأرض فى وضع آدم فى الفردوس لَمَا كان قد تأثر أو شعر بضعفاتنا، ولا كان قد جُربَ فى كل شئ تمامًا مثلما نُجرب نحن: وفى تلك الحالة لا يكون هو “مخلّصنا ” الذي يخلصنا.

 

          ويذهب القديس بولس إلى حدٍ بعيد حتى أنه يكتب قائلاً: ” لأن الله جعل الذي لم يعرف خطية، خطية، لأجلنا ” (2كو21:5). ولا يجب أن نفكر هنا بلغة الإجراءات القضائية فقط، تلك التي اقتضت أن المسيح رغم أنه برئ بلا ذنب، قد حمل ذنبنا الذي ” نُسِبَ ” إليه (أو أُلصِقَ به) بشكلٍ خارجى: إن الأمر يتضمن ما هو أعمق من ذلك بكثير. فالمسيح يخلصنا باختباره “من الداخل” ـ كواحد منا ـ كل ما نعانيه نحن داخليًا من خلال معيشتنا فى عالم خاطئ.

 

لماذا الميلاد من عذراء:

          ذكر كتاب العهد الجديد صراحة أن أم يسوع المسيح كانت عذراء (مت25،23،18:1) إن ربنا له أب أزلى فى السماء، ولكن ليس له أب على الأرض. لقد وُلد خارج الزمن من الآب بدون أم، ووُلد فى الزمن من أمه بلا أب. وهذا الاعتقاد فى الميلاد العذراوى لا يقلل رغم ذلك أبدًا من ملء بشرية المسيح. فعلى الرغم من أن الأم كانت عذراء، كان هناك ميلاد حقيقى لطفل بشرى أصيل وحقيقى.

          ورغم ذلك، نتساءل، لماذا كان ميلاده كإنسان لابد أن يأخذ هذا الشكل الخاص ؟ والإجابة على ذلك أن عذراوية الأم تخدم كآية (كعلامة) على فرادة الابن. والعذراوية تفعل ذلك من خلال ثلاثة طرق وثيقة الصلة ببعضها:

          أولاً: حقيقة أن المسيح ليس له أب أرضى تعنى أنه يشير دائمًا إلى ما وراء وضعه فى المكان والزمان، إلى أصله السماوى والأزلى. فالطفل المولود من مريم هو بالحقيقة إنسان، لكنه “ليس إنسانًا فقط”، هو داخل التاريخ لكنه أيضًا فوق التاريخ. إن ميلاده من عذراء يؤكد أنه على الرغم من أنه متنازل (وحال على الأرض) إلاّ أنه أيضًا متعالٍ وسامٍ؛ وعلى الرغم من أنه إنسان كامل فهو أيضًا إله كامل.

          ثانيًا: حقيقة أن أم المسيح كانت عذراء تدل على أن ميلاده يجب أن يُنسب بطريقة فريدة إلى ” المبادرة الإلهية “. وعلى الرغم من أنه إنسان كامل، فإن ميلاده لم يكن نتيجة اتحاد جنسى بين رجل وامرأة، بل كان بطريقة خاصة، عمل الله ” المباشر “.

          ثالثًا: ميلاد المسيح من عذراء يؤكد أن التجسد لم يتضمن مجىء شخص جديد إلى الوجود. فعندما يولد طفل من أبوين بشريين، بالطريقة العادية، يبدأ شخص جديد فى الوجود. لكن شخص المسيح المتجسد ليس شخصًا آخر سوى الأقنوم الثانى فى الثالوث القدوس. ولهذا فعند ميلاد المسيح، لم يأتِ شخص جديد إلى الوجود، لكن الشخص الكائن سابقًا، شخص ابن الله بدأ الآن يحيا حسب طريقة وجود بشرية وإلهية معًا. لهذا فالميلاد العذراوى يُظهر وجود المسيح الأزلى السابق لتجسده.

 

          ولأن شخص المسيح المتجسد هو هو نفسه شخص الكلمة اللوغوس، فيحق أن نُلقب العذراء مريم بلقب “ثيؤطوكوس”، “والدة الإله” فهي أم، لا لابن بشرى عادى مرتبط بالابن الإلهي، بل هي أم لابن بشرى هو ابن الله الوحيد الجنس. ابن مريم هو هو شخص ابن الله نفسه؛ لهذا، وبفضل التجسد، فإن مريم هي بملء الحقيقة ” أم الله “.

          وبينما تضع الأرثوذكسية دور العذراء المباركة فى كرامة عالية كأم المسيح، فهي لا ترى حاجة إلى أية عقيدة (Dogma) عن ” الحبل بلا دنس”. وهذا التعليم كما حددته الكنيسة الكاثوليكية الرومانية فى عام 1854 ينص على أن مريم، ” من اللحظة الأولى للحبل بها ” بواسطة أمها القديسة حنة، كانت مبرأة من ” كل دنس الخطية الأصلية “. وثمة نقطتان بحاجة أن نفتكر فيهما هنا.

          أولاً، ومثلما سبق ولاحظنا (فى الفصل السابق عن السقوط ص79)، أن الأرثوذكسية لا تفهم السقوط بالمفاهيم الأغسطينية، كدنس من الذنب الموروث. فلو كنا نحن الأرثوذكس قد قبلنا الرأى اللاتينى عن الخطية الأصلية، لكنا ربما شعرنا أيضًا بالحاجة إلى تأييد التعليم عن الحبل بلا دنس. لكن لأن مصادرنا فى البحث مختلفة، لذلك فإن العقيدة اللاتينية تبدو لنا ليس فقط خاطئة جدًا بل بالحرى زائدة عن الحاجة ولا لزوم لها.

          ثانيًا: بالنسبة للأرثوذكسية، تشكل العذراء مريم، مع يوحنا المعمدان، تاج وذروة بتولية العهد القديم. هي الشخصية “الرابطة”: آخر وأعظم الأبرار من الرجال والنساء فى العهد القديم. وهي فى نفس الوقت، القلب الخفى للكنيسة الرسولية (أنظر أع14:1). لكن تعليم ” الحبل بلا دنس ” يبدو لنا وقد أخرج العذراء مريم من العهد القديم ليضعها مسبقًا فى العهد الجديد، كلية. وفى التعليم اللاتينى، فإنها لا تقف بعد على قدم المساواة مع القديسين الآخرين فى العهد القديم، ومن ثم فإن دورها ” كرابطة ” أو “حلقة وصل” يتعطل.

          وعلى الرغم من رفضها للتعليم اللاتينى عن “الحبل بلا دنس”، فإن الكنيسة الأرثوذكسية فى عبادتها الليتورجية تخاطب أم الله بأنها “بلا عيب”          (achrantos) و”كلية القداسة” (panagia) “التي بلا دنس بالكامل”         (panamomos). ونؤمن نحن الأرثوذكس أنها بعد موتها أُخذت إلى السماء، حيث تقيم الآن، بجسدها ونفسها ـ فى مجد أبدى مع ابنها. وهي بالنسبة لنا ” فرح كل الخليقة ” (قداس القديس باسيليوس) ” زهرة الجنس البشرى وباب السماء ” (التمجيد باللحن الأول) ” الكنز الثمين للعالم كله ” (القديس كيرلس الأسكندرى)، ونقول مع القديس مار أفرام السريانى:

          ” أنت وحدك، يا يسوع، مع أمك جميل من كل الوجوه:

          لأنه لا يوجد فيك عيب، ياربى، ولا دنس فى والدتك “.

          من هذا يمكن أن يُرى، علو المكانة التي نعطيها نحن الأرثوذكس، للعذراء القديسة، فى اللاهوت وفى الصلاة. هي بالنسبة لنا التقدمة الفائقة التي قدمها الجنس البشرى لله.

          وبكلمات إحدى الترانيم الميلادية:

          ” ماذا نقدم لك، أيها المسيح،

          أنت الذي من أجلنا قد ظهرت على الأرض كإنسان؛

          كل خليقة من صنعك تقدم لك التشكرات.

          الملائكة يقدمون تسبيحة؛ والسماء، تقدم لك نجمًا؛

          المجوس يقدمون الهدايا؛ والرعاة يقدمون دهشتهم؛

          الأرض تقدم مغارتها؛ والصحراء تقدم مذودًا؛

          ونحن نقدم لك ـ أمًا عذراء.

 

 

أطاع حتى الموت:

          تجسد المسيح هو بذاته عمل خلاصى. فالمسيح باتخاذه إنسانيتنا المكسورة لنفسه، فإنه يعيدها ويصلحها، وأيضًا ـ بكلمات ترنيمة ميلادية أخرى ـ “يرفع الصورة الساقطة”. ولكن لماذا كان الموت على الصليب ضروريًا؟ ألم يكن كافيًا أن يحيا أحد أقانيم الثالوث، كإنسان على الأرض، وأن يفكر وأن يشعر وأن يريد كإنسان، دون حاجة أن يموت أيضًا كإنسان؟

          إن تجسد المسيح كان يمكن فى الواقع أن يكفى كتعبير كامل عن حب الله الدافق، فى عالم غير ساقط، ولكن فى عالم ساقط وخاطئ كان يلزم لمحبته أن تذهب إلى ما هو أكثر من مجرد التجسد. فبسبب الوجود المأساوى للخطية والشر، صارت مهمة إعادة الإنسان تجديده مكلفة بغير حدود. كان يلزم للإنسان شفاء عن طريق فعل تضحية ذبائحى، وهي تضحية لا يستطيع أن يقدمها سوى إله متألم ومصلوب.

التجسد هو فعل اتحاد ومشاركة: فالله يخلصنا بأن يوّحد نفسه بنا، بأن يتعرف على خبرتنا البشرية من الداخل. فالصليب يعنى أن فعل المشاركة هذا قد وصل إلى أقصى حدوده وذلك بطريقة قاسية جدًا ومتصلبة إلى أقصى حد. فالإله المتجسد يدخل إلى اختبارنا البشرى دخولاً كاملاً. فيسوع المسيح رفيقنا، يشترك ليس فقط فى ملء الحياة البشرية، بل يشترك أيضًا فى ملء الموت البشرى. ” أحزاننا حملها وأوجاعنا تحملها” (إش4:53) ـ كل أحزاننا وكل أوجاعنا. ” فالذي لا يُؤخذ لا يُشفى”: لكن المسيح طبيبنا الشافى قد أخذ فى نفسه كل شئ، إنه قد أخذ حتى الموت نفسه.

          الموت له وجهان وجه طبيعى (جسدى) ووجه روحى، والوجه الروحى للموت هو الأكثر رعبًا. الموت الطبيعى هو انفصال جسد الإنسان عن نفسه؛ والموت الروحى هو انفصال نفس الإنسان عن الله. فحينما نقول إن المسيح ” أطاع حتى الموت ” (فى8:2)، فلا ينبغى أن نحصر معنى هذه الكلمات فى الموت الطبيعى وحده. فلا ينبغى أن نفكر فقط فى المعاناة الجسدية التي احتملها المسيح فى آلامه: كالجلد، والسقوط تحت ثقل الصليب، والمسامير، والعطش، والحرارة والعرق، والتمزق الناتج عن التعليق مشدودًا على الخشبة. فالمعنى الحقيقى للآلام ينبغى أن نجده ليس فى هذه الآلام فقط، بل بالأكثر فى آلامه الروحية ـ فى الشعور بالإخفاق والعزلة والوحشة التامة، وفى التألم بسبب رفض محبته التي قدمها ولكنها رُفضت.

          ونحن نتفهم الطريقة المتحفظة التي تتحدث بها الأناجيل عن هذه المعاناة الداخلية، ومع ذلك فهي تزودنا ببعض اللمحات. فأولاً تخبرنا الأناجيل عن جهاد المسيح فى بستان جثسيمانى، حينما كان يغمره الرعب والفزع وهو يصلى إلى أبيه متألمًا: ” إن أمكن فلتعبر عنى هذه الكأس ” (مت36:26). وكذلك تخبرنا عن سقوط ” عرقه كقطرات دم نازلة على الأرض” (لو44:22). وكما يصر المطران أنطونيوس أسقف كييف، فإن جثسيمانى تزودنا بمفتاح عقيدتنا عن الكفارة بكليتها. فهنا (فى جثسيمانى) يواجه المسيح ضرورة الاختيار. فمن ناحية هو ليس محتمًا عليه أن يموت، بل هو يختار بإرادته الحرة أن يموت. وبتقديمه لنفسه بإرادته، فإنه يحوّل ما كان عنفًا عشوائيًا وقتلاً شرعيًا، إلى ذبيحة خلاصية. ولكن فعل الاختيار الحر هذا، هو فى غاية الصعوبة. فعندما قرر يسوع أن يسير نحو ساعة القبض عليه والصلب فإنه بكلمات “وليم لو” (William Law): “يختبر رعبًا وفزعًا شديدًا وهو ما تتسم به النفس الضائعة.. أى حقيقة الموت الأبدى “. وينبغى أن نعطى وزنًا كاملاً لكلمات المسيح فى جثسيمانى: ” نفسى حزينة جدًا حتى الموت ” (مت38:26)، ففى هذه اللحظة يدخل يسوع دخولاً تامًا فى اختبار الموت الروحى. وهو فى هذه اللحظة يوّحد نفسه مع كل يأس البشرية وتألمها الذهنى؛ وهذا التوّحد (بينه وبيننا) هو أكثر أهمية لنا من اشتراكه فى آلامنا الجسدية.

          ويقدم لنا الصليب لمحة ثانية حينما صرخ المسيح بصوت عظيم قائلاً: ” إلهي إلهي لماذا تركتنى” (مت46:27). وهنا أيضًا ينبغى أن نعطى تقديرًا ووزنًا كاملاً لهذه الكلمات، فهنا نجد ذروة الشعور بالتخلى والهجر بالنسبة للمسيح، حينما يشعر ليس فقط بتخلى الناس عنه، بل أيضًا بتخلى الآب عنه. ولا يمكننا أن نبدأ بشرح كيف يكون ممكنًا بالنسبة للذى هو نفسه الإله الحى، أن يضيع منه الشعور بالحضور الإلهي. ولكن هذا هو الأمر الواضح أمامنا. فلا يوجد فى آلام المسيح أى نوع من التمثيل ولم يعمل شيئًا فى آلامه للاستعراض الخارجى. فكل كلمة على الصليب تعنى تمامًا ما تقول، وإن كانت صرخة “ إلهي إلهي..” تعنى شيئًا على الإطلاق، فينبغى أن تعنى أن يسوع فى هذه اللحظة كان يختبر الموت الروحى الذي هو الانفصال عن الله (بمعنى تخلى الآب وحجب وجهه عنه). فهو لم يسفك فقط دمه لأجلنا، بل قَبِلَ من أجلنا حتى فقدان الله أيضًا.

          “ونزل إلى الجحيم [3] (قانون إيمان الرسل)، هل يعنى هذا فقط أن المسيح ذهب ليكرز للأرواح المنتقلة، فى الفترة بين مساء الجمعة العظيمة وفجر القيامة (أنظر 1بط19:3). ولكن بالتأكيد أن لهذه العبارة أيضًا معنى أعمق. فالجحيم ليس نقطة فى مكان ما بل فى النفس. الجحيم هو المكان الذي لا يكون الله موجودًا فيه (ومع ذلك فالله موجود فى كل مكان!). “فنزول المسيح إلى الجحيم ” يعنى نزوله إلى الأعماق التي يغيب الله عنها. وقد وحّد المسيح نفسه كلية وبدون أى تحفظ مع كل معاناة الإنسان ووحشته وإحساسه بالعزلة والرفض. لقد أخذ على عاتقه كرب الإنسان، وبإتخاذه إياه فقد شفاه.

 

          لم تكن هناك طريقة أخرى يمكنه أن يشفي بها (كرب الإنسان) سوى بأن يجعل الألم والكرب خاصين به (بالمسيح).

          هذه هي رسالة الصليب لكل واحد منا، فمهما كانت المسافة التي علىَّ أن أسيرها فى وادى ظل الموت، “فأنا لست وحدى إطلاقًا“. فهنا أجد لى رفيقًا، وهذا الرفيق ليس فقط إنسانًا حقيقيًا مثلى، بل هو أيضًا إله حق من إله حق. ففى أعمق لحظات انسحاق المسيح على الصليب، هو فى نفس الوقت الإله الأزلى والحى كما كان هكذا تمامًا عند تجليه بالمجد على جبل طابور. وعندما أنظر إلى المسيح مصلوبًا لا أرى فقط إنسانًا متألمًا بل “إلهًا متألمًا “.

 

الموت نصرة وغلبة:

إن موت المسيح على الصليب ليس إخفاقًا تم تصحيحه فيما بعد بواسطة قيامته. فالموت على الصليب فى ذاته هو انتصار. ما الذي انتصر؟ ليس هناك إلاّ إجابة واحدة: انتصار المحبة المتألمةالمحبة قوية كالموت… مياه كثيرة لا تستطيع أن تطفئ المحبة” (نش7،6:8). فالصليب يرينا المحبة التي هي قوية كالموت بل هي محبة أقوى من الموت.

          ويفتتح القديس يوحنا روايته عن العشاء الأخير والآلام بهذه الكلمات   ” فيسوع.. إذ كان قد أحب خاصته الذين فى العالم، أحبهم إلى المنتهي” (يو1:13). “إلى المنتهي” ـ وباللغة اليونانية تعنى “إلى النهاية”، أى “إلى الكمال”. وهذه الكلمة اليونانية Telos نجدها فيما بعد مستعملة فى الصرخة الأخيرة التي نطق بها على الصليب: ” قد أُكمّل” (يو30:19) وهذه الصرخة لا ينبغى أن تُفهم كصرخة استسلام أو يأس بل كصرخة انتصار: قد اكتمل، قد أُنجز، قد تحقق. ما هو الذي تحقق؟ ونجيب: عمل المحبة المتألمة، انتصار المحبة على البغضة. المسيح إلهنا قد أحب خاصته إلى المنتهي. لقد خلق العالم بسبب محبته، وبسبب المحبة وُلد فى هذا العالم كإنسان، وبسبب المحبة إتخذ إنسانيتنا المكسورة لنفسه وجعلها خاصة به. بسبب المحبة وحّد نفسه مع آلامنا. بسبب المحبة قدم نفسه ذبيحة واختار وهو فى جثسيمانى أن يمضى بإرادته إلى آلامه: ” وأنا أضع نفسى عن خرافى.. ليس أحد يأخذها منى بل أضعها أنا من ذاتى ” (يو18،15:10). فالذي أتى بيسوع إلى الموت لم يكن قهرًا خارجيًا، بل محبة قوية ومريدة. وفى جهاده فى البستان وعلى الصليب فإن قوات الظلمة تهاجمه بكل عنفها، ولكنها لا تستطيع أن تحوّل محبته إلى بغضة؛ لا تستطيع أن تمنع محبته من أن تظل كما هي. لقد امتُحنت محبته إلى أقصى حد ولكنها لم تُقهر. ” النور يضئ فى الظلمة والظلمة لم تبتلعه” (يو5:1). ويمكن أن نتكلم عن نصرة المسيح على الصليب بالكلمات التي تكلم بها كاهن روسى عند إطلاق سراحه من معسكر السجن، عندما قال: ” الألم قد حطم كل شئ، شئ واحد قد ظل ثابتًا ـ ألاّ وهو المحبة “.

 

          فعندما نفهم الصليب على أنه انتصار فهذا يضع أمامنا مضادة المحبة الكلية القدرة. ويقترب ديستوفسكى من المعنى الحقيقى لنصرة المسيح فى بعض عباراته التي يضعها على لسان الستارتز زوسيما[4]:

          [ يقف الإنسان مرتبكًا أمام بعض الأفكار، وخاصة أمام منظر الخطية البشرية، ويتحير الإنسان هل يقاومها بالقوة أم بالمحبة المتواضعة. قرّر وصمم دائمًا وقل سأقاومها بالمحبة المتواضعة. فإن عزمت على ذلك مرة واحدة، فإنك تستطيع أن تغلب العالم كله. التواضع المملوء محبة هو قوة مرعبة: إنه الأقوى بين الأشياء ولا يوجد شئ آخر مثله ].

 

التواضع المملوء محبة هو قوة مرعبة: فحينما نتخلى عن أى شئ أو نتألم من أى شئ لا بإحساس المرارة المرتبط بالتمرد، بل باستعداد ورغبة ونتيجة المحبة، فهذا لا يجعلنا أضعف بل اقوى. هكذا الأمر أيضًا ـ وأكثر من الكل ـ فى حالة يسوع المسيح. يقول القديس أغسطينوس إن ضعف المسيح كان قوة. إن قوة الله تظهر بالأكثر ليس فى خلقته للعالم أو فى أى معجزة من معجزاته بل بالحرى فى حقيقة أن الله بسبب محبته، قد ” أخلى نفسه” (فى7:2)، قد سكب نفسه فى عطاء سخى للذات باختياره الحر ورضاه بأن يتألم وأن يموت. وهذا الإخلاء للنفس هو تحقيق للذات: الإخلاء هو امتلاء (Kenosis is Plerosis) إن الله لا يكون فى أقصى قوته إلاّ كما يكون وهو فى غاية الضعف.

 

          المحبة والبغضة هما ليس مجرد مشاعر ذاتية، تؤثر فى العالم الداخلى لأولئك الذين يختبرونهما بل هما أيضًا قوتين موضوعيتين فعلاً، وهما تغيران العالم الذي حولنا خارج نفوسنا. بمحبة الآخر أو بغضه فإنى أجعل الآخر ـ إلى درجة ما ـ يتحول ليصير بحسب ما أراه أنا أو أراها. إن محبتى خلاّقة ليس فقط لنفسى بل لحياة كل الذين حولى، وبالمثل فإن كراهيتى هدامة. فإن كان هذا صحيحًا بالنسبة لمحبتى أنا فيكون صحيحًا بدرجة أعظم بما لا يُقاس بالنسبة لمحبة المسيح. فانتصار محبة المسيح المتألمة على الصليب ليس فقط يضع أمامى نموذجًا يبين لىّ ما يمكن أن أصل إليه إن تمثلت به بواسطة جهودى الخاصة، بل أكثر جدًا من هذا فإن محبته المتألمة لها تأثير خلاّق علىَّ ـ إذ أنها تغير قلبى وإرادتى، وتحررنى من العبودية وتجعلنى صحيحًا معافى، وتجعلنى قادرًا على أن أحب بطريقة تتجاوز قواىَّ تمامًا لو لم أكن قد نلت أولاً محبته لىّ. ولأنه وحّد نفسه معى بالمحبة، فإن انتصاره هو انتصارى. وهكذا فإن موت المسيح على الصليب هو بحق “موت خلاّق للحياة” (موت مُحيِى)، كما يصفه قداس القديس باسيليوس.

 

          إذن، فآلام المسيح وموته لهما قيمة موضوعية: لقد عمل لنا شيئًا كنا غير قادرين أن نعمله بدونه. وفى نفس الوقت، لا ينبغى أن نقول إن المسيح قد تألم “بدلاً منا”، بل بالحرى قد تألم “لأجلنا”. ابن الله تألم “حتى الموت”، لا لكى نُعفى نحن من الألم والمعاناة، بل لكى تكون آلامنا مثل ألامه. فالمسيح يقدم لنا طريقًا لا للهروب من الألم بل طريقًا للسير فى وسط الألم؛ فهو لا يقدم لنا مبادلة، بل يرافقنافى آلامنا وبمرافقته لنا يخلصنا.

          هذه هي قيمة صليب المسيح بالنسبة لنا. فإذا أخذناه وربطناه بالتجسد والتجلى اللذين يسبقانه، وبالقيامة التي حدثت بعده ـ فإن كل هذه إنما هي عناصر لعمل واحد لا تقبل الانفصال عن بعضها، أى أنها “دراما”. فإن الصلب ينبغى أن يُفهم على أنه أعظم وأكمل نصرة، وتضحية، ومثال. وفى كل الحالات فإن النصرة، والتضحية، والمثال، هي خاصة بالمحبة المتألمة:

          وهكذا فنحن نرى فى الصليب:

          النصرة الكاملة للتواضع المُحب على البغضة والخوف ؛

          التضحية الكاملة أى تقديم الذات الإرادى الذي للمحبة المشفقة ؛

          المثال الكامل لقوة المحبة الخلاّقة.

          وبكلمات جوليان (من نوريخ Julian of Norwich):

          “هل تريد أن تتعلم قصد سيدك فى هذا الأمر؟ تعلّمه جيدًا. المحبة كانت قصده. من الذي أظهرها لك؟ المحبة. ماذا أظهر لك؟ المحبة. لماذا أظهرها لك؟ لأجل المحبة. فأمسك أنت بها وأنت ستتعلم وتعرف أكثر فى نفس هذا الأمر (المحبة). ولكنك لن تعرف أو تتعلم هناك شيئًا آخر بغير حدود.. ثم قال ربنا الصالح يسوع المسيح: هل أنتِ مسرورة لأنى تألمت لأجلكِ؟ فقلت له: نعم أيها الرب الصالح، إنى أشكرك؛ نعم ياربى الصالح لتكن أنت مباركًا. حينئذٍ قال يسوع سيدنا الحنون: إن كنتِ مسرورة فأنا مسرور. إنه لفرح وإنه لسعادة وأمر مشبع لىّ بلا نهاية إننى عانيت الآلام لأجلكِ، وإن كان يلزم أن أتألم أكثر فإننى سوف أتألم أكثر”.

 

المسيح قام :

          بسبب أن المسيح إلهنا هو إنسان حقيقى، لهذا مات موتًا بشريًا تامًا، موتًا حقيقيًا على الصليب. ولكن لأنه ليس فقط إنسانًا حقيقيًا بل هو أيضًا إله حقيقى، بسبب أنه هو الحياة ذاتها ومصدر الحياة، فهذا الموت لم يكن ولا يمكن أن يكون الخاتمة النهائية.

 

          الصلب ذاته نصرة؛ ولكن النصرة تظل خفية يوم الجمعة العظيمة، ولكن فى فجر القيامة تصير النصرة ظاهرة مكشوفة. المسيح قام من بين الأموات وبقيامته يحررنا من القلق والخوف: فهنا تتأكد نصرة الصليب ويظهر بوضوح أن الحب أقوى من البغضة وأن الحياة أقوى من الموت. الله نفسه مات وقام من الأموات، وهكذا لم يعد هناك موت بعد. فحتى الموت قد صار مملوءًا بالله. وبسبب قيامة المسيح فلم نعد نخاف من أى ظلمة أو قوة شريرة فى الكون كله. وكما نعلن فى صلاة قداس ليلة القيامة ـ بكلمات للقديس يوحنا ذهبى الفم:

          لا أحد يخاف الموت،                                      لأن موت المخلص قد حررنا

          المسيح قام                                                                     والشياطين قد سقطت

          المسيح قام                                                                     والملائكة تتهلل

          هنا ـ مثلما فى مواقف أخرى ـ فإن الأرثوذكسية تصل إلى الطرف الأقصى. فنحن نكرر مع القديس بولس: ” إن لم يكن المسيح قد قام فباطلة كرازتنا، وباطل أيضًا إيمانكم” (1كو14:15). كيف نستمر أن نكون مسيحيين، إن كنا نعتقد أن المسيحية مؤسسة على أوهام ؟ وكما أنه لا يكفى أن نعتبر المسيح مجرد نبى أو مجرد معلم للبر، ولم نعتبره الإله المتجسد، هكذا أيضًا لا يكفى أن نشرح القيامة بقولنا أن “روح” المسيح عاش بطريقة ما وسط تلاميذه. فالذي لا يكون “إله حق من إله حق”، والذي لم يقهر الموت بموته وقيامته من بين الأموات، لا يمكن أن يكون هو خلاصنا ورجاؤنا.

 

          نحن الأرثوذكس نؤمن أنه قد حدثت قيامة حقيقية من بين الأموات، أى أن نفس المسيح البشرية قد عادت واتحدت بجسده البشرى، وأن القبر وُجد فارغًا. وبالنسبة لنا نحن الأرثوذكس حينما ندخل فى حوارات “مسكونية” ـ فإن أحد أهم الانقسامات وسط المسيحيين المعاصرين هي بين الذين يؤمنون بالقيامة والذين لا يؤمنون بها.

وأنتم شهود لهذه الأمور” (لو48:24). المسيح المُقام يرسلنا إلى العالم لنشرك الآخرين معنا فى “الفرح العظيم” الذي لقيامته. كتب الأب ألكسندر شميمان:

          [ المسيحية منذ بدايتها كانت هي الكرازة بالفرح، الكرازة بالفرح الوحيد الممكن على الأرض… بدون الكرازة بهذا الفرح تبقى المسيحية غير مفهومة. الكنيسة كانت منتصرة فى العالم لسبب واحد وهو أنها كانت مملوءة بالفرح، وهي فقدت العالم حينما فقدت الفرح، حينما توقفت عن الشهادة للفرح. من بين الاتهامات الموجهة للمسيحيين فإن أشدها هولاً هو الاتهام الذي نطق به نيتشه حينما قال: إن المسيحيين ليس عندهم فرح… الإنجيل يبدأ هكذا: ” ها أنا أبشركم بفرح عظيم..” وينتهي هكذا ” فسجدوا له ورجعوا إلى أورشليم بفرحٍ عظيم.. ” (لو10:2، 52:24).]

          [ اعتاد أحد الشيوخ أن يقول: نادى اسم يسوع باتضاع وبقلبٍ منسحق، اخبره بضعفك الشديد، وهو يصير قوتك ]                         من أقوال آباء البرية

          [ ما أسهل أن تقول مع كل نَفَس: ياربى يسوع، ارحمنى! اباركك ياربى يسوع، ياربى يسوع، أعنى ]                                   القديس مقاريوس المصرى

          [ كل الآمال، والخطط، والعادات، والحسابات ـ وفوق الكل ـ المعنى، معنى الحياة، كل هذه تطير إلى داخل القبر المظلم المفتوح. المعنى فقد معناه، وهناك معنى آخر يفوق الإدراك هذا المعنى جعل للإنسان أجنحة تنمو فى ظهره… واعتقد أن أى إنسان يكون له هذا الاختبار للأبدية ـ ولو مرة واحدة، الإنسان الذي عرف طريقه الذي يسير فيه، ولو مرة واحدة ؛ ذلك الذي رأى “ذاك” الذي يسير أمامه، ولو مرة واحدة ـ مثل هذا الشخص سيجد أنه من الصعب أن يتحول عن هذا الطريق: فبالنسبة إليه، كل راحة تبدو سريعة الزوال، كل الكنوز لا قيمة لها، وكل الرفقاء لا لزوم لهم إذا فشل فى ان يرى بينهم ” الرفيق الوحيد”، حاملاً صليبه ]       

الأم ماريا من باريس

(هذه السطور كتبتها بعد وفاة طفلها)[5]

          [ الحق بالنسبة لنا ليس منظومة فكرية. الحق غير مخلوق. الحق كائن. المسيح هو الحق. الحق شخص. الحق ليس منحصرًا فى حدود إدراكنا له. الحق يسمو فوق إدراكنا، نحن لا نستطيع أن نبلغ إلى إدراك كامل للحق. البحث عن الحق هو البحث عن شخص المسيح.

          الحق هو سر شخص المسيح، ولأن الحق هو شخص، فإن السر مرتبط بدون انفصال بالحدث: حدث المقابلة. السر والحدث هما واحد.

          السر، عند الذهن الأرثوذكسى، هو حقيقة دقيقة وبسيطة تمامًا. السر هو المسيح، وهو أن تلتقى بالمسيح ]                                       (الأم ماريا من نورماندى)

          [ الرب قد صار كل شئ لأجلك، وأنت ينبغى ان تصير كل شئ لأجل الرب ]                                                                                               القديس يوحنا من كرونستادت

          [ لو لم يكن (المسيح) قد اتخذ (على عاتقه) الإنسان كله لما كان الإنسان كله قد خَلُص ]                                                                                                     أوريجينوس

 

[ عجيبة مدهشة قد أتت اليوم،

الطبيعة تجددت، والله صار إنسانًا.

ما كان عليه،       ظل كما هو،

وما لم يكن عليه، ذلك قد أخذه لنفسه

وأثناء آلامه ليس هناك اختلاط ولا انقسام

كيف أخبر عن هذا السر العظيم ؟

فذاك الذي هو بدون جسم صار متجسدًا،

الكلمة لبس جسدًا ؛

غير المرئى صار مرئيًا ؛

والذي لا تستطيع اليد أن تلمسه صار يُمسك ؛

والذي ليس له بداية، يبدأ الآن أن يوجد ؛

ابن الله صار ابن الإنسان:

يسوع المسيح هو نفسه، أمس، واليوم وإلى الأبد ]

(من صلاة عشية عيد الميلاد)

[ من لنا مثلك، يارب ؟

العظيم الذي صار صغيرًا، الساهر الذي نام، الطاهر الذي اعتمد، الحى الذي مات، الملك الذي حقر نفسه ليضمن الكرامة للجميع.

مباركة كرامتك، يجب على الإنسان أن يعترف بألوهيتك،

ويليق بالسمائيين أن يسجدوا لبشريتك.

الكائنات السمائية ذُهلت إذ رأتك كيف صرت صغيرًا جدًا.

والكائنات الأرضية ذُهلت إذ رأتك مُمجدًا جدًا ]

القديس مار افرآم السريانى

          [ لأن المسيح هو المحبة الكاملة، لذلك فحياته على الأرض لا يمكن أن تصير حياة من الماضى. هو يظل “حاضر” طوال الأبدية كلها. كان وحيدًا عندئذ، وحمل وحده خطايا البشر جميعًا كوحدة واحدة. ولكن فى موته، أخذنا جميعًا فى عمله. لذلك فالأنجيل حاضر معنا الآن. ويمكننا أن ندخل داخل ذبيحته الخاصة ]                                                                                         (الأم ماريا من نورماندى)

[ ذاك الذي لا يمكن لأحد أن يلمسه، يُقبض عليه ؛

ذاك الذي يحل آدم من اللعنة، يُربط.

ذاك الذي يمتحن القلوب وأفكار الإنسان الداخلية، يؤتى به إلى المحاكمة ظلمًا ؛

ذاك الذي أغلق الجحيم يُوضع فى الحبس.

ذاك الذي تقف أمامه قوات السماء مرتعدة، يقف أمام بيلاطس ؛

الخالق يُضرب بيد خليقته ؛

ذاك الذي سيأتى ليدين الأحياء والأموات يُحكم عليه بالصلب ؛

محطِّم الجحيم يُغلق عليه فى قبر.

يا من احتملت كل هذه الأمور بمحبتك الرقيقة،

يا من خلصت جميع الناس من اللعنة،

أيها الرب الطويل الآناة.. المجد لك ].

(من صلوات الجمعة العظيمة)[6]

          [ أعمق أساس للرجاء والفرح، وهو الأساس الذي يميز الأرثوذكسية ويتغلغل فى كل عبادتها، هو القيامة. عيد القيامة، محور العبادة الأرثوذكسية هو انفجار للفرح، نفس الفرح الذي شعر به التلاميذ حينما رأوا المخلص المُقام. عيد القيامة هو انفجار فرح الكون بانتصار الحياة، بعد الحزن الغامر على الموت ـ الموت الذي عاناه رب الحياة حينما صار إنسانًا “. لتفرح السموات ولتتهلل الأرض، وليحتفل العالم كله المنظور وغير المنظور بالعيد، لأن المسيح فرحنا الأبدى قد قام “. كل الكائنات قد امتلأت الآن بيقين الحياة، بينما كانت قبل ذلك تسير بإطراد نحو الموت.

          الأرثوذكسية تشدد بأصرار على إيمان المسيحية بانتصار الحياة ].

الأب دوميترو ستانيلو

          [عندما يكون الإنسان سجينًا فى معسكر سوفيتى بسبب معتقداته الدينية، عندئذ فقط يمكنه أن يفهم حقًا سر سقوط الإنسان الأول، والمعنى التصوفى (mystical) لافتداء كل الخليقة، ونصرة المسيح العظيمة على قوات الشر. إننا، إذ نتألم لأجل مبادئ الإنجيل المقدس فعندئذ فقط يمكننا أن نفهم بوضوح ضعفنا وخطيئتنا، وندرك عدم استحقاقنا بالمقارنة بالشهداء العظام للكنيسة الأولى. وعندئذ فقط يمكننا أن نفهم أن الوداعة والتواضع العميقين هما ضرورة قصوى، وبدونهما (بدون الوداعة والتواضع العميقين) لا يمكننا أن نخلص؛ عندئذ فقط يمكننا أن نبدأ فى تمييز الصورة العابرة لما هو منظور، كما نميز الحياة الأبدية لما هو غير منظور.

          فى يوم عيد القيامة (الفصح) ـ نحن جميعًا الذين كنا مسجونين بسبب معتقداتنا الدينية ـ اتحدنا معًا فى الفرح الواحد ـ فرح المسيح. لقد انجذبنا كلنا إلى شعور واحد، إلى انتصار روحانى واحد، ممجدين الإله الأبدى الواحد. لم يكن هناك قداس عيد القيامة المهيب المصحوب بصوت أجراس الكنيسة، ولم يكن هناك أى احتمال فى معسكرنا أن نجتمع للعبادة، أو أن نرتدى ملابس العيد، أو أن نعد أطباق عيد الفصح. بل بالعكس، كان هناك عمل أكثر وتدخّل أكثر من المعتاد فى شئون حياتنا. كل السجناء هنا بسبب معتقداتهم الدينية ـ أيًا كانت الكنيسة التي ينتمون إليها ـ كانوا محاصرين بتجسس أكثر، وبتهديدات أكثر من البولس السرى.

          ومع ذلك، فعيد القيامة (الفصح) كان هناك: عظيمًا، مقدسًا، روحانيًا، وغير ممكن نسيانه. نال عيدنا الفصحى بركة حضور إلهنا القائم (الحى) فى وسطنا ـ نال عيدنا بركة هدوء وسكون نجوم صحراء سيبريا، كما نال عيدنا بركة أحزاننا.

          كم هو عجيب أن تنبض قلوبنا بفرح عظيم وهي تشترك فى القيامة العظيمة.

          انهزم الموت، لم يعد هناك خوف، لقد أُعطىَ لنا فصح أبدى! وها نحن ـ ونحن ممتلئون بهذا الفصح العجيب ـ نرسل لكم من معسكر سجننا، الأخبار المنتصرة والفرحة: المسيح قام

(خطاب مرسل من معسكر اعتقال سوفيتى)

 

[1] يشير إلى الفصل الثانى ” الله ثالوث ” فى الجزء الخاص بصلاة ” ياربى يسوع.. ” (ص17).

2 بعد مجمع أفسس سنة 431م، ذكر المؤلف المجامع المسكونية عند الروم الأرثوذكس من الرابع إلى السابع، وعلاقتها بالتجسد. وما جاء فى قرارات هذه المجامع هو عبارة عن الإيمان بالثالوث وباتحاد الطبيعتين فى شخص ابن الله المتجسد الواحد، سبق أن أوردته المجامع الثلاث الأولى التي تعترف بها كنيستنا القبطية (المعرب).

3  وردت أيضًا فى القداس القبطى.

1 ديستوفسكى هو الروائى الروسى العالمى الشهير فى القرن التاسع عشر، وشخصية زوسيما هي إحدى شخصيات رواية ” الاخوة كارمازوف “.

3 راهبة روسية كانت متزوجة قبل الرهبنة، فى الفترة الأخيرة من حياتها كرست نفسها لخدمة المرضى والفقراء والسجناء فى فرنسا، وتوفيت فى معسكرات النازى فى رافنزبروك بألمانيا سنة 1945.

1  من صلوات الجمعة العظيمة عند الروم الأرثوذكس.

 

 

الله إنسانا – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد

الله خالق – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد

الله خالق – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد

 

الله خالق – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد

 

الطريق الأرثوذكسي للأسقف كاليستوس وير

الفصل الثالث

الله خالقٌ

جاء إلى القديس أنطونيوس فى البرية أحد الحكماء فى ذلك الزمان وقال له: ” يا أبى، كيف تحتمل العيش هنا محرومًا من كل تعزية من الكتب؟”.
فأجابه أنطونيوس ” كتابى، أيها الفيلسوف هو طبيعة الأشياء المخلوقة، وكلما أردت أقدر أن أقر فيها أعمال الله “.                                                              إفاجريوس البنطى

اعرف أن فى داخلك، على مستوى صغير، كونًا آخر: فى داخلك شمس وهناك قمر، وهناك أيضًا نجوم.                                                                                                                     أوريجينوس

 

تطلع إلى السموات:

          تصف الممثلة ليللا مكارثى كيف أنها ذهبت مرة وهي تشعر بتعاسة شديدة لتقابل ” جورج برنارد شو “، بعد أن هجرها زوجها:

          كنت أرتجف، كان شو يجلس ساكنًا جدًا. جلبت لى النيران الدفء.. لم أعرف كم مكثنا على هذا الحال، لكننى وجدت نفسى الآن أسير بخطى متثاقلة وشو يسير بجوارى.. نقطع “ممر أدلفى” صعودًا وهبوطًا. وتخفف الثقل الواقع على كاهلى رويدًا وأذرفت الدمع الذي لم يكن يفيض من قبل أبدًا.. وتركنى أصرخ. وسرعان ما سمعت صوتًا يتحدث إلىَّ اجتمعت فيه كل رقة العالم ولطفه. قال الصوت: ” تطلعى، يا عزيزتى، تطلعى إلى السموات. هناك فى الحياة ما هو أكثر من هذا. هناك المزيد والكثير”.

          ومهما كان إيمان “شو” بالله أو عدمه، فإن “شو” يشير هنا إلى شئ أساسى فى الطريق الروحى. إنه لم يقدم كلمات ناعمة لتعزية ليللا مكارثى، أو تظاهر أن ألمها من السهل تحمله. ما فعله كان أكثر إدراكًا وتبصرًا. أخبرها أن تخرج لحظة من نفسها، من مأساتها الشخصية، وأن ترى العالم فى موضوعيته، وأن تتحسس جماله وتنوعه، أن تحس به “هكذا كما هو”. وتنطبق نصيحته على جميعنا. ورغم أن آلامى وآلام الآخرين تقهرنى، فينبغى ألا أنسى أنه يوجد فى العالم أكثر من هذا، هناك الكثير جدًا.

 

          ويقول القديس يوحنا من كرونستادت “الصلاة حالة من الشكر الدائم”. فإن كنت لا أشعر بأى إحساس فرح بخليقة الله، وإن كنت أنسى أن أقدم العالم لله بالشكر، فلا أكون قد تقدمت سوى القليل على “الطريق”. ولم أتعلم بعد أن أكون إنسانًا بالحق. لأنه بالشكر فقط أقدر أن “أصبح أنا نفسى”. والشكر الممتزج بالفرح، البعيد جدًا عن كونه شكرًا مغرقًا فى الخيال أو شكرًا عاطفيًا، هو على النقيض شكر واقعى تمامًا ـ لكنها واقعية المرء الذي ” يرى العالم فى الله “، كخليقة إلهية.

 

جسر الماس:

          ” أتيت بنا إلى الوجود من العدم ” (قداس القديس يوحنا ذهبى الفم). كيف لنا أن نفهم علاقة الله بالعالم الذي خلقه ؟ ما معنى هذه العبارة “من العدم”، ولماذا، فى الحقيقة، يخلق الله أصلاً ؟

          إن عبارة ” من العدم ” تدل أولاً وقبل كل شئ، على أن الله خلق العالم ” بفعل مشيئته الحرة”. ولا شئ أجبره على أن يخلق، هو اختار أن يفعل ذلك. لم يُخلق العالم بغير قصدٍ أو عن ضرورة، إنه ليس انبثاقًا آليًا أو فيضًا من الله، بل هو نتيجة الاختيار الإلهي.

          فإن لم يكن شئ قد اضطر الله إلى الخلق، فلماذا إذن اختار أن يفعل هكذا ؟ وبقدر ما يسمح مثل هذا السؤال بإجابة، فإن ردنا يجب أن يكون: إن دافع الله فى الخلق هو محبته. وعوضًا عن القول إنه خلق العالم من عدم، يجب علينا القول بالأحرى إنه خلقه من ذاته هو، التي هي المحبة. علينا أن نفكر، لا فى “الله الصانع” ولا فى “الله الحرَفى” بل فى “الله المحب”. ليس الخلق بالأكثر فعل مشيئته الحرة بقدر ما هو فعل “محبته الحرة”. أن نحب معناه أن نشارك، كما أوضح لنا تعليم الثالوث بكل جلاء. ليس الله مجرد واحد، بل واحد فى ثلاثة، لأنه شركة أشخاص يتشاركون فى المحبة الواحد مع الآخر. إن دائرة الحب الإلهي، رغم ذلك، لم تبقَ مغلقة. إن محبة الله بكل ما تحمله الكلمة من معنى، محبة ” نشوة ودهش ” ـ محبة تجعل الله يخرج من ذاته وأن يخلق أشياء غير ذاته. وخلق الله العالم فى محبة ” دهشٍ ” باختيار إرادى، لتكون بجواره كائنات أخرى تشترك فى حياته ومحبته.

 

          لم يكن الله تحت أى اضطرار لكى يخلق، لكن ذلك لا يعنى أن هناك أى شئ بمحض الصدفة أو غير منطقى حول فعله فى الخلق. الله هو “كل” ما يفعل، لهذا فإن فعله فى الخلق ليس شيئًا ما منفصلاً عن نفسه. إن كل واحد منا كان موجودًا دائمًا فى قلب الله وفى محبته. ومنذ الأزل رأى الله كل واحد منا كفكرة أو فكر فى عقله الإلهي، ومنذ الأزل كان عنده خطة خاصة ومتميزة لكل واحد منا. نحن كنا موجودين على الدوام بالنسبة له، ويعنى الخلق أنه فى نقطة ما معينة فى الزمن بدأنا نوجد نحن أيضًا بالنسبة لأنفسنا.

          وكثمرة مشيئة الله الحرة، ومحبته الحرة، لم يكن العالم ضروريًا ولا مكتفيًا بذاته، بل هو عارض ومعتمد (على الله). وككائنات مخلوقة، لا يمكن أن نصبح نحن أنفسنا أبدًا وحدنا؛ فالله هو قلب كياننا، وإلاّ توقفنا عن الوجود. وفى كل لحظة نحن نعتمد فى وجودنا على مشيئة الله المُحِبة. الوجود هو دائمًا عطية أو هبة من الله ـ عطية مجانية من محبته، عطية لا تسترد أبدًا، لكنها على أى حال عطية، وليست شيئًا ما نمتلكه نحن بقدرتنا الذاتية. الله وحده هو الذي يملك سبب ومصدر كيانه فى ذاته، أما كل الكائنات المخلوقة فإن علتها ومصدرها، ليس فى أنفسها، بل فيه هو. الله وحده ذاتى المصدر، وكل الخلائق مصدرها الله، وجذرها فى الله، تجد أصلها وكمالها فيه. الله وحده ” اسم “، وكل المخلوقات ” صفات “.

 

          وبقولنا إن الله خالق العالم، لا نعنى فقط أنه وضع الأشياء فى حالة حركة بفعل أولى “فى البدء”، بعده استمرت فى أداء أعمالها بذاتها. ليس الله مجرد صانع ساعات كونيًا، يملأ الآلة ويتركها تستمر فى الدق من نفسها. على النقيض، فالخلق “مستمر“. وإن توخينا الدقة فى الحديث عن الخلق، علينا ألاّ نستخدم صيغة الزمن الماضى، بل الحاضر المستمر.

 

          علينا ألاّ نقول إن “الله خلق العالم، وخلقنى أنا فيه”، بل نقول إن ” الله يخلق العالم، ويخلقنى أنا فيه، هنا والآن، فى هذه اللحظة وباستمرار”. ليس الخلق حدثًا فى الماضى، بل هو علاقة فى الحاضر. لو لم يستمر الله فى أعمال مشيئته الخلاقة فى كل لحظة، لتهاوى الكون على الفور إلى عدم الوجود، لا شئ يمكنه أن يبقى موجودًا ثانيةً واحدةً لو لم يشأ الله له أن يكون. ومثلما يعبّر عنها المطران فيلاريت رئيس أساقفة موسكو، “كل المخلوقات تعتمد على كلمة الله الخالقة، كما فوق “جسر من ماس”، فوقها هاوية اللانهائية الإلهية، وتحتها هاوية عدميتها “. ويصدق هذا الأمر حتى على الشيطان والملائكة الساقطين فى الهاوية: إنهم هم أيضًا يعتمدون فى وجودهم على مشيئة الله.        

 

          إن غاية تعليم الخلق، إذن، ليس فى أن ننسب نقطة بداية زمنية للعالم، بل أن نؤكد على أنه فى هذه اللحظة الراهنة، كما فى كل اللحظات، يعتمد العالم فى وجوده على الله. وحينما يعلن سفر التكوين ” فى البدء خلق الله السموات والأرض ” (تك1:1)، فإن كلمة ” بدء ” لا تؤخذ هكذا ببساطة بمعنى زمنى (مؤقت)، بل ككلمة تدل على أن الله هو العلة الثابتة لكل الأشياء والحافظ لكل الأشياء.

 

          وكخالق، إذن، فإن الله هو دائمًا فى قلب كل شئ، وهو يحفظه فى الوجود. وعلى مستوى الاستفسار العلمى، فإننا ندرك بعض العمليات أو العواقب الخاصة بالسبب والنتيجة. وعلى مستوى الرؤيا الروحية والتي لا تناقض العلم لكنها تتجاوزه، ندرك فى كل مكان قدرات الله الخالقة، التي تضبط كل ما هو موجود، والتي تشكل الجوهر العميق جدًا للأشياء كلها. ولكن رغم أن الله حاضر فى كل مكان فى العالم، فإن الله ليس متطابقًا مع العالم. ونحن كمسيحيين لا نؤكد على ألوهية الكون أو “وحدة الوجود”[1] بل على “عدم ألوهية الكون” (أو عدم وحدة الوجود). فالله موجود فى كل شئ ومع هذا فهو أيضًا يفوق ويتجاوز كل الأشياء. هو ” أعظم من كل عظيم ” وأيضًا ” أصغر من كل صغير “.

          وحسب تعبير غريغوريوس بالاماس ” هو فى كل مكان وليس فى أى مكان، هو كل شئ ولا شئ”. ومثلما عبر راهب بندكتى من نيو كليرفو الجديدة ” الله فى القلب (قلب الأشياء Core ومركزها). والله شئ آخر خلاف القلب. الله فى داخل القلب، وهو خلال كل القلب، وهو ما وراء القلب، وهو أقرب إلى القلب من القلب. “.

 

          ” ورأى الله كل ما عمله، فإذ هو حسنٌ جدًا” (تك31:1). الخليقة بكاملها هي من صنع الله، وكل المخلوقات هي فى عمق جوهرها “حسنة جدًا”. وترفض المسيحية الأرثوذكسية الثنائية بكل أشكالها: الثنائية الجذرية الخاصة بالمانوية، والتي تعزى وجود الشر لقوة ثانية، شريكة فى الأزلية Coeternal مع إله المحبة؛ وترفض الثنائية الأقل جذرية للفالنتينيين الغنوسيين، الذين يرون النظام المادى، بما فيه الجسم البشرى، كنظام أتى إلى الوجود كنتيجة للسقوط ما قبل الكونى، كما ترفض الثنائية الأكثر حذقًا للأفلاطونيين، الذين لا يعتبرون المادة شرًا، لكنهم يعتبرونها غير حقيقية.

 

          وتؤكد المسيحية، ضد الثنائية بكل أشكالها، أن هناك خيرًا فائقًا، “الخير الأسمى” ـ أعنى، الله نفسه ـ لكن لا يوجد ولا يمكن أن يكون هناك شر فائق، فالشر ليس شريكًا فى الأزلية مع الله. فى البدء كان الله فقط: وكل الأشياء التي توجد هي خليقته، سواء فى السماء أو على الأرض، سواء كانت روحية أم مادية، وهكذا فهي فى حالتها الأساسية التي خُلقت عليها، كلها حسنة.

 

          ماذا نحن قائلون إذن عن الشر ؟ مادامت كل المخلوقات هي فى داخلها حسنة (صالحة)، والخطية أو الشر فى حد ذاته ليس ” شيئًا “، ولا هو بالكائن الموجود أو الجوهر الموجود. وتقول “يوليان” من نورويخ فى كتابها “كشوف”: “أنا لم أر الخطية لأننى أعتقد أنها ليست لها جوهر من نوع ما، ولا تشارك فى الكيان، ولا يمكن التعرف عليها إلاّ من خلال الألم الذي يتسبب عنها”. ويقول القديس أغسطينوس “الخطية عدم”. “ما هو شر بالمعنى الدقيق” ـ كما يلاحظ إفاجريوس ” ليس هو جوهر بل هو غياب الخير، مثلما أن الظلمة ليست سوى غياب النور”. يعلن القديس غريغوريوس النيصّى ” لا توجد الخطية فى الطبيعة بمعزل عن الإرادة الحرة، إنها ليست جوهرًا قائمًا بذاته “. ويقول مكسيموس المعترف “حتى الشياطين أنفسهم ليسوا أشرارًا بطبيعتهم، لكنهم أصبحوا هكذا لما أساءوا استخدام قدراتهم الطبيعية “. الشر دائمًا طفيلي. هو التواء وسوء استعمال ما هو حسن فى ذاته. ولا يكمن الشر فى الشيء نفسه بل فى موقفنا نحو الشيء ـ أى، يكمن فى إرادتنا.

 

          وقد يبدو بتسمية الشر ” عدمًا “، أننا نقلل من بطشه وقوته. لكن كما لاحظ “س. إسس. لويس”، ” العدم”  هو قوى جدًا. فالقول بأن الشر هو سوء استعمال الخير ـ ومن ثم فى التحليل الأخير، وهمًا وليس حقيقة ـ هذا لا يعنى أن ننكر قبضته القوية علينا. لأنه ما من قوة أعظم فى الخليقة من الإرادة الحرة للكائنات التي أُعطى لها وعى ذاتى وذهن روحى، لهذا فإن سوء استخدام هذه الإرادة الحرة يمكن أن تكون له عواقب مرعبة جدًا.

 

الإنسان كجسد، ونفس وروح:

          وماذا عن مكان الإنسان فى خليقة الله ؟

          “ وإله السلام يقدسكم بالتمام ولتحفظ روحكم ونفسكم وجسدكم كاملة بلا لوم حتى مجيء ربنا يسوع المسيح ” (1تس23:5).

          هنا يذكر القديس بولس العناصر أو الأوجه الثلاثة التي تكوّن الإنسان. وبينما تتمايز هذه العناصر إلاّ أنها معتمدة تمامًا الواحد على الآخر؛ فالإنسان وحدة متكاملة وليس المجموع الكلى لأجزاء منفصلة.

          أولاً، هناك “الجسد” ” تراب من الأرض” (تك7:2)، وهو الجانب الفيزيفى أو المادى لطبيعة الإنسان.

          ثانيًا، هناك النفس، قوة الحياة التي تحيى وتنشّط الجسد، فتجعله ليس مجرد كتلة أو عجينة من المادة، لكن شيئًا ينمو ويتحرك، ويشعر ويدرك. وللحيوانات أيضًا نفس، وربما النباتات لها أيضًا. لكن النفس فى حالة الإنسان منحها الله وعيًا، فهي نفس عاقلة، تملك القدرة على التفكير المجرد، والقدرة على التقدم بواسطة النقاش الاستطرادى من مقدمات منطقية إلى الاستنتاج.

          ثالثًا، هناك ” الروح “، ” النسمة ” من الله (أنظر تك7:2)، والتي لا توجد فى الحيوانات. ومن المهم أن نميز ” الروح” (القدس) عن ” الروح” العادية. فالروح المخلوقة التي للإنسان ليست هي الروح غير المخلوق أى روح الله القدوس الأقنوم الثالث فى الثالوث؛ ومع ذلك فإن الروحيين مرتبطان ارتباطًا حميمًا، لأنه من خلال روحه يدرك الإنسان الله ويدخل فى شركة معه.

          وبنفسه (psyche) يدخل الإنسان فى الاستفسارات العلمية أو الفلسفية، فيحلل بيانات خبرته الحسية بواسطة التفكير الاستطرادى. وبروحه        (pneuma) والتي تُلقب أحيانًا بلفظة nous أى ذهن روحى، يفهم الحق الأبدى عن الله أو عن الجواهر الداخلية للمخلوقات (أو logoi)، ليس من خلال التفكير الاستنباطى، بل من خلال الإحساس المباشر أو الإدراك الروحى ـ بواسطة نوع من الحدس يسميه القديس مار اسحق السريانى “المعرفة البسيطة”. هكذا فإن الروح أو الذهن الروحى متميز عن قدرات الإنسان العقلية وعواطفه الجمالية، وتسمو على كليهما معًا.

 

          ولأن للإنسان نفسًا عاقلة وذهنًا روحيًا، فهو يملك القدرة على تقرير مصير نفسه ويملك الحرية الأخلاقية، بمعنى إحساس الخير والشر، والقدرة على الاختيار بينهما. وبينما تتصرف الحيوانات بالفطرة أو الغريزة، فإن الإنسان قادر على اتخاذ قرار حر وواعٍ.

 

          وفى بعض الأحيان، ينبئ “الآباء” نظامًا ثنائيًا لا ثلاثيًا، واصفين الإنسان ببساطة كوحدة من جسد ونفس؛ فى تلك الحالة يعتبرون الروح أو الذهن أنه الجانب الأعلى للنفس. لكن النظام الثلاثى للجسد والنفس والروح أكثر دقة وأكثر توضيحًا، خاصة فى عصرنا هذا حيث يحدث خلط بين النفس والروح، وحين لا يكون معظم الناس حتى على وعى بأنهم يملكون ذهنًا روحيًا. إن النظام الثقافى والتعليمى للغرب المعاصر قائم على وجه الحصر تقريبًا على تدريب الدماغ العقلانى، وبدرجة أقل، على العواطف الجمالية. وقد نسى معظمنا أننا لسنا فقط دماغًا وإرادة، وأحاسيس ومشاعر، إنما نحن أيضًا روح. لقد فقد الإنسان الحديث غالبًا التلامس مع أصدق وأعلى وجه من أوجه شخصيته، ويمكن رؤية أثر هذا الاغتراب الداخلى وبشكل جلى جدًا فى قلقه، وفقدان الهوية وضياع الرجاء.

 

الإنسان وسيط وكون صغير:

          الجسد والنفس والروح هم ثلاثة فى واحد، ويشكل الإنسان وضعًا فريدًا فى النظام المخلوق.

          ووفقًا للنظرة الأرثوذكسية للعالم، فقد جبل الله مستويين للمخلوقات: أولاً المستوى ” العقلى “، ” الروحى ” أو ” الذهنى “.

ثانيًا، المستوى المادى أو الجسدانى.

          وعلى المستوى الأول خلق الله الملائكة الذين لا جسد مادى لهم. وعلى المستوى الثانى خلق الكون المادى ـ الأجرام السماوية، والنجوم والكواكب السيارة مع الأنواع المتعددة من المعادن والنباتات والحيوانات.

          الإنسان، والإنسان وحده، هو الذي يوجد فى كلا المستويين فى آن واحد. فمن خلال روحه أو ذهنه الروحى يشارك فى المجال العقلى noetic وهو فى هذا رفيق الملائكة، ومن خلال جسده ونفسه، يتحرك ويشعر ويفكر وأيضًا يأكل ويشرب ويحول الطعام إلى طاقة ويشارك بشكل عضوى فى المجال المادى، الذي يسرى فى داخله من خلال إدراكاته الحسية.

 

          هكذا فإن طبيعتنا البشرية أكثر تعقيدًا من الطبيعة الملائكية، وقد وُهبت إمكانيات أغنى. والإنسان من وجهة النظر هذه ليس أدنى بل أعلى من الملائكة؛ وكما يؤكد التلمود البابلى، “الأبرار أعظم من الملائكة الخادمين” (سنهدرين 93أ). يقف الإنسان فى قلب خليقة الله. ومن ثم يشارك فى كل من المجالين العقلى والمادى، وهو صورة أو مرآة للخليقة كلها، (أو بالتعبير اللاتينى imago mundi)، أى ” كون صغير ” (ميكروكوزم). وتتلاقى فيه كل المخلوقات. وقد يقول الإنسان عن نفسه، بكلمات كاثلين راين:

لأننى أحب

تسكب الشمس أشعتها من الذهب الخالص

تسكب ذهبها وفضتها على البحر..

لأننى أحب

ينمو نبات السرخس أخضر، ويخضر العشب،

وتخضر الأشجار المشمسة الشفافة.

لأننى أحب

يفيض النهرُ الليلَ كله فى نومى،

وتنام بين ذراعى عشرات الألوف من الأحياء

ويستيقظ النيام، والمتدفقون يجدون راحة.

          ولأن الإنسان كون صغير ـ ميكروكوزم ـ فإنه وسيط أيضًا. ومهمته المعطاة له من الله أن يصالح ويوفق المجالين العقلى مع المادى، ليوحدهما معًا، وليروحن المادى، وليجعل كل القدرات الكامنة للنظام المخلوق تصير ظاهرة ومثلما عبّر الحاسيديم اليهودى، يُدعى الإنسان “ليتقدم من درجة إلى درجة، حتى يتحد كل شئ بواسطته “.

 

          وككون صغير، فإن الإنسان إذن، هو ذلك الشخص الذي يتلخص العالم فيه. وكوسيط، هو الكائن الذي من خلاله يُقدَم العالم لله،.

          والإنسان قادر على ممارسة دور الوساطة هذا فقط لأن طبيعته البشرية هي بالأساس والجوهر، وحدة واحدة. فلو كان الإنسان مجرد نفس تسكن جسدًا بشكل مؤقت، مثلما تصور كثير من فلاسفة الإغريق والهند ـ ولو كان جسده ليس جزءً من نفسه الحقيقية، بل مجرد قطعة من الملابس التي يخلعها يومًا ما، أو سجن يسعى أن يهرب منه ـ لما استطاع الإنسان بهذا الشكل أن يعمل كوسيط.

 

          الإنسان يروحن الخليقة أولاً وقبل كل شئ، بروحنة جسده وتقديمه لله. ويكتب القديس بولس ” أم لستم تعلمون أن جسدكم هو هيكل للروح القدس الذي فيكم؟.. فمجدوا الله فى أجسادكم.. فأطلب إليكم أيها الاخوة، برأفة الله، أن تقدموا أجسادكم ذبيحة حية، مقدسة، مرضية عند الله” (1كو19:6،20، رو1:12). لكن فى ” روحنة ” الجسد، لا يلغى الإنسان مادية هذا الجسد: على العكس، فإن الإنسان مدعو أساسًا أن يعلن أو يظهر الروحى “فى المادى ومن خلاله”. والمسيحيون بهذا المفهوم هم الوحيدون أصحاب المذهب المادى Materialists الحقيقيون.

 

          الجسد إذن، هو جزء مكمِّل للشخصية الإنسانية. وانفصال النفس عن الجسد فى الموت هو أمر غير طبيعى، هو شئ ما مضاد لخطة الله الأصلية. وهذا الموت قد حدث نتيجة السقوط. الأكثر من ذلك، فإن هذا الانفصال مؤقت: ونحن ننظر إلى ما هو قدام، فيما بعد الموت، إلى القيامة النهائية فى اليوم الأخير، حينما تتحد النفس مع الجسد مرة أخرى.

 

الصورة والمثال:

” مجد الله هو الإنسان ” هكذا يؤكد التلمود (Derech Eretz Zutta 10,5)

          ويعلن القديس إيريناوس نفس الشيء: ” مجد الله هو الإنسان الحى “. إن الإنسان يشكل محور خليقة الله وتاجها. ووضع الإنسان الفريد هذا فى الكون نعرفه من الحقيقة التي تؤكد أنه مخلوق ” على صورة الله ومثاله ” (تك26:1). الإنسان تعبير محدود للتعبير الذاتى غير المحدود لله.

 

          وأحيانًا يربط الآباء الشرقيون الصورة الإلهية أو ” الأيقونة ” (Ikon) فى الإنسان بطبيعته كلها، معتبرًا كاتحاد ثلاثى للروح والنفس والجسد. وفى أحيان أخرى يربطون الصورة بنوع خاص بأعلى سمة من سمات الإنسان، أى بروحه أو ذهنه الروحى، الذي ينال بواسطته معرفة الله والاتحاد به. وبشكل أساسى، فإن صورة الله فى الإنسان تشير إلى كل شئ يميز الإنسان عن الحيوانات، والذي يجعله ” شخصًا ” بكل ما تحمله الكلمة من معنى ـ وهو كائن أخلاقى قادر على الصواب والخطأ، وكائن روحى وهبه الله حرية داخلية.

 

          إن صفة ” الاختيار الحر” لها أهميتها الخاصة لفهم الإنسان كمخلوق على صورة الله. ومثلما الله حر، هكذا بالمثل الإنسان حر. وإذ أنه حر، فإن كل إنسان يحقق الصورة الإلهية فى داخل نفسه بأسلوبه الخاص المتميز. وليس البشر عملات نقدية يمكن استبدال الواحدة بأخرى، أو قطع غيار آلة يمكن استبدالها: فكل شخص، إذ هو حر، لا يمكن تكراره، وكل شخص، إذ هو غير قابل للتكرار، هو ثمين بغير حدود. ولا يُقاس البشر كمّيًا: فليس لنا الحق أن نفترض أن شخصًا ما بعينه أكثر قيمة من شخص آخر بعينه، أو أن عشرة أشخاص هم بالضرورة أكثر قيمة من شخص واحد. مثل هذه الحسابات تسيء إلى الشخصية الأصيلة. إن كل شخص لا يمكن استبداله بآخر، ولهذا ينبغى أن يعامل كل إنسان “كغاية” فى حد ذاته أو ذاتها، وألاّ يعامل أبدًا كوسيلة لغاية أبعد. ينبغى أن يُعتبر كل شخص لا كشيء بل كشخص. وإن كنا نجد الناس مملين ومن الصعب جدًا التكهن بما فى داخلهم، فذلك لأننا لم ننفذ إلى مستوى الشخصية الحقيقية فى الآخرين وفى أنفسنا، حيث لا توجد أنماط مكررة بل كل شخص هو فريد.

 

          ويميز كثير من الآباء الشرقيين، وإن لم يكن كلهم، بين “صورة” الله و”مثال” الله. فالصورة بالنسبة لأولئك الذين يميزون اللفظتين، تدل على “إمكانية” الإنسان على الحياة فى الله، و”المثال” يدل على “تحقيقه” لهذه الإمكانية أو القدرة. الصورة هي ما يمتلكه الإنسان منذ البداية، والتي تمكنه من أن يضع خطاه فى المحل الأول على الطريق الروحى؛ أما الشبه فهو ما يرجو أن يصل إليه فى نهاية رحلته. وبتعبير أوريجينوس “أخذ الإنسان كرامة الصورة فى خلقه الأول، لكن كمال تحقيق مثال الله سيُمنح له فقط فى نهاية الدهور”. كل الناس مخلوقون على صورة الله، ورغم أن حياتهم قد تكون فاسدة، إلاّ أن الصورة الإلهية فى داخلهم قد بهتت فقط وتغطت بقشرة معتمة، ومع هذا فهي لم تفقد تمامًا. لكن الشبه (أو المثال) يتحقق بالكامل فقط بواسطة الطوباويين فى ملكوت السموات فى الدهر الآتى.

          وبحسب القديس إيريناوس، فإن الإنسان فى بدء خلقته كان ” مثل طفل صغير”، واحتاج أن “ينمو” إلى كماله. بعبارة أخرى، فإن الإنسان فى بدء خلقته كان بريئًا وقادرًا على التطور روحيًا (الصورة)، لكن هذا التطور لم يكن حتميًا أو أوتوماتيكيًا. دُعى الإنسان للتعاون مع نعمة الله، وهكذا من خلال الاستخدام الصحيح لإرادته الحرة، فإنه ببطء وتدريجيًا يمكن أن يصير كاملاً فى الله (الشبه أو المثال). ويظهر هذا الأمر كيف يمكن لمفهوم الإنسان كمخلوق على صورة الله، أن يُفسر بالأحرى بمعنى ديناميكى متحرك لا استاتيكى ساكن. وهذا لا يعنى بالضرورة أن الإنسان قد وهبه (الله) منذ البداية كمالاً محققًا بالكامل، وأعلى قداسة ومعرفة ممكنة، بل أنه ببساطة قد أُعطى الفرصة لينمو إلى شركة كاملة مع الله.

 

          إن التمييز بين “الصورة” و”المثال” لا يتضمن طبعًا فى ذاته قبول أية “نظرية للتطور” لكنه ليس متنافرًا مع مثل هذه النظرية.

 

          إن الصورة والمثال يدلان على التوجّه والعلاقة. مثلما يعبر فيليب شيرارد ” إن عمق مفهوم الإنسان يتضمن علاقة، يتضمن اتصالاً مع الله. فحينما نؤكد على الإنسان، فإننا نؤكد أيضًا على الله”. ومعنى الإيمان بأن الإنسان مخلوق على صورة الله هو الإيمان بأن الإنسان مخلوق لأجل شركة واتحاد مع الله، وإن كان يرفض هذه الشركة يكف عن أن يكون إنسانًا بمعنى الكلمة. وليس هناك ما يسمى ” بإنسان طبيعى ” يوجد منفصلاً عن الله: الإنسان المنفصل عن الله هو فى حالة غير طبيعية تمامًا. لذلك فإن تعليم “الصورة” يعنى، أن الإنسان يجعل الله هو المركز العميق جدًا لكيانه. إن الله هو العنصر الحاسم فى بشريتنا، فإن فقدنا إحساسنا بالإلهي  نفقد أيضًا إحساسنا بالإنسانى.

 

          وقد تأكد ذلك بشكل ملفت بما حدث فى الغرب، منذ عصر النهضة، وعلى الأخص منذ الثورة الصناعية. فصاحب الدنيوية المتزايدة نمو فى تجريد المجتمع من إنسانيته. وأكبر مثال على ذلك نراه فى النسخة اللينينية ـ الستالينية للشيوعية، فى الاتحاد السوفيتى. حيث تزامن إنكار الله مع القهر القاسى لحرية الإنسان الشخصية. وهو الأمر الذي لا يثير أدنى دهشة. إن الأساس الآمن الوحيد للتعليم عن الحرية والكرامة البشرية هو الاعتقاد بأن كل إنسان مخلوق على صورة الله.

 

          والإنسان مخلوق، ليس فقط على صورة الله، بل بوجه أخص على صورة الثالوث. وكل ما قيل مثلاً عن ” كيف نحيا الثالوث ” (أنظر الفصل الثانى ص53) يكتسب قوة إضافية حينما نعبر عن ذلك بتعليم “الصورة”. فلما كانت صورة الله فى الإنسان هي صورة ثالوثية، يتبع أن الإنسان، مثله مثل الله، يحقق طبيعته الحقيقية من خلال الحياة المشتركة المتبادلة. والصورة تشير إلى العلاقة لا مع الله فقط، بل مع الآخرين من الناس أيضًا. ومثلما تحيا الأقانيم الإلهية فى ولأجل بعضهم البعض، هكذا الإنسان، إذ هو مخلوق على الصورة الثالوثية ـ يصبح شخصًا حقيقيًا برؤيته العالم من خلال عيون الآخرين. بجعله أفراح وأحزان الآخرين أفراحه هو وأحزانه هو. كل إنسان هو شخص فريد، ومع هذا فكل واحد فى فرادته مخلوق للشركة مع الآخرين.

 

          ” نحن الذين من أهل الإيمان يجب أن نرى المؤمنين كلهم كشخص واحد.. وأن نكون مستعدين أن نبذل حياتنا لأجل قريبنا “.

(سمعان اللاهوتى الجديد)

          ” ما من طريق آخر به نخلص، سوى بواسطة قريبنا.. هذه هي نقاوة القلب: حينما ترون الخطاة أو السقماء، وتشعرون حيالهم بالرأفة وحنان القلب نحوهم ”                                                                   (من عظات القديس مقاريوس)

          ” اعتاد الشيوخ أن يقولوا إننا يجب أن نهتم بخبرات جارنا، وكأنها خبراتنا نحن. وعلينا أن نعانى مع جارنا فى كل شئ وأن نبكى معه، وأن نسلك وكأننا فى داخل جسده هو، وإن ألم به أى ضيق، علينا أن نشعر بالضيق الذي نشعر به لأجل أنفسنا ”                                                             (أقوال آباء البرية)

          كل هذا حقيقى، بالضبط لأن الإنسان مخلوق على صورة الله الثالوث.

 

كاهن وملك:

          الإنسان إذ هو مخلوق على الصورة الإلهية ـ ككون صغير ووسيط ـ هو كاهن الخليقة وملكها. ويستطيع الإنسان ـ عن وعى وعن قصد، أن يعمل أمران، تعملها الحيوانات بدون وعى وبشكل غريزى. الأمر الأول، أن الإنسان يستطيع “أن يبارك الله ويسبحه لأجل العالم”. أفضل تعريف للإنسان ليس أنه “حيوان ناطق” أو “عاقل”، بل أنه حيوان “إفخارستى” (أى شاكر). فالإنسان ليس مجرد أنه يحيا فى العالم ويفكر فيه ويستعمله، بل هو يستطيع أن يرى العالم على أنه عطية الله، على أنه سر لحضور الله ووسيلة للشركة مع الله، وهكذا فهو يستطيع أن يقدّم العالم لله بالشكر: “نقدم لك من الذي لك، فى الكل ولأجل الكل ” (قداس القديس يوحنا ذهبى الفم).

 

          والأمر الثانى، إلى جانب أنه يستطيع أن يبارك الله ويسبحه نيابة عن العالم، أن الإنسان يستطيع أن “يعيد تشكيل العالم وأن يغيره”؛ ومن ثم يعطيه معنى آخر وبتعبير “الأب ديمترى ستانيلو”، “يضع الإنسان ختم فهمه وعمله الذكى على الخليقة..” ليس العالم هبة فقط، بل مهمة للإنسان”.

          إنها دعوتنا أن نتعاون مع الله، نحن، بعبارة القديس بولس، ” عاملون مع الله ” (1كو9:3). ليس الإنسان مجرد كائن حى عاقل وكائن حى إفخارستى Eucharistic animal، بل هو كائن حى خلاّق أيضًا Creative: وحقيقة أن الإنسان هو على صورة الله تعنى أن الإنسان خالق على صورة الله الخالق. وهو يتمم هذا الدور الخلاّق، ليس بواسطة قوة بهيمية غشيمة، لكن من خلال جلاء ووضوح رؤيته الروحية؛ وليس الإنسان مدعوًا ليسيطر على الطبيعة ويدمرها، بل أن يغير شكلها ويجلّيها وأن يقدّسها.

 

          وبواسطة العديد من الطرق ـ من خلال استزراع الأرض، ومن خلال الحرف، ومن خلال كتابة الكتب ورسم الأيقونات ـ يستنطق الإنسان الأشياء المادية ويعطيها صوتًا ويجعل الخليقة تنطق بحمد الله وبتسبيحه. وجدير بالملاحظة أن المهمة الأولى لآدم بعد خلقه، كانت أن يعطى للحيوانات أسماءً (تك19:2،20). وإعطاء الأسماء هو فى حد ذاته فعل خلاّق: فمن دون أن نجد اسمًا لشيء ما أو خبرة ما، وأن نجد ” كلمة يتعذر اجتنابها “تدلل على صفة الشيء الحقيقية، لا نقدر أن نبدأ فى فهمه واستخدامه. وأمر ذو دلالة أيضًا، أننا حين نقدم باكورات الأرض لله فى الإفخارستيا، فإننا نقدمها لا فى شكلها الأصلى بل نقدمها وقد أعادت يد الإنسان تشكيلها: فنحن لا نأتى إلى المذبح بسنابل من قمح بل بأرغفة من خبز، ولا نأتى بعنب بل بنبيذ خمر.

 

          الإنسان إذن هو كاهن الخليقة من خلال قدرته على أن يقدم الشكر وأن يقدم الخليقة لله؛ وهو ملك الخليقة من خلال قدرته على أن يصيغ ويشكّل، وأن يتصل وأن ينوّع. وهذه الوظيفة الكهنوتية والملوكية يصفها القديس لونيتوس القبرصى وصفًا جميلاً:

          ” من خلال السماء والأرض، والبحر، من خلال الخشب والحجر، من خلال الخليقة كلها المنظورة وغير المنظورة، أقدم التكريم للخالق والسيد وجابل كل شئ. لأن الخليقة لا تكرم الخالق بشكل مباشر ومن ذاتها، لكنها من خلالى أنا تعلن السموات مجد الله، من خلالى أنا يعبد القمر الله، من خلالى أنا تمجد النجوم الله، من خلالى أنا فإن المياه ورخات المطر والندى وكل الخليقة، تكرم الله وتعطيه مجدًا “.

 

ونفس الأفكار يعبر عنها المعلم اليهودى أبراهام ياكوف من سادا جورا:

          كل المخلوقات والنباتات والحيوانات تأتى وتقدم نفسها للإنسان، لكنها من خلال الإنسان يؤتى بها كلها وتُقدم لله. وحينما يطهر الإنسان نفسه ويقدسها فى كل أعضائه كتقدمة لله، فإنه يطهر ويقدس كل الخليقة.

 

الملكوت الداخلى: 

          ” طوبى لأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله ” (مت8:5). الإنسان إذ خُلِق على صورة الله، فهو مرآة لله. هو يعرف الله بمعرفته لنفسه: حين يدخل إلى داخل نفسه، يرى الله منعكسًا فى نقاوة قلبه. إن تعليم خلقة الإنسان حسب الصورة يعنى أن فى داخل كل شخص ـ فى داخل ذاته أو ذاتها الأصدق والأعمق، والتي تسمى غالبًا ” بالقلب العميق ” أو ” قاعدة النفس ” ـ هناك التقاء واتحاد مباشر مع غير المخلوق. ” ها ملكوت الله داخلكم ” (لو21:17).

          وهذا السعى للملكوت الداخلى هو أحد أهم الأفكار الرئيسية الموجودة فى كتابات الآباء. يقول القديس كليمندس الأسكندرى: ” إن أعظم الدروس كلها أن تعرف نفسك، لأنه إن عرف الإنسان نفسه ـ سوف يعرف الله، وإن عرف الله، سوف يصبح مثل الله “. ويكتب القديس باسيليوس الكبير: ” حينما لا يتبدد الذهن وسط أمور خارجية أو يشتت فى العالم من خلال الحواس، فإنه يعود إلى ذاته، وبواسطة ذاته يرتفع إلى التفكير فى الله “. ويقول مار اسحق السريانى ” من يعرف نفسه يعرف كل شئ “. ويكتب فى موضع آخر: ” كن فى سلام مع نفسك، حينئذ تسالمك السماء والأرض، أدخل بشوق إلى داخل الكنز الذي فيك، وهكذا ترى كل أمور السماء؛ إذ يوجد مدخل واحد إلى كليهما معًا. إن السُلم الذي يؤدى إلى الملكوت مخبأ فى داخل نفسك. أهرب من الخطية، غصّ داخل نفسك، وفى نفسك ستكتشف درجات السلم التي تصعد عليها “.

 

          ونضيف إلى هذه النصوص شهادة شاهد غربى فى أيامنا هذه، هو توماس مِرتون:

          ” فى كياننا نقطة عَدم لا تلمسها الخطية والخداع، نقطة الحق الصافى. نقطة أو جذوة هي ملك الله بالكامل، ليست تحت تصرفنا أبدًا، منها يرتب الله حياتنا، هي نقطة لا تصل إليها خيالات عقلنا أو وحشية إرادتنا. هذه النقطة الضئيلة من العدم والفقر المطلق هي مجد الله الصافى داخلنا. إنها إن جاز التعبير، اسمه مكتوبًا فينا، كفقرنا، وعوزنا، واتكالنا، وبنوتنا. إنها مثل جوهرة نقية، تتلألأ بنور السماء الغير مرئى. هي فى كل إنسان، وإن استطعنا رؤيتها سوف نرى بلايين من نقاط النور  تتجمع معًا فى وجه وضوء شمس تبدد تمامًا كل ظلمة وقسوة الحياة… إن باب السماء هو فى كل مكان “.

 

          ويؤكد مار اسحق قائلاً: ” اهربوا من الخطية “، وعلينا أن ننتبه لهذه الكلمات الثلاث. فإن كنا نريد أن نرى وجه الله منعكسًا فينا، علينا أن ننظف المرآة. بدون توبة لن تكون هناك معرفة لذواتنا، ولا اكتشاف للملكوت الداخلى. حينما يُقال لى ” أرجع إلى نفسك: أعرف نفسك “، من الضرورى أن أسأل: أى “نفس” علىّ أن اكتشفها ؟ وما هي نفسى الحقيقية؟ إن التحليل النفسى، يكشف لنا عن نوع واحد من “الذات”، لكنها فى أغلب الأحيان، لا ترشدنا إلى “السُلّم الذي يؤدى بنا إلى الملكوت”، بل تقودنا إلى الدرج الذي يهوى بنا إلى قبو عفن ممتلئ بالثعابين. إن عبارة ” أعرف نفسك ” تعنى ” أعرف نفسك كإنسان أصله هو الله، جذره هو الله، أعرف نفسك فى الله “. ومن وجهة نظر التقليد الروحى الأرثوذكسى ينبغى التأكيد على أننا لن نكتشف هذه النفس الحقيقية “بحسب الصورة “، إلاّ بواسطة موت ذاتنا الزائفة والساقطة. ” من يضيّع نفسه من أجلى يجدها ” (مت25:16). الذي يرى ذاته الزائفة على ما هي عليه ويرذلها هو فقط الذي يصبح قادرًا على إدراك ذاته الحقيقية، الذات التي يراها الله. والقديس برصنوفيوس يؤكد هذا التمييز بين النفس الزائفة والنفس الحقيقية قائلاً:

” أنسَ نفسك واعرف نفسك “.

 

الشر والألم وسقوط الإنسان:

          فى الرواية العظيمة للكاتب ديستوفسكى ” الاخوة كرامازوف “، يتحدى إيفان أخاه: ” افترض أنك تخلق نسيج القدر الإنسانى لغرض إسعاد الناس فى النهاية ومنحهم السلام والراحة، ولكن لكى تفعل هذا من الضرورى أن تعذب طفلاً واحدًا صغيرًا 000 وأن تشيد بناءك على دموعه ـ فهل توافق على إنجاز البناء على هذا الشرط؟ ويجيبه أليوشا: “لا، لن أوافق “. فإن كنا لا نوافق أن نفعل هذا، فمن الواضح إذن أن الله لا يفعله بالأولى.

 

          يخبرنا الأديب سومرست موم، أنه بعد أن رأى طفلاً صغيرًا يحتضر ببطء من مرض الالتهاب السحائى، لم يقدر بعدها أن يؤمن بإله المحبة. وآخرون اضطروا أن يراقبوا زوجًا أو زوجة، طفلاً أو والدًا، تعصف بهم ضائقة شديدة: فإنه فى عمق الألم ربما لا يكون هناك شئ أكثر إزعاجًا لنا من إنسان مصاب باكتئاب سوداوى مزمن (ميلانخوليا). فما هي إجابتنا؟ كيف لنا أن نصالح الإيمان بإله محب ـ الذي خلق كل الأشياء ورأى أنها “حسنة جدًا” ـ مع وجود الألم والخطية والشر؟

 

          أولاً يجب أن نقر أنه من غير الممكن تدبير إجابة سهلة أو مصالحة واضحة. إن الألم والشر يواجهاننا كشيء أصم مصمت. وآلامنا وألام الآخرين، هي خبرة علينا أن نحياها، وهي ليست مشكلة نظرية يمكننا أن نشرحها. وإن كان هناك شرح، فإنه يكون على مستوٍ أعمق من الكلمات. لا يمكن “تبرير” الألم، لكن يمكن استخدامه وقبوله ـ ومن خلال هذا القبول، تتغير هيئته ويتجلى. يقول نيكولاوس برداييف، ” إن مضادة الألم والشر، يمكن حلها فى خبرة التعاطف والحب”.

 

          لكن، وبينما نكون نحن مرتابين من جهة أى حل سهل “لمشكلة الشر”، فإننا نجد فى حدث سقوط الإنسان، الوارد بالإصحاح الثالث من سفر التكوين ـ سواء تم تفسير ذلك حرفيًا أو رمزيًا ـ نجد علامتين حيويتين، يجب أن نقرأهما بعناية.

 

العلامة الأولى:

          أولاً، تبدأ قصة التكوين بالكلام عن “الحية” (1:3)، أى، الشيطان ـ أول من تحول من الملائكة وابتعد عن الله إلى جحيم الإرادة الذاتية. لقد كان هناك سقوط مزدوج: أولاً سقوط الملائكة، ثم سقوط الإنسان. ويُعد سقوط الملائكة بالنسبة للأرثوذكسية حقيقة روحية وليس قصة أسطورية مثيرة للخيال. وقبيل خلق الإنسان، كان قد حدث فعلاً تفريق للطرق داخل المجال العقلى: فقد بقى بعض الملائكة ثابتين فى طاعة الله، ورفضه آخرون. وحول هذه “الحرب فى السماء” (رؤ7:12)، لدينا إشارات مقتضبة فقط فى الكتاب المقدس، فهو لم يخبرنا بتفاصيل ما حدث، بل إن لدينا معرفة أقل حول الخطط التي وضعها الله لمصالحة ممكنة داخل المجال العقلى.

          وعلينا، أن نلاحظ ثلاث نقاط تهمنا فى جهودنا للتعرف على مشكلة الألم. أولاً، بجانب الشر الذي نعتبر نحن البشر مسئولين مسئولية شخصية عنه، هناك فى الكون قوى ذات بطش شديد إرادتها متجهة إلى الشر. هذه القوى، بينما تكون غير بشرية، فإنها رغم ذلك شخصية. إن وجود مثل هذه القوى الشيطانية ليس افتراضًا ولا أسطورة خيالية ـ لكنها هي مسألة خبرة مباشرة بالنسبة لكثيرين من، وللأسف!

          ثانيًا وجود قوات روحية ساقطة يعيننا على فهم السبب فى وجود التشويق والضياع والقسوة فى عالم الطبيعة، وذلك فى نقطة ما من الزمن، من الواضح أنها قُبيل خلقة الإنسان.

          ثالثًا: أوضح تمرد الملائكة وبشكل كبير أن الشر يستمد أصله لا من تحت بل من فوق، لا من المادة بل من الروح. والشر، كما سبق وأكدنا، هو “عدم”؛ ليس الشر كائنًا له وجود ولا مادة موجودة؛ لكنه موقف خطأ تجاه ما هو خير فى ذاته. وهكذا يكمن مصدر الشر فى “الإرادة الحرة” للكائنات الروحية التي منحها (الله) اختيارًا حرًا، والتي تستخدم قوة الاختيار بطريقة خاطئة.

 

العلامة الثانية:

          نكتفى بهذا القدر للعلامة الأولى، حيث الإشارة إلى “الحية”. لكن ثمة علامة أخرى ثانية يوضحها سفر التكوين فى سرده للأحداث، فعلى الرغم من أن الإنسان جاء إلى الوجود فى عالم ملوث فعلاً بسقوط الملائكة، فإنه على الرغم من ذلك، لم يجبر شئ الإنسان على ارتكاب الخطيئة. حواء أغوتها “الحية”، لكنها كانت تملك حرية رفض اقتراحات الحية. إن خطيتها وخطية آدم “الأصلية” كانت عبارة عن فعل عصيان واعٍ، رفض متعمد لمحبة الله، انحراف عن الله إلى الذات تم بإرادة حرة (تك2:3،11:3).

 

          وفى اقتناء الإنسان لحرية إرادته وممارستها لا نجد شرحًا كاملاً، لكن نجد على الأقل بدايات إجابة لمشكلتنا. لماذا سمح الله للملائكة والإنسان أن يقترفوا الخطية ؟ لماذا يسمح الله بالشر والألم ؟ نحن نجيب: لأنه إله محبة. فالمحبة تتضمن المشاركة، وتتضمن المحبة أيضًا الحرية.

          وكثالوث محبة، أراد الله أن يشاركه فى حياته أشخاص مخلوقين مجبولين على صورته، أشخاص قادرين على الاستجابة له بحرية وطوعًا بإرادتهم فى علاقة محبة.

 

          وحيث لا حرية، لا يمكن أن تكون محبة. إن الإجبار يطرد الحب، كما اعتاد “بول افدوكيموف” أن يقول، يقدر الله أن يفعل كل شئ ما عدا أن يجبرنا على محبته. وإذ يريد الله أن نشاركه محبته، خلقنا، لا كإنسان آلى نطيعه آليًا، بل خلق ملائكة وبشرًا ومنحهم الاختيار الحر. ولكى نضع الموضوع بصيغة بشرية وبألفاظ بشرية، فقد خاطر الله: لأنه مع هذه العطية، عطية الحرية، كان هناك أيضًا احتمال فعل الخطية. لكن الذي لا يجازف لا يحب.

 

          بدون حرية لن تكون هناك خطية. لكن بدون حرية لن يصبح الإنسان على صورة الله، بدون حرية لن يصبح الإنسان قادرًا على الدخول فى شركة مع الله فى علاقة حب.

 

عواقب السقوط:

          إذ خُلق الإنسان لشركة مع الثالوث القدوس، ودُعى ليتقدم بالحب من الصورة الإلهية إلى الشبه الإلهي، اختار الإنسان بدلاً من ذلك طريقًا أو مسارًا لا يرفعه بل يهوى به إلى أسفل. ورفض العلاقة مع الله التي هي جوهره الحقيقى. وبدلاً من أن يعمل كوسيط ومركز توحيد، فقد أحدث انقسامًا. انقسام فى داخل نفسه، وانقسام بين نفسه والآخرين، وانقسام بين نفسه والعالم الطبيعى. ورغم أن الله ائتمنه على هبة الحرية، فإنه راح ينكر على الآخرين حريتهم. وإذ باركه (الله) بقوة خاصة لإعادة صياغة العالم وإعطائه معنى جديدًا، فإنه أساء استخدام تلك القوة ليصنع أدوات للقبح والدمار. وكان من عواقب سوء الاستخدام هذا، وخاصة منذ الثورة الصناعية، أن أُصيبت البيئة بتلوث سريع تظهر آثاره البشعة من حولنا.

 

          وكان للخطية الأصلية للإنسان، وانحرافه بعيدًا عن الله كمركز له، إلى التمركز حول ذاته، فى المقام الأول والأخير، معنى واحد، أنه لم يعد ينظر إلى العالم وبقية الكائنات البشرية بطريقة إفخارستية، كسّر شركة مع الله. وتوقف عن أن يعتبرهم عطية، يعود فيقدمها بشكر إلى المعطِى، وبدأ فى التعامل معهم كملكية أو اقتناء شخصى له، يتمسك بهم، يستغلهم، ويبددهم. لهذا لم يعد الإنسان يرى الأشخاص الآخرين والأشياء الأخرى كما هي فى حد ذاتها وفى الله، ورآهم فقط من منظور اللذة والشبع اللذين يمكن أن توفرها له، وكانت نتيجة ذلك، وقوعه فريسة دائرة خبيثة لشهوته ذاتها، التي كانت تزداد جوعًا كلما أشبعها وكافئها. وكف العالم عن أن يكون شفافًا ـ كف عن أن يكون نافذة يطل منها على الله ويراه ـ وازداد العالم عتامةً، وكف عن أن يكون واهبًا للحياة وأصبح عرضة للفساد والموت.     ” لأنك من تراب، وإلى تراب تعود ” (تك19:3). ويصدق هذا القول على الإنسان الساقط وعلى كل شئ مخلوق، لمجرد أن أنقطع جذره عن المصدر الواحد الوحيد للحياة: الله نفسه.

 

          وكانت آثار سقوط الإنسان مادية وأخلاقية. فعلى المستوى المادى أصبح البشر معرضين للألم والمرض، وللعجز والتحلل الجسدى فى الشيخوخة. وأصبحت فرحة المرأة بولادة مولود جديد مختلطة بمخاض وآلام الولادة (تك16:3). ولم يكن أى شئ من ذلك ضمن خطة الله الأولية للبشرية. ومن عواقب السقوط، أصبح الناس أيضًا معرضين لانفصال النفس عن الجسد فى الموت الجسدى. ومع ذلك، يجب أن نرى الموت الجسدى لا كعقاب بالدرجة الأولى، بل كأداة تحرير وراحة أمدنا بها إله محب. ففى رحمته، لم يرد الله أن يستمر الناس يحيون إلى ما لا نهاية فى عالم ساقط، مُمسَكين إلى الأبد فى الدائرة الخبيثة الشريرة، التي اخترعوها بأنفسهم: لهذا دبر الله طريقًا للهروب. لأن الموت ليس نهاية الحياة بل بداية تجديدها. ففيما وراء الموت المادى نتطلع إلى عودة اتحاد النفس بالجسد فى مستقبلها فى القيامة العامة فى اليوم الأخير. لهذا وعند انفصال جسدنا عن النفس فى الموت، يعمل الله كالفخارى: فحينما يصبح الوعاء فوق عجلته فاسدًا ومعوجًا يكسره إلى قطع ليعيد تشكيله من جديد (قارن إرميا1:18ـ6) وهذا ما تؤكده إحدى الصلوات الليتورجية الأرثوذكسية:

منذ القديم خلقتنى من عدم،

وكرمتنى بصورتك الإلهية،

لكننى حين عصيت وصيتك،

أعدتنى إلى الأرض التي أُخذتُ منها.

أعدنى من جديد إلى شبهك،

معيدًا تشكيل جمالى القديم.

 

          وعلى المستوى الأخلاقى، وكعاقبة من عواقب السقوط، أصبح البشر معرضين للإحباط والملل والاكتئاب. والعمل الذي كان القصد منه أن يصبح مصدر فرح للإنسان وأداة شركة مع الله، صار الآن يتم إنجازه اضطراريًا فى معظم أحواله “بعرق الجبين” (تك19:3). ولم يكن هذا كل شئ. إذ أصبح الإنسان عرضةً لاغتراب داخلى: وقد وهنت إرادته، وانقسم على ذاته، وأصبح عدو نفسه وجلادها. ومثلما يعبّر القديس بولس: ” إنى أعلم أنه ليس ساكن فىَّ أى فى جسدى شئ صالح، لأن الإرادة حاضرة عندى، وأما أن أفعل الحسنى فلست أجد. لأنى لست أفعل الصالح الذي أريده، بل الشر الذي لست أريده، فإياه أفعل000 ويحى أنا الإنسان الشقى! من ينقذنى؟” (رو18:7،19،24).

 

          والقديس بولس هنا لا يقول إن هناك مجرد صراع فى داخلنا بين الخير والشر. إنه يقول إننا فى أغلب الأحيان، نجد أنفسنا مشلولين أخلاقيًا: فنحن نريد بإخلاص أن نختار الخير، لكننا نجد أنفسنا أسرى وضع معين فيه “كل” اختياراتنا تنتهي بالشر. وكل واحد منا يعرف من خبرته الشخصية ما يعنيه القديس بولس تمامًا.

 

          ورغم ذلك، فإن القديس بولس حريص أن يقول ” إنى أعلم أنه لا يسكن ’جسدى‘ شئ صالح “. إن جهادنا النُسكى هو ضد الجسد بمعنى الشهوات، وليس ضد الجسد فى حد ذاته. فتيار الشهوة الجسدانى (flesh) ليس هو نفسه الجسد (body). إن لفظة جسد (flesh)، كما ورد استخدامها فى النص المقتبس أعلاه، يشير إلى كل ما هو آثم ومضاد لله فينا؛ هكذا ليس الجسد وحده فى الإنسان الساقط هو الذي أصبح جسدانيًا وشهوانيًا، بل النفس أيضًا. وعلينا أن نمقت الشهوة الردية (flesh) وألاّ نمقت الجسد، الذي هو من صنع الله وهيكل الروح القدس. لهذا كان إنكار الذات النسكى جهادًا ضد شهوة الجسد، لكنه ليس جهادًا ضد الجسد بل لأجل الجسد. وكما تعود الأب “سيرجى بولجاكوف” أن يقول ” أقتل الشهوة الجسدانية، لكى تقتنى جسدًا “. وليس النسك استعبادًا للذات، بل هو الطريق إلى الحرية. والإنسان متورط فى فخ من المتناقضات النفسية: ومن خلال النسك (الحقيقى) فقط يمكن أن يقتنى العفوية (السلوك التلقائى).

 

          وإذ نفهم النسك على هذا النحو، كجهاد ضد شهوات الجسد، وضد الوجه الخاطئ والساقط للنفس، فإنه أمر مطلوب من ” كل ” المسيحيين، وليس فقط من أولئك الذين تحت النذور الرهبانية. إن الدعوة الرهبانية ودعوة الزواج ـ طريق النفى وطريق الإيجاب ـ هما طريقان متوازيان ومكملان لبعضهما بعضًا. وليس الراهب أو الراهبة بشخص ثنائى النزعة duelist، بل هو وبنفس الدرجة مثل المسيحى المتزوج. يسعى أن يعلن الخير الكامن فى الخليقة المادية وفى الجسد البشرى، وبنفس القدر، فإن المسيحى المتزوج مدعو إلى النسك. ويكمن الفارق فقط فى الأحوال الخارجية التي يُمارس فيها الجهاد النسكى. كلاهما ناسك بنفس القدر، كلاهما يتعامل مع المادة وهما ماديان بنفس القدر (مادى بالمفهوم المسيحى الحقيقى الذي شرحناه قبلاً). وكلاهما منكر للخطية ويقبل العالم بنفس القدر.

 

          إن التقليد الأرثوذكسى، بدون التقليل من آثار السقوط، لا يعتقد رغم ذلك، أن تلك الآثار نجم عنها “حرمان كامل”، مثلما يؤكد أتباع “كالفن” فى لحظاتهم الأكثر تشاؤمًا. فالصورة الإلهية فى الإنسان تشوهت لكنها لم تُمحَ تمامًا. والاختيار الحر للإنسان فى ممارسته صار محدودًا، لكنه لم يتلاش. حتى فى عالم ساقط، لا يزال الإنسان قادرًا على التضحية بالذات وإبداء عاطفة الحب فى سخاء. حتى فى عالم ساقط لا يزال الإنسان يحوز بعض المعرفة عن الله ويمكنه بالنعمة أن يدخل فى شركة معه. هناك العديد من القديسين فى صفحات العهد القديم، رجالاً ونساءً أمثال إبراهيم وسارة، ويوسف وموسى، وإيليا وإرميا، وخارج شعب الله القديم، هناك شخصيات مثل سقراط الذي لم يعلّم الحق فقط بل عاشه. ومع ذلك يبقى حقيقيًا أن الخطية البشرية ـ خطية آدم الأصلية ـ والتي تضخمت بالخطايا الشخصية لكل جيل لاحق ـ قد أقامت هوةً سحيقة بين الله والإنسان، لا يقوى الإنسان بجهوده الذاتية أن يعبرها.

 

لا أحد يسقط بمفرده:

          بالنسبة للتقليد الأرثوذكسى، فإن خطية آدم الأصلية تؤثر فى الجنس البشرى بكامله، ولها عواقب على المستويين المادى والأخلاقى معًا: فهي لم تسبب فقط المرض والموت الطبيعى، بل تسببت أيضًا فى الضعف والشلل الأخلاقى. فهل هي تتضمن أيضًا ذنبًا guilt متوارثًا؟ هنا تتحفظ الأرثوذكسية جدًا. فالخطية الأصلية لا تُفسر بمفاهيم قضائية أو شبه بيولوجية، وكأنها كانت وصمة عار طبيعية للذنب، تنتقل بواسطة الاتصال الجنسى. فالأرثوذكسية ترفض تمامًا هذه الصورة التي نقلتها النظرة الأوغسطينية (نسبة إلى أغسطينوس). إن تعليم الخطية الأصلية يعنى بالأحرى أننا مولودون فى بيئة يسهل فيها فعل الشر ويصعب فيها عمل الصلاح، يسهل فيها إيذاء الآخرين ويصعب فيها شفاء جراحهم، من السهل أن نثير شكوك الناس ومن الصعب أن نربح ثقتهم. وهذا معناه أن كل واحد فينا أصبح محكومًا بتضامن الجنس البشرى كله فى تراكم ” فعل الخطأ”، “والتفكير الخطأ”، ومن ثم “الكيان الخطأ”. وقد أضفنا نحن أنفسنا بأفعالنا المتعمدة ـ إلى تراكم الخطأ هذا، فاتسعت الهوة أكثر فأكثر.

 

وفى تضامن الجنس البشرى (فى الخطية)، نجد هنا تفسيرًا لهذا الظلم الظاهرى فى تعليم الخطية الأصلية. ونحن نسأل، لماذا ينبغى أن يتألم الجنس البشرى بأكمله بسبب سقوط آدم؟ والإجابة أن البشر، المخلوقين على صورة الله الثالوث، هم معتمدون على بعضهم البعض ويجمعهم أصلهم الفطرى المشترك معًا. فالإنسان، أى إنسان ليس جزيرة منعزلة. ” لأننا بعضنا أعضاء بعض ” (أف25:4)، ولهذا فإن أى فعل، يقوم به أى عضو فى الجنس البشرى، يؤثر حتمًا فى كل الأعضاء الآخرين. حتى وإن كنا غير “مذنبين” بالمعنى الدقيق للكلمة وأبرياء من خطايا الآخرين، إلاّ أننا وبشكل ما مشتركون دائمًا معًا.

 

          ويعلن “ألكسى خومياكوف”، ” حينما يسقط أى واحد، فإنه يسقط وحده، ولكن ما من أحد يخلص وحده ” أما كان ينبغى أن يقول أيضًا “إن لا أحد يسقط وحده؟”. وفى رواية ديستوفسكى ” الاخوة كرامازوف “، فإن المرشد الروحى زوسيما يقترب كثيرًا من الحقيقة حين يقول إن كل واحد فينا ” مسئول عن كل واحد وعن كل شئ “:

          ” لا يوجد سوى طريق واحد للخلاص، هو أن تجعل نفسك مسئولاً عن خطايا كل الناس. وبمجرد أن تجعل نفسك مسئولاً بكل إخلاص عن كل شئ وعن كل واحد، ستجد على الفور أن الأمر هو فى الحقيقة هكذا، وأنك فى الواقع تُلام عن كل واحد وعن كل شئ “.

 

إله متألم:

          هل تتسبب خطيتنا فى إحزان قلب الله ؟

          هل يتألم حينما نتألم ؟

          هل لنا الحق أن نقول للرجل أو للمرأة التي تتألم: ” إن الله نفسه، فى هذه اللحظة بعينها، يتألم بالألم الذي تتألم أنت به وينتصر عليه؟ “

          وإذ أراد الآباء الأوائل من الذين كتبوا باليونانية واللاتينية أن يحافظوا على التسامى الإلهي، فقد أصروا على “التأكيد على عدم التألم ” بالنسبة لله. تفسير هذا بدقة، يعنى أنه عندما يتألم الله الصائر إنسانًا (المتجسد)، فإن الله فى ذاته لا يتألم. ودون إنكار التعليم الآبائى، ألاّ يجب علينا أيضًا أن نقول شيئًا أكثر من هذا؟ ففى العهد القديم، ومنذ زمن أقدم من تجسد المسيح، نجد مكتوبًا عن الله ” حزنت نفسه بسبب مشقة إسرائيل ” (قض16:10). وفى موضع آخر فى العهد القديم هناك كلمات مثل هذه قيلت بفم الله “هل أفرايم ابن عزيز لدىّ ؟ هل هو ولد محبوب؟ لأننى رغم أنى تحولت عنه، لا أزال أذكره. من أجل ذلك اضطرب قلبى لأجله” (إر20:31س).

 

          ” كيف أرفضك يا أفرايم؟ كيف أهجرك يا إسرائيل؟… قد اضطرم قلبى فى داخلى ” (هو8:11س).

          فإن كانت هذه النصوص تعنى شيئًا، فإنها يجب أن تعنى أنه حتى قبل التجسد الإلهي كان الله يشترك مباشرة فى آلام خليقته. إن شقاءنا يسبب الحزن لله، إن دموع الله مرتبطة بدموع الإنسان. إن التوقير اللائق لمنهج النفى سوف يجعلنا بالطبع حذرين من أن نعزى لله مشاعر بشرية بشكل فج وغير دقيق. لكننا على الأقل مسموح لنا أن نؤكد هذا: إن ” الحب يجعل آلام الآخرين هي آلامه”، هكذا نقرأ فى كتاب “المساكين بالروح”. فإن كان هذا يصدق بالنسبة للحب البشرى، فإنه يصدق بالأحرى على الحب الإلهي. ولما كان الله محبة، وخلق العالم كفعل محبة ـ حيث إن الله إله شخصى، والشخصانية personhood تعنى المشاركة ـ فإن الله لا يبقى غير مبالٍ بالنسبة لأحزان هذا العالم الساقط. وإن كنت كإنسان أظل غير متأثرًا بعذاب الآخر، فبأى معنى أكون محبًا له فعلاً وحقًا ؟ إذن فإن الله يقينًا يُوحِّد نفسه مع خليقته فى كربها anguish.

 

          لقد قيل بحق، إنه كان هناك صليب فى قلب الله قبل أن يكون هناك صليب منتصب خارج أورشليم، ورغم أن الصليب الخشبى قد تم إنزاله، فإن الصليب الذي فى قلب الله لا يزال هناك. إنه صليب الألم والنصرة ـ كلاهما معًا. والذين يستطيعون أن يؤمنوا بهذا سيجدون أن الفرح ممتزج بكأس مرارتهم. سوف يشتركون على المستوى البشرى فى الخبرة الإلهية للمعاناة الغالبة.

 

CDCDCDCDCD

 

يا من تغطى مرتفعاتك بالمياه

يا من تقيم الرمال حدًا للبحر

وتضبط كل شئ:

الشمس ترنم بتسابيحك،

والقمر يعطيك مجدًا،

وكل خليقة تقدم لك تسبيحًا

أنت خالقها وصانعها، إلى الأبد

(من كتاب التريوديون)

ما أعظمك يارب، عجيبة هي أعمالك:

لا تكفى الكلمات أن ترنم بالسبح لعجائبك.

لأنك بمشيئتك أتيت بكل شئ من العدم إلى الوجود.

بقوتك تحفظ الخليقة وبعنايتك تضبط العالم

خلقت الخليقة من عناصر أربعة: وبأربعة فصول توجت مدار السنة.

كل القوات الروحانية ترتعد أمامك.

الشمس ترنم بتسابيحك،

القمر يمجدك؛

النجوم تتضرع إليك؛

النور يطيعك؛

الأعماق ترتعد أمام حضورك؛

الينابيع خدامك.

بسطت السموات كستارة ؛

على المياه ثبَّت الأرض؛

وسيجت حول البحر بالرمال.

سكبت الهواء ليتنفس الأحياء.

القوات الملائكية تخدمك، وجوقات رؤساء الملائكة تعبدك؛

الشارويبم الممتلئون أعينًا، والسيرافيم ذوو الستة أجنحة يقفون أمامك

ويطيرون حولك، يخفون وجوههم خوفًا من مجدك الذي لا يدنى منه..

العناصر، والملائكة، والبشر، والأشياء المنظورة، وغير المنظورة،

يمجدون أسمك القدوس، مع الآب والروح القدس،

الآن وإلى الأبد، وإلى دهر الدهور. آمين

(من صلاة بركة المياه الكبيرة فى عيد الظهور الإلهي ـ الإبيفانيا)

 

          إن المخاطرة الإلهية، الكامنة فى قرار خلق كائنات على صورة الله ومثاله، هي ذروة القوة الإلهية الكلية القدرة، أو بالأحرى هي التي تفوق على تلك الذروة فى تنازل تلك القدرة إلى الضعف الذي اتخذه الله عن طواعية. لأن ” ضعف الله أقوى من الناس ” (1كو25:1).

فلاديمير لوسكى

          الكون هو الكرم الذي أعطاه الله للناس.

          يقول القديس يوحنا ذهبى الفم ” كل الأشياء هي لأجلنا، وليس نحن لأجلها”. كل شئ هو عطية من الله للإنسان، هو علامة لمحبته. كل الأشياء تشهد لفيض محبة الله، ومشيئته الصالحة ونعمته، وهي تنقلها إلينا. ومن ثم فإن كل شئ هو وعاء لعطية المحبة الإلهية هذه، تمامًا مثلما تكون كل هدية نقدمها لبعضنا بعضًا علامةً ووعاءً للمحبة نحو بعضنا بعضًا. لكن العطية تتطلب عطية مقابلة استجابة لها، وهكذا يتحقق تبادل المحبة. لكن الإنسان لا يستطيع أن يرد لله شيئًا سوى ما قد أُعطى له لسد أعوازه، لهذا فإن عطية لإنسان هي ذبيحة يقدمها بالشكر لله. إن تقدمة الإنسان لله هي ذبيحة وهي ” إفخارستيا ” (شكر) بأوسع معنى.

          مع ذلك فإننا عند تقديم العالم لله كتقدمة أو ذبيحة، نضع عليها ختم عملنا الخاص، وختم فهمنا، وختم روح ذبيحتنا، ختم حركتنا الذاتية نحو الله. وكلما أدركنا بالأكثر قيمة وعظم هذه العطية الإلهية ونمينا إمكانياتها، ومن ثم نزيد الوزنات التي قد أُعطيت لنا، كلما سبحنا الله أكثر، وجعلناه فرحًا بنا، مبرهنين أننا شركاء نشيطون فى حوار الحب بينه وبيننا.

(الأب ديمترى ستانيلو)

          فى الكاتدرائية الشاسعة التي هي عالم الله، فإن كل إنسان، سواء كان دارسًا أم عاملاً يدويًا، مدعو ليعمل ككاهن لحياته كلها ـ وليأخذ كل ما هو إنسانى، ويحوله إلى تقدمة وترنيمة مجد.                                                  (بول إفدوكيموف)

          إن صار قليل من الناس صلاة ـ صلاة ” نقية ” قد تبدو بحسب ظاهرها عديمة الفائدة ـ فإنهم بمجرد حضورهم ووجودهم ذاته، إنما يغيرون الكون.                                                                                                          (أوليفيه كليمنت)

          أنت عالم داخل عالم: أنظر داخل نفسك، وهناك ترى الخليقة كلها. لا تنظر إلى الأشياء الخارجية بل حوّل انتباهك إلى ما يكمن فى داخلك. اجمع شتات عقلك كله إلى داخل كنز نفسك الذهنى، وهيأ للرب مقدسًا خاليًا من التخيلات.                                                                                              (القديس نيلوس من أنكيرا)

          يبدو للروسى أن الإنسان يمكنه أن يعرف شيئًا ما، كإنسان، فقط من خلال المشاركة.

          إن الخير والشر، على الأرض هنا، مرتبطان ببعضهما البعض بغير انفصال. وهذا بالنسبة لنا هو السر العظيم للحياة على الأرض. وحيث يكون الشر فى أشده، هناك ينبغى أن يكون أيضًا الخير الأعظم.

          وبالنسبة لنا، ليس هذا فرضًا نظريًا، بل هو أمر بديهي.

          لا ينبغى أن نتجنب الخطاة، بل أن نتشارك معهم أولاً ونتفهمهم من خلال المشاركة، ثم من خلال الفهم نفتديهم ونجعلهم يتغيرون ويتجلون.

(جوليادو بوسوبر)

          يجب أن يقدم القديسون توبة لا عن أنفسهم فقط، بل عن قريبهم أيضًا، لأنه من دون الحب الفعّال لا يمكنهم أن يصيروا كاملين. هكذا يُحفظ الكون كله معًا، وبعناية الله يساعد كل منا الآخر.             (القديس مرقس الراهب)

          الله لا يريدنا أن نحزن بوجع القلب، بل بالأحرى، يريدنا لفرط حبه لنا أن نبتهج بفرح النفس. أطرح عنك الخطية، تصبح الدموع لا لزوم لها، فحيث لا يكون جرح، فلا حاجة هناك إلى مرهم. آدم قبل السقوط لم يكن يسكب الدمع، وهكذا لن تكون هناك دموع بعد القيامة من الأموات، حينما تكون الخطية قد أبيدت ويكون الألم والحزن والتنهد قد هربوا.

(القديس يوحنا الدرجى)

          المجد المدعو له الإنسان، هو أنه ينبغى أن ينمو فى مشابهته لله، بأن ينمو دومًا أكثر، ليصير إنسانيًا أكثر.                                      (الأب ديمترى ستانيلو)

 

[1] المذهب القائل بأن الله والوجود أو الكون شئ واحد (المعرب).

 

الله خالق – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد

الله ثالوث – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد

الله ثالوث – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد

 

الله ثالوث – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد

 

الطريق الأرثوذكسي للأسقف كاليستوس وير

الفصل الثانى

الله ثالوث

          أيها الآب رجائى:

          أيها الابن، ملجأى:

          أيها الروح القدس حمايتى:

          أيها الثالوث القدوس. المجد لك.

صلاة القديس يؤنيكيوس

          أيها الثالوث، غير المخلوق الذي بلا نهاية،

          أيها الواحد غير المنقسم، الثلاثة في واحد،

          الآب والابن والروح، إله واحد..

          أقبل ترنيمتنا هذه من ألسنة الطين

          وكأنها من أفواه ملتهبة

عن كتاب التريوديون

 

الله كمحبة متبادلة:

          نحن نؤكد في بداية قانون الإيمان أننا ” نؤمن بإله واحد “، لكننا نقول على الفور ما هو أكثر من ذلك. فنحن نستمر قائلين، نحن نؤمن بإله واحد الذي هو في نفس الوقت ثلاثة: الآب والابن والروح القدس. يوجد في الله تمايز أصيل وأيضًا وحدانية حقيقية. إله المسيحيين ليس مجرد وحدة unit من الوحدات بل هو اتحاد، ليس مجرد وحدة بل شركة. هناك في الله شئ ما مماثل للـ” المجتمع “. هو ليس شخصًا فرديًا يحب ذاته وحده، وليس جوهرًا فرديًا monad أو “الواحد”. بل هو ثالوث أو وحدة ثالوثية triunity: ثلاثة أشخاص متساوون، كل شخص يوجد في الاثنين الآخرين بفضل حركة محبة متبادلة لا تتوقف. ” أنا أحب، لهذا أنا كائن Amo ergo sum” ذلك عنوان قصيدة “كاتلين راين” والتي يمكن أن تكون شعارًا لله الثالوث القدوس. وما يقوله شكسبير بشأن الحب الإنسانى بين شخصين يمكن تطبيقه أيضًا على المحبة الإلهية بين الأقانيم الثلاثة الأزليين:

          هكذا أحبا، حبًا بين اثنين

          ولهما جوهر واحد

          والاثنان متميزان، بلا انقسام

          فالعدد في الحب شئ منعدم

 

          إن الغاية الأخيرة من الطريق الروحى أننا نحن البشر يجب أن نكون أيضًا جزءً من الوجود الحى المتبادل في الثالوث [Trinitarian Coinherence أو ما يسمى بالـPerichoresis ]، إذ تجذبنا بالكامل دائرة الحب القائمة في داخل الله. هكذا صلى المسيح لأبيه ليلة صلبه       ” ليكون الجميع واحدًا، كما أنك أنت أيها الآب فيّ وأنا فيك، ليكون هم أيضًا واحدًا فينا ” (يو21:17).

 

          لماذا نؤمن أن الله ثلاثة ؟ أليس من الأسهل أن نؤمن ببساطة بالوحدانية الإلهية، مثلما يفعل اليهود والمسلمون؟ بالتأكيد هذا أسهل. إن عقيدة الثالوث تقف أمامنا بمثابة تحدٍ، كاللغز (crux) بالمعنى الحرفى: إنها بعبارة فلاديمير لوسكى “صليب لطريق التفكير البشرية”، وهي تتطلب يتطلب منا التوبة (metanoia) بصورة جذرية ـ وليس مجرد لفتة تصديق رسمى، بل تغير حقيقى في الذهن وفى القلب.

          لماذا الإيمان إذن بالله كثالوث ؟ وجدنا في الفصل السابق أن أكثر طريقين يساعدانا على الدخول إلى السر الإلهي أن نؤكد أن الله شخص  وأن الله محبة. ويتضمن هذان المفهومان المشاركة والتبادل. أولاً، ليس “الشخص” هو نفس الشيء “كالفرد” على الإطلاق. فأى واحد منعزل ومستقل بذاته لا يكون شخصًا أصيلاً حقيقيًا بل مجرد فرد، أى وحدة مجردة كما يتم تسجيلها في التعداد. إن التمركز حول الأنا هو موت الشخصية الحقيقية. ويصبح كل فرد شخصًا حقيقيًا فقط من خلال الدخول في علاقة مع أشخاص آخرين، أى من خلال الحياة لأجلهم وفيهم. لقد قيل وهذا حق، إنه ما من إنسان يمكن أن يوجد، ما لم يكن اثنان على الأقل في علاقة معًا. ونفس الشيء يُصدق، على المحبة. لا يمكن للمحبة أن تقوم في عزلة، بل هي تفترض وجود الآخر. إن محبة الذات هي إلغاء المحبة. ومثلما أوضح ” تشارلز ويليامز” هذا التأثير المُخرِّب فى روايته ” الهبوط إلى الجحيم “، فإن حب الذات هو الجحيم، لأن حب الذات إذا ما بلغ منتهاه، إنما يدل على نهاية كل فرح وكل معنى. ليس الجحيم هو الآخرون، إنما الجحيم هو ذاتى، إذا ما انفصلت عن الآخرين وتمركزت حول نفسها.

 

          إن الله أفضل بكثير من أحسن ما نعرفه في نفوسنا. فإن كان اثمن عنصر في حياتنا كبشر هو العلاقة بين ” الأنا والأنت “، فإننا لا يمكننا إلاّ أن ننسب نفس العلاقة، بمعنى ما، إلى كيان الله الأزلى ذاته. وهذا بالضبط ما تعنيه عقيدة الثالوث القدوس. ففى قلب الحياة الإلهية ذاتها، ومنذ الأزل يعرف الله ذاته بصفته ” أنا وأنت ” I and Thou “، بأسلوب ثالوثى، وهو يفرح على الدوام بهذه المعرفة. إذن، كل ما يتضمنه فهمنا المحدود للشخص الإنسانى وللحب الإنسانى، هذا نؤكده أيضًا عن الله الثالوث، ونضيف أن هذه الأمور في حالة الثالوث تعنى أكثر بغير حدود مما يمكن أن نتخيله على الإطلاق.

 

          إن الشخص والمحبة يعنيان الحياة، والحركة، والاكتشاف. هكذا فإن عقيدة الثالوث تعنى أننا يجب أن نفكر في الله بمعانٍ متحركة أكثر منها ساكنة. فليس الله مجرد سكون وراحة وكمال غير قابل للتغيير. ولكى نكوّن صورًا عن الله الثالوث علينا أن نتأمل الريح، والمياه الجارية ولهب النيران المتأججة. هناك تشبيه مفضل عن الثالوث كان دائمًا يصوره بثلاثة مشاعل تشتعل بلهب واحد. وتخبرنا ” أقوال آباء البرية ” كيف أن أخًا جاء مرة ليتحدث إلى الأنبا يوسف فى بانيفو وقال الزائر ” يا أبانا، إنى أتبع حسب مقدرتى قاعدة متواضعة للصلاة والصوم، والقراءة والصمت، وبقدر استطاعتى أحفظ نفسى طاهرًا في أفكارى. فماذا لى أن أفعل أكثر؟ فأجابه الأنبا يوسف وقد وقف على قدميه ورفع ذراعيه نحو السماء، وأصبحت أصابعه مثل عشرة مشاعل مضيئة، وقال الشيخ العجوز للزائر: “إن أردت، يمكنك أن تصير كلك نارًا بالكامل”. فإن كانت هذه الصورة عن اللهب الحى تساعدنا على فهم طبيعة الإنسان في أعلى حالاتها، ألاّ يمكن أن تنطبق أيضًا على الله ؟ إن أقانيم الثالوث هم ” بالكامل نار “.

 

          لكن في النهاية، فإن أقل صورة تضلل فهمنا يمكن أن نجدها، لا في العالم الطبيعى خارجنا، بل في القلب البشرى، إن التشبيه الأفضل هو ذلك الذي بدأناه ألاّ وهو خبرتنا بالاهتمام الشديد بشخص آخر ومعرفتنا أن محبتنا تُرد لنا بمحبة مثلها.

 

ثلاثة أشخاص (أقانيم) في جوهر واحد:

          قال المسيح ” أنا والآب واحد ” (يو30:10) فماذا كان يعنى ؟ للإجابة علينا أولاً أن نرجع أول مجمعين من المجامع المسكونية: مجمع نيقية      (325)، ومجمع القسطنطينية (381)، وإلى قانون الإيمان الذي صاغه هذان المجمعان. إن التأكيد الأساسى والحاسم في قانون الإيمان هو أن يسوع المسيح هو “الإله الحق من الإله الحق”، “واحد في الجوهر” (أو “هوموأوسيوس”) مع الله الآب. بعبارة أخرى، فإن يسوع المسيح مساوٍ للآب: هو الله بنفس معنى أن الآب هو الله، ومع ذلك فهما ليسا إلهين بل إله واحد. ومن ثم إن الآباء الشرقيين في أواخر القرن الرابع الميلادى قالوا نفس الشيء عن الروح القدس: هو بالمثل إله حق، “واحد في الجوهر” مع الآب والابن. ورغم أن الآب والابن والروح القدس إله واحد، فإن كلاً منهم هو منذ الأزل شخص (أقنوم)، هو مركز متميز لوعى ذاته. الله الثالوث إذن يوصف بأنه ثلاثة أقانيم في جوهر واحد. توجد في الله منذ الأزل وحدة حقيقية، مرتبطة بتمايز شخصى أصيل: لفظة “جوهر”، “كيان” (ousia)، إنما تدل على الوحدة، ولفظة “شخص” أو “أقنوم” (هيبوستاسيس) (hypostasis) أو (بروسوبون) تدل على التمايز. فلنحاول أن نفهم ما الذي تدل عليه هذه اللغة المحيرة، لأن عقيدة الثالوث القدوس عقيدة حيوية بالنسبة لخلاصنا.

 

          الآب والابن والروح واحد في الجوهر، لا بمعنى فقط أن الثلاثة هم أمثله لنفس المجموعة أو الجنس العام، بل بمفهوم أنهم يشكلون معًا حقيقة واحدة فريدة وخاصة. وفي هذا الصدد هناك فارق هام بين معنى أن أشخاص الله الثلاثة هم واحد، ومعنى أن يدعى ثلاثة أشخاص من البشر واحدًا. فالأشخاص الثلاثة من البشر بطرس ويعقوب ويوحنا، ينتمون إلى نفس الجنس العام، جنس “الإنسان”. وبرغم أنهم متقاربون معًا متعاونون معًا، فإن لكل واحد منهم إرادته الخاصة وقدرته الخاصة، يعمل كل واحد بمقتضى قوته الخاصة المنفصلة في اتخاذ القرار أو المبادرة. باختصار، هم ثلاثة رجال وليس رجلاً واحدًا. لكن في حالة أشخاص الثالوث الثلاثة ليس الأمر هكذا. هناك تمايز، لكن ليس هناك انفصال على الإطلاق. فالآب والابن والروح كما يؤكد القديسون ـ تابعين شهادة الكتاب المقدس ـ لهم إرادة واحدة فقط وليست ثلاث إرادات. لهم طاقة واحدة وليست ثلاثًا. لا أحد من الثلاثة يعمل منفردًا، بمعزل عن الاثنين الآخرين. هم ليسوا ثلاثة آلهة، بل إله واحد.

 

          ومع ذلك ورغم أن الأقانيم أو الأشخاص الثلاثة لا يعملون أبدًا بمعزل الواحد عن الآخر، فإن في الله تمايزًا أصيلاً كما أن فيه وحدة خاصة. فى اختبارنا لله وهو يعمل في عمق حياتنا الخاصة، وبينما نجد أن الثلاثة يعملون دائمًا معًا، مع ذلك فإننا نعلم أن كلاً منهم يعمل فينا بطريقة مختلفة. نحن نختبر الله كثلاثة فى واحد، ونؤمن أن هذا التمايز الثلاثى فى عمل الله الخارجى يعكس تمايزًا ثلاثيًا فى حياته الداخلية. والتمايز بين الأشخاص الثلاثة يعتبر تمايزًا أزليًا قائمًا فى داخل طبيعة الله نفسه؛ فالتمايز لا ينطبق فقط على فعله الخارجى فى العالم. الآب والابن والروح القدس ليسوا مجرد “أشكال” أو “أساليب” للاهوت (الألوهية)، ليسوا مجرد أقنعة يرتديها الله لفترة فى تعاملاته مع الخليقة ثم يخلعها جانبًا. هم على النقيض ثلاثة أشخاص متساوون معًا وأزليون معًا (Coequal, Coeternal Persons). الأب البشرى أكبر سنًا من ابنه. لكن حين نتحدث عن الله “كأب” و”كابن” لا نفسر هذه الألفاظ بهذا المعنى الحرفى. نحن نؤكد أن ” الابن ” لم يكن هناك وقت لم يكن فيه موجودًا. ونفس الشيء يُقال عن الروح.

 

          كل واحد من الثلاثة هو بالكامل وبالكلية الله. ليس أحد منهم أكثر أو أقل من إله بالنسبة للآخرين. كل واحد يملك، لا ثلث لاهوت، بل الألوهية الكاملة فى مجملها، ومع هذا فكل واحد يحيا ويكون هذا اللاهوت الواحد بطريقته المتميزة الخاصة ‎والشخصية. وإذ يؤكد القديس غريغوريوس النيسى على هذه الوحدة الثالوثية فى تنوع، يكتب:

          [ كل ما يكونه الآب، نراه ظاهرًا (مستعلنًا) فى الابن، وكل ما هو للابن فهو للآب أيضًا، لأن الابن بكامله يسكن فى الآب، وله الآب بكامله ساكنًا فى ذاته، الابن الكائن دائمًا فى الآب لا يمكن أن ينفصل عنه، ولا يمكن أن ينفصل الروح عن الابن الذي يعمل بالروح كل شئ. والذي يقبل الآب يقبل أيضًا وفى آنٍ واحد الابن والروح. من المستحيل أن نتخيل أى نوع من الانفصال أو القطع بينهم: فلا يمكن للمرء أن يفكر فى الابن بمعزل عن الآب، ولا أن يفصل الروح عن الابن. هناك بين الثلاثة مشاركة وتمايز يفوق التعبير بالكلام ويفوق الفهم. والتمايز بين الأشخاص لا يضعف وحدانية الطبيعة ولا تقود وحدانية الجوهر المشتركة إلى اختلاط بين الخصائص المتميزة للأشخاص (الثلاثة). لا تندهشوا أننا يجب أن نتكلم عن اللاهوت بأنه موحد ومتمايز في آنٍ واحد. وإذا استخدمنا الألغاز، إن جاز التعبير، فإننا نتصور تنوعًا ـ فى ـ وحدة، ووحدة ـ فى تنوع، غريبة ومتناقضة].

 

وباستخدامه عبارة ” إذا استخدمنا الألغاز.. ” فإن القديس غريغوريوس مضطر أن يؤكد أن تعليم الثالوث ” فيه تناقض ظاهرى ” Paraoxical وأنه ” يفوق التعبير بالكلام والفهم “. إنه شئ أعلنه الله لنا ولم توضحه لنا عقولنا. يمكننا أن نلمح له بلغة بشرية، لكننا لا نقدر أن نشرحه بالكامل. وقدراتنا العقلية هي هبة من الله ويجب أن نستخدمها حتى الكمال، لكن علينا أن ندرك محدوديتها. ليس الثالوث نظرية فلسفية، لكنه الله الحى الذي نعبده، لهذا تأتى نقطة فى اقترابنا من الثالوث حين يجب لمناقشتنا وتحليلنا أن يترك المكان للصلاة التي بغير كلام:

          ” فليصمت كل جسد مائت

وليقف فى خوف ورعدة.”                                        (ليتورجية القديس يعقوب)

 

الخصائص الشخصية فى الثالوث:

          الشخص الأول فى الثالوث، الله الآب، هو “نبع اللاهوت”، المصدر، العلة، أو مبدأ أصل الشخصين الآخرين. هو رابطة الوحدة بين الثلاثة: هناك إله واحد لأن هناك آبًا واحدًا. ” الوحدة هي الآب، الذي منه وإليه يسير مجرى نظام الأشخاص” (القديس غريغوريوس اللاهوتى). كل شخص من الشخصين الآخرين يُعّرف بألفاظ تعبر عن علاقته بالآب: فالابن “مولود” من الآب، والروح “ينبثق” من الآب. وفى الغرب اللاتينى، هناك اعتقاد ثابت بأن الروح ينبثق ” من الآب ومن الابن “. وقد أُضيفت لفظة فيليوك filioque (أى من الابن) إلى النص اللاتينى لقانون الإيمان. وتعتبر الأرثوذكسية لفظة فيليوك إضافة غير شرعية ـ لأنها أُضيفت إلى قانون الإيمان دون موافقة الشرق المسيحى ـ ليس هذا فحسب، بل إنها تعتبر أيضًا أن تعليم ” الانبثاق المزدوج “، كما يُشرح عادة، هو تعليم غير دقيق لاهوتيًا وضار روحيًا. وبحسب آباء القرن الرابع الشرقيين، الذين تتبعهم الكنيسة الأرثوذكسية حتى يومنا هذا، فإن الآب هو المصدر الوحيد وأساس وحدة اللاهوت. ولكى نجعل الابن مصدرًا مثل الآب، أو بالاشتراك معه، معناه أن نتسبب فى ارتباك الخصائص المميزة للأشخاص.

 

          والشخص الثانى فى الثالوث هو ابن الله، ” كلمته ” أو اللوغوس. ولكى نتحدث بهذا الأسلوب عن الله كابن وآب معناه على الفور أن يتضمن (هذا الحديث) حركة من المحبة المتبادلة، كما أشرنا قبلاً. ومعناه أن يتضمن (كلامنا) أنه منذ الأزل فإن الله نفسه، كابن ـ فى طاعة بنوة ومحبة ـ يرد إلى الله الآب الكيان الذي يولّده الآب فيه منذ الأزل بالبذل الذاتى الأبوى. وفى الابن ومن خلاله يُستعلن أو ينكشف الآب لنا: ” أنا هو الطريق والحق والحياة. ليس أحد يأتى إلى الآب إلاّ بى” (يو6:14). هو الذي وُلِدَ على الأرض كإنسان من العذراء مريم فى مدينة بيت لحم. لكنه كالكلمة أو لوغوس الله فهو أيضًا يعمل قبل التجسد الإلهي. هو مبدأ النظام وهو الغاية الذي يتغلغل فى كل الأشياء ويجذبها إلى الوحدة فى الله، وهكذا يجعل العالم universe “كونًا Cosmos”، أى كلاً متكاملاً ومتناسقًا. وقد أسبغ اللوغوس الخالق على كل شئ مخلوق اللوغوس الخاص به الساكن فيه أى المبدأ الداخلى، الذي يجعل هذا الشيء هو ذاته بشكل متميز، والذي يجذب فى آنٍ واحد ويوجه كل شئ نحو الله. ومهمتنا البشرية كصناع أو حرفيين هي أن ندرك هذا اللوغوس الساكن فى كل شئ وأن نجعله ظاهرًا (معلنًا)، نحن لا نسعى أن نهيمن ونسيطر بل أن نتعاون.

 

          أما الشخص الثالث فهو الروح القدس، “الريح” أو” نفس” (نسمة) الله. وبينما نحن ندرك عدم دقة التقسيمات المرتبة، فإننا يمكن أن نقول إن الروح هو الله فينا، والابن هو الله معنا، والآب هو الله فوقنا أو فيما وراءنا أو أبعد منا. ومثلما يكشف الابن الآب لنا، هكذا فإن الروح هو الذي يكشف الابن لنا، ويجعله حاضرًا معنا. ومع ذلك فالعلاقة متبادلة. فالروح يجعل الابن حاضرًا معنا، لكن الابن هو الذي يرسل الروح إلينا. (نحن نلاحظ أن هناك تمايزًا بين “الانبثاق الأزلى” للروح و”إرساليته الزمنية”. فالروح مرسل إلى العالم فى الزمن، بواسطة الابن، لكن بالنسبة لأصله فى داخل الحياة الأزلية للثالوث، فإن الروح ينبثق من الآب وحده).

 

          ويكتب سينيسيوس القيروانى مميزًا كل شخص من الأشخاص الثلاثة:

نهتف، يا أيها الآب، نبع الابن،

أيها الابن، صورة الآب،

أيها الآب، القاعدة حيث يقوم الابن،

أيها الابن، ختم الآب؛

أيها الآب، قوة الابن،

أيها الابن، جمال الآب،

أيها الروح الكلى الطهر، الرابطة بين الآب والابن،

أرسل أيها المسيح، الروح،

أرسل الآب إلى نفسى،

أغمر قلبى الجاف فى هذا الندى، أحسن كل عطاياك.

              

لماذا نتحدث عن آب وليس أم:

          لكن لماذا نتحدث عن الله كآب وابن، وليس كأم وابنة، إن اللاهوت فى ذاته ليس فيه ذكورة ولا أنوثة. وعلى الرغم من أن خصائصنا البشرية كذكر وأنثى تعكس، فى أعلى وأصدق صورها ملمحًا أو مظهرًا من الحياة الإلهية، إلاّ أنه لا يوجد فى الله مثل هذا التمايز الجنسى. لهذا فحينما نتحدث عن الله كآب فإننا لا نتكلم كلامًا حرفيًا بل روحيًا. ومع ذلك فلماذا تكون الرموز ذكرية وليست أنثوية؟ لماذا ندعو الله ” هو ” وليس ” هي” ؟ فى الحقيقة فإن المسيحيين قد طبقوا أحيانًا لغة ” الأم ” على الله. فيتحدث أفراهات، أحد قدامى الآباء السريان الأوائل، عن محبة المؤمن “لله أبيه والروح القدس أمه”، بينما نجد فى العصور الوسطى للغرب أن الليدى يوليان من نورويخ تؤكد أن: “الله يتهلل بأنه أبونا، والله يتهلل بأنه أمنا “. لكن تلك استثناءات. فالرمزية المستخدمة عن الله بواسطة الكتاب المقدس وفى عبادة الكنيسة هي تقريبًا على الدوام رمزية ذكرية.

 

          ولا يمكننا أن نثبت بالمجادلات لماذا يجب أن يكون الأمر هكذا، ومع ذلك تبقى حقيقة اختبارنا المسيحى أن الله وضع ختمه على بعض الرموز دون رموز أخرى. ولم نختر نحن الرموز بل هي قد أُعطيت وأُعلنت لنا من الله. يمكن للرمز أن يتحقق ويُعاش ويُصلى به ـ لكن لا يمكن أن “نبرهن” عليه منطقيًا. وهذه الرموز ” المعطاة ” رغم ذلك، وإن كان من غير الممكن أن يكون لها برهان، إلاّ أنها بعيدة رغم ذلك عن أن تكون اعتباطية Arbitrary. ومثل رموز الأساطير، والأدب والفن، فإن رموزنا الدينية تتغلغل بعمق إلى جذور كياننا الخفية، ولا يمكن أن تتبدل أو تتغير دون أن تنتج عنها عواقب فورية. فإن بدأنا مثلاً بالقول ” أمنا التي فى السموات ” بدلاً من ” أبانا”، فإننا لا نكون فقط قد غيرنا فى نص بتصور آخر عارض بل نكون قد بدلنا المسيحية بدين جديد. فإن الإلهة الأم ليست هي الرب الذي تؤمن به الكنيسة المسيحية.

 

          ولماذا يكون الله شركة أشخاص ثلاثة إلهيين لا أكثر ولا أقل ؟ هنا أيضًا لا يوجد دليل منطقى. فإن ثالوثية الله شئ معطى وموحى به لنا فى الكتاب المقدس، واستلمناه فى التقليد الرسولى، وفى خبرة القديسين عبر القرون. كل ما يمكننا عمله أن نثبت صحة هذه الحقيقة المعطاة من خلال حياتنا الخاصة فى الصلاة.

 

الولادة والانبثاق:

          ما الفرق بالضبط بين “ولادة” الابن و”انبثاق” الروح ؟ “إن طريقة الولادة وطريقة الانبثاق من الأمور التي لا يمكن إدراكها بالعقل”، هكذا يقول القديس يوحنا الدمشقى. ” لقد عرفنا أن هناك فرقًا بين الولادة والانبثاق لكن ما هي طبيعة هذا الفارق، فهذا ما لا نفهمه على الإطلاق”. فإن كان القديس يوحنا الدمشقى نفسه يعترف أنه متحير أفلا نكون نحن كذلك. إن ألفاظ “ولادة” و” انبثاق” هي رموز اصطلاحية لواقع يفوق مدارك دماغنا المفكر. يقول القديس باسيليوس الكبير ” إن عقلنا المفكر ضعيف ولساننا أضعف، من الأسهل قياس البحر كله بقدح صغير عن أن ندرك عظمة الله غير المدركة بالعقل البشرى “. ولكن إن كانت تلك الرموز لا يمكن شرحها بالكامل  إلاّ أننا يمكن (كما قلنا) أن نتأكد منها خلال لقائنا بالله فى الصلاة، فنعرف أن الروح ليس هو نفسه الابن، حتى إن كنا لا نستطيع تعريف الفارق بالضبط بواسطة الكلمات.

 

يدا الله:

          فلنحاول أن نشرح تعليم الثالوث بالتأمل فى النماذج الثالوثية فى تاريخ الخلاص وفى حياة الصلاة التي نعيشها.

          إن الأشخاص الثلاثة، كما رأينا، يعملون دائمًا معًا، ولهم إرادة وقوة واحدة. ويتحدث القديس إيريناؤس عن الابن والروح القدس “كيديّ” الله الآب؛ وفى كل فعل خلاّق وتقديسى يستخدم الآب هاتين ” اليدين” معًا فى وقت واحد. ويوفر لنا الكتاب المقدس والعبادة أمثلة متكررة لذلك:

 

1 ـ الخلق: “ بكلمة الرب صُنعت الأرض السموات وبنسمة فيه كل جنودها” (مز6:33). يخلق الله الآب بواسطة “كلمته” أى اللوغوس (الأقنوم الثانى)، وبواسطة “نسمته” أى روحه (الأقنوم الثالث). وتعمل “يدا” الآب معًا فى تشكيل الكون. وقيل عن اللوغوس ” كل شئ به كان” (يو3:1). قارن قانون الإيمان.. ” الذي به كان كل شئ ” ـ وقيل عن الروح فى الخلق إنه ” كان يرف على وجه المياه ” (تك2:1). فكل المخلوقات تحمل ختم الثالوث.

 

2ـ التجسد: عند البشارة، يرسل الآب الروح القدس على العذراء المباركة مريم فتحمل بابن الله الأزلى (لو35:1). هكذا فإن إتخاذ الله لبشريتنا هو عمل ثالوثى. يُرسل الروح من الآب، ليحقق حضور الابن فى داخل رحم العذراء. ويجب أن نضيف أن التجسد ليس فقط عمل الثالوث بل أيضًا عمل إرادة مريم الحرة. لقد انتظر الله قبولها الإرادى، الذي تعبر عنه الكلمات “ هوذا أنا أمة الرب، ليكن لى كقولك ” (لو38:1)، وهو القبول الذي لو كانت قد امتنعت عن تقديمه، لِما أصبحت مريم أم الله. فالنعمة الإلهية لا تحطم الحرية البشرية بل تؤكدها.

 

3 ـ معمودية المسيح: فى التقليد الأرثوذكسى، تُرىَ هذه المعمودية كاستعلان للثالوث. فصوت الآب من السماء يحمل الشهادة للابن قائلاً: “هذا هو ابنى الحبيب الذي به سررت ” وفى نفس اللحظة، فإن الروح القدس، فى شكل حمامة، ينزل من الآب ويستقر على الابن (مت16:3ـ17). ولهذا تُرّنم الكنيسة الأرثوذكسية فى عيد الظهور الإلهي عيد معمودية المسيح [1]:

          حين تعمدت أيها الرب فى نهر الأردن

          استعلنت عبادة الثالوث.

          لأن صوت الآب حمل الشهادة لك

          فناداك بالابن الحبيب.

          والروح فى شكل حمامة

          ختم على كلمته بأنها أكيدة وثابتة.

 

4 ـ تجلى المسيح: وهو حدثٌ ثالوثى أيضًا. فنفس العلاقة تتجلى بين الأقانيم الثلاثة كما فى المعمودية. فالآب يشهد من السماء ” هذا هو ابنى الحبيب الذي به سررت له اسمعوا ” (مت5:17)، بينما ينزل الروح كما حدث قبلاً على الابن، وفى هذه المرة فى شكل سحابة نور(لو34:9). كما نؤكد فى واحدة من ترانيم هذا العيد:

          اليوم على جبل طابور فى استعلان نورك أيها الرب

          أنرت أيها النور غير المتغير من نور الآب غير المولود،

          ورأينا الآب كنور

          والروح كنور

          الذي بنوره يرشد الخليقة كلها.

 

5 ـ استدعاء الروح فى الإفخارستيا: نفس النموذج الثالوثى الذي يتجلى فى البشارة وفى المعمودية، وفى التجلى، يظهر أيضًا فى لحظة الذروة فى الإفخارستيا، لحظة استدعاء الروح القدس (Epiclesis)، فالكاهن خديم السر حينما يخاطب الآب يقول فى قداس القديس يوحنا ذهبى الفم:

نقدم لك هذه العبادة الروحية بدون سفك دم.

ونصلى ونتضرع ونبتهل إليك

أن ترسل إلينا روحك القدوس، علينا وعلى هذه القرابين الموضوعة أمامك

وأن تجعل هذا الخبز الجسد الثمين لمسيحك

وأن تجعل ما بداخل هذه الكأس دم مسيحك

محوّلاً إياهما بروحك القدوس.

 

          ومثلما هو الحال فى البشارة هكذا فى الإفخارستيا التي هي امتداد لتجسد المسيح. فالآب يرسل الروح القدس ليحقق حضور الابن فى القرابين المقدسة. وهنا ـ مثلما هو فى كل حال ـ فإن الأقانيم الثلاثة للثالوث يعملون معًا.

 

نصلى للثالوث ونحيا الثالوث

نحن نصلى للثالوث:

          ومثلما يكون فى استدعاء الروح القدس فى الإفخارستيا بنيان  ثالوثى، هكذا الأمر تقريبًا فى كل صلوات الكنيسة. فالابتهالات الافتتاحية، التي يستخدمها الأرثوذكس فى صلواتهم اليومية كل صباح ومساء، هي ذات روح ثالوثية واضحة. وهي صلوات مألوفة جدًا، وتكرارها دائم، حتى أنه من السهل أن يفوتنا الانتباه إلى سمتها الحقيقية باعتبارها تمجيد للثالوث القدوس. ونحن نبدأ بالاعتراف بالله بأنه ثلاثة فى واحد، حينما نرشم علامة الصليب ونتلو الكلمات التالية:

باسم الآب والابن والروح القدس

          هكذا أيضًا فى مستهل كل يوم جديد، فنحن نضع اليوم تحت حماية الثالوث. ثم نقول ” المجد لك، يا إلهنا، المجد لك” ـ ويبدأ اليوم الجديد بالاحتفال والبهجة والشكر. ويلى هذا صلاة للروح القدس، ” أيها الملك السمائى… ” ثم نكرر ثلاث مرات:

قدوس الله، قدوس القوى، قدوس الحى الذي لا يموت، ارحمنا

          وهذه التقديسات الثلاث، هي تمثل بتسبحة ” قدوس قدوس قدوس ” التي يسبح بها الشاروبيم فى رؤيا إشعياء (إش3:6)، والأربعة الكائنات الحية فى سفر الرؤيا (رؤ8:4).وفى هذه الـ ” قدوس” التي تتكرر ثلاث مرات هناك ابتهال للثلاثة اقانيم الأزليين. ونتبع ذلك، فى صلواتنا اليومية، بأكثر عباراتنا الليتورجية تكرارًا: ” المجد للآب وللابن وللروح القدس..” وعلينا هنا قبل كل شئ ألاّ نسمح للألفة أن تولد الاحتقار. ففى كل مرة نستخدم هذه العبارة، من الضرورى أن نتذكر معناها الحقيقى باعتبارها تقديم المجد للثالوث. وهذا التمجيد Gloria تليه صلاة أخرى للأقانيم الثلاثة:

أيها الثالوث الأقدس ارحمنا            يارب اغفر لنا خطايانا

يا سيد اصفح عن آثامنا                     أيها القدوس افتقدنا واشفِ أمراضنا

لأجل اسمك القدوس.                       

          وهكذا تستمر صلواتنا اليومية. وفى كل خطوة، سواء ضمنًا أم صراحة، هناك بنية ثالوثية، واعتراف بالله كواحد فى ثلاثة. فنحن نفكر بالثالوث، نتحدث بالثالوث، ونتنفس الثالوث.

هناك أيضًا بعد ثالوثى فى الصلاة المحبوبة جدًا، وهي صلاة أرثوذكسية من جملة واحدة، ألاّ وهي “صلاة يسوع”، وهي “صلاة سهمية” تستخدم فى العمل وفى أثناء فترات الهدوء. وأكثر أشكالها شيوعًا هو:

يا ربى يسوع المسيح، ابن الله، ارحمنى أنا الخاطئ

          وهي فى شكلها الخارجى، صلاة للأقنوم الثانى من الثالوث، الرب يسوع المسيح. لكن الأقنومين الآخرين موجودان أيضًا فيها، رغم أنهما لا يذكران بالاسم. لأننا بذكرنا ليسوع أنه ” ابن الله ” نشير بذلك إلى أبيه، وتتضمن صلاتنا الروح أيضًا لأنه “لا يقدر أحد أن يقول إن يسوع رب إلاّ بالروح القدس” (1كو3:12). إذن فصلاة يسوع ليست صلاة متمركزة فقط حول المسيح، بل هي صلاة ثالوثية.

 

نحن نحيا الثالوث:

          يقول تيتو كولياندر: ” الصلاة فعل “.

” ما هي الصلاة النقية ؟ هي الصلاة  الموجزة فى كلماتها لكنها غزيرة فى فعلها. لأنه إن كانت أعمالك لا تفوق توسلاتك، فإن صلواتك ليست إلاّ مجرد كلمات، وليس فيها بذار اليدين ”                                 (من أقوال آباء البرية)

 

          فإن تحولت الصلاة إلى فعل، فإن هذا الإيمان الثالوثى الذي يغذى كل صلاتنا يجب أن يظهر أيضًا فى حياتنا اليومية. وقبيل تلاوة قانون الإيمان مباشرة فى القداس الإلهي[2]، نردد هذه الكلمات:

          ” فلنحب بعضنا بعضًا، حتى إننا بذهن واحد نعترف بالآب والابن والروح القدس، الثالوث الواحد فى الجوهر والغير منقسم”. لاحظوا هذه الكلمات، “حتى إننا”. إن الاعتراف الأصيل بالإيمان بالإله الثالوث فى واحد لا يمكن أن يقوم به إلاّ أولئك الذين، بحسب مثال الثالوث، يظهرون محبة الواحد نحو الآخر. هناك صلة وثيقة بين محبتنا الواحد للآخر وإيماننا بالثالوث: فالمحبة شرط أساسى للإيمان بالثالوث، والإيمان بالثالوث بدوره يعطى كامل القوة والمعنى للمحبة.

 

          إن عقيدة الثالوث أبعد من أن ندفع بها فى ركن بعيد ونعاملها كقطعة عويصة من التنظير اللاهوتى الذي لا يعنى به إلاّ المتخصصون، بل يجب أن يكون لعقيدة بالثالوث أثرها على حياتنا اليومية، ذلك الأثر الذي ينبغى أن لا يقل عن أن يكون أثرًا ثوريًا. فالبشر إذ هم مخلوقون على صورة الله الثالوث، مدعون أن يُظهروا على الأرض سر المحبة المتبادلة التي يحياها أقانيم الثالوث فى السماء.

 

          وفى العصور الوسطى بروسيا، كرس القديس سرجيوس الرادونيزى ديره الجديد للثالوث القدوس، وكان قصده الفعلى فى ذلك أن يظهر رهبانه المحبة الواحد نحو الآخر كل يوم، وهي نفس المحبة التي تسرى بين أقانيم الثالوث الثلاثة. وهذه ليست دعوة الرهبان وحدهم بل هي دعوة كل واحد فينا.

          فينبغى على كل وحدة اجتماعية: الأسرة، المدرسة، الورشة، والإيبارشية والكنيسة الجامعة ـ أن تصبح أيقونة للثالوث.

 

          ولأننا نعرف أن الله ثلاثة فى واحد، فإن كل واحد منا ملتزم أن يحيا حياة البذل مع الآخر ولأجل الآخر، كل منا ملتزم بشكل نهائى أن يحيا حياة الخدمة العملية، أن يحيا حياة الحنان النشيط. إن إيماننا بالثالوث يضعنا تحت التزام الجهاد على كل مستوى، من الشخصى جدًا وحتى العام المنظم تنظيمًا عاليًا، أى أن نناضل ضد كل أشكال القهر، والظلم، واستغلال الإنسان لأخيه الإنسان. وفى صراعنا لأجل البر الاجتماعى و”حقوق الإنسان”، فإننا نتصرف بوجه خاص ” باسم الثالوث القدوس “.

 

          ” إن أكمل قاعدة للمسيحية، وتعريفها الدقيق، وذروتها العليا، هي هذه: أن نبحث عما هو لنفع الجميع “، هكذا يقول القديس يوحنا ذهبى الفم. “.. لا أقدر أن أؤمن أنه من الممكن لأى إنسان أن يخلص إن لم يعمل لأجل خلاص جاره ” تلك هي المضامين العملية لعقيدة الثالوث. وهذا هو معنى أن ” نحيا الثالوث “.

 

CDCDCDCDCD

 

          لا نمجد ثلاثة آلهة بل إلهًا واحدًا.

          نحن نكرم الأقانيم الثلاثة الذين هم بالحقيقة ثلاثة:

          الآب غير المولود                                                     والابن المولود من الآب

          والروح القدس المنبثق من الآب                  إله واحد فى ثلاثة:

          وبإيمان ومجد حقيقيين ننسب إلى كل منهم لقب الله.

(من كتاب التريوديون)

تعالوا، يا جميع الشعوب، لنعبد اللاهوت الواحد فى ثلاثة أقانيم،

الابن فى الآب مع الروح القدس        لأن الآب أعطى الميلاد قبل الزمان للابن،

الأزلى معه والجالس فى العرش معه،

والروح القدس ممجد فى الآب مع الابن:

قوة واحدة، جوهر واحد، لاهوت واحد، الذين نعبدهم كلهم والذين نقول لهم:

قدوس الله، الذي خلق كل الأشياء بالابن، بمشاركة الروح القدس.

قدوس وقوى الذي به نعرف الآب والذي به أتى الروح القدس ليسكن فى العالم

قدوس وغير مائت، الروح البارقليط، المنبثق من الآب والمستقر على الابن.

أيها الثالوث القدوس، المجد لك

(من صلوات عيد الخمسين)

أسبح اللاهوت، الواحد فى ثلاثة أقانيم

لأن الآب نور،            والابن نور،                   والروح نور

لكن يبقى النور بغير انقسام        ساطعًا فى وحدة الطبيعة،

ومع ذلك فهو يسطع فى ثلاثة أشعة من الأقانيم  (من كتاب التريوديون)

          المحبة هي الملكوت الذي وعد به الرب سريًا للتلاميذ، حينما قال إنهم سيأكلون فى ملكوته ” ستأكلون وتشربون على مائدتى فى ملكوتى ” (لو30:22). فما الذي سيأكلونه ويشربونه، المحبة؟

          وحينما نبلغ المحبة، نكون قد أدركنا الله وتكتمل رحلتنا. فقد عبرنا إلى الجزيرة التي تقع فيما وراء العالم، حيث الآب والابن والروح القدس: الذين لهم المجد والسلطان. فليجعلنا الله مستحقين أن نخافه ونحبه. آمين.                                                                                                               (القديس مار اسحق السريانى)

          مهما حاولت جاهدة، أجد من المستحيل أن أشيد شيئًا أعظم من هذه الكلمات الثلاث، ” احبوا بعضكم بعضًا ” فقط حتى النهاية، ومن دون استثناءات: حينئذٍ يتبرر كل شئ وتستنير الحياة، وإلاّ صارت خلاف ذلك بغيضة وعبئًا ثقيلاً.                                                                         (الأم ماريا من باريس)

          لا يمكن أن تكون كنيسة بدون محبة.   (القديس يوحنا كرونستادت)

          صدقونى، توجد حقيقة واحدة تسود وتسمو ابتداءً من أهداب إكليل المجد وحتى أدنى ظل لأتفه المخلوقات الدنيا: هذه الحقيقة هي المحبة. المحبة هي المنبع الذي تفيض منه الينابيع المقدسة للنعمة بدون توقف من مدينة الله، تروى الأرض وتجعلها مثمرة”، “غمر ينادى غمرًا” (مز7:42): كمثل غمر أو هاوية، وفى لانهائيتها تساعدنا المحبة على أن نصور لذواتنا الرؤيا المرهبة للألوهية. إنها المحبة التي تشكل كل الأشياء وتحافظ عليها فى وحدة. المحبة هي التي تهب الحياة والدفء، وتلهم وترشد. المحبة هي الختم الموضوع على الخليقة، هي توقيع الخالق. المحبة هي شرح صنع يديه.

          كيف نجعل المسيح يأتى ويسكن فى قلوبنا؟ كيف إن لم يكن بالمحبة ؟

(الأب ثيوكليتوس من دير ديونيسيوس)

          أرح المتعبين، افتقد المرضى، أعن الفقراء، لأن هذه أيضًا صلاة.

(القديس أفراهات)

          علينا أن نعامل أجساد رفقائنا من البشر بعناية أكثر مما نوليها لأجسادنا. تعلمنا المحبة المسيحية أن لا نعطى اخوتنا عطايا روحية فقط، بل عطايا مادية كذلك. حتى قميصنا الأخير، وآخر قطعة خبز عندنا، علينا أن نعطيها لهم. إن الصدقة الشخصية وأوسع الأعمال الاجتماعية انتشارًا، هما بالتساوى مهمان وضروريان.

          يكمن الطريق إلى الله فى محبة الآخرين، وليس هناك من طريق آخر. فى الدينونة الأخيرة، لن أُسأَل إن كنت ناجحًا فى نسكياتى أو كم عدد السجدات التي أديتها فى صلواتى، بل أُسأل، هل أطعمت الجوعى، وكسوت العرايا، وافتقدت المرضى والمساجين، هذا ما سوف أُسأل عنه.

(الأم ماريا من باريس)

أيها الثالوث، الأعلى فى الكيان                   أيتها الوحدانية التي بلا بداية

أجناد الملائكة يرنمون بتسابيحك، وهم يرتعدون أمامك،

تقف السموات والأرض والأعماق فى رهبة أمامك أيها الثالوث الكلى القداسة: يباركك الناس،        وتخدمك النار،                    ويطيعك كل شئ فى خوف

(من كتاب الميناون يوم 8 سبتمبر)

 

[1]  هذه التسابيح موجودة فى الكتب الطقسية لكنيسة الروم الأرثوذكس، وتوجد صلوات مشابهة فى كتب الكنيسة القبطية الأرثوذكسية.

[2] قداس يوحنا ذهبى الفم المستعمل فى كنائس الروم الأرثوذكس (المعرب).

 

الله ثالوث – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد

علامات على الطريق – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد

علامات على الطريق – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد

علامات على الطريق – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد

 

 

الطريق الأرثوذكسي للأسقف كاليستوس وير

 

” أنا هو الطريق والحق والحياة ”                                   (يو6:14)

          ” لا تعطينا الكنيسة نظامًا، بل مفتاحًا، لا خطة عن مدينة الله، بل تعطينا وسيلة لدخولها. وقد يفقد شخص ما طريقه لأنه لا يملك خطة. لكن كل ما يمكن أن يراه، سيراه من دون وسيط، سيراه مباشرة، ويكون حقيقيًا بالنسبة له، بينما الذي درس الخطة فقط، يغامر بالبقاء خارجًا، ولا يجد في الحقيقة أي شئ “.

(الأب جورج فلورفسكى)

          القديس سرابيون السائح، أحد أشهر آباء البرية في القرن الرابع الميلادي، كان قد سافر ذات مرة لزيارة روما. وهناك علم بأمر إحدى الناسكات ذائعة الصيت، وهي امرأة كانت تعيش دائمًا داخل غرفة ضيقة واحدة، لم تغادرها قط، وإذ كان يرتاب في طريقة حياتها ـ لأنه هو نفسه كان سائحًا عظيمًا، دعاها وسألها: لماذا تجلسين هاهنا؟ فأجابته ” أنا لست جالسة، أنا على سفر “.

          “ أنا لست جالسة، أنا على سفر“. كلمات يمكن أن يطبقها كل مسيحي على نفسه. فلكي تكون مسيحيًا، يعنى أن تكون مسافرًا، أي في رحلة. يقول الآباء الشرقيون، إن حالنا يشبه حال الشعب الإسرائيلي في برية سيناء، فنحن نعيش في خيام، لا في بيوت، لأننا نتحرك على الدوام روحيًا. نحن في رحلة (سفر) عبر الفضاء الداخلي للقلب، رحلة لا تُقاس بالساعات في معاصمنا ولا بالأيام في نتائج حوائطنا، لأنها رحلة خارج الزمن إلى الأبدية.

          ومن أقدم أسماء المسيحية هو ببساطة ” الطريق “. ومكتوب في سفر أعمال الرسل (23:19) ” وحدث في ذلك الوقت شغب ليس بقليل بسبب هذا الطريق “، ” فلما سمع هذا فيلكس أمهلهم، إذ كان يعلم بأكثر تحقيق أمور هذا الطريق” (أع22:24). إنه اسم يؤكد الصفة العملية للإيمان المسيحي.

          المسيحية أكبر من أن تكون نظرية حول الكون، وأكبر من كونها تعاليم مكتوبة على ورق. إنها طريق نسافر من خلاله، في أعمق وأغني معنى، إنها ” طريق الحياة “.

          وهناك طريقة واحدة فقط لاكتشاف الطبيعة الحقيقية للمسيحية. يجب علينا أن نخطو على هذا الطريق، وأن نلزم أنفسنا بطريق الحياة هذا، عندئذ سنبدأ في رؤية ما به بأنفسنا. وطالما بقينا خارجًا، لا نقدر أن نفهم بشكل صحيح. من المؤكد أننا بحاجة إلى أخذ إرشادات قبل أن نبدأ؛ نحتاج أن نعرف ما هي علامات الطريق التي نبحث عنها، ونحتاج أن يكون معنا رفقاء صحبة. حقًا، بدون إرشاد من الآخرين، من الصعب أن نبدأ الرحلة. لكن إرشادات الآخرين لا يمكنها أن تنقل إلينا ماهية الطريق فعلاً، ولا يمكنها أن تكون بديلاً للخبرة الشخصية المباشرة. إن كل واحد منا مدعو أن يتحقق بنفسه مما تعلمه ـ كل واحد مطالب أن يعيد اختبار ” التقليد ” الذي تسلمه ويحياه بنفسه.

          يقول المطران ” فيلاريت ” أسقف موسكو إن قانون الإيمان لا يخصك إن لم تكن قد عشته. وما من أحد يقدر أن يكون مسافرًا في هذه الرحلة البالغة الأهمية بينما هو قابع في مكانه، ما من أحد يقدر أن يكون مسيحيًا بشكل غير مباشر. إن لله أولادًا لكن ليس له أحفاد !

          وكمسيحي في الكنيسة الأرثوذكسية، أود بشكلٍ خاص أن أؤكد على هذه الحاجة إلى “الاختبار الحي”. تبدو الكنيسة الأرثوذكسية في نظر كثيرين من أهل الغرب في القرن العشرين أنها كنيسة جديرة بالاعتبار بشكل ملحوظ، لأنها تمثل جو التراث القديم والتقاليد المحافظة. إن رسالة الأرثوذكس لإخوانهم الغربيين تبدو هكذا، ” نحن ماضيكم “، ورغم ذلك، فإن الولاء للتقليد بالنسبة للأرثوذكس لا يعني بالدرجة الأولى قبول صيغ أو عادات قديمة من أجيال ماضية، بل بالأحرى قبول الجديد الدائم الجدة والاختبار الشخصي والمباشر للروح القدس، ” في الحاضر، هنا والآن “.

          وفي وصفه لزيارة إحدى كنائس الريف باليونان، يؤكد يوحنا بيتجمان على عنصر ” التراث “، لكنه يركز أيضًا على شئ آخر أكثر:

                    … الظلام الدامس يبتلع النهار.

                    هنا حيث توقد شمعة وتصلي.

      وعلى لهب الشمعة تظهر العيون المتوهجة.

لقديسي الموضع الذين يُظهرون ودون إبهار

استشهادهم منقوشًا على الجدار

حيث يسقط نور النهار

الخافت باهتًا

والضوء يُظهر لوحة مشروخة، ألوانها الأزرق والأخضر البحري والأحمر والذهبي،

يظهر من خلالها الخشب الحبيبي

لأيقونات، أكْثَر الناس من تقبيلها وربما تعود

إلى القرن الرابع عشر…

هكذا تنمو الشجرة العتيقة في قوة واقتدار

وقد جعلها الاضطهاد مشذبة ترويها الدماء

وجذورها الحية عميقة في طين ما قبل المسيحية

لا تحتاج إلى حماية بيروقراطية

فحمايتها في قيامتها الدائمة.

 

          ويلفت بيتجمان الأنظار هنا إلى أكثر ما يملكه الأرثوذكس من نفائس: أعني إلى قيمة الإشارات الرمزية، مثل لهب الشمعة، ودور الأيقونات في إيصال معنى كنيسة محلية ” كسماء على الأرض “، وسمو الاستشهاد في الاختبار الأرثوذكسي تحت حكم الأتراك منذ عام 1453م، وتحت حكم الشيوعيين منذ عام 1917م. وتعد الأرثوذكسية وبحق في العالم الحديث “شجرة عتيقة “. وبجانب عمرها الضارب في القدم هناك الحيوية، حيث “القيامة الدائمة ” وهذا هو المهم، وليس مجرد التراث القديم. فالمسيح لم يقل ” أنا عادة قديمة ” بل قال ” أنا هو الحياة “.

 

          وهدف هذا الكتاب الحالي أن يكشف عن المنابع العميقة لهذه ” القيامة الدائمة “، ويشير الكتاب إلى بعض علامات الطريق الحاسمة والإشارات على الطريق الروحي. وما من محاولة بذلناها هنا لتقديم تقرير فعلي دقيق على التاريخ الماضي والحالة المعاصرة للعالم الأرثوذكسي. وهذا ما يمكن الحصول على معلومات عنه فى كتابى السابق ” الكنيسة الرثوذكسية The Orthodox Church (Penguin Books)، الذي نُشر أصلاً سنة1963؛ وحاولت بقدر الإمكان أن أتجنب هنا تكرار ما ذكرته فى ذلك الكتاب.

 

          وهدفي من هذا الكتاب الحالي أن أقدم تقريرًا موجزًا عن التعاليم الأساسية للكنيسة الأرثوذكسية، حيث يظهر الإيمان طريقًا للحياة، وسبيلاً للصلاة. تمامًا مثلما عنون تولستوى الروائي إحدى قصصه القصيرة ” ما يحيا به الناس “، هكذا يمكن أن يُدعى هذا الكتاب ” ما يحيا به المسيحيون الأرثوذكس “. وفي حقبة مبكرة أكثر رسمية كان يمكن أن يأخذ هذا العمل شكل ” تعليم مسيحى للكبار” يحوي أسئلة وأجوبة. لكن ليست هناك محاولة أن يكون العمل شاملاً كل شئ، فقد قيل القليل جدًا هنا عن الكنيسة وصفة “المجمعية” (Conciliar) فيها، وحول شركة القديسين، والأسرار المقدسة، ومعنى العبادة الليتورجية: وربما استطعت أن أجعل هذا الخط الفكري موضوعًا لكتابٍ آخر. وبينما أشير من حين لآخر إلى طوائف مسيحية أخرى، فإني لا أعقد أية مقارنات منهجية. فاهتمامي منصب على وصف الإيمان الذي أحياه كأرثوذكسي، وأن أجعل ذلك بألفاظ إيجابية، عن أن أقترح مناطق الاتفاق والاختلاف مع الكاثوليكية الرومانية أو مع البروتستانتية.

 

          وإذ اشتاق أن أسمع صوت الآخر، وأن أري شهادات أخرى أفضل بجانب صوتي وشهادتي، فقد وضعت في الكتاب عدة اقتباسات، خاصة في بدء كل فصل وختامه. وتوجد ملاحظات مختصرة عن المؤلفين (وكتبهم)، الذين اقتبست منهم فى نهاية هذا الكتاب. إن معظم الفقرات المقتبسة هي من ” كتب الصلوات الأرثوذكسية ” المستعملة يوميًا فى عبادتنا الكنسية[1]، أو من كتابات الذين نطلق عليهم لقب ” الآباء “. وهم كُتّاب غالبًا من القرون الثمانية الأولى للتاريخ المسيحى، وفى بعض الحالات من تاريخ متأخر عن ذلك؛ لأنه يمكن أن يوجد مؤلف من عصرنا الحاضر ونطلق عليه أيضًا لقب ” أب ” وإن كان بمعنى خاص. وهذه الاقتباسات هي ” الكلمات ” التي ثبت أنها أكثر الكلمات عونًا لي شخصيًا، كعلامات على الطريق لاكتشافاتي الخاصة على الطريق. ويوجد طبعًا كُتاب آخرون كثيرون، لم يُذكروا بالاسم فى هذا الكتاب، وقد اقتبست من هؤلاء بعض الكلمات أيضًا..

          أيها المخلص،

          يا من سافرت مع لوقا وكليوباس إلى عمواس،

          سافر مع خدامك الذين بدأوا الآن ارتحالهم على الطريق واحفظهم من كل شر..                                                                               (صلاة تُقال قبل بداية أى الرحلة)

 

 

عيد القديس الرسول والإنجيلي يوحنا اللاهوتى

26 سبتمبر 1978

الأرشمندريت كاليستوس

 

 

2 يقصد كتب صلوات الخدمات فى كنيسة الروم الأرثوذكس التي هو عضو فيها وأحد لاهوتييها المعاصرين.

 

علامات على الطريق – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد

كتاب منظورات الخلاص تكامل ام تناقض؟ PDF جون كيلي – كاليستوس وير

كتاب منظورات الخلاص تكامل ام تناقض؟ PDF جون كيلي – كاليستوس وير

كتاب منظورات الخلاص تكامل ام تناقض؟ PDF جون كيلي – كاليستوس وير

كتاب منظورات الخلاص تكامل ام تناقض؟ PDF جون كيلي – كاليستوس وير

تحميل الكتاب PDF

الهدوء في الصلاة – معنى ”السكون” Hesychia – الملكوت الداخلي للأسقف كاليستوس وير

الهدوء في الصلاة – معنى ”السكون” Hesychia – الملكوت الداخلي للأسقف كاليستوس وير

 

الهدوء في الصلاة – معنى ”السكون” Hesychia – الملكوت الداخلي للأسقف كاليستوس وير

 

الهدوء في الصلاة

معنى ”السكون” Hesychia

للأسقف كاليستوس (وير) [1]

 

              

الهدوء في الصلاة، معنى ”السكون” Hesychia من كتاب: الملكوت الداخلي للأسقف كاليستوس وير

 

  الحق الإلهي لا يكون بالكلام بل بالهدوء والصمت،

يكون بالبقاء داخل القلب بطول أناة   (كتاب المساكين بالروح)

 

يسوع المسيح، هو الكلمة الذي خرج من الصمت

(القديس أغناطيوس الإنطاكي إلى مغنيسيا)

 

عدة مستويات للسكون (الهيزيخيا = الهدوئية).

          إحدى قصص “أقوال آباء البرية” تصف زيارة قام بها ثيئوفيلوس رئيس أساقفة الأسكندرية إلى رهبان الأسقيط. ولأن الرهبان أرادوا أن يثيروا إعجاب ضيفهم الكبير، لجأوا إلى الأنبا بموا قائلين له: ” قل كلمة منفعة لرئيس الأساقفة” فأجاب الشيخ: ” إن كان لا ينتفع بصمتى، فلن ينتفع بكلامي”[2] هذه القصة توضح الأهمية الكبرى التي يعطيها تقليد البرية لصفة “الهيزيخيا”، أي صفة الهدوء أو السكون.

وتؤكد “أقوال آباء البرية” في موضع آخر أن ” الله فضل السكون على كل الفضائل الأخرى. ويصر القديس نيلوس على أنه، ” من المستحيل أن تصير المياة العكرة صافية إن كانت تُحرّك باستمرار؛ وهكذا من المستحيل أن تصير راهبًا بدون السكون”. والسكون يعني أكثر جدًا من مجرد تحاشى الكلام الخارجي. فهذه الكلمة يمكن تفسيرها على مستويات عديدة. فلنحاول أن نميز بين المعاني الرئيسية للكلمة، مبتدئين من المعنى الخارجي إلى ما هو داخلي أكثر.

1 ـ السكون والعزلة:

          في أقدم المصادر تشير لفظة “هيزيخاست” اليونانية ـ ومعناها الصامت بالعربية، والفعل المشتق منه “هيزيخيزو” إلى راهب يعيش في عُزلة، أى راهب متوحد في مقابل راهب يعيش في دير شركة. هذا المعنى نجده عند “إيفاجريوس البنطي” (القرن الرابع)، وعند “نيلوس” و”بلاديوس” (بداية القرن الخامس).

وترد اللفظة بهذا المعنى في “أقوال آباء البرية”، وعند “كيرلس من سيكيثوبولس”، و”يوحنا موسخوس”، و”برصنوفيوس” وفي قوانين يوستينيان. ويستمر استعمال كلمة “السكون” بهذا المعنى عند كُتّاب متأخرين عن السابقين، مثل القديس غريغوريوس السينائي (المتوفي1346). والكلمة، على هذا المستوى، تشير إلى علاقة الشخص بأشخاص آخرين من جهة المكان. هذا هو المعنى الخارجي تمامًا بالنسبة للمعاني المختلفة الأخرى.

2 ـ السكون وروحانية الصومعة:

          “السكون” ـ كما يقول “الأنبا روفس” في “أقوال آباء البرية” ـ هو أن تجلس في صومعتك بمخافة لله ومعرفة له، وهو أن يبتعد كلية عن أي إساءة وعن المجد الباطل. هذا “السكون” هو أم جميع الفضائل ويحفظ الراهب من سهام العدو الملتهبة”. كما يربط “روفس” “السكون” بتذكر الموت، ويختم بقوله: ” كن ساهرًا على نفسك”[3] وهكذا فإن “السكون” يُقترن بكلمة أخرى تعتبر أحد أساسات تقليد البرية وهي “السهر”، أي اليقظة الروحية.

          وحينما يرتبط “السكون” بهذه الطريقة مع الصومعة، فإن الكلمة لا تزال تشير للوضع الخارجي للراهب “الصامت” في المكان، ولكن معناها يصير في نفس الوقت باطنيًا أكثر وروحانيًا أكثر. فالراهب الصامت بمعنى الشخص الذي يظل في سهر يقظ في صومعته، لا يحتاج بالضرورة أن يكون متوحدًا بل يمكن أن يكون راهبًا يعيش في دير شركة.

          فهذا الراهب الصامت إذن هو ذلك الذي يطيع وصية الأنبا موسى:   ” اذهب واجلس في صومعتك وهي ستعلمك كل شئ”[4].

فهو يضع في قلبه النصيحة التي أعطاها الأنبا أرسانيوس لراهب أراد أن يذهب لعمل أعمال رحمة: [ قال أخ لأنبا أرسانيوس، “أفكاري تزعجني قائلة، إن كنت لا تستطيع أن تصوم أو تجاهد، فعلى الأقل اذهب وافتقد المرضى، فهذا أيضًا هو عمل من أعمال المحبة”، فإذ أدرك الشيخ الأفكار التي زرعها الشيطان، أجابه: “امضى ـ كل واشرب وارقد دون أن تعمل أي عمل، ولكن لا تترك صومعتك”، لأنه عرف أن البقاءفي القلاية يأتي بالراهب إلى الإتمام الحقيقي لدعوته][5].

          والارتباط بين السكون والقلاية ذُكر بوضوح في قول مشهور للقديس أنطونيوس الكبير: ” السمك يموت إن بقى في أرض جافة، وبنفس الطريقة فإن الرهبان إن مكثوا خارج صومعتهم أو صرفوا أوقاتهم مع أهل العالم، يفقدون ذروة هدوئهم”[6]. الراهب الذي يبقى داخل صومعته هو مثل وتر آلة موسيقية جاهز للعزف. السكون يحفظه في حالة تيقظ؛ وإن بقى كثيرًا خارج صومعته، فإن نفسه تصير ضعيفة ومترهلة. فالصومعة، عندما تُفهم بهذه الطريقة على أنها الإطار الخارجي لحياة “الهدوء“، فإنها تعتبر أساسًا كمعمل “للصلاة بلا انقطاع“.

فنشاط الراهب الرئيسي، وهو في سكون وصمت في صومعته ـ هو تذكر الله باستمرار، مع شعور الحزن والنوح. قال أنبا أمون لشيخ يفكر في انتهاج أسلوب في النسك يتسم بالتفاخر: “اجلس في قلايتك، خذ قليلا من الطعام كل يوم وضع في قلبك كلمات العشار، وعندئذ يمكن أن تخلص”[7]. وكلمات العشار هي: ” اللهم ارحمنى أنا الخاطئ” (لو13:18)، وهي مقاربة جدًا لصيغة صلاة يسوع كما وصلتنا من القرن السادس فصاعدًا حسب برصنوفيوس في “حياة أنبا فليمون” وحسب مصادر أخرى.

وسنعود إلى هذه النقطة عندما نتحدث عن “السكون” (الهيزيخيا) ومناداة الاسم (يسوع). ونجد الحديث عن حبس القلاية الرهبانية واسم يسوع مرتبطان معًا بكل وضوح في قول ليوحنا الغزاوى عن زميله المتوحد برصنوفيوس: ” القلاية التي يُحبس فيها حيًا كأنه في قبر، من أجل اسم يسوع، هي مكان راحته؛ لايدخل هناك شيطان ولا حتى رئيس الشياطين يمكن أن يدخلها. إنها قدس أقداس، لأنها مكان سكنى الله”[8].

          إذن، فالقلاية للراهب الصامت، هي “بيت صلاة“، هي موضع مقدس ومكان للقاء بين الإنسان والله. كل هذا يعبر عنه بشكل ملفت القول: ” قلاية الراهب هي أتون بابل التي فيها وجد الثلاث فتية، ابن الله حاضرًا معهم؛ هي عمود السحاب الذي منه كلم الله موسى”[9].

          في كل هذه الأوصاف نحن نسير من الخارج إلى المعنى الباطني “للسكون” (هيزيخيا). وعندما نفسر كلمة “السكون” بلغة روحانية القلاية فإنها تشير ليس فقط إلى حالة خارجية جسمية بل إلى حالة النفس، أي أنها تعنى موقف شخص يسعى ـ بتعبير “القديس ثيوفان الناسك”: ” أن يقف أمام الله واضعًا ذهنه في قلبه، ويستمر واقفًا أمامه بلا انقطاع نهارًا وليلاً، حتى نهاية الحياة”[10] هذا هو بالضبط ما يعنيه هدوء وسكون القلاية بالنسبة للراهب الصامت.

3 ـ السكون ” والعودة إلى النفس ”:

          هذا الفهم الأكثر عمقًا و”الأكثر باطنية more Interiorized” للسكون يؤكد عليه بوضوح الوصف الكلاسيكي “للراهب الصامت” الذي يذكره يوحنا الدرجي: ” الراهب الصامت هو ذلك الذي يحصر كيانه غير الجسمي داخلي بيته الجسمي رغم ما قد يبدو في هذا القول من تناقض”[11].

فالراهب الصامت ـ بالمعنى الحقيقي للكلمة ـ هو ليس شخصًا رحل جسديًا وخارجيًا إلى البرية، بل هو شخص قد بدأ الرحلة داخليًا إلى داخل قلبه؛ ليس هو من قطع نفسه جسديًا من العلاقة بالآخرين بإغلاق باب قلايته، بل هو ذلك الذي “يرجع إلى نفسه” بإغلاق باب ذهنه. لقد قيلت عبارة “رجع إلى نفسه” عن الابن المسرف (لو17:15)، وهذا ما يفعله الراهب الذي يحيا في “السكون”.

وكما يقول القديس باسيليوس، “هو يرجع إلى نفسه؛ وهكذا برجوعه إلى الداخل، فإنه يصعد إلى الله”[12]، وبهذه الطريقة فإن راهب الصمت هو شخص يستجيب لكلمات المسيح، ” ملكوت الله داخلكم” (لو21:17)، وهو يسعى أيضًا أن “يحفظ قلبه بكل يقظة وسهر” (انظر أم23:4). وكما يقول القديس مار اسحق، فهو ” يغوص داخل نفسه، ويكتشف في داخل نفسه، السلم الذي يؤدى إلى الملكوت”[13].

وإذ نعيد شرح تعريفنا الأصلي للراهب الصامت، بأنه متوحد يعيش في عزلة في البرية، فإننا يمكن أن نقول إن العزلة هي حالة خاصة بالنفس، وليست مسألة مكان جغرافي، وأن البرية الحقيقية توجد داخل النفس.

          عند هذه النقطة في شرحنا، سيكون من المفيد أن نتوقف قليلاً، ونميز بدقة أكثر بين المعنى الخارجي والمعنى الداخلي لاصطلاح “الهيزيخيا” ـ “السكون”. يقدم لنا القول المشهور عن الأنبا أرسانيوس ثلاث مستويات. فحينما كان يعمل معلمًأ لأولاد الملوك في القصر صلى إلى الله قائلاً: “عرفني كيف أخلص”.

فجاءه صوت، “يا أرسانيوس، أهرب من الناس وأنت تخلص”. فترك القصر وذهب إلى البرية وصار متوحدًا؛ وبعد ذلك صلى ثانية الصلاة نفسها. جاء الصوت هذه المرة يقول: “يا أرسانيوس، أهرب، احفظ الصمت، عش في سكون، لأن هذه هي جذور عدم الخطية”[14].

          اهرب من الناس، احفظ الصمت، كن في سكون: هذه هي الدرجات الثلاث “للسكون”. الدرجة الأولى مرتبطة بالمكان، “أي الهرب من الآخرين” خارجيًا وجسديًا. الدرجة الثانية لا تزال خارجية، “احفظ الصمت”، أي يكف عن الكلام الخارجي. لا يمكن لأي من هذين الأمرين بذاته أن يجعلنا نصير في السكون الحقيقي؛ لأننا يمكن أن نحيا في عزلة خارجية ونحفظ فمنا مغلقًا، ومع ذلك يمكن أن نكون في داخلنا مملوئين بالقلق والاهتياج.

فلكي نبلغ إلى “السكون” الحقيقي من الضروري أن ننتقل من المستوي الثاني إلى المستوى الثالث، من “السكون” الخارجي إلى “السكون” الداخلي، من مجرد عدم الكلام إلى ما يسميه القديس أمبروسيوس “السكون النشط والخلاّق”[15]. ويوحنا الدرجي يميز بين المستويات الثلاث بقوله: “اغلق باب قلايتك ماديًا واغلق باب لسانك عن الكلام، واغلق الباب الداخلي في وجه الأرواح الشريرة”[16].

          هذا التمييز بين مستويات “السكون”، له تأثيرات هامة من جهة علاقة الراهب الصامت بالمجتمع. فقد يحقق شخص معين هروبًا مرئيًا وجغرافيًا إلى الصحراء، ومع ذلك فهو في قلبه لا يزال يحيا في وسط المدينة؛ وبالعكس، فإن شخصًا آخر قد يعيش بجسده في المدينة ومع ذلك فهو يحيا في السكون الحقيقي داخل قلبه. فما يهم ليس هو المكان الذي نحيا فيه بل حالتنا الروحية.

          صحيح، أن بعض الكُتّاب في الشرق المسيحي، وأشهرهم القديس مار اسحق، كان يؤكد أن “السكون الداخلى” لا يمكن أن يوجد بدون عزلة خارجية. ولكن هذا الرأى لا يحظى بإجماع من آباء البرية. فهناك قصص في “أقوال آباء البرية” تتحدث عن مؤمنين عاديين يقومون بخدمة نشيطة في العالم وتقارنهم بالمتوحدين والنُسّاك، فتتحدث مثلاً عن طبيب الأسكندرية وتعتبره مساويًا روحيًا للقديس أنطونيوس الكبير نفسه[17].

والقديس غريغوريوس السينائي رفض أن يُلبس الأسكيم لواحد من تلاميذه اسمه ايسيذور، وأرجعه من جبل آثوس إلى مدينة تسالونيكي ليكون مثالاً ومرشدًا لمجموعة من الشعب هناك، وبهذا أوضح أن دعوة حياة السكون في المدينة ليس أمرًا مستحيلاً[18]. وغريغوريوس بالاماس المعاصر لغريغوريوس السينائي أصر بطريقة لا التباس فيها إطلاقًا على أن وصية الرسول بولس: “صلوا بلا انقطاع” (1تس17:5) هي لكل المسيحيين بلا استثناء[19].

          وهنا ينبغي أن نتذكر أن الكُتّاب الذين كتبوا باليونانية مثل أيفاجريوس ومكسيموس المعترف، حينما يستعلمون الكلمات praxis أى “عمل” (أو عَمّْال) و”Theoria” (أي تأمل)، التي تُترجم عادة “حياة العمل” و”حياة التأمل”، فإن “حياة العمل” عندهم تعنى ليس الخدمة العملية النشطة للعالم ـ مثل الكرازة، والتعليم والعمل الاجتماعي وأمثالها ـ بل تعنى الكفاح للسيطرة على الشهوات واقتناء الفضائل.

وإذا استعملنا عبارة “حياة العمل” بهذا المعنى، فيمكن أن يُقال إن كثيرين من النُساك والرهبان الذين يعيشون في حبس كامل لا يزال اهتمامهم الأساسي هو “بحياة العمل”. ولنفس السبب، فإنه يوجد رجال ونساء مكرسين كلية لحياة خدمة في العالم ومع ذلك فهم يملكون “صلاة القلب”؛ هؤلاء يمكن أن يُقال عنهم بحق أنهم يعيشون “الحياة التأملية”. ويصرّ القديس سمعان اللاهوتي الجديد أن رؤية الله الكاملة ممكنة “في وسط المدن” كما “في الجبال والصوامع”.

وكان يعتقد أن المتزوجين الذين لهم وظائف مدنية وأولاد، والمُثقلين بأتعاب رعاية بيت كبير، يمكن أن يصعدوا إلى درجات التأمل العالية؛ فالرسول بطرس كانت له حماة، ومع ذلك دعاه الرب إلى صعود جبل تابور ورؤية مجد التجلي[20]. فالمقياس ليس هو الوضع الخارجي بل الحقيقة الداخلية. وكما أنه من الممكن للإنسان أن يحيا في المدينة ومع ذلك يحيا “حياة السكون”، هكذا يوجد البعض الذين يقتضى واجبهم أن يتكلموا باستمرار ومع ذلك فهم صامتون داخليًا.

وكما يقول أنبا بيمن: ” هناك من يظهر أنه يحفظ الصمت ومع ذلك يدين الآخرين في قلبه؛ مثل هذا لا يكف عن الكلام طوال الوقت. وشخص آخر يتكلم من الصباح إلى المساء ومع ذلك يظل صامتًا؛ أي أنه لا يقول شيئًا سوى ما ينفع الآخرين”[21].

وهذا ينطبق بالضبط على المرشدين الروحيين مثل القديس سيرافيم ساروفسكي وغيره الذين كانوا مضطرين بسبب دعوتهم أن يقبلوا تيارًا لا ينتهي من الزائرين ـ عشرات بل ومئات في اليوم الواحد ـ دون أن يفقدوا هدوءهم (صمتهم) الداخلى. وفي الواقع، بسبب هذا الهدوء الداخلى، صارت لهم الإمكانية أن يعملوا كمرشدين للآخرين. والكلمات التي كلموا بها كل زائر كانت كلمات بسلطان لأنها كانت كلمات خارجة من الصمت (السكون).

          في إحدى إجاباته، وضع يوحنا الغزاوى تمييزًا واضحًا بين الصمت الداخلي والصمت الخارجي. فهناك أخ ـ يحيا في دير شركة ـ وقد وجد أن واجباته كنجار في الدير تسبب له اضطرابًا وتشتتًا، ساله إن كان ينبغي أن يصير متوحدًا “ويمارس السكون الذي يتكلم عنه الآباء” فلم يوافق يوحنا على هذا، وأجاب: “أنت لا تفهم ـ مثل معظم الناس ـ ما هو المقصود “بالسكون” الذي يتحدث عنه الآباء”. فالسكون (الصمت) لا يكون بحفظ فمك مغلقًا.

فهناك من يتكلم عشرة آلاف كلمة للمنفعة، وهذه تعتبر سكونًا؛ وآخر ينطق كلمة واحدة لا لزوم لها، وتُحسب على أنها كسر للوصية، “ كل كلمة بطاّلة يتكلم بها الناس سوف يعطون عنها حسابًا يوم الدين” (مت36:12)[22].

 

 

الهدوء في الصلاة

معنى ”السكون” Hesychia(2)

للأسقف كاليستوس (وير) [23]

(القسم الأول من هذا الموضوع الذي يحوى: 1 ـ السكون والعزلة 2 ـ السكون وروحانية الصومعة 3 ـ السكون “والعودة إلى النفس” ـ  نُشر فى العدد السابق)

           

4 ـ السكون والفقر الروحي:

          السكون الداخلى، حينما يُفسر على أنه حفظ للقلب وعودة إلى النفس، فإنه يتضمن عبورًا من الكثرة إلى الوحدة، ومن التعدد إلى البساطة والفقر الروحي. وإذا استعملنا تعبير ايفاجريوس، فإن العقل يصير “عاريًا”. هذه الناحية من السكون (الهيزيخيا) تظهر بوضوح في تعريف آخر ليوحنا الدرجى، عندما يقول: ” السكون هو طرح الأفكار جانبًا” (السلم27). وهو هنا يطور عبارة إيفاجريوس، ” الصلاة هي طرح الأفكار جانبًا”[24].

أى أن السكون يستلزم تفريغًا متزايدًا للذات (Progressive Self emptying)، حيث يُعرّى العقل من الصور البصرية ويُعرّى أيضًا من المفهومات التى يبتكرها الإنسان، وهكذا يمكنه أن يتأمل عالم الله بنقاوة. فالراهب الصامت من وجهة النظر هذه ـ هو بالضبط ذلك الشخص الذى إرتقى من مستوى “حياة العمل” إلى “حياة التأمل”. وغريغوريوس السينائي يعتبر الراهب الصامت عكس الراهب العَمّال إذ يقول: ” …

الرهبان الصامتون يصلون لله في داخل قلبهم ويتخلون عن الأفكار”[25]. فالراهب الصامت إذن، ليس هو اساسًا ذلك الذي يتحاشى لقاء الآخرين والحديث معهم، بل هو بالأحرى ذلك الذي يجحد في صلاته كل الصور والأفكار المتجولة والكلمات، هو “الذي يرتفع فوق الحواس ليدخل في السكون الصافى”[26].

          هذا “السكون الصافى”، رغم أنه يدعى بأنه “الفقر الروحي”، هو بعيد عن أن يكون مجرد نقص أو حرمان. وعندما يعرّى “الصامت” عقله من كل المفهومات التي يبتكرها الإنسان ـ بقدر ما يكون هذا ممكنًا ـ فإن هدفه في هذه “الملاشاة للذات” هو هدف بنّاء تمامًا، أي لكي يمتلئ بإحساس غامر بالحلول الإلهي. هذه النقطة يوضحها القديس غريغوريوس السينائي جيدًا عندما يقول: ” ولماذا نكثر الكلام؟ فالصلاة هي الله، الذي يكمل كل شئ في كل إنسان”[27].

الصلاة هي الله، فهي أساسًا ليست شيئًا أعمله أنا بل هي شئ يعمله الله في”، “… لا أنا، بل المسيح” (غلا20:2). فبرنامج “الصامت” نجده مرسومًا بدقة في كلمات المعمدان عن المسيح، ” ينبغي أن ذاك يزيد وإنى أنا أنقص” (يو30:3). “فالصامت” يكف عن نشاطه الذاتي، لا لكي يكون كسولاً متراخيًا، بل لكي يدخل في فاعلية الله. فسكونه وصمته ليس فارغًا وسلبيًا ـ وليس فترة توقف غير مثمرة بين الكلمات، أو راحة قصيرة قبل استئناف الكلام ـ بل سكونه إيجابي بقوة: فهو موقف انتباه يقظ، هو موقف سهر، وفوق كل شئ هو موقف “إنصات“.

          “الصامت” ـ هو بلا منازع ـ ذلك الشخص الذي “ينصت“، هو الذي يكون منفتحًا لحضور “آخر“: ” اصمتوا، واعلموا إني أنا الله” (مز 11:45س). وكما يقول يوحنا الدرجي، “الصامت هو ذلك الذي يصرخ بإخلاص، ” قلبي مستعد يا الله” (مز8:56س)، الصامت هو ذلك الذي يقول: ” أنا نائم وقلبى مستيقظ” (نش2:5)[28].

فالصامت إذ يعود إلى نفسه، فهو يدخل إلى الغرفة السرية في داخل قلبه، لكي بوقوفه أمام الله ، في هذه الغرفة السرية، يمكن أن ينصت إلى حديث خالقه، هذا الحديث الذي بدون كلام. ويلاحظ كاتب أرثوذكسي معاصر من فلندا قائلاً: ” حينما تصلى.. أنت نفسك يجب أن تصمت، ودع الصلاة تتكلم”[29]. وبدقة أكثر، دع الله يتكلم. “الإنسان .. يجب أن يظل صامتًا على الدوام ويدع الله وحده يتكلم”[30]. هذا هو ما يقصد الصامت أن ينجزه.

          إذن ـ فالسكون يعنى الانتقال من “صلاتي” أنا إلى صلاة “الله العامل فيّ” حسب تعبير الأسقف ثيوفان، من الصلاة “الشاقة” أو “الكادحة” إلى “الصلاة الفاعلة بذاتها” أو “المدفوعة من ذاتها”. السكون الداخلى الحقيقي ـ بأعمق معنى له ـ يماثل تمامًا الصلاة المستمرة التي يصنعها الروح القدس في داخلنا. وكما يعبّر مار اسحق، “حينما يجعل الروح القدس سكناه في أي شخص فإن هذا الشخص لا يكف عن الصلاة، لأن الروح سيصلى فيه على الدوام”[31].

          وفي موضع آخر يشبّه مار اسحق هذا الدخول إلى “الصلاة الفاعلة بذاتها” بشخص يجتاز من خلال الباب بعد أن يكون قد تم فتح قفل الباب، ويشبهه بصمت الخدام حينما يأتى سيدهم في وسطهم.

وعندما يفهم بهذه الطريقة ـ على أنه دخول إلى حياة الله وفاعليته، فإن السكون يكون  أمرًا لا يمكننا أن نحققه في هذه الحياة الحاضرة إلاّ بدرجة محدودة وناقصة. فالسكون هو حقيقة مرتبطة بزمن النهاية، وهو محفوظ بكل ملئه للحياة المستقبلة في السماء. وفي هذا يقول مار اسحق، “السكون هو سر الدهر الآتى”[32].

السكون وصلاة يسوع :

          من جهة المبدأ، فإن السكون هو اصطلاح عام، ولذلك فهو يشمل عدة أنواع بطرائق متخصصة من الصلاة. ولكن، عمليًا، فإن معظم الكُتّاب الأرثوذكس في القرون الحديثة يستخدمون هذه الكلمة ليشيروا بها إلى طريقة روحية بعينها، وهي “مناداة اسم يسوع”. وفي بعض الأحيان ـ فإن كلمة “السكون” تُستعمل ـ بدون مبرر ـ بمعنى ضيق أكثر لتشير إلى العملية الجسمية التى تتضمن التحكم في التنفس خاصة الذي يستعمل أحيانًا بالاشتراك مع صلاة يسوع.

إن ربط السكون مع اسم يسوع ـ وكما يبدو أيضًا ـ مع التنفس، نجدها قبل ذلك عند يوحنا الدرجي الذي يقول: “السكون هو أن تقف أمام الله في عبادة بلا انقطاع. دع ذكر يسوع يتحد بتنفسك، وحينئذٍ ستعرف قيمة السكون”[33].

          ما هي العلاقة بين صلاة يسوع والسكون؟ كيف يساعد استدعاء اسم يسوع في تحقيق نوع من السكون الداخلى الذي سبق وصفه؟

          لقد قيل، إن الصلاة هو “طرح الأفكار جانبًا”، هي العودة من الكثرة إلى الوحدة. والآن حينما نبتدئ بعمل جهد جدى لنصلى داخليًا، واقفين أمام الله ونحن نضع الذهن في القلب، فإننا في الحال نصير واعين لتمزقنا الداخلى ـ واعين لعجزنا عن تركيز أنفسنا في اللحظة الحاضرة، من الزمن. فالأفكار تتحرك بلا هدوء داخل رأسنا مثل طنين النحل (القديس ثيوفان).

أو مثل قفز القرود المتقلب من غصن إلى غصن (راماكراشنا). وهذا العجز عن التركيز، أى عدم استطاعتنا أن نكون “هنا” و”الآن” بكياننا كله، هو أحد أكبر النتائج المأسويةلسقوط الإنسان.

          فماذا ينبغى أن نفعل؟ التقليد النُسكى الأرثوذكسي يذكر منهجين أساسيين للتغلب على “الأفكار”. المنهج الأول، مباشرة، بأن “نقاوم” أفكارنا، أى أن نقابلها وجهًا لوجه، محاولين أن نطردها بمجهود من الإرادة: إلاّ أن مثل هذا المنهج قد يبرهن على أنه غير مثمر. فحينما نكبت خيالاتنا بعنف فإنها عادة ترجع ثانية بعنف زائد. فما لم نكن متأكدين تمامًا من أنفسنا، فإنه أكثر أمانًا لنا أن نستعمل المنهج الثاني، الذي هو غير مباشر. فبدلاً من محاربة أفكارنا مباشرة ومحاولة طردها بمجهود إرادى، يمكن أن نسعى لتوجيه انتباهنا بعيدًا عنها وننظر في اتجاه آخر.

وبهذه الطريقة فإن استراتيجيتنا الروحية تصير إيجابية بدلاً من كونها سلبية؛ ويكون هدفنا العاجل ليس أن نفرغ ذهننا مما هو شرير، بل بالحرى أن نملأه بما هو صالح. وهذا المنهج الثاني هو الذي يوصى به “برصنوفيوس” و”يوحنا” اللذان من غزة. فهما ينصحان بالقول: ” لا تقاوم الأفكار التي يعرضها الأعداء، “لأن هذه المقاومة هي بالضبط ما يريده الأعداء، وهم لن يكفوا عن المحاربة.

بل تحول إلى الرب لطلب المعونة ضدهم، واعرض أمامه عجزك؛ فهو يستطيع أن يطردهم ويجعلهم كلا شئ”[34]. والآن فإن صلاة يسوع هي بالضبط “طريق” ـ الطريق الأعلى ـ الذي بواسطته “نتحول إلى الرب لطلب المعونة”. فصلاة يسوع تصارع الإغراءات خاصة بأن تعطينا القدرة أن “ننظر فى اتجاه آخر“.

          إنه لأمر واضح بالتأكيد لكل واحد منا أننا لا نستطيع أن نوقف تدفق تيار تصوراتنا وأفكارنا بجهد فج لقوة الإرادة. فلا فائدة من أن نقول لأنفسنا: “ممنوع التفكير”؛ بل وحتى لو قلنا أيضًا: “ممنوع التنفس”. فالقديس مرقس المتوحد يصر على أن ” العقل لا يستطيع أن يظل عاطلاً”. فكيف إذن يمكننا أن نحقق الفقر الروحي والسكون الداخلى؟ فرغم أننا لا نستطيع أن نجعل العقل الذي لا يكف أبدًا عن العمل، أن يتوقف عن قلقه، فإنه ما نستطيع أن نفعله هو أن نبسّط ونوّحد نشاطه بأن نكرر باستمرار صيغة صلاة قصيرة.

إن تدفق تيار التصورات والأفكار سيستمر كما هو ولكننا سنتمكن بالتدريج أن نفصل أنفسنا عنه. فالاستدعاء المتكرر للاسم سوف يساعدنا على “تسريح” الأفكار المعروضة علينا من ذاتنا الواعية أو غير الواعية. هذا “التسريح” يبدو أنه يماثل ما يعنيه إيفاجريوس حينما يتحدث عن الصلاة على أنها “طرح الأفكار جانبًا”، أو “عزل الأفكار” ـ فهو ليس صراع وحشى، ليس حملة عنيفة لهجوم غاضب، بل هو انفصال هادئ ولكنه متواصل.

          هذه إذن هي الخطة النُسكية المفترضة مقدمًا في استعمال صلاة يسوع. إنها تساعدنا على تطبيق المنهج غير المباشر للتغلب على الأفكار: فبدلاً من محاولة إيقاف تخيلاتنا الفاسدة أو التافهة عن طريق المواجهة المباشرة، فإننا نتحول جانبًا  وننظر إلى الرب يسوع؛ وبدلاً من الاعتماد على قوتنا الخاصة، فإننا نهرب لنحتمى في القوة والنعمة التى تعمل من خلال: الاسم الإلهي. فالاستدعاء المتكرر يساعدنا على فصل أنفسنا عن لغو أفكارنا الذي لا يتوقف.

          وفي نفس الوقت، فإن صلاة يسوع، عندما تفصلنا أكثر فأكثر عن الأفكار الكثيرة المتضاربة وغير المترابطة، فإنها تساعدنا على أن نركز شخصيتنا المشتتة حول نقطة واحدة. يقول فيلوثيؤس السينائي: ” اجمع عقلك المُشتت بواسطة ذكر يسوع المسيح”[35].

فنحن نركز ونوّحد عقلنا الدائم النشاط والتجوال، بأن نطعمّه “بفكر واحد”، بأن نغذيه بطعام روحاني هو طعام غنى ومع ذلك فهو بسيط غاية البساطة. يقول الأسقف ثيوفان: ” لكي توقف التصادم المستمر لأفكارك، ينبغي أن تحزم عقلك وتربطه بفكر واحد، أو بفكر “الواحد” وحده”[36] ـ فكر الرب يسوع. وبكلمات القديس ديودوخوس الفوتيكي: [ حينما نغلق كل مداخل الذهن بواسطة ذكر الله، فإن العقل يتطلب منا بالضرورة عملاً ما يقوم به، يشبع حاجته للنشاط. فلأجل تحقيق هدفه بشكل كامل، لا ينبغي أن تعطيه سوى صلاة ياربي يسوع”][37].

          هذه باختصار هي الكيفية التي يمكن أن تُستَعمل بها صلاة يسوع لتحقيق “السكون” داخل القلب. ويتبع ذلك أمران هامان، أولاً، لكي يحقق استدعاء اسم يسوع هدفه، ينبغي أن يكون متواترًا ومنتظمًا ـ وفي حالة الراهب الصامت المختبر ـ يجب ان يكون بدون انقطاع ويكون متواصلاً لفترات طويلة من اليوم. والأدوات الخارجية المساعدة مثل سبحة الصلاة، وضبط التنفس، هدفها الأساسي هو بالضبط تحقيق تواتر منتظم.

          ثانيًا، أثناء ترديد صلاة يسوع يجب ان يكون العقل خاليًا بأقصى درجة ممكنة من الصور الذهنية : لهذا السبب فالأفضل أن نمارس صلاة يسوع في مكان لا توجد فيه أصوات خارجية؛ فينبغي أن يتم ترديد الاسم إما في غرفة مظلمة أو بغلق العينين، وهذا أفضل جدًا من الترديد وأنت تنظر إلى أيقونة مُضاءة بالشموع أو بمصباح خاص. والقديس سلوان الأثوسى اعتاد أن يخفى ساعته في دولاب الملابس ـ أثناء ترديده للصلاة ـ حتى لا يسمع صوت دقاتها، ثم يغطى عينيه وأذنيه بطاقيته الصوفية الرهبانية الضخمة[38].

          ورغم أن الصور الذهنية يمكن أن تنشأ في داخلنا أثناء الصلاة إلاّ أننا لا يجب أن نحاورها بتعمد منا. إن صلاة يسوع ليست تأملاً استطراديًا في احداث متنوعة في حياة المسيح. فالذين ينادون الرب يسوع يجب أن يكون لهم في قلوبهم اقتناع قوى جدًا وحار جدًا.

بأنهم يقفون في الحضور المباشر للمخلص، وأنه حاضر أمامهم بل وفي داخلهم، وأنه ينصت لصلاتهم ويستجيب لها بدوره. ولكن هذا الشعور بحضور الله، لا ينبغي أن يصاحبه أى تصور بصرى، بل ينبغي أن يكون قاصرًا على اقتناع أو إحساس بسيط. والقديس غريغوريوس يصف هذا الأمر بقوله: ” العريس حاضر ولكنه لا يُرى”[39].

(يتبع)

 

 

الهدوء في الصلاة

معنى ”السكون” Hesychia(3)

للأسقف كاليستوس (وير) [40]

           

هل الصامت له فائدة عملية للآخرين؟:

          إذن، فحياة السكون تقتضى انفصالاً عن العالم ـ انفصال إما خارجي أو داخلى، وأحيانًا كلا الانفصالين معًا: انفصال خارجي “بالهروب إلى الصحراء”؛ وانفصال داخلى “بالعودة إلى النفس”، و”طرح الأفكار جانبًا”. وإذا اقتبسنا من “أقوال آباء البرية” نجد هذا القول: ” إذا لم يقل الإنسان في قلبه: أنا وحدى مع الله في العالم، فلن يجد راحة البتة”[41].

ولكن أليس هذا نوع من الأنانية، أليس هذا رفضنا للقيمة الروحية للخليقة المادية وتهربًا من مسئوليتنا نحو اخوتنا من البشر؟ فحينما يغلق “الراهب الصامت” عينيه وأذنيه عن العالم الخارجي كما فعل الراهب سلوانس في صومعته بجبل أثوس، فما هي الخدمة الإيجابية والعملية التى يقدمها للآخرين؟

          هيا بنا نبحث هذه المشكلة من وجهتين أساسيتين. فمن الناحية الأولى هل منهج “السكون” يمكن أن تُنسب إليه نفس الانحرافات مثل تلك التى أُدين “الانعزاليون الهادئون” (Quietists) بسببها في القرن السابع عشر في الغرب؟ هل الراهب “الصامت” (Hesychast) هو واقعيًا له نفس وجهة نظر “المنعزل الهادئ”؟.

          ومن الناحية الثانية، ما هو موقف “الصامت” بالنسبة للبيئة المحيطة، سواء كانت بشرية أو طبيعية. ما فائدته (أو فائدتها) العملية للآخرين؟

          فلنأخذ وصف “الإنعزالية الهادئة” (Quietism) في مرجع رئيسي مثل: ” قاموس أكسفورد للكنيسة المسيحية Oxford Dictionary of the Christian Church”، دون أن نحاول أن نحكم هل هذا يعتبر تلخيصًا عادلاً لآراء ميجيل دي مولينوس Miguel de Molinos أو مدام جويون Madame Guyon. يقول “قاموس أكسفورد”: ” المبدأ الأساسى للإنعزالية الهادئة هو رفضها لكل جهد بشرى.. فالإنسان لكي يكون كاملاً ، يجب أن يصل إلى سلبية كاملة وتلاشى الإراد، مسلمًا ذاته لله لدرجة إنه لا يهتم لا بالسماء ولا بجهنم، ولا يهتم بخلاصه الشخصى..

والنفس ترفض ـ عن وعى ـ ليس فقط التأملات الفكرية، بل وأى رغبة في الفضيلة، أو محبة المسيح أو تعبد الأقانيم الإلهية، ويستريح في حضرة الله بإيمان مجرد… وبما أن هذه الصلاة السلبية تعبّر عن قمة الكمال، فهي تجعل أى أعمال خارجية من إماتات، محبة الفقراء، الذهاب للاعتراف… الخ، لا قيمة لها. حالما يصل الإنسان إلى هذه الحالة، تصير الخطية مستحيلة”[42].

          إن كانت هذه هي “الإنعزالية الهدوئية”، إذن فإن تقليد حياة السكون يختلف عنها بالتأكيد. “فالسكون” لا يعنى السلبية بل يعنى السهر (nepsis)، هو ” لا يعنى غياب الكفاح بل غياب عدم اليقين وغياب الارتباك”[43].

          وحتى لو كان الراهب “الصامت” قد وصل إلى مستوى “التأمل”، فإنه لا يزال محتاجًا للكفاح في مستوى حياة العمل، ساعيًا بجهد إيجابي لاقتناء الفضيلة ورفض الرذيلة ـ حياة العمل وحياة التأمل بالمعنى الذي عرفناه قبل ذلك، لا ينبغى أن يُنظر إليهما كبديلين ولا تعتبران كمرحلتين متتابعتين زمنيًا ـ بحيث تنتهى الواحدة منهما عندما تبدأ الأخرى ـ بل بالحرى تعتبران مستويين متداخلين من الاختبار الروحي، يكونان موجودين معًا في حياة الصلاة.

وهذا هو التعليم الواضح للقديس أنطونيوس الكبير: ” إن العمل الأساسي للشخص هو أن يهتم بخطاياه أمام الله، وأن يتوقع حدوث التجربة حتى آخر نسمة… فالذي يقيم في الصحراء ويحفظ “السكون” يكون قد هرب من ثلاث حروب: السمع، والكلام، والنظر، ولكنه يجب أن يجاهد على الدوام ضد أمر واحد ـ وهو ـ الحرب في داخل قلبه”[44].

          إنه لأمر صحيح أن “الراهب الصامت” (hesychast)، مثل “الإنعزالى الهادئ” (Quietist)، لا يستخدم التأملات الفكرية في صلاته. ولكن، رغم أن “السكون”(hesychia) يقتضى عملية “تنحية” جانبًا للأفكار والتصورات، فهذا لا يعنى بالنسبة “للراهب الصامت”، موقف “سلبية كاملة” أو غياب أى عمل محدد مثل…”محبة المسيح”. “فتنحية” الأفكار الشريرة أو التافهة أثناء ترديد صلاة يسوع، واستبدالها بالتفكير في الفكر الواحد “للاسم” (اسم يسوع)، هو ليس سلبية بل طريقة إيجابية قوية لضبط أفكارنا بمعونة نعمة الله.

فمناداة اسم يسوع هي بالتأكيد نوع من “الاستقرار في حضور الله بإيمان نقى”، ولكنها في نفس الوقت تتميز بحب إيجابي للمخلص واشتياق حار للاشتراك إلى أقصى حد في الحياة الإلهية. والذين يقرأون “الفيلوكاليا” تلفت نظرهم بشدة حرارة التقوى التى تشع من الكُتّاب الهيزيخيين (السكونيين)، يلفت نظرهم إحساس الصداقة الحميمة والشخصية مع “يسوعي”. هذه الحيوية الشخصية تظهر بنوع خاص في كتابات حزيقيوس السينائي.

          وعلى خلاف “الانعزالى الهادئ”، فإن “الصامت” الحقيقي لا يدّعى أنه يصير بلا خطية أو أنه غير مُعرض للتجربة. وحالة “اللاهوى” (Apatheia) التى تتحدث عنها النصوص اليونانية النُسكية ليست حالة من عدم المبالاة وعدم الإحساس السلبية، وبالأولى ليست حالة يكون فيها الوقوع في الخطية مستحيلاً. ويقول مار اسحق السرياني: ” اللاهوى لا يعنى أن الشخص لا يشعر بأى شهوات، بل يعنى أنه لا يقبل أى شهوة من الشهوات”[45].

وكما يؤكد القديس أنطونيوس أن ” الشخص ينبغى أن يتوقع النجربة حتى آخر نسمة”، ويصاحب التجربة دائمًا احتمال السقوط في الخطية. ويقول أنبا أبراهام: ” الشهوات تبقى حية، ولكنها تكون مُقيدة بواسطة القديسين”[46]. وحينما يدّعى شيخ قائلاً: ” أنا قد مُت عن العالم”، يكمل جاره قائلاً: ” أنا قد مُت، لكن الشيطان لم يمت”[47].

          و”اللاهوى” عند المؤلفين باليونانية منذ أيفاجريوس فما بعده، يرتبط بالمحبة برباط وثيق، وهذا يوضح بجلاء المحتوى الإيجابى والديناميكى لتعبير “اللاهوى” أو “عدم الهوى”. ففي أساسه الجوهرى هو حالة من الحرية الروحية، التى نستطيع فيها أن نسعى إلى الله باشتياق حار. فهو ليس مجرد إماتة للشهوات الطبيعية للجسد، بل هو ” طاقته الجديدة والأفضل”، هو “حالة النفس” التى يشتعل فيها حب حار نحو الله والناس، فلا يترك مكانًا للشهوات الأنانية والحيوانية”[48].

ويوضح القديس ديادوخوس طابعه الديناميكى باستعماله جملة مُعبّرة عنه هي: ” نار عدم الهوى”[49]. كل هذا يوضح بشكل مقنع الهوة التى تفصل بين “السكون” و”الانعزالية الهادئة”.

          والآن نأتى إلى السؤال الثاني: بعد أن أوضحنا أن طريق “السكون” في الصلاة ليس انعزاليًا بأى معنى يثير الشكوك أو احتمال الهرطقة؛ فإلى أى درجة يعتبر طريق “السكون” سلبيًا في نظرته للعالم المادي، وغير اجتماعى في موقفه تجاه الآخرين؟ ويمكن توضيح صعوبة الأمر من قصة وردت في “أقوال آباء البرية” عن ثلاثة أصدقاء صاروا رهبانًا. الأول منهم اتخذ أولاً مهمة صنع السلام كعمل نُسكى يقوم به، ساعيًا لعمل الصلح بين الذين يذهبون للمحاكم ضد بعضهم بعضًا. والثاني جعل اهتمامه بخدمة المرضى، أما الثالث فمضى إلى البرية وعاش متوحدًا.

وبعد فترة من الوقت صار الأولان في غاية الملل والضجر. ومهما بذلا من جهد فلم يكونا يستطيعان تلبية كل الواجبات الموضوعة عليهما. وعندما اقتربا من حافة اليأس، ذهبا إلى الراهب الثالث، المتوحد، وأخبراه بمتاعبهما. في البداية صمت المتوحد.

وبعد برهة سكب ماء في إناء وقال لهما، “انظرا”. كان الماء قذرًا وعكرًا. ثم انتظرا دقائق قليلة. فقال لهما المتوحد: ” انظرا مرة أخرى”. وبعد أن رسب الطين في القاع وصارت المياه صافية، عندئذٍ نظرا فأبصرا وجهيهما كما في مرآة. فقال المتوحد: ” هذا ما يحدث بالضبط للشخص الذي يسكن بين الناس: فبسبب العكارة فهو لا يرى خطاياه الشخصية. ولكن عندما يتدرب على السكون، وخاصة في البرية، فهو يتعرف على ضعفاته الخاصة”[50].

          هكذا تنتهى القصة، فهي لا تخبرنا كيف طبق الرهبان مثل المياه على حياتهما. ربما عادا كلاهما إلى العالم، واستأنفا عملهما السابق، لأن المجتمع على أى حال يحتاج بشدة لوسطاء وممرضين. ولكن ربما حاولا أيضًا أن يأخذا معهما بعضًا من “سكون” البرية. وفي هذه الحالة، يكونان قد فهما كلمات الراهب الثالث بمعنى أن العمل الاجتماعى مهما كان ضروريًا ومهمًا لا يكفى في ذاته.

فإن لم نحتفظ بالاتصال بأعماقنا الداخلية، إن لم يكن هناك مركز هادئ في وسط العاصفة، إن كنا وسط أنشطتنا لا نحتفظ بغرفة سرية داخل قلبنا نقف فيها وحدنا أمام الله، فإننا سنفقد كل إحساس سليم بمعرفة الاتجاه، وسنتمزق إلى قطع متناثرة. بلا شك هذه هي العبرة التى يميل معظم القراء في القرن العشرين إلى استخراجها من القصة: إننا يجب علينا جميعًا أن نكون متوحدين بدرجة ما في داخل قلوبنا. ولكن هل كان هذا هو “القصد الأصلى من القصة”؟.

          غالبًا لم يكن هذا هو القصد. ولكن الأرجح أنه قُصِد بها أن تكون ترويجًا لحياة التوحد بالمعنى الحرفي والجغرافى. وهذا يثير في الحال السؤال الكبير عن الأنانية الظاهرة والسلبية الموجودة في الصلاة التأملية. فما هي إذن العلاقة الحقيقية بين “الراهب الصامت” والمجتمع؟.

 

 

 

 

الهدوء في الصلاة

معنى ”السكون” Hesychia(4)

للأسقف كاليستوس (وير) [51]

 

علاقة ” الصامت ” بالمجتمع:

          ينبغى أن نعترف مباشرة، أنه في الحركة الهيزيخية للقرن 14، وفي النهضة الهيزيخية للقرن 18، وكذلك في الأرثوذكسية المعاصرة، فإن المراكز الأرثوذكسية لصلاة السكون كانت في المناسك الصغيرة، وهي صوامع يسكن فيها ما لا يزيد عن خمسة رهبان أو راهبات، يحيون كعائلة رهبانية صغيرة مترابطة ومختفية عن العالم.

وكثيرون من الذين كتبوا عن حياة السكون يفضلون بوضوح الأسقيط الصغير على دير الشركة الكبير، فالحياة في دير شركة  كبير يعتبر سبب تشتيت من جهة الممارسة المكثفة للصلاة الداخلية. وطبعًا الحياة في المجتمع تسبب تشتيتًا أكثر.

 

          ومع ذلك، فإن كان المنسك (الأسقيط) بوضعه الخارجي يعتبر مثاليًا، فلا يمكن الإدعاء أن له الأفضلية المُطلقة. فالمقياس دائمًا ليس هو ظروفنا الخارجية بل هو حالتنا الداخلية. بعض أوضاع خارجية معنية ربما تكون مساعدة أكثر من غيرها على السكون؛ ولكن لا يوجد أى وضع يجعل السكون الداخلى مستحيلاً تمامًا.

وقد رأينا القديس غريغوريوس السينائي يعيد تلميذه ايسيدور إلى العالم؛ بينما كثيرون من زملائه في جبل آثوس وفي صحراء باروريا Paroriaصاروا بطاركة وأساقفة، وقادة ورؤساء للكنيسة. وغريغوريوس بالاماس الذي علّم أن الصلاة الدائمة ممكنة لكل مسيحي، هو نفسه اختتم حياته بأن صار رئيس أساقفة لثاني أكبر مدينة في الإمبراطورية البيزنطية.

 

          و”نيقولا كاباسيلاس” الذي كان علمانيًا ، وموظفًا مدنيًا، وكان صديقًا لكثيرين من قادة “حياة السكون” (الهيزيخيا)، يؤكد بإلحاح شديد: ” ينبغى أن يحتفظ كل واحد بحرفته أو وظيفته. فقائد الجيش ليبق في مكان سلطاته، والفلاح ليرعى الحقل، والفنان ليمارس فنه.

وأقول لكم لماذا؟ ليس من الضرورى أن نعتزل في الصحراء، وأن نأكل طعامًا غير شهي، وأن نغيّر زينا، وأن نجور على صحة أجسادنا، أو أن نفعل أى شئ غير حكيم؛ لأنه من الممكن تمامًا أن نظل في بيتنا دون أن نترك كل ممتلكاتنا، ومع ذلك يمكن أن نمارس التأمل باستمرار”[52].

 

          وبنفس الروح يصرّ القديس سمعان اللاهوتى الجديد أنه لا توجد ” حياة أعلى” بمعنى مجرد ومطلق، لأن ” الحياة الأعلى” لكل واحد منا هي الحالة الخاصة التى يدعو الله إليها كل واحد شخصيًا: ” كثيرون اعتبروا حياة التوحد مغبوطة، وآخرون نظروا هكذا إلى رهبنة الشركة.

وآخرون أيضًا أطلقوا هذه الصفة على رعاية المؤمنين، أو على الإرشاد والتعليم الروحي وإدارة الكنائس… ولكن من جهتى، أنا لا أحكم بأن أى واحد فيهم هو أفضل من الآخرين، ولا أقول إن أحدهم يستحق مديحًا وآخر يستحق توبيخًا. ولكن، فى أية حالة، أيًا كان عملنا أو نشاطنا، فإن الحياة التى تُعاش لأجل الله وبحسب الله هي الأكثر غبطة”[53].

 

          إذن، فطريق “السكون”، يبقى مفتوحًا للجميع! فالأمر الوحيد الضرورى هو الهدوء الداخلى وليس الخارجي. ورغم أن الهدوء الداخلى يفترض تنحية الصور جانبًا في الصلاة، فإن التأثير النهائي لهذه التنحية هو التأكيد بحيوية متجددة على القيمة الأساسية لكل الأشخاص والمخلوقات فى الله. فطريق الرفض هو في نفس الوقت طريق القبول الأكيد.

هذه النقطة تبرز بوضوح تام في كتاب “سائح في الطريق”، بطل هذه القصة وهو الفلاح السائح الروسى المجهول، يكتشف أن الترديد المتواصل لصلاة يسوع يصنع تجليًا لعلاقته بالعالم المادى المحيط به، فيغير كل الأشياء لتصير سرًا لحضور الله، ويجعلها شفافة. إذ يقول: ” حينما بدأت أصلى بقلبى، فإن كل الأشياء حولى أخذت شكلاً بهيجًا: الأشجار، الحشائش، الطيور، الأرض، الهواء، والنور. كل الأشياء بدت كأنها تقول لى إنها وُجِدتْ لأجل الإنسان، وإنها تشهد لمحبة الله نحو جنس البشر، وإنها كلها تصلى وتغنى بمجد الله.

وفهمت من هذا ما تسميه “الفيلوكاليا” ـ معرفة لغة كل المخلوقات ـ وشعرت بحب شديد ليسوع المسيح وأيضًا بحب لكل خليقة الله”. ومناداة اسم يسوع تغير أيضًا علاقة السائح باخوته بنى البشر: “وأيضًا صرت أتجول من موضع إلى الموضع الذي بعده، ولكن لم أعد أواجه صعوبات كما كان الحال سابقًا. إن صلاة اسم يسوع كانت تبهجنى في طريقى، وكل الناس كانوا يعاملوننىمعاملة حسنة؛ ويبدو كأنهم جميعًا أحبونى.. وإن شتمنى أو أذانى أحد، فإنى أتذكر عظمة حلاوة صلاة يسوع، وعندئذٍ فكأن الإهانة والغضب يتلاشيان وأنسى كل شئ”[54].

 

          ويوجد دليل آخر على خاصية “قبول العالم” التى تتميز بها “حياة السكون” وذلك في الوضع المحورى الذى يعطيه الهدوئيون لسر التجلى. ويعطينا المطران أنطونيوس (بلووم) وصفًا متميزًا لأيقونتى للتجلى رآهما في موسكو، أحدهما لأندرية روبليف Andrei Rublev والأخرى لثيوفان اليوناني Theophan The Greek. أيقونة روبليف ” تُظهر المسيح في تألق ثيابه البيضاء البراقة وهي تلقى بنورها على كل ما حولها. هذا النور يسقط على التلاميذ، على الجبال والأحجار وعلى كل الأعشاب. وداخل هذا النور…

الذى هو المجد الإلهي، النور الإلهي الذي لا يمكن فصله عن الله، فإن كل الأشياء تكتسب قوة كيانية لم تكن تستطيع أن تحصل عليها بدون ذلك؛ وفي هذا النور فهي تبلغ إلى ملء الحقيقة التى يمكن أن تنالها فقط في الله وحده”. وفي الأيقونة الأخرى ” نرى ثياب المسيح فضية مع ظلال زرقاء؛ وأشعة النور الساقطة على الموقع هي أيضًا بيضاء، فضية وزرقاء. وكل شئ آخر يعطى انطباعًا بأنه أقل وضوحًا جدًا. عندئذٍ نكتشف أن كل الأشعة الآتية من الحضور الإلهي… لا تعطى بروزًا أو تجسيمًا بل تعطى شفافية للأشياء.

ونحصل على الانطباع بأن أشعة النور الإلهي هذه تلمس الأشياء وتدخل إلى عمقها وتخترقها، إنها تلمس شيئًا في داخلها حتى أنه من قلب هذه الأشياء ـ من كل الأشياء المخلوقة ـ فإن نفس النور يعكس ويضيئ وكأن الحياة الإلهي تحيى وتنعش القدرات والإمكانات الخاصة بكل الأشياء وتجعل الكل يمتد متجهًا نحوها. في تلك اللحظة، يتحقق الوضع الأخروى، وبكلمات القديس بولس يصير ” الله الكل في الكل“[55].

 

          هذا هو التأثير المزدوج لمجد التجلى: أن يجعل كل شخص وكل شئ يظهر متميزًا بوضوح تام، في جوهرهما الفريد، وفي نفس الوقت أن يجعل كل شخص وكل شئ شفافًا، وأن يكشف الحضور الإلهي المختفى وراءهما ويكشفه داخلهما. وهذا التأثير المزدوج نفسه ينتج عن “حياة السكون”. فصلاة السكون الداخلى ليست إنكارًا للعالم بل هي احتضان للعالم. إنها تتيح للعابد ” الصامت ” أن ينظر إلى ما وراء العالم إلى الخالق غير المنظور؛ وهكذا تمكنه أن يعود إلى العالم وأن يراه بعيون جديدة.

كثيرًا ما يُقال، إن فائدة السفر هي أن نعود إلى النقطة التى انطلقنا منها، وأن نرى بيتنا من جديد كأننا نراه لأول مرة. وهذا الكلام يصدق على رحلة الصلاة مثل أى رحلة أخرى. ” فالعابد الصامت ” اكثر جدًا من الإنسان الشهوانى أو الإنسان المادي ـ يستطيع أن يقدّر جيدًا قيمة كل شئ، لأنه يرى كل الأشياء في الله ويرى الله في كل شئ. لذلك فلم يكن مصادفة أن غريغوريوس بالاماس ومؤيدوه في القرن 14، كانوا مهتمين أن يدافعوا بتدقيق عن الإمكانات الروحية للخليقة المادية، وبنوع خاص إمكانات الجسم الطبيعى الروحية لكل شخص بشرى.

 

          هذا باختصار، هو الجواب على الذين يعتبرون “حياة السكون” أنها سلبية ولها اتجاه ثنائى في موقفها من العالم. فراهب “السكون” ينكر (العالم) لكي يعود فيؤكده ويقبله، إنه ينسحب لكي يعود. وفي عبارة تلخص العلاقة بين الراهب المتوحد والمجتمع، بين الصلاة الداخلية والعمل الخارجي، يقول إفاجريوس: ” الراهب هو الشخص الذى ينفصل عن الكل ويتحد بالكل”[56].

فالرهبان الهدوئيون يتخذون خطوة انفصال خارجيًا، بأن يعيشوا في عزلة؛ وداخليًا “بأن ينحّوا الأفكار جانبًا” ـ ومع ذلك فإن نتيجة هذا الهروب هي أن يرتبطوا بالآخرين أكثر مما كانوا قبل ذلك، أى أن يجعلهم أعمق إحساسًا بحاجات الآخرين، وأكثر إدراكًا جدًا لإمكاناتهم الخفية. وهذا ما نراه بوضوح عظيم في حالة الآباء والأمهات الروحيين العظام، فأشخاص من أمثال القديس أنطونيوس الكبير والقديس ساروفيم ساروفسكى عاشوا عقودًا كاملة في سكون تام وعزلة مكانية.

ولكن التأثير النهائي لهذا الهدوء والعزلة هو أنه منحهم وضوحًا في الرؤية وحنانًا نادرًا. فلأنهم قد تعلموا أن يعيشوا على انفراد، لهذا بالضبط استطاعوا بطريقة تلقائية أن يجعلوا أفراح وأحزان كل الذين يأتون إليهم لطلب المعونة هي أفراحهم وأحزانهم هم. استطاعوا أن يميزوا الخصائص العميقة لكل شخص، في الحال، وربما تكلموا إليهم بجملتين أو ثلاث فقط، ولكن هذه الكلمات القليلة كانت هي الأمر الوحيد الذى كان كل شخص يحتاج أن يسمعه في ذلك الوقت بالذات.

 

          يقول مار اسحق السرياني: ” إن اقتناء نقاوة القلب هو أفضل من تحويل كل الشعوب الوثنية من ضلالها”[57]. هذا ليس معناه أنه يحتقر العمل الرسولى؛ بل هو يقصد أننا ما لم نحصل على درجة ما من السكون الداخلى، فمن غير المحتمل أننا ننجح في تحويل أى إنسان إلى أى اتجاه صالح. والأنبا أمون تلميذ القديس أنطونيوس يجعل هذه النقطة أقل تناقضًا بقوله: ” لأنهم مارسوا الهدوء العميق أولاً، فإنهم امتلكوا قوة الله لتسكن فيهم، وعندئذٍ أرسلهم الله وسط المجتمع البشرى”[58]. 

وحتى إن كان كثيرون من المتوحدين لا يعودون بالمرة إلى العالم كرسل أو كمرشدين روحيين بل يواصلون عمل السكون الداخلى طوال حياتهم مجهولين تمامًا من الآخرين ـ فهذا لا يعنى أن تأملهم الداخلى بلا فائدة أو أن حياتهم تافهة. إنهم يخدمون المجتمع ليس بالأعمال الظاهرة بل بالصلاة، ليس بما يفعلونه، بل بما يكونونه، ليس خارجيًا بل وجوديًا. فهم يمكنهم أن يقولوا بتعبير القديس مقاريوس الأسكندري: ” أنا أحرس الأسوار”[59].

 

 

1عن كتابThe Inner Kingdom by Bishop Kallistos Ware, S.V.S. Press, N.Y. 2000. للأسقف كاليستوس (وير).

[2] A.P. Theophilius2.

[3] AP. Rufus1.

[4] AP. Moses6.

[5] AP. Arsenius11.

[6] AP. Antony10.

[7] AP. Ammonas4.

[8] Questions and Answers, 73.

[9] AP. A.c. 206, Nau.

[10] The Art of Prayer63.

[11] Ladder27.

[12] Letter2.

[13] Homily2 Wensinck,8.

[14] AP. Arsenius1,2.

[15] On the Clerical Office1,2.

[16] Ladder27.

[17] AP. Antony24.

[18] Patriarch Philotheos, Life of St. Isidore 22.

[19] Patriarch Philotheos, Life of St. Gregory of Thessalonika. PG151, 573B.

[20] Discourses 5, 122.

[21] AP. Poemen.

[22] Questions and Answers, §554.

[23] عن كتابThe Inner Kingdom by Bishop Kallistos Ware, S.V.S. Press, N.Y. 2000. للأسقف كاليستوس (وير).

[24] On Prayer70 (P.G.79. 1181C).

[25] on Prayer (P.G.150: 1333B).

[26] Book of The Poor inSpirit, 2.3.2.

[27] Gregory og Sinai113 (P.G.150: 1280A).

[28] Ladder27 (P.G. 88:1100A).

[29] تيتو كولياندر، طريق النُساك، ترجمة بيت التكريس لخدمة الكرازة، ص 63، طبعة ثانية سنة 1995.

[30] Book of The Poor inSpirit, 2.3.2.

[31] Homily35.

[32] Homily66.

[33] Ladder26.

[34] Questions and Answers § 91.

[35] Philokalia 3:27.

[36] In The Art of Prayer, 97.

[37] Philokalia 1:270.

[38] Staretz Silouan by Archi. Sophrony, London 1958.

[39] Commentary on the Song of Songs II.

[40] عن كتابThe Inner Kingdom by Bishop Kallistos Ware, S.V.S. Press, N.Y. 2000. للأسقف كاليستوس (وير).

[41] A.p. Alonius1.

[42] The Oxford Dictionary of the Christian Church, Oxford, 1997, 1357.

[43] A. Bloom “Contemlation et ascese”, 54.

[44] A.P. Antony4,11المجموعة الأبجدية

[45] Homily74.

[46] AP. المجموعة الأبجدية Abraham 1.

[47] AP, anonymous collection, 266.

[48] Archimandrite Lazarus Moor, in St. John Climacus (London 1959), 51.

[49] Philocalia, 1:258.

[50] AP, anonymous collection, 134.

[51] عن كتابThe Inner Kingdom by Bishop Kallistos Ware, S.V.S. Press, N.Y. 2000. للأسقف كاليستوس (وير).

[52] The Life in Christ 6:42 by N. Cabasilas.

[53] Symon thr new Theologian, Chapters 3, 65.

[54] The Pilgrim’s Tale: Classics of Western Spirituality (1999 New York) 77, 83.

[55] “Body and Matter in Spiritual life” in, “ Sacrament and image” (Fellowship of St. Alban and St Sergius, London 1967) 40-41.

[56] On Prayer 124.

[57] Homily 4. Wensinck 32.

[58] Ep. 1.

[59] Palladius, Lausiac History 18.

الهدوء في الصلاة – معنى ”السكون” Hesychia – الملكوت الداخلي للأسقف كاليستوس وير

Exit mobile version