المقالة10 ج1 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة10 ج1 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة10 ج1 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

 

السجود والعبادة بالروح والحق

المقالة العاشرة

استكمالاً للحديث السابق “عن الخيمة المقدسة، وعن الأشياء الموجودة فيها”

 

كيرلس: أعتقد يا بلاديوس، إنَّ العرضَ الذي بسطناه سابقًا عن الخيمة المقدسة، وعن كل محتوياتها، واضحٌا وكافي.

بلاديوس: بالتأكيد واضحٌ جدًا، ولكنه ليس كافيًا.

كيرلس: إذن، تعال نستكمل ما غاب من أمورٍ في حديثنا السابق عن الخيمة، طالما أنك تريد أنْ تستوضح الأمر عن الطريقة التي أُقيمت بها، ومتى وكيف اكتملت فيها متطلبات البر والناموس، وأيضًا عن تدشينها وتقديسها، وكذلك صدرة القضاء[1].

بلاديوس: تحدَّث إذن عن كل أمرٍ على حدة؛ لأنك تفكر بطريقة صحيحة.

كيرلس: سوف أفعل، لكن أرجو أنْ تغفر لي ـ وأن تضع في حسبانك الصعوبة البالغة في شرح هذه الأمور ـ إنْ بدا في حديثي ما هو غير دقيق، وأتركُ لك إعادة الصياغة والتصحيح؛ لأني أعتبرك شريكًا معي، ومعاونًا لي في كل ما سوف أقوله.

بلاديوس: ثق في الله وامضِ في حديثك.

كيرلس: حسنًا. عندما أُنجزت أعمال الخيمة المقدسة على ما يُرام، وأُتقن صنع كل آنيةٍ من أوانيها بحكمةٍ وفن، بحسب المثال الجميل الذي كان على الجبل، تحدَّث الرب إلى موسى وقال: ” فِي الشَّهْرِ الأَوَّلِ، فِي الْيَوْمِ الأَوَّلِ مِنَ الشَّهْرِ، تُقِيمُ مَسْكَنَ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ ” (خر40: 2)، وبعد ذلك بقليل يُضيف قائلاً: ” فَفَعَلَ مُوسَى بِحَسَبِ كُلِّ مَا أَمَرَهُ الرَّبُّ. هكَذَا فَعَلَ. وَكَانَ فِي الشَّهْرِ الأَوَّلِ مِنَ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ أَنَّ الْمَسْكَنَ أُقِيمَ ” (خر40: 16 ـ 17).

 

          هكذا أُقيمت ـ بحسب إرادة الله ـ الخيمة القديمة، والتي قدَّمت لنا بوضوحٍ، مثالاً لكنيسة المسيح.

 

دعنا نفحص بالتفصيل ـ إذا أردت ـ الحديث المتعلق بإقامتها بواسطة موسى، مرجئين ـ مؤقتًا ـ الحديث الخاص بيشوع بن نون بالرغم من أنه كان موجودًا دائمًا بالقرب من موسى، وصعد معه على جبل سيناء، وحارب عماليق كما أمره موسى، عندما قال له     ” انْتَخِبْ لَنَا رِجَالاً وَاخْرُجْ حَارِبْ عَمَالِيقَ. وَغَدًا أَقِفُ أَنَا عَلَى رَأْسِ التَّلَّةِ وَعَصَا اللهِ فِي يَدِي” (خر17: 9). وامتثل يشوع للحق ونال النصر (راجع خر17: 13).

حسنًا. ما الذي حدث؟ ألا يستحق أنْ نفحصه؟

بلاديوس: لا شك أنَّ الأمرَ جديرٌ بالفحص.

كيرلس: حسنًا. لو أمكن للمرء أنْ يدقِّق ـ بقدر ما يستطيع ـ في الكلام المختص بكل سر، فسوف تتملكه الدهشة صارخًا ” يَا لَعُمْقِ غِنَى اللهِ وَحِكْمَتِهِ وَعِلْمِهِ ” (رو11: 33). ولذلك عليك أنْ تلاحظ ما كانت عليه أشياء الخيمة من دقة. ولاحظ أيضًا أنه عندما يصعد موسى العظيم إلى الجبل يصعد معه يشوع أيضًا. وهذا يرمز إلى أنَّ الآب لا يمكن أنْ يُقتَرب منه إلاَّ بهذه الطريقة، أقصد أنه لا يمكن الاقتراب منه إلاّ بواسطة الابن[2]. لأنه حقًا صادقةٌ هى الكلمة ” لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي ” (يو14: 6).

 

          ويمكننا أنْ نؤكِّد أنه حتى القديسون، إنما يقتربون إليه بواسطة المسيح. لأنه لا يمكن لأحدٍ أنْ يرتقي إلى معاينة سامية وفائقةٍ للطبيعة، وكأنه يصعد إلى جبلٍ، وبالأحرى لا يمكنه أن يوجد بالقرب من الله إنْ لم يكن متحدًا مع عمانوئيل، وهكذا لا يكون هناك ما يعوق مسيرة البشر للاقتراب إلى الآب. وهذا هو ما قيل بصوت إشعياء    ” كُلُّ وَطَاءٍ يَرْتَفِعُ، وَكُلُّ جَبَل وَأَكَمَةٍ يَنْخَفِضُ، وَيَصِيرُ الْمُعْوَجُّ مُسْتَقِيمًا، وَالْعَرَاقِيبُ سَهْلاً ” (إش40: 4)، أي بالمسيح تستقيم المعوجات، وكل وطاءٍ يرتفع، وتصير العراقيب طريقًا سهلةً. لأنه كما يقول أيضًا النبي نفسه في موضع آخر: ” طَرِيقُ الصِّدِّيقِ اسْتِقَامَةٌ. تُمَهِّدُ أَيُّهَا الْمُسْتَقِيمُ سَبِيلَ الصِّدِّيقِ ” (إش26: 7). إذن، فقد صعد يشوع (الذي يرمز إلى المسيح) مع موسى الحكيم؛ لأنه ـ كما قلت ـ لأن الاقتراب من الآب لا يكون إلاَّ بواسطة الابن، فهو الوسيط الذي يربطنا بالآب بواسطة ذاته، ويُصعِدُنا إلى المرتفعات التي تفوق الطبيعة.

 

لقد واجه يشوعُ عماليقَ برجالٍ مختارين، وانتصر عليهم مثلما انتصر المسيح على رئيس هذا العالم بقديسين مختارين، هم تلاميذه المُلهَمين.

 

وكان موسى يعطى الأوامر وكان يشوع يخضع لها، مثلما خضع الابن تحت الناموس، بالرغم من أنه بالتأكيد كان هو الله المُشرَّع.

 

وكما كانت المعركة في اليوم التالي لليوم الذي دار فيه هذا الحوار بين موسى ويشوع بن نون، هكذا بشَّر الناموس ـ بشكل كاف ـ بما هو عتيد أنْ يحدث، وقدّم سردًا مجيدًا لمنجزات المخلِّص، هذا إذا نظرنا إلى هذا السرد نظرةً روحيةً.

 

إذن، فقد أقام موسى الخيمة المقدسة، لما لها من فائدة تربوية ـ من جهة الناموس ـ في تأسيس الكنيسة. لأنَّ الناموس يقود إلى المسيح الذي هو رأس الكنيسة ومؤسسها، عمود الحق وقاعدته بحسب المكتوب (انظر 1تيمو 3: 15). والمسيح نفسه قال لليهود ” لأَنَّكُمْ لَوْ كُنْتُمْ تُصَدِّقُونَ مُوسَى لَكُنْتُمْ تُصَدِّقُونَنِي، لأَنَّهُ هُوَ كَتَبَ عَنِّي ” (يو5: 46). وهو ما يعنى أنَّ تربية الناموس من خلال بناء الخيمة، ومن خلال ما يقوله موسى، تُنبئ ـ رمزيًا ـ عن كنيسة المسيح، وعن السر المتعلق بها؛ لأنَّ شخص موسى كان ممثلاً للناموس الذي أُعطى بواسطته بحسب المكتوب في الأمثال الإنجيلية: ” عِنْدَهُمْ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءُ، لِيَسْمَعُوا مِنْهُمْ ” (لو16: 29).

بلاديوس: أنت تتحدث بالصواب.

كيرلس: فما الذي كان يقصده بقوله “ينبغي اليوم”[3]، وأيضًا “في اليوم الأول من الشهر الأول”؟ وماذا يقصد كذلك بقوله: ” فِي الشَّهْرِ الأَوَّلِ مِنَ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ أَنَّ الْمَسْكَنَ أُقِيمَ ” (خر40: 17)؟ دعنا نجيب باحثين عن الحق الذي يفيد قرائنا.

 

“اليوم”: يُقصد به زمن الخلاص المُنتظَر، الذي فيه صار وحيدُ الجنس إنسانًا، وملكًا على البشر الذين على الأرض بموته بالجسد، وقادهم إلى الله الآب. هذا الوقتُ واحدٌ للجميع؛ لأنه طالما قد مات مرةً واحدةً، فإنه لن يموت مرة أخرى، والموت لن يسود عليه بعد بحسب الكتب (انظر رو6: 9). لن يموت الابنُ ثانيةً من أجلنا، ومن أجل الأرواح التي هي في الجحيم، لن يكون الابنُ بدايةً ثانيةً للأموات. إنَّ هذا الوقتَ، واحدٌ بالنسبة له كما قلت من قبل، وقد ذكر النبي إشعياء ـ كممثل لله ـ هذا اليوم ” هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: فِي وَقْتِ الْقُبُولِ اسْتَجَبْتُكَ، وَفِي يَوْمِ الْخَلاَصِ أَعَنْتُكَ ” (إش49: 8). أيضًا بولس الحكيم يقول هُوَذَا الآنَ وَقْتٌ مَقْبُولٌ. هُوَذَا الآنَ يَوْمُ خَلاَصٍ ” (2كو6: 2). فالمسيح قد قام في هذا اليوم من الأموات مُبدِّدًا ظلام مملكة الموت، وجعل الرسل القديسين مثل البنائين، وجعلهم أرواحًا خادمةً لكنيسة الأمم قائلاً: ” فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ. وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ. وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ ” (مت28: 19 ـ 20).

ألا ترى أنَّ هذا يعتبر بمثابة تأسيسٍ للكنيسة؟

بلاديوس: ماذا تقصد؟

كيرلس: أقصد الإيمان الذي استلمناه من المعلِّمين القديسين، والتعليم الذي كرزوا به: أي الإيمان بالمسيح، والإتحاد بالله بواسطة المعمودية وشركة الروح القدس. لأنَّ هذا هو ما قاله لنا بولس الرسول: ” الَّذِي فِيهِ كُلُّ الْبِنَاءِ مُرَكَّبًا مَعًا، يَنْمُو هَيْكَلاً مُقَدَّسًا فِي الرَّبِّ. الَّذِي فِيهِ أَنْتُمْ أَيْضًا مَبْنِيُّونَ مَعًا، مَسْكَنًا ِللهِ فِي الرُّوحِ ” (أف2: 21 ـ 22).

 

فقد رُمِزَ للمسيح في الماضي بعدة أشياء في الخيمة المقدسة مثل: مذبح البخور الذهبي، والتابوت، والمنارة، وأيضًا المائدة وكل ما هو موضوع عليها.

 

ولذلك، فأنا أعتقد أنَّ كل واحدٍ من الذين آمنوا في الوقت الحاضر يعتبر مسكنًا وهيكلاً لله، وهؤلاء يُقيم فيهم المسيح؛ لأنه يسكن داخل قلوبنا بالإيمان كما هو مكتوب (انظر أف3: 17). وبالرغم من أنه واحدٌ بطبيعته، لأنه يقول ” لكِنْ لَنَا إِلهٌ وَاحِدٌ: الآبُ الَّذِي مِنْهُ جَمِيعُ الأَشْيَاءِ، وَنَحْنُ لَهُ. وَرَبٌّ وَاحِدٌ: يَسُوعُ الْمَسِيحُ، الَّذِي بِهِ جَمِيعُ الأَشْيَاءِ، وَنَحْنُ بِهِ ” (1كو8: 6) إلاَّ أننا نحن الذين في الجسد نُدركُ وجوده؛ فنحن نُدرك ـ بطرق مختلفة ـ جمال ألوهيته ذات الخصائص المتنوعة، حيث ندرك داخليًا أنه كلمة الله، وكذلك هو الحكمة والنور والحياة، والخبز الحيّ الذي نزل من السماء.

بلاديوس: أنا أُدرك ما تقوله.

كيرلس: إذن، فقد رُمِزَ ـ في الماضي ـ لكلٍ من وقت التجسد، وكذلك ليوم القيامة من الأموات، بالكلمات الإلهية هكذا: “في ذلك اليوم تقيم الخيمة”.

 

كما أنَّ عبارة “في أول الشهر” يا بلاديوس، عبارةٌ مفيدةٌ أيضًا. أعنى كما أنَّ بداية الشهر هو اليوم الأول من عدد أيامه، هكذا فإنَّ بداية الزمن الجديد، وبداية ظهور الأزمنة الجديدة هو وقت مجيء المسيح على الأرض. لأنه يقول ” إِذًا إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ: الأَشْيَاءُ الْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ، هُوَذَا الْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيدًا ” (2كو5: 17). إذن، فقد بزغ هذا الزمن الذي نراه الآن (أي في العهد القديم)، بالرجاء، بينما نحن نحيا فيه بفضل الإله الذي قادنا بنوره مع الملائكة القديسين إلى مجد الآب، آخذًا معه أولئك الذين اختاروا أنْ يحيوا حياةً جديدةً واكتسبوا في نفوسهم بصبرهم غنى التعليم الإنجيلي بجماله الفائق، وهكذا قادهم إلى المجد والملكوت المُنتَظر منذ القديم.

 

          إنَّ رمزية الشهر الأول تشير إلى الخليقة الجديدة والأوقات الجديدة التي أزهرت فيها تعاليم المسيح مثلما يزدهر النبتُ الجميل في أول الشهر، وتزدهر النباتات في المراعى، ويُشتَّم شذى ألوفٍ من الورود الجميلة برائحة الربيع الزكية. لأنَّ المسيحَ في مثل هذا الوقت، دعا كنيسة الأمم قائلاً: ” قُومِي يَا حَبِيبَتِي، يَا جَمِيلَتِي وَتَعَالَيْ. لأَنَّ الشِّتَاءَ قَدْ مَضَى، وَالْمَطَرَ مَرَّ وَزَالَ ” (نش2: 10 ـ 11).

 

هكذا ازدهرت طبيعة الإنسان مرةً أخرى مثل النبات، بعدما أصابها الذبول من جرَّاء الموت بسبب مخالفة آدم والخطية التي تملَّكت علينا. اسمع ما يقوله المسيح بفم واحد من الأنبياء القديسين:  ” أنا هو الذي أتحدث إليك مثل الربيع على الجبال ” (إش52: 6س). فكما أنَّ الربيع يتوِّجُ الجبال والغابات بنباتات وزروع جديدة، هكذا فإن حضور المسيح يحقق لنا نفس الأمر، لذا يقول “في السنة الثانية”، وليس “الأولى” التي فيها كان يسرى الناموس وزمن الأنبياء، وفيها كان الموت يملك على الجميع. لأنه قد مَلك الموت من آدم حتى موسى (انظر رو5: 14). “في السنة الثانية”، أي في الزمن الذي فيه وصل إلينا اسم المسيح الذي هو غاية الناموس والأنبياء.

هل تعتقد أنَّ حديثنا يسير باستقامة وحق؟

بلاديوس: نعم.

كيرلس: أنا أعتقد إنَّ صوت إشعياء قد أعلن لنا مسبقًا الخيمة الحقيقية التي كانت محط أنظار كل واحدٍ من الذين قد دُعُوا ليتبرروا بالإيمان، إذ يقول: ” اُنْظُرْ صِهْيَوْنَ مَدِينَةَ أَعْيَادِنَا. عَيْنَاكَ تَرَيَانِ أُورُشَلِيمَ مَسْكِنًا مُطْمَئِنًّا، خَيْمَةً لاَ تَنْتَقِلُ، لاَ تُقْلَعُ أَوْتَادُهَا إِلَى الأَبَدِ، وَشَيْءٌ مِنْ أَطْنَابِهَا لاَ يَنْقَطِعُ ” (إش33: 20). لأنَّ الكنيسة هي مدينة الله، وهي التي قال عنها داود العظيم ” قَدْ قِيلَ بِكِ أَمْجَادٌ يَا مَدِينَةَ اللهِ ” (مز87: 3). بمعنى أنها غنية بعطايا سماوية ومزينة بمواهب سماوية، وأساساتها غير مزعزعة وثابتة بحسب كلام المخلّص ” وَأَبْوَابُ الْجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا ” (مت16: 18).

بلاديوس: كل ما تفكر فيه صحيح ومنطقي.

كيرلس: عندما نُصبت الخيمة كان ينبغي أنْ يكون كل ما فيها من أشياء وأوانِ، مُرتَّبًا غير مبعثرٍ. ويعلِّمنا هذا إله الجميع قائلا:        ” وَتَضَعُ فِيهِ تَابُوتَ الشَّهَادَةِ. وَتَسْتُرُ التَّابُوتَ بِالْحِجَابِ. وَتُدْخِلُ الْمَائِدَةَ وَتُرَتِّبُ تَرْتِيبَهَا. وَتُدْخِلُ الْمَنَارَةَ وَتُصْعِدُ سُرُجَهَا. وَتَجْعَلُ مَذْبَحَ الذَّهَبِ لِلْبَخُورِ أَمَامَ تَابُوتِ الشَّهَادَةِ. وَتَضَعُ سَجْفَ الْبَابِ لِلْمَسْكَنِ. وَتَجْعَلُ مَذْبَحَ الْمُحْرَقَةِ قُدَّامَ بَابِ مَسْكَنِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ ” (خر40: 3 ـ 6).

 

          يمكنك طبعًا أنْ ترى الآنية المقدسة بين هذه الأشياء التي نُقلت ووُضعت في الخيمة المقدسة، ويمكنك أيضًا أنْ ترى ـ بوضوح ـ المكان الذي يحتويها، ويليق بكل واحدة من هذه الأواني. هل تريد الآن أنْ نُفصِّل بدقة ما يجب أنْ تعرفه عن التعليمات الخاصة بالخيمة؟

بلاديوس: بكل سرور.

كيرلس: حسنًا. قال الله لموسى: ” وَتَصْنَعُ حِجَابًا مِنْ أَسْمَانْجُونِيٍّ وَأُرْجُوَانٍ وَقِرْمِزٍ وَبُوصٍ مَبْرُومٍ. صَنْعَةَ حَائِكٍ حَاذِق يَصْنَعُهُ بِكَرُوبِيمَ. وَتَجْعَلُهُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَعْمِدَةٍ مِنْ سَنْطٍ مُغَشَّاةٍ بِذَهَبٍ. رُزَزُهَا مِنْ ذَهَبٍ. عَلَى أَرْبَعِ قَوَاعِدَ مِنْ فِضَّةٍ. وَتَجْعَلُ الْحِجَابَ تَحْتَ الأَشِظَّةِ. وَتُدْخِلُ إِلَى هُنَاكَ دَاخِلَ الْحِجَابِ تَابُوتَ الشَّهَادَةِ، فَيَفْصِلُ لَكُمُ الْحِجَابُ بَيْنَ الْقُدْسِ وَقُدْسِ الأَقْدَاسِ. وَتَجْعَلُ الْغِطَاءَ عَلَى تَابُوتِ الشَّهَادَةِ فِي قُدْسِ الأَقْدَاسِ. وَتَضَعُ الْمَائِدَةَ خَارِجَ الْحِجَابِ، وَالْمَنَارَةَ مُقَابِلَ الْمَائِدَةِ عَلَى جَانِبِ الْمَسْكَنِ نَحْوَ التَّيْمَنِ، وَتَجْعَلُ الْمَائِدَةَ عَلَى جَانِبِ الشِّمَالِ. وَتَصْنَعُ سَجْفًا لِمَدْخَلِ الْخَيْمَةِ مِنْ أَسْمَانْجُونِيٍّ وَأُرْجُوَانٍ وَقِرْمِزٍ وَبُوصٍ مَبْرُومٍ صَنْعَةَ الطَّرَّازِ. وَتَصْنَعُ لِلسَّجْفِ خَمْسَةَ أَعْمِدَةٍ مِنْ سَنْطٍ وَتُغَشِّيهَا بِذَهَبٍ. رُزَزُهَا مِنْ ذَهَبٍ، وَتَسْبِكُ لَهَا خَمْسَ قَوَاعِدَ مِنْ نُحَاسٍ” (خر 26: 31 ـ 37).

 

وعن المرحضة يقول الآتي: ” وَتَصْنَعُ مِرْحَضَةً مِنْ نُحَاسٍ، وَقَاعِدَتَهَا مِنْ نُحَاسٍ، لِلاغْتِسَالِ. وَتَجْعَلُهَا بَيْنَ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ وَالْمَذْبَحِ، وَتَجْعَلُ فِيهَا مَاءً. 19 فَيَغْسِلُ هَارُونُ وَبَنُوهُ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ مِنْهَا ” (خر30: 18 ـ 19). هل كل ما يقوله عن كل واحدة من هذه الآنية واضح؟

بلاديوس: غير واضح طبعًا؛ لأني لا أعرف. لذلك فأنا في حيرة لعدم معرفة ما تعنيه هذه الأقوال.

كيرلس: سوف أجعل حديثي واضحًا وسهلاً بقدر المستطاع، مستفيدًا من الشرح السابق الذي قلناه عن كل ما في الخيمة من أشياء.

حسنًا يا بلاديوس. لقد أُقيمت الخيمة المقدسة في الصحراء، وجاء تقسيم المكان، إلى جزئين تقسيمًا رائعًا. فقد كان هناك مكان بالداخل يُسمى قدس الأقداس، أمَّا المكان الآخر، فكان قبل المدخل ويُدعى القدس. وقد وُضع تابوت العهد في داخل الخيمة (قدس الأقداس) فوق أربعة أعمدة من السنط المغشَّى بالذهب، وغطى الأعمدة بحجابٍ من اسمانجونى وأرجوان وقرمز وبوص مبروم. وبما أنه قد سبق لنا أنْ تحدثنا بما فيه الكفاية ـ كما أعتقد ـ عن البوص المبروم والأرجوان والقُرمز، لذا سوف نتجنب تكرار الكلام[4].

 

أمَّا الآن، فسوف أتحدث عن الحجاب الذي يستند على أربعة أعمدة من السنط المغشَّى بالذهب، وأربع قواعد من الفضة. إنَّ كل هذه الأشياء تعلن سر المسيح، فما المقصود؟ ألم يدعُ بولس الحكيمُ الحجابَ جسد المسيح قائلاً: ” طَرِيقًا كَرَّسَهُ لَنَا حَدِيثًا حَيًّا، بِالْحِجَابِ، أَيْ جَسَدِهِ ” (عب10: 20)؟

بلاديوس: أنت تتحدث بالصواب.

 

كيرلس: حسنًا. لاحظ إذن، أنَّ الكلمة، بالرغم من أنه هو الله بطبيعته، وأنه أتى من الله الآب، إلاَّ أنه – في إطار الظلال والرموز – وُجِدَ في تابوت الذهب الذي لم يعترِه فسادٌ، أي في الهيكل الذي قدَّمته العذراء؛ لأنَّ جسد المسيح لم يفسد، بل هو ثمينٌ ، وقد احتجب الكلمة خلف الستار آخذًا جسدًا.

وعندما نقول إنَّ الكلمةَ احتجب، فإننا لا نعني أنه انحصر في جسد صغير؛ لأنَّ الابنَ موجودٌ دائمًا في الكل، لكنه احتجب بحسب التدبير وانتظر وقتًا حتى يُعلن عن نفسه للكل، وكانت قيامته من بين الأموات هي ميعاد ظهوره للكل. فقد أوصى تلاميذه قبل الصليب المقدس ألاَّ يُظهروه وفق ما هو مكتوب (انظر مت 16: 16)، بينما بعد قيامته من بين الأموات قال لهم: ” فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ. وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ. وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ ” (مت28: 19 ـ 20).

 

إذن، كان الحجابُ معلقًا على الأعمدة، مغطيًا التابوت الذي كان في الداخل، الأمر الذي يمكن أنْ يكون مثالاً المسيح الذي رُفِعَ عاليًا بكرازة الإنجيليين. كما يبدو (المسيح) ظاهرًا في مجد الإلوهية لأولئك الذين هم داخل الخيمة، أي الكنيسة.

 

هكذا أيضًا يتساوي عدد كل من الأعمدة المغشَّاة بالذهب، وقواعد الفضة الأربع، مع عدد الإنجيليين الأربعة المُمجَّدين.

 

          إذن، كان التابوتُ في الخيمة، وكان الحجابُ معلَّقًا من فوق إلى أسفل، وكان الحجابُ مصنوعًا من أسمانجوني وأرجوان وقرمز بحيث لا يُظهر التابوت الذي كان في الداخل. وفوق الحجاب كان الشاروبيم على الجانب الأيسر والأيمن. وكان الله يظهر ويعطى الوصايا يبيّن أنه فوق كل الخليقة. والسيرافيم الذين يمتازون عن كل المخلوقات الملائكية يوجدون أسفل المجد الإلهي الذي لا يُوصف، ويلتفون حول الابن نفسه بالرغم من أنه صار جسدًا وهو في حالة إخلاء من جهة أنه مساوٍ للآب في الجوهر (المجد الذي كان له عند الآب) حيث صار إنسانًا. لذلك قال: ” أَبِي أَعْظَمُ مِنِّي ” (يو14: 28)، وبينما هو مساوٍ للآب بطبيعته، يقول إنه أقل منه ـ فقط ـ بسبب طبيعته البشرية. لذلك نجد الشاروبيم موجودين في الخيمة المقدسة دائريًا على الحجاب محيطين بالابن الذي هو إله. لكن فوق الحجاب نفسه يقول “وسوف أظهر من هناك، وسوف أتحدث إليك”، أي الآب الذي هو فوق كل الخليقة، وهو هنا يبدو كما لو كان فوق عمانوئيل نفسه، لكن ليس من جهة لاهوته إذ هو مساوٍ للآب في كل شيء، بل من جهة أنه أخلى نفسه آخذًا شكل العبد، ونزل إلى مقاييس البشرية.

 

[1] سيتعرض القديس كيرلس لهذا الأمر في بداية المقالة الحادية عشر.

2 يؤكد القديس كيرلس على ذلك في المقالة التاسعة، راجع سلسلة نصوص آبائية رقم 97 ـ السجود والعبادة بالروح والحق – الجزء الخامس – ص 60 وما بعدها.

3 يقصد القديس كيرلس أن الرب كلم موسى قائلاً: في الشهر الأول تقيم مسكن .ز.” خر1:40ـ2.

4 انظر الجزء الخامس ص97 وما بعدها.

 

المقالة10 ج1 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة9 ج5 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة9 ج5 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة9 ج5 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

 

السجود والعبادة بالروح والحق

تابع المقالة التاسعة

“الخيمة المقدسة”

“كانت مثالاً لكنيسة المسيح”

 

كيرلس: أقمشة الشقق ستكون من البوُص المبروم الأسمانجوني وأرجوان وقرمز. أي أن زينة الكنيسة متنوعة، وهذا بالضبط ما أنشَدَه داود العظيم قائلاً: ” جُعلت الملكة عن يمينك بذهب أوفير” (مز 9:45). والمسيح هو الجوهرة والزينة المتعددة الأشكال، الذي هو واحد في طبيعته، لكنه يُفهم أو يُدرك بأمثلة كثيرة ومتنوعة، كما على سبيل المثال خيط شجرة الكرز المغزول. فالكلمة حقًا هو رقيق، وبلا جسدٍ بطبيعته، لكنه منسوجٌ آخذًا شكلاً باتخاذه جسدًا. إذن هو منسوج بخيط شجرة الكرز، وفي الوقت نفسه أيضًا مثل الياقوت، لأنه لم يأت من الأرض، لكن من فوق، أي من السماء.

          كالأرجوان؛ لأنه باعتباره مولودٌ، هو عبد، وباعتباره آتٍ من الله، هو ملك ورب الكل. وكمنسوجٍ بنسيجٍ أحمر؛ لأنه ـ كما قلت – إنه اتخذ جسدًا، وهو أيضًا في الوقت نفسه الكلمة، وقد بذل دمه لأجلنا. لأن علامة الدم هي اللون الأحمر.

الشاروبيم مرسومون فوق الجلود، وهذا الأمر يشير جيدًا إلى أن ما هو تحت متحدٌ بما هو فوق، وأن الكنيسة الأرضية هي متحدة بالقوات السماوية. وينبغي أن نعرف أن سليمان الحكيم رسم الشاروبيم على حوائط الهيكل. وبنفس الطريقة تمت الزينة للمسكن الذي رآه حزقيال (انظر حز41).

وأغطية الشقق كانت من الجلود الملتف حولها الشرائط والحلقات. وبالتأكيد أيضا الأغطية كانت من جلودٍ بلون الياقوت الأزرق، وجلود من الشاة مصبوغة بالأحمر والتي تشير إلى غطاء كنيسة المسيح. فالياقوت يشير إلى أنه أتى من السماء ومن فوق، بينما اللون الأحمر يشير إلى أنه لبس الجسد. لأنه بمثل هذا اللون كان لون الجسد.

بلاديوس: لا شك أن هذه التفاسير منطقية تمامًا.

كيرلس: أمَّا الألواح (الأعمدة) التي للمسكن فكان عرض الواحد منها ذراع ونصف بينما الطول عشرة أذرع مذهبة عند الرؤوس والجسم، وتستند على قواعد فضية مزدوجة. واللوح (العمود) يقصد به المسيح، معضِّد الكنيسة ومؤسِّس الحق وفقًا لقول بولس (انظر 1تي15:3). لأنه هو الذي يعضد ويحفظ كل شيء.

وعرض اللوح (العمود) ذراعٌ ونصف، وهو يشير إلى أن (المسيح) كاملٌ بحسب طبيعته، وصغيرٌ بحسب المقاييس البشرية. وليس من السذاجة في شيء إذا قلنا أن المسيح هو كلي الكمال كمثل الذراع الواحد، لأنه هو الله بحسب الطبيعة، لكنه صغير مثل نصف الذراع بسبب طبيعته البشرية، ووحيد الجنس كان غنيًا، لكنه صار فقيرًا لأجلنا (2كو9:8)، ووضع ذاته بالإخلاء من عظمته الإلهية.

بلاديوس: هذا صحيح حقًا.

كيرلس: بالتالي لن تقف الطبيعة البشرية على قدم المساواة أمام الألوهية الفائقة، فهي أقل منها بكثير. لذلك قال – بحسب مشابهته لنا: “ أبي أعظم مني” (يو28:14)، بالرغم من أنه بالتأكيد ـ من جهة طبيعته الإلهية ـ مساو للآب، فإن كونه ابنًا لا يجعله أقل من الآب. لأن المسيح هو كلي الكمال من جهة ألوهيته. إن العدد عشرة في الكتاب المقدس يُفهم كعلامة للكمال. ورأس اللوح سيكون من الذهب، والجسد أيضًا من الذهب. الهيكل الذي أتى من العذراء له امتياز سكنى الطبيعة الفائقة. الذهب رمزٌ للألوهية، لأنه عظيم ويفوق كل المعادن الأخرى. القاعدة كانت من الفضة ومزدوجة. المسيح لامعٌ ومنيرٌ على الأرض وفقًا للمزمور ” الرب هو الله وقد أنار لنا” (مز 27:118)، ويُعرف بلاهوته وناسوته، لأنه هو إله وإنسان معًا. وهذا ـ على ما أعتقد ـ ما يعنيه أن القاعدة مزدوجة ومصنوعة من الفضة.

بلاديوس: إن حدسك صحيح.

كيرلس: لاحظ أيضًا يا صديقي ما هو آت.

بلاديوس: ماذا لديك؟

كيرلس: بعدما نظَّم كل الخيمة واتسعت إلى عشرة شقق، أضاف ” وتصنع شققًا من شعر معزى خيمة على المسكن إحدى عشرة شقة تصنعها. طول الشقة الواحدة ثلاثون ذراعًا وعرض الشقة الواحدة أربع اذرع قياسًا واحدًا للإحدى عشرة شقة. وتصل خمسًا من الشقق وحدها، وستًا من الشقق وحدها وتثني الشقة السادسة في وجه الخيمة. وتصنع خمسين عروة على حاشية الشقة الواحدة الطرفية من الموصل الواحد وخمسين عروة على حاشية الشقة من الموصل الثاني” (خر26: 7ـ10).

          ما الذي أراد أن يعلنه يا بلاديوس بهذا الأمر؟ لأنه إذ صنع عشرة شقق للمسكن، يقول: ” وتصل خمسًا من الشقق وحدها وستًا من الشقق وحدها“، فلماذا لم يتساوَ عدد الشقق المصنوعة من شعر المعزي، بل زاد واحدة، أي الحادية عشر؟

بلاديوس: لا أعرف ماذا أقول لك.

 

كيرلس: إن عرض رأيي سيزيد موضوعنا وضوحًا.

بلاديوس: هات ما عندك.

كيرلس: قال أنه يجب أن تخيط بشدة خمسُ شققٍ فيما بينها، وخمسٌ آخرين بالتماثل، بنفس الترتيب وبنفس الطريقة. بينما يتصلون فيما بينهم بالتماثل باتجاه الشمال نحو الجنوب أو من الشرق نحو الغرب بواسطة الشقة الحادية عشر التي صارت كمفصلة في وسط العشرة الشقق، ماسكةٌ بهما بسيور وحلقات من الجانبين. لقد كانت الألواح مثل هذه الشقق، إلاَّ أنها قليلةٌ في العدد. إذن العشرة الشقق ـ كما قلت سابقًا ـ تمتد بطول ثمانية وعشرين ذراعًا بينما الحادية عشرة لها نفس الطول ولكن عرضها خمس أذرع، أما الأخرى فكان عرضها أربع أذرع. لذلك يقول وتثني الشقة السادسة في وجه الخيمة” حتى لا تفسد هذه الشقة الزائدة جمال الخيمة. عند هذه الشقة التي هي بين الشقق الأخرى تُوضع الأواني المقدسة، وهي تشير بطرق متنوعة إلى عمانوئيل. والعدد يُظهر هذا بالضبط، إنه في الأزمنة الأخيرة وفي الساعة الحادية عشر يظهر المسيح والخيمة التي فيها المسيح، أي الكنيسة.

بلاديوس: يبدو لي أن تفكيرنا بهذه الطريقة صحيح وشرحك لهذا الأمر صواب.

كيرلس: بعد هذه الأقوال والنماذج الخاصة بالخيمة يقول: “ وتصنع دار المسكن. إلى جهة الجنوب نحو التيمن للدار أستار من بوص مبروم. مئة ذراع طولا إلى الجهة الواحدة. وأعمدتها عشرون وقواعدها عشرون من نحاس رُززُ الأعمدة وقضبانها من فضة. وكذلك إلى جهة الشمال في الطول أستارٌ مئة ذراع طولا وأعمدتها عشرون وقواعدها عشرون من نحاس رُززُ الأعمدة وقضبانها من فضة. وفي عرض الدار إلى جهة الغرب أستارٌ خمسون ذراعا أعمدتها عشرة وقواعدها عشر” (خر27: 9ـ12). لاحظ إذن أن الأبعاد الأولى كانت قليلة تصل إلى ثلاثين ذراعًا والعرض أربعة أذرع، والطول ثمانية وعشرون. لكن بعد ذلك، كانت الأبعاد أكثر اتساعًا في العرض والطول، كانت مائة في مائة، وخمسون في خمسين، والواحدة كانت تطل على الشرق والأخرى على الغرب والجنوب.

بلاديوس: إذن ما هو القصد من هذا؟

كيرلس: ألا يوضحُ ذلك بجلاء ما سبق وتنبأ به إشعياء عن الكنيسة التي سوف تظهر في الأيام الأخيرة؟ ” أوسعي مكان خيمتك ولتبسط شقق مساكنك لا تمسكي أطيلي إطنابك وشددي أوتادك” (إش2:54). لقد كانت كنيسةُ المسيح محدودة في البداية وبعد ذلك امتدت نحو الشرق والغرب، نحو الشمال والجنوب وتوجد في كل مكان.

بلاديوس: هذا حق.

كيرلس: وعليك أن تلاحظ أيضًا أنه أمر أن تكون كل الألواح الأخرى التي للشقق العشرة والعُرى التي بينهما، مذهبةٌ وتستند على قواعد مزدوجة مصنوعة من الفضة. فما هو السبب؟ أعتقد أنني قُلت هذا. وهناك أيضًا سبب آخر لاختلاف الألواح بحسب طول الشقق وعرضها. فيقول عن الألواح إنه يجب أن تكون من الفضة من القمة حتى القاعدة وتستند على قواعد نحاسية مفضضة. ويمكننا أن نرى في هذا مثالاً للمسيح، لأنه أشرق كالنور أي أبرق بلمعان عقلي لأنه إله، كما تعلن الفضة ذلك. وكنوره، كذلك كانت كلمته لامعة وحلوة السمع على الأرض، أي كرازة الإنجيل، يُعلنها النحاس المزين بالفضة. لأن النحاس رنان بينما الفضة أكثر لمعانا ونورًا. ويمكننا أن نرى هذه الأمور في كرازة الإنجيل، وسوف يتحقق المرء من أن كلمة المخلص لها نقاء ونورُ التقوى الشديد، وأنها ترن في كل المسكونة.

ويمكن للمرء ـ إذا أراد ـ أن يقول إن هذه الألواح تعتبر مثالاً للرسل والإنجيليين القديسين، وهذا تفكير منطقي جدًا. لأنهم حقًا كأنهم من فضة، لأنهم اتحدوا بالمسيح الذي ينير. لذلك يقول “ أنر بوجهك فنخلص” (مز19:80)، وقد دُعُوا أيضًا ” نور العالم” (مت14:4)، كأنهم حقًا داخل نحاس مزين بالفضة. وسندهم الكلمة المنيرة والرنانة التي يستخدمونها. لأنه يقول:” الرب يعطي كلمة. المبشرات بها جند كثير” (مز12:68). أيضًا مكتوب ” ما أجمل على الجبال قدمي المبشر المخبر بالسلام المبشر بالخير” (إش7:52).

بلاديوس: لا شك أن كلامك عميق ويوضح الحقيقة.

كيرلس: وإذ اكتملت الأوامر بخصوص الأبعاد، يمضي إلى تجهيز الزيت والمسحة والبخور قائلا الآتي: ” وأنت تأمر بني إسرائيل أن يقدموا إليك زيت زيتون مرضوض نقيًا للضوء لإصعاد السُرُج دائما. في خيمة الاجتماع خارج الحجاب الذي أمام الشهادة يرتبها هارون وبنوه من المساء إلى الصباح أمام الرب فريضة دهرية في أجيالهم من بني إسرائيل” (خر27:20ـ21).

بلاديوس: وماذا يعني هذا؟

كيرلس: هامٌ جدًا ما يعلنه هذا القول، وينطوي أيضًا على حكمة على ما أعتقد. فالمنارات السبع تضيء دائمًا وتنير في الخيمة المقدسة، لذلك يجب أن نتشبه جيدًا بنور المسيح الذي يلمع دائمًا بقوة ويُنير ذاتيًا، أي يملأ بالنور ذهن أولئك الذين يؤمنون به؛ وكل الذين يحتاجون أن يكون لهم اكتفاء ينيرون أيضًا. لأن العدد سبعة يعبِّر دائمًا عن الكمال. وعلى سبيل المثال الحالة التي يقول فيها  “ العاقر ولدت سبعة” (1صم 5:2)، أي كثير جدًا.

فهارون ينير المنارات، وكذلك الآخرون، وبعد ذلك الكهنة. هكذا أيضًا نور المسيح في الكنائس يحفظ دون أن يُطفأ بالعناية اليقظة لأولئك الذين نالوا نصيب الكهنوت، لأنهم ـ باستقامة سرائرهم ـ ينيرون أذهان المؤمنين. لأن هذا على ـ ما اعتقد – هو ما يعنيه بجعله المنارات تنير دائمًا من المساء حتى الصباح. فالظلام هو ضلال الشيطان والظلمة المعنوية التي تغطي عقول البشر. إذن فلسوف يظل نور المخلص ظاهرًا في الكنائس طالما أن المعلمين فيها يفسرون التعاليم الإلهية والإنجيلية باستقامة.

وأمَّا الزيت فيكون نقيًا لأنه نقيٌ تمامًا من أي شائبة ومن أي دنسٍ. أقول هذا عن العقائد الإلهية المستقيمة والكلمة الحقيقية النقية من أي انحراف والتي تحتوي دائمًا على نور المخلص الدائم. هذه الاستنارة – بالتأكيد ـ لا تضيف شيئًا من ذاتها على بهاء المسيح (لأنه من الغباء المفرط أن نعتقد أنه يحتاج للإنسان)، فعن طريق النور الحقيقي للمسيح، وإشعاع الآب يبدو ـ بكلمات التعاليم المستقيمة ـ في ذهن أولئك الذين يؤمنون به، أن هذا بالضبط هو الحق.

بلاديوس: ولماذا يقول إن الزيت من الزيتون؟ لأن هذه التسمية الدقيقة، لا بد وأن تحمل مفهومًا روحيًا.

كيرلس: أنت تفكر بطريقةٍ حسنة، وسوف أقول لك ما خطر على ذهني.

من المعتاد يا بلاديوس، أن لا يتم تجهيز أو إعداد الزيت من أشجار الزيتون فقط، لكن من بذور أخرى قد تكون مغشوشة أو بذور أخرى. أما زيت الزيتون النقي فهو المستخرج من الزيتون الأكثر جودة، وهو يحتاج إلى طرق فنية وجهد مضنٍ لتنقيته. بعكس الزيتون الذي من الدرجة الثانية، فهو ليس حقيقيًا، أقصد الزيتون الذي يخرج من بذور مغشوشة. بالتالي يجب أن يتشابه زيت الزيتون الحقيقي بالكلمة الحقيقية والأصيلة، بينما ذاك الذي ابتُدع من الفكر البشري والإلهام الشيطاني، إنما يشبه الخمر المغشوشة المصنعة والموجودة بكثرة في الحانة.

فالكلام المغشوش غير مفيد، بل ومرفوض؛ لأنه لا يسهم في إنارتنا لمعرفة المسيح. لذلك فهو مرفوض في الكنائس لأن رائحة الروح القدس الذكية ليست فيه؛ لأنه يقول: ” وليس أحد يقدر أن يقول يسوع رب إلا بالروح القدس” (1كو3:12).

ولعلك تلاحظ أيضًا أن الناموس يقول إن الزيت المستخرج من الزيتون هذا يجب أن يقدمه الإسرائيليون. أي كما قلت منذ قليل، إن الكلمة الحقيقية هي ثمرة وتقدمة روحية للتقدمات التي تُقدم إلى الله من جانبنا، والتي لا تسمح بأن يضعف نور المسيح في هؤلاء الذين يحيون في الحق.

لاحظ أيضًا مكان المنارات حيث تقع خارج المسكن، وكذلك الحرارة المنبعثة منها. بمعنى أن المسيح حقًا هو نورٌ بحسب طبيعته، فهو لا يحتاج إلى النور، لكن لأجلنا نحن الذين لسنا من طبيعته الإلهية ـ حيث أننا مخلوقون – يُشرق بنوره داخلنا. والتابوت كان بالداخل إذ كان يشير إلى المسيح.

بلاديوس: تتحدث بالصواب.

كيرلس: ثم يقول: ” وكلم الرب موسى قائلاً: وأنت تأخذ لك أفخر الأطياب مُرًا قاطرًا خمس مئة شاقل وقرفة عطرة نصف ذلك مئتين وخمسين وقصب الذريرة مئتين وخمسين. وسليخة خمس مئة بشاقل القدس ومن زيت الزيتون هينًا. وتصنعه دُهنًا مقدسًا للمسحة عطر عطارة صنعة العطار دهنًا مقدسًا للمسحة يكون. وتمسح به خيمة الاجتماع وتابوت الشهادة. والمائدة وكل آنيتها والمنارة وآنيتها ومذبح البخور. ومذبح المحرقة وكل آنيته والمرحضة وقاعدتها. وتقدسها فتكون قدس أقداس كل ما مسها يكون مقدسا. وتمسح هارون وبنيه وتقدسهم ليكهنوا لي. وتكلم بني إسرائيل قائلاً يكون هذا لي دهنًا مقدسًا للمسحة في أجيالكم. على جسد إنسان لا يسكب وعلى مقاديره لا تصنعوا مثله مقدسٌ هو ويكون مقدسًا عندكم. كل من ركَّب مثله ومن جعل منه على أجنبي يقطع من شعبه” (خر30:22ـ33).

          أمَّا بخصوص النوعية والتكوين واختلاف الأوزان، أقصد الأنواع التي ذُكرت، فليس لي أن أقول شيئًا، لأن المتعقلون عادةً يحبون قول الحق. لكن الزيت المختلط بالطيب يعلن – على ما أعتقد ـ تقديس المسيح الذي يُعطى بواسطة الروح إلى الرحماء بحسب المزمور: “مسحت بالدهن رأسي” (مز5:23). لقد مُسحت كل الخيمة وكل ما هو بداخلها، هكذا يشترك المكان الآن في التقديس بواسطة ذاك الذي يسكن فيه. والأواني تتقدس أيضًا بالطريقة التي تليق بها، لأنها مفيدة وتستخدم لعبادة الله، وتقدَّس كل من يلمسها. لكن يجب أن تكون هذه المقدسات بعيدة عن متناول غير المؤمنين. لأنه بحسب المكتوب “ أي شركة للنور مع الظلمة” (2كو14:6).

ممنوعٌ منعًا باتًا أن يصنعوا مثل هذا الزيت لأنفسهم. لأن التقديس هو لله وحده، وهذا الأمر حقًا مقصور عليه فقط، فكيف إذن يمكن للطبيعة المخلوقة أن تقدِّس الآخرين؟ إن الطبيعة المخلوقة لا تهب القداسة لذاتها ولكن باشتراكها بالطبيعة السماوية، فمن اللائق إذن أن يتجه المرء إلى هذه الطبيعة إذ يقول لنا الرسول: ” لأنه من يُميزك وأي شيء لك لم تأخذه” (1كو7:4).

وبما أن يوحنا يقول عن الابن الوحيد ” ومن ملئه نحن جميعا أخذنا” (يو16:1)، و” لأنه ليس بكيل يعطي الله الروح” (يو34:3)، وبما أنه هو نفسه حقًا مصدر القداسة، فإنه يمنح الروح بأيدي ممدودة إلى المستحقين ويقدس الخليقة العقلية.

ومع أنه يقول: “على جسد إنسان لا يسكب” إلاَّ أنه أمر بأنه يجب أن يُمسح الكل بواسطة هارون والعاملين معه.

وبالتالي فالجنس المقدس هو فوق الإنسان (الطبيعي) لأنه يشارك المسيح الذي يتفوق على الخليقة. لذلك يقودنا إلى امتياز أسمى من الطبيعة (المخلوقة) ويفصلنا عن الأرضيات، ويكتبنا في السماوات. لأنه يقول “وأما انتم فلا تُدعَوا سيدي لان معلمكم واحد المسيح وانتم جميعا أخوة. ولا تدعوا لكم أبًا على الأرض لان أباكم واحد الذي في السماوات” (مت23: 8 ـ 9).

إن التساهل في عرض أسرار الإيمان التي تتناسب فقط مع القديسين لأولئك الذين هم غير مؤمنين، أمرٌ لا يخلو من المخاطر؛ لأنه لن يتقدس أولئك الدنسين الذين يبقون في قذارتهم، بل فقط أولئك الذين قد تطهروا فعلاً بواسطة المعمودية المقدسة.

بلاديوس: هذا حقيقي.

كيرلس: بنفس الطريقة والقول، حدَّدَ أن يُصنع البخور قائلا: ” وقال الرب لموسى خذ لك أعطارًا ميعةً وأظفارًا وقنةً عطرةً ولبانًا نقيًا تكون أجزاء متساوية. فتصنعها بخورًا عطرًا صنعة العطار مملحًا نقيًا مقدسًا. وتسحق منه ناعمًا وتجعل منه قدام الشهادة في خيمة الاجتماع حيث اجتمع بك قدس أقداس يكون عندكم. والبخور الذي تصنعه على مقاديره لا تصنعوا لأنفسكم يكون عندك مقدسًا للرب. كل من صنع مثله ليشمه يقطع من شعبه“(خر30: 34ـ38). فهنا أيضًا يعلن لنا الكلام عن البخور، أن كل ما ينتمي إلى الطبيعة التي هي أسمى من كل الطبائع لا يشترك في جوهره أيٌ من المخلوقات. فالخليقة ليس لديها شيء مشترك مع الخالق والرب، وذلك من جهة عظمة الكرامة.

دعنا نتذكر الآن أننا قد أشرنا إلى أن المذبح الذهبي وهذا المزيج من البخور يشيران إلى المسيح، فالاثنان (المذبح والبخور) يعلنان لنا عمانوئيل نفسه. إذن طالما أن البخور يشير إلى المسيح (لأن رائحته ليس لها مثيل)، فلن نصنع لذواتنا بخورًا مثل هذا البخور. بمعنى أننا لن نقبل إطلاقًا أحدًا في مكان المسيح أيًا كان، مثل اليهود التعساء الذين إذ قبلوا ابن المعصية، سيدركون أنهم صنعوا لذواتهم بخورًا مثل تلك الرائحة التي للإله الحقيقي الذي أظهر لنا رائحة معرفته في ابنه[1]، والذي به نفوح نحن، لا كأن هذا البخور من ذواتنا، لكن باعتبارنا مشاركين للبخور الحقيقي وممسوحين كلنا بنعمة الروح القدس، مرتفعين بالتعليم الحسن في المسيح.

بلاديوس: إذن لقد صُوَّر لنا سر المخلص.بكل شيء موجود في الخيمة المقدسة.

 

كيرلس: بل وأكثر من هذا، فلسوف تمتلئ بالدهشة، إذا علمت أن هؤلاء الفنيين الذين صنعوا الخيمة المقدسة يرمزون أيضًا إلى المسيح.

بلاديوس: كيف ذلك؟ إنني لا أستطيع أن أدرك هذا الأمر.

كيرلس: مكتوب: ” وكلم الرب موسى قائلاً: انظر قد دعوت بصلئيل بن أوُري بن حور من سبط يهوذا باسمه وملأته من روح الله بالحكمة والفهم والمعرفة وكل صنعة. لاختراع مخترعات ليعمل في الذهب والفضة والنحاس. ونقش حجارة للترصيع ونجارة الخشب ليعمل في كل صنعة. وها أنا قد جعلت معه أهوليآب بن أخيساماك من سبط دان وفي قلب كل حكيم القلب جعلت حكمة ليصنعوا كل ما أمرتك” (خر31: 1ـ6). لاحظ كيف يشرف بصلئيل على الأعمال وكيف ينفذ أهوليآب الأعمال.

بلاديوس: ماذا يعني هذا؟

كيرلس: سوف تعرف. يهوذا ودان كانا ابنان ليعقوب، لكن الواحد من الحرة ليئة والآخر من العبدة بِلهَة (انظر تك3:30)، إن بصلئيل هو مثال واضح للمسيح الذي ظهر لنا بالجسد من سبط يهوذا وبطبيعته الحرة حقًا، أي الطبيعة الإلهية الفائقة. أما أهوليآب فيشير إلى الرسل العاملين مع المسيح والإنجيليين والذين ينحدرون من أورشليم والذين هم عبيد. لأنه كان يوجد عاملون مع المسيح الذين كابدوا وتمموا كل ما هو مطلوب لتأسيس الكنائس المقدسة. لقد ساهم كل الفاهمين بدراساتهم وفنهم في أعمال الخيمة معطين صورة للمعلمين الذين كانت عنايتهم واهتمامهم أن يعملوا أعمال الله وكل ما يسهم في فائدة كنيسة المسيح.

[1] إن البخور الذي طلب الله من موسى أن يصنعه، هو قدس أقداسٍ للرب، ولذلك أمر الرب ألاَّ يصنعوا منه لأنفسهم بنفس المقادير؛ لأنه مخصص لعبادة الرب في الخيمة. فإذا صنع أحد لنفسه بخورًا بنفس المقادير يكون قد رفض عمل الرب وارتضى لنفسه بخورًا آخرًا أي عبادةً أخرى. وهنا لا يقصد القديس كيرلس أن رائحة هذا البخور هي مثل رائحة البخور الغريبة، ولكن يقصد أنهم اتخذوا لهم بخورًا آخر على غرار بخور العبادة الحقيقية وهو ليس كذلك. ولذلك إذا فاحت رائحة البخور من المؤمنين، فهي ليست من ذواتهم، ولكنها رائحة الإله الحقيقي.

 

المقالة9 ج5 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة9 ج4 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة9 ج4 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة9 ج4 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

 

السجود والعبادة بالروح والحق

تابع المقالة التاسعة

“الخيمة المقدسة”

“كانت مثالاً لكنيسة المسيح”

 

بلاديوس: إذن يُستنتج من ذلك أن المذبح الذهبي هو أيضًا صورة للمسيح.

كيرلس: ليس ذلك فقط، ولكن أيضًا نستطيع أن نفهمه هو نفسه كبخورٍ عَطرٍ. لأن رئيس الكهنة نفسه يقول: ” يوقد عليه هارون بخورا عطرا كل صباح” (خر30: 7). والبخورُ عَطِرٌ، أي مكونٌ من بخورٍ وعِطرٍ؛ لأن الله الكلمة صار جسدًا، واتحد اللاهوت بالناسوت بطريقة سرية في شخص عمانوئيل. وكان البخور رقيقًَا أي لم يكن على غلاظة (مادية) العبادة الناموسية. لأنه يقول: ” بذبيحة وتقدمة لم تُسَر. أذني فتحت. محرقة وذبيحة خطية لم تطلب. حينئذ قُلت هاأنذا جئت. بدرج الكتاب مكتوب عني. أن افعل مشيئتك يا إلهي سررت” (مز40: 6ـ8). وما هي إرادة الآب؟ هو نفسه (أي المسيح) يعلمنا إياها سريًا في الأناجيل قائلاً: ” لأني قد نزلت من السماء ليس لأعمل مشيئتي بل مشيئة الذي أرسلني. وهذه مشيئة الآب الذي أرسلني أن كل ما أعطاني لا أُتلف منه شيئا بل أقيمه في اليوم الأخير. لان هذه مشيئة الذي أرسلني أن كل من يرى الابن ويؤمن به تكون له حياة أبدية وأنا أقيمه في اليوم الأخير” (يو6: 38–40). أما وقد قدم المسيح ذاته لأجلنا تقدمةً ذكيةً حقًا، لذلك كان هو رئيسُ الكهنة.

وهكذا فإن، هذا هو رئيس الكهنة، هذا هو البخور العَطِرُ والرفيع. وسوف يؤكد ذلك بولس قائلاً:” ولكن شكرا لله الذي يقودنا في موكب نصرته في المسيح كل حين ويُظهر بنا رائحة معرفته في كل مكان. لأننا رائحة المسيح الذكية لله في الذين يخلصون وفي الذين يهلكون. لهؤلاء رائحة موت لموت ولأولئك رائحة حياة لحياة” (2كو2: 14ـ16)، ولذلك قال أيضًا: ” فكونوا متمثلين بالله كأولاد أحباء. واسلكوا في المحبة كما أحبنا المسيح أيضًا وأسلم نفسه لأجلنا قربانا وذبيحة لله رائحة طيبة” (أف5: 1ـ2).

والناموس يحدد أيضًا بوضوح وقت رفع البخور، مشرِّعًا أن يصير كل شيء بنظام ولياقة. لأنه يقول: ” كل صباح ومساء حين يصلح السُرُج يوقده” (خر7:30س). “المساء والصباح”، أي الاستمرارية بدون انقطاع، بينما “حين يصلح السُرُج” يقدمون بخورًا يشير بوضوح أنه عندما ينير لنا النور الإلهي عندئذ بالضبط نفيض بالغنى من رائحة المسيح الذكية، عندئذ نشعر بأن الخيرات الموجودة في داخل الخيمة، تشير إلى خيرات نوال المواهب الإلهية التي يمنحها المسيح للمستحقين.

وهكذا، مَن لم يوجد بعد داخل النور بواسطة الإيمان، هو على أية حال غير مشارك للرائحة العقلية الذكية، طالما لم يعرف بعد سر المسيح. لأنه يقول ” إن لم تؤمنوا فلا تفهموا” (إش9:7س). لأن الإيمان هو وسيلة مناسبة تقود إلى الفهم، وهو يفتح العقل إلى قبول النور الإلهي.

وعندما يصف عملية إيقاد البخور بكلمة “دائمًا”: ” بخورًا دائمًا أمام الرب” (خر30: 8)، فهو يعني أنه لا توجد لحظة لا يفوح المسيح فيها برائحته الذكية في الخيمة المقدسة، أي في الكنيسة.

ممنوعٌ تمامًا أن يوجد فوقه، أي فوق مذبح المسيح (في العهد الجديد)، سكيبٌ أو تقدمة ذبيحة. لأنه بالمسيح أُبطلت فرائض الناموس، والظلال وصلت إلى نهايتها. هذا ما يشير إليه عدم إصعاد محرقة أو تقدمةً أو سكيبًا فوق مذبح البخور. وهو ما يؤكده النبي قائلاً: ” انقطعت التقدمة والسكيب عن بيت الرب. ناحت الكهنة خدام الرب” (يؤ1: 9). أي أنه طالما ظهر السجود والعبادة بالروح والحق، صارت الظلال نافلة، وعبادة النماذج صارت بلا فائدة تمامًا. لأنه بالمسيح صارت هناك خليقة جديدة.

بعد مجيء الحق، كل الذين يطلبون برّهم في الناموس يفقدون النعمة. لأنه يقول: ” لا تصعدوا عليه بخورًا غريبًا” (خر30: 9).

وبالتالي، فإننا لن نقبل بجانب المسيح آخرًا مطلقًا. لن نقول لآخر يا معلم. لأن واحدًا فقط هو معلمٌ لنا، وواحدًا فقط هو من ندعوه قائلين ” اسمك دهن مهراق. لذلك أحبتك العذارى. أجذبني وراءك فنجري. أدخلني الملك إلى حجاله. نبتهج ونفرح بك. نذكر حبك أكثر من الخمر. بالحق يحبونك” (نش1: 3ـ4).

ربما لا يعني بكل هذا قوله ” لا تصعدوا عليه بخورًا غريبًا” (خر 30: 9). ولكن داخل الكنيسة، فإن رائحة المسيح الذكية كافية لأولئك الذين يتصرفون باستقامة ولا يشتهون أية رائحة غريبة. وبالعكس من ذلك، فإن اليهود التعساء الذين أساءوا بغبائهم إلى البخور العطر أي المسيح، ظلوا غير مشاركين للرائحة المقدسة والإلهية، وسيقبلون واحدًا آخرًا، ابن الهلاك ” المقاوم والمرتفع على كل ما يُدعى إلهًا أو معبودًا حتى أنه يجلس في هيكل الله مظهرًا نفسه أنه إله” (2تس2: 4)، الذي يلوث الخيمة الإلهية؛ لأنه دخان غريب ورائحة شيطانية. لأنه مكتوب “ الذي مجيئه بعمل الشيطان” (2تس2: 9).

بلاديوس: أدرك ما تقوله لأن حديثك واضح جدًا.

كيرلس: لقد أمر هارون أن تصير الكفارة فوق مذبح البخور مرةً واحدةً في السنة ماسحًا بدم الكفارة قرون المذبح لأنه يقول:” هو قدس أقداس” (خر30: 10). وهذا ما سوف يوضحه بولس العظيم قائلاً: “وأما المسيح وهو قد جاء رئيس كهنة للخيرات العتيدة فبالمسكن الأعظم والأكمل غير المصنوع بيد أي الذي ليس من هذه الخليقة. وليس بدم تيوس وعجول بل بدم نفسه دخل مرة واحدة إلى الأقداس فوجد فداء أبديًا” (عب9: 11ـ12) لأنه كما قال أيضًا هو نفسه:” عالمين أن المسيح بعدما أقيم من الأموات لا يموت أيضًا، لا يسود عليه الموت بعد. لان الموت الذي ماته قد ماته للخطية مرة واحدة والحياة التي يحياها فيحياها لله” (رو6: 9ـ10). حسنًا. إذن، كان هارون يدخل مرة واحدة في السنة إلى قدس الأقداس بدم الكفارة. ويجب أن نلاحظ أيضا أن المسيح رش دم صليبه الذي هو صليب الخلاص والحياة للجميع. لأن القرون هي مثال الصليب والتي كانت تمتد هنا وهناك مثل الأيدي، ودخول هارون مرة واحدة في السنة يشير إلى موت المسيح مرة واحدة، الذي هو قدوس القديسين كإله بطبيعته. لأن يوحنا كان صادقًا بالتأكيد حين قال: “ومن مِلئه نحن جميعًا أخذنا” (يو16:1). حيث إن كل الخليقة غير المنظورة والمنظورة تشترك في المسيح. لأن الملائكة أيضًا ورؤساء الملائكة وكل المخلوقات الروحية التي هي فائقة عن الملائكة ـ مثل الساروفيم أنفسهم ـ ليس لها قداسةٌ من آخرٍ، سوى المسيح فقط بنعمة الروح القدس.

إذن، هذا هو المذبح، هذا هو البخور ورئيس الكهنة، أيضًا هذا هو دم تطهير الخطايا.

بلاديوس: أوافقك إذ تتحدث بالصواب. لكن ماذا يعني بالضبط دم تطهير الخطايا، لا أستطيع أن أفهم ذلك بوضوح.

كيرلس: لقد صوَّر الناموس التطهير بواسطة دم المسيح الذبيح القدوس، الذي بواسطته قد خلُصنا هاربين من الدنس المسكوب داخلنا بسبب الخطية، صور هذا التطهير قائلاً الآتي في سفر اللاويين: “وإن سها كل جماعة إسرائيل وأُخفي أمر عن أعين المجمع وعملوا واحدة من جميع مناهي الرب التي لا ينبغي عملها وأثموا. ثم عرفت الخطية التي أخطأوا بها يقرب المجمع ثورًا ابن بقر ذبيحة خطية يأتون به إلى قدام خيمة الاجتماع. ويضع شيوخ الجماعة أيديهم على رأس الثور أمام الرب ويذبح الثور أمام الرب. ويدخل الكاهن الممسوح من دم الثور إلى خيمة الاجتماع. ويغمس الكاهن إصبعه في الدم وينضح سبع مرات أمام الرب لدى الحجاب. ويجعل من الدم على قرون المذبح الذي أمام الرب في خيمة الاجتماع” (لا 4: 13 ـ 18).

سوف نتحدث عن هذه الأمور بالتفصيل في الوقت المناسب. لكن لاحظ أن عمانوئيل ذُبح أيضًا لأجلنا مثلما ذُبِحَ الثور، خلَّصنا من العقاب داخلاً إلى الخيمة العظيمة والكاملة، ليس بدم تيوس وعجول، لكن بدم نفسه حيث ذاق الموت مرةً واحدة، لأنه فوق خشبة الصليب من فتحة جنبه خرج دم وماء. وكما قلنا سابقًا القرون هي مثال للصليب.

بلاديوس: تتحدث جيدًا.

كيرلس: ولكن الناموس يأمر ـ بطريقة رمزية ـ أن يصير التطهير ليس فقط بالدم، لكن بالماء المقدس. لأن هذه الطريقة هي الأكمل وفق سر المسيح.

بلاديوس: كيف أظهر لنا ذلك وبأية طريقة؟

 

كيرلس: مكتوب الآتي: “وكلم الرب موسى قائلاً: وتصنع مرحضةً من نحاس وقاعدتها من نحاس للاغتسال وتجعلها بين خيمة الاجتماع والمذبح وتجعل فيها ماء. فيغسل هارون وبنوه أيديهم وأرجلهم منها. عند دخولهم إلى خيمة الاجتماع يغسلون بماء لئلا يموتوا أو عند اقترابهم إلى المذبح للخدمة ليوقدوا وقودا للرب. يغسلون أيدهم وأرجلهم لئلا يموتوا ويكون لهم فريضة أبدية له ولنسله في أجيالهم” (خر 30: 18 ـ 21).

واضحٌ جدًا أن هذه الأقوال تشير إلى نعمة المعمودية. أي أننا نعتمد ليس لإزالة الأوساخ الجسدية، لكن لنتخلص من أدناس الذهن والقلب، ولكي نغتسل من أوساخ خطايانا بنعمة ومحبة ذاك الذي دعانا إلى الخلاص. لأننا قد تبررنا ليس بأعمال الناموس ـ وفق الكتب المقدسة ـ لكن بالإيمان بيسوع المسيح.

ولعلك تلاحظ كيف أن هارون بالرغم من أنه كان مقدسًا وفقًا للناموس، وكذلك أيضًا الذين كانوا معينين ليخدموا معه، إلاَّ أنه يجب عليهم أن يغسلوا أيديهم وأرجلهم بالماء، وهكذا يتممون أعمالهم المقدسة، ويدخلون إلى قدس الأقداس وهم أحرارٌ من المخاوف، معلنًا الناموس بذلك إن مَن يقف أمام الله ما يزال دنسًا حتى ولو كان معتبرًا أنه مقدس وفقًا للناموس، وذلك إن لم يغتسل بالماء. والطاهر لا يحتاج إلى تطهير ولكن بالحري غير الطاهر والمملوء بالأدناس. هو الذي يحتاج للتطهير، والمسيح قال مثل هذا الأمر: ” الذي قد أغتسل ليس له حاجة إلاَّ إلى غسل رجليه بل هو طاهر كله” (يو10:13). لكن بولس الحكيم يقول: ” إنه لا يمكن أن دم ثيران وتيوس يرفع الخطايا” (عب4:10).

إذن الناموس هو غير كامل من جهة التقديس، إن لم ينل المتعطشون للاتحاد بالله نعمة المعمودية الخلاصية، لذلك فإن يوحنا العظيم (أي المعمدان) بالرغم من أنه تزين بمفاخر عظيمة وعرف جيدًا السلوك في طريق الفضيلة، حتى أنه وصل إلى قمتها ـ توسل ليعتمد من المخلص قائلاً: ” أنا محتاج أن أعتمد منك” (مت14:3).

بلاديوس: هذا حقيقي

كيرلس: الآن، الأيدي والأرجل المغسولة، تشير إلى الطهارة، كما تعلن أصالة العمل والمسيرة تجاه هذه الأمور كلٍ على حدة. وعندما نفعل هذا، يُسمح لنا بأن ندخل إلى الخيمة الداخلية ونقدم إلى الله ذبائح روحية، ونقدم ـ كنوع من البخور ـ رائحة حياتنا الإنجيلية. وهذا كله يعطى بالتأكيد إعلانًا مفيدًا عن أن الذين يريدون أن يدخلوا إلى قدس الأقداس ويقوموا بالأعمال المقدسة يجب أن يغتسلوا حتى لا يموتوا. فإنه لأمر خطير للغاية أن يتقدم المرء أمام الله دون تطهير. لذلك ينصحنا بولس الحكيم، إذا أردنا أن ننال البركة السرية[1]، علينا أن نفحص ذواتنا وهكذا ندخل. لأن اللامبالاة من جهة هذا الأمر (التطهير) يجعل الوقوف أمام الله أمرًا مملوءًا بالخطر، وهو ما يعلنه لنا قائلا: “ من أجل هذا فيكم كثيرون ضعفاء ومرضى وكثيرون يرقدون. لأننا لو كنا حكمنا على أنفسنا لما حكم علينا. ولكن إذ قد حكم علينا نؤدب من الرب لكي لا ندان مع العالم” (1كو11: 30ـ32).

بلاديوس: يمكننا إذن أن نستنتج أن المرحضة المقدسة تصوّر لنا نعمة المعمودية المقدسة.

كيرلس: بالفعل هي هكذا، ولا ينبغي أن تشك في هذا الأمر على الإطلاق. وعليك الآن أن تلاحظ طريقة صنع المرحضة، ولسوف يدهشك هذا كثيرًا. لأنه مكتوب عن بصلئيل الذي صنع كل ما تحتويه الخيمة الآتي: “ووضع المرحضة بين خيمة الاجتماع والمذبح وجعل فيها ماء للاغتسال. ليغسل منها موسى وهارون وبنوه أيديهم وأرجلهم. عند دخولهم إلى خيمة الاجتماع وعند اقترابهم إلى المذبح يغسلون كما أمر الرب موسى” (خر 40: 30ـ32).

بلاديوس: إذن ماذا عن المرايات، ومن هن النساء اللواتي صُمن[2]؟

كيرلس: هناك حوادث كثيرة يرويها لنا الكتاب المقدس بغموض، إذ يعلنها هكذا باقتضاب مثل هذا الحدث. حسنًا، أين أو مَن هن اللاتي قد صمن؟ لم يقل لنا موسى. لكن كون أن هذا الأمر قد حدث، فهذا لا يشكك فيه أحدٌ. لأن الكتاب قد ذكره بالرغم من أنه ذكره بغير وضوح. فلنترك إذن هذا الأمر ونأتي إلى أمر آخر.

بلاديوس: أي أمر تقصد؟

كيرلس: ما هو النموذج أو المثال الذي تقدمه هؤلاء النساء اللواتي صُمن؟ وماذا يعني صنع المرحاض النحاس من المرايا؟

بلاديوس: عليك أن تخبرني عن هذا الأمر، فهو من واجباتك.

كيرلس: اسمع إذن. لقد عبد الإسرائيليون الأصنام عندما كانوا تحت نير المصريين، وقد مرَّت سنين عديدة وهم يحيون بتلك النواميس وكانت توجد عادة للمصريين، وللنساء أن يأتوا إلى المقدسات وهم لابسين ملبس كتان ماسكين بوقار مرآه في اليد اليُسرى وجرس في اليد اليمنى. هكذا فالنساء من الجنس الإسرائيلي اللاتي وجدن بقايا العبادة المصرية من ضمن أوانيهُن، أحضرن هذه المرايات لكي يقدمنها، وهذه المرايات أُعيد تصنيعها واستخدمت في المرحضة. وهكذا، عندما أُقيمت الخيمة المقدسة أقام البعض منهن أمام أبواب الخيمة، وكن صائمات وعشن كل حياتهن نقيات.

هذا الأمر يشير إلى ما يحدث الآن، حيث ظهرت الخيمة الحقيقية، أي الكنيسة التي بناها الرب وليس إنسان كما كتب بولس العظيم. لقد آن الأوان لأولئك الذين كانوا مكرسين لتمجيد حشد الشياطين أن يتغيروا إلى أوانٍ مقدسةٍ مناسبة لقبول المعمودية المقدسة حتى يستطيعوا أن يتزينوا بفضائلهم التي تفوق تلك التي للناموس. لأن هذا ما تعنيه صناعة المرحضة النحاسية من المرايا اليونانية أي من جوهرة شيطانية، تلك المرحضة التي كان يوجد فيها الماء الذي غَسل به موسى نفسه، وكانت مفيدة لكهنوت الناموس للاغتسال، وواضح أنه يشير للاغتسال الذهني. ألا تتفق معي يا بلاديوس على أن الذين قد ضلّوا وعبدوا الشياطين هم أواني شيطانية؟

بلاديوس: لا أستطيع أن أقول غير ذلك.

كيرلس: إذن صامت النساء عند أبواب الخيمة المقدسة، وهن بذلك يمثلن إشارة جميلة وحكيمة، فالذين خلصوا بقوة المسيح عليهم أن لا يسرعوا بتقدمات مادية إلى الكنائس، لكن عليهم بالحري أن يهتموا بالإمساك أو الانضباط الذي هو إماتة الجسد كتقدمة روحية لله، لأنه مكتوب “ فأطلب إليكم أيها الأخوة برأفة الله أن تقدموا أجسادكم ذبيحة حيّة مقدسّة مرضيّة عند الله عبادتكم العقلية” (رو1:12)، وأيضا يقول: “مجدوا الله في أجسادكم” (1كو20:6).

إذن، فهؤلاء اللواتي صمن أثناء إقامة الخيمة المقدسة يمثلن صورة النفوس التي لا تسلك بالوصايا الموسوية، بل تلك التي تقدم بالفعل الحياة الروحية والإنجيلية، ويدوسون اللذات الأرضية بلا تردد مصوبين وجوههم نحو الجمال الإلهي الخالد، لأنهم لا يطيقون تحمل سهام محبة الجسد المكروهة والدنسة. أليست هذه طريقة الحياة بالنسبة لنا نحن الذين قد دُعينا إلى قداسة المسيح والنقاوة الروحية؟

بلاديوس: هذه هي بالتأكيد.

كيرلس: فلنكتفِ الآن بما قلناه عن الأواني المقدسة. لكن دعنا ـ إذا أردت ـ أن نفحص الخيمة نفسها، ما هو وضعها وصناعتها؟

إن الشروع في هذا العمل هو فوق إمكانياتنا، لكن ـ بحسب رأييّ ـ لا يوجد أي ضرر إذا استعرضنا كل الآراء والشواهد وبحثناها من كل جانب للاستفادة، وبقدر ما نستطيع، نحاول أن نفهم كل ما هو فوق إدراكنا.

بلاديوس: تتحدث بالصواب.

كيرلس: لو أراد المرء أن يشرح هذه الأمور بالتفصيل، لطال الحديث عن كل أمر وتعددت جوانبه. ولكن علينا أن نعرف أن بعض الأواني تقترب في فهمها الروحي من المعاني والأقوال السرية، والبعض الآخر قد صُنعت لمجرد الزينة وخدمة الخيمة. لذلك سوف أتحدث بكلام قليل مختصر.

حسنًا. يقول الكتاب: “وأما المسكن فتصنعه من عشر شقق بوص مبروم واسمانجوني وأرجوان وقرمز بكروبيم صنعة حائك حاذق تصنعها طول الشقة الواحدة ثمان وعشرون ذراعا وعرض الشقة الواحدة أربع اذرع قياسا واحدا لجميع الشقق تكون خمس من الشقق بعضها موصول ببعض وخمس شقق بعضها موصول ببعض” (خر 26: 1 ـ 3).

إذن، عشرةٌ هي الشقق ومتصلة بعضها ببعض بشدة. لأنه في بيت الآب توجد منازل كثيرة، وهدف كل الذين يسكنون فيها هو هدف واحدٌ مقدس، وواحدةٌ هي معرفة الله. لأنه وفق المكتوب “ الله قد دعانا في السلام” (1كو15:7).

ويمكنك أن تقبل ـ إذا أردت ـ وتعتقد أن العشر شقق هي جميع الكنائس ـ المنتشرة في كل العالم – رُبطت معًا بشدة في واحد، وذلك من خلال وحدة الإيمان بالمسيح. لأنه يوجد للكل ” رب واحد وإيمان واحد ومعمودية واحدة” (أف5:4).

عرض الشُقة الواحدة هو أربعة أذرع، بينما طولها ثمان وعشرون ذراعًا. الرمزُ دقيقٌ وعجيب، لكني أعتقد أنه يُظهر أن العيش بالناموس بالنسبة للكنيسة، صعبٌ جدًا لأن الحرفَ مظلمٌ. إذ أن تربية الناموس ـ بمرور الزمن ـ وصلت إلى نهايتها في سر المسيح، أي في اليوم الثامن الذي حدثت فيه قيامة المسيح. لأن غاية الناموس والأنبياء هو المسيح الذي إليه صرخ داود العظيم ” أمَّا وصيتك فواسعة جدًا” (مز119: 96). وبولس العظيم يكتب لأولئك الذين فضَّلوا العبادة الناموسية عن الإيمان بالمسيح قائلاً: ” فمنا مفتوح إليكم أيها الكورنثيون قلبنا متسع. لستم متضيقين فينا بل متضيقين في أحشائكم. فجزاء لذلك أقول كما لأولادي كونوا أنتم أيضا متسعين. لا تكونوا تحت نير مع غير المؤمنين لأنه أية خلطة للبر والإثم وأية شركة للنور مع الظلمة” (2كو6: 11ـ14).

هل أدركت أن المرء الذي يريد أن يرتبط باليهود الذين أظهروا عدم إيمان، ومازالوا يتحدثون عن ضرورة التزام حرف الناموس بعد الإيمان بالمسيح يجعل القلوب تتنافر؟

بلاديوس: نعم أدركت هذا.

 

[1] على الأرجح يقصد القديس كيرلس “بالبركة السرية” نوال الجسد والدم من الإفخارستيا، كما يتضح من الاقتباس الذي يستشهد به بعد ذلك من رسالة كورنثوس الأولى11.

[2] إشارة إلى خروج 38: 8 ” وصنع المرحضة من نحاس وقاعدتها من نحاس. من مراءي (مرايات) وفي السبعينية ” مرايا النساء اللواتي صمن عند أبواب خيمة الشهادة “. المتجندات اللواتي تجندن عند باب خيمة الاجتماع”. وتفسير هذا أن النساء المتجندات المذكورات في النص المترجم عن العبرية، كن يقضين عند باب خيمة الاجتماع وهن صائمات، وهذا ما يذكره النص في النسخة السبعينية التي يستعملها القديس كيرلس في هذا الشرح (انظر خر26:38س).

 

المقالة9 ج4 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة9 ج3 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة9 ج3 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة9 ج3 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

 

السجود والعبادة بالروح والحق

تابع المقالة التاسعة

“الخيمة المقدسة”

“كانت مثالاً لكنيسة المسيح”

 

كيرلس: وحين رأي النبي أن المنارة لها فروع زيتون، ولم يكن ذلك شيئًا معتادًا، سأل عنها، ” فأجبت وقلت له ما هاتان الزيتونتان عن يمين المنارة وعن يسارها؟ وأجبت ثانيةً وقلت له ما فرعا الزيتون اللذان بجانب الأنابيب من ذهب المفرغان من أنفسهما الذهبي؟ فأجابني قائلا أما تعلم ما هاتان؟ فقلت لا يا سيدي. فقال هاتان هما ابنا الزيت الواقفان عند سيد الأرض كلها” (زك4: 11ـ14).

بلاديوس: إذن، ما الضرورة التي ألجئت النبي الطوباوي لأن يسأل مرة أخرى، عندما يقول: ” وأجبت ثانيةً لأقول له“؟

كيرلس: ألم أقل يا بلاديوس أنه برهانٌ للحكمة، إذ يجب على من يريدون أن يتصرفوا دائمًا باستقامة، أن يسألوا عن معلومات دقيقة وصحيحة لهذه الأشياء الهامة؟

بلاديوس: بالتأكيد كُنت تقول هذا؟

كيرلس: إذن، بالرغم من أن النبي رأي فروع الزيتون وهي مملوءة بالأوراق الجديدة والناعمة، فقد سأل عن الزيتون، وليس عن فروع الزيتون. ولكن الملاك صمت منتظرًا السؤال الأكثر أهمية وحقًا. ولأن الفضول قد استولى على النبي فتكلم عن فرعين من الزيتون وترجى أن يعرف إلى أي شيء يرمزان، عرف مباشرةً بإجابة الملاك: ” هاتان هما ابنا الزيت الواقفان عند سيد الأرض كلها“، إنهما يتابعان شعب إسرائيل وشعب الوثنيين الذين، يقول عنهما، واقفين أمام سيد الأرض كلها، شارحًا بوضوح وبطريقة نقية أن الفن المرسوم على المنارة والذي به فرعا الزيتون يمينًا ويسارًا، هو مثالٌ للمسيح. وإنه بوضعهما الدائري هذا ينسكب الزيت فيهما، وهذا الزيت يشير إلى الروح القدس، وهو الذي يروي عقول المؤمنين وفق المكتوب “ مسحت بالدهن رأسي” (مز23: 5).

بلاديوس: ولماذا لم يقل زيتون، بل فضَّل أن يدعوها فروع الزيتون؟

كيرلس: لأنه ـ يا عزيزي ـ كما نقتلع من الزيتونة النبتات الصغيرة والفروع الجافة، هكذا كل الذين يؤمنون، يُعاد تطعيمهم بالإيمان في التقوى، فالبعض آتون من مجمع اليهود، وآخرون آتون من الأمم. لأنه ليس كل الإسرائيليين آمنوا، ولا بالتأكيد أتى إلى الإيمان كل جمع الأمم. إذن، فروع الزيتون هي كل الذين اقتطعوا من جمع اليهود كما من شجرة، وأيضا من الوثنيين، وصاروا داخل النور الإلهي، وينالون الآن ـ بغنى ـ فيض الروح القدس الذي أُعطى لهم. هذا ما أعلن عنه ” فرعا الزيتون اللذان بجانب الأنابيب من ذهب المفرغان من أنفسهما الذهبي” (زك12:4).

لقد تذكَّر هذه الفروع ـ مرةً ـ المُرنم الطوباوى تجاه مخلص الجميع المسيح، قائلاً عن العروس التي أتحد بها، أي الكنيسة وأبنائها اللذين هم ثمار الإيمان ” امرأتك مثل كرمة مثمرة في جوانب بيتك. بنوك مثل غروس الزيتون حول مائدتك” (مز128: 3). ونحن نحيا مشتركين في الروح، آخذين الحياة من مائدة المسيح المقدسة، معلنين إيماننا بالمسيح.

بلاديوس: نعم، إنك تتحدث بالصواب. لأنه يقول:” أنا هو خبز الحياة. من يقبل إليّ فلا يجوع ومن يؤمن بي فلا يعطش أبدًا” (يو35:6).

كيرلس: دعنا الآن نحصر تفكيرنا في هذه الأمور السابقة المتعلقة بالمنارة وكل ما نراه فيها.

حسنا، فلنتحدث الآن عن المذبح النحاس، الذي هو أساسى في عبادة الناموس. لأنه مكتوب:” وتصنع المذبح من خشب السنط. طوله خمس أذرع وعرضه خمس أذرع مربعًا يكون المذبح وارتفاعه ثلاث أذرع. وتصنع قرونه على زواياه الأربع منه تكون قرونه وتغشيه بنحاس. وتصنع قدوره لرفع رماده ورفوشه ومراكنه ومناشله ومجامره. جميع آنيته تصنعها من نحاس. وتصنع له شباكه صنعة الشبكة من نحاس. وتصنع على الشبكة أربع حلقات من نحاس على أربعة أطرافه” (خر27: 1ـ4). إذن سيكون طول المذبح وعرضه خمسة أذرع. وهو ما يعني أن هناك احتياج لقياس ومكان متسع. لأن فوقه تُقطَّع وتُقدم قطعًا من العجول ومحرقة من الخراف والثيران التي سوف تقدم إلى الله. لذلك وُجدت فوقه شبكة من النحاس وقدور ومجامر، وجميع هذه الآنية من النحاس، حتى يستطيعوا أن يقدموا الذبائح وفقًا للناموس، ولا يستهينوا بالنار الآكلة. فلنُضِف أيضًا التاج والقرون إلى جمال التصنيع. لأنه لا شيء يكون بدون فائدة عند الله كُلي الحكمة. والآن دعنا نستعيد حديثنا ثانية عن تلك الأوصاف، على أن يكون حديثنا بدقةٍ شديدة عن كل واحد منها.

لقد أمر أن يصير المذبح متمشيا ومناسبًا للذبائح بحسب الناموس، مع ملاحظة أنه لن يكون هناك أي شيءٌ مصنوعٌ من الذهب كما نرى في التابوت، أو في المنارة، أو في المائدة وما حولها.

بلاديوس: وما معنى هذا؟

كيرلس: ألم نقل يا بلاديوس، إن الذهب يُظهر العظمة بامتياز أمام الكل، وأقصد هنا العظمة والبهاء الذهني، أي البهاء الفائق للطبيعة الإلهية؟

بلاديوس: نعم هذا ما قُلناه.

كيرلس: انتبه إذن، إن مذبح العبادة الناموسية لم يصنع من الذهب، وهذا رمزٌ وضعه لنا الله، وهو رمزٌ واضحٌ جدًا، بمعنى أن الناموس لا يعطي الروح القدس، وإن قوة العبادة الرمزية لم تُكرَّم بهذه النعمة. لأن روح العبودية سادت على الإسرائيليين، بينما العطية (عطية الروح) مُنحت لنا بالمسيح بعد قيامته من بين الأموات. لأنه مكتوبٌ: ” نفخ وقال أقبلوا الروح القدس” (يو20: 22). لذلك، فإن بولس يتوجه إلى الذين آمنوا قائلاً: ” لم تأخذوا روح العبودية أيضًا للخوف بل أخذتم روح التبني الذي به نصرخ يا أبَّا الآب” (رو15:8).

وأمَّا أن العبادة الناموسية لم تكن فيها عطية الروح القدس، لكن أُعطي هذا بالحري لأولئك الذين قد تبرروا بالإيمان، فقد أخبرنا عنها يوحنا الحكيم قائلاً: ” لأن الروح القدس لم يكن قد أُعطي بعد. لأن يسوع لم يكن قد مُجِّد بعد” (يو7: 39)، أي لأن المسيح لم يكن قد قام بعد. ولكن بعد ذلك تزيَّنت الطبيعة البشرية بالروح وبشركتها مع المسيح. لذلك أمر أن يُصنع المذبح بدون ذهب. ولكن علينا أن نسرع إلى بيان السبب الذي من أجله صار المذبح نحاسًا، وستكون هناك استفادة من ذلك لمحبي التعلم؛ لأن البحث يمكن أن يُخرج إلى النور شيئا مفيدًا كما يقول الحكيم ” في كل تعب منفعة” (أم23:14).

بلاديوس: ماذا عندك أيضًا لتقوله عن هذا الأمر؟

كيرلس: اسمع إذن. يقول الكتاب المقدس إنه بقرار سماوي رُسم هارون كاهنًا ورئيسًا. ولكن قورح وداثان والجمع الشرس الذي تبعهما، أهانوا ـ بغباءٍ ـ القرار السماوي وتمردوا ضد النواميس الإلهية. فقد أحضروا مجامر دون أن يدعوهم أحدٌ، بل اندفعوا ناحية هذا العمل سارقين الكرامة التي لم تُعط لهم. وبغباءٍ شديد ووقاحة، ثاروا على الكاهن الذي أُختير رئيسًا وأُفرز من بين كل الآخرين (عد1:16).

لا شك أن هذه الأمور تعتبر ظلالاً للغباء الذي سيظهره اليهود ضد المسيح. لأن هذا هو رئيس كهنتنا الذي رُسم في هذه الرتبة بقرار من الآب. وإذا كان أولئك (قورح وداثان) قد نالوا جزاءهما من أجل وقاحتهما، فإن اليهود أيضًا ـ الذين صاروا مذنبين ـ من بعد هؤلاء، سينالون جزائهم كمجرمين. فلقد قال الله لموسى النبي: ” قل لألعازار بن هارون الكاهن أن يرفع المجامر من الحريق واذر النار هناك فأنهن قد تقدسن. مجامر هؤلاء المخطئين ضد نفوسهم فليعملوها صفائح مطروقة غشاء للمذبح لأنهم قد قدموها أمام الرب فتقدست فتكون علامةً لبني إسرائيل” (عد 16: 37، 38).

وكتب أيضًا في سفر الخروج عن بصلئيل بن أوري الذي كان من سبط دان (خر1:31)، وهو الذي أشرف على كل الأعمال الفنية لخيمة الاجتماع وما فيها.

بلاديوس: ماذا يعني هذا؟

كيرلس: سوف يفيدنا كثيرًا أن نعرف أن التابوت صُنع كمثال للمسيح، وبالمثل أيضًا الأشياء الأخرى، أقصد المنارة والغطاء والمائدة الذهبية. فطالما أن كل واحد من أفراد الشعب قدَّم وخصص ما تمتلكه يداه، فهم مقبولون عند الله الآب، وبالمثل الذين يثمرون الأعمال الصالحة عند المسيح ويقدمون العطايا الروحية هذه التي كانت تشير إليها تقدمات الإسرائيليين.

إن مذبح العبادة الناموسية كان مذبح الغضب والتمرد ـ وأقول – بل والعصيان الذي أُعلن ضد الكاهن العظيم. لقد كانت عملية تصنيع هذا المذبح تذكيرًا وإعلانًا مسبقًا يُفهم بطريقة سرية وتدبيرية. هل صار واضحًا لك هذا الرمز؟

إن هارون هو مثال للمسيح. وقد قام اليهود ضد مجد المسيح، وهذا ما أشار إليه تمرد اليهود ضد هارون والمذبح الناموسي. ولأن عبادة الظلال توقفت، أصبحنا ـ بالإيمان بالمسيح ـ نرسل إلى الآب طيب الرائحة العقلي. وهذا أيضًا قد أشار إليه بظلال قائلاً: ” وتصنع مذبحا لإيقاد البخور من خشب السنط تصنعه. طوله ذراع وعرضه ذراع مربعا يكون وارتفاعه ذراعان منه تكون قرونه. وتغشيه بذهب نقي سطحه وحيطانه حواليه وقرونه وتصنع له إكليلاً من ذهب حواليه” (خر30: 1ـ3). وعندما أضاف إلى هذا عصوين وحلقتين لتسند المذبح، قال: ” وتجعله قدام الحجاب الذي أمام تابوت الشهادة. قدام الغطاء الذي على الشهادة حيث أجتمع بك. فيوقد عليه هارون بخورًا عطرًا كل صباح حين يصلح السُرُج يوقده. وحين يصعد هارون السُرُج في العشية يوقده بخورا دائما أمام الرب في أجيالكم. لا تصعدوا عليه بخورا غريبًا ولا محرقةً أو تقدمةً ولا تسكبوا عليه سكيبًا. ويصنع هارون كفارةً على قرونه مرة في السنة من دم ذبيحة الخطية التي للكفارة مرة في السنة يصنع كفارة عليه في أجيالكم قدس أقداس هو للرب” (خر30: 6ـ10).

بلاديوس: إذن فهذا هو مثال للمسيح؟

كيرلس: بالتأكيد يا بلاديوس. إنه سرٌ حقيقي بالتأكيد، وسوف يُظهر هذا السر الكريم والعميق، وبسهولة جدا، للذين يريدون أن يفحصوا هذه المسائل بالتفصيل.

لقد صار المذبح من الخشب الذي لا يعتريه الفساد وكان كله مُغَشىّ بالذهب. لأن جسد المسيح هو غير فاسد ويحوي في داخله غنى الطبيعة الإلهية، ” الكلمة صار جسدًا وحل بيننًا” (يو14:1). إذن المسيح هو بدايتنا وأصل جنسنا، جنسنا هذا الذي أعيد خلقه لعدم الفساد وبالإتحاد بالله، وعدم الفساد يمكن أن يُفهم باعتباره استثناءً من جهة الله.

وقرون المذبح هي ـ بطريقة ما ـ أيدٍ مفرودةٍ، ترمز مسبقًا لشكل الصليب المكرم. وإذا قال أحدٌ إن القرون هي أربعة، فلن يعطل ذلك محب التعلم عن أن يفكر باستقامة. لأن المذبح مربعٌ ومتساوِ الأوجه، ومنظر القرون واحد من كل الجهات. وما هو السبب في ذلك؟ إن المسيح المصلوب يُعترف به في كل مكان، وهذا هو فخرٌ مجيدٌ للذين يؤمنون به. فحسنًا يقول بولس العظيم “ وأما من جهتي فحاشا لي أن أفتخر إلاَّ بصليب ربنا يسوع المسيح الذي به قد صُلب العالم لي وأنا للعالم” (غلا 14:6).

ولقد أضافوا التاج المشغول على هذه المشغولات ـ والذي يمثل زينةً للمذبح ـ تأكيدًا على أن عمانوئيل هو بالحقيقة ” أبرع جمالا من بني البشر” (مز3:45).

وقد أضافوا أيضًا كل الأمور الأخرى الضرورية مثل العصوين وبعض الأشياء الأخرى لأنه كان يجب أن يُنقل المذبح في حالات التنقل أينما ذهبوا. وهذا ما فعله التلاميذ ناقلين المسيح بكرازتهم بلياقة ونظام، كخدام الله ومدبري أسرار المسيح (انظر 1كو1:4). لأنه يقول: “وتجعله قدام الحجاب الذي أمام تابوت الشهادة. قدام الغطاء الذي على الشهادة حيث أجتمع بك” (خر6:30).

بلاديوس: لكننا نتساءل، ما هي ضرورة تعيين أماكن محددة لهذه الأشياء؟

كيرلس: لا شك أن السبب عميقٌ جدًا وغامضٌ جدًا، لكن سوف أوضِّح رأيي بقدر الإمكان، وأنا أثق في الله الذي يعطي المعرفة للعميان.

يقول، يجب أن يصنع التابوت من خشب السنط الذي لا يعتريه فساد، ومن الذهب الخالص، وداخله كان الناموس، أي الكلمة الإلهية، والشهادة. هذا كان بالتأكيد مثالاً للكلمة المولود من الله والذي سكن بيننا آخذًا شبه الجسد كما في الكتب المقدسة. كما يجب أن يكون هناك ستارٌ يمتد على أربعة قوائم، قال عنه أنه يجب أن يهتز فوق التابوت، واسم الستار “الغطاء” (الكفَّارة)، وهذا يعني المسيح، لأنه مكتوب “ الذي قدَّمه الله كفَّارة بالإيمان بدمه لإظهار بره من أجل الصفح عن الخطايا السالفة بإمهال الله” (رو25:3)، لأنه هكذا يدعوه بولس. وكان الكاروبان مرسومين بطريقةٍ دائرية على الغطاء، حتى ما يُظهر خدمة القوات السماوية لله (لأن الكلمة هو الله)، وبذلك أعلنوا ـ بطريقةٍ حسنةٍ جدًا ـ حضورهم القريب جدًا، وأنهم موجودون بجواره لكي يخدموه. ثم قال الله لموسى: “وأنا اجتمع بك هناك وأتكلم معك من على الغطاء من بين الكروبين اللذين على تابوت الشهادة بكل ما أوصيك به إلى بني إسرائيل” (خر22:25). لكن ـ كما قُلت ـ كان التابوت هو المسيح، الله اللوغوس في جسد غير فاسد، وكان التابوت ـ بالتأكيد ـ فوق الأرض، لكن وحيد الجنس نزل إلى حقارتنا ووضاعتنا. لأنه أخذ الشكل الذي يليق بالعبد ووضع ذاته (في2: 7). هذا أيضًا هو الغطاء الموضوع عاليًا، والقوات السماوية عون له.

ولكن الابن لم يُعرف بالنسبة لنا من طريقة تواضعه فقط، لكن أيضًا من كونه إلهًا وسيدًا للكل. لأنه بالرغم من أنه وضع ذاته بسبب شكله البشري الذي أخذه نازلا بحسب التدبير إلينا، لكن “ رفَّعَهُ اللهُ وأعطاه اسمًا فوق كل أسم” (في2: 9). ولذلك فإن وضع الغطاء عاليًا ومرسومًا عليه الكاروبيم يمينًا ويسارًا يمكن أن يكون مثالاً. لأنه حيث تُعلن الخدمة التي تليق بالله، فهناك ـ فقط بالتأكيد ـ يوجد على أية حال مجد الأُلوهية وعظمة المكانة التي تفوق الكلام. لأن رب الكل يقول: ” وأنا أجتمع بك هناك وأتكلم معك من على الغطاء من بين الكاروبين” (خر25: 22)، آمرًا بذلك ألا يُفتَّشُ بين المخلوقات عن الطبيعة التي لا تُوصف، إذ هي أسمى من هذه المخلوقات التي خلقت من العدم. لأن الكلام عن طبيعة الله ومكانته يجب أن يكون لائقًا تمامًا بالله، فهما يشكلان مجالاً أسمى وفوق كل مخلوق. وبالتالي، المكان الذي هو فوق الكاروبيم والموصوف بطريقة محسوسة في الخيمة المقدسة، يجعل الطبيعة الإلهية واضحة لنا كل الوضوح لنا نحن البشر.

وهكذا، أمر أن يُوضع أمام مذبح الذهب، الذي صار نموذجًا للمسيح، وهو الذي يتحدث من فوق الكاروبيم، الأمر الذي يشير إلى أن المسيح سوف يقودنا أمام أعين الله الآب. ولأن الإنسان قد ابتعد واصطدم بالله بسبب المخالفة والخطية الكثيرة، أحضره المسيحُ مرةً أخرى أمام الله كما فعل هو نفسه أولا بذاته. لأنه كما قال بولس الرسول: ” لأن المسيح لم يدخل إلى أقداس مصنوعة بيد أشباه الحقيقية، بل إلى السماء عينها ليظهر الآن أمام وجه الله لأجلنا” (عب9: 24). فالذي هو دائمًا مع أبيه، قيل عنه أنه سوف يظهر أمام أبيه مقدمًا أمامه ما حصل للطبيعة البشرية من تغيير بحسب ما فعل هو لذاته أولاً، مبطلاً ذلك الابتعاد القديم، “لأنه هو سلامنا” وفقًا الكتب المقدسة (عب2: 14).

 

المقالة9 ج3 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة9 ج2 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة9 ج2 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة9 ج2 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

 

السجود والعبادة بالروح والحق

تابع المقالة التاسعة

“الخيمة المقدسة”

“كانت مثالاً لكنيسة المسيح”

 

بلاديوس: وماذا تقول عما يعنيه الغطاء؟

كيرلس: فيما يخص الحرف والظلال، فقد صُنع الغطاء من ذهب نقي وكان موضوعًا فوق التابوت لذلك سُمي “لفافة” وعندما يلتف المكرَّمون برتبة الكهنوت حوله لينظروه، يؤمنون كيف أنهم ينظرون الله.

أمَّا غطاء التابوت ـ بالمعنى الروحي ـ فنقول عنه إنه يشير إلى ذاك الذي صار إنسانًا لأجلنا ” الذي قدَّمه الله كفَّارةً بالإيمان بدمه لإظهار بره من أجل الصفح عن الخطايا السالفة بإمهال الله” (رو3: 25) كما يقول بولس. وأيضا يكتب لنا يوحنا التلميذ الحكيم في رسالته ” يا أولادي أكتب إليكم هذا لكي لا تخطئوا. وإن أخطأ أحدُ فلنا شفيع عند الآب يسوع المسيح البار. وهو كفارة لخطايانا. ليس لخطايانا فقط بل لخطايا كل العالم أيضًا” (1يو1:1ـ2). حقًا بواسطة المسيح تتحقق كفارتنا، في كل توسلٍ وطلبٍ للصلاح؛ لأنه يقول: ” أيها الآب أريد أن هؤلاء الذين أعطيتني يكونون معي حيث أكون أنا لينظروا مجدي الذي أعطيتني لأنك أحببتني قبل إنشاء العالم” (يو17: 24). بالتالي هذا هو الكفارة والغطاء بالنسبة لنا. لأن الآبَ صار لنا رحومًا بواسطته، فيه وجدنا غاية لتوسلاتنا، وبواسطته نستطيع أن تقترب إلى الله، وبخلاف ذلك لن نصير مقبولين. لذلك يقول: ” أنا هو الطريق” (يو14: 6) و” أنا هو الباب” (يو10: 7)، و” ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بي” (يو14: 6). ومع أنه صار مثلنا ونزل اللوغوس وحيد الجنس ذاته إلى مستوى الإنسان في إخلائه، لكن علينا أن ندركه بالمجد اللائق بألوهيته وبسموه الذي يتجاوز الخليقة، كما ـ بالضبط ـ قبل أن يأخذ جسدًا. لذلك، الكروبان يقفان فوق الغطاء، باسطين أجنحتهما مظللين الغطاء ماثلين أمامه كل واحد وجهه للآخر، ووضعهما على اليمين واليسار هو برهان عدم الاعتراض. والنظر المستمر للكاروبين نحو الغطاء يشير إلى الرغبة الشديدة للتطلع نحو رؤية القوات السماوية.

وبنفس الشكل يصف النبي إشعياء الابنَ قائلاً: ” رأيت السيد جالسًا على كرسي عال ومرتفع وأذياله تملأ الهيكل. السيرافيم واقفون فوقه لكل واحد ستة أجنحة. باثنين يغطي وجهه وباثنين يغطي رجليه وباثنين يطير” (إش6: 1ـ2). ويمكننا أن نؤكد أنه ليس شيئًا غريبًا على الإطلاق إذا ما تخيَّل أحدٌ أن السيرافيم يغطون وجه الله كذلك رجليه[1]؛ لأنه إذا نقلنا إلى اللغة اليونانية مفهوم كلمة “السيرافيم”، فسنجد أنها تعني كلمة”المعرفة” في صيغة الجمع، أي تدفق الحكمة. وبالتالي، فإن القوات السامية وكلية الحكمة تعلن أنه غير مسموح أن يرى أحد وجه الله؛ لأن الطبيعة التي تفوق العقل غير منظورة تمامًا، فهو بحسب كلام بولس، ” يسكن في نور لا يدنى منه” (1تي16:6). أيضًا “ لأن الإنسان لا يراني ويعيش” (خر20: 36) وفق ما قاله هو نفسه لموسى. وأيضًا سوف لا يعرف آثاره وطُرقه، لأنه مكتوب “ يا لعمق غنى الله وحكمته وعلمه. ما أبعد أحكامه عن الفحص وطرقه عن الاستقصاء”(رو33:11). كذلك يرنم داود الطوباوي وهو يعزف على ربابته لحنًا عذبًا: ” في البحر طريقك وسبلك في المياه الكثيرة وآثارك لم تُعرف” (مز77: 19). وكما لا يستطيع المرء أن يرى أثرًا على المياه لإنسان أو لمركب لأولئك الذين يسبحون فيها، هكذا لا يستطيع أن يفهم المرء الطرق الإلهية فائقة الوصف.

والمِثال المؤكَّد لهذه الأمور هي الأرجل. فإذا افترض أحدٌ الآن أن الساروفيم يغطون وجوههم بأجنحتهم يجب أن ندرك أنه لا يُسمح أن نرى بداية أو نهاية الحكمة، أي لمعرفة الله. لأنه غير مدرك ويفوق العقل البشري. فبدايةُ أي جسدٍ هو الرأس ونهايته الأرجل. إذن كفارتنا هو المسيح الذي وهو في الجسد عندما ظهر لم يكن أبدًا أقل من إله ورب من جهة الطبيعة، وحقًا كانت له القوات الفائقة حوله تخدمه. فقد قالت لنا الكلمة المقدسة (مت11:4)، إنه بعد أن ترك الشيطان المسيح بعد التجربة حين صام لأجلنا، ذهبت الملائكة لتخدمه. لأنه مكتوب “ أليس جميعهم أروحًا خادمة مرسلة للخدمة لأجل العتيدين أن يرثوا الخلاص” (عب14: 1).

فوق الغطاء سوف أظهر“، يقول: “وسوف أتحدث إليك”. وبهذا القول ـ على ما أعتقد ـ يعلن أمرين. فبالرغم من أن المسيحَ إنسانٌ، إلاَّ أنه سوف يعلن ما يفوق الطبيعة البشرية، ولن ينحصر فقط داخل مقاييس الإخلاء، وذلك بسبب أنه الله ومولود من الله بالطبيعة. لأنه يقول ” أنا والآب واحد” (يو10: 30)، ” ومَنْ رآني فقد رأي الآب“(يو15:9). وسوف يعلن ذلك بشكلٍ يفوق مجد الغطاء ويفوق مجد الكاروبين، أي بعظمةٍ ومجدٍ، بل وأسمى من الكائنات المخلوقة، حتى الساروفيم التي هي أكثر سموًا، وذلك بالرغم من أنه صار جسدًا، وبرغم أن الغطاء والسيرافيم هما أيضًا من ذهب. أي أن الطبيعة الممجدة والفائقة الجمال هي الله، بينما هذه المخلوقات (السيرافيم) تتشبه به بالوجود بالقرب منه. هكذا يضفي شركة مجده على هذه المخلوقات الموجودة بالقرب منه، والتي تعكس نوره إذ يشرق بهاؤه على كل ما يوجد أمامه.

بلاديوس: حديثك صحيح، والعرض ممتاز، حتى أن الحقيقة بدت واضحة.

كيرلس: بعد صناعة الغطاء، رَسَم لنا بطريقةٍ أخرى سرَ المسيح قائلا: ” وتصنع المائدة من ذهبٍ صافٍ” خر25: 23س). أمر أيضًا أن تُصنع لها حلقات وتضع عصوين من ذهبٍ، محدِّدًا بوضوحٍ، المقاييسَ وطرق العمل التقني لتكون ذات شكل جمالي رائع. وتضع ” على المائدة خبز الوجوه أمامي دائمًا” (خر30:25). وقد أمر أيضا أن تكون أوانيها من الذهب: صحافها وكؤوسها ومباخرها وكذلك الجامات للسكيب. ألم يظهر لنا ـ بوضوح ـ الخبز الذي نزل من السماء، والذي سوف يوضع على الموائد المقدسة للكنائس معطيًا الحياة للعالم؟

بلاديوس: بالتأكيد

كيرلس: الصحاف والمباخر والكؤوس والجامات وكل تلك التي بواسطتها تتم الأمور المقدسة والسرائرية للمائدة المقدسة، أليست هي مثال يا صديقي للكنوز الإلهية؟

بلاديوس: بالتأكيد

كيرلس: هكذا هي بالتأكيد في سفر الخروج. لكن بالنسبة للمائدة ولإضافة الخبز أعطى المشرع أوامره في اللاويين.

ففي اللاويين يشرح الوصية ويعلِّم بوضوح بأية طريقة سوف تصير الإضافة قائلا الآتي: “وتأخذ دقيقًا وتخبزه أثنى عشر قرصًا. عُشرَين يكون القرص الواحد. وتجعلها صفين كل صف ستة على المائدة الطاهرة أمام الرب. وتجعل على كل صف لبانًا نقيًا فيكون للخبز تذكارًا وقودًا للرب. في كل يوم سبت يرتبه أمام الرب دائمًا من عند بني إسرائيل ميثاقًا دهريًا. فيكون لهارون وبنيه فيأكلونه في مكان مقدس. لأنه قدس أقداس له من وقائد الرب فريضة دهرية” (لا24: 5 ـ 9).

وفي سفر العدد أيضًا يتحدث عن الخبز الواحد الذي أتى من السماء وتجسد. لأن اللوغوس بينما كان إلهًا بطبيعته، صار مثلنا وسكن داخلنا (يو1: 14). حسنًا قال لموسى النبي: “وكلم الرب موسى قائلا: كلِّم بني إسرائيل وقل لهم متى دخلتم الأرض التي أنا آتِ بكم إليها. فعندما تأكلون من خبز الأرض ترفعون رفيعةً للرب. أول عجينكم ترفعون قرصًا رفيعةً كرفيعة البيدر هكذا ترفعونه. من أول عجينكم تعطون للرب رفيعة في أجيالكم” (عد15: 17ـ21).

إذن، يستطيع المرء ـ بدون مشقة ـ أن يدرك من كل هذا سر الحق. وإن كنا سوف نتحدث مرةً أخرى بالتفصيل وبدقة عندما ننقل حديثنا إلى نصٍ صعبٍ آخر. هكذا في هذا النص سيستطيع المرء ـ يا بلاديوس ـ أن ينظر بإعجاب إلى ذاك.

بلاديوس: إلى مَن تشير بهذا القول؟

كيرلس: أقصد عمانوئيل، بينما بطرقٍ كثيرة أشار لنا بوضوح إليه، هكذا أعطانا صورةً واضحةً عنه في حديث آخر. لأنه يقول لموسى: “و تجعل على المائدة خبز الوجوه أمامي دائما. وتصنع منارةً من ذهب نقي، عمل الخراطة تصنع المنارة قاعدتها وساقها تكون كاساتها وعُجرها وأزهارها منها. وست شعب خارجة من جانبيها من جانبها الواحد ثلاث شعب منارة ومن جانبها الثاني ثلاث شعب منارة” (خر25: 30ـ32). ويضيف بعد هذا ويقول: ” تكون عُجرها وشُعبها منها جميعها خراطةً واحدةً من ذهب نقي وتصنع سرجها سبعةً فتصعد سرجها لتضيء إلى مقابلها. وملاقطها ومنافضها من ذهب نقي. من وزنة ذهب نقي تصنع مع جميع هذه الاواني. وانظر فاصنعها على مثالها الذي اظهر لك في الجبل” (خر25: 36ـ40).

إذن، المنارة هي من ذهب، وبذلك تعطي مثالاً للمسيح؛ لأنه إله حقيقي بطبيعته، ويجب أن نشبهه بالذهب مثلما أشرنا سابقًا إلى البهاء الإلهي وعظمته بالذهب.

أيضًا تكون المنارة مخروطة لأن عمانوئيل هو فائق الجمال ـ بطريقة أبلغ من أي تعبير ـ من جهة الجمال الذهني بالتأكيد. لأنه مكتوب عنه ” أنت أبرع جمالاً من بني البشر” (مز45: 2). إذن هذه الخراطة الواحدة للمنارة، بالمنظر المدهش، أي الذي يليق الله، أظهرت لنا عمانوئيل بشكل ممتاز. وعلى اليمين واليسار كفروع تنبت من شجرة وترتفع بعامود في المنتصف، وهذا الارتفاع ـ كما يقول ـ متساوٍ في الدرجة؛ لأنه المونوجينيس. (الابن الوحيد) الذي هو واحد بطبيعته وبسيط في جوهره كإله، ويظهر أيضًا أنه متعدد من جهة أفعاله.

لكن لا يوجد فيه شيءٌ مضاف من الخارج أو غريبٌ. فهو من جهة مكانته الإلهية ليس عاديًا، لأننا نعتبره نورًا وحياةً وقوةً وعدم فسادٍ.

ولأنه أراد أن يعلِّمنا أنه لا يوجد فيه شيء من الخارج أضاف قائلاً: ” تكون عُجُرها وشُعَبها منها جميعها خراطةً واحدةً من ذهب نقي” (خر25: 36). أي أنه كله بالكامل إله، وليس مجرد قديس مساوي للموجودات المخلوقة، ولا هو مثل الملائكة التي لها طبيعة روحانية، إذ هم مضيئون بنعمته هو وبهائه، وممسوحين كمثل الذهب النقي بعطية الروح. أما هو فله نفس طبيعة الله، الطبيعة كلية النقاء والفائقة السمو.

المنارات هي سبعة، لأن استنارتنا من المسيح تصير بطرق كثيرة، وكما يقول: ” فإنه لواحد يُعطى بالروح كلام حكمة ولآخر كلام علم بحسب الروح الواحد” (1كو 12: 8… الخ).

العدد سبعة هو أيضًا علامة للكمال. وعمانوئيل هو كلي الكمال فهو إله بطبيعته، وبمنحه المواهب ـ هو كامل ـ في أولئك الذين هم جديرون بنوالها. لأنه ” ليس بكيل يعطي الله الروح” (يو3: 34). كما يقول يوحنا: “ومن مِلئه نحن جميعًا أخذنا ونعمة فوق نعمة“(يو1: 16).

ومكتوب بعد ذلك: ” فتُصعد سرجها لتضيء إلى مقابلها” (خر25: 37). وقد أشار إلى هذا الوضع بوضوح في سفر العدد قائلاً: ” وكلَّم الرب موسى قائلاً: كلِّم هارون وقل له متى رفعت السُّرُج فإلى قدام المنارة تضيء السُّرج السبعة. ففعل هارون هكذا إلى قدام المنارة رفع سُّرجها كما أمر الرب موسى” (عد8: 1ـ3).

لاحظ إذن، أن السُّرج السبعة التي كانت قدام المنارة تلقي نورها نحو أولئك الذين ينظرون إليها. بمعنى أن النور الإلهي والعقلي لا ينير أولئك الذين أداروا وجوههم بعيدًا عن الله، لكن للذين ـ بالتقديس ـ يلتفتون نحو الله ويشاهدونه ويرونه وجهًا لوجه بيقين الإيمان وبحياتهم المستقيمة والفاضلة.

ولأن الدناءة والعصيان هما أمران مكروهان ومرفوضان، لذلك يكرم الله أولئك الذين يطيعون، ويعتني بمن يقبلون التأديب. وهو يقول لليهود ـ الذين فضَّلوا أن يتصرفوا تجاهه بغير لياقة – بفم إشعياء النبي: ” فحين تبسطون أيديكم أستر عيني عنكم وأن كثرتم الصلاة لا أسمع. أيديكم ملآنة دمًا” (إش1: 15). وبحسب نشيد المزامير “عينا الرب نحو الصديقين وأذناه إلى صراخهم” (مز34: 15).

بلاديوس: لا شك أن ما قلته حق.

كيرلس: ويشير زكريا النبي إلى هذه المنارة المقدسة أيضًا؛ لأنه يقول: ” قد نظرت وإذا بمنارة كلها ذهب وكوزها على رأسها وسبعة سُرج عليها وسبع أنابيب للسرج التي على رأسها. وعندها زيتونتان أحداهما عن يمين الكوز والأخرى عن يساره. فأجبت وقلت للملاك الذي كلمني قائلا ما هذه يا سيدي؟ فأجاب الملاك الذي كلمني وقال لي أما تعلم ما هذه فقلت لا يا سيدي” (زك4: 1ـ5). حسنا يتساءل النبي الطوباوى: ” ما هذه يا سيدي؟“. والملاك يشرح الرؤية ويشير ـ بصناعة المنارة ـ إلى المسيح قائلاً عن السبع منارات: ” إنما هي أعين الرب الجائلة في الأرض كلها” (زك4: 11).

وإن كان يجب أن أقول ـ بشكلٍ مادي ـ ما هو أكثر: فإن الألوهية ترانا بآلاف الأعين، وتُشرف على الأمور البشرية مميزةً كل ما هو موجود في الظلام وفق ذاك الذي كُتب “وعنده يسكن النور” (دا2: 22). لأنه إذ أرسل الله لنا نوره نحن البشر، فإن هذا كائن في طبيعته قبل أن يعطيه الآخرين. فإذا كان البعض يرون أن الأمر ليس هكذا، فقد حان الوقت أن نصرخ نحوهم قائلين ” افهموا أيها البلداء في الشعب، ويا جهلاء متى تعقلون؟ الغارس الأذن ألا يسمع؟ الصانع العين ألا يبصر؟” (مز94: 8ـ9). ” لأن كلمة الله حية وفعالة وأمضى من كل سيف ذي حدين ومميزة أفكار القلب ونياته. وليس خليقة غير ظاهرة قدامه، بل كل شيء عريان ومكشوف لعيني ذلك الذي معه أمرنا” (عب4: 12ـ13).

إذن فالمسيح ينير كل شيء، ويرى كل شيء. لذلك قال بفم النبي: ” ألعلي إله من قريب يقول الرب ولست إلهًا من بعيد. إذا اختبأ إنسان في أماكن مستترة أفما أراه أنا يقول الرب” (إر23: 23ـ24). إذن لا شيء يستطيع أن يهرب من الكلمة الذي يعرف كل شيء. ألا تعتقد أنني أفكر بطريقةٍ صحيحة؟

بلاديوس: صحيح.

[1] علينا أن نلاحظ هنا أن القديس كيرلس لا يتكلم عن نص اشعياء6: 2 بشكل مجرد، فالنص لا يقول إن السيرافيم يغطون وجه الله أو رجليه، وإنما يغطي أحد السيرافيم وجهه هو ورجليه هو. إن القديس كيرلس في هذا المقطع يدمج بعض العناصر معًا ويستخرج منها رؤية خاصة به على درجة غاية في الجمال والذكاء. فهو أولاً يستفيد من نص سفر الخروج21: 17ـ25 والذي سبق الإشارة إليه، وبالتحديد ” ويكون الكروبان باسطين أجنحتهما إلى فوق مظللين بأجنحتهما على الغطاء“. وهو ثانيًا يؤكد على ما يرمز إليه الغطاء أو الكفارة أي الابن المتجسد. وهو ثالثًا يستدعي المعنى اليوناني لكلمة سيرافيم أي المعرفة في صيغة الجمع، (أي المعرفة الكاملة)، ذلك لأن المعنى العبري لكلمة ساراف وهي الأصل الاشتقاقي لكلمة سيرافيم تعني “المشتعل أو المحترق”، ربما للدلالة على نقاوتهم كخدام لله. وهو رابعًا يرى الله كيانًا كاملاً يعبر عنه بالوجه الذي يمثل البداية والأرجل التي تمثل النهاية، فإذا ما أُدمجت هذه العناصر معًا، ومع الأخذ في الاعتبار أنه يعي اللغزية المختبئة وراء الكلمات في دلالتها على السيد المسيح له المجد، كان من السهل أن ندرك أن معرفة الله هي= =بلا حدود، وإن وجود الكاروبين على التابوت يظللان (أو يحجبان) الغطاء أو الكفارة، إنما هو رمز وظل لعدم إدراك الله أو خضوعه لحدود المعرفة الإنسانية. وبالتالي، فإذا ما وضعت كل هذه العناصر معًا، فإنه لا يعد شيئًا غريبًا على الإطلاق أن يتخيل أحد إن السيرافيم يغطون وجه الله وأيضًا رجليه.

            وبهذه المناسبة علينا أن نلاحظ أن القديس كيرلس لم يقتصر في تفسيره على الرموز التي تخص السيد له المجد في تدبير الخلاص، ولكنه توسع حتى شملت رؤيته ما كان ظلاً أو رمزًا للكنيسة والرسل والكرازة… إلخ، بل وحتى لليهود الذين عاشوا أيام السيد المسيح حسبما سيجيء.

 

المقالة9 ج2 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة9 ج1 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة9 ج1 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة9 ج1 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

 

السجود والعبادة بالروح والحق

المقالة التاسعة

“الخيمة المقدسة”

“كانت مثالاً لكنيسة المسيح”

 

تتألق مفاخر المحبة لله والمحبة للإخوة، وبهما يكتمل الناموس. وكل شخص يصل إلى مثل هذه الدرجة من البهاء والتألق يكون جديرًا بالإعجاب ويُعد ضمن الأُصلاء في رفعتهم، الأمر الذي كرز به المسيح قائلاً: ” نعمًا أيها العبد الصالح والأمين. كنت أمينًا في القليل فأقيمك على الكثير. أدخل إلى فرح سيدك” (مت21:25). ومثل هذا سيأتي إلى أورشليم السماوية ويخلد في المساكن الفوقانية مستمتعًا بالخيرات السماوية التي تفوق العقل والنطق.

لقد قال إشعياء النبي مثل هذا الأمر:” انظر صهيون مدينة أعيادنا. عيناك تريان أورشليم مسكنًا مطمئنًا خيمة لا تنتقل لا تُقلع أوتادها إلى الأبد، وشيء من أطنابها لا ينقطع” (إش33: 20)، لأنه وفقًا للكُتب المقدسة: ” هيئة هذا العالم تزول” (1كو7: 31). فإن كان الرجاء في الأمور الأخروية مؤسَّسٌ وغير متزعزعٍ على أية حال، وكانت كل هذه (أي هيئة هذا العالم) تنحل كما يؤكد على ذلك تلميذ مخلصنا، فأي موقف علينا أن نتخذه نحن (راجع 2بط3: 11)؟

أمامنا قديسون وأبرار يكرمونه بذبائح روحية كمخلصٍ وفادٍ، عائشين حياة القداسة وفق النواميس الإنجيلية.

وقد رسم الناموس ـ بالتأكيد ـ للأقدمين الحياة الفاضلة والجديرة بالإعجاب آمرًا بتقديم ذبائح الحملان الدموية، وتقديم عشور من كل نوع من الباكورات لتُخصص لله، هذا إلى جوار الشكر. لكن لم يشِّرع لهم أن يفعلوا كل هذا خارج الخيمة. وقد خُصص سبط اللاويين لله واُختير من بين الأسباط الأخرى، واضعًا هذا الأمر كمثالٍ لنا؛ لأن الكتب المقدسة تدعونا ” جنس مختار وكهنوت ملوكي أمة مقدسة شعب اقتناء” (1بط2: 9).

نحن نأتي إلى الخيمة الحقيقية التي أقامها الرب وليس إنسان (انظر عب8: 2) أي الكنيسة، لا لكي نستعطف خالق الكل بعجول وثيران، لكن بإيماننا المستقيم الذي بلا لوم، وبثمار روحية مقدِّمين ـ عقليًا ـ رائحة بخور ذكية. لأن ” بمثل هذه الذبائح يُسر الله” (عب8: 16)، ولأن ” الله روح والذين يسجدون له فبالروح والحق ينبغي أن يسجدوا” (يو4: 24) وفق كلام المخلص.

بلاديوس: لقد تكلمت بالصواب.. يجب أن نتطلع إلى الذبائح التي هي أسمى من ذبائح الناموس. طبعًا أوافقك، ولكن دعني استوضحك شيئًا آخر: لقد أُقيمت الخيمة القديمة في الصحراء لكي تمثل بالنسبة لنا نموذج الكنيسة التي من الأمم، ألا يُظهر ذلك ـ ولو قليلاً ـ جمال الخيمة الحقيقية؟

كيرلس: بالتأكيد. لقد قُلت هذا منذ قليل، وبالإضافةً إلى ذلك، يجب أن ندرك جيدًا أن تلك الطقوس المقدسة التي انحدرت من السبط اللاوى، يمكن أن تُعتبر أيضا نموذجًا لأولئك الذين دُعُوا إلى الحياة المقدسة والتي بلا لوم، أقصد الحياة بحسب تعاليم المسيح.

بلاديوس: إذن هل تريد أن نتحدث عن الخيمة المقدسة والكهنوت وفق الناموس ونفحص التشريعات الإلهية الخاصة بهما؟

كيرلس: الأمر بالتأكيد ليس خاليًا من الصعوبة، لأن فهم هذه الأمور وتحليلها يحتاج إلى جُهدٍ مضنٍ يا بلاديوس. لأنه مكتوب بوضوح وأنت تعرف ذلك: ” فقال له الرب من صنع للإنسان فمًا، أو من يصنع أخرس أو أصم أو بصيرًا أو أعمى. أما هو أنا الرب. فالآن أذهب وأنا أكون مع فمك وأعلمك ما تتكلم به” (خر4: 11ـ12).

بلاديوس: إذن أمض وخُذ مانح الحكمة معينًا لك.

كيرلس: حسنًا سوف أمضي وأقدم لك بدقة شهادات الكتب المقدسة.

إن الله خالق الجميع نزل بشكل نارٍ على جبل سيناء، وحدّد نواميسًا تنظِّم كل عملٍ ليصير عملاً مستقيمًا وصالحًا. وبعدما حرّرهم من الضلال القديم وأبعدهم عن عبادة الأوثان في مصر، كلَّم موسى ـ الذي كان حينذاك الوسيط ـ وقال له: ” هكذا تقول لبني إسرائيل. أنتم رأيتم أنني من السماء تكلمت معكم. لا تصنعوا معي آلهة فضة ولا تصنعوا لكم آلهة ذهب” (خر20: 22ـ23). أي أنه لم يسمح لهم بأن يعبدوا آلهةً كاذبةً، بل بالعكس أمرهم بأنه ينبغي عليهم أن يبقوا بالقرب من الذي أتى من السماء، والذي بالحق يفرض سلطانه على الكل، الذي لا يظهر بهاؤه في ألوان المادة الجميلة فقط، لكن في إظهاره أن السماءَ ملكٌ له. لذا كان من الحتمي على الذين أُمروا بأن يهجروا العبادة القديمة الدنسة، أن ينتقلوا مباشرة إلى طريق أخرى للحياة، وأن يقبلوا ـ كَنِيرٍ ـ عبادة الإله الحقيقي. لأن العقل المنفلت لا يعوقه شيءٌ، وهو مهيأٌ جدًا أن يُغوَّى بأي شيء من الأمور غير العاقلة، بينما عندما يهدده الخوف والهموم يُسرع بدون تباطؤٍ نحو الطريق المستقيم ويلتفت تجاه ما هو نافع.

فنحن لا نقترب إلى الآب إلاَّ بواسطة الابن، حسب قوله: “ليس أحد يأتي إلى الآب إلاَّ بي” (يو6:14). وإذا كان الإتيان إلى الآب بواسطة الابن بمثابة قانون حتمي، فقد وضع لهم شريعة الأمثلة الحاملة للثمار بواسطته قائلاً: “مذبحًا من تراب تصنع لي وتذبح عليه محرقاتك وذبائح سلامتك غنمك وبقرك في كل الأماكن التي فيها اصنع لاسمي ذكرًا آتي إليك وأباركك. وإن صنعت لي مذبحًا من حجارة فلا تبنه منها منحوتةً، إذا رفعت عليها أزميلك تدنسها” (خر20: 24ـ25).

وتأكيدًا لذلك، يُشير المذبح التُرابي إلى عمانوئيل؛ لأنه يقول:  ” الكلمةُ صار جسدًا” (يو1: 14). وإذا كانت طبيعة الجسد هي تراب من تراب، إذن فكلُ ثمرةٍ وكلُ اقترابٍ، يصير بالمسيح؛ لأنه هو نفسه الذي قال: ” بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئًا” (يو15: 5). وكما أننا نحقق اقترابنا إلى الآب بواسطته، هكذا كل ذبيحة لأولئك الذين قبلوا الإيمان، تصير مقبولةً بواسطته؛ لأنه يَعد أولئك الذين أقاموا مذبحًا من ترابٍ أنه سوف يأتي إليهم ويباركهم؛ لأنه يقول: “أتى إليكم وأبارككم”.

وإذا كنا قد قبلنا نماذج أو أمثلة الحق من موسى الحكيم، فقد ظهر لنا ـ نحن الذين انتهت إلينا أواخر الدهور ـ لمعان الحق نفسه، أي المسيح الذي بواسطته قبلنا ـ بغنىً ـ بركة الآب من السماء وختم الروح القدس للتبني بيسوع المسيح (راجع5:1).

وعندما يقول: ” وإن صنعت لي مذبحًا من حجارة فلا تبنه منها منحوتةً“، فهو يعني أنه من غير المسموح أن يضرب الحديدُ الحجارةَ المخصصة لله. لأن الحجر المختار وحجر الزاوية والحجر الكريم – بالتأكيد ـ هو المسيح، الطاهر من الخطايا، والذي لا تجد جروح الشيطان أي طريق فيه، ولا هو منقسم بين الله والعالم، فبالرغم من أنه صار جسدًا إلا أنه كله قدوس، بدون أن يُقسّم إلى إله وإنسان من بعد الاتحاد الذي لا يُوصف، أي بعد اتحاده بالجسد، لكن هو إلهٌ واحد وفي الوقت نفسه هو إنسان, أي غير منفصل بأي طريقة كما كتب بولس الحكيم (راجع 1كو11: 4).

بلاديوس: إذن هل المذبح الترابي والحجارة غير المنقوشة يشيران إلى المسيح بالطرق التي ذكرناها؟

كيرلس: هذا هو ما أقول. ولأن الناموسَ روحيٌ وفق الكتب المقدسة، ولأنه صوَّر سر المسيح والإتيان إلى الله بواسطته بطريقة سرية، هكذا أيضًا فَكَّر الله أن يُعلِن شكل الكنيسة. فقد كان حسنًا أنْ دعا موسى ومعه يشوع إلى جبل سيناء. ولعلك تلاحظ من هذا أن الآب صار قريبًا من هؤلاء الأنبياء القديسين بواسطة الابن، فقد صعد موسى ويشوع معًا، لأنه مكتوب: ” وكلم الرب موسى قائلا كلم بني إسرائيل أن يأخذوا لي تقدمة من كل من يحثه قلبه تأخذون تقدمتي. وهذه هي التقدمة التي تأخذونها منهم ذهب وفضة ونحاس. واسمانجوني وأرجوان وقرمز وبوص وشعر معزى. وجلود كباش محمرة وجلود تخس وخشب سنط. وزيت للمنارة وأطياب لدهن المسحة وللبخور العطر. وحجارة جزع وحجارة ترصيع للرداء والصدرة. فيصنعون لي مقدسًا لأسكن في وسطهم” (خر25: 1–8).

أرأيت كيف وهو يستعرض كل ما هو ضروري لإقامة الكنيسة – يحثُ العالم أن يقدِّموا ـ باستعداد مفرح ـ أشياءً تتماثل مع قوتهم وإرادتهم؟ لأنه لم يطلب ذهبًا فقط، أو ما كان صعبًا أن يجده الأقدمون، لكنه طلب أيضًا شعر معزي وجلود كباش مُظهرًا هكذا أن الأشياء قليلة القيمة تُقبل من الله، فالذي يقدم شيئًا ليس بثمين لا يُرفض من الله. وربما تتساوى هذه التقدمة مع الأشياء الثمينة أو تُمدح بالأكثر، مثلما لم يترك المسيح الأرملة في أورشليم دون أن يمدحها، تلك المرأة التي قدمت شيئًا قليلاً ورخيصًا جدًا، لكنه عظيم ربما لأولئك الذين هم في فقر مدقع حيث يعانون من الحرمان الشديد.

وعندما تؤخذ التقدمات، يقول: “فيصنعون لي مقدسًا لأسكن في وسطهم”. أي أن المسيح يظهر في الكنيسة ويتمجد في كل أعضائها كما تقول المزامير: “ الرب هو الله وقد أنار لنا” (مز118: 27). لاحظ هذا أيضا، أنه بالرغم من أنه نزل إلى الجبل على شكل نار ورآه كل الشعب، فقد كُتب هكذا مع أنه لم يظهر بعد؛ لأنه يقول: ” فيصنعون لي مقدسًا لأسكن في وسطهم“. يمكننا إذن أن نرى بوضوح كيف أن تلك الرؤى إنما هي فقط ظلالٌ للرؤية الإلهية الحقيقية.

إن الظهور الحقيقي لله هو المسيح الذي في شخصه رأينا الآب نفسه. لذلك وبخ الرب اليهود كأغبياء، قائلاً: ” لم تسمعوا صوته قط ولا أبصرتم هيئته. وليست لكم كلمته ثابتة فيكم لأن الذي أرسله هو لستم أنتم تؤمنون به” (يو5: 37ـ38)، بينما هم ظنوا أنهم رأوا إله الجميع حقًا على جبل سيناء.

إذن، يقول سأظهر لكم عندما يُبنى مقدسي. هذا بالطبع كان مثالاً للكنيسة التي صارت لكي تكون مطابقة السماويات. لأنه حقًا يقول “بحسب جميع ما أنا أريك من مثال المسكن ومثال جميع آنيته هكذا تصنعون” (خر25: 9). إذن ظهر لموسى الطوباوى ـ كما قُلت ـ مثالٌ للكنائس المقدسة وبطرق كثيرة. ظهر في ظلال ذاك الذي صار إنسانًا لأجلنا. وبالتأكيد، كل النماذج تحتاج إلى حديث طويل ومملوء بالتفصيلات. لكن هناك أمثلة متعددة لها خصوصيتها وتناسبها مع صناعة الأشياء التي تمت، بينما هناك أمثلةٌ أخرى تقتصر على الالتزام بالأمور التي أُظهرت، فلنمضِ إذن في الحديث عن الأمور المفيدة في هذا ودعنا نترك الأمور الأخرى.

بلاديوس: لا أفهم مقصدك من هذا القول.

كيرلس: أنتبه إذن لما أقوله لك لأنك سوف تفهم بدون أية مشقة. لقد أمَّر أن يصنع التابوت من الخشب الغير القابل للتسوس، ويكون مغطىً من الداخل ومن الخارج بذهبٍ نقي (انظر خر25: 10ـ11)، ويحمل في داخله الشهادة، أي الناموس المكتوب على اللوحين. ولم يقتصر الأمر على ذلك؛ لأنه أمّر أيضًا أن تُصنع عصوين من خشب غير قابل للتسوس وتغطيان بذهب، وحلقات مذهبة حول العصوين. ولصناعة التابوت حدّد الطول والعرض والارتفاع. لكن إذا أراد أحدٌ أن يفحص بالتفصيل مفهوم وسر كل هذه الأمور، عليه أن يكتشف ماذا يعني التابوت والشهادة داخله؟ ولماذا كانت الحاجة إلى أخشابٍ غير قابلةٍ للتسوس؟ أيضًا ما الذي أراد أن يعلنه بالذهب في التابوت وكل الأشياء المستخدمة للتزيين بحسب ترتيبها، أقصد الأشكال المموجة، والحلقات الذهبية والعصوين؟ تلك الأشياء التي إذا أراد المرء أن يفحص عنها بالتفصيل، فإنه سوف يجد صعوبة شديدة، ولن يستطيع أن يصل إلى المفهوم السري للتابوت. ربما ينتهي إلى كلام لا معنى له، بعد أن يكون قد صب آلاف الكلمات ـ التي لا هدف لها ـ في آذان محبي التعلم.

على أن حديثنا لن يقتصر – حقيقةً ـ على التابوت فقط، لأني سأحاول أن يكون هذا الحديث عن الأمور الأخرى التي أمر أن يتم الالتزام بها.

بلاديوس: لا يبدو ما ذكرته لي صعبًا. لذلك، بينما وأنت تتجنب الحديث عما ذكرته من تماثلٍ وقياس، أرجو أن تُسرع لكي تصل إلى ما هو ضروري في التقييم الروحي للأمر، أي لتوضح ـ بدون تأخير ـ بأية طريقة يُظهر لنا المسيح نفسه بالأمثلة التي استُخدِمت، أو بالمصنوعات التي صُنعت.

كيرلس: سوف أحاول أن أتأمل وأُعبِّر على قدر استطاعتي. لكن أرجو المعذرة إذا ما اقتربت قليلاً جدًا من السمو اللائق للمفاهيم، وإن أخفقت في إظهار الحق. فرغم اليقظة والحكمة فإن العقل قد يخطئ إذا كان المرء يشاهد شيئًا في مرآة أو لغز.

بلاديوس: بالصواب تحدثت.

كيرلس: التابوت، يا بلاديوس، يمكن أن يكون مثالاً وأيقونةً للمسيح. لأنه في تفسيرنا لطريقة تأنس الوحيد الجنس روحيًا، سوف نرى أن اللوغوس ساكن في هيكل العذراء كما لو كان داخل التابوت. لأنه وفق الكتب المقدسة “ فإنه يحل فيه كل ملء اللاهوت جسديًا” (كو9:2). إذن، اللوغوس ـ بالتأكيد ـ هو ما يشير إليه لوحا الشهادة بالتابوت. والخشب أيضا كان من النوع الذي لا يصاب بالفساد، وكان مغطىً بذهب نقي وخالص من الداخل والخارج. لأن جسد المسيح غير فاسد محفوظٌ في عدم الفساد بقوة وبهاء اللوغوس الذي يسكن داخله بطبيعته والفعل المحيي للروح القدس. لأجل هذا بالتأكيد يُقال أن المسيح يُحيي. فلأن اللوغوس ـ باعتباره كلمة الله الآب ـ حي بحسب طبيعته، فإنه بقوة الروح يُعيد إحياء هيكله جاعلا إياه أسمى من الفساد. لأن “جسده لم يرَ فسادًا” وفقًا لكلام بطرس القديس([1]).

وقد وجَّه الرب أيضًا حديثه مرةً إلى اليهود وقال لهم عن جسده “ انقضوا هذا الهيكل وفي ثلاثة أيام أقيمه” (يو2: 19). وبطرس يقول “مماتًا في الجسد ولكن مُحيىً في الروح” (1بط 3: 18).

إذن، الذهبُ هو رمزٌ للألوهية فائقة البهاء التي اتحدت بالجسد المقدس، وانسكبت داخله بالمجد وعدم الفساد بطريقة فائقة بقدر ما تعتبر معرفة الطبيعة الإلهية في حد ذاتها، أعلى من العقل. لأنه إذا كان الأبرار يضيئون كالشمس في ملكوت أبيهم (راجع مت13: 43)، فماذا يكون عندئذ مجد المسيح نفسه؟ وإشعاعاته أيضًا كيف لا تكون أعلى من أي عقل أو منطق؟

العصوان الذهبيتان ترفعان أيضا التابوت. كما أن الحلقات مذهبةٌ أيضًا، وكذلك كل ما هو موجود في التابوت، أي أن المحيطين به (بالمسيح) يشتركون في مجد محبته والملتصقون به هم مقدسون. مثل هؤلاء كان التلاميذ الطوباويون الذين قبلوا قوته الإلهية واكتسبوا ـ بالشركة ـ غنى بهاء العظمة السماوية، لذلك استطاعوا أن يحققوا المعجزات.

بلاديوس: تتحدث بالصواب.

كيرلس: وبخصوص تابوت العهد، يقول: ” وتصنع غطاءً من ذهب نقي طوله ذراعان ونصف، وعرضه ذراعٌ ونصف. وتصنع كروبين من ذهب صنعة خراطة تصنعهما على طرفي الغطاء. فاصنع كروبًا واحدًا على الطرف من هنا، وكروبًا آخرًا على الطرف من هناك من الغطاء، تصنعون الكروبين على طرفيه. ويكون الكروبان باسطين أجنحتهما إلى فوق مظللين بأجنحتهما على الغطاء ووجهيهما كل واحد إلى الآخر نحو الغطاء يكون وجها الكروبين. وتجعل الغطاء على التابوت من فوق وفي التابوت تضع الشهادة التي أعطيك” (خر21: 17ـ25).

[1] انظر أع2: 31.

 

المقالة9 ج1 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة8 ج4 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – ق. صموئيل وهبه

المقالة8 ج4 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – ق. صموئيل وهبه

المقالة8 ج4 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – ق. صموئيل وهبه

 

السجود والعبادة بالروح والحق

تابع المقالة الثامنة

“موضوعات أخرى عن المحبة نحو الإخوة وعن الذي يسرق ثور أو شاه”

 

بلاديوس: نعم، لكن كيف يشير هذا العام السابع إلى حضور مخلّصنا والذي فيه يكون الصفح للكل، وينال الجميع البر الكامل؟

كيرلس: ألا تذكر ما قلناه قبل ذلك، أن الكتاب المقدس اعتاد أن يشبه زماننا الحاضر كله بأسبوع ونهاية هذا الأسبوع هو السبت واليوم التالي له مباشرةً هو الثامن، وهو الذي يحمل لنا بداية عصر جديد بقيامة المسيح.

بلاديوس: نعم أتذكر هذا.

كيرلس: لقد جاء المسيح في نهاية هذا العصر حسب الكتب، أي أنه جاء في السبت، وهو قد منح الغفران لكل الذين كانوا مقيدين بسلاسل خطاياهم، وكانوا مديونين بسبب تعدياتهم، لهذا فالإنجيل يشبههم بالمديونين بقوله: ” كان لمُداين مديونان على الواحد خمسمائة دينار وعلى الآخر خمسون. وإذ لم يكن لهما ما يوفيان سامحهما جميعًا. فقل. أيهما يكون أكثر حُبًا له” (لو41:7ـ42). وأكثر من هذا أعطانا مثالاً بقوله: ” فصلوا أنتم هكذا. أبانا الذي في السموات. ليتقدس اسمك. ليأت ملكوتك. لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض. خبزنا كفافنا أعطنا اليوم. واغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضًا للمذنبين إلينا” (مت9:6ـ12). فالناموس قد أعلن لنا السر الإلهي بطريقة غير مباشرة وخفية، إذ أمرنا أن نمنح العفو كل سبعة سنين، وهكذا وضعنا في طريق الصلاح إذ يعلّمنا أن محبتنا لإخوتنا هي أفضل من المال، ويحثنا أن نغدق بسخاء على اخوتنا، وأن نكون محسنين وهو بطريقة ما يحدد الإحسان إلى أخينا وجارنا كنموذج للمحبة العظيمة التي تتسع لجميع الناس.

بلاديوس: هذا صحيح وأنت تهتم بذِكر الأمور الحسنة.

كيرلس: وأنت سوف تدهش يا بلاديوس إذا عرفت ما هو أعظم.

بلاديوس: وما هو هذا؟

كيرلس: الناموس يريدنا أن نتقدم إلى مستوى الصلاح ومحبة الآخر لدرجة أن نعتبر أنه لا شيء يعادل المحبة لإخوتنا. وأن نشاركهم بإخلاص في آلامهم، إلى الدرجة التي فيها ننتصر على غضبنا في حالة عدم سلوكهم كما يجب من نحونا، أو في حالة إحزانهم لنا بسبب نقص محبتهم لنا. وأعطيك المثال لهذا الأمر من سفر العدد، إذ يقول: ” وأرسل موسى رسلاً من قادش إلى ملك أدوم. هكذا يقول أخوك إسرائيل قد عرفت كل المشقة التي أصابتنا. إن آباءنا انحدروا إلى مصر وأقمنا في مصر أيامًا كثيرة وأساء المصريون إلينا وإلى آباءنا فصرخنا إلى الرب فسمع صوتنا وأرسل ملاكًا وأخرجنا من مصر وها نحن في قادش مدينة في طرف تخومك. دعنا نمر في أرضك. لا نمر في حقل ولا في كرم ولا نشرب ماء بئر. في طريق الملك نمشي لا نميل يمينًا ولا يسارًا حتى نتجاوز تخومك. فقال له أدوم لا تمر بي لئلا أخرج للقائك بالسيف. فقال له بنو إسرائيل. في السكة نصعد وإذا شربنا أنا ومواشيَّ من مائك أدفع ثمنه. لا شيء. أمر برجلي فقط. فقال لا تمر. وخرج أدوم للقائه بشعب غفير وبيد شديدة. وأبي أدوم أن يسمح لإسرائيل بالمرور في تخومه فتحول إسرائيل عنه” (عد14:20ـ21), أترى أنه كيف أن المنحدرين من نسل إسرائيل وهم كثيرون جدًا، وهم يصفون المشقات التي قابلوها في مصر ومضايقة الطغاة لهم، وهم يطلبون خدمة بريئة من أناس من نفس جنسهم؟ لأن الأدوميين كانوا من نسل عيسو أخو يعقوب لكن الأدوميين بدلاً من أن يظهروا شفقة للإسرائيليين، ويسمحون لهم بما هو ضروري ونافع لهم، فإنهم أظهروا مما حدث منهم أنهم كانوا فاسدين وقساة ولا يشاركون في آلام اخوتهم، وهكذا أغلقوا الطريق عليهم رغم أن الشعب لن يضر أي شيء من كرومهم أو حقولهم بل حتى الماء الذي يأخذونه سوف يدفعون ثمنه. وهكذا رفض الأدوميون ما طلبه الإسرائيليون وأخذوا في الحال يتسلحون، واصطفوا أمامهم بكل جيشهم. وماذا فعل الإسرائيليون أمام هذه الموقف؟ لقد ظهر أنهم أرقى من أولئك الأشرار القساة إذ يقول الكتاب “فتحول إسرائيل عنه” أي غيّروا الطريق، متجنبين المشاجرة مع الاخوة محترمين بذلك ناموس القرابة بتسامح كبير. أم تظن أن الأمر ليس هكذا؟

بلاديوس: أظن أنه هكذا.

كيرلس: إذًا فإننا نعتبر أن المحبة نحو اخوتنا تجعلنا نوقف السخط وأن يضبط الواحد منا غضبه وأن يقيس العقوبة بما يناسب العصيان، بل ويجب أن تصير أحكامنا مستقيمة وطاهرة تمامًا من نحو كل واحد. هذا كله ثمرة المحبة بحق.

بلاديوس: هذا الأمر صحيح تمامًا.

كيرلس: أيضًا من السهل أن تقتنع ـ إذا أردت ـ بكل ما قاله سابقًا: ” لا تنتقم ولا تحقد على أبناء شعبك بل تحب قريبك كنفسك. أنا الرب” (لا18:19) وأيضًا ” إذا كانت خصومة بين أناس وتقدموا إلى القضاء ليقضي القضاة بينهم فليبرروا البار ويحكموا على المذنب. فإن كان المذنب مستوجب الضرب يطرحه القاضي ويجلدونه أمامه على قدر ذنبه بالعدد. أربعين يجلده لا يزد لئلا إذا زاد في جلده على هذه ضربات كثيرة يُحتقر أخوك في عينيك” (تث1:25ـ3).

بلاديوس: وكيف نستطيع أن نفهم الوصية بأن نحكم على المذنبين بأربعين جلدة فقط؟ وكيف أن أكثر من هذا العدد يسبب بالأكثر أمورًا مؤسفة؟

كيرلس: سر المسيح نجد له تصويرًا حسنًا بواسطة الوصية القديمة، ونجد فيها إشارة إلى الآلام الخلاصية التي بها تحررنا من الشيطان الذي كان يستطيع أن يفعل بنا الشر، ويُلقينا في مصائب كثيرة. وكما قلت من قبل إن العتق من الديون بعد سبعة سنين يشير إلى زمن الصفح عن كل شيء لأننا قد تبررنا بنعمة المسيح وتعلمنا أن نقول في صلواتنا إلى إلهنا وأبينا السماوي: ” واغفر لنا ذنوبنا” (مت12:6). هكذا هنا أيضًا فإن الضربات الأربعين التي يُجلد بها المذنبون تشير إلى الزمن الذي كنا ننتظره بشوق، أي زمن حضور الوحيد الجنس بالجسد الذي فيه شُفينا بآلامه. وهذا (الوحيد الجنس) ظهر بالجسد من أجل ضعف خطايانا. فعندما اندفع الإسرائيليون ضده كسكارى بعد ذلك جلده بيلاطس على ظهره، أما نحن فقد نجونا من العقاب. لأنه قديمًا كانت الضربات التي يُضرب بها الخاطئ كثيرة كما يقول الكتاب ” كثيرة هي نكبات الشرير” (مز10:32). ولكن المسيح قَبِل الجلد لأجلنا كما أنه مات من أجل الجميع. وعندما جُلد المسيح بسياط وقد كان نائبًا عن الكل فيما احتمله. أما عدد أربعين فإذا قسمته على خمسة يكون الناتج ثمانية، وهنا تجد إشارة إلى الزمن الخامس والزمن الثامن. فالوحيد الجنس ظهر في العالم في الزمن الخامس، وذلك بحسب ما يشير إليه المثل الإنجيلي الذي فيه أجر صاحب الكرم فعلة ليعملوا في كرمه خمس مرات؛ إذ خرج في الساعة الأولى، وفي الثالثة، وفي السادسة، وفي التاسعة، وفي الحادية عشر (انظر مت1:20ـ16). أما الزمن الثامن فهذا يشير إلى قيامة الرب في اليوم الثامن مُبطلاً سلطان الموت، وأيضًا أبطل الخطية التي هي سبب الفساد الذي دخل إلينا. وإذا أُبطلت الخطية فيكون من الحتمي أن تُلغى الجلدات والعقوبات المترتبة عليها. إذًا فالناموس لا يسمح أن تتعدى الجلدات أربعين واحدة، أي إلى وقت مجيء المسيح، وهو الذي أوقف الضربات وأعلن زمن الفصح (أي العبور إلى الحياة). أي أن أمثلة الحقيقة تختص بأمور جيدة. ويجب أن تعرف أنه بسبب اصطدام الإسرائيليين بإرادة الله، فإنهم ضلوا في البرية أربعين سنة، لأن الله قال إنه سوف يدعهم يدخلون أرض الميعاد. وقد حدث هذا بسبب غضب الله عليهم، لكن غضب الله زال بعد ذلك، وعبر أولادهم الأردن، ودخلوا إلى الأرض قبل أن يصل الغضب إلى نهاية الأربعين سنة. وهذه كانت إشارة واضحة عن أن الضربات لا تتجاوز الأربعين.

          فالوقت الحاضر هو وقت الصفح والذي أشار إليه الكتاب قديمًا بعبور الأردن، وبالسكاكين الحجرية التي ختن بها يشوع الشعب والتي تشير إلى الختان الروحي الذي أتمه المسيح والذي صار قائدًا لنا ورئيسًا بدلاً من موسى والناموس.

بلاديوس: الآن قد أقنعتني.

كيرلس: ولكي تتلاشى الاختلافات باستقامة ونزاهة ولكي تختفي طرق التسلط القهرى يقول الناموس: ” قضاة وعرفاء تجعل لك في جميع أبوابك التي يعطيك الرب إلهك حسب أسباطك فيقضون للشعب قضاء عادلاً… ولا تأخذ رشوة لأن الرشوة تعمى أعين الحكماء وتعوج كلام الصديقين” (تث18:16ـ19). أي أن الناموس رأي أنه يجب على الذين يُعينون للقضاء أن يكونوا أسمى من الأموال، كما أنهم لا يجب أن يُحرجوا من أي شخص، ويمنحوا العفو مخالفين للناموس على حساب الاستقامة والنزاهة أي أن يرفضوا المحاباة لأنها أمر ردئ وأن يقيسوا كل شيء بحسب الناموس وأن يتمثلوا بديان الجميع الذي أشار إليه الناموس مسبقًا بوضوح أي المسيح الإله وديان الجميع.

          وبعد ذلك يقول ما يلي: “متى أتيت إلى الأرض التي يعطيك الرب إلهك وامتلكتها وسكنت فيها فإن قلت أجعل علىّ ملكًا كجميع الأمم الذين حولي. فإنك تجعل عليك ملكًا الذي يختاره الرب إلهك. من وسط إخوتك تجعل عليك ملكًا. لا يحل لك أن تجعل عليك رجلاً أجنبيًا ليس هو أخاك” (تث14:17ـ15). يجب علينا ـ إذًا ـ طالما قد رفضنا أن نعبد المخلوقات بدلاً من الله خالقنا، أن نحني رؤوسنا لكلمات الحق، وكما في أرض مقدسة أي أرض الله، أن ندعو في داخلنا بالمسيح والإيمان به وهو الابن وُلد من الله، وأن نقيمه في داخلنا رئيسًا وديانًا رغم تنازله ليصير إنسانًا مثلنا. وهو الذي تنبأ عنه المزمور قائلاً: ” أما أنا فقد مسحت ملكي على صهيون جبل قدسي” (مز6:2ـ7). وسوف لا نقبل أحدًا آخر سواه، وسوف لا نُحني أعناقنا لنير الأمم، لأن رئيسنا واحد هو المسيح. فاليهود التعساء ظلوا خارجًا بسبب عدم إيمانهم به ولم يقبلوا المسيح كرئيس وديان، أو بالرغم أنه نزل من السماء بإرادة الله الآب، إلاّ أنه أقاموا إنسانًا غريبًا كرئيس عليهم. أي ضد المسيح، وهو ليس فقط من سبط آخر ومن جنس آخر بل أنه حتى ليس من دم إسرائيل رغم أن ناموسهم قد حرّم ذلك بوضوح بقوله ” لا يحل لك أن تجعل رجلاً أجنبيًا ليس هو آخاك” (تث15:17). وقد سمعوا المسيح نفسه يقول ” أنا قد أتيت باسم أبي ولستم تقبلوني..” (يو43:5). إذًا المسيح ظهر في العالم لمجد الله الآب. أما “ابن الهلاك” فسوف يأتي في وقته ليس لمجد الآب فهذا ما أعتقد أنه معنى “باسم الآب” بل سوف يصنع ذلك الشقي “اسم الألوهية” خاتمًا به على رأسه كما يقول الرسول: ” سوف يجلس في هيكل الله كإله مظهرًا نفسه أنه إله” (2تس4:2). واليهود تجاهلوا المكتوب قديمًا في الناموس وقبلوا شخصًا ما أجنبيًا عن إسرائيل،وهكذا رفضوا أن يسجدوا للمسيح، ولم يقبلوه على أنه المسيا الذي من اخوتهم، إذ أن الناموس أعلن مسبقًا وبوضح أن المسيح سوف يأتي من دم إسرائيل.

بلاديوس: لذلك سوف ينالون من ثمر طريقهم الذي اتبعوه (انظر أم31:1). وسينالون العقوبة المناسبة لعدم تبصرهم الردئ.

كيرلس: هذا صحيح، لأن الله الذي يدين الكل سوف يجازي كل واحد بحسب أعماله. وهذه الأمور التي قلناها تجعل حديثنا في هذا الأمر كافيًا. والناموس يقول لهؤلاء الذين يجلسون على منصة القضاء ” لا تقبل خبرًا كاذبًا” (خر1:23). ويُكمل قائلاً: ” لا تتبع الكثيرين إلى فعل الشر..” (خر2:23). وهذا معناه أنه لا يجوز قبول أي كذب أو وشاية ثم يقول أيضًا ” لا تُحرّف حق فقيرك في دعواه. ابتعد عن كلام الكذب. ولا تقتل البريء والبار. لأني لا أبرر المذنب” (خر6:23ـ7). لأنه يجب أن تكون الأسباب واضحة بالنسبة للذين يعملون في القضاء، كما أنه من الضروري جدًا أن من يحكم برأي في أي تهمة ينبغي أن يتكلم باستقامة حسب إرادة المشرّع. كما يضيف أيضًا للمنفعة ” لا تحابِ مع المسكين في دعواه” (خر3:23). لأنه من السهل جدًا أن القضاة حينما يرون الجانبين الظالم والمظلوم، فإذا كان المظلوم فقيرًا، فإن القضاة يميلون عادةً إلى ظلم الإنسان الذي ظلمه. وأحيانًا يحدث أن الإنسان الفقير لا يقول الحق لكنه يريد أن يستثير الشفقة عند القضاة. لهذا يمنع الناموس القضاة من أن يظلموا، ومن أن يُشفقوا على الفقراء بدون حكمة. وبذلك فإن الناموس يحفظ الحق دون أن يتشوه إذ يعين في كل مكان قاضيًا يقضي بالعدل، إذ يقول ” العدل العدل تتبع لكي تحيا وتمتلك الأرض التي يعطيك الرب إلهك” (تث20:16). ووفقًا لكل ما سبق فمن يخالف الناموس حتى لو كانت مخالفته تبدو له أمرًا حسنًا، فإنه يوصف بأنه مخطئ وذلك بحسب المكتوب: ” قد يكون بار يبيد في بره وقد يكون شرير يطول في شره” (جا15:7). إذًا فالصلاح يحتاج إلى تمييز، لأن الشفقة في غير وقتها تجلب على الإنسان تهمة التعدي على الناموس.

          وهكذا أيضًا فإن اللذين يُضبطون بسبب ارتكابهم خطايا عادية فإن الناموس يُصلحهم بضربات الجلد. ولاحظ كيف أن هذه العقوبة تعبر عن إذلال، ولا تتعجب لأن هؤلاء جميعًا كانوا تحت العبودية. أما ناموس المسيح فلا يُقر بالضربات مثل الناموس القديم. ففي العهد الجديد توجد قوانين تتناسب مع الأحرار وهي عطايا مبهجة ومستحبة وتعطي خيرات روحية عن طريق وعود وتطويبات تناسب الأعمال الروحية الباهرة. وتوجد نصائح وإرشادات تقود إلى الفضيلة، لأن موسى أُرسل كخادم مثل أولئك الخدام القُدماء (الأنبياء)، بينما المسيح فهو ابن حقيقي وقد أُرسل وأتى من الله الآب كابن إلى أبناء وإلى اخوة بحسب نعمة التبني.

بلاديوس: هذا صحيح تمامًا.

 

المقالة8 ج4 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – ق. صموئيل وهبه

المقالة8 ج5 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – ق. صموئيل وهبه

المقالة8 ج5 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – ق. صموئيل وهبه

المقالة8 ج5 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – ق. صموئيل وهبه

 

السجود والعبادة بالروح والحق

تابع المقالة الثامنة

“موضوعات أخرى عن المحبة نحو الإخوة وعن الذي يسرق ثور أو شاه”

 

كيرلس: أما بالنسبة للقاتل، فإن الناموس يعاقبه بالموت أي بنفس الفعل الذي فعله لكي يُلجم الوقاحة غير المنضبطة والغضب الشديد بعقوبة شديدة. والذين يسيرون في الشر بتطرف يعاقبهم حسب نية الجاني. فإن كان هناك تعدي على الناموس عن إرادة وقصد فلا يجوز ممارسة الرحمة في هذه الحالة، لأنه لا ينبغي أن يسمح للشفقة على الآخر أن تقوده إلى أعمال سيئة. كما لا يجوز إبداء أي رقة وحنان في أوقات غير ملائمة، فلا ينبغي أن تكون محبتنا للغير هي مجرد عواطف أو مشاعر مشابهة لعواطف امرأة سريعة التأثر. إذ يقول الناموس ” وإذا بغى إنسان على صاحبه ليقتله بغدر فمن عند مذبحي تأخذه للموت” (خر14:21). لكن إذا كان الأمر أن إنسانًا ضرب إنسانًا آخر وألحق به ضررًا فإن الناموس يفرض عقوبة تتناسب مع حجم الضرر. إذ يأمر أن تنحصر العقوبة في التعويض المالي. لأنه قال ما يلي: ” وإذا تخاصم رجلان فضرب أحدهما الآخر بحجر أو بلكمة ولم يُقتل بل سقط في الفراش فإن قام وتمشى خارجًا على عكازه يكون الضارب بريئًا. إلاّ أنه يعوض عطلته وينفق على شفائه” (خر18:21ـ19). هذا هو تعليم الناموس، أما المخلّص الذي منحنا الصلاح الكامل فهو يقول ” من لطمك على خدك الأيمن فحوّل له الآخر أيضًا” (مت39:5) والناموس يُشرّع أيضًا ما يلي: ” وإذا ضرب إنسان عبده أو أمته بالعصا فمات تحت يده ينتقم منه. لكن إن بقى يومًا أو يومين لا يُنتقم منه لأنه ماله” (خر20:21ـ21).

          إذًا، فإن من يغضب إلى حد الإفراط في غضبه يُنتقم منه، وحتى إذا كنا قد صرنا سادة بحسب الإمكانيات التي لنا، فهذا لا يعني أن يسمح الله لنا أن ننزع الحياة من اللذين هم تحت أيدينا وسلطتنا. لكنه يأمرنا أن نستعمل الرحمة مع الجاني إذا كان المجني عليه لم يمت، إذ يقول ” لكن إذا بقى يومًا أو يومين لا يُنتقم منه لأنه ماله ” أي كأنه يقول بطريقة أخرى: إن ما حدث لم يكن عن عمد من السيد الذي غضب وذلك إذا حدث تحسّن بدرجة ما في صحة العبد. لأن أي شخص عاقل لا يريد أن يفقد العبد الذي يملكه، والذي كان قد اشتراه بأمواله. فإذا حدث منه قتل عن غير قصد فإن الناموس يحاكمه بعقوبة الهروب المستمر، إذ يمزج هنا العقوبة بمحبته للبشر حيث لا يجعل عقوبة الجريمة التي هي عن غير قصد في نفس مستوى الجرائم التي عن عمد. لذلك أمر الناموس أن تحدد ثلاث مدن أسماها مدن الملجأ لكي يلجأ إليها كل الذين يرتكبون أخطاء غير مقصودة. بل ويحدد أيضًا زمن الصفح لهؤلاء الذين يعيشون في هذه المدن في حالة بؤس، وهو الزمن الذي يموت فيه الكاهن العظيم، إذ يكتب في سفر العدد ما يلي: ” ولكن إن دفعه بغتة بلا عداوة أو ألقى عليه أداة ما بلا تعمد أو حجرًا ما مما يُقتل به بلا رؤية أسقطه عليه فمات وهو ليس عدوًا له ولا طالبًا أذيته تقضي الجماعة بين القاتل وبين ولي الدم حسب هذه الأحكام. وتنقذ الجماعة القاتل من يد ولي الدم وترده الجماعة إلى مدينة ملجئه التي هرب إليها فيُقيم هناك إلى موت الكاهن العظيم الذي مُسح بالدهن المقدس” (عد22:35ـ25).

          وبعد ذلك بقليل يقول: ” لأنه في مدينة ملجئه يقيم إلى موت الكاهن العظيم. وأما بعد موت الكاهن العظيم فيرجع القاتل إلى أرض مُلكه” (عد28:35).

بلاديوس: إذًا فإن نفيهم ينتهي بموت رئيس الكهنة الذي ذكرناه الآن.

كيرلس: هذا هو المثال والرمز الخارجي، إذ أن الظلال تخفي في داخلها سر المسيح.

بلاديوس: كيف؟

كيرلس: إنه ليس أمرًا غير متوقع أن كل الذين أُسروا بخطاياهم يُحسبون كأنهم قاتلون لنفوسهم، وأنهم انجرفوا إلى هذا الوضع السيئ بدون ارداتهم، وصاروا مخالفين لله كما يقول الكتاب ” لأن تصور قلب الإنسان شرير منذ حداثته” (تك21:8). فكما أن ناموس الشهوة الجسدية غير المُلجمة قد ساد على أعضاء الجسد، هكذا فإن نفس الإنسان التعيسة، تُعاقب بالهرب من العالم ومن الجسد في منفي، كما لو كان في مدينة بعيدة. وهذا يشير إلى أقسام الأرض السُفلى أي الهاوية التي تنزل إليها النفس بالموت، كما حدث قديمًا وقضت النفوس أزمنة هناك، وعندما جاء رئيس الكهنة المسيح ومات من أجل الجميع، ونزل إلى الجحيم فإنه فتح أبوابه وحرّر النفوس من القيود، قائلاً للأسرى ” أخرجوا وللذين في الظلام اظهروا” (إش9:49).

بلاديوس: حديثك هذا واضح جدًا.

كيرلس: ولم يحاول الناموس أن يحث الأقدمين على النمو والتقدم بطريقة واضحة، بل جعلهم ينتفعون من كل الطرق بقدر الإمكان لكي يكون إنسان الله كاملاً وتامًا متأهبًا لكل عمل صالح. وهكذا فإن الناموس ينظم أيضًا العلاقات الزوجية، لتكون في وقار تام ويوضح لهم ما ينبغي أن يفعلوه لكي يعيشوا بطريقة غير ملومة أمام الله والناس، فهو طبعًا يُنهي عن النجاسة والدعارة تمامًا، كذلك يُحرّم تمامًا الفسق ومضاجعة الذكور ” ولا تجعل مع امرأة صاحبك مضجعك لزرع فتتنجس بها. ولا تعط من زرعك للإجازة لمولك لئلا تُدنس اسم اهلك. أنا الرب. ولا تُضاجع ذكرًا مضاجعة امرأة. إنه رجس” (لاو20:18ـ22). هذه الأمور من السهل جدًا لأي أحد أن يميزها ويتحقق من بشاعة الرائحة النتنة الموجودة فيها، وسوف لا يحتاج إلى جهد مضني لكي يتيقن من أن هؤلاء الذين يفعلون هكذا قد وصلوا إلى درجة بشعة من الفحشاء حتى أن الطبيعة نفسها تدينهم، لذلك فإن الناموس في سفر التثنية ” أنتم أولاد للرب إلهكم. لا تخمشوا أجسامكم ولا تجعلوا قرعة بين أعينكم لأجل ميت. لأنك شعب مقدس للرب إلهك وقد اختارك الرب لكي تكون له شعبًا خاصًا فوق جميع الشعوب الذين على وجه الأرض. لا تأكل رجسًا ما. هذه هي البهائم التي تأكلونها. البقر والضأن والمعز” (تث1:24ـ4). فهذه التي انفصلت عن الرجل لأسباب منطقية وقبلت أن تتدنس مع شخص آخر (بالإقامة معه)، فهي ليست جديرة بالثقة لتكون زوجة حقيقية لأحد، فإن هذه هي حماقة واضحة كما يقول الكتاب ” الذي يعيش مع زانية هو قليل الفهم” (أم22:18س).

          فالناموس يُحرّم العيش مع امرأة زانية، كما أنه لا يسمح بالإساءة إلى سمعة الزواج الشرعي الموقر، فلا ينبغي إضفاء أي تبرير على علاقة خاطئة وكأنها علاقة شرعية لأن الكتاب يقول: ” ويل للقائلين للشر خيرًا وللخير شرًا الجاعلين الظلام نورًا والنور ظلامًا الجاعلين المر حلو والحلو مرًا” (إش20:5).

          إذًا فلا يُسمح للتي طُردت من البيت أن تصير مقبولة مرة أخرى، كما لا يجوز أن تُحسب عقوبة على من لم يُدانوا بأي ذنب. وأيضًا يقول الناموس ” إذا اتخذ رجل امرأة وحين دخل عليها أبغضها ونسب إليها أسباب كلام وأشاع عنها اسمًا رديًا وقال هذه المرأة اتخذتها ولما دنوت منها لم أجد لها عذرة. يأخذ الفتاة أبوها وأمها ويخرجان علامة عُذريتها إلى شيوخ المدينة إلى الباب ويقول أبو الفتاة للشيوخ أعطيت هذا الرجل ابنتى زوجة فأبغضها. وها هو قد جعل أسباب كلام قائلاً لم أجد لبنتك عُذرة وهذه علامة عُذرة ابنتى ويبسطان الثوب أمام شيوخ المدينة. فيأخذ شيوخ تلك المدينة الرجل ويؤدبونه ويغرمونه بمئة من الفضة ويعطوها لأبي الفتاة لأنه أشاع اسمًا رديًا عن عذراء من إسرائيل. فتكون له زوجة. لا يقدر أن يُطلقها كل أيامه” (تث13:22ـ19).

          وهكذا ترى أن مَن ظلم زوجته التي لم تخطئ فإن المجمع لا يتركه بدون عقاب.

          يجب أن نكون غيورين لأجل الصلاح، ولا نتردد في منع الإساءة إلى الأمور الموقرة كأنها غير موقرة، بل بالحري يجب أن نهتم بكل ما هو صالح، وأن نسلك بما يليق بالاسم الحسن، لأن مَن يكون حريصًا ويقظًا يصل في النهاية إلى الهدف الذي وضعه بطريقة حسنة. وهذا ما يشير إليه الناموس عندما يصرخ: ” إذا بنيت بيتًا جديدًا فاعمل حائطًا لسطحك لئلا تجلب دمًا على بيتك إذا سقط عنه ساقط” (تث8:22). أي كما أن البيت الذي ليس له سور ولم تُضف له زوايا ثلاثة على السطح هو أمر يُسبب ضررًا، هكذا أيضًا فإن كل عمل صالح نعمله إذا لم تكمله فإنه يكون غير مقبول. والأمر لا يتوقف عند هذا الحد فقط. لأن الذين يتكاسلون سوف يتعرضون لذلك الخطر. فهذا ما أعتقد أنه معنى سقوط شخص من البيت. إذ يقول: “ملعون من يعمل عمل الرب برخاوة” (إر10:48). إذًا فإن الناموس يرشدنا إلى ما هو نافع لنا بآلاف الطرق. لكن رغم هذه الآلاف الكثيرة من الطرق فهي كلها تُعتبر بدائية جدًا بالمقارنة بسر المسيح. نحن نعلم طبعًا أن الناموس روحي، فكل ما يتصل بالظلال والأمثلة ليس مناسبًا أن يؤخذ كغذاء كما هو إجباريًا، لكنه سيصير غذاء حقًا إذا تحول إلى التعليم الإنجيلي وإدراك سر المسيح. وهذا ستفهمه حسنًا جدًا من موسى الحكيم، إذ يكتب في سفر اللاويين ما يلي “ومتى دخلتم الأرض وغرستم كل شجرة للطعام تحسبون ثمرها غرلتها ثلاث سنين تكون لكم غلفاء. لا يؤكل منها. وفي السنة الرابعة يكون كل ثمرها قُدسًا لتمجيد الرب. وفي السنة الخامسة تأكلون ثمرها. لتزيد لكم غلتها. أنا الرب إلهكم” (لا23:19ـ25).

          أي يبدو لي أن الناموس يشير بواسطة الأشجار الكثيرة لكل أنواع التشريع أي يعطي ناموسًا لكل مسألة. أي في كل شجرة أو كل مسألة من مسائل الناموس سوف تقطع الجزء الخشبي للحرف لكي تصل إلى قلب النبات أي تصل إلى الثمر الداخلي للناموس. وهذا الثمر الداخلي سيكون غذاءً لك. وعندما يقول ” ثلاث سنين تكون لكم غلفاء لا يؤكل منها” فإنه بالثلاث سنين يشير إلى الأزمنة الثلاث الأولى التي كان فيها الناموس غير واضح. وكان محملاً بأثقال التاريخ ومحاطًا بالظلال بطريقة ما. والأزمنة الثلاثة التي أقصدها هي: زمن موسى، زمن يشوع بن نون، زمن القضاة، أما الزمن الرابع الذي بعد هذه الأزمنة فقد ظهر فيه خورس الأنبياء القديسين. وعندئذٍ بدأ يظهر ثمر مقدس من الناموس جدير بالتمجيد. فقد بدأت منذ هؤلاء الأنبياء القديسين أن تختفي أوامر الناموس وما يقال إنها ظلال وبدأوا يكرزون بوضوح عن الحقيقة التي كانت مختفية، إذ أنبأوا عن سر حضور المسيح، والسابق له مباشرةً الذي كرز قائلاً: “ توبوا لأنه اقترب ملكوت الله” (مت2:3). إذًا فالزمن الرابع كان هو بداية الارتقاء بالناموس بواسطة الأنبياء وكان ثمر هذا الزمن مقدسًا. أما ما هو مناسب للأكل فقد ظهر في الزمن الخامس الذي فيه تحقق حضور المسيح الذي شُهد له من الناموس والأنبياء. لهذا يقول: “ولتزيد لكم مملكتها” (لا25:19) أي بواسطة العظات الإنجيلية والدراسة في الناموس لأنه إذ يُفسر بطريقة روحية فإنه ينفع المحبين للمعرفة كما قال المخلص ” كل كاتب متعلم في ملكوت السموات يشبه رجلاً رب بيت يُخرج من كنزه جددًا وعتقاء” (مت52:13). فالأمور المتعلقة بالناموس توصف بالقديمة، أما الأناجيل فتوصف بالجديدة وهي التي تقدم لنا معرفة المسيح بسخاء.

 

المقالة8 ج5 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – ق. صموئيل وهبه

المقالة8 ج3 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – ق. صموئيل وهبه

المقالة8 ج3 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – ق. صموئيل وهبه

المقالة8 ج3 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – ق. صموئيل وهبه

 

السجود والعبادة بالروح والحق

تابع المقالة الثامنة

“موضوعات أخرى عن المحبة نحو الإخوة وعن الذي يسرق ثور أو شاه”

 

بلاديوس: إذًا نقول إن ثمر المحبة هو أنه يجب علينا أن نطلب ما ينفع الآخرين وليس ما ينفعنا نحن فقط.

كيرلس: نعم يا عزيزي بلاديوس فإنه يليق أن نتمم واجب المحبة تجاه اخوتنا لأن هذا الأمر يسر الله. وهذا هو ما يأمر به الناموس أيضًا حتى لا يدع المحبة تتعوق بسبب ما ذُكِر أعلاه وبالأكثر بسبب سوء استخدامها من جانبنا. فالإنسان حتى إذا كان لديه فضيلة عظيمة ولكنه لا يمارسها باعتدال بل يندفع في ممارستها بغير انضباط فهذا يسبب اضطرابًا وحياة متزعزعة.

بلاديوس: ماذا تعني بهذا القول؟ إني لا أفهم جيدًا.

كيرلس: هل توافق على أن الوداعة والتسامح كل منهما فضيلة.

بلاديوس: طبعًا أوافق.

كيرلس: حسنًا، فإذا حدث أن أحدهم وجه كمية كبيرة من الإساءات والشتائم لشخص وديع ومتسامح، وأيضًا وجه له استفزازات تقود إلى الغضب، فإن كانت هذه الإساءات تقف عند مستوى معتدل، فإن هذا الشخص الوديع سيُظهر الشخص اللائق، وسوف يقبل هذه الأمور بشجاعة ويكون الأمر بالنسبة له تدريب على الوداعة وعدم الغضب، لكن إذا تمادى الشخص المسيء إلى أكثر من الحد المعتدل بما يفوق حدود التسامح، فإن هذا يكون أمرًا غير طبيعي. ففي هذه الحالة سوف يُضغط على الفضيلة إلى الحد الذي يجعلها وتضعف وتذبل.

بلاديوس: تتكلم بالصواب. فإن الصلاح يخمد أحيانًا داخل البشر بمجرد أن يبدأ.

كيرلس: ولنبدأ الآن إذا أردت الحديث عن المحبة ذاتها. لأن هذه الفضيلة لها أهمية كبيرة وهي أسمى من كل الفضائل، ولكنها لا تحتمل أن يُساء استخدامها. وهذا ما يقوله الناموس أيضًا في مثال واضح: ” إذا دخلت زرع صاحبك فاقطف سنابل بيدك ولكن منجلاً لا ترفع على زرع صاحبك” (تث25:23ـ26). فلا يوجد ضرر أن تجمع قليلاً من سنابل القمح بيدك، أن تقطع عنقود عنب اشتهيته لتأكله. هذه الأمور يقبلها ناموس المحبة بنية طيبة، إذ أن الأمر لا يتجاوز الحد المعتدل. لكن إذا استخدم أحد المنجل لكي يحصد في حقل قريبه وأنه بذلك يتجاوز الحد ويتعدى حدود المحبة للغير ويندفع أو يدخل في منطقة الطمع. وهذا بلا شك نموذج واضح جدًا في أنه لا يجب أن يكون هناك إساءة لمعنى محبة الآخرين لك، بل ينبغي أن تحترم محبة الآخرين بدرجة كافية. وهذا النص الكتابي يمكن أن نطبقه روحيًا على كثيرين. فيمكن أن يُطبق على أولئك الذين يستمدون التعليم ـ كغذاء عقلي ـ من الذين يعملون داخل الكنيسة ولكنهم لا يكتفون بهذا فقط، بل يتقدمون بما يتجاوز الحد المعقول، وكأنهم يجمعون التعاليم في وعاء ويخزنوها داخل كُتب مدعين أنهم يفعلون ذلك بسبب محبتهم الكبيرة لمعرفة الأمور النافعة، لكنهم بهذا يجورون على حقوق الاخوة. والأمور التي خزنوها في الكتب يقولون عنها أنهم هم أنفسهم قد أعدَّوها من قبل. لذا فإني أقول لهؤلاء، إن الناموس يأمر صراحة أن لا تخزن شيئًا في إناء.

بلاديوس: معنى ذلك فإنه من الخطأ أن نسمح للمبالغة في الفضيلة إلى الحد الذي يجعلنا نسيء استخدام محبة الآخرين.

كيرلس: هذا صحيح لأن إله الكل حدّد بوضوح أن لا نتآمر على الفضيلة بل بالأحرى أن نشارك في الصالحات والأمور الفاضلة. فالناموس يستخدم أمورًا صغيرة وإن كانت غير واضحة لكي يشير بها إلى الأمور الفاضلة. إذ نجده في سفر التثنية ” إذا اتفق قدامك عش طائر في الطريق في شجرة ما أو على الأرض فيه فراخ أو بيض والأم حاضنة الفراخ أو البيض فلا تأخذ الأم مع الأولاد. أطلق الأم وخذ لنفسك الأولاد لكي يكون لك خير وتطيل الأيام” (تث6:22ـ7).

بلاديوس: ما الذي يريد أن يقوله بهذا الكلام، فإنه غير واضح لي.

كيرلس: معنى الكلام أنه إذا أمسك شخص ما طائرًا لديه صغار أو لديه بيض يحتضنه فإذا أخذ البيض يستفيد منه وترك الطائر نفسه فإنه بذلك لا يفعل شرًا.

بلاديوس: نعم قد فهمت الآن.

كيرلس: وانتبه أيضًا للمعنى المخفي وتأمل في الحقيقة ذهنيًا لتعرف معنى هذا الكلام الرمزى. فكل فضيلة هي كالأم تعتبر مصدرًا للخيرات التي تصدر عنها فمثلاً محبة الفقراء، الوداعة، الصبر، طيبة القلب. فالشخص المحب للفقراء يجعل الآخرين يشتركون في الانتفاع من فضيلة محبة الفقراء، فهؤلاء الفقراء هم الذين يحتاجون إلى هذه المحبة. ونفس الشيء يمكن أن يقال بخصوص الوداعة والصبر. إذًا فكل فضيلة يجب أن تعتبر بطريقة ما هي الأم، وهي بداية لخيرات أخرى، إذ أنها تتضمن كل ما ينتج عنها من ثمار. والمخزن الذي يحوي هذه الفضائل هو النفس التي تتمخض بها وتختزنها في داخلها إذًا فبحسب كلام الناموس، يجب على الذين يقابلون أُناسًا توجد فيهم هذه الثمار الطيبة أي الفضائل في مخازن نفوسهم أن يعتبروا كل ما يأخذونه منهم ربحًا لهم. ولكن ينبغي عليهم أن لا يسببوا ضررًا للفضيلة التي هي أم الخيرات.

          ويحدث ضرر للفضيلة عندما يُزعزعها أي شخص بالطرق التي أشرنا إليها سابقًا.

بلاديوس: معنى الكلام عميق جدًا.

كيرلس: إن ملاحظتك صحيحة فعلاً لكن لنلتفت إلى ما يقوله الرسول بولس: ألعل الله تهمه الثيران إنه من أجلنا مكتوب (1كو9:9ـ10). فالوصية المعطاة بواسطة موسى تعرض أمثلة للأمور ولا تشرح الأمور نفسها بوضوح، ويمكنك أن ترى كيف أن الناموس يرفعنا قليلاً قليلاً في طُرق أفضل لمحبة الآخرين، إذ أنه يحاول أن يقنعنا أن نحب أولئك الذين أهانونا وأن ننتصر على غضبنا تجاه الأعداء وألا ندع الشر يهزمنا، بل بالحري نغلب الشر بالخير، لأنه يقول أيضًا في سفر الخروج ” إذا صادفت ثور عدوك أو حماره شاردًا ترده إليه. إذا رأيت حمار مبغضك واقعًا تحت حمله وعدلت عن حله فلابد أن تحل معه. لا تُحرّف حق فقيرك في دعواه” (خر4:23ـ6). وفي سفر التثنية أيضًا ” لا تنظر ثور أخيك أو شاته شاردًا وتتغاضى عنه بل ترده إلى أخيك لا محالة. وإن لم يكن أخوك قريبًا منك أو لم تعرفه فضمه إلى داخل بيتك ويكون عندك حتى يطلبه أخوك حينئذٍ ترده إليه. وهكذا تفعل بحماره وهكذا تفعل بثيابه. وهكذا تفعل بكل مفقود لأخيك يُفقد منه وتجده. لا يحل لك أن تتغاضى. لا تنظر حمار أخيك أو ثوره واقعًا في الطريق وتتغافل عنه بل تقيمه معه لا محالة” (تث1:22ـ4). أترى كيف يهذبنا الناموس ويدربنا على الصلاح الفائق والكامل إذ يأمر بطريقة ما أن ننسى الإساءة وذلك بالاهتمام بحيوانات الشخص الذي أحزننا، وهو يشير باستمرار إلى ما يخص الأخ وبذلك يمنعنا من الغضب والجُبن إذ يعتبر هذه الأمور الطبيعية كعلامة للمحبة. لأنه يقول إذا وجدت حيوانًا شاردًا أو ثوبًا مفقودًا، أن تحفظها لأخيك وإذا تثقل حيوان من الحيوانات التي تنقل الأحمال وانزلق وكاد يتحطم بسقوطه على الأرض، فينبغي أن تساعد صاحبه في إقامته. وهذا لا يعني شيئًا آخر إلاّ أن تمارس عمل الرحمة وأن تتدرب على محبة الآخر. وأن تُقصى وأن تتجنب النزاعات حتى لا تصطدم بناموس محبة الاخوة. وهذا طبعًا يشير إلى أمر آخر. فإذا كان المشرع قد أظهر اهتمامًا كبيرًا مثل هذا، حتى أنه في حالة معاناة أحد الحيوانات غير الناطقة من شيء ما علينا أن نمد يد المساعدة، فكم بالأحرى ستكون مسرته باهتمامنا بالبشر ومحبة الآخرين التي هي واجب علينا نحو الذين هم من جنسنا. وهكذا أيضًا فحتى عدونا إذا حدث أن ضلّ الطريق فينبغي أن نُرشده إلى الطريق المستقيم. فبينما كان المسيح يقول لليهود ” النور معكم لئلا يدرككم الظلام” (يو35:12) بينما كانوا هم يبغضونه. وإذا عانى شخص ما من آلام وتجارب وصار كمن هو ملقى على الأرض تحت ضغط احتياجات لا يستطيع أن يفلت منها، فعلينا نحن أن نساعده لكي ينتصر على الغضب والحزن اللذين يعاني منهما. أم ليس هذا هو مفهوم وصية المسيح التي تقول: ” احسنوا إلى مبغضيكم وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم” (مت44:5).

بلاديوس: ما قلته جميل جدًا.

كيرلس: وهكذا يليق بالقديسين أن يشاركوا المتألمين في آلامهم ولا يتسببوا في إحزانهم بأمور تكون عبئًا ثقيلاً عليهم لأنه في هذه الحالة فإن المتألمين يغضبون وربما ينقضون على الذين ظلموهم. وإذا حدث أن شخصًا ما أراد أن يهيمن على غيره سرًا يُحدد الناموس بطريقة مناسبة جدًا أنه يجب على الإنسان أن يبتعد عن مثل هذه الأخطاء، لأنه يقول: ” لا تشتم الأصم وقدام الأعمى لا تجعل معثرة. بل اخش إلهك. أنا الرب” (لا14:19).

          وواضح جدًا أن الأفضل واللائق جدًا بالناس الكاملين أن يضعوا لجامًا على لسانهم وأن يتجنبوا ذمَّ أي إنسان إذ يقول تلميذ المخلّص “ لا يذَّم بعضكم بعضًا أيها الاخوة” (يع11:4). وها هو الناموس يقول لنا لا تشتم الأصم وأظن أنه يريد أن يشير بهذا أنه يجب على أهل الفضيلة تجنب الإساءة خاصةً لو كان الذين سيُساء إليهم ضُعفاء ويعجزون عن مقاومة الإساءة. فالأصم والأعمى هما مقيدان بالمرض من ناحية الجسد وعاجزين من ناحية الحواس، أي أن الأصم لا يسمع من يشتمه كما أن الأعمى لا يرى ذاك الذي يصنع له فخًا. ولذلك فهو أمر سهل إن أراد شخص ما أن يسئ إليهما. لكن الذين كان يجب أن يُشفقوا عليهم بسبب الإعاقة التي ابتلوا بها، فبدلاً من ذلك يعتدون عليهم ويظلمونهم إذ ينهكون الأعمى بوضع عوائق أمامه دون أن يدري وأحيانًا يقنعون الأصم أن يبتسم عندما يهينوه وكأن الإهانات الموجهة إليه كلمات ثناء عليه ويمكن أن يفعل أحد هذا الفعل الشرير مع الأصم والأعمى دون أن يعرفا بذلك ولكن هذا الشخص يستحق أن يتهمه الآخرون بالقساوة الشديدة والكراهية العظيمة للغير وخاصةً للضعفاء.

بلاديوس: هذا حق.

كيرلس: الناموس القديم يجعلنا محبين وشفوقين ونعرف هذا بسهولة عندما نسمعه يقول ” إن كان فيك فقير أحد من اخوتك في أحد أبوابك في أرضك التي يعطيك الرب إلهك فلا تقس قلبك ولا تقبض يدك عن أخيك الفقير بل افتح يدك له وأقرضه مقدار ما يحتاج إليه” (تث7:15ـ8) ومرة أخرى ” ولا تضطهد الغريب ولا تضايقه. لأنكم كنتم غرباء في أرض مصر. لا تُسئ إلى أرملة ما ولا يتيم. إن أسأت إليه فإني إن صرخ إليّ أسمع صراخه. فيحمي غضبي وأقتلكم بالسيف. فتصير نساؤكم أرامل وأولادكم يتامى. إن أقرضت فضة لشعبي الفقير الذي عندك فلا تكن له كالمرابي. لا تضعوا عليه ربا. إن ارتهنت ثوب صاحبك فإلى غروب الشمس ترده له. لأنه وحده غطاؤه. هو ثوبه لجلده في ماذا ينام. فيكون إذا صرخ إليّ أني أسمع. لأني رؤوف” (خر21:22ـ27). هل سمعت كيف يقدم تعليمًا حسنًا عن محبة الآخرين؟ وكيف يهدد بغضبه أولئك الذين أنعم عليهم بإحسانه إذا لم يظهروا الرحمة نحو الاخوة، إذ يقول ” إنني رؤوف” أي أنا صالح بطبيعتي وإله رؤوف. لهذا سوف أقبل صراخ الشخص الذي وقع عليه الظلم، وسأرحم دموع الذين قهرهم الفقر الشديد، لذلك لا يجب أن تتسبب تصرفاتنا مع الفقير في أن يصرخ ضدنا إلى الله. ولكي يؤكد أننا يجب أن نكون شفوقين وأن نُظهر اهتمامًا شديدًا بمحبة الفقراء نصحنا أيضًا في سفر التثنية قائلاً: ” لا تظلم أجيرًا مسكينًا وفقيرًا من اخوتك أو من الغرباء الذين في أرضك في أبوابك. في يومه تعطيه أجرته ولا تغرب عليها الشمس لأنه فقير وإليها حامل نفسه لئلا يصرخ عليك إلى الرب فتكون عليك خطية” (تث14:24ـ15).

          وهكذا ترى أنه يحثنا على أن نرتعب من صراخ الفقير ضدنا، بل هو يحثنا على محبة الآخرين، وبالأحرى فإن العهد الجديد الذي صار بالمسيح يظهر لنا الصلاح الكامل إذ يقول ” بيعوا ما لكم واعطوا صدقة” (انظر لو33:12). وهذا ما فعله بعض المؤمنين في العهد الجديد إذ يقول في سفر الأعمال: ” إذ لم يكن فيهم أحد محتاجًا لأن كل الذين كانوا أصحاب حقول أو بيوت كانوا يبيعونها ويأتون بأثمان المبيعات ويضعونها عند أرجل الرسل فكان يوزع على كل أحد كما يكون له احتياج” (أع34:4ـ35). والناموس يضع الأسس ويقود إلى بدايات وصايا الله وهو يُعلّمنا أن نترك القليل والبواقي لننال بركة الرب الوافرة إذ يقول: ” إذا حصدت حصيدك في حقلك ونسيت حزمة في الحقل فلا ترجع لتأخذها. للغريب واليتيم والأرملة تكون لكي يباركك الرب إلهك في كل عمل يديك. وإذا خبطت زيتونك فلا تراجع الأغصان وراءك. للغريب واليتيم والأرملة يكون. إذا قطفت كرمك فلا تعلله وراءك. للغريب واليتيم والأرملة يكون” (تث19:24ـ22). أي أنه جيد أن تتذكر آلامك القديمة في أوقات الفرح لأن هذا يساعدك على محبة الفقير، فلا ينبغي عندما نكون في حالة الرخاء أن ننسى أحوال اللذين يعيشون في الفقر.

بلاديوس: هذا صحيح.

كيرلس: لاحظ حكمة الناموس في كيف يدعونا أن نخلع عاداتنا السيئة ونتحرر من العداوة ويقودنا في نفس الوقت إلى الأمور الأفضل ويدخلنا إلى طريق محبة الآخر. فهو ينصحنا أن نقرض اخوتنا المحتاجين وينهينا عن أخذ أرباح منهم ويأمرنا بمقاومة الطمع. وأنه لا يجب أن نثقل على الذين أقرضناهم ولا أن نضغط عليهم، بل بالحري يأمرنا أن نلغي ديوننا عليهم إذ يقول: ” لا تقرض أخاك بربًا ربا فضة أو ربا طعام أو ربا شيء ما مما يُقرض بربا. للأجنبي تُقرض بربا ولكن لأخيك لا تُقرض بربا لكي يباركك الرب إلهك في كل ما تمتد إليه يدك في الأرض التي أنت داخل إليها لتمتلكها” (تث19:23ـ21). وكل الذي يقصده المشرع هو تعضيد الاخوة الغرباء الذين هم من جنسنا وذلك بعمل الخير والعطاء بسخاء لأن المسيح يقول: ” وكل مَن سألك فأعطه ومَن أخذ الذي لك فلا تطالبه ” (لو30:6). ولكن بسبب أن ذهن الناس القدماء لم يكن قادرًا في البداية على التصرف الصحيح، أي على تتميم الصلاح كاملاً فالناموس يتقدم قليلاً قليلاً لكي يُربي الإنسان على الصلاح وعلى عمل الرحمة مع الاخوة والجيران وخدمة الغرباء بكرم، وتقديم المحبة للجميع وذلك في انتظار الكمال الأكثر عند حضور المسيح لأن الظلال تشير فقط إلى الكمال ولكن ليست هي الكمال.

بلاديوس: ما قلته حسن جدًا.

كيرلس: وإذ أمر الناموس بإقراض المحتاجين فإنه حرّم الطمع ووعد كل من يطيعون بنوال بركته، وهو يأمر أيضًا بترك الديون بعد مرور سبع سنوات عليهما مشيرًا بذلك إلى وقت ترك كل شيء، أي وقت حضور المسيح الذي فيه تبررنا كلنا بالإيمان، وحصلنا على الصفح عن ديوننا القديمة. وقد وهبنا هذا إذ سمّر على صليبه، الصك الذي كان ضدًا لنا وقد رفعه من الوسط، أي الديون التي كان علينا أن نعطي عنها جوابًا أمام الديان العادل. ويقول في سفر التثنية ما يلي: ” في آخر سبع سنين تعمل إبراء. وهذا هو حكم الإبراء. يبرئ كل صاحب دين يده مما أقرض صاحبه. لا يُطالب صاحبه ولا أخاه لأنه قد نودى بإبراء للرب. الأجنبي تُطالب وأما ما كان لك عند أخيك فتبرئه يدك منه” (تث1:15ـ4). وبعد قليل يضيف أيضًا: ” إن كان فيك فقير أحد من إخوتك في أحد أبوابك في أرضك التي يعطيك الرب إلهك فلا تقس قلبك ولا تقبض يدك عن أخيك الفقير بل افتح يدك له وأقرضه مقدار ما يحتاج إليه. احترز من أن يكون مع قلبك كلام لئيم قائلاً قد قربت السنة السابعة سنة الإبراء وتسوء عينك بأخيك الفقير ولا تعطيه فيصرخ عليك إلى الرب فتكون عليك خطية” (تث7:15ـ10). أي أنه يقول إنك لا تكن حزينًا وأنت تعطيه لأن الرسول بولس يقول لنا ” المعطي بسرور يُحبه الرب” (2كو7:9).

 

المقالة8 ج3 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – ق. صموئيل وهبه

المقالة8 ج2 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – ق. صموئيل وهبه

المقالة8 ج2 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – ق. صموئيل وهبه

المقالة8 ج2 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – ق. صموئيل وهبه

 

السجود والعبادة بالروح والحق

تابع المقالة الثامنة

“موضوعات أخرى عن المحبة نحو الإخوة وعن الذي يسرق ثور أو شاه”

 

كيرلس: إذًا حرم خداع الهراطقة كأمر مكروه وككفر لدى الله، وحرم أيضًا الانحراف إلى دناءة الذين يخدعون الذين اختاروا الطريق المستقيم ليقودوهم إلى الأمور التي لا تليق، وهذا ما أشار إليه بولس عندما يقول: ” أن لا يتماحكوا بالكلام الأمر الغير النافع بشيء إلا لهدم السامعين” (2تي2: 14). فحقيقة أن الأقوال الزائدة عن الحاجة والنزاعات المبالغ فيها تثير مشاحنات وتجعل عقل السامعين في ضجر كثير، وتؤذي عقولهم. وبعض هؤلاء السامعين، من يقبلون على ما هو غير مستقيم بطيش أحيانًا وعدم معرفة ويسرعون في مدحه. أيضًا أتباع مجموعة أخرى، إذ يطرحون جانبًا الامتيازات، ويختارون ما هو سيئ، يتأثرون ويسقطون في الجهالة مع الآخرين. وأما أولئك الذين يستطيعون أن يميزوا المفيد عن الضار فهم بالطبع قليلون جدًا، وهم الذين قد بدأوا في حفظ عقلهم غير متورط في مماحكات الكلام مع الآخرين. وهذا لا يخلو من ضرر لكل من يريدون أن يفعلوه، وهذا يشير إليه الناموس أيضًا، إذ يقول: ” إذا تخاصم رجال وصدموا امرأة حُبلى فسقط ولدها ولم تحصل أذية يُغرم كما يضع عليه زوج المرأة ويدفع عن يد القضاة، وإن حصلت أذية تعطى نفسًا بنفس” (خر21: 22ـ23). يقولون إن الجنين داخل الرحم بمجرد أن يستكمل أربعين يومًا يتميز عندئذ بالشكل الإنسانى، ويأخذ صورة جسدنا.

هكذا يقولون، والرائع جدًا موسى إذ كان يقود اليهود ويريد أن يصلحهم من ضلالهم السابق في مصر بواسطة الناموس، أمسكهم بعيدًا عن أطعمة ومشروبات. إذ يقول: ” ثم سقطت أمام الرب كالأول أربعين نهارًا وأربعين ليلاً لا آكل خبزًا ولا أشرب ماءً” (تث19: 18). ونفس الأمر عمله المسيح واحتمل المعاناة لأجلنا. لأنه بواسطته انصلحت طبيعتنا لكي تتقدس، إذ أنه في البداية ومن الشهية غير المنضبطة دخل في شخص المخلوق الأول تلوث الخطية والعصيان. وهذا أمر معقول. ولكن كل ما يمكن أن يقال بشأن قصة السقوط لنتركه إلى حينه. لكن كل ما يجب أن نفهمه هو العلاقة بين اصطدام امرأة حامل بأولئك الذين اعتادوا أن يتشاجروا، لنفحص هذا. وأظن أن الكلام بالتفصيل في هذه الأمور أمر مفيد. الإيمان بالمسيح، مع المعرفة الكاملة يصورنا ويشكلنا بحسب المثال الإلهي، بتجديد الذهن. ولهذا الذين آمنوا يصرخون مع إشعياء معلنين بقوة: ” حبلنا تلوينا كأننا ولدنا ريحًا، لم نصنع خلاصًا في الأرض” (إش18:26). فالإيمان بالمسيح هو بتجديد الذهن بالروح وخلاص للإنسان، وهو الذي يوسم داخلنا بملامح إلهية. وحتى لأولئك الذين بغباوة غيروا وضعهم من المعرفة الكاملة جدًا إلى المعرفة الناقصة، وهؤلاء هم الغلاطيون، بعد أن حياهم بولس العظيم، قال لهم: ” يا أولادى الذين اتمخض بكم أيضًا إلى أن يتصور المسيح فيكم” (غلا4: 19). إذ أن هؤلاء بعدما بدأوا مسيرتهم الروحية، طلبوا أن يكملوا بحسب الجسد، وأخذوا في نقل هذا التطلع إلى عبادة الناموس. وهكذا لم يكملوا داخل انفسهم التشكل بالمسيح، إذ رفضوا بطريقة ما هذا الصلاح الذي وُجد في داخلهم كما في رحم. كمال المعرفة إذًا ونقاوة الإيمان سوف ينشيء داخل نفوسنا كلنا، صورة المخلص، وهذه ستكون بداخلنا كبذور إلهية. ولذا عندما يعثر أناس من مماحكة البعض في الكلام، وفيما بعد تفقد النفس التي عانت من العثرة، الإيمان والمعرفة الموجودان داخلها كما لو كانت في حالة حمل، دون أن تكتمل من جهة العقل. أي حتى لو قالوا إن النفس غير مصورة بعد،   ومازالت غير مكتملة وبدون جمال، فإن المتسبب في العثرة سيعاقب على أي حال، والعقوبة سوف يفرضها عريس النفس أي المسيح. وسوف يفرضها بقرار خاص به، لكن إذا كان ما تحمله النفس (الجنين) هو مكتمل، أي إذا كان الإيمان بالمسيح عن معرفة جيدة، سوف تكون النفس عندئذ مذنبة وتستحق أقصى جزاء، حيث إنها قبلت الموت بالفعل. لأن موت النفس هو نير على الإيمان غير الملوم وخسارة للمعرفة الصحيحة. لهذا فأن يصل الواحد ويصير مُشاركًا للأقوال والمداخلات الحمقاء التي يقولها رجل اُبتلع من الشيطان وصار بطريقة ما طعامًا لقطيع الأرواح النجسة، هذا يقول عنه الناموس إنه صار ملوثُا. ويتحدث الناموس أيضًا بطريقة رمزية عن أمور ممنوعة فيقول: ” ولحم فريسة في الصحراء لا تأكلوا. للكلاب تطرحونه” (خر22: 31). فقد اعتاد الكتاب أن يسمى الإنسان الوقح وغير الطاهر بالكلب. وفي هذا ربما يتناسب القول المقزز والقذر مع بعلزبول نفسه، الذي كحيوان متوحش يلتهم النفس التي سقطت في يديه. (وصارت) تخدمه. حيث يقول الرسول: “… ليس أحد وهو يتكلم بروح الله يقول يسوع أناثيما” (1كو2: 3)، إذًا غير لائق للقديسين بالمرة أن يشاركوا في معانى وكلمات بذيئة وخادعة مثل هذه. إذ يقول: ” وأيّة شركة للنور مع الظلمة” (2كو6: 14).

بلاديوس: هذا حقيقة

كيرلس: وأعطى أيضًا وصية، إنه يجب أن يكون في يقظة كل الذين اختارهم لكي يكونوا قادة ومرشدين للرعية. لكن بأي طريقة سوف يُعلن لنا صلاحه، يعلنه عندما يقول في سفر اللاويين ” لا تُنَّز بهائمك جنسين وحقلك لا تزرع صنفين” (لا19:19). هكذا مع قطيع الغنم والخراف يجب أن نتشبه جيدًا بحشد المطيعين. حقًا قد سمع بطرس الرسول ” يا سمعان بن يونا أتحبنى؟… ارع خرافي، ارع غنمى” (يو21: 15ـ17). وقال النبى إشعياء للإسرائيليين أيضًا: ” إن كرم رب الجنود هو بيت إسرائيل وغرس لذته هو رجال يهوذا” (5: 7). إذًا فعلى الراعى أن لا يضع خرافه مع حيوان آخر ـ أي أن لا توجد مع آخر، حتى لا تحدث علاقة جنسية مع حيوان مختلف، ويولد نوع ما مختلف و يفقد القطيع أصالته الطبيعية الخاصة به. وزارع الكروم أيضًا إذا كان حكيمًا ويعرف فنون الزراعة جيدًا فهو لا يمكن أن يزرع بذور القمح الجافة تحت شتلات العنب، وذلك لكي لا تستهلك البذور الجافة، المياه فتُحرم منها الشتلات. ولنطبق الآن هذا المِثال من الناحية الروحية. فالخراف العقلية هي التي لا يُسمح لها أن تقبل البذور الذهنية من الهراطقة. لأن الثمر الذي يأتي من الفكر المنحرف هو ثمر سيئ جدًا، وأقوال أولئك الذين ليس لهم نفس الإيمان يمكن أن تتسبب في إصابة مَن يقبلونها بنتائج شريرة. فهؤلاء هم مثل شتلات العنب المزروعة بنظام والتي لا يمكن أن تُثمر إلاّ نوعًا واحدًا من الثمر، وعلى هذا المِثال نحن نرفض دخول الرأي المنحرف مع الإيمان المستقيم. فنحن نعلم أنه لا يوجد تشابه طبيعي بين القمح والعنب. ولذلك فبذور الأفكار المختلفة لا يجب أن يكون لها أي مكان داخلنا.

بلاديوس: تتكلم حسنًا.

كيرلس: وبطريقة أخرى فإن الناموس يبيّن أن هذه الأمور المختلفة هي غير متجانسة ولا تتماشى مع بعضها بالمرة، ويُعطي مثالاً كذلك عن العلاقة غير المعقولة والشاذة جدًا بين الإنسان العاقل والحيوان غير العاقل والذي هو مختلف عنه تمامًا في النوع. إذ يقول في سفر الخروج: ” كل مَن اضطجع مع بهيمة يُقتل قتلاً” (لا15:20ـ16). إذ أن الاتصالات التي حدثت بينهما والتي هي أصلاً غير مقبولة بالمرة قد استحوذت على العقل بشهوة عارمة جدًا كالهذيان، وجلبت الموت على الفاسدين وعلى أولئك الذين يقبلون الفساد بإرادتهم.

بلاديوس: الناموس يشرّع باستقامة وعدل.

كيرلس: بل أن الناموس يقول أكثر من هذا، فإن كان البعض بسبب التصرفات القهرية التي يحاول الهراطقة أن يفرضوا أفكارهم عليهم، بينما هؤلاء البعض لا يريدون أن يقبلوا انحرافات الهراطقة عن الأفكار المستقيمة، وبسبب تصرفات الهراطقة القهرية قد يضطر هؤلاء البعض للوقوع أحيانًا في الضلالة. فالناموس لم يترك هؤلاء الناس الضعفاء بدون معونة.

بلاديوس: مَن تعني؟

كيرلس: أعني العبيد الرازحون تحت نير العبودية والمتضايقون من سلطة أسيادهم.

بلاديوس: وبأي طريقة ساعد الناموس هؤلاء؟

كيرلس: حرّر العبيد من القيود والعبودية. فإذا كان الضرر مرتبط بالنفس، وإذا كان المظلوم يريد الابتعاد عن الظالم بدون أن يعيقه أحد، فإن سفر الخروج يتحدث عن هذا الأمر ويقول هكذا: ” وإذا ضرب إنسان عين عبده أو عين أمته فأتلفها يطلقه حرًا عوضًا عن عينه” (خر26:21ـ27). فبحسب النظرة الظاهرية للأمر، وبشرح مبدئي يوّقف الناموس وقاحة السادة ويحّد من غضبهم عند الحدّ الواجب، ولا يتركهم ليصلوا إلى الأعمال التي يمكن أن تضَّر الحالة الطبيعية السليمة للعبيد الذين تحت سلطتهم، ولا يسمح بأي حال أن يقوم السيد بتحطيم الطبيعة ذاتها بدون أن يُلجّم غضب السيد، إذ أن الناموس يعرف أن سيد هذه الطبيعة هو خالقها وحده. والعبودية وما يتبعها من نتائج ليست نقص طبيعي في الإنسان لكنها أمر أنشأه الإنسان نتيجة سوء استخدامه للسلطة. أما الآن فإن الله الآب أعاد تشكيل كل الطبيعة على شكلها الأول، وذلك في شخص المسيح كما يقول الكتاب ” إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة. الأشياء العتيقة قد مضت. هوذا الكل قد صار جديدًا” (2كو17:5).

          إذًا فعار العبودية يُبطل بشكل كامل، وهذا ما كتبه الرسول بولس ” ليس عبد ولا حرّ ليس ذكر وأنثى لأنكم جميعًا واحد في المسيح يسوع” (غلا28:3). إذًا فالناموس وهو يؤدبنا ليقودنا إلى الكمال، ينزع الممارسة غير المنضبطة للسلطة وأي تجاوز للحد الصحيح معاقبًا كل الذين يتهاونون بالناموس، وذلك لتحرير أولئك الذين ظُلموا.

          هذا على مستوى الحرف والظل، أما إذا فسَّرنا الناموس روحيًا فسوف تستطيع أن تقترب يا بلاديوس، وبطريقة أخرى من الأفكار التي يحويها.

          فنحن نقبل النور الطبيعي بالأعين الجسدية ونُعجب به، أما النور الإلهي والعقلي فيُشرق داخل قلوبنا وأيضًا فإن غذاء الجسد يُقطع ويُطحن بالأسنان وبذلك يصير وسيلة للحياة هكذا أيضًا كل ما هو صعب الفهم من المعاني الإلهية يفتت بطريقة ما كما لو كان بأسنان، وذلك بقوة العقل وتصير هذه المعاني بعد ذلك غذاء للنفس. ولذلك تقول الحكمة وهي تقدم لنا المائدة الإلهية والروحية: ” هلموا كلوا من طعامي” (أم5:9). فإذا حدث أن أحد السادة فكر تفكيرًا سيئًا وأجبر عبده على الانزلاق من العقائد الصحيحة إلى ضلالة غير معقولة، يقول الناموس بأن يُفك ارتباطه بالسيد ولا يُفرض عليه نير إجباري، ويتلاشى الخوف من سلطة السيد، ويذهب العبد إلى حيث يريد ليحيا بدون معاناة أي أذى. لأنه لا يوجد شيء أعظم من النفس ولكي تخلص هذه النفس يجب أن تتحرر من العبودية، ويمكنك أن ترى أن هذا القول حقيقي وأنه مازال يسري حتى في أيامنا. فالعبيد إذ لا يطيقون أن يجبرهن ساداتهم إلى الضلالة فإنهم يكفون تمامًا عن إظهار الطاعة نحو الذين يسودون عليهم، والذين يريدون قهرهم فيهرب هؤلاء العبيد من ثقل العبودية ويحفظون في داخل عقلهم النقي معرفة الإيمان الصحيح بكل وضوح وبدون ضلالة وهم يؤمنون أن هذا الأمر أكثر أهمية من أي شيء آخر، ويجعلون تعليم الإيمان غذاءً روحيًا لنفوسهم مفتتين بالعقل ـ كما بأسنان ـ كل ما يصل إلى مسامعهم ويهضمون المضمون العميق جدًا للمعاني الإلهية.

بلاديوس: شرحك واضح وصريح.

كيرلس: ونضيف أيضًا أن الناموس يعلّمنا محبة الآخرين ويحثنا على احترام أقربائنا، ونحن نُمتحن وننال العقاب المناسب في حالة السلوك الخاطئ.

بلاديوس: أين يقول هذا؟

كيرلس: اسمع فإنه مكتوب هكذا: ” وإذا نطح ثور إنسان ثور صاحبه فمات يبيعان الثور الحيّ ويقتسمان ثمنه. والميت أيضًا يقتسمانه. لكن إذا علم أنه ثور نطاح من قبل ولم يضبطه صاحبه يعوض عن الثور بثور والميت يكون له” (خر35:21ـ36). فهذا القول يوجه إلى الاستقامة بمثال حيّ. لأنه يقول إذا حدث أن قُتل ثور لأحد ما لأن ثورًا أخرًا نطحه، فيتم تقسيم الثور الحيّ بين الاثنين وكذلك الثور الميت يُقسم بين الاثنين. أي يريد أن يقول إذا تسبب شخص ما في أذى لشخص آخر دون أن يكون هذا عن تعمد فالذي أصابه الأذى يحق له أن يتمتع بخيرات ذاك الذي تسبب في ذلك الأذى. لأن هذا هو ما يعينه في أن يقتسما معًا الثور الحيّ. وهذا معناه أيضًا أنه يعتبر مصائب الآخر هي مصائبه حتى لو كان قد تسبب فيها بدون قصد. وهذا ما يمكن أن يعنيه من جهة اقتسامهما للثور الميت. أترى إذًا كيف أن الناموس يعلم عن محبة الآخرين ولو بظلال؟ وهذا ما يظهره أيضًا قول الرسول ” فرحًا مع الفرحين وبكاءً مع الباكين” (رو15:12).

بلاديوس: واضح تمامًا.

كيرلس: ويقول أيضًا إن القوى الذي يتسبب في الأذى وهو يعرف تمامًا أن جاره سوف يُصاب من هذا الأذى ولم يتدخل لمنع حدوث الأذى بينما هو كان يستطيع ذلك. فمثل هذا الشخص يُعاقب بنفس الأذى الذي أصاب جاره ويتحمل نفس النكبة التي نُكب بها جاره. وهذا ما يعنيه بطريقة رمزية في حالة علم صاحب الثور أن ثوره نطّاح ولم يضبطه إذ يقول: ” يُعوِض عن الثور بثور والميت يكون له” (خر36:21). أي أن الناموس يهدد أولئك الذين يظلمون الآخرين عن عمد ليس فقط بفقد الخيرات الخاصة بهم، بل ليقول أيضًا إنهم سيعانون نكبة خاصة بهم، فسوف يكون الألم الخاص بهم هو نفسه الذي حدث لقريبهم.

بلاديوس: شرحك حسن جدًا.

كيرلس: الرسول بولس وضع لنا قانونًا حكيمًا عن المحبة التي بيننا، بقوله ” لا تنظروا كل واحد إلى ما هو لنفسه بل كل واحد إلى ما هو لآخرين أيضًا” (في4:2). لأن الذي يُحب لا يطلب ما هو لنفسه (انظر 1كو5:13)، بل بالحرى يهتم بخير الآخرين وكيف يعيش اخوته حسنًا. وهذا أيضًا يشير إليه العهد القديم بقوله: ” إذا رعى إنسان حقلاً أو كرمًا وسرّح مواشيه فرعت في حقل غيره فمن أجود حقله وأجود كرم يعوض” (خر5:22). أي من ترك مواشيه في حقول غيره وذلك لمنفعة نفسه والعمل لصالح ذاته وهو بذلك لا يُسبب فرحًا لجاره بل يظلمه ويُحزنه. علينا إذًا عندما نعمل لفائدتنا لا يكون ذلك على حساب الآخرين بل بوسائل غير خاطئة ولا تؤذي الآخرين، فهذا ما يعنيه القول أن تنظروا إلى ما هو لآخرين أيضًا. وعلى المرء أن يعرف أيضًا أنه إذا سعى الإنسان إلى منفعته الخاصة فقط دون أن يُبالي بمشاعر الآخرين ودون أن يهتم بقريبه، فإنه سوف يعاني نفس الخسارة، وأنه بهذه الطريقة سوف يجلب الخراب على نفسه أيضًا. وهذا ما أعتقد ما يشير إليه القول: ” من أجود حقله ومن أجود كرمه يُعوض” (خر5:22).

          والمعنى السابق نجد له تحقيقًا في مجال الهرطقات التي يرعى فيها بعض الأغبياء جدًا كحيوانات غير ناطقة ويستغلون حقول السيد وكرومه لحساب هرطقاتهم. فهؤلاء سوف يكابدون الخسارة ويدفعونها من أجمل ما لديهم، أي بهلاك نفوسهم، لأن أفضل ما في كرمنا أو حقلنا هو نفوسنا.

 

المقالة8 ج2 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – ق. صموئيل وهبه

Exit mobile version