المقالة6 ج1 – السجود والعبادة بالروح والحق ج4 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة6 ج1 – السجود والعبادة بالروح والحق ج4 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة6 ج1 – السجود والعبادة بالروح والحق ج4 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

 

السجود والعبادة بالروح والحق

المقالة السادسة

“ينبغى أن نكرس حياتنا لذاك الذي هو وحده الإله بطبيعته، ونحبه من كل النفس والقلب.”

 

ينبغى أن نكرس حياتنا لذاك الذي هو وحده الإله بطبيعته،

ونحبه من كل النفس والقلب.

 

كيرلس: قد تحدثنا يا بلاديوس، بشكلٍ مُرضٍ، عن الشجاعة والقوة الروحية في المسيح. ولكن بحسب رأيي فإن تحقيق هذا الأمر يحتاج منا أن نعيد فحصه مرة ثانية.

بلاديوس: بالصواب تتكلم.

كيرلس: إذن دعنا، ونحن نُحدِّق بعيون ذهننا في كل الاتجاهات المحيطة بهذا الأمر وننشغل بالتحليل الدقيق لأعمالنا، أن نبحث باهتمام شديد عن الطريق الذي نسلكه حتى نصير مستنيرين. وننزع عنا كل ما يستوجب المديح. أم تظن أننى لا أفكر تفكيرًا صحيحًا إذ أريد أن أفحص كل الأمور بدقة؟

بلاديوس: تفكيرك صحيح جدًا. وكنت أريد أن أقول نفس الكلام، بأنه ينبغى أن نحث على الشجاعة ونختار تلك الأمور التي بها يصير المرء مستنيرًا ليصل مباشرةً إلى الحياة التي بلا لوم.

كيرلس: دعنا نقول إذن، إن سند كل بيت هو الأساس كما أن بداية بناء السفينة يكون من القاع، هكذا فإن معرفة الحق وكلمة الإيمان بالإله الواحد الحقيقي هي الأساس الذي يحقق ما قد اخترناه أى الشجاعة. لأنه مكتوب: ” إذا لم تفهموا فإنكم لن تآمنوا[1]. إن لم تفهم شيئًا من الأمور الضرورية، فيجب أن نتوقف، طالما نحن لا نعرف ما هو الذي نحققه. أم أنك ستقول إن الفحص الدقيق لكل ما نفعله ليس ضروريًا لتقدمنا؟

بلاديوس: هو ضروري بلا شك.

كيرلس: حسنًا، فإن الإيمان هو غذاء الفهم، والفهم يقود إلى الفحص الدقيق للأمور التي يجب أن نفعلها. إذن عندما وضع إله الجميع للإسرائيليين ناموس موسى كمربى ومرشد وكأساس ومبدأ لا يتزعزع، فإنه قدم العربون الأول لمعرفة الإله الحقيقي. لأنه اعتبر أنه سوف لا تكون لديهم القوة لكى يصلوا إلى الحياة الكريمة والأصيلة ـ بمعنى أن يضعوا الناموس ومشّرع الأمور الحسنة لينظم حياتهم ويخضعوا لوصاياه ـ إن لم يأخذوا الإيمان بالله في ذهنهم كحائط منيع مقاومين ببسالة اللذات التي تحرض على الكسل والخمول. إذن كان ينبغى على القدماء أن يعتبروا ضلال الإيمان بتعدد الآلهة كمثل مرض للنفس ويتقوون بشدة بالإيمان بالإله الحقيقي الواحد بطبيعته. لذلك أضاء الناموس على هؤلاء قائلاً: ” أنا الرب إلهك، الذي أخرجك من أرض مصر، من بيت العبودية. لا يكن لك آلهة أخرى أمامى. لا تصنع لك تمثالاً منحوتًا ولا صورة مما في السماء من فوق وما في الأرض من تحت وما في الماء من تحت الأرض. لا تسجد لهن ولا تعبدهن. لأنى أنا الرب إلهك إله غيور أفتقد ذنوب الآباء في الأبناء في الجيل الثالث والرابع من مبغضيَّ. وأصنع إحسانًا إلى ألوف من محبيَّ وحافظي وصاياي[2].

          أى كان ينبغى أن يخيف الله ـ بتهديدات قاسية ـ أولئك الذين ينبغى عليهم حفظ الوصية بثبات. لذلك يدعو ذاته إلهًا غيورًا، ويفتقد خطايا الآباء في أبنائهم، بالتأكيد إذا استمروا في أن يحيوا مثل أولئك الآباء وشاركوا معهم في معاصيهم السابقة. أى أننا لم نتحدث بيقين بأن خطايا الآباء تسقط فوق الذين لم يخطئوا، إذ أن الله بالتأكيد يقول: ” لا يُقتل الآباء عن الأولاد ولا يُقتل الأولاد عن الآباء. كل إنسان بخطيئته يُقتل[3].

          لكن إذا اتبع الأبناء آراء آبائهم واستمروا في عدم تقواهم السابق، فإن الغضب سوف يمتد عليهم. وإذا حدث وأنعم الله بمحبته للبشر على الآباء الأولين، ففيما بعد ينزل على الجيل الثانى أو الثالث غضبه على الجيل الدنس. إذن هو يضغط عليهم عند الحاجة لكى يخيفهم داعيًا نفسه بأنه إله غيور، لكن يعضد إيمانهم بطريقة أخرى معطيًا لهم وعدًا بأنه سيُظهر رحمته للألوف الذين يحبونه. ويضيف على هذا وصية لها علاقة بكل هذا إذ يقول: ” لا تنطق باسم الرب إلهك باطلاً. لأن الرب لا يُبْرئ مَن نطق باسمه باطلاً[4]. هذا ما صنعه البعض ناسبين اسم الله إلى الأخشاب والأحجار، وهذا الذي هو فوق كل اسم أنزلوه بحماقة إلى مستوى الفنون ورسوم الأيدى البشرية. قال الله عن هذا على فم إشعياء: ” نجَّر خشبًا. مدَّ الخيط. بالمخرز يعلمه يصنعه بالأزاميل وبالدوارة يرسمه. فيصنعه كشبه رجل كجمال إنسان ليسكن في البيت. قطع لنفسه أرزًا وأخذ سنديانًا وبلوطًا واختار لنفسه من أشجار الوعر. غرس سنوبرًا والمطر ينميه. فيصير للناس للإيقاد. ويأخذ منه ويتدفأ. يشعل أيضًا ويخبز خبزًا ثم يصنع إلهًا فيسجد. قد صنعه صنمًا وخرّ له[5].

          هؤلاء استخدموا اسم الرب عبثًا. لكن ينبغى على الذين عرفوا الإله الحقيقي ولم ينخدعوا بالشراك الشيطانية، أن لا يهذوا بمفاهيم سخيفة أو يسلموا أنفسهم لثرثرة وضيعة ويستندون على أمور معاكسة وينادون بأنه ينبغى أن يعرفوا آلهة أخرى وأن هذه الآلهة موجودة فعلاً. إذ يقول الرسول: ” لأنه وإن وُجد ما يسمى آلهة كثيرون وأرباب كثيرون. لكن لنا إله واحد الآب الذي منه جميع الأشياء ونحن له. ورب واحد يسوع المسيح الذي به جميع الأشياء ونحن به[6]. أى أننا سوف لا نحصر طبيعة الألوهية، بحسب الاعتقاد اليهودى، فقط في الله الآب، بل تمتد الألوهية إلى الثالوث القدوس في الجوهر الواحد. وبالرغم من أننا نؤمن بثلاثة أقانيم إلاّ أننا نؤمن بإله واحد لأن الجوهر واحد. وهذا الإله نعبده ونسجد له وندعوه آب وابن وروح قدس. لأنه يقول:” لا يكون لك آلهة أخـرى أمامى[7]. وأيضًا: ” الرب إلهك تتقى إياه تعبد[8]. لأنه واحد هو الإله الآب وواحد هو الرب الابن وواحد الروح القدس المنبثق، ونحن لا ننزع من الإله الواحد الربوبية الحقيقية. لأنه على كل حال الربوبية تصاحب الطبيعة الإلهية ومجد الألوهية يصاحب الربوبية الحقيقية.

بلاديوس:  ما تقوله صحيح جدًا وحكيم جدًا.

كيرلس: إذن، يا بلاديوس، نعترف بإله واحد، ولا نعتبر فوقه أى إله آخر، مبعدين ـ بعيدًا جدًا بقدر ما تستطيع ـ نفوسنا عن الازدواجية المريضة والدنسة والتي هي حسودة ومهينة، حتى لا توبخنا الكلمة المقدسة: ” حتى متى تعرجون بين الفرقتين. إن كان الرب هو الله فاتبعوه، وإن كان البعل فاتبعوه[9]. يجب أن نسلك في الإيمان الواحد بطريق واحد وليس بسلوكيات مختلفة ومتناقضة فاعلين ما لا يليق، مغيرين دائمًا مواقفنا. لأن تأرجح المرء بين الفريقين، بحسب رأيى، هو كفر عظيم. لذلك يعاقب الناموس القديم الإنسان الذي بلا موقف بالموت. لأنه يقول: “مَن ذبح لآلهة غير الرب وحده يهلك[10]. فأن يتمرد المرء ضد مجد الله وكل الفضائل الإلهية التي يجب أن نتشبه بها، وأن يُقدِّم العبادة للتي هي ليست آلهة بالطبيعة لهو أسوأ مرض، أو بالأحرى لهو انحلال وفُجر الأزمنة الأخيرة. إذن مِن الضروري أن يتخلص المُحب الأصيل والحقيقي لله من هذه الأمور، وليس فقط يطهر قلبه، لكن ولسانه أيضًا فلا يتفوه وينطق اسم الصنم. لأنه مكتوب: ” ولا تذكروا اسم آلهة أخرى ولا يُسمع من فمك[11]. لأن كل ما هو قذر لا تقوله، لأنه سوف تُصاب بأذى. ينبغى أن نتذكر بولس الطوباوى لكى نحترم ونكرّم الإيمان الأصيل، وذلك عندما قال: ” لأن الذين استنيروا مرة وذاقوا الموهبة السماوية وصاروا شركاء الروح القدس وذاقوا كلمة الله الصالحة وقوات الدهر الآتى وسقطوا لا يمكن تجديدهم أيضًا للتوبة[12]. لأن هؤلاء الذين حصلوا مرة واحدة على النعمة السماوية والإلهية، وبالمعمودية المقدسة قبلوا الكلمة الحقيقية والمحيية عن القيامة وملكوت الله، إذا أرادوا أن يرجعوا إلى الحالة الأولى مسرعين إلى مرضهم السابق، سوف لا يتجددون ثانية ليتطهروا بالمعمودية: ” أفلعل عدم أمانتهم يبطل أمانة الله[13] كما يقول بولس العظيم. ولا بسبب أن البعض رجعوا إلى الخلف واحتقروا الإيمان يجعلنا أن نحسب أن هناك عدم ثبات أو تقلُّب لدى النعمة الإلهية. لكن بالحرى ديان الجميع سيفرض عقوبات على هؤلاء الذين لم يتوقفوا عن الانزلاق في الفجور حتى أنهم داسوا ابن الله واعتبروا دم العهد دنسًا وأهانوا روح النعمة التي تقدسوا به وبفضله صاروا شركاء الطبيعة الإلهية.

          وكما أن الجندى الذي يلقى سلاحه ويصير هاربًا، لا ينبغى أن يُكرم بوسام ثانى لكن يجب أن يُعاقب مباشرةً ويدفع ثمن تراجعه وجُبنه، نفس الأمر ينطبق على الذين يهينون النعمة المستحقة لكل تقدير وإعجاب. فلا يُعطى لهم شرف التجديد ثانية بعطية الروح، طالما صار نقص للأول، لكن ينبغى أن يكونوا مسئولين عن العقوبات. لأن هؤلاء الذين استنيروا مرةً يجب أن يتقدموا إلى درجة المعرفة وثبات الأفكار، حتى يعرفوا أن الله بطبيعته واحد، ويحكمون بنجاسة الذين يُدخلون شيئًا مختلفًا عن هذا، رافضين عبادة الأصنام وهم لا يعملون حسابًا بتاتًا لمقدسات اليونانيين. هذا ما سوف يقوله لنا الكتاب في سفر العدد: ” وكلّم الرب موسى في عربات موآب على أردن أريحا قائلاً كلم بنى إسرائيل وقل لهم إنكم عابرون الأردن إلى أرض كنعان. فتطردون كل سكان الأرض من أمامكم وتمحون جميع تصاويرهم وتبيدون كل أصنامهم المسبوكة وتخربون جميع مرتفعاتهم[14].

          هل أدركتَ أن الذين يعبرون الأردن ينبغى عليهم أن يُخرِجوا من الوسط سكان الأرض عابدى الأوثان ويمحون أصنامهم وتصاويرهم بلا تردد؟ لأنه إن انتابهم حزن على هذه الأمور المعيبة فهذا يمثل برهانًا واضحًا بأنهم لم يكونوا ثابتين تمامًا، ولا هم كرسوا قلوبهم المتحررة من الذنوب إلى الله، بالرغم من أنه قال بوضوح لغير المؤمنين والأشرار ما يلى: ” لا تسجد لآلهتهم ولا تعبدها ولا تعمل كأعمالهم. بل تبيدهم وتكسر أنصابهم. وتعبدون الرب إلهكم. فيبارك خبزك وماءك وأزيل المرض من بينكم. لا تكون مُسْقِطَةٌ ولا عاقر في أرضك. وأكمل عدد أيامك[15].

          إذن، صار واضحًا من كل هذا، أن الثابتين والمؤسَّسين بلا تزعزع والذين يقتربون من إله الجميع بعقل صحيح، وقد أعطوا برهانًا واضحًا فيما يتعلق بهذا الأمر، وبالنسبة لهؤلاء فإن إبادتهم للأصنام والمرتفعات ورفضهم للحيل البشرية التي يخترعها الذهن الفاسد، كل هذه تجلب لهم المواهب الإلهية.

بلاديوس: هذا حق.

كيرلس: إذن، لو دمََّرتَ، هكذا يقول، أعمال أيدى هؤلاء وعبدتَ الله، كارهًا تلك العادات، عندئذٍ سوف يبارك خبزك وخمرك وماءك. هذا الكلام عميق وسرى. إن البركات روحية وهي الاشتراك في أسرار المسيح ونعمة المعمودية المقدسة ستكون للذين فداهم الله.

          ولكن بالنسبة للذين يحيون بازدواجية ويسلكون في العصيان، فإن مصيرهم هو الغضب والإدانة. وكيف لا يفقد المرء البركة الروحية وسط هذه المآسى؟! وهذا هو الذي قال عنه بولس: ” مَن أكل هذا الخبز أو شرب كأس الرب بدون استحقاق يكون مجرمًا في جسد الرب ودمه. ولكن ليمتحن الإنسان نفسه وهكذا يأكل من الخبز ويشرب من الكأس[16]. يقول إذن، إن البركة أى التناول من الأسرار المقدسة، لهؤلاء الذين هم محبين لله حقًا سوف تخلّصهم من الضعف أى الخضوع الذي تمليه عليه طبيعتهم لفعل الشر الذي يقود إلى الوضاعة. وأيضًا يقول إنه لا يوجد بينهم مريض أو امرأة عاقر. لأن كل نفس مقدسة ومحبة لله هي خصبة وحاملة للثمار المقدسة، وأقول ثانيةً، حاملة لزينات الفضيلة.

بلاديوس: هذا صحيح.

كيرلس: إذن، لم يتركنا لقلبنا المتزعزع، بل إذ يحثنا بطرق كثيرة أن نختار الثبات في الإيمان والاستقامة في التقوى. مرةً يلفت نظرنا ناحية الأفضل بكلمات مناسبة، إذ يأمرنا بأن نرفض عبادة الأصنام التي تُسبب الهلاك، مظهرًا لنا هذا المرض العِضال المملوء بالوشاية العظيمة أو بالحرى مملوء بالانحلال وعدم التقوى. ومرةً أخرى يضع فينا الخوف، أقصد خوف العقاب، كمربِّي وحارس فاضل، يشجعنا مرات كثيرة إلى كل ما يحسن في عينيه. ويقول موسى الطوباوى بالحق في سفر التثنية: “هذه هي الفرائض والأحكام التي تحفظون لتعملوها في الأرض التي أعطاك الرب إله آبائك لتمتلكها كل الأيام التي تحيون على الأرض. تخربون جميع الأماكن حيث عَبَدتَ الأمم التي ترثونها آلهتها على الجبال الشامخة وعلى التلال وتحت كل شجرة خضراء. وتهدمون مذابحهم وتكسرون أنصابهم وتحرقون سواريهم بالنار وتقطعون تماثيل آلهتهم وتمحون اسمهم من ذلك المكان[17].

          الحكماء والأدباء اليونانيون، وأيضًا الشعراء يتحدثون عن آلهة الجبال والغابات التي يدعونها حوريات أو عرائس أى شياطين. وهؤلاء هم أولئك الذين اختاروا تكريم آلهتهم على المرتفعات وأقاموا مذابح على الجبال ليقدموا ذبائح من الثيران. لقد أقاموا حول الأشجار الكبيرة تماثيل ونظراء للشياطين وقدموا ذبائح من الخراف. لكن كان من الضروري على الذين يعرفون الإله الحقيقي أن يهدموا بلا خوف ألعاب البشر الذين هم في الضلال ويبتعدوا عن عاداتهم. لذلك يقول أيضًا: “متى قرض الرب إلهك من أمامك الأمم الذين أنت ذاهب إليهم لترثهم وورثتهم وسكنت أرضهم فاحترز من أن تُصاد وراءهم من بعد ما بادوا من أمامك ومن أن تسأل عن آلهتهم قائلاً كيف عبد هؤلاء الأمم آلهتهم فأنا أيضًا أفعل هكذا. لا تعمل هكذا للرب إلهك لأنهم قد عملوا لآلهتهم كل رجس لدى الرب مما يكرهه إذ أحرقوا حتى بنيهم وبناتهم بالنار لآلهتهم[18].

          حسنًا جدًا حرّم المُشرِّع التشبه بأولئك الذين هم في الضلال، وأمر بالابتعاد عن الذبح الوحشى للأطفال. مظهرًا مدى فساد ودمار الآلهة الدموية والكاذبون الذين يدسون بوحشية ناموس الرحمة الطبيعية (يقصد المحبة الطبيعية للآباء نحو أطفالهم) طالما هذه هي مسرتهم. لأنه يقول:    ” الله خلق كل شئ ليكون موجودًا، وتكوين العالم خلاص، وعلى الأرض لا توجد مملكة الجحيم. الموت جاء إلى العالم من حسد الشيطان[19]. إن الإرادة الإلهية قد بدّلت الموت وأبطَلَت الفساد وهي تمقت إفناء المخلوقات، لأن الله خلق كل شئ لكى يوجد كما هو مكتوب. إنما كل الذين وقعوا في شبكة رغبات الشياطين يقدمون إلى الشيطان ـ مثل رائحة بخور حلوة وجميلة ـ الذين خُلقوا للحياة ويميتون الأشياء التي بُنِيت لكى توجد. إذن يريد أن يبين بذكاء أن تصرفاتهم كانت مملوءة من الأخطاء الكبيرة، وغيَّروا الوضع الطبيعى حتى أن تقاليد محبة الأبناء التي هي محبوبة جدًا قد داسوها بأقدامهم، وهو يُحرك ذهن السامعين الكاره للشر إلى ضرورة احترام وفحص كل ما يريده ذاك ويأمر به.

          كل هذا شُرِّع قديمًا لكى يُبطل عصيانهم. لكن الله حكم بالموت على مَن يريد أن يُبطل ما سبق أن تثبَّت وقبل معرفة الحق بمحبة الله. لأنه قد قال أيضًا الآتى: ” إذا قام في وسطك نبى أو حالم حلمًا وأعطاك آية أو أعجوبة ولو حدثت الآية أو الأعجوبة التي كلمك عنها قائلاً لنذهب وراء آلهة أخرى لم تعرفها وتعبدها فلا تسمع لكلام ذلك النبى أو الحالم ذلك الحلم لأن الرب إلهكم يمتحنكم لكى يعلم هل تحبون الرب إلهكم من كل قلوبكم ومن كل أنفسكم. وراء الرب إلهكم تسيرون وإياه تعبدون وبه تلتصقون. وذلك النبى أو الحاكم لك الحكم يُقتل لأنه تكلم بالزيغ من وراء الرب إلهكم[20].

          كم مقدس هذا الناموس ولائق بالله! لأن، إذا كان هؤلاء الذين يقتلون الجسد يجب أن يكون الموت جزاؤهم وفق النواميس، فكم لا يخاطر هذا الذي يسبب الضلال المهلك ويرمى النفس في أهوال الهلاك، تلك النفس التي هي أغلى من الجسد بحسب قول المخلّص؟ لقد حكم الله بعدل، بعقاب الموت للمضل والوقح. نفس الجزاء قرره على ذو العقل الطائش الذي سقط بسهولة، وانقاد خلف هؤلاء الناس. لأنه، بينما هو يستطيع تجنب هذا بسهولة مقبلاً إلى الحق، لماذا ـ بدلاً من هذا ـ يلجأ بإرادته إلى الشر؟    ” إذا وُجد في وسطك في أحد أبوابك التي يعطيك الرب إلهك رجل أو إمرأة يفعل شرًا في عينى الرب إلهك بتجاوز عهده ويذهب ويعبد آلهة أخرى ويسجد لها أو للشمس أو للقمر أو لكل من جند السماء. الشىء الذي لم أوصِ به. وأُخبِرتَ وسمعتَ وفحصتَ جيدًا وإذا الأمر صحيح أكيد قد عُمِلَ ذلك الرْجسُ في إسرائيل فأَخْرِج ذلك الرجل أو تلك المرأة الذي فعل ذلك الأمر الشرير إلى أبوابك الرجل أو المرأة وارجمه بالحجارة حتى يموت. على فم شاهدين أو ثلاثة يُقْتَلُ الذي يُقْتَلُ. لا يُقتل على فم شاهد واحد. أيدى الشهود تكون عليه أولاً لقتله ثم أيدى جميع الشعب أخيرًا فتنزع الشر من وسطك[21]. عندما يتعدى المرء على الله من جهة التقوى والاحترام في شخصه، أليس من الخطر أن تُظهر رحمة لهذا الذي يفعل هذا الشر؟. كونك تُظهر محبة غير نقية تمامًا تجاه الله هو أمر ضار جدًا. وهذا هو الذي قال عنه الرب: “مَن أحب أبًا أو أمًا أكثر منى فلا يستحقُّنى[22]. فليذهب بسلام ناموس الحنان، ولتنطفيء قوة المحبة الطبيعية وكل شئ يشدنا ناحية محبة البشر، وليُعبد الله بتقوى صارمة. أم تظن أن الذين يخرجون عن العهد بدون سبب لا ينبغى أن يُعاقبوا بدون رحمة، إذ انهم لا يكفون عن إهانة الله الذي كان ينبغى بالأحرى أن يشكروه بيقين ثابت؟

[1] إش9:7.

[2] خر2:20ـ6.

[3] تث16:24.

[4] خر7:20.

[5] إش13:44ـ20.

[6] 1كو5:8ـ6.

[7] خر3:20.

[8] تث20:10.

[9] 1مل21:18.

[10] خر20:22.

[11] خر13:23.

[12] عب4:6ـ6.

[13] رو3:3.

[14] عد50:33ـ52.

[15] خر24:23ـ26.

[16] 1كو27:11ـ28.

[17] تث1:12ـ3.

[18] تث29:12ـ31.

[19] حكمة سليمان14:1.

[20] تث1:13ـ5.

[21] تث2:17ـ7.

[22] مت37:10.

 

المقالة6 ج1 – السجود والعبادة بالروح والحق ج4 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة5 ج4 – السجود والعبادة بالروح والحق ج3 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة5 ج4 – السجود والعبادة بالروح والحق ج3 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة5 ج4 – السجود والعبادة بالروح والحق ج3 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

 

السجود والعبادة بالروح والحق

تابع المقالة الخامسة

الشجاعة التي بالمسيح

 

بلاديوس: هذا حقيقي.

كيرلس: إذن، يجب على أولئك الذين اختاروا أن يصيروا تلاميذًا حقيقيين، أن يهجروا ضعفاتهم خلال مسيرة جهادهم، وأن يتركوا التذمر غير النافع، وكثرة الكلام بلا فائدة، والأحاديث التفاهة، والأكثر سوءًا من كل هذا هو الشهوات الدنسة ومحبة الجسد. هؤلاء ينساقون مرة نحو هذا الاتجاه، ومرة أخرى نحو اتجاه آخر، وهم مضطربوا الفكر، لأنه مكتوب: ” ويل للقلوب الهيابة وللأيدي المتراخية وللخاطئ الذي يمشي في طريقين[1]. لذلك يجب الاحتمال في الآلام والثبات والصبر، وأن نُقدّر هذه الأمور جيدًا، وأن نتذكر المسيح القائل: ” إن أراد أحد أن يأتي ورائي فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني[2]. بمعنى أنه إن أراد أحد أن يصير لي تلميذًا يجب أن يجوز نفس الآلام معي ويسير في نفس الطريق، لأنه بهذا سيستريح وسيحيا معي إلى الأبد. هذه كانت طلبة المسيح من الله الآب لأجلنا: ” أيها الآب أريد أن هؤلاء الذين أعطيتني يكونون معي حيث أكون لينظروا مجدي الذي أعطيتني[3]. نحن نحيا مع المسيح ونحن على الأرض، لكننا نحيا لا جسديًا بل روحيًا، ونجاهد أن نجعل من هذه الحياة مكانًا للهدوء والسلام، ولكل ما يُرضي المسيح. مكتوب في سفر العدد:  “ وفي يوم إقامة المسكن غطت السحابة المسكن خيمة الشهادة، وفي المساء كان على المسكن كمنظر نار إلى الصباح. هكذا كان دائمًا السحابة تغطيه ومنظر النار ليلاً. ومتى ارتفعت السحابة عن الخيمة كان بنو إسرائيل بعد ذلك يرتحلون وفي المكان حيث حلت السحابة هناك كان بنو إسرائيل ينزلون. حسب قول الرب كان بنو إسرائيل يرتحلون وحسب قول الرب كانوا ينزلون جميع أيام حلول السحابة على المسكن كانوا ينزلون. وإذا تمادت السحابة على المسكن أياما كثيرة كان بنو إسرائيل يحرسون حراسة الرب ولا يرتحلون. وإذا كانت السحابة أياما قليلة على المسكن فحسب قول الرب كانوا ينزلون وحسب قول الرب كانوا يرتحلون. وإذا كانت السحابة من المساء إلى الصباح ثم ارتفعت السحابة في الصباح كانوا يرتحلون (إن استمرت) أو يومًا وليلة ثم ارتفعت السحابة كانوا يرتحلون. أو يومين أو شهرًا أو سنة متى تمادت السحابة على المسكن حالة عليه كان بنو إسرائيل ينزلون ولا يرتحلون ومتى ارتفعت كانوا يرتحلون. حسب قول الرب كانوا ينزلون وحسب قول الرب كانوا يرتحلون وكانوا يحرسون حراسة الرب حسب قول الرب بيد موسى[4]. عندما أُقيمت الخيمة المقدسة (خيمة الشهادة)، غطتها السحابة كما يقول. ثم بعد ذلك أمر الإسرائيليين أن يرتحلوا معها ومعها يتوقفون، ويحدد بشكل متكرر أن يحفظوا بدقة وقت الرحيل، ويُظهر بهذا لكل من يريد أن يبدي كسلاً أو خمولاً، إن مخالفة الوصية هو أمر خطير. هذا من الناحية التاريخية. فلنفحص الآن الأمر من الناحية الروحية.

          بمجرد أن نُصبت الخيمة الحقيقية، أي الكنيسة، فوق الأرض، فإنها امتلأت على الفور من مجد المسيح.

          فهذا يعنى أنه كما كانت تتغطى الخيمة القديمة بالسحاب، هكذا قد امتلأت الكنيسة بمجد المسيح. وأولئك الذين كانوا يعيشون في الجهل والضلال، كمن يعيش في عتمة الليل وفي الظلام، أشرق عليهم مثل النار، أي منحهم الاستنارة العقلية. وأولئك الذين سبق أن استناروا في قلوبهم بنور النهار (أي نور الرب)، ظللهم بظله ومظلته، أي أنه يغنيهم بتعزية سمائية روحية.

          فهذا هو معنى ظهوره في الليل بشكل نار، وفي النهار بشكل سحاب. فأولئك الذين كانوا بعد أطفالاً، كان لديهم احتياج شديد للاستنارة، إلى نور يقود إلى معرفة الله، بينما من هم في وضع أسمى ومستنيرون بالكامل بسبب إيمانهم، كانوا يحتاجون للحماية والعون، حتى يستطيعوا أن يجوزوا بشجاعة لهيب هذه الحياة وثقل النهار، لأنه يقول: ” وجميع الذين يريدون أن يعيشوا بالتقوى في المسيح يسوع يُضطهدون[5].

          وعندما كانت السحابة ترتفع، كانوا يرتحلون مع الخيمة، وعندما تتوقف السحابة في مكانٍ ما، تتوقف الخيمة ويتوقف معها الإسرائيليون. وهكذا فالكنيسة تتبع المسيح في كل مكان وجماعة المؤمنين المقدسة لا تنفصل عنه هو (المسيح) الذي يدعوها للخلاص.

بلاديوس: وكيف يمكن أن يُفهم رحيلنا وتوقفنا مع المسيح، الذي يتقدمنا ويقودنا.

كيرلس: هذه الأمور هي فقط مثال من خلاله نُظهر أننا نريد أن نكون مع الله، فنرحل مع السحابة ونتوقف معها. نرتفع بأفكارنا إلى معاني أكثر دقة بقدر ما نستطيع. ونعود مرة أخرى لهذا المثال، فنقول: إن أول ارتحال هو من عدم الإيمان إلى الإيمان، ومن الجهل إلى المعرفة، ومن الجهل بالله من حيث طبيعته وحقيقته إلى المعرفة الجلية لرب الجميع وخالقهم. ثاني ارتحال، هو ارتفاع نافع ومفيد، من الرذيلة والفجور إلى إرادة صُنع الصلاح والعمل به. ثالث ارتحال، وهو أكثر أهمية وإشراقًا، هو الانتقال من النقص إلى الكمال بالقول والفعل. علينا أن نتقدم إلى الأمام، بحسب قصد المسيح في النمو، نحو قامة إنسان كامل حتى نصل إلى الكمال الذي قياسه هو المسيح. ربما هذا ما يؤكده الرسول بولس لنا: ” أنسى ما هو وراء وامتد إلى ما هو قدام أسعى نحو الغرض لأجل جعالة دعوة الله العُليا في المسيح يسوع[6]. نرتحل عقليًا من الجهل إلى المعرفة، ومن عدم الإيمان إلى الإيمان ونتقدم دومًا نحو الفضيلة. فنحن لا نتقدم من مكان إلى مكان بحسب المزاج، ولا نشابه أولئك الذين يسلكون هكذا.

بلاديوس: أدرك ما تريد قوله.

كيرلس: لكن لن يستطيع الإنسان أن يترك الخطية، ولا أن يصل إلى الصلاح ولا يستطيع أن يكمل إن لم يكن المسيح معه ويقوده، لهذا قال لتلاميذه القديسين: ” بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئًا[7]. وبناءً عليه أن يكون المرء مع الله ويصنع إرادته، فمن الممكن أن يُشار إليه بالمثال السابق، أي السحابة التي يتحرك معها الشعب، عندما تتحرك ويتوقف عندما تتوقف. ثم يقول: ” بأمر الرب سترتحلون“، وأعتقد أن هذا يعني احتياجهم للكلمة التي تحث على الشجاعة والتقوى التي تليق بالقديسين، ولكل من يريد أن يتبع المسيح، لأنه يقول: ” ليكن كل شئ بلياقة وبحسب ترتيب[8].

          ثم كُتب أيضًا فيما بعد ما قاله موسى مُفسر الإلهيات: ” اصنع لك بوقين من فضة مسحولين تعملهما فيكونان لك لمناداة الجماعة ولارتحال المحلات. فإذا ضربوا بهما يجتمع إليك كل الجماعة إلى باب خيمة الاجتماع. وإذا ضربوا بواحد يجتمع إليك الرؤساء رؤوس ألوف إسرائيل. وإذا ضربتم هتافًا ترتحل المحلات النازلة إلى الشرق. وإذا ضربتم هتافًا ثانية ترتحل المحلات النازلة إلى الجنوب هتافا يضربون لرحلاتهم. وأما عندما تجمعون الجماعة فتضربون ولا تهتفون. وبنو هرون الكهنة يضربون بالأبواق فتكون لكم فريضة أبدية في أجيالكم[9].

بلاديوس: وماذا نقول فيما يتعلق بمعنى البوقين والضربات المختلفة للأبواق؟ ولماذا أمر بأن تكون من الفضة ومطروقة بالمدق؟

كيرلس: الأبواق هما اثنان، وعظات النُصح والإرشاد في الكنائس هي نوعان، واحدة تقود المؤمنين إلى العقيدة المستقيمة وتُظهر مقدار الزيف في حديث الهراطقة المنحرفين. مثلما حدث من أولئك الذين منعوا الزواج، والذين علّموا بغباء شديد الابتعاد عن أطعمة، قد خلقها الله، ” مانعين عن الزواج وآمرين أن يُمتنع عن أطعمة قد خلقها الله لتُتناول بالشكر من المؤمنين وعارفي الحق[10]. وهكذا فإني أُدين معلمي اليهود الذين احتقروا هذه التعاليم القديمة التي يكرمها ويوجبها الناموس الإلهي، معتبرين إياها ذات قيمة قليلة، وأمروا المتعلمين أن يخضعوا لتعاليمهم هم ولأوامرهم الإنسانية، والبعض الآخر علّم بغباء أن يُختتن كل من تبرر بالإيمان، لكي يستطيعوا أن يتباهوا بالجسد الفاني. بحسب المكتوب عن هؤلاء: ” انظروا الكلاب انظروا فعلة الشر انظروا القطع[11].

          النوع الآخر يشرح التحسن والنمو الأخلاقي، وينير الطريق بحسب المسيح. الأبواق الفصية يشير إلى الاستنارة والوضوح التام، كما يظهر من طبيعة المعدن ذاته، فإن معدن الفضة برّاق. وعن طريق الأبواق يُدعى الشعب إلى الخيمة كما هو مكتوب. وبالكرازة يجتمع المتغربون على الأرض إلى الكنائس. وحين يجتمعون نقنعهم أن يبتعدوا عن الأمور المشينة، ويحيوا في تلك الأمور التي تليق بالقديسين. ونعلمهم بطريقة ما وبأسلوب لائق، أن ينتقلوا من الخطية إلى الصلاح. أليست هذه الكرازة هي التي تقود حسني النية والطوية إلى الحب الحقيقي للحياة، وإلى استقامة العقيدة وتهذيب الأخلاق بحسب مشيئة المسيح؟

بلاديوس: أعتقد هذا.

كيرلس: إذن، فالذي يجمع الشعب في الخيمة هما بوقان، لأنه يقول إذا بَوّقوا ” يجتمع إليك الرؤساء رؤوس إسرائيل[12]. وأعتقد أن أولئك الذين هم أكثر كمالاً يحتاجون إلى النصح والإرشاد أيضًا، وإن كان بالطبع ليس بالقدر الذي يحتاجه جموع الشعب. ولهذا فجموع الشعب يُدعون ببوقين اثنين، بينما المختارين يجتمعون ببوق واحد. فالحكيم لا يحتاج إلاّ للقليل ليأخذ دافع ويكمل ما ينقصه، كما هو مكتوب: ” أعط حكيمًا فيكون أوفر حكمة علّم صديقًا فيزداد علمًا[13]. ثم بعد ذلك أمر أن تُضرب أربعة أبواق مختلفة، والتي بها يمكن لهم أن يحملوا أشياءهم ويرتحلوا، إلى هؤلاء الذين هم في الشرق، والذين هم في الغرب، والذين هم في الشمال، والذين هم في الجنوب. وأعتقد أن هذا يشير إلى الأناجيل الأربعة، والتي تبشر كل العالم بعقيدة واحدة ومعرفة أخلاقية سامية. لكن لو احتاج الأمر أن نقول شيئًا آخر لما ترددنا بالمرة، معتبرين أن السعي نحو النافع والمفيد هو أفضل من الخمول وأفضل من العرق.

          في كرازتنا هناك أربع أوجه مختلفة، وهي التي تستطيع بها الأرض كلها أن تحقق الحياة الحقيقية النقية. الوجه الأول، هو الذي اعتادنا أن نحدث به أولئك الذين عبدوا الخليقة بدلاً من الخالق، لكي يعرفوا الحقيقية ويقتنوا النور الإلهي، هؤلاء الذين يقولون كلامًا غير معقول عن الخشب، “أنت هو ربي”، وللحجر ” أنت الذي ولدتني”، ” وأبدلوا مجد الله الذي لا يفني بشبه صورة الإنسان الذي يفني والطيور والدواب والزحافات[14]. الأوجه الثلاث الأخرى لكارازتنا تليق بالطبع بكل من آمن. لأن مخلصنا علمنا أن هناك ثلاثة أنواع للحياة، أي البذار التي سقطت على الأرض الجيدة وصنعت ثمرًا كثيرًا، البعض مائة والبعض ستون والبعض ثلاثون. لكل واحد من هؤلاء توجد كلمة تناسبه، لأننا لو أردنا أن نتصرف بصواب، فلن نفيد أولئك الذين يحيون لله، ولا أولئك الذين هم في العالم، بدون التدقيق في الكلام، لأن الذين يحيون في العالم، قد دخلوا في النير القانوني للزواج، بينما الآخرون فضلّوا الحياة النُسكية السامية، أي الحياة التي تليق بخدمة الله، والذين هم في العالم نقول لهم: ” هل عقدت قرانًا مع امرأة ؟ لا تطلب انحلالاً لزواجك. هل انتهي زواجك؟ لا تطلب امرأة أخرى. وسنقول لهم أن يصنعوا كل ما يليق بالمتزوجين، أما الذين قرروا أن يسلكوا طريق النُسك والاحتمال فسنقول لهم: ” أميتوا أعضاءكم التي على الأرض، الزنى النجاسة الهوى الشهوة الردية الطمع الذي هو عبادة الأوثان[15]. وأيضًا   ” فإني أحسب أن آلام الزمان الحاضر لا تُقاس بالمجد العتيد أن يُستعلن فينا[16]. وأولئك الذين دُعيوا إلى الكهنوت سنقول لهم: ” لأن شفتي الكاهن تحفظان معرفة ومن فمه يطلبون الشريعة، لأنه رسول رب الجنود[17]. بالإضافة إلى كل ما يطلبه الحكيم بولس وهو يكتب إلى تيموثاوس. لكن هل كلامي من خلال الكتاب المقدس يخرج عن إطار الكلام اللائق، أو هل يقود إلى عدم الاستقامة؟.

بلاديوس: بالطبع لا.

كيرلس: لاحظ أن الذين وقع عليهم الاختيار للكهنوت هم الذين عُهد إليهم باستخدام الأبواق. فأظن أنه أُعطى لمعلمي الشعب، ولكل من تقدس للكهنوت، حق ممارسة التعليم والخدمة السرائرية، وذلك في إطار الرغبة في تحقيق الفضيلة. ولهذا قيل لموسى: ” اصنع لك بوقين[18]. ويختم على هذا الأمر بقول: ” وبنو هرون الكهنة يضربون بالأبواق فتكون لكم فريضة أبدية في أجيالكم[19].

بلاديوس: إذن، فلنقبل أن طرق استخدام الأبواق تتلاءم مع الكرازة التي تتناسب مع كل واحد من المستمعين. هكذا سنتحرك ونتوقف مع السحابة، بمعنى أننا سنسلك بتعقل وسنستريح مع المسيح.

كيرلس: بالصواب تكلمت. وفي هذا ستقنعنا كلمة النبي القائلة: ” وماذا يطلبه منك الرب إلاّ أن تصنع الحق وتحب الرحمة وتسلك متواضعًا مع إلهك[20].

بلاديوس: إذن، هو أمر حسن ويستحق كل التقدير، ويغني بالمجد لأجل مزيد من الشجاعة، أن تسير في معية الرب إلهك، كيف لا يكون هذا أمرًا واضحًا؟ لكن أريد أن تشرح لي أيضًا ماذا يعنى أن يكون الإنسان مستعدًا؟

كيرلس: أن يكون الإنسان مستعدًا هو أن تكون لنا الإمكانية أن نقتني لنا رؤية، وأن نصنع مشيئة الله دون أن يعوقنا أحد، ودون أن يجذبنا إلى ذهن غير مُختبر، فهذا هو معنى الاستعداد للسير مع الله.

بلاديوس: لكن بشكل عام، من هم أولئك الذين يمكن أن نقول عنهم إنهم يريدون أن يتبعوا الله، من هم أولئك الذين لا يريدون أن يصنعوا هذا من عمق أنفسهم، وينحصرون في الحيرة والتردد ويهجرون الصبر والاحتمال؟.

كيرلس: هؤلاء هم الكسالى والذين يتصورون أنهم يشكرون الله، لكنهم يعشقون السيرة المقدسة بكل فكرهم، هؤلاء هم الذين يُعطون لمحبة الله جزءً صغيرًا من حماسهم واستعدادهم، بينما ينفقون الباقي بالكامل، بإسراف وبلا هدف في غمار هذه الحياة، في أتعاب غير نافعة واهتمامات مريرة. مثال ذلك يمكن أن يكون أبناء رأوبين وجاد، لأنه مكتوب: ” وأما بنو رأوبين وبنو جاد فكان لهم مواش كثيرة وافرة جدًا فلما رأوا أرض يعزير وأرض جلعاد وإذا المكان مكان مواش. أتى بنو جاد وبنو رأوبين وكلموا موسى وألعازار الكاهن ورؤساء الجماعة قائلين: عطاروت وديبون ويعزير ونمرة وحشبون والعالة وشبام ونبو وبعون، الأرض التي ضربها الرب قدام بني إسرائيل هي أرض مواش ولعبيدك مواش. ثم قالوا: إن وجدنا نعمة في عينيك فلتعط هذه الأرض لعبيدك ملكًا ولا تعبرنا الأردن. فقال موسى لبني جاد وبني رأوبين هل ينطلق إخوتكم إلى الحرب وأنتم تقعدون ههنا. فلماذا تصدون قلوب بني إسرائيل عن العبور إلى الأرض التي أعطاهم الرب[21].

          ثم بعد ذلك عندما نظر إلى عدم طاعة آبائهم ونتائجها عليهم، قال:   “ فهوذا أنتم قد قمتم عوضًا عن آبائكم تربية أُناس خطاة لكي تزيدوا أيضًا حمو غضب الرب على إسرائيل. إذا ارتددتم من ورائه يعود يتركه أيضًا في البرية فتهلكون كل هذا الشعب. فاقتربوا إليه وقالوا: نبني صير غنم لمواشينا ههنا ومدنًا لأطفالنا. وأما نحن فنتجرد مسرعين قدام بني إسرائيل حتى نأتي بهم إلى مكانهم ويلبث أطفالنا في مدن محصنة من وجه سكان الأرض. لا نرجع إلى بيوتنا حتى يقتسم بنو إسرائيل كل واحد نصيبه. إننا لا نملك معهم في عبر الأردن وما وراءه لأن نصيبنا قد حصل لنا في عبر الأردن إلى الشرق[22].

          أتفهم الآن أنه بسبب المواشي والحقول ومحبة الزوجات والأبناء، لم يستطع هؤلاء الناس أن يعبروا نهر الأردن، ولم يقبلوا أيضًا أن يشاركوا في الحرب وفي المعارك ولو بجزء صغير. وبهذا لم يتقاسموا المجد مع الآخرين، ولا الخيرات التي ترجاها جميع الشعب. وبدا لهم أن تفكيرهم هذا أمر حسن، وتمنوا أن يقيموا هناك، ولم يضعوا حتى قدمًا في مياه الأردن. وعندما أدانهم موسى، ورأي أن يقنعهم بأن يساهموا في المعارك، وأن يحذروا من الغضب الإلهي، حينئذٍ وعدوا أنهم سيعبرون نهر الأردن مع الآخرين، وسيشاركون معهم في الحرب والمعركة. وبالطبع قالوا إنهم لن يأخذوا ميراثًا لهم هناك، لأنهم سيأخذون أنصبتهم في منطقة عبر الأردن إلى الشرق. هكذا يسلك كل الذين ينحصرون في اهتمامات هذه الحياة، ويكرسون كل قلوبهم في محبة الأمور الأرضية، وهذا يحدث بسبب إهمالهم لما هو ضروري، وعدم مبالاتهم بالوصية الإلهية. لأنه مكتوب:  ” لأن كثيرين يُدعون وقليلين يُنتخبون[23].

          إذن، فكل من هم في قائمة المدعوين لأجل إيمانهم، لكنهم لم يُحصوا مع المختارين، بسبب ميلهم للشهوة، هؤلاء هم مزيفون وكسالى ولا يسعون إلى نعمة الروح القدس. وأيضًا هم يخشون أن يُعانوا المتاعب والجهادات التي تليق بالقديسين لمجد الله ولمنفعتهم، وأيضًا يخشون أن يجتازوا الاضطهادات مع الأنقياء عندما تدعو الضرورة إلى ذلك. وعندما يدينهم الناموس الإلهي ويرهبهم الغضب الإلهي، يتجهون بلا استعداد نحو المعمودية المخلصة، ويشاركون مع المختارين في الأتعاب بطريقة مزيفة، وأحيانًا يصومون ويُظهرون حماسًا مع الآخرين، عندما تتعرض الكنائس للاضطهاد. ورغم أنهم اقتنعوا أن يحتقروا أمور هذا العالم، لكنهم عدّلوا عن ذلك واتجهوا إلى الشهوات والملذات الأرضية، كميراث خاص بهم. ولهذا قال السيد المسيح لمحبي الاستقامة وللغيورين المتحمسين للتقوى:   ” فاحترزوا لأنفسكم لئلا تثقل قلوبكم في خمار وسُكر وهموم الحياة..[24]. أمَا أنك تعتقد يا صديقي أن هذه الأمور لا تسبب ضررًا؟

بلاديوس: بالطبع هي ضارة، وكيف لا تكون؟

كيرلس: لو فحصت بتدقيق في الكتاب المقدس، ستُدهش جدًا لجمال الصورة.

بلاديوس: بأي أسلوب؟.

كيرلس: هؤلاء الذين أظهروا نية للانفصال، بسبب تربية مواشي أو بسبب أبناء أو زوجات، أو لبناء حظائر أو مباني وتحصينات، هم بنو رأوبين وجاد.

بلاديوس: وما أهمية هذا؟.

كيرلس: الواحد كان بكر ليعقوب، بينما الآخر هو ابن من زُلفة الجارية.

بلاديوس: هذا صحيح.

كيرلس: فالذين هم أبكار، بسبب الإيمان، والذين وقع عليهم الاختيار، نالوا النصيب الأعظم من الله، بقدر ما تسمح به نعمته. ولكن بسبب ميلهم نحو الخطية، لم يتمتعوا بالحرية الحقيقية. وأيضًا كنيسة الأبكار، هي تلك التي أُحصيت في السموات. وكما قلنا فإن المدعو هو كل من تبرر بالإيمان. لكن البكر ليس هو محب الحرية فقط، لكنه شريك لأولئك الذين احتملوا نير العبودية.

بلاديوس: حسنًا تتكلم.

كيرلس: لكن الآن وحديثي يقترب من نهايته، أريد أن أتجاوز التكرار، وأن أُذكّر بالقول وبالفعل أيضًا، إنه يجب التحلي بالشجاعة في كل شئ، من أجل المنفعة، وأن نعتبر المتاعب تدريبًا على الفضيلة، وألاّ نفكر بعكس ذلك. إن الله هو الذي يخلصنا ويمنحنا القوة لننتصر على مقاومينا، حتى ولو كانت مقاومتهم تفوق قوتنا بكثير. وأن نجاهد من أجل الفضيلة، فهذا ليس بلا فائدة، هذا ما يُعلّمنا إياه موسى النبي في سفر التثنية: ” وتتذكر كل الطريق التي فيها سار بك الرب إلهك هذه الأربعين سنة من القفر لكي يذلك ويجربك ليعرف ما في قلبك أتحفظ وصاياه أم لا[25]. فهو لا يتركنا نشعر بالخوف، بل نتيقن من قوة الله الذي يدافع عنا. ويكتب موسى أيضًا: “ إن قلت في قلبك هؤلاء الشعوب أكثر مني كيف أقدر أن أطردهم. فلا تخف منهم، أذكر ما فعله الرب إلهك بفرعون وبجميع المصريين. التجارب العظيمة التي أبصرتها عيناك والآيات والعجائب واليد الشديدة والذراع الرفيعة التي بها أخرجك الرب إلهك هكذا يفعل الرب إلهك بجميع الشعوب التي أنت خائف من وجهها[26].

65 يشوع بن سيراخ12:2.

66 مت24:16.

67 يو24:17.

68 عدد15:9ـ23.

69 2تي12:3.

70 في13:3ـ14.

71 يو5:15.

72 1كو14:40.

73 عدد1:10ـ8.

74 1تي3:4.

75 في2:3.

76 عدد4:10.

77 أم9:9.

78 رو23:1

79 1كو5:3.

80 رو18:8.

81 ملا7:2.

82 عدد2:10.

83 عدد8:10.

84 ميخا8:6.

85 عدد1:32ـ7.

86 عدد14:32ـ19.

87 مت14:22.

88 لو34:21.

89 تث2:8.

90 تث17:7ـ19.

 

المقالة5 ج4 – السجود والعبادة بالروح والحق ج3 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة5 ج3 – السجود والعبادة بالروح والحق ج3 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة5 ج3 – السجود والعبادة بالروح والحق ج3 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة5 ج3 – السجود والعبادة بالروح والحق ج3 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

 

السجود والعبادة بالروح والحق

تابع المقالة الخامسة

الشجاعة التي بالمسيح

 

بلاديوس: كيف يكون هذا؟.

كيرلس: في الحقيقة إن الجسد تتعبه الآلام وتضره لأنها مُرة جدًا، بينما هذه الآلام تجعل النفس شريكة في الحياة الأبدية، كما يقول القديس بولس: ” لأني حينما أنا ضعيف فحينئذٍِ أنا قوي[1]. ويقول أيضًا: ” لذلك لا نفشل بل وإن كان إنساننا الخارج يفني فالداخل يتجدد يومًا فيومًا[2]. ولا يوجد أحد على وجه الإطلاق يمكن أن يعاني هذه الآلام غير المحتملة في هذا العالم، إن لم يكن يمتلك في داخله الرجاء المبارك الذي يعطيه المسيح.

بلاديوس: أعتقد أنه لا أحد يمكنه ذلك.

كيرلس: انتبه إذن يا بلاديوس، لماذا هو أمر هام أن نعود نتذكر ما قلناه في البداية. لقد عطش الإسرائيليون في البرية وتذمروا على الحكيم موسى، غير مُعاقبين، وسقطوا في صغر نفس شديد، إلاّ أنهم لم يُعاقبوا. ورغم أنهم لم يتعرضوا لنتائج الغضب، على الرغم من أن الله عادة يعاقب المذنبين بمثل هذا الخطأ. فالمبتدئ على التدرب لاقتناء الفضيلة ينال رحمة في البداية، حتى إن سقط من حين لآخر في بعض الأخطاء. لكن عندما يتقدم فإنه لن ينال صفحًا عن صغر النفس الشديد، وعن أي انحراف عن الطريق بلا ضابط، بسبب سلوكه في شهوات غير لائقة. وفي سفر العدد يقول الكتاب أيضًا: ” فارتحلوا من جبل الرب مسيرة ثلاثة أيام وتابوت عهد الرب راحل أمامهم مسيرة ثلاثة أيام ليلتمس لهم منزلاً. وكانت سحابة الرب عليهم نهارًا في ارتحالهم من المحلة. وعند ارتحال التابوت كان موسى يقول قم يارب فلتتبدد أعداؤك ويهرب مبغضوك من أمامك. وعن حلوله كان يقول ارجع يارب إلى ربوات ألوف إسرائيل. وكان الشعب كأنهم يشتكون شرًا في أذني الرب، وسمع الرب فحمي غضبه فاشتعلت فيهم نار الرب وأحرقت في طرف المحلة. فصرخ الشعب إلى موسى فصلى موسى إلى الرب فخمدت النار. فدعي اسم ذلك الموضع تبعيرة (اشتعالاً) لان نار الرب اشتعلت فيهم[3].

          ثم بعد ذلك يقول: ” وارتحلوا من جبل هور في طريق بحر سوف ليدوروا بأرض أدوم فضاقت نفس الشعب في الطريق. وتكلم الشعب على الله وعلى موسى قائلين لماذا أصعدتمانا من مصر لنموت في البرية لأنه لا خبز ولا ماء وقد كرهت أنفسنا الطعام السخيف. فأرسل الرب على الشعب الحيات المحرقة فلدغت الشعب فمات قوم كثيرون من إسرائيل[4].

          أرأيت أنه بنار وحيات أهلك الله هذا الشعب الذي يتذمر ويحتج دومًا؟! بينما هؤلاء ارتحلوا من جبل الرب وتابوت عهد الرب راحل أمامهم، باحثين عن مكان للراحة، وصلى موسى وتشفع لهم لدى الله وصارت سحابة تظللهم أيضًا، ومع هذا فإنهم دعوا الطعام الذي سقط من السماء بالطعام السخيف، واحتجوا بصراخ شديد ضد الله وضد موسى، ولهذا صاروا غذاءً للنار، وبعضهم مات على الفور من لدغات الحيات.

بلاديوس: وأي شئ يمكن أن نلاحظه من هاتين المعجزتين؟ وما هو جبل الرب؟

كيرلس: جيل الرب كما أتصور هو جبل سيناء، حيث نزل خالق الكل على شكل نار مشتعلة ورآه كل الشعب بحسب المكتوب، وحدد النواميس التي يجب أن يسيروا عليها لأنه يقول: ” هناك وضع له فريضة وحكمًا[5]، وأيضًا فإن تلك (النواميس) أعطاها المسيح. ولهذا فإن كلامه يصف هذه النواميس التي أعطاها من خلال موسى بقوله: ” فإني الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل[6].

          لنتقدم إذن ونتجاوز الغطاء المادي للحديث، ونلاحظ دقة المعاني الروحية. هؤلاء هم الذين استحقوا أن يروا الله ويعرفوه، ورأوا كما في الجبل نور الطبيعة الإلهية من خلال عيون الذهن، أي رأوا الطبيعة الإلهية في مجدها الأسمى الذي يفوق كل شئ. لأن مجد الطبيعة الإلهية هو فوق كل شئ. هؤلاء الذين بإيمانهم صاروا بمعنى ما معاينين المسيح. ورغم أنهم لم يعيشوا ليسمعوا منه كلماته، إلاّ أنه أعطاهم وعودًا من أجل طاعتهم له، لأن هذا ما صنعه إسرائيل وقتها قائلاً: ” لكل ما قاله الرب إلهك ستعمل وستسمع”، هؤلاء سيستمتعون بالعناية الحقيقية التي يجب أن تكون لهم وسيأخذون الاهتمام الكافي لأجل خلاصهم. ويكون الرب عونًا لهم ومحاربًًا عنهم وقائدًا لهم، يعتني بمكان راحتهم. لأن المسيح هو الأول الذي بسببنا ولأجلنا وضع ذاته في مواجهة الشيطان الشرس، وواجهه بصومٍ وتجارب في البرية، لكى ننال نحن الراحة ونرى الشيطان ساقطًا تحت أقدامنا. ولهذا يقول: ” في العالم سيكون لكم ضيق ولكن ثقوا أنا قد غلبت العالم[7]. ويقول في موضع آخر: ” ها أنا قد أعطيتكم سلطانًا لتدوسوا الحياة والعقارب وكل قوة العدو[8]. إذن فهو الأول الذي بسببنا ولأجلنا، غلب الشيطان وأنهي مملكته واهتم براحتنا، وجددنا لكي نصير خالدين. أي دخل هو أولاً إلى الفردوس، إذ أنه قد أبعد بمعنى ما، السيف المُسلط وأبطل الخطية التي كانت تعيقنا. وقد سدد عنا ديوننا كما هو مكتوب: ” مجروح لأجل معاصينا مسحوق لأجل آثامنا تأديب سلامنا عليه وبحُبره شُفينا[9]. لأنه سبق وصعد أولاً إلى الله الآب لأجلنا، وافتتح الطريق إلى السماء، وأعد المنازل السماوية، لهذا يقول: ” أنا أمضي لأعد لكم مكانًا[10]. إذن فالتابوت هو مثال للمسيح. لأن التابوت صُنع من خشب لا يفسد، وغطى على الناموس الإلهي والذي هو كلمة الله. ونستطيع أن ندرك أنه يشبه سر الله (المتجسد) من هذه الناحية، لأن الكلمة المتجسد هو الله داخل هيكل غير فاسد. إذن فلقد صار تابوت العهد في الأمام لكي يجد الإسرائيليون مكانًا للراحة. وهكذا سار المسيح أمامنا في الطريق التي ذكرناها الآن. وبعد ذلك قام بعمل الوسيط وصار شفيعًا لدى الآب، وصار كفارة لأجلنا ” إن أخطأ أحد فلنا شفيع عند الآب يسوع المسيح البار وهو كفارة لخطايانا[11]، كما كان موسى في القديم، عندما كانوا يرفعون التابوت لكي يتقدموا، يقول: ” قم يارب فلتتبدد أعداؤك ويهرب مبغضوك من أمامك[12]. وعندما يضعون التابوت على الأرض، يقول: ” ارجع يارب إلى ربوات ألوف إسرائيل[13]. بمعنى أنه الابن الوحيد الجنس قام لأجلنا، وهو الذي قال بفم المرنم: ” من اغتصاب المساكين ومن صرخة البائسين الآن أقوم يقول الرب[14]. وقتها سقط الأعداء وهرب أولئك الذين قاوموا المجد الإلهي وحاربوه، لأنه عندما صعد المسيح على الصليب، انتصر على الأعداء، أي السلطات والقوات المضادة، وعندما مات، أبطل سلطان رئيس هذا العالم، بحسب المكتوب: ” لكننا نتكلم بحكمة بين الكاملين، ولكن بحكمة ليست من هذا الدهر ولا من عظماء هذا الدهر الذين يُبطلون[15]. وعندما أكمل التدبير بقيامته من الأموات، ثم بصعوده إلى السموات إلى حضن الآب، جعل سكان الأرض يتحولون إليه، والساجدين له ألوف وربوات، لأنه يقول: ” وأنا إن ارتفعت عن الأرض أجذب إلىَّ الجميع[16]. إذن صلاة موسى هي مثال لشفاعة المسيح كإنسان، الذي يشفع فينا أمام الله الآب. لأنه كما يقول القديس يوحنا: ” لنا شفيع عند الآب يسوع المسيح البار وهو كفارة لخطايانا ليس لخطايانا فقط بل لخطايا كل العالم أيضًا[17]. وهو لنا أيضًا غطاء عقلي، مثل السحابة التي ظللتهم. فليسمع هذا كل من يتبرر بالإيمان بالمسيح “ لا تضربك الشمس في النهار ولا القمر في الليل[18]. وبحسب توزيع الأجور وفقًا للمثل الإنجيلي ” نحن الذين احتملنا ثقل النهار والحر[19]. وأعتقد أنه يعنى اللهب الشديد والقوي، الناتج عن الشهوات غير المروضة، أو ربما الناتج عن لهب التجارب وثقل النهار. إذن، المسيح صار لنا معينًا وسندًا لأجل خلاصنا. ولذلك فعندما يرفض أولئك الذين استحقوا أن يروا الله وصاروا شهودًا للأقوال الإلهية ونالوا المواعيد، ولديهم نية الطاعة باعتراف الإيمان، ثم يتحولون نحو الخطية، فإن هذا الذي سار أمامهم وقادهم، والذي يعتني براحتهم، والذي هو شفيع لأجلهم، أعني بالطبع المسيح، سيحاسبهم بعن حماقتهم وسيعانون عقوبة شديدة بالنار. واعتقد أن هذا هو ما قاله الحكيم بولس: ” فإنه إن أخطأنا باختيارنا بعد ما أخذنا معرفة الحق لا تبقى بعد ذبيحة عن الخطايا[20].

بلاديوس: إذن، فكل من أخطأ وتجاوز التدبير الذي صنعه المسيح سيصير غذاءً للنار، وكما هو واضح فإن المتذمر يُظهر عصيان ويرفض خلاصه المُقدم من المسيح، على الرغم من أنه تذوق النعمة ولديه خبرة من الذين عبروا وعنده وعود أكيدة من نحو المستقبل.

كيرلس: هكذا أقول، مادام الآخرون قد أُصيبوا بالخوف، فإن هؤلاء أيضًا بدأوا في الصراخ والاحتجاج الردئ ضد الله وضد موسى، ودعوا المن الذي نزل من السماء، بالطعام السخيف، لكنهم أُهلكوا بالحيات. لأن هؤلاء الذين أهانوا مخلص الجميع وفاديهم بسبب جحودهم، لم يُقدّورا أبدًا نعمة الحرية، بل إنهم فوق ذلك يسيئون إلى الكلمة المُحيى، وإلى عطية الروح، كأنها بلا فائدة. هؤلاء سيواجهون لدغات الوحش السامة. لكن كل من لم تستعبدهم الخطايا غير اللائقة، سينجون من الهاوية والجحيم والعقاب، وسيقهرون أعداءهم، لأنه يقول: ” على الأسد والصل تطأ، الشبل والثعبان تدوس[21]. إن أولئك الذين تدربوا بالفعل من خلال الجهادات التي جازوها ولم يتركوا نموهم بلا تدريب، بل تدربوا واعتادوا على الجهاد، من أجل الفضيلة، هؤلاء يصيبهم ضرر كثير إذا تهاونوا وأظهروا عدم شجاعة.

بلاديوس: هذه هي النتيجة فعلاً.

كيرلس: حديثنا يؤكد لنا أن المتذمر ليس فقط مكروهًا ومدانًا أمام الله، بل أن هذا التذمر هو نوع من الاتهام والغضب ضد إحسانات المخلص، حتى لو ظهر في الطريق بعد الآلام. إن محبة الراحة المرذولة تستحق لعنة ليست بقليلة، لأنهم بينما كان في مقدورهم أن يتمتعوا بالمواهب الإلهية وبالسماويات وبطريقة غير مُدانة، فإنهم يُلقون بأنفسهم بدون ضوابط في شهوات فاسدة وفي محبة جسدية غير نقية. ويُعد إهانة واضحة لحياة السمو والخلاص؛ اختيار السلوك الشرير بدلاً من حياة الخلاص، ويُعد قرار خاطئ؛ تفضيل الأمور الأرضية على الأمور السماوية. هكذا يجلبون على أنفسهم أمورًا مشينة. ولهؤلاء يقول إشعياء النبي باكيًا: ” ويل للقائلين للشر خير وللخير شر الجاعلين الظلام نورًا والنور ظلامًا الجاعلين المُر حلوً والحلو مرًا[22]. ولذلك سنجد أن الإسرائيليين قد تم أسرهم بسبب مثل هذه الأخطاء، ونتيجة لتذمرهم، أُدينوا مع ما يرتبط بهذا من فقدان الكرامة الناتج عن الشهوة. فهم قد احتقروا وصايا الله، وتذمروا على الطعام الذي هبط عليهم من السماء، وهو ما أثار ضدهم الديان العادل، لأنه مكتوب:     ” واللفيف الذي في وسطهم اشتهي شهوة فعاد بنو إسرائيل أيضًا وبكوا وقالوا من يطعمنا لحمًا. قد تذكرنا السمك الذي كنا نأكله في مصر مجانًا والقثاء والبطيخ والكراث والبصل والثوم. والآن قد يبست أنفسنا ليس شيء غير أن أعيننا إلى هذا المن… فلما سمع موسى الشعب يبكون بعشائرهم كل واحد في باب خيمته وحمي غضب الرب جدًا ساء ذلك في عيني موسى[23].

          أمّا تعتقد أن سقوط رجال قديسين في اشتهاء التنعم وفي مثل هذا الفكر الطفولي، أن يكونوا مستحقين للغضب الإلهي والإدانة، على الرغم من أنهم كانوا فعلاً رجالاً مدربين، ولكن تملكتهم الشهوة المنحرفة، ليعودوا إلى النجاسات الغريبة، ويسلكوا بلا ضوابط في هذه الشهوات، حتى أنهم بكوا كأطفال، ولم يستطيعوا أن يتحملوا قسوة الشهوة الشديدة.

بلاديوس: تتكلم حسنًا.

كيرلس: ولهذا تضايق موسى الحكيم جدًا، وكان غاضبًا جدًا، وصرخ بشدة قائلاً إنه لا يستطيع وحده أن يحمل حِمل هذا الشعب الذي سقط بهذه السهولة في الشهوة والعصيان. فأشار الله عليه أن يختار سبعين رجلاً لكي يكونوا عاملين ومساعدين معه في هذا العمل، وقد صاروا بنعمة الروح القدس معروفين من الجميع. لأنهم تنبأوا داخل الخيمة. في ذلك الحين قال الله لموسى: ” وللشعب تقول تقدسوا للغد فتأكلوا لحمًا لأنكم قد بكيتم في أذني الرب قائلين من يطعمنا لحمًا إنه كان لنا خير في مصر فيعطيكم الرب لحما فتأكلون. تأكلون لا يومًا واحدًا ولا يومين ولا خمسة أيام ولا عشرة أيام ولا عشرين يومًا. بل شهرا من الزمان حتى يخرج من مناخركم ويصير لكم كراهة لأنكم رفضتم الرب الذي في وسطكم وبكيتم أمامه قائلين لماذا خرجنا من مصر[24]. أثار هذا حزنًا لدى الله مخلصهم، لأن الإسرائيليين تناسوا عبوديتهم وذلهم في مصر، واعتبروها كأنها لم تكن، كل هذا بسبب شهوتهم للحوم وخضروات مصر. ونحن أيضًا مرات كثيرة نخضع لشهوات قوية وملتهبة تقنعنا أن نعتبر العبودية للشيطان هي أمر هين، وبسبب هذه الشهوات الأرضية الفاسدة نتقيد بعبودية الخطية. بل إنه في ذلك الحين أعطاهم الله إمكانية أن يأكلوا لحمًا لا ليوم أو عشرة ولكن لثلاثين يومًا، الأمر الذي يعنى استمرار غضب الله عليهم. والآن هو أيضًا يسمح لأولئك الذين يندفعون بلا ضابط نحو الشهوات الجسدية، ويتركهم لو أرادوا، أن يشتركوا في الأمور الجسدية لفترة زمنية معينة. وفي هذا المعنى يقول الكتاب: ” أسلمهم الله إلى ذهنٍ مرفوض ليفعلوا ما لا يليق[25]. والذين أكلوا انتهي بهم الأمر إلى مرض مميت، ومن يحيا في الأمور الجسدية ويفضلها عن المن العقلي، الذي هو كلمة الله، فإن محبته للأمور الأرضية الفاسدة ستُفضي به إلى الموت. وهذا كما أعتقد، معنى ما يقوله الكتاب: ” لأن من يزرع لجسده فمن الجسد يحصد فسادًا، ومن يزرع للروح يحصد حياة أبدية[26]. لكن ربما الخلاص من هذا الداء نجده فيما كتبه الرسول: ” وإنما أقول اسلكوا بالروح فلا تكملوا شهوة الجسد لأن الجسد يشتهي ضد الروح والروح ضد الجسد[27]. فلو كان الإسرائيليون وقتها قد اعتبروا عطية المن طعامًا مقبولاً والذي هو خبز الملائكة ومثال للحلاوة التي ينقلها الروح، ما كانوا قد خضعوا لشهوات الجسد ولا حصدوا من ورائها الهلاك. وقبور الشعب هي خير دليل على هذا. وهكذا ماتوا بسبب شهوتهم. ويستحق الذكر ما جاء على فم إشعياء النبي القائل:     ” ويخرجون ويرون جثث الناس الذين عصوا علىَّ[28]. الشعب الذي عاني هذه الأمور، يُسمى (شعب مشتهي) بحسب ما قيل عن بعضهم ” مجدهم في خزيهم[29]. أي أن اسمهم مأخوذ من خطيتهم, وكان هذا إعلانًا عن كل من مات في حزن وأُدين إدانة أبدية، لتراخيه وعدم صلابته، وصار هذا علامة واضحة لتلك الأمور التي من أجلها أُدين.

36 2كو10:11.

37 2كو16:4.

38 عدد33:10ـ36، 1:11ـ3.

39 عدد4:21ـ6.

40 خر25:15.

41 مت18:5.

42 يو33:16.

43 لو19:10.

44 إش5:53.

45 يو2:14.

46 1يو1:2.

47 عدد35:10.

48 عدد36:10.

49 مز5:12.

50 1كو6:2.

51 يو32:12.

52 1يو1:2ـ2.

53 مز6:121.

54 مت12:20.

55 عب26:10و27.

56 مز13:91.

57 إش20:5.

58 عدد4:11ـ6و10.

59 عدد18:11ـ20.

60 رو28:1.

61 غل8:6.

62 غل16:5ـ17.

63 إش24:66.

64 في19:3.

 

المقالة5 ج3 – السجود والعبادة بالروح والحق ج3 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة5 ج2 – السجود والعبادة بالروح والحق ج3 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة5 ج2 – السجود والعبادة بالروح والحق ج3 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة5 ج2 – السجود والعبادة بالروح والحق ج3 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

 

السجود والعبادة بالروح والحق

تابع المقالة الخامسة

الشجاعة التي بالمسيح

 

كيرلس: ألاّ تعرف أنه لا يستطيع المرء أن يصير مقبولاً أمام الله حتى لو أراد أن يجوز جهاد التقوى أمامه، إن لم يعتبر أن الحياة في هذا العالم هي مسكن مؤقت؟. وقد كُتب هذا في حياة القديسين بكل دقة ووضوح كصورة ومثال. أقام البار إبراهيم كساكن مؤقت في خيام وانتقل من مكان إلى مكان، بل وكل الإسرائيليين كانوا ينتقلون باستمرار في الصحراء وكانوا يسكنون في خيام. وقد افتخر داود النبي بهذا أمام الله قائلاً: ” اسمع صلاتي يارب وأصغ إلى صراخي ولا تسكت عن دموعي. لأني أنا غريب عندك. نزيل مثل جميع آبائي[1]. وكان ينتظر برغبة جارفة المسكن السمائي قائلاً: ” تشتاق بل تتوق نفسي إلى ديار الرب. قلبي ولحمي يهتفان بالإله الحي[2]. إذن، فهؤلاء الناس كان فكرهم محصورًا في السماويات وعطشى لسكنى السموات، الأمر الذي وعد به المخلص نفسه، أولئك الذين يحبونه: ” في بيت أبي منازل كثيرة، وإلاّ فإن كنت قد قلت لكم إني أمضي لأعد لكم مكانًا. وإن مضيت وأعددت لكم مكانًا وآخذكم إلىَّ حتى حيث أكون أنا تكونون أنتم أيضًا[3]. فالمقصود بمن يبني بيتًا وينشغل بالأعمال المرتبطة به هو ذلك الإنسان الذي لا يقبل أن يعيش في الحياة الحاضرة كغريب ونزيل، والذي يزرع كرمًا يشير إلى ذلك الإنسان الذي يحب الممتلكات والربح، والذي يخطب امرأة يشير إلى الإنسان محب الشهوة الذي لديه شهوة للنساء، وذهنه ملتصق بالشهوات الجسدية. لذلك عندما يُنادى للقتال، فإنهم يتراجعون عن المشاركة في الحرب المقدسة. هذه الأمور كان من الطبيعي أن يفكر فيها ويقولها أولئك المأسورون من هذه الشهوات، والكارز هو الذي يعلنها ويحذر منها. فالحقيقة أن المأسورين بهذه الشهوات لا يرغبون أن يحتملوا أي جهادات، ولا أن يخضعوا للغيرة المقدسة التي تتطلبها محبة الله، وهم يظنون أنهم لو حدث وجازوا هذه الجهادات، فإنهم يفقدون البيوت والممتلكات وأيضًا الشهوات التي يحبونها. وهكذا يظهر من هم الجبناء والضعفاء. إذن فأمر طبيعي لأولئك الناس أن يفكروا ويتكلموا بهذه الأمور التي يعلنها الكاتب بطريقة غير مباشرة موجهًا إليهم لومًا واضحًا، ويفاجئ الخائف الذي يقدم أعذارًا خاطئة، والذي يجمع الشهوات العالمية، كمن يجمع غذاء لخوفه. ولهذا فإن الله أمر كارز الجيش أن ينطق بالكلمة الأخيرة مجردة وواضحة بقول: ” ثم يعود العرفاء يخاطبون الشعب ويقولون من هو الرجل الخائف والضعيف القلب؟ ليذهب ويرجع إلى بيته لئلا تذوب قلوب إخوته مثل قلبه[4]. كأنه يقول وبكل وضوح من ينشغل بالأمور الأرضية ويبني بيوتًا ويزرع كرومًا ويغوى من الشهوات الجسدية، هو في كل الأحوال خائف وضعيف وتنقصه القوة، هذا هو الجاحد الذي يمثل ضررًا للآخرين، لأنه مكتوب: ” المعاشرات الرديئة تُفسد الأخلاق الجيدة[5]. والمأسور داخل خوفه الكامل، قد يجعل القوي والشديد البأس ينجذب نحو الخوف. ولهذا فإن القديس بولس يلوم البعض، أولئك الذين أرادوا أن يعوقوه على أن يصعد إلى أورشليم، لأنه يقول: ” ماذا تفعلون تبكون وتكسرون قلبي لأني مستعد ليس أن أُربط فقط بل أن أموت أيضًا في أورشليم لأجل اسم الرب يسوع[6]. ويجب أن نسجل أن المدعوين إلى العُرس كان رفضهم هكذا: ” اشتريتُ حقلاً،.. تزوجت امرأة فلذلك لا أقدر أن أجيء[7]. هذا ما ورد في الإنجيل على هيئة مثال. ولو أردت أن تفهم ذلك، فليس بالأمر الصعب أن نؤكده من الأمثلة القديمة.

بلاديوس: تكلم إذن ولا تتباطأ أبدًا، لأنك ستفيدني كثيرًا.

كيرلس: قرأنا في سفر العدد “ وبعد ذلك ارتحل الشعب من حضيروت ونزلوا في برية فاران. ثم كلم الرب موسى قائلاً: ارسل رجالاً ليتجسسوا أرض كنعان التي أنا معطيها لبني إسرائيل. رجلاً واحدًا لكل سبط من آبائه ترسلون. كل واحد رئيس فيهم. فأرسلهم موسى من برية فاران حسب قول الرب. كلهم رجال هم رؤساء بني إسرائيل[8].

          وعندما أحصي رجال الإرسالية بحسب الأسباط والعائلات، أضاف أيضًا: ” فصعدوا هؤلاء الاثني عشر رجلاً وتجسسوا الأرض من برية صين إلى رحوب في مدخل حماة. صعدوا إلى الجنوب وأتوا إلى حبرون[9].

          وبعد ذلك بقليل: “ أتوا إلى وادي أشكول وقطعوا من هناك زرجونة بعنقود واحد من العنب وحملوه بالدقرانة بين اثنين مع شيء من الرمان والتين. فدُعي ذلك الموضع وادي أشكول بسبب العنقود الذي قطعه بنو إسرائيل من هناك. ثم رجعوا من تجسّس الأرض بعد أربعين يومُا. فساروا حتى أتوا إلى موسى وهرون وكل جماعة بني إسرائيل إلى برية فاران إلى قادش وردّوا إليهما خبرًا والى كل الجماعة وأروهم ثمر الأرض. وأخبروه وقالوا قد ذهبنا إلى الأرض التي أرسلتنا إليها وحقا إنها تفيض لبنًا وعسلاً وهذا ثمرها. غير أن الشعب الساكن في الأرض معتزّ والمدن حصينة عظيمة جدًا. وأيضا قد رأينا بني عناق هناك [10]. تفهم الآن كيف أن هؤلاء الخائفين من أي شئ، وهؤلاء الجواسيس الجبناء الذين أُرسلوا إلى أرض الميعاد يعترفون بأن المدينة مليئة بكروم العنب وأرض خصبة ومليئة بثمار شهية، لكنهم أثاروا خوفًا في نفوس الشعب عندما وصفوا الشعب الساكن هناك بأنه مُعتز، قائلين أيضًا إنه توجد مدن حصينة بأسوار منيعة وهكذا نزعوا عن الإسرائيليين رجاء الانتصار إذ أخافوهم دافعين إياهم إلى الجبن.

بلاديوس: الأمر هو هكذا فعلاً.

كيرلس: لكن الحكماء والشجعان مثل كالب ويشوع قاوموا هذه الأقوال لأولئك (الجواسيس) قائلين للشعب ولموسى: ” إننا نصعد ونمتلكها لأننا قادرون عليها[11]. لكن الجواسيس الباقين الذين أُرسلوا معهما لم يوافقوا على هذا أبدًا وأكدوا للإسرائيليين إنه من الصعب أن يحتلوا أرض الميعاد. وبعد ذلك يقول الكتاب ” فرفعت كل الجماعة صوتها وصرخت وبكى الشعب تلك الليلة. وتذمر على موسى وعلى هرون جميع بني إسرائيل وقال لهما كل الجماعة ليتنا متنا في أرض مصر أو ليتنا متنا في هذا القفر. ولماذا أتى بنا الرب إلى هذه الأرض لنسقط بالسيف تصير نساؤنا وأطفالنا غنيمة أليس خيرا لنا أن نرجع إلى مصر. فقال بعضهم إلى بعض نقيم رئيسًا ونرجع إلى مصر[12]. إلى هذا الحد من الخوف والجبن وصل كل الشعب. وبينما يشوع ابن نون يحاول أن يثني الشعب حتى يصيروا أكثر جرأة، وقد مزق ثيابه وأسرف في تقدم وصف جميل لتلك الأرض، إلاّ أنهم لم يعودوا إلى شجاعتهم. وبهذا أثاروا حزنًا لدى الله المعتني بهم، بسبب صغر نفوسهم، وانقطاع رجائهم في أن يحققوا انتصارًا لأنهم نظروا فقط إلى قدراتهم البسيطة. ولهذا أقسم أيضًا وقال: “ لن تدخلوا الأرض التي رفعت يدي لأسكنكم فيها ما عدا كالب بن يفنة ويشوع بن نون[13]. فمن يستطيع أن يشك في أن الخائف وكل من يتجنب المتاعب وقليل الإيمان يُقاد مع آخرين إلى الهلاك ويُفسد بمعاشرات رديئة، وسيفقد ميراثه ورجاءه في الله، بينما المقدام والشجاع يمتلك بداخله رجاءً ثابتًا ويصير صديقًا لله.

بلاديوس: لا شك في هذا فهو دليل كافٍ.

كيرلس: كما قلنا في البداية إن كل من تسود عليه الشهوات العالمية هو شخص غير مُهيأ للمعركة الروحية.

بلاديوس: بالتأكيد يكون غير مُهيأ.

كيرلس: سأضيف إنه يجب علينا كما أعتقد أن نسعي بإصرار نحو كل ما هو نافع، فإن المبتدئ في طريق الفضيلة لا تكون لديه القدرة الكافية لخوض هذه المعركة، بل من السهل جدًا أن يندفع نحو الظلم.

بلاديوس: ماذا تقصد بذلك؟

كيرلس: كُتب في سفر التثنية: ” إذا اتخذ رجل امرأة جديدة فلا يخرج في الجند ولا يحمل عليه أمر ما. حرًا يكون في بيته سنة واحدة ويسرّ امرأته التي أخذها[14].

          هل تلاحظ، يا بلاديوس، المعنى الظاهري للكلمات؟ وهل المُشرّع مُحب الفضيلة يترك المحارب جالسًا مستريحًا في بيته، ولا يجعله يتقدم وينمو؟ وهل يريده أن يُهزم بهذه العلاقة المسترخية مع المرأة، ويعتبر أن محبة الجسد هي أكثر إفادة من اجتياز هذه المعركة؟.

بلاديوس: على الأقل بالنسبة لي يصعب علىَّ أن أُفسر روح المُشرّع هكذا، لكن كما هو واضح فإن الأمر له شرح آخر مُحتمل.

كيرلس: سأعود مرة أخرى إلى نفس الدائرة، وسأقول لك تلك الأمور التي سبق وذكرتها. الإنسان المبتدئ في طريق الفضيلة وهو لم يكتمل تمامًا بعد، من السهل أن يتحول للوضع العكسي.

بلاديوس: اخبرني كيف؟ لأنني لا أفهمك جيدًا.

كيرلس: قال سليمان في الأمثال: ” قل للحكمة أنتِ أختى وادع الفهم ذا قرابة[15]. بالحق نحن نقتني لنا فضائل، وذلك عندما نهتم أن نقدم ثمارًا من خلال هذه الفضائل، أي عندما ينجح الواحد أن يقدم الحكمة في المعرفة وينجح الآخر في ممارسة الوداعة والتواضع بنشاط وحيوية. فهل بمجرد أن يبدأ الذهن أن ينشغل وبشكل مباشر بهذه الاهتمامات الجادة، يصير قادرًا على تقبل التجارب والضيقات؟ وذاك الذي اختبر الحكمة حديثًا ثم عاشر أولئك الذين يُعوجون المستقيمات، ألاّ يُعوّج أكثر؟. أي هل يستطيع أن ينتصر وأن يصد هؤلاء المنحرفين، إذا لم يكن مؤسسًا بعد وغير ثابت بقوة من فوق؟.

بلاديوس: يبدو هكذا.

كيرلس: ومن يمارس الوداعة، لو كان غير مُدرب عليها، ألاّ يسقط بسهولة في الغضب إن أثاره أحد؟.

بلاديوس: أعتقد ذلك.

كيرلس: عكس ذلك، فإن الحكيم المُدرب سيُجاهد مع الحكماء وسيواجه بشجاعة الأفكار غير المستقيمة برؤيته المستقيمة.

بلاديوس: هذا حقيقي.

كيرلس: ماذا إذن؟ إن من ينجح في ممارسة الوداعة، لا يترك مساحة للغضب، حتى ولو دفعه الآخرون إلى الغضب من حين لآخر.

بلاديوس: أنا أوافق على ذلك.

كيرلس: فالناموس يشبه فضيلة القديسين الساكنة فيهم بجمال المرأة، لأنه يقول: ” إذا اتخذ رجل امرأة جديدة فلا يخرج في الجُند ولا يُحمّل عليه أمر ما. حُرًا يكون في بيته سنة واحدة ويُسرّ امرأته التي أخذها[16]. فكما أن الذي ارتبط حديثًا (بامرأة) لا يُحمّل بمتاعب وأثقال بل يبقى حرًا في بيته متمتعًا بالدفء، هكذا الأمر مع الذي هو حديث في اقتناء الفضيلة وفي حماسه، وهذا ما نجده في كرازة الرسل القديسين الذين أُرسلوا لدعوة أولئك الذين قبلوا الإيمان حديثًا، ودعوهم إلى معرفة الله، فكتبوا بكل وضوح:   “ لأنه قد رأي الروح القدس ونحن أن لا نضع عليكم ثقلاً أكثر غير هذه الأشياء الواجبة. أن تمتنعوا عما ذُبح للأصنام وعن الدم والمخنوق والزنى[17]. فجنبوهم بروح التدبير، أكثر الوصايا ثقلاً، وأمروهم أن يحفظوا أمورًا قليلة لكنها هامة دون أن يتجاهلوا ضعف أولئك الذين دخلوا حديثًا في الإيمان بالمسيح. إذن، فإله الكل يستطيع أن يسامح هؤلاء (حديثي الإيمان) عن الغضب أو الأخطاء، لو أنهم ضعفوا أثناء سلوكهم في طريق الآلام. لكن بعد ذلك فإن الأمر يتطلب عقابًا، ويُسلّمون لشدة غضبه، لأنهم يُظهرون ضعفًا، لا لأنهم لم يعتادوا على الآلام والمتاعب، ولكن لأنهم ينجذبون للشهوة وللتنعم ويسلكون عمدًا في طريق عدم اللياقة وعدم التقوى. أم أن الفضيلة ليست تصاعدية وأن الطريق إليها ليس صعبًا؟ وهل من اختار أن يقتنيها لا يحتاج أن يجاهد ويتعب؟

بلاديوس: هكذا يكون الأمر.

كيرلس: ألاّ يُعتبر هذا أمرًا مُبررًا، أو من الأفضل أن نقول ألاّ يُعتبر هذا أمرًا مستقيمًا وصحيحًا، أن كل من ابتدأ هذه المحاولة أن نعلمه وندربه بإشفاق، طالما هو لم يثبت بعد وهو يتقدم بأرجل مهتزة ومازال في ضعفه، أما المختبر فيُعلَّم من خلال الآلام الشديدة ومخافة الله ويُقاد بالطاعة وقبول المصاعب بحسب ما هو ضروري له؟.

بلاديوس: هذا التفكير هو تفكير راجح.

كيرلس: والأمر واضح لو فحصنا بالتفصيل ماذا حدث للأقدمين كنماذج لذلك، لأنه مكتوب: “ ثم ارتحل موسى بإسرائيل من بحر سوف وخرجوا إلى برية شور فساروا ثلاثة أيام في البرية ولم يجدوا ماء. فجاءوا إلى مارة ولم يقدروا أن يشربوا ماء من مارة لأنه مر لذلك دعي اسمها مارة. فتذمر الشعب على موسى قائلين ماذا نشرب. فصرخ إلى الرب فأراه الرب شجرة فطرحها في الماء فصار الماء عذبًا[18]. إذن ارتحل الإسرائيليون حديثًا من مصر وتخلصوا من الآلام والنير غير المحتمل، نير عبودية المصريين، محاولين الوصول إلى الأرض التي وعد بها الله آباءهم منذ القديم. أول مشقة واجهوها هي غياب الماء الذي وجدوه بعد متاعب كثيرة وطويلة، لكن التمتع به لم يأتِِ بدون عناء، لأنه كان مرًا كما هو مكتوب. لكن بطرح الشجرة فيه تحوّل إلى ماء حلو، وذلك بعدما أشار الله على موسى أن يلقيها في الماء. أي أنهم تعلّموا بواسطة الناموس الإلهي الالتزام بتبعية الله الذي ينقذنا من عبودية وسيطرة الشهوات المُرة. إذن فهو أمر هام أن نجاهد مقاومين التجارب لكي ننال إكليل النُصرة، ونهدئ الجسد بالأتعاب النُسكية، ونسّكنه كوحش ضاري، بالعطش والابتعاد عن الطعام لكي نكبح تلك الاندفاعات التي تتجه نحو الشهوة.

          معركتنا الأولي، لو أردنا أن نحقق ضبط النفس، هي مع الجسد وكل ما يتعلق به، وأعتقد أنه لا يستطيع أحد أن يحقق الفضيلة بأسلوب آخر. والعطش في الصحراء، الذي حدث للأقدمين، هو المثال الذي يُعطي للأتعاب النُسكية، وبداية تداريب النُسك هي تلك الخاصة بالأمور الجسدية. لاحظ أيضًا كيف أن الإسرائيليين لم يسقطوا من البداية في الحرب؟ّ لأن كل الذين يواجهون الشهوات لأول مرة ويبدأون في تحقيق الفضيلة، لا يندفعون مباشرة نحو المعركة ضد القوات والسلطات، لأن هؤلاء الذين يتدربون ليس لديهم بعد قوة، ولم يجتازوا بعد مرحلة الخطر، لكن يُختبرون أولاً بالآلام الجسدية، بينما يدبر الله مقدار ثقل الألم، على قدر احتمال أولئك الذين يجاهدون. وأعتقد أن هذا يعني أن التجارب التي يواجهونها حتى الآن لم تكن فوق قدراتهم الإنسانية. لأن الرسول يقول: ” ولكن الله أمين الذي لا يدعكم تُجربون فوق ما تستطيعون، بل سيجعل مع التجربة أيضًا المنفذ، لتستطيعوا أن تحتملوا[19]. ولأن جهادات الفضيلة صعبة جدًا، فإن المسيح يحولها إلى جهادات حلوة ومفرحة، المسيح هو الذي دُعيَّ شجرة الحياة. وهو نفسه يقول هذا في الإنجيل: ” لأنه إن كانوا بالعود الرطب يفعلون هذا فماذا يكون باليابس[20]. فهو دعا نفسه العود الرطب. والله (الآب) هو الذي أشار على موسى البار بالخشبة. بمعنى أن الآب وحده أعلن الابن، لأن الابن وحده يعرف الآب. لأنه يقول: ” وليس أحد يعرف الابن إلاّ الآب ولا أحد يعرف الآب إلاّ الابن[21]. إذن، فبالمسيح شجرة الحياة يصير كل ما هو مُر ـ حلوًا، والغير المحتمل يصير محتملاً. وكل هذه الأمور (أي الآلام) رغم أنها هامة في الحياة، وهي موجودة كوضع طبيعي، إلاّ أنها تتعب وتضر الجسد.

15 مز13:39ـ14.

16 مز2:84ـ3.

[3] يو2:14ـ3.

[4] تث8:20.

[5] 1كو33:15.

[6] أع13:21.

[7] لو19:14و20.

[8] عدد16:12و1:13ـ3

23 عدد21:13ـ22.

24 عدد23:13ـ28.

25 عدد30:13.

26 عدد1:14ـ4.

27 عدد30:14.

28 تث5:24.

29 أم4:7.

30 تث5:24.

31 أع28:15و29.

32 خر22:15ـ25.

33 1كو13:10.

34 لو31:23.

35 مت27:11.

 

المقالة5 ج2 – السجود والعبادة بالروح والحق ج3 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة5 ج1 – السجود والعبادة بالروح والحق ج3 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة5 ج1 – السجود والعبادة بالروح والحق ج3 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة5 ج1 – السجود والعبادة بالروح والحق ج3 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

 

السجود والعبادة بالروح والحق

المقالة الخامسة

الشجاعة التي بالمسيح

 

كيرلس: إن الهدف الذي وضعه القديسون لأنفسهم يا بلاديوس، هو أنهم جاهدوا من أجل حياة الآخرين، لأنهم لم يريدوا لأنفسهم أي شيء من أمور هذا العالم.

هكذا استطاعوا أن يكونوا حكماء وأقوياء، مملوءين بالرجاء الصالح. ومُسلحين جيدًا بالرضا السماوي. وكما تعرف جيدًا أيها الصديق أن هذه الأمور لم يكن لها أن تصير بعكس ذلك. فقد كان لهم الفكر الذي هزم صعوبات هذا العالم والشهوات الحاضرة، وواجهوها باستقامة وهزموا الأعداء بسهولة، وأيضًا بسهولة كبيرة جدًا انتصروا على مقاوميهم، لأن الله قد زلزل أولاً قوة أولئك المقاومين. لكن لو أن التلاميذ القديسين قد أسرتهم ـ هم أيضًا ـ الشهوات العالمية وحاصرتهم الرغبات الأرضية، لكانوا قد صاروا مجردين من العون السمائي، ولكانوا صيدًا سهلاً لأعدائهم كالمطُاردين وكالمقبوض عليهم بسهولة.

بلاديوس: وهل يمكن تأكيد ما قلناه؟ أريد أن أعرف ذلك بوضوح.

كيرلس: تستطيع أن تعرف من الكتاب المقدس الذي يؤكد هذه الأمور بأسلوب مفيد من خلال ما حدث للأقدمين. فإن هذه الأمور كُتبت لأجل إرشادنا كما قال القديس بولس[1].

بلاديوس: اعترف أن كل ما تذكره الكتب المقدسة يبعث فينا فائدة ليست بالقليلة. لأن تلك الظلال إنما كانت مثالاً للحقيقة.

كيرلس: إذن فلنتقدم في الحديث. عندما عبر الإسرائيليون نهر الأردن وهاجموا أريحا وتبعوا الوصايا الإلهية، حاولوا أن يحتلوها بالحصار، وفي نيتهم أن ينتصروا على الفور، إذ أننا نقرأ: ” فدعا يشوع بن نون الكهنة وقال لهم: احملوا تابوت العهد وليحمل سبعة كهنة أبواق هتاف أمام تابوت الرب. وقالوا للشعب اجتازوا ودوروا دائرة المدينة وليجتز المتجرد أمام تابوت الرب[2].

          وأيضًا عندما يوصي المسيح على فم قادة الشعب، فإننا ننتصر على الأعداء، لأن معركتنا ليست مع لحم ودم، بل مع الرؤساء والسلاطين، ومع الناموس الذي يحارب بقسوة في أعضاء الجسد. سنأتي أمام الله لابسين الدرع الإلهي ” لأن أسلحتنا ليست جسدية ” وفقًا لما قاله القديس بولس[3].

          وبناءً على هذا، فالله رب الجميع، يلاحظ المحاربين وهم لا بسين الحلل المنيرة التي للحياة الفاضلة، أي أن المحاربين يتقدمون أمام المسيح، وهم مُسلحون. وهذا أمر نافع جدًا، وبالحق نحن نتمنى أن نأتي أمام الله. إنه من الممكن أن يفرض الله عقابًا على أولئك الذين يسببون الألم، بسبب انحرافهم، إذ يستر وجهه عنهم كما هو مكتوب ” فحين تبسطون أيديكم استر عينى عنكم [4].

          ولأن الحصار امتد لليوم السابع، قال يشوع بن نون للإسرائيليين: ” اهتفوا لأن الرب قد أعطاكم المدينة. فتكون المدينة وكل ما فيها محرمًا للرب. راحاب الزانية فقط تحيا هي وكل من معها في البيت لأنها خبأت المرسلين اللذين أرسلناهما. أما أنتم فاحترزوا من الحرام لئلا تُحرموا وتأخذوا من الحرام وتجعلوا محلة إسرائيل محرمة وتكدروها. وكل الفضة والذهب وآنية النحاس والحديد تكون قدسًا للرب وتدخل في خزانة الرب[5].

          أي أنه سُمح للشجعان أن يتمتعوا بالغنائم الأخرى، لكنه يقول إنه يجب أن يُنقل ويُوضع في خزانة الرب كل شئ مصنوع من فضة وذهب ونحاس وحديد، هذا هو الذي يُقال عنه إنه مُحرم، وهذا هو الذي عُزل عن كل شئ وخُصص لله. فإن ” عخان بن كرمى بن زبدى بن زارح من سبط يهوذا ـ لم يعطِ أي أهمية للوصية ـ فأخذ من الحرام فحمى غضب الرب على إسرائيل[6]. واعتقد أنه يجب على كل من يقاوم الشهوات العالمية ومغريات الحياة، ويعيش بحسب ما يريد الله، أن يتقدم بأسلحة البر ويتقابل فعلاً مع المسيح، وألاّ يشتهي شيئًا من هذا العالم، لا غنى ولا مجد ولا سلطة ولا امتيازات، ولا أي شئ من تعاليم الحكمة اليونانية الباطلة. والفضة تشير إلى بريق الرتب والامتيازات، والذهب يرمز للغنى، والنحاس يشير إلى فصاحة هذا العالم، والحديد يشير إلى القوة والسلطة، لأنه صلب جدًا ويحتمل أكثر من أي معدن آخر.

          وبناءً على هذا، لو أراد المرء أن يغتصب شيئًا، حتى ولو كان له مكانة متميزة، وهو من المحاربين وكان متفوقًا في شجاعته الروحية، ولكن لأنه عصى الله واختار أن يثير أحزان أقرانه ومعاونيه بانحرافات مريضة، فإن هذا سيؤدى به للغضب الإلهي.

بلاديوس: تكلمت بالحق، وأنا متفق معك. لكن أخبرني عن هذا، ولننتقل بحديثك من الوضع التاريخي. لماذا لم يستبعد الرب من الخيمة الفضة والذهب والنحاس والحديد، كأشياء لا فائدة منها، وعادة ما تثير التلوث؟. وإذ أن رؤيتنا الروحية دائمًا تُظهر أن هذه الأشياء تسبب تعطيل للمسيرة الروحية.

كيرلس: لأنه يا بلاديوس كل البهاء والحكمة والغني والقوة تُنسب بالحق لله، لأن الله هو الذي له المجد، وكل الإكرام والغني والحكمة والقوة. فلو أخذ أحد من الله واغتنى منه، أي أخذ غنى ومجدًا وفهمًا وقوةً، سيكون معروفًا ويصير مثالاً للآخرين. لأنه لو أراد أن يأخذ هذه الأمور من العالم، سيصير بشعًا ومكروهًا من الله الذي يكرّم الفضيلة، وسيُحاسب يوم الدينونة. لأنه على كل حال، فإن الغنى الأرضي تصاحبه الشهوات الجسدية، والبريق والتميز عن الآخرين يصاحبه الغرور. ومع السلطة يكون الطمع، ومع الحكمة العالمية تكون التعاليم المُضلة. حتى ولو كانت اللغة التي يتكلم بها (هذا الحكيم) لغة مُبهجة. ولذلك يقول الرسول بولس  ” إن كان أحد يظن أنه حكيم بينكم في هذا الدهر فليصر جاهلاً لكي يصير حكيمًا. لأن حكمة هذا العالم هي جهالة عند الله[7].

          إذن فعخان الذي لم يأخذ من كنز المسيح، كواحد من هذا العالم، أي كواحد من أريحا، فإنه بتصرفه هذا قد عصى الله. والضرر الذي يحدث من وراء كل هذا، هو أن الغضب الإلهي لا ينحصر فقط في الشخص المُدان، لكن بتصرفه (الخاطئ) أساء للشعب كله. ولأن الإسرائيليين فقدوا المعونة الإلهية، صاروا متوانين وجبناء، وهم الذين كان من الصعب جدًا أن يُهزموا في الماضي.

بلاديوس: بأي الطرق وأين نستطيع أن نعرف أن هذا الكلام هو كلام حقيقي؟.

كيرلس: من المكتوب فيما بعد. فبعد كل هذا البريق وهذه البطولات في أريحا من قبل الإسرائيليين جميعًا، أرسل يشوع بعض رجال من أريحا إلى عاي، وكلمهم قائلاً: ” اصعدوا تجسسوا الأرض. فصعد الرجال وتجسسوا عاي. ثم رجعوا إلى يشوع وقالوا له: لا يصعد كل الشعب بل يصعد نحو ألفي رجل أو ثلاث آلاف رجل ويضربوا عأي. لا تكلف كل الشعب إلى هناك لأنهم قليلون. فصعد من الشعب إلى هناك نحو ثلاثة آلاف رجل وهربوا أمام أهل عاي. فضرب منهم أهل عاي نحو ستة وثلاثين رجلاً ولحقوهم من أمام الباب إلى شيباريم، وضربوهم في المنحدر. فذاب قلب الشعب وصار مثل الماء[8]. هؤلاء الذين حاصروا مدنًا وغنموا بلادًا، وبدون مشقة هزموا أكثر الشعوب صلابة، انهزموا من محاربين لا ذكر لهم في عاي، فهربوا بعد أن ضُرب منهم كثيرون. في البداية لم يشأ كل المحاربين أن يأخذوا معهم أسلحة، وقالوا إنه من السهل وبعدد قليل أن يحتلوا المدينة، إذ نقرأ ” لا يصعد كل الشعب بل يصعد نحو ألفي رجل“. أمام هذا البلية غير المتوقعة وهذه النكبة غير المنتظمة، حزن يشوع جدًا ومزق ثيابه وسقط على وجهه إلى الأرض أمام تابوت الرب، وسأل الله وهو منكسر ماذا تعني هذه البلية؟ قال له الرب ” قم لماذا أنت ساقط على وجهك؟ قد أخطأ إسرائيل، بل تعدوا عهدي الذي أمرتهم به بل أخذوا من الحرام بل سرقوا بل أنكروا. بل وضعوا في أمتعتهم، فلم يتمكن بنو إسرائيل للثبوت أمام أعدائهم. يديرون قفاهم أمام أعدائهم، لأنهم محرمون ولا أعود أكون معكم إن لم تبيدوا الحرام من وسطكم[9]. وعندما أشاروا إلى عخان، قال يشوع لعخان: ” يا ابني أعط الآن مجدًا للرب إله إسرائيل واعترف له واخبرني الآن. ماذا عملت؟ لا تُخفِ عني. فأجاب عخان يشوع وقال حقًا إني قد أخطأت إلى الرب إله إسرائيل وصنعت كذا وكذا. رأيت في الغنيمة رداءً شنعاريًا نفيسًا ومئتي شاقل فضة ولسان ذهب وزنه خمسون شاقلاً فاشتهيتها وأخذتها. وها هي مطمورة في الأرض في وسط خيمتي والفضة تحتها[10]. هكذا تفهم أن السارق نفسه يقول رأيت بين الغنائم رداءً شنعاريًا نفيسًا متعدد الألوان ومائتي شاقل فضة ولسان ذهب وزنه خمسون شاقل، هذه هي التي سيطرت على عقله، أي أنه اشتهاها وهو لم يكن يحق له. وهذا الرداء الشنعاري هو الزى العسكرى وهو ثمين جدًا، ويقولون إنه الزى الذي يُنسج من خيوط مختلفة الألوان، وهو يرمز للجشع. فالعسكريون كلما يأخذوا أكثر فأكثر ترافقهم الفرحة على الدوام. والفضة ترمز للبريق العالمي، واللسان (الذهب) يرمز للحكمة اليونانية البراقة. شئ مثل هذا، هو لغة وثقافة الحكماء اليونانيين، فهي بمعنى ما، مثل الذهب وتمثل شيئًا ثمينًا جدًا، بسبب بريق الكلمة. عندما اكتُشفت الخطية، وضع يشوع على عخان عقابًا، لأنه لم يظلم نفسه فقط، لكن الضرر امتد إلى كل الإسرائيليين بسبب شهوته الجامحة. هذا ما يعلنه الرسول بولس بكل التأكيد والوضوح وبشكل تام: ” اعزلوا الخبيث من وسطكم. ألستم تعلمون أن خميرة صغيرة تخمر العجين كله[11]. ألم يبدو هذا الأمر بكل وضوح أولاً بالحديث عن إبراهيم، إن مجد الشجاعة يظل خالدًا في القديسين ويتبعه إمكانية الانتصار السهل على الأعداء، إذ أنهم تجنبوا اقتناء أي شئ من أمور هذا العالم. ثم بعد ذلك، بالحديث عن عخان عندما حدث العكس، إذ أنه ابتعد عن الطريق المستقيم وانحصر في الأمور العالمية.

بلاديوس: حديثك واضح جدًا

كيرلس: لأنه يجب على القديسين أن يظهروا على الدوام بنفس منهج الحياة، وألاّ يتغيروا في تصرفهم. هذا ما يوضحه الناموس بكلام نقي: ” لا يكن متاع رجل على امرأة ولا يلبس رجل ثوب امرأة. لأن كل من يعمل ذلك مكروه لدى الرب إلهك[12]. هو شئ مقزز ومشهد بشع جدًا أن تعرض نماذج للبطولة من خلال حياة مترفة. وهذا يعنى متاع رجل على امرأة ورغبة التنعم من رجل قوى، نفس الشيء أن يرتدى أحد ثوب امرأة.

بلاديوس: ما الذي تريد أن تقوله؟

كيرلس: أليس النفاق شيئًا خطأ، غير مقبول أمام الله والناس؟

بلاديوس: هذه حقيقة.

كيرلس: إذن لو أن هناك شخصًا محبًا للشهوة وفاسد ويظهر هذا من أعماله، ثم يتباهي بهذه الأخلاق الزائفة، هل ستمتدحه يا بلاديوس؟

بلاديوس: بالتأكيد لا.

كيرلس: وماذا أيضًا عن الأخلاق الحقيقية والأخلاق العالمية؟ ألا تعتقد أنه يجب على المرء أن يكون ثابتًا على نفس الرأي على الدوام؟ وألاّ يظهر بشكل مختلف عما هو عليه؟

بلاديوس: أوافق.

كيرلس: وعليه لا يمكن أبدًا لأناس لديهم فكر الترف والنعومة أن يحل هذا محل مجد الرجولة. وهذا هو معنى المكتوب: ” لا يكن متاع رجل على امرأة“. ولا أن تظهر القوة الحقيقية في التنعم، لأن هذا هو معنى ” ولا يلبس رجل ثوب امرأة“. لأن الخطأ واحد في الحالتين وهو الدناءة واحتقار الفضيلة.

بلاديوس: الترف كما هو واضح يمثل خطرًا، والأمر لا يخلو من ضرر.

كيرلس: لا تخف مطلقًا. لأن الخطية مُزدراه جدًا ويبغضها الله. وأنا أعتقد أنه يجب على القوي الحقيقي والشجاع ألاّ يترك ذهنه ينشغل بلا وعي بالأمور العالمية، وأن يحفظه بعيدًا عن كل خوف وجمود، ويستند على إيمان بلا لوم أمام الله، لأنه يقول: ” أستطيع كل شئ في المسيح الذي يقويني[13]. وأن نتجنب كل شئ يثير الخطية، ونبدو أننا غير مُختبرين أمام الله من جهة الفكر، ونظهر أننا نفضل الأمور الأرضية. ومكتوب أيضًا في سفر التثنية: ” إذا خرجت للحرب على عدوك ورأيت خيلاً ومراكب قومًا أكثر منك فلا تخف منهم لأن معك الرب إلهك الذي أصعدك من أرض مصر. وعندما تقربون من الحرب يتقدم الكاهن ويخاطب الشعب، ويقول لهم اسمع يا إسرائيل. أنتم قربتم اليوم من الحرب على أعدائكم. لا تضعف قلوبكم. لا تخافوا ولا ترتعدوا ولا ترهبوا وجوههم. لأن الرب إلهكم سائر معكم لكي يحارب عنكم أعداءكم ليخلصكم. ثم يخاطب العرفاء الشعب قائلين: من هو الرجل الذي بنى بيتًا جديدًا ولم يدشنه. ليذهب ويرجع إلى بيته لئلا يموت في الحرب فيدشنه رجل آخر. ومن هو الرجل الذي غرس كرمًا ولم يبتكره. ليذهب ويرجع إلى بيته لئلا يموت في الحرب فيبتكره رجل آخر. ومن هو الرجل الذي خطب امرأة ولم يأخذها. ليذهب ويرجع إلى بيته لئلا يموت في الحرب فيأخذها رجل آخر. ثم يعود العرفاء يخاطبون الشعب ويقولون من هو الرجل الخائف والضعيف القلب. ليذهب ويرجع إلى بيته لئلا تذوب قلوب إخوته مثل قلبه[14].

بلاديوس: وأنا أيضًا أقول لتكن لنا شجاعة أمام الله، ويجب أن نميز الفضائل، وأن نندفع بشجاعة نحو كل صلاح. لكن أن يُطرد البعض من الحرب كأُناس غير مناسبين، فأنا لا أستطيع أن أفهم كيف وبأي طريقة يتم هذا؟

1 أنظر رو3:15.

2 يش6:6ـ7

3 2كو4:10.

4 إش15:1.

5 يش16:16ـ19.

6 يش1:7.

7 1كو18:3ـ19.

8 يش2:7ـ5.

9 يش10:7ـ12.

10 يش19:7ـ21.

11 1كو6:5.

12 تث5:22.

13 في13:4.

14 تث1:20ـ8.

 

المقالة5 ج1 – السجود والعبادة بالروح والحق ج3 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيمر

المقالة4 ج5 – السجود والعبادة بالروح والحق ج3 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة4 ج5 – السجود والعبادة بالروح والحق ج3 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة4 ج5 – السجود والعبادة بالروح والحق ج3 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

 

السجود والعبادة بالروح والحق

تابع المقالة الرابعة

 

   وبعد ذلك، إذ حدث الإحصاء للشعب وللأسباط يضيف أيضًا: ” ثم كلم الرب موسى قائلاً: لهؤلاء تقسم الأرض نصيبًا على عدد الأسماء. الكثير تكثر له نصيبه والقليل تقلل له نصيبه كل واحد حسب المعدودين منه يعطى نصيبه. إنما بالقرعة تقسم الأرض حسب أسماء أسباط آبائهم يملكون. حسب القرعة يُقسم نصيبهم بين كثير وقليل”[1]. هذا هو ما شرّعه الناموس بخصوص كل ما ينبغي أن يرثه الذين تجاوزوا العشرين عامًا. وبعد إحصاء الحشد الأكبر من الشعب، صار إحصاء بني لاوي: ” وهؤلاء المعدودون من اللاويين حسب عشائرهم لجرشون عشيرة الجرشونيين”[2]. وطالما تحدث عن نسب موسى وهرون، يضيف أيضًا عن أحفاد اللاويين: “ وكان المعدودون منهم ثلاثة وعشرين ألفا كل ذكر من ابن شهر فصاعدًا لأنهم لم يعدوا بين بني إسرائيل، إذ لم يعطِ لهم نصيب بين بني إسرائيل. هؤلاء هم الذين عدهم موسى وألعازار الكاهن حين عدا بني إسرائيل في عربات موآب على أردن أريحا. وفي هؤلاء لم يكن إنسان من الذين عدهم موسى و هارون الكاهن حين عدا بني إسرائيل في برية سيناء. لأن الرب قال لهم إنهم يموتون في البرية، فلم يبق منهم إنسان إلاّ كالب بن يفنة ويشوع بن نون[3].

          فلنتقدم الآن أيضًا فاحصين بإيجاز كل واحدٍ على حدة، دعنا ندرس هذه الأمور بوضوح وتحديد أكثر.

بلاديوس: قل إذن ولا تمل أبدًا. لأنه من دواعي سروري أن نتحدث في هذه الأمور بالتفصيل.

كيرلس: إذن ونحن نوجز مفهوم هذه الأمور التي تكلمنا عنها، نقول الآتي: يأمر الله أيضًا بإحصاء المتمرسين في الحرب، كما قلنا منذ قليل، أي أن المعروفين والمسجلين بواسطة الله في كتاب الحياة ليسوا الجبناء وغير القادرين، ولا الذين لديهم معرفة طفولية، بل هم الأقوياء جدًا والمستعدون لمحاربة الشهوات والخطية، وكل الذين تقدموا في الفهم ويستطيعون أن يعملوا ما يجب عليهم، ولديهم النشاط والقدرة على إتمام الأمور التي يريدها الله. هؤلاء تشاركوا في الأرض بحسب السبط وبحسب الاسم كل واحد على حدة، هؤلاء الذين نتحدث عنهم بحسب السبط والجنس يشيرون إلى الذين يرثون الأرض المقدسة، والذين سوف يشتركون في الخيرات العتيدة، هؤلاء هم الذين قيل عنهم: “ طوبى للودعاء لأنهم يرثون الأرض. طوبى للجياع والعطاش إلى البر لأنهم يشبعون. طوبى للرحماء لأنهم يُرحمون[4]، وأيضًا في التطويبات الأخرى. هذا هو نصيب كل شخص من أولئك الذين يُرحمون، والذين هم أبرار وودعاء، والذين طُردوا من أجل البر، إذ يُعطى تاج البر لكل واحد منهم على حدة، لأن الله يقدر كل واحد وفقًا لإنجازاته. فإن الله يفيض النعمة على الشجعان بحسب قياس شجاعتهم، بالرغم من أننا نعرف أن الهبة صارت بمقياس عظيم ومُنحت بأكثر سخاء، لأنه يقول: ” اعطوا تعطوا كيلاً جيدًا ملبدًا مهزوزًا فائضًا يعطون في أحضانكم، لأنه بنفس الكيل الذي به تكيلون يُكال لكم[5]. يبدو لي أن هذا الأمر يُشار إليه في قول الله: ” لهؤلاء تقسم الأرض نصيبًا على عدد الأسماء. الكثير تكثر له نصيبه والقليل تقلل له نصيبه. كل واحد حسب المعدودين منه يُعطى نصيبه[6]. الزائد من الأسماء في بيان الإحصاء هو نموذج واضح لمن هو أسمى وزائد في الفضيلة، لأنه بحسب الطوباوي بولس، الواحد يُكرّم هكذا والآخر بطريقة مغايرة. والأرض تُوزع بالقرعة وفقًا للقول: ” نصيبي في يديك[7]. فتوزيع الخيرات العتيدة توزيعًا معصومًا من الخطأ، سيكون بالقرار الإلهي. لأن الله الذي يعرف كل شئ عنا، سوف يحدد النصيب الملائم لكل واحد. وهناك إحصاء منفصل للاويين من ابن شهر فصاعدًا. هؤلاء لا يُعطى لهم نصيب ضمن الإسرائيليين ولا يحصون معهم. لأن نسل الكهنة هو أقدس. ولذلك فإن تسجيلهم يتم منفصلاً عن الآخرين بما أن نصيبهم ليس مع الآخرين. فهؤلاء نصيبهم وقرعتهم، هو إله الجميع نفسه وفق المكتوب: ” طوبى لأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله[8]. لأن المدعوين “ودعاء” سيرثون ملكوت السموات، والحزاني سيتعزون، والرحماء سوف يُرحمون، و”أنقياء القلب” يقول عنهم: ” طوبى لهم لأنهم سوف يعانون الله” هؤلاء أكثر قداسة ونقاء من الآخرين، وقرعتهم ونصيبهم هو رؤية الله، أي معرفة الله نفسه. هذا هو ما وعد به المسيح رسله القديسين قائلاً: ” قد كلمتكم بهذا بأمثال ولكن تأتى ساعة حين لا أكلمكم أيضًا بأمثال بل أخبركم عن الآب علانية[9].

          إن تسجيل المقدسين يصير من طفل عمره شهر كما قلت من قبل قليل. فالذين يُسجلون في سفر الله ليسوا هم فقط البارزين من القديسين في القوة الروحية والحكمة، ولكن أيضًا الذين يتميزون بالبساطة في المسيح وهم أطفال من جهة الشر. إذن يُكتب كل الجنس المقدس، كل الحكماء والبسطاء. وسيمكنك أن ترى، يا بلاديوس، مثل هذا الاختلاف بالنسبة للمعرفة والطرق بين القديسين على اختلافهم. وأضاف أنه لا يوجد إنسان أُحصى بواسطة موسى وهارون ـ من الإسرائيليين الذين أُحصوا في صحراء إسرائيل ـ وقال لهم الرب: ” يموتون بالتأكيد في الصحراء” حيث لم يبق أحد منهم فيما عدا كالب بن يفُنة ويشوع بن نون[10]. فهو يريد بذلك أن يبرهن على أن الميراث والتسجيل في سفر الله لا يتم للجميع، لكنه بالحرى يُعطى للذين يقبلون الإيمان بالمسيح. فقد قال داود عن أولئك الذين لم يؤمنوا: ” ليمحوا من سفر الأحياء ومع الصديقين لا يُكتبوا[11].

          وتعلن لنا الكلمة الإلهية، أن النعمة ستُعطى لكل الذين يؤمنون بالمسيح. لذلك تقول الكلمة الإلهية، إن التسجيل سيصير بالقرب من الأردن، فهذا يشير إلى أن من سيُعمّد هو الذي سيُسجل. وهكذا لم يفقد إسرائيل رجاءه تمامًا. فقد خَلُّصَ كل من تبقى وفق الكلمة النبوية[12]. وكالب ويشوع اللذان بقيا وحدهما من الجمع، صارا نموذجًا للذين سيكون لهم نصيب في الميراث والتسجيل. لأنهما لم يرتكبا خطية العصيان. لاحظ أن التسجيل وتوزيع الأنصبة للقديسين قد نُفذ بواسطة موسى والمتقدم في الكهنوت، حتى كما قلت سابقًا، يُفهم المسيح الواحد بالاثنين كرئيس كهنة ومُشرّع معًا، وهو الذي يعطى كل نعمة، ويسجل الأسماء في الأسفار السماوية. تلك التي شاهدها دانيال الطوباوى في الرؤيا، لأنه يقول: ” فُتحت الأسفار[13]، وذلك لأن أولئك الذين كُتبوا كانوا كثيرين ومتنوعين، لهذا فإن الأسفار كثيرة وليست سفرًا واحدًا.

بلاديوس: إذن بالصواب والحكمة قال سفر الأمثال: ” الكسالى يصيرون فقراء من الغنى، بينما الرجال الأقوياء والنشطون يعضدون غناهم“.

كيرلس: هؤلاء بالتأكيد يعضدهم الله ويكون رفيقًا لهم ويحارب عنهم، وهو الذي يغنيهم ببركاته السماوية، ويكللهم بالكرامة البهية، ويزينهم بغنى المجد الفائق. ألاّ يكون صادقًا عندما يقول: ” أكرم الذين يكرمونني[14]؟!

بلاديوس: صادق بالحقيقة وبلا شك.

كيرلس: أعتقد أن كل واحد يتمم ما يشير إلى مجد الله، بالقوة الناضجة التي تظهر في الرجولة الروحية، وهو يحارب الأعداء غير المنظورين، ويعرف أن يخلص نفسه والآخرين أيضًا، وهو بمعونة الله يمكنه أن يفلح في كل شئ.

بلاديوس: إنني متيقن من كلامك.

كيرلس: أتريد إذن أن نفحص جيدًا هذا الذي خطط كما في لوحة، النصوص الكتابية التي تتحدث عن ابرآم العظيم؟

بلاديوس: بالطبع نعم، وكيف لا ؟!

كيرلس: حسنًا، يذكر الكتاب أن لوط سكن وعاش في سدوم. ولكن بسبب أنه جرت حرب ثقيلة في هذه المدينة، ورؤساء البلاد القريبة والمجاورة قد استولوا قهرًا على المدينة، وأخذوا مع المتمردين الآخرين لوطًا وآخرين من ضمن المأسورين:

فأتى من نجا وأخبر ابرآم العبراني وكان ساكنًا عند بلوطات ممرا الأموري أخي أشكول وأخي عانر وكانوا أصحاب عهد مع ابرآم. فلما سمع ابرآم أن أخاه سبي جر غلمانه المتمرنين ولدان بيته ثلاث مئة وثمانية عشر وتبعهم إلى دان. وانقسم عليهم ليلاً هو وعبيده فكسرهم وتبعهم إلى حوبة التي عن شمال دمشق. واسترجع كل الأملاك واسترجع لوطا أخاه أيضًا وأملاكه والنساء أيضًا والشعب. فخرج ملك سدوم لاستقباله بعد رجوعه من كسرة كدرلعومر والملوك الذين معه إلى عمق شوى الذي هو عمق الملك. وملكي صادق ملك شاليم أخرج خبزًا وخمرًا وكان كاهنًا لله العلي. وباركه وقال مبارك ابرآم من الله العلي مالك السماوات والأرض. ومبارك الله العلي الذي اسلم أعداءك في يدك فأعطاه عشرًا من كل شئ. وقال ملك سدوم لابرآم أعطني النفوس وأما الأملاك فخذها لنفسك. فقال ابرآم لملك سدوم رفعت يدي إلى الرب الإله العلي مالك السماء والأرض. لا أخذن لا خيطًا ولا شراك نعل ولا من كل ما هو لك فلا تقول أنا أغنيت ابرآم. ليس لي غير الذي أكله الغلمان وأما نصيب الرجال الذين ذهبوا معي عانر وأشكول وممرا فهم يأخذون نصيبهم. بعد هذه الأمور صار كلام الرب إلى ابرآم في الرؤيا قائلا لا تخف يا ابرآم أنا ترس لك أجرك كثير جدًا. فقال ابرآم أيها السيد الرب ماذا تعطيني وأنا ماض عقيمًا ومالك بيتي هو أليعازر الدمشقي. وقال ابرآم أيضًا إنك لم تعطني نسلاً وهوذا ابن بيتي وارث لي. فإذا كلام الرب إليه قائلا ًلا يرثك هذا بل الذي يخرج من أحشائك هو يرثك. ثم أخرجه إلى خارج وقال أنظر إلى السماء وعد النجوم إن استطعت أن تعدها وقال له هكذا يكون نسلك[15].

          أرأيت كم هي شجاعة القديسين وبسالتهم. إذ هم يميلون طوعًا لتحمل الآلام؟! فبمجرد علمه (ابرآم) بأن لوط أصابه خطر، حزن في الحال لأجل نكبة قريبه، وأخذ عبيده وبعض المحاربين معه الذين لم يكونوا عبرانيين، وتقدم مسرعًا ضد أولئك الذين فعلوا شرًا، وعندما انتصر عليهم بسهولة حرّر ابن أخيه لوط وأولئك الذين وقعوا في أيدي المعتدين. بعد ذلك أُعطيت له الكرامة التي تليق بالمنتصر، فأتى إليه لمقابلته ملك سدوم، وملكي صادق، رئيس كهنة الله العلي كما يقول الكتاب. ولم يستقبله هكذا ببساطة، لكن كان معه رمزي الكهنوت، أي الخبز والخمر، وبارك ابرآم وكمكافأة له باركه بكلمات مقدسة.

          إذن فقد أظهر ابرآم شجاعة وانتصر. هكذا هم أيضًا الشجعان بحسب المسيح، والذين لهم جرأة محبة الله في نفوسهم. وسوف أُضيف كمثال وتأكيد لقولي، الرسل القديسين، هؤلاء الذين حاربوا بقوة ونضوج متسلحين بالكتب المقدسة ومعهم خدام العائلات من الذين آمنوا بالإنجيل ومعهم بعض المحاربين من غير العبرانيين، كل هؤلاء حاربوا الشيطان بقوة الذي نهب كل شئ، ومعه الذين انجرفوا عن الحق واستولوا على البسطاء، وأظهروا شجاعة عظيمة وانتصروا وانتزعوا الأسرى من سلطة الطاغية. وفي الحقيقة إنهم أنقذوا آخرين من عبادة الأصنام ومن السجود للخليقة بدلاً من الخالق، وجذبوا آخرين من الضلال. هكذا ربحوا مكافأةً وإكرامًا من العالم بسبب شجاعتهم العظيمة وسمو نفوسهم، لأنه مكتوب: ” فخرج ملك سدوم لاستقباله بعد كسرة كدرلعومر والملوك الذين معه، وملكي صادق ملك ساليم كاهن الله العلي“، والذي بواسطته نال بركة المسيح، التي ملأته بالابتهاج وبالنعمة المُحيية، بواسطة الخبز والخمر.

          ملكي صادق هو مثال لكهنوت المسيح، ولا نحتاج إلى كلمات كثيرة لكي نبرهن على هذا الأمر، والكتاب المقدس يكفي لهذا الغرض. وعندما قال ملك سدوم إلى ابرآم كمنتصر ” أعطني النفوس وأما الأملاك فخذها لنفسك“، لم يرفض مباشرة كل شئ بصورة مُطلقة، بل قَبِل فقط ما أكله الغلمان، وكذلك نصيب الذين ذهبوا معه، وهم عانر وأشكول وممرا. فالمحاربون والمدافعون بشجاعة القديسين ـ من أجل تحرير أولئك الذين استُعبدوا آخذين على عاتقهم كل تعب ـ لم يأخذوا شيئًا من العالم، ولا جمعوا من غنى الأرض، رافضين بشدة أي تعييرات من العالم، لأنه يقول: ” لئلا تقول أنا أغنيت ابرآم“. إذ قَبِل الأطعمة للغلمان، فقط لأنه مكتوب:  ” الفاعل مستحق أجرته[16]. والمسيح أعطى وصية للذين يكرزون بالإنجيل أن يعيشوا من الإنجيل. إذن، المحاربون ينالون نصيبًا، لأن الله يبارك في أمور الحياة للذين يتشبهون بالقديسين، وتتضاعف لهم الخيرات التي ينالونها من الله، بقدر ما يسلكون في طريق البر. بمعنى أن الله يمنح بركاته الأرضية للذين لم يتخلصوا تمامًا من الأرضيات، وهم موزعون بين الله والعالم. هكذا بارك يعقوب مضاعفًا في مواشيه[17].

بلاديوس: تتحدث بالصواب.

كيرلس: وعندما يصل المجاهدون إلى مثل هذه الدرجة من النجاح والمجد، فإن الله لا يتركهم بدون مكافأة، فهذا ما يقوله الذي يعرف أن يخلص، إذ هو يعدهم بما يلائم، فهم سينالون مكافأة غنية. فالله يستبعد الجبناء والخائفين، ولكنه يشجع أولئك الذين عندهم رجاء ويجعلهم يصيرون أقوياء جدًا. لذلك يقول بولس المختبر لهذه الحالة: ” أستطيع كل شئ في المسيح الذي يقويني[18]، وأيضًا: ” قد جاهدت الجهاد الحسن أكملت السعي حفظت الإيمان، وأخيرًا وُضع لي إكليل البر الذي يهبه لي في ذلك اليوم الرب الدّيان العادل وليس لي فقط بل لجميع الذين يحبون ظهوره أيضًا[19]. فابرآم العظيم بالرغم من أنه كان له ابن من جارية، إلاّ أنه كان يعاني من الحزن، إذ قال لله: ماذا تعطيني، طالما أنا أموت بدون ولد؟ فهو يعتبر أنه بلا ولد طالما أن ليس له ابن حسب الوعد. بعد ذلك يعده الله بابن من الحُرة، أي اسحق، وإنه سوف يصير أبًا لشعوب كثيرة، ونسله سيكون مثل نجوم السماء في الكثرة.

          الرسل القديسون لا يُسرّون بأي نوع من العبودية، للعبادة الناموسية، بل هم بالأحرى يطلبون ثمرة الحرية التي للعهد الجديد، أي الحرية في المسيح، والذي كان اسحق رمزًا له، من جهة الوعد والإيمان. لذا يقول بولس الطوباوي عن الامتيازات التي له من الناموس: ” لكن ما كان لي ربحًا، فهذا قد حسبته من أجل المسيح خسارة. بل إني أحسب كل شئ أيضًا خسارة من أجل فضل معرفة المسيح يسوع ربي الذي من أجله خسرت كل الأشياء وأنا احسبها نفاية لكي أربح المسيح[20]. فالرسل إذن، بواسطة الإيمان بالمسيح قد صاروا آباء لأمم كثيرة، ولنسل لا يُحصى كما وعد تمامًا ابرآم في شخص اسحق.

          وسوف نخصص الكلام في هذا الموضوع، ليس فقط للرسل والقديسين القدماء، بل أيضًا للذين كان نصيبهم خدمة الكهنوت من بعد أولئك الأولين، وهم رؤساء الكنائس، وفي النهاية يمتد الحديث إلى كل من هو صالح وبار.

[1] عدد52:26ـ56.

[2] عدد57:26.

[3] عدد62:26ـ65.

[4] مت5:5ـ7.

[5] لو38:6.

[6] عدد53:26ـ54.

[7] مز5:16.

[8] مت8:5.

[9] يو25:16.

[10] أنظر عدد65:26.

[11] مز28:69.

[12] أنظر إش21:10.

[13] دا10:7.

[14] 1صم30:2.

[15] تك13:14ـ1:15ـ5.

[16] لو7:10.

[17] أنظر تك30:30.

[18] في13:4.

[19] 2تي7:4ـ8.

[20] في7:3ـ8.

 

المقالة4 ج5 – السجود والعبادة بالروح والحق ج3 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة4 ج4 – السجود والعبادة بالروح والحق ج3 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة4 ج4 – السجود والعبادة بالروح والحق ج3 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة4 ج4 – السجود والعبادة بالروح والحق ج3 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

 

السجود والعبادة بالروح والحق

تابع المقالة الرابعة

بلاديوس: تتكلم بالصواب.

كيرلس: إذن؛ المنتخبون من الأسباط الطائعين للنواميس الإلهية، وُزعت عليهم غنائم الحرب مع كل جمع الشعب، وقدموا إلى الرب العطايا وفق ترتيب الناموس. رؤساء المنتخبين يكرمون الله بالنذور الأكثر جمالاً، لأن مجدهم كان أكثر لمعانًا.، لأنه مكتوب: ” ثم تقدم إلى موسى الوكلاء الذين على ألوف الجند رؤساء الألوف ورؤساء المئات. وقالوا لموسى عبيدك قد أخذوا عدد رجال الحرب الذين في أيدينا فلم يفقد منا إنسان. فقد قدمنا قربان الرب كل واحد ما وجده أمتعة ذهب حجولاً وأساور وخواتم وأقراطًا وقلائد للتكفير عن أنفسنا أمام الرب. فأخذ موسى وألعازار الكاهن الذهب منهم كل أمتعة مصنوعة. وكان كل ذهب الرفيعة التي رفعوها للرب ستة عشر ألفا وسبع مئة وخمسين شاقلاً[1] من عند رؤساء الألوف ورؤساء المئات. أما رجال الجند فاغتنموا كل واحد لنفسه. فأخذ موسى وألعازار الكاهن الذهب من رؤساء الألوف والمئات وأتيا به إلى خيمة الاجتماع تذكارًا لبني إسرائيل أمام الرب[2]. أتري الدقة في بيان المقاتلين، حتى لا يفلت أحد من إعطاء تقدمة، لم تكن مطلوبًا منهم تقديمها، مثل الأساور والخواتم والجلود وكل الحُلي المصنوعة من الذهب. لأن المُشرّع قد حدد العطايا التي ينبغي أن تُقدم بأنها بشر وحيوانات. هذه هي التي تُقدم بحسب الأمر الإلهي والسماوي. إذن فكل ما اختاروا من الجواهر يمثل تقدمة اختيارية. فرؤساء الألوف والمئات بسخائهم قدموا تقدمة أكثر مما حدده الناموس. عندئذٍ أخذها موسى وهارون ووضعوها في الخيمة المقدسة هناك كتذكار أمام الله. لأن زعماء الشعب والرؤساء يكرمون الله بنذور بهية وجميلة، وهم يقدمون إلى الله ـ من المواد التي تستخدم في الزينة ـ بما يشير إلى جمال الفضيلة، وإذ يقدمون أكثر مما حدده الناموس، فإنهم يضيئون أكثر بكثير.

بلاديوس: ماذا تريد أن تقول؟

كيرلس: لقد أمر الرب الذين يكرزون بالإنجيل أن يعيشوا من الإنجيل، الأمر الذي أراد بولس أن يؤكده من الوصية الناموسية، قائلاً: ” انظروا إسرائيل حسب الجسد. أليس الذين يأكلون الذبائح هم شركاء المذبح[3]، ومرة أخرى أظهر ذلك بأمثلة قاطعة لا تقبل الشك، إذ يقول: ” ومن يغرس كرمًا ومن ثمره لا يأكل أو من يرعى رعية ومن لبن الرعية لا يأكل. ألعلي أتكلم بهذا كإنسان أم ليس الناموس أيضًا يقول هذا. فإنه مكتوب في ناموس موسى لا تكم ثورًا دارسًا ألعل الله تهمه الثيران. أم يقول مطلقًا من أجلنا إنه من أجلنا مكتوب لأنه ينبغي للحراث أن يحرث على رجاء وللدارس على الرجاء أن يكون شريكًا في رجائه[4]. وأضاف مباشرة: ” إن كنا نحن قد زرعنا لكم الروحيات أفعظيم إن حصدنا منكم الجسديات. إن كان آخرون شركاء في السلطان عليكم أفلسنا نحن بالأولى لكننا لم نستعمل هذا السلطان بل نتحمل كل شئ لئلا نجعل عائقًا لإنجيل المسيح[5]. وأيضًا بعد ذلك يضيف: ” فما هو أجري إذ وأنا أبشر أجعل إنجيل المسيح بلا نفقة حتى لم أستعمل سلطاني في الإنجيل[6].

          أرأيت كيف أنه برغم كل ما حدده الله في الناموس القديم، ورغم أن له الحق أن يعيش من الإنجيل، فإنه لم يطلب نفقة من الإنجيل، مقدمًا خدمة الإنجيل بلا نفقة؟ الزواج غير ضروري، لا الناموس القديم ولا الكرازة الجديدة أمرا بالعذراوية، ومعروف أن العذراوية لم تعط كوصية، وبولس نفسه يقول: ” وأما العذاري فليس عندي أمر من الرب فيهن[7]. لكن هناك البعض الذين بدافع التقوى يقدمون لله تكريسًا بهيًا بإماتة رغبات الجسد تمامًا. إن ضبط النفس والحياة الفاضلة اللذين يزيدان عن حدود الناموس، هما مثل جوهرة صُنعت بإتقان وفن عظيم، وهي مؤلفة من العمل والكلام معًا.

          لقد وضع موسى وهارون في الخيمة المقدسة كل ما قُدم لهما من تقدمات. فأعمال القديسين الصالحة هي مقبولة من المسيح، وهي ذات غنى ومجد بهي. وهم يربحون بهذه التقدمات ذكرى أبدية عظيمة، ويوجدون مؤهلين للعناية الإلهية. لأن القول بأن النذور وُضعت أمام الرب يشير إلى مثل هذا الأمر. وأنه أمر عظيم ومنقطع النظير أن يُوجد المرء أمام الله، لأن الله هو الذي يحكم بأنهم مستحقون للرعاية والاهتمام، وهو الذي يقدرهم بطريقة فائقة.

بلاديوس: يبدو أن الوحي يعلن بكلمات كثيرة، أننا يجب أن نؤمن، وأن يكون لدينا الاقتناع بأنه ليس الجميع يأتون بثمار كثيرة، ولكن الشجعان جدًا، الذين يقدمون دائمًا الصلاح والمسرة هم الذين يثمرون كثيرًا.

كيرلس: أحسنت يا بلاديوس، لقد أصبت. طبيعة الأمر هي هكذا، وسوف يشهد الكتاب المقدس على ذلك. لأن الله أراد أن يبني الخيمة المقدسة للإسرائيليين عندما كانوا يعيشون في الصحراء، لتكون كصورة ومثال للكنيسة التي من الأمم، لذا حدد أيضًا أنه ينبغي أن تُجمع الأشياء التي تنفع لهذا الغرض. هكذا قال إلى موسى العظيم: ” إذا أخذت كمية بني إسرائيل بحسب المعدودين منهم يعطون كل واحد فدية نفسه للرب عندما تعدهم لئلا يصير فيهم وبأ عندما تعدهم. هذا ما يعطيه كل من اجتاز إلى المعدودين نصف الشاقل بشاقل القدس الشاقل هو عشرون جيرة نصف الشاقل تقدمة للرب. كل من اجتاز إلى المعدودين من ابن عشرين سنة فصاعدًا يعطي تقدمة للرب. الغني لا يكثر والفقير لا يقلل عن نصف الشاقل حين تعطون تقدمة الرب للتكفير عن نفوسكم. وتأخذ فضة الكفارة من بني إسرائيل وتجعلها لخدمة خيمة الاجتماع فتكون لبني إسرائيل تذكارًا أمام الرب للتكفير عن نفوسكم[8].

          يقول المُشرّع أيضًا إنه يجب أن يكون التعداد بدقة. وحدد أن يُجمع نصف شاقل كتقدمة إلى الرب. أيضًا حدد بوضوح من هم هؤلاء الذين ينبغي عليهم إعطاء تقدمات. الله لم يعطِ أمرًا بأن تفعل النساء هذا. وبالمثل الذين مازالوا أطفالاً، وهو بذلك يرفض، على ما أظن، الجبن والضعف والفهم الناقص. فهو قد حدد أن الشباب المملوئين بالقوة والنضج الذين يُقبلون في التعداد، ينبغي أن يكونوا قد بلغوا سن العشرين. إذن فالذين يستحقون أن يقدموا عطايا إلى الرب وفق الناموس هم الذين تخطوا المعرفة الطفولية والعقل المتردد، وهم قد بلغوا إلى قياس قامة الرجولة، أي قياس العمر الروحي مثلما يُفهم بحسب المسيح. هؤلاء يُقبلون في التعداد، أي أنهم يظهرون ذواتهم مستحقين للوجود في حضرة الله نفسه، وفق ما جاء في المزمور: ” عينا الرب نحو الصديقين وأذناه إلى صراخهم[9]، ووجودهم في حضرة الله هو للتكفير عن أنفسهم ولأجل خدمة الخيمة المقدسة، وهذا يكون تذكارًا أمام الله. وهكذا (العبادة) في الكنائس وفضائل القديسين هي مثل زينة للخيمة المقدسة، إذ يبلغون خلاص النفس ويُكلل الشجعان بالمجد الدائم. ألاّ يبدو لك أن قولي صادق؟!

بلاديوس: صادق جدًا.

كيرلس: فقد أوصى الله أن تُدفع الفدية ـ أي نصف الشاقل ـ وهذا كان تبرع الشجعان. ورؤساء الأسباط أضافوا على ما أمر به الناموس، إذ قدموا أشياء ذات قيمة عظيمة وثمينة، وبذلك تفوقوا على الآخرين لأنه مكتوب: ” والرؤساء جاءوا بحجارة الجزع وحجارة الترصيع للرداء والصدرة وبالطيب والزيت للضوء ولدهن المسحة وللبخور العطر[10]. ألاّ تتقارب هذه الأمور ـ ولو قليلاً ـ مع السابقة؟ جمع المحاربين قدموا إلى الله كل ما حصلوا عليه من السبي، وفق الوصية التي أُعطيت لهم، من الإنسان حتى الحيوان، أما رؤساء الألوف والمئات فأضافوا إلى هذا الحلقان والأساور والخواتم وكل متاع مصنوع من الذهب، وكل هذه وضعها رئيس الكهنة ألعازار في الخيمة المقدسة. وأيضًا فإن كل الناضجين دفعوا نصف شاقل، أمّا الرؤساء فقدموا أيضًا حجارة مختارة للرداء والصُدرة والتي تشير إلى زينة المتقدم في الكهنوت. إذن، فرؤساء الشعب يقدمون ذواتهم مزينين للمسيح، أي كأنهم حجارة ثمينة. ولذلك فإن النبي يتنبأ عن الرسل القديسين عندما يقول: ” كحجارة التاج مرفوعة على أرضه[11]. وهكذا كان أيضًا بولس العظيم الذي كرز بالإنجيل من أورشليم حتى إلليريكون[12].

          إذن الحجارة الثمينة تشير إلى جمع القديسين الذين يعلنون مجد المسيح. هؤلاء هم الزيت للمسحة، وخلطة البخور التي تشير إلى نشر معرفة المسيح كرائحة ذكية، وكزيت يلينون بتعليمهم الحكيم وأقوال الروح نفس أولئك الذين يدخلون إلى أسرار المسيح. البخور مُركب لأنه يشير إلى أن المعرفة عن المسيح هي مؤلفة من اثنين، طالما المسيح هو في الوقت نفسه إله وإنسان معًا، إذ هو ابن واحد ومسيح واحد من الاثنين، الذي قيل عنه في موضع ما ونحن أنفسنا أيضًا نقول: ” اسمك دهن مهراق[13].

بلاديوس: إذن التعداد الذي صار بأمر الله شمل المحاربين والرجال الشجعان، الذين يشيرون إلى تأسيس الكنائس والمساهمة في كل ما يُمجد الله. لأن هذا ما يشير إليه كل ما تناولناه بالتحديد.

كيرلس: أنت تتكلم بالصواب. إن النصيب المُمجد والحسن والصالح سيُمنح لهؤلاء الشجعان الذين يتقدمون هكذا كما ذكرنا. كيف يمكن للمرء أن يتشكك في هذا الأمر؟ ألم تسمع ما يرنم به داود: ” لأنك تأكل تعب يديك[14]، بل ما كتبه بولس الحكيم: ” ما يزرعه الإنسان إياه يحصد[15].

بلاديوس: نعم سمعت ما قاله المرنم.

كيرلس: إذن، الشجاعة لها مكافأتها بلا شك. وبولس يؤكد هذا الأمر إذ يقول: ” لأن من يزرع لجسده فمن الجسد يحصد فسادًا. ومن يزرع للروح فمن الروح يحصد حياة أبدية[16]. الله سوف لا ينسى تعب الشجعان بتاتًا، بل سيوزع مكافآت الأتعاب لكل الذين غلبوا الرخاوة التي تقود إلى الرذيلة، وهذا ما يخبرنا عنه أيضًا ما كُتب في سفر العدد: ” ثم بعد الوبأ كلم الرب موسى وألعازار بن هرون الكاهن قائلاً. خذا عدد كل جماعة بني إسرائيل من ابن عشرين سنة فصاعدًا حسب بيوت آبائهم كل خارج للجند في إسرائيل. فكلمهم موسى وألعازار الكاهن في عربات موآب على أردن أريحا قائلين: من ابن عشرين سنة فصاعدًا كما أمر الرب موسى وبني إسرائيل الخارجين من أرض مصر[17].

[1] حوالي 170 كجم.

[2] عدد48:31ـ54.

[3] 1كو18:10.

[4] 1كو7:9ـ10.

[5] 1كو11:9ـ12.

[6] 1كو18:9.

[7] 1كو25:7.

[8] خر12:30ـ16.

[9] مز15:34.

[10] خر27:35ـ28.

[11] زك16:9.

[12] أنظر رو19:15.

[13] نش3:1.

[14] مز2:128.

[15] عب10:6.

[16] غل28:6.

[17] عدد1:26ـ4.

 

المقالة4 ج4 – السجود والعبادة بالروح والحق ج3 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة4 ج3 – السجود والعبادة بالروح والحق ج3 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة4 ج3 – السجود والعبادة بالروح والحق ج3 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة4 ج3 – السجود والعبادة بالروح والحق ج3 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

 

السجود والعبادة بالروح والحق

تابع المقالة الرابعة

 

بلاديوس: هذا صحيح.

كيرلس: حسنًا، الجمع المُنتخب والشجاع جدًا استُدعوا إلى الرحب ضد المديانيين، ورافقهم فينحاس الكاهن بالأواني المقدسة، وأيضًا الأبواق للهتافات. لأن المسيح دائمًا يشارك (في الحرب) ويدافع عن المحاربين الشجعان، إنه رئيس كهنتنا الأعظم، وأيضًا الملائكة تؤازرهم، وهذا ما تشير إليه الأواني المقدسة التي للخدمة، هي الأرواح السماوية العاقلة، إذ عُينوا من الله ليكونوا مساعدين لنا. وأبواق الهُتاف ترافقهم، أي كلمات المعلمين الإلهيين، وهذا يُظهر الطريقة التي يجب أن ننتصر بها على الأعداء، أي على شهواتنا الداخلية. إذن الكاهن فينحاس هو مثال للمسيح، والأواني المقدسة تشير إلى الملائكة، وأبواق الهُتاف تُشير إلى الكلمة الإلهية. هكذا بقوة المسيح سننتصر بدون مشقة على كل الذين يقفون ضدنا، مرددين هذا الذي يرنم به المرنمون: ” بك ننطح مضايقنا. باسمك ندوس القائمين علينا[1]. هذا بالضبط ما فعله الإسرائيليون، عندما أخبروا كل مدن المديانيين، اقتادوا الأسرى إلى أليعازار الكاهن وكل شعب بني إسرائيل. حقيقة إنها مخصصات مقدسة إلى أليعازار الكاهن، الذي يشير إلى المسيح رئيس الكهنة. وهكذا الأعمال الباهرة للقديسين لا تكون مخفية، بل تصير ظاهرة لكل الشعوب، وفق المكتوب: ” لأنه ليس خفي لا يظهر ولا مكتوب لا يُعلم ويُعلن[2]. إذن فقد تجمع جميع الأسرى أمام الكاهن والشعب، لكي يتحقق نموذج واحد وتدبير واحد. لدرجة أن موسى وبخ المنتصرين لأنهم لم ينهوا الحرب وفق الطريقة المضبوطة والرؤية الثاقبة. لا يجب أن يُسمح، يقول موسى، بأن يكتفوا بأسر الذكور وأيضًا النساء المتزوجات. والسبب المحتمل لهذا الأمر، هو أنه من اللازم أن يميتوا ذكور هذا البلد حتى لا يفلتوا من تحت سيطرتهم. لأنهم لو أفلتوا، فإنهم بعد قليل سيصيرون رجالاً أقوياء وأعداء لشعب الله. ومع هؤلاء (الذكور) كان يجب أيضًا أن يميتوا النساء، لأنهم كانوا سبب عثرة، وفي حالة نجاتهم من الموت سوف يصيرون سبب عثرة مرة أخرى. من جهة التفسير الروحي؛ أعتقد أن هذه الأمور تشير بطريقة ذكية إلى المعنى الروحي.

بلاديوس: ماذا تقصد ؟

كيرلس: لقد أصاب الشجعان من الشعب القصور، بالرغم من أنهم أحرزوا نصرًا مؤكدًا، ورغم انتصارهم، فلا يمكن أن يظلوا بلا لوم. هذا الذي نعتقده أنه تم بطريقة صحيحة من جانبنا، سوف لا يخلو من التوبيخ والاتهام في شئ، وذلك عندما يُفحص أمام الله. لذلك مكتوب: ” إن كنت تراقب الآثام يارب يا سيد فمن يقف[3]. وأيضًا: ” السهوات من يشعر بها. من الخطايا المستترة ابرأني. أيضًا من المتكبرين احفظ عبد فلا يتسلطوا علىَّ. حينئذٍ أكون كاملاً وأتبرأ من ذنب عظيم[4].

          فمرات عديدة يمكن أن يتم البر شكليًا عند الشجعان. بينما المشرع يبحث عن أمر آخر لا ندركه نحن بتاتًا وفق ما هو مكتوب: ” السهوات من يشعر بها[5]، وإشعياء يقول، إن كل أعمال برنا هي كثوب عدة[6]، لأنه لا يمكن أبدًا أن نكون أنقياء تمامًا وبلا لوم. والحكيم جدًا بولس يكتب: “ فإني لست أشعر بشيء في ذاتي. لكنني لست بذلك مُبررًا. ولكن الذي يحكم فيَّ هو الرب[7]. إن توبيخ موسى لم يوجه عمومًا إلى الكل، لكن فقط إلى رؤساء القوة، أي رؤساء الألوف ورؤساء المئات، لأنه مكتوب: ” الأقوياء يتطلبون مراقبة قوية[8]، وصرامة الناموس تركز على هؤلاء. لأنه مكتوب: ” فكل من أُعطي كثير يُطلب منه كثير[9]. لذلك كتب تلميذ المخلص: ” لا تكونوا معلمين كثيرين يا اخوتي عالمين أننا نأخذ دينونة أعظم[10]. الاتهام إذن وُجه إلى الرؤساء وقادة الطغمات. لأن بيقظة الرؤساء وسهرهم ينمو المتطوعون. لهذا يقول الكتاب: ” أطيعوا مرشديكم واخضعوا لأنهم يسهرون لأجل نفوسكم كأنهم سوف يُعطون حسابًا لكي يفعلوا ذلك بفرح لا أنين لأن غير هذا نافع لكم[11]. بعد موت النساء والأطفال، لم يسمح موسى العظيم للمحاربين أن يظلوا نجسين في المحلة، لكنه أمر بأنهم يجب أن يتطهروا قائلاً: ” وأما أنتم فانزلوا خارج المحلة سبعة أيام. وتطهروا كل من قتل نفسًا وكل من مس قتيلاً في اليوم الثالث والسابع أنتم وسبيكم. وكل ثوب وكل متاع من جلد وكل مصنوع من شعر معز وكل متاع من خشب تطهرونه[12] .

          أرأيت إذن، أن حالة المختارين المتميزين ليست بلا لوم تمامًا. لأنه مكتوب: ” من يخرج الطاهر من النجس. لا أحد[13]، وحتى لو كان من المقبولين (عند الله) فإن القداسة الكاملة هي محفوظة للدهر الآتي (وليست في العالم)، فها هو موسى يأمر المنتصرين بالجلوس خارج المحلة لكي يتطهروا، إذ يقول: ” في اليوم الثالث واليوم السابع“. في اليوم الثالث إما أنه بهذا يشير إلى العصر الثالث الذي فيه صار تطهيرنا بالمسيح بعد عصر موسى والأنبياء القديسين، أي زمن القيامة الذي قام فيها المسيح مسمّرًا الصك الذي كان ضدنا فوق الصليب المُكرّم[14]، محتملاً لأجلنا الألم الذي أبطل الخطية. اليوم السابع يقودنا إلى التفكير في زمن نهاية الحياة الحاضرة، عندما نكون قد طرحنا عنا الخطية، وعندئذٍ نعيش مع المسيح حياة طاهرة ونقية مشتركين في غبطة المسيح.

بلاديوس: كل هذا صحيح.

كيرلس: كما أنك سوف تندهش أيضًا من السر الآتي. فبعد حديث موسى عقَّب عليه ألعازار الكاهن قائلاً للرجال الذين أتوا من ساحة المعركة ما يلي: ” هذه فريضة الشريعة التي أمر بها الرب موسى. الذهب والفضة والنحاس والحديد والقصدير والرصاص. كل ما يدخل النار تجيزونه في النار فيكون طاهرًا غير أنه يتطهر بماء النجاسة وأما كل ما لا يدخل النار فتجيزونه في الماء. وتغسلون ثيابكم في اليوم السابع فتكونون طاهرين وبعد ذلك تدخلون المحلة. وكلم الرب موسى قائلاً: أحص النهب المسبي من الناس والبهائم أنت وألعازار الكاهن و رؤوس آباء الجماعة [15].

          لاحظ أن موسى في البداية أظهر للمنتصرين وقت التطهير، وليس طريقة التطهير، بمعنى أن الناموس أخبر أولاً عن وقت التطهير بواسطة المسيح. ثانيًا بعد موسى تحدث الكاهن ألعازار. لأن المسيح يعطى وصيته بعد موسى. وهو الذي أظهر طريقة التطهير وقدم نفس السر مفسرًا الهدف الدقيق للناموس. فالكاهن أمر أن كل الآنية التي يمكن أن تحتمل قوة النار، أن تجتاز في النار، لكن كل ما ليس له تحمل طبيعي وكان ضعيفًا ويخضع بسهولة للفناء التام، أي الملابس والأشياء التي من جلد وخشب، فهذه تجتاز في الماء. لأن الأواني الذهبية والفضية والأشياء الأخرى، ترمز إلينا نحن، أي إلى الذين تطهروا بواسطة المسيح، كما من النار والماء. إذ قد اعتمدنا بالروح القدس والنار[16]. أما أن يجتاز كل ما جُمع من السلب في النار والماء، فهذا يشير إلى تطهيرنا الحالي، إننا في وقت ما كنا مملوءين شرورًا، لكن جعلنا ملكًا له، إذ دخل إلى مسكن القوى ونهب أوانيه بعد أن قيد هذا القوي[17]. يقول ألعازار ليدخل المنتصرون إلى المحلة فقط، بعد أن يغسلوا ملابسهم في اليوم السابع، وهكذا يصيرون أطهارًا. أي أن التطهير الكامل وغسل كل قذارة سيصير في أزمنة النهاية الأخروية، كما قلت منذ قليل، بإبطال الخطية تمامًا واستعادة الطبيعة البشرية لجمالها الأول السماوي. إذ هو مكتوب: ” وتكون هناك سكة وطريق يًقال لها الطريق المقدسة. لا يعبر فيها نجس بل هي لهم من سلك في الطريق حتى الجُهال لا يضل[18]. هذا الكلام الواضح ـ كما سردناه ـ ليس خارج هدفنا. لكن لو فضل شخص تفسيرًا آخر، فإننا نقول إن معنى أن يجتاز إناء كل واحد من المنتصرين سواء كان من ذهب أو فضة أو نحاس أو من أي مادة أخرى في النار، فهذا يشير إليه بولس الطوباوي عندما يقول: ” فعمل كل واحد سيصير ظاهرًا لأن اليوم سيبيّنه. لأنه بنار يُستعلن وستمتحن النار عمل كل واحد ما هو[19]. والمرنم يلمح لنا بأنه لا تُختبر نفوس القديسين إلاّ بهذه الطرق فقط. إذ رنم داود: ” لأنك جربتنا يا الله. محصتنا كمحص الفضة. أدخلتنا إلى الشبكة. جعلت ضغطًا على متوننا. ركبت أُناسًا على رؤوسنا. دخلنا في النار والماء ثم أخرجتنا إلى الخصب[20].

بلاديوس: لكن يا عزيزي، ربما يقول لنا محبو التَعلّم، كيف اصطف المحاربون أمام المديانيين، وكيف انتصروا وبأي طريقة غسلوا وسخ الحرب؟ على أية حال، المناقشة أظهرت هذا بما فيه الكفاية. فالآن نريد أن نعرف إن كنا سنصير بالحقيقة مشاركين لجرأة المحاربين الشجعان، وإن كنا سنشارك فيما وصلوا إليه، بالرغم من أننا لسنا مساوين لهم في الفضيلة، إذ نحن متأخرون عن أولئك في فضيلة النفس.

كيرلس: ها الناموس يعضد كلامي ولديه البرهان الواضح وشرح هذا الأمر ليس فيه أية صعوبة. لأنه مكتوب: ” وكلم الرب موسى قائلاً: أحص النهب المسبي من الناس والبهائم أنت وألعازار الكاهن ورؤوس آباء الجماعة. ونصف النهب بين الذين باشروا القتال الخارجين إلى الحرب وبين كل الجماعة. وارفع زكوة للرب من رجال الحرب الخارجين إلى القتال واحدة نفسًا من كل خمس مئة من الناس والبقر والحمير والغنم. من نصفهم تأخذونها وتعطونها لألعازار الكاهن رفيعة للرب. ومن نصف بني إسرائيل تأخذ واحدة مأخوذة من كل خمسين من الناس والبقر والحمير والغنم من جميع البهائم وتعطيها للاويين الحافظين شعائر مسكن الرب. ففعل موسى وألعازار الكاهن كما أمر الرب موسى[21].

          لقد نُفذِ الأمر الإلهي مباشرة وصار الإحصاء الدقيق والتفصيلي للغنائم ووُزع النصف، وكل ما خُصص، ليكون بكورًا للرب، أُعطى إلى ألعازار الكاهن، وأقصد إلى أبناء سبط لاوى. وأظن أنك تذكر ما سبق أن قلناه في البداية إذ أن لك ذهن قوي.

بلاديوس: ماذا تقصد ؟

كيرلس: ألم تقل الكلمة الإلهية بأنه قد جُمعت الآلاف من كل سبط لأجل احتياجات الحرب؟

بلاديوس: نعم لقد قالت هذا.

كيرلس: وقلنا بوضوح تام إن بهاء القديسين وفرحهم سوف يغطى الجميع، وأن صلاح الله وحبه للبشر، سيرتب هذا جيدًا، وذلك مثل خلطة بخور من أنواع مختلفة تصعد إلى الله رائحة ذكية من الجميع. وهكذا فبواسطة الذين هم متقدمون جدًا في الفضيلة يُقبل معهم الذي ليس له نفس كرامتهم.

بلاديوس: هذا حقيقي. لأن هذا ما نبتغيه من الحوار.

كيرلس: لاحظ كيف أن الله يشرع الأمر مباشرة للإسرائيليين، والألوف المُختارة بحسب السبط تجندوا ضد المديانيين علنًا، وعندما كسبوا نصرًا مكلفًا بعد تعب وجهاد، فإنهم قسموا كل ما جمعوه من الحرب مباشرة على جموع الشعب، وبقية الشعب افتخروا بالإنجازات التي حققها المحاربون الشجعان، لأنه مكتوب: ” أحصى النهب المسبي من الناس والبهائم أنت وألعازار الكاهن ورؤوس آباء الجماعة. ونصّف النهب بين الذين باشروا القتال الخارجين إلى الحرب وبين كل الجماعة[22].

          إن بولس العظيم أعلن أن المؤمنين الذين جاءوا متأخرين بعد القديسين العظماء المختارين والمستنيرين، يُحسبون مع كل الآباء القديسين الذين تميزوا بإيمانهم، وكان مجد تقواهم الشديد نحو الله معروفًا تمامًا، إذ يقول: ” فهؤلاء كلهم مشهودًا لهم بالإيمان لم ينالوا الوعد. إذ سبق الله فنظر لنا شيئًا أفضل لكي لا يكملوا بدوننا[23]. وكتب أيضًا إلى آخرين يقول: ” إنكم قد شبعتم قد استغنيتم. ملكتم بدوننا. وليتكم ملكتم لكي نملك نحن أيضًا معكم[24]. أرأيت أن كل الذين في رتبة أقل سيصلون إلى الكمال مع الرؤساء المختارين، وهؤلاء الذين ليس لهم نفس القوة كالمختارين، سيتمجدون معهم!.

          وأيضًا يرنم داود العظيم: ” الرب قد ذكرنا فيبارك. يبارك بيت إسرائيل يبارك بيت هرون. يبارك متقي الرب الصغار مع الكبار[25]. يبارك الرب المدعوين صغارًا مع الكبار، بدون أن يفتخر الصغار، بأن لهم نفس القوة مثل الكبار، إذ يقلون عنهم في درجة الاستعداد لتحمل الآلام، بينما يماثلونهم أحيانًا في الغيرة والإيمان والقدرة على الاحتمال التي تبهج المسيح.

          ويمكن أن يكون الاثنان، موسى وألعازار، مثالاً للمسيح الذي هو نفسه رئيس الكهنة، والمُشرّع، الذي يوزع على الشعب الغنائم، بينما الملائكة القديسون يقفون مؤازرين لهم، هؤلاء الملائكة أُشير إليهم برؤساء الآباء. أم تظن أنه لا يوجد على الأرض كثيرون من الملائكة ـ الذين هم رؤساء على الشعوب ـ معيّنين من الله لمؤازرة أولئك الذين آمنوا؟

بلاديوس: أقبل هذا. كيف لا ؟!

كيرلس: عندنا الرجاء بأن المسيح سيأتي مع الملائكة القديسين من السماء، وعندما يجلس على عرش مجده، سيوزع المكافآت على كل واحد بحسب استحقاقه، ويعطى الكرامات التي تتناسب مع الأعمال. ولذلك يقول إشعياء الحكيم عن المسيح: ” لذلك أقسم له بين الأعزاء ومع العظماء يقسم غنيمة من أجل أنه سكب للموت نفسه وأُحصى مع آثمة وهو حمل خطية كثيرين وشفع في المذنبين[26]. فالمسيح هو المُشرِّع ورئيس الكهنة في الوقت نفسه.

بلاديوس: لقد عبّرت عن الأمر بصورة حسنة.

كيرلس: ماذا إذن، ألاّ تثير طريقة منح المكافآت دهشتنا؟!

بلاديوس: لا شك أنها تثير دهشتنا، فقد كُرِّم الذين لم يشتركوا في الحرب بنصيب مساوٍ لأولئك الذين ذهبوا إلى المعركة.

كيرلس: ليس بنصيب مساوٍ تمامًا، بل هو يختلف عن هذا، وذلك بالرغم من أن المحاربين أخذوا نصف الغنائم وجموع الشعب أخذوا النصف الآخر. فالإسرائيليون كانوا ستمائة ألف وثلاثة آلاف وخمسمائة، وهؤلاء غير تعداد السبط الذي يخدم الكهنوت. وتعداد المحاربين كانوا ألفًا من كل سبط، لو وُزعت إذن الغنائم بالتساوي، وكل جزء أخذ النصف من محصلة الغنائم، فالكرامة الأكثر ستكون بالأولي للأقلية، وليس للأكثرية في العدد. بالتالي يكون المجد الذي سوف يُعطى إلى كل الشعب، حسب قياس العطية السماوية. فإن النصف بالضبط يُمنح للمختارين؛ أي لهؤلاء الذين هم مؤهلين أن يسكن الله في نفوسهم. النصف الآخر سيُعطى للجموع، بالرغم من تفوقهم الكبير في العدد. أتفهم ما أقول؟

بلاديوس: نعم أفهمه. وحتى عندما نصير مشاركين لمجد القديسين، فإن استمتاعنا بالمجد سيكون أقل منهم، فهذا أظن أنه مقصدك في الكلام.

كيرلس: لقد قلت هذا بوضوح. الآن أنظر شيئًا آخر، يُسهّل لنا رؤية جرأة الشجعان أمام الله.

بلاديوس: ماذا ستقول؟

كيرلس: (المُشرّع) أمر الاثني عشر ألف المحاربين أن يحضروا إلى رئيس الكهنة من نصف الغنائم التي أُعطيت لهم، واحدًا لكل خمسمائة، إنسان أو حيوان. وهذه كانت تقدمتهم إلى الله. أما الجمع الآخر فقد حكم الرب بأن يعطوا واحدًا لكل خمسين، يقدم إلى السبط المقدس. فأليعازار نفسه هو مثال الكاهن الواحد والوحيد والحقيقي؛ أي المسيح، وذلك بطريقة ليس لها نظير، بل هي حقيقية وشخصية ومثالية، إذ أن التقدمات تقدم إليه. لماذا يقدمونها إليه هو نفسه بدون وساطة أحد. هذا بالضبط ما فعله التلاميذ الطوباويون، وما يفعله الآن قادة الشعوب، إذ يجعلون جهادهم في الكرازة الإلهية كتقدمة خاصة إلى المسيح. أما الجمع الآخر الذين يرغبون في التقدم للأمام، فهم يقدمون عطايا إلى المسيح بتقديمها للقديسين، مثلما يشير السبط المقدس إلى ذلك. لأنه مكتوب: ” جنس مختار كهنوت ملوكي[27]. فالذي يقدم للقديسين هو يقدم لله بورع وتقوى، وتقدماتهم هي لسد احتياجات القديسين. شئ مثل هذا فعله أولئك الذين جمعوا عطايا، أو ما يُسمّى بالبركات، وأرسلوها إلى القديسين في أورشليم، أو أي معونة أخرى لتعضيد المكرسين لله (انظرأع17:24، 2كو1:9 وما بعده). إذن فالمخصص لله هو عطايا المميزين، أما الذي للقديسين فيأتي في المرتبة الثانية للذين هم أدنى. فالمميزون يقدمون نفسًا واحدة من خمسمائة، أما الآخرون فيقدمون نفسًا واحدة من خمسين. لأن كل الذين هم متقدمون يدفعون أقل، لذا فتقدماتهم هي قليلة، أما أولئك الذين هم في المرتبة الثانية فيدفعون أكثر جدًا، لذا كل ما يقدمونه هو أكثر في العدد وفقًا لقياس كل واحد.

          لأنه مكتوب: ” قد غُفرت خطاياها الكثيرة لأنها أحبت كثيرًا. والذي يُغفر له قليل يحب قليلاً[28]. إذن؛ الذين هم في المرتبة الأدنى يقدمون عشرة أضعاف أكثر من المختارين، ليس لأنهم أكثر تقوى ويعيشون أفضل من أولئك (المختارين)، لكن لأنهم سقطوا في مخالفات كثيرة، وبالضرورة يحتاجون لتطهير مضاعف، لأنه كما قال الرب: ” الذي قد اغتسل ليس له حاجة إلاّ إلى غسل رجليه بل هو طاهر كله. وأنتم طاهرون ولكن ليس كلكم[29]. القديسون يحتاجون إلى تطهير قليل جدًا. لأن طبيعتنا قابلة للمرض، ولا يمكن أن تظل طاهرة تمامًا من الخطية.

[1] مز5:44.

[2] لو17:8.

[3] مز3:130.

[4] مز12:19.13.

[5] مز12:19.

[6] إش6:64.

[7] 1كو4:4.

[8] حكمة سليمان6:6.

[9] لو48:12.

[10] يع1:3.

[11] عب17:13.

[12] عدد19:31ـ20.

[13] أي4:14.

[14] أنظر كو14:3

[15] عدد21:31ـ26.

[16] أنظر مت11:3.

[17] أنظر مت29:12.

[18] إش8:35.

[19] 1كو13: 3.

[20] مز10:66ـ12.

[21] عدد25:31ـ31.

[22] عدد26:31ـ27.

[23] عب39:11ـ40.

[24] 1كو8:4.

[25] مز 12:115ـ13.

[26] إش12:53.

[27] 1بط9:2.

[28] لو47:7.

[29] يو10:13.

 

المقالة4 ج3 – السجود والعبادة بالروح والحق ج3 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة4 ج2 – السجود والعبادة بالروح والحق ج3 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة4 ج2 – السجود والعبادة بالروح والحق ج3 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة4 ج2 – السجود والعبادة بالروح والحق ج3 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

 

السجود والعبادة بالروح والحق

تابع المقالة الرابعة

بلاديوس: بالتالي وفق نموذج موسى وهارون، فإن المسيح يكتب أسماء الذين وصلوا إلى مرحلة النضج.

كيرلس: هكذا أقول. وسوف يتضح هذا الأمر مما يقوله دانيال الطوباوي، الذي هو جدير بالثقة.

بلاديوس: ما الذي تقصده؟

كيرلس: رأى دانيال الآب في رؤيا وهو في صورة شيخ، متوج بشعرٍ أبيض وبملابس لامعة مثل الثلج وقال: ” وفُتحت الأسفار وإذا مع سحاب السماء مثل ابن إنسان أتي وجاء إلى القديم الأيام فقربوه قدامه. فأعُطي سلطانًا ومجدًا وملكوتًا لتتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة. سلطانه سلطان أبدي ما لن يزول وملكوته ما لا ينقرض[1].

          عندما صار الوحيد الجنس في شكلنا، عندئذٍ فُتحت الأسفار لكي يغفر الله خطايا المذنبين، وأعطى الرجال الشجعان أن يسجلوا أسماءهم ويصلوا إلى الصفوف السماوية وأن يصيروا محفوظين في ذاكرة الله. اسمع داود الطوباوي وهو يرتل عن أولئك الذين استهانوا بالمسيح قائلاً: ” ليُمحوا من سفر الأحياء ومع الصديقين لا يُكتبون[2]، لأنهم سقطوا بسبب فكرهم الضعيف وبسبب جبنهم لم ينجحوا في السير مع المسيح. ورغم أن الآب بمحبته للبشر وجه لهم الدعوة، فقد دُعوا إلى الأفراح، لكنهم استجابوا لدعوة العشاء بخمول ولا مبالاة، فأحدهم قال: ” اشتريت حقلاً“، والآخر: ” إني تزوجت بامرأة فلذلك لا أقدر أن أجيء[3]. وفي كل مكان، تسمعهم يقولون: لا نستطيع، وذلك بسبب أن الذهن البشري الذي استسلم لحب اللذة العالمية هو خامل وضعيف عن أن يعمل وصايا الله. وسوف لا يكون لهذا العقل البشري نصيب الاشتراك في العُرس السماوي.

بلاديوس: إذن فالذين هم في سن القوة والشجاعة، والذين هم ناضجون ذهنيًا، هؤلاء سوف يأخذون مكانًا في سجل الله وفي سفر الأحياء، بينما كل الذين ليسوا مثلهم فلن يُسجلوا في السفر، أليس كذلك؟

كيرلس: لو تمعنت كل ما هو مكتوب بدقة ويقظة، سوف تعلم الحقيقة. لأن التسجيل لم يشمل الذين هم في سن العشرين فقط، لكن الأمر يخص كل ذكر. ألاّ تفهم ما أقوله؟

بلاديوس: إني أفهم.

كيرلس: إذن، لو عرفنا ماذا تعني الشجاعة حسب المسيح، وما هي طريقة هؤلاء الشجعان، لكي يقتنوا الفضيلة بنجاح. فهؤلاء الذين وصلوا إلى هذه المرحلة سيكون لهم تسجيل خاص بهم، إذ هم محاربون شجعان ومعرفتهم أسمي من المعرفة الطفولية. حينئذٍ ألاّ يتناسب مع كل واحد منا يا صديقي، إذ يكون له موضع خاص به وسجل لائق ومجد يتناسب مع بهاء الأعمال؟

بلاديوس: أوافق على هذا.

كيرلس: ولا ينبغي أن يغيب عنا أنه لن يكون لأحد مكانًا بين الرسل والقديسين إن لم يتشبه بهم.

بلاديوس: هذا صحيح.

كيرلس: وأيضًا فإن كل من لا يتشبّه بالمستنيرين والسائرين في كل أنواع الفضيلة، والذين نجحوا في الحياة، لن ينضم إليهم، بل سوف يرث بحسب القياس الذي يتناسب معه.

بلاديوس: لقد أصبت.

كيرلس: بناءً على ذلك، طالما آمنا بالمخلص وفادي الكل، وقد اغتنينا بالمعمودية، ولبسنا قوة من الأعالي مختومين بالروح القدس، فقد دخلنا في عداد الذكور وكُتبنا في سفر الله. ولكن يوجد هنا اختلاف ما، إذ أن القديسين هم أقرب إلى الله، فالإيمان بالمسيح هو واحد، لكن ليس كل الذين آمنوا لهم نفس طريقة المعيشة، فالبعض يحيون هكذا والآخرون غير ذلك وفق كلام بولس الطوباوي[4]. إذن كل الذين يهتمون بالتقوى اهتمامًا عظيمًا، ولذلك فهم أكثر قداسة، هؤلاء يكونون في الموضع الأول في السجل الإلهي وفي فكر الله، أما الذين هم أقل قداسة، بسبب أنهم أقل في الفضيلة، فهؤلاء يكونون في المرتبة الثانية.

بلاديوس: وكيف يمكن أن يصير هذا واضحًا؟

كيرلس: هذا يتضح من الكتب المقدسة، لأن كلامنا ليس بلا سند. فبعد الإحصاء الذي صار للذكور، ولكل الذين كانوا في سن الشباب، قد تكلم إله الجميع عن طريقة أخرى كما يلي: ” وكلم الرب موسى في برية سيناء قائلاً: عِد بني لاوي حسب بيوت آبائهم وعشائرهم كل ذكر من ابن شهر فصاعدًا تعدهم. فعدهم موسى حسب قول الرب كما أُمِرَ[5]. وعندما صار التسجيل هكذا بحسب العشائر وبيوت الآباء، يضيف مباشرة قائلاً: ” وجميع المعدودين من اللاويين الذين عدهم موسى وهرون حسب قول الرب بعشائرهم كل ذكر من ابن شهر فصاعدًا اثنان وعشرون ألفا[6]. لكن يضيف مباشرة ويقول: “وقال الرب لموسى عد كل بكر ذكر من بني إسرائيل من ابن شهر فصاعدًا وخذ عدد أسمائهم. فتأخذ اللاويين لي أنا الرب بدل كل بكر في بني إسرائيل وبهائم اللاويين بدل كل بكر في بهائم بني إسرائيل. فعد موسى كما أمره الرب كل بكر في بني إسرائيل. فكان جميع الأبكار الذكور بعدد الأسماء من ابن شهر فصاعدًا المعدودين منهم اثنين وعشرين ألفا ومئتين وثلاثة وسبعين. وكلم الرب موسى قائلاً: خذ اللاويين بدل كل بكر في بني إسرائيل وبهائم اللاويين بدل بهائمهم فيكون لي اللاويون أنا الرب. وأما فداء المئتين والثلاثة والسبعين الزائدين على اللاويين من أبكار بني إسرائيل. فتأخذ خمسة شواقل لكل رأس على شاقل القدس تأخذها عشرون جيرة الشاقل. وتعطي الفضة لهرون وبنيه فداء الزائدين عليهم[7]. المعنى عميق وصعب الفهم يا بلاديوس حتى يكون بمقدورنا إدراك هذا الأمر بالتفصيل والدقة، أقصد لكيما نعرضه بتوسع هنا.

بلاديوس: تتكلم بصواب. لكن دعنا نفحص الأمر، ولنا ثقة في المسيح مانح كل صلاح.

كيرلس: كان كل المطلوب في التسجيل الأول هو أن يكون ذكرًا ابن عشرين سنة، أي يتصف بالتعقل والشجاعة والنضوج، لكي يمكن أن يحقق كل ما يريده الله. وهذا ما تكلمنا عنه بما فيه الكفاية. أما في هذين التسجيلين، فإن كل الذكور من سبط لاوي اندرجوا وانضموا إلى الإحصاءات الإلهية المقدسة. لم يشمل في التسجيل الثاني كل الذكور، لكن الأبكار فقط وأُحصي كل الأبكار من شهر فما فوق. وإحصاء أطفال اللاويين هو اثنان وعشرون ألفًا، بينما للأبكار اثنان وعشرون ومائتان وثلاثة وسبعون. ثم يشرع الله بعد ذلك، أنه بدلاً من الأبكار فليُكّرس أطفال اللاويين. وحيث إن العدد فاق الحد، بمعنى وُجد مجموع أطفال الإسرائيليين الآخرين أكثر بمائتين وثلاثة وسبعين طفلاً عن أطفال اللاويين، حكم المُشرع بأنه يجب أن يعطوا سبط لاوى فدية عن هؤلاء، كأنه بطريقة ما، قد تمموا لأجل هؤلاء (سبط لاوى) الطقوس الدينية، وقدموا ذبائح آخذين هذه الفدية عن هؤلاء الأطفال، لأجل تقدمة الخدمة التي هي بلا لوم، والتي يقوم بها سبط لاوى عن الأطفال. ألاّ تتفق معي بأن هذا هو ملخص كل ما قرأناه؟

بلاديوس: هذا صحيح.

كيرلس: إذن، سأتحدث في هذا الأمر وحديثي لن يبتعد عن هدفنا، إذ سأتحدث بقدر الاستطاعة وفق الكلام المنطقي والأوقع. بمعنى أنه يذكرنا بأهمية الشجاعة مع الحكمة، كما تعنى هذه في المسيح، ومع أنه طلب في المثال إحصاء الذكور بالعمر الجسدي الظاهري، إلاّ أنه كان يجب أن يُعلن التسجيل الذي صار في اسم المسيح بالإيمان والمحبة محتويًا على التنوع الذي يمكن للمؤمنين التعرف عليه. فهناك من يقبلون الإيمان ويمارسون معه القداسة في أعمال وخضوع لله، بينما آخرون لم يخضعوا لله خضوعًا كاملاً، بل مشتتون في أمور هذا العالم. هكذا فالمشرع على حق عندما يأمر بأن يُفضل المُقدس من بين الاثنين، وهذا يُفهم من اختيار سبط لاوى، ويأمر بأن يكون له الموضع الأول في التسجيل. لأنه يذكر أولاً اللاوى وبعد ذلك يذكر الذكر والبكر. وبولس العظيم يقول في رسالته إلى أشخاص يعرجون من جهة الإيمان مترددين: ” يا أولادي الذين أتمخض بكم أيضًا إلى أن يتصور المسيح فيكم[8]. فمن هو بكر من جهة الخضوع للمسيح وله تعقل عظيم فهو أيضًا مقبول في سفر الله. لاحظ كما قلت من قبل لا يؤخذ أي ولد من الذين هم من سبط مختلف، لكن فقط البكر. لأنه لا يوجد انفصال بين الإيمان وبين الخضوع للمسيح، فالبكر مقبول في التسجيل والإحصاء، وذلك لأجل البكر (المسيح) الذي هو بيننا، بين اخوة كثيرين[9]. لقد سجلوا وأحصوا كل ذكور سبط لاوى بدون تمييز. لأن المُقدَّس بالكامل هو من أهل بيت الله. الأولاد المعددون هم من شهر واحد فما فوق. فما هو المبرر؟ لأن طفولة الذين يؤمنون بالمسيح ليست مرفوضة عند الله، لأن الصغير في السن هو رمز لبساطة المسيح وللطفولة الروحية. وكما قلنا إنه من الأكمل والأفضل للمحاربين التسجيل من عمر عشرين عامًا فما فوق، هكذا فمن الممكن القول إن العلامة المُحددة للطفولة في المسيح هي سن الشهر الواحد. وشئ مثل هذا يقوله بولس: “ أيها الاخوة لا تكونوا أولادًا في أذهانكم بل كونوا أولادًا في الشر. وأما في الأذهان فكونوا كاملين[10].

بلاديوس: إذن فنحن نؤمن بأنه سيكون لنا نصيب مع القديسين الذين يُظهرون شجاعة واهتمامًا للتقدم في الفضيلة.

كيرلس: بالتأكيد، إذ أنهم مملوئين حقًا من المواهب الإلهية، وهم يقتنونها بأتعاب ومشقة، ويصلون إلى هذا المستوى بالجهاد المستمر. هكذا يساعدوننا بالعطايا التي أخذوها من محبة الله. لذلك قال بولس العظيم لبعض المؤمنين ” إني مشتاق أن أراكم لكي أمنحكم هبة روحية لثباتكم[11]. ألاّ تقبل أن العطية السماوية والموهبة الروحية تجعلنا نعرف الله معرفة صحيحة بلا لوم وتخبرنا عن كل الأمور الحسنة.

بلاديوس: حسنًا، طالما أن الأمر حيوي. إن المعرفة الواضحة عن الله الذي هو بالحق خالق الكل، وعن ماهية الحياة والطريق الحسن، كل هذه تقودنا إلى الحياة الدائمة التي بلا نهاية.

كيرلس: بالصواب حكمت. وهذا ما علمنا به المسيح نفسه، إذ أعطي وصية للرسل القديسين قائلاً: ” مجانًا أخذتم مجانًا أعطوا[12]. ومن ناحية أخرى، فإن بهاء القديسين هو نافع للآخرين، لأن انتصارات أولئك هي انتصارات لنا، فإن الله المُحب يغفر للضعفاء خطاياهم، وفي الوقت نفسه يُلفت النظر إلى الأقوياء المملوءين مجدًا. فالإسرائيليون الذين وقعوا في العصيان، قد هيجوا بالضرورة المُشرع ضدهم. لأنه أراد أن يفرض العقاب بسبب الخطايا التي تجرأ هؤلاء على ارتكابها. فقد أحزنوه بشدة وتحدث النبي إرميا عن هذا الأمر متوسلاً عنهم: ” طوفوا في شوارع أورشليم وانظروا واعرفوا وفتشوا في ساحاتها هل تجدون إنسانًا أو يوجد عامل بالعدل طالب الحق فأصفح عنها.. أما أنا فقلت إنما هم مساكين قد جهلوا لأنهم لم يعرفوا طريق الرب قضاء إلههم[13]. وفي موضع آخر يقول: إنه سيؤجل لسدوم عقابها بالنار لو وُجد هناك خمسة قديسين وصالحين. إذن مرات كثيرة يكون وجود القديسين سببًا في أن لا يعاقب الله الخطاة في الحال، فإن وجود القديسين يُسكِّن الغضب الإلهي في حينه. هكذا أيضًا، فرغم أنه ليس كل الذين قبلوا الإيمان بالحق، عندهم القوة للوصول إلى هذه الدرجة من الشجاعة في احتمال الأتعاب من أجل الامتلاء من المواهب الإلهية، إلاّ أنهم يمكن أن يشاركوا في مسرات القديسين، إذ أن القديسين يعلمونهم ويرشدونهم إلى كل ما هو مرضي عند الله ويُظهرون أهمية اشتراكهم في الأعمال الصالحة. وهؤلاء (القديسون) كل ما يبلغون إليه بعد مشقة وأتعاب كثيرة يغرسونه في نفوس الآخرين. وبذلك يمكن أن نشترك في بهاء القديسين، إذ نصير مشاركين لهم في أعمالهم الصالحة. وبسبب محبته، فإن الله يمزج إنجازات القديسين بضعفاتنا، ليكون الجميع مقبولين أمامه. هذا الأمر يمكن أن يتضح من الآتي.

بلاديوس: أي شئ تريد أن تقول؟.

كيرلس: كان المديانيون والموآبيون شعوبًا غير مؤمنة وبرابرة، وكانوا يسكنون أرض الميعاد التي كان من المنتظر أن يرثها الإسرائيليون، وحيث إن الحرب كانت بالقرب منهم وأثارتهم، إذ كانوا على وشك أن يُفقدوا ويذوقوا ويلات الحرب من ساعة إلى ساعة، ولم يكن لديهم قوة لمواجهة قوات بني إسرائيل، فقاموا بمحاولات سحرية وبأعمال قبيحة لكي يُسقطوا أعداءهم. لكن رغم تنفيذ كل أفكارهم لم يستطيعوا أن يُلحقوا بهم أي ضرر، إذ أن الله كان مدافعًا عنهم. وبلعام المُنجم الكذاب قد حوّله لكي يبارك إسرائيل، بالرغم من أنه قد أخذ أجرة لكي يلعنهم، وقد وصل (المديانيون والموآبيون) في النهاية إلى حالة من الحيرة والارتباك، وبدأوا يفكرون في طريقة أخرى يستطيعون بها أن يفعلوا الشر بالإسرائيليين، بدون أن يصطدموا مع الله المُدافع عنهم، وذلك لكي عندما يتجردون من المعونة السماوية، يشتبكون معهم في معركة ينتصرون فيها. ولأنهم يلمسون مدى الميل الجنسي بين الذكر والأنثى، وأن الشباب لا يصمد أمام هذه اللذات، أخرجوا إليهم نساء متزينات لكي يُوقعوا الإسرائيليين في الجماع الجسدي القبيح. هكذا فإن الذين تساهلوا مع الأهواء الجسدية انخدعوا بواسطة الفتنة والجمال، ثم شيئًا فشيئًا ابتعدوا عن العبادة الإلهية، سائرين في دروب أولئك الوثنيين. فالعصيان هو نتيجة مرض الزنا، لأنه مكتوب: ” فدعون الشعب إلى ذبائح آلهتهن فأكل الشعب وسجدوا لآلهتهن[14]. ونفس الأمر بالضبط قاله الله بصوت الأنبياء: ” لا أعاقب بناتكم لأنهن يزنين ولا كناتهم لأنهن يفسقن. لأنهم يعتزلون مع الزانيات ويذبحون مع الناذرات الزنى. وشعب لا يعقل يُصرع[15].

          إذن، غضب المشرع كان على حق بسبب هذا، والأمر لم يكن بلا ضرر للإسرائيليين. لأنهم جلبوا على أنفسهم كوارث لا تُحتمل، إذ بسبب هذا الأمر قُتل الجار والأخ. عندئذ أمر الله موسى القائد العظيم ليشن فورًا حربًا ضد المديانيين: “ وكلم الرب موسى قائلاً. انتقم نقمة لبني إسرائيل من المديانيين ثم تضم إلى قومك. فكلم موسى الشعب قائلاً جردوا منكم رجالاً للجند فيكونوا على مديان ليجعلوا نقمة الرب على مديان. ألفا واحدًا من كل سبط من جميع أسباط إسرائيل ترسلون للحرب. فاختير من ألوف إسرائيل ألف من كل سبط اثنا عشر ألفًا مجردون للحرب. فأرسلهم موسى ألفا من كل سبط إلى الحرب هم وفينحاس بن ألعازار الكاهن إلى الحرب، وأمتعة القدس، وأبواق الهتاف في يده. فتجندوا على مديان كما أمر الرب وقتلوا كل ذكر. وملوك مديان قتلوهم فوق قتلاهم أِوي وراقم وصور وحور ورابع خمسة ملوك مديان وبلعام بن بعور قتلوه بالسيف. وسبى بنو إسرائيل نساء مديان وأطفالهم، ونهبوا جميع بهائمهم وجميع مواشيهم وكل أملاكهم. وأحرقوا جميع مدنهم بمساكنهم وجميع حصونهم بالنار. وأخذوا كل الغنيمة وكل النهب من الناس والبهائم، وأتوا إلى موسى وألعازار الكاهن وإلى جماعة بني إسرائيل بالسبي والنهب والغنيمة إلى المحلة إلى عربات موآب التي على أردن أريحا. فخرج موسى وألعازار الكاهن وكل رؤساء الجماعة لاستقبالهم إلى خارج المحلة. فسخط موسى على وكلاء الجيش رؤساء الألوف ورؤساء المئات القادمين من جند الحرب. وقال لهم موسى هل أبقيتم كل أنثى حية. إن هؤلاء كن لبني إسرائيل حسب كلام بلعام سبب خيانة للرب في أمر فغور فكان الوبأ في جماعة الرب. فالآن اقتلوا كل ذكر من الأطفال وكل امرأة عرفت رجلا بمضاجعة ذكر اقتلوها. لكن جميع الأطفال من النساء اللواتي لم يعرفن مضاجعة ذكر أبقوهن لكم حيات[16].

          قد أمر الله بكل هذا، والشباب المُختار أتوا لإجراء الحرب. المتدربون والمختبرون كثيرًا تجمعوا من كل سبط، حتى أن القسم المُنتخب لكل سبط يصير فخرًا للمجموع، ومجد القسم الواحد يصير مجدًا للمجموع، وفقًا للحكيم بولس: ” فإن كان عضو واحد يتألم، فجميع الأعضاء تتألم معه، وإن كان عضو واحد يُكرّم فجميع الأعضاء تفرح معه[17].

[1] دا10: 13ـ14.

[2] مز28:69.

[3] لو18:14ـ19.

[4] أنظر 1كو7:7.

[5] عدد14:3ـ16.

[6] عدد39:3.

[7] عدد40:3ـ48.

[8] غلا19:4.

[9] رو29:8.

[10] 1كو20:14.

[11] رو11:1.

[12] مت8:10.

[13] إر1:5و5.

[14] عدد2:25.

[15] هو14:4.

[16] عدد1:31ـ18.

[17] 1كو26:12.

المقالة4 ج2 – السجود والعبادة بالروح والحق ج3 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة4 ج1 – السجود والعبادة بالروح والحق ج3 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة4 ج1 – السجود والعبادة بالروح والحق ج3 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة4 ج1 – السجود والعبادة بالروح والحق ج3 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

 

السجود والعبادة بالروح والحق

المقالة الرابعة

 

إن كل من دُعيَّ من الله للتبرير وقد نال الفداء، ينبغي أن يسلك في طريق الله، وطالما هجر التنعم الذي يقود إلى الوضاعة، عليه أن يُسرع لكي يحيا بالحري بصلابة وفقًا للناموس

 

كيرلس: يا بلاديوس؛ إنه خطر كما يبدو، وأقول إنه مكروه جدًا ويعتبر غباوة شديدة ألاّ يكون للإنسان الرغبة المُلحة لنبذ الدناءة والخطية. أي العيش منغمسين في لذات غير مقبولة مستسلمين إلى تصرفات أنثوية رخوة، ونهمل التقدم في الفضيلة، بالرغم من أنه لدينا إمكانية عظيمة بمعونة المسيح لكي نرتقي إلى حالة جديرة بالمدح. أيضًا ينصحنا بولس القديس قائلاً: ” أخيرًا يا اخوتي تقووا في الرب وفي شدة قوته[1].

بلاديوس: إنك شيق جدًا في حديثك.

كيرلس: إذن فلنحصل على القوة بمعونة المسيح، لكني أعتقد أنه بدون تعب وكد وإصرار، لن يفلح أحد في محاربة الشهوات ببسالة، ولن يستطيع أن يوجه عقله نحو هذا الهدف.

بلاديوس: أوافق.

كيرلس: طبعًا إنه أمر مبهج، ويستحق أن يجتهد الإنسان لكي يناله. ومن المؤكد أن هؤلاء الذين يظلون في خمول، لن يستطيعوا إدراكه، لكن الذين يفلحون فيه بسهولة هم الذين يقدرون التعب والكد. لأنه مكتوب: ” من يتعب، يتعب لنفسه ويجاهد لعدم فنائه[2]. لأن بقليل من الجهد والعرق يستطيع المرء أن ينجز أمورًا عظيمة، أظن أنه غير مقبول أن يجهل المرء هذا الأمر. أليس خلاص النفس أثمن لنا من كل الأشياء الأخرى، وأن يجاهد المرء بكل قوته لأجل حياته؟

بلاديوس: هذا أكيد جدًا.

كيرلس: ألاّ تظن أن السمعة الحسنة والشهرة العظيمة يحصل عليها الرياضيون، الذين يتدربون بجدية وبانتظام، واضعين الفوز بالجائزة نصب أعينهم، أم أن أولئك الذين يلقون بأنفسهم في المُتع الدنيوية مفضلين حياة الخمول على الحياة الفُضلى هم الذين يحصلون عليها؟

بلاديوس: لا شك في أن الفوز لن يكون من نصيب المصابين بمرض الخمول، بل هو من نصيب أولئك النشطاء والمستعدين.

كيرلس: إذن، فإننا نقول، إن اكتساب المجد لن يكون من نصيب هؤلاء الذين يزعمون قائلين: إننا نخلص ونصير في حالة حسنة عن طريق الراحة والاستمتاع.

بلاديوس: بالتأكيد لا .

كيرلس: إذن نخرج باستنتاج، أن النجاح والسمعة الطيبة سيكونان من نصيب هؤلاء الذين يحبون التعب والجهاد، وأنه بدون جهاد لا يستطيع أحد أن يقتني المجد.

بلاديوس: هذا منطقي.

كيرلس: يجب إذن يا بلاديوس، أن نتقدم مباشرة نحو ما يستحق الثناء وأن نسعى إلى الشجاعة وطيبة النفس التي تقود إلى الفضيلة، التي يمدحها كثيرًا جدًا الكتاب المُوحى به من الروح، وهي التي استأثرت بنفوس القديسين والذين أحبوها. ولهذا قال داود العظيم لكل هؤلاء الذين يضعون نصب أعينهم هذه الفضيلة: ” لتتشدد ولتتشجع قلوبكم يا جميع المنتظرين الرب[3]. وهذا بالضبط ما قد اختبره (داود) أكثر من كل الأشياء الأخرى، إذ يفتخر ويقول: ” الرب نوري وخلاصي ممن أخاف. الرب حصن حياتي ممن أرتعب[4]. حقًا، تحيط بنا عثرات لا حصر لها، وجمع لا يُحصى من الأرواح الشريرة يحرضوننا على الخطية، وأيضًا أليست الغرائز غير المروضة المغروسة فينا، ومحبة المال والأطماع تهاجمنا مع الأمور الأخرى الناتجة عنها مثل القتل، والفساد، والكراهية، والنميمة. فلا داعي للكلام عن الذين ينخدعون بسهولة بمثل هذه الأمور، ولا عن الجهد الذي يتحملونه لممارسة هذه الأمور المعيبة، إذ أنهم يقتربون منها مستسلمين للأعداء مقدمين لهم فوزًا رخيصًا، كنبات البنجر الذي لم يُسلق جيدًا وفقًا لقول النبي[5]، كما لو كانوا ملقين على الأرض ومرتعدين بدون اشتباك تحت براثن الخطية.

          وبالعكس فإن كل الذين يحبون الفضيلة والصلاح ويشتهون المجد السماوي ويشتاقون لنوال الحياة الأبدية، يواجهون الشهوات التي تهاجمهم ببسالة وجرأة، مميتين نزوات الجسد، ومنتصرين على الأهواء التي تثور في داخلهم. هكذا يصدّون كل أنواع الشرور والخطايا وفطنة عظيمة، إذ يعيشون حياة مقدسة بلا لوم. هؤلاء يقول لهم بولس العظيم: ” فاثبتوا ممنطقين أحقاءكم بالحق ولابسين درع البر. وحاذين أرجلكم باستعداد إنجيل السلام. حاملين فوق الكل ترس الإيمان الذي به تقدرون أن تطفئوا جميع سهام الشرير الملتهبة[6]. أي أن هذه الأسلحة الروحية هي التي تناسب القديسين، والتي يجب علينا نحن أيضًا أن نقتنيها، كما يأمرنا مخلصنا نفسه بقوله: ” لتكن أحقاءكم ممنطقة (مربوطة) وسرجكم موقدة[7]. وكلمة “منطقوا” تشير إلى الأحقاء المُمنطقة جيدًا والمُحكمة تمامًا اللازمة للجهاد والتعب لأجل الصلاح ومحبة الله. وعبارة “البسوا أحذيتكم” تشير إلى الاستعداد والتهيؤ للرحيل من العالم، ولكي نستطيع ونحن هنا في العالم أن نسلك حسب إرادة الله. و”السرج موقدة” تشير إلى أنه لا توجد حياة في الظلام، ظلام الجهل، لكن بنور المسيح يمكننا أن نسلك في أي أمر يستحق التقدير والثناء. ولذلك نادى المسيح اليهود الذين رفضوا أن يفعلوا هذا قائلاً: ” النور معكم زمانًا قليلاً بعد، فسيروا مادام لكم النور لئلا يدرككم الظلام[8]. إذن الاستعداد والتهيؤ للفضيلة والشجاعة المرتبطة بالتدبير الحكيم، كل هذه تجعل محبة التقوى ساطعة وظاهرة.

بلاديوس: لقد أصبت جدًا في حديثك.

كيرلس: الإنسان لا ينال المكانة المرموقة بمحبة الاسترخاء والراحة، بل بالجهاد، فباحتماله للمتاعب يصير مرموقًا وينال التكريم. فعندما كان الإسرائيليون في مصر، وضع عليهم فرعون الشرير رؤساء مشرفين مرعبين وقساة الذين فرضوا عليهم أعمالاً شاقة، فكل أنواع القسوة والتعذيب فُرضت عليهم إجباريًا، ولكن الإسرائيليين استفادوا منها ولم يتضرروا. وكان فرعون يخاف من العبرانيين وهو يراهم يتزايدون كثيرًا، لذا حاول أن يوقف نموهم واتحادهم. ويقول الكتاب: ” عيَّن رؤساء تسخير لكي يذلوهم بأثقالهم[9]. لكن هذا التفكير أتي بنتيجة عكسية. إن الإذلال الذي فُرض عليهم، كان سببًا في نموهم. فقد دبر الله الأمر، إذ أمام مكائد فرعون نجد نعمته الخاصة، لأنه يقول: ” ولكن بحسبما أذلوهم هكذا نموا وامتدوا[10].

          هكذا يجلب الشيطان الأحزان ويصرّ بأسنانه على القديسين، إذ يهاجم هؤلاء الذين هم خاصة الله، ويحاول الانقضاض عليهم واحدًا فواحدًا، وهم “طعامه المُسمّن” كما هو مكتوب[11]. لكن هؤلاء الذين يعانون من هذه الأمور، سيصيرون أفصل بفضل هذه التجارب؛ فبالصبر والاحتمال في هذا الجهاد يكتسبون مجدًا أكثر، حتى أن أموره الشيطانية التي كان يدبرها للإيقاع بهم في براثن الشر قد تحولت ـ دون أن يقصد ـ إلى فائدتهم. هكذا الأمور التي ظن أنه سينتصر عليهم بها قد جعلتهم أيضًا أكثر قوة.

          وبما أن مكيدة فرعون كان لها نهاية غير متوقعة، وتلك الأمور التي صنع بها الشر معهم قد تحولت لفائدتهم، فقد أدرك الأمر متأخرًا ولذلك غيَّر أسلوبه في السيطرة عليهم. لأنه يقول دعا فرعون قابلتي العبرانيات: ” وقال حينما تُوَّلدان العبرانيات وتنظرانهن على الكراسي، إن كان ابنًا فاقتلاه وإن كان بنتًا فتحيا. ولكن القابلتين خافتا الله ولم تفعلا كما أشار عليهما ملك مصر، بل استحيتا الأولاد[12]. وحيث إن شره ضد جنس العبرانيين ظل عبثًا وبلا جدوى ـ إذ أن الله لم يترك القابلتين لتفعلا هذا الأمر ـ استمر فرعون في تعسفه الواضح. فهو لم يرد أن يذلهم (بالطريقة الأولى)، لكنه شرع في حرب بلا هوداه، وكرر موتًا شنيعًا للأطفال حديثي الولادة، لأنه يقول: ” ثم أمر فرعون جميع شعبه قائلاً: كل ابن يُولد تطرحونه في النهر. لكن كل بنت تستحيونها[13]. بالتأكيد لم يعط اهتمامًا بالبنات، لأن المرأة بطبيعتها لا تحب الحرب، وذكاءها لم يكن ذو أهمية عنده. بينما الذكر يزعجه إذ أنه ذو حكمة وفطنة في الحرب.

          إن التنين بتعطشه للدماء؛ أي الشيطان، يفرح ويُسرّ بطبيعة النساء الضعيفة وعدم القدرة على الحرب، وعدم الدراية بفنون الحرب. على العكس، فهو يحارب حياة التأهب والاستعداد، التي هي أفضل من الرخاوة، وبسبب امتلاكها للمعرفة تنتصر على الخوف. لذلك ترك الأنثى لتعيش، ولم يحكم عليها بالموت. لأنه من الغباء أن يحارب أولئك الذين خضعوا له بإرادتهم، ولهم في أنفسهم ميل لأن يصيروا عبيدًا. ولكنه يغرق الذكور طارحًا إياهم في التجارب والمخاطر. وهذا ما يبدو لي عندما يرنم داود العظيم ويقول: ” لولا الرب الذي كان لنا ليقل إسرائيل. لولا أن الرب كان معنا عندما قام الناس علينا، إذن لابتلعونا أحياء عند احتماء غضبهم علينا. إذن لجرفتنا المياه لعبر السيل على أنفسنا. إذن لعبرت على أنفسنا المياه الطامية[14].

بلاديوس: نعم هكذا.

كيرلس: لاحظ إذن الطريقة التي صارت بها السيطرة. أولاً كان يعذبهم مسببًا لهم آلامًا شنيعة، وهو بخبث عظيم ومكر ودهاء وبكافة الطرق لم يدخر وسعًا في أن يسبب لهم شرًا، حتى يعوقهم عن الازدياد والنمو. وحتى في الوقت الذي كان فيه الظلم مستترًا، ولم يكن هدف الطاغية قد ظهر، إلاّ أنه، كما قلت من قبل، فإن الله الرحوم بنعمته، حارب ضده. هكذا بينما أذلوهم فإنهم ازدادوا بالأكثر في القوة والعدد. وفيما بعد أراد الطاغية أن يسلط عليهم القابلات العبرانيات، ولكن الرب لم يسمح بهذا. وكطريقة ثالثة وأخيرة للسيطرة، أمر فرعون كل شعبه بأن يغرّقوا أولاد بني إسرائيل الذكور.

          إذن كل الذين يملكون الشجاعة يحاربهم الشيطان بطريقة غير منظورة ويخطط مكيدته بطريقة ثلاثية؛ يبدأ المحاربات بأفكار شريرة لكي يعطل تقدم الذهن في الفضيلة ويوقع عليهم عذابات وآلام مرعبة، موقعًا إياهم في صراعات قاسية. وعندما لا يستطيع إيذاءهم بأي طريقة من هذه الطرق، بفضل حماية الله، فإنه كثيرًا ما يحرض الذين هم مثلنا في الإيمان والجنس لكي يكرهوننا ويحاربوننا. وهذا ما يؤكده بولس قائلاً: ” بأسفار مرارًا كثيرة. بأخطار سيول. بأخطار لصوص. بأخطار من بني جنسي.. بأخطار من اخوة كذبة[15]. وإذا حدث وأخفق في هذا بسبب أن حامي القديسين يرسل عليهم (أي على الذين هم من بني جنسنا) خوف الله، كما حدث قديمًا مع القابلات العبرانيات، فهو يستعمل علانية كل أسلحته، مثيرًا الرعب لهم بالفتك والقتل. إذن فلنتمسك هكذا بالمحبة التي تقود إلى الجرأة والشجاعة، دون أن نجهل أن كل ما يبغضه ذاك (الشيطان) هو ذو قيمة عند الله. لأن كل من يرتفع فوق التنعم يعمل له الشيطان حسابًا عظيمًا ويحزن لأنه لم يستطع الإيقاع به.

بلاديوس: أصدقك. لكن نستطيع على ما أعتقد، أن نرى الأمر من الكتاب المقدس نفسه. بالتأكيد أنت تفهم كل هذه الأمور.

كيرلس: إذن، بنعمة الله، مكتوب في سفر العدد بواسطة موسى: ” وكلم الرب موسى في برية سيناء في خيمة الاجتماع في أول الشهر الثاني في السنة الثانية لخروجهم من أرض مصر قائلاً: احصوا كل جماعة بني إسرائيل بعشائرهم وبيوت آبائهم بعدد الأسماء كل ذكر برأسه. من ابن عشرين سنة فصاعدًا كل خارج للحرب في إسرائيل تحسبهم أنت وهرون حسب أجنادهم[16]. أي أن الذكور والمحاربين الذين قد نضجوا في العمر، أي الذين وصلوا إلى النضج الروحي وإلى قياس قامة ملء المسيح[17]، قد صُنِّفوا في السجل الإلهي إي في سفر الله، وهذا يمكن أن يصير واضحًا جدًا بالآتي: أحصى الذكور من ابن عشرين سنة فصاعدًا، ليس لأي سبب آخر، كما أعتقد، إلاّ لكي نستطيع أن نفهم نحن أن هذا له دلالة وقيمة، بمعنى أنه يستبعد كل من هو غير مختبر وضعيف وغير كامل عقليًا، الأمر الذي يتمشي بالحرى مع صغار السن ولم يصلوا إلى مقياس النضج الذي حدده الناموس الإلهي، أي ابن العشرين. ابن العشرين الذي قد وصل إلى سن النضوج من الذكور هو ذو قيمة ومكانة ومعترف به من قِبل الله. لأنه هكذا قال المسيح لرسله القديسين عندما صاروا رجالاً في الإيمان، وقد وصلوا إلى هذه الدرجة الذهنية الناضجة: ” لا تفرحوا أن الشياطين تخضع لكم بل بالحرى افرحوا أن أسماءكم كُتبت في السموات[18]. ومرة أخرى أيضًا ” أليس عصفوران يباعان بفلس. وواحد منهما لا يسقط على الأرض بدون أبيكم. وأما أنتم فحتى شعور رؤوسكم جميعها محصاة[19]. وكونه يقول إن الشعور محصاة هو برهان على عنايته الفائقة بهم.

          إذن، الذكر الناضج مكتوب في سفر الله. وقد صار التسجيل عن طريق موسى وهارون، فعن طريق الاثنين معًا، المشرع موسى وهارون رئيس الكهنة ندرك المسيح الواحد الذي صار لنا مشرعًا، وأيضًا رئيس كهنة قدوس بلا شر، وبواسطته صار التسجيل في السفر الإلهي لكل الذين هم في مرحلة النضوج ومتميزين في الفضيلة. إلى هؤلاء يتوجه يوحنا الحبيب قائلاً: ” أكتب إليكم أيها الأحداث لأنكم قد غلبتم الشرير[1]. هؤلاء إذن هم أولئك الذين تحدثنا عنهم سابقًا ” من ابن عشرين فصاعدًا كل خارج للحرب في إسرائيل[2]. هؤلاء يستحقون كل الرعاية والاهتمام، لأن الخالق يحب الفضيلة: وسوف تتحقق من هذا يا بلاديوس، من كل ما هو مكتوب. قال الله أيضًا إلى الاثنين، موسى وهارون: ” ويكون معكما رجل لكل سبط. رجل هو رأس لبيت آبائه. وهذه أسماء الرجال الذين يقفون معكما..[3]. أي كل سبط يعين من له سمعة طيبة، رأس لبيت آبائه ومدافع مخلص ورئيس ومقدم للأعمال ينوب عن أهل بيته، وهؤلاء الرؤساء يمكن اعتبار الملائكة كنماذج لهم، فالملائكة يشرفون على المختارين والمكتوبين في سفر الحياة. لأنه مكتوب لكل بار ” ملاك الله حال حول خائفيه وملاك حضرته ينجيهم[4]. فإننا بمساعدة الملائكة نخلص حسب إرادة الله. وهذا الأمر واضح من جميع الجوانب، وأعتقد أنه ليس من المفيد أن أقدم شهادات على ذلك، ولكن بالطبع هذا ممكن لكل من يريد وهو بالحرى سهل جدًا.

[1] 1يو13:2.

[2] عدد3:1.

[3] عدد4:1ـ5.

[4] مز8:33.

[1] أف10:6.

[2] أم26:16.

[3] مز24:31.

[4] مز1:27.

[5] إش20:51.

[6] أف14:6ـ16.

[7] لو35:12، بحسب نص كيرلس وردت الآية هكذا: ” ليكن وسطكم مربوطًا وأحذيتكم في أرجلكم وسرجكم موقدة”.

[8] يو35:12.

[9] خر11:1.

[10] خر12:1.

[11] حب16:1.

[12] خر16:1ـ17.

[13] خر22:1.

[14] مز1:124ـ5.

[15] 2كو26:11.

[16] عدد1:1ـ3.

[17] أنظر أف3:4.

[18] لو20:10

[19] مت29:10ـ30.

 

المقالة4 ج1 – السجود والعبادة بالروح والحق ج3 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

Exit mobile version