المقالة3 ج3 – السجود والعبادة بالروح والحق ج2 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة3 ج3 – السجود والعبادة بالروح والحق ج2 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة3 ج3 – السجود والعبادة بالروح والحق ج2 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

 

السجود والعبادة بالروح والحق

تابع المقالة الثالثة

بلاديوس: هذه حقيقة.

كيرلس: إذن من الصباح، أي من السنوات الأولى لعصرنا، والموت يأكل الساكنين على الأرض، حتى ساعة الغذاء، أي حتى وقت افتراش المائدة. وذلك عندما أتى وقت المائدة المقدسة، وهذا واضح بأنه يقصد المائدة السرية للمسيح، حيث نأكل الخبز الحى السماوى. إذ أن الموت السابق والمرعب والذي يصعب مواجهته قد أُبطل، فالله برحمته تعطف علينا، وإذ أوقف الملاك المُهلك مباشرة الذي كان يريد أن يمد يده المدمرة على أولئك الذين سكنوا المدينة المقدسة، أي أورشليم الذهنية، لكنه أعيق (عن التقدم) عندما تعطف الله برحمته. لأنه يقول “قف، كفى”. بالتأكيد المدينة المقدسة هي الكنيسة، التي سكانها هم هؤلاء الذين صاروا كاملين من جهة القداسة بالخبز الحىّ. هذه المدينة الموقرة كثيرًا والمستحقة الإعجاب يذكرها داود العظيم عندما يقول: ”قد قيل بك أمجاد يا مدينة الله[1]. لأن المسيح سكن داخلنا، الذي هو الحياة ومعطى الحياة. لهذا يعيق الله المُهلك عن القديسين، لأنه لا يجب أن ينتصر بعد مجئ ساعة افتراش المائدة المقدسة، التي يشار إليها بعبارة وقت الغذاء. المسيح فدانا إذن، الذي يُشار إليه في شخص داود، لأنه إذ قد رأي الموت يُبيد البشر، صار لأجلنا شفيعًا لدى الآب وقدم نفسه لأجلنا وخضع بإرادته للموت وأوقف الملاك المهلك عن عمله إذ اعتبر نفسه أنه خطية لأجلنا، ليس بمعنى أنه أخطأ، لكن بحسب الكتب “خطايانا حملها وأوجاعنا تحملها ونحن حسبناه مضروبًا من الله ومذلولاً فأحصى مع أثمة[2]. وبالطبع رغم أنه لم يعرف خطية “صار لعنة لأجلنا[3] إذ يقول، يجب أن يتألم الراعى بالأحرى وليس الخراف كراعِِ صالح أعطى حياته لأجل الخراف. ومن ثم بالإعلان الإلهي رأي داود العظيم الملاك المُهلك يهدأ ويتوقف إذ رآه يقول “بالقرب من البيدر”، وهناك بنى داود مذبح، وقدم لله محرقات مع ذبائح سلامة (أنواع الذبائح وطرق تقديمها كانت وفقًا للناموس) بالبيدر الذي يعنى الكنيسة، التي عندما وصل إليها، توقف (المهلك) أخيرًا وأُبطل الموت ورّد يده التي كانت سابقًا مرعبة ومدمرة لأن الكنيسة هي بيت الحياة بحسب الطبيعة، وهي بيت المسيح. نقول إن الكنيسة هي البيدر (الجُرن) بالشبه والصورة إذ فيها يُجمع كحزم أي كسنابل، كل ما يُحصد من الحياة العالمية بواسطة الحصادين القديسين، أي الرسل والإنجيليين لكي يصير حصادهم في البيادر السماوية، وكمثل مخزن للرب في أورشليم السماوية، إذ يُجمعون كقمح بعد نزع المواد عديمة الصلاح والأشياء الزائدة التي يُشار إليها بالتبن. فقد قال المسيح مرة في موضع ما إلى الرسل القديسين “أما تقولون أنه يكون أربعة أشهر ثم يأتي الحصاد. ها أنا أقول لكم ارفعوا أعينكم وانظروا الحقول إنها قد ابيضت للحصاد. والحاصد يأخذ أجرةِِ ويجمع ثمرًا للحياة الأبدية لكي يفرح الزارع والحاصد معًا[4] وأيضًا “الحصاد كثير ولكن الفعلة قليلون فاطلبوا من رب الحصاد أن يرسل فعلة إلى حصاده[5].

          يسمى جموع المؤمنين العتيدين والحاصدين القديسين بالحصاد العقلي إذ يقول أن كل واحد منهم له في عقله ولسانه الكلمة الإلهية التي هي “حية وفعالة وأمضى من كل سيف ذى حدين وخارقة إلى مفرق النفس والروح والمفاصل والمخاخ ومميزة أفكار القلب ونياته[6]، أظهر المعمدان الطوباوى الكنيسة باسم البيدر (أو الجرن) قائلاً عن المسيح “أنا أعمدكم بماء ولكن يأتي بعدي مَن هو أقوى منى الذي لست أهلاً أن أحل سيور حذائه. هو سيعمدكم بالروح القدس ونار. الذي رفشة في يده وسينقى بيدرة ويجمع القمح إلى مخزنه وأما التبن فتحرقه بنار لا تطفأ[7]. هذا البيدر العقلى، أعنى الكنيسة، قد اشتراه المسيح بخمسين شاقل، أي بثمن ليس رخيصًا. لأنه لأجلها قدم نفسه ذبيحة وأقام فيها مذبحه. وحيث هو المُقدِّم للذبيحة “لأنه صار رئيس كهنة[8]، قدم ذاته كذبيحة على شكل ومثال الثور الذي يُدِّرس (الغلال)، وصار ذبيحة محرقة وسلامة. لأن الحاجز المتوسط نُقض بواسطة المسيح، ونحن الذين كنا قديمًا بعيدين ومنفصلين بسبب الخطية، دخلنا بواسطته، إلى الله الآب نفسه، ناقضًا تلك العداوة القديمة. لأنه “هو سلامنا[9] بحسب الكتب.

بلاديوس: بناء على ذلك الثور الذي يدرس، نعنى به أنه هو المسيح؟ كيف يمكن هذا؟

كيرلس: ألم يشر الناموس الموسوى، إلى التلاميذ القديسين على أنهم ثيران تدرس؟ لأنه يقول بطريقة مبهمة “لا تكم الثور في دراسه[10]. وهذا ما يقصده بولس الطوباوى بوضوح شديد عندما يقول “فإنه مكتوب في ناموس موسى لا تكم ثورًا دارسًا. ألعل الله تهمه الثيران أم يقول مطلقًا من أجلنا. إنه من أجلنا مكتوب. لأنه ينبغي للحرّاث أن يحرث على رجاء وللدارس على الرجاء أن يكون شريكًا في رجائه[11]. الثيران إذن تعنى صورة الأول، أي المسيح، وهي أيضًا التلاميذ الطوباويون. وبتفسير آخر الثور الذي يدرس هو المسيح. لأنه بواسطته تحدث تنقية وإخراج للمواد غير اللازمة، أقصد الاهتمامات الجسدية العالمية والمضلّلة، والتي قد صارت وقودًا للهيب مثل التبن. لكن عندما أقيم المذبح وقدمت عليه ذبيحة السلامة والمحرقة، بَطُل الحزن. لأن السيد سمع توسل الأرض وتوقف الملاك المهلك. لأنه، عندما قدم المسيح ذاته ذبيحة لأجلنا، أُبطل الموت والفساد وتحول الفساد إلى عدم فساد، إذ وعد الله ضابط الكل بأنه سيكون مستعدًا لسماع صلوات الجميع. إذ يقول: “ويكون أنى قبلما يدعون أنا أجيب وفيما هم يتكلمون بعد أنا أسمع[12]. هذا والاتساعات اللاحقة للمذبح الأول الصغير تعلن عن تقدم الإنجيل في الوقت المعين، كما أيضًا الانتشار الكبير للكنائس بعد الانتشار الأول المحدود. لأنه قد زادت المذابح بإضافة كنائس أخرى غير التي كانت في البدايات، وذلك بتضاعف العدد غير المُحصى للشعوب، التي نالت الفداء بذبيحة المسيح، آخذين نفس المُقدِم والذبيحة المقدسة، ذات الرائحة الذكية النقية، وآخذين في شكل البيدر المذبح الذي يستحق كل إعجاب والسيد رب الكنيسة.

بلاديوس: قولك واضح جدًا إذ قد صار بمهارة عظيمة.

كيرلس: وهل أنت نفسك دون أن تتردد إطلاقًا ألا تقول أن المسيح هو الحياة والفداء للجميع؟

بلاديوس: اعلم أننى كنت سأقول هذا لأنى عندى نفس الرأي.

كيرلس: مات الواحد لأجل الجميع، الذي هو مستحق في كل شيء، وأعطى حياته بدلاً عن حياتنا، وأبطل طرق الشيطان الشريرة، وأوقف شكاية الخطية التي تسلطت علينا وثرثرتها أيضًا عن جرائم الجميع.

بلاديوس: بأي طريقة تعنى هذا؟

كيرلس: بسبب أنه قد ملكت الخطية على كل من على الأرض، لذا انجذب كثيرون من الأحداث إلى الشرور كما هو مكتوب (تك5: 6) والجميع أصرّوا تمامًا على تحقيق كل ما يريدونه، وهكذا وجدنا أنفسنا حتميًا محسوبين لقضاء الموت. لأن نتيجة مخالفة الناموس الإلهي وعدم الطاعة للإرادة الإلهية كان حكم الموت. ولذا حزن الخالق على طبيعة الإنسان التي فسدت وصار الوحيد الجنس إنسانًا وجعل جسده يحتمل الموت لأجلنا ذلك الذي تسلل إلينا بسبب الخطية لكي بموته يُبطل الخطية ويوقف اتهامات الشيطان نحونا، إذ قد سُددنا في شخص المسيح نفسه جزاء اتهاماتنا بسبب الخطية، لأنه وفقًا لكلمات النبي “هو حمل خطية كثيرين وشفع في المذنبين[13]. ألم نُشفى نحن بآلام ذاك؟

بلاديوس: هذا حقيقى “لأنه هو مجروح لأجل معاصينا ومسحوق لأجل آثامنا”[14].

كيرلس: إذن أُبطلت الخطية بآلام المسيح لأجلنا، ولم يعد لها غلبة على المقدسين بواسطة المسيح. وهذا سيُظهره لنا بوضوح النبي زكريا حين قال وهو يشاهد رؤيا: “ثم خرج الملاك الذي كلمنى وقال لي ارفع عينيك وانظر ما هذا الخارج. فقلت ما هو. فقال هذه هي الإيفة الخارجة. وقال هذه عينهم في كل الأرض (هذا هو ظلم البشر على كل الأرض). وإذا بوزنه رصاص رُفعت وكانت امرأة جالسة في وسط الإيفة. فقال هذه هي شر فطرحها في وسط الإيفة وطرح ثقل الرصاص على فمها. ورفعت عينىّ ونظرت وإذا بامرأتين خرجتا والريح في أجنحتهما. ولهما أجنحة كأجنحة اللقلق فرفعنا الإيفة بين الأرض والسماء. فقلت للملاك الذي كلمنى إلى أين هما ذاهبتان بالإيفة. فقال لي لتبنيا لهما بيتًا في أرض شنعار. وإذا تهيأ تقر هناك على قاعدتها[15]. أتريد أن نشرح أيضًا الكل واحدة واحدة وأن نحللهما بقدر ما نستطيع؟

بلاديوس: أريد جدًا بالتأكيد.

كيرلس: رأي النبي وعاء مكيال قد خرج من أورشليم، وعندما سأل ماذا يكون هذا، قال له الملاك “هذا هو ظُلم البشر على كل الأرض”[16]. كما لو قال إنه بهذا المقياس تقاس الخطايا عبر الأزمنة لكل من يخطئون على كل الأرض. فعندما تصل خطيئتنا إلى كم ظاهر، عندئذِِ يفرض المشرع الإدانة وهو حزين. إنه باستمرار يُظهر صبرًا من محبته الطبيعية للبشر ويحتمل كل مَن يخطئون ولا يغضب قبلما تكتمل الخطية، فمن جانب آخر قال لإبراهيم القديس “لأن ذنب الأموريين ليس إلى الآن كاملاً[17] وإلى الفريسيين الذين تفوهوا كثيرًا بغير انضباط. قال المسيح: “فاملأوا أنتم مكيال آبائكم[18]. إذن عندما خرجت إيفة القياس وطُرحت وزنة الرصاص وأُلقيت المرأة التي ملئته في وسط هذا المقياس، وقبلت في فمها وزنة الرصاص. قال الملاك “هذه هي آثامهم”.

بلاديوس: كلامك ليس واضحًا بعد.

كيرلس: سيصير واضحًا ولن يتأخر كثيرًا. وزنة الرصاص هي المسيح نفسه، الذي رُفع بالصليب ونراه يشع بمجد الألوهية. لأن الله رفعه عاليًا وأعطاه اسمًا فوق كل اسم (فيلبى9: 2)، وأغلق فم الخطية وفقًا لهذا الذي قيل في المزامير “وكل إثم يُسد فاه[19]، الخطية لا يمكنها أن تشتكي هؤلاء الذين أخطاوا عن ضعف وقد تبرروا بالإيمان. لأنه يقول “الله هو الذي يبرر مَن هو الذي يدين[20]. وطالما أن المسيح تألم لأجلنا، فكيف سنستمر نحن وفقًا لهذا أن نأخذ لأنفسنا العقوبة عن خطايانا؟

بلاديوس: تكلمت بالصواب. إذ قد تبررنا بإيماننا بالمسيح والشكوى التي ضدنا بسبب الخطية قد تصدّينا لها بأكثر فاعلية. لكن سأكون شاكرًا جدًا لو علمت منك لأي سبب يشار إلى المسيح بكتلة الرصاص وتُعرض الخطية في شخص المرأة؟

كيرلس: هذا من السهل أن نتعلمه من الكتاب المقدس. لأنه يقدم المسيح وحتى الآن بأمور أخرى كثيرة والتي تفهم عنه بحسب النوعية التي تعلنها هذه الأمور.

بلاديوس: ماذا تعنى بهذا؟

كيرلس: صار (المسيح) لأجلنا الأساس والأمان، ودعامة ثابتة، وحجر الأساس غير المتصدع . لهذا سُمىّ حجرًا إذ يقول “هاأنذا أؤسس في صهيون حجرًا حجرًا امتحان حجر زاوية كريمًا أساسًا مؤسسًا من آمن لا يهرب”[21]. وفي موضع آخر يسمى أيضًا جوهرة الكنيسة اللامعة والمستحقة كل إعجاب، غنانا الروحي . دُعى اللؤلؤة لأنه يقول “يشبه ملكوت السموات إنسانًا تاجرًا يطلب لآلئ حسنة فلما وجد لؤلؤة واحدة كثيرة الثمن مضى وباع كل ما كان له واشتراها[22]. لقد وحّدنا بذاته مع الله الآب مبطلاً العداوة بجسده كما هو مكتوب (أفسس15: 2ـ16). وحقًا قال لأبيه السماوى عن كل الذين تبرروا بإيمانهم فيه “أيها الآب أريد كما أنك أنت فىّ وأنا فيك ليكونوا هم أيضًا واحدًا فينا[23]. من وجهة النظر هذه سُمىّ حجرًا من القصدير لأن القصدير يلصق كل ما يقبل اللصق، ويقول الله في موضع آخر بصوت زكريا، مظهرًا لنا ابنه نفسه الذي سوف يصل وسيأتى في وقته “فتفرح أولئك السبع ويرون الزيج (حجر القصدير) في يد زربابل[24]. إذن وهكذا هنا يسميه بالرصاص المفيد وسأقول لك أيضًا لأي سبب. الفضة الخام عندما تختلط بالرصاص تنقى حسنًا جدًا، حيث الرصاص يجذب إلى نفسه وبطريقة طبيعية شوائب الفضة التي تحترق معًا. شيء مثل هذا حققه المسيح لنا نحن أنفسنا. بينما كُنا غير أنقياء ومرفوضين، اتحد بنا جسديًا وروحيًا وهكذا طهرنا من الوساخة التي كانت عالقة بداخلنا. لقد نزع خطايانا لكي نصير أنقياء ولامعين له وبواسطته. والشعب اليهودي الذي لم يقبل التطهير بواسطة المسيح يرثيه النبي إرميا قائلاً: “احترق المنفاخ من النار فنى الرصاص. باطلاً صاغ الصائغ والأشرار لا يفرزون. فضة مرفوضة يُدعون. لأن الرب قد رفضهم[25]. هل أدركت إذن أن الكتاب المقدس لم يجهل أن نقاوة الفضة لا يمكن أن تصير بدون الرصاص. حيث إن المسيح نقانا بينما كنا غير أنقياء لهذا شبهه بالرصاص، فهو الذي سَدّ فم الخطية التي أخذت شكل المرأة. إن المرأة هي رمز للضعف ولكن أيضًا للذة، (وبالضعف واللذة) يتم كل إثم. لأنه بقبول لذة مثل هذه أو أخرى يُفسد العقل، ويُقطع الحس وهكذا تهرب نفس الإنسان من الآلام التي تقود إلى الفضيلة وتسقط هكذا النفس في الخطية. لهذا يُدعى البعض بالحرى محبى اللذة لا محبى الله (أنظر 2تيمو2: 3) ويُضيف النبي عن أولئك الذين أخذوا عِلة الخطية من المرض النفسى وأنحطوا في الدناءة قائلاً “شددوا الأيادى المسترخية والركب المرتعشة ثبتوها[26].

بلاديوس: حسنًا، هذا يُشرح هكذا. اخبرنى الآن عن المرأتين اللتين نقلن مكيال القياس والإثم إلى أرض البابليين؟ ماذا يُريدا أن يُعلمنا؟

كيرلس: المسيح، يا عزيزى، قد سدّ فم الإثم. لأنه قد تبررنا به، وعتقنا من كل اتهام وأوقف هجوم الإثم ضدنا. طالما هدف تدبير المسيح هذا قد صار لأجلنا، واحتمل الموت عن كل واحد منا ولأجلنا، على الرغم من أنه قام ثانية. لأنه لم يكن واردًا أن تُهزم الحياة من الموت. لكن البعض لم يصدقوا إنجيل المسيح ومن حيث أنهم لم يقبلوا فدائهم من الخطية، فهم يحملونها أيضًا كالحمالين معلقين إياها على رؤوسهم وهذا من ضعف عقولهم ورخاوة النفس وعدم شهامتها. هؤلاء تجلب عليهم (الخطية) كل روح شرير وأيضًا تدفعهم إلى ممارسة كل نوع من أنواع النجاسة، مكثرين بقدر ما يستطيعون من كل رغبة فى الدناءات. علامة هذه الرغبة هي الأجنحة والتي يسمونها ـ كما يقال ـ هُدهد هذا نوع من العصافير التي تغطس دائمًا في البرك القذرة جدًا وتلتقط غذاءها من داخل القذارة والنجاسة. وكل الذين ينفقون حماسهم في القذارة، هؤلاء يمكن أن يُقال عنهم بسهولة إن لهم أجنحة الهُدهُد. وسلوكهم يتصف بسلوكيات أنثوية وأخيرًا هم يتمثلون بالخطية التي تسود عليهم سطوتها القاهرة. ومثلما صار الذين يسمعون المسيح متمثلين به بالتقديس، هكذا صار أولئك الذين اختاروا أن يتثقلوا بالدناءة النجسة متمثلين بالعصيان وما شبه ذلك. وإذ تنقلان المقياس إلى بابل وهناك يطلبن مسكنًا، فإن هذا يعنى، على ما أعتقد، أن الشخص الذي لم يُفضل حياة المسيح ولم يحب سد فم الخطية، بسبب أن كل اهتمامه ينصب فقط على النجاسات، فإنه سيخرج من أورشليم المقدسة، أي من الأم المقدسة للأبكار، مدينة السماء الجميلة وإذ يحمل حمل الخطية الثقيل جدًا سوف يسكن مع البابليين، أي سيكون لديه نصيب وميراث مشترك مع عباد الأوثان لأن كل مَن احتقر الفداء بالمسيح سيكون له نفس المصير مع غير المؤمنين. حقًا يقول المخلص: “وإن أخطأ إليك أخوك فاذهب وعاتبه بينك وبينه وحدكما. إن سمع منك فقد ربحت أخاك. وإن لم يسمع فخُذ معك أيضًا واحدًا أو اثنين لكي تقوم كل كلمة على فم شاهدين أو ثلاثة. وإن لم يسمع منهم فقُل للكنيسة. وإن لم يسمع من الكنيسة فليكن عنك كالوثنى والعشار[27]. إذن (الكتاب) ليس صعب الفهم، لكن بالحرى يؤكد لنا كل الكتاب المقدس، أن كل تبرير وكل فداء يوجد في المسيح.

بلاديوس: لقد تكلمت حسنًا جدًا.

 

42  مز3:87

43  إش4:53 ، 12

44  غلا13:3

45  يو35:4ـ36

46  مت37:9ـ38

47  عب12:4

48  لو16:3ـ17

49  عب20:6

50  أف14:2

51  تث4:25

52  1كو9:9ـ10

53  إش24:65

54  إش12:53 أنظر يو29:1

55  أنظر إش4:53ـ5

56  زك5:5ـ11

57  زك6:5

58  تك16:15

59  مت32:23

60  مز42:107

61  رو33:8ـ34.

62  إش16:28.

63 مت45:13ـ46

64  يو21:17

65  زك10:4

66  إر29:6ـ30

67 إش3:35

68 مت15:18ـ17

 

المقالة3 ج3 – السجود والعبادة ج2 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة3 ج2 – السجود والعبادة بالروح والحق ج2 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة3 ج2 – السجود والعبادة بالروح والحق ج2 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة3 ج2 – السجود والعبادة بالروح والحق ج2 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

 

السجود والعبادة بالروح والحق

تابع المقالة الثالثة

 

بلاديوس: إذن فَكِر بأي الأمثلة سوف تعرض لنا هذا، لأنه بالطبع لا يغيب عنك هذا الأمر.

كيرلس: نستطيع بسهولة أن نظهر هذا بأمثلة كثيرة، وأولاً من الأمثلة الغريبة التي كتبها موسى نفسه. أولئك الذين ارتعبوا بشدة فقط من منظر المصريين، عندما عبروا البحر الأحمر وحققوا مثال المعمودية المقدسة، (لأنه وكما يكتب بولس الحكيم “اعتمدوا لموسى في السحاب وفي البحر”)، برهنوا على أنهم محاربين ومرهبين أكثر في مواجهة الأعداء، بمعونة المسيح. فقد كُتب الآتي “وأتى عماليق وحارب إسرائيل في رفيديم. فقال موسى ليشوع انتخب لنا رجالاً وأخرج حارب عماليق. وغدًا أقف أنا على رأس التلة وعصا الله في يدى. ففعل يشوع كما قال له موسى ليحارب عماليق. وأما موسى وهارون وحور فصعدوا على رأس التلة. وكان إذا رفع موسى يده أن إسرائيل يغلب، وإذا خفض يده أن عماليق يغلب. فلما صارت يدا موسى ثقيلتين أخذا حجرًا ووضعاه تحته فجلس عليه. ودعم هرون وحور يديه الواحد من هنا والآخر من هناك. فكانت يداه ثابتتين إلى غروب الشمس. فهزم يشوع عماليق وقومه بحد السيف. فقال الرب لموسى أكتب هذا تذكارًا في الكتاب وضعه في مسامع يشوع. فإنى سوف أمحو ذكر عماليق من تحت السماء. فبنى موسى مذبحًا ودعا اسمه يهوه نسى. وقال إن اليد على كرسىّ الرب. للرب حرب مع عماليق من دورِِ إلى دور[1].

بلاديوس: وأي معنى يمكن أن يكون لكل هذا الذي كُتب؟ إنى لا أفهم كثيرًا.

كيرلس: لا توجد أية صعوبة، على ما أعتقد، لكل مَن يريد أن يفحص هذا الأمر بانتباه. لأن، لا أحد يفترض أن يشوع عندما قبل الأمر من موسى، فهذا لا يعنى بالتأكيد إلاّ أن الكلمة الذي هو إله بالحقيقة قد خضع للناموس، من جهة أنه قد أخذ شكل الإنسان، وقد خضع بطرق مختلفة للوصايا التي أُعطيت بواسطة موسى، مرة محتملاً ختان الجسد، ومرة أخرى دافعًا الدرهمين للضرائب وأُحصى كواحد من ضمن المحسوبين في الناموس، ولذلك قال بوضوح “لا تظنوا أنى جئت لأنقض الناموس بل لأكمله[2]. لكن على الرغم من أنه خضع للناموس بسبب طبيعته الإنسانية، إلاّ إنه هو الإله والمخلص والفادى لكل الشعب. حيث إنه اختار من كل شعب الإسرائيليين، ومن كل جنس، رجال أقوياء، وأقصد الرسل القديسين وكل الذين قد دُعِوا بالإيمان، الذين ينطبق عليهم القول “أنتم جنس مختار، وكهنوت ملوكى، أمة مقدسة، شعب اقتناء[3]. وقد وقف معهم رب الجميع وغالب الكل (المسيح)، أمام رئيس هذا العالم عندما قال “الآن دينونة هذا العالم الآن يطرح رئيس هذا العالم خارجًا[4]. ويُتّوج العظيم يوحنا بصوتِِ مبهج كل مَن هم معه (مع المسيح) وبواسطته خرجوا منتصرين. لأنه يقول “كتبت إليكم أيها الأحداث لأنكم أقوياء وكلمة الله ثابتة فيكم وقد غلبتم الشرير[5]. أليس هذا الذي أقوله حقيقة؟

بلاديوس: بالتأكيد

كيرلس: قال موسى إن الاصطفاف يجب أن يصير في اليوم التالى. لأنه لم تستعرض منجزات المسيح في عصره الخاص به (عصر موسى)، لكن صارت على الأغلب في (العصر) اللاحق، أي بعد موسى والناموس. بعد ذلك يصعد موسى على الجبل وعلى قمة تل ما، لكي يستطيع أن يتابع المعركة وانتصارات يشوع فيها. لأن تعليم الناموس يصعد تدريجيًا لكي نستطيع أن نلاحظ من بعد خطط المسيح القيادية. فعندما رفع موسى يديه انتصر الإسرائيليون، بينما عندما أنزلها صاروا ضعفاء وانتصر عليهم عماليق. لأنه صار حصنًا منيعًا من الشيطان نفسه، ومن أي عدو كان، أراد ببغضه أن يفترسه، ليس بالطبع كل الشعب الإسرائيلى، لكن كل مَن فضلوا أن يتبعوا المسيح بأن يحملوا عاره، أي الصليب المكرم. لأن الأيدى مرفوعة هكذا في الهواء قد رسمت بوضوح شكل الصليب. لكن كل الذين لم يقبلوا الصليب صاروا صيدًا سهلاً لهجوم الأعداء. إذ لم يأخذوا المعين معهم. فعندما يرفع موسى يديه لأجلنا مظهرًا شكل الصليب، ويسقط عماليق منهك القوى، هذا يشير لنا على أي حال، هؤلاء الذين يغلبون الشيطان ويتفوقون أمام أعدائهم بالصليب المكرم. أيضًا عندما تراه ينزل الأيدى وبعد ذلك ينتصر عماليق، فهذا يشير إلى هؤلاء الذين خضعوا للشيطان وقد هُزموا، لأنهم لم يروا أن قبول المسيح هو أمر ضرورى، والذين إليهم توجه المسيح بالقول “لأنكم إن لم تؤمنوا أنى أنا هو تموتون في خطاياكم[6]. وأن تثقُل يدى موسى وصعوبة رفعهما وعبء مَدّهما، لكي تُظهر الشكل المكرم للصليب، يبدو لى أن ذاك يُعلن بطريقة خفية، أن الإسرائيليين لم يكونوا مهيئين تمامًا لقبول الإيمان لذا تقدموا بتردد وصعوبة لحمل عار المسيح. ولهذا بالصواب دعا بولس العظيم الصليب عثرة لليهود لأنه مكتوب “فلما صارت يدا موسى ثقيلتين أخذا حجرًا ووضعاه تحته فجلس عليه. ودعم هرون وحور يداه الواحد من هنا والآخر من هناك فكانت يداه ثابتتين إلى غروب الشمس[7]. المسيح هو حجر غالى، ومختار، وحجر زاوية، ثمين، الذي فوقه يستريح (لأن الجلوس يشير إلى الراحة) الموقرون والمستنيرون من الإسرائيليين، أولئك الذين غيرتهم النعمة لحسابها. ويرفعون الأيدى، أي يقبلون الصليب، والمسيح يعضدهم ويحفظهم لأجل هذا الأمر، كما دلّ على ذلك بحور وهرون، إذ يعنى في نفس الوقت القاضى (الديان) ورئيس الكهنة. لأن حور كان قاضيًا نزيهًا، بينما هرون رئيس كهنة، الذي جمع كل الذين اختارتهم النعمة من الإسرائيليين لحسابها ولخلاصهم بالإيمان. أعتقد أن هذا ما يعلنه ذاك الذي قيل نبويًا بإشعياء: “لولا أن رب الجنود أبقى لنا بقية صغيرة لصرنا مثل سدوم وشابهنا عمورة[8]. وعندما سقط ذاك الذي قاومهم، أي عماليق يقول    “أكتب هذا تذكارًا في الكتاب وضعه في مسامع يشوع[9]. وأنه كان يأمل بكتابة الإنجيليين القديسين أن تستمر ذكرى إنجازات المسيح المعجزية بلا نهاية وبلا حدود. ولكي تصير معروفة أمر أن يضعها في مسامع يشوع. إذ أن كتابات القديسين هي بمثابة إهداء للمسيح، كمدائح تمجيد له. وعندما سقط وانهزم عماليق، بنى موسى مذبحًا للرب وكتب عليه اسم “ربى هو ملجأي”. وهذا يمكن أن يكون مثالاً للمسيح، لأنه صار ربنا وملجأنا عندما هزم رئيس هذا الدهر وداس سلطان الموت وقدم نفسه ذبيحة كاملة لأجلنا، لكي يصير رائحة ذكية لله الآب. وبالتالى فإن المذبح هو مثال للمسيح، الذي فيه الاسم “ربى هو ملجأي”هو لائق وحقيقى به.

بلاديوس: أوافقك لأنك تفكر بالصواب.

كيرلس: طالما أن المسيح ـ بيد غير متطورة ـ حارب عماليق الذهني وهزمه وأخضع الأمم ونهب أمتعتهم (أنظر مت29: 12)، كما يقول هو نفسه أنه ربط القوى بالقيود. لأن القطيع الذي كان فى وقت تحت سلطانه، أعنى الأمم، قد وحدهم برعيته القديمة، ولهذا قال “ولي خراف أُخَرُ ليست من هذه الحظيرة ينبغي أن آتي بتلك أيضًا فتسمع صوتى وتكون رعية واحدة وراعِِ واحد[10]. المسيح هو سلامنا، وفقًا للكتب، الذي جعل الاثنين واحدًا ونقض حائط السياج المتوسط، أي العداوة مبطلاً في جسده، ناموس الوصايا والفرائض اليهودي. وخلق الاثنين أي كل الذين كانوا مختونين وكل الذين هم من خارج الناموس في إنسان واحدِِ جديد (أنظر أف14: 2ـ15). انتبه أيضًا لهذا السر العظيم الذي يرتبط بكل ما قلناه من قبل، كما بظلال ورموز. لأنه يقول: ”فسمع يثرون كاهن مديان حمو موسى كل ما صنع الله إلى موسى وإلى إسرائيل شعبه. إن الرب أخرج إسرائيل من مصر. فأخذ يثرون حمو موسى صفورة امرأة موسى بعد صرفها وابنيهما الذين اسم أحدهما جرشوم لأنه قال كنت نزيلاً في أرض غريبة. واسم الآخر أليعازر لأنه قال إله أبى كان عونى. ثم بعد ذلك “فسمع موسى لصوت حميه وفعل كل ما قال[11].

بلاديوس: تعال إذن ثانيةً وخذ هذه الأمور واحدة واحدة، وأوضحها.

كيرلس: ألا تقبل أن المديانى هو من جنس آخر ومن الأمم؟ لأنه بالتأكيد لم يخرج من صلب إبراهيم. ومن جانب آخر هو كاهن وثنى ومؤمن إراديًا بالعبادة التي كانت في ذاك الوقت تُعبد في الأرض كما يقال، قد سجدوا لله العلى وقبلوه بطريقتهم الخاصة مثل ملكي صادق بالتأكيد، لكن قد قبلوا أيضًا بعض الآلهة الأخرى، محصين معه بعض المخلوقات الكاملة مثل الأرض، والسماء، والشمس، والقمر، والنجوم اللامعة جدًا. وهذا الاعتقاد الفاسد والفهم المضل هو خطأ قديم ومستمر حتى اليوم. لأنه هكذا يؤمن حتى الآن بعض المخرفين من فينيقية وفلسطين، الذين يدعون من أنفسهم لعبادة آلهة، ويسلكون طريق وسط للديانة بدون أن يتفقوا تمامًا لا مع عادات اليهود ولا مع اليونانيين، لكن هم مشتتون ومنفصلون عن الاثنين. وعندما اختار الإسرائيليون في وقت ما هذا الاعتقاد، وبخهم إيليا النبي قائلاً: “حتى متى تعرجون بين الفرقتين إن كان الرب هو الله فاعبدوه وإن كان البعل فاعبدوه[12]. إذن يثرون، وكما هو طبيعى، اتبع طريقة عبادة مثل هذه، لكن عندما سمع بنفسه كل ما فعله الله لأجل خلاص الإسرائيليين، منبهرًا من الروايات الموقرة والمستحقة كل إعجاب، ذهب إلى موسى ومعه كل أهل بيته وعشيرته. وعندما رآه موسى قبله بفرح وأخذه إلى خيمته وحكى له بالتفصيل الإنجازات الباهرة للقوة الإلهية والأعمال المعجزية التي تفوق كل منطق وكل قول. إن ذاك الجمع الذي وُجد في الضلال، أي الأمم هم مدعوون لكي يغيروا آرائهم ويرجعوا إلى الله، أولاً عن التعاليم الخاطئة التي ينادون بها عن الله وعن ذواتهم وبعد ذلك يتقدمون إلى الناموس الإلهي، أي إلى التعليم الذي يقدمه الكتاب المقدس. حتى ان الأمم تسرع إلى الخيمة الأولى، لأن الناموس هو المدخل. ومن ثم فبالروايات (الكتابية) القديمة قد غيروا اعتقادهم وبدأوا في التقدم نحو إدراك أن الله واحد ويجب أن يقدموا له التقدمات. فعندما سمع المديانى رواية موسى، قال “الآن علمت أن الرب أعظم من جميع الآلهة لأنه في الشيء الذي بغوا به كان عليهم. فأخذ يثرون حمو موسى محرقة وذبائح لله. وجاء هرون وجميع شيوخ إسرائيل ليأكلوا طعامًا مع حمى موسى أمام الله[13]. وبناء على ذلك فإن الناموس هو مُعلّم لبدايات أقوال الله، وموسى يقودنا إلى المرحلة الأولى للمعرفة الإلهية الحقيقية أي بالمقدمة التعليمية عن الكتب المقدسة القديمة.

بلاديوس: هذا بالتأكيد

كيرلس: لكن المسيح يقود أولئك الذي تعلموا من الناموس إلى الكمال التام. وعندما أقول الناموس أعنى العهد القديم. وموسى باستخدامه فقط الروايات عن الله في حديثه مع يثرون عَبّر له عن معتقده حتى اعترف يثرون بصورة صريحة وقاطعة أنه لا يوجد إله آخر غير الواحد الذي هو بالطبيعة إله حقيقى. وهذا هو الإيمان الأول للمبتدئين (للموعوظيين)، أي أن يتحرروا من الاعتقاد بتعدد الآلهة وأن يقبلوا الإله الواحد الحقيقى. وهرون أعد مائدة ليثرون ودعاه ليأكل معهم، إذ يقول: “وجاء هرون وجميع شيوخ إسرائيل ليأكلوا طعامًا مع حمى موسى أمام الله[14]. وحقًا إن المسيح هو هرون الحقيقى، الذي جعلنا كاملين بالخبز الحىّ، وصّير ليس فقط كل الذين قد جاءوا من الأمم، ولكن أيضًا هؤلاء الذين اُختيروا من دم إسرائيل، فكل هؤلاء صيّرهم كاملين، الذين يُقال لهم هم الشيوخ. وكونهم يجب أن يأكلوا خبزًا أمام الله هي إشارة ـ ليست بقليلة الأهمية ـ للتقديس فماذا يمكن أن يكون إذًا هذا الذي يصير أمام أعين الله، إن لم تكن هي المائدة السرية والذبيحة والمشاركين فيها؟

بلاديوس: بالصواب تتكلم.

كيرلس: وإذ نصير كاملين بواسطة المسيح نرتفع إلى فهم أعظم من تربية الناموس، ويمكن ان نتحقق من هذا بدون مشقة لو قبلنا أن موسى وهرون هما صورة نقية لهذا الأمر، لأنه يقول “إن موسى جلس ليقضى للشعب. فوقف الشعب عند موسى من الصباح إلى المساء[15]. ويثرون اقترح عليه رأيًا، وموسى قدّره وقبله ورآه أنه حسن جدًا. إذ يقول “فسمع موسى لصوت حميه وفعل كل ما قال[16]. أليس من يستطيع أن يصيغ فكرة أو رأي أفضل، يعتبر على أي حال من الأحوال أن لديه تعقل حسن جدًا؟

بلاديوس: أتفق معك في هذا.

كيرلس: أيضًا إن كمالنا بواسطة المسيح هو الأعظم ويفوق كثيرًا تعاليم الناموس، فالمسيح يرفعنا إلى معرفة فائقة وسامية وهذا ما يظهره لنا القديس بولس الذي ـ بسبب تفوق معرفة المسيح، كما قال هو بنفسه ـ قد قبل باستعداد هائل أن يحسب كل مكاسب الناموس خسارة، معتبرًا إياها نفاية لكي يربح المسيح[17]. وأولئك الذين يقدرون فقط كل ما سلّمه موسى، لكنهم لا يقبلون الكمال الذي يقدمه المسيح، يقول لهم النبي إرميا “كيف تقولون نحن حكماء وشريعة الرب معنا. حقًا إنه إلى الكذب حوَّلها قلم الكتبة الكاذب. خزى الحكماء ارتاعوا وأُخذوا. ها قد رفضوا كلمة الرب فأيّة حكمة لهم[18]. أما نحن الذين لم نرفض الكلمة المخلّصة “لأنه قد قبلنا بفرح تعليم المسيح”، فقد صار لنا هو نفسه حكمة مرسلة من الله. إذن نحن أكثر غنى من جهة الفهم البشرى للناموس ومتعظين من وصايا الناموس ومتغذين بالخبز (كلمة الله) أمام الله، تعلمنا أن نقول ونؤمن بالأمور الفضلى. لأن يثرون يعطى مشورة وموسى يقبلها حسنًا. إذن يمكن أن يعتبر يثرون ممثلاً عن الأمم، وموسى عن المؤمنين بالناموس.

 

بلاديوس: ما قلته صحيح.

كيرلس: إذن، فالكمال بواسطة المسيح وقوة أسراره تجعلنا حكماء وأقوى من الموت، ونسحق عماليق العقلي، أي الشيطان. وصحيح ما قاله المزمور “بالله تصنع ببأس وهو يدوس أعدائنا[1]. أما لأجلنا نحن الذين قد حصلنا على بهاء الإيمان نادى أيضًا إليه “لأنك أنت فخر قوتهم وبرضاك ينتصب قرننا. لأن الرب مجننا وقدوس إسرائيل[2]. لأننا نحن الذين خلصنا نفتخر بقوة المسيح، ولدينا هذا “كترس للمسرة[3] بحسب الكتاب. هناك مثال وصورة نقية يمكن أيضًا أن نصير، وهو ما كُتب في نهاية الكتاب الثانى للملوك (صموئيل الثانى) وهو كالآتي “ولما قام داود صباحًا كان كلام الرب إلى جاد النبي: أذهب وقل لداود هكذا قال الرب. ثلاثة أنا عارض عليك فأخذ لنفسك واحدًا منها فأفعله بك. فأتى جاد إلى داود وأخبره وقال له أتأتي عليك سبع سنين جوع في أرضك أم تهرب ثلاثة أشهر أمام أعدائك وهم يتبعونك أم يكون ثلاثة أيام وبأ في أرضك. فالآن أعرف وانظر ماذا أرد جوابًا على مُرسلي. فقال داود لجاد قد ضاق بى الأمر جدًا. فلنسقط في يد الرب لأن مراحمه كثيرة ولا أسقط في يد إنسان. فجعل الرب وبأ في إسرائيل من الصباح إلى الميعاد فمات من الشعب من دان إلى بئر سبع سبعون ألف رجل. وبسط الملاك يده على أورشليم ليهلكها فندم الرب عن الشر وقال للملاك المهلك الشعب كفى. الآن رُد يدك. وكان ملاك الرب عند بيدر أرونة اليبوسي فكلم داود الرب عندما رأي الملاك الضارب الشعب وقال ها أنا أخطأت وأنا أذنبت وأما هؤلاء الخراف فماذا فعلوا. فلتكن يدك علىّ وعلى بيت أبى. فجاء جاد في ذلك اليوم إلى داود وقال له أصعد وأقم للرب مذبحًا في بيدر أرونة اليبوسى. فصعد داود حسب كلام جاد كما أمر الرب. فتطلع أرونة ورأي الملك وعبيده يقبلون إليه فخرج أرونة وسجد للملك على وجهه إلى الأرض وقال أرونة لماذا جاء سيدى الملك إلى عبده. فقال داود لأشترى منك البيدر لكي أبنى مذبحًا للرب فتكف الضربة عن الشعب. فقال أرونة لداود فليأخذه سيدى الملك ويصعد ما يحسن في عينيه. أنظر البقر للمحرقة والنوارج وأدوات البقر حطبًا. الكل دفعه أرونة المالك إلى الملك. وقال أرونة للملك الرب إلهك يرضى عنك. فقال الملك لأرونة لا بل أشترى منك بثمن ولا أصعد للرب إلهي مُحرقات مجانية. فأشترى داود البيدر والبقر بخمسين شاقلاً من الفضة. وبنى داود هناك مذبحًا للرب وأصعد مُحرقات وذبائح سلامة واستجاب الرب من أجل الأرض فكفت الضربة عن إسرائيل[4].

بلاديوس: أي معنى يمكن أن يكون لهذه الأمور لأنه من الصعب جدًا أن يُفهم هذا الكلام.

كيرلس: اعترف أنه صعب الفهم وحقًا هو صعب الإدراك. ولكن سوف أعرض المعنى الخارجي لهذا الجزء الذي قرأناه، ملخصين إياه في كلمات قليلة جدًا ومتعمقين فيه ذهنيًا. انتبه إذن يا بلاديوس، (لأننا نفهم) سر المسيح وطريقة تدبير الله لأجلنا كما في مرآه وبتصورات ضعيفة.

بلاديوس: هذا ستفعله أنت حسنًا جدًا، فأنت يمكنك أن تفهم هذا الأمر بمعونة الله.

كيرلس: اسمع إذن. لأنى أتقدم بالفعل في هذا الذي يجب أن أقوله. لقد أهلك الموت شعب الرب من الغضب الإلهي وحتى ساعة الغذاء سيطر المُهلك بدون أن يعوقه أحد. وعندما كان يضع يده على أورشليم أعاقه الله. وعندما رأي داود الملاك (الضارب) ترّجى الرب بحرارة قائلاً إنه قد أخطأ، وأنه من الأفضل ومن الأحق أن يموت الراعى والرئيس لا الخراف، الذين لا يعرفون شيئًا. بعد ذلك بإعلان الله يبنى مذبح في بيدر أرونة، حيث اشتراه مع العجول التي كانت تدرس الغلال بخمسون شاقلاً من الفضة. ومن بعد أن بنى المذبح الإلهي بطريقة حسنة جدًا، وقدم عليه ذبائح محرقات وذبائح السلامة، عندئذِِ توقف الشر وأُبطل الموت السابق الرهيب. وأقر الكتاب المقدس أن المذبح كان في البداية صغيرًا، وبعد ذلك أضاف عليه سليمان. ألا تعتقد أنه في الإمكان الوصف السريع لهذا المقطع؟

بلاديوس: نعم يمكن. والآن وضح كيف سيصير المعنى مفهومًا.

كيرلس: ألا تعرف ـ إننا نقرّ بأن طبيعة الإنسان قد انزلقت إلى الموت والفساد، وجلبت هكذا غضب الخالق، كما حدث في بداية جنسنا أي آدم الذي خالف الوصية الإلهية الأولى وسمع الحكم “أنت تراب وإلى تراب تعود[5].

19  خر8:17ـ16

20  مت17:5

21  1بط9:2

22  يو31:12

23  1يو14:2

24  يو24:8

25 خر12:17

26  إش9:1

27  خر14:17

28  يو16:10

29  خر1:18ـ22

30  1مل21:18

31  خر11:18ـ12

32  خر12:18

33  خر13:18

34  خر24:18

35  في7:3ـ8

36  أر8:8ـ9

37  مز12:60.

38  مز17:89ـ18س

39  مز12:5س

40  2صم11:24ـ25

41  تك19:3

 

المقالة3 ج2 – السجود والعبادة ج2 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة3 ج1 – السجود والعبادة بالروح والحق ج2 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة3 ج1 – السجود والعبادة بالروح والحق ج2 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة3 ج1 – السجود والعبادة بالروح والحق ج2 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

 

السجود والعبادة بالروح والحق

المقالة الثالثة

 

يستحيل بدون تقديس أن نتجنب الموت من الخطية وسلطان الشيطان، وأن التبرير لا يصير بالناموس ولكن بالمسيح.

 

حسنًا أتم الإسرائيليون تقديم الذبيحة، وهلك أبكار المصريين، وأبعد المسيح ـ رمزيًاـ الملاك المهلك عن المقدسين. وعندئذ بمجرد خروجهم من أرض المستبدين، أسرعوا لكي يصلوا إلى الأرض التي وعدهم الله بها، لكن لم يسيروا إليها مباشرة، إذ ذهبوا تائهين مرة إلى يسار طريقهم ومرة إلى يمينه. لأنه مكتوب أيضًا: “وكان لما أطلق فرعون الشعب أن الله لم يهدهم في طريق أرض الفلسطينيين مع أنها قريبة. لأن الله قال لئلا يندم الشعب إذ رأوا حربًا ويرجعوا إلى مصر. فأدار الله الشعب في طريق برية بحر سوف[1].

بلاديوس: أي سر مُستتر هنا؟

كيرلس: فلنفحصه إذا أردت. لقد أدركت أنه رغم أن الطريق الذي يقودهم مباشرة إلى مقصدهم، كان أمامهم وكان في استطاعتهم أن يصلوا بسرعة سيرًا على الأقدام. لأنه يقول كانت أرض الموعد قريبة إلاّ أنه قد ذهب بهم من طريق آخر والذي ترتب عليه تيه كبير إذ توقع الخالق استعدادهم للعصيان والميل الزائد للجبن الذي لازم الأقدمين منهم.

بلاديوس: الكلام ليس واضحًا.

كيرلس: دعنا إذن نأتي إلى الرؤية الروحية للأمر. كل الذين يخرجون من الحياة العالمية ومن طغيان الأرواح النجسة، كما لو كان من أرض مصر، فالطريق المباشر تمامًا والقصير الذي يقود إلى القداسة وإلى الرجاء بالقرب من الله، هو الإيمان بالمسيح والتبرير الذي يهبه لنا. وهذا يوافق ما قاله بولس بحكمة: “لكن ماذا يقول. الكلمة قريبة منك في فمك وفي قلبك أي كلمة الإيمان التي نكرز بها. لأنك إن اعترفت بفمك بالرب يسوع وآمنت بقلبك أن الله أقامه من الأموات خلصت. لأن القلب يؤمن به للبر والفم يعترف به للخلاص[2]. إذن لم يترك الله للأقدمين الطريق القريب جدًا والسريع لكي يسلكوا فيه، لكن ابتدع طريقًا دائريًا، لم يكن فيه بتاتًا مسار مستقيم وأعطاهم كلمات تحمل معاني كثيرة وناموسًا فيه إشارات، يهدف إلى تربية طويلة المدى وشاقة. لدرجة أنهم أخذوا بطريقة ما نوع من دراسة الأمور الكاملة من كل ما هو موجود في الظل لكي يتعلموا مسبقًا السر ولكيلا يسقطوا في المخاوف التي يمكن أن تحدث في العصيان والابتعاد عن المسيح. وحقًا بطريقة ما صاروا متدربين ومتعلمين على المنفعة الحقيقية وسيكون لهم استعداد أكثر للرغبة والتهيئة للحق، آخذين المحبة لله كسند غير مزعزع. إذًا كان الناموس مربيًا بطريق طويل وليس مستقيمًا ـ طريق عبادة الحرف. لكن الأمر ليس هكذا مع المسيح. لأنه أظهر لنا الطريق المستقيم والسريع، أي طريق الإيمان محولاً إيّاه إلى جرأة وإلى ضرورة الوقوف بشهامة في مواجهة كل ما يحاربنا. فلنحب المخاطرة من أجل الصلاح ونواجه حيل الشيطان بثبات، مرددين هذا الذي قاله النبي “هوذا السيد الرب يُعيننى. من هو الذي يحكم علىّ[3]. وهذا بالتأكيد هو ما يثير فينا الجُرأة التي تستحق كل إعجاب: ليس شيء آخر من كل الأشياء الأخرى إلاّ القوة من السماء، أي الاتحاد وشركة الروح القدس.

بلاديوس: لقد فهمت هذا الذي تقوله ومعجب جدًا بذكاء روحك.

كيرلس: بالتأكيد يمكن أن يُعلن وقت الخلاص بواسطة المسيح مباشرة، هذا الذي يُذكر مرتبطًا بما سبق لأنه يقول “في الجيل الخامس خرج الإسرائيليون من مصر[4]. لأنه يحررنا من العبودية ومن الآلام الناتجة عن التيه الباطل، وبالأكثر من مشقة العمل في الأرض والطين (أتفهم هذا الذي أقوله)، فى الجيل الخامس، أي التعاقب الخامس للسنين وفقًا للمقطع الإنجيلى، لأنه يقول “فإن ملكوت السموات يشبه رجلاً رب بيت خرج مع الصبح ليستأجر فعلة لكرمه. فاتفق مع الفعلة على دينار في اليوم وأرسلهم إلى كرمه. ثم خرج نحو الساعة الثالثة ورأي آخرين قيامًا في السوق بطالين. فقال لهم اذهبوا أنتم أيضًا إلى الكرم فأعطيكم ما يحق لكم فمضوا. وخرج أيضًا نحو الساعة السادسة والتاسعة وفعل كذلك. ثم نحو الساعة الحادية عشر خرج ووجد آخرين قيامًا بطالين. فقال لماذا وقفتم ههنا كل النهار بطالين. قالوا له لأنه لم يستأجرنا أحد. فقال لهم اذهبوا أنتم أيضًا إلى الكرم فتأخذوا ما يحق لكم[5].

          انتبه إذن أن الأخيرين الذين أُرسلوا إلى الكرم بطريقة ما هم الجيل الخامس وفي الأوقات الأخيرة، وذلك عندما صار الوحيد الجنس إنسانًا، وعزم أن يُذبح من أجل حياة الجميع. لذلك حدّد الناموس الموسوى أن يأخذوا الخروف من اليوم العاشر للشهر الأول وأن يذبحوه نحو المساء في اليوم الرابع عشر لنفس الشهر، حتى في نفس الوقت والتعاقب الخامس للسنين بعبارة “نحو المساء”، أي الجيل الخامس الذي صار فيه ذبح المخلص.

بلاديوس: إذن كل هدف الكتب الملهمة بروح الله، كما يبدو، هو التطلع إلى سر المسيح (2تيمو16: 3).

كيرلس: بالطبع بكل الطرق، لأن غاية الناموس والأنبياء هو المسيح. لأنه “لا يوجد اسم آخر تحت السماء قد أُعطى بين الناس به ينبغي أن نخلص[6]. هذا ما قاله تلميذ المخلص. ويسهل أن نبرهن على هذا الأمر، لو فحصنا كل ما يتبع ذلك. لأنه يقول “وارتحلوا من سكوت ونزلوا إثيام في طرف البرية. وكان الرب يسير أمامهم نهارًا في عمود سحاب ليهديهم في الطريق، وليلاً في عمود نار ليضئ لهم. لكي يمشوا نهارًا وليلاً. لم يبرح عمود السحاب نهارًا وعمود النار ليلاً من أمام الشعب[7].

          أرأيت كيف أنه عندما ارتحل الإسرائيليون من أرض المصريين كان الله قائدًا لهم بشكل عمودى السحاب والنار؟! وبالاثنين قد صُوِّرَ المسيح مسبقًا.

بلاديوس: بأي طريقة؟

كيرلس: أولاً، بسبب أنه عمود وسندِِ للحق، غير متزعزع تمامًا وغير قابل للسحق بل هو مرتفع عاليًا عن الأرض. لأنه بنور المسيح قد تخلصنا من اهتمام الجسد ومن الالتفاف حول الشرور الأرضية، ونسمو عاليًا بواسطته، جاعلين اهتمامنا بالسماويات وطننا الحقيقي، لأنه مكتوب “أقوياء الرب يرتفعون كثيرًا فوق الأرض[8]. والمسيح يقول في موضع ما بفم داود عن الأرض والرسل القديسين “أنا ثبتّ أعمدتها[9]. وقد ثبت التلاميذ القديسون (بالمسيح) الذين يسندون الأرض، بقوة من الأعالى أي حاملين نعمة الروح القدس. وكانوا أعمدة بسبب طاعتهم للمسيح وتشبههم به بنعمة الروح القدس. ستقبل إذن أن المسيح سُمىّ عمودًا ليس لأي سبب آخر، إلاّ ما قلناه من قبل. لأنه قادهم، عندما كان نهار بعمود سحاب، وبالليل بعمود نار لكي يُظهر لهم الطريق. اعتاد الكتاب المقدس أن يدعو الزمن الذي قبل مجئ المسيح بالليل، والذي فيه ساد الشيطان بسلطته على البشر بظلمة الجهل. ويقول أيضًا عن النهار إنه زمن ظهور المخلص، والذي فيه قد استنرنا إذ قد قبلنا في عقلنا بهاء المعرفة الإلهية الحقيقية، ونرى بأعين النفس شمس البر. وسوف يؤكد هذا بولس عندما يقول عن زمن ما قبل المجيء وزمن المجيء “قد تناهي الليل وتقارب النهار فلنخلع أعمال الظلمة ونلبس أسلحة النور. لنسلك بلياقة كما في النهار[10] قاصدًا إذن الزمن القديم على أنه ليل، والزمن الذي صار فيه وحيد الجنس إنسانًا، على أنه نهار، نقول إنه تقدم أمام الإسرائيليين بشكل نار، أي بما يتناسب مع الناموس الذي يُدين ويعاقب (لأن النار هي علامة العقاب)، بينما يتقدم أمامنا بشكل السحابة، والتي هي مثال للمعمودية المقدسة لخلاصنا بالماء. أليست السحابة ماء؟

بلاديوس: وكيف لا تكون؟

كيرلس: وعندما ارتحل الإسرائيليون من مصر، استشاط غضبًا سيدهم القديم، أي فرعون، وشرع في مطاردتهم. إذ يقول “فشد مركبته وأخذ قومه معه. وأخذ ست مئة مركبة منتخبة وسائر مركبات مصر وجنودًا مركبية على جميعها[11]. وأيضًا بعد ذلك بقليل يقول: ”فلما اقترب فرعون رفع بنو إسرائيل عيونهم وإذا المصريون راحلون ورائهم ففزعوا جدًا وصرخ بنو إسرائيل إلى الرب. وقالوا لموسى هل لأنه ليست قبور في مصر أخذتنا لنموت في البرية. ماذا صنعت بنا حتى أخرجتنا من مصر. أليس هذا هو الكلام الذي كلمناك به في مصر قائلين كُفّ عنا فنخدم المصريين. لأنه خير لنا أن نخدم المصريين من أن نموت في البرية[12]. فأجاب موسى على هذا “لا تخافوا. قفوا وانظروا خلاص الرب الذي يصنعه لكم اليوم. فإنه كما رأيتم المصريين اليوم لا تعودون ترونهم أيضًا إلى الأبد. الرب يقاتل عنكم وأنتم تصمتون”، “فقال الرب لموسى مالك تصرخ إلىّ. قل لبنى إسرائيل أن يرحلوا. وارفع أنت عصاك ومد يدك على البحر وشقه. فيدخل بنو إسرائيل في وسط البحر على اليابسة[13]. لقد جعل الله طريقة المعونة واضحة إذ “انتقل ملاك الله السائر أمام عسكر إسرائيل وسار ورائهم وانتقل عمود السحاب من أمامهم ووقف ورائهم. فدخل بين عسكر المصريين وعسكر إسرائيل وصار السحاب والظلام وأضاء الليل. فلم يقترب هذا إلى ذاك كل الليل[14]. إن رواية التاريخ المقدس تخبرنا بكل هذه الأحداث. لكن يجب، على ما أظن، أن نفحص نحن ثانية عن دقة المعانى، محللين بالتفصيل كل ما كُتب بعقولنا.

بلاديوس: بكل تأكيد

كيرلس: يرتحل إذن الإسرائيليون، مُسرعين إلى الأرض المقدسة آخذين الله مرشدًا لهم وقائدًا لمسيرتهم في شكل النار والسحابة. لأنه لن يكون من الممكن بأية طريقة أن نصل إلى المدينة السماوية المقدسة، إن لم يكن المسيح قائدنا لكي يُظهر لنا طريق الخلاص. وأعداء هذا العالم يصّرون على أسنانهم أمام هؤلاء الذين يفضلون طريقة العمل هذه، إذ الناموس يحثهم على أن يُظهروا الجرأة ويشجعهم في خوفهم. وكون أن جميع خصومهم سوف يسقطون، هذا يعلنه (الكتاب) بأكثر وضوح. لأن القول بأن المصريين قد خرجوا من الوسط يشير على أي حال لهذا الأمر وأيضًا الذين يخافون ربما يصابون بشيء ما، قد خلصهم الله مستخدمًا المعمودية المقدسة كمثال. فهو يقول “قل لبنى إسرائيل أن يرحلوا وارفع أنت عصاك ومدّ يدك على البحر وشقه. فيدخل بنو إسرائيل في وسط البحر[15]. ألم يكتب إذن بولس العظيم عن الإسرائيليين، أن الكل بثقة في موسى قد نالوا المعمودية داخل السحابة والبحر (1كو2: 10)؟

بلاديوس: أوافقك على هذا.

كيرلس: يجب إذن على كل الذين يريدون أن يتبعوا المسيح ويُسرعون نحو المدينة السماوية، أن لا يتوقفوا عند الناموس وأن لا يظلوا متمسكين بوصايا موسى، ويصّرون على الحياة داخل الظلال والأمثلة لكن بالأحرى أن يرحلوا وأن يتقدموا إلى المعمودية المقدسة. هذا فعله القدماء بأمر من الله سائرين بين الأمواج، وكما يقول بولس “معتمدين في البحر”. إذ عندئذِِ فقط سيكون لديهم مُعين، يسوع المسيح الوسيط بين الله والناس. إذ أن الكلمة الذي هو الله، قد صار إنسانًا. ومن وجهة نظر أخرى، سيتخذونه وسيطًا بحسب التدبير، لأنه دائمًا يفصل بين هؤلاء الذين يتقونه وأولئك الذين يطاردونهم ولا يتركهم يتشابكون، إذ يعيق هجمات الأعداء حيث يقول “فانتقل ملاك الله وعمود السحاب.. فدخل بين عسكر المصريين وعسكر إسرائيل.. فلم يقترب هذا إلى ذاك كل الليل[16]. يقصد بالملاك وبعمود السحاب أيضًا المسيح لأن اسمه “ملاك المشورة العظمى”[17].

بلاديوس: أي عندما يتوسط المسيح سوف لا نصطدم بهؤلاء الذين يريدون أن يحاربوننا؟

كيرلس: هكذا يكون الأمر وأنت قد استوعبته بشكل سليم. أما ما هو غير ذلك، فإن وجهة نظرى لن تنحرف عن هدفنا. لو فضلنا الآن أن نتخلص من محبة اللذة والحياة العالمية وأن نهتم بأن نتبع نواميس الله بأكثر غيرة ممكنة دون أن نكون أغنياء بعد بالنعمة الإلهية، بواسطة المعمودية المقدسة فلن نكون أقوياء ولائقين عند الضرورة في تحمل الآلام والصبر عليها من أجل الفضيلة ولا نستطيع أن نتحمل محنة الحروب. ومثل النباتات التي بمجرد أن تبدأ في الإنبات لا يمكنها أن تحتمل ضرر التعرض لأشعة الشمس القوية ولا أن تعانى من أي تلف صغير حتى لو زعزعتها هبوب رياح شديدة، إذ هي في حاجة شديدة على أي حال لمعونة فنية ورباط يربطها بعضها ببعض. بنفس الطريقة على ما أعتقد، فإن نفس الإنسان المتحررة حديثًا من عبودية الشهوات والتي تسير نحو الأفضل وترغب في إتباع الناموس الإلهي، تكون غضة وطرية، ومن السهولة أن تنثني وتتقهقر للخلف، وهي تشاهد أمامها المشقة ومتاعب الجهاد، وهكذا ستعتبر أنه من الأفضل أن ترجع إلى ما كانت عليه. هكذا الإسرائيليون عندما رأوا عدة المصريين، ارتعبوا فقط من منظر الحرب، وتشاحنوا مع موسى كليم الله وقالوا له “أليس هذا هو الكلام الذي كلمناك به في مصر قائلين كُف عنا فنخدم المصريين. لأنه خير لنا أن نخدم المصريين من أن نموت في البرية[18]. إذن فنفس الإنسان ضعيفة فى الجهاد ومهيئة تمامًا لقبول العبودية ومتخوفة جدًا من المعمودية المقدسة، لكن لو أُحيطت بالقوة السماوية ونالت النعمة، فسوف تواجه أولئك الذين يريدون أن يلاحقونها بقوة، وسوف تحارب ببسالة، وبسهولة كبيرة سوف تصد ثورات الخصوم، وذلك بالمسيح قائدها والمحارب عنها. لأنه ليس ممكنًا أن ننتصر بطريقة أخرى، سوى هذه الطريقة.

1 خر17:13ـ18

2  رو8:10ـ10

3  إش9:50

4  خر3:13 س

5  مت1:20ـ7

6  أع12:4

7  خر20:13ـ22

8  مز10:46س

9  مز4:47س

10  رو12:13ـ13

11  خر6:14ـ7

12  خر10:14ـ12

13  خر13:14ـ16

14  خر19:14ـ20

15  خر15:14ـ16

16  خر19:14ـ20

17  إش6:9.

18  خر12:14

 

المقالة3 ج1 – السجود والعبادة ج2 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة2 ج5 – السجود والعبادة بالروح والحق ج2 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة2 ج5 – السجود والعبادة بالروح والحق ج2 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة2 ج5 – السجود والعبادة بالروح والحق ج2 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

 

السجود والعبادة بالروح والحق

تابع المقالة الثانية

كيرلس: على الرغم من أن الأمر مملوء بالتساؤلات، يا بلاديوس، إلاّ أنه يمكن للمرء أن يفهمه عندما يلاحظ المعانى المفحوصة بتبصر عظيم جدًا. لقد عُين موسى كليم الله لهذه الرسالة، لم يتقدم فورًا نحو هذه الرسالة تاركًا أمور العالم، ولم يقطع اهتمامه بالجسديات، بل سبق وأعلن لأتباعه عن الرحيل. ولم يرحل من بلاد المديانيين، إلاّ بعد أن علم أنه قد مات أخيرًا طاغية المصريين، إذ خاف جدًا منه ربما يقتله. لكن عندما تخلص من مخاوفه هذه بعد إعلان الله المسبق له، أخيرًا أخذ امرأته وأولاده ونزل إلى مصر، مقدمًا أكثر مما أمر به، وهذا يمكن أن يكون مثالاً للحياة تحت الناموس، التي هي مجزأة بطريقة ما، وتتطلع إلى الاتجاهين، أقصد نحو ما هو للإلهيات وما هو للبشر. وبالطبع ليست الحياة حسب الناموس حرة من الاهتمامات الأرضية والعالمية، ولا هي مقدسة تمامًا، بالرغم أنه بحسب السلوك الملائكى لا يوجد بتاتًا الانقسام الداخلى نحو الجسديات، أي نحو أمور العالم، لكن بكل الطرق تكرس لله هؤلاء الذين يحيون بحسب وصايا المسيح. إذ يقول “ولكن الذين هم للمسيح قد صلبوا الجسد مع الأهواء والشهوات[1]. فعندما ذهب واحد من التلاميذ إلى المسيح وقال له “يا سيد ائذن لي أن أمضى أولاً وأدفن أبى[2]. عرفه السلوك المقدس بكل جوانبه، إذ قال له مباشرة: “اتبعنى ودع الموتى يدفنون موتاهم[3]. يكتب بولس العجيب لأهل غلاطية “ولكن لما سُرّ الله أن يعلن ابنه فيّ لأبشر به بين الأمم للوقت لم أستشر لحمًا ودمًا[4]. لكن موسى كان له عذر في موقفه هذا، لأنه، كما قلت إن الحياة بحسب الناموس هي مقسمة وكانت ما تزال توجد تحت خوف الموت. أي لقد خاف موسى أن ينزل إلى مصر، مريدًا أن يهرب من الموت. لكن في المسيح قد أبطل الموت وهذا ما سوف يؤكده لنا بولس القديس عندما يقول عن المسيح وعنا “فإذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم اشترك هو أيضًا كذلك فيهما لكي يُبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت، أي إبليس ويعتق أولئك الذين خوفًا من الموت كانوا جميعًا كل حياتهم تحت العبودية[5]. وبناء على ذلك قد انتصب ذهن القديسين بشجاعة فائقة أمام الموت. فبولس يقول في مكان آخر “لأن لي الحياة هي المسيح والموت هو ربح[6]. وأيضًا “مَن سيفصلنا عن محبة المسيح أشدة أم ضيق أم اضطهاد أم جوع أم عرى أم خطر أم سيف[7]. لكن كون أن الخوف من الموت يسيطر على الحياة بحسب الناموس، بينما هذا الخوف من الموت يتلاشى بتأثير نور الحياة فى المسيح، هذا يمكن أن يكون واضحًا جدًا، طالما الكتاب يعلن أن الموت قد ملك من آدم إلى موسى. لكن ذاك الذي أبطل الموت وزعزع قوة الفساد، لا يمكن أن يكون إلاّ ربنا يسوع المسيح وحده (أنظر 1كو24: 15ـ26)، وهو الذي خلّص المؤمنين ومعهم خلّص أولئك الذين قد تهذبوا بالناموس. لأن الكلمة النبوية تقول “لا رسول ولا ملاك لكن الرب نفسه خلصهم[8]. وسوف ترى بوضوح السر الخاص بهذا كمثال في كل ما حدث لموسى الطوباوى. أي عندما خرج من بلاد المديانيين وتوجّه نحو مصر، قال الله له “عندما تذهب لترجع إلى مصر أنظر جميع العجائب التي جعلتها في يدك واصنعها قدام فرعون[9]. وبعد ذلك بقليل يقول “وحدث في الطريق في المنزل أن الرب التقاه وطلب أن يقتله. فأخذت صفورة صوَّانة وقطعت غرلة ابنها ومسّت رجليه. فقالت إنك عريس دم لي. فانفكَّ عنه، حينئذِِ قالت عريس دم من أجل الختان[10]. ربما يحتاج الأمر إلى كلمة مُطوّلة لكي يصير واضحًا جدًا؟ هل شرحى واضح؟

بلاديوس: بالطبع لا: لأنى على أية حال، لا أفهم بتاتًا ما الذي يشار إليه من هذا الذي حدث لموسى.

كيرلس: أي ألا تقبل، يا عزيزى، أن الطبيعة البشرية صارت مذنبة للموت بسبب تلك اللعنة القديمة؟ لأنه قد قيل لنا في بداية جنسنا وفي أصلنا الأول أي في آدم “لأنك تراب وإلى تراب تعود[11].

بلاديوس: هذا أقبله بالتأكيد.

كيرلس: إذن، لأن بداية الجنس البشرى بسبب الخطية انتهت إلى مرض الموت، وهذا الموت اجتاز إجباريًا إلينا، فمن الجذر امتد إلى الفروع التي تفرعت منه. لأن الثمر الفاسد هو من الأصل الفاسد. هكذا ملك الموت على الجميع، وحتى على موسى نفسه، أي حتى ذاك العصر الذي كان فيه الناموس ساريًا. وبناء عليه فتصرف الملاك ضد موسى وقتئذ، كان مثالاً واضحًا وظاهرًا على أن الموت قد سرى حتى على موسى وعلى كل إنسان قد وُجد تحت سلطان الفساد. لكن زوجة موسى صفورة الساكنة معه في الخيمة توسلت للملاك المهلك ومنعته عن زوجها، إذ قطعت بحجر غرلة ابنها وطلبت إليه قائلة “أوقف الدم من ختان ابنى”. وتعبير “أوقف الدم “قالته، ليس لأنه قد انقطع تدفق الدم، ولا كما أظن أنها إطلاقًا قد غيرت رأيها وأرادت ترهيب المهلك، ولكن كأنها قالت “تمت إرادة الله وتحققت، أي ختان الولد”. مثلما يقول الواحد “أنه بدلاً من القول بأن الأمر قد وصل إلى نهايته وصار مقبولاً“، يقال توقف الحديث عن النموذج أو المثال.

بلاديوس: بعد ذلك، كيف ستفهم صفورة؟ وماذا يعنى الحجر والختان الذي صارا به؟ وماذا يعني توسلها لملاك الله، وإنقاذ موسى من تهديد الملاك والموت المحقق وذلك بختان الولد؟.

كيرلس: حقيقة أن الحديث في هذه الأمور التي نفحصها هو غامض وصعب الفهم. لكن لدينا ثقة في الله، وسأسرع ثانية لشرح هذا الأمر بقدر ما أستطيع. صفورة التي كانت ابنة كاهن مديان (هذا كان من أمّة أخرى وليس من دم إسرائيل) تُصّور وتشير إلى الكنيسة التي أتت من الأمم والتي دُعيت من العبادة الدنيوية إلى عبادة الله. لأنه قد قيل عنها في موضع ما بفم داود “إسمعى يا بنت وانظرى وأميلى أذنك وانسى شعبك وبيت أبيك فيشتهي الملك حُسنك لأنه هو سيدك [12]. أي دُعيت (صفورة) بينما اتبعت الناموس وكانت بطريقة ما مرتبطة (كزوجة) بالمؤدب موسى وانقادت بالصواب نحو سر المسيح (أنظرعب5)، لأن الناموس هو مُعلم البدائيات، ويقودنا إلى أساسيات أقوال الله ويلقى داخلنا ـ بألغاز وظلال ـ بذرة معرفة سر المسيح. ولذا قال المسيح لليهود، الذين لم يكن عندهم وفاء لموسى القديس “لا تظنوا أنى أشكوكم إلى الآب. يوجد الذي يشكوكم وهو موسى الذي عليه رجاؤكم. لأنكم لو كنتم تصدقون موسى لكنتم تصدقوننى لأنه هو كتب عنى[13]. إذن طالما قد قبلنا أن صفورة تمثل الكنيسة التي من الأمم فإن ابنها سيكون على أية حال مثال للشعب الجديد، إذ أن كل الذين آمنوا قد قبلوا الطفولة الروحية للمسيح وميلادهم الثانى الإلهي، وهم الذين يدعوهم داود في موضع ما “وشعب سوف يُخلق[14]. فالطفل حديث الولادة في الإيمان بالمسيح، أي الشعب الجديد، بختان الإيمان أبعد عنه الموت. لأن الحجر هو رمز للطبيعة التي لا تنكسر، وقساوته تشير إلى قوتها وترابطها. ويشوع بن نون حيث إنه عبر بالإسرائيليين من الأردن، فعل لهم أيضًا ختانًا بسكاكين من الحجارة، كمثال للختان الذي سيصير بالروح باسم المسيح. لأن المسيح هو صخر (أي حجر)، والحجر الذي به عملت صفورة ختان الطفل، يعلن مسبقًا ما قلته الآن كمثال. وعندما هرب الموت الذي طلب أن يقتل موسى وابتعد عنه، عندئذ كُرّم كسر الختان بالمسيح مُعلنًا لنا هذا الأمر بطريقة رمزية، إن الموت لم يترك فقط كل الذين استحقوا الختان باسم المسيح، بل هذا الحدث أقصد سر المسيح، قد أعان الأجداد أنفسهم، أي مثلما متنا في آدم. هكذا امتدت (ملكت) نعمة المسيح لنا كلنا، لأنه مات لأجل هذا السبب أي لكي يصير ربًا على الأحياء والأموات. وبناء على ذلك في وقت ختان الشعب الجديد، صارت حياة الآباء صالحة لأنهم عاشوا مع الله، وتخبرنا الكتب المقدسة عن أهمية عيشهم مع الله. زمن الختان الروحي هو حضور المسيح، لأنه هو أكثر شفاعة من موسى لكونه إله، إلاّ أنه هو الثانى بعده بسبب أنه قد ظهر كإنسان ليخدمنا. انتبه إذن أن الله عين أولاً موسى، ثم بعد ذلك دعا هارون، وتمثل الدعوة الثانية ـ أي بعد إرسالية وخدمة موسىـ زمنيًا، حضور المسيح الذي كان إنسانًا مثل موسى، ولكن تفوق عليه بالألوهية الفائقة التي لا تقارن لأن أباه هو الله. وتستطيع أيضًا، لو أردت أن تتيقن هذا من الكتابات المقدسة نفسها، لأنها تقول “ففعل موسى وهرون كما أمرهما الرب. هكذا فعلاً، وكان موسى ابن ثمانين سنة وهرون ابن ثلاث وثمانين سنة حين كلّما فرعون[15]. أسمعت إذن أن الاثنين كانا متساويين لأنهما كانا في الثمانينات، بالرغم من أنه من جهة الخدمة كان هرون بالطبع بعد موسى؟ هكذا المسيح كان مساويًا لموسى من الجانب الإنسانى، لكنه من جهة التدبير كان بعد موسى بالرغم من أنه الأسمى والأعظم من جهة الألوهية ومجد الثالوث القدوس.

بلاديوس: إن كلامك واضح جدًا.

كيرلس: لكن ماذا؟ ألا يستحق أن نرى شيئًا آخر إضافة لكل هذا؟

بلاديوس: ما هو؟

كيرلس: إن الإسرائيليين لم يخرجوا من أرض المصريين، ولا تحرروا من العبودية القاسية والممقوتة لهم، وأقول بالصواب أنه، لم يكن في إمكانهم تجنب الموت الذي قضى على أبكار المصريين، ولا تفادى قبضة الملاك المهلك القوية، لو لم يذبحوا الحمل كمثال للمسيح الذي يرفع خطايا العالم. لقد دهنوا الأبواب بالدم بحسب وصية موسى التي أعطيت لهم، وسر المسيح جعلوه سلاحًا لهم وحصنًا لنفوسهم. فموت المسيح هو وراء بطلان الموت. والذين يشاركون في هذه البركة السرية، لا يمسهم الفساد وفقًا للقول : ”الحق الحق أقول لكم .. مَن يأكل جسدى ويشرب دمى فله حياة أبدية[16]. لقد أكلوا الحمل، ومعه خبز غير مختمر (فطير). بهذا المثال يُعلن ـ بطريقة غير مباشرة ـ جمال ونقاء التعاليم الإنجيلية بالخبز غير المختمر، والتي لن تنفذ بدون مشقات ومرارة الأحزان، لذلك كان يجب أن يأكلوا أعشاب مرة مع الخبز غير المختمر. وبناء على ذلك مع الطعام غير المختمر، يجب أن يكون لدينا المرارة (الآلام). لأنه يقول “وجميع الذين يريدون أن يعيشوا بالتقوى في المسيح يسوع يضطهدون[17]. لكن كل الذين سيتألمون بهذا سيُطَوبون. لأنه بحسب الكتاب “إن كنا نتألم معه لكي نتمجد أيضًا معه”(رو 17: 8). هل كلامى خرج عن الموضوع؟

بلاديوس: إطلاقًا.

97  غلا 24:5

98  مت 21:8

99  مت 22:8

100  غلا 15:1ـ16

101  عب 14:2ـ15

102  في 21:1

103  رو 35:8

104  إش9:63س.

105  خر 21:4

106  خر 24:4ـ26

107  تك19:3

108  مز 10:45ـ11

109  يو45:5ـ46

110  مز 18:102

111  خر 6:7ـ7

112  يو53:6ـ54

113  2تي12:3

 

المقالة2 ج5 – السجود والعبادة ج2 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة2 ج4 – السجود والعبادة بالروح والحق ج2 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة2 ج4 – السجود والعبادة بالروح والحق ج2 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة2 ج4 – السجود والعبادة بالروح والحق ج2 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

 

السجود والعبادة بالروح والحق

تابع المقالة الثانية

بلاديوس: أرجو مزيدًا من التوضيح لأنى لم أفهم بعد.

كيرلس: إن البرص هو مرض الجسد، والأطباء يعجزن عن علاجه، وهو مرض لا يُهزم وذلك من خبرتهم. والأبرص هو ذميم ونجس وذلك وفقًا للوصية القديمة لموسى، ومقزز جدًا لهؤلاء الذين يُقدرون العادات اليونانية، ومن يبتلى بالبرص هو ما بين حى وميت. والميت هو مقزز ونجس. وإمكانية أن يُشفى الأبرص، هو أمر فوق الطبيعة وفوق إمكانيات مقاييسنا الطبيعية، ويتوقف فقط على فعل الطبيعة الإلهية الفائقة الوصف. لذلك اندهشوا من المسيح عندما قال للأبرص بسلطان “أُريد فاطهر[1]. لأن صوت خالق الجميع، الذي يقيم حتى الأموات من القبور، والأقوى من الفساد والموت، هو الذي صنع المعجزة مع ذاك الأبرص. الله يأمره أن يُدخل يده في عبه وبعد ذلك يخرجها، فصارت كلها برصاء وأيضًا أن يدخلها ويخرجها مرة ثانية، فصارت خالية مما حدث لها، حتى يفهم الإسرائيليون من هذا، إنه بقوة فائقة الوصف والتعبير سيصير موسى رئيس المظلومين المستعبدين تحت نير المصريين. هذا القول بالطبع ليس عميقًا لكنه نافع للرواية ويجب كما أعتقد أن نفحص بانتباه شديد، معنى هذه الرواية، أي نبحث تلك المعجزة هكذا: ماذا يعنى إدخال اليد في العب وما هو هذا البرص المخيف الذي أصابها، وأيضًا طريقة تطهيرها، لأنه عندما أُدخلت اليد في العب شُفيت من المرض.

بلاديوس: تتكلم بالصواب. لأنه لن ينفعنا ولو بقليل فحص كل أمر على حدة.

كيرلس: فى رأيى أن هذا الأمر العجيب يعلن شيئًا ما وسط الظلال. فبقدر ما كان الإنسان الذي خُلق على صورة الله وشبهه مستقرًا في داخل حضن الله ولم يخالف بعد الوصية التي قد أعطيت له، وكان محاطًا بعناية الله ورعايته، كان يعيش فى طهارة وقداسة دون أن يعرف الموت. لكن عندما تعدى طاعة الله خرج من حماية الله ومحبته، بسبب انحرافاته إلى الأمور الدنيئة. عندئذِِ ظهر بوضوح أنه ذميم ومقزز ومريض بالموت ونجاسته. ثم بعد ذلك، عندما قبلنا الله الآب بواسطة المسيح وأحاطنا بالنعمة الإلهية وأخذنا مرة أخرى إلى حضنه متبنيًا ومنقذًا إيانا من نجاسات الموت القديم ولعنته، رجعنا إلى حالتنا الأولى، لأنه مكتوب عن يد موسى “وإذا هي قد عادت مثل جسده [2].

بلاديوس: ما قلته رائع جدًا.

كيرلس: إن الفعل المعجزى الثالث المرتبط بهذا، يعلن بكل وضوح وبكل سهولة، سر المسيح. لأن الله قال أيضًا لموسى: “فيكون إذا لم يصدقوك ولم يسمعوا لصوت الآية الأولى إنهم يصدقون صوت الآية الأخيرة[3]. ويوضح ماذا يعنى هذا قائلاً: “ويكون إذا لم يصدقوا هاتين الآيتين ولم يسمعوا لقولك إنك تأخذ من ماء النهر وتسكب على اليابسة فيصير الماء الذي تأخذه من النهر دمًا على اليابسة[4]. فالعلامة الأخيرة للعالم كانت هي موت المسيح والتطهير بالماء والدم، باشتراك، الجسد المقدس الذي أشير إليه باليابسة، كما هو واضح. وإذ كان قد سال الدم لأجلنا من جنبه المقدس الذي طـُعن، فهذا لن أذكره لأنه معروف جيدًا للجميع. ولكن كون أن موت المخلص سُمىّ معجزة، يمكن لأحد أن يتعلمه بوضوح من الكتب المقدسة لأن الفريسيين المتهورين، رأوا معجزات كثيرة صنعها المسيح، إلاّ أنهم أتوا إليه، وكأنه لم تحدث آية واحدة وطلبوا منه قائلين: “يا معلم نريد أن نرى منك آية[5]. فقال لهم “جيل شرير وفاسق يطلب آية ولا تعطى له آية إلاّ آية يونان النبي، لأنه كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليالِِ هكذا يكون ابن الإنسان في قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليالٍِ[6]. إن أول مساعدة قد أُعطيت لنا بواسطة الناموس الموسوى، لأنه؛ بحسب قول النبي “أعطانا الناموس معينًا لنا[7]. إذ أمسك موسى بالذيل. والتطهير الثانى أيضًا في اسم المسيح صار بواسطة الأنبياء القديسين بإرسالية وكرازة يوحنا المعمدان، لأن الأنبياء قالوا “اغتسلوا وتنقوا[8]، بينما يوحنا دعا الناس إلى معمودية التوبة. والعلامة الثالثة، التي يُقال عنها إنها الأخيرة؛ هي موت المسيح، والإيمان الذي يتبعه، لأنه يقول “فيكون إذا لم يصدقوك ولم يسمعوا لصوت الآية الأولى انهم يصدقون صوت الآية الأخيرة[9]. ترى إذًا أنه يقول حسنًا جدًا أن الإيمان سوف لا يكون بعد العلامة الأولى أي ليس بعد معونة الناموس، ولا أيضًا بعد حالة التطهير غير الكاملة، أي بعد المساعدة بواسطة الأنبياء ويوحنا، بل سيكون (الإيمان) فقط بعد شهادة العلامة الأخيرة، لأن سر المسيح ليس بدون شهادة، إذ يدعو الجميع، كل من هم مشتتين على الأرض بالعظة السامية والمعلنة بقوة عن التطهير بالماء والدم، وبالطبع عن هبة الحياة التي تصير بالتناول من الجسد المقدس. إذن لقد خدم الناموس الأمور المتعلقة بالمسيح بالإنباء عنها، لكن هو نفسه (الناموس) لم يكن في وضع يمكنه أن يخلص الحافظين له. وكما أعتقد يمكن بالتأكيد أن يظهر أحد أن هذا هو ما يعترف به موسى بوضوح في كتاباته. فعلى الرغم من أن الله قال له “سأكون معك”وحاول أن يقنعه مسبقًا بعمل المعجزات، إلاّ أن موسى توسل إليه وقال “استمع أيها السيد لست أنا صاحب كلام منذ أمس، ولا أول من أمس ولا من حين كلمت عبدك. بل أنا ثقيل الفم واللسان، فقال له الرب من صنع للإنسان فمًا أو من يصنع أخرس أو أصم أو بصيرًا أو أعمى. أما هو أنا الرب. فالآن اذهب وأنا أكون مع فمك وأعلمك ما تتكلم به. فقال استمع أيها السيد أرسل بيد من ترسل[10]. أي أن الناموس ليس بقادر على أن يبرر ولا يستطيع أن يخلص كل الأرض ويحرر الإنسان من سلطة الشيطان الطاغية. وموسى لم يجهل بالطبع أنه كان ثقيل اللسان وكان له صوت ضعيف، عندما بدأ الله يكلمه ويأمره بالتحدث عنه، إذ قال له “هكذا تقول لبنى إسرائيل يهوه إله آبائكم إله إبراهيم وإله اسحق وإله يعقوب أرسلنى إليكم. هذا اسمى إلى الأبد[11]. أي أن الناموس كان ثقيل اللسان في أن يصحح جيدًا الكلام عن الله الكائن، ولا يمكنه أن يدخل في سر الطبيعة المكرمة والفائقة الوصف للثالوث القدوس المسجود له. وله (أي للناموس) صوت ضعيف فيما يتعلق بهذا، فإن موسى كان يتحدث إلى الإسرائيليين فقط وكان صوته يُسمع في اليهودية فقط، بينما لم تستطع كرازته أن تصل للشعوب الأخرى. لهذا أدرك موسى الكليم مسبقًا ذاك الذي يمكن أن يبلغ لسامعيه أقوال الله بدقة وبلاغة وأن يُبشر به بسهولة في كل الأرض، أي المسيح، لذا يقول: ”استمع أيها السيد أرسل بيد من ترسل[12]. وهذا المرسل بالحقيقة هو المسيح. وأنه عندما يأتى الوقت بإرادة الله الآب سيُعين (أي المسيح) لهذا العمل، إذ بالتأكيد قد سبق الناموس وأخبر عنه. لكن رفض موسى من بعد الوعد الإلهي، وبراهين العلامات الكثيرة، يمكن أن يكون هو مثالاً لإسرائيل الذي لم يبال بالخدمة الإلهية والإنجيلية والطاعة للمسيح رافضًا إياها، وهو بعد عشرات الآلاف من الكلمات عن الإيمان، ومن بعد براهين عديدة من المعجزات تمسك بعصيانه، وظل غير مؤمن. ورفض موسى هو بالتأكيد ثنائى، أي على فترتين: الفترة التي كان فيها إسرائيل مشتتًا ومتوحشًا في عصر موسى، ويشوع بن نون والقضاة، ثم (الفترة الثانية) بعد هذه مباشرةً، عصر الأنبياء ويوحنا (المعمدان)، الذي جاء بين الأنبياء والرسل، لأنه كان يمثل النهاية للعمل النبوى وبداية الازدهار للعمل الرسولى. لكن رفض موسى قد أثار غضب الله، لهذا حول الأمر بعد ذلك إلى نوع آخر من التدبير، الذي به كان يجب أن يخلص أولئك الذين قد تألموا من سلطة المصريين الطاغية  “فحمى غضب الرب على موسى وقال أليس هرون اللاوى أخاك أنا أعلم أنه هو يتكلم. وأيضًا ها هو خارج لاستقبالك فحينما يراك يفرح قلبه فتكلمه وتضع الكلمات في فمه. وأنا أكون مع فمك وفمه وأعلمكما ماذا تصنعان وهو يكلم الشعب عنك وهو يكون لك فمًا وأنت تكون له إلهًا[13]. فبسبب ضعف الناموس واصطدامه بالإسرائيليين، وعدم طاعتهم له، أتى المسيح اللاوى الحقيقى، رئيس الكهنة الأعظم، المُعين لأولئك الذين وُجدوا تحت الناموس، وكونه كأخ بسبب أخذه طبيعتنا البشرية، هو الذي تكلم مع موسى بالتأكيد كإله، وبكونه قد استلم الوصايا من الآب وذلك بحسب خاصيته النبوية، إلاّ أنه بالطبع هو الرب، لأنه يقول: “أقيم لهم نبيًا من وسط اخوتهم مثلك وأجعل كلامى في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به[14] والمسيح نفسه قال: “لأنى لم أتكلم من نفسى لكن الآب الذي أرسلنى هو أعطانى وصية ماذا أقول وبماذا أتكلم[15]. وبناء عليه فإن المسيح تكلم إلى الشعب، وإلى موسى، وصار فمًا شارحًا لنا الناموس روحيًا بوضوح، بينما موسى نقل فقط للشعب كل حالته. أي واضح ـ بطريقة ما ـ أن موسى هو الأكثر (من بين الأنبياء) قربًا من الله، لأن عمانوئيل خضع للناموس، ووعد أنه سيحفظ كل ما أمر به بواسطة موسى الحكيم قائلاً: “لا تظنوا أنى جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ما جئت لأنقض بل لأكمل[16]. إذن فقد بات واضحًا أن المسيح هو خادم الأسرار، الذي حوّل ثقل لسان الناموس إلى طلاقة، وأعاد تشكيل ضعف الحرف إلى شرح قوى التأثير. لأن ناموس المسيح هو ناموس روحي وتعاليمه لها علاقة قُربى بالقديم، لأن هارون كان أخًا لموسى.

بلاديوس: إذن الناموس ضعيف من حيث إمكانياته، لأنه لم يُكَمِل شيئًا.

كيرلس: هذا ما أقوله. لأن السلوك غير الكامل بحسب تعليم الناموس يمكن أن يلاحظه أحد من الأمور التالية إذ مكتوب: “فمضى موسى ورجع إلى يثرون حميه وقال له أنا أذهب وأرجع إلى اخوتى الذين في مصر لأرى هل هم بعد أحياء. فقال يثرون لموسى اذهب بسلام، وقال الرب لموسى في مديان، اذهب ارجع إلى مصر لأنه قد مات جميع القوم الذين كانوا يطلبون نفسك. فأخذ موسى امرأته وبنيه وأركبهم على الحمير ورجع إلى مصر. وأخذ موسى عصا الله في يده[17].

بلاديوس: ماذا يعنى كل هذا؟ لأنى لا أستطيع أن أفهم، ولا أن أرد على كل من ينتقد الحياة بحسب الناموس.

80  مت 3:8

81  خر 7:4

82  خر 8:4

83  خر 9:4

84  مت 38:12

85  مت 39:12ـ40

86  إش20:8

87  إش16:1

88  خر 8:4

89  خر 10:4ـ13

90  خر 15:3

91  خر 13:4

92  خر 14:4ـ16

93  تث18:18

94  يو49:12

95  مت 17:5

96  خر 18:4ـ20

 

المقالة2 ج4 – السجود والعبادة ج2 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة2 ج3 – السجود والعبادة بالروح والحق ج2 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة2 ج3 – السجود والعبادة بالروح والحق ج2 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة2 ج3 – السجود والعبادة بالروح والحق ج2 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

 

السجود والعبادة بالروح والحق

تابع المقالة الثانية

بلاديوس: رائع ما تقوله.

كيرلس: يبدو أن حدث العليقة المشتعلة يُعلن معرفة مفاهيم أخرى، فكان الإسرائيليون ينظرون الخروج من أرض المصريين وهم يظنون أنهم سوف لا يلقون أبدًا عن كاهلهم ثقل العبودية الإجبارية، لهذا السبب ـ بالإضافة إلى أنهم كانوا سيصطدمون بغضب فرعون ـ أعطاهم الله هذه العلامة التي حدثت في العليقة، أي أنهم سوف يصيرون أقوياء جدًا بل وأقوى أيضًا من هذه النار، ولن يخضعوا لأولئك الذين كانوا يملكون قوة التسلط على الآخرين. وهذا ـ كما أعتقد ـ يتوافق مع الكلمة الإلهية “لا تخف لأنى أنا معك، اللهيب لا يحرقك والأنهار لا تغمرك[1].

بلاديوس: قولك هذا في غاية الذكاء .

كيرلس: لقد اندهش موسى من هذا الذي حدث، وفي نفس الوقت أسرع باشتياق للوصول بالقرب من العليقة. ويقول الكتاب “فلما رأي الرب انه مال لينظر، ناداه الله من وسط العليقة وقال موسى موسى. فقال هأنذا. فقال لا تقترب إلى ههنا. اخلع حذاءك من رجليك لأن الموضع الذي أنت واقف عليه أرض مقدسة[2]. إن موسى الطوباوى سيكون مثالاً للناموس، لأن إبراهيم الطوباوى يقول بحسب أحد الإنجيليين: “عندهم موسى والأنبياء[3] ربما يبدو هذا الكلام غير مقبول بالنسبة لك؟

 بلاديوس: لا بالطبع. فموسى يمثل الناموس.

كيرلس: كان الشعب الإسرائيلي، ذاك القطيع الذي عاش وفقًا للناموس وتحت الناموس، مدعوًا، لأنه مكتوب “السيد الرب إله العبرانيين دعانا[4]. وأطاع العبرانيون الله الذي دعاهم مثل موسى. لأنه مكتوب “كل الأقوال التي تكلم بها الرب نفعل[5]. لكن بسبب أن حتى قوة الطاعة حسب الناموس لم تكن لها القدرة على التطهير، إذ يقول “لأنه لا يمكن أن دم ثيران وتيوس يرفع خطايا[6]، لذلك أُعيق موسى من أن يقترب لله، الذي قال له: ”لا تقترب من ههنا[7]. لأنه لا يمكن الاقتراب من الصلاح بواسطة الناموس، كما أن قوة التعليم بحسب موسى هي غير قادرة على أن تحضرنا بالقرب من الله. المسيح وحده هو الذي يحضرنا إلى الله، وذلك بالتقديس. لأن كل الذين يتوقون إلى الاتحاد بالله القدوس يجب أن يكونوا قديسين إذ يقول: “كونوا قديسين لأنى أنا قدوس[8]. ولأن طريقة التعليم حسب الناموس ليست بلا لوم ـ كما يتضح من قوله “اخلع حذاءك من رجليك لأن الموضع الذي أنت واقف عليه أرض مقدسة[9]، لذلك أمر الله موسى مُفسر الإلهيات أن يخلع حذاءه، لكي يُبين أنه لم تكن طريقة الحياة حسب الناموس طاهرة بعد، ولا هي حرة من أعمال الفساد والموت. لكن موسى العظيم قد تعلم من العرف اليونانى أنه لا يُسمح للمرء الذي مازال يحمل فوقه رفات ميتة وفاسدة أن يقترب من الله. لأنهم كانوا لا يدخلون إلى المقدسات عندما كانوا يلبسون في أرجلهم أحذية من جلد حيوانات ميتة.

          يا صديقى، لا الناموس يحررنا من الموت والفساد وكل ما يتعلق بالنجاسة، ولا طريقة الحياة، حسب الناموس الموسوى تستطيع أن تحررنا، بل بالحري فإن الإيمان بالمسيح والتطهير الكامل للحياة حسب تعليم الإنجيل هو الذي يحررنا. أليس هذا الذي أقوله حقيقة؟

بلاديوس: كيف لا يكون كذلك!!

كيرلس: وعندما خلع موسى الحذاء من رجليه ثم أسرع واقترب من هناك قال له الله “أنا إله أبيك إله إبراهيم وإله اسحق وإله يعقوب، أدار عندئذِِ موسى وجهه لأنه تردد في أن يرى الله وجهًا لوجه[10]. ونحن إذا خلعنا التدبير المميت، وسلكنا طريقنا بأقدام طاهرة وحُرة وفق تعاليم المسيح، فإننا سنقترب من الله، فى علاقة روحية وليس اقترابًا مكانيًا. لأن كل ما حدث لموسى هو أمثلة وظلال. إذن فلنغتنِ بالكلمات الخاصة بالسرائر الإلهية، ونركز معرفة الله في داخلنا، إذ أظهر الله ذاته لنا في شخص الابن. وهكذا سنراه أفضل بكثير وبلا مقارنة من كل ما رأي الشعب القديم في شخص موسى. طالما قد أدار وجهه لأنه تردد في أن يرى الله وجهًا لوجه. وهذا يُظهر الضعف الذهني عند أولئك الذين قد تربوا بالناموس، هذا الضعف الذي لم يستطع أن يحتمل الله ولا كان في وضع يمكّنه أن يرى مجده، حسب ما قيل في المزامير “لتظلم عيونهم عن البصر[11] وهذا ما قاله إرميا: “اسمع هذا أيها الشعب الجاهل والعديم الفهم الذين لهم أعين ولا يبصرون[12]. أما نحن الذين قبلنا الكلمات عن الطبيعة الفائقة الوصف، فإننا بأعين طاهرة مستنيرة نرى جمال الله الآب يلمع في وجه الابن. وقد قال المسيح بحكمة لليهود الذين اعتقدوا أنهم قد رأوا الآب، “لم تسمعوا صوته قط ولا أبصرتم هيئته[13]. وفيلبس الذي سأل بإصرار وبطريقة محسوسة لا تليق، ولكن سأل برغبة فضولية “يا سيد أرنا الآب وكفانا[14]، أجابه المسيح “أنا معكم زمانًا هذه مدته ولم تعرفني يا فيلبس. الذي رآنى فقد رأي الآب[15] وسنرى في مثال ابنتيّ لابان أن التربية بحسب وصية الناموس لم تكن ثابتة ولم تكن قادرة على أن تُظهر الله بدقة وبلا لوم، لأنها قد أُعطيت فى ظلال وألغاز. لأنه مكتوب أن لابان كان لديه ابنتان، الكبرى اسمها ليئة والصغرى اسمها راحيل. وكانت عينا ليئة ضعيفة البصر، أما راحيل فكانت حسنة الصورة والمنظر. ويعقوب البطريرك (أبو الآباء) أحب راحيل. ولكن قبل راحيل أُعطيت له ليئة زوجة (تك16: 24). وإذا طبقنا المثل على الواقع، سنرى سر المسيح. فهما في الواقع امرأتان قد دُعيتا وارتبطتا به بزواج روحي. فالكبرى أو الأولى تمثل المجمع (اليهودي) الذي تكوّن بواسطة موسى، إذ قال الله بواسطة الأنبياء “لأن عينيك وقلبك ليست إلاّ على خطفك وعلى الدم الزكى لتسفكه وعلى الاغتصاب والظلم لتعملهما[16]. الثانية كانت شابة صغيرة وجميلة جدًا أي الكنيسة التي من الأمم والتي قال لها داود العظيم اسمعى يا بنت وانظرى وأميلى أذنك وأنسى شعبك وبيت أبيك فيشتهي الملك حسنك لأنه هو سيدك فاسجدى له[17]، وقد قيل لها في موضع آخر “عيناك كالحمام[18]. إن جمال الكنيسة هو بالتأكيد جمال غير عالمى، وهو عقلى وحقيقى لأنه مكتوب “كل مجد ابنة الملك في خدرها“، كلمة “خدرها”تعنى في العبرية “داخليًا“، لأنه لا يمكن أن تدركها العيون، بينما من السهل أن نراها بالعقل النقى. أليس كذلك؟

بلاديوس: ليس هناك أفضل من هذا.

كيرلس: لا يستطيع أحد إذن أن يرى الجمال الإلهي وغير الفاسد بتربية الناموس، لكن سيراه بالإيمان بالمسيح والتربية التي تعطيها وصاياه.

 بلاديوس: هذا حقيقي.

كيرلس: يا بلاديوس، إن الذي يقدر أن يُفدينا ويخرجنا من أيدى الشيطان وسلطانه الطاغي ليس هو موسى أو الناموس، بل هو رب موسى، أي المسيح وقوة سره. ويقول الرب: “إنى قد رأيت مذلة شعبى الذي في مصر وسمعت صراخهم من أجل مسخريهم. إنى علمت أوجاعهم فنزلت لأنقذهم من أيدي المصريين وأصعدهم من تلك الأرض إلى أرض جيدة وواسعة إلى أرض تفيض لبنًا وعسلاً[19]. ويضيف مباشرة “والآن هوذا صراخ بنى إسرائيل قد أتى إلىَّ ورأيت أيضًا الضيقة التي يضايقهم بها المصريون فالآن هلم فأرسلك إلى فرعون وتُخرج شعبى بنى إسرائيل من مصر[20]، عندئذِِ صرخ موسى: “مَن انا حتى أذهب إلى فرعون وحتى أخرج بنى إسرائيل من مصر[21]. أليست هذه الصياغة واضحة. هذا الرفض الذي لم يُذكر عن ذاك الذي هو الأعظم والذي هو فوق الكل الذي هو المسيح؟! لأن القول “من أنا”غير مناسب للمسيح الذي يملك تحرير الشعوب، ويستطيع أن يخلص الأمم ويقودها إلى الحرية إذ قد سحق ذاك الذي قبض عليهم في العبودية، أي الشيطان.

بلاديوس: تكلمت بالصواب.

كيرلس: لكن ماذا؟ أليس سهلاً تمامًا أن نرى من هذا أن الوحيد الجنس قد صار رئيس خلاص الجميع؟ لأن بواسطته نلنا الفداء، كما يقول النبي “لم يخلصنا رسول ولا ملاك ولكن خلصنا الرب نفسه[22].

 بلاديوس: من أين قولك هذا؟

كيرلس: إن إله الجميع أمر موسى بكل وضوح أن ينتقل بسرعة إلى أبناء إسرائيل، وأن يقول لهم بلا تحفظ، أنهم اتخذوا الله الكلى القدرة معينًا ومساعدًا لهم وسيلقون عن كاهلهم نير العبودية المصرية، ثم يرحلون ثانية إلى وطنهم، عائدين إلى حرية الآباء، وسيسكنون الأرض المقدسة، وهناك سوف يتمتعون بالخيرات الكثيرة التي سوف يعطيها لهم. أجاب موسى وقال “ولكن ها هم لا يصدقوننى ولا يسمعون لقولى. بل يقولون لم يظهر لك الرب. فقال له الرب ما هذه في يديك. فقال عصا فقال اطرحها إلى الأرض. فطرحها إلى الأرض فصارت حية. فهرب موسى منها. ثم قال الرب لموسى مِدّ يدك وامسك بذنبها. فمد يده وأمسك به فصارت عصا في يده[23].

بلاديوس: إنها عجيبة جدًا يا صديقى هذه المعجزة، قل لى أيضًا، ماذا يريد أن يظهر بها؟

كيرلس: سأقول لك، إذ عاش الإسرائيليون مع المصريين سنوات عديدة وأخذوا في الانزلاق إلى كل نوع من الخطية واستمتعوا باللذات المصرية، لم يجهل موسى أنهم سيكونون مترددين، وأنه سيكون من الصعب جدًا أن ينتقلوا إلى اللياقة والترتيب. ولكنه افترض بحكمة، أن المشقة ستدفعهم ـ رغم إرادتهم ـ إلى الطاعة وخاصة لو رأوه وهو يعمل معجزات. لأن اللذة فى الواقع أمر يصعب تجنبه، وتوحش الشهوات داخلنا لا يُروض بسهولة. لكن عندما نكون في حالة مجهدة ومتعبة، عندئذِِ من السهل أن يقنعك ذاك الذي يعدك بالخلاص، ويمكنك أن تزدرى بالمسرات العظيمة. وأعتقد أن الله الذي يعرف كل صلاح بتدبير عظيم، سمح في ذاك الوقت أن يكون التسلط الطاغى للمصريين ثقيلاً ومؤلمًا على الإسرائيليين، وذلك لكي يكونوا مهيئين للخروج، الذي ما كان يمكن أن يحدث بسبب تقيدهم بشهواتهم المعتادة، فقد كانوا قساة ومنحلين بإفراط وكانوا يحتقرون تلك النعمة التي دعتهم إلى الحرية، وجعلوا أنفسهم بإرادتهم عبيدًا في مصر، مفضلين اللذة الوقتية مع المشقات القليلة الموجودة، أو بالأحرى معتبرين (العبودية) أفضل من إحسانات الله نفسها. ولهذا بينما هم قد تخلصوا بفرح عظيم من التسلط الثقيل للمستبدين القدماء، وقضوا لياليهم في البرية مُستلمين طعامهم من فوق من السماء، أعنى إمدادهم بالمن، تذكروا بدموع (للأسف بحسب وجهة نظرهم الخاطئة) حياتهم السعيدة في مصر. وأيضًا زعموا أنهم يفضلون أن يموتوا في مصر مستمتعين بالموائد الغنية، فهذا كان (في نظرهم) أفضل كثيرًا وأنفع جدًا لهم، وصرخوا كأولاد غير ناضجين “ليتنا متنا بيد الرب في أرض مصر، إذ كنا جالسين عند قدور اللحم نأكل خبزًا للشبع [24].

 بلاديوس: تتكلم بالصواب.

كيرلس: وإذ عرف موسى أنه كان أمرًا ضروريًا أن يطيعوا حتى يمكن أن تتم المعجزات. لهذا يسأل “إن لم يسمعوا فماذا أقول لهم [25].وإله الجميع أمر فورًا أن تصير المعجزة كتطبيق عملى، ووسيلة إقناع مسبقة عمليًا، لخادمه وهذا سيكون للآخرين ـ كما له تمامًا ـ دليلاً يبيّن أنهم مدعوون من الله، وأن هذا الأمر الذي حدث سيكون مستمرًا معهم. وأيضًا لا يستطيع أحد أن يغيّر طبائع الكائنات إلى طبيعة أخرى، إلاّ خالق الكل. وقد تم بواسطة حدث عجيب وبطريقة رمزية حسنة جدًا الإشارة إلى رسالة الخلاص بالإيمان بالمسيح. إذ سنرى فيه (في المسيح) تجديد الطبيعة البشرية إلى حالتها الأولى، أي إلى تلك الحالة التي كُنا عليها في طبيعة آدم، بمجرد أن أتينا إلى الوجود، ولم يكن ينقصنا بعد المجد السماوى والقداسة.

بلاديوس: ماذا تعنى بهذا؟ لأن قولك ليس واضحًا.

كيرلس: أليست العصا تشير إلى الصولجان، رمز المُلك يا بلاديوس؟

بلاديوس: بكل تأكيد طالما يقولون إن بعض القدامى كانوا يقسمون عليها، مثل كل الذين اعتادوا أن يمدحوا الأمور الموقرة أي اليونانيين.

كيرلس: لكن ماذا؟ أليست هي نبات من الحقل، نما فيه قبل أن يقطع؟

 بلاديوس: إنى اتفق معك.

كيرلس: انطلق إذن بفكرك إلى آدم الأول، فانظر فيه كل البشرية أي بداية وأصل الجنس البشرى. وفكر أيضًا أنه خُلق بحسب صورة خالقه وعُين ليكون رئيسًا لكل ما في الأرض، وكان في يد الله متمتعًا بحياة القداسة التي عاشها. وكان كنبات الفردوس، كزهور جميلة ولطيفة جدًا، ولكن بسبب انخداعه من حيل الحية المعادية، ابتعد عن الحالة الأولى، وبعد ذلك وصل به الأمر أن يزدرى بالوصية الإلهية، وعندئذِِ بالضبط فَقَدَ مكانته وأصله الأول، وانزلق من يد ذاك الذي كان يحفظه في القداسة وهو على الأرض، أي من علو الفضيلة، ووُجد غير منضبط إراديًا في تفضيله للجسديات. وقد تملك داء الخبث عليه بدرجة كبيرة، آخذًا إياه من الحية. وهكذا تعرى من المُلك والمجد الذين كانا له من البداية وطُرد من الفردوس والنعيم. ألم يقل لنا موسى العظيم ذلك؟

بلاديوس: طبعًا قد قال هذا .

كيرلس: لقد رأي المشرع أن الإنسان قد أخذ في الانحدار إلى هذا الحد من الدناءة، ولذا ابتعد عنه وشعر بنفور تجاهه بسبب الخبث الذي أصابه. لذا يقول الكتاب هرب موسى تاركًا الحية. ومكتوب أيضًا “الروح القدس المؤدب يهرب من الخداع، ويبتعد عن الأفكار الغبية، وينسحب إذا حضر الإثم[26]. لأنه أي اتفاق بين القداسة والنجاسة، وبين النور والظلمة، وبين العدل والظُلم.

بلاديوس: هذا بالحق.

كيرلس: إذن أن تقع العصا من يد موسى يمكن أن تعنى، أن هذا الذي قد خُلق بحسب صورة الخالق كان نبات الفردوس، وأنه وُجد داخل مجد الملكوت وفي يد الخالق، لكن بسبب رغبته في اختيار الجسديات سقط على الأرض، وبفعل هذه العداوة، صار مثل حية في نظر الله. لكن تلقى موسى الأمر أن يمد يده ويمسك ذيل الحية، وفي الحال عادت العصا إلى شكلها الأول. أي لم تعد بعد حية، بل عادت ثانية عصا ونبات الفردوس. وعندما أراد الله الآب أن يجمع كل الأشياء في المسيح وان يجدد خليقته مرة أخرى على شكلها الأول، أرسل لنا من السماء ابنه الوحيد الجنس، أي يده اليمنى الذي هو بالحقيقة خالق كل الأشياء ومخلص الجميع، كما هو مكتوب “يمين الرب صانعة ببأس يمين الرب مرتفعة[27]، وعندما أمسك البشرية في يده، وخلصنا من عداوة الوحش التي يُعبر عنها بالدناءة والخطايا، أعادنا مرة أخرى إلى القداسة والكرامة الملوكية وأُلفة الفضيلة، وأعطى للمؤمنين المسكن الأول، وكان أولهم اللص الذي صُلب معه. لأنه يقول “الحق أقول لك اليوم تكون معى في الفردوس [28].

بلاديوس: إن نقاشنا صار حسنًا وصحيحًا. لكن أخبرنى لماذا أمر الله موسى بأن يمسك ذيل الحية وليس الرأس أو الوسط؟

كيرلس: لأنه هكذا كان يجب أن يصير يا عزيزى، لأنه نافع للسر أن يمسك من الذيل وليس من الوسط أو الرأس.

 بلاديوس: بأية طريقة هو نافع للسر؟

كيرلس: من المعروف أن بداية أي حيوان تعتبر الرأس، بينما الذيل هي نهايته. دعنا نعتبر الجنس البشرى في مجموعه كحيوان. المسيح أمسك الذيل، أي النهاية والأجزاء الأخيرة لأنه أتى في الأزمنة الأخيرة لهذا الدهر. لكن، بالرغم من أن موسى أمسك بالذيل، إلاّ أن التجديد وصل حتى الرأس (لأن الحية تغيرت بالكامل إلى عصا). بنفس الطريقة، بالرغم من أن المسيح أمسك بالأجزاء الأخيرة، لكن التجديد بالنعمة سَرْى في كل الجنس البشرى ووصل حتى الرأس نفسه، أي حتى آدم. لأنه مكتوب، “لأجل هذا مات المسيح وقام لكي يسود على الأحياء والأموات”(رو9: 14)، وبالتالى الفداء الذي تحقق للذين في أواخر الأيام، سَرْى مفعوله أيضًا لأولئك الذين كانوا مستعبدين فى البدء.

بلاديوس: إن شرحك جيد والرواية ليست بعيدة عن المقصود.

كيرلس: لقد ثبّت الرب إيمان موسى بمعجزتين إلهيتين أخرتين. لأنه قد كتب مباشرة بعد ذلك “ثم قال له الرب أيضًا أدخل يدك في عبك فأدخل يده في عبه. ثم أخرجها وإذ يده برصاء مثل الثلج. ثم قال له رد يدك إلى عبك فرد يده إلى عبه ثم أخرجها من عبه وإذ هي قد عادت مثل جسده[29]. انتبه إذن كم أن هذا العمل الذي صار هو إلهي وكم ينتمى إلى دائرة المعجزات، التي تحمل بطريقة ما مع المعجزة الأولى (تحويل العصا إلى حية) الاستعلان لسر المسيح.

51 إش2:43 ، 5

52 خر 4:3ـ5

53 لو 29:16

54 خر 18:3

55 خر 3:24

56 عب 4:10

57 خر 5:3

58    1بط 16:1

59   خر 5:3

 

60  خر 6:3 (أخذت حرفيًا من نص ق.كيرلس)

61 مز 23:69

62 إرميا21:5

63 يو37:5

64 يو8:14

65  يو9:14

66  إرميا17:22

67  مز 10:45ـ11

68  نشيد الأنشاد 12:5

69  خر 7:3ـ8

70  خر 9:3ـ10

71  خر 11:3

72  إش9:63س.

73  خر 1:4ـ4

74  خر 3:16

75  خر 1:4

76  سفر الحكمة 5:1

77  مز 16:118

78  لو43:23

79  خر 6:4ـ7

 

المقالة2 ج3 – السجود والعبادة ج2 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة2 ج2 – السجود والعبادة بالروح والحق ج2 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة2 ج2 – السجود والعبادة بالروح والحق ج2 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة2 ج2 – السجود والعبادة بالروح والحق ج2 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

 

السجود والعبادة بالروح والحق

تابع المقالة الثانية

كيرلس: بناء على ذلك، هل تظن وتتجرأ أن تقول، إن الله لم يفكر بالصواب في البداية، وكان بطريقة ما قد أخفق من جهة الصلاح الكامل، والآن فقد استطاع أن يجد الأحسن؟ أم هل فضّل عندئذ كل ما كان بالطبع في الظل، لأنه بحسب رأيه ربما كانت هذه الأمور مستمرة وثابتة، ثم بقصد أو “بنية”ما (أجرى) هذا التحديث الذي أتى إلينا، إذ حوّل الدعوة فيما بعد لأمور أخرى، وأعطانا عبادة جديدة، والتي بحسب رأيه لم تكن ضرورية في القديم؟

بلاديوس: لا بالطبع لأن هذا مجرد ثرثرة وبالحرى لم يخطر على بالى فكرة أن الله يمكن أن يفعل خطأ. ولو كان صغير جدًا حاشا لله. لكن كنت أُريد أن أعرف، ما الأسباب التي دعت الله أن يشرع تلك الأمور فى ذلك الوقت للبشر الذين على الأرض، وكذلك هذه الأمور هي السارية علينا الآن.

كيرلس: قولك هذا يجعلنا مضطرين أن نعود إلى الأمور السابقة. ربما لم أقل لك؛ إن الناموس كان مربيًا، أي كان المُعلّم لهؤلاء الذين كانوا لا يزالون أطفالاً، وأُعلن في لغز لهؤلاء الذين لم يستطيعوا بعد أن يفهموا ما هو الصلاح الحقيقى، وما هي إرادة الله وما هو أيضًا المرّضى والكامل عند الله، وكل ما فعله كان واضحًا وبأمثلة محسوسة؟ ستتعلم إذن، نعم ستتعلم، وليس بجهد كثير، لأن طريق العبادة الروحية كان من البداية، ومازال أمرًا مرغوبًا فيه جدًا لدى الله. ولكنه كان صعب المنال لنفوس اليهود ومازال بعيدًا عن متناول أيديهم. لأنه كانت الحاجة إلى كلمة مناسبة للأطفال ودروس بسيطة، وتدبير تربوى هادف لهم بدون أية صعوبة أو ومشقة، لذلك قد شرع الله قديمًا بأمثلة، ولكن أيضًا سبق وأعلن أن العبادة الحقيقية ستتأتى في وقتها وتتحقق، ولذا رفض الذبائح الدموية واكتفى بالظلال، وتصدى لها بواسطة النبي عاموس عندما قال “بغضت كرهت أعيادكم ولست ألتذ باعتكافاتكم. إني إذا قَدَّمتم لي محرقاتكم وتقدماتكم لا أرتضى، وذبائح السلامة من مسمناتكم لا ألتفت إليها. أبعد عنى ضجة أغانيك ونغمة ربابك لا أسمع[1]. وأيضًا بواسطة ميخا النبي الرجل الذي يرغب أن يتعلم بأية طريقة سوف يتحقق الصلاح إذ يقول: “بِمَ أتقدم إلى الرب وأنحني للإله العلى. هل أتقدم بمحرقات بعجول أبناء سنة. هل يُسر الرب بألوف الكباش بربوات أنهار زيت، هل أعطى بِكرى عن معصية ثمرة جسدي عن خطية نفسى[2] وفيما بعد يضيف الآيات التي ترتبط بما سبق وتعتبر امتدادًا لها “قد أخبرك أيها الإنسان ما هو صالح. وماذا يطلبه منك الرب إلاّ أن تصنع الحق وتحب الرحمة وتسلك متواضعًا مع إلهك[3].

ثم أليس هذا ما أوضحه المسيح عندما قال “إن أراد أحد أن يأتي ورائي فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني[4]، وأيضًا “إن كان أحد يخدمني فليتبعني وحيث أكون أنا هناك أيضًا يكون خادمي[5]. فالعبادة التي بحسب المسيح، ليست ناموسية بل هي عبادة مقدسة وروحية.

بلاديوس: لقد تكلمت بالصواب حقًا.

كيرلس: وأيضًا يوبخ الإسرائيليين بواسطة إشعياء بأكثر حدة، قائلاً “اسمعوا كلام الرب يا قضاة سدوم. أصغوا إلى شريعة إلهنا يا شعب عمورة. لماذا لى كثرة ذبائحكم يقول الرب. أتخمت من محرقات كباش وشحم مسمنات وبدم عجول وخرفان وتيوس ما أُسرُّ. حينما تأتون لتظهروا أمامي مَن طلب هذا من أيديكم أن تدوسوا دوري. لا تعودوا تأتون بتقدمة باطلة. البخور هو مكرهة لي. رأس الشهر والسبت ونداء المحفل، لست أطيق الإثم والاعتكاف. رؤوس شهوركم وأعيادكم بغضتها نفسي. صارت علىّ ثقلاً[6]. ومن خلال النبي ملاخي يقول أيضًا نفس الأمر ولأناس ممقوتين جدًا ويتذكر الأزمنة التي فيها سيقدم له كل سكان الأرض الذبيحة العقلية، وغير الدموية، والفائقة إذ قال أيضًا الآتي “ليست لي مسرة بكم قال رب الجنود ولا أقبل تقدمة من يدكم. لأنه من مشرق الشمس إلى مغربها اسمي عظيم بين الأمم وفى كل مكان يُقرب لاسمي بخور وتقدمة طاهرة لأن اسمي عظيم بين الأمم قال رب الجنود[7]. أعرفت إذن أنه يقول كيف سيقدم له بخور وذبيحة نقية من كل الأمم. وكما دُعي العهد بواسطة المسيح “جديدًا”، هكذا ظهر الأول أنه قديم، وهذا ما كتبه لنا بولس العظيم هنا في (عب 13: 8) قائلاً “ذبيحة طاهرة” سوف تقدم في وقتها من كل أمة، تدين القديمة التي لم تقدم هكذا. إذ كيف ستكون طاهرة هذه (الذبيحة القديمة) التي لا تُطهر ولا تملك قوة التكّمل في الفضيلة؟ لذلك يقول أيضًا الطوباوي بولس، فإنه لو كان ذلك الأول بلا عيب، لما كانت هناك ضرورة لدخول عهد المسيح وطُلب موضع لثانِِ (أنظر عب 7: 8).

بلاديوس: إذن بناء على ذلك، فالعبادة بالظلال كانت تمامًا خارج إرادة الله كُلىّ القداسة؟

كيرلس: بالتأكيد تمامًا. ويمكننا أن نسمع ما يقوله (الله) بوضوح للإسرائيليين بفم إرميا “هكذا قال رب الجنود إله إسرائيل. ضُموا محرقاتكم إلى ذبائحكم وكلوا لحمًا. لأنى لم أكلم آباءكم ولا أوصيتهم يوم أخرجتهم من أرض مصر من جهة محرقة وذبيحة. بل أوصيتهم بهذا الأمر قائلاً اسمعوا صوتى[8]. طبعًا فيما يتعلق، بالإرادة التامة للمشرع، فعلى الرغم من أنه أعطى من البداية ناموس الظل إلاّ أن العبادة الروحية لم تكن صامتة؛ لكن لأن الأمر عندئذ كان ثقيلاً ولم يكن سهلاً لهؤلاء أن يساعدهم على تحقيق الصلاح الكامل؛ وأقول بل كان قاسيًا وغير محتمل، لهذا قد فُرِضَ الناموس المكتوب كتهذيب مناسب للأطفال، وهو الذي أخذ شكل الحقيقة بحسب التدبير. لكن فضلاً عن ذلك أعلن المشرع (واضع الناموس) لنا بوضوح أنه لم يكن هذا الأمر هو الذي فرّح نفسه كثيرًا جدًا، لكن تطلعاته الكثيرة قد أعطيت لنا في المسيح فيما بعد. ولهذا قال أيضًا: “لذلك أقرضهم بالأنبياء أقتلهم بأقوال فمي والقضاء عليك كنور قد خرج. إنى أريد رحمة لا ذبيحة ومعرفة الله أكثر من محرقات[9]. لأن المحبة نحو الاخوة والتي تكمل الناموس وتقود إلى المعرفة الفائقة للمسيح، هي عند الله أفضل بكثير جدًا من ذبائح العجول والخراف. بواسطة هذه المحبة أيضًا يمكن أن يصير الآب نفسه معروفًا لنا، وهذا الأمر (معرفة الله الآب) هو سبب الحياة الأبدية. ولا توجد أي وسيلة أخرى لهذه الحياة، وذلك كما يقول المسيح لأبيه السماوي “وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته[10]. وحيث إن الحقيقة لا تكذب بتاتًا بأية طريقة، فهل يكون هنا مجال للشك؟

بلاديوس: بالطبع لا يوجد.

كيرلس: ومن حيث إن الإسرائيليين ابتعدوا عنه، إذ رفضوا الإيمان وهكذا لم يعرفوا الإله، لذا يقول بالصواب جدًا، إنهم سوف لا يرجعون إلى الحالة الأولى بأية طريقة أخرى، إلاّ فقط بواسطة المسيح الذي أبطل فرائض الناموس. لأنه أيضًا قد كتب “إن بنى إسرائيل سيقعدون أيامًا كثيرة بلا ملك وبلا رئيس وبلا ذبيحة وبلا تمثال وبلا أفود وترافيم. وبعد ذلك يعود بنى إسرائيل ويطلبون الرب إلههم وداود ملكهم ويفزعون إلى الرب وإلى جوده في آخر الأيام[11]. أي عندما تدخل جموع الأمم، عندئذِِ سيخلص الإسرائيليون بواسطة الإيمان بالمسيح. هنا يذُكر أن المسيح يأتى من نسل وسبط داود. ويؤكد بوضوح بفم يوئيل أن ذبائح الناموس سوف تُبطل إذ قال:” تنطَّقوا ونوحوا أيها الكهنة ولولوا يا خدام المذبح. إدخلوا بيتوا بالمسوح يا خدام إلهي لأنه قد امتنع عن بيت إلهكم التقدمة والسكيب[12]. وأيضًا بواسطة النبي نفسه يقول: “انقطعت التقدمة والسكيب من بيت الرب. ناحت الكهنة خدام الرب[13]. وبخلاف ذلك قد وعد أن خيمة الشهادة نفسها ستختفي من الوسط إذ قال: “ويكون إذ تكثرون وتثمرون في الأرض في تلك الأيام يقول الرب إنهم لا يقولون بعد تابوت عهد الرب ولا يخطر على بال ولا يذكرونه ولا يتعهدونه ولا يُصنع بعد[14]. فطالما أن الذبيحة الشكلية أي الذبيحة الدموية قد تغيرت تمامًا، كان لابد من الضروري أن تُستبعد الخيمة نفسها، إذ أن الحقيقة أي الكنيسة قد بُنيت، وهي التي قال عنها المسيح: “ههنا أسكن لأني اشتهيتها[15]. فطريقة العبادة سوف تتقدم وتتغير نحو الأفضل، أي نحو العبادة الجديدة، عبادة المسيح. وهذا يتضح مما كتبه ملاخي عن الله قائلاً “فيجلس مُمحصًا ومنقيًا للفضة فينقى بنى لاوي ويصفيهم كالذهب والفضة ليكونوا مُقرِّبين للرب تقدمة للبر. فتكون تقدمة يهوذا وأورشليم مرضية للرب كما في أيام القدم وكما في السنين القديمة[16]. يمكنك أن تدرك إذن كيف يقول إنه سيصيرـ بطريقة ما ـ تنقية وإعادة خلق من جديد للكهنوت وللذبائح معًا.

بلاديوس: نعم.

كيرلس: فالتعبيرات الكتابية:” سوف أصفى” و“سوف أنقى” التي تقال على الذهب والصائغ، ألا تقود تفكيرنا إلى هذه المفاهيم؟

بلاديوس: بالتأكيد.

كيرلس: وبالطبع هذا الأمر صار من الممكن تحقيقه بتأنس الكلمة، وقد أكد لنا الله ذلك عندما قال: “ويأتي بغتة إلى هيكله السيد الذي تطلبونه وملاك العهد الذي تُسرّون به هوذا يأتي قال رب الجنود. ومن يحتمل يوم مجيئه ومن يثبت عند ظهوره، لأنه مثل نار الممحص ومثل أشنان القصّار، فيجلس ممحصًا ومنقيًا للفضة[17]. أي يقول إنه سيصير إعادة خلق وتجديد للكهنوت، ويُظهر أن طريقة العبادة، ليست سوى سر المسيح. قال أيضًا بصوت حزقيال لهؤلاء الذين قد دُعُوا للكهنوت: “هم يتقدمون إلىّ ليخدموني ويقفون أمامي ليقربوا لي الشحم والدم يقول السيد الرب، هم يدخلون مقدسي ويتقدمون إلى مائدتي ليخدموني[18]. وبالتالي ألا يمكننا أن نقول إن الشحم والدم وخدمات المائدة تشير إلى سر المسيح؟

بلاديوس: بالصواب تتكلم.

كيرلس: لكن الله أعلن لنا أن الطريقة التي سيتم بموجبها التجديد تعبر عن مسيرة الكل نحو الأفضل، إذ قال “يكون في اليوم الثامن فصاعدًا أن الكهنة يعملون على المذبح محرقاتكم وذبائحكم السلامية فأرضى عنكم يقول السيد الرب[19]. إنه يدعو اليوم الثامن زمن قيامة المخلص والذي فيه ستصير المحرقات أي تقدمة العطايا الروحية مقبولة لدى الله، وأعنى التكريس التام والكامل لله من أولئك الذين آمنوا. وهذا ما يُعلّمه بولس العظيم كاتبًا “فلنقدم به في كل حين لله ذبيحة التسبيح أي ثمر شفاه معترفة باسمه[20] وأيضًا يقول “ولكن لا تنسوا فعل الخير والتوزيع لأنه بذبائح مثل هذه يُسر الله[21]. أي ثمار إذن يمكن أن نقدمها لله، نحن الذين قد تبررنا بالإيمان، إلاّ التمجيد الدائم والتسبيح المتواصل؟ وأية تقدمة أخرى نقية نقدمها إلاّ الرائحة الذكية الفائقة للحياة التي بلا لوم؟

بلاديوس: إن هذا القول حسن جدًا، وحقًا لن يتبرر شخص ما بالناموس، لكن بالحري بالإيمان بالمسيح والسرائر الإنجيلية. لكني رغبت أن يتقدم نقاشنا بأمثلة واضحة، وأن نتعلّم من التعاليم المقدسة نفسها.

كيرلس: إذن، يا عزيزي، سأتقدم لهذا باستعداد جيد، طالما أنت تريد ذلك وافحص أنت أيضًا المعنى الدقيق لأي قول أقوله ولو شككت أن شيئًا ما لم أقصده أو لم أقله بالصواب، فلتصححه بانتباه وتحدده بوضوح، متشبهًا بالبنائين الحكماء، الذين إذا انحرفوا عن خطتهم يعدلّونها بإتقان، لتصل إلى ما يعتبرونه حسنًا جدًا. وكبداية لكلامنا سنشرع في تفسير موسى القديس عارضين بإيجاز قصته، وسأحاول أن أخبرك وأظهر لك بوضوح أن الناموس لم يُكمل أحد إطلاقًا، ولا كان يكفى للخلاص، لأن المسيح هو فادى ومخلص الجميع.

بلاديوس: ما تقدمه ليس قليل قليل النفع، إذ أظهرت أنك أسمى من أي بلادة أو خمول، لأن هذه الأمور التي تشغلنا، تُفهم بصعوبة شديدة، وبصعوبة أيضًا نستطيع أن نصل إلى معرفة كل ما نناقشه، لكن الله الغنى سوف يكشفها لنا.

كيرلس: بالصواب تتكلم والحديث الآن يقودني ـ تشبهًا بالكائنات التي لها حاسة شم قوية ـ أن أتتبع آثار المعاني العميقة وغير الظاهرة. ففى وقت ما في البرية، في أرض مديان، بينما كان الطوباوي موسى يرعى قطيعًا من الأغنام على سفوح جبل حوريب، أظهر الله أمامه أمرً غريبًا وعجيبًا جدًا لأنه مكتوب “وظهر له ملاك الرب بلهيب نار في وسط عُليقة، فنظر وإذا العليقة تتوقد بالنار والعليقة لم تكن تحترق، فقال موسى أميل الآن لأنظر هذا المنظر العظيم لماذا لا تحترق العليقة[22].

          العُليقة ليست نباتًا من الأنواع المألوفة، ولكن هي على الأغلب نوع من الأشواك والجذور (الوعرة) التي تنبت على الجبل، حيث تمت المعجزة الرهيبة والتي هي كمثال تشير حقًا إلى السر. والمعجزة رهيبة لأن الملاك الذي كان في شكل نار قد ألهب كل العليقة. ولكن فعل النار لم يصب النبات بأي ضرر، كما لو كانت النار غير موجودة، ولا يستطيع أحد أن يدّعى أن العليقة قد تأثرت بفعل النار على الإطلاق.

بلاديوس: ماذا يعنى هذا الذي حدث؟

كيرلس: إن الإسرائيليين قد صاروا مثل شجرة برية لم يكن بها ثمار البر الأليفة لأنهم قد تغذوا بنواميس المصريين. فالناموس الذي كان من المنتظر أن يُعطى لهم بواسطة الملائكة، كان يمكن بالتأكيد أن يضئ لهم، لو تم التعامل معه روحيًا، وأن يطرد ظلمة العقل، لأن هذا هو أيضًا فعل النار. لكن على عكس ذلك، كان عديم النفع لأولئك الذين قبلوه. ولم تكن هذه هي مسئولية الناموس بأي حال من الأحوال، لكن هي مسئولية أولئك الذين لم يقبلوا النور في عقولهم وقلوبهم إذ اكتفوا خارجيًا بحروف الناموس، معتبرين إياها استنارة، ولذلك ظنوا أنهم أخذوا ما في الناموس، بينما في الحقيقة هم لم يأخذوا شيئًا. ولهذا فالنار التي أشعلت العليقة، ولم تؤثر عليها أي تأثير حراري، أعتقد أنها تعلن لنا شيئًا مثل هذا الذي أقوله. وكون أن النور قد صار عديم النفع لليهود، فهذا ما يوضحه المخلص بنفسه عندما يقول:” فتشوا الكتب لأنكم تظنون أن لكم فيها حياة أبدية. وهي التي تشهد لى ولا تريدون أن تأتوا إليّ لتكون لكم حياة[23]. وبعد ذلك بقليل يقول أيضًا لمعلمى اليهود ولكل الشعب “لا تظنوا أنى أشكوكم إلى الآب. يوجد الذي يشكوكم وهو موسى الذي عليه رجاؤكم. لأنكم لو كنتم تصدقون موسى لكنتم تصدقوننى، لأنه هو كتب عنى، فإن كنتم لستم تصدقون كُتب ذاك فكيف تصدقون كلامى[24]. فهؤلاء الذين قاوموا بشدة التعاليم التي يحتويها الناموس عن جهل تام، كيف يتقبّلون داخلهم معرفة الصلاح الكامل الذي يقدمه المسيح لهم؟ لقد امتلأ موسى العظيم دهشة، وهو يرى كيف أن العليقة تلتهب بالنار، لكنها لا تحترق ولا حتى تأثرت بالنار. بالطبع كان يمكن أن يتعجب أحد من عدم الإحساس لدى الإسرائيليين الذين بينما قبلوا الناموس من الله كمساعد ومعين لهم واغتنوا بنوره، فإنهم بعد ذلك ظلوا غير مستفيدين من الناموس، بسبب عدم إعطائهم أية أهمية مطلقًا لمثل هذا الأمر. ولم يحفظوا هذه العطية في فكرهم وقلوبهم. لأن ذهنهم بقى ميتًا ومتجمدًا. ومن الممكن أن يتساءل أحد بالصواب عن هؤلاء، لماذا ظلت عقولهم ميتة ومتجمدة بدون فهم؟ وماذا أيضًا عن عدم احتراق العليقة؟ هل سوف لا يصيرون غير ذلك مثلنا ملتهبين بالروح.

27 عا21:5ـ23

28 ميخا6:6ـ7

29 ميخا8:6

30 مت24:16

31 يو26:12

 

32 إش10:1ـ14

33 ملا10:1ـ11

34 إرميا21:7ـ23

35 هوشع5:6ـ6

36 يو3:17

37 هوشع4:3ـ5

38 يوئيل13:1

39 يوئيل9:1

40 إرميا16:3

41 مز 14:132

42 ملا 3:3ـ4

43 ملا 1:3ـ3

44 حز 15:44ـ16

45 حز 27:43

46 عب 15:13

47 عب 16:13

48 خر2:3ـ3

 

49 يو39:5ـ40

50  يو45:5ـ47

 

المقالة2 ج2 – السجود والعبادة ج2 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة2 ج1 – السجود والعبادة بالروح والحق ج2 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة2 ج1 – السجود والعبادة بالروح والحق ج2 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة2 ج1 – السجود والعبادة بالروح والحق ج2 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

 

السجود والعبادة بالروح والحق

المقالة الثانية

“إنه من المستحيل أن يهرب أحد من الموت الذي تسببه الخطية ولا من سلطان الشيطان الطاغية، سوى بالتقديس بحب المسيح، وأن التبرير ليس بالناموس ولكن بالمسيح”

 

من المفيد يا بلاديوس أن يبتعد المرء بإرادته، عن ذلك الأمر الضار بطبيعته، وأن يقترب من عبادة الله، هذا قد تبرهن لنا بحديث مستفيض.

بلاديوس: نعم بالتأكيد.

كيرلس: من ثم يجب علينا ونحن نبتعد عن الأمور المشينة، أن نتطلع وبكافة الطرق إلى الأمور الحسنة والمقبولة، وقد برهنا على ذلك بطريقة فائقة.

بلاديوس: بلا شك.

كيرلس: هكذا، وإذ نحن ننبذ شهوة العالم والاضطرابات والإزعاجات التي تثيرها فينا، يجب أن نسرع في تقديم ذبيحة إلى الله، وباستعداد ذهني يقودنا إلى البرية أي إلى حياة الوحدة والسكينة لنمارس عبادة نقية طاهرة بلا لوم ومقبولة لديه.

بلاديوس: نعم هذا ما قلناه.

كيرلس: ليس هذا فقط، فبينما الشيطان، يستبد بنا ويطغى علينا بسطوته ويأسرنا فى سلطانه وتحت قيوده، فالناموس الإلهي يدعونا إلى مرتبة الحرية، ويصد عنا عداوته المضادة، حاثًا إيانا على ممارسة أعمال الفضيلة بآلاف الأمثلة.

بلاديوس: حقيقة.

كيرلس: إذن، فإن الله هو مانح الخلاص وهو سبب سعادتنا، إذ أظهر لنا طريق التقرب إليه بالمسيح الوسيط. أليس واضحًا جدًا أن وساطة موسى تُعتبر نموذجًا ومثالاً لوساطة المسيح؟

بلاديوس: بأية طريقة.

كيرلس: إن موسى النبي كليم الله قد حرّر الإسرائيليين من العبودية الجسدية، وأعتقهم من متاعب صناعة الطوب ومن مشقات الزراعة، وكان حقًا وسيطًا بين الله والناس، إذ نقل إليهم الأقوال السماوية. هكذا ربنا يسوع المسيح مكملاً بالحقيقة كل ما كان مثالاً وظلاً، قد انتشلنا من العبودية العقلية، وأبعد عنا الخطية التي قد فُرضت سطوتها علينا قديمًا وسحق مملكة الشيطان، جاعلاً كل الذين يتبعونه تابعين له عن إيمان، ويتركون الاهتمامات الأرضية والانشغالات الجسدية، ووضع فينا من جديد محبة الفضيلة، وجعل إرادة إلهنا وأبينا معروفة وواضحة لنا، فهو قد قال “الكلام الذي أكلمكم به ليس لى بل للذي أرسلنى[1]، وأيضًا “لأني لم أتكلم من نفسي، لكن الآب الذي أرسلنى هو أعطانى وصية ماذا أقول وبماذا أتكلم[2]. وبالتأكيد فإن موسى، إذ كان هو نفسه صورة لوساطة المسيح ومثال لها، قال للإسرائيليين “يقيم لك الرب إلهك نبيًا من بين اخوتك مثلى له تسمعون حسب كل ما طلبت من الرب إلهك في حوريب يوم الاجتماع[3]. وإن كانت قوة وساطة موسى قد أعلنت بالأمثال والصور، فهذه كانت إشارة سرية لقوة وساطة المسيح. فبينما كان موسى خادمًا للناموس وللظل، ووسيطًا للشرائع السماوية، كان المسيح، كرب الشريعة والأنبياء يشرع كل ما يراه ضروريًا، والوسيط الذي في شخصه الواحد يتحد اللاهوت والناسوت. إذ هو فى الوقت نفسه الإله الكامل والإنسان الكامل معًا. “وموسى كان أمينًا في كل بيته كخادم شهادة للعتيد أن يتكلم به. وأما المسيح فكابن على بيته وبيته نحن[4]. نحن الذين بالإيمان به قد قادنا إلى الحرية الحقيقية. هكذا نصل إلى أن موسى كان وسيطًا للحرية الجسدية، وللحرف وللظل والمفسر للأمور الإلهية، بينما كان ربنا يسوع المسيح هو المعلّم للأمور الأسمى من الناموس، أي الحرية الروحية. لذا قال بوضوح للإسرائيليين الذين كانوا في الحرية الجسدية “إنكم إن ثبتم في كلامى فبالحقيقة تكونون تلاميذى وتعرفون الحق والحق يحرركم[5]. وأيضًا “إن كل مَن يعمل الخطية هو عبد للخطية، والعبد لا يبقى في البيت إلى الأبد. أما الابن فيبقى إلى الأبد. فإن حرركم الابن فبالحقيقة تكونون أحرارًا [6].

بلاديوس: قد تكلمت بالصواب تمامًا.

كيرلس: إن افتخارنا إذن، لا يكون لأجل أمور جسدية برّاقة، بل لأجل أمور روحية وأعمال الفضيلة في المسيح، وليس قط لأعمال الناموس. لأنه طالما المرء مازال تحت سلطة الخطية فهو عبد، والناموس لن يبرره مطلقًا، لكن بالأحرى يدينه بذنبه وعصيانه، إذًا كيف لا يكون واضحًا للجميع أن كل تبرير، يصير بالإيمان بالمسيح والكمال الروحي يكتمل بالتقديس بواسطته وبه؟!!

لذلك يكتب بولس الكلى الحكمة “لست أستحى بإنجيل المسيح لأنه قوة الله للخلاص، لكل مَن يؤمن لليهودي أولاً ثم لليونانى. لأن فيه مُعلن بر الله بإيمان، كما هو مكتوب أما البار فبالإيمان يحيا[7]. وأيضًا أعلن ضعف الناموس القديم وعدم وضوحه بقوله: “لأن ليس الذين يسمعون الناموس هم أبرار عند الله، بل الذين يعملون بالناموس هم يبررون[8]. ولذا ففي المسيح وحده، نجد التبرير بواسطة الإيمان والتحرر من العبودية الذهنية.

بلاديوس: أي أن الناموس هو عديم الفائدة؟

كيرلس: لا أعنى هذا. لأنه لم يُشرع عبثًا، بل بالتأكيد أنه قد أُعطّى     “للمساعدة” كما هو مكتوب. فإن كان الناموس هو للتعليم والتأديب على الخطية وأيضًا من أجل الاحتياج لاستلام الأساسيات عن بداءة أقوال الله، فكيف إذًا لا نعتبره مفيدًا؟!! لكنه عاجز من جهة التطهير من الخطية ومن جهة تتميم القداسة. لذلك قال بولس العظيم “نحن نعلم أن كل ما يقوله الناموس فهو يكلم به الذين في الناموس لكي يستد كل فم ويصير كل العالم تحت قصاص من الله، لأنه بأعمال الناموس كل ذى جسدِِ لا يتبرر أمامه لأن بالناموس معرفة الخطية[9]. إذًا الناموس إذ يُظهر الخطية، لا يكون سببًا للافتخار بالفضيلة، بمعنى أنه عندما يقول الناموس “لا تَزْنِ لا تسرق لا تشهد على قريبك شهادة زور[10]، وأي شيء آخر يرتبط بهذه الوصايا ويُظهر لنا فقط أنواع الدناءات ويحذرنا من الأمور النجسة، لكنه لا يخبرنا عن الفضيلة ولا يكشف للسامعين معرفة الحياة الحقيقية لأنه في مجال اكتساب الفضائل يكون من الجهل الاكتفاء فقط بالكتابة ضد الأمور الشريرة. وأظن عندئذِِ أنه ينبغي لنا أن نختار بكل يقين كل ما يستحق الثناء بالتأكيد، وهذا منطقى جدًا، إذ ونحن نهجر الشر وندفعه بعيدًا تاركين كل ما هو ليس نقيًا من الغش والدنس المقزز، فإننا نرتفع إلى الأمور التي هي نفسها الفضيلة الجديرة بالافتخار. لذلك يقول ربنا يسوع المسيح “الحق الحق أقول لكم إن لم يزد بركم على الكتبة والفريسيين لن تدخلوا ملكوت السموات[11]. إذًا فإننا نعرف أن المخلص أمرنا أن نُفضل البر الذي يزيد على الناموس. ويكتب بولس الحكيم قائلاً بأن الوصية هي فائقة جدًا: ”إن ظن واحدٌ آخر أن يتكل على الجسد فأنا بالأولى. من جهة الختان مختون في اليوم الثامن من جنس إسرائيل من سبط بنيامين عبرانى من العبرانيين. من جهة الناموس فريسى. من جهة الغيرة مضطهد الكنيسة. من جهة البر في الناموس بلا لوم. لكن ما كان لى ربحًا فهذا قد حسبته أيضًا خسارة من أجل فضل معرفة المسيح يسوع ربى الذي من أجله خسرت كل الأشياء وأنا أحسبها نفاية لكي أربح المسيح وأُجد فيه وليس لى برى الذي في الناموس بل الذي بإيمان المسيح [12].

بلاديوس: لقد أدركت هذا، لأن قولك واضح. ولكن قل لى، ألم يكن حسنًا أن يُشرع لنا من البداية بتبريرنا بالإيمان وتقديسنا به، طالما أن الناموس القديم لم يكن كافيًا لتكميلنا؟

كيرلس: يا صديقى، لا يمكن أن أوافقك على هذا، لأنه بالطبع فإن الذي كان متسخًا قد غُسل وتطّهر الذي كان ملوثًا واستضاء الذي كان مظلمًا. فكان يجب وفقًا لقول المخلص أن يُشفى العضو المريض، وأن يُدعى للتوبة ليس كل الذين تقدسوا فقط بل وأيضًا أولئك الذين اُعتبروا نجسين بسبب خطاياهم[13]. ألم يكن من الواجب أن يدان أولاً كل الذين وجدوا في خطر بسبب ضعفهم، لكي نرى فيما بعد كيف أنهم افتدوا بالشفاء من الخطية؟

إذًا كان يجب أن يكون الناموس أولاً وهو الذي يحدّد هول الخطية ويرصدها وهو مشتكى قاسى على ضعفنا البشرى، وذلك حتى لا نخطئ في معرفة عظمة السماحة الإلهية التي أُعطيت لنا بواسطة المسيح. إذ كيف تُعطى عطية الغفران إن لم تكن هناك أعمال شريرة قبلها؟! وإذا كان يجب أن نرجع بإيجاز إلى بعض ما جاء فى القديم، سأقول أيضًا إن الله وعد ابرآم بالنعمة بواسطة الإيمان ووهب له، كأول أولئك الذين قد رُحِموا، بسبب صلاحه، أن يسبق الغفران الناموس. لأن الكتاب يقول: “فآمن إبراهيم بالله فحسب له برًا[14]، ويضيف بولس تأكيده هذا “فكيف حُسب أَو هو في الختان أم في الغرلة ليس في الختان بل في الغرلة وأخذ علامة الختان ختمًا لبر الإيمان الذي كان وهوفي الغرلة[15].

استمع إلى الله الذي يقول بوضوح “وتتبارك فيك جميع قبائل الأرض[16]، “فيك أو بك“. و”فيك” تعنى نفس معنى “بك”. وهذا ما يعنيه بولس عندما يقول: “والكتاب إذ سبق فرأي أن الله بالإيمان يبرر الأمم سبق فبشّر إبراهيم أن فيك (بك) تتبارك جميع الأمم. إذًا الذين هم من الإيمان يتباركون مع إبراهيم المؤمن[17].

إذًا الختان هو علامة الإيمان وذلك فى الفترة التي كانت قبل الختان، ولا يتبرر أحد بأعمال الناموس، وأمجاد الإيمان تظهر أنها أسمى من الختان الجسدى، لأن إبراهيم دُعي خليل الله.

بلاديوس: إذن اسمح لي أن أعرض أفكاري: ما معنى تأخر التقديس بواسطة الإيمان، ولأي سبب قد أعطيت العلامة (الختان) في فترة سابقة، (والإيمان) الأكثر أهمية في فترة لاحقة؟

كيرلس: ألم نقل من قبل، إنه كان عملاً يستحق الإعجاب، وكل حكيم إنما يُعبر عن هذا الإعجاب. إن هذه الفترة التي سبقت ظهور الناموس كانت تتميز بالإيمان الذي يبرّر؟ ألا يضئ النور في الظلمة[18]، والقوة ألا تظهر كاملة حيث يوجد الضعف[19] وفقًا لما هو مكتوب؟

بلاديوس: أنت تنطق بالحق.

كيرلس: إذن، فالناموس أُعطى، لكي يظهر الخطأ. لأنه حيث لا يوجد ناموس لا توجد مخالفة. وكيف يستطيع أحد أن يرى الغفران من العصيان واللامبالاة التي تنتج عنه، لو لم يُحكم علينا بالناموس؟ وهذا الذي أقوله هو حق وليس فيه تناقض أو عدم توافق وهو ما يؤكده بولس حين يقول: “فلماذا الناموس. قد زيد بسبب التعديات إلى أن يأتى النسل الذي وُعِد له مُرتبًا بملائكة في يد وسيط[20]. حقًا هو حكيم جدًا. إذ يبرهن مسبقًا لكي يقطع المبررات والشكوك التي سوف يقدمها البعض. لأنه كان من الطبيعى أن يشتكى البعض من تأخر التبرير بالإيمان وأن يقولوا إن تدخل الناموس صار لكي يُبطل الوعد الأول (القديم). لهذا يقول “فهل الناموس ضد مواعيد الله. حاشا لأنه لو أعطى ناموس قادر أن يُحيى لكان بالحقيقة البر بالناموس، لكن الكتاب أغلق على الكل تحت الخطية ليُعْطَى الموعد من إيمان يسوع المسيح للذين يؤمنون، ولكن قبلما جاء الإيمان كُنا محروسين تحت الناموس مغلقًا علينا إلى الإيمان العتيد أن يُعلن. إذًا قد كان الناموس مؤدبنا إلى المسيح لكي نتبرر بالإيمان. ولكن بعدما جاء الإيمان لسنا بعد تحت مؤدبِِ. لأنكم جميعًا أبناء الله بالإيمان بالمسيح يسوع[21]. ولكي يُزيل هذه الحيرة تمامًا يضيف “وإنما أقول هذا أن الناموس الذي صار بعد أربع مئة وثلاثين سنة لا ينسخ عهدًا قد سبق فتمكن من الله نحو المسيح حتى يبطل الموعد، لأنه إن كانت الوراثة من الناموس فلم تكن أيضًا من موعدِِ. ولكن الله وهبها لإبراهيم بموعد”[22].

          فالناموس نحفظه لنا من الخطية كمربى يقودنا إلى المسيح، لأن غاية الناموس والأنبياء هي المسيح. لهذا قال لجموع اليهود الذين لم يؤمنوا به: “لأنكم لو كنتم تصدقون موسى لكنتم تصدقوننى لأنه هو كتب عنى[23]. إذن، فإن تبريرنا لم يأتِ من أعمال الناموس، بل من إيماننا بالمسيح. لأنه يقول “لأن جميع الذين هم من أعمال الناموس هم تحت لعنة لأنه مكتوب ملعون كل من لا يثبت في جميع ما هو مكتوب في كتاب الناموس ليعمل به ولكن أن ليس أحد يتبرر بالناموس عند الله فظاهر لأن البار بالإيمان يحيا. ولكن الناموس ليس من الإيمان بل الإنسان الذي يفعلها سيحيا بها. المسيح افتدانا من لعنة الناموس إذ صار لعنة لأجلنا لأنه مكتوب ملعون كل من عُلق على خشبة لتصير بركة إبراهيم للأمم في المسيح يسوع لننال بالإيمان موعد الروح [24].

بلاديوس: لكن أتريد، يا عزيزى، إذا وافقت، أن نذهب إلى أمر آخر مفيد لإيماننا في المسيح؟ لأنه يكفى كل ما قُلناه عن الناموس وتدبيره.

كيرلس: إذن اخبرنى ماذا ترغب، وإلاّ سيكون صعبًا علىّ أن أتكلم.

بلاديوس: إنه ليس صعبًا بالمرة، وهو أمر وارد لأن كل ما أطلبه يمكن أن نبلغه وبسهولة ويسر عندما يلقى المسيح في داخلنا بغنى نوره الإلهي، ألا نُكرم الله مقدمين له ذبائح غير دموية، نحن كلنا الذين قبلنا تبريرنا بالإيمان ورفضنا عبادة الأشكال والظلال؟

كيرلس: تكلمت بالصواب، لأنه مكتوب “أكرم الرب من مالك ومن كل باكورات غلتك[25]لأنه بمثل هذه التقدمات يُسر الله[26] وفقًا لكلام القديسين.

بلاديوس: إنه من الغباء إذن الاعتناء بذبائح الثيران وإتمام كل ما تطلب الوصية القديمة أن نقدمه، طالما ذبح الخراف وتقديم البخور مع الفطير والدقيق بالزيت، واليمام والحمام، هي من الأمور الخاصة بعبادة ذاك العصر. لكن اخبرنى، لماذا لم تكن هذه الأمور (التقدمات الروحية) جديرة بالقبول من البداية، بينما يُشرع الله الآن بوضوح كل ما يسره، ويكشف لنا طرق الذبيحة الروحية؟.

 

1  يو24:16

2  يو49:12

3  تث15:18ـ16

4  عب 5:3ـ6

5  يو31:8ـ32

6  يو34:8ـ36

7  رو 16:1ـ17

8  رو 17:1 ، 5:10

9 رو 19:3ـ20

10 خر 15:20

11 مت 20:5

12 فيلبى 4:3ـ9

13 مت 12:9

14 تك6:15 . رو 3:4

15 رو 10:4ـ11

16 تك3:12

17 غلا 8:3ـ9

 

18 يو5:1

19 2كو9:12

20 غلا 19:3

 

21 غلا 21:3ـ26

22 غلا 17:3ـ18

23 يو46:5

24 غلا 10:3ـ14

25 أم9:3.

26 عب 16:13

 

المقالة2 ج1 – السجود والعبادة ج2 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة1 ج7 – السجود والعبادة بالروح والحق ج1 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة1 ج7 – السجود والعبادة بالروح والحق ج1 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة1 ج7 – السجود والعبادة بالروح والحق ج1 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

 

السجود والعبادة بالروح والحق

تابع المقالة الأولى

حول “سقوط الإنسان وأسره في الخطية وعن دعوته وعن رجوعه بالتوبة وعن ارتفاعه إلى الحياة الفُضلى”

 

 

بلاديوس: مَن هم أولئك الذين يقدمون ذبائح في أرض الشرير؟ ومَن هم أيضًا الذين يذبحون خارج هذه الأرض؟

كيرلس: أولئك الذين لم يخرجوا بعد من أرض المصريين، والذين مازالوا يقدمون ذبائح إلى الله داخل هذه الأرض، هم كثيرون جدًا وبلا حصر، بينما هؤلاء الذين هم خارج مصر أى داخل الصحراء هم قليلون جدًا ومختارون لأنه يقول: ” كثيرون هم يُدّعون وقليلون يُنتخبون[51]. فكُلنا قد دُعينا إلى الحرية بواسطة إيماننا بالمسيح، وقد افتدينا من الشيطان الطاغية والمسيح يقودنا إلى هذه الحرية، ولقد كان موسى وهارون مثالاً سابقًا للمسيح، حتى تدرك يا بلاديوس أن عمانوئيل حسب التدبير، هو المشرع ورئيس الكهنة والرسول. لكن مازالت الأكثرية من المدعوين تعيش في الأمور العتيقة والشريرة مبتعدين بسبب أفكارهم العالمية عن الحق غير عابدين الله في نقاوة وإيمان. هؤلاء هم الذين يمكن ان تقول عنهم أنهم ابتعدوا قليلاً، لكنهم مازالوا يذبحون في مصر، لأن فرعون القاسى القلب قال لهم ” لا تذهبوا بعيدًا “، حتى لو خرجتم من أرض المصريين. أما أولئك الذين يريدون أن يكونوا مرضيين تمامًا عند الله بالانتقال التام إلى الصلاح، فهؤلاء يتخلصون مرة واحدة ودائمًا من ضلال العالم، فيخرجون خارجًا من مصر، ويهربون من يد الطاغية، وكما في صحراء، يقدمون ذبائح لله بطهارة: هؤلاء هم أنقياء بالفعل ويعيشون في حياة السكينة والهدوء. ويمكننى أن أقول ذلك بطريقة أخرى، وأؤكد على هؤلاء الذين يتأهبون للسير في طريق الحق، والذين دعوا لمعرفة ذلك الذي هو بالطبيعة الله، هؤلاء يجب أن يرحلوا بعيدًا عن أرض العبودية التي فيها تُعبد الخليقة دون الخالق. أى أن الذين لم تَخْلُص أذهانهم تمامًا من بقايا الخداع القديم، والبعض منهم لم يخرجوا تمامًا من أرض مصر وهم يحفظون أيامًا وشهورًا وأوقاتًا وسنينًا، هؤلاء بالرغم من أنهم قد دُعُوا بواسطة المسيح إلى الحرية، إلاّ أنهم بسبب سكنهم في أرض المصريين، فإنهم لا يذبحون لله، ممسكين بكل الأمور التي تُسرّ الشيطان. أما مَن يخرج تمامًا من أرض العبودية وقد تخلّص كلية من العادات القديمة، فإنه يذبح للرب في الصحراء ويحيا حياة تستحق كل الثناء.

بلاديوس: أوافقك على كل فكرك الصحيح هذا، ودعنا نستمر في الحديث.

كيرلس: لقد كذب فرعون وتنكر لوعده بأن ترك الإسرائيليين ليرحلوا. بعد ذلك ضُرِبَ ثلاث ضربات أخرى جعلته يوافق قائلاً: إنه سيتركهم. لكنه هنا قد أُمسك ثانيةً وهو يقول الأكاذيب، لأنه وفق كلام المخلص” إنه كذاب وأبو الكذب[52]، وبعد ذلك هدد الله المصريين وألقى عليهم بردًا شديدًا وجرادًا (يدمر الحقول). عندئذِِ رفع موسى وهارون ـ هؤلاء المدافعين الأشداء ضد شر فرعون ـ صوتهم قائلين له بقوة ” إلى متى يكون لنا هذا فخًا. اطلق الرجال ليعبدوا إلههم أما تعلم بعد أن مصر قد خرُبت [53]. ومن هنا يجول بخاطرى، أنه ربما يكون الشيطان في حالات معينة هو الأقوى من بين قوات السلاطين. حيث إنه يتفاخر بنصره، لأن قواته ـ كما هو ظاهر ـ صلبة وقاسية بما لا يُقارن، وهو لا يقيم وزنًا للغضب الإلهي، فحوشيته فائقة وقسوته لا نهاية لها، لأنه مكتوب ” قلبه صلب كالحجر وقاسِِ كالرحى“. وحينما علت الأصوات أمام فرعون ـ مطالبة بالحرية ـ قال لأصحاب موسى ” اذهبوا اعبدوا الرب إلهكم لكن مَن ومَن هم الذين يذهبون ” وقال موسى نذهب بفتياننا وشيوخنا. نذهب ببنينا وبناتنا بغنمنا وبقرنا لأن لنا عيدًا للرب. فقال لهما ويكون الرب معكم الرب هكذا كما أطلقكم وأولادكم. أنظروا إن قدام وجوهكم شرًا. ليس هكذا اذهبوا أنتم الرجال واعبدوا الرب لأنكم لهذا طالبون[54]. فكر إذن يا عزيزى، كيف أن ما قاله موسى كان حسنًا جدًا، عندما أصّر على الرحيل هو وكل شعبه، وكيف أن فرعون لم يقبل ذلك، لكنه قال إنه يجب أن يُترك البعض كرهائن في مصر حتى يضمن رجوع الذين سيذهبون إلى الصحراء، كما قال إنه يجب أن تظل كل مؤنهم في مصر، وأمر أن يذهب فقط الشباب والرجال. غير أن موسى كليم الله أصرّ على أن يخرج معه الجميع بدون أن يُترك هناك أحد، وأن يذهب معه كل الشباب والشيوخ، الأبناء والبنات، وقطعان البقر والحيوانات الأخرى. أى يجب على المهتمين بالحصول على الحرية الحقيقية، والخلاص من شرور العالم بإرادتهم، والسلوك في طريق الفضيلة، ألاّ يتركوا ولو بقية صغيرة جدًا من ذواتهم وأفكارهم بدون أن تتحرر، حتى لا يخضعوا ثانية بواسطتها تحت سلطان الشرير. والوصايا الإلهية، تدعو الفتيان والفتيات والشيوخ مع الشباب لفعل هذا أيضًا وذلك في المزمور (12:148). ويمكننا أن نفهم مراحل العمر بطريقة روحية في المسيح. فلهؤلاء وجَّه يوحنا العظيم قائلاً ” أكتب إليكم أيها الأولاد لأنكم قد عرفتم الآب. كتبت إليكم أيها الآباء لأنكم قد عرفتم الذي من البدء. كتبت إليكم أيها الأحداث لأنكم أقوياء وكلمة الله ثابتة فيكم وقد غلبتم الشرير[55]. حيث يمكن أن نفهم مراحل العمر هكذا: الأحداث يرمزون للشهامة والرجولة، الشيوخ للحكمة، والأولاد والبنات يرمزون إلى الفكر البسيط. لأنه بالرجولة والحكمة والبساطة بحسب الله ننتقل من الخطية إلى حياة القداسة، لأنه يقول:” لتتشدد ولتتشجع قلوبكم يا جميع المنتظرين الرب[56]. وأيضًا ” كونوا حكماء كالحيات بُسطاء كالحمام[57]. ويقول موسى أن يأخذوا معهم الأغنام والأبقار، فإنى أعتقد أن هذا يشير إلى أنه لا يجب أن نترك للشيطان ولا حتى أعضائنا الجسدية التي لا تشترك في عملية التفكير. إذ أن بولس العظيم يكتب:” لأنه كما قدمتم أعضاءكم عبيدًا للنجاسة والإثم هكذا الآن قدموا أعضائكم عبيدًا للبر للقداسة [58].

 بلاديوس: لكن لأي سبب أراد فرعون أن يترك الشباب والناضجين ليرحلوا، بينما أراد أن يحتفظ بالآخرين؟

كيرلس: وماذا تقصد بالآخرين الذين يبقون في مصر؟

بلاديوس: كانوا ـ على ما أعتقد ـ نساءً وأولادًا صغارًا والمرضى والعجائز وحيوانات وممتلكات أخرى.

كيرلس: وكيف لا تفكر مباشرةً في معنى بقاء هؤلاء بالذات في مصر؟

بلاديوس: عمَن تريد أن تتحدث؟

كيرلس: إن (الشيطان) يعتبر أولئك المملوءين حيوية ونشاطًا ولديهم استعدادٌ قوي لحياة التقوى، يعتبرهم مزعجين له، لأنه يريد أن يتخلص ممَن يمكنهم أن يقاوموه، إذ لديهم القدرة على الرد والدفاع عن ذواتهم عندما يقع عليهم الظلم حسب المكتوب ” قاوموا إبليس فيهرب منكم[59]. وعلى العكس من هذا، فإنه أراد أن يُبقى أولئك الذين ليس في طبيعتهم تلك الحيوية وذلك النشاط، بل هم يميلون في سلوكهم للرخاوة والتنعم، الذي ينم عن الضعف والعجز. وتشير الأبقار والأغنام السمينة وغير العاقلة التي أراد فرعون أن يبقيها في مصر إلى هؤلاء الذين ذكرنا أنهم يسلكون في رخاوة وتنعم.

بلاديوس: حسنًا، بالصواب تتحدث.

كيرلس: غير أن فرعون صاحب الرأس العنيد لم يوفِ بوعوده، إذ أنه بسبب هجوم الجراد الذي ـ كما تقول الكلمة ـ أكل كل شئ في الأرض، دعا موسى، وهارون وقال لهما: ” اذهبوا اعبدوا الرب. غير أن غنمكم وبقركم تبقى، أولادكم أيضًا تذهب معكم. فقال موسى أنت تعطى أيضًا في أيدينا ذبائح ومحرقات لنصنعها للرب إلهنا. فتذهب مواشينا أيضًا معنا. لا يبقى ظلف. لأننا منها نأخذ لعبادة الرب إلهنا. ونحن لا نعرف بماذا نعبد الرب حتى نأتى إلى هناك [60].

بلاديوس: وماذا يمكن أن نفهم من حديث موسى الحكيم؟ أو إلى أى شئ ترمز هذه الأشياء التي ستخرج من مصر ويطلقها فرعون ثم تخصص لله؟

كيرلس: الكلام واضح يا صديقى، إن مَن يقاوم ويحارب أولئك الذين يريدون أن يكونوا أنقياء، يريد أن يحتفظ ولو بجزء بسيط منهم تحت سيطرته، حتى لو ظل الباقى خارج قبضته. وغير ذلك فإن الوصية الإلهية تعلمنا بأن الحرية يجب أن تشمل الإنسان كله، فلا يُترك في قبضة الشيطان ولو جزء صغير جدًا من النفس أو حتى أي دافع لأي عمل جسدي. بل بالحري يجب أن نقدم لله كل ما هو حسن وفائق في هذه الحياة. لأن هذا ما تعنيه أن يأخذوا الحيوانات معهم من مصر ويذبحونها لله في الصحراء. ألم يكن هذا هو ما فعله هؤلاء الذين بحكمة العالم، كانوا يقاومون عقائدنا الإلهية، مستخدمين حكمة الكلام المبهر، والمعرفة التي تسبب مرارة النفس، وهم في ذلك كله يظنون أنهم يقدمون عبادة عقلية لله؟ ولأن ” كل حكمة هي من الله [61] كما هو مكتوب، فإننا نقول إن الشعراء والفلاسفة اليونانيين وصلوا لهذه الفصاحة بروح العالم وليس عن طريق الحكمة الإلهية. ولهذا يقول بولس العظيم ” ونحن لم نأخذ روح العالم بل الروح الذي من الله لنعرف الأشياء الموهوبة لنا من الله. التي نتكلم بها أيضًا لا بأقوال تعلمها حكمة إنسانية بل بما يُعلمه الروح القدس[62]. وفي الحقيقة إن موسى عندما قال إن الإله الحقيقى لا يحتقر ما نقدمه له من أشياء ثمينة من هذا العالم، كان لا يزال تحت ظلال العهد القديم، ولهذا لم يبين ما قاله بوضوح، بل تكلم عنه بالرمز. لأنه عندما أمر الله بأن يسلب الإسرائيليون أشياء من المصريين، قال إنه يجب أن يأخذوا من جيرانهم مصنوعات ذهبية وفضية، ولقد أتم نساؤهم هذا الأمر باقتدار، حيث تميزن بكثرة الكلام المقنع وابتداع الحيل مع النساء المصريات. إن الأواني الذهبية والفضية التي كانت للمصريين، يمكن أن تمثل، كما قُلت من قبل سبب فخر لبعض الأشخاص، بالرغم من أنهم يعرفون الإله الحقيقى. ويمكننى أن أكرر ثانية ما يأتى: إن نشاط الفكر والنفس والميل نحو كل صلاح، هي عناصر مشتركة لجميع الناس، لكن أولئك الذين يستخدمون هذه المميزات الطبيعية، استخدامًا حسنًا يحققون حياة مُشرقة وفائقة، بينما أولئك الذين لا يستخدمون هذه المميزات ينحرفون تمامًا عن جهل إلى كل ما لا يليق، ويُظهِرون ـ بطريقة ما ـ كيف أن خيرات الطبيعة يمكن أن تستخدم بطريقة غير حسنة. أى أن الشجاعة والحكمة هي حسنة عندما تُستخدم بطريقة سليمة، وأيضًا هي مُضرة عندما لا تستخدم بطريقة جيدة. لأن الشجاعة والحكمة يمكن أن تكونا سببًا لإطراء واستحسان لعمل شخص، وسبب استجهان لعمل شخص آخر. إذ أن كل هذه الأمور هي مشتركة بين الجميع، أى لمن لديهم معرفة الله وأيضًا لمن هم في ضلال عدم معرفته.

إذن عندما نستخدم نحن هذه الصفات في عمل يرضى الله، فإن هذا يشبه ما أُخِذَ من المصريين من خيرات مادية، وأصبح مقدسًا ومقبولاً لدى الله، كالأواني الذهبية التي يتبين أن لها فائدة عظيمة في صنع وتكميل خيمة الاجتماع. وبعد سلب هذه الأشياء من المصريين وموت الأبكار تحرر الإسرائيليون، وذبحوا الحمل كمثال للمسيح. لأنه لم يكن باستطاعتهم أن يحصلوا على الحرية بطريقة أخرى، حيث إن الفداء يتم فقط بالمسيح، والذي منه تنزل كل موهبة صالحة. عندئذِِ رحلوا من مصر في منتصف الليل وتحرروا من الظلمة والعبودية. لأن عبيد الخطية يحبون دائمًا التواجد في الظلمة الذهنية وليس في النور الإلهي، كما يقول المخلص ” كل مَن يعمل السيئات يبغض النور[63]. فأخذوا عجينًا غير مختمر ورحلوا بدون مؤن. لأنه يقول ” وألح المصريون على الشعب ليطلقوهم عاجلاً من الأرض. لأنهم قالوا جميعنا أموات. فحمل الشعب عجينهم قبل أن يختمر ومعاجنهم مصرورة في ثيابهم على أكتافهم[64]. لأنه لا يجب ـ على ما أعتقد ـ على كل مَن يريدون أن يُدعوا إلى الله ويبرهنون على أنه يسكن في داخلهم، أن يأخذوا معهم أى فتات من شرور العالم، وألاّ تكون مؤنهم هي أطعمة غريبة ونجسة. بل خبزًا بلا خميرة، مشتهين الخبز الذي يُحيى العالم. وهؤلاء يعيشون في نقاوة متممين عبادة مقبولة لله، وهكذا يسلكون دائمًا حسب إرادته.

بلاديوس: نستنتج من هذا إذن، أنه يجب على محبي الله والصالحين أن يصلوا إلى الأرض المقدسة، أى إلى مملكة المسيح، متحررين من كل عبودية، مُسرعين لكي يذبحوا لله ليس في أرض الأعداء، حيث تستعبدهم محبة الخطية، لكن بالحري يذبحون وهم على استعداد تام لعمل الفضيلة والسلوك بعيدًا عن كل تسلط الشيطان الطاغى.

كيرلس: هكذا يكون الأمر يا صديقى، ولا تصدق أن الأمر يمكن أن يتم بطريقة أخرى. لقد أفضنا في الشرح، غير أنه من الممكن ـ لو أردت ـ أن نرى الأمر نفسه في موقف آخر، إذ عندما أحزن ساكنى المدينة المقدسة أورشليم مخلص الجميع، إذ كانت لديهم شهوة فعل كل ما هو غير لائق، صاروا مستعبدين للبابليين، الذين أسروهم وجعلوهم عبيدًا رغم إرادتهم. وإذ صاروا عبيدًا انتابهم حزن عظيم، وصاروا ينتحبون على مصائرهم. فأخذوا يسبحون الله في محاولة تخفيف الألم الذي أصابهم، والتقليل من الحزن الذي كانوا يعانون منه قائلين مع داود ” تذكرت الله فامتلأت فرحًا“. فلقد حوّل داود تسبيحه لله إلى عيد روحى، غير أن البعض منهم ظن أنه أمر لا يليق أن يكون هذا التسبيح العذب وتلك الأناشيد الجميلة على مسمع من قوم غرباء لا يقدرونها، إذ كان البابليون يستهزئون عند سماعهم تلك التسابيح. لذلك قالوا ” على أنهار بابل هناك جلسنا وبكينا عندما تذكرنا صهيون[65]. فهناك (فى الهيكل) كانت تُقدم صلوات ذبيحة شكر مصحوبة بآلات وترية ونفخ وموسيقى تخلب عقول هؤلاء الذين يأتون إلى الهيكل المقدس. كل هذا كان يقدم وفق نواميس وعادات اليهود، لكن بسبب أنهم كانوا في عبودية غريبة وثقيلة ومقيدين بشدة، كانوا يقولون منتحبين ” على الصفصاف في وسطها علقنا أعوادنا[66]، معلنين بهذا أنهم توقفوا عن الغناء والتسبيح. فشجرة الصفصاف هي شجرة عقيمة أو بالأحرى شجرة ثمارها ضارة كما قال أحد شعراء اليونان[67]. ظلت إذن آلات الأناشيد بغير استخدام، وفي صراخهم تساءلوا: ” كيف نرنم ترنيمة الرب في أرض غريبة[68]؟ وعندما نقل لهم باروخ كلمات إرميا بكوا، إذ يقول:” فبكوا وصاموا وصلوا أمام الرب. وجمعوا من الفضة قدر ما استطاعت يد كل واحد. وبعثوا إلى أورشليم إلى يواقيم بن حلقيا بن شكوم الكاهن وإلى الكهنة وإلى جميع الشعب الذين معه في أورشليم[69]. وبعد ذلك يقول: “وقالوا إنّا قد أرسلنا إليكم فضة فابتاعوا بالفضة محرقات وذبائح للخطية ولُبانًا واصنعوا تقدمات وقدموها على مذبح الرب إلهنا[70]. لقد ظنوا أنه لا يليق بهم أن يذبحوا، طالما هم خارج الأرض المقدسة ولا هم تحت سلطان الله. حيث كانوا تحت نير وسلطان شخص آخر طاغى. لذلك أسندوا العبادة لهؤلاء الذين كانوا يسكنون في أورشليم، إذ كان يليق بهؤلاء مثل هذه العبادات المقدسة، وفي هذا كانوا يفكرون تفكيرًا سليمًا فيما هو واجب، ويفعلوه. دانيال الحكيم وهو يدرس الكتب المقدسة، مع انه كان أسيرًا معهم، لكنه حاول مع آخرين أن يخفف عنهم هذه الحالة الصعبة. وكيف فعل ذلك؟ إنه صلى ثلاث مرات في اليوم. وإذ كانت الكوة مفتوحة تجاه أورشليم في العلية حيث كان يصلى، كما هو مكتوب[71]، حينئذِِ ظن أن صلاته ستكون مقبولة أمام الله، طالما أنه ابتعد عن الأرض الغريبة والمكروهة، وإن كان ليس بالجسد، أى ابتعد على الأقل بذهنه، وبأعين النفس، ناظرًا نحو تلك الأرض المحبوبة إلى الله، ومتقدمًا ـ وكأنه بطريقة ما ـ داخل الهيكل المقدس نفسه، لكي يقدم صلاته.

بلاديوس: في الواقع كان حديثنا ممتعًا للغاية.

108 مت 14:12

109 يو44:8

110 خر7:10

111 خر 8:10ـ10

112 يو13:2،14

113 مز 24:31

114 مت 10:16

115 رو 19:6

116 يع 7:4

117 خر26:10

118 حكمة ابن سيراخ1:1

119 1كو12:2ـ13

120 يو20:3

121 خر 33:11ـ34

122 مز 1:136ـ2

123 مز 2:136

124 هوميروس: الأوديسا20

125 مز 4:136

126 باروخ5:1ـ7

127 باروخ10:1

128 دانيال1:6.

 

المقالة1 ج7 – السجود والعبادة ج1 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة1 ج6 – السجود والعبادة بالروح والحق ج1 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة1 ج6 – السجود والعبادة بالروح والحق ج1 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة1 ج6 – السجود والعبادة بالروح والحق ج1 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

 

السجود والعبادة بالروح والحق

تابع المقالة الأولى

حول “سقوط الإنسان وأسره في الخطية وعن دعوته وعن رجوعه بالتوبة وعن ارتفاعه إلى الحياة الفُضلى”

 

 

كيرلس: إن مشقة الإسرائيليين تمثل الصورة الواضحة المتكررة لأطماعنا الباطلة الدنسة هنا على الأرض، كما أن الشيطان وقواته الشريرة يمارسون ضغوطًا وهجومًا علينا. يمكننى أن أقول هكذا عن التجارب الشريرة، أنها غارقة فى بحار الألم والتعب، وموحلة فى الملذات الطائشة. لكن الله أظهر حينذاك رحمته لهؤلاء الذين أصابهم شر بواسطة مقاصد المصريين الشريرة، لأن الله أعد موسى العظيم ليكون خادمًا لإحسانه نحوهم.

          ألا نجد أن الله يفعل نفس الشيء معنا؟ لأنه بينما ننزلق فى الخطايا، يمنحنا من مراحمه، ويدخل فى قلوبنا جميعًا ناموسه الخاص، كوسيط يرفعنا إلى حياة الحرية.

بلاديوس: أنا أفهم هذا الذي تقوله.

كيرلس: أتريد أن نركز حديثنا فى الأمور التاريخية ونذكر بقدر استطاعتنا كل ما يناسبنا؟

بلاديوس: حسنًا جدًا.

كيرلس: قد كُتب الآتي ” وبعد ذلك دخل موسى وهرون وقالا لفرعون هكذا يقول الرب إله إسرائيل أطلق شعبى ليعيدوا لى فى البرية.. فقال فرعون من هو الرب حتى أسمع لقوله فأطلق إسرائيل. لا أعرف الرب وإسرائيل لا أطلقه[1]. وهؤلاء أيضًا الذين كانوا مع موسى وهارون أكدوا أن الإسرائيليين، يجب أن يرحلوا عن مملكة وأرض مصر، لأن الله دعاهم إلى عيد. لأنه فى الحقيقة هو عيد حقيقى أن ينحل ثقل العبودية المُرة ويُوجد المرء فى حضور الله، ويتمم كل ما يفرحه دون أن يُستعبد من أحد، أى بدون أن يجبره أحد على فعل شئ. لقد تفوه فرعون بثرثرة شديدة وأظهر وقاحة عظيمة منكرًا مجد الرب، قائلاً: إنه لا يعرف الرب وأنه لن يطلق الإسرائيليين. ولكن موسى العظيم لم يستسلم بتاتًا، فأصر على أن يحقق الأمر الذي يُسرّ به الله، بمعنى أنه عندما يعوق (فرعون) خروج أولئك الذين سقطوا فى سطوته، إلى الحرية فهؤلاء يجب عليهم أن يظهروا رجولة وينتصروا على كل شئ وبدون تأخير، أو على الأقل بدون أدنى خوف. بل ويصّرون قائلين ” إله العبرانيين قد التقانا. فنذهب سفر ثلاثة أيام فى البرية ونذبح للرب إلهنا. لئلا يصيبنا بالوباء أو بالسيف [2]، هكذا قد صرخ موسى الحكيم: نحن ـ العبرانيون ـ لا نشبهكم أيها المصريون في توقيركم للعجول والخنازير أو الماعز أو منحوتات الإنسان أو أشكال الطيور والزواحف التي تضعونها على المذابح. نحن قد دعانا الله ربنا الذي أبدع هذا الكون. إنه العظيم الذي لا يُحصى مع إله المصريين وهو فوق كل خليقة. إنه إله العبرانيين الذي يدعونا إلى الصحراء، لكي نقدم هناك الذبيحة التي تسره. وهكذا أظلمت مصر روحيًا. ويجب علينا نحن الروحيون أن نفهم ـ على ما أعتقد ـ روحيًا كل ما أُعطى لنا بتعاليم وأمثلة. يجب إذن أن نهرب من كل شئ يسبب لنا ظلمة، وهكذا نكون قد خرجنا من أرض ما. نهرب من سطوة الخطية التي تتسلط علينا بواسطة الطاغية، الذي هو الشيطان، ولنسرع نهائيًا نحو حياة الحرية والطهارة ونسلك في طريق الحياة حسب الناموس الإلهي، تلك الحياة التي لا تخضع للشياطين. لأنه سيمكننا عندئذِِ أن نقدم ثمار تبريرنا كذبيحة إلى الله. ويؤكد موسى أنه يجب على الإسرائيليين السير ثلاثة أيام داخل الصحراء، مُعلنًا بهذا أنه يجب ألاّ يكون المرء قريبًا من دائرة الدناءة والحياة المليئة بالقهر. يستخدم موسى العظيم أسلوب فني حكيم عندما يقول إنه يجب على المدعوين من الله أن يبتعدوا عن الظلمة، ويورد لهذا سببًا حسنًا جدًا لأنه يقول: ربما يقابلنا الموت أو القتل أو ” لئلا يصيبنا بالوباء أو بالسيف[3].

بلاديوس: ماذا يعنى هذا بالضبط؟ لأنه ليس من السهل على المرء أن يفهم ذلك بوضوح.

كيرلس: سأخبرك عما تريد: كانت توجد عادة عند العبرانيين وهي مازالت أيضًا عند أولئك الذين يسجدون للأصنام، فكل مَن يدخل إلى الهيكل يجب أن يتجنب المرور بجانب جسد ميت. لأنهم يقولون إن المرء يتنجس جدًا ليس فقط باللمس ولكن أيضًا بمجرد النظر لجسد ميت. فإن حدث هذا، فبسبب تلك العادات يعتقدون أن ذبائحهم لن تكون طاهرة، أى عندما يقدمون ذبيحة، ويتصادف وجود مشهد ميت أو قتيل، لأن موسى قال: أنتم (المصريون) لديكم مقدسات وهياكل بأبواب وأقفال، يمكنكم الدخول إليها وتقديم ذبائحكم فيها حسب معتقداتكم الخاصة بكم، بينما نحن (العبرانيون) مجبرون أن نُقدم ذبائحنا في أماكن مكشوفة في وسط المدينة، وفي تقاطع الطرق، وبين الحقول، ونتنجس بمشاهد الموتى، إذ لا يوجد ما يحجب إطلاقًا عنا هذه المشاهد. إن ما جاء في التاريخ المقدس بخصوص عادات المصريين هو أمر مؤكد، وإن ما قاله موسى الحكيم هو صواب ويمكن لنا نحن أيضًا أن نفهمه روحيًا. أى يجب علينا نحن أن نقدم ذبائحنا كما في صحراء ونتمم عيدًا مقدسًا لله، مرتحلين من أرض المصريين، متجنبين رؤية مشاهد الموت. لأنه بذهن هادئ مبتعد عن الظلمات العالمية، وبأعين متجنبة رؤية كل ما هو ميت وفاسد، نقدم ذبيحة طاهرة إلى الله ضابط الكل. فالأعمال الميتة هي أعمال الجسد، بينما الظلمة العالمية هي الغشاوة التي يسببها الأشرار، والزيغان الباطل، والأمور التي تلوث شفافية الذهن النقى. هذه الأمور يجب الابتعاد عنها ممن يريدون أن يعبدوا الله بالحق. والتاريخ المقدس شاهد على كل هذا.

بلاديوس: بالتأكيد، هذا ليس بالأمر الغامض. ولكن ماذا بعد؟

كيرلس: لقد استحوذ على الإسرائيليين الشوق الشديد الذي لا مفر منه لحريتهم الأولى. ولأنهم قد أعلنوا نيتهم هذه أمام فرعون فإنهم قد أثاروه بإلحاح مما أثار غضبه، وهو الذي قيدهم في نير العبودية. ولأنه رأى أن هذه الاشتياقات كانت نتيجة لتكاسلهم وعدم انشغالهم بعمل، فلهذا أمر بأن يُثقل عليهم في العمل. وإذ بينما طالبوهم بتكميل أعمالهم المعتادة دون تأجيل، منع عنهم على غير العادة حصة التبن اللازمة لعمل الطوب اللبِن لأنه قال لهم:” متكاسلون أنتم متكاسلون. لذلك تقولون نذهب ونذبح للرب. فالآن اذهبوا اعملوا. وتبن لا يُعطى لكم ومقدار اللبِن تقدمونه. فرأى مدبرو بنى إسرائيل أنفسهم في بلية إذ قيل لهم لا تنقصوا من لبنكم أمر كل يوم بيومه[4]. أم ستقول يا عزيزى إنه أليس حقيقى أنه عندما يريد أى شخص منا أن يتحرر من ثقل عبودية الشيطان بعبادة الله المشرقة والبهية، في سكينة القلب، ويعرف الرب الحقيقى وفق كلمات المزمور ” تخلصوا من كل زيغان واعلموا أنى أنا هو الرب الإله[5]، إن عدو الجميع سيشتكى علينا بأننا لا نعمل معه بجد، معتبرًا أن ما تشتهيه قلوبنا أمر لا يناسبه. أما من شك أنه سيثور علينا مع كل الأرواح الشريرة والنجسة، ويحاول أن يجبرنا بقوة على الانزلاق المستمر في النجاسة الجسدية وأمور العالم الأرضية، التي كان كل واحد معتادًا أن يمارسها. وعندما نحاول الابتعاد عن الأمور الوضيعة، سيعيق هذه المحاولة بشتى الطرق ويُزّين لنا طريق الشر حتى تتمتع نفوسنا به؟ وهذا ما كان يُقصَد به ـ على ما أعتقد ـ أن يُطلَب من العبرانيين صناعة الطوب بلا توقف، ومن ناحية أخرى يمنع عنهم التبن اللازم لهذه الصناعة. وهذا ينطبق علينا نحن أيضًا، إذ نطلب دائمًا الأمور التي قد تعودنا عليها ونشتهيها، ونحترق شوقًا لها، وبالأكثر عندما نتبين أن هناك أمرًا يعوق تحقيق ما نرغبه. وعندما يُبعد الناموس الإلهي أذهاننا البشرية عن فعل ما تعودنا عليه من سيئات، عندئذِِ يستيقظ داخلنا شوق مستمر نحو هذه العادات، منتهيًا بنا بالشكوى ضد مشرع هذا الناموس. والبرهان على ما نقول هو ما قد حدث لبنى إسرائيل الذين كانوا يعانون من أعمال قاسية فُرِضْت عليهم، في الوقت الذي حرموا من التبن. ولهذا فقد اشتكوا على موسى وهارون بشدة متهمين إياهما بأنهما السبب فيما يعانون من ضيق بسبب المتسلطين عليهم. وقد كان هذا ليس بسبب آخر سوى أن موسى وهارون كان لديهما رغبة قوية في تحرير الشعب، وكانا يصدقان دائمًا وعود فرعون بذلك.

بلاديوس: ألا تعتقد أن موسى وهارون قد تكلما بكل الحقائق وبكل ما يليق؟

كيرلس: بالتأكيد يا بلاديوس، لأن شهوة الصلاح والفكر الخّير قد تدفعنا إلى ما يرضى الله، وفي نفس الوقت نتذكر ناموس التقوى. غير أنه من جانب آخر، فإنه من الأمر المحزن أن نعرف أن عدو الخير بسبب طبيعته الشريرة، يريد دائمًا أن يحطمنا. غير أن الرب يتدخل دائمًا لإنقاذنا. إذ قال لموسى: ” لذلك قُل لبنى إسرائيل أنا الرب. وأنا أخرجكم من تحت أثقال المصريين وأنقذكم من عبوديتهم وأخلصكم بذراع ممدودة وبأحكام الرب إلهكم الذي يخرجكم من تحت أثقال المصريين [6]. أى أنه في الوقت الذي يُعيقنا الشيطان محاولاً أن ينزع منا كل شهوة صالحة وأن يستميت فى إبعادنا بكل الطرق الممكنة، بعيدًا عن كل فكر صالح، فإن الناموس الإلهي يحضنا على فعل إرادة الله، وإذ يعرفنا بذلك ويستنهض فينا الرجاء الثابت، فيقوينا بالإيمان وينسب كل شيء إلى الله، الذي هو بالحقيقة مخلصنا وفادينا.

بلاديوس: إن الإيمان وتبعية المرء لله بفهم وشوق شديد، هي من الأمور الحسنة جدًا ومنقذة للنفس.

كيرلس: لقد قُلت الصواب. لكن ستعلم جيدًا عندما نصل إلى نهاية حديثنا أن الإيمان يقود إلى كل صلاح. فعندما ذهب موسى ورفاقه ليتحدثوا مع فرعون ثانية محاولين إقناعه بأن يتركهم لكي يرحلوا من مصر ويُحرّر بنى إسرائيل من قيودهم. ولكي يقنعوه عملوا أعمالاً معجزية تذهل العقل. فغيّر موسى شكل العصا إلى حية، مؤكدين بوضوح أنهم بمعونة الله يستطيعون بسهولة، إنجاز أشياء أعظم من هذه. لكن فرعون أعطى أمرًا للسحرة المصريين أن يفعلوا نفس الأشياء. وكأن فرعون أراد بهذا الأمر أن يقول لهم، نحن لسنا غير قادرين على مثل هذه الأعمال، وأن مَن يفعل هذا من بين المصريين هم أكثر ممن عندكم. فإن أعمال السحر هي أعمال مدهشة وأنتم أيضًا تقومون بها. غير أنه بسبب أن موقف فرعون قد تقسى جدًا لأنه لم يترك بنى إسرائيل، فقد تعرض لضربات أربع، الواحدة أسوأ من الأخرى، إذ تغيرت المياه إلى دم، وظهرت ضفادع وصار بعوض وامتلأت بيوت المصريين ذبابًا، الأمر الذي جعل فرعون أكثر جُبنًا، إذ دعا أصحاب موسى ” فدعا فرعون موسى وهارون وقال اذهبوا اذبحوا لإلهكم في هذه الأرض. فقال موسى لا يصلح أن نفعل هكذا. لأننا إنما نذبح رجس المصريين أمام عيونهم أفلا يرجموننا. نذهب سفر ثلاثة أيام في البرية ونذبح للرب إلهنا كما يقول لنا، فقال فرعون أنا أطلقكم لتذبحوا للرب إلهكم في البرية. ولكن لا تذهبوا بعيدًا[7]، بمعنى أن الشيطان عندما يحاربنا ويقاوم بعنف وبغضة استعدادنا لعمل الصلاح، فإن الله يقف في مواجهته، وبالرغم من وقاحته، فإن الله يذله بالضربات، وعندئذِِ لا يكون أمام الشيطان مفر إلاّ أن يتركنا رغم إرادته، لكن في الوقت نفسه يحاول أن يقنعنا لكي لا نتمم بدقة عبادتنا نحو الله، أو أن نتحرر تمامًا من عبوديتنا له. لأن فرعون أمر اليهود أن يذبحوا ليس خارج أرض مصر ولكن داخلها. غير أن موسى بحكمته الشديدة قال: أن هذا لا يمكن أن يكون. إن الشيطان وهو مبدع الخطية يصير دائمًا مبتكرًا للدناءات، لهذا يرفضها الناموس الإلهي، ويدين كل مَن يعمل ما يرضى الشيطان. يجب إذن أن يتيقظ أولئك الذين يريدون أن يحيوا باستقامة، وألاّ يخضعوا للأفكار التي يمليها عليهم الشرير، بل يجب أن يخضعوا للأمور التي بشرت بها الكلمة الإلهية. لأنه يقول ” سراج لرجلى كلامك ونور لسبيلى[8].

بلاديوس: إنه حقًا. بالصواب تتكلم.

كيرلس: إذن، بسبب تربص الشرير بنا في كل مكان، محاولاً أن يوقعنا تحت سلطانه، يجب علينا أن نعبد فقط مَن هو الله بالطبيعة، ولنهرب ـ بقدر الإمكان ـ بعيدًا عن الازدواجية، ولهذا يمكننا القول ” لا يقدر أحد أن يخدم سيدين لأنه إما أن يبغض الواحد ويحب الآخر أو يلازم الواحد ويحتقر الآخر[9]. وأيضًا كما هو مكتوب ” ويل للقلوب الهيابة وللأيدى المتراخية وللخاطئ الذي يمشى في طريقين[10]. وأؤكد على ضرورة الحاجة إلى تقديم عبادة طاهرة وبلا لوم إلى الله ضابط الكل، ونبتعد تمامًا عن عبادة الشرير. وكما سبق أن ذكرنا أن موسى قال أمام فرعون ” لا يصلح أن نفعل هكذا، لأننا إنما نذبح رجس المصريين للرب إلهنا.. إن ذبحنا رجس المصريين أمام عيونهم أفلا يرجموننا، نذهب سفر ثلاث أيام في البرية ونذبح للرب إلهنا كما يقول لنا[11]. إن رفض موسى تقديم ذبائح في أرض مصر أمام المصريين له ما يبرره. فالأشياء الرجسة هنا يقصد بها تلك الأشياء التي يُقدرها المصريون ويحترمونها، والتي كان من بينها العجول. فلو قال موسى أنه يمكن تقديم مثل هذه الذبائح لإله العبرانيين، لجلب عليه وعلى شعب إسرائيل غضب المصريين. هذا الرفض له علاقة بما نتكلم عنه من أمور روحية ومنافع ليست قليلة. لأننا عندما نميت الأمور التي يجلها الشياطين إذ تروق لهم، فإننا بذلك نقدم عبادة مرضية أمام الله.

بلاديوس: ماذا تقصد؟

كيرلس: ألاّ يكّرم عدو الخير الشهوات الجسدية؟ وليست كل الشهوات هي سيئة في حد ذاتها، بل أنه بسبب عدو الخير، فنحن ننساق إلى عبودية مُرّة جدًا.

بلاديوس: هذا حق.

كيرلس: إذن، فنحن في إماتتنا لهذه الشهوات الجسدية، وفي ذبحنا لها، نُقدم رائحة ذكية إلى الله كما يكتب بولس ” أن تقدموا أجسادكم ذبيحة حية مقدسة مرضية عند الله عبادتكم العقلية “[12]. وهذا الأمر يتحقق بما يأتي: ” فأميتوا أعضاءكم التي على الأرض الزنا النجاسة الهوى الشهوة الردية الطمع[13]. إذن فكل شهوة من شهواتنا، هي صنم كأصنام المصريين بمعنى أنها أمور مُكرمة وموقرة، وقد اعتاد الكتاب أن يدعو الأمور التي لا ترضى الله والتي يعطيها البشر مكانة عظيمة كالأصنام التي يعبدونها “تمثالاً”، فيقول الله على لسان إرميا من جهة الأمور التي كان يفعلها اليهود: ” حبيبتى داخل بيتى صنعت تمثالاً [14]. ولو أراد أحد أن يدعو الأمور التي كان يكرهها المصريون ولا يقبلونها، أصنامًا، لكان على صواب، لأن هذه الأمور التي اعتادت الأرواح النجسة أن تكرهها وتنفر منها، هذه الأشياء هي بالضبط التي ستُقدم كرائحة ذكية إلى الله وذبيحة روحية، أى إيمان، وداعة، ضبط النفس، عفاف، محبة الآخرين، وكل مفاخر التقوى الحقيقية نحو الله.

94 خر1:5ـ2.

95 خر3:5.

96 خر 3:5

97 خر 17:5ـ19

98 مز 11:45

99 خر6:6

100 خر 25:8ـ28

101 مز 105:118

102 مت 24:6

103 حكمة ابن سيراخ 14:2

104 خر25:8ـ28

105 رو 1:12

106 كولوسى 5:3

107 إر15:11.

 

المقالة1 ج6 – السجود والعبادة بالروح والحق ج1 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

Exit mobile version