سويريوس الأنطاكي ف12 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

سويريوس الأنطاكي ف12 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

سويريوس الأنطاكي ف12 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

 

 

الفصل الثاني عشر

 

سويريوس الأنطاكيّ وخطب المنابر

 

»حبر خطير، شمس الأئمَّة، وحجَّة البلغاء، سيِّد العلماء البعيد الهمَّة. أوحد عصره، وعين وقته ونضار زمانه. تاج السريان وفخر البطاركة الأنطاكيّين، من جهابذة اللاهوتيّين، وفحول الكتّاب المتبحِّرين. الخطيب المصقَّع، الصحيح اللسان، الفصيح البيان. إذا اعتلى المنابر وأخذ في الكلام أمطر اللآلئ المنثورة بلسان عضب وقلب شديد«.

 

هكذا بدأ اغناطيوس أفرام الأوَّل برصوم (1887-1957) مقاله عن القدّيس سويريوس الأنطاكيّ(1) الذي وُلد سنة 459 وتوفِّي سنة 538.

 

إلى هذا البطريرك نتعرَّف، ثمَّ نجول في ما تركه من مؤلَّفات بعد أن وصل معظمها مترجمًا إلى اللغة السريانيَّة. وأخيرًا، نتوقَّف عند خطب المنابر التي نُشرت كلُّها في الباترولوجيا الشرقيَّة(2). ونحن نقرأ هنا آخر مجموعة (120-125) التي نشرت سنة 1960. أمّا العنوان فهو: خطب المنابر، سويريوس الأنطاكيّ، ترجمة إلى السريانيَّة بيد يعقوب الرهاويّ مع مقدِّمة عامَّة إلى جميع الخطب(3).

 

1- سيرة البطريرك سويريوس

 

أصل هذا البطريرك من سوزوبوليس، في بسيدية (في تركيّا الحاليَّة). بين جدوده سويريوس آخر كان أسقفًا على هذه المدينة سنة 431 وشارك في حطِّ نسطور عن كرسيِّه مع كيرلُّس الإسكندرانيّ ومئتي أسقف. ولكن بحسب عادة تُراعى في بسيدية، لم يُعمَّد وهو طفل، ممّا جعل أعداؤه يتَّهمونه بأنَّه اتَّبع الممارسات الوثنيَّة في صباه وشبابه.

 

بعد موت والده، أُرسل إلى الإسكندريَّة مع شقيقيه الأكبر منه سنٌّا لكي يتعلَّم الغراماطيق (الصرف والنحو) والبلاغة اليونانيَّة واللاتينيَّة. من هناك، مضى إلى بيروت سنة 486 تقريبًا ليدرس الحقوق وهدفه أن يمارس المحاماة. واستفاد من وقتٍ بقيَ له فقرأ مؤلَّفات أثناز، باسيل، غريغوار النازينزيّ، غريغوار النيصيّ، يوحنّا الذهبيّ الفم، كيرلُّس الإسكندرانيّ، وكان مرافقه زكريّا البليغ صديقه وكاتب سيرته فيما بعد.

 

وهكذا بعد أن تنشَّأ تنشئة عميقة في الإيمان المسيحيّ، تعمَّد في طرابلس(4)، في كنيسة ليونس القدّيس الشهيد، حوالي سنة 488. ونحو سنة 490، وخلال سفره إلى الأماكن المقدَّسة، تأثَّر سويريوس بتلاميذ بيار الإيبري(5) الذي توفِّي نهايةَ سنة 488، وترهَّب في دير تيودور، الواقع بين غزَّة ومايوما(6). وبعد أن مارس ممارسات نسكيَّة قاسية في برِّيَّة بيت حبرين(7) بحيث أضرَّ بصحَّته، استقبله رهبان الأباتي رومان لكي يستعيد قواه. وبعد وقتٍ من الراحة عاد إلى لفرة مايوما(8). وفي هذه الأماكن عينها، أسَّس ديرًا من ماله الخاصّ ورُسم كاهنًا بيد أسقف اسمه إبيفان.

 

حوالي سنة 508، جاء شخص اسمه نيفال قدَّم نفسه على أنَّه المدافع عن العقيدة الخلقيدونيَّة، وذلك باتِّفاق سرّيّ مع إيليّا، بطريرك أورشليم، وأساقفة فلسطين وكهنتها. هذا جاء إلى مايوما وطرد الرهبان من هذه المنطقة التي كانت تنتمي في مجملها إلى الحزب المونوفيسيّ (أصحاب الطبيعة الواحدة). وتجرَّأ فهاجم سويريوس في خطبة ديوفيسيَّة (في طبيعتين) واضحة.

 

عندئذٍ أراد سويريوس أن يضع حدٌّا للإهانات الموجَّهة على رهبان فلسطين، فمضى إلى القسطنطينيَّة، وشرع يَظهر علانيَّة ساعة كان الإمبراطور أناستاز (491-518) يحامي صريحًا عن خصوم مجمع خلقيدونية. ولبث هناك ثلاث سنوات، من سنة 508 إلى سنة 511، يوم كان الصراع بين المونوفيسيّين والأرثوذكس يتوسَّع من خلال الكتابات.

 

ولمّا عاد سويريوس إلى مايوما، صبَّ جهده كلَّه على الخلقيدونيّين وخصوصًا فلافيان(9)، بطريرك أنطاكية، وساعده في ذلك بقوَّة، فيلوكسين أسقف منبج. ولكن في مجمع صيدون (صيدا في لبنان) سنة 511-512، تفلَّت فلافيان من خصومه ولكنَّه حُطَّ عن كرسيِّه في مجمع عُقد في اللاذقيَّة(10) (سورية)، وأُرسل بأمر الإمبراطور إلى المنفى في البتراء (وادي موسى، عاصمة الأنباط). وعُقد مجمع آخر في أنطاكية(11)، جعل من الراهب سويريوس خلف فلافيان. أُخذ من ديره في مايوما وجُعل بطريركًا على أنطاكية في تشرين الثاني سنة 512. تقبَّله تقريبًا كلُّ أساقفة بطريركيَّته فجلس من سنة 512 إلى سنة 518 على كرسيّ أنطاكية، ثاني مدن الشرق بعد القسطنطينيَّة. وخلال هذه السنوات الستّ ألقى خُطَب المنابر موضوع حديثنا.

 

بعد موت أناستاز، في تمّوز سنة 518، تبدَّل الوضعُ كلُّه. فالإمبراطور يوستين (518-527) ساند حزب الأرثوذكسيَّة، واضطهد بدون هوادة جميع الذين رفضوا أن يلتحقوا بمجمع خلقيدونية. وهكذا عُزل سويريوس عن كرسيِّه ومعه خمسون أسقفًا ونيِّف(12). وإذ أراد الهرب من فيتاليان الذي هدَّده بقطع لسانه الذي ألقى عظة ضدَّه، هرب من المدينة في 29 أيلول 518 واعتزل في مصر حيث عاش في الخفاء، ولبث معترَفًا به كرئيس المؤمنين المونوفيسيّين، وهناك صاغ أهمَّ المؤلَّفات الهجوميَّة.

 

سنة 513، استدعى يوستنيان، الإمبراطور الجديد (527-540) الرهبان الذين أُرسلوا إلى المنفى ودعا الأساقفة إلى اجتماع في القسطنطينيَّة لاستعادة السلام في الكنيسة. أمّا سويريوس فرفض هذه الدعوة. وبعد ذلك، حين استعاد الحزب المونوفيسيّ حظوته في البلاط، قبل سويريوس أن يأتي إلى مدينة الإمبراطور ولبث هناك سنة 534-535، وتمتَّن موقعه حين ارتقى أنتيم كرسيّ أنطاكية سنة 535(13). غير أنَّ هذا الوضع لم يَدُم طويلاً بسبب ردَّةِ فعل خلقيدونيَّة فعُزل أنتيم وطُرد من المدينة في آذار 536. ومجمع القسطنطينيَّة الذي انعقد حالاً حكم على سويريوس وكتاباته، فعاد البطريرك السابق إلى مصر حيث مات في 8 شباط 538، في كسوئيس، إلى الجنوب من الإسكندريَّة، ودُفن في دير إنّاتون.

 

2- كتابات سويريوس الأنطاكيّ

 

انتمى سويريوس الأنطاكيّ إلى الأدب اليونانيّ، ولكن لم يبقَ سوى نتف من مؤلَّفاته في اليونانيَّة. ففي الترجمات السريانيَّة نبحث عن إرثه الثقافيّ. ولماذا لم تصل إلينا كتابات سويريوس في اليونانيَّة؟ لأنَّها حُرمت مع كاتبها في مجمع القسطنطينيَّة سنة 536، لأنَّ سمَّ الحيَّة، علَّة الخطيئة الأصليَّة، دخل فيها. فالإمبراطور يوستنيان (527-540) أمرَ بتدميرها في قرار رقم 43 ورد في 6 آب 536: »نمنع الجميع أن يكون لديهم كتابٌ واحد من كتب (سويريوس). وكما يُمنَع نسْخُ كتب نسطور لأنَّ الأباطرة الذين سبقونا قرَّروا في قوانينهم أن يماهوها مع كتابات بورفير ضدّ المسيحيّين، كذلك لا يقدر أيُّ مسيحيّ أن يمتلك خطب سويريوس وكتاباته. فهي تحسَب منجَّسة ومعارضة للكنيسة الكاثوليكيَّة. فينبغي على من امتلكها أن يحرقها إذا أراد أن لا يتعرَّض لمخاطر كبيرة. ونمنع أيٌّا كان، خطّاطًا أو ناسخًا، أو أيَّ شخص آخر، بأن ينقلها منذ الآن. وننبِّه بأنَّ العقوبة المتعلِّقة بهذا النسخ هي قطع اليد«(14).

 

إذا كان الناس توقَّفوا عن نقل مؤلَّفات سويريوس، بعد سنة 536، في الأماكن التي تسود الأرثوذكسيَّة، إلاَّ أنَّهم لم يحرقوها كلَّها بالنار، حسب قرار الإمبراطور. فالأوساط الكنسيَّة احتفظت بها مدَّة طويلة من أجل الجدالات الدينيَّة. وهكذا أوردت أعمال مجمع القسطنطينيَّة سنة 681، أنَّ الآباء عادوا إلى مؤلَّفات سويريوس المحفوظة في القسطنطينيَّة أو في رومة. ثمَّ إنَّ أصحاب السلسلات اليونانيَّة استقوا الكثير من كتابات سويريوس الذي درس العهدين القديم والجديد، والذي ابتعدت تفسيراته عن نهجه اللاهوتيّ. وبما أنَّ هذه السلسلات تمتدُّ من القرن الخامس إلى القرن الرابع عشر، فهذا يعني أنَّ المخطوطات وُجدت في اليونانيَّة بعد الحكم على سويريوس. ونضيف: كان بالإمكان أن تُحفظ مؤلَّفات سويريوس في سورية أو في مصر، غير أنَّ الزحف العربيّ في القرن السابع دمَّر الثقافة اليونانيَّة، لغة وأدبًا.

 

ومع أنَّ النصَّ الأصليّ لمؤلَّفات سويريوس لم يصلنا، إلاَّ أنَّها نجت من الزوال بفضل تقوى المونوفيسيّين في سورية، الذين جمعوها ونقلوها إلى لغتهم. لهذا وُجدت مخطوطات سريانيَّة عديدة في لندن ورومة وباريس، تتضمَّن مؤلَّفات سويريوس الأنطاكيّ.

 

* * *

 

أ- المصنَّفات اللاهوتيَّة

 

* مقالات ضدَّ يوليان(15)

 

كان يوليان أسقف بسودروم(16) في كارية (تركيّا الحاليَّة) عمل مع سويريوس في الإطار المونوفيسيّ. ولكن أطلَّ الاختلاف حول جسد المسيح قبل القيامة. رأى سويريوس أنَّ هذا الجسد معرَّض للفساد. فردَّ عليه يوليان: في المجلَّد (طومس): جسد الربّ بمنأى عن الفساد والألم والموت، وذلك في طبعه. لبث سويريوس على موقفه، بحيث كانت القطيعة بين الصديقين. خفَّف سويريوس نتائج خطيئة آدم على نسله، واعتبر أنَّ آدم خُلق منذ البداية قابلاً للفساد والموت. أمّا يوليان فاعتبر أنَّ آدم خُلق غير قابل للفساد. وجاء الفساد والموت كنتيجة للخطيئة. وبما أنَّ المسيح في منأى عن الخطيئة، نتج أنَّ جسده، شأنه شأن جسد آدم قبل الخطيئة، كان في منأى عن الفساد والألم والموت. أمّا سويريوس فاعتبر أنَّ المسيح نال تلك الصفات بعد القيامة(17).

 

* فيلاليتس أو محبّ الحقيقة(18)

 

استعرض سويريوس هنا 244 فصلاً من كتابات كيرلُّس الأسكندرانيّ، التي جُمعت لكي تناقض آراء سويريوس، كما زوَّرها الخصوم. جاءت المقاطع المختارة بيد أحد الخلقيدونيّين في خطِّ ديوفيسيّ. فردَّ سويريوس مشدِّدًا على الطابع المونوفيسيّ في لاهوت كيرلُّس. انطلق من عبارة كيرلُّس: »طبيعة واحدة في اللوغس المتجسِّد«؟(19) فالطبيعة (فيسيس) هي الطبيعة الفرديَّة، الملموسة، القائمة في ذاتها، وهي تساوي الأقنوم(20). دُوِّن هذا المؤلَّف بين سنة 509 و511.

 

* دفاع عن صحَّة كتاب فيلاليتس.

 

* مقالات ضدَّ يوحنّا النحويّ

 

كان يوحنّا أسقفًا ملكيٌّا. فردَّ عليه سويريوس (حوالي سنة 519) في ثلاثة مجلَّدات ضخمة بدأ بتدوينها في أنطاكية وأنهاها في مصر. نشر لابون القسم الأوَّل من المقال الثالث سنة 1929. وسنة 1933 نشر الكاتب نفسه القسم الآخر من المقال الثالث(21). وفي سنة 1938، نشر لابون(22) أخيرًا المقالتين الأولى والثانية.(23)

 

* رسائل ضدّ سرجيوس النحويّ

 

كان أوطيخيّ النزعة. كتب سويريوس أربع رسائل (بعد سنة 515) معارضًا طرحه حول المونوفيسيَّة الجذريَّة وأكَّد على أساس الوحدة، أنَّ الصفات البشريَّة الإلهيَّة امتزجت في المسيح. حُفظت هذه الرسائل في لندن 17154 ونُشرت في السريانيَّة سنة 1982، 1984 بيد J. R. TORRANCE.

 

* مقالان ضدّ نيفال

 

كان نيفال راهبًا في الإسكندريَّة، متعلِّقًا بالتعليم الخلقيدونيّ. فردَّ عليه سويريوس رافضًا مجلَّد (طومس) ليون إلى فلافيان والتعليم الخلقيدونيّ(24). دُوِّن هذا المؤلَّف حوالي سنة 508.

 

وأورد البطريرك برصوم(25) عددًا من الكتب موجودة في المكتبات ولم تُطبَع بعد: تفنيد القسّ يوحنّا البيسانيّ الملكيّ. نقض عهد لمفيطيوس الحاوي بدعة المصلِّين… ردّ على الإسكندر نشره بروك(26).

 

ب- العظات والخطب

 

* الأعياد. ميلاد المسيح، الدنح، الأحد المقدَّس، الصيام الأربعينيّ، الشعانين، العنصرة، آلام ربِّنا، الصليب المقدَّس.

 

* أعياد القدّيسين، والشهداء: إسطفانس، رومانس، بابولا، سركيس وباخوس، باسيل، غريغوار، اغناطيوس، الذهبيّ الفم، سمعان العموديّ، الأنبا أنطونيوس.

 

* الحياة اليوميَّة وصعوباتها. الآفات، الزلازل، حروب الهونيّين، الشكر بعد هطول المطر، احتباس الغيث، حرب الفرس.

 

* الاحتفالات. للمعتمدين، للموتى، لجنّاز الإكليروس والرهبان، تجنيز الصبيان، الترتيل قبل الإنجيل، الدخول إلى بيت المعموديَّة، جنّاز الأطفال، الميرون، قبور الغرباء.

 

* رجال الدين والدنيا. عامَّة الأساقفة، اغناطيوس، بطرس الإسكندريّ، غريغوريوس العجائبيّ، أثناسيوس الكبير، باسيليوس، غريغريوس، بورفيريوس الأنطاكيّ، قورلُّس الإسكندريّ. ثمَّ الملك ثاودوسيوس الصغير، والقياصرة قسطنطين، وهنوريوس، وغراطيانس، وتاودوسيوس الكبير، والآباء المئة والخمسين.

 

* خطب المنابر. هي 125 خطبة ولنا عودة إليها.

 

ج- الرسائل

 

»رسائل سويريوس كثيرة. جُمعت فألَّفت 23 كتابًا فيها ما يناهز 4000 رسالة. نقل الكاهن أثناسيوس النصيبينيّ 123 منها إلى السريانيَّة سنة 669 تقريبًا، ونقلها بروكس(27) إلى الإنكليزيَّة ونشرها في لندن. كما نشر في الباترولوجيّا الشرقيَّة(28) رسائل أخرى. مثل هذه الرسائل تطلعنا على الأوضاع السائدة في زمن سويريوس، وعلى الاضطهادات التي اجتازها، والنواحي المطروقة في الجدال اللاهوتيّ آنذاك«(29). أُرسلت

 

* إلى أساقفة. قسطنطين أسقف اللاذقيَّة، سولون أسقف سلوقية إيسورية، بطرس أسقف أفامية، قسطور أسقف برجة، إسطيفان أسقف طرابلس، أوتروخيوس أسقف عين زربة، أنطونينوس أسقف حلب، ديونيسيوس مطران طرسوس، أساقفة فينيقية، أساقفة أبرشيَّة أفامية.

 

* الرهبان والقسوس. إلى رئيس دير مار باسوس، إلى القسوس قزما ويوليقطس وزينون، إلى رهبان دير مار إسحق في الجبّول، إلى إكليروس أفامية وأشرافها، إلى القس أوسطاتيوس، إلى أوسابيوس شمّاس أفامية، إلى رئيس دير القدّيس سمعان، إلى إكليروس أنطارادوس (مقابل أرواد)، إلى القسّيسَين يوحنّا ويوحنّا رئيسَي الدير، إلى فوتيوس وأندراوس رئيسي أديار قاريا، إلى الشمّاس ميصائيل.

 

* وجهاء هذا العالم. إلى هيباتيوس قائد الجنود، إلى أوطيخان حاكم أفامية، إلى قونون طارد اللصوص، إلى أهل حمص الأرثوذكسيّين، إلى إكليروس حمص وأشرافها، إلى الكونت أنسطاسيوس بن سرجيوس، إلى الكونت يوحنّا من أنطارادوس، إلى أهل أنطاكية الأرثوذكسيّين، إلى أندراوس القارئ والمسجِّل، إلى أرخلاوس القارئ الصوريّ، إلى أوراليوس الخطيب، إلى حاكم صور ومارينا أسقف بيروت.

 

وهناك رسالة جليلة من 30 صفحة كتبها ردٌّا على القائلين بوجوب إعادة عماد أو مسح الراجعين من مذهب ذوي الطبيعتين. ورسالة إلى يوحنّا الروميّ في معنى التغطيس في العماد ثلاثًا وفي الميرون. ورسالة إلى أنسطاسية في قضيَّة الإيمان الصحيح. ورسالة في أحوال النفوس والأرواح قبل القيامة وبعدها وفي الدينونة. ورسالة إلى بطرس الراهب الذي كان يقول بفساد النفس(30).

 

د- الأناشيد والمدائح

 

تكوِّن هذه الأناشيد الأوكتوئيكوس، الذي يجمع 295 نشيدًا من أجل أعياد السنة. نقلها إلى السريانيَّة بولس، أسقف الرها، الذي لجأ إلى جزيرة قبرص خلال الاجتياح الفارسيّ سنة 619. عاد هذا النقل إلى سنة 619-629 ووصل إلينا منقَّحًا بيد يعقوب الرهاويّ سنة675(31).

 

3- خطب المنابر

 

خلال السنوات 512-518، حين كان سويريوس بطريركًا على كرسيّ أنطاكية، ألقى 125 عظة في أنطاكية أو في مدن أخرى خلال زياراته الرعاويَّة ودُعيَت خطب المنابر(32). لم يبقَ من النصِّ اليونانيّ سوى الخطبة 77 التي نُسبت إلى غريغوار النيصيّ وهيسيخيوس أسقف أورشليم، ومقاطع في السلسلات (كاتانا) اليونانيَّة. نشر بعضها الكردينال أنجلو ماي(33) وجمع الأب بريار ما يقارب 1100 سطر. نقَل هذه الخطبَ بولسُ أسقف قالينيق (على حدود العالم البيزنطيّ) في القرن السادس، وأعاد قراءتها في بداية القرن الثامن يعقوب أسقف الرها.

 

أ- الترجمة السريانيَّة

 

أوَّلاً: بولس القالينيقيّ

 

عاش في القرن السادس. وميوله المونوفيسيَّة جعلته يُعيَّن أسقفًا على قالينيق في أسروينا حوالي سنة 503، في عهد الإمبراطور أنستاز. وبما أنَّه عارض مجمع خلقيدونية، عُزل عن كرسيِّه الأسقفيّ مع 50 أسقفًا سنة 518، وذلك حين صار يوستين إمبراطورًا. حينئذٍ لجأ إلى الرها وهناك قام بعمل أدبيّ لا يعرف الكلل.

 

قبْلَ سنة 528، كان بولس ترجم من اليونانيَّة إلى السريانيَّة مؤلَّفات الجدال بين سويريوس الأنطاكيّ ويوليان الهاليكرناسيّ حول لافساديَّة جسد المسيح قبل القيامة. ويبدو أنَّه نَقَل أيضًا إلى السريانيَّة المراسلة بين سويريوس وسرجيوس النحويّ، كما نَقَل الردّ على النحويّ. واكتشف رايت(34) تقاربًا بين هذه الترجمات ونقل خطب المنابر وتبعه في ذلك روبنس دوفال(35) وأنطوان باومشتارك(36). فكان استخلاص بأنَّ بولس القالينيقيّ قام بترجمة خطب المنابر. هي الترجمة القديمة وتتبعها ترجمة يعقوب الرهاويّ.

 

ثانيًا: يعقوب الرهاويّ

 

هذا الكاتب السريانيّ الذي لم يسبقه لدى المونوفيسيّين سوى ابن العبريّ (1126-1186)، عاش في النصف الثاني من القرن السابع. دُعيَ الرهاويّ نسبة إلى الرها التي كان أسقفها. وُلد في عين دابا، في مقاطعة أنطاكية، سنة 640 تقريبًا. درس أوَّلاً في دير قنّسرين بإدارة سويريوس سوبوكت. وإذ تعلَّم اليونانيَّة، قرأ في هذه اللغة الكتب المقدَّسة وآباء الكنيسة اليونانيَّة بإدارة السريان. ثمَّ مضى إلى الإسكندريَّة »ليكدّس« المعارف أي ليكمِّل تعليمه. وبعدها أتى إلى الرها وكان أسقفها حوالي 679-680 في بداية البطريرك أثناز البلديّ أو أثناز الثاني، الذي كان رفيقه في الدراسة في قنّسرين، والذي سامه الآن أسقفًا. ولكن بسبب الصعوبات مع الإكليروس، تخلّى عن كرسيِّه الأسقفيّ واعتزل في دير كيسوم، قرب شميشاط. ثمَّ دعاه رهبان دير مار أوسيبونا (قرب تلعدا، في كورة أفامية) لكي يكون معلِّمهم، فعلَّمهم المزامير، وشرح الكتب المقدَّسة إحدى عشرة سنة. وأكمل دراسة اللغة اليونانيَّة. ولكن بسبب ذلك، عارضه رهبانٌ يكرهون اليونان، فترك دير مار أوسيبونا وأتى إلى الدير الكبير في تلعدا، حيث أقام تسع سنوات يعيد النظر في »بسيطة« (الترجمة السريانيَّة) العهد القديم سنة 704-705. وفي النهاية، دعاه إلى الرها سكّانُ المدينة فعاد إلى الكرسيّ الأسقفيّ أربعة أشهر. وإذ مضى إلى تلعدا ليأخذ كتبه ويرافق بعض التلاميذ، توفِّي في 5 حزيران سنة 708.

 

قام يعقوب بنقل خطب المنابر، 125، وانتهى منه سنة 701، بعد أن ألمَّ إلمامًا واسعًا باللغة اليونانيَّة. قالت خاتمة فاتيكان السريانيّ 141 إنَّ خطب سويريوس تُرجمت ترجمة دقيقة من اليونانيَّة إلى السريانيَّة، بعناية يعقوب الرهاويّ واجتهاده. بل يجب بالأحرى أن نقول: إنَّ يعقوب أعاد النظر وصحَّح، وابتعد عن نصِّ بولس القالينيقيّ حين بدا له أنَّ الترجمة غير دقيقة.

ب- عناوين الخطب

 

العناوين من وضع يعقوب الرهاويّ، وهي لا تختلف كثيرًا عمّا نجد في ترجمة بولس القالينيقيّ.

 

أوَّلاً: السنة الأولى: ت2 512 إلى ت2 513، الخطب 1-34

 

الخطبة الأولى. يتكلَّم سويريوس عن نفسه بعد أن جعل على رأس (المدينة) وأتى إلى الأسقفيَّة وإلى الكرسيّ الرسوليّ في كنيسة أنطاكية. قال: يجب علينا أن نعترف بالمسيح الربِّ الواحد في طبيعتين، وابن واحد لا في طبيعتين بعد الاتِّحاد اللاموصوف. وضدّ رأي أوطيخا الكافر. أُلقيت الخطبة في كنيسة مار رومانوس، القدّيس الشهيد.

 

الخطبة الرابعة. قبل عيد الميلاد يُقرأ بدءُ إنجيل لوقا. وبعد آيات الإنجيل، كلام حول عقيدة التجسُّد الإلهيّ. والتعليم الخلقيّ بالنسبة إلى الأعمال: كيف يجب أن نستعدَّ قبل العيد.

 

الخطبة السابعة. الميلاد وتذكار القدّيس إسطفانس.

 

الخطبة الثامنة. الأطفال الذين قتلهم هيرودس.

 

الخطبة التاسعة. الأسقفان باسيل وغريغوار. أُلقيت في معبد القدّيس اغناطيوس.

 

الخطبة 13. حول إحسان الإمبراطور التقيّ (أناستاز) الذي ردَّ ما تبقّى من الضرائب في الخزانة العامَّة.

 

الخطبة 14. لتذكار أمِّ الله والدائمة البتوليَّة مريم(37). أُلقيت في كنيسة والدة الإله.

 

الخطبة 15. حول صوم الأربعين يومًا.

 

الخطبة 16. لماذا نقرأ في أيّام الصوم الأربعينيّ سفر التكوين أي خلق العالم؟ وحول الهدوء في النشيد وحالة العفَّة والصدق.

 

الخطبة 18. حول الأربعين شهيدًا. كان في أنطاكية معبدُ الأربعين شهيدًا الذين عُيِّدوا في 9 آذار سنة 513:

 

العنوان: »من سويريوس القدّيس نفسه. مقال: بأيِّ شكل وُضعت القوانين المقدَّسة، فأمرت كيف ينبغي لنا أن نصنع، في صوم الأربعين المقدَّس، تذكار الشهداء القدّيسين، ومن أجل الأربعين قدّيسين الشهداء. قيلَتْ في يوم السبت. وها هي البداية:

 

لا يتعجَّب إنسان منكم إن أخرجتُكم نحو هيكل الشهداء العظماء في النصر هذا، لأنَّ آباءنا أمروا في البداية، في القوانين، أنَّه ينبغي في هذه أيّام الصوم الأربعين أن لا نصنع تجمُّعًا لانتصار الشهداء. فإن نحن فعلنا، فنحن لا نسير ضدَّ النواميس (الشرائع)، لأنَّه يُسمَح في السبت وفي الأحد، حتّى في قلب الصوم أن نقرِّب الذبيحة اللادمويَّة وأن نصنع ذكر الشهداء القدّيسين.

 

»لا شيء آخر يليق بالصوم مثل مآثر الشهداء، ولا عجب أن يحبَّ الشهداء الصوم والحرمان من المآكل وسائر الألقاب الشديدة، تلك التي هي ميراث حسن يسبق قتالهم. وهم يفرحون كثيرًا ويرتاحون إن أعلنّا تذكارهم بمثل هذه التوبة«(38).

 

* * *

 

الخطبة 19. حول الجفاف الذي حصل أي فقدان المطر. وكيف يجب أن نكون مستعدِّين لمثل هذه الظروف:

 

»الحياة البشريَّة هي تعليم دقيق حول أحكام الله، حول حكمته وحول عنايته، التي تعبِّر في كلِّ شيء، لا فقط في ما يحصل لنا بشكل عامّ، بل في ما يحصل لكلِّ واحد بشكل خاصّ. ويكون هذا تنبيهًا كافيًا لما يجب أن نعمل…(39)

 

الخطبة 20. حول اللقاء بربِّنا، أي عيد الهوشعنا(40)، والكلمة: »مبارك« (مت 21: 19). أُلقيت في أحد الشعانين، في 31 آذار 513.

 

»إذ استعدَّ ربُّنا وإلهنا يسوع المسيح أن يأتي إلى الصليب الخلاصيّ بإرادته، وأن يُتمَّ به التدبير كلَّه، وأن يتقبَّل كلَّ احتقار وعار من أجلنا، وأن يتواضع حتّى الموت…«(41).

 

الخطبة 21. فقاهة تُليَت، كما هي العادة، يوم الأربعاء في أسبوع الفصح المقدَّس، أي أسبوع الآلام، باتِّجاه الذين سوف يتقبَّلون العماد المقدَّس. وذلك يوم الأربعاء 3 نيسان 513:

 

»فهم تعلَّقوا بالشريعة والأنبياء، بالأناجيل والرسل، فعلَّمونا أن نؤمن بإله واحد الآب الضابط الكلّ، خالق السماء والأرض، كلّ ما يُرى وكلّ ما لا يُرى. من جهة قالوا: إله واحد، فرذلوا ضلال الوثنيّين وقلبوا على الأرض مجموعة الآلهة الكاذبة…

 

»وبما أنَّهم اعترفوا بالآب، بيَّنوا بجلاء أنَّه هو البداية ومَعين الوجود وقيام ما هو. ولكن ليس بدون الابن المساويّ في الأزليَّة، الذي صنع كلَّ هذا معه. فكيف يُدعى بالضبط أبًا إن لم يكن له ابنٌ حقٌّ وحقيقيّ، ويشاركه الجوهر عينه والطبيعة عينها. بفضل هذا يقال أيضًا إنَّه أبو جميع الخلائق التي خُلقت، بيد ابنه الحبيب. هو آب بالطبيعة بالنسبة إلى المولود (يسوع) وهو أب بالنعمة بالنسبة إلى المخلوقات التي منحها الوجود حين خلقَها«(42).

 

الخطبة 22. يوم الجمعة العظيمة، 5 نيسان 513. حول كلام الربّ: »إلهي إلهي لماذا تركتني؟« (مت 27: 46؛ مر 15: 34). وحول ما قال ربُّنا للصّ: »آمين، اليوم تكون معي في الفردوس« (لو 23: 43).

 

الخطبة 23. أُلقيت في الكنيسة الكبرى حول العبارة: \\\’والكلمة صار بشرًا وسكن بيننا (يو 1: 14). ينبغي أن نهتمَّ بالفقراء ونحن في هذه الحياة، كما حين نكتب وصيَّتنا عند ساعة الموت (عيد الفصح، 7 نيسان 513).

 

»نقول إنَّ الله الكلمة، ذلك الذي وُلد قبل العوالم من الآب بشكل لا يوصف. ذلك الذي لا يختلف بشيء في الجوهر، في المجد، في المُلك، في القدرة، في الأزليَّة، عن ذاك الذي ولدَه. فذلك (الكلمة) أتى إلى الامِّحاء الإراديّ وتجسَّد (صار بشرًا) من الروح القدس ومن مريم والدة الله البتول«(43).

 

الخطبة 24. خميس الصعود، 16 أيّار 513. حول صعود الله العظيم وربِّنا يسوع المسيح(44). وحول معطف الأرجوان الذي أعطاه هديَّة إمبراطورنا التقيُّ أنستاز.

 

الخطبة 33. حول الأعمى منذ مولده، بعد أن سأل التلاميذُ ربَّنا: »رابّي، من خطئ هو أم والداه لكي يُولَد أعمى؟« (يو 9: 2).

 

* * *

 

ثانيًا: السنة الثانية (سنة 513-514). الخطبة 35-60

 

الخطبة 35. في هذا اليوم من السنة السابقة، أقيم على المدينة.

 

الخطبة 36. الولادة(45) بحسب اللحم والدم لله العظيم ومخلِّصنا يسوع المسيح. أُلقيت في عيد الميلاد يوم الأربعاء 25 ك1 سنة 513.

 

»إذ أَندهشُ دهشة كبيرة لهذا العيد القريب، أنا مقسوم في وجداني: فأنا مدفوع إلى أن أصمت كلَّ الصمت، وفي الوقت عينه أن أقول الأقوال الكثيرة. فمن لا يأخذه الدوار حين يسمع أنَّنا نعيِّد ولادة ذاك اللامخلوق وأنَّنا نتعقَّب الأمر العجب، فيوقَّر في الصمت ما لا يُدرَك.

 

ولكن من لا يطير بالفكر حين يعرف السبب الذي لأجله نزل الكلمة الذي هو أعلى من الكلّ، إلى كلِّ هذا التواضع وقبِلَ أن يشارك في ولادة بشريَّة (من لحم ودم)، من أجلنا نحن الذين سقطنا في (الضعف) البشريّ وشوَّهنا بالأهواء الجمالَ العجيب للنفس حيث كنّا على صورة ذاك الذي خلقنا! من لا يطير بالفكر ويستيقظ إلى المديح فيرتفع ويتعالى بعظمة المحبَّة، وعلى مثال هؤلاء الفتيان الثلاثة الذين كانوا في اللهيب البابليّ، لا يدعو الملائكة والقوّات التي فوق العالم، والخليقة العاقلة والحسِّيَّة فيدفعها إلى التمجيد قائلاً: باركوا الربَّ يا كلَّ عبيد الربّ، سبِّحوه وعظِّموه إلى الأبد« (دا 3: 57).

 

في الحقيقة، الخليقة كلُّها كُرِّمت بالتجسُّد الإلهيّ ونحن بشكل خاصّ لأنَّ الكلمة شارك في جبلتنا ما عدا الخطيئة (عب 4: 15)، وما ألقى عنه ما هو، أي الله، فصار إنسانًا. أمّا سائر الخلائق، ولأنَّ الخالق رضيَ حقٌّا أن يُخلَق، والصانع أن يُرى في عداد مصنوعاته، فهذا العالم المنظور يستفيد من مثل هذا العمل لأنَّه صنع من أجل خدمتنا ومنفعتنا«(46).

 

* * *

 

الخطبة 37. حول باسيل الكبير وغريغوار اللاهوتيّ. أُلقيت في معبد اغناطيوس الشهيد القدّيس، يوم الأربعاء، الأوَّل من كانون الأوَّل سنة 514.

 

الخطبة 38. حول أنوار(47) (الدنح).

 

»إذ نعيِّد عيد الأنوار، نكشف بالكلامِ البهاءَ الذي أشعَّه هذا العيد في وجداننا بحيث نتشبَّه بشعاع النور«(48).

 

الخطبة 39. حول الصوم. أُلقيت في الأحد الأوَّل من الصوم، في 16 شباط 514.

 

الخطبة 42. هي الفقاهة الثانية. أُلقيت يوم الأربعاء من الأسبوع العظيم (أسبوع الآلام)، يوم الأربعاء المقدَّس في 26 آذار 514.

 

الخطبة 43. حول يو 1: 16: »من ملئه كلُّنا أخذنا، نعمة فوق نعمة«. أُلقيت على المعمَّدين الجدد، عيدَ الفصح والقيامة، 30 آذار سنة 514.

 

الخطبة 44. تذكار كلِّ الأبرار الأقدمين(49). يُحتفَل به ثمانيةَ أيام بعد القيامة العجيبة، قيامة إلهنا العظيم ومخلِّصنا يسوع المسيح. يوم الأربعاء بعد الأحد الجديد، 9 نيسان 514.

 

الخطبة 45. حول ما كتبه الرسول إلى تيموتاوس: »وروِّضْ نفسك بالتقوى. فإذا كان في الرياضة البدنيَّة بعض الخير، ففي التقوى كلَّ الخير لأنَّ لها الوعد بالحياة الحاضرة والمستقبلة« (1 تم 4: 7-8). وحول ما قال مخلِّصنا لمريم: »لا تلمسيني، لأنّي ما صعدتُ بعدُ إلى أبي« (يو 20: 17)، وحول إعلان نصر الإمبراطور التقيّ (أناستاز).

 

الخطبة 46. لماذا نجتمع؟ لماذا نقيم احتفالاً في نصف العنصرة؟ وحول القراءة اللازمة من إنجيل يوحنّا: »وفي منتصف أيّام العيد (عيد الخمسين)، صعد يسوع إلى الهيكل وأخذ يعلِّم« (يو 7: 14). أُلقيت يوم الأربعاء 23 نيسان 514، في الأسبوع الرابع بعد الفصح.

 

»ولكن نرى لماذا تكلَّم يسوع إلى اليهود في منتصف العيد، وماذا اهتمَّ أن يُبرز في ما قال من كلام؟ هذا السياج المتوسِّط، كما قال الرسول (أف 2: 14) اهتمَّ بأن يدمِّره فأَبطل بأحكامه ناموسَ الوصايا. فالناموس كان سياجًا وُهب للحفظ والتنبُّه، ومثل شيء يسيِّج ويُقفل ويمنع الإنسان بالشريعة الموضوعة«(50).

 

الخطبة 47. حول صعود إلهنا العظيم ومخلِّصنا يسوع المسيح. هي الثانية (8 أيّار 514). كانت الأولى في 16 أيّار 513.

 

حين أفكِّر بعظمة جمال هذا اليوم الحاضر ليس لي أن أقوم ساكتًا من هذا العجب. فالذي نزل إلى أماكن الأرض التحتيَّة صعد فوق كلِّ السماوات (أف 4: 9-10). إذًا، ماذا أعمل؟ هل امتدح محبَّة هذا النزول؟ أو هل أسبِّح الرفعة الإلهيَّة لهذا الصعود؟ بل ينبغي أن أمتدح ذاك وأسبِّح تلك، ولكن دون أن »أبصّ« في هذه وتلك. لأنَّ طريقة الصعود لا تُدرَك، كما معجزة الصعود لا يمكن تعقُّبها.

 

فإلى أين نزل ذاك الذي هو حاضرٌ في كلِّ شيء؟ أو إلى أين صعد ذاك الذي يملأ الكلّ؟ إذا كان لاجسديٌّا، فهو لا يمضي إلى أيِّ مكان. فإلى أين يمضي ويذهب ذاك الذي لا حدود له ولا تخوم والذي لا يُحدُّ في مكان؟ فهو يَحبِسُ الكلَّ ويحويه في ذاته. ولكن إذا كان أتى جسديٌّا (الكلمة صار بشرًا وسكن بيننا، يو 1: 14)، حين اتَّحد جوهريٌّا بالبشريّ (باللحم) الذي له نفس عاقلة، دون تبدُّل ولا حدود، ولبث على ما هو بعد أن صار إنسانًا، دخل المعمورة مثل بكر بين إخوة كثيرين وصعد (رو 4: 10) إذ هو هكذا، أي متجسِّدًا فوق السماوات كلِّها مثل ابن وحيد للآب (يو 1: 24).

 

فبولس حين تكلَّم عن المسيح إلى الكولوسيّين كتب: »فيه يسكن ملءُ اللاهوت جسديٌّا« (كو 2: 9)، أي لا عمل جزئيّ للكلمة نفسه كما في الأنبياء بل هو كلمة الله نفسه، المملوء والحيّ، والأقنوميّ. ما سكن كحبيب محبّ بالنعمة وبالمشاركة، بل اتَّخذ جسمًا أي صار بشرًا حسب الجوهر وفي وحدة كيانيَّة. هذا هو معنى أن يسكن جسديٌّا«(51).

 

وينهي سويريوس خطبته كما يلي:

 

»يا للمحبَّة التي لا توصَف! ويا للكرامة التي بها كُرِّمنا! فمنذ البداية حين أعبرَنا من العدم إلى الوجود، في طيننا وفي إناء خزفيّ وضع نفسًا ناطقة وصورته البيتيَّة وأكمل الإنسان. ولكن لأنَّ ما هو أرضيّ تقوّى على ما هو أسمى، وتعتَّم بالحياة اللحميَّة جمالُ الصورة، صار الكلمةُ، الخالقُ، إنسانًا فأخرجنا كلَّنا بهذا الطين وبهذه الصورة إلى السماء، بل إلى العرش الذي هو فوق السماء.

 

»فلماذا نحن الذين كُرِّمنا بمثل هذا الإكرام نشكُّ أيضًا بملكوت السماء الذي وُعدنا به، حين لنا في العلاء باكورةُ جنسنا والتي بها لنا مثلُ مرعى في السماء وهناك نرعى (مثل خراف). ولكن أيُّها الإنسان، حين تشتري حقلاً، حين تمتلك مرعى، لا تتردَّد أبدًا ولا تشكُّ أنَّه لك وعندئذٍ تعمل على فلاحته. ولكن إذ لنا مرعى في السماء فأنت لا تفلح أمور السماء بل تنظر إلى تحت فتدور وتدور مثل دود حول الأرض وتبقى متعلِّقًا بنتانة هذا العالم فتَسجن عقلَك في هذه الاهتمامات الزمنيَّة.

 

»ولكن نسمع بولس يقول لنا ما هي هذه الفلاحة أي استغلال هذه الأمور السماويَّة، فنهتمُّ بها بفرح لكي نؤهَّل للخيرات الأبديَّة«. فإن كنتم قمتُم مع المسيح فاطلبوا ما هو فوق حيث المسيح هو جالس عن يمين الله. اهتمُّوا بما هو فوق لا بما هو على الأرض، لأنَّكم متُّم وحياتكم مخفيَّة مع المسيح في الله« (كو 3: 13). تلك هي الفلاحة وطلب الغلَّة. وما هو الأجر؟ قال: »حين يتجلّى المسيحُ حياتنا، حينئذٍ أنتم أيضًا تتجلّون معه في المجد« (آ4)، لأنَّه له المجد إلى الدهور. آمين(52).

 

* * *

 

قدَّمنا مقطعًا كبيرًا من هذه العظة حول الصعود لكي نتعرَّف إلى هذا الخطيب، إلى هذا الواعظ الذي ضاهى بلا شكَّ الذهبيّ الفم، ولكنَّه استُبعد من العالم اليونانيّ لأنَّه اعتُبر هرطوقيٌّا، مع أنَّه كان أرثوذكسيٌّا بامتياز، ولكن في إطار من الكلام يختلف عن كلام مجمع خلقيدونية. ويكفي أن نعرف أنَّه لم يكن رفيقًا بأوطيخا الذي حُكم عليه في خلقيدونية سنة 451. لا مجال هنا للكلام عن المونوفيسيَّة التي انقسمت في النصف الثاني من القرن الخامس إلى مجموعات يمكن أن تلتقي في تيّارين اثنين. فالتيّار الجذريّ أكَّد أنَّ الاتِّحاد بين طبيعتين في طبيعة واحدة في المسيح، تحقَّق بعد أن حصل تحوُّلٌ في الطبيعتين. ونتساءل: كيف تتحوَّل الطبيعة الإلهيَّة؟ هذا مستحيل. أمّا التيّار الثاني الذي دُعي المونوفيسيَّة الكلاميَّة، اللفظيَّة، والذي مثَّله أفضل تمثيل سويريوس الأنطاكيّ، فإنَّه استند إلى عبارة كيرلُّس \\\’طبيعة واحدة لله الكلمة المتجسِّد: فالسويريوّن فهموا طبيعة المسيح الناتجة عن الاتِّحاد كطبيعة ملموسة، فرديَّة، قائمة. أي كأنَّها أقنوم. ثمَّ أكَّدوا أنَّ في هذه الطبيعة يتواصلُ وجود صفات البشريَّة والألوهة دون انفصال، ولكن بدون مزج وبدون تحوُّل. وهكذا يكون المسيح كلِّيٌّا إنسانًا وكلِّيٌّا إلهًا في شخص واحد، وبالتالي من جوهر الآب فيما هو إله ومن جوهرنا بما أنَّه إنسان«(53).

 

* * *

 

الخطبة 48. حول العنصرة (18 أيّار). أُلقيت يوم الجمعة (الذهبيَّة) في 23 أيّار 514. فأعلن الواعظُ صوم الرسل قبل الوقت، كما جرت العادة.

 

»إشعيا الذي تفوَّق على جميع الأنبياء بلغته الأنيقة والرفيعة، والذي تقدَّم فكرَزَ بسرِّ الإنجيل بشكل إنجيليّ لا فقط بشكل نبويّ، رأى عمّانوئيل جالسًا على كرسيّ عالٍ رفيع (إش 6: 1)، يسبِّحه السرافيم مثل ربِّ الجنود (الصباؤوت) وموضوعًا مثل جمرة على المذبح. حقٌّا هذه الجمرة تقدَّمت فصوَّرت الكلمة الذي لأجلنا صار بشرًا وتأنَّس دون تغيير: ذاك هو العمّانوئيل.

 

فكما أنَّ الخشب يمتزج بالنار فيحترق بقوَّة ويتقبَّل في عمقه اللهيب فيصير كلُّه نارًا، كما يُظنّ، وهذا دون أن يخرج من أن يكون خشبًا، ودون أن يلقي عنه طبيعته الخاصَّة (البيتيَّة)، بل يُعتقد بلا انفصال واحدًا يُسمّى جمرة فعلاً واسمًا فيعمل ما هو خاصّ بالنار أي ينير ويحرق. بهذا الشكل عينه حين يتَّحد كلمةُ الله بالبشريّ (اللحم والدم) الآتي من الروح القدس ومن مريم يمتلك نفسًا عاقلاً، يتَّحد لا بشكل بسيط بل في وحدة الأقنوم بحيث يُفهم أنَّه في الحقيقة صار بشرًا وتأنَّس. من جهة احتفظ بالبشريّ كما هو دون أن يبدِّله إلى طبيعته الخاصَّة، ولا هو تحوَّل في طبيعته، وإذ اتَّحد مرَّة واحدة بدون انقسام هو واحد (كما نظنّ) مع البشريّ. وهو يعمل فيه كلَّ ما هو خاصٌّ به بحيث يشفي ويخلق ويحيي، لأنَّه صار حقٌّا الجسد الخاصّ، جسد الكلمة الخالق وصانع الحياة وهو الجمرة الإلهيَّة والعقليَّة.

 

»لهذا (هذا البشريّ) حين بصق في الأعمى منذ مولده وقف له بؤبؤًا بالفعل (لا بالقول فقط). وإذ صاح بلسانه بكلام واضح: »يا لعازر قم إلى الخارج« (يو 11: 43)، أقام الميت الرباعيّ الأيّام الذي كان مأسورًا بأسر القبر ونتنًا. هذا (البشريّ) سار على البحر كما على الأرض، وصنع أمورًا أخرى مثل هذه في الجسد، وهي أعمال هي بالحقيقة خاصَّة الطبيعة الإلهيَّة وحدها.

 

قال النبيّ: هذه الجمرة التي اتَّخذها أحد السرافيم عن المذبح وقرَّبها منه ولمس بها فمه وقال: »ها هذه جسَّت شفتيك ورفعت ذنوبك ونقَّت خطاياك« (إش 6: 6). فالكلمة نقّى في الحقيقة شفاه الذين آمنوا به بالقلب للبرّ واعترفوا به بالفم للخلاص (رو 10: 10) فاحمرَّ لسانُهم بالدم. فهذه هي التنقية، وناريَّةٌ هذه الجمرة. هكذا تكلَّم النبيّ. أمّا اليهود الذين ينقصهم كلُّ فهم والذين هم كافرون جدٌّا وعميان بالحجاب الذي هو على قلبهم، إذ رأوا جليٌّا الجمرة تُبرق بآيات إلهيَّة، وتنير بالتعاليم، وتبطل باشتعالها مادَّة الخطيئة كما كُتب. إلهنا نارٌ آكلة (خر 24: 17) وقال: غُفرتْ لك خطاياك (مت 9: 2) وأيضًا: لابن الإنسان سلطان به يغفر الخطايا على الأرض (آ6). هم ما صدقَّوا أنَّ الله نفسه ذاك الذي يتكلَّم هو قريب منهم ويُرى على الأرض بجلاء ومع البشر يتحدَّث (با 3: 38) ولكن حين تشكَّكوا بذاك الذي تراءى ظنُّوا أنَّه إنسان فقط وليس أيضًا إلهًا. ومن الحجر رأس الزاوية، المختار، الثمين أقاموا لهم حجر عثرة، كما كُتب، حجر شكّ (1 بط 2: 6-7)، لبث حلقُهم مغلقًا لدى موسى وعلى قمَّة جبل سيناء وتعظَّموا بوجدان مترفِّع ومتشامخ وبفم فاغر قالوا: نحن كلَّمنا الله على الجبل في النار (تث 4: 15). أمّا هذا فلا نعرف من أين هو (يو 9: 29).

 

»لأجل هذا، لجم الروح القدس فمهم اللامختون وغباوة وجدانهم، فحلَّ على الرسل بألسنة ناريَّة وعرَّف أنَّ ذاك الذي تكلَّم مع موسى على الجبل هو أيضًا ذاك الذي ظهر وتراءى مثل جمرة في التدبير (الإلهيّ)، لا مثل النار عينها، وشارك في الدم واللحم مثلنا (عب 2: 14) ما عدا الخطيئة وما ألقى بعيدًا عنه كونه إلهًا حين صار إنسانًا لكي يكون قريبًا فيراه البشرُ كلُّهم فينقِّينا فنستطيع أن نمسكه بملقط المعرفة كما رأى النبيّ أحدَ السرافيم صانعًا(54).

 

نلاحظ هنا أمورًا عديدة. أوَّلاً، شرح سويريوس نصَّ الكتاب المقدَّس شرحًا إنجيليٌّا، لا فقط نبويٌّا. لهذا نراه يهاجم اليهود بسبب عماهم وبلادة عقلهم. قرأ إشعيا وبيَّن أنَّ الجمرة هي الكلمة. دخلت الجمرة في الخشب فما تحوَّلت، كذلك الكلمة حين تأنَّس وصار بشرًا مثلنا.

 

وكلام هذا الواعظ عن التجسُّد كما يوجِّهه إلى الشعب المؤمن، يدلُّ على الدقَّة بالتعبير. فالألوهة تتَّحد بالبشريَّة وتحافظ الواحدةُ والأخرى على الصفات. لا تبدُّل في اللاهوت حين يتَّحد بالناسوت، والناسوت يعمل فيدلُّ على اللاهوت. وأشارَ سويريوس إلى أبولينار(55) الذي نسيَ أنَّ الكلمة اتَّخذ أيضًا نفسًا عاقلة.

 

كلمات لاهوتيَّة نجدها في تعليم الكنيسة فتشدِّد على الوحدة في الأقنوم (؟؟؟؟؟؟؟ ؟؟ ؟؟؟؟؟؟؟). ولكنَّ العنصر البشريّ لا يغيب، بل حُفظ (؟؟؟) كما كان (؟؟؟؟؟؟؟ ؟؟ ؟؟). فالبشريّ لم يتحوَّل (؟؟؟؟؟ ؟؟) إلى الطبيعة (؟؟؟؟) الإلهيَّة، ولا الطبيعة الإلهيَّة تحوَّلت (؟؟؟؟؟)(56).

 

* * *

 

الخطبة 49. حول ما قاله الرسول في الرسالة إلى رومة: »لهذا، كما أنَّه بإنسان واحد دخلت الخطيئة إلى العالم وبالخطيئة الموت، وهكذا عمَّ الموتُ جميع البشر لأنَّهم جميعهم خطئوا. فإلى الشريعة كانت الخطيئة في العالم، ولكنَّ الخطيئة لم تكن تُحسَب خطيئة لأنَّه لم تكن شريعة. ولكنَّ الموت ساد منذ آدم حتّى موسى حتّى على الذين ما خطئوا على شبه تعدِّي وصيَّة آدم الذي هو صورة ذاك العتيد أن يأتي« (رو 5: 13-14). وحول ما قيل في الرسالة إلى الكورنثيّين: »وحين يُخضَع له كلُّ شيء، حينئذٍ يَخضع الابن هو أيضًا لذاك الذي أخضع له كلَّ شيء ليكون الله كلاٌّ في الكلّ« (1 كو 15: 28).

 

وإذ نصنع من القدم ذكر الأبرار الذين من قبل، حسب عادة عتيقة بلغت إلينا، وبحسب تسليم ينحدر من الآباء القدّيسين ومن الذين أقيموا بحسب الناموس (القانون) على رأس الكنيسة، اعتبرنا أنَّه ينبغي أن أقول لكم مقالاً في هذا الموضوع، فأسبِّح المسيح الذي مات وعاد إلى الحياة (؟؟؟ من أجل هذا: أن يكون ربَّ الأموات والأحياء (رو 1: 19). فليس فقط من أجل الأحياء بل بالحقيقة أيضًا من أجل الأموات، حمل بإرادته الصليب الخلاصيّ وقبِلَه على (كتفه). لهذا نقول: الأحياء هم الأبرار الذين يحيون في البرِّ، والأموات هم الذين ماتوا بالخطيئة. ولكن إن قال إنسان أيضًا: الأحياء هم الذين يحيون الآن في الحياة البشريَّة (؟؟؟؟؟) والزمنيَّة، والأموات هم الذين يُحسبون بين الأموات، تركوا العالم وبالتالي رقدوا، فهذا لا يأتي إلى خارج الحقيقة. فمن أجل الأبرار ومن أجل الخطأة، من أجل الذين خرجوا من الحياة (= ماتوا) ومن أجل الذين هم بعد أحياء، سفَكَ المسيحُ دمه لكي، كما أنَّ الجميع ماتوا في آدم كذلك يحيا الجميع في المسيح (1 كو 15: 22). فبولس هتف: بيد إنسان واحد دخلت الخطيئة إلى العالم، وبيد الخطيئة الموت وهكذا عبر الموت إلى جميع البشر لأنَّهم جميعهم خطئوا« (رو 5: 12).

 

فبعد أن جُبل آدم من الطين وتنفَّس (:؟؟؟؟؟ نال نفسًا) بنفس ناطقة، وخُلق على صورة الله، هذه الصورة كُرِّمت بالحرِّيَّة وبما يجعلها ملكة على كلِّ ما على الأرض، واستطاعت أن تقبل البرَّ وكلَّ فضيلة وأن تشارك في سائر (الميزات) التي مثل هذه. فهذه كلُّها تُرى في الجوهر، في الله وفي الطبيعة التي هي أرفع من كلِّ شيء. فآدم هذا عاش حياة الفردوس المطوَّبة وتكلَّل بنعمة الخلود (اللامَوت). ولكن بعد أن تجاوز الوصيَّة التي اتَّخذها لامتحان حرِّيَّته، لكي يحفظ الخيرات التي وُهبت له ولكي يمتلك ما سوف يُزاد له، وحين استحقَّ حكمَ الموت بسبب خطيئة المعصية (اللااستماع) وتجاوز الخطيئة، سمع: أنت تراب وإلى التراب تمضي (تك 3: 19). منذ ذلك الوقت، نحن أيضًا الذين من أبٍ مائت صرنا بالتالي أبناء مائتين، وليس هذا فقط بل »كسحاء« بما يتعلَّق بالبرِّ وبممارسة كلِّ فضيلة، وكأنَّ طبيعتنا مرضت بحبِّ الملذّات ودُفعت لكي تزلق وتسقط بسهولة في الخطيئة، بحيث قال الله: وُضع وجدان الإنسان في الشرِّ منذ صباه وهناك يرتاح (تك 8: 21).

 

فهذا ما يقوله بولس حقٌّا: بيد إنسان واحد دخلت الخطيئة إلى العالم وبيد الخطيئة الموت وهكذا عبر الموت إلى جميع البشر لأنَّهم جميعهم خطئوا. فكأنَّه قال: كانت خطيئة آدم زرعَ موت، والموت نفسُه بعد أن عبر في كلِّ أبنائه مثل السنابل فأنتج ثمارًا (أو: غلاّت) وافرة وأنبت خطايا كثيرة، لأنَّ جميع الناس بدوا وكأنَّهم دُفعوا في شباك الخطايا(57).

 

ويواصل الواعظ كلامه فيتساءل: هل ترك الله الإنسان وما أرسل إليه معونة؟ والجواب كلاّ. فهناك الناموس الطبيعيّ الذي بدأ مع قايين وهابيل، ثمَّ مع نوح وأهل عصره. ولكنَّ هذا الناموس لم يكن كافيًا.

 

من أجل هذا كانت الحاجة إلى ناموس (شريعة) آخر يكون تذكيرًا بيد الأمور المكتوبة. فالخطيئة التي »تعرَّمت« وارتفعت كما قمَّة الجبل وأخفت الناموس الطبيعيّ (؟؟؟؟؟)، شكَّلت عذرًا للذين خطئوا. فاستطاعوا أن يقولوا: »إذ غرقنا في الشرّ وجب أن يُقرَّب لنا تذكير وما قُرِّب لنا«. هذا ما قال الرسول: إلى الشريعة كانت الخطيئة في العالم، ولكنَّها لم تُحسَب خطيئة لأنَّه لم يكن ناموس (رو 5: 13). من جهة قال: »كانت الخطيئةُ في العالم«. ومن جهة أخرى، قال: »حين لم يكن ناموس يُوبِّخ، لم تكن الخطيئة تُحسَب للذين خطئوا«.

 

ولكن حين وُهب الناموس بيد موسى، دخلت الخطيئة خلسة وأتت بالذين لم يكونوا واعين لكي يعوا الخطيئة. وهكذا فعلت لكي تُحسَب (خطيئة). فهذا ما يراه الإنسان أيضًا لدى المرضى: بعد أن قُرِّب إليهم عونٌ أوَّل، مثلاً نظام يجب أن يُحفَظ ويُتبع. فإن كان ما سبَّب المرض يتقوّى لأنَّ المريض لم يتبع الترتيب، وإذا ضعفَتْ قوَّةُ العون. وإذا لم يقرِّب له نوعٌ آخر معروف وناجع بشكل أفضل لدواء ثانٍ فنتراخى ولا نلوم المريض. ولكنَّنا نلوم الطبيب… مع أنَّ المريض يجب أن يلام… ولكن إذا الطبيب استعمل وسائل طبِّه يعود اللوم إلى المريض.

 

إذًا في ذلك الوقت، وُهب الناموس بواسطة الكتابات…(58)

 

هو شرح للتعليم البولسيّ حول الخطيئة »الأصليَّة«، مع تطوُّر في التدبير الإلهيّ من الشريعة الطبيعيَّة إلى شريعة موسى. ولكنَّ هذا لا يعني أنَّه بمجرَّد وجود الشريعة الموسويَّة زالت الخطيئة. فلا بدَّ من تجديد الإنسان وهذا يتمُّ بموت يسوع وقيامته.

 

نتوقَّف عند هذا القدر من خطب المنابر. هي نبع غزير من الشرح الكتابيّ والدروس اللاهوتيَّة. قدَّمنا بعضًا منها وتركنا القسم الكبير. من يدري؟ ربَّما نعود يومًا إلى هذه الخطبة (العظة) أو تلك، مثلاً تلك التي فيها على تجاديف تيودوريه القورشيّ الذي اعتبره واحدًا من بنات آوى الذين أدخلوا الهرطقة النسطوريَّة(59).

 

الخاتمة

 

إلى سويريوس بطريرك أنطاكية تعرَّفنا بعض الشيء وقرأنا بعض عظاته التي جُمع منها 125 في خطب المنابر، لأنَّه قالها حين كان على الكرسيّ الرسوليّ. قيلت في اليونانيَّة، وما بقي منها سوى نتف في هذه اللغة. ولكنَّها حُفظت في السريانيَّة كما حُفظت في مجمل آثار هذا المدافع عن الإيمان »المونوفيسيّ« الذي هو في الحقيقة أرثوذكسيّ يحاول أن يقف بين أوطيخا المتطرِّف في جمع الطبيعتين وبين نسطور الذي يجعل في المسيح أقنومين.

 

كتابات وافرة عبرت الحدود في ترجمتين بيد بولس القالينيقيّ ويعقوب الرهاويّ. أمّا نحن فبعد نظرة عاجلة إلى هذا الكنز الفكريّ، أردنا أن نغوص في عمق لاهوت يحتاج أن نقرأه بتمعُّن لأنَّه يُجمل ما يمكن أن تقدِّمه كنيسة الشرق، ولاسيَّما السريانيَّة، بحيث يكون للتراث السريانيّ دوره بإزاء التراث اليونانيّ والتراث اللاتينيّ. عندئذٍ وعندئذٍ فقط نستطيع أن نتكلَّم عن كنيسة جامعة، تنطلق من وحدة تستمدُّها من جسد المسيح الواحد، فتضمُّ في شخصه كلَّ ما في السماء وما على الأرض.

1) اللؤلؤ المنثور في تاريخ العلوم والآداب السريانيَّة، دار ماردين، دار الرها، 1996، ص 238.

 

 

 

خاتمة الكتاب

 

عالم شرقيّ يزخر بالغنى. دخلنا فيه وفرحنا بلا شك بما حمل إلينا الآباء والجدود من سحيق التاريخ، ولاسيّما في اللغة السريانية التي امتدت في سورية ولبنان والعراق وصولاً إلى الخليج وبشكل خاص مع قطر حيث عرفنا داديشو قطرايا أو داد يشوع القطري الذي عاش في نهاية القرن السابع، كما عرفنا اسحق النينوي ابن القرن السابع الذي وُلد في مقاطعة بيت قطرايي، أو قطر.

 

عالم ينطلق من القسطنطينية وأنطاكية والاسكندرية ليصل إلى الرها ونصيبين ودارا حتى البصرة وتكريت وغيرها من المدن العراقية، بل إلى المدن الايرانية مثل مرو وأورمية وأماكن أخرى.

 

تراث غنيّ حوى من المخطوطات ما لا تحتويه أيّة لغة قديمة، وما زالت مخطوطاته تُنسَخ حتى اليوم، ولاسيّما كتب الأناجيل والرسائل. فنحن في خط العالم اليهودي الذي لا يقرأ الكتاب المقدس في المجامع، إلاّ في مخطوطات دُوّنت على رقّ الغزال أو غيره من الحيوان. مخطوطات توزّعت في الشرق والغرب، في لبنان وسورية وتركيا وإيران، وفي برلين ولندن وأوكسفورد وباريس والفاتيكان وسان بترسبورغ. وها هي الآن تعرَف بواسطة الامكانات الحديثة في التصوير والنشر.

 

تراث غني قدّمنا منه نصّين قديمين يربطان العالم السرياني بعالم ايران وبالكتاب المقدس. فالفلسفة حاضرة في كلام عن الحرية والقدر، والكتاب المقدس مع التراثات الدينية التي خلّفها الفكر الواصل إلى شرقي الاردن وأبعد من ذلك لدى ما يُدعَى التيار اليهومسيحي وما يتفرّع منه من انجيل العبرانيين وفرق الناصريين.

 

وذكرنا خمسة وجوه. وبقيت وجوه عديدة، سوف نعود إليها بإذن الله. ومن هذه الوجوه، أشرنا إلى بعض ما كتبوا، ولكن ما لم نذكره أكثر بكثير. ماذا ذكرنا مثلاً من ابن العبري، بعد أن نظّمنا له مؤتمراً في الجامعة اللبنانية، بمناسبة المئويّة السابعة لوفاته؟ ذاك الذي قيل فيه إنه كان »جمّاعًا«، جمع في الواقع كل التراث السرياني على جميع الصعد، فحفظ لنا الكثير قبل وصول المغول والتتر الذين تركوا وراءهم الدمار والحريق وكأنهم طلبوا أن يعيدوا الانسان إلى العصر الحجريّ. وسويريوس بطريرك أنطاكية ترك لنا مدة ست سنوات إرثًا كبيرًا حفظته لنا اللغة السريانية، ولنا عودة إليه في أكثر من مناسبة، لأنه يضاهي سائر بطاركة أنطاكية إن لم يتفوّق عليهم. رسائله وحدها تاريخ يعطينا صورة عن الكنيسة في القرن 5-6. وما نفرح له هو أن اللغة السريانيّة انفتحت باكراً على تراث الآباء اليونان، فنقلت آثار أثناز الاسكندراني وكيرلس خلفه، وآثار الكبادوكيين باسيل وغريغوار النازينزي وغيرهما. واحتفظت بما كتبه جرجس أسقف العرب، ونسطور بطريرك القسطنطينية. ولولا السرياني لضاع هذان المؤلفان مع كتاب إبيفان، أسقف سلامين في قبرص، حول الهرطقات.

 

آفاق حاولنا أن نفتحها، ونوّد توسيعها، كما نودّ أن نرى العديدين يخرجون من آفاق الطائفة الضيقة وصولاً إلى شرق ينفتح على الغرب فيعطيه أفضل ما عنده ويأخذ منه غناه

 

 

(2) Homéliae Cathedrales in PO 175 (1-17), 171 (18-25), 170 (26-31), 169 (32-39), 167 (40-45), 165 (46-51), 15 (52-57), 37 (58-69), 57 (70-76), 81 (77), 97 (78-83), 112 (84-90), 121 (91-98), 108 (99-103), 124 (104-112), 127 (113-119), 138 (120-125).

 

وهكذا نكون أمام 125 خطبة ألقاها البطريرك سويريوس ونُقلت إلى السريانيَّة.

 

(3) F. GRAFFIN, T. XXIX, fasc 1, Les Homiliae Cathedrales de SEVERE D’ANTIOCHE, tr. Syr. De Jacques d’Edesse, Paris, 1960, Intr. gén., Ed. Tr. M BRIERE.

 

(4) نلاحظ ما نال سويريوس في لبنان: العلم في بيروت، العماد في طرابلس.

 

(5) Pierre L’Ibérien”, in Dict. Enc. du Christianisme Ancien (=DECA), Paris, Cerf, 1990, p. 2039.

 

أصله من جيورجيا (= إيبريا) صار راهبًا باسم بطرس وأقام في مايوما، قرب غزَّة.

 

(6) P. S. VAILHE, “Répertoire alphabétique des monasteries de Palestine”, Revue de l’Orient Chrétien (= ROC), t. V, 1900, p. 44-46

 

(7) Eleuthéropolis، في فلسطين.

 

(8) Laure من اليونانيَّة laura الطريق الضيِّق، تتألَّف اللفرة من مجموعة قلاّيات فرديَّة، بقيادة رئيس واحد. , p. 1412.DECA

 

(9) “Flavien II d’Antioche” (patr. de 498-512), DECA, p. 977.

 

(10) E. W. BROOKS, The sixth Book of the Letters of Severus, patriarch of Antioch in the Syriac Version of Athanasius of Nisibis, Vol II (translation) part II, London, 1904, p. 284

 

(11) حسب يوحنّا الأسيويّ ، F. NAU, “Analyse de la seconde partie inédite de l’Histoire ecclésiastique de Jean d’Asie, patriarche jacobite de Constantinople (mort en 583)” in ROC, t. II (1897) 466; cf PO, t.II, p. 303-304

 

(12) حسب يوحنّا الأسيويّ كما في ميخائيل السريانيّ Chronique de Michel le Syrien, patriarche jacobite d’Antioche (1166-1199), éd. Par J. B. CHABOT, Paris, 1901, t. II, p. 170 ss

 

(13) Anthime de Trébizonde”, DECA, p. 140

 

(14) Vie de Sévère par Jean, Supérieur du monastère de Beith- Aphtonia, Patr. Orientalis, t. II, p. 360.

 

(15) R. HESPEL, Sévère d’Antioche. La polémique antijulianiste, vol I (CSCO 244-245/syr 104-105), Peeters, Leuven, 1964, Vol II, A (CSCO 295-296/syr 124-125), 1968); Vol II B (CSCO 301-302/syr 126-127), 1969; Vol III (CSCO 318-319/syr 136-137), 1971.

 

(16) .Julien d’Halicarnasse, (DECA, p. 1374-1375) كتابة Tome ثمَّ Compléments du Tome ثمَّ Apologie أبولوجيّا أو مقال ضدَّ المانويّين والأوطيخيّين. وأخيرًا ضدّ تجاديف سويريوس. كلُّ هذه المقالات فُقدت.

 

نقلها إلى السريانيَّة بولس القالونيقيّ، وعادت المخطوطات إلى القرن السادس، ويبدو أنَّ فاتيكان 140 هو بخطِّ يد بولس.

(17) R. DRAGUET, Julien d’Halicarnasse et sa contrverse avec Sévère d’Antioche, Louvain, 1924

 

(18) R. HESPEL, Sévère d’Antioche, le Philaléthe, CSCO 133-134/syr 68-69, Peeters, Leuven, 1952.

 

(19) mia jusiV logou sesarkomenou

 

(20) upostasiV أو prosopon. في السريانيَّة .ܦܪܨܘܦܐ

 

(21) I. LEBON, Severi Antiocheni Liber contra impium grammaticum. Orationis tertiaee pars prior, CSCO 93-94/Syr 44-45, Leuven, Peeters, 1929

 

(22) Oriationis tertiae pars posterior, CSCO 101-102/Syr 50-51, Leuven, 1933

 

(23) Oratio prima et secunda, CSCO 111-112/Syr 58-59, Leuven, 1938

 

(24) الأب ألبير أبونا، أدب اللغة الآراميَّة، دار المشرق، بيروت، 1996، ص 219

 

  1. SIMONETTI, “Sévère d’Antioche” in DECA, p. 2278-2281; J. LEBON, Le monophysisme sévérien, Louvain, 1909

 

(25) حاشية 1، ص 241.

 

(26) S. P. BROCK, “Some New Letters of the Patriarch Severus St patr 12 = TU 115 (1975) 17-24

 

(27) حاشية BROOKS ,10

 

(28) E. W. BROOKS, A Collection of Letters of Severus of Antioch from numerous manuscripts, PO, t. XII, p. 163-342; t. XIV, p. 1-310

 

(29) ألبير أبونا، حاشية 24، ص 220-221:

 

(30) اللؤلؤ المنثور، ص 244-249. قال Brière في الباترولوجيّا الشرقيَّة، المجلَّد 30، كراسة 1، ص 16: اختيرت 700 رسالة (ما بقيَ منها سوى الكتاب السادس مع 123 رسالة) في ترجمة سريانيَّة قام بها أثناسيوس النصيبينيّ. وُجد نقلٌ سريانيّ أو نقلان لجمل رسائل سويريوس أو قسم منها.

(31) E. W. BROOKS, James of Edessa: The Hymns of Severus of Antioch and others, Syriac version, PO, t. VI, p. 1-179; t.VII, p. 593-803; t. XIV, p. 299-310.

 

(32) omiliai epiqronioi (عظات فوق العرش، trône) Homélies Cathédrales في المخطوط البريطانيّ 14599 نقرأ ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ ؟؟؟؟؟؟؟ (مقالات دُعيَت فوق العرش) في فاتيكان سريانيّ 143 نقرأ . وفي المفرد .؟؟؟؟؟؟؟؟

 

(33) Angelo MAI, Scriptorum veterum nova collectio, t. IX, Rome, 1837, p. 725-742; Spicilegium Romarum, t. X, Rome, 1844, p. 202-205.

 

(34) , London, 1894, p. 94-95.A Short History of Syriac Literature W. WRIGHT,

 

(35) éd., Paris, 1907, p. 316-317, 360. e, 3La littérature syriaque Rubens DUVAL,

 

(36) باومشتارك، ص 160.

 

(37) mnhmh thV agiaV qeotokou kai aeiparqenou mariaV

 

(38) الباترولوجيّا الشرقيَّة، المجلَّد 37، الكراسة 1، عدد 173، Brepols, 1975، ص 6-7.

 

(39) المرجع السابق، ص 24-25.

 

(40) eorth twn wsannwn

 

(41) حاشية 38، ص 46-47.

 

(42) حاشية 38، ص 66-69.

 

(43) حاشية 38، ص 114-115.

 

(44) h analhyiV tou megalou qeou kai swthroV hmwn Ihsou Cris

 

(45) ta geneqlia

 

(46) الباترولوجيّ الشرقيَّة، المجلَّد 36، الكراسة 3، العدد 169، Brepols, 1972، ص 458-459. نلاحظ هذا الكلام عن تجسُّد الابن في خطِّ الفكر السريانيّ.

 

(47) ta jwta .؟؟؟؟؟؟؟ هي الثانية. والأولى هي الخطبة 10.

 

(48) حاشية 46، ص 488-489.

 

(49) mnhmh pantwn twn dikaiwn نتذكَّر أحد الأبرار والصدّيقين الواقع قبل زمن الصوم في الليتورجيّا السريانيَّة (المارونيَّة).

 

(50) الباترولوجيّا الشرقيَّة، المجلَّد 35، الكراسة 3، عدد 165، Brepols, 1969، ص 290-291.

 

(51) المرجع السابق، ص 304-305.

 

(52) المرجع السابق، ص 314-315.

 

(53(M. SIMONETTI, “Monophysites”, in DEB, p. 1669-1673, ici p. 1671-1672(

 

(54) حاشية 50، ص 316-321.

 

(55) Ch. KANNENGIESSER, “Apollinaire de Laodicée, Apollinarisme”, in DECA, p. 185-188

 

(56) حفظت ص 316-317 في اليونانيَّة وبدايتها A. MAI, Scriptorum veterum nova collectio, t. IX, p. 725-726:oiden o projhthV ton emmanouhl epi qronou

 

(57) حاشية 50، ص 340-343.

 

(58) حاشية 50، ص 344-347.

 

(59) هي الخطبة 64. الباترولوجيّا الشرقيَّة، المجلَّد 8، الكراسة 2، الرقم 37، الطبعة الأولى، 1911، الطبعة الثانية 2Brepols, 1971، ص 313-320. بدايتها: إعرفوا أنّي أردتُ اليوم كما من قبل كان الكلام عن أطفال بيت لحم، فطلب منه المؤمنون أن يعيد ما قاله في قورش، فقال: »أردت أن أقرِّب لهم (للأطفال) كلَّ هذه العظة (المقال)، ولكن لست أدري كيف اقتدتموني في ببيل آخر، وكيف ترغبون أن تسمعوا ما قيل في منطقة قورش (ص 316)..

 

 

سويريوس الأنطاكي ف12 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

نسطور وكتاب هرقليد الدمشقي ف11 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

نسطور وكتاب هرقليد الدمشقي ف11 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

نسطور وكتاب هرقليد الدمشقي ف11 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

 

الفصل الحادي عشر

 

نسطور وكتاب هرقليد الدمشقيّ

 

سنة 431، التأم مجمع مسكونيّ في أفسس، وعلى أثره أُعلنت مريم العذراء والدة الإله. وكان نسطور الذي حُكم عليه هو من حثّ الإمبراطور ثيودوز على إرسال الدعوة إلى أساقفة الشرق والغرب من أجل هذا الاجتماع اللاهوتيّ، الذي كاد يقسم الإمبراطوريّة، ويضع الخلاف في قلب البلاط. غير أنّ ظروف انعقاد المجمع جاءت بطريقة غير عاديّة. وصل كيرلّس من الإسكندريّة مع أساقفته. وإذ تأخّر أساقفة الشرق بقيادة أنطاكية، وموفدا البابا من رومة، انتظر كيرلّس مترئّس ذلك المجمع قرابة أسبوعين على الموعد المحدّد، أي 7 حزيران، عيد العنصرة. وفي 22 حزيران بدأت الأعمال بقراءة قانون إيمان نيقية. ثمّ تليت رسالة كيرلّس الثانية إلى نسطور. إعتبرها الآباء موافقة لإيمان نيقية. ولمّا قرأوا رسالة نسطور إلى كيرلّس، وجدوها معارضة. وانتهى كلّ شيء في يوم واحد(1) مع الحكم التالي: »إنّ الربّ يسوع المسيح، الذي جدّف عليه نسطور، رسم، بهذا المجمع المقدّس، أنّ ذاك المذكور حُطَّ، من الآن وصاعدًا، من كرامته الأسقفيّة، وفُصل من الجسم الكهنوتيّ كلّه«(2). عُزل بطريرك القسطنطينيّة وما حُقّ له الدفاع عن نفسه لأنّ يد السلطة المدنيّة تعاضد السلطة الكنسيّة، فكتب مذكّراته وأنهاها قرب ساعة موته، سنة 451. فكان لنا كتاب هرقليد الدمشقيّ.

 

1- اسم الكتاب وهدفه

 

روى جناديوس ابن القرن الخامس، في كتابه »الرجال العظام« أنّ نسطور »ألّف عددًا كبيرًا من الكتابات حول مسائل مختلفة«(3). وأكّدت لائحة عبد يشوع(4) في ف 20، هذا الكلام ولكنّ ثيودوز الثاني أمر سنة 435 بتدمير كلِّ ما كتبه نسطور بالنار. فانتقلت الكتابات إلى العالم النسطوريّ، وهناك أيضًا ضاع معظمها. فما سلم سوى بضع عظات ورسائل، وخصوصًا هذا الكتاب الذي لا نقرأه إلاّ في السريانيّة.

 

أ- اسم الكتاب

 

حين كُشف هذا الكتاب في القرن التاسع عشر، في مكتبة المرسلين الأميركان، في أورمية، قرأوا العنوان السريانيّ: ت ا ج و ر ت ا: تجارة. فقال أوّل كاشف للكتاب: بازار هرقليد(5). لماذا هذا العنوان؟ لأنّ المترجم السريانيّ قرأ اللفظ اليونانيّ(6) الذي يعني تجارة كما يعني المقال والكتاب.

 

الكتاب مخطوط نُسخ في بلاد فارس، في أورمية، سنة 1558. وكان محفوظًا لدى بطريرك النساطرة، في الكردستان التركيّ. شوّه بشكل خاصّ سنة 1843 حين قتل الأمير الكرديّ بدرخان باي العدد الكبير من الكلدان بحيث هرب الباقون إلى بلاد فارس. من هذا المخطوط الفريد، انطلق أشعيا سنة 1889 وقدّم نسخة لمكتبة المرسلين الأميركان. ومن هذه الأخيرة، كانت نسختان، واحدة لجامعة كمبريدج في إنكلترا، وأخرى لجامعة ستراسبورغ في فرنسا. وكان في يد الأب بول بيجان(7) اللعازريّ، نسخةٌ انطلقت من الأولى وتمّت في فان الأرمنيّة.

 

هذا الكتاب الذي دوّنه نسطور وأنهاه في سنة موته، سنة 451، على ما يبدو، نُقل إلى السريانيّة في أيّام البطريرك بولس (539-540)(8) حوالي سنة 535. بعد سنة 540، درس الراهب النسطوريّ برعدتو (ابن البيعة) الكتاب وحفظه غيبًا. قال: »فرض عليّ مار إبراهام أن أتلو أسفار الكتاب غيبًا. فتلوتُ بعد بضع سنوات العهدين، كما تُتلى المزامير. ثمّ تلوت كتب أبّا أشعيا، أبّا مرقس، مار أوغريس. وأخيرًا، كتاب نسطور الذي هو لهرقليدس، الذي تُرجم مؤخّرًا، في أيّامي، من اليونانيّة إلى السريانيّة«(9).

 

في منتصف القرن السادس، قرأ المؤرّخ أوغريس كتابًا أوّل هو المأساة (تراجيديا). ثمّ تحدّث عن كتاب هرقليد فرآه مسهبًا مكثارًا، وفي شكل حوار بين نسطور وصفرونيوس الذي يبدو رجلاً مصريٌّا. فنسطوريوس يقيم في الواحة(10)، في مصر.

 

إليك ما كتب أوغريس الحمويّ(11) عن هذا الكتاب:

 

»كيف أبعد نسطور، وما الذي حصل له بعد ذلك؟ كيف ترك هذه الحياة، وأيّ عقاب ناله بسبب تجاديفه؟ هذا ما لم يعرفه كاتبو التاريخ. هي أمور منسيّة دمّرها لزمن، فما عاد أحدٌ يسمع بها. غير أنّي وقعتُ على كتاب نسطور الذي يُورد خبر هذه الأحداث(12). إذن، نسطور أبو التجاديف هذا، الذي ما بني بيته على أساس موضوع (لو 6: 48) بل على الرمل. لهذا قُلب هذا البيت حالاً، كما قال الربّ. هو كتب ضدّ الذين اتّهموه بأنّه أدخل جديدًا لا يليق (بالإيمان)، وبأنّه طلب انعقاد مجمع، فأخطأ.

 

»دافع عن تجديفه الخاصّ قال: اقتادته الضرورة بعد أن انقسمت الكنسيةُ المقدّسة قسمين. قال قسم: يجب أن ندعو مريم »أمَّ الإنسان« والآخر: »أمّ الله«. خاف أن يخطأ هذا وذاك، فتُمزج الإلهيّات (بالناسوت) أو تُترك الإنسانيّات (جانبًا). وخاف أن يأخذ برأي حزب فيحكم على الآخر. حينئذٍ تخيّل لفظ »والدة المسيح«(13).

 

»وأضاف أيضًا أنّ تيودوز لم يوافق في البدء على عزله، كرامة له، ولكن حين أُرسل بعضُ الأساقفة من الحزبين إلى تيودوز، في أفسس، سُمِح له، بناء على طلبه، بأن يعود إلى ديره الواقع عند أبواب أنطاكية. ما أعطى نسطور اسم (هذا الدير). ولكن قيل لنا فيما بعد أنّه يُدعى اليوم »الجميل، اللائق«(14). ونخن نعرف حقٌّا أنّه قرب المدينة، ولا يبعد عنها سوى فرسخين. وقال نسطور نفسه إنّه أقام فيه معزَّزًا، مكرَّمًا، إلى أن أبعده إلى »الواحة« قرارٌ جديد أصدره تيودوز(15).

 

وأورد أوغريس الرسالة التي بها أعلم نسطور، حاكمَ المدينة، بأنّ البربر أطلقوه مع سائر الأسرى، فمضى إلى بانوبليس (مدينة بان إله الرعاة، أخميم الحاليّة) لئلاّ يُتّهم بالهرب (من مصر) أو بشيء آخر.

 

هنا يروي الخبر النسطوريّ ما صنعه نسطور من معجزة، بها نجا من الأسر لدى البربر، هو والذين كانوا معه.

 

»حين كان في تلك الأمكنة، أتى البربر(16) مع ملكهم، فأسروا كلَّ هذه المنطقة مع الطوباويّ. وإذ عادوا، وهم يقتادونهم، وجدوا نفوسهم في صحراء تفصلهم عن أرضهم، لا مطر فيها ولا أنهار. فكانوا فريسة العطش وكادوا يموتون. فاقترب بعض الأسرى الذي يعرفون الطوباويّ، إلى الملك وقالوا له: هنا بين أسراك رجلٌ ينعم بحظوة كبيرة لدى الله. فإن صلّى استجيبت صلاتُه حالاً، وهكذا لا تهلكُ أنتَ مع جيشك. فأتى به الملك إليه وقال له: سمعتُ أنّك تستطيع بصلاتك أن تنجّينا من الموت. فإلهك مليء الرحمة ولا يريد موت الإنسان. فصلِّ إليه الآن ليمارس رحمته تجاهنا، فنُحفظ في الحياة.

 

أجابه (نسطور): »كن أنتَ رحيمًا تجاه الأسرى الذين أسرتَ«. قال الملك: »جميع الأسرى هم بين يديك«.

 

»حينئذٍ دعا الطوباويّ إلى الصلاة، وصلّى هو أيضًا إلى الله ليُرسل، في رحمته، ماء يُطفئ عطش البربر، فيعرف قدرته ويُظهرها، ويعيد الحرّيّة إلى الأسرى. وفي الحال، تفجّر فجأة نهرٌ كبير. وهكذا أمّن الطوباويّ نسطور، شرابًا لأسرى عديدين، وافتداهم، وعاد إلى بيته«(17).

 

ونعود أخيرًا إلى اسم الكتاب. في السريانيّة: تجارة هرقليد(18) الذي من دمشق. وضعه مار نسطور(19). وقد يكون الأصل اليونانيّ: كتاب هيرقليد الدمشقيّ(20). هناك أكثر من أسقف اتّخذ هذا الاسم(21). من مصر، ثلاثة أساقفة رافقوا كيرلّس إلى أفسس: تحوميس أو بطليمايس، هيراقلايا العليا، غيائيس أو دمياطة. وهناك هرقليد آخر. كان راهبًا من الإسقيط المصريّ. رسمه الذهبيّ الفم. ولكن اضطهده تيوفيل الإسكندرانيّ. حكموا عليه حكمًا غيابيٌّا في مجمع السنديانة، سنة 401. سجنوه أربع سنوات في نيقوميدية (تركيا). رأى نسطور في هرقليد هذا صورة عنه. أخيرًا، هرقليد هو تلميذ بولس وأوّل أسقف في قبرص، على مدينة تاماسوس(22).

 

ولماذا ارتبط هرقليد هذا بدمشق؟ لأنّ عددًا من الكهنة العبرانيّين، اضطُهدوا فراحوا يختبئون في دمشق. أمّا مترجم كتاب نسطور، فقال مادحًا »معلّمه«: »هو رجل فضيلة وعلم. يقيم بجوار دمشق. عُرف بصراحته وصدق أقواله«. وواصل كلامه: »لماذا أَخذ نسطور هذا الاسم«؟ والجواب: »لأنّه خاف أن لا يقرأه أحد بعد أن كثر المعادون«(23).

 

ب- هدف الكتاب ومضمونه

 

»التجارة« كتاب جدال فلسفيّ، لاهوتيّ، فيه يلعب التاريخ دورًا ثانويٌّا. بعد أن تقبّل نسطور أعمال مجمع أفسس، راضيًا أو مكرهًا، سعى إلى تفسيرها. إنطلق من وجهته الخاصّة، فردّ على الاتّهامات، وأبرز الأخطاء في الإجراءات التي اتّخذت في الحكم عليه. وحدّد موضوع الخلاف بالنسبة إلى كيرلّس، أسقف الإسكندريّة.

 

وبدا الطرح كما يلي: »من الضروريّ أن يكون اتّحاد بين الطبيعتين. ولا يمكن أن يكون الأمر غير ذلك. من أجل هذا، ولأسباب أخرى كان تجسّد ابن الله بالحقيقة: إله حقيقيّ بالطبيعة. إنسانٌ حقيقيّ بالطبيعة. لو وُضعت جانبًا طبيعةٌ واحدة من هاتين الطبيعتين، لكان نقص شيء. فإن لم يكن الله تجسّد، وإن لم يكن تجسّد في إنسان ينتمي إلى الطبيعة البشريّة، لكان التجسّد وهمًا. وهكذا تكون أقوال إبليس صحيحة: رذل المسيحُ من صورته خليقته (أي طبيعته البشريّة) لأنّها محتقرة. وبالتالي لن يكون لنا درس في التواضع والطاعة والتنازل«(24).

 

إذن، الطرح الأساسيّ، هو على مستوى الجسد، وعلاقة الطبيعتين البشريّة والإلهيّة بالأقنوم الواحد، فما الذي يقوله نسطور؟

 

انطلق كيرلّس من قانون إيمان نيقية وشرع يفسّره، لأنّه اعتبر أنّ الخلاف يُحلّ على الأساس الذي أعلنه الآباء باحتفال، في المجمع المسكونيّ الأوّل. وها نحن نورد رسالة كيرلّس الإسكندرانيّ الثانية التي أرسلها إلى نسطور:

 

»فنحن لا نقول إنّ طبيعة الكلمة صارت جسدًا بعد تحوّل، ولا هي تحوّلت إلى إنسان كامل، مؤلَّف من نفس وجسد، بل الحريّ هذا: إنّ الكلمة باتّحاده بحسب الأقنوم بجسد تحييه نفسٌ عاقلة، صار إنسانًا على وجه لا يُوصَف ولا يُدرَك، وسُمِّي ابن البشر، لا بمجرّد الإرادة والمشيئة، ولا لكونه اتّخذ فقط شكله. ونقول إنّ الطبيعتين المجموعتين في وحدة حقيقيّة هما مختلفتان، ومن الاثنتين نتج مسيحٌ واحد، وابن واحد، لا لأنّ اختلاف الطبيعتين أزيل بالاتّحاد، بل بالحريّ لأنّ اللاهوت والناسوت كوَّنا لنا الربّ الوحيد المسيح الابن، بائتلافهما في وحدة لا توصَف ولعُجِز البيان.

 

»فليس هو إنسانًا عاديٌّا وُلد أوّلاً من العذراء القدّيسة، ثمّ نزل عليه الكلمة من بعد، ولكن يُقال عنه إنّه كان متّحدًا بناسوته منذ (الحبل به في) البطن، وتقبُّل الولادة الجسديّة، إذ اتّخذ ولادة جسده الخاصّ… وهكذا تجرّأوا (الآباء القدّيسون) على تسمية العذراء القدّيسة أمّ الله، لا لأنّ طبيعة الكلمة أو لاهوته نالا وجودهما من مريم العذراء، بل لأنّه منها وُلد جسدُه المقدّس تحييه نفس عاقلة. هذا الجسد الذي اتّحد به الكلمة بحسب الأقنوم. ولهذا يُقال: وُلد بحسب الجسد«(52).

 

نقرأ في هذا الكلام النابع من العهد الجديد ومن إيمان نيقية، تعبيرًا جديدًا في لغة ترتبط بالمضمون. ما قاله يوحنّا الإنجيليّ ونيقية، يُفهم بهذه الطريقة في لغة حضاريّة يونانيّة: لا يتحوّل الكلمة إلى بشر ولا إلى إنسان. بل يتحدّث الكلمة »بحسب الأقنوم« أي على مستوى فعله الملموس بأن يقوم أو يُوجَد، في بشريّة كاملة. تمّت وحدةُ المسيح في أقنوم الكلمة، بحيث يكون هناك شخص واحد، لا اثنان. والكلمة يأخذ على عاتقه شكلاً جديدًا من القيام والوجود، شكلاً بشريٌّا. فالبشريّة ليست شيئًا يمتلكها، بل يكوّنها. وعلاقة أقنومه بطبيعته البشريّة، في نظام علاقته بطبيعته الإلهيّة.

 

رفض كيرلّس وحدة بحسب الرضى أو المشيئة. كما رفض وحدة في الشخص، الشخصيّة، التشخّص الذي يميّز الواحد من غيره بصفات خاصّة(26). هكذا اعتبر أنّه يجب أن يقرأ نصّ نسطور. مثل هذه الوحدة غير كافية لتدلّ على وحدة المسيح. وبيّن أيضًا أنّ هذه الوحدة تراعي اختلاف الطبيعتين(27).

 

وأخذ نسطور بأسلوب كيرلّس، فعاد إلى نصّ نيقية وربطه بالنشيد الكرستولوجيّ في فل 2: 6-11: ذاك الذي هو في صورة الله، صار في صورة الإنسان، صورة عبد طائعٍ حتّى الموت على الصليب.

 

»في كلّ موضع من الكتاب الإلهيّ، عندما يتكلّم على تدبير الربّ، لا يقدّم الآلام والولادة كأنّها للاّهوت، وإنّما لناسوت المسيح، بحيث إنّ العذراء القدّيسة يجب أن تُدعى بتسمية أدقّ أمّ المسيح، لا أمّ الله«(28).

 

نعود هنا إلى مقدّمة المترجم السريانيّ، الذي بدا متحمّسًا لنسطور قال: »واجهتَ (يا نسطور) أتعابَ سفر طويل من الشرق إلى الغرب، لكي تنير النفوس الغارقة في ظلمات الضلالة المصريّة(29)، والضائعة في دخان تجاديف أبولينار. ولكنّ الناس فضّلوا الظلمة على النور، لأنّ عيون فهمهم أظلمتها نظرات شخصيّة… رفضوا أن يُطيعوا فكُشِف ضلالُهم«.

 

وتهيّب المترجم أمام المهمّة الصعبة. ولكنّه تابع كلامه: »باتّكال تامّ على قوّة صلاتك، استعدَّتْ حقارتي لترجمة الكتاب من اليونانيّة إلى السريانيّة، وإذ أرجو عون الله الحيّ على لساني وفي أفكاري، أبدأ بكتابة ثمانية فصول، لتعرِّف بروح الكتاب«.

 

وتوقّف عند الهدف. »إليك الهدف الذي رمى إليه صاحبُ الكتاب: انجذب كثيرون بالناس وحبّ الغنى، فسقطوا في هوّة الاتّهامات والبغض. تعلّقوا بالأشخاص، فاستحقّوا ما قال النبيّ: »ويل للذين يدعون الشرّ خيرًا« (أش 5: 20). توخّى نسطور أن يدوِّن هذا الكتاب ليكون دواء يشفي النفوس المكتئبة من هذه الشكوك، والغارقة في أعماق الشرّ. في الحقيقة، كبيرًا كان الانشقاق الذي أدخله إبليس في الجسم المسيحيّ للكنيسة المقدّسة، بحيث أضلّ المختارين لو استطاع (مت 24: 24). إذن، كان هذا الدواء ضروريٌّا جدٌّا، ليُصلح أمراض العقل ويشفيها. ذاك هو هدف الكتاب«.

 

هناك أناس يتبعون كيرلّس لأغراض شخصيّة. ويفضّلون الظلمة على النور. نسطور هو النور. هذا ما يقوله أو يشير إليه منذ بداية أسقفيّته. حين انتقل من أنطاكية إلى القسطنطينيّة، وكان شارحًا للكتاب المقدّس في ديره، نوى أن ينير أهل العاصمة، ويبدّل في حياتهم وفي سلوكهم. فيوم رُسم أسقفًا في 10 نيسان 428، وصعد المنبر للمرّة الأولى، وجّه إلى الإمبراطور هذه الكلمات: »أعطني، سيّدي، مملكتك منقّاة من الهراطقة، فأعطيك ملكوت السماوات. أعطني السلطان على الهراطقة، وأنا أُخضع لك الفرس الذين يحاربونك«(30). وأتبع القول بالعمل: أحرق كنائس الأريوسيّين، ومعها عددًا من البيوت المجاورة، وذلك بعد رسامته بخمسة أيّام. وافتخر بأنّه صبر على الهراطقة وأطال أنّاته(31).

 

وما اكتفى بالعمل على مستوى العقيدة ووحدة الكنيسة، بل راح أبعد من ذلك: »ألغى الملاعب والمسارح، ومنع الصراخ والغناء والرقص والتسليات التي أحبّها الرومان وتعلّقوا بها. لهذا أبغضته المدينة، بانتظار أن تعاديه بولخيريا، شقيقة الإمبراطور تيودوز الثاني. وهي أثارت عليه أخاها، كما ساندت كيرلّس الإسكندرانيّ(32).

 

في مثل هذا الجوّ حُكم على نسطور، ولم يمضِ على أسقفيّته ثلاث سنوات. وما سُمح له أن يدافع عن نفسه، فجاء الحكم قاطعًا. وكان الأعداء تزايدوا عليه، بعد أن دُفع الإمبراطور فأصدر، في 30 أيّار 428، قرارًا بإبعاد الأريوسيّين والماقيدونيّين والأبوليناريّين والأونوميّين… أمّا المانويّون، فأُسلموا إلى العذاب. والرهبان عادوه أيضًا لأنّه منعهم من زيارة البيوت والوقوف في الساحات العامّة. والنساء منعهنّ من الذهاب إلى صلاة الليل مع الرجال(33).

 

وتحدّث المترجم عن فائدة الكتاب. »أظنّ، بادئ ذي بدء، أنّ الهدف من هذا الكتاب، تقديم الفائدة الروحيّة للقارئ. فتجاه الحكم الذي يعلنه الذين يضايقون البار ويحكمون عليه، ويبرِّئون المذنب (أش 5: 23)، هو ينير عيوننا حول التجسّد الذي هو النظريّة(34) الرئيسيّة الحقّة حول اللاهوت. هكذا نبتعد عن تجاديف على الطبيعة الإلهيّة والتدبير(35). وهكذا ننقاد إلى المعرفة بفضل مراحمه الكثيرة. ولئلاّ نطيل خطابنا حول المنافع الكبرى التي نقتطفها من هذا الكتاب، يكفي أن نقول بإيجاز: إنّه يقتلع الشوك ويُنمي الزرع (لو 8: 7)(36).

 

وقبل أن نتعرّف إلى الألفاظ التي استعملها نسطور، وندرس فكره مع رأينا الخاصّ فيه، نقدّم الفصل الأوّل حول »الهرطقات والانشقاقات« مع توطئة في البداية:

 

»أرى أنّه ينبغي على من يريد البحث عن الحقيقة بنشاط، أن لا يركِّب خطبته بأفكار مسبقة، بل أن يضع نصبَ عينيه كلّ ما يعارض الحقيقة ويناقش. فالعارفون بالذهب يقابلون هذا بذاك، فيرون الفرق بين الذهب الصالح والأقلّ صلاحًا..(37). كثيرون يختارون الشرّ بدل الخير، والكذب بدل الحقّ، لأنّ الأمرين متساويان في نظرهما. وهكذا يفضّلون القتال مع الآخرين على إثبات الحقيقة. بما أنّ كثيرين يختلفون حول المسيح ولا يتّفقون على اسمه، وآخرين يجادلون حتّى في اسمه، استحسنّا أن نعرض أوّلاً رأي كلٍّ من الهرطقات حول المسيح، لكي يُعرَف الإيمانُ الحقيقيّ حين نقابله بالهرطقات، بحيث لا نعثر في هرطقة، ونسقط في أخرى، مثل أناس لا يرون«(38).

 

وترد لائحة بالهرطقات بشكل سؤال وجواب:

 

أ- لماذا لا يقول الوثنيّون إنّ المسيح هو الله؟ بسبب العذابات الجسديّة والصلب والموت. ويقولون: المعجزات مضلِّلة. هم شيع عديدة، ولكنّهم وثنيّون.

 

ب- لماذا لا يعترف به اليهود أنّه المسيح؟ بسبب الصلب والموت. وهم ينتظرون مسيحًا سوف يستقبلونه في مجد عظيم وفي القدرة.

 

ج- لماذا لا يقول المانويّون إنّ المسيح هو إنسان أيضًا بطبعه، بل فقط إله؟ بسبب المعجزات. أمّا البشريّ فيه فهو في الظاهر، في المخيّلة، لا في الطبيعة.

 

د- لماذا يعلن البولينيوّن(39) والفوتينيوّن(40) إنّ ربّنا المسيح هو فقط إنسان، لا إله أيضًا؟ بسبب ولادته وموته. ونسبوا إليه معجزات كما لواحدٍ من القدّيسين.

 

هـ- لماذا لا يُقرّ الأريوسيّون بأنّ المسيح إله كامل، مستقلّ، (ولا يقرّون) بأنّه إنسان، بل نصف إله ونصف إنسان؟ بعضهم يرى فيه نصف إله ونصف إنسان مع جسد لا نفس فيه وألوهيّة مخلوقة، ويجعلونه أدنى من الإنسان لأنّ لا نفس له. ويجعلونه أدنى من الإله حين لا يقولون: إنّه لا مخلوق ومستقلّ. أمّا في ما يخصّ التجسّد والولادة من امرأة، والموت، ما يخصّ الأمور البشريّة، فيظنّون إنّه صار إلهًا، يمزجون الصفات الإلهيّة والصفات الإنسانيّة، ويجعلون تجسّده لا في سلطانه، بل في أمر ملزِم. فيقولون: الاتّحاد بالبشريّ وصل إلى طبعه«(41).

 

2- مضمون الكتاب ولاهوته

 

أ- من التيوتوكس إلى تبادل الصفات

 

حين صار نسطور أسقف القسطنطينيّة، سنة 428، اكتشف الجدال حول لقب »تيوتوكس« والدة الإله(42). فما هو الذي حرّك المسألة، بل الجدال قاده لكي يكون الحكم. ونوى أن يكون على مسافة واحدة بين الأفرقاء. هناك ضلال، سواء قيل إنّ مريم هي أمّ الإنسان، أو أمّ الإله. وبما أنّه ذاك المضطهد المندفع(43) على الهرطقة من كلّ نوع، دخل في حرب لم يمتلك من أجلها الوسائل اللاهوتيّة الكافية(44). تضمّنت هذه الحرب ردًا على هرطقات حقيقيّة أو مفترضة. فكأنّي به يرى الهرطقة في كلّ مكان ويريد أن يقتلها كما الزؤان في الحقل. كما تضمّنت دفاعًا عمّا يُقال ضدّ شخصه من نميمة وافتراء(45). في هذا الإطار، أراد أن يقدّم تعليمه الذي لبث هو هو ولم يتغيّر(46). قال هو بنفسه إنّه لم يتبدّل، وذلك أكثر من مرّة(47).

 

وجّه نسطور ملاحظاته إلى الأريوسيّين الرافضين لاهوت الابن، والأبوليناريّين(48) القائلين بأنّ اللوغس (الكلمة) حلّ محلّ النفس العاقلة في التجسّد. وجعل مع الفئة الثانية كيرلّس أسقف الإسكندريّة. لاحظ نسطور، وكان على حقّ في ذلك، أنّ الأريوسيّين والأبوليناريّين الذين يُلغون النفس في المسيح، يعطون مدلولاً خاصًا للقب »تيوتوكس«. ففي الكرستولوجيا التي يقدّمون، يدخل اللوغس في اتّحاد فيزيكيّ وطبيعيّ مع البشريّ، ويلتزم بكلّ ما يحصل للجسد، مثل الولادة والعذاب والموت. سعى الأريوسيّون إلى نشر لقب »والدة الإله« لتكون لهم المناسبة بأن يهاجموا لاهوت المسيح(49). أمّا المخرج الوحيد الذي وجده نسطور، فهو إلغاء هذا اللقب. ولكنّه حين فعل ذلك، دخل في صراع مع الحقيقة التاريخيّة والكرستولوجيّا الأرثوذكسيّة.

 

هنا نورد بعض ما جاء في كتاب هرقليد مع عبارة أساسيّة: »تشخّص (أو شخصُ) اللاهوت هو الناسوت. وتشخّصُ الناسوت (هو) اللاهوت«(50). ثمّ توسَّع نسطور: »كان الاتّحاد للتشخّص (أو الشخص) هو للاثنين معًا، من أجل تشخّص اتّخذ جسدًا، شبه (د م و ) عبد، وبه تكلّم، علّم، عمل، اشتغل. أعطى شبهَه شبهَ عبد، وعن هذا الشبه تكلّم كما عن شخصه ولاهوته…

 

»ما كانت وحدة الطبيعتين من دون إرادة وعقل، كما قال آريوس وأبولينار، بل (وصلت) إلى الشخص وإلى تدبير (التجسّد لأجلنا)، وإلى وحدة صورته وشبهه، كما في وحدة طبيعتنا التي من نفس وجسد. لم ينقصه سوى الخطيئة. هو ما سلَكَ من أجل اللاهوت، بل ليجعله اللاهوت يقاوم الخطيئة ويُتمّ كلّ فرائض الشريعة(51) والممارسات الرئيسيّة ليبدو بلا ذنب في اختيار الواجب والعمل به. هو الذي بلا خطيئة، سُلّم للموت من أجلنا، البارُّ بين الأشرار (1 بط 3: 18). فما هو هذا النصر؟ وما هذا التساوي في المجازاة لأعمال الله والإنسان؟ فالموجِّه يتّحد بالأقنوم بحيث يشارك في الحياة وفي الأعمال، ويُدركه الموت. فالأعمال والموت والقيامة هي من الموجِّه ومن الموجَّه. أو أنّ الله يبقى في طبيعته، كما كان في الطبيعة بلا خطيئة، أو أنّ أعمال المسيح تتمّ في الغشّ، لأنّ الله الكلمة تصرّف مثل إنسان«.

 

بدأ نسطور فاعتبر تعليم كيرلّس وتلاميذه، تعليمَ الأبوليناريّة. ثمّ هاجم التعليم التقليديّ حول »تبادل الصفات«(52) الذي عبّرت الكنيسة بشكل خاصّ، في لقب »والدة الله« وفي عبارة »الإله المتألّم«. لا يُلام نسطور لأنّه فسَّر عبارة كيرلّس تفسيرًا أبوليناريٌّا: طبيعة واحدة للكلمة المتأنّس(53). فنحن نعرف أنّ كيرلّس أخذ هذه العبارة القاطعة من »حيل الأبوليناريّين«(54). فهمَ كيرلّس هذه العبارة فهمًا أرثوذكسيٌّا. ولكنّ هذا الفهم لم يحمها من تفسير هرطوقيّ. وكانت عبارات أخرى لدى كيرلّس قد تُفهَم بصعوبة. هذا ما نقرأه في رسالة أرسلها نسطور إلى تيودوريه(55):

 

»فماذا يقول كيرلّس؟ إن لم يُفهم تميّزُ الطبيعتين اللتين منهما (كما نقول) تتمّ وحدة لا توصَف، فالعبارة »اللتين منهما« تبدو وكأنّه يتكلّم عن طبيعتي الربّ، في هذه الحالة وتلك، وكأنّهما جزءان انضمّا فصارا جزءًا واحدًا. إذن، ما وجب عليه أن يقول »اللتين منهما«، بل »تتمّ« وحدة لا توصَف. فهذه الوحدة التي لا تُوصَف، لا تتمّ انطلاقًا من طبيعتين، بل هي وحدة طبيعتين، وحدة لا توصف«(56).

 

رَذل مجمعُ خليقيدونية عبارة »اللتين منهما« وأخذ حلاٌّ مشابهًا لما قال نسطور.

 

ولكن هذا يجب أن لا ينسينا أنّ نسطور الذي رفض لغة الإسكندريّة، رفض في الوقت عينه العبارة التقليديّة، تبادلَ الصفات. لهذا اصطدم بلقب »تيوتوكس« و»الإله المتألّم«. هذا يعني أنّه جعل نفسه معارضًا للكرستولوجيّا الأرثوذكسيّة.

 

سبق وذكرنا ما قال نسطور عن إيمان نيقية في ردّه على كيرلّس. فإعلان الإيمان هذا لا يمكن أن يتمّ بدون تبادل الصفات. هو ينسب إلى شخص واحد وحيد، هو الربّ الأزليّ والابن، صدورًا أزليٌّا من الآب، وولادة زمنيّة في التجسّد. وبالتالي، الولادة، الألم، القيامة، ومسيرة يسوع كلّها على الأرض. فهذا »الوحيد« هو الابن، بقدر ما يقوم في اللاهوت.

 

يشدّد قانون الإيمان النيقاويّ على العلاقة بين الآب والابن في الألوهيّة. وبعد ذلك، كان كلام عن »النزول« في التجسّد. وهكذا فإنّ »اللوغس« هو الشخص الواحد في سلسلتين من الأقوال تضمّ عنصرين اثنين: العنصر الإلهيّ والعنصر البشريّ. فأحداث التجسّد الزمنيّة تُنسَب أيضًا إلى الابن الأزليّ.

 

ما فهم نسطور تبادل الصفات، فاعتبر أنّ هذا المدلول يتضمّن أمورًا خاطئة بسبب معترضاته. لهذا تحاشى الكلام عن »لوغس« وفضّل أن يقول »المسيح«، أو »الابن« أو »الربّ«. هذه الألقاب، في نظره، تقدّم شخصًا يتضمّن الصفات الإلهيّة والصفات الإنسانيّة.

 

»بدأت في عرضك بخالق الطبيعتين لا بتشخّص (ف ر ص و ف ا) الوحدة. ليس اللوغس صار اثنين. بل يسوع المسيح الربّ الواحد الوحيد هو اثنان في طبيعتيه. ففيه جميع تميّزات الله الكلمة، الذي يمتلك طبيعة أزليّة لا تخضع للألم والموت، وجميع تميّزات الوحدة والتميّز«(57).

 

وأعلن نسطور بصريح العبارة ما يتعلّق بإيمان نيقية: »لاحظْ أنهم حين يجعلون (الآباء) »المسيح ليدلّوا على الطبيعتين، فهم لا يقولون أبدًا أولاً: \’\’نؤمن بالإله اللوغس الوحيد\’\’، بل يختارون اسمًا يصوّر (الطبيعتين) الاثنتين«(58).

ب- الألفاظ الأساسيّة

 

كان اهتمام نسطور الأكبر أن يؤمّن التمييز الواضح بين الطبيعتين تجاه الميول المهرطقة في أيّامه، سواء كانت حقيقيّة أو مفترضة. فكتب: »تذكّروا، في كلّ النقاط، الألفاظَ العديدة التي فيها ميّزتُ بين طبيعتي الربّ يسوع«(59). ولكنّ التمييز بين الطبيعتين يبقى سهلاً في المسألة الكرستولوجيّة. والصعب هو تفسير الوحدة التي أراد نسطور أن يحافظ عليها: مسيح واحد. ابن واحد،، ربّ واحد. افترض نسطور هذه الوحدة، وما شكّ فيها لحظة واحدة. لكنّه طلب أساسًا لهذه الوحدة.

 

هنا نرفض القائلين بأنّ نسطور يريد »القسمة« مهما كانت الظروف. فقد اقترب، دون أن يدري، من تبادل الصفات. قال: »أقول هذا لأبيّن لكم الرباط الوثيق بين اللاهوت وبشريّة الربّ المنظورة في الطفل. (فالشخص) عينه هو في الوقت نفسه، الطفل وربّ الطفل«(60).

 

قبل أن نتابع موضوعنا في التعرّف إلى نسطور، لا في ما نقل عنه معادوه، بل في ما قاله هو، في »تجارة هرقليد« أو في الرسائل والعظات، نورد الكلمات التي كانت موضوع جدال.

 

»الجوهر« (؟؟؟؟؟). يقابل اليونانيّة .؟؟؟؟؟ يرتبط بفعل ؟؟؟؟ على مستوى الجذر. الجوهر، الذات، الماهيّة، الكينونة. نقدّم هنا عبارة وردت في كتاب نسطور (252): »يبقى جوهرُ (؟؟؟؟؟) شبه (؟؟؟؟؟) الله، وجوهر شبه العبد في أقنوميهما«.

 

»الأقنوم« هو في السريانيّة :؟؟؟؟؟ الأقنوم، الأصل، الشخص، الذات، الماهيّة. قال مثلاً أفراهاط: »الشمس التي رأيت، ما ماهيّتها، ما حقيقتها. قد يرتبط ؟؟؟؟؟ بالعربيّة: قام. وقف على قدميه، أو السريانيّة :؟؟ شيّد، ثبّت، كوّن، ساند. هو يقابل upostasiV الأساس، القاعدة، الجوهر. حرفيّا: ما يقف تحت. ما يُسند. نلاحظ هنا أنّ الكلمة السريانيّة لا توافق معنى اللفظ العبريّ. ؟؟؟؟؟ يدلّ على الشخص. أقنوم الابن. أمّا اللفظ اليونانيّ فيرتبط بالجوهر ويلتقى مع :؟؟؟؟؟ الجوهر والعنصر والذات والطبيعة. ومن هنا جاء الفعل :؟؟؟؟؟؟ أخذ طبيعة. وتَرافق مع ؟؟؟؟؟ فرادفه.

 

ويبقى لفظ ؟؟؟؟، الكيان، الطبيعة، الذات، الجوهر. في اليونانيّة jusiV. نقول طبيعة الصخر، طبيعة النبات، طبيعة الإنسان. يعود ؟؟؟؟ إلى فعل :؟؟؟ كان. وفي التعدّي: كوّن، صوّر، هيّأ، سوّى. يُقال: كيان المخلوقات. أو كلّ الكيانات.

 

ونقـرأ بعـض ما تركـه نسـطور: »ما صنع بلا شخـص ولا أقنـوم الطبيـعةَ (؟؟؟؟ الإنسانيّة، ولا الإلهيّة« (302). اثنان »؟؟؟؟؟ « الذي لبس والذي لُبس (304). صار »الشخص، المشخَّص« يقابل الطبيعة. وهكذا لم يكن تميزٌ بين upostasiV وبين prosorpwn وأيضًا: لا طبيعة (؟؟؟؟) بدون شخص (؟؟؟؟؟؟) . وأيضًا: لا شخص بدون جوهر« (؟؟؟؟؟) (425).

 

في هذا الإطار، قال نسطور في »تجارة« (252): »فالوحدة هي للشـخص، لا للطبيعة. لا نقول وحدة الشـخص (؟؟؟؟؟؟)، بل (وحدة) الطبيعتين. ففي الوحدة، ليس سوى شخص. ولكن، في الطبيعتين آخر وآخر. وهذا يسري الشخص على الكلّ. فمن أجل شخصه اتّخذ جسدًا، شبهَ العبد. وعن هذا الشبه تكلّم كما عن شخصه وعن اللاهوت. الشخص (؟؟؟؟؟؟) مشترك، واحد، وهو هو. وشبه العبد يخصّ اللاهوت. وشبه اللاهوت يخصّ الناسوت. الشخص واحد، وهو هو، لا الجوهر. فجوهرُ شبه الله وجوهرُ شبه العبد يبقيان في أقنوميهما«(61).

 

ويتابع نسطور (302): »ما الغريب الذي تسمعونه في أقوالي لكي تحكموا عليّ؟ لقد أوردتموها. فذاك يستعمل اسم ابن، وهذا مخلّص، وأثناز ربّ أتى من مريم(62). فكيف تجرّأ الذين يُدعَون مسيحيّين أن يقسموا، إذا كان هذا الربّ الذي وُلد من مريم هو ابن الله الآب بالجوهر (؟؟؟؟؟) والطبيعة (؟؟؟؟) ولكن وُلد في البشريّة (؟؟؟؟) ، من نسل داود؟ فالبشريّ هو من العذراء مريم. وأنت تعرف أنّها طبيعة إنسانيّة تلك التي من العذراء مريم. بالطبيعة وبالجوهر هو ابن الله، في طبيعة الله الآب وفي جوهره. ولكن في البشريّ، طبيعة مريم الإنسانيّة«.

 

وكتب نسطور إلى أصدقائه يقول لهم: »أسألكم وأتوسّل إليكم أن تسهروا في كلّ مكان وتهتمّوا بأن لا يتّهمني (كيرلّس) بأنّي أجعل قسمين. بأنّي أقسم اللاهوت عن الناسوت، على مثال ما ينفصل شيء عن آخر بالمكان. فالذي يلبس ثوبًا كيف ينفصل عنه؟ والخفيّ كيف ينفصل عن المنظور«؟(63)

 

ما نستنتج من هذه النصوص هو محاولات نسطور للحفاظ على الوحدة مهما كان الثمن. وفي الوقت عينه، هو يهتمّ بأن لا يمزج الطبيعتين الإنسانيّة والإلهيّة. فلو ذابت مثلاً الطبيعة الإنسانيّة في الطبيعة الإلهيّة. لوصل إلى المونوفيسيّة. اقترب كما قلنا من »تبادل الصفات«، ولكنّ هذا المدلول بقيَ غامضًا بعض الشيء بالنسبة إليه. لهذا حاول التهرّب من عبارة »والدة الله«، لأنّ الله لا أمّ له ولا أب. وتحدّث عن والدة المسيح الذي هو الإنسان الذي حمل الخلاص إلى البشريّة في سرّ الفداء. لا شكّ في أنّ المسيح هو الإله والإنسان، كما قال بطرس في اعتراف إيمانه(64)، ولكن إن شكّكت عبارة »والدة الله البعض، فعبارة »والدة الإنسان« شكّكت البعض الآخر. فلا بدّ من حَكَمٍ يفصل بين الاثنين ويحافظ على وحدة الكنيسة.

 

أراد نسطور أن يكون هذا الحَكَم، وبطريقة العنف والقوّة، فتهرّب من »تيوتوكس« و»أنتروبوتوكس«، وتطلّع إلى قاسم مشترك »خرستوتوكس«، والدة المسيح. غير أنّ هذه الوحدة في التفكير، أماءت إلى التعبير اللاهوتيّ. وهكذا توسّع الخلاف بحيث طلب نسطور نفسُه بأن ينعقد مجمع بسلطان الإمبراطور(65). وكان متأكّدًا أنّه على حقّ، فقال مرّة إنّ الأكثريّة معه. في الواقع، لم يكن معه سوى عشرين أسقفًا. وإذ فتح عينيه ورأى مئتي أسقف في الجهة المقابلة، رفض الحضور إلى أفسس، مع أنّهم طلبوا منه ثلاث مرّات. واعتبر المجمعَ لا مسكونيٌّا، وقابل نفسه مع أوستات الأنطاكيّ وكيرلّس الإسكندرانيّ ويوحنّا الذهبيّ الفم(66).

 

ج- المسيح عند نسطور

 

نبدأ فنورد نصًا من النسطوريّات، يجعلنا جدّ قريبين من خلقيدونية »واحد، وهو هو«(67). هو في الطبيعة اللامخلوقة، وفي الطبيعة المخلوقة. لذلك فالذي عُرف على أنّه مسيح واحد في طبيعتين، الإلهيّة والإنسانيّة، المنظورة واللامنظورة، يُشرف على الدينونة الأخيرة… فوحدة الابن لا يمسّها تميّز الطبيعتين. وكما أنّ الجسد الفاني هو شيء، والنفس الخالدة شيء آخر، مع أنّ الاثنين يكوّنان إنسانًا واحدًا، كذلك (هو واحد) من مائت ولا مائت، من فانٍ ولا فانٍ، فما هو خاضعٌ لبدايةٍ ولطبيعة لا بداية لها. هذا يعني أنّي أعترف بالله لوغس شخص (؟؟؟؟؟؟) الابن الواحد(68).

 

لاحظنا هذه المقابلة المعروفة بين النفس والجسد في الإنسان، وهي تلك التي انطلق منها أريوس وأبولينار للكلام عن المسيح. فنقطة الانطلاق عند نسطور تعليم تقليديّ، سوف نقرأه أيضًا في كتاب هرقليد:

 

»ليس التجسّد بالنسبة إلينا شيئًا ناقصًا، بحيث ننسب البشريّ إلى الله، كما يقول الأريوسيّون: تألّمَ آلامنا في الطبيعة: في طبيعته (؟؟؟؟) وفي شخصه (؟؟؟؟؟؟). وما أفاده البشريّ في شيء. ولكن بما أنّ الناسوت يُعتبَر كلّيٌّا مثل طبيعة الإنسان، فه يمتلك كلّ الامتلاك (ملكات) الإنسان الفاعلة والمنفعلة، كما اعتادت الطبيعة البشريّة أن تمتلكها« (302-303)

 

ويواصل كلامه في ص 425 متوجّها إلى كيرلّس: »لماذا تقول: طبيعة الله الكلمة، لا طبيعتان متّحدتان؟ لماذا لا تجرؤ أيضًا أن تقول إنّ منهما ينتج الله الكلمة كما قلتَ، إنّه ينتج ابنٌ واحد؟ لنقل كما تقول إنّنا نقبل في عقلنا فكرة طبيعتين نعتبرهما متّحدتين، فقُل الشيء عينه عن الله الكلمة: بيدِ (الطبيعتين) الإله الواحد الكلمة هو اثنان. أمّا أنا فأقول في خطّ الكتب والتعاليم الإلهيّة: طبيعتان متّحدتان. الإله الكلمة يدلّ على الطبيعة (؟؟؟؟) والابن على الشخص (؟؟؟؟؟؟). ولكنّه إله واحد وكلمة. هكذا يدلّ »الله« على الطبيعة ويدلّ »الآب والابن والروح القدس« على الشخص (؟؟؟؟؟؟). لهذا فاللاهوت واحد، والأشخاص ثلاثة، أي الله الآب، الله الابن، الله الروح القدس. فالشخص (؟؟؟؟؟؟) ليس بدون الجوهر (؟؟؟؟؟) . وكذلك في المسيح طبيعتنان. واحدة من الله الكلمة. والثانية من الناسوت. وشخص ابن يستخدمه الناسوت أيضًا وشخص إنسان يستخدمه اللاهوت أيضًا«.

 

أترى هناك شخصان، شخص الناسوت وشخص اللاهوت؟ ونستطيع أن نقول في لغة اليونان: هل هناك أقنومان اثنان في المسيح الكلمة، بحيث تنفصل الطبيعة البشريّة عن الطبيعة الإلهيّة فيقال حينئذٍ إنّ مريم هي أمّ يسوع، أم المسيح، لا أمّ الإله؟ لم يكن »الشخص« (؟؟؟؟؟؟) محدّدًا كلّ التحديد تحاه »الأقنوم« (؟؟؟؟؟)

 

هنا ترك نسطور الخطّ التقليديّ، واتّخذ طريقًا خاصّة به، حين حاول أن يقدّم شرحًا إيجابيٌّا لوحدة الإله والإنسان في المسيح. فمن هو »مسيح نسطور«؟ اتّخذ المقاربة الأنطاكيّة التي تشدّد على الطبيعتين وحاول أن يمحّصها ويهذّبها. ولكن برزت الصعوبة: لم يكن أمام طبيعتين مجرّدتين، طبيعتين ترتبطان بالواقع الملموس، بل أمام طبيعة بشريّة فرديّة، ملموسة، وأمام لاهوت قائم في اللوغس. فاللاهوت والناسوت في المسيح واقعان ملموسان. وإذ أراد أن يصوّرهما استعمل ألفاظ »جوهر« (؟؟؟؟؟) »طبيعة« jusiV) »أقنوم« ؟؟؟؟؟؟؟ upostasiV).

 

كيف يتمّ الاتّحاد في الطبيعتين؟ في عمل »ضمّ«(69) في وحدة الشخص. في هذا الإطار، هنّأ نسطور كيرلّس لأنّه توصّل إلى »تمييز الطبيعتين في الإلهيّ والإنسانيّ، وإلى ضمّهما في شخص (؟؟؟؟؟؟) واحد«(70). لماذا تهرّب قدر الإمكان من »اتّحاد، وحدة« enwsiV المرتبطة بالرقم واحد، لأنّه أراد أن يتهرّب من عبارة أبولينار: طبيعة واحدة.

 

إن استعمل نسطور لفظًا آخر، هل يكون هرطوقيٌّا؟ هذا ما قاله بعضهم(71)، وإنّ اعتبر أنّ التفسير الأرثوذكسيّ معقول جدٌّا. فنحن نجد لفظ sunajeia عند عدد من الآباء المستقيمي الإيمان. وما اتّهمهم أحد، ولكنّ الاتّهام وقع على من حكم عليه مجمع أفسس. أراد أن يجمع موقفين متعارضين، فلا كان مع هذا ولا مع ذلك، فاتّخذ طريقًا لم يتبعه فيها أحد. ولكن يبقى أن تعليم نسطور يذكر »شخصين« متميّزين (؟؟؟؟؟؟) في المسيح(72).

 

يبقى أنّ sunajeia لم يجد بعدُ تحديده الفلسفيّ عند نسطور، لكي نكتشف إن كنّا أمام وحدة عارضة في المسيح، أم وحدة عميقة، جوهريّة. من أجل هذا، حاول، بإضافات مختلفة، أن يبيّن نوعيّة هذه الوحدة. وأفضلها تلك التي أوردناها حول وحدة الشخص prosopwn، حول وحدة المشخِّص.

 

ماذا يعني prosopwn قبل خلقيدونية؟ لا يدلّ على الأقنوم، بل على ظاهر الإنسان غير المنقسم، على ما يُرى منه(73). كلّ طبيعة (jusiV) لها مشخِّصها الخاصّ prosopwn، لها سماتها الخاصّة، لها ظاهرها الخاصّ بحيث تتميّز في فرديّتها. المشخِّص هو النقطة الأخيرة في تحليل طبيعة ملموسة. هو يتوقّف عند السمات الفرديّة وينسب إليها دورًا خاصٌّا في تفسير وحدة المسيح(74).

 

ارتبط مفهوم prosopwn عند نسطور بالكتاب المقدّس وبالمقاربة بين jusiV و upostasiV عند الكبادوكيّين. عاد إلى الرسالة إلى فيلبّي (2: 5-8) مع كلام عن »شكل الله« و»شكل العبد«، فيُضع نسطور كلامًا في فم المسيح »الابن الوحيد« (لا اللوغس): »إذ كنتُ في شكل الله، لبستُ شكل العبد. ومع أنّي الإله الكلمة، فأنا منظور في اللحم (؟؟؟؟، الوجه البشريّ). ومع أنّ لي سلطانًا على كلّ شيء، آخذُ على عاتقي مشخِّص prosopwn المسكين، من أجلكم. مع أنّي أجوع بشكل منظور، فأنا أطعم جميعَ الجائعين«(75).

 

ونعود إلى كتاب هرقليد (ص 84، 85) مع عبارة أساسيّة في خطّ فل 2: 9: »أسماء الشخص (؟؟؟؟؟؟) الطبيعيّ (؟؟؟؟؟) مشتركة هي«. وطرح نسطور المسألة: في الطبيعة البشريّة نال اسمًا فوق كلّ الأسماء. وأجاب: تلك هي العظمة الرئيسيّة في الطبيعة البشريّة: بقي في الطبيعة البشريّة فنال اسمًا فوق كلّ الأسماء لا على أثر تطوّر الأعمال، ولا على أثر المعرفة والإيمان، ولكن كان هذا بتدبير خير ليكون شكله (morjh ؟؟؟؟؟ شبه) وشخصه (؟؟؟؟؟؟)، بحيث يكون شكله شكل هذا. هو أيضًا إله. وهو أيضًا إنسان. شكلُ الله في التنازل والانحدار والمظهر، وشكلُ البشر كإنسان. والإنسان هو، في الارتفاع، كما هو الله، بواسطة الاسم الذي هو فوق كلّ الأسماء. لهذا، تواضع في انحداره الإراديّ حتّى الموت والموت على الصليب مستعملاً الشخص ؟؟؟؟؟؟ ذاك الذي مات وصُلب باستعماله شخصه الخاصّ… إذا دُعيَ المسيحَ بسبب البشريّة التي مسحت، فإنّ هناك شخصًا ؟؟؟؟؟؟ واحدًا للطبيعتين لأنّ هناك اسمًا واحدًا فوق كلّ الأسماء«.

 

وطُرح تدبير التجسّد في الطبيعتين في سؤال رقم 62 (ص 89)، فكانت العبارة الأساسيّة: »من الشخص الإنسانيّ (؟؟؟؟؟) يُعرف الإنسان (؟؟؟؟؟ ، أي من ظاهر (؟؟؟؟؟) الجسد ومن شبه (؟؟؟؟؟ ، شكل). فالله من اسم أفضل من كلّ الأسماء، ومن السجود من قِبَل كلّ الخليقة (؟؟؟؟؟) ومن الاعتراف أنّه الله«. أجل، أخذ شبه العبد، وأعطى شبهه الخاصّ لشبه العبد لكي يتساوى مع الله. وإذا بحثنا عن الوحدة نجدها في المسيح لا في الله الكلمة الذي هو أزليّ، لأنّ المسيح هو شخص ؟؟؟؟؟؟ الوحدة (ص 212).

 

هذا ما يشرحه نسطور في النسطوريّات (280: 5-16): »المسيح غير منقسم (واحد) بما أنّه المسيح. وهو اثنان بما أنّه إله وإنسان. في واحد في حاله كابنٍ، ولكنّه اثنان في ما أخذ وفيما أُخِذ. في شخص prosopwn الابن هو فرد، ولكن في وضع العينين، ينفصل بحسب الطبيعتين، الناسوت واللاهوت. فنحن لا نعرف مسيحَين، ولا ابنَين وحيدَين ولا ربّين، (ونحن لا نعرف) ابنًا وحيدًا جديدًا، ولا مسيحًا أوّل ومسيحًا ثانيًا، بل (مسيحًا) واحدًا هو هو، وقد رؤي بحسب الطبيعتين، المخلوقة واللامخلوقة«.

 

الخاتمة

 

ونختم كلامنا بهذا التوضيح الإيمانيّ حول المسيح الواحد في طبيعتين اثنتين. مثلُ هذا الإيمان سوف يُعلَن في مجمع خلقيدونية الذي انقعد سنة 451. إذا تركنا جانبًا معنى الألفاظ، وإذا فهمنا الهدف من تدخّل نسطور في الجدال اللاهوتيّ الذي عرفته القسطنطينيّة حين وصل إليها، وإذا تذكّرنا شخصيّته وطريقة تصرّفه في مدّة قصيرة قضاها في البطريركيّة، لا نستطيع القول إنّه كان ذاك الضالّ الذي استحقّ حرمًا قاطعًا، سوف يتجدّد في أكثر من مناسبة. في اكتشاف كتاب هرقليد الدمشقيّ، اكتفى الباحثون بنصوص أوردها خصوم نسطور وردّوا عليها. ولكن مع هذا الكتاب، يجب أن تتبدّل النظرة، وهذا ما حدث بالفعل في اجتماعات القرن العشرين بين الكنيسة الكاثوليكيّة والكنيسة التي دُعيت »نسطوريّة«. لا شكّ في أنّنا لا نستطيع أن نعتبر نسطور ذلك اللاهوتيّ الكبير بجانب باسيل أو غريغوار النازينزيّ وغيرهما. ولكنّه كان قبل كلّ شيء ذاك الراعي الذي يريد أن يجمع القطيع حول أسقفه وبالتالي حول إمبراطوره في خطّ ما قاله تيودوز الثاني وهو يدعو إلى مجمع أفسس: »خير المملكة يرتبط بالدين، والعلاقة وثيقة بين الاثنين. هما يتداخلان وينميان معًا«. فيا ليت ذلك الراعي عرف تواضع المسيح وامّحاءه، كما قرأ عنه في الرسالة إلى فيلبّي! تصرّفه أبعده عن الأرثوذكسيّة، كما قالوا. وبالعودة إلى المسيح تعيده الكنيسة اليوم إلى الإيمان المستقيم

 

خاتمة الكتاب

 

عالم شرقيّ يزخر بالغنى. دخلنا فيه وفرحنا بلا شك بما حمل إلينا الآباء والجدود من سحيق التاريخ، ولاسيّما في اللغة السريانية التي امتدت في سورية ولبنان والعراق وصولاً إلى الخليج وبشكل خاص مع قطر حيث عرفنا داديشو قطرايا أو داد يشوع القطري الذي عاش في نهاية القرن السابع، كما عرفنا اسحق النينوي ابن القرن السابع الذي وُلد في مقاطعة بيت قطرايي، أو قطر.

 

عالم ينطلق من القسطنطينية وأنطاكية والاسكندرية ليصل إلى الرها ونصيبين ودارا حتى البصرة وتكريت وغيرها من المدن العراقية، بل إلى المدن الايرانية مثل مرو وأورمية وأماكن أخرى.

 

تراث غنيّ حوى من المخطوطات ما لا تحتويه أيّة لغة قديمة، وما زالت مخطوطاته تُنسَخ حتى اليوم، ولاسيّما كتب الأناجيل والرسائل. فنحن في خط العالم اليهودي الذي لا يقرأ الكتاب المقدس في المجامع، إلاّ في مخطوطات دُوّنت على رقّ الغزال أو غيره من الحيوان. مخطوطات توزّعت في الشرق والغرب، في لبنان وسورية وتركيا وإيران، وفي برلين ولندن وأوكسفورد وباريس والفاتيكان وسان بترسبورغ. وها هي الآن تعرَف بواسطة الامكانات الحديثة في التصوير والنشر.

 

تراث غني قدّمنا منه نصّين قديمين يربطان العالم السرياني بعالم ايران وبالكتاب المقدس. فالفلسفة حاضرة في كلام عن الحرية والقدر، والكتاب المقدس مع التراثات الدينية التي خلّفها الفكر الواصل إلى شرقي الاردن وأبعد من ذلك لدى ما يُدعَى التيار اليهومسيحي وما يتفرّع منه من انجيل العبرانيين وفرق الناصريين.

 

وذكرنا خمسة وجوه. وبقيت وجوه عديدة، سوف نعود إليها بإذن الله. ومن هذه الوجوه، أشرنا إلى بعض ما كتبوا، ولكن ما لم نذكره أكثر بكثير. ماذا ذكرنا مثلاً من ابن العبري، بعد أن نظّمنا له مؤتمراً في الجامعة اللبنانية، بمناسبة المئويّة السابعة لوفاته؟ ذاك الذي قيل فيه إنه كان »جمّاعًا«، جمع في الواقع كل التراث السرياني على جميع الصعد، فحفظ لنا الكثير قبل وصول المغول والتتر الذين تركوا وراءهم الدمار والحريق وكأنهم طلبوا أن يعيدوا الانسان إلى العصر الحجريّ. وسويريوس بطريرك أنطاكية ترك لنا مدة ست سنوات إرثًا كبيرًا حفظته لنا اللغة السريانية، ولنا عودة إليه في أكثر من مناسبة، لأنه يضاهي سائر بطاركة أنطاكية إن لم يتفوّق عليهم. رسائله وحدها تاريخ يعطينا صورة عن الكنيسة في القرن 5-6. وما نفرح له هو أن اللغة السريانيّة انفتحت باكراً على تراث الآباء اليونان، فنقلت آثار أثناز الاسكندراني وكيرلس خلفه، وآثار الكبادوكيين باسيل وغريغوار النازينزي وغيرهما. واحتفظت بما كتبه جرجس أسقف العرب، ونسطور بطريرك القسطنطينية. ولولا السرياني لضاع هذان المؤلفان مع كتاب إبيفان، أسقف سلامين في قبرص، حول الهرطقات.

 

آفاق حاولنا أن نفتحها، ونوّد توسيعها، كما نودّ أن نرى العديدين يخرجون من آفاق الطائفة الضيقة وصولاً إلى شرق ينفتح على الغرب فيعطيه أفضل ما عنده ويأخذ منه غناه

 

 

 

(*) ورد هذا المقال في المشرق 80 (2006) ص 161-190.

 

(1)B. SESBOUE et J. WOLINSKI, Le Dieu du salut, Paris, Desclée, 1994, p. 385-389

 

(2) الكنيسة الكاثوليكيّة في وثائقها، الجزء الأوّل، المكتبة البولسيّة، 2001، ص 93.

 

(3) GENNADIUS, De Viris illustribus, 53, Voir J. QUASTEN, Initiation aux Pères de l’Eglise, III, Paris, Cerf, 1962, p. 720-721 ; Dict. Enc. du Christianisme ancien (cité : DECA), Paris, Cerf, 1990, p. 1029-1030

 

كان كاهنًا في مرسيليا (فرنسا)، وهو غير جناديوس Voir DECA, p. 1028-1029، بطريرك القسطنطينيّة سنة 458-471.

 

(4) هو أسقف نصيبين، في القرن الثاني عشر. ASSEMANI, Bibl. Or., III, 1, p. 36.

 

(5) The Bazaar of Heraclides in J.F. BETHUNE-BAKER, Nestorius and his Teaching, a fresh examination of the existence, with special reference to the newly recovered Apology of Nestorius, (Le Bazar f’Héraclide), Cambridge, 1908. Voir F. NAU, “Note sur le titre Tegourta Heraclidis “Revue de l’Orient Chrétien, 14(1909), p. 208-209.

 

Pragmatéia. D’ailleurs l’historien Socrate cite dans son Histoire Ecclésiastique (7, 32; P.G. 67, 808) une phrase avec le mot “pragmatéia”: agnoésas tas pragmateias tôn palaiôn

 

(6) Pragmatéia. D’ailleurs l’historien Socrate cite dans son Histoire Ecclésiastique (7, 32; P.G. 67, 808) une phrase avec le mot “pragmatéia”: agnoésas tas pragmateias tôn palaiôn

 

.جاهلاً كتابات الأقدمين

 

(7) Paris, 1910. Nestorius. Le livre d’Héraclide de Damas, P. BEDJAN,

 

  1. NAU, Nestorius. Le Livre d’Héraclide de Damas, Paris, 1910; G. R. DRIVER and L. HODGSON, Nestorius. The Bazaar of Heraclides. Newly translated from the syriac, Oxford, 1925

 

(8) , Paris, 1904, p. 166.Le Christianisme dans l’empire perse J. LABOURT

 

(9) W. BUDGE, The histories of Rabban Hormizd and Rabban Bar ’Edta, Londres, 1902 (texte p. 120; version p. 176); A. SCHETTR, Analyse de l’histoire de Raban Bar ’Edta, ROC, 11(1906), p. 516

 

(10) en Thébaide II (El-Kharga) Oasis- Maia منطقة طيبة، جنوبيّ القاهرة.

 

(11) Evagre d’Epiphanie, ou le Scolastique; il naquit vers 537, mourut à Antioche après 594. Son Histoire ecclésiastique est en six volumes, voir DECA, p. 931-932

 

(12) تراجيديا عنوان كتاب ألّفه إيرينه الصوريّ من أجل نسطور. أمّا صفة المأساة المرتبطة بأفسس، فتعود إلى ثيودوريه القورشيّ. المأساة أو التراجيديا. هي أحداث مؤلمة ارتبطت بمجمع أفسس بالنسبة إلى نسطور. نشير إلى أنّه بقي لنا مقاطع من هذ المؤلَّف، فنشرها F. LOOFS, Nestoriana. Die Fragmente des Nestorius, gesammelt, untersucht und herausgegeben,mit Beitragen von S. A. Coook und G. Kampffmeyer, Halle, 1905, p. 203-208.

 

يبدو أنّ نسطور دوَّن »التراجيديا«، حالاً بعد أفسس، سنة 431-435، حين أقام في دير قرب أنطاكية، وقبل المنفى إلى مصر. أمّا النصّ فيرد في اليونانيّة واللاتينيّة والسريانيّة

 

(13) أنتروبوتوكس: والدة الإنسان. تيوتوكس: والدة الإله (هذا ما قيل في أفسس، يُلدات ألوهو في السريانيّة). خرستوتوكس: والدة المسيح. هنا نقرأ ما كتب نسطور في كتاب هيراقليد (150-151) مدافعًا عن نفسه: »لماذا تفتري عليّ قائلاً: هو الذي أطلق هذه المسألة؟: لماذا تدعوني »مخترع البدع« و»علّة الضوضاء والحب«. فأنا ما أطلقتُ هذه المسألة، بل وجدتُها في أنطاكية. في هذه المدينة تعلّمت، وتكلمتُ في هذه الأمور وما لامني أحد. وظننتُ أنّ هذه العقيدة رُذلت. أمّا في القسطنطينيّة، فوجدتُ أنّهم يطلبون العلم ويحتاجونه، فلبّيتُ طلبهم كما تفرض الحقيقة. جاء فرقاء الشعب المقاتلـون إلى القصـر الأسقفـيّ واحتاجـوا حـلاّ= =لنزاعاتهم للوصول إلى وفاق. سمّوا »مانويّين« أولئك الذين دعوا الطوباويّة مريم »والدة الإله« و»فوتينيّين« أولئك الذين دعوها »والدة الإنسان«. وحين سألتهم، ما أنكر الأوّلون الناسوت، ولا الآخرون اللاهوت. اعترفوا كلّهم بهاتين النقطتين بشكل مشابه وما انقسموا إلاّ. قالت جماعة أبولينار »والدة الله«. وجماعة فوتين »والدة الإنسان«. نشير هنا إلى أنّ أبولينار »والدة الله«. وجماعة فوتين والدة الانسان. نشير هنا إلى أن أبولينار ابن اللاذقيّة في سورية اعتبر أنّ اللوغس (الكلمة) حلّ محلّ النفس العاقلة. هو إله كامل، ولكن إنسان ناقص. , p. 185-188.DECA , p. 537;op. cit. QUASTEN,

 

(14) Euprépios

 

(15) , I, 7; PG 86, 2433.Hist. Eccl. .EVAGRE, نلاحظ هنا قساوة أوغريس على نسطور. ونحن نفهم ذلك بعد أن حُرم هذا الأخير أكثر من مرّة. في مجمع أفسس سنة 431. ثمّ سنة 432 حين تصالح أساقفة أنطاكية مع الإسكندريّة. وفي مجمع خلقيدونية (451): »تجرّأ بعضهم… على رفض كلمة أمّ الله (تيوتوكس) بالنسبة إلى العذراء« (حاشية 2، ص 103). وفي مجمع القسطنطينيّة الثاني (553)، كان حكم على أضاليل نسطور في شأن ناسوت المسيح (حاشية 2، ص 146).

 

(16) سكّان أفريقيا الشماليّة (نوميديا، موريتانيا). تكلّموا الأعجميّة قبل استعرابهم.

 

(17) Paris, 1910, p. 22-23. La légende syriaque de Nestorius, M. BRIERE,

 

(18) .؟؟؟؟؟؟ ؟؟؟ ؟؟؟؟؟؟؟؟؟ ؟؟؟؟

 

(19) .؟؟؟؟؟؟؟ ؟؟؟ ؟؟؟؟

 

(20) h Pragmateia Hrakleidou damaskhnou

 

(21) Héraclide ou Héraclite ou Héraclius

 

(22) ROC, 12(1907), p. 125

 

(23) كتاب هرقليد الدمشقيّ (= هرقليد) ص 3.

 

(24) المرجع السابق، النصّ، 117؛ الترجمة 75.

 

(25) راجع حاشية 2، ص 87-88.

 

(26) في اليونانيّة :؟؟؟؟؟؟؟؟ ما هو أمام النظر، أمام العين. الوجه، الوجه المصطنع، قناع المسرح. ثمّ الدور والشخصيّة المسرحيّة. صارت في السريانيّة :؟؟؟؟؟؟ الشخص والأقنوم مثل .؟؟؟؟؟؟ ولكن عند النساطرة، استعمل ؟؟؟؟؟؟ لليونانيّ ؟؟؟؟؟؟؟؟؟ الأساس، القاعدة، ما نقف فوقه. فقال: اثنان ؟؟؟؟؟؟ في المسيح وواحد :؟؟؟؟؟؟ طبيعتان وأقنوم واحد. وهناك عبارة: »حتّى تعترف بطبيعتين (؟؟؟؟) اثنتين اللتين صارتا شخصًا (؟؟؟؟؟؟) واحدًا«.

 

(27) حاشية 1، ص 376-377. نستطيع أن نلاحظ منذ الآن أنّ الخلاف هو على ألفاظ وكلمات. فالمسيح هو ابن الله، وأمّ المسيح هي أمّ الله. سنعود إلى هذا الوضع حين نبرز الألفاظ المستعملة في كتاب نسطور.

 

(28) راجع حاشية 2، ص 89.

 

(29) هي إشارة إلى كيرلّس وتعليمه.

 

(30) ورد هذا الكلام في مقدّمة بيجان لنشر كتاب نسطور في السريانيّة، .p. IV هذا ما نجده في السيرة السريانيّة.

 

(31) ؟؟؟؟ ؟؟؟؟ ؟؟؟؟؟ ؟؟؟؟؟؟؟؟ ؟؟؟؛

 

(32) حاشية 23، ص 146-147. قدّمت له بوليخيريا »بطرشيلاً« فرفضه. وما أراد للكهنة أن يتسلّموا هدايا. ونورد في هذا المجال حادثة ستجعل الإمبراطور نفسه يحاول الانتقام من نسطور. اعتاد تيودوز أن يصعد إلى قدس الأقداس. أي وراء المذبح، ليتناول جسد المسيح ودمه. واعتادت مثله شقيقته. ولمّا جاء نسطور منعها. فغضبت عليه وقالت له: »إسمح لي أن أدخل، كما اعتدتُ إلى قدس الأقداس، مثل الكهنة والإمبراطور«. فقال لها: »هذا المكان لا يطأه سوى الكهنة«. فقالت له: »ألأنّي ما ولدتُ الله«؟ فأجابها: »أنتِ ولدتِ إبليس«. وطردها من باب قدس الأقداس. فمضت مغضبة، وراحت إلى الإمبراطور، وأخبرته بما حصل. فقال لها الإمبراطور: »بحياتي، يا أختي، وبالتاج الذي على رأسي لن أتوقّف حتّى أنتقم منه«. راجع »الرسالة« عدد 8.

 

(33) حاشية p. V-VI ,30

 

هذه المعجزة وغيرها نقرأها في رسالة نُقلت من اليونانيّة إلى السريانيّة وجاءت في قسمين. القسم الأوّل (1-10) دُوّن في زمن نسطور (سنة 435). والقسم الثاني دوِّن بعد موت نسطور على يد الراهب إيليّا الذي جاء من مصر إلى القسطنطينيّة. ما تجرّأ أن ينشر ما كتب، فانتظر موت البطريرك أناتول (449-458). هذا يعني أنّ الرسالة نُشرت سنة 458.

 

نلاحظ أنّ الأب بيجان ترك تسمية »بازار« الذي يوحي بأنّنا نجد في هذا »السوق« كلّ ما نختاج إليه. نُقل النصّ إلى الفرنسيّة والإنكليزيّة.

 

 

نسطور وكتاب هرقليد الدمشقي ف11 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

أثناز ف10- فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

أثناز ف10- فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

أثناز ف10- فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

 

الفصل العاشر

 

أثناز، أسقف الإسكندريّة العظمى

حول تجسّد ربّنا وحول الثالوث(*)

 

ذاك هو عنوان مقالٍ في السريانيّة وصل إلينا من أثناز الذي دوّنه في اليونانيّة. أمّا الموضوع فهو التجسّد في ردّ على الأريوسيّين. اعتبر عددٌ من البحّاثة أنّ بطريرك الإسكندريّة لم يكتب هذا المقال. وكان واحد من اعتراضاتهم أنّه تكلّم عن الثالوث على أنّه »إله في ثلاثة أقانيم«(1)، فجعل »الأقنوم« مرادفًا »الجوهر«، بحيث نصل إلى ثلاثة جواهر، وبالتالي ثلاثة آلهة. ولكنّ لفظ »هيبوستاستيس« عنى الأقنومَ كما هو الحال في »المقال إلى الأنطاكيّين«(2). يبدو أنّ هذا المقال جاء متأخّرًا في مسيرة أثناز اللاهوتيّة، فأوجز بطريقة »شعبيّة، كتابيّة« براهين كانت موضوع جدال خلال نصف قرن من الزمن. عن هذا المقال تحدّث تيودوريه أسقف القورشيّة منذ سنة 423 في الحوارات (ف 2-3) ودعاه مقال على الأريوسيّين. كما تحدّث جلاسي، أسقف قيصريّة منذ سنة 367، في كتابه حول الطبيعتين عن مقال أثناز هذا، الذي يتوقّف بشكل خاصّ عند لاهوت الابن، منطلقًا ممّا تقوله الكتب المقدّسة، وعن لاهوت الروح القدس(3).

 

بعد أن نتعرّف إلى نصوص سريانيّة وصلت إلينا من أثناز. وقد نُقلت إلى السريانيّة، نقرأ هذا النصّ حول التجسّد وما فيه من ردّ على الأريوسيّة. ونستخلص بعض الغنى اللاهوتيّ المرتبط بنصوص الكتاب المقدّس.

 

1- أثناز الإسكندرانيّ في السريانيّة

 

في منتصف القرن العشرين، نشر روبرت طومسون عددًا من النصوص الأثناسيّة السريانيّة في »مجموعة المسيحيّين الشرقيّين«، فأفهمنا كيف انتقل هذا المدافع الكبير عن إيمان نيقية، من عالم مصر اليونانيّ إلى العالم السريانيّ.

 

أ- في التجسّد

 

في الجزء الأوّل من كتاب طومسون(4)، نقرأ مقالين. الأوّل في التجسّد، عنوانه في السريانيّة: مقال (ميمر) القدّيس أثناز رئيس أساقفة الإسكندريّة حول تجسّد الكلمة وظهوره (دنحه) لنا في الجسد. هذا النصّ الذي دوّنه أثناز أو أوصله إلى ترتيبه النهائيّ خلال المنفى الأوّل في تراير، عاصمة غالية (فرنسا الحاليّة) سنة 335-337(5). جاء امتدادًا لمقال على الأمم (الوثنيّة). نُشر النصّ اليونانيّ في الباترولوجيا اليونانيّة(6)، ونُقل إلى السريانيّة، ونحن نقرأه فقط في المخطوط الفاتيكانيّ 104(7). دُوّن النصّ في الحرف الاسترنغلو وعاد إلى سنة 564(8). وجاء مضمونه كما يلي: لا دواء لفساد البشر، ولا إصلاح ممكنًا للإنسان في خلقه الأصليّ وتكوينه، إلاّ بالتجسّد. لهذا كان تجسّد الابن وموته وقيامته. ودافع أثناز عن الإيمان المسيحيّ بهذا السرّ العظيم، في ردّ على اعتراضات اليهود والوثنيّين.

 

في اليونانيّة، نسخة طويلة هي النصّ الأساسيّ الذي نقرأه عادة. ثمّ كانت نسخة قصيرة وصلت إلى أنطاكية، في القرن الرابع، من أجل الردّ على أبولينار(9) الذي بدا كلامُه(10) في فم تلاميذه بدايةَ المونوفيسيّة من أجل الحفاظ على وحدة مطلقة في اللاهوت والناسوت، في المسيح. وعلى لاهوت الفادي: »طبيعة واحدة في الله الكلمة المتجسّد«. صارت الطبيعة مرادفة للأقنوم، بحيث يستطيع المؤمن العاديّ أن يستنتج أنّ في المسيح طبيعة واحدة.

 

أمّا النصّ السريانيّ فأخذ بالنسخة القصيرة(11). فجاءت بدايته كما يلي: »قلنا ما فيه الكفاية، في ما قبل، فكان قليلاً من كثير، عن ضلال الشعوب بالنسبة إلى الأوثان وكثرة عبادتهم للشياطين، وكيف استنبطوا منذ البداية (الأصنام). فمن الشرّ استنبط البشر عبادة الأصنام. لكن، بنعمة الله وحول لاهوت كلمة الآب وحول اهتمامه بكلّ شيء وقدرته، (قلنا) إنّ الآب الصالح رتّب كلّ شيء فيه وكلّ شيء يتحرّك به ويحيا. تعال لنتلازم، أيّها المغبوط حقًا ومحبّ المسيح، لكي نعرض بإيمانِ خائفي الله فنقول ما يتعلّق بتجسّد الله، ونعرِّف بظهوره الإلهيّ لدينا«.

 

وفي هذا الجزء الأوّل عينه، نقرأ رسالة إلى إبيكتات، أسقف كورنتوس، التي تعالج العلاقات بين المسيح التاريخيّ والابن الأزليّ. طرح إبيكتات عددًا من الأسئلة: مثلاً، الجسد المأخوذ من مريم هو من جوهر الله الكلمة. أو: الكلمة تحوّل إلى لحم وعظم وشعر وجسم كامل بحيث خسر طبيعته الخاصّة. أو: ما اتّخذ المخلّص جسدًا في الواقع، بل في الرمز… سيجيب أثناز على هذه الضلالات.

 

نُشر النصّ اليونانيّ في الباترولوجيا اليونانيّة (26: 1049-1070)، ونُقل إلى اللاتينيّة والأرمنيّة. أمّا عنوان النسخة السريانيّة فكان: »نسخة الرسالة التي كُتبت للمغبوط أفيقططوس، أسقف قورنتوس من قبل القدّيس أثناز، أسقف الإسكندريّة، الذي احتمل الاضطهاد من الأريوسيّين في سبيل الإيمان المستقيم، فاعترف وانتصر«(12).

 

وبداية الرسالة: »ظننتُ من زمن بعيد أنّ كلّ كلام هرطقة صمَتَ في كلّ مكان من بعد الاجتماع المقدّس الذي كان في نيقية. فالإيمان الذي اعتُرف به فيها جاء مطابقًا للكتاب المقدّس، وهو يكفي لاقتلاع كلّ الشرور، ولقيام الإيمان الحقيقيّ بالمسيح«.

 

في الجزء الثاني من كتاب طومسون(13)، يرد عدد من النصوص السريانيّة: عظة حول مت 12: 32 والتجديف على الروح القدس. رسالة أساقفة أفريقيا تحذّر المؤمنين هناك من خطر الأريوسيّة. والمقال إلى الأنطاكيّين صدر عن سينودس الإسكندريّة وأُرسل سنة 362، من أجل عودة السلام والوئام في الكنيسة. هي رسالة »أنقوقليون«: رسالة دوّارة للقدّيس أثناز، بمعنى أنّها أرسلت إلى أكثر من جهة: »أثناز والأساقفة الذين حضروا في الإسكندريّة إلى رفاقهم في الخدمة في ربّنا، سلام. نحن متيقّنون أنّكم خدّام الله ووكلاء تستطيعون أن ترتّبوا أمور الكنيسة. ولكن لأنّه بلغ إلينا أنّ كثيرين في الماضي أُخذوا منّا بسبب الخلاف، يريدون الآن السلام، وأنّ كثيرين من الذين ابتعدوا عن أخوّة الهراطقة يهتمّون بالشركة معنا، كان من الضروريّ يا أحبّاءنا، أوسيب واسطرب أن نكتب هذه الأمور…«(14)

 

أوردنا هذه البداية لكي نشير إلى أنّ الإطار الذي عاش فيه أثناز، بابا الإسكندريّة، وكتب فيه، هو المناخ الأريوسيّ: كلامُه دفاع عن عقيدة نيقية، وموقفه إمّا رفضٌ لما نادت به مجامع محلّيّة لاحقة، أو لما اتّخذ من قرارات، وإمّا قبول أولئك الذين ابتعدوا عن الشركة كما هو الأمر هنا.

 

ونقرأ في هذا الجزء الثاني أيضًا رسالة إلى مكسيم الفيلسوف الذي ردّ بنجاح على الأريوسيّين القائلين بأنّ المسيح هو ابن الله بالتبنّي، لا بالطبيعة. والنصّ الأخير، رسالة إلى أدلف الأسقف والمعترف حول العبادة المؤدّاة للابن، الكلمة المتجسّد.

 

والجزء الثالث الذي نشَرَ مؤلّفات أثناز المنقولة إلى السريانيّة(15) يتضمّن مقالاً حول التجسّد في ردّ على الأريوسيّين. هو النصّ الذي ننقله إلى العربيّة. ثمّ ردٌّ على أبولينار(16)، ومقال حول الصلب والآلام، وآخر يطرح سؤالاً: هل المسيح واحد؟ ويبدأ الجواب: »يجب على الذين اهتدوا، في وقت من الأوقات، من الضلالة الوثنيّة، واعترفوا بالإله الواحد الوحيد، بالحقيقة، بإله الكلّ، أن لا يقتربوا بعدُ من الخليقة وأن لا يجعلوا الخليقة إلهًا فيعبدونها بجانب الله الذي هو مبارك إلى أبد الآباد (روم 1: 15). وفي الخطّ عينه، أولئك الذين مالوا عن المعتقد اليهوديّ ولاموا أولئك على أنّهم ناقصو الفهم وكفّار، فآمنوا بالربّ يسوع المسيح، وفَهِموا أنّ الله يُشهد له في كلّ مكان، ويُعرَف بالسلطان والآيات والأعمال الإلهيّة والمجيء الربّانيّ…«

 

ونقرأ نصٌّا ثالثًا عن تجسّد كلمة الله، وجدَهُ الناشرُ في مخطوط أوّل في لندن(17)، ثمّ في مخطوط ثان(18) يعود إلى القرن 7-8. العنوان: عرض المغبوط أثناز، رئيس أساقفة الإسكندريّة حول التجسّد (م ت ج ش م ن و ت ا) الإلهيّ لله الكلمة الذي يتوافق مع ما (قيل) في مجمع نيقية المقدّس. ويبدأ النصّ كما يلي:

 

»نعترف بابن الله الذي وُلد قبل العوالم ولادة أزليّة، وفي نهاية العوالم صار بشرًا من مريم، من أجل خلاصنا، كما علّمنا الرسول الإلهيّ فقال: \’\’لمّا أتى ملء الأزمنة، أرسل الله ابنه فكان من امرأة\’\’ (غل 4: 4). والذي هو ابن الله والله في الروح، كان ابن الإنسان في البشريّ، لا أقنومان، بل ابن واحد. لا (واحد) يُسجَد له، وآخر لا يُسجَد له، بل طبيعة واحدة (طبيعة) الله الكلمة الذي تجسَّد وسجدوا له، مع البشريّ، في سجدة واحدة، ولا ابنان: واحد هو ابن الله الحقيقيّ والمسجود له وآخر من مريم إنسانًا لا يُسجَد له، صار بالنعمة ابن الله، شأنه شأن البشر، بل ذاك الذي هو من الله وهو الله، كما قلتُ(19).

 

هذا النصّ الذي نُشر في الباترولوجيا اليونانيّة (28: 25-29)، نُشر أيضًا في ترجمة أرمنيّة، فأعطانا ملخّصًا سريعًا لما قاله أثناز وكنيستُه عن تجسّد الكلمة الإلهيّ. وهذا ما يهيّئنا لقراءة المقال الأوّل في المجموعة الثالثة التي نشرها طومسون.(20)

 

2- تجسّد الربّ والثالوث

 

ورد هذا النصّ السريانيّ لمقال أثناز في محطوط واحد: شرقي 8606، في المتحف البريطانيّ. من الوريقة 12ظ إلى 27و. ونُشر في الباترولوجيا اليونانيّة (26: 984-1028)، كما نُشرت الترجمة الأرمنيّة(21) وهناك أكثر من نسخة أرمنيّة أخرى لم تُنشَر في مكتبة المخيتاريست في فيينا(22). وها نحن نقدّم ترجمته من السريانيّة إلى العربيّة، قبل أن نقدّم دراسة عنه في إطار الأريوسيّة التي سيطرت خلال القرن الرابع المسيحيّ في الجدالات الكنسيّة، وتركت بعض الآثار في القرن الخامس. بعد العنوان: »مقال أثناز، أسقف الإسكندريّة العظيمة، حول تجسّد ربّنا والثالوث«، يَرِدُ التوسّعُ الذي جُعل له ترقيمٌ لتسهيل استعماله.

 

1- إنّ أولئك الذين يريدون أن يفهموا بطريقة سيِّئة الكتبَ الإلهيّة، يريدون أن يطبّقوا على لاهوتِ الابن أقوالاً متواضعة قيلتْ في ناسوتِ الابن، لكي يقيموا من هنا تجديفَهم السيّئ. فحقيقةُ المسيحيّة كلّها تُوجَدُ في هذه الأقوالِ الصغيرة وفي الأعمال. فإن استطاعوا أن يسمعوا الطوباويّ بولس الذي كتبَ إلى الكورنثيّين: »أنتم تعرفون نعمةَ ربِّنا يسوع المسيح الذي لأجلكم صار فقيرًا، وهو الغنيّ، لكي تغتنوا أنتم بفقره (2كو 8: 9)، لو استطاعوا لما تجرّأوا أن يقولوا إن الابن لا يشبه الآب. فلو فهموا ما هي قوّة فقره، وما هي أيضًا قوّة صلبه، فكيف يقولُ بولسُ أيضًا في موضعٍ آخر: »تستطيعون أن تدركوا القوّةَ مع جميع القدّيسين، ما هو العلوّ والعمق والطول والعرض في عظمة معرفة حبِّ المسيح لكي تكونوا كاملين في كلِّ ملءِ اللاهوت« (أف 3: 18-19). لأجلِ هذا وبواسطة كتاباته، تكلّمَ بجلاء فقال: »ليس لي أن أفتخر إلاّ بصليب ربّنا يسوع المسيح الذي به صُلب العالمُ لي وأنا صُلبتُ للعالم« (غل 6: 14). وأيضًا: »لا أعتبر نفسي بينكم أنّي أعرفُ شيئًا إلاّ يسوع المسيح وإيّاه مصلوبًا« (1كو 2: 2). وأيضًا: »فلو عرفوا لما صلبوا ربَّ المجد« (1 كو 2: 8).

 

ولو فهم هؤلاء الآن الكتبَ الإلهيّة، لما تجرّأوا وقالوا مجدّفين إنّ صانع كلِّ شيء هو صنيعة وخليقة. فهم يحاربوننا ويقولون: كيف يمكن أن يكون شبيهًا بكيان الآب؟ فها قد كُتب: »كما أنّ للآب الحياة في ذاته (= أقنومه)، هكذا وهبَ الابنَ أن تكونَ له الحياة في ذاته (= أقنومه) (يو 5: 26). ويقولون: إنّ الذي يهبُ أفضل من الذي يأخذ بمقدار كبير. وأيضًا: »لماذا أنتَ تدعوني الصالح، ولا صالح إلاّ الله وحده« (مر 10: 18؛ لو 18: 19). وأيضًا: »إلهي، إلهي لماذا تركتني؟« (مت 27: 46؛ مر 15: 34). وأيضًا حالاً: »اليوم الأخير لا يعرفه إنسانٌ ولا الابنُ بل الآب« (مت 24: 36؛ مر 13: 32). وأيضًا: »هذا الذي قدّسه الآب وأرسله إلى العالم« (يو 10: 36). وأيضًا: »ذاك الذي أقامه الآب من بين الأموات« (غل 1: 1). لذلك يقولون: كيف يقدر أن يكون ذاك الذي قام من بين الأموات، شبيهًا بالذي أقامه؟

 

2- هكذا اخترنا هذه الأمورَ القليلة من الكثيرة، وحين تنالُ تلك الجوابَ يُعرَف الباقي بسرعة. إذن، يجب علينا، بقدر ما نستطيع، أن نعرض قوّة ما قيل. فحين قال الطوباويّ بولس عن الابن: »أقامه الآب من بين الأموات« (غل 1: 1)، روى لنا يوحنّا الإنجيليّ أنّ يسوع قال: »أهدموا هذا الهيكل وأنا أقيمه في ثلاثة أيّام« (يو 2: 19، 21). وقال الإنجيليّ: »كان يتكلّم عن هيكل جسده«. من المعلوم للذين رأوا الجسد حين قام، إنّ الابن قام من بين الأموات. فهذه التي تُنسب إلى الجسد تُنسب إليه ذاته. وكذلك أيضًا حين قال: »الآب وهب الحياة للابن« (يو 5: 26)، تُفهم أنّ الحياة وُهبت للجسد. فكيف تستطيع الحياة أن تأخذ الحياة؟ فهو يعدُ فيقول: »خرافي تسمعُ صوتي وأنا أعرفها. وهي تتبعني وأنا أهبُ لها حياة الأبد فلا تبيد إلى الأبد« (يو 10: 27-28). وأيضًا إن كان هو كلمةَ الله، وهو خلق كلّ قوام، فكيف يقول: »وكان يسوع ينمو في الحكمة والقامة« (لو 2: 52). فهو أيضًا صانعُ الكلّ. وإن صنع الآب كلّ شيء بواسطة كلمته الذي هو ابنه، نعرف أيضًا أنّه صنع قيامة جسده بيديه. فبيديه يقيمُه وبيديه يهب له الحياة. وهكذا قام في البشريّ كإنسان، وأخذ الحياة كإنسان فذاك الذي وُجد في الشكل كإنسان هو الذي أقام هيكله كإله ووهب الحياة لجسده.

 

وأيضًا حين يقول: »ذاك الذي قدّسه الآب وأرسله إلى العالم« (يو 10: 36)، يقول في مكان آخر: »من أجلهم أنا أقدِّس نفسي ليكونوا هم أيضًا مقدَّسين في الحقّ« (يو 17: 19). وأيضًا إذ قال: »إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟« (مت 27: 46؛ مر 15: 34)، قال كما في شخصنا، لأنّه أخذ شبه عبدٍ »ووُجد في شكل إنسان. واضع نفسه وأطاع حتّى الموت، موتِ الصليب« (فل 2: 7-8). وكما قال أشعيا أيضًا: »يحمل أمراضنا ويأخذ عذابنا« (أش 53: 4). وهكذا نعلم أنّه ما تألّم من أجل نفسه، بل من أجلنا نحن. وأيضًا ما تخلّى عنه الله، بل نحن، ولأجلنا نحن الذين تُركنا أتى هو إلى العالم. وأيضًا حين يقول: »من أجل هذا رفعه الله، ووهبَ له اسمًا أفضل من كلّ الأسماء« (فل 2: 9). تكلّم عن هيكله الذي هو جسده.

 

3- فالرفيع لا يُرفع، بل جسدُه هو الذي رُفع، ولجسده منح اسمًا أفضل من كلِّ الأسماء. فليس الله الكلمة الذي نال بنعمةٍ أن يُدعى باسم الله، بل جسدُه معه تسمَّى باسم الله. فهو ما قال إنّ الله كان الكلمة، بل »الكلمة كان الله« (يو 1: 1). وهكذا الله الكلمة صار بشرًا. البشريّ صار فيه الله الكلمة. فكما أنّ توما، إذ مسَّ جسده، صرخ بصوت عال وقال: »ربّي وإلهي« (يو 20: 28)، ومع الآخرين سمّاه تسمية إلهيّة، بالطريقة عينها كتب يوحنّا أيضًا: »هذا الذي كان من البدء، هذا الذي سمعناه، هذا الذي رأيناه بعيوننا، ولمسناه بأيدينا، من أجل كلمة الحياة« (1 يو 1: 1). إذن، جليّ هو أنّه حين كان في الجسد، هو الابن وكلمةُ الآب لُمِسَ. وأفهمنا الكتابُ الإلهيّ أنّ »كلمة الحياة لمس«. وأيضًا قال: »ما كان الروح القدس بعدُ أعطي، لأنّ يسوع لم يكن بعدُ تمجّد« (يو 7: 39). فربُّ المجد لا يمجَّد بل جسدُ ربِّ المجد هو أخذ المجد حين أصعِدَ معه إلى السماوات. من هنا، ما كان بعدُ للبشر روحُ التبنّي، لأنّ البكر الذي أُخِذ من البشر، ما كان بعدُ أُصعدَ إلى السماء.

 

4- فكلُّ ما تقول الكتب المقدّسة إنّ »الابن أُخذ« وإنّ »الابن مُجِّد«، تقوله من أجل ناسوته لا من أجل لاهوته. وحين يقول الرسول أيضًا: »في المسيح يسكن كلُّ ملء اللاهوت جسديٌّا« (كو 2: 9)، نفهم أنَّ كلَّ ملء اللاهوت سكن في جسد. وأيضًا حين يقول: »ما أشفق على ابنه، بل أسلمه عن جميعنا« (روم 8: 32). وقال في موضع آخر: »أحبَّ المسيح كنيسته وأسلم ذاته عنها« (أف 5: 25).

 

5- فالابن اللامائت ما جاء ليخلِّص نفسه، بل ليخلِّصنا نحن الذين صرنا تحت عبودية الموت. وأيضًا، هو ما مات من أجل نفسه، بل من أجلنا نحن. ومن أجلنا أخذ على نفسه حقارتنا وفقرنا لكي يمنحنا كلَّ غناه. فألمه هو لأجلنا، لا تألميّة، وموته لنا هو لا موات، ودموعه لنا فرح، ودفنه لنا قيامة، وعماده تقديس لنا. قال: »من أجلهم أقدِّس نفسي لكي يكونوا هم أيضًا مقدَّسين في الحقّ« (يو 17: 19). جراحُه هي لنا شفاء. قيل: »بجراحه شُفينا كلّنا« (أش 53: 5)، وتأديبه سلام لنا. قيل: »تأديبُ سلامنا عليه« (أش 53: 5). هذا يعني أنّه من أجلنا أُدِّب. ولا مجدُه(23) هو لنا مجد. من هنا سأل المجدَ فقال: »يا أبي، مجّدْني عندك بهذا المجد الذي هو لي قبل أن يكون العالم« (يو 17: 5). فنحن هم الذين به تمجّدوا، ونزوله صعودٌ لنا، كما كُتب: »أقامنا معه وأجلسنا معه في المسيح يسوع ليُظهر للعوالم الآتية عظمةَ غناه وعذوبته التي كانت لنا بيسوع المسيح« (أف 2: 6-7). هو إن قال على الصليب: »أيّها الآب، في يديك أضع روحي« (لو 23: 46)، وضع جميع البشر في يدي الآب، أولئك العتيدين أن يحيط بهم بيديه. نحن أعضاؤه، والأعضاء الكثيرة هي في جسد واحد الذي هو الكنيسة. كما الرسول الطوباويّ كتب للغلاطيّين فقال: »فأنتم كلّكم واحد في يسوع المسيح« (غل 3: 28). وهكذا أُودع فيه كلَّ إنسان للآب.

 

6- وأيضًا حين قال: »الربّ برأني في رأس طرقه لصنائعه«(24). قال من أجل الكنيسة التي فيه بُنيت. فصانعنا كلّنا ليس صنيعة لا خليقة، بل الخليقة تجدّدت بالخالق كما قيل في بولس: »فنحن خليقة، خُلقنا بيسوع المسيح للأعمال الصالحة« (أف 2: 10). كما قال أيضًا: »بواسطة كنيسته تُعرَف لدى الرؤساء والسلاطين الذين في السماء، حكمةُ الله المليئة تمييزًا، تلك التي أعدَّها منذ العوالم وصنعها في يسوع المسيح ربِّنا، الذي لنا به الدالّة والقرب في اتّكال الإيمان« (أف 3: 10-12). وقال أيضًا: »كما سبق واختارنا فيه من قبل أساسات العالم لنكون ، وفي المحبّة سبق فختمنا بسمة الأبناء (= التبنّي) بيد يسوع المسيح« (أف 1: 4-5). وقال أيضًا من أجل الشعبين: »ليخلق الاثنين في أقنومه إنسانًا واحدًا جديدًا، وصنعَ السلام وصالح الاثنين في جسد واحد مع الله، وبصليبه قتلَ العداوة« (أف 2: 15-16).

 

7 قدّيسين وبلا عيب أمامه – وأيضًا حين قال: »لماذا تدعوني صالحًا، لا صالح إلاّ الله وحده« (مت 19: 17؛ مر 10: 18؛ لو 18: 19). حسب نفسه مع البشر، فقال هذا في الجسد وأجاب على فكر ذاك الذي اقترب منه. فالذي ظنّ أنّه إنسان فقط، لا الله، وهذا كان فكر ذاك، قال: »إنّ ظننتَ أنّني فقط إنسان، لا إله، فلا تدعُني الصالح(25). فلا يليق بكيان البشر أن يُدعى الصالح. وفي الحال، أضاف فقال: »أنتَ تعرف الوصايا«. وإذ قال هذا: »أيّها؟« قال له: »لا تزنِ، لا تقتل«، والباقي. قال هذا: »هذه كلّها حفظتها من صباي. فماذا ينقصني«؟ قال له: »إن شئت أن تكون كاملاً، امضِ، بعْ كلَّ ما لك وأعطِه للمساكين، فيكون لك كنزٌ في السماء واحمل صليبك واتبعني«(26). إذن، من أجل هذا بيّن له أيضًا أنّ هذا الصلاح يليق به أيضًا. فذاك الذي لا يسير وراء الصالح، كيف يستطيع أن يرث حياة الأبد؟ وحين يقول من أجل اليوم الأخير: »لا إنسان يعرف، ولا الابن، بل الآب وحده« (مت 24: 36؛ مر 13: 32)، فهو يقول عن إنسانيّته. فالذي يعرف الآب، كيف يجهل اليوم الأخير؟ قال: »ما من إنسان يعرف الآب إلاّ الابن والذين يريد الابن أن يتجلّى لهم« ( مت 11: 27). وإن كان روحُ الله يعرف كلَّ ما لله، فكيف لا يعرف الابنُ ذاك اليوم الذي صنعه؟ وإن كانت العوالم والأزمنة في يديه، فجليٌّ أيضًا أنّ اليوم الأخير يُوجَد في العوالم والأزمنة، بحيث لا يمكن أن يكون جَهلَهُ.

 

8- كلُّ هذه الكلمات الصغيرة التي قيلت عن ربِّنا، تليق بفقره لكي نغتني نحن بها، فلا نجدِّف بها على ابن الله. من أجل هذا، ابنُ الله صار ابنَ الإنسان، لكي يصير البشر، أي أبناءُ آدم، أبناء الله. فالذي، وُلد من فوق، من أب(27)، بشكل لا يوصَف ولا يفسَّر ولا يُدرَك، ولادةً أزليّة، هو من وُلد من تحت، في الزمن(28)، من البتول مريم بحيث إنّ الذين سبق فوُلدوا من تحت يُولَدون ثانية من فوق، أي من الله. إذن، له فقط أمٌ على الأرض. ولنا نحن أيضًا فقط أبٌ في السماء. ولهذا سمّى نفسه ابنَ الإنسان، لكي يدعو البشرُ الله الآب: »أبانا الذي في السماوات« (مت 6: 9؛ لو 11: 2). فكما أنّنا نحن عبيد الله، قد صرنا أبناء الله، هكذا سيّدُ السماء هو عبد خليقته، أي آدم. إذ أخذ أبًا مائتًا (= آدم)، وهب للبشر أباه اللامائت، كما قال: »وهب لهم السلطان أن يصيروا أبناء الله« (يو 1: 12).

 

من أجل هذا، استطعم ابن الله الموت في الجسد من أجل أبيه الجسديّ لكي ينال البشر الحياة الروحيّة في الله الآب. إذن، هو في الكيان ابن الله. ونحن بالنعمة. وأيضًا هو صار ابن آدم بالتدبير(29) وبالنعمة. أمّا نحن فأبناء آدم بالكيان(= بالطبيعة). لهذا قال: »أنا أمضي إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم« (يو 20: 17). أبوه هو الله بالطبيعة (بالكيان)، كما قلت، ونحن بالنعمة. وهو إلهه بالتدبير لأنّه صار إنسانًا، وهو لنا بالطبيعة الربّ والإله. لهذا فالله الكلمة حين اتّحد بالبشر صار بشرًا، بحيث يتّحد البشرُ بالروح فيكونون روحًا واحدًا. هو الله لبس الجسد، ونحن البشر لبسنا الروح. أخذ الباكورة من طبيعة البشر، أي من زرع إبراهيم، الذي هو شبه العبد فصار إنسانًا، ووهب لنا أيضًا من طبيعة الله باكورة الروح القدس، لكي نكون كلّنا أبناء الله في شبهه. وهكذا لبسنا كلّنا الربّ الحقيقيّ، بحيث نلبس نحن الإله الواحد.

 

9- إنّه لشرّ عظيم أن نقول إنّ روح الله هو خليقة وصنيعة. ذاك الذي تمجّده، الكتبُ كلّها، كتب العهد العتيق والعهد الجديد، تمجّده وتعدّه مع الآب والابن، هو من اللاهوت عينه والجوهر(30)، كما قال الابن: »من يؤمن بي، أنهارُ مياه حيّة تجري من جوفه« (يو 7: 38). قال هذا من أجل الروح الذي يزمع المؤمنون به أن يأخذوه. وكما بيد يوئيل النبيّ قال، كما على لسان الآب: »أفيضُ من روحي على كلِّ بشرٍ فيتنبأ بنوكم وبناتكم« (يوء 3: 1). ولذلك نفخ في وجه الرسل وقال: »خذوا الروح القدس« (يو 20: 22). فنتعلّم أنّ الروح القدس وُهب للتلاميذ من ملء اللاهوت. قال: »يسكن في المسيح، أي في جسده، كلُّ ملء اللاهوت سكنًا جسميٌّا« (كو 2: 9). وكما قال يوحنّا المعمدان: »نحن كلّنا من ملئه أخذنا«(31). فكما في جسم حمامة رُؤيَ الروح القدس الذي نزلَ وحلَّ عليه، هكذا سكن فينا عربونُ اللاهوت وباكورتُه. أمّا في المسيح، فحلَّ ملءُ اللاهوت.

 

ولا يظنَّ أحد أنّه يأخذه وهو لا يمتلكه. فمن أرسله من العلاء كالله، هو أيضًا يتقبّله على الأرض كإنسان. فمنه نزل عليه، من لاهوته على ناسوته. لهذا هتف أشعيا، كما في شخص الآب فقال: »هذا قال الربّ إلهُك الذي صنعك وجبلك من الحشا. لا تخفْ، يا عبدي يعقوب، ويا إسرائيل الذي أحببتُ. يا ذاك الذي اخترتُ. أنا أهبُ المياه في موضع صهيون للذين يسكنون في البريّة. أجعل روحي على زرعك، وبركاتي على أبنائك« (إش 24: 2-3). وفي الإنجيل، وعد ربّنا أنّه سيهب الماء للذين يسيرون في العطش. فقال للسامريّةِ حول الروح القدس: »لو كنتٍ تعرفين موهبة الله، ومن هو الذي يقول لك: هبي لي (ماء) لأشرب، كنتِ سألتِ أنتِ فوهبَ لك الماء الحيّ« (يو 3: 10). وبعد ذلك بقليل، قال: »كلّ من يشرب من هذا الماء يعطش أيضًا. وكلّ من يشرب من الماء الذي أنا أهبه له، لا يعطش إلى الأبد. فالماء الذي أهبُه له يكون فيه معين ماء ينبع حياة أبديّة« (يو 4: 13-14). لهذا أنشد داود مزمورًا لله فقال: »ينبوع الحياة هو معك، بنورك نرى النور« (مز 36: 10). هو عرف أنّ الآب والابن ينبوع الروح القدس.

 

10- وهو من قال بيد إرميا: »صنع شعبي شرّين: تركني أنا ينبوع الماء الحيّ، وحفروا لهم أجبابًا مشقّقة لا تقدر أن تحوي ماء« (إر 2: 13). وإذ سبّح السرافيم الله ثلاث مرّات، قالوا: »قدّوس، قدّوس، قدّوس، ربّ الصباؤوت« (أش 6: 3)، سبّحوا الآب والابن والروح. لهذا، كما أنّنا نتعمّد باسم الآب والابن هكذا أيضًا (نتعمّد) باسم الروح القدس . ونصير نحن أبناء الله، لا أبناء الآلهة. فالآب والابن والروح القدس هم الربّ الصباؤوت. لاهوت واحد، سلطان واحد. لهذا، ما قيل في أشعيا حول الآب، طبّقه يوحنّا على الابن، وفي أعمال الرسل قال بولس إنّ هذا يعني الروح.

 

لأنّه هكذا قال أشعيا: »رأيتُ ربّ الصباؤوت جالسًا على كرسيّ عالٍ ورفيع، فامتلأ البيتُ من مجده، والسرافيم قائمون فوقه ستة ستّة أجنحة لكلّ واحد منهم، باثنين يُخفون وجوههم، وباثنين يُخفون أقدامهم، وباثنين يطيرون ويصرخون هذا إلى هذا قائلين: قدّوس، قدوّس، قدّوس، الربّ الصباؤوت، امتلأت الأرضُ كلّها من تسابيحه« (أش 6: 1-3). وبعد وقت قليل، قال: »سمعتُ صوت الربّ يقول: من أُرسل، ومن يمضي إلى هذا الشعب«؟ فقلتُ: »ها أنا، أرسلني«. فقال لي: »إمضِ وقُل لهذا الشعب: سماعًا تسمعون ولا تفهمون، رؤية ترون ولا ترون. غَبي قلبُ هذا الشعب، ثقلتْ آذانُهم للسماع، وأُغمضْت عيونهم لئلاّ يروا بعيونهم ويسمعوا بآذانهم ويفهموا بقلوبهم ويعودوا إليَّ فأشفيهم« (أش 6: 8-10).

 

وقال يوحنّا الإنجيليّ: »ما استطاع اليهودُ أن يؤمنوا بيسوع لأنّ أشعيا قال: \’\’أظلمت عيونُهم، وعميت عقولهم لئلاّ يروا بعيونهم ويفهموا بقلبهم ويعودوا إليّ فأشفيهم\’\’. هذا قاله أشعيا حين رأى مجده، أي مجد الابن، فتكلّم عنه« (يو 12: 39-41).

 

إذن، الربّ الصباؤوت هو يسوع. فربّ الصباؤوت يفسَّر أنّه ربّ القوات. وربّ القوّات هو ملك المجد، كما قال داود أيضًا. فربّ المجد، بحسب كلام بولس، هو المسيح الذي صُلب. وقال داود أيضًا: »الرب يرعاني فلا ينقصني شيء« (مز 23: 1). وفي موضع آخر، قال: »يا راعيَ إسرائيل أنظر، ذاك الذي يتدبّر يوسف كالقطيع، ذاك الذي يجلس على الكروبيم« (مز 80: 1). وفي الإنجيل، قال الابن: أنا الراعي الصالح« (ي 10: 14). ذاك الذي يجلس على الكروبيم، هو الابن، راعي إسرائيل. وقال بولس في أعمال الرسل: إنّه الروح القدس الذي قال بفم أشعيا (أع 28: 25) »الربّ الصباؤوت قال لي« (أش 6: 9). هكذا، فالربّ الصباؤوت هو الآب والابن والروح القدس.

11- وحين قال الكتاب أيضًا عن الآب: »صنع كلّ شيء، ما يُرى وما لا يُرى« (كو 1: 16). وفي موضع آخر علّمنا أنّه خَلق بيد الابن. لا أنّ الآب خلق شيئًا ساعة الابنُ خلق شيئًا آخر غيره. بل صنع تلك التي صنعها الآب، بقدرته الخاصّة ذاك الذي هو الابن. »فكلّ شيء كان بيده« (يو 1: 3). وهكذا أيضًا حين يقول الابن: »انقضوا هذا الهيكل وفي ثلاثة أيّام أقيمه، إنّما كان يتكلّم عن جسده« ( يو 2: 19، 21). وكتابٌ آخر عن الآب قال: »أقام الابنَ من بين الأموات« (غل 1: 1). وحسنًا قال. فأقام بكلمته الذي هو ابنه، جسدَ ابنه. فنحن لا نقول ابن الجسد هو ابن الله، بل جسد الابن. وبقيامة الجسد نفهم أنّ الابن قام من بين الأموات، ومن أجل هذا، نقول إنّه مات كبشر وقام من بين الأموات. أمّا بالروح فكان في السماء وفي كلّ مكانٍ من الإرض.

 

فمع أنّه في البدء كان غنيٌّا، لأنّه الله، صار بعد ذلك فقيرًا من أجلنا، حين صار إنسانًا وشابهَنا في كلِّ شيء ما عدا الخطيئة. ولهذا، فهو كإنسان نال الحياة، وهو الذي يمتلك الحياة. أخذها من أجلنا، وكإنسان أيضًا نما في القامة. وتفاضلَ في الحكمة وهو قدرةُ الآب الأزليّة وحكمته. وكإنسان أيضًا تقدّس ذاك الذي هو القدّوس على الدوام. قال: »من أجلهم أقدّس نفسي ليكونوا هم مقدَّسين في الحقّ« (يو 17: 19). وكإنسان أيضًا رُفع ونال اسمًا أفضلَ من كلِّ الأسماء، اسمًا يمتلكه دومًا في جوهره. فالكلمة هو الله.

 

12- فجميع ما تقول الكتب عن الابن الذي أخَذَ، فمن أجل جسده تقول إنّه أخذ. فجسده هو باكورة كنيسته. قيل: »المسيح هو البكر« (1 كو 15: 23). فالاسم الذي هو أفضل من كلّ الأسماء هو للبكر، وقامت معه جبلتُنا كلّها، كما بقدرةٍ كما قيل: »أقامنا وأجلسنا معه« (أف 2: 6). من أجل هذا، بالنعمة نالَ البشر بأن يُدعَوا آلهة وأبناء الله. ففي البداية، ربُّنا أقام جسدَه من بين الأموات، ورفعه. وبعد ذلك، أعضاء جسده. ومنحهم، بما أنّه الله، كلَّ ما أخذه وهو إنسان. منح شخصه الحياة، وقدّس أيضًا شخصه، ورفع أيضًا شخصه. وحين قال: »قدّسه الآب وأقامه، ووهب له اسمًا، ووهبه الحياة«(32)، فمن الواضح أنّ الآب صنع بيديه (= المسيح) كلَّ شيء. فبيديه أقامه، وبيديه قدّسه، وبيديه رفعه، وبيديه أيضًا وهب له الحياة. وحين سلّم روحه في يدي أبيه، سلّم نفسه كإنسان لله، بحيث يسلّم جميعَ البشر بين يدي الله. هو يد الآب، أي يمينه. وحين يقول أيضًا: »قبل المرتفعات ولدني« (أم 8: 25)، فهو يقول ذلك في شخص الكنيسة، التي صُنعت في البدء. وبعد ذلك وُلدت من الله بالنعمة. لهذا، وُضع في سفر الأمثال: »الربّ خلقني« (8: 22). ثمّ: »ولدني«.

 

13- وحين يقول الكتابُ أيضًا: »أمّا الربُّ الواحد خلق كلّ شيء« (ملا 2: 10)؟ فبالشكل عينه يقول عن الابن: »بيديه كان كلّ شيء« (يو 1: 3). وهذه الأمور تُقال أيضًا عن الروح القدس: »تأخذ روحهم فيموتون، وإلى ترابهم يعودون، ترسل روحَك فيُخلَقون، وتجدّد وجه الأرض« (مز 104: 29، 30). وحين يقول المسيح أيضًا لسمعان حول الآب: »طوباك يا سمعان! ما كشف لك ذلك اللحمُ والدم، بل الآب الذي في المساء« (مت 16: 17). هذه الأشياء قالها عن نفسه: »لا يعرف أحدٌ الآب إلاّ الابن ولمن يريد الابن أن يكشف (له) (مت 11: 27). بهذا الشبه ومن أجل الروح، قال بولس: »الله كشف لنا بروحه. فالروح يفحص كلَّ شيء حتّى أعماق الله. فمن يعرف ما في الإنسان إلاّ روحُ الإنسان الذي فيه؟ وهكذا ما من أحد يعرف ما في الله إلاّ روحُ الله« (1كو 2: 10-11). فكما أنّ روح الإنسان ليس غريبًا عنه (= الإنسان) ولا عن طبيعته، كذلك أيضًا روح الله ليس غريبًا عن لاهوته ولا عن جوهره.

 

وحين يقول الربّ بفم أشعيا: »ولدتُ بنين ورفعتُهم« (أش 1: 2)، يقول في الإنجيل: »ما هو مولود من البشر بشرٌ هو، والمولود من الروح روحٌ هو« (يو 3: 6). وأيضًا: »الريح تهبّ في المكان الذي تريد، وأنت تسمع صوتها، ولكنّك لا تعرفُ من أين أتت ولا إلى أين تمضي. هكذا كلُّ إنسان مولود من الروح« (يو 3: 8). في بداية الإنجيل قال يوحنّا: »الذين قبلوه وهب لهم سلطانًا بأن يكونوا أبناء الله. هم الذين آمنوا به. وما وُلدوا من دم، ولا من إرادة بشر ولا من إرادة رجل، بل من الله« (يو 1: 12-13). فكلُّ الذين وُلدوا من الروح، وُلدوا من الله. وكلُّ الذين اعتمدوا في المسيح، اعتمدوا في الآب والابن والروح القدس. وأيضًا حين يقول بطرس لحنانيا: »لماذا ملأ الشيطانُ قلبك لتكذب على الروح القدس وتُخفي من ثمن الضيعة؟ ما كذبتَ على البشر، بل على الله« (أع 5: 3-4). فمن كذب على الروح القدس كذب على الله الذين يسكن في البشر بواسطة روحه. فحيث يكون روحُ الله هناك يكون الله. وبهذا نعرف (كما قال) أنّ الله يثبتُ فينا لأنه وهب لنا من روحه« (1يو 4: 13).

 

14- وحين يقول الكتاب أيضًا: »تكلّم الروحُ القدس بالأنبياء« (مر 12: 36؛ أع 1: 16)، يقول بولس في موضع آخر: الآب تكلّم بالأنبياء. قال: »في كلّ الطرق وفي كلّ الأشباه، تكلّم الله بالأنبياء منذ القديم، وفي الأيّام الأخيرة تكلّم معنا بابنه« (عب 1: 1-2). وفي موضع آخر أيضًا حول الابن قيل إنّه تكلّم: »أتطلبون برهانًا أنّ المسيح تكلّم فيّ« (2كو 13: 2)؟ وقال الابن عن الروح إنّه يتكلّم في الرسل فقال: »حين يسلمونكم إلى القضاة وإلى مجامعهم، لا تهتمّوا بما تقولون، فلستم أنتم المتكلّمين، بل روحُ أبيكم يتكلّم فيكم«(33). مرّة يتكلّم عن جسد المؤمنين، الذين هم هياكل الروح القدس، والذين هم أعضاء المسيح، ومرّة أنّهم هياكل الله. قال: »فأنتم هياكل الله الحيّ، كما قال الله: \’\’أسكن فيهم وأسير بينهم فأكون لهم إلهًا وهم يكونون لي شعبًا« (2كو 6: 16؛ حز 37: 27). وأيضًا: »من يُفسد هيكل الله فهذا يُفسده الله« (1 كو 3: 17). وأيضًا: »أما تعرفون أنّكم أنتم هيكل الله، وروح الله يسكن فيكم« (1 كو 3: 16)؟ فمن هو هيكل الروح هو هيكل الآب والابن. فحيث يسكن روح الله هناك يسكن الله. »وكما أنّ الآب يقيم الموتى ويحييهم هكذا الابن يحيي من يشاء« (يو 5: 21). وبالشكل عينه يُقال أيضًا عن الروح: »الروح هو الذي يُحيي، والجسد لا يُفيد شيئًا« (يو 6: 63). وكتب بولس إلى الكورنثيّين: »الحرف يقتل أمّا الروح فيُحيي« (2 كو 3: 6)

 

أنت ترى أنّ الأعمال التي هي للآب، يجعلها الكتاب للابن والروح القدس، كما علّمنا أيضًا الرسولُ الطوباويّ حين قال: »هناك اقتسامات في المواهب، إلاّ أنّ الروح واحد. هناك اقتسامات في الخدَم، إلاّ أنّ الربّ واحد. هناك اقتسامات في الأعمال، إلاّ أنّ الله واحد الذي يعمل كلَّ شيء في كلِّ إنسان« (1 كو 12: 4-6). وبعد أن قال إنّ الآب يعمل كلَّ شيء في كلّ شيء، قال بعد قليل: »الروح القدس هو الذي يعمل كلَّ شيء في كلِّ إنسان. قال: »كلّ هذا يعمله الروح عينه فيقسم لكلّ إنسان كما يشاء« (1 كو 12: 11)(34).

 

3- أثناز والدفاع عن الإيمان

 

نقلنا جزءًا كبيرًا من بحث عنونه ناشروه على أنّه كلام عن التجسّد في ردّ على الأريوسيّة. ولم يكن هذا البحث يتيمًا لدى أثناز. ففي السريانيّة وحدها، نجد ثلاثة نصوص حول تجسّد الابن. فالقرن الرابع هو فترة أريوسيّة من الحرب الشرسة مع الكنيسة. وكان بطل تلك الحرب أثناز، بطريرك الإسكندريّة. فبعد كلام عن الأريوسيّة، نرافق أثناز في أكثر من منفى عاناه بسبب إيمانه، وننهي ببعض اعتبارات حول سرّ التجسّد كما نكتشفها في هذا النصّ الذي نقلناه وغيره.

 

أ- أريوس والأريوسيّة

 

أريوس (250-336) هو ابن ليبيا. دخل مدرسة لوقيان الأنطاكيّ، من أجل دراسته اللاهوتيّة. لمّا عاد إلى الإسكندريّة رُسم شمّاسًا ثمّ كاهنًا، وارتبط بكنيسة بوكاليس. ولكن منذ سنة 318، حرّك الجدالات اللاهوتيّة بسبب تعليم لاهوتيّ شخصيّ طرحه على أنّه إيمان الكنيسة(35). انطلق في عظاته، في الإسكندريّة، من الفلسفة الأفلاطونيّة المحدثة(36). اعتبر أنّ الآب وحده أزليّ. ويحقّ له وحده بالمعنى الحصريّ، اسم الله. أمّا الابن فأُخذ من العدم، فكان الخليقة الأولى، وأسمى الخلائق. ولكنّه بقي خليقة. كما كان أداة في يد الآب من أجل خلق العالم. تجسّد في يسوع المسيح. وكما أنّ الإنسان، في الفكر الأفلاطونيّ يتكوّن من نفس وجسد، فتحلّ النفس في الجسد، كذلك كان الابن محلّ النفس(37) وقد المنزلة في الجسد الذي أخذه(38). مثل هذا التعليم شوّه النظرة إلى لاهوت المسيح، بل ألغاها. المسيح خليقة وحسب.

 

حرم الإسكندر، أسقف الإسكندريّة (312-328) أريوس سنة 320. وجاء مجمع نيقية (325) يُثبت هذا الحرم، ويبيّن طابع الضلال والهرطقة في ما طرحه هذا الراهب من تعليمه. سنة 333، حُكم عليه بالمنفى، وأُحرقت مؤلّفاته. غير أنّه وجد من يقف معه بين الأساقفة الشرقيّين، مثل أوسيب (+341)، أسقف نيقوميدية بعد أن كان أسقف بيروت، وساندَه موقفُ الإمبراطور المتقلّب، والمهتمّ بالسياسة أكثر منه باللاهوت. كلّ هذا جعل أثناز، المدافع الكبير عن إيمان نيقية، يمضي إلى المنفى. وكاد أريوس يستعيد اعتباره لو لم توافه المنيّة سنة 336.

 

نورد هنا بعض ما جاء في رسالة من أريوس، إلى أوسيب(39). البداية: »أريوس الذي اضطهده ظلمًا الأسقف اسكندر بسبب هذه الحقيقة الظاهرة التي تساندها أنت أيضًا، يُرسل تحيّاته في الربّ إلى سيّده العزيز، رجل الله، الأمين أوسيب والمستقيم«.

 

ويتابع أريوس تشكّيه فيقول: »يضايقُنا الأسقفُ ويضطهدنا بقساوة كبيرة ويسبب لنا عددًا كبيرًا من العذابات: طردنا من المدينة كملحدين، لأنّنا لا نتوافق مع ما يكرز به علنًا، أنّ الآب وُجد دائمًا، وأن الابن وُجد دائمًا. وأنّه كما الآب كذلك الابن. الابن غير مولود كالآب. هو مولودٌ دائمًا دون أن يُولد. فلا بالفكر ولا بأيّة مسافة يسبق اللهُ الابنَ. فالله والابن وُجدا دائمًا، والابن يصدر عن الله«.

 

وجاءت خاتمة الرسالة تحمل مدلولاً خاصٌّا: »نحن نُضطَهد لأنّنا قلنا: للابن بداية، أمّا الآب فلا بداية له. ونُضطَهَد أيضًا لأنّنا قلنا: أُخذ ممّا ليس بموجود. عنينا بذلك أنّه ليس جزءًا من الله ولا هو أُخِذ من ذات ما. لهذا، نحن نضطَهد. والباقي أنت تعرفه. كُن في صحّة جيّدة في الربّ. تذكّرْ مضايقاتنا، يا أوسيب، يا من هو تلميذ حقيقيّ للوقيان ورفيق له«(40).

 

أمّا المؤلَّف الأكثر شعبيّة والذي نشر تعليم أريوس، فهو الوليمة(41)

 

.Qalia كُتب شعرًا(42) فتجاوز أوساط اللاهوتيّين والسلطات الكنسيّة. دمِّر هذا الكتاب، كما دُمِّرت سائر كتب أريوس، ولكن بقيت منه مقاطع لدى كتّاب حاولوا أن يردّوا عليه: أثناز الإسكندرانيّ(43)، جيروم، هيلاريون، أسقف بواتييه في فرنسا.

 

ماذا نعرف عن الوليمة تلك »القصيدة الملحميّة« التي فرضت تعليم أريوس وأشادت بعظائم الماورائيّات. أمّا أثناز فاتّهم مؤلِّفها بأنّه يقتدي بشعراء أنشدوا الخمرة وحياة المجون.

 

وجاءت بدايتها كما يلي: »حسب إيمان مختاري الله، وحكماء الله، وأولاد الله القدّيسين المستقيمي الرأي، الذين نالوا روح قدس الله، تعلّمتُ هذا من الذين شاركوا في الحكمة فكملوا، وعلّمهم الله فصاروا حكماء في كلّ شيء. في آثارهم سرتُ مع رأي شبيه برأيهم، أنا الرجل المشهور الذي تألّم كثيرًا لمجد الله. علّمَني الله فاقتنيتُ الحكمة والمعرفة«(44).

 

وبدلاً من أن نقدّم كلامًا عن أريوس، نكتفي بذكر مقطع كبير من الوليمة ورد عند أثناز(45):

 

»إذن، الله في ذاته لا يمكن أن يُستقصى لدى البشر جميعًا. وحده لا مساويَ له ولا شبيه، ولا مزاحم له في المجد. نعلن أنّه غير مولود بالنسبة إلى المولود بالطبيعة. ونمتدحه لأنّ لا بداية له بالنسبة إلى ذاك الذي وُجد في الزمن. فالذي لا بداية له، جعل الابنَ بداية المخلوقات واتّخذه ابنًا له وتبنّاه. فالابن لا يمتلك، خاصًا به، شيئًا يخصّ الله حسب الجوهر: هو غير مساوٍ له، ولا من جوهره. الله حكيم، لأنّه بذاته سيّد الحكمة. نستطيع القول إنّ الله غير منظور بالنسبة إلى الجميع، إلى الكائنات التي وُجدت بالابن، كما إلى الابن نفسه. وأقول بصراحة كيف يرى الابنُ الإله اللامنظور: بالقدرة التي يستخدمها الله لكي يُرى، يصل الابن، بقياس خاصّ به، إلى رؤية الآب، كما يليق. إذن، مجموعة الثالوثة Triade لا تتساوى في المجد، لأنّ الأقانيم لا يمتزج الواحد بالآخر، بل يتجاوز الواحدُ الآخر بمجد لا محدود. فالآب غريب عن الابن بحسب الجوهر، لأنّ لا بداية له، يعني أنّ »المونادوس« أو الجوهر الواحد، البسيط، وُجد قبل »الديادوس«(46) أو المبدأين الاثنين المتكاملين، وقبل أن يُوجَد (الابن). لهذا، إن لم يكن الابن وُجد بعد، كان الآبُ الله. والابن الذي وُجد بإرادة الآب، وَجد ذاته إلهًا وحيدًا، مولودًا، غريبًا من الاثنين، لأنّ الحكمة كحكمة لا تُوجَد إلاّ بإرادة الإله الحكيم(47). لذلك نتصوّره في نظرات مختلفة: روح الله، قدرة الله، حكمة الله، مجد الله، حقّ، صورة، لوغس أو كلمة. ويُصوَّر كشعاع ونور. إيلاد مساوي الابن هو في قدرة من هو أرفع منه، ولكنّه لا يقدر أن يلد كائنًا يسمو عليه، أفضلَ منه أو أعظم. فبإرادة الآب الابنُ هو ما هو، إنطلاقًا من الوقت الذي فيه نال الوجود من الله. وبما أنّه إله قدير يمتدح من هو أسمى منه. وبعبارة واحدة: الله لا يدركه ابنه، لأنّه هو ما هو، أي لا يُوصف. فالابن لا يقدر أن يفهم ولا أن يعبِّر عما يقوله الآب، لأنّه لا يقدر أن يتفحّص الآب، لأنّ الآب هو في ذاته، والابن لا يعرف جوهره الخاصّ لأنّه يستخرج أصله من إرادة الآب. إذن، أي برهان يبيّن أنّ ذاك الذي أتى من الآب يعرف خالقه ويفهمه؟ من الواضح أنّه يستحيل على كائن له بداية أن يحيط بفكره وفهمه من لا بداية له(48).

 

ب- أثناز بطل نيقية

 

حين عُقد مجمع نيقية، سنة 325، كان الإسكندر، أسقف الإسكندريّة، برفقة شمّاسه أثناز(49). في ذلك الوقت، كان الأسقف العتيد كتب مقالاً ضدّ الأمم وآخر حول تجسّد الكلمة، وذلك قبل الأزمة الأريوسيّة. ما أراد أثناز أن يبيّنه للوثنيّين، هو أنّ التجسّد لا يتعارض مع الفكر البشريّ، وأنّ الكلمة صار بشرًا لكي يُؤلَّه البشر بدورهم.

 

ومات أسقف الإسكندريّة، الإسكندر، بعد مجمع نيقية بوقت قليل. فخلفه أثناز، الذي بدأ يزور أبرشيّته الواسعة، في مصر العليا والسفلى، في ليبيا. أمّا في ما يتعلّق بأريوس وجماعة ميليتيوس، فرفض الأسقف الجديد أي حوار. غير أنّ هذا التشديد سوف يرتدّ عليه. فكان منفى أوّل إلى تراير (ألمانيا) في السابع من تشرين الثاني سنة 335. ومات قسطنطين الأوّل وخلفه قسطنطين الثاني، فعاد أثناز إلى الإسكندريّة، سنة 338. ولكنّ حلَّ أسقفٌ محلّه، فأجبر على ترك المدينة في 18 آذار 339 والالتجاء إلى رومة. وما استطاع العودة إلاّ بعد أن توفّي الأسقف الذي حلّ محلّه، غريغوار سنة 345. وتبدّل الإمبراطور، فعاد أثناز من المنفى، بعد أن قضى في كرسيه عشر سنوات تُعتبَر »العهد الذهبيّ« حيث وصل نشاطه الأدبيّ والرعائيّ إلى الذروة(50).

 

سنة 356، مضى إلى المنفى، وحلّ محلّه جاورجيوس الكبادوكيّ الذي. طُرد من الكرسيّ، وما عتَّم أن قتل. وعاد أثناز في 21 شباط 362.

 

كانت حرب أثناز متواصلة حتّى نهاية أيّامه، فمات في كرسيه بسلام، في 2-3 أيّار 373. أمّا الهمّ الذي شغل باله طول حياته، فهو البدعة الأريوسيّة وما تحمّل من تهديد انقسام في الكنيسة. وفي الواقع، تمزّقت الكنيسة، بشكل خاصّ في الشرق، ولن يتوقّف هذا التمزّق عند هذا الحدّ. فيأتي تمزّق آخر مع مجمعي أفسس (سنة 431) وخلقيدونية (سنة 451) حين تصبح »الكنائس« قِطَعًا مستقلّة، ترتبط بالحاكم سواء كان مسيحيٌّا أم لا.

 

إلى جانب النشاط الرعويّ الذي مارسه أثناز، كان نشاط أدبيّ. فكتب الكثير لكي يجابه الأريوسيّين، في خطّ من سبقه الإسكندر(51).

 

ونذكر أوّل ما نذكر ثلاثة مقالات ضد الأريوسيّين. هي ما كتب أثناز على مستوى العقيدة. في المقال الأوّل يُوجز تعليم أريوس الذي تتضمّنه الوليمة (تاليا)، ويدافع عن تحديد العقيدة في نيقية: الطابع الأزليّ، اللامخلوق، واللامتبدّل عند ابن الله، وحدة الجوهر الإلهيّ بين الآب والابن. وفسَّر المقالان الثاني والثالث النصوص الكتابيّة المتعلّقة بولادة الابن (عب 3: 2؛ أم 8: 22)، بعلاقة الابن بالآب كما في الإنجيل الرابع، بالتجسّد. ردّ أثناز على الأريوسيّين وأبرز المعنى الحقيقيّ.

 

وكان كتاب آخر حول التجسّد ضدّ الأريوسيّين، حيث الكلام عن إله واحد في ثلاثة أقانيم. هو الذي نقَلْنا قسمًا منه في هذا المقال. وبعد العودة من المنفى، سنة 357، كتب دفاعًا عن نفسه في وجه الأريوسيّين، فجمع ما قالته سينودوسات سابقة. وسنة 358، كتب إلى الرهبان تاريخ الأريوسيّين. هاجم الإمبراطور على أنّه عدوٌّ للمسيح، والمحامي عن الهرطقة وسابق الأنتيكرست أو المسيح الدجّال.

 

وغنيّ عن القول بأنّ أسقف الإسكندريّة لم يترك مناسبة إلاّ وحذّر شعبه بل الكنيسة كلّها من خطر الأريوسيّة. سواء شرح الكتب المقدّسة أو كتب رسائل عن النسك والبتوليّة… هي وجهة قاسية في حياة أثناز المحارب. ولكنّ هناك وجهة ثانية، هي محاولات العودة بأريوس إلى حضن الكنيسة.

 

مثلاً، كتب إلى الأسقف سرابيون حول لاهوت الروح القدس، وارتباط هذه المسألة بلاهوت الابن والجدال مع الأريوسيّين الذين دعاهم »المصوّبون«(52) هم يقودون النصوص الكتابيّة إلى التفسير الصوابيّ، أي تفسيرهم. ونلاحظ بشكل خاصّ ارتباط معرفة الروح بمعرفة الابن. فالروح القدس هو روح الابن. وكتب إلى أبيكتات، أسقف كورنتوس، حول العلاقات بين يسوع التاريخيّ والابن الأزليّ: »أي جحيم تقيّأ هذا الزعمُ بأنّ الجسد المولود من مريم هو من جوهر لاهوت الكلمة؟ أو أنّ الكلمة تحوّل إلى لحم وعظام وشعر وإلى الجسد كلّه بحيث خسر طبيعته الخاصّة؟ من سمع الكنيسة، بل مؤمنًا يقول إنّ المخلّص لبس جسدًا في الصورة لا في الحقيقة؟ من هو هذا الشرّير الذي يقول ويفكّر بأنّ اللاهوت (أي ابن الله) المساوي للآب في الجوهر، نال الختان، وصار ناقصًا بعد أن كان كاملاً، وأنّ ما سُمِّر على الصليب لم يكن الجسد، بل جوهر الكلمة المخلوق؟…

 

ج- اعتبارات حول التجسّد

 

ونعود إلى ما وصل إلينا من أثناز حول التجسّد، في ردّ على الأريوسيّين. موضوعان هامّان طرحهما المدافع عن نيقية: الثالوث الأقدس، ولاهوت الآب المتجسّد. استند فكر أثناز حول الثالوث إلى يقين يقول: إنّ الآب عبّر عن نفسه ملء التعبير في ولادة اللوغس (= الكلمة) الأزليّة. فاللوغس هو حكمة الله وقدرته، وهو خاصّ بجوهر الله. ووسّع أثناز تعليمه عبر مناقضة النظرة الأريوسيّة إلى اللوغس حيث هو قدرة إلهيّة خاضعة. وطلب استعمال »هوموأوسيوس«، في جوهر واحد، للكلام عن وحدة الابن مع الآب. واستعمل أثناز صورة النور والشعاع. كالابن يتميّز عن الاب، ولكنّه لا ينفصل عنه. ليس هو الآب، ولكنْ صورته الوحيدة.

 

وأعلن أثناز، في الكرستولوجيا، الكلمة الإلهيّ الذي يعمل في ثلاثة مجالات: هو متّحد بالآب اتّحادًا أزليٌّا. هو يسوس العالم الذي خُلق به لأنه اللوغس، الكلمة. وهو من وُلد كإنسان في ملء الزمن، لكي يتّحد بالبشر. تجسُّده، يشمل الكون، ومع ذلك يبقى أنّه اتّخذ جسدًا فقدّسه، وبه أتمَّ معجزاته، ثمّ قدّمه ذبيحة. وإذ شدّد هذا المعلّم على الجسد البشريّ في المسيح، وصل إلى الطبيعة البشريّة الضعيفة، التي تنال الخلاص، هنا ابتعد أثناز عن أفلاطون الذي يتحدّث فقط عن خلود النفس لا عن خلود الإنسان ككلّ(53).

 

في أوّل ما كتبه أثناز عن التجسّد، ارتبط بالفلسفة أكثر منه باللاهوت. »تحدّثنا عن لاهوت كلمة الآب، عن عنايته الشاملة وقدرته(54). به رتّب الآبُ كلّ شيء. كلّ شيء يتحرّك به ويحيا… نواصل فنصوِّر بالتفصيل تجسّد الكلمة«. في فصل أوّل، توقّف الكاتب عند مسبِّبات تجسّد الكلمة في تدبير الخلاص. فالتجسّد انتصارٌ على الموت وموهبة اللافساد (ف 2). انطلق أثناز هنا من موت المسيح الفدائيّ. بالتجسّد صُحّحت صيغةُ »على صورة الله« في الإنسان الذي نال المعرفة العلويّة (ف 3). فالخلاص يتمّ في اتّحاد اللوغس والجسد البشريّ. هذا الاتّحاد هو ينبوع حياة. هذا ما يقودنا إلى ذبيحة الصليب. في الفصل الخامس، ردّ أثناز على اليهود الذين لم يؤمنوا، مع أنّه كان باستطاعتهم أن يكتشفوا المسيح من خلال قراءتهم للعهد القديم. وفي الفصل الأخير، هو جواب على الوثنيّين الذين يعبدون الأصنام. هم يعتبرون المادّة »سائلة«. فما وجب على الكلمة أن يلامسها. كان يكفي فعلُ إرادة واحد. أمّا الله فصار شبيهًا بالإنسان لكي يساعده بشكل ناجع. وتجسّد الابن جعل الحياة تحلّ محلّ الفساد في وضع الإنسان الخاطئ.

 

في الواقع، تجسّد الكلمة، الذي دوّنه أثناز قبل أن يصير أسقفًا، توجّه إلى المؤمنين، قبل سواهم، لكي يعلّمهم. وهو ينتهي بدعوة إلى قراءة الكتب المقدّسة لكي نرى صحّة الكلام اللاهوتيّ »التي فاه بها وكتبها لاهوتيّون بوحي من الله… ستطّلع أيضًا إلى ظهوره الثاني لأجلنا، ظهوره المجيد والإلهيّ جدٌّا. لا في الصفة، بل في المجد الذي له. لا في الحقارة، بل في العظمة التي هي من ميزاته، عندما يأتي، لا ليتألّم، بل ليقدّم للجميع ثمرة صليبه، أعني القيامة وعدم الموت«.

 

في كتابه تجسّد الكلمة، كانت عودة إلى الكتاب المقدّس، في جزء من آية، في آية معزولة أو آيات مجموعة. فالنصوص وردت 65 مرّة. هذه الناحية نجدها بشكل خاصّ في النصّ السريانيّ الذي قرأناه، حيث ترك الكاتب الجانب »الفلسفيّ« وحاول أن يشرح النصوص التي تساعده على تبيان سرّ التجسّد. وقابل بين نصّ ونصّ ليدلّ أوّلاً على لاهوت الآب والابن والروح القدس. مثلاً، تارة يقول النصّ: هيكل الروح. وطورًا، هيكل الله. ويستنتج: هذا يعني أنّ الروح القدس الله، مساوٍ للآب في الجوهر، شأنه شأن الابن. كما يستخلص أثناز من رؤية أشعيا للربّ الصباؤوت في الهيكل والتقديمات الثلاثة، الأقانيم الثلاثة.

 

الخاتمة

 

قرأنا في هذا المقال انتقال أثناز، بابا الإسكندريّة، إلى العالم السريانيّ، ولا سيّما رسائل العيد(55) التي ضاعت في اليونانيّة، ووُجدت كلّها في السريانيّة، وبعضٌ منها في القبطيّة. ونقلنا إلى العربيّة أيضًا نصٌّا سريانيٌّا، ما زال الجدال قائمًا حول صحّة نسبته إلى أثناز. كان اعتراض بسبب تعليمه عن الروح. ولكنّ هذا الاعتراض يسقط إن نحن قابلناه بنصوص أخرى، واعتبرنا تطوّر اللاهوت الذي سيصل بنا إلى مجمع القسطنطينيّة الأوّل، سنة 381، في تعليمه عن الروح القدس. وأخيرًا، تعرّفنا إلى تعليم هذا الأسقف البطل، الذي دافع عن عقيدة مجمع نيقية بكلّ ما أوتيَ من قوّة، فما لانَ ولا تراجعَ. وفي النهاية انتصر حين انطفأت شعلة الأريوسيّة في الشرق، بانتظار أن تنتقل إلى الغرب. ومع اهتداء الفرنج، بقيادة ملكهم كلوفيس، إلى المسيحيّة، زالت الأريوسيّة من الغرب أيضًا. غير أنّها ما زالت تطلّ من وقت إلى آخر، حتّى أيّامنا، في بدع وكتابات تزيل عن يسوع صفة الألوهة، لتجعله إنسانًا بين الناس. فأيّ خلاص يحمله الكلمة إن لم يكن ابن الله والمساوي للآب في الجوهر!

(*) نُشر هذا المقال في المشرق 79 (2005) ص 487-517.

 

(1) eiV QeoV en trisin upostasin εις Θεος εν τρισιν υποστασιν

 

(2 Tome aux Antiochiens, 5, 6, PL 26, 801. Voir M. SIMONETTI trisin « Athanase», in Dict. Enc. Du christianisme ancient (DECA), Paris, Cerf, 1990, p. 286. Ce Tome fut écrit en 362

 

(3) J. QUASTEN, Initiation aux Pères de l’Eglise, III, Paris, 1963, p. 57-58 ; J. LEBON, « Pour une édition critique des œuvres de S. Athanase », in Revue d’Histoire Ecclesiastique, 26(1925), p. 528-530 ; M. SIMONETTI, « Sulla paternità del De Incarnatione Dei Verbi et contra Arianos », in Nuovo Didaskaleion, 5(1952), p. 5-19.

 

(4) Athanasiana syriaca, Part I, De Incarnatione; Epistula ad Epictetum, ed by Robert W. THOMSON, Louvain, 1965, CSCO 257-258 (Syr 114-115)

 

(5) هناك خلاف حول تدوين : ضدّ الوثنيّين، وفي تجسّد الكلمة، راجع

 

Ch. KANNENGIESSER, “Le texte court du De Incarnatione Athanasium”, dans Recherches de Science Religieuse, 52(1964), p. 589-596 ; 53(1965), p. 77-111.

 

(6) )25, 95-198PG( Patrologia Graeca. نشير إلى أنّ هذا النصّ نُقل إلى العربيّة في منشورات المكتبة البولسيّة، 1998، تعريب الأب حنّا الفاخوري بعنوان: في تجسّد الكلمة وظهوره بالجسد من أجلنا للقدّيس أثناز الإسكندريّ. كما في الينايع المسيحيّة .SC 199 أمّا العنوان اليونانيّ فيتطابق مع السريانيّ:

 

(7) نجد وصفًا لهذا المخطوط في: S. E. et J. S. ASSEMANI, Bibliothecae Apostolicae Vaticanae Codicum Manuscriptorum Catalogus, Paris, I, Tomus 2, Rome, 1758(reprint Paris, 1926), p. 29-31.

 

(8) شهر آب سنة 875 للإسكندر. في أيّام محبّ الله مار توما أباتي دير مار قورقا… وكاتبه الكاهن يوحنّا من الرها.

 

(9) وُلد في اللاذقيّة سنة 315. وكان أسقف اللاذقيّة. برز تيّار بعده في خطّ أفلاطون: عند هذا الفيلسوف، يتألّف الإنسان من نفس وجسد. وقالت جماعة أبولينار: في المسيح، حلّ الكلمة محلّ النفس، فتكوّن المسيح من الكلمة والجسد، وغابت عنه النفس السامية. ولكنّ يسوع هو بشر كامل، وطبيعة إنسانيّة كاملة. لهذا شُجب التعليم الأبوليناريّ في أكثر من مجمع محلّيّ.

 

(10) mia jusiV qeou logou sesarkwmenh μια φυσις Θεου λογου σεσαρκωμενη

 

, p. 537-538.op. cit Voir Quasten,

 

(11) كُشــفت النســخة القصـــيرة في جبــل آثــوس، في مخطوط يعود إلى القـــرن الرابع عشر..Codex Dochiariou 78 أمّا المخطوط السريانيّ فهو من القرن السادس.

 

(12) CSCO 257, p. 73.

 

(13) Athanasiana Syriaca, Part II, Louvain, 1967, CSCO 272-273, p. 118-119.

 

(14) CSCO 272, p. 30.

 

(15) Athanasiana Syriaca, Part III, ed. by Robert W. THOMSON, Louvain 1972, CSCO 324-325 (Syr 142-143

 

(16) هناك مقالان يردّ فيهما أثناز على أبولينار، أسقف اللاذقيّة: الأوّل نُشر في السريانيّة سنة 1938

 

  1. MOSS, “A Syriac version of Pseudo-Athanasius contra Apollinarium, I, Orientalia Christiana Periodica, 4(1938), p. 65-84; CSCO 324, p. 30ss, 60ss.

 

(17) يتضمّن هذا المخطوط (B.M. Or 8606) الذي دوِّن سنة 723م في الرها. في الكاتدرائيّة الملكيّة، عددًا من مؤلّفات أثناز في السريانيّة: نذكر بعضها: أبولينار، أدلف، التجسّد وفي ردّ على الأريوسيّين، إلى مكسيم، إلى يوفيان، تجسّد الله الكلمة…

 

(18) نلاحظ في بداية هذا المخطوط تحديد أربعة ألفاظ لاهوتيّة: الأقنوم (ق ن و م ا)، الذات (ي ت ا)، الطبيعة أو الكيان (ك ي ن ا)، الجوهر (أ و س ي ا): »حين تقول »ا و س ي ا« تفهم كلّ ما هو أقنوم ويقوم في جوهر (ا و س ي ا)، سواء كان إنسانًا أو حيوانًا أو نباتًا أو خروفًا أو حجرًا أو كلامًا أو شيطانًا أو نفسًا. وطبيعة (ك ي ن ا) الثالوث الأقدس تدعى الجوهر (ا و س ي ا). وإن سألك إنسان فقال: هل كلّ شيء جوهر؟ قل له: لا، بل فقط ما تقوم ذاته في جوهر. وإن قال: هل الظلمة والخطيئة جوهر؟ قل له: كلاّ…« CSCO 272,p. 7-17

 

(19) CSCO 325, p. 103

 

(20) .CSCO 324, p. 1ss; version 325, p. 1ss. كان بالإمكان أن نذكر نصوصًا أخرى لأثناز. نُقلت إلى السريانيّة، مثل حياة مار أنطونيوس ورسالة منسوبة إليه. ولكنّنا اكتفينا بهذا القدر لندلّ على انتشار مؤلّفات أسقف الإسكندريّة في العالم السريانيّ، بالإضافة إلى آباء كثيرين من عالم اليونان. راجع P. FEGHALY, “Les traductions (des Pères Grecs) en langue syriaque”..

 

(21) E. TAYEC’I, Discourses, Letters and Dialogues of St Athanasius, Venice, 1899, p. 27-56

 

(22) رقم 629، الوريقة 91 ظ- 107ظ؛ رقم 648، الوريقة 15و- 25ظ.

 

(23) حافظنا على اللفظ السرياني: لا تشبوحتا. يلمّح أثناز إلى نشيد فيلبّي حيث يقال عن المسيح: أخلى نفسه وصار عبدًا، مع أنّه مساوٍ لله (فل 2: 5-7).

 

(24) اعتاد المترجم أن يأخذ بالنصّ السريانيّ المعروف بالبسيطة (كما في غل 3: 28 مثلاً). أمّا هنا فعاد إلى اليونانيّة المعروفة بالسبعينيّة. في السريانيّة نقرًا سفر الأمثال 8: 22 كما يلي: »الربّ برأني في رأس براياه (أو: خلقني في رأس خلائقه)، من قبْل صنائعه كلّها«. نلاحظ أن أثناز قَبل أن ينطبق كلام سفر الأمثال على يسوع تطبيقًا حرفيٌّا. بما أنّ يسوع هو »الحكمة« التي خلقها الله، فلا يمكن أن نقول عن الابن إنّ الله خلقه. أمّا التفسير اليوم، فيعتبر أنّ الحكمة صورة بعيدة عن المسيح. هي تدلّ عليه. ولكنّ يسوع لا يتماهى كلّ التماهي معها. نحن أمام نصّ من العهد القديم يجد كماله في العهد الجديد الذي يعطي نصًا ناقصًا ملء معناه.

(25) نلاحظ هذا الفصل بين اللاهوت والناسوت. فهناك كلام يُقال عن الناسوت ولا يمكن أن يُقال عن اللاهوت. فالكنيسة التي تتأمّل في سرّ يسوع المسيح الإله والإنسان سوف تكتشف ما نسمّيه: تبادل الصفات. فما قيل عن اللاهوت يشارك فيه الناسوت والعكس بالعكس من خلال الأقنوم الواحد، أقنوم الابن الذي هو إله وإنسان معًا.

 

(26) مت 19: 17-21: مز 10: 18-21؛ لو 18: 19-22. ما أخذ أثناز بنصٍّ احد، بل دمج النصوص في فكرة واحدة جمعت أكثر من عنصر في جملة واحدة.

 

(27) في النصّ: من أمّ، بل يجب أن نقرأ: من أب (من أبُا).

 

(28) هي صيغة الجمع »أزمنة«. ولكن نقرأ المفرد في خطّ غل 4: 4: »ولمّا تمّ ملء الزمان«.

 

(29) »م د ب ر ن « أويكونوميا. الوسائل التي اتّخذها الله في تجسّد ابنه من أجل البشريّة.

 

(30) نستطيع أن نقول أيضًا الكيان.يو 1: 16. حين يعتبر أثناز أنّ المعمدان قال هذا الكلام، يمزج بين المعمدان ويوحنّا الحبيب الذي يمثِّل الكنيسة التي تتكلّم بصيغة المتكلّم الجمع.

 

(31) يو 1: 16. حين يعتبر أثناز أنّ المعمدان قال هذا الكلام، يمزج بين المعمدان ويوحنّا الحبيب الذي يمثِّل الكنيسة التي تتكلّم بصيغة المتكلّم الجمع.

 

(32) دمج أثناز ثلاثة مراجع: يو 10: 36؛ فل 2: 9؛ يو 5: 26. ما نلاحظ هو أنّ الناقل لم يترجم النصّ اليونانيّ كما في مقال أثناز، بل أخذ نصّ البسيطة بصورة إجماليّة. مثلاً، مز 23: 1؛ يو 10: ..14.

 

(33) مت 10: 17-20؛ مر 13: 11؛ لو 12: 11-12.

 

(34) تألّف هذا الكلام عن التجسّد وسرّ الثالوث من 29 صفحة مطبوعة. اكتفينا بست عشرة صفحة لئلاّ يطول المقال. فقد نعود إلى ما تبقّى في وقت لاحق.

 

(35) J. QUASTEN, Initiation aux Pères de l’Eglise, III, Paris, Cerf, 1963, p. 29-37. Alexandre évêque d’Alexandrie considérait que Lucien d’Antioche est un des pères de l’arianisme. Voir G. BARDY, Recherches sur Saint Lucien d’Antioche et son école, 1963. Pour ce qui est de l’arianisme, voir surtout E. BOULARAND, L’hérésie d’Arius et la foi de Nicée, 2 vol, Paris, 1972 ; A. GRILLMEIER, Le Christ dans la tradition chrétienne (tr. fr), Paris, Cerf, 1973, p. 215-225.

 

(36) بولس الفغالي، »الإسكندريّة والحركة الأفلاطونيّة المحدثة«، المنارة، 44(2-3)، 2003، ص 291-312.

 

(37) النظرة المتطرّفة في هذا المجال، جاءت من أبولينار، أسقف اللاذقيّة، في سورية، 315-390. راجع , p. 185-188DECA

 

  1. KANNENGIESSER, “Une nouvelle interprétation de la christologie d’Apollinaire”, dans Recherches de Sc. Religieuse, 59(1971), p. 27-36

 

(38) Homo assumptus: Homme assumé

 

(39) أرسلها أريوس بعد أن حرمه الإسكندر، أسقف الإسكندريّة. نقرأها في كتاب أبيفان، أسقف سلامينة، في قبرص، حول الهرطقات 69: 6. كما في التاريخ الكنسيّ لتيودوريه القورشيّ (1/5: 1-4). نجد النصّ اللاتينيّ

 

Marius VICTORINUS, Traités théologiques sur la foi, (SC68), Paris, 1960, p. 176-179.

 

Théodoret, Hist. eccl, PG, 82, 912C, cité in Quasten, op. cit, p.

 

33.( C. KANNENGIESSER, Arius and the Arians, Theological Studies, 1983, p. 456-475

 

(41) Voir G. C. STEAD, “The Thalia of Arius and the Testimony of Athanasius”, Journal of Theological Studies, 29(1978), p. 20-38.

 

(42) في هذا الخطّ عينه، نتذكّر هونوريوس ابن برديصان (145-223) الرهاويّ الذي أطلق تعليمه شعرًا، فردّ عليه أفرام السريانيّ (306-373) شعرًا مع ردّة متكرّرة بعد مقطع شعريّ. P. FEGHALY, Les origines du monde et de l’homme dans l’ouvre de Saint Ephrem, Paris, Cariscript, 1997, p. 30-31.

 

(43) الردّ على الأريوسيّين، 1: 2-10؛ قرارات مجمع نيقية 16

 

(44) أثناز، مقال يردّ على الأريوسيّين (1: 5)، الباترولوجيا اليونانيّة 26: 19ج.

 

(45) De Synodis, 15; PG, 26, 705C; G. BARDY, “La thalie d’Arius” Revue de Philosophie, de Littérature et d’Histoire Ancienne, 53(1927), p. 211-233

 

(46) Monas, monados avec la racine monos : Dyas, dyados avec la racine

 

duo : deux

 

(47) نجد هنا تلميحًا إلى سفر الأمثال (8: 22) الذي كان مثار جدل بين جماعة نيقية والأريوسيّين. إذا الحكمة تماهت كلّيًا مع الابن، وإذا هي خُلقت، فهذا يعني أنّ الابن خُلق. ولكنّ المقدّمة خاطئة، لأنّ العهد القديم لم يعرف سوى الإله الواحد. والوحي عن الابن خاصّ بالعهد الجديد، لذلك لا نستطيع أن نطبّق نصوص العهد القديم إلاّ بشكل ناقص.

 

(48) M. SIMONETTI, “Arius, Arianisme”, DECA, p. 238-244. Id, La crisi ariana nel IV secolo, Roma, 1975.

 

(49) G. BARDY, Athanase d’Alexandrie in Dict. d’histoire et de Géo. eccl., t. IV, col 1313-1340

 

(50) G. S. STEAD, Athanase in DECA, p. 285-290, ici p. 286; C. KANNENGIESSER, Athanase Evêque et Ecrivain, Paris, 1981

 

(51) Socrate, Histoire Ecclésiastique, 2-3, PG, 67, 4513. G. Bardy, Saint Alexandre d’Alexandrie a-t-il connu la Thalie d’Arius? RSR, 6(1926), p. 527-532.

 

قالوا: ما كان الله دومًا أبًا، بل كان زمان لم يكن فيه آبًا. وكلمةُ الله ما وُجد دومًا، بل وُجد من اللاموجود… الابن هو خليقة الآب وصنيعته… قال عنهم الإسكندر: »كلّ هؤلاء حرمناهم وحرمنا معهم تلاميذهم«.

 

(52) diriger, mener

 

(53) DECA, p. 280; voir M. RICHARD, “Saint Athanase et la psychologie du Christ selon les Ariens”, in Mélanges de Science Religieuse”, 4(1947), p. 5-54.

 

(54) في تجسّد الكلمة وظهوره بالجسد من أجلنا، ص 12.

 

(55) المرجع السابق، ص 86.

 

أثناز ف10- فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

إيشوعداد المروزي ف9 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

إيشوعداد المروزي ف9 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

إيشوعداد المروزي ف9 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

 

 

الفصل التاسع

 

إيشوعداد المروزيّ وتفاسير النساطرة(*)

 

حين نطَّلع على ما تركه لنا النساطرة من تفاسير كتابيَّة، وهي عديدة لم تطبع بعد كلُّها، نكتشف طابعها المدرسيّ وندرك أنَّها جُمعت من كتب متنوِّعة. وها نحن نقدِّم بعضًا منها ونشدِّد على شخصيَّة بارزة في التقليد النسطوريّ هو إيشوعداد المروزيّ الذي شرح أسفار الكتاب المقدَّس في عهديه القديم والجديد.

 

أوَّلاً: تفاسير النساطرة

 

هناك أوَّلاً مقالات نرساي الكتابيَّة التي تعود إلى القرن الخامس وتَبعد بفنِّها الأدبيّ عن سائر المؤلَّفات التأويليَّة. لهذا لن نتوقَّف عندها، بل نذكر ثلاثة أسماء قدَّموا لائحة أسئلة حاولوا الإجابة عنها: تيودور بركوني ويشوع برنون (743-848) وحنانيشوع برسروشويه، مع ثلاثة تفاسير: إيشوعداد والتفسير المغفَّل وجنَّة النعيم (الأطياب). ونذكر أخيرًا مجموعتين مغفَّلتين.

 

  1. تيودور بركوني

 

وصل إلينا من تيودور بركوني كتاب الأسكوليون الذي أُلِّف، في 11 مقالة، في نهاية القرن الثامن(1)، وهو لائحة أسئلة تتطرَّق إلى التأويل والفلسفة واللاهوت والدفاع المسيحيّ. المقالات الثماني الأولى مخصَّصة للتأويل: فالمقالات (1-5) تتطرَّق إلى العهد القديم، والمقالات (7-9) تتطرَّق إلى العهد الجديد.

 

يجيب الكاتب في المقالات الثلاث الأولى عن أكثر من 300 سؤال في أسفار موسى الخمسة. ويقدِّم 63 سؤالاً وجوابًا عن الأنبياء السابقين (يشوع، القضاة، صموئيل، الملوك) في المقالة الثالثة. ونقرأ 27 سؤالاً عن الكتب الحكميَّة وأربعة أسئلة عن المزامير.

 

يَعتبر بركوني أنَّ الكنيسة قبلت في لائحتها كتاب الملوك لا كتاب الأخبار. ونشيد الأناشيد هو دفاع عن ابنة فرعون، ولهذا لا يكرِّس له الكاتب أيَّ سؤال وجواب، وكذلك نقول عن سفر الحكمة. أمّا أيّوب فمن الكفر أن نقول إنَّ موسى كتبه.

 

نشير إلى وجود مقاطع عديدة مشتركة بين بركوني وإيشوعداد، ويبدو أنَّ المفسِّرَين استقيا من ينبوع واحد.

 

  1. إيشوع برنون

 

مات إيشوع برنون سنة 828 عن 85 سنة. كان رئيس مدرسة ساليق وراهبًا وجاثليقًا. وهذا يعني أنَّ كتابه مسائل مختارة أو مباحث(2) سبق إسكوليون بركوني وتفاسير إيشوعداد. وهكذا تكون مباحث إيشوع برنون أقدم تفسير نسطوريّ للكتاب المقدَّس. هي أصغر حجمًا من إسكوليون بركوني ولا تعالج إلاَّ الكتاب المقدَّس، وهي مقسومة سبعة أقسام مخصَّصة تباعًا للبنتاتوكس (أو أسفار موسى الخمسة)، والمجالس (أو بيت موتبي) والأنبياء، والمزامير، والإنجيل، وأعمال الرسل، ورسائل القدّيس بولس، فيها 56 سؤالاً عن البنتاتوكس، و19 سؤالاً عن المجالس (سؤال واحد عن يشوع، 4 أسئلة عن القضاة، 6 أسئلة عن صموئيل، 3 أسئلة عن الملوك، 3 أسئلة عن الأمثال، سؤال واحد عن ابن سيراخ وسؤال عن الجامعة)، و45 سؤالاً عن المزامير. هناك إذًا 145 سؤالاً عن العهد القديم، وقد نقل منها إيشوعداد 136 نقلاً يكاد يكون حرفيٌّا. وهكذا نستطيع القول إنَّ مباحث إيشوع برنون هي مصدر هامّ استقى منه إيشوعداد المروزيّ.

 

  1. حنانيشوع برسروشويه

 

عاش في النصف الثاني من القرن التاسع. يقول عنه عبديشوع الصوباويّ إنَّه صاحب أسئلة في الكتاب المقدَّس. وينسب إليه السمعانيّ كتابًا عنوانه أسئلة في التدبير الإلهيّ وهو مخطوط سريانيّ في الفاتيكان (رقم 150، ونسخ سنة 1708) أغفل اسمه. نجد في التدبير الإلهيّ 40 سؤالاً تعالج البنتاتوكس و40 جوابًا قصيرًا تذكِّرنا بنصِّ إيشوعداد. وهذا ما يدفعنا إلى القول إنَّ حنانيشوع وإيشوعداد استقيا من معين واحد.

 

  1. تفاسير إيشوعداد

 

نتوقَّف هنا على مكانة تفسير إيشوعداد في تفاسير النساطرة. إنَّ تفسير إيشوعداد للبنتاتوكس بفضل كلِّ ما خلَّفه لنا الكتّاب النساطرة من آثار، لا يزاحمه في هذه المكانة إلاَّ التفسير المغفَّل الذي سنتكلَّم عنه، مع العلم أنَّه ينقل صفحات كاملة من إيشوعداد. وإذا رجعنا إلى كتاب المجالس اكتشفنا أنَّ إيشوعداد هو خير شاهد على التأويل النسطوريّ ولاسيَّما في المقدِّمة التي يستهلُّ بها تفسير كلِّ كتاب.

 

تفسير إيشوعداد تفسير ضخم فيه الموادّ المتنوِّعة. وقد احتفظ لنا إيشوعداد بقسم كبير ممّا جمعه التعليم الكتابيّ عند النساطرة: تفسير مادّيّ وتفسير روحيّ، أسئلة خاصَّة عن التأويل، عرض لاهوتيّ ودفاعيّ، ملاحظات عن التاريخ القديم والسلسلات الكتابيَّة، عن علم الكون وعلم الفلك وعلم الحيوان والنبات، تلميحات إلى أعمال ليتورجيَّة وعادات دينيَّة وشعبيَّة، ملاحظات فقهيَّة ولغويَّة. كلُّ هذه الموادِّ المبعثرة تجعل من تفاسير إيشوعداد أغنى مرجع للتفسير النسطوريّ.

 

وتفسير إيشوعداد مهمٌّ لأنَّه يطلعنا على النصِّ الكتابيّ المستعمل في عصره. فهو يستعمل الترجمة البسيطة ولكنَّه يعود إلى اليونانيَّة والعبريَّة. وهو مهمٌّ أيضًا لأنَّه يساعدنا على الاطِّلاع على العمل التأويليّ السابق. لقد وصلت إلينا مقاطع من كتب ضاعت دوَّنها يوحنّا بيت ربّان(3) وميخائيل المعلِّم النصيبينيّ(4) وجبرائيل القطريّ(5) وغيرهم. ويحمل إلينا تفسير إيشوعداد معلومات عن اتِّجاهات التأويل في أيّام إيشوعداد وعن المراجع اليونانيَّة والسريانيَّة (أفرام، تيودور المصّيصيّ، أوسيب الحمصيّ) التي أثَّرت في التأويل النسطوريّ على مرِّ العصور.

 

  1. التفسير المغفَّل

 

إنَّ المؤلَّف الذي يمتدُّ من العهد القديم إلى العهد الجديد ونجهل كاتبه موجود في مخطوطة(6) (في بطريركيَّة الكلدان في الموصل وفي مخطوطات أخرى). دوِّن الكتاب حوالى السنة 900 وربَّما في نهاية القرن الثاني عشر. وإذا كان مخطوط الموصل يتضمَّن النصَّ كلَّه، فمخطوط منغانا لا يحوي إلاَّ تفسير البنتاتوكس ويعتبره مأخوذًا من تيودور وأفرام ويوحنّا وإبراهيم بيت ربّان وميخائيل المعلِّم النصيبينيّ.

 

يشبه التفسير المغفَّل إلى حدٍّ بعيد تفسير إيشوعداد ويوازيه في مقاطع عديدة ويمكننا أن نقول إنَّ ثلثي كتاب التفسير المغفَّل موجود في تفسير إيشوعداد. لكنَّ التفسير المغفَّل ترك الأسئلة الإضافيَّة وخفَّف من نصوص الهكسبلة. ثمَّ إنَّه أورد كثيرًا من أسماء السريان ولجأ إلى ألفاظ فارسيَّة ليفسِّر الكلمات الكتابيَّة، واستعمل كذلك كلمات من لهجة قطر. كلُّ هذا يجعلنا نعتبر أنَّ قطر هو موطن الكاتب.

 

ولكن كيف نفسِّر هذا التقارب بين تفسير إيشوعداد والتفسير المغفَّل؟ هل أخذ الواحد عن الآخر؟ هناك اختلافات في المقاطع المشتركة. ثمَّ إنَّ التفسير المغفَّل يقدِّم مقاطع لجبرائيل القطريّ ويوحنّا بيت ربّان وميخائيل النصيبينيّ لا نجدها عند إيشوعداد. كلُّ هذا يدفعنا إلى القول إنَّ التفسيرين استقيا من مرجع واحد وحافظ كلُّ كاتب على شخصيَّته، ولهذا كانت الاختلافات.

 

ويمكننا القول إنَّ التفسير المغفَّل هو بعْدَ تفسير إيشوعداد أهمُّ شاهد للتأويل النسطوريّ وهو أهمُّ من جنَّة النعيم. كان مؤلَّف إيشوعداد واسعًا ولكنَّه لم يورد لنا كلَّ ما علَّمه المؤوِّلون النساطرة عن البنتاتوكس، فسدَّ التفسير المغفَّل هذه الثغرة وثابر على ذكر مراجعه السريانيَّة(7) فأطلعنا على الآداب التأويليَّة السابقة التي ضاعت.

 

  1. جنَّة النعيم

 

هو مؤلَّف ضخم يفسِّر قراءات الكتاب المقدَّس التي تتلى في صلاة الفرض على مدى السنة الليتورجيَّة عند النساطرة. هذا يعني أنَّه تفسير متقطِّع يعالج عددًا محدودًا من النصوص الكتابيَّة. ففي المخطوط الفاتيكانيّ(8) نجد 59 نصٌّا مفسَّرًا أخذت من أسفار البنتاتوكس، و27 نصٌّا من المجالس(9).

 

من دوَّن جنَّة النعيم؟ لسنا ندري من هو، ولكنَّ النسّاخ يسمُّونه »مفسِّر الأتراك«. أمّا تاريخ تدوينه فيقول إنَّه يعود إلى القرن العاشر، ولكنَّ الأصحَّ إلى القرن الثالث عشر.

 

عندما ننتقل من تفسير إيشوعداد والتفسير المغفَّل إلى جنَّة النعيم نحسُّ ببعض الخيبة. فإذا وضعنا جانبًا بضعة مقاطع قليلة، فما نجده في تفسير لأسفار البنتاتوكس قرأناه عند هذين المفسِّرين السابقين. هذه الملاحظة تدفعنا إلى البحث عن المصادر. فمرَّة نجد جنَّة النعيم قريبة من إيشوعداد ومرَّة نجدها قريبة من التفسير المغفَّل. فهل اتَّبعت هذين المصدرين، أو استقت مثلهما من المصدر المشترك نفسه؟ هذا سؤال ليس له جوابٌ في الحالة الحاضرة.

 

  1. السلسلة المغفَّلة الأولى

 

سنة 1880، طبعت أربعة كتيِّبات نسطوريَّة(10). ونجد في الكتيِّب الثالث سلسلة صغيرة عن بعض أسفار العهد القديم والعهد الجديد. ودوَّنت هذه الكتيِّبات بعد الزحف الإسلاميّ، وهناك من يقول في النصف الأوَّل من القرن الثالث عشر وبعد تدوين جنَّة النعيم. ليس هذا الكتيِّب لائحة أسئلة وليس تفسيرًا، إنَّه مجموعة تعاليق حول كلمات خاصَّة من الكتاب المقدَّس، مرتَّبة حسب ورودها. أمّا معجم البنتاتوكس فيحتلَّ الصفحات العشر الأولى من السلسلة، وما نجده من شرح يوافق ما نقرأه في تفسير إيشوعداد والتفسير المغفَّل دون أن نؤكِّد أنَّ هذين التفسيرين هما مصدر هذه السلسلة. نشير إلى أنَّ هذه السلسلة تتوقَّف عند التكوين والخروج دون سائر أسفار موسى، كما تتوقَّف عند أسفار المجالس مرتِّبة إيّاها في الشكل التالي: يشوع، القضاة، صموئيل، الملوك، راعوت، الأمثال، نشيد الأناشيد، الجامعة. ولكن ترد قبل هذا مصطلحات من الأنبياء وسفر أيّوب. وتسمّي السلسلة سفر الأمثال حكمة سليمان وهكذا يفعل التفسير المغفَّل.

 

لا يمكن لهذه السلسلة أن تزاحم مؤلَّفات أوسع مثل تفسير إيشوعداد وجنَّة النعيم والتفسير المغفَّل، ولكنَّ لها قيمتها بسبب شروح الكلمات. فهي الشاهد على الاهتمام المعجميّ الذي برز عند الكتّاب السريان وكان في أساس تأليف المعاجم التي هي فخر الأدب النسطوريّ.

 

  1. السلسلة المغفَّلة الثانية

 

إنَّ الكتيِّب الرابع الذي نشر سنة 1880 كناية عن مقاطع مأخوذة من تفسير نجهل متى كُتب، ولكنَّنا متأكِّدون أنَّه دوِّن بعد مؤلَّف إيشوعداد. ليست هذه السلسلة فقط معجمًا كالسلسلة السابقة، بل تحتوي أيضًا تعليقات أو نتفًا من تعليقات. توقَّف الكاتب عند التكوين والخروج فما زاد على إيشوعداد إلاَّ شيئًا قليلاً. أمّا عن أسفار المجالس فنجد 19 تعليقًا نقرأ منها 14 في مؤلَّف إيشوعداد. وتحدَّث الشارح عن أصل السبعينيَّة وعن سمعان، والد ابن سيراخ، وعن معطيات زمنيَّة. وهكذا نقول إنَّ معظم تعاليق هذه السلسلة المغفَّلة الثانية مأخوذة من إيشوعداد.

 

إنَّ البحث عن تفاسير النساطرة قادنا إلى الملاحظات التالية. الأولى: إنَّ المؤلَّفات التأويليَّة التي وصلت إلينا هي تجميع وتقميش. فنحن أمام موادّ متشابهة أُخذت من كتب سابقة ضاعت فاحتفظت لنا بنتف من التأويل النسطوريّ في أوَجه؛ الملاحظة الثانية: إنَّ تفاسير تيودور بركوني وإيشوعداد المروزيّ والتفسير المغفَّل تشكِّل الينابيع الحقيقيَّة لمعرفتنا بالتأويل النسطوريّ. إنَّها تقدِّم لنا خلاصة ما بقي لنا من هذا التأويل، وخارجًا عنها لا نجد إلاَّ فتاتًا بسيطًا؛ الملاحظة الثالثة: كلُّ هذه المؤلَّفات تكشف الاتِّجاهات التأويليَّة عينها. إنَّها من عصر خضعت فيه الكنيسة النسطوريَّة لتأثير الكنيسة الجامعة. وهكذا تكون هذه المؤلَّفات الشاهد على التأويل النسطوريّ الصحيح في حقبة متطوِّرة.

 

وبعد هذه النظرة السريعة إلى التفاسير النسطوريَّة، نتوقَّف على إيشوعداد المروزيّ فنتحدَّث عن حياته وآثاره، ثمَّ نقرأ مقدِّمته العامَّة عن أسفار العهد القديم قبل أن ننهي بما كتبه عن سفر المزامير.

 

ثانيًا: إيشوعداد المروزيّ وتفاسيره

 

  1. المقدِّمة

 

إنَّ التفاسير الكتابيَّة التي سطَّرها إيشوعداد المروزيّ هي تجميع وتقميش، يعني أنَّ الكاتب عاد إلى مراجع عديدة فاختار مقاطع منها وجمعها بعضها إلى بعض. وهذا التقميش فرض نفسه منذ زمن بعيد باتِّساعه وغنى مضمونه. دُوِّن في القرن التاسع ساعة عاشت الكنيسة النسطوريَّة فترة من الركود فاهتمَّ إكليروسها بتجميع إرث الماضي. وما فعله بعضهم على مستوى تاريخ الكنيسة أو الحياة الرهبانيَّة أو الحقوق الكنسيَّة والمدنيَّة، فعله إيشوعداد في علم التأويل الكتابيّ.

 

ولكن قبل أن نوغل في هذه التفاسير نتعرَّف إلى كاتبها.

 

  1. حياته وآثاره

 

أصل إيشوعداد من فارس. ولد في مستهلِّ القرن التاسع في مرو في شمالي خورسان وهي مقاطعة ضمَّتها إليها روسيّا في القرن التاسع عشر(11).

 

ظهر إيشوعداد في الكنيسة النسطوريَّة كأسقف على الحديثة(12) الواقعة قرب الموصل. فرغ الكرسيّ البطريركيّ منذ سنة 852، ومات على التوالي ثلاثة مرشَّحون بصورة فجائيَّة، فاختار الأساقفة إيشوعداد بطريركًا سنة 853 بسبب سعة علمه وحكمته وهيبته ووقاره. ولكن تدخَّل بختيشوع، طبيب الخليفة المتوكِّل، من أجل تيودوس مطران جنديسابور، وأبعد إيشوعداد. غير أنَّ تيودوس لم يهنأ طويلاً بالمنصب الجديد، فأُلقي في السجن ثلاث سنوات قاسى خلالها المسيحيّون اضطهادًا مريعًا. فشل إيشوعداد في الوصول إلى الكرسيّ البطريركيّ فكرَّس حياته للبحث والكتابة.

 

تذكر المخطوطات التي بين أيدينا اسم إيشوعداد وموطنه وكرسيَّه الأسقفيّ، وهناك مقطع من كتاب المجدل لماري(13) يسرد الحدث الوحيد من حياته الذي ذكرناه. ويتحدَّث عبديشوع الصوباويّ(14) في فهرسه عن إيشوعداد وآثاره الأدبيَّة بطريقة منقوصة فيقول: كان إيشوعداد أسقف الحديثة. ألَّف باختصار تفسير العهد الجديد وكتاب المجالس(15).

 

هذا يعني أنَّ عبديشوع الذي كان نسطوريٌّا مثل إيشوعداد لم يكن يعرف من تفاسير إيشوعداد على العهد القديم إلاَّ كتاب المجالس. ولكن ما لا شكَّ فيه هو أنَّ كاتبنا فسَّر العهد القديم كلَّه ويشهد على ذلك المخطوطات التي بين أيدينا(16).

 

أمّا تفسير العهد القديم فيتضمَّن أربعة أجزاء: الجزء الأوَّل أسفار الشريعة الخمسة: الخليقة (أي التكوين)، الخروج، كتاب الكهنة (أي اللاويّين)، الإحصاء (أي العدد)، إعادة الشريعة (أي تثنية الاشتراع). الجزء الثاني عشرة أسفار بيت موتبي أو المجالس: وهي يشوع بن نون، شفطي أو سفر القضاة، صموئيل (الأوَّل والثاني)، الملوك (الأوّل والثاني)، أمثال سليمان، ابن سيراخ، قهلت (أو الجامعة)، نشيد الأناشيد، راعوت، أيّوب. الجزء الثالث كتب الأنبياء وهي: إشعيا، الاثنا عشر، إرميا، حزقيال، دانيال. الجزء الرابع المزامير.

 

لم يفسِّر إيشوعداد سفري الأخبار ولكنَّه يستعمل موادَّهما ليتلافى ما يعتبره نقصًا في سفري الملوك. فسَّر سفر المراثي بعد سفر إرميا، وألحق بسفر الجامعة بعض الآيات من سفر الحكمة كما أخذها من الهكسبلة(17) وعنوانها: جزء من الحكمة الكبرى. حين فسَّر دانيال، أغفل ذكر خبر سوسنَّة وألمح إلى خبر بال والتنّين، وأتبع كلَّ هذا بنظرة إلى التاريخ اليهوديّ منذ العودة من الجلاء إلى المسيح.

 

  1. طريقة إيشوعداد في التفسير

 

عنوان الكتاب هو كما يقول النصُّ: شرح (أو: أضواء على) الجمل الصعبة والألفاظ الغامضة التي في الكتب المقدَّسة. إنَّه يختار ألفاظًا أو آيات غير واضحة ويحاول أن يلقي الضوء عليها. نحن إذًا أمام تفسير متقطِّع وجزئيّ. يقدِّم الكتاب تأويلاً حرفيٌّا ثمَّ يعرض مسائل تعليميَّة وتاريخيَّة وتسلسليَّة وعلميَّة على مثال المؤوِّلين اليونان، ويختار من عند هؤلاء المؤوِّلين مقاطع عديدة. وإذ يتوقَّف إيشوعداد عند هذه اللفظة أو تلك الآية، يقدِّم نصٌّا من الهكسبلة ليقابله بالنصِّ الوارد في كتابه.

 

إنَّ إيشوعداد استقى كلَّ مضمون التفسير والمسائل ونصوص الهكسبلة من مراجع متنوِّعة. لقد قام بعمليَّة تجميع وتقميش فأخذ موادَّه حيث وجدها. فنقل مراجعه أو اختار مقاطع نظَّمها حسب هواه. يورد الآية الواحدة ويقدِّم الشروحات الآتية من مصادر مختلفة، وبعد أن يكون شرح الآية يقدِّم شرحًا آخر أخذه من مصدر آخر. وإذ يعرض مسألة من المسائل، يقحم مقاطع أخذها من كتّاب آخرين. هذا الكتاب هو إذن مجموعة مقتطفات جاءت من أماكن متعدِّدة ورُتِّبت ترتيبًا ينقصه المنطق مرارًا.

 

إنَّ شخصيَّة إيشوعداد تشهد على أنَّ التفسير نسطوريّ. هذا ما نتثبَّته من الإجلال لشخص المفسِّر (أي تيودور أسقف المصّيصة) ومن إيراد أقوالٍ لكتّابٍ نسطوريّين. وقد اعتبر بعضهم أنَّ التعليق على تك 18:21(18) يشير إلى مجمع أفسس (431) الذي حكم غيابيٌّا على نسطور. ولكنَّ أفرام السريانيّ يفسِّر النصَّ تفسيرًا مماثلاً. لهذا سنتوقَّف عند التعليم عن يسوع المسيح.

 

هناك ألفاظ تدلُّ على سكن الكلمة في الإنسان المأخوذ(19). وبها فسَّر تيودور المصّيصيّ طريقة الاتِّحاد بين الطبيعتين في المسيح. وفي نظر إيشوعداد، الناسوت هو الهيكل الذي تقبَّله الكلمة من سام (ابن نوح) أو من إبراهيم ليكون مسكن اللاهوت. ويقول في مكان آخر: الناسوت لباس الكلمة ومعطفه. ولكنَّ هذه العبارات نجدها عند القدّيس أفرام أو عند يوحنّا فم الذهب. وهناك عبارة نسطوريَّة خاصَّة وضعها إيشوعداد على فم الله وهي تذكِّرنا بتحديد الوحدة الشخصيَّة كما عبَّر عنها باباي الكبير(20): مِن الذي آخذه من إسحق الذي هو نموذجه، أجعل ابني بالاتِّحاد مع ابن طبيعتي. وقال إيشوعداد إنَّ الكلمة صار جسدًا »حسب رأي الآخرين« وإنَّه لم يصر إنسانًا إلاَّ في الظاهر، وإنَّه سكن في طبيعة بشريَّة. أمّا العبارة التي تقول إنَّ لاهوت المسيح لم يتألَّم، بل ناسوته، فقد فهمها إيشوعداد ابتعاد اللاهوت في وقت ألم المسيح وموته، وهو ابتعاد لا يلغي قربًا فاعلاً.

 

  1. مراجع التفسير

 

لا يذكر إيشوعداد مراجعه إلاَّ قليلاً، فاقتضى مقابلة تفسيره مع تفسير سائر الكتّاب السريان أو اليونان. رجع إيشوعداد إلى المصادر الأوَّليَّة، وقد يكون عاد إلى مقتطفات مختارة.

 

يشير في تفسيره إلى مار أفرام، مار نرساي، زكريّا البليغ(21)، حنانيا الحديابيّ(22)، ميخائيل المعلِّم النصيبينيّ(23)، باباي الفارسيّ(24)، برحدبشابا عربايا(25).

 

ويذكر من الآباء اليونان: أوريجان (+253) لوقيان الأنطاكيّ (+312)، باسيل أسقف قيصريَّة (+379)، واللاهوتيّ غريغوار النازينزيّ (+390)، أبولينار أسقف اللاذقيَّة (+390)، ابيفان في باناريون، يوحنّا فم الذهب، المفسِّر وهو تيودور أسقف المصّيصة (+428)، ديونيسيوس الأريوباجيّ (نهاية القرن الخامس) وسويريوس الأنطاكيّ (+528).

 

وترد أسماء هومير وهيسيود وأرسطو وديودور المؤرِّخ اليونانيّ الذي عاش في القرن الأوَّل ق.م. ويوسيفُس المؤرِّخ اليهوديّ (+95) ومرقيون الرومانيّ والمانويّين. ويذكر إيشوعداد كتاب اليوبيلات(26)، وكتب التاريخ الأربعين التي دوَّنها ديودور المذكور أعلاه، والهكسبلة وشرح مار أفرام عن سفر التكوين، وشرح الخليقة وتفسير متّى للمفسِّر تيودور المصّيصيّ والتاريخ الكنسيّ لزكريّا البليغ. وهناك مقاطع مأخوذة من أوسيب الحمصيّ ومن سلسلة بروكوب ومن كهف الكنوز الذي يعود إلى القرن السادس ويرتبط بالتقاليد اليهوديَّة عن آدم.

 

هذا في سفر التكوين. أمّا في أسفار الشريعة الأربعة الباقية فنقرأ الأسماء التالية: الحكيم الفارسيّ (أفراهاط + بعد 345) عن الصلاة، أفرام في شرحه للتكوين، نرساي، مار أبّا (+552)، إبراهيم ويوحنّا بيت ربّان، حنانا الحديابيّ، ميخائيل النصيبينيّ، جبرائيل القطريّ، يوحنّا برفنكايي (القرن السابع)، دانيال برمريم (القرن السابع)، يعقوب الرهاويّ، إيشوع برنون. ويذكر كاتبين من اليونان: أثناز وتيودور. ويذكر أيضًا فيلون الإسكندرانيّ ويوسيفُس المؤرِّخ اليهوديّ.

 

وفي أسفار المجالس (بيت موتبي) يذكر إيشوعداد كلاٌّ من أفراهاط، أفرام، إسحق تلميذ أفرام، يوحنّا الأفاميّ أو يوحنّا سابا(27)، نرساي، مار أبا، إليشاع برقوزبايي(28)، إبراهيم ويوحنّا بيت ربّان، بولس النصيبينيّ، حنانا الحديابيّ، جبرائيل القطريّ، يعقوب الرهاويّ (+708) في رسالته الثالثة عشرة، إيشوع برنون. ويذكر من اليونان أفريكان وغريغوار النازيانزيّ اللاهوتيّ وغريغوار النيصيّ وأوغريس ويوحنّا فم الذهب وثيودور المصّيصيّ (المفسِّر) وتيودوريه (القرن الخامس). ويذكر يوسيفُس ومقالات إسحاق الأنطاكيّ وكتاب اليوبيلات.

 

وفي إشعيا والاثني عشر يرد اسم أفرام، حنانا، القطريّ، دانيال برمريم، ومن اليونان: باسيل، غريغوار النازينزيّ، تيودور، كيرلُّس الإسكندرانيّ، تيودوز. كما يذكر أيضًا يوسيفس. وفي إرميا وحزقيال ودانيال يرد اسم أفرام، مار أبا، يوحنّا بيت ربّان، حنانا القطريّ. ومن اليونان باسيل، النازينزيّ، فم الذهب، تيودوريه القورشيّ، سويريوس الأنطاكيّ.

 

وفي تفسير المزامير يرد اسم حنانا الحديابيّ (+610) وإيشوعياب الجداليّ(29). ومن اليونان أغناطيوس الأنطاكيّ (+110) وقردون ومناندريس (القرن الثاني) وهما هرطوقيّان كتبا مزامير تعارض الإيمان، وأوريجان الإسكندرانيّ (+253) وأبولينار أسقف اللاذقيَّة (+390) وفم الذهب (+407) وتيودور (+428). وورد اسم زرادشت لتعليمه ألوهيَّة الشمس، وأرسطو لنظرته عن ألوهيَّة السماء والكواكب، وماني لنظرته الثنائيَّة.

 

  1. بعض أسلاف إيشوعداد

 

نودُّ هنا أن نتوقَّف عند بعض الأشخاص، وأوَّلهم حنانا الحديابيّ، ذلك الهرطوقيّ الذي طُرد من كنيسته وكان إيشوعداد أوَّل من تجرَّأ فذكر اسمه وأورد مقتطفات من كتبه. وإذا قمنا بإحصاء وجدنا اسمه يرد أكثر من أيِّ اسم آخر في تفاسير إيشوعداد (72 مرَّة). كان حنانا مؤوَّلاً شخصيٌّا مبتكرًا وقد اهتمَّ بصورة خاصَّة بنصوص الترجمة البسيطة. وممّا لا شكَّ فيه أنَّ إيشوعداد ارتبط بحنانا ارتباطًا وثيقًا. ولكنَّه ذكر مع حنانا جبرائيل القطريّ أو كيرلُّس الإسكندرانيّ وسويريوس الأنطاكيّ، كما أنَّ بعض ما قاله حنانا يرِدُ قُربَ ما قاله تيودور المصّيصيّ.

 

بالنسبة إلى المزامير نذكر يوحنّا برفنكايي الذي دوَّن في نهاية القرن السابع كتاب النقاط الرئيسيَّة في تاريخ العالم الزمنيّ وشرَحَ فيه المزامير المسيحانيَّة الأربعة خلال مقالة طويلة عن نبوءات العهد القديم(30). هذا التفسير عقائديّ أكثر منه تأويليّ، وهو ينحصر في تعليم هذه المزامير عن يسوع المسيح. يطبِّق الكاتب بالتفصيل كلمات كلِّ مزمور على المسيح، ويثبّت تطبيقه بآيات من العهد الجديد. ثمَّ إنَّنا نجد داخل العرض توسُّعات تعليميَّة طويلة. أمّا الخاتمة فتبدأ بجملة طويلة تدلُّ على الهدف الذي وضعه الكاتب: »انظرْ، يا عزيزي، كيف تَوافقَ الأنبياء والرسل في ما يتعلَّق بالمسيح وكيف حافظوا على التمييز في الطبيعتين والوحدة في الأقنوم، فيتكلَّمون (عن يسوع) بصيغة المفرد ويعلِّمون عن الاثنين«. إذًا نحن هنا أمام تعليم نسطوريّ عن يسوع المسيح(31).

 

ونشير أخيرًا إلى شرح الربّان دنحا(32) الذي عاش في القرن التاسع وكان تلميذًا لإيشوع برنون (+828). وضع شرحًا لمزامير داود وتعازي وأمورًا أخرى في الأحكام الكنسيَّة. يتألَّف هذا الشرح(33) من ثلاثة أقسام: مقدِّمة إلى المزامير، شرح المزامير، شرح أناشيد العهد القديم التي تُتلى في صلاة الفرض الإلهيّ. نحن إذًا أمام كتاب ليتورجيّ. وسنتوقَّف على القسمين الأوَّلين: المقدِّمة والشروح.

 

في المقدِّمة وعنوانها »شرح دوافع مزامير الطوباويّ داود«، نجد ثمانيَ وثائق تعود إلى مصادر مختلفة وتتطرَّق إلى المزامير.

 

الوثيقة الأولى: دافع المزامير لمار أحوب القطريّ (القرن العاشر) الذي ضاع تفسيره للمزامير. تعالج هذه الوثيقة نفع سفر المزامير وفوائد نشيد المزامير وفضائل داود المثاليَّة.

 

الوثيقة الثانية: لا نعرف مَن دوَّنها. إنَّها مأخوذة من عرض كتاب الفرض البيعيّ(34) وتبدو في ثلاثة أسئلة. السؤال الأوَّل يتوسَّع في الأسباب التي لأجلها تبنَّت الكنيسة سفر المزامير ككتاب صلاة رسميّ لها؛ السؤال الثاني يعرض سبب تقسيم سفر المزامير (مع الأناشيد الملحقة) إلى 21 تهليلاً و60 مرماية؛ السؤال الثالث يبيِّن أنَّ التهاليل والمرمايات تتوالى فترمز إلى الأحداث الكتابيَّة والكنسيَّة التي مرَّت والتي ستمرُّ منذ الخلق إلى نهاية العالم.

 

الوثيقة الثالثة(35) ترتَّب المزامير في سبع عشرة فئة. هذه الوثيقة هي الشاهد النسطوريّ الوحيد في اللغة السريانيَّة عن ترتيب مفصَّل للمزامير في الترجمة البسيطة.

 

الوثيقة الرابعة هي مقتطف من مسائل مختارة لإيشوع برنون بالنسبة إلى المزمور 119.

 

الوثيقة الخامسة هي دافع المزامير التي ألَّفها مار نتنائيل أسقف شهرزور (+620). يشدِّد الكاتب على سموِّ سفر المزامير. أمّا تفسيره للمزامير فقد ضاع.

 

الوثيقة السادسة تورد المزمور 151 من السبعينيَّة.

 

الوثيقة السابعة هي ردٌّ على الرمزيّين كما في إيشوعداد.

 

الوثيقة الثامنة تورد لائحة باسم المفسِّرين (33 اسمًا) المقبولين في الكنيسة النسطوريَّة. نشير إلى أنَّنا نجد لائحة مماثلة في جنَّة النعيم(36).

 

أمّا شرح الربّان دنحا فهو نسخة مصحَّحة لمخطوط ساخو 215(37)، نقله دنحا وزاد عليه بعض الشيء دون أن يمسَّ بروح تيودور المسيطرة على الكتاب. كان التفسير متناسقًا فمُزجت بموادِّه موادّ غريبة. كان هناك عنوان مستلهم من تيودور، فوُضع قربه عنوان آخر يختلف عنه شكلاً ومضمونًا(38). وزيدت على النصِّ تعاليق كتُبت بالحبر الأحمر، فابتعدت عن التفسير التاريخيّ للنصِّ الكتابيّ وعن التطبيقات المسيحانيَّة العديدة. قال بعضهم: إنَّ صاحب التعاليق هو حنانا الحديابيّ. وقد زيدت فيها بعد مقتطفات من أحوب القطريّ كما زيدت المقدِّمة. نلاحظ تقاربًا بين الربّان دنحا وإيشوعداد. هل أخذ الواحد عن الآخر، هل استقى الاثنان من معين واحد؟ لا نستطيع الإجابة ما دمنا لا نعرف الزمن الذي دوِّن فيه ما يسمّى شرح دنحا.

 

ونطرح السؤال الأخير: ما علاقة إيشوعداد بتيودور المصّيصيّ؟

 

  1. إيشوعداد وتيودور المصّيصيّ

 

إنَّ أهمَّ المنابع اليونانيَّة التي استقى منها إيشوعداد هي كتابات تيودور المصّيصيّ. لا نستطيع أن نقوم بمقابلة بين الاثنين فيما يخصُّ إشعيا لأنَّ تفسير تيودور لإشعيا ضاع. ولكنَّنا نستطيع أن نقابل تفسير الاثني عشر عند تيودور وإيشوعداد(39). فهناك 250 تعليقًا دوِّنت انطلاقًا من تيودور فشكَّلت أكثر من ثلث الكتاب. مرّات ينقل المرجع حرفيٌّا، ومرَّات يزيد أو ينقص، مرّات يترجم المعلِّم ومرَّات يلخِّصه أو يكيِّفه حسب نصِّ البسيطة. وما نكتشفه هو أنَّ روح المعلِّم وأسلوبه ظاهران في تفسير إيشوعداد. فهناك اتِّجاهان: وضع الأحداث التي أعلن عنها النبيّ في زمن سابق للمسيح والتقليل من عدد النبوءات المسيحانيَّة.

 

يطبِّق إذًا إيشوعداد أقوالاً نبويَّة على أحداث من التاريخ سبقت المسيح. فإذا أخذنا الفصول الخمسة الأولى من إشعيا، نرى أنَّ كيرلُّس الإسكندرانيّ وتيودوريه القورشيّ يفهمانها حصرًا بالنسبة إلى المسيح والكنيسة. أمّا إيشوعداد فيعتبر 2: 2ي فقط نصٌّا مسيحانيٌّا ويطبَّق سائر النصوص على أحداث قريبة من النبيّ. فبحسب كتابنا، نظر الأنبياء إلى الزمان السابق للسبيّ فأعلنوا للشعب الخاطئ اجتياحات الأشوريّين والبابليّين التي انتهت بسقوط السامرة ثمَّ أورشليم. أبرزَ إشعيا دورَ حزقيّا مخلِّص المدينة المقدَّسة ومدشِّن سلام شامل لوقت محدود. وتوجَّه الأَنبياء إلى الأمم المعادية فأنبأ ناحوم بسقوط نينوى. ونظر الأنبيـاء إلى كـورش، محرِّر الشعب، وإلى زربّابل الذي من نسل داود والذي يخلِّص أورشليم من دمار ثانٍ.

 

هناك أقوال مسيحانيَّة في إشعيا: أصله يكون زرعًا مقدَّسًا (إش 6: 13). ها إنَّ العذراء تحبل وتلد ابنًا (إش 7: 14-16). يملأ سعة أرضك، يا عمّانوئيل (إش 8: 8)، صارت الرئاسة على كتفه (إش 9: 5). ثمَّ هناك نشيد عبد الله الرابع كلُّه (إش 52: 13-53: 12). أمّا قول إش 2: 2ي (= مي 4: 1ي: يوطَّد جبلُ بيت الربّ في رأس الجبال) فهو قول مسيحانيّ مهما كانت تردُّدات تيودور. وهناك أقوال يعتبرها البعض مسيحانيَّة والبعض غير مسيحانيَّة. يورد إيشوعداد هذه الآراء ولا يتَّخذ موقفًا. وهي: إش 65: 8؛ مي 5: 3؛ حب 3: 2؛ زك 11: 7؛ ملا 3: 1ي، ويورد إيشوعداد رأي تيودور في ملا 4: 4-6 الذي يلمِّح إلى مجيء المسيح في آ4 وإلى مجيئه الثاني في آ6، ولكنَّ إيشوعداد يورد أيضًا رأي أفرام الذي يعتبر أنَّ الآيات الثلاث تشير إلى مجيء المسيح الأوَّل.

 

وهناك أقوال تنطبق على أشخاص من العهد القديم ولكنَّها تشير أيضًا إلى المسيح بوضوح. إنَّها تسعة: إش 11: 1 (يخرج قضيب من جذر يسّى) ينطبق على حزقيّا، ولكنَّه يقال حقٌّا عن المسيح؛ إش 28: 16 (ها أنا واضع في صهيون) يقال الآن في حزقيّا ولكنَّه يتمُّ في المسيح؛ إش 42: 3 (قصبة مرضوضة لا يكسر) يقال عن زربّابل ويتمُّ بوضوح في المسيح؛ إش 49: 5 (كوَّنني في البطن) يقال عن زربّابل والشعب ولكنَّه تمَّ في المسيح؛ إش 61: 1 (روح الربِّ عليَّ) قيل في زربّابل وتمَّ في ربِّنا؛ في يوء 3: 1 (أفيض روحي على كلِّ جسد) يتكلَّم النبيّ الآن عن أنبياء اليهود وعن الشعب، ولكنَّ حقيقة هذه الكلمة تمَّت في المسيح وفي المؤمنين؛ مي 5: 1 (وأنت يا بيت لحم) يقال في زربّابل ويتمُّ في المسيح؛ زك 3: 9 (على حجر واحد سبع أعين) يقال في زربّابل ولكنَّه تمَّ في المسيح؛ زك 9: 9 (ها ملكك يأتي) قيل في زربّابل وتمَّ في المسيح. وفي هذا يقول إيشوعداد: »بما أنَّ المسيح يخرج منهم، فما يشير إليه تمثَّل فيهم كما في علامة. وقال أيضًا: هذا قيل عن زربّابل في معنى رمزيّ، ولكنَّ الحقيقة ظهرت في المسيح الذي لأجله أعطيت كلُّ المواعيد التي تمَّت لإبراهيم وداود. لقد توجَّه العهد القديم كلُّه نحو المسيح فترتَّب كلُّ شيء بحيث يكون صورة مسبقة عن التدبير الجديد. ولهذا فالأشخاص نماذج وصور مسبقة عن المسيح وعمله، وما قيل عنهم قيل عن المسيح الذي تتمُّ فيه هذه النبوءات«.

 

اختلف تيودور عن كيرلُّس وتيودوريه، كما قلنا، فتبعه إيشوعداد في هذا المجال. رفض تيودور النظرة الرمزيَّة التي تجد في كلِّ سطر من الكتاب المقدَّس نبوءة عن المسيح، فما اعتبر نصوصًا مسيحانيَّة إلاَّ المقاطع التي طبَّقها العهد الجديد على المسيح.

 

وهكذا يمكننا القول إنَّ إيشوعداد أخذ العنصر الأساسيّ من نظريَّة تيودور أي الطابع النموذجيّ. ولكنَّه لا يُبدي رأيه في قيمة التفاسير المسيحانيَّة التي يأخذ بها العهد الجديد ولا يُبرز استعارات الأسلوب النبويّ. بسط نظريَّة تيودور وابتعد عنها بعض المرّات (مثلاً زك 3: 9). ولكنَّ إيشوعداد يبقى في الواقع أمينًا للمعلِّم فلا يجد في الأنبياء الاثني عشر إلاَّ أربع نبوءات مسيحانيَّة(40).

 

وما قلناه عن الأنبياء نقوله عن سفر المزامير(41) حيث تأثير المفسِّر ظاهر. فإيشوعداد عرف تيودور إمّا مباشرة وإمّا عبر مختارات. ولكنَّنا لا نقول إنَّ إيشوعداد اكتفى بنقل تيودور، وإلاَّ كان حكمنا خاطئًا. فإيشوعداد يكتب للسريان ويوضح لهم البسيطة التي تختلف عن السبعينيَّة. ثمَّ إنَّ إيشوعداد هو جامع، ولهذا اعتاد أن يصف عددًا من التفاسير أخذها من مواقع عديدة. وهذا يدلُّ على أنَّه حافظ على روحه النقديَّة والكنسيَّة حين استقى من الكتّاب المتعدِّدين ولاسيَّما من تيودور المصّيصيّ.

 

ثالثًا: الأسفار القانونيَّة

 

ما هو عدد الأسفار القانونيَّة؟ لا نستطيع أن نعطي جوابًا عن هذا السؤال لأنَّ إيشوعداد لا يقدِّم لائحة بأسفار العهد القديم، ولكنَّه يعدِّد في مقدِّمة سفر التكوين الأسفار المقدَّسة التي نُقلت إلى السريانيَّة في عهد سليمان وهي أسفار الشريعة الخمسة، يشوع بن نون، القضاة، راعوت، صموئيل، المزامير، الأمثال، الجامعة، نشيد الأناشيد، أيّوب. وهو يقدِّم لنا تفسيرًا لكلِّ هذه الأسفار. وهناك أسفار جاءت بعد سليمان هي الملوك ويشوع بن سيراخ. وأخيرًا يورد إيشوعداد بعض آيات من سفر الحكمة. فما لا شكَّ فيه هو أنَّ كلَّ هذه الأسفار جزء من الكتاب المقدَّس.

 

ويتبع إيشوعداد التقليد النسطوريّ فينفي من اللائحة القانونيَّة كتاب الأخبار. يذكِّرنا أنَّ السريان يختلفون عن العبرانيّين واليونان الذين يعتبرون هذا الكتاب جزءًا من الكتاب المقدَّس، أو يؤكِّد بطريقة واضحة أنَّ كنيسته تقبل بكتاب الملوك لا بكتاب الأخبار. ولكن يبقى لكتاب الأخبار، رغم نفيه من اللائحة، مكانة عظيمة عند النساطرة. ولهذا يورد منه إيشوعداد مقاطع مهمَّة ليسدَّ النقص في أسفار صموئيل والملوك. وتبقى أسفار عزرا ونحميا وطوبيّا ويهوديت وأستير والمكابيّين. فنحن لا نجد أيَّة إشارة إلى وضع هذه الأسفار بالنسبة إلى اللائحة القانونيَّة.

 

والسؤال الثاني المطروح هو: أيَّة سلطة لهذه الأسفار؟ الجواب بسيط بالنسبة إلى أسفار البنتاتوكس والأنبياء السابقين، فإنَّها تتميَّز بسلطة إلهيَّة لأنَّها دوِّنت بيد أنبياء. موسى دوَّن أسفار الشريعة، ويشوع سفر يشوع، وصموئيل دوَّن القضاة وصموئيل الأوَّل، وياهو أسفار صموئيل الثاني والملوك. ونقدر أن نقول الشيء نفسه بالنسبة إلى الأنبياء اللاحقين. فلا مشكلة لأسفار إشعيا والاثني عشر وإرميا والمراثي وحزقيال من جهة وجودها في اللائحة القانونيَّة وسلطتها الإلهيَّة التامَّة. الأنبياء دوَّنوا كتبهم بأنفسهم أو بواسطة تلاميذهم. وأن تكون المراثي دوِّنت في مصر أو في فلسطين فهذه مسائل ثانويَّة بالنسبة إلى الأمور القانونيَّة. لا يَعتبر إيشوعداد باروك نبيٌّا مع أنَّ بعضهم يقول إنَّه نال موهبة النبوءة فيما بعد. أمّا سفر دانيال فهو قانونيّ، يجعله إيشوعداد في اللائحة القانونيَّة ويفسِّره ويعارض الرأي اليهوديّ فيؤكِّد أنَّ دانيال نال الموهبة النبويَّة. وكانت اعتراضات على سفر يهوديت كما كان على سفر دانيال، فردَّ عليها إيشوعداد وبيَّن أنَّ هذا السفر التاريخيّ يدخل في اللائحة القانونيَّة. ويرجعنا إيشوعداد إلى سفر عزرا ثلاث مرّات وإلى كتاب المكابيّين، ولكنَّه لا يجزم بقانونيَّة هذه الأسفار. أمّا سفر المزامير فيُعدُّ مع أسفار الأنبياء لأنَّ مؤلِّفه هو داود النبيّ.

 

وماذا نقول عن الأسفار الباقية؟ نتوقَّف أوَّلاً عند الأسفار التي دوَّنها سليمان (حسب رأي إيشوعداد): الأمثال، الجامعة، نشيد الأناشيد وربَّما سفر راعوت. لا يعتبر الكتاب المقدَّس سليمان نبيٌّا بل حكيمًا تمتَّع بموهبة إلهيَّة. هنا نفهم أهمِّيَّة هذا التمييز لاسيَّما بالنسبة إلى الأمثال والجامعة. كان تيودور قال فيهما: إنَّ سليمان ألَّفهما لتعليم الناس، ولم يكن حصل على نعمة النبوءة بل نعمة الفطنة التي تختلف عن النبوءة، كما يقول الرسول. أمّا في نظر إيشوعداد، فسليمان هو حكيم وحكمته أعطاه إيّاها الله، ولهذا فكلماته هي كلمات الله. ويبقى وضع نشيد الأناشيد. فهل هو نشيد حبٍّ بشريّ لم يكتب بالروح النبويَّة؟ أم هل هو نشيد يحتفل بحبِّ المسيح للكنيسة كما يعلِّم غريغوار النيصيّ؟ إذا أخذنا بالرأي الأوَّل وجب علينا أن نقول إنَّه، وإن كان النشيد أحد الأسفار المقدَّسة، إلاَّ أنَّه لا نفع منه في الإيمان والحياة المسيحيَّة. وإذا أخذنا بالرأي الثاني اكتشفنا كتابًا نبويٌّا مملوءًا بالغذاء الروحيّ. غير أنَّ إيشوعداد لا يتَّخذ موقفًا من هذين الرأيين مع أنَّه يعتبر نشيد الأناشيد أحد الأسفار المقدَّسة. وسيكون إيشوعداد واضحًا بالنسبة إلى سفر راعوت الذي هو خبر تقويّ وصل إلى سليمان عبر تقليد عائليّ. إنَّه يقدِّم لنا أمثالاً عن الفضيلة ويعرِّفنا بأجداد المسيح ويعلِّمنا انحطاط اليهود في الزمن المتأخِّر. إذًا الكتاب مفيد وإن لم يُكتب في الروح القدس.

 

وماذا عن أسفار ابن سيراخ وأيّوب والحكمة؟ يقول لنا إيشوعداد إنَّ ابن سيراخ لم يتمتَّع بالنعمة التي حصل عليها سليمان، ومع ذلك ألَّف كتابه بمعرفة طبيعيَّة وعلم مكتسب. إنَّه كتاب مفيد وهو ثمرة معرفة وحكمة بشريَّة. أمّا الحكم على سلطة سفر أيّوب فترتبط بمسألة الكاتب. هل دوَّنه موسى أم أحد اليهود العلماء ممّن اطَّلعوا على الثقافة اليونانيَّة، كما يقول تيودور؟ لا يتَّخذ إيشوعداد موقفًا من هذين الرأيين، بل يكتفي بعرضهما في تفسيره دون أن يقول شيئًا عن سلطة الكتاب. ويورد إيشوعداد بضع آيات من سفر الحكمة دون مقدِّمة أو تفسير. في هذه الحالة يبدو من المفيد أن نسمع إيشوعداد يحدِّثنا عن هذه الأسفار الثلاثة في تفسيره لرسالة القدّيس يعقوب. إنَّه يعبِّر بوضوح عن فكره الذي لا يختلف عن فكر المفسِّر. يقول: رأينا المفسِّر يقدِّم براهين مأخوذة ليس فقط من الأسفار المكتوبة في الروح القدس بل من سفر أيّوب والحكمة الكبيرة وابن سيراخ التي كُتبت حسب العلم البشريّ.

 

وخلاصة القول إنَّ الأسفار القانونيَّة كتبت بالروح النبويَّة وهي تتمتَّع بسلطان كامل. كتب موسى أسفار الشريعة، والأنبياء أسفار المزامير وأسفار الأنبياء السابقين واللاحقين، ودُوِّن سفرا الأمثال والحكمة بحكمة معطاة من فوق فكفلت حقيقتهما. وهناك أسفار دوِّنت بعلم بشريّ وهي مفيدة إن لم يكن للإيمان فعلى الأقلّ للأخلاق. وهي راعوت، أيّوب، الحكمة الكبيرة. ولكنَّ السؤال يبقى معلَّقًا بالنسبة إلى نشيد الأناشيد.

 

وهكذا، فعندما يميِّز إيشوعداد درجات في الأسفار القانونيَّة فهو يتبع التقليد النسطوريّ الذي هو من تقاليد كنائس الشرق كلِّها.

 

ونتساءل أيضًا: ما هي التوراة التي رجع إليها إيشوعداد؟

 

عندما يتحدَّث إيشوعداد عن الكتاب المقدَّس فهو يعني التوراة السريانيَّة. وعندما يقابلها بترجمات أخرى فهو يسمِّيها (النصّ) السريانيّ أو النسخة السريانيَّة أو (النصّ) الذي لنا. هذه التوراة سوف تُسمَّى »البسيطة« في ما بعد، وهي الترجمة الرسميَّة في الكنائس السريانيَّة المختلفة.

 

إذا عدنا إلى سفر التكوين نجد 850 إيرادًا من التوراة السريانيَّة. بين نصِّ إيشوعداد ونصِّ البسيطة اختلافات طفيفة، ولكنَّ هناك نصوصًا قريبة من نصِّ السبعينيَّة اليونانيَّة. فهل نحن أمام نصِّ البسيطة المنقَّح أم أمام تعليق جاء مع نصِّه من اليونانيَّة فأخذه إيشوعداد كما ورد؟

 

ويرد أكثر من مئة نصٍّ من العهد الجديد، بينها 40 من الأناجيل يعود أكثرها إلى البسيطة وبعضها إلى الدياتسّارون أو النسخة السريانيَّة العتيقة.

 

وهناك أيضًا أكثر من 200 نصٍّ مأخوذ من الهكسبلة تعطي التفسير وجهًا علميٌّا. وهكذا نجد اسمَي أوريجان ولوقيان الأنطاكيّ، ونصوصًا من السبعينيَّة وأكيلا وسيماك وتيودوسيون. نشير إلى أنَّ النصوص اليونانيَّة هذه توافق الترجمة السريانيَّة للهكسبلة التي قام بها بولس مطران تل موزلت سنة 616-617، واستعملها النسطوريّون حتّى سنة 819 مع أنَّها عمل يعقوبيّ.

 

ويعود إيشوعداد 43 مرَّة إلى النصِّ العبريّ ويعامله كنصِّ الهكسبلة، ويبدو أنَّ الشارح عرف هذه النصوص العبريَّة من تقاليد التلمود.

 

ما اكتشفناه في تفسير سفر التكوين نكتشفه في تفسير سائر أسفار موسى حيث نجد أكثر من 900 إيراد من الترجمة البسيطة بينها 250 تقتصر على كلمات يوضح الكاتب معناها.

 

وسيسير إيشوعداد على هذا المثال في تفسير التوراة كلِّها فينطلق من نصِّ الترجمة السريانيَّة البسيطة يفسِّره ويقابله بالنصوص اليونانيَّة والعبريَّة.

رابعًا: مقدِّمة إلى أسفار العهد القديم

 

يبدأ إيشوعداد تفاسيره بمقدِّمة عن العهد القديم(42) تبدأ على الشكل التالي: بقوَّة الثالوث الأقدس نبدأ بكتابة شرح الجمل الصعبة والكلمات الغامضة التي في الكتب المقدَّسة. ألَّفها مار إيشوعداد أسقف الحديثة.

 

1- يحدِّثنا إيشوعداد عن نصوص التوراة المتعدِّدة. ويبدأ أوَّلاً بالنصِّ العبريّ الذي أحرق يوم السبي إلى بابل ولكنَّ الكاهن عزرا كان قد حفظه غيبًا فاستعاده بعد الرجوع من المنفى وكتبه من جديد.

 

2- أمّا الترجمات اليونانيَّة فهي ستّ: الترجمة السبعينيَّة التي تمَّت في جزيرة فاروس تجاه الإسكندريَّة بيد 72 شيخًا متضلِّعين من العبريَّة واليونانيَّة، في عهد الملك بطليمُس فيلادلفُس، ملك مصر. وهناك ترجمة أكيلا الذي كان وثنيٌّا فآمن وتعمَّد. ولكنَّه انتقل إلى الديانة اليهوديَّة ونقل التوراة بنيَّة غير صافية محاولاً أن يكذِّب السبعينيَّة. وهناك ترجمة سيماك ذلك السامريّ الذي صار يهوديٌّا. نقل التوراة ليهدم التفاسير المعروفة لدى السامريّين. والنصّ الرابع هو ترجمة تيودوسيون الذي كان من تبّاع مرقيون ومن منطقة البنطس. ارتدَّ إلى اليهوديَّة ونقل العبريَّة نقلاً قريبًا إلى السبعينيَّة. والترجمة الخامسة وجدت في أريحا في أيّام الإمبراطور أنطونين في جرار مع كتب أخرى عبريَّة ويونانيَّة، والترجمة السادسة وجدت في نيكوبوليس قرب أكسيوم في اليونان. ثمَّ جاء أوريجان وبعده لوقيان فقابلا النصوص وصحَّحا الأخطاء.

 

3- أمّا السريانيَّة فتمَّت في أيّام سليمان وبناء على طلب حيرام ملك صور. ويعدِّد إيشوعداد الأسفار التي نُقلت في ذلك الوقت وهي: (أسفار) الشريعة (الخمسة)، يشوع بن نون، القضاة، راعوت، صموئيل (سفران)، داود (أي المزامير)، الأمثال، الجامعة، نشيد الأناشيد، أيّوب. أمّا ما تبقّى من أسفار، فنُقل مع أسفار العهد الجديد في أيّام الملك أبجر وبهمَّة أداي وسائر الرسل. وهناك رأي آخر ينسب النقل إلى كاهن اسمه أسيا أرسله إلى السامرة ملك أشور.

 

4- عدد الأسفار المقدَّسة في العهد القديم 22 سفرًا(43)، إذا حسبنا أيضًا كتاب الأخبار الذي يدخل في اللائحة العبريَّة واليونانيَّة (لا في اللائحة السريانيَّة). ويعلِّل إيشوعداد هذا الرقم: فهناك 22 خليقة كوَّنها الله في أيّام الخلق الستَّة، وهناك 22 حرفًا في العبريَّة والسريانيَّة، وهناك 22 رئيسًا من آدم إلى يعقوب.

 

الفنون الأدبيَّة عشرة: هي: النبوءة، التاريخ، التشريع، الصلاة، الحكمة، اللاهوت، الشكر، التهديد، العقاب، التشكّي. إنَّها ينابيع الخلاص التي تروي العطاش بكلمات الحياة التي تتضمَّنها.

 

5- ويتحدَّث إيشوعداد عن أوَّل كتاب ظهر وعن أوَّل الحروف الأبجديَّة. أوَّل كتاب أعطاه الله لتعليم البشر هو كتاب الخليقة (أي سفر التكوين). لا شكَّ في أنَّ أحداث الخروج تمَّت قبل أن يبدأ موسى بالكتابة، ولكنَّ موسى دوَّن كتبه لا حسب الترتيب الزمنيّ بل حسب ترتيب التدبير الإلهيّ، حسب ترتيب نشاط الخلق عند الله.

 

6- ويقدِّم إيشوعداد النظريّات عن أصل الكتابة. هناك من قال إنَّ الكتابة وُجدت قبل موسى، وهو بهذا يشير إلى النظريَّة القائلة إنَّ الكتابة بدأت في مصر(44) والنصّ يقول إنَّ موسى تأدَّب بكلِّ حكمة المصريّين (أع 7: 22). يرفض إيشوعداد هذا الرأي ويعلن: إن لم يعد استعمال الكتابة عند الشعوب إلى موسى، فأيَّ جديد أعطاه الله. ويؤكِّد إيشوعداد أنَّ الكتابة عند اليونان أحدث عهدًا. ويورد قول ديودور الصقلّيّ(45): بدأ موسى فاخترع الحروف العبريَّة، فأخذها الفينيقيّون عن العبرانيّين، واليونان عن الفينيقيّين. وسبق موسى كلَّ حكماء اليونان فلم توجد حروف الكتابة قبله.

 

7- اخترع موسى أحرف الكتابة ودوَّن بها الشريعة أي الأسفار الخمسة. واخترع سليمان الأحرف السريانيَّة وسلَّمها إلى حيرام ملك صور. وهكذا انتشرت الكتابة في العالم. أمّا الكتابة الفارسيَّة فاخترعها رجل من ميشنيا اسمه نبو(46)، درس الحروف العبريَّة والسريانيَّة ثمَّ كتب الحروف الفارسيَّة. وهكذا رفع إيشوعداد من قدر العبرانيّين والسريان على حساب اليونان والفرس.

 

8- هنا يطرح إيشوعداد مشكلة فلسفيَّة: إذا كان الله أزليٌّا فلماذا لم يخلق الكون منذ الأزل؟ ويجيب: الله وحده لا بداية له ولا نهاية، أمّا الخليقة فلها بداية ولها نهاية. فلو خلق الله الكون منذ الأزل لكان مساويًا لله في الوجود. ولكن لا يمكن أن تتساوى الخلائق مع الخالق. ولكن لماذا خلقه في ذلك الوقت ولم يخلقه قبل ذلك الوقت؟ هذا سؤال لا جواب له.

 

وخلق الله الكون من أجل الخلائق العاقلة. لم يخلقه لأنَّه أُجبر على ذلك، أو لأنَّه أراد شرٌّا بالإنسان، أو لأنَّه حسد الخلائق العاقلة. خلقه لأنَّه رأى فيه خيرًا للخلائق. هيَّأ الله لنا عالمين، عالمًا فاسدًا ندخل فيه أوَّلاً، وعالمًا غير فاسد.

 

9- لماذا خلق الله الكون؛ هناك قول سلبيّ: لم تكن فيه حاجة إليه. أمّا الأقوال الإيجابيَّة فثلاثة: خلق الله الكون ليدلَّ على صلاحه. كان وحده موجودًا فأراد أن يشرك بالوجود غير الموجودين. ثانيًا، خلق الكون ليدلَّ على حكمته. ثالثًا، خلق الكون ليدلَّ على قدرته. وهنا يقابل الكاتب بين صلاح الله وعدالته. كان صالحًا لمّا بدأ بخلق السماء والأرض وانتهى بخلق الإنسان. وكان عادلاً حين فرض الناموس والعقاب على آدم. وكلّ هذا تمَّ بيسوع المسيح الذي خلَّصنا من ناموس الخطيئة والموت (رو 8: 2).

 

10- ما هي العلاقات بين الكائنات العاقلة والكائنات غير العاقلة ؟ أوَّلاً، يحتاج بعضها إلى الآخر. ثانيًا، تنظر الكائنات العاقلة إلى الكائنات المنظورة وهي عديدة ومتنوِّعة فيتعلَّمون الكثير عن قدرة الله وحكمته. وإذ يعرفون الله يعرفون نفوسهم أيضًا: إنَّهم متقلِّبون يحتاجون إلى أن يتعلَّموا من الكائنات العاقلة. من جهة ثانية تحتاج الكائنات غير العاقلة إلى حماية الكائنات العاقلة. أما سلَّمَ الله إلى آدم مهمَّة الاهتمام بالخلائق؟ هناك إذن خالق واحد، وما يجمع الخليقة بعضها مع بعض هو المحبَّة.

 

11- ما الفرق بين العالم والخليقة؟ عندما نتحدَّث عن الخليقة نتذكَّر اسم الخالق. وعندما نقول الخالق نشير إلى الخليقة التي خلق. وحين نتكلَّم عن العالم فنحن نعني أمورًا عديدة: الطبائع والأوقات والأزمنة والبشر(47).

 

12- هنا يطرح إيشوعداد أساليب التعبير في الكتاب المقدَّس. هناك أسلوب واضح ومعنى طبيعيّ. مثلاً: في البدء خلق الله السماء والأرض (تك 1: 1). وهناك أسلوب غامض لا بدَّ من فهمه. مثلاً: الله خلق الخير والشرّ (سي 37: 21). أيحدث شرٌّ في المدينة لم يصنعه الله؟ (عا 3: 6) وقسّى الله قلب فرعون (خر 10: 1). وهناك أسلوب رمزيّ مبنيّ على الاستعارة. ننسب إلى الأشياء ما ننسبه إلى الأشخاص كأن تقول الأبوابُ: من هو هذا ملك المجد (مز 24: 8-10)؟ وهناك قول يقلب النظام المحدَّد، وهناك فكرة ستتَّضح فيما بعد. قال الآباء: إنَّ الطبيعة الإلهيَّة لا مبدأ لها ولا نهاية، وقالوا: إنَّ الابن مساوٍ للآب في الجوهر. لم تُذكَر هاتان الحقيقتان بوضوح بل استنتجهما الآباء من نصوص مثل هذه: أنا الأوَّل والآخر (إش 44: 6). أنا والآب واحد (يو 10: 30). ومرَّات يقول الكتاب شيئًا يعارض الطبيعة كأن يقول: السماء من نحاس (تث 28: 23)، ومرَّات يورد رأي الآخرين: ها هو آدم صار واحدًا منّا (تك 3: 22).

 

13- كيف يتحدَّث الكتاب عن الناس؟ بثلاث طرق: إمّا كما هم في الحقيقة، كأن نقول: كان الإنسان الأوَّل أرضيٌّا من الأرض (1 كو 15: 47)؛ وإمّا أسمى ممّا هم، كأن نقول: إنَّهم من الآلهة (مز 82: 6) أو من الملائكة (ملا 2: 7)؛ وإمّا أدنى ممّا هم. سُمُّوا حيّات (مت 23: 33)، أسودًا (مز 22: 21)، ثعالب (لو 13: 22) نسورًا (تث 28: 49).

 

14- كيف يسمّي الكتاب المقدَّس الله؟ بطريقتين: إمّا كما هو »يهوه« أو الكائن (خر 3: 14)؛ أو أقل ممّا هو كأن نقول إنَّه غضب (تث 1: 34) أو ندم (1 صم 15: 11). ولكن لا شيء أسمى من الله. ويتوقَّف الكاتب عند كلمة الله ومعناها. فالله هو السيِّد والخالق، علَّة كلِّ شيء، الديّان(48). وينهي إيشوعداد هذه اللائحة فيقول: يُكنّى الله بأسماء عديدة وكثيرة وهذا عائد إلى كثرة أعماله العجيبة، ولكن لا اسم له في طبيعته. غير أنَّ الكتاب احتفظ له باسمين، واحد في العهد القديم: أنا هو الذي هو(49)، وواحد في العهد الجديد: آب وابن وروح قدس (مت 28: 19).

 

ويبدأ إيشوعداد بشرح الأسفار المقدَّسة مبتدئًا بالتكوين(50) منتهيًا بالمزامير.

 

خامسًا: تفسير المزامير

 

إنَّ تفسير المزامير(51) هو نهاية مؤلَّف إيشوعداد المروزيّ عن العهد القديم، يحتوي على مقدِّمة تضمُّ 13 فصلاً وتفسيرٍ يَشرح المزامير المئة والخمسين. وهكذا يكون تفسير المزامير أكبر تفاسير إيشوعداد بعد تفسير سفر التكوين.

 

وها نحن نقدِّم معلومات عن سفر المزامير كما وردت في مقدِّمة التفسير الذي يعتبر سفر المزامير كتابًا ليتورجيٌّا وكتابًا نبويٌّا.

 

أوَّلاً: معلومات عن سفر المزامير

 

  1. من دوَّن المزامير؟

 

يعتبر التقليد الحقيقيّ أنَّ المؤلِّف الوحيد لكلِّ المزامير هو داود(52). ونعلن أوَّلاً، وبخلاف ما يقول الجهّال أنَّ داود كان نبيٌّا حقيقيٌّا(53) بل أعظم أنبياء العهد القديم، لأنَّه نال، حين مُسح، كالرسل يوم العنصرة، وحيًا إجماليٌّا عن التدبير الإلهيّ في الماضي وفي المستقبل. نال هذا الوحي ككنز وكان ينهل منه كما يشاء(54). ولهذا نقول إنَّه بإلهام الروح ألَّف المزامير(55) حتّى تلك التي يقرُّ فيها بخطيئته(56)، ومع أنَّها لا تخلو من الزلل(57). وكان داود ثانيًا مبتكر النشيد الليتورجيّ في المزامير من أجل فائدة المؤمنين(58). لقد أضاف الموسيقى إلى قصائده فنوَّع الأنغام تنويعًا يوافق نشيد المزامير في آية بسيطة أو في آيتين(59). وما زالت هذه العادة سارية في الكنيسة النسطوريَّة. دشَّن داود ولادة المزامير في جوقتين وأدخل عادة إنشاد الفرض البيعيّ كلَّ يوم وفي ساعات محدَّدة(60).

 

2- ما هي قيمة المزامير؟

 

إنَّ سفر المزامير هو رأس جسد الكتب المقدَّسة. إنَّه أسمى الكتب النبويَّة وهو يشكِّل شميلة كلِّ وحي العهدين ومجمل تاريخ التدبير الإلهيّ منذ الخلق إلى الدينونة الأخيرة، مرورًا بالمسيح وعمله. إنَّنا نجد فيه نخبة وافرة من الأناشيد الدينيَّة المتنوِّعة التي لا تتضمَّن شيئًا غير لائق، كما نجد في سائر الأسفار المقدَّسة. وهو يتجاوب مع كلِّ حاجات المؤمنين الروحيَّة ويوافق حالات النفس المتنوِّعة. إنَّه يجمع الموسيقى والشعر إلى التعليم والصلاة ويناسب التلاوة في جوقتين. ثمَّ إنَّه يقف بوجه الأناشيد الخلاعيَّة ومزامير الهراطقة. إذًا، كانت الكنيسة محقَّة حين جعلت سفر المزامير كتاب صلاتها الرسميّ(61).

 

3- ماذا يتضمَّن سفر المزامير؟

 

الكتاب هو مجموعة من 150 مزمورًا(62). لا نقرأ المزمور الواحد مرَّتين، لأنَّ كلَّ مزمور أُلِّف على حدة وهو يختلف عمّا سواه(63). لا شكَّ أنَّ هناك مزامير تتشابه لأنَّها تشترك في بعض العناصر(64)، كما أنَّ غيرها يتوسَّع في الموضوع نفسه(65). إلاّ أنَّ المزامير لم تقسم بالشكل ذاته في النصِّ العبرانيّ وفي النصِّ اليونانيّ وفي النصِّ السريانيّ(66). ولكنَّ إيشوعداد يفسِّر المزامير كما هي موزَّعة في النصِّ السريانيّ. ويورد الشارح المزامير حسب أرقامها أو حسب بدايتها أو حسب الاثنين معًا، وهو يتبع ترقيم الترجمة البسيطة الذي يختلف بعض الشيء عن ترقيم النصِّ العبريّ ونصِّ السبعينيَّة(67).

 

4- كيف قسم سفر المزامير؟

 

قسم خمسة أقسام، وهذه القسمة خاصَّة بالنصِّ العبريّ كما قال إيشوعداد مرارًا(68). أمّا التقسيم إلى تهاليل ومرمايات (أو صلوات وجيزة) فهو يُذكَر مرَّة واحدة(69). وأمّا التقسيم إلى إصحاحات كما تفعل النسخة السريانيَّة التي تقسم سفر المزامير إلى 29 إصحاحًا، فهذا ما لا نجده في المخطوطات(70).

 

5- كيف تترتَّب المزامير؟

 

سفر المزامير خليط من المزامير الداوديَّة وُضعت دون ترتيب زمنيّ أو موضوعيّ. فآخر مزمور ألَّفه داود في نهاية حياته يحتلُّ المرتبة الثامنة عشرة، لا المرتبة الأخيرة(71). وهذه الفوضى التي نجدها أيضًا في الأسفار النبويَّة تعود إلى تقلُّبات التاريخ. ثمَّ يفسِّر إيشوعداد سبب تبدُّل صيغ الأفعال في الأسفار النبويَّة وفي المزامير(72).

 

6- بنية المزامير

 

تتألَّف المزامير من سلسلة من الفتغامات (أو الجمل). ولكنَّ الفتغامات أقصر من الشعر العبريّ ومن الآيات، ولهذا فهي أكثر عددًا(73). لا يقسم إيشوعداد المزامير إلى أبيات ما عدا المزمور 119(74)، ولا يشير إلى مزامير إبجديَّة في العبريَّة إلاَّ مز 119، 145(75). لا شكَّ في أنَّ اليونانيّ والسريانيّ لم يستطيعا أن يحافظا على الوزن والشكل الأبجديّ كما في العبريَّة، ولكنَّهما أبرزا بعض الخصائص الأسلوبيَّة التي لجأ إليها داود بسبب الوزن. هذا ما يشير إليه إيشوعداد(76).

 

7- عنوان المزامير

 

لن نهتمَّ بالعناوين اليونانيَّة والعبريَّة، لأنَّها لم تكتب في البداية بل وضعها أناس عديدون حسب نظرتهم الخاصَّة. والبرهان على ذلك أنَّ كثيرًا من العناوين تنسب إلى المزمور موضوعًا لا يتوافق ومضمونه. لذلك نتمسَّك بالعناوين التي وضعها المفسِّر تيودور المصّيصيّ(77). نشير هنا إلى أنَّ تيودور ترك عناوين النصِّ العبريّ والنصِّ اليونانيّ ولكنّه لم يؤلِّف عناوين حقيقيَّة. بل قدَّم لكلِّ مزمور عرضًا طويلاً أو قصيرًا حدّد فيه موضوع المزمور، وذكر الظروف التاريخيَّة التي افترضها له وردَّ على الآراء المخالفة. ومنذ القرن السادس أخذ المفسِّرون النساطرة يستخرجون من هذه المقدِّمات عناوين حقيقيَّة يربطونها بتيودور. ومع ذلك، حين قدَّم إيشوعداد تفسيره لم يورد دومًا هذه العناوين(78).

 

8- مواضيع المزامير

 

إنَّ كلَّ المواضيع التي وردت عند إيشوعداد هي التي أشار إليها تيودور. فإذا عدنا إلى هذه المواضيع، رأينا أنَّ أكثر المزامير ترتبط بأحداث من التاريخ اليهوديّ، أحداث عاصرت داود أو جاءت بعده فتنبَّأ عنها. ولكن ليست المزامير وثائق تاريخيَّة، لأنَّ الكاتب ينظر إليها من الزاوية الدينيَّة أو الأخلاقيَّة. إنَّها صلوات وتراتيل وتعاليم وتحريضات وتنبيهات يعبِّر فيها داود عن أفكاره وعواطفه حسب الظروف التي عاشها شخصيٌّا أو عرفها نبويٌّا. فالمزامير هي من هذا القبيل تعليم وتنبيه لمعاصري داود وللذين جاءوا بعده. ولكنَّها تتوجَّه أيضًا إلى كلِّ الأجيال التي ستتعاقب عبر العصور والتي ستعرف حالات مماثلة.

 

9- الفنون الأدبيَّة

 

سفر المزامير هو السفر المقدَّس الوحيد الذي تتمثَّل فيه »تاوريات« أو الفنون الأدبيَّة العشرة التي نجدها في سائر أسفار الكتاب المقدَّس وهي: النبوءة، التاريخ، التشريع، الصلاة، الحكمة، اللاهوت، الشكر، التهديد، العقاب، التشكّي(79). ويمكن أن يجمع المزمور الواحد فنونًا عديدة(80). أمّا تنوُّع الفنون في المزامير فعائد إلى تنوُّع المواهب التي أغدقها الروح على داود وهي موهبة النبوءة والحكمة والتعليم… وكما أنَّ كلَّ مزمور يمثِّل عادة فنٌّا أدبيٌّا محدَّدًا، فكلُّ مزمور ينطلق من موهبة محدَّدة يعطيها الروح فتكسب وجهًا خاصٌّا يختلف عن سائر المزامير(81). غير أنَّ إيشوعداد لم يهتمَّ بأن يبحث في دراسة كلِّ مزمور عن الفنِّ الأدبيّ الذي يمثِّله أو عن الموهبة التي أوحت به. كلُّ ما نجده هو ملاحظات عابرة(82).

 

10- ترتيب المزامير

 

لم يهتمَّ إيشوعداد بترتيب المزامير ترتيبًا منسَّقًا، فاكتفى بأن يلاحظ أنَّ المزامير تتنوَّع حسب مواهب الروح، وبأن يبيِّن إلى أيِّ فنٍّ أدبيٍّ ينتمي هذا المزمور أو ذاك، وبأن يشير إلى أنَّ المزمور ألَّفه داود باسم شخص من الأشخاص، وبأن يُعلِمنا بموضوع ثلاثين مزمورًا. ولكنَّ هذه النتف لا تكفي من أجل ترتيب عامٍّ للمزامير حسب إيشوعداد.

 

ثانيًا: التأويل عند إيشوعداد

 

قبل أن نعالج التأويل في وجهه المثلَّث كتأويل تاريخيّ وتأويل نبويّ وتأويل مسيحانيّ نتوقَّف عند أسلوب إيشوعداد في التأويل.

 

1- أسلوب التأويل

 

إنَّ تفسير المزامير هو كسائر التفاسير تفسير متقطِّع. فإنَّ إيشوعداد يكتفي بأن يوضح بعض الآيات من كلِّ مزمور، تلك التي يجد من المناسب أن يشرحها. هو يبدأ حالاً بالشرح دون أن يعلمنا عن موضوع المزمور(83). وهكذا، وإذا اكتفينا بشرح إيشوعداد ولم نضع أمام عيوننا نصّ المزامير مع العناوين النسطوريَّة، يستحيل علينا، مرَّات عديدة، أن نكوِّن فكرة عامَّة وأن نعرف الفكرة الرئيسيَّة وتسلسل الأفكار. لا نستطيع أن نقول إنَّ كتاب إيشوعداد هو تفسير، بل هو مجموعة تعاليق على آيات مختارة من المزامير.

 

ونقول ثانيًا إنَّ التفسير هو تجميع وتقميش. فإيشوعداد يأخذ من سابقيه ولاسيَّما من تيودور المصّيصيّ. فهو يأخذ من تيودور المواضيع المعيَّنة للمزامير كما يأخذ مقاطع عديدة يكتبها بطريقته الخاصَّة. وهو ينهل من ينابيع أخرى عديدة فيرتِّب التفاسير المختلفة الواحد قرب الآخر. ليس التفسير إذًا عمل فكر يبتكر، بل عمل جمّاع اجتهد فاستخرج الغنى من مؤلَّفات سابقيه.

 

دوَّن إيشوعداد تفاسيره فاحتفظ لنا بغنى هامّ يساعدنا على الاطِّلاع على التأويل النسطوريّ الذي لم يبقَ لنا منه إلاَّ النزر القليل.

 

2- التأويل التاريخيّ

 

يقاسم إيشوعداد نظرة تيودور إلى تأويل الكتاب الرمزيّ، فيكرِّس فصلاً كاملاً لعرض هذه النظريَّة والردّ عليها لأنَّها لا تفسِّر شيئًا ممّا هو كما هو(84)، ولكنَّه لا ينكر أنَّ داود لجأ إلى الاستعارات. ففي الفصل 13 من المقدِّمة يقدِّم لائحة أمثلة من المفسِّر عن لغة المزامير الرمزيَّة. ولكن إن فهمنا هذا الأسلوب نرى أنَّه لا يغيِّر المعنى التاريخيّ والحرفيّ الذي لا يلغي واقع الأمور ولا يضع شيئًا مكان آخر. يفسِّر إذًا إيشوعداد المزامير حسب المعنى الحرفيّ. وهو يفهم المزامير على طريقة تيودور، فيفرض لها نقطة استناد ملموسة في التاريخ اليهوديّ، ويربطها بأحداث معروفة من العهد القديم. ففي نظره نجد عشرين مزمورًا تفرض أمورًا صنعها داود أو كان شاهدًا عليها. وهناك مئة مزمور ترتبط بأمور حدثت بعد داود تمتدّ من زمن سليمان إلى زمن المكابيّين. وما تبقّى أربعة مزامير لاهوتيَّة أو أدبيَّة توافق كلَّ زمان. هذه النظرة التاريخيَّة إلى المزامير هي في أساس تفسير إيشوعداد.

 

3- التأويل النبويّ

 

ألِّفت المزامير على يد داود النبيّ ويمكننا أن نسمِّيها كلَّها مزامير نبويَّة في المعنى العامّ للكلمة. ولكن بما أنَّ الأمور التي ترتبط بها مزامير عديدة ستتِّم بعد أجيال عديدة، فمن الواضح أنَّ المرتِّل عرفها بفضل معرفته النبويَّة السابقة. ونقول الشيء عينه عمّا هو موضوع المزامير الخاصّ أي أفكار وعواطف واستعدادات الناس الذين سيعيشون هذه الأحداث الآتية. فنستطيع أن نقول إنَّ هذه المزامير هي نبويَّة بالمعنى الحصريّ(85).

 

نجد هنا كما في تفاسير الأنبياء اتِّجاهين يعودان إلى تيودور ويقومان بأن نطبِّق الأقوال النبويَّة على أحداث سبقت المسيح وبالتالي أن نخفِّف من عدد النبوءات المسيحانيَّة. من أجل هذا سنحدِّد المزامير التي اعتبرها إيشوعداد غير نبويَّة، والمزامير التي اعتبرها نبويَّة وغير مسيحانيَّة، والمزامير التي اعتبرها مسيحانيَّة.

 

المزامير غير النبويَّة هي 35: 17 مزمورًا قيلت في شخص داود وألَّفها بمناسبة أحداث عاشها وهي: 3، 6، 7، 9، 11، 12، 17، 18، 22، 36، 38، 39، 64، 68، 70، 120، 140؛ ثم 8 مزامير قالها داود من أجل الشعب اليهوديّ العائش في أيّامه وهي: 16، 78، 82، 105، 111، 113، 114، 115، 150؛ وأخيرًا 10 مزامير عقائديَّة أو أدبيَّة وهي: 1، 4، 10، 12، 19، 37، 49، 104، 112، 148.

 

المزامير النبويَّة وغير المسيحانيَّة هي 111 مزمورًا: مزمور واحد يتحدَّث عن سليمان (72)، و25 مزمورًا تعود بنا إلى زمن حزقيّا، ومزمور واحد يشير إلى الحرب مع أحاز والد حزقيّا (46)، و24 مزمورًا تشير إلى زمن حزقيّا والحرب الأشوريَّة، و3 مزامير تتحدَّث عن وقاحة سنحاريب وربشاقا (14، 52، 53)، و21 مزمورًا ترتبط بحزقيّا أو شعبه (15، 20، 21، 27، 29، 30، 32، 33، 34، 41، 48، 54، 75، 76، 87، 91، 92، 116، 117)، و45 مزمورًا تشير إلى زمن السبي منها مزمور واحد في شخص إرميا (35) و44 مزمورًا تفترض السبي (5، 24، 25، 26، 31، 40، 42، 43، 50، 51، 61، 63، 65، 67، 71، 81، 85، 88، 89، 90، 94، 95، 97، 98، 99، 101، 102، 106، 119، 121، 122، 123، 126، 130، 131، 132، 137، 139، 141، 142، 143، 145، 146)، و23 مزمورًا تشير إلى زمن العودة من السبي (23، 73، 77، 84، 93، 96، 100، 103، 107، 118، 124، 125، 127، 128، 129، 133، 134، 135، 136، 138، 146، 147، 149)، و17 مزمورًا تعود بنا إلى زمن المكابيّين، منها مزمور واحد قيل عن شخص أونيّا (55) و16 مزمورًا مكابيٌّا وهي (44، 47، 56، 58، 59، 60، 69، 74، 80، 83، 108، 109، 144).

 

أمّا المزامير المسيحانيَّة فهي أربعة: 2، 8، 45، 110.

 

4- التأويل المسيحانيّ

 

في الفصل الثاني عشر من المقدِّمة يلوم إيشوعداد الرمزيّين لأنَّهم يعتبرون كلَّ نصوص العهد القديم التي يطبِّقها العهد الجديد على المسيح نصوصًا مسيحانيَّة. والحال أنَّ هناك نصوصًا تشير حقٌّا إلى المسيح وأخرى لا تتمتَّع بأيِّ بُعد مسيحانيّ بل طبِّقت بسبب تشابه الأمور، طبِّقت ملائمة. ثمَّ إنَّ إيشوعداد يعتبر خلال التفسير بعض النصوص حقٌّا مسيحانيَّة لأنَّها تشير حصرًا وبطريقة مباشرة إلى المسيح، ويعتبر البعض الآخر أنَّها تشير في زمانها إلى أشخاص من العهد القديم، ولكنَّها تمَّت حقٌّا في المسيح. نسمّي هذه النصوص الأخيرة نبوءات تحمل تطبيقين اثنين. وقبل أن نعطي حكمًا على تأويل إيشوعداد المسيحانيّ سنميِّز النصوص المسيحانيَّة حصرًا، والنبوءات ذات التطبيقين، والأقوال المطبَّقة على المسيح موافقة.

 

أ- نبوءات مسيحانيَّة حصرًا

 

يسلِّم إيشوعداد بأنَّ هناك أربعة مزامير مسيحانيَّة كلِّيٌّا وحصرًا. المزمور 2 الذي قيل عن آلام المسيح وارتفاعه. المزمور 8 الذي يتنبَّأ على المسيح، على تدبيره وعلى طبيعته، على مجد وسلطان بشريَّته باتِّحادها بالله الكلمة، على انتشار الإنجيل الشامل. المزمور 45 الذي يحتفل بالمسيح الملك واتِّحاده بالكنيسة. المزمور 110 الذي يعلن المسيح الممجَّد ربٌّا وكاهنًا أعظم. ونضيف إلى هذه المزامير الأربعة آيتين مأخوذتين من مزمورين، مز 11: 7 تقبل تفسيرين: إنَّها تشير، حسب التفسير الأوَّل، إلى الشعب المسبيّ في بابل، وتقال عن المسيح الكلمة حسب التفسير الثاني؛ مز 82: 8 هي صلاة موجَّهة إلى الله وبالأحرى إلى المسيح الممجَّد.

 

ب- نبوءات ذات تطبيقين

 

يستعمل إيشوعداد لفظتين: في زمانهم، بوضوح تنطبق أقوال هذه النبوءات على أشخاص من العهد القديم. مز 16: 10 يقال عن الشعب. مز 21: 4 يقال عن حزقيّا. مز 24: 7 يقال عن أورشليم. مز 61: 6 يقال عن الشعب المسبيّ في بابل. مز 87: 5 يقال عن حزقيّا. مز 89: 29 يقال عن داود. مز 118: 2 يقال عن زربّابل. ولكنَّ كلَّ هذه المزامير تنطبق على المسيح حسب الحقيقة أو بوضوح. وهناك مزموران يفسِّران تفسيرين يتعارضان، مز 22: هو، في تفسير أوَّل، يشير إلى داود يضطهده أبشالوم، وفي تفسير ثانٍ قيل عن المسيح كما قيل في أشخاص آخرين. مز 72: أشار في البداية إلى سليمان دون غيره. ولكنَّ المزمور تمَّ في المسيح مع أنَّه قيل في زمن سليمان.

 

ج- أقوال طبِّقت على المسيح ملائمة

 

هناك قولان قالهما المسيح على الصليب (22: 1؛ 31: 4). وهناك آيات أخرى طبَّقها الرسل على شخص المسيح (22: 16-18، 68: 18)، وهناك نصوص طبَّقها الرسل لا على المسيح بل على الزمن المسيحيّ (14: 1-3؛ 32: 1؛ 69: 21، 25؛ 109: 8؛ 117: 1).

 

يبدأ إيشوعداد فيشرح مز 72 ويعرض رأي المفسِّر، ثمَّ يقول إنَّ النصوص تشير إلى سليمان. ولكنَّه ينهي التفسير بهذه الكلمات: أمّا أنا فأقول: مع أنَّ هذه الكلمات قيلت في وقتها في سليمان، إلاَّ أنَّها تمَّت حقٌّا في المسيح. والكلمات الواردة في مز 21: 4، 24: 7، 61: 6 تطبَّق أوَّلاً على أشخاص من العهد القديم. ثمَّ يعلن إيشوعداد أنَّها تمَّت في المسيح. وتعليق 40: 7، يتألَّف من تفسيرين، الأوَّل يعرض الكلمة على أنَّها قيلت في الشعب المنفيّ. والتفسير الثاني يعارض تفسير تيودور. هناك آخرون يقولون: قيلت الكلمة عن المسيح الكلمة. لا يتَّخذ إيشوعداد موقفًا بل يترك للقارئ أن يختار بين تفسيرين. ويطبِّق إيشوعداد مز 22 على داود يضطهده أبشالوم. ولكنَّه يقول في المقدِّمة: نبوءات كثيرة قيلت في المسيح، مع أنَّها طبِّقت سابقًا على أشخاص آخرين. ويقول في معرض شرحه 16: 10، ما يلي: حين يبني ملك بيتًا ويتأخَّر في السكن فيه، يأتي أشخاص يسكنون في بيت الملك بانتظار الملك. هكذا نقول عن النبوءات التي طبِّقت على المسيح، ولكنَّها طبِّقت سابقًا على أشخاص آخرين لئلاَّ تَضيع وتُنسى مع الوقت.

 

خاتمة

 

يرتبط التأويل المسيحانيّ عند إيشوعداد بتأويل تيودور. هناك أربعة مزامير مسيحانيَّة فقط. ولكنَّ هناك نبوءات لها تطبيقان: تنطبق على أشخاص من العهد القديم ولكنَّها تليق جدَّا بالمسيح. ثمَّ إنَّ إيشوعداد يقبل تفاسير مسيحانيَّة تعارض نظريّات تيودور. ما الذي دفع إيشوعداد إلى هذا الموقف؟ هل هناك إصلاح تأويليّ بدأ به حنانا وتبنّاه إيشوعداد؟ الأمر ممكن ولكن ما يمكن القول هو أنَّه كان تطوّر في الكنيسة فتبعه إيشوعداد وهو أصدق مَن مثَّل التأويل النسطوريّ في عصره.

(*) ظهر هذا المقال في المسرة 76 (1990) 424-457.

 

(1) A. SHER, Theodorus Bar Koni, Liber Scholiorum, Louvain, Texte I, 1910, II, 1912. (CSCO 55, 69). Traduction française. I, 1981. 1982 (CSCO 431, 432). C’est la recension de Sert. La recension d’Urmiah est publiée et traduite par R. HESPEL, Théodore Bar Koni, Livre des Scolies, Louvain, 1983 (CSCO 447, 448). Enfin on a les collections annexées par Sylvain de Gander (CSCO 464, 465), Louvain, 1984.

 

(2) لم يزل الكتاب مخطوطًا. مكتبة الجامعة في كمبريدج رقم 2017. نُسخ سنة 1706.

 

(3) يقول تاريخ المسعوديّ: إنَّ يوحنّا عمل كتابًا في مسائل وتفسير أربعة أسفار من التوراة. ويقول عبديشوع الصوباويّ: وضع يوحنّا شروحًا في سفر الخروج واللاويّين والعدد وأيّوب…

 

(4) توفّي في أواسط القرن السابع. له مسائل على النصِّ الكتابيّ في ثلاثة أجزاء وقد ضاع.

 

(5) يرد في تفسير إيشوعداد اسم القطريّ (أي الذي من قطر). ولكنَّ هناك مفسِّرَين لُقِّبا بهذا الاسم وهما جبرائيل القطريّ وأحوب القطريّ. فإلى من يلمِّح إيشوعداد؟ يبدو أنَّه يلمِّح إلى جبرائيل الذي علَّم في ساليق في القرن السابع وألَّف كتابًا عن المسائل المختارة في الكتاب المقدَّس. كلُّ المقاطع التي يوردها إيشوعداد على اسم القطريّ نجدها أيضًا في التفسير المغفَّل تحت اسم ربّان. هذا يعني أنَّ ربَّان المذكور في التفسير المغفَّل هو جبرائيل القطريّ. أمّا صاحب جنّة النعيم فيسمّي جبرائيل القطريّ المفسِّر، لأنَّ وظيفة ربّان أو رئيس مدرسة كانت من نصيب أستاذ الكتاب المقدَّس الذي يسمَّى المفسِّر (مفشقونو في السريانيَّة).

 

(6) لم يزل مخطوطًا. أُخذ من مطرانيَّة ديار بكر للكلدان (وكان رقمه 22) وجُعل في الموصل تحت رقم 13. نُسخ سنة 1606، أمّا مخطوطة منغانا في برمنغام رقم 553 فقد نُسخت عن مخطوطة من سنة 1887 التي تعود بدورها إلى المخطوطة 21 من مجموعة سعرد والتي تعود إلى سنة 1605.

 

(7) على سبيل المثال: يذكر إيشوعداد جبرائيل القطريّ 30 مرَّة. أمّا التفسير المغفَّل فيذكره 121 مرَّة تحت أسماء متعدِّدة. نشير في النهاية إلى أنَّ التفسير المغفَّل يُفرد ستَّ ورقات لشرح المزامير، وهي غير كافية لتعطينا فكرة واضحة عن نظرة الكاتب إلى المزامير.

 

(8) فاتيكان سريانيّ رقم 494، هو شرح لقراءات العهد القديم والعهد الجديد. يتضمَّن المخطوط 421 ورقة وقد نسخ سنة 1925 عن مخطوط يعود إلى سنة 1887، وهذا الأخير نسخ عن مخطوط سعرد رقم 28 الذي يعود إلى القرن الرابع عشر. نُشر جزء أول، آحاد المجيء

 

(9) 16 نصٌّا من يشوع، نصٌّ واحد من القضاة، 4 من صموئيل، 5 من الملوك، نصٌّ واحد من ابن سيراخ.

 

(10) , éd. G. HOFFMANN, Kiel, 1880Opuscula Nestoriana

 

(11) ألبير أبونا، أدب اللغة الآراميَّة، بروت، 1970، ص 346-347.

 

. ORTIZ DE URBINA, Patrologia syriaca, Rome, 1965, p. 217-218; C. VAN DEN

 

EYNDE, Commentaire d’Isodad de Merv sur l’Ancien Testament, I, Genève, Louvain, 1955, p. II-IV.

 

(12) أسَّس العرب (المدينة) الحديثة وكانت تقع على الضفَّة الشرقيَّة من نهر دجلة بعد مصبِّ الزاب الكبير فيه.

 

(13) عاش ماري بن سليمان في القرن الثاني عشر. أمّا كتاب المجدل فلا يتحدَّث فقط عن البطاركة. وبقي القسم الأكبر منه مخطوطًا.

 

  1. Gismondi, Maris, Amri et Slibae de Patriarchis Nestorianorum commentaria, I, Maris Textus arabicus p. 78, 80; II, Amri et Slibae textus, p. 71-72.

 

(14) كان أسقفًا على صوبة (أو نصيبين) وتوفِّي سنة 1318، يرد النصُّ في

 

  1. S. ASSEMANI, Bibliotheca Orientalis Clementino-Vaticana III, 1, p. 210-212

 

(15) في السريانيَّة: بيت موتبي الذي يذكر في ما يذكر ملوك بني إسرائيل.

 

(16) بين أيدينا 5 مخطوطات: كمبريدج القسم السريانيّ عدد 1973، أورشليم بطريركيَّة الروم الأرثوذكس في أورشليم عدد 10، المتحف البريطانيّ القسم الشرقيّ عدد 4524، منغانا في برمنغام عدد 553، مكتبة الفاتيكان، القسم السريانيّ عدد 457.

 

(17) الهكسبلة هي عمل أوريجان الذي وضع في ستَّة عواميد النصَّ العبريّ والنصوص اليونانيَّة المختلفة. وعنها أخذ السريان النصَّ المسمّى سريانيَّة الهكسبلة. نشير هنا وبطريقة عابرة إلى أنَّ تفسير العهد الجديد قد نشر مع ترجمة إلى الإنكليزيَّة.

 

The commentaries of Ishodad of Merv, bishop of Hadatha (C. 850 A.D) in Syriac and English, With an introduction by J. R. HARRIS, 6 vol. éd. M.D. GIBSON dans Semiticae, t. V, VI, VII, X, XI, XII, Cambridge, 1911-1916

 

نشر فوبوس البنتاتوكس سنة 1975

 

  1. V00ِِBUS, The Pentatuch in the Version of the Syro-Hexapla – A Facsimile Edition of a Midyat Ms. Discovered 1964 (CSCO 369), Leuven 1975

 

  1. VِِBUS, The Book of Isaiah in the version of Syro-Hexapla. A Facsimile Edition of Ms St. Marc in Jerusalem with an Introduction (CSCO 449) Leuven, 1983.

 

(18) نقرأ ما ترجمته: إذا كان العالم بكلِّ شيء يتقصَّى القضيَّة بجدّ قبل أن يعاقب، فكم بالأحرى يفرض عليهم أن يتقصُّوا.

 

(19) الابن الكلمة أخذ الجسد، فهو الآخذ والجسد هو المأخوذ Homo assumptus.

 

(20) من مشاهير الكتّاب النساطرة (553-628).

 

(21) كاتب مونوفيسيّ توفّي بعد سنة 536.

 

(22) من حدياب، توفِّي سنة 610 وفسَّر كلَّ العهد القديم والعهد الجديد ولكنَّ تفسيره ضاع.

 

(23) توفِّي في أواسط القرن السابع، له مسائل على النصِّ الكتابيّ في ثلاثة أجزاء وقد ضاع اليوم.

 

(24) هو أيضًا باباي الصغير. عاش في القرنين السادس والسابع. كتب الردود المتعدِّدة وقد ضاع.

 

(25) عاش في القرنين السادس والسابع. دوَّن كتاب الكنوز الذي نجهل كلَّ شيء عنه وكتبًا أخرى.

 

(26) كتاب يهوديّ منحول دوِّن في نهاية القرن الثاني ق.م. ولكن يبدو أنَّ النسخة المذكورة هي نسخة سريانيَّة خاصَّة. رج كتاب اليوبيلات أو التكوين الصغير، الخوري بولس الفغالي، الرابطة الكتابية، 2000، على هامش الكتاب، 5.

 

(27) ترك تفسير سفر الجامعة، وهو محفوظ في دير القدّيسة كاترينه في جبل سيناء، تحت رقم سريانيّ 16.

 

(28) خلف نرساي على رأس مدرسة نصيبين. له تفسير أيّوب وقد ضاع.

 

(29) ألَّف تفسير المزامير وقد ضاع. توفّي حوالى سنة 645.

 

(30) لم يزل هذا النصُّ مخطوطًا، كمبريدج شرقيّ 1318 وهو منسوخ مرَّتين متتاليتين.

 

(31) نجد شرحًا مماثلاً للمزامير المسيحانيَّة الأربعة دوَّنه يوحنّا برزعبي (القرن الثالث عشر) في أشعار سباعيَّة. عنوان الكتاب هو نسيج مرتَّب يعالج موضوع الإيمان. وهو عرض للإيمان النسطوريّ.

 

(32) ينسب البعض شرح المزامير إلى الراهب غريغوار الذي يقول البعض إنَّه عاش في القرن الرابع والبعض الآخر في القرن السادس أو السابع. راجع ألبير أبونا، أدب اللغة الآراميَّة، ص 93، 341.

 

(33) لم يزل الكتاب مخطوطًا: منغانا 58، كمبريدج 1318، أمّا أقدم المخطوطات والتي تعود إلى القرن الثالث عشر (سعرد رقم 29) فهي موجودة في المكتبة الوطنيَّة في باريس. سريانيّ رقم 367.

 

(34) يعود هذا الكتاب إلى القرن التاسع وهو بشكل سؤال وجواب.

 

Anonymi auctoris Expositio officiorum Ecclesiae, 2 vol., éd. et tr. R. H. CONNOLLY dans CSCO 64, 71, 72, 76, Louvain, 1953-1954.

 

(35) نشرها فوسته ونسبها خطأ إلى أحوب القطريّ.

 

  1. M. VOSTE, « Sur les titres des psaumes dans la Peshitta », surtout d’après la recension orientale, dans Biblica, t. XXV, 1944, p. 228-233

 

(36) نشير إلى أنَّ هذه المقدِّمة غير موجودة في أقدم مخطوط (راجع حاشية 23) ولهذا نجهل اسم جامعها وزمن جمعها.

 

(37) مؤلَّف يضمُّ 186 ورقة وهو تفسير متَّصل وإسهابيّ يكاد يورد كلَّ آيات المزامير والأناشيد ويشرحها بطريقة مقتضبة. إنَّه تفسير لمزامير البسيطة وهو يغرف من الموادّ التي تركها تيودور المصّيصيّ دون أن يكون ترجمة له.

 

(38) W. BLOEMENDAAL, The headings of the Psalms in the East Syria Church, Leyde, 1960, p. 7.

 

(39) نقرأ نصوص تيودور كاملة في أصلها اليونانيّ ., t. LXVI, col. 124-632.PG Migne M. G. DIETRICH, Isodadh’s Stellung in der Auslegungsgeschichte des Alte Testaments an seinen Commentaren zu Hosea, Joel, Jona, Sacharja 9-14 und einigen angehنngten Psalmen veranshanlicht dans Beihefte zur Zeitschrift für die alttestamentliche Wissenshaft, fasc 6, Giessen, 1902,

 

(40) نشير إلى أنَّ إيشوعداد لا يورد اسم المفسِّر في تفاسير إرميا وحزقيال ودانيال. ثمَّ إنَّ مؤلَّفات تيودور في هذا المجال ضاعت، فلا نستطيع أن نقيم المقابلات بين تفاسير تيودور وتفاسير إيشوعداد.

(41) R. DEVRESSE, Le Commentaire de Théodore de Mopsueste sur les Psaumes (I-LXXX), Citta del Vaticano, 1939.

 

  1. VAN ROMPAY, Théodore de Mopsueste, Fragments syriaques du Commentaire des Psaumes (Psaume 118 et Psaumes 138-148) CSCO 435, 436, Louvain, 1982

 

(42) راجع تفسير سفر التكوين، النصّ السريانيّ ص 1-10 الترجمة الفرنسيَّة ص 1-12.

 

  1. M. VOSTE, “L’Introduction de Mar Isodad de Merv (+850) aux livres de l’Ancien Testament, dans Biblica, t. XXVI (1945), p. 12-36.

 

(43) هي التكوين، الخروج، اللاويّين، العدد، التثنية، يشوع، القضاة، صموئيل، الملوك، الأخبار، عزرا، نحميا، إشعيا، إرميا والمراثي، حزقيال، دانيال، الاثنا عشر، نشيد الأناشيد، الجامعة، الأمثال، أيّوب، أستير، راعوت، المزامير.

 

(44) يقدِّم إيشوعداد رأي البعض القائل إنَّ الله أعطى يوسف الحروف العبرانيَّة فكان أوَّل من استعملها. وحين دخل الشعب إلى مصر علَّمهم إيّاها لأنَّه كان وحده يعرفها. راجع تفسير سفر التكوين النصّ السريانيّ ص 206 الترجمة الفرنسيَّة ص 223.

 

(45) هذا النصّ غير موجود في ديودور ولكنَّ كيرلُّس الإسكندرانيّ يورده في كتابه ضدَّ يوليان. يبدو أنَّه يعود إلى أوبوليم المؤرِّخ اليهوديّ الذي عاش في القرن الثاني ق.م. وأعلن أنَّ موسى اخترع الكتابة.

 

(46) كان نبو إله الكلدانيّين الأكبر وكان الأشوريّون يعتبرونه مخترع الكتابة.

 

(47) يورد إيشوعداد نصَّين إنجيليَّين: يو 15: 9؛ 14: 9، العالم (أي البشر) أبغضكم، العالم (أي البشر) لن يراني.

 

(48) نحن هنا أمام آراء مختلفة، وكلُّ رأي يعطي تحديدًا لله.

 

(49) خر 3: 14. نشير إلى أنَّ السريانيَّة البسيطة حافظت على شكل الجملة كما وردت في العبريَّة فقالت: » أهيه أشير أهيه «.

 

(50) L’oeuvre a été publiée à Louvain. Outre la Genèse qui a été citée et le livre des Psaumes qui sera cité, on a les volumes suivants : II Exode-Deutéronome, CSCO 176-179, Louvain, 1958. III Livre des Sessions, CSCO 229-230, Louvain, 1962. IV Isaïe et les Douze, CSCO 303-304, Louvain, 1962. V Jérémie, Ezéchiel, Daniel, CSCO 328-329, Louvain, 1972

 

(51) C. VAN DEN EYNDE, Commentaire d’Isodad de Merv, sur l’Ancien Testament, VI, Psaumes, Louvain, 1981 (CSCO 433-434

 

(52) مز 78: 20. عندما نورد مزمورًا إنَّما نورده حسب الترقيم الماسوريّ العبريّ، نشير إلى أنَّ البسيطة تختلف عن النصِّ الماسوريّ. فالمزمور 114-115 في الماسوريّ يقابل مز 114؛ مز 116-146 في النصِّ الماسوريّ يقابل مز 115-145؛ مز 147 في النصِّ الماسوريّ يقابل في البسيطة 146-147.

 

(53) المقدِّمة ف 7.

 

(54) المقدِّمة ف 6.

 

(55) المقدِّمة ف 8.

 

(56) مقدِّمة مز 13.

 

(57) مز 19: 2؛ 78: 20.

 

(58) المقدِّمة ف 4.

 

(59) المقدِّمة ف 3.

 

(60) المقدِّمة ف 2.

 

(61) المقدِّمة ف 5.

 

(62) لا يذكر إيشوعداد المزمور 151 الذي نجده في السبعينيَّة ولا مز 152-155 التي نقرأها في المراجع السريانيَّة.

 

(63) هناك بعض الاختلاف بين مز 14 ومز 53.

 

(64) مقدِّمة مز 64، 91، 108.

 

(65) مقدِّمة مز 69، 73، 89، 108، 148.

 

(66) مقدِّمة مز 9، 116.

 

(67) مقدِّمة مز 14، 53. إذا كانت البداية هي هي في مزمورين، وضع إيشوعداد إشارة: المزمور الأوَّل والثاني.

 

(68) مقدِّمة ف 1. رج مقدِّمة مز 42، 73، 90، 107، وخاتمة التفسير.

 

(69) مقدِّمة ف 3، يقسم سفر المزامير إلى 21 تهليلاً ويتضمَّن كلٌّ من التهاليل العشرين الأول من 3 إلى 12 مزمورًا، ويقسم أيضًا إلى مرمايات وتتضمَّن كلٌّ من المرمايات السبع والخمسين الأول مزمورين أو 4 مزامير. وقد تتألَّف المرماية من مزمور واحد إذا كان ذاك المزمور طويلاً.

 

(70) نجد في مز 119: 65 أثرًا للإصحاحات: الإصحاح 25 وذلك في كلٍّ من مخطوط أورشليم ولندن.

 

(71) إنَّ أوَّل مزمور ألَّفه داود هو المزمور 144. نقرأ في المقدِّمة: هذا أوَّل مزمور ألَّفه داود حين قتل جليات.

 

(72) مقدِّمة ف 9.

 

(73) مز 1: 2. إنَّ فتغام المزامير النسطوريَّة أقصر من الآيات الحديثة التقسيم.

 

(74) مقدِّمة مز 119.

 

(75) مقدِّمة مز 119، 145.

 

(76) مز 13، 36: 2، 97: 2.

 

(77) مقدِّمة ف 10.

 

(78) هناك 38 مزمورًا تبدأ بمقدِّمة. وفي 30 منها يقدِّم إيشوعداد موضوع المزمور أو عنصرًا من عناصره.

 

(79) راجع مقدِّمة سفر التكوين، الترجمة ص 5: 7-11. نشير إلى أنَّ إيشوعداد ينفرد في هذه النظريَّة. أمّا التعليم التقليديّ فيميِّز أربعة فنون أدبيَّة هي: التشريع والتاريخ والحكمة والنبوءة.

 

(80) مقدِّمة مز 21.

 

(81) مقدِّمة ف 8-9.

 

(82) أعرف أنَّ مزامير داود قيلت بنعمة الروح القدس. غير أنَّ بعضها قيل بموهبة النبوءة وهي التي تتكلَّم عن المستقبل وأهمُّها التي تتعلَّق بالمسيح. وبعضها الآخر قيل بموهبة الحكمة مثل: طوبى للرجل (مز 1)، لا تغر (مز 37)، اسمعوا هذا (مز 49)، وبعضها الآخر قيل بموهبة التعليم وفيها يتكلَّم داود عن نفسه بسبب اضطهاد شاول أو أبشالوم له. وخلاصة القول، لكلِّ مزمور شيء خاصٌّ به يميِّزه عن غيره (المقدِّمة مز 8).

 

(83) هناك 38 مزمورًا يبدأ فيها الشرح بمقدِّمة تتَّسع أو تضيق. وهناك 30 مزمورًا يعرض فيها إيشوعداد موضوع المزمور أو عنصرًا من عناصره.

 

(84) المقدِّمة مز 12.

 

(85) يقول إيشوعداد في مقدِّمة مز 8: يطبِّق اليهود السفهاء المزمور 8 على آدم، ولكنَّه يتنبَّأ بالحقيقة على المسيح، على تدبيره من أجلنا، على طبيعته، على الكرامة والمجد والسلطان الشامل الذي ناله في بشريَّته باتِّحاده بالكلمة الإله وعلى انتشار إنجيله في كلِّ المسكونة.

 

إيشوعداد المروزي ف9 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

ابن أبو الفرج ابن العبري ف8 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

ابن أبو الفرج ابن العبري ف8 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

ابن أبو الفرج ابن العبري ف8 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

 

الفصل الثامن

 

غريغوار ابن أبو الفرج ابن العبريّ (1226-1286)

 

في الذكرى المئويَّة السابعة لوفاته(*)

 

مضت سبعماية سنة على وفاة أحد كبار فلاسفة الشرق ولاهوتيّيه، العلاّمة أبو الفرج الملقَّب بابن العبريّ، فاحتفلت الكنائس السريانيَّة بهذه الذكرى في دمشق وحلب وحمص والقامشلي وبيروت؛ وأفردت العراق يومين، يومًا في دير مار متّاي حيث دُفن ويومًا في الموصل؛ ونظَّمت الجامعة اللبنانيَّة سلسلة من المحاضرات دامت ثلاثة أيّام، تطرَّق فيها الباحثون إلى المجالات التي غاص فيها ابن العبريّ: اللاهوت والأخلاقيّات والكتاب المقدَّس والشعر والتاريخ؛ ونشرت دار المشرق تاريخ الزمان ببيروت. فمن هو هذا العظيم الذي احتفلنا بذكراه؟

 

أوَّلاً: حياة ابن العبريّ

 

  1. مولده

 

وُلد ابن العبريّ في ملطية، عاصمة أرمينيا الصغرى، سنة 1226. ونال في العماد اسم يوحنّا. واتَّخذ اسم غريغوار يوم رُسم أسقفًا سنة 1246. أمّا اسمه الكامل فهو أبو الفرج جمال الدين مار غريغوار ابن تاج الدين هارون بن توما المَلطيّ. انتمى إلى أسرة عريقة في المسيحيَّة والشرف، وكان أبوه هارون طبيبًا عالمًا، وجيهًا في قومه، نافذ الكلمة في أهل بلده(1).

 

كان لهارون أولاد نجباء هم ميخائيل وموفَّق ودمنيا ويوحنّا (غريغوار) وبرصوم. والظاهر أنَّهم توفُّوا جميعًا قبل غريغوار، ما عدا برصوم الصفيّ الذي كان شمّاسًا لأخيه، ثمَّ خلفه على كرسيّ المشرق سنة 1288، وظلَّ يشغل هذا المنصب حتّى وفاته في 1 من كانون الأوَّل سنة 1307. ونشير هنا إلى أنَّ برصوم أنجز ترجمة أخيه وأكمل التاريخ الكنسيّ الذي بدأه غريغوار وتوقَّف عنه سنة 1285، فأكمله أخوه حتّى سنة 1288.

 

أمّا عن لقب ابن العبريّ، فيقول المستشرقون(2) إنَّ أباه كان يهوديّ الأصل اهتدى إلى النصرانيَّة فلقِّب بابن العبريّ وانتقل هذا اللقب إلى أولاده. إلاَّ أنَّ البطريرك اغناطيوس أفرام الأوَّل برصوم(3) دحض مقال المستشرقين موردًا بيت شعر قاله ابن العبريّ عن نفسه: »إذا كان سيِّدنا المسيح سمّى نفسه سامريٌّا فلا غضاضة عليك إن دعوك ابن العبريّ، لأنَّ مصدر هذه التسمية نهر الفرات لا دينًا معيبًا ولا لغة عبريَّة«(4). فالأرثوذكس عامَّة ينكرون هذا التعليل ويقولون إنَّ هذا اللقب أطلق على العائلة لولادة أحد آبائها أو لولادة هارون نفسه في أثناء عبور نهر الفرات. أمّا بولس بهنام مطران بغداد السابق فيربط بين قرية كبيرة تسمّى »عبري« من أعمال جوباس، وملطية موطن غريغوار أبي الفرج فيقول: جلا جدُّ أبي الفرج عن هذا القرية إلى ملطية، إلاَّ أنَّ اسم القرية لاحقه فبقيَتْ النسبة في أحفاده(5).

 

  1. حداثته

 

عكف ابن العبريّ منذ حداثته على الدراسة والحفظ والتحصيل، فأتقن السريانيَّة والعربيَّة بعلومهما، وقرأ الطبّ على أبيه فتعلَّم منه شيئًا كثيرًا، وكذلك على غيره من أطبّاء العصر المشهورين. واشتغل أيضًا بالفلسفة واللاهوت فدرس مبادئهما على يد والده وحصَّل الكثير وهو لم يبلغ الثامنة عشرة من عمره.

 

ولكنَّ الكوارث التي حلَّت ببلده اضطرَّته موقَّتًا إلى الانقطاع عن التحصيل. فقد هجم المغول في صيف 1243 على ملطية واستولوا عليها، فهاجر معظم سكّانها إلى سورية ونزح هارون مع أسرته إلى أنطاكية وكانت آنذاك في يد الصليبيّين، فلمّا وصلوا إليها اعتزل ابنُ العبريّ العالمَ وتنسَّك في إحدى المغاور المجاورة. غير أنَّ البطريرك اغناطيوس سابا صرفه عن حياة العزلة هذه بعد أن وصل إليه خبر علمه وفضيلته فطلب إليه متابعة تثقُّفه علميٌّا وروحيٌّا ليستعدَّ لخدمة الكنيسة والمجتمع. وهكذا ذهب أبو الفرج إلى طرابلس (لبنان) مع رفيق له يدعى صليبا فتابع دراسة الطبِّ والبيان والمنطق على عالِم من علماء النساطرة اسمه يعقوب(6).

 

  1. الأسقف غريغوار

 

في سنة 1264، دعا البطريرك اغناطيوس (1222-1252) غريغوار ورفيقه، فرسم صليبا أسقفًا على كنيسة عكّا، وغريغوار أسقفًا على أبرشيَّة جوباس الصغيرة في منطقة ملطية وهو ابن عشرين سنة. ولم تمضِ سنة حتّى نقله البطريركُ إلى لاقبين في المقاطعة نفسها.

 

توفِّي البطريرك اغناطيوس سابا وخلفه ديونيسيوس عنجور (1252-1261) الذي تحزَّب له ابن العبريّ على خصمه ابن المعدنيّ. فنقل ديونيسيوس ابن العبريّ إلى كرسيّ حلب، إلاَّ أنَّ هذه المدينة كانت موالية لابن المعدنيّ فرفضت قبول الأسقف الجديد. حينئذٍ اضطرَّ غريغوار إلى الذهاب إلى دير مار برصوم وأقام عند بطريركه سنتين، ثمَّ قصد دمشق فنال حظوة عند الملك الناصر فرفع مكانته وأعاده إلى كرسيِّه مكرَّمًا. واستفاد ابن العبريّ من هذه الفترة من حياته فأكبَّ على المطالعة وأتمَّ دروسه الفلسفيَّة واللاهوتيَّة وأحكم اللغة العربيَّة، وبدأ يستعدُّ لحقبة جديدة في حياته.

 

ومن ثمَّ عاد إلى حلب بعد أن تحسَّنت علاقاته بابن المعدنيّ سنة 1258، ولكن حدثت في تلك السنة الغزوة المغوليَّة التي ضربت بغداد وقوَّضت الدولة العبّاسيَّة وزرعت الدمار في بلاد العراق وبعض أطراف الشام. وذهب ابن العبريّ لملاقاة هولاكو ليستعطفه على شعبه، ولكنَّ المغول أسروه وأعملوا السيف في رقاب سكّان حلب المدينة المنكوبة من مسيحيّين ومسلمين على حدِّ سواء(7). ولكنَّه في الأخير نال حظوة لدى هولاكو نفسه، نظرًا إلى مهنة الطبِّ التي كان يُتقنها.

 

  1. مفريان المشرق

 

قُتل البطريرك ديونيسيوس في كرسيِّه سنة 1261، ولم يعش البطريرك ابن المعدنيّ بعده طويلاً، فلحقه سنة 1263، وكان، قبل وفاته، قد اختار ابن العبريّ ليحلَّ محلَّه في مفريانيَّة الشرق. ولمّا خلفه اغناطيوس الثالث يشوع في كرسيّ البطريركيَّة سنة 1264، أقرَّ اختيار ابن العبريّ. وجرت حفلة التنصيب بأبَّهة فائقة في مدينة سيس بحضور الملك هايتوم الأرمنيّ وعظماء بلاطه، مع أساقفة اليعاقبة وأساقفة الأرمن في 19 من كانون الثاني سنة 1264. لا يخفى على القارئ أنَّ رتبة المفريان هي الرتبة الثانية في الكنيسة السريانيَّة، وصاحبها يأتي مباشرة بعد البطريرك، وله السلطة على الأساقفة في مفريانيَّته(8). أمّا مفريانيَّة المشرق فكانت تشمل الناحية الشرقيَّة من بلاد الرافدين والعراق العجميّ ومنطقة أشور، أي كلّ ما كان يدخل سابقًا في المملكة الساسانيَّة، فهي رعيَّة واسعة جدٌّا ومنتشرة في مناطق شاسعة.

 

أخذ المفريان الجديد يجوب أنحاء رعيَّته وظلَّ على هذا المنوال 22 سنة يعمل بغيرة ونشاط وإخلاص. تنقَّلَ بين نينوى ودير مار متّاي وبغداد والموصل ومراغة وتبريز، وكان يتفقَّد المؤمنين ويشجِّعهم. ومرَّ في بغداد مرَّتين، ولاقى إكرامًا لدى جثالقة المشرق، وزار تكريت سنة 1277 بعد أن مرَّ فيها التتر فأحدثت زيارتُه فرحًا عظيمًا لمدينة لم تحظَ بزيارة مفريان منذ ستّين سنة(9).

 

وزار هولاكو، الملك التتريّ، فحظيَ بعطفه ونال منه ثلاث براءات: واحدة له، وواحدة للبطريرك، وثالثة لأسقف قيساريّة قبادوقية (في تركيّا) اليعقوبيّ. وسهر على استتباب الأمن والراحة بين أبناء الرعيَّة، وأنشأ الكنائس والأديرة، واهتمَّ بكنيسة برطلة وهو في أواخر حياته سنة 1285. ويروي في تاريخه الكنسيّ أنَّه أقام خلال حياته اثني عشر أسقفًا ممَّن تميَّزوا بالفضيلة والعلم. ولم يقتصر نشاطه على أبناء رعيَّته، بل اتَّصل بالمسيحيّين من مختلف المذاهب من روم وأرمن ونساطرة. واتَّصل كذلك برجال الدولة المسلمين وبأرباب العلم والثقافة، فكثر أصدقاؤه في الأوساط المختلفة.

 

ومع كلِّ هذا النشاط، لم يألُ ابن العبريّ جهدًا في الاطِّلاع على خزائن الكتب والمحفوظات في الأديرة والمعابد. واستفاد خصوصًا ممّا وجده في مدينة مراغة، من أعمال أذربيجان، من وثائق ستساعده على تدوين كتبه التاريخيَّة.

 

وظلَّ ابن العبريّ على هذا المنوال في نشاطه إلى أن وافته المنيَّة في 30 من تمُّوز سنة 1286 في مدينة مراغة، وكان فيها مار يبلاها الثالث، جاثليق النساطرة التتريّ الأصل، فرأى أن يقام لابن العبريّ جنازة فخمة، فشارك فيها الروم والأرمن فضلاً عن اليعاقبة(10). ولقد وضع جثمانه في مذبح كنيسة السريان في مراغة ثمَّ نقل فدفن في دير مار متّاي، وهو لا يزال هناك إلى يومنا هذا موضع إكرام وتقدير.

 

ثانيًا: آثار ابن العبريّ

 

يقول السمعانيّ: »لم يكفَّ ابن العبريّ عن القراءة والكتابة منذ العشرين من عمره وحتّى نهاية حياته«. وكتاباته خير شاهد على علمه الشامل الذي تطرَّق إلى كلِّ فروع المعارف البشريَّة، وقد أحصى منها أخوه برصوما 31 كتابًا وصل إلينا أكثرها وأهمُّها.

 

  1. الآثار الفلسفيَّة

 

كانت الفلسفة الجامعة على الطريقة الأرسطاطاليَّة سهلة المنال مستقرَّة المقام بين المسيحيّين أبناء اللغة السريانيَّة، كما كان مفكِّرو المسلمين يأخذون بها أمثال الفارابي وابن سينا وابن رشد. وجاء ابن العبريّ فكان وريث ثقافة مزدوجة، فألَّف في العربيَّة والسريانيَّة، وهذه مؤلَّفاته الفلسفيَّة التي وصلت إلينا.

 

أ) بعض المؤلَّفات الفلسفيَّة

 

رسالتان في النفس دبَّجهما في العربيَّة: الأولى مقالة مختصرة في النفس البشريَّة، نشرها الأب لويس شيخو(11) سنة 1898، ويبدو أنَّ ابن العبريّ اقتدى فيها برسالة سريانيَّة بالعنوان نفسه للكاتب السريانيّ موسى بركيفا الذي نقل بدوره عن كتاب يونانيّ عنوانه في النفس البشريَّة لططيانس، نُسب خطأ إلى القدّيس غريغوار العجائبيّ(12). والرسالة الثانية مختصر في علم النفس الإنسانيَّة. نشرها القسّ بولس سباط في مصر سنة 1928 فجاءت في 74 صفحة(13)، وقد ألَّفها ابن العبريّ بناء على طلب ديونيسيوس عنجور أسقف ملطية قبيل سنة 1252، ووصلت منها نسخة نفيسة، أنجزت في أواخر القرن الثالث عشر أو أوائل القرن التالي، إلى يد البطريرك اغناطيوس برصوم فنشرها في »المجلَّة البطريركيَّة«(14) ثمَّ على حدة في حمص سنة 1938.

 

ب) الأحداق (كتوبو دبوبوتو):

 

كتيِّب في المنطق والفلسفة لا تتجاوز صفحاته الأربعين، ألَّفه بعد سنة 1275 فجاء في سبعة أبواب مبنيَّة على أورغانون (المنطق) أرسطو. نعرف منه ثلاث نسخ، واحدة في جامعة روكفلر بشيكاغو كُتبت سنة 1290، وثانية في لندن (رقم 1017)، وثالثة في كمبريدج (رقم 2005) والأخيرتان تعودان إلى سنة 1579، وهناك أيضًا نسخة في البطريركيَّة السريانيَّة الأرثوذكسيَّة وثانية في دير الشرفة(15).

 

ج) حديث الحكمة (سود سوفيا):

 

كتاب صغير يتضمَّن أربعة أبواب: المنطق، الفيزياء، الربوبيَّة، الأخلاق. نُشرت منه مقاطع في مجلَّة المعهد الطبّيّ العربيّ في دمشق، ونشره سنة 1940 البطريرك برصوم عن ترجمة عربيَّة عُملت بعد زمن المؤلِّف بمدَّة يسيرة وجاءت نسختها من سنة 1608(16).

 

وقبل أن نتطرق مطوَّلاً إلى كتاب زبدة الحكمة في الفلسفة، نشير هنا إلى كتاب تجارة الفوائد في المنطق والفلسفة، وهو مجلَّد يختصر كتاب زبدة الحكمة، وضعه المؤلِّف قبل سنة 1276 وبقيَتْ منه ستّ نسخ أقدمها خُطَّت في 20 من أيّار سنة 1276(17). قيل إنَّ هذا الكتاب نُقل من العربيَّة إلى السريانيَّة، والأمر يحتاج إلى دليل(18). ونشير هنا إلى أنَّ ابن العبريّ نقل من العربيَّة إلى السريانيَّة كتاب الإشارات والتنبيهات في المنطق والفلسفة وما وراء الطبيعة لابن سينا إجابة إلى رغبة القسّ شمعون آل توما الشرقيّ، رئيس أطبّاء الملك هولاكو(19)، كما نقل كتاب زبدة الأسرار في الفلسفة لأثير الدين الأبهريّ المتوفّى سنة 1264، ولكنَّ هذا الكتاب مفقود.

 

د) زبدة الحكمة (حاوت حكمي)

 

أهمُّ كتاب فلسفيّ تركه لنا ابن العبريّ هو زبدة الحكمة، يقع في مجلَّدين من 951 صفحة ولا يزال مخطوطًا. للمجلَّد الأوَّل نسختان قديمتان، الأولى في فلورنسا (عدد 186)، تعود إلى سنة 1340 وقد خطَّها القسّ الراهب نجم، والثانية في أوكسفورد (هونت 1)، خطَّها الراهب القسّ يوسف الكرجيّ سنة 1498، وأربع نسخ حديثة في كندناط (بلاط الملابار) وحلب ودير السيِّدة (خطَّت سنة 1818) وبرمنغام. وللمجلَّد الثاني نسختان قديمتان الأولى خُطَّت على عهد المؤلِّف وقد نُقلت في أواخر سنة 1285 وأوائل سنة 1286 وهي موجودة في الخزانة البطريركيَّة للسريان الأرثوذكس، والثانية موجودة في خزانة آمد الكلدانيَّة، ونسختان حديثتان، الواحدة في الخزانة البطريركيَّة وأخرى في برمنغام.

 

يتطرَّق المجلَّد الأوَّل إلى العلم المنطقيّ الفلسفيّ وفيه تسعة كتب: الأوَّل إيساغوجي أو المدخل؛ الثاني كتاب المقولات العشر كالجوهر والعرض؛ الثالث كتاب بريرمنياس أي العبارة؛ الرابع الأنالوطيقي الأوَّل وهو تحليل القياس؛ الخامس الأنالوطيقيّ الآخر أي البرهان؛ السادس كتاب طوبيقي أو ديالقطيقي وهو الجدل؛ السابع السوفسطيقي أي المغالطة أو الحكمة المموَّهة؛ الثامن ريطوريقي أي الخطابة؛ التاسع فوايطيقي أي الشعر.

 

في هذا المجلَّد الذي يقع في 365 صفحة اتَّبع ابن العبريّ طريقة أرسطو في طرح المواضيع، وقال في خاتمته: »هذا كلُّ ما وقفنا عليه من تعليم أستاذنا الفيلسوف الكبير أرسطاطوليس في كتاب الشعر، ويُخال لي أنَّ جزءًا غير يسير فضل منه، إمّا لم يُنقَل من اليونانيَّة أو السريانيَّة أو العربيَّة، أو نُقل ولم يصل إلينا. وإذا شاء الله وكان في الأجل نسخة فإنَّنا ننوي وضع كتاب كافٍ في هذا الفنّ، نستقصي فيه من الأقيسة ما وافق هذه اللغة وحسُنَ فيها وقعه وتتَّفق ألفاظه وتحمل معانيه التي تصادف قابليَّة طبيعيَّة للتخيُّل، كاجتماع الأضداد والمجانسة والاستعارة والمضادَّة والتتابع والمقايسة والمساواة والدلالة والتحقُّق وغير ذلك«(20).

 

أمّا المجلَّد الثاني فهو يتطرَّق إلى الطبيعيّات وفيه جزءان. في الجزء الأوَّل ثمانية كتب: الأوَّل كتاب السماع الطبيعيّ ويُعرف بسمع الكيان، يتضمَّن خمسة أبواب وفيه تعريف بالأمور العامَّة لجميع الطبيعيّات (أو الفيزياء) مثل المادَّة والصورة والحركة الطبيعيَّة والأسباب والنهاية وغير النهاية وتعلُّق الحركات والنهاية إلى محرِّك أوَّل واحد غير متحرِّك وغير متناهي القوَّة لا جسم له ولا هو في جسم؛ الثاني كتاب السماء والعالم، يتضمَّن خمسة أبواب وفيه تعريف بأحوال الأجسام، بالعناصر الأربعة وحركاتها ومواضعها، وبالحكمة في صيغتها وتفصيلها؛ الثالث كتاب الكون والفساد، فيه أربعة أبواب يشرح فيها حال الكون والفساد والتوالد والنشوء والاستحالات، ويبيِّن عدد الأجساد القابلة لهذه الأحوال؛ الرابع كتاب المعادن، فيه يذكر حال الكائنات الجماديَّة وما في المعادن والجبال والينابيع وحركة الأرض ووضع المسكونة؛ الخامس كتاب الآثار العلويَّة ويُسمَّى مترولوجيا، يتضمَّن أربعة أبواب وفيها يتكلَّم على الأحوال التي تعرض في العناصر الأربعة وتأثير السماوات والشهب والغيوم والصواعق والرياح والزلازل والبحار والجبال؛ السادس كتاب النبات، في أربعة أبواب، يبحث عن الكائنات النامية؛ السابع كتاب الحيوان، بأبوابه الستَّة، وفيه يعرف طبائع الحيوان وحال الكائنات الحيوانيَّة؛ الثامن كتاب النفس، في أربعة أبواب وهو يشتمل على معرفة النفس والقوى الداركة والمحرّكة التي في الحيوان وخصوصًا في الإنسان.

 

ويبقى الجزء الثاني من المجلَّد الأوَّل الذي يتضمَّن خمسة كتب: الفلسفة، العلم الإلهيّ ويسمّى أيضًا ما بعد الطبيعة وهو القسم النظريّ، والإيثيقيون، أي كتاب الأخلاق أو الحكمة الخلقيَّة وهو القسم العلميّ، تدبير الذات والمنزل، سياسة المدن(21).

 

  1. الآثار اللاهوتيَّة

 

كان ابن العبريّ أسقفًا ورئيس أساقفة، وكان أوَّل همومه تثقيف كهنته ورهبانه ليعلِّموا بدورهم الشعب المؤمن. لهذا صرف معظم وقته في تدبيج الكتب اللاهوتيَّة، فتطرَّق إلى الكتاب المقدَّس، وإلى ما نسمِّيه اللاهوت النظريّ أو التعليم في العقيدة، وإلى ما نسمِّيه اللاهوت الأدبيّ أي التعليم في الأخلاق والمسلك المسيحيّ والنسكيّات.

 

أ) مخزن الأسرار (أوصر روزي)

 

مخزن الأسرار مجلَّد ضخم فسَّر فيه ابن العبريّ أسفار العهدين القديم والجديد وفرغ من تدوينه سنة 1278(22). هذا المصنَّف لم يزل مخطوطًا، نَشر منه المستشرقان سبرنكلن وغراهام المجلَّد الأوَّل الذي يبدأ بسفر التكوين وينتهي بسفر صموئيل الثاني فجاء في 363 صفحة بحجم كبير(23). ولقد طبع كذلك كيتش وبرنستين المقدِّمة وبعض الشروح لمقاطع من سفر أيّوب في مختارات سريانيَّة(24)، وكان قد سبقهما العلاّمة يوسف شمعون السمعانيّ فنشر مقتطفات ونقلها إلى اللاتينيَّة(25). ثمَّ إنَّ الطلاّب الجامعيّين الألمان درسوا مخزن الأسرار، ونقلوا بعض أجزائه إلى اللاتينيَّة أو إلى الألمانيَّة بشكل أطروحة دكتورا. ونذكر على سبيل المثال أنَّ لارساو عُني في ليبزيغ بشرح الفصلين الأوَّلين من سفر التكوين، وأنَّ كلامروث اهتمَّ بأعمال الرسل والرسائل الكاثوليكيَّة، وأنَّ شوارتز درس إنجيل يوحنّا، وسبانوث إنجيل متّى(26).

 

هذا الكتاب الذي سخَّر له علمه بأسره تناول أسفار العهد القديم كلِّه، القانونيَّة الأولى والقانونيَّة الثانية(27)، وأسفار العهد الجديد، ولم يستثنِ منها إلاَّ سفر الرؤيا لأنَّ التقليد السريانيّ لم يجعله في رتبة سائر الكتاب القانونيَّة.

 

في هذا الكتاب الذي تعدَّدت نسخاته المخطوطة فأنافت على العشرين(28)، عاد ابن العبريّ إلى السبعينيَّة والبسيطة وأفاد من الحرقليَّة والهكسبلة(29) واستشهد بالأرمنيَّة والقبطيَّة ليضبط النصَّ الذي يفسِّر، فشرح الآيات مستندًا إلى تفاسير الأقدمين أمثال أوريجان المصريّ وأوسيب القيصريّ، وأثناز الإسكندرانيّ وأفرام السريانيّ وغريغوار النازينزيّ وفيلوكسين المنبجيّ وسويريوس الأنطاكيّ وغيرهم. غير أنَّه لم يقرأ مباشرة هذه النصوص بل وجدها في شُرّاح السريان السابقين. وهنا نشير إلى أنَّ ابن العبريّ يقف على مفترق طريقين: الطريق النسطوريَّة من تيودور بركوني وإسكوليّاته(30) التي جمعها في نهاية القرن الثامن، إلى المسائل المختارة لإيشوع برنون (+828) إلى إيشوعداد المروزيّ وحنانيشوع برسروشويه، إلى الشرح المجهول الاسم، إلى جنَّة الأطياب (أو: جنّة النعيم)، والطريق السريانيَّة ابتداءً من تيودور المبسوسطيّ وفيلوكسين المنبجيّ (+523) إلى يعقوب الرهاويّ (+708) وموسى بركيفا وديونيسيوس الصليبيّ.

 

شرح ابن العبريّ الكتاب المقدَّس شرحًا لفظيٌّا ولغويٌّا، وهذا ما نسمِّيه المعنى الحرفيّ، وشرحه شرحًا روحيٌّا ورمزيٌّا فاكتشف في نصوصه المعنى النهائيّ للكتاب وهو يسوع المسيح وكنيسته.

 

ب) منارة الأقداس

 

منارة الأقداس موسوعة كبيرة تحتوي عرضًا شاملاً للتعاليم الأرثوذكسيَّة، وسيوجزها ابن العبريّ في كتاب الأشعَّة(31). أمّا نحن فنتحدَّث عن منارة الأقداس.

 

هذا الكتاب الذي ذكره السمعانيّ في حديثه عن المكتبة الشرقيَّة الفاتيكانيَّة وصل إلينا في مخطوطات عدَّة توزَّعت بين الشرق والغرب. الأوَّل مخطوط الفاتيكان (عدد 168) يعود إلى القرن الرابع عشر وهو أفضل المخطوطات التي نَقلت إلينا منارة الأقداس لكتابته الواضحة ونصِّه الصحيح الذي لا تشويه فيه. الثاني مخطوط برلين (رقم 190) الذي دوَّنته يدان مختلفتان واحدة سنة 1430، وأخرى سنة 1693، فجاء قريبًا من مخطوط الفاتيكان. ودُوِّن مخطوط فلورنسا في عمودين (سنة 1387) بخطٍّ جميل مع بعض الكلمات المشطوبة والتصحيحات. ويعود مخطوط كمبريدج بإنكلترا إلى القرن الخامس عشر وهو يرتبط بمخطوط فلورنسا، والأخطاء مشتركة ما بينهما. والخامس مخطوط باريس (رقم 210) يعود إلى سنة 1404، كُتب بخطٍّ كبير واضح. تشوَّهت بعضُ كلماته فحاول أحد النسّاخ تصحيحها في ما بعد (سنة 1587). يرتبط مخطوط باريس في بعض عناصره بالفئة الأولى الممثَّلة بمخطوط الفاتيكان ومخطوط برلين، وفي بعضها الآخر بالفئة الثانية الممثَّلة بمخطوط فلورنسا وكمبريدج. ويجدر القول إنَّه منه انطلقت الترجمات العربيَّة لمنارة الأقداس في القرنين السابع عشر والثامن عشر.

 

هذا في الغرب، أمّا في الشرق فهناك مخطوط دير القدّيس مرقس بأورشليم القدس الذي دُوِّن سنة 1590 فجاء ببعض موادِّه قريبًا من مخطوطي الفئة الأولى، ومخطوط مطرانيَّة السريان الأرثوذكس في بيروت الذي يعود إلى القرن الرابع عشر ومخطوط الحسَكة في الجزيرة الذي يعود إلى سنة 1405.

 

نقل كتابَ منارة الأقداس إلى العربيَّة الشمّاس سرجين ابن الأسقف يوحنّا بن غرير الدمشقيّ وتوزَّعت نسخاته على المكتبة الوطنيَّة بباريس (سنة 1656) والمكتبة البودليّة في أوكسفورد (سنة 1656) ومكتبات لندن وكمبريدج، والشرفة والشرقيَّة في لبنان.

 

تتألَّف منارة الأقداس من اثني عشر ركنًا أو بابًا، وكلُّ باب يتضمَّن فصولاً وأقسامًا.

 

الباب الأوَّل: العلم بوجه العموم وفيه فصلان، يتطرَّق الفصل الأوَّل إلى إمكانيَّة اقتناء العلم، والفصل الثاني إلى المنطق. بعد مقدِّمة دوَّنها ابن العبريّ فأبان فيها أنَّ عصره يستخفُّ بالإيمان الحقِّ والعلم الحقّ، يعلن هو أنَّ هذا ما دفعه إلى جمع تعاليم الفلسفة والعلوم والطبيعة في موسوعة ونقدها وتمحيصها بطريقة فلسفيَّة. أمّا هدف الباب الأوَّل فهو القول بأنَّ قمَّة الكمال هي عند الإنسان، الكائن العاقل الباحث عن العلم الذي نقتنيه عن طريق الحواسّ والعقل. ويورد ابن العبريّ الشواهد المأخوذة من الكتاب المقدَّس والآباء المعلِّمين من يونان وسريان. وبعد أن يرسم صورة عن الإنسان المثاليّ يرُدُّ على أعداء الحكمة وعلى الرافضين حقيقة العلم بواسطة الحواسّ والعقل(32).

 

ويصف الكاتبُ في الباب الثاني العالمَ كما خُلق في ستَّة أيّام. عاد ابن العبريّ إلى الأدب السريانيّ من خلال تعليم موسى بركيفا عن الستَّة أيّام فاستقى المادَّة اللاهوتيَّة. واستند إلى الفكر اليونانيّ فقرأ أرسطو عند السريان والعرب، ولم ينسَ كتبًا مثل تاريخ الهند للبيرونيّ، ومروج الذهب ومعادن الجوهر للمسعوديّ، وتقويم البلدان لأبي الفداء. في الفصل الأوَّل يعالج قضيَّة العالم الأزليّ ويعتبر أنَّه مرتبط بالزمن، وفي الفصل الثاني يتطرَّق إلى زوال العالم، وفي الفصل الثالث يعدِّد الخلائق التي كوَّنها الله(33).

 

الباب الثالث يتحدَّث عن اللاهوت: تأكيد وجود الخالق، واجب الوجود والمعبود في كيانه، الله الأزليّ الدائم، الله الخالق الذي لا جسم له مع أنَّنا نقول عنه إنَّه يَسمع ويَرى. الخالق يعرف ذاته وكلَّ الخلائق، هو لا يُرَى بعين الجسد، وهو الخفيّ الذي لا يُدرك. ويُعلن ابن العبريّ أنَّ الله واحد وأنَّه مثلَّث الأقانيم في طبيعة واحدة. وهذا يعني أنَّ الابن والروح القدس ليسا مخلوقين كما يقول أتباع آريوس ومقدونيوس، بل مساويان للآب في الجوهر(34).

 

ويتطرَّق ابن العبريّ في الباب الرابع إلى سرِّ التجسُّد وإمكانيَّة حدوثه فيعود إلى المحصول في الفقه لفخر الدين الرازيّ ليدافع عن عقيدته من الوجهة العقليَّة. ويورد النبوءات والمعجزات التي تسند عقيدة التجسُّد(35). وفي الباب الخامس يبرهن عن وجود الملائكة وعن عددهم وخلقهم وطبيعتهم ودورهم في مخطَّط الله، فيستند إلى ديونيسيوس المنتحَل الذي يُعتبر حجَّةً عند اليعاقبة ويوحنّا الدمشقيّ في كتابه الإيمان الأرثوذكسيّ وموسى بركيفا في كتابيه خلق الملائكة والرتب الملائكيَّة اللذين ضاعا في السريانيَّة ووُجدا في العربيَّة في مكتبة كمبريدج. ويستفيد ابن العبريّ أيضًا من الفلاسفة العرب ولاسيَّما الفارابي وابن سينا(36).

 

بعد الباب السادس الذي يتحدَّث عن الكهنوت(37) يعود ابن العبريّ في الباب السابع إلى كائنات روحيَّة أخرى هم الأرواح الشرّيرة: وجودهم وطبيعتهم. يورد الكاتب آراء المانويّين الذين يعتبرون الشرَّ كائنًا يواجه إله الخير، وأولئك القائلين بعدم وجود الشياطين فيردَّ عليهم راجعًا إلى البراهين العقليَّة وتلك المأخوذة من الكتب المقدَّسة(38). موضوع الباب الثامن، النفس العاقلة(39) والباب التاسع، الحرِّيَّة والإرادة. هنا يتحدَّث الكاتب عن الخير والشرّ، عن العناية الإلهيَّة والإرادة الإلهيَّة، عن حرِّيَّة الإنسان ونهاية حياته(40). موضوع الباب العاشر، إحياء الموتى أو قيامة الأجساد(41). في هذا الباب ثلاثة فصول، الفصل الأوَّل: عودة الفاني إلى الوجود والأمر ممكن رغم معارضة المعارضين؛ الفصل الثاني: القيامة أو تجديد الأجساد البشريَّة التي تقوم حقٌّا يوم القيامة. قال الكتاب: »أنا المميت وأنا المحيي«(42)، وقال أيضًا: »ها أنت تصنع للأموات عجائب فيقوم الجبابرة ويمدحونك والذين في القبور يحدِّثون بنعمتك«(43)، وقال أيضًا: »أمواتك يحيون وجثثهم تقوم«(44). ويورد مقال الصادوقيّين الذين يُنكرون قيامة الموتى ويردُّ عليهم. وفي الفصل الثالث يتطرَّق الكتاب إلى المسألة التالية: كيف تكون الأجساد عندما تقوم؟

 

في الباب الحادي عشر وعنوانه النهاية والدينونة ومجازاة الأخيار والأشرار(45)، يتوقَّف ابن العبريّ عند علامات نهاية الأزمنة، عند سعادة الأخيار وشقاء الأشرار، عند ارتباط الإيمان بالأعمال والمجازاة في العالم الآخر. والباب الثاني عشر عنوانه: فردوس عدن والنظريّات المتعلِّقة بحالة السعادة(46). الفردوس أين يوجد وكيف تكون الحياة فيه؟ ماذا نعني بشجرة الحياة، وشجرة معرفة الخير والشرّ والحيَّة التي أغوت بيت آدم؟

 

  1. في اللاهوت الأدبيّ

 

نتوقَّف في هذا المجال عند ثلاثة كتب تجمع بين القوانين والأخلاق والنسكيّات. وهذه الكتب هي: النوموكانون أو كتاب التوجيهات (كتوبو درمزي)، الإيثيقون أو علم الأخلاق، الحمامة (كتوبو ديونو) وهو مختصر في ترويض النسّاك.

 

أ) النوموكانون

 

النوموكانون أو مجموعة القوانين اسمه في السريانيَّة كتوبو دهودويي أو كتاب الهدايات في الشرع الدينيّ والمدنيّ. نشره في السريانيَّة(47) الأب بول بيجان اللعازريّ سنة 1898 ونقله إلى العربيَّة دانيال بن الخطّاب (+ 1382) تحت عنوان القوانين البيعيَّة كما نقله يوحنّا بن غرير (نهاية القرن السادس عشر) وأسماه الهدايات، وفيلوكسين يوحنّا الدولبانيّ سنة 1929 وأسماه الهدى أو الهدايات، ولكن هذه الترجمات لا تزال مخطوطة. يقع كتاب الهدايات هذا في أربعين فصلاً نورد بعضًا منها: العماد، الميرون، القربان، الأصوام والأعياد، الجنائز، الدرجات والرتب الكهنوتيَّة، الأملاك والزواج، الوصايا، الوراثة، البيع والشراء…

 

يَرجع ابن العبريّ في كتابته إلى تعليم أداي ومجامع أنقره ونيوقيساريَّة ونيقية وأنطاكية واللاذقيَّة وقسطنطينيَّة وسليق وخلقيدونيا، ويستفيد ممّا كتبه الآباء الأقدمون: إقليميس، ديونيسيوس الأثينيّ، وفيلوكسين ويوحنّا التلّي وسويريوس الأنطاكيّ ويعقوب الرهاويّ. كما نقل قوانينَ وجدَها عند البطاركة السريان أمثال جرجس الأوَّل (758-790) وقرياقس (793-817) وديونيسيوس الأوَّل التلمحريّ (818-845) وميخائيل الأوَّل الكبير (1166-1199) وغيرهم.

 

ب) الإيثيقون

 

الإيثيوقون أو علم الأخلاق لحسن السلوك في الدين والدنيا. أتمَّ ابن العبريّ تأليفه بمراغة في 15 تمّوز 1279 ونشره بول بيجان(48) ونقله إلى العربيَّة داود الحمصيّ ويوحنّا بن غرير. وهاتان الترجمتان لا تزالان مخطوطتين، ونقله أيضًا المطران بولس بهنام ونشره في مجلَّة المشرق الموصليَة قبل أن ينشره على حدة في القامشلي سنة 1967.

 

يُقسَم الكتابُ إلى أربعة أبواب، الباب الأوَّل: تنظيم الحركات التي تساهم في تهذيب الجسد وقمعه (الصلاة، السهر، الطقوس، الألحان، الأصوام، العزلة، الحجّ إلى أورشليم)؛ الباب الثاني: أعمال الجسد من أكل وشرب وزواج شرعيّ وطهارة جسديَّة وواجبات الحال والأشغال اليدويَّة والصدقة؛ الباب الثالث: الأهواء المنحرفة وكيفيَّة التخلُّص منها: تهذيب النفس، الشراهة، العهارة، خطايا اللسان…؛ الباب الرابع: تزيين النفس بأنواع الفضائل: كيف نكتسب فضائل العلم والإيمان والصبر…

 

الباب الأوَّل والثاني يتوجَّهان إلى جميع المسيحيّين، أمّا الثالث والرابع فإلى طلاّب معرفة الله عن طريق النسك والتوحُّد.

 

تأثَّر ابن العبريّ في كتاب الإيثيقون هذا بإسحق النينويّ ويوحنّا الدلياتيّ ويوحنّا رئيس الدير أو يوحنّا السلَّميّ وبالأخصّ بالأنبا أواغريس الذي يمثِّل الحركة الأوريجانيَّة المتطرِّفة، كما تأثَّر بالمواضيع التي طرقها الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين.

 

ج) كتاب الحمامة

 

آخر ما ألَّفه ابن العبريّ كتاب الحمامة (كتوبو ديونو) وهو مختصر في ترويض النسك. أنشأه باقتراح بعض عشّاق النسك وأسماه الحمامة رمزًا إلى الروح القدس الذي يعمل في قلوب الكاملين. نشره الأب بول بيجان في باريس وليبزيغ بعد كتاب الإيثيقون(49)، والأب قرداحي في رومه سنة 1898، ويوحنّا دولبانيّ في دير الزعفران سنة 1916، والمطران شيشق في هولنده سنة 1983. نُقل إلى العربيَّة سنة 1299 وسُمِّي كتاب الورقاء في علم الارتقاء، ونقله أيضًا الخوري يوحنّا بن غرير الزربابيّ الشاميّ في منتصف القرن السابع عشر. ثمَّ نقله الأب يوسف حبيقه ونشره في مجلَّة المشرق البيروتيَّة(50)، ونشر البطريرك زكّا عيواص النصَّ السريانيّ مع ترجمته العربيَّة في بغداد(51).

 

يُقسَم كتابُ الحمامة إلى أربعة أبواب، الباب الأوَّل: التمارين الجسديَّة الواجب القيام بها في الدير؛ الباب الثاني: العمل الروحيّ في القلاّية؛ الباب الثالث: في الراحة الروحيَّة التي تغمر النفس وكأنَّها تغطِّيها بالسحاب حيث يسكن الربّ؛ الباب الرابع: قسم شخصيّ يتحدَّث فيه المؤلِّف عن كيفيَّة عودته إلى الخير والصلاح بقراءة كتابات أواغريس والنسّاك الآخرين. وفيه يشبه ابنُ العبريّ الغزاليّ في كتابه المنتقذ من الضلال. ويضيف الكاتب إلى القسم الرابع مئة حكمة عبَّر فيها بطريقة مكثَّفة عن اختباراته الروحيَّة السامية.

 

  1. المصنَّفات التاريخيَّة

 

يضيق بنا المقام إن نحن توقَّفنا عند مصنَّفات ابن العبريّ النحويَّة – وقد وضع في هذا المجال كتاب الأضواء وكتاب الغراماطيق – أو عند مصنَّفاته الشعريَّة التي تدور حول الوصف والحكَم والإخوانيّات. ولذا ننتقل حالاً إلى المصنَّفات التاريخيَّة التي هي أهمُّ آثار ابن العبريّ وأدعاها لتقدير علماء العصر. نتحدَّث عن تاريخ الزمان، والتاريخ الكنسيّ، وتاريخ مختصر الدول.

 

ترك لنا ابن العبريّ في السريانيَّة مؤلَّفًا واحدًا فسيحًا هو التاريخ (مكتبنوت زبني). يُقسم إلى قسمين الواحد دينيّ والآخر مدنيّ. إلاَّ أنَّه فُصل بينهما في الطبعات الحديثة فكان منهما كتابان مستقلاّن: التاريخ السريانيّ أو تاريخ الزمان والتاريخ الكنسيّ. وأخذ الكاتب بالأسلوب المتَّبع في عصره، والذي كان يقضي بأن تُجمع في عهد الملك الزمنيّ أو الرئيس الدينيّ، أشهر الأحداث والمعلومات المتنوِّعة، حتّى الأخبار والنوادر. وإليك على سبيل المثال ما حدث في أيّام الخليفة العبّاسي الناصر بن المستضيء الذي بدأت خلافته سنة 1180 وانتهت سنة 1225. لما بُويع بالخلافة قبض على الوزير ابن العطّار وزجَّه في السجن… وفي سنة 1181 زحف صلاح الدين ليناوش السلطان قلبح… الذي كان يسيء معاملة زوجته… وفي تلك الغضون سرَّح البرنس صاحب أنطاكية امرأته اليونانيَّة الشرعيَّة واتَّخذ امرأة زانية… وفي تلك السنة مات سيف الدين… صاحب الموصل… وفي السنة 1181 مرض الملك الصالح إسماعيل صاحب حلب…(52).

 

أ-تاريخ مختصر الدول

 

امتدَّت كتابة التاريخ العام حتّى سنة 1285، ولكنَّه كان في السريانيَّة فرغب إليه بعض أصدقائه من وجهاء العرب في مراغة أن ينقل إلى العربيَّة تاريخه السريانيّ فلبّى الطلب وأقبل على العمل فأتمَّه إلاَّ بعض صفحات منه في نحو شهر، بإنشاء على جانب من التهذيب والوضوح متوخِّيًا فيه الاختصار. إلاَّ أنَّه ضمَّنه أمورًا كثيرة لا تُوجَد في المطوَّل السريانيّ ولاسيَّما في ما يتعلَّق بدولتَي الإسلام والمغول، وتراجم العلماء والأطبّاء خاصَّة. وهكذا كان لنا من يد ابن العبريّ بالذات تاريخ مختصر الدول(53).

 

يذكر ناشر الكتاب الأب صالحانيّ في مقدِّمة الطبعة الأولى أنَّ هذا التاريخ طُبع لأوَّل مرَّة سنة 1663 في مدينة أوكسفورد بالعربيَّة واللاتينيَّة بمراجعة العلاّمة بولوك(54)، ونُقل إلى الألمانيَّة سنة 1783 على يد العلاّمة باور. »ولمّا عزَّ الآن وجود الطبعة الأولى، يقول الأب صالحانيّ، استفزَّتنا محبَّة هذه البلاد إلى إعادة طبع هذا التاريخ«. قابل المخطوطات بعضها ببعض فتسنّى له أن يكمِّل ما كان من النقص في النسخة المطبوعة في أكسفورد.

 

وندخل في بداية كتاب تاريخ مختصر الدول منطلقين ممّا قاله ابن العبريّ: »وبعد فهذا مختصرٌ في الدول قصدت في اختصاره الاقتصار على بعض ما أُوتي في ذكره اقتصاص إحدى فائدتي الترغيب والترهيب من أمور الحكّام والحكماء خيرها وشرّها على سبيل الالتقاط من الكتب الموضوعة في هذا الفنّ بلغات مختلفة سريانيَّة وعربيَّة وغيرها مبتدئًا من أوَّل الخليقة ومنتهيًا إلى زماننا. وهو مرتَّب على عشر دول داولها الله تعالى بين الأمم فتداولها تداولاً بعد تداولب55. ويبدأ الكاتب من دولة الأولياء، من آدم إلى قضاة بني إسرائيل وملوكهم إلى الكلدانيّين واليونان والعرب المسلمين حتّى يصل إلى ملوك المغول.

 

ب- التاريخ الكنسيّ

 

وقبل أن نرجع إلى تاريخ الزمان، نقول كلمة في التاريخ الكنسيّ الذي نشره أبيلوس ولامي في لوفان(56)، ونقلاه إلى اللغة اللاتينيَّة. كما نقل القسّ إسحق أجزاء منه إلى اللغة العربيَّة في المشرق البيروتيَّة(57).

 

يتطرَّق التاريخ الكنسيّ إلى التاريخ الدينيّ والكنسيّ في الشرق وهو يُقسم إلى قسمين: يبدأ القسم الأوَّل بذكر أحبار العهد القديم منذ هارون ويواصل سلسلة بطاركة أنطاكية المونوفيسيّين (أي السريان أصحاب الطبيعة الواحدة) منذ سويريوس الأنطاكيّ أي منذ سنة 512. في هذا القسم يرتبط ابن العبريّ بميخائيل السريانيّ الكبير ويكاد ينقل تاريخه نقلاً حرفيٌّا. أمّا القسم الثاني من التاريخ الكنسيّ فيتطرَّق إلى الكنيسة السريانيَّة الشرقيَّة منذ بداية النسطوريَّة في القرن الرابع الميلاديّ فيورد سلسلة الجثالقة والبطاركة النساطرة المقيمين في ساليق وقطيسفون وسلسلة المفارنة المونوفيسيّين المقيمين في تكريت. هذا القسم الثاني هو مصدر مهمّ جدٌّا لمعرفة تاريخ الكنيسة السريانيَّة في الشرق. وكما عاد ابن العبريّ في القسم الأوَّل إلى البطريرك ميخائيل السريانيّ، عاد في القسم الثاني إلى ماري بن سليمان (القرن الثاني عشر) في كتابه المجدل الذي وضعه بالعربيَّة.

 

نشير هنا إلى أنَّ ابن العبريّ واصل هذا التاريخ إلى سنة 1285، ثمَّ جاء أخوه المفريان برصوم فأكمله إلى سنة 1288، وبعد ذلك واصل الكتابة فيه أدي السبيرينيّ حتّى سنة 1496.

 

ج- تاريخ الزمان

 

هذا الكتاب لقي اهتمام المؤرِّخين منذ القرن الثامن عشر فنشروا منه مقاطع عديدة ونقلوها إلى اللغات اللاتينيَّة والفرنسيَّة والإنكليزيَّة والألمانيَّة(58). ثمَّ نُشر كاملاً على يد الأب بول بيجان(59) ونقله إلى الإنكليزيَّة العلاّمة واليس(60) وإلى العربيَّة القس إسحق أرملة(61).

 

يبدأ تاريخ الزمان أو التاريخ المدنيّ بعهد آدم ملك الأرض كلِّها. وينقلنا ابن العبريّ إلى عهد الآباء، نوح وإبراهيم وإسحق ويعقوب، ثمَّ إلى القضاة مثل جدعون ويفتاح وشمشون فيصل بنا إلى عهد داود الملك وخلفائه. بعد هذا ننتقل إلى مملكة الكلدان فمملكة الفرس الأولى أي الأخيمينيّين فإلى عهد الإسكندر فالبطالسة حتّى كليوبترا، فإلى عهد أوغسطس. ومنذ عهد الهجرة يحتلُّ الخلفاء المسلمون محلَّ الأباطرة البيزنطيّين بانتظار أن يُفسحوا المجالَ لملوك المغول والتتر الذين عاش ابن العبريّ في أيّامهم.

 

ونستفيد من المقدِّمة التي دوَّنها الأب فيّيه في بداية تاريخ الزمان فنقول كلمة في ابن العبريّ المؤرِّخ. فهو على غرار ما نجده عند المؤرِّخين العرب كابن العميد في المجموع المبارك والتاريخ لابن الأثير وتاريخ الأمم والملوك لأبي جعفر الطبريّ، يورد ما حفظه من أعمال سابقيه ثمَّ يضيف معلومات تتناول الحقبة المعاصرة له. لم يكن ابن العبريّ أوَّل من كتب في التاريخ بين السريان. فقد سبقه بطريرك أنطاكية ميخائيل الأوَّل الملقَّب بالسريانيّ الكبير الذي وصل بتاريخه إلى سنة 1196، والرهاويّ المجهول الذي كتب حتّى سنة 1234؛ هذا فضلاً عن الذين يذكرهم البطريرك ميخائيل وهم يوحنّا الأفسسيّ ويعقوب الرهاويّ وديونيسيوس التلمحريّ وديونيسيوس الصليبيّ وغيرهم. يبدو أنَّ ابن العبريّ لم يستفد كثيرًا من الرهاويّ المجهول، ولكنَّه أكمل تاريخ ميخائيل السريانيّ حتّى سنة 1285(62).

 

لم يعش ابن العبريّ في عزلة بعيدًا عن الملوك والأمراء. فأبوه كان طبيبًا لأحد قادة المغول، ولمّا صار صاحب المقام الأعلى لكنيسته في المملكة المغوليَّة اعترف المغول بسلطته وأعطوه وثيقة بذلك، وبفضل هذه الوثيقة شارك في احتفالات البلاط الرسميَّة وبالأخصّ في تنصيب الخان أحمد تكودار. ثمَّ إنَّه خلال إقامته في مراغة، إحدى عواصم المغول، استفاد من مكتبتها ووثائقها فدوَّن تاريخ حقبة هامَّة. ولم يكمِّل أحد تاريخ المغول بعده حتّى قام بتلك المهمَّة المؤرِّخ رشيد الدين الطبيب والسياسيّ الإيرانيّ المتوفّى سنة 1318.

 

الخاتمة

 

تحدَّثنا وأطلنا الحديث عن غريغوار أبي الفرج ابن العبريّ، والموضوع واسع. فهو المفكِّر الذي اكتنه الفلسفة اليونانيَّة فروى أخوه عن بعض المسلمين قولَهم: »كلَّما سمعوا المفريان غريغوار يشرح لهم قضيَّة يتصوَّرون أنَّهم يتلقَّون العلم مباشرة عن أرسطو نفسه«. وهو اللاهوتيّ الذي شبَّهه المستشرقون بالقدّيس ألبرتُس الكبير أو القدّيس توما الأكوينيّ ففاقهما بسعة معارفه وتشعُّبها. وهو المؤرِّخ الذي نقل تاريخ ميخائيل السريانيّ مضيفًا إليه تسعين سنة فأعطانا عن المغول خاصَّة فكرة صحيحة لم نكن لنصل إليها لو أنَّنا اكتفينا بالمؤرِّخين العرب.

 

قالوا فيه إنَّه كتب في كلِّ مطلَب وفنٍّ فنقصه الاختصاص الذي هو شرط أساسيّ في تقدُّم العلم الإنسانيّ. ولكنَّهم نسوا أنَّه المعلِّم لشعبه والراعي الذي يهمُّه تثقيف القطيع ثقافة تساعده على عيش إيمانه والردِّ على المعارضين لهذا الإيمان. من أجل ذلك عرض ابن العبريّ للمعارف التي تمثَّلها بسرعة ودقَّة، فأمكنه إخراجها بترتيب ووضوح في مختلف الميادين التي جال فيها نشاطه العجيب. هو الذي عاش في حقبة من القلاقل والاضطرابات تضاءلت فيها المعرفة وانحطَّت الدراسات العلميَّة. كان عليه واجب استخلاص كنز السريان الثمين وتنسيقه ونشره للأجيال المقبلة، فوُفِّق إلى ذلك واستحقَّ تكريم اللاحقين فسمُّوه: علم الهدى وكهف التقى وتاج الأمَّة وإمام الأئمَّة وأعجوبة من أجلِّ أعاجيب الدهر

 

(*) ظهر هذا المقال في المسرة 73 (1987) ص 51-72.

 

(1) يطلعنا ابن العبريّ على نواحٍ كثيرة من حياته. راجع تاريخه الكنسيّ، الجزء الثاني، ص 431؛ راجع أيضًا سيرته المنظومة ومقالة فيه للشمّاس بهنام حبوكني. مكتبة فلورنسا، عدد 208.

 

(2) F. NAU, Bar Hébraeus, in Dict. de Théologie Catholique IX, (Paris, 1932), col. 402; J. B. CHABOT, Littérature Syriaque, Paris, 1934, p. 131

 

بولس موترد، »ابن العبريّ« في دائرة المعارف (المجلّد الثالث). بيروت، لبنان، 1960، ص 352.

 

(3) رج اغناطيوس أفرام الأوَّل برصوم، كتاب اللؤلؤ المنثور في تاريخ العلوم والآداب السريانيَّة، طبعة أولى بحمص 1943، طبعة ثانية بحلب 1956، ص 511-512.

 

(4) راجع ديوان ابن العبريّ، دير مار مرقس، القدس، 1929، ص 71.

 

(5) الأب ألبير أبونا، أدب اللغة الآراميَّة، بيروت، 1970، ص 494.

 

(6) Bonn, 1922, p. 313. Geschichte der Syrischen Literatur, A. BAUMSTARK,

 

(7) راجع تاريخ الزمان لأبي الفرج جمال الدين ابن العبريّ، دار المشرق، بيروت، 1986، ص 313-316، نقرأ في ص 316: »وبعدما احتلَّ التتر المدينة (حلب) حينئذٍ فتحوا (السكّان) أبواب القلعة وانحدروا. وأمر ملك المغول فقُتلوا بأسرهم رجالاً ونساءً وبنات ورضعانًا ولم يفلت منهم إلاَّ رجل حدّاد أرمنيّ«.

 

(8) I. ZIADE, Eglise Syrienne, Dict. de Théologie Catholique, 14 (Paris, 1941), col. 3072-3073.

 

(9) J. S. ASSEMANI, Bibliotheca Orientalis, II (Rome, 1721), p. 254- ) (255.

 

(10) أسِف لموته السريان والنساطرة والأرمن وحتّى المسلمون أنفسهم. وأمر يبلاها جميع مسيحيّي مراغة أن يمتنعوا عن العمل يوم الجنازة ويلبسوا الحِداد على ركن النصرانيَّة هذا. رج ألبير أبونا، المرجع المذكور، ص 497.

 

(11) الأب لويس شيخو، »مقالة مختصرة في النفس البشريَّة لابن العبريّ«، المشرق، 1898، ص 745-749، 827-833، 934-938، 1084-1087، 1113-1120. وقد أوجز الأب بولس سباط هذه الرسالة في مجلَّة الشرق المسيحيّ. Revue de l’orient Chrétien, 22 (1920-1921) 197-198.

 

(12) بولس موترد، المرجع المذكور، دائرة المعارف، ص 354.

 

(13) رج ما كتبه فؤاد افرام البستانيّ بصددها في مجلَّة المشرق البيروتيَّة، 33 (1935)، ص 639-640.

 

(14) رج المجلَّة البطريركيَّة، 5 (1938)، ص 79-97، 113-137، 169-192، 225-243.

 

(15) نُقلت إلى الألمانيَّة , Leipzig, 1918.Buch der Pupillen K. STEYER, ونُشرت في شيكاغو ونُقل منها إلى الإنكليزيَّة المقدِّمة والفصول الثلاثة الأولى H. F JANSSENS,

 

“Bar Hebraeus Books of the Pupils of the Eye” in the American Journal of Semitic Languages and Literatures 47 (1930), p. 26-49; 94-134; 48 (1931), p. 209-263; 52 (1936), p. 1-21.

 

(16) رج المجلَّة البطريركيَّة، 7 (1940)، ص 224، ومجلَّة النجم الموصليَّة، 1 (1938)، ص 277. يظنُّ الأب فيّيه الدومينيكانيّ أنَّ ترجمة النصِّ الذي نشره برصوما يعود إلى القرن الرابع عشر. نُقل نصُّ حديث الحكمة إلى الفرنسيَّة بعنوان: L’entretien de H. F. JANSSENS Trad. franc. et comm., Liège-Paris, 1937.la sagesse

 

(17) مخطوط كمبريدج (عدد 2003). ونشير أيضًا إلى مخطوط فلورنسا (عدد 200) الذي يعود إلى القرن الرابع عشر، ومخطوط القدس (عدد 231) الذي خُطَّ سنة 1574.

 

(18) في مخطوط برمنغام (عدد 45) نقرأ في نسخة بخطِّ المطران إفريم القوبمي أنجزها عام 1575، أنَّ الكتاب نُقل من العربيَّة إلى السريانيَّة. رج اللؤلؤ المنثور، ص 420.

 

(19) هناك نسخة في خزانة فلورنسا نقلها يوحنّا بن باخوس في برطلة عام 1278، وأخرى في كندناط من بلاد الملابار في الهند بخطِّ الراهب القس توما الكليبينيّ سنة 1547، ونسخة باريس سنة 1633، والفاتيكانيَّة سنة 1654، ونسخة في بطريركيَّة السريان الأرثوذكس تعود إلى سنة 1907. صفحات هذا الكتاب 218 بالقطع الكبير والخطِّ الدقيق.

 

(20) رج اللؤلؤ المنثور، ص 417-418.

 

(21) فصول هذا المجلَّد 232، وصفحاته 586.

 

رج H. F. JANSSENS, “Crème de la science ou Science des Sciences”, le vrai titre d’un ouvrage de Bar Hebraeus, dans Le Muséon, 43 (1930), p. 365-372..

 

(22) يقول اغناطيوس برصوم في اللؤلؤ المنثور، ص 514 إنَّ ابن العبريّ دوَّن بخطِّ يده على مخطوط يبدو أنَّه الآن في لندن أنَّه أنهى تدوين مخزن الأسرار سنة 1278، ولكنَّه يفضِّل الرأي الذي يقول إنَّه انتهى من تدوينه في 15 كانون الأوَّل 1271. رج Anciennes littératures R. DUVAL,

 

, II, La Littérature syriaque, Paris, 1907, p. 69.Chrétienne

 

(23) M. SPRENGLING – W. C. GRAHAM, Barhebrei Scholia on the Old Testament, (Genesis-Sammel II), Chicago, 1931.

 

(24) G. KITSCH & G. H. BERNSTEIN, Barhebraeus in Horreum mysteriorum premium in Chrestomathia Syriaca, Leipzig, 1832, p. 143-145, Scholia in Jobum, ibid, p. 186-210; voir aussi N. P. WISEMAN, Horae Syriacae, Romae, 1828, où on lit la preface de “awsar razé”, le grenier des mystères.

 

(25) J. S. ASSEMANI, Bibliotheca Orientalis, vol. II, Rome, 1721, p. 274-284.

 

(26) كلُّ هذه المعلومات نجدها في:

 

  1. MOSS, Catalogue of Syriac printed Books and related Literature in the British Museum, London, 1962.

 

(27) القانونيَّة الأولى هي التي وصلتنا في اللغة العبريّة، والقانونيَّة الثانية هي التي وصلتنا في اللغة اليونانيَّة. فابن العبريّ شرح حتّى أسفار الحكمة والمكابيّين وهي من الأسفار القانونيَّة الثانية.

 

(28) خزانة فلورنسا عام 1275، مكتبة برلين خُطَّت سنة 1298، خزانة بطريركيَّة السريان الأرثوذكس في صدر القرن الرابع عشر.

 

(29) الترجمة السبعينيَّة هي أهمّ ترجمة يونانيَّة للعهد القديم، والبسيطة هي الترجمة السريانيَّة الأكثر شيوعًا عند السريان. الهكسبلة السريانيَّة نصُّ يستفيد من أبحاث أوريجان، والحرقليَّة نصٌّ سريانيّ للكتاب المقدَّس نقَّحه توما الحرقليّ في القرن السابع المسيحيّ.

 

(30) الإسكوليّات هي شروح مدرسيَّة

 

وعلى هذا ذهب بيترس إلى القول إنَّ ابن العبريّ كان نسطوريٌّا ثمَّ انتقل إلى مذهب السريان الأرثوذكس.

(31) يتألَّف كتاب الأشعَّة من عشرة أبواب: الخليقة، العلم اللاهوتيّ، التجسُّد، الملائكة، الأرواح الشرّيرة، النفس، الكهنوت، السلطة الذاتيَّة، نهاية العالم، الفردوس. هذا الكتاب ما زال مخطوطًا: المكتبة الفاتيكانيَّة (عدد 169) بخطِّ الراهب القسّ يشوع النجّار البليدري الحصكفي، وباريس (رقم 213) وقد خُطَّ سنة 1353، ولندن (عدد 1017) سنة 1364، ومكتبة دير الزعفران بخطِّ المفريان سليمان سنة ..1509. نشير هنا إلى أنَّ باب الفردوس قد نشر في مجموعة الباترولوجيّا الشرقيَّة، الجزء الأربعون، الكُتيِّب الثالث، الكرّاسة 184 (باريس 1981)، ص 461-503.

 

(32) Première base: Du savoir en general : JAN BAKOS, in Patrologia Orientalis (P.O), t. 22, fasc. 4, n. 110 (Paris, 1930), p. 509-541.

 

(33) Deuxième base: De la nature de l’univers: JAN BAKOS, id. p. 542-627, et P.O., t. 24, fasc. 3, n. 188, Paris, 1933.

 

(34) Troisième base: De la Théologie: FRANCOIS GRAFFIN, P.O., t. 27, fasc. 4, n. 133, Paris, 1957.

 

(35) Quatrième base: De l’incarnation: JOSEPH KHOURY, P.O., t. 31, fasc. 1, n. 148, Paris, 1965.

 

(36) Cinquième base: Des anges: ANTOINE TORBEY, P.O., t. 30, fasc, 4, n. 146, Paris, 1962

 

(37) Sixième base : Du sacerdoce : RADBERT KOHLHASS, Jakobitische Sakramententheologie im 13, Jahrhundert. Der Liturgiekommentar des Grégorius Barhebraeus (Liturgiewissenschaftliche Quellen und Forschungen Heft 36), Munster, 1959.

 

(38) Septième base: Des démons : MICHELINE ALBERT, P.O., t. 30, fasc. 2, n. 144, Paris, 1961.

 

(39) Huitième base: De l’âme raisonnable: JAN BAKOS, Psychologie de Grégoire Aboulfaradj dit Barhebraeus d’après la huitième base de l’ouvrage le Candélabre du Sanctuaire, Leiden, 1948.

 

(40) Neuvième base: Du libre-arbitre: PAUL-HUBERT POIRIER, P.O., t. 43, fasc. 2, n. 194, Paris, 1985.

 

(41) Dixième base: De la resurrection: ELISE ZIGMEUD-CERBÜ, P.O., Fasc 2, n. 164, Paris, 1969.

 

(42) تث 22: 39.

 

(43) مز 88: 10-11.

 

(44) إش 26: 19؛ رج أيضًا دا 12: 13؛ يو 5: 21؛ أع 22: 6؛ 2 كو 4: 1-11.

 

(45) Onzième base: Du jugement dernier: NICOLAS SED, P.O., t. 41, fasc. 3, n. 188, Paris, 1983.

 

(46) Douxième base: Du paradis: NICOLAS DED, P.O., t. 40, fasc. 3, n. 184, Paris, 1981.

 

(47) , Paris, 1898.Barhebraei Nomocanon P. BEDJAN,

 

(48) , Paris, 1898.Liber Ethicon seu moralia P. BEDJAN,

 

(49) راجع كتاب الأب بيجان الذي ورد في الحاشية 48، ص 519-591.

 

(50) المشرق، 50 (1965)، ص 17-66.

 

(51) المجمع العلميّ السريانيّ، بغداد سنة 1974. أُعيد نشر الكتاب في طرابلس لبنان سنة 1983، نشير هنا إلى ترجمة إنكليزيَّة لكتاب الحمامة:

 

A.J.WENSINK, Berhebraeus, Book of the Dove together with some chapters from his Ethikon, Leyden, 1919.

 

راجع ما كتبه بهذا الصدد الأب لويس شيخو في المشرق 18 (1920)، ص 475-476.

 

(52) تاريخ الزمان (حاشية 7)، ص 195-199.

 

(53) تاريخ مختصر الدول للعلاَّمة غريغوار الملطي المعروف بابن العبريّ وقف على طبعه ووضع حواشيه الأب أنطون صالحانيّ اليسوعيّ، في طبعة أولى سنة 1890، وأُعيد طبعه سنة 1958 في المطبعة الكاثوليكيَّة، بيروت (لبنان).

 

(54) سمّاه لمع من أخبار العرب. by E. POLOCKE, Oxford, 1650 Specimen Historiae Arabum

 

(55) تاريخ مختصر الدول، ص 1.

 

(56) J. B. ABBELOOS – Th. Lamy, Chronicon Ecclesiasticum… 2 vol. Louvain, 1872-1879.

 

(57) في البطريركيَّة الأنطاكيَّة، المشرق، 21 (1923)، ص 494-507، 589-599، 660-671، ثمَّ جثالقة المشرق ومقارنة السريان، المشرق، 22 (1924)، ص 182-192، 272-281، 364-372، 417-427، 519-527، 604-614. ونشير أيضًا إلى أنَّ جرجس القسّ يوسف نشر في المشرق الموصليَّة مقتطفات قصيرة: المثل الأعلى للتواضع 1 (1946)، ص 230-232؛ مار ميخائيل الكبير البطريرك الأنطاكيّ 1 (1946)، ص= =274-278، 318-321؛ أمّا يوسف شمعون السمعانيّ فنشر في المكتبة الشرقيَّة الجزء الثاني (رومة 1721) مقاطع عن بطاركة أنطاكية (ص 311-321) وعن مفارنة النساطرة وجثالقتهم (321-414).

 

(58) نذكر على سبيل المثال لا الحصر

 

  1. J. BRUNS, “Ein excerpt aus… Barhebräus Syrische Chronik”, in

 

Repertorium für bibliscke und morgenländische Litteratur (Leipzig, 1780), p. 183-199. {{F:58}نقرأ هنا ما يتعلَّق بوجود ريكاردس الأوَّل ملك إنكلترا في الأراضي المقدَّسة. نُشر النصّ مع ترجمة ألمانيَّة. راجع في المجموعة ذاتها (ليبزيغ سنة 1785) ما نشر عن الخليفة المصريّ الحاكم بأمر الله. سنة 1789 نشر قسم كبير من هذا الكتاب مع ترجمة لاتينيَّة. رج:

 

  1. J. BRUNS, “Ein excerpt P. J. BRUNS & G.G. KIRSCH, Gregorii Abulpharagii sive Bar Hebraei Chronicon Syriacum, 2 vol., Leipzig, 1789

 

(59) , Paris, 1890.Bar Hebraei Chronicon Syriacum P. BEDJAN,

 

(60) E. A. WALLIS, The Chronography of Bar Hebraeus being the first part of his political History of the World, 2 vol. Oxford, 1932. نقل تاريخ الزمان أيضًا إلى اللغة التركيَّة على يد عمر رزا دغرول وطبع بجزءين في أنقره سنة 1945-1950.

 

(61) راجع مجلَّة المشرق البيروتيَّة 43 (1949)، ص 463-502؛ 45 (1951)، ص 25-70، 181-199، 351-364، 517-532؛ 46 (1952)، ص 7-28، 385-400، 514-554؛ 47 (1953)، ص 3-25، 423-470؛ 48 (1954)، ص 418-457؛ 49 (1955)، ص 736-749؛ 50 (1956)، ص 3-16، 129-152، 257-274، 386-414. وقد أُعيد نشر الحقبة العاشرة والحادية عشرة في جزء واحد عن دار المشرق سنة 1986، رج الحاشية السابقة (60). رج جريدة الأنوار البيروتيَّة، الاثنين 1 كانون الأوَّل 1986. ونشير هنا أيضًا إلى ترجمات تاريخ الزمان إلى العربيَّة بدون تاريخ. الأولى قام بها عبد المطلب أمين بمعاونة نعمة الله دنّو وبطرس سابا، والثانية قام بها متّاي قاشا وأسماها التاريخ المطوَّل لابن العبريّ.

 

(62) نشير هنا إلى أنَّ القسّ إسحق أرملة لم ينقل إلى العربيَّة بداية الكتاب، أي التاريخ القديم، منذ آدم حتّى إمبراطوريَّة البيزنطيّين. ثم إنَّ جان موريس فيِّيه ناشر تاريخ الزمان حذف كلَّ ما يختصُّ بصدر الإسلام والخلفاء الأمويّين، فابتدأ بالخلفاء العبّاسيّين.

 

نقله إلى اللاتينيَّة يوسف لويس السمعانيّ وطبعه أنجلوماي سنة 1737. أعاد المطران شيشق نشر النصِّ السريانيّ في هولنده سنة 1984. نشير هنا إلى أنَّ كتاب الفتات (الذي طُبع في أورميه سنة 1898) نَشر مقتطفًا منه خاصٌّا بكنيسة المشرق (ص 46-57). نشير هنا إلى أنَّ المطران شيشق أعاد طبع هذا الكتاب في هولنده، سنة 1984.

 

ابن أبو الفرج ابن العبري ف8 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

في الإنسان ف7 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

في الإنسان ف7 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

 

 

 

الفصل السابع

في الإنسان

 

اخترنا ثلاثة نصوص من كتاب نميسيوس أسقف حمص، من كتابه في طبيعة الانسان، وجعلنا عنوانًا لكل نصّ: جسد الانسان، في النفس، إجتماع النفس والجسد.

 

1- جسد الانسان

 

ومن أجل أنَّ جسد الإنسان مركَّبٌ من الطبائع، يُصيبه ما يُصيب الطبائع الأربع من التغيير والهراقة والقَطع. فإنَّ هذا التهيُّج الذي سمَّينا، هو للجسد لأنَّ الجسد يتغيَّر من اختلاف(1) الطبائع ويُفرَّغ، وإنَّ الحيَّ لا يزال يهراق من نحو القوَّة الدافعة، وعامَّة القوَّة الدافعة هي بيِّنة، ومنها ما يخفى من الرَّشْح، وسنقول في تفصيل ذلك حتّى نُبيِّنه ونُفصِّله بعدما قلنا فيه.

 

فإنَّ كلَّ شيء يُفرَّغ من الجسد، فلا بُدَّ له من أن يُسدَّ مكانُه وإلاَّ هلك الحيّ من هراقة التفريغ. فمن أجل أنَّ الذي يفرَّغ إنَّما هو يابس ورطبٌ ولطيف، يحتاج إلى أطعمة(2) يابسة ورطبة وإلى لطيف للنَفَس. فإنَّما الطعام للطبائع التي رُكِّبت منها الأجساد، وإنَّ كلَّ شيء من الأشياء إنَّما يُطعم شبهَه ويتداوى بما يخالفه(3). ولأنَّا نُطعَم أحيانًا بعضَ الطبائع الأربع كما هي مِثل الماء وأحيانًا مخلوطةَ الشرابِ والزيت وسائر الأطعمة المختلفة. وكذلك أيضًا ننالُ الهواءَ حتّى نستنشقه وأحيانًا يُخالِط طعامَنا وشرابَنا؛ وكذلك ننال من النار ما نستدفئ به، وأحيانًا تُخالِط طعامَنا وشرابَنا، وإنَّ طبيعة النار تدخُل في كلِّ قليل وكثير؛ وأمّا الأرض فلا ينالُها جسدُنا ولكن ينال ما يخالطها وتختلط به وما يكون منها فإنَّه يكون منها الطعام؛ وكثير من الحيوان ينالها كماهية أحيانًا وحدها كالعصافير والحمام والحجل(4) والأفاعي.

 

وكذلك أقول(5): إنَه لم يتكوَّن للإنسان جِلد غليظ كجُلود البقر وما أشبهها من الحيوان، ولا شعرٌ طويل على جلده كشعر المعَز وأمثال ذلك، ولا صوف كالضأن، ولا وبَرٌ كوبر الجمال، ولا قُشور كالحيّات والحيتان، ولا أصداف كبعض ما يكون لدواب البحر، ولا ريش كالطير؛ فاعتزل ذلك كلَّه عنه لاعتداله ولصُورة الحُسن والجمال، ولأنَّ الإنسان أفضل في الحسِّ من سائر الحيوان، فلذلك يحتاج الإنسان إلى اللباس لتمام ما نقصت طبيعتُه من طبيعة سائر الحيوان؛ فجعل له بحيلته الكِنّ ليسكُنَ فيه ويتحرَّز به ممّا يُؤذي طبائعه، وعلِم الطبَّ بفطنته ليشفي ما اعترض جسده من داءٍ من نُقصان الطبائع أو زيادتها؛ ومن أجل ذلك احتاج الإنسان إلى الطعام والشراب ليسدَّ ما فُرِّغ منه، ويحتاج إلى غطاء لأنَّه ليس من طبيعته ما يُغطِّيه، ويحتاج إلى الكنّ من أجل الأمطار والحرِّ والبرد، ويحتاج إلى الطبّ لِما يحسُّ به من الأوجاع؛ فإنّا لو لم نحسّ لم نألَم، ولو لم نألم لم نحتج إلى الشفاء وبلينا قبل أن نعلمَ ما الذي يُصيبنا(6).

 

وأقول: إنَّ الإنسان متفكِّر بموت يقبل العِلم، وإنَّه حرّ لأنَّه صميم، ذو نفس محسَّة. وإنَّما قلتُ إنَّه متفكِّر، لتمييزه، من البهائم التي لا تتفكَّر؛ وقلتُ إنَّه يموت، لتمييزه ممّا يخلد؛ وقلتُ إنَّه يقبل العِلم، من أجل أنَّ علمه بالتعليم ولأنَّه يقبل التعليم، ولأميِّزه من الجنّ الذين علمهم بغير تعليم.

 

والخلق كلُّه مختلف، منه ما تكوَّن لنفسه ومنه ما تكوَّن لغيره. فأمّا الذي تكوَّن لنفسه، فهو الإنسان المتفكِّر الحيّ العالِم؛ وأمّا الذي تكوَّن لغيره، فالذي لا يتفكَّر وما لا نفس له. ومن أجل أنَّ الإنسان هو أعلى الطبائع كلِّها جوهرًا، إنَّما تكوَّن لنفسه ولم يتعبَّد لشيء من الخَلق لكمال طبائعه، وتعبُّد الأشياء لنُقصانها. فينبغي ألاَّ يخدُمها إذ صار أتمَّ منها وصار مسلَّطًا عليها لا يعجزه ولا يغلِبه ولكن يقصد ويترك الشهوات ويبرأ من أعمال الجسد الغليظ.

 

فكما قلتُ: إنَّ جميع الخلق إنَّما تكون للإنسان، كذلك أقول: إنَّ الأشياء أيضًا تكوَّنت بعضها لبعض، فكان بعضُها لبعض سببًا، وذلك أنَّها لم تتكوَّن من أجل أنفسها، إنَّما تكوَّنت بعضها لبعض. فالأرض، إنَّما تكوَّنت للنبات؛ وكذلك أقول: إنَّ أسباب النبات لم تتكوَّن لطبائعها، إنَّما تكوَّنت من أجل النبات ولأنَّ أسباب النبات الأمطار والرياح اللوافح. وكذلك أقول: إنَّ سبب الأمطار هي حركة الرياح وسبب حركة الرياح حركة الفلك والشمس والقمر، فالشمس والقمر والكواكب إنَّما تكوَّنوا من أجل النبات، والنبات إنَّما تكوَّن من أجل الإنسان والبهائم.

 

وإنَّ البهائم التي لا أحلام لها والتي إنَّما غلبتها حركةُ اشتهاء الطبيعة ونظرها تحت الأرض والتي خلْقُها وشكلُها للتعبُّد إنَّما تكوَّنت من أجل الإنسان ومن أجل أنَّ الإنسان فيه شبه كلِّ شيء، فلذلك يعرف كلَّ شيء. وأقول: إنَّ في الإنسان القوَّة المتفكِّرة والتي لا تفكُّر لها، وكذلك أقول: إنَّ التي لا تفكُّر لها هي متعبِّدة للمتفكِّر.

 

فأمّا التفكُّر فهو الآمِر، والاشتهاء والغضب مأمور للحاجات التي يأمر بها المتفكِّر إذا كانت طبيعة الإنسان صافية؛ فأمّا إذا كان الذي لا يتفكَّر يأمر المتفكِّر، حينئذٍ تغيَّرت المراتِب وانقلبت الطبائعُ وأبتْ البهائمُ أن تتعبَّد لنا؛ وإنَّما يكون الذي لا يتفكَّر متعبِّدًا للمتفكِّر، وبيانُ ذلك أنَّ كثيرًا من الحيوان هي لخدمة الإنسان من الحوامِل والعوامِل والطير ودوابّ الماء ما يأكل الناس منه ويتلذَّذ الناس به.

 

ولعلَّ قائلاً يقول: إنَّ بعض هذه الأشياء لم تتكوَّن للإنسان لأنَّها تضرُّه، وإنَّما جاءت المضرَّةُ للإنسان باجتراء الأشياء عليه وإنَّما اجترأت عليه حين يعبُد الذي لا يتفكَّر المتفكِّر، وهو الاشتهاء والغضب، وتسلَّط ذلك على التفكُّر اجترأت الأشياءُ عليه لأنَّه صار في طبائعها وهو ضدُّها. فلذلك ضرَّ به.

 

فأمّا إذا كان المتفكِّر قاهِرًا للذي لا يتفكَّر لم تضرَّه الأشياء ولم تجترئ عليه، ورجع إلى الجوهر الأوَّل الذي ابتدأ له أنَّ الذي لا يتفكَّر متعبِّدًا للمتفكِّر.

 

فمن يُطيق أن يحصي فضائل الإنسان وقد صار وصلاً بينما يموت وبينما يخلُد وبين المتفكِّر والذي لا يتفكَّر، فإن عمل بعمَل المتفكِّرة عُدَّ في المتفكِّرة، وإن عمل بالشهوات عُدَّ فيمَن لا يتفكَّر، وإن عمل في إبطان الموت وإظهار الحياة صار خالدًا، فمن عمل بعمل المتفكِّرة وأبطن أعمال من لا يتفكَّر، عُدَّ في المتفكِّرة وهو أتمُّ الخلائق طبعًا. يقطع البُحور ويصعد في السماء ويهبط في الأرض، ويبلغ الأطراف ويعلم حركة النجوم ومسافة ما بينها ويتعاهد ما يغيب عنه بأمره درايةً وكتابةً، ويبلغُ ما كان غائبًا. فمن يستطيع أن يُحصي فضائلَ الإنسان!

 

2- في النفس

 

قد أُخبرت بعلَّة العالم الأكبر وما يكون فيه من الحيوان والنبات والمعادن، اختلفوا وأنا قائلٌ في النفس وواصفٌ اختلاف الحكماء فيها لأن الحكماء اختلفوا في النفس اختلافًا شديدًا وذلك من لطافتها ودقَّة كيانها.

 

قد قال إبقورس(7) وديموقريطوس(8): إنَّ النفس جسد. فتوافقوا في هذه الكلمة، ثمَّ اختلفوا في صميم النفس.

 

وأمّا أصحاب الأسطوان(9) فقالوا: إنَّما النفس ريح كهيئة النار.

 

وأمّا قرطياس(10) فقال: إنَّما النفس دم.

 

وأمّا إيبُن(11) فقال: إنَّما هي ماء.

 

وأمّا ديموقريطوس فقال: إنَّما هي نار. وقال: إنَّما هذا الذي نرى من شعاع الشمس إذا دخلنا في البيوت نار يعرج بعضها في بعض فتكون أنفسًا.

 

وأمّا إيراقليطوس(12) فزعم أنَّ النفس عامَّة وأفراد؛ فأمّا النفس العامَّة فبخارٌ من رطوبة؛ وأمّا أنفس الحيوان فمن بُخار النفس العامَّة الخارج ومن بخار الأجساد الباطن.

 

فاختلف أيضًا هؤلاء الذين زعموا أنَّ النفس جسدٌ. فقال بعضهم: إنَّما النفس صميمٌ (= أصلٌ وخالصٌ)، خالدة، وقال آخرون: إنَّ النفس ليست بجسد ولا صميم ولا خالدة.

 

وقال ثالِس(13): إنَّ النفس تتحرَّك من نحو طبيعتها ولا يُحرِّكها شيء. حركتُها دائمة.

 

وأمّا فيثغور(14) فقال: إنَّما هي عددٌ يتحرَّك من نحوها.

 

وقال أفلاطون(15): هي صميم (= قائمة في ذاتها) معقولة تتحرَّك بتوفيق من طبيعتها.

 

وأمّا أرسطوطاليس(16) فقال: هي ابتداء حركة جسد ذي طبيعة ذات إناء فيه قوَّة الحياة.

 

وأمّا دينركوس(17) فقال: هي توفيق امتزاج الأربع طبائع السخونة والبرودة والرطوبة واليبوسة.

 

والآن نُبيِّن أنَّ عامَّة هؤلاء الذين اختلفوا في النفس يزعمون أنَها صميم؛ وأمّا أرسطوطاليس ودينركوس فكانا يقولان: إنَّ النفس ليست بصميم. وكانا يقولان: إنَّ أنفس كلِّ شيء واحدة غير أنَّها تُقسَّم في الأجرام بالزيادة والنقصان، وقال قطرنوس(18): بل الأنفس كثيرة شتّى لكلِّ شرحٍ نحوه.

 

فمن أجل أنَّهم اختلفوا كما قصصنا في هذا الكتاب، ينبغي لي أن أبيِّنه وأفصِّله وأبدأ بنقض قول كلِّ الذين قالوا: إنَّما هي جسد، وسيكفيني في كلِّ شيء ما قالوا هؤلاء الذين اختلفوا قولَ أمونيوس(19) معلِّم بلُطينوس(20) وقول نومينيوس(21)، فإنَّهما قالا: إنَّ الأجساد من سوس (= مطلق) طبيعتها أن تتغيَّر وتتفرَّق وتتفصَّل إلى أجزاء لا عدد لها، فمن أجل ذلك تحتاج إلى ما يجمعها ويضمُّها ويملكها وليس شيء يملكها إلاَّ النفس لأنَّها تحييها وتجمعها. فإن كانت النفس كما يقولون جسدًا لطيفًا، فإنَّ النفس إذا كانت جسدًا تحتاج إلى كلِّ ما يجمعها ويضمُّها، ولأنَّ كلَّ ذي جسد ذي طبيعة يحتاج إلى ذلك؛ فإن كانت جسدًا فإنَّها تحتاج لا تزال، كما يقولون، إلى ما يجمع أجزاءها ويؤلّف بين المتباين كالذي ذكرنا حتّى ننتهي إلى نفسٍ ليست بجسد، فتلك هي التي تجمع بين أجزاء الجسد كما قلنا(22).

 

وإن كانت كما يزعم أهل الأُسطوان لها حركتان، إحداهما خارجة من داخل فهي التي تعظِّم والأخرى تدخل من خارج، فأمّا ما كان خارجًا من داخل فهي التي تُعظِّم الجسد، وأمّا ما كان داخلاً من خارج فهي تضُمُّه(23)، فقلنا لهم: أخبرونا ما هذه الحركة التي تذكرون وأيُّ شيء يُحرِّكها؟ فإن كانت من قوَّة شيء فما هذه القوَّة وما صميمُها؟ وإن كانت القوَّة من عنصر فإنَّها تعود إلى ما قلنا من شأن الأجساد، وإن لم تكن عنصرًا وكانت شيئًا يُرى في العنصر فإنَّه إذًا شيء ويكون ذلك الشيء إمَّا جسدًا وإمّا عنصرًا. فإن كان أحدهما فقد احتاج إلى ما يُحرِّكه وإمّا ألاّ يكون عنصرًا أو لا جسدًا فقد بطل قولُهم.

 

وإن قالوا: إنَّ كلَّ جسد ذو ثلاث مساوف (= أبعاد) من أجل أنَّ النفس متداخلة في الجسد، وإنَّ النفس إذا كانت ذات ثلاث مساوف فهي إذًا جسد. وإنّا نرجع إليهم في ذلك فنقول: ليس كلُّ ذي ثلاث مساوف متداخلة جسدًا، فإنَّ المكان والصورةَ(24) كلّ واحد منهما على حدته ليس واحد منهما الجسد ولكن يكونان في الإجساد من الأحداث. فكذلك النفس إذا كانت على حدتها، فليست لها مسافة من أجل أنَّ الجسد ذو ثلاث مساوف.

 

وأقول أيضًا في جواب ما قالوا: إنَّ كلَّ جسد تحرّكُه من داخل ومن خارج. فما كانت حركته من خارج، فهو جسد ليس له نفس؛ وما كانت حركته من داخل فهو جسد ذو نفس. فإن كانت النفس كما يزعمون جسدًا وكانت حركتها من خارج فإنَّها جسد لا نفس لها(25). وإن كانت حركتها من داخل فإنَّها ذات نفس. ولم يُصِب هؤلاء الذين قالوا: إنَّ للنفس نفس أخرى أو النفس غير النفس. فقد تبيَّن بهذا القول أنَّ النفس ليست بجسد.

 

وقال إكسانوقراط فيما قال أصحاب الأسُطوان: إن كانت النفس تأكل، فإنَّما طعامها شيء، ليس بجسد(26)، وإنَّما طعام النفس العِلمُ وليس بشيء من الأجساد طعامُه إلاَّ الجسد، فلذلك لا تكون النفس جسدًا. فإن كانت النفس لا تأكل جسدًا، فكلُّ أجساد الحيوان تأكل الجسد. فهذا قولنا للذين زعموا: إنَّما النفس جسد(27).

 

وأمّا الذين قالوا: إنَّما النفس دم أو بُخار لأنَّه إذا فارق الجسد الدم أو البخور كان ميِّتًا، فإنَّ ناسًا أجابوهم في ذلك بغير صواب فقالوا: كان ينبغي في قولكم إذا هُريقَ يعضُ الدم أن تروا أنَّ بعض النفس قد هُريقت! ولم يُصيبوا. فإنَّ اشتباه الأجزاء القليل منها والكثير سواء. فإنَّ الماء قد قلَّ منه أو كثُر يُقال له ماء، وكذلك الورق والذهب وكلّ شيء لا تختلف أجزاؤه، وكذلك ما بقي من الدم على مثل ذلك، فإن كان الدم نفسًا، فقد بقيت نفس في الجسد وإن كان قد هُريق بعضها.

 

ولكنَّا لا نقول ذلك ولا نرُدّ عليهم هذا الردّ ولا نراه، ولكنّا نقول لهم: إن كان كما تقولون أنَّ الدم إذا فارق الجسد كان ميِّتًا. فلذلك تزعمون أنَّها نفس؛ فنحن حقيقون إذًا أن نقول: إنَّ كلَّ شيء فارق الحيَّ فمات فهو نفس؛ فإنَّ البلغَم والمِرَّتَين والكبد والدماغ والقلب والمعدة والكليتَين والأمعاء إذا فارق شيء منها الحيَّ مات؛ فقد كان حقُّهم أن يجعلوا كلَّ واحد ممّا عددنا نفسًا على حدته. ونقول في نحو آخر: إنَّ كثيرًا مِمَّا لا دمَ له ذوات أنفس من ذوات البحر مثل الصدف والسراطين وأشباه ذلك من حشرات الأرض فإن كانت أشياء تكون ذوات أنفس لا دم لها، فقد تبيَّن لنا أنَّ النفس ليست بدم.

 

وأمّا الذين قالوا: إنَّ النفسَ ماء لأنَّه لا حياة لشيء إلاَّ به، فإنّ نقول في ذلك: إنَّه يخالف ما قالوا أشياء كثيرة. فأوَّل ذلك أنَّهم لا يستطيعون العيش بغير طعام. فإن كانوا صادقين فإنّا حقيقون أن نعُدَّ كلَّ طعام على حدته نفسًا. ونقول في ذلك أيضًا: إنَّ كثيرًا من الحيوان لا يشرب الزمن الطويل، فإنَّها إذًا لا تبقى حيَّةً لا أنفُس لها مِثل العقبان والحجل وكثير من الطير. والهواء إذًا أحقُّ أن يقال هو نفس من الماء وسائر ما عددنا لأنَّا نعيش إن شئنا حينًا بغير ماء؛ وأمّا الهواء فلا حياة لنا إلاَّ به ولا ساعة. ولسنا نقول هو نفس ولكنَّ كثيرًا من الحيوان هو لا يستنشي الهواء مثل النحل والذَّرّ والنمل وكلّ شيء ليست له رئة وكثير من دوابّ البحر وكثير بما لا يستنشق الهواء ويعيش بغير الهواء(28).

 

وأمّا قلينثس(29) من أصحاب الأُسطوان وكرُسيبوس(30) قالا قولاً لسنا نصمُت عليه حتّى نقول فيه. فأمّا قلينثس فزعم إنَّما النفس جسدٌ لأنَّ الولد لا يُشبه الوالد في الجسد فقط ولكنَّه يشبهه في التهيُّج والسِّمت (= والحركة) والعلم؛ فإنَّ الشبه وغيرَ الشبه إنَّما هو للأجساد وليس لشيء سواها. فلذلك يقول قلينثس: إنَّ النفس جسدٌ: وهذا وهم في قوله أنَّ الشبه لا يكون في شيء ليس بجسد؛ فإنَّ الشبه يكون في العدد. وإنَّ العدد يُشبه بعضه بعضًا. فإنَّ الستَّة تُشبه الأربعة والعشرين لأنَّ الستَّة تزيدهنَّ الاثنين والثلاثة والأربعة والعشرين تزيدهنَّ الأربعة والستَّة؛ فكما يوافق الأربعة للاثنين من الضعف فكذلك توافق الستَّة للثلاثة؛ وإنَّ العدد ليس بأجساد. وكذلك أشكال مقادير الأرض يُشبه بعضها بعضًا إذا كانت زواياها متَّفقة؛ وهم يوافقونا في هذا.

 

وقال أيضًا قلينثس: لا نجد شيئًا ليس بجسد يُصيبه ما يُصيب الجسد ولا جسدًا يُصيبه ما يصيب ما ليس بجسد. فإنّا نجد النفس يصيبها ما يصيب الجسد في الأمراض وفي الجراح ويصيب الجسد أيضًا ما يصيب النفس، فإنَّ النفس إذا فرحت احمرَّ الوجه، هو جسد. وإذا ماتت أو حزِنت اصفرَّ الوجه. فلذلك يقول: إنَّ النفس جسد.

 

وأيضًا نقول فيما قال قلينثس من الذي ذكر أنَّه ليس غير ذي جسد يُصيبه ما يصيب الجسد في الاشتهاء والغضب حين تتغيَّر الأجساد.

 

وأمّا كرُسيبوس فقال: إنَّما الموت فراق ما بين النفس والجسد ولا يُفارق الجسد ما ليس بجسد، فإنَّه لا يُلابس الجسد ما ليس بجسد؛ فإن كانت النفس تلابس الجسد وتُفارقه فهي إذًا جسد.

 

فأمّا قول كرسيبوس: إنَّ الموت فراق بين الجسد والنفس، فقد صدق. وأمّا قوله: إنَّ الذي ليس بجسد لا يلابس الجسد، فقد أخطأ حين جعلها عامَّة، فأمّا في خاصَّة النفس فقد صدق؛ ولأنّا نجد أشياء تلابس الجسد وليست بجسد كالحُمرة والبياض. وقد صدق في أنَّ النفس ليس تلابس جسدًا؛ فإنَّها لو لابست الجسد لصقت به لأنَّه لا يستطيع كلّ الجسد يلتصق في كلِّ الجسد، فلذلك لا يستطيع أن يكون كلُّ الجسد ذا نفس. ولو كانت النفس تلابس الجسد كانت جسدًا فلا تستطيع أن تكون في كلِّ الجسد. ولكنّا نرى أنَّ النفس تكون في الجسد الذي تكون فيه كلّه، فقد تبيَّن لنا أنَّ النفس لا تلابس الجسد وأنَّها ليست بجسد(31).

 

وأمّا من قال: إنَّ النفس ليست بصميم، (= كيان واقعيّ) فسنجيبُهم إلى ذلك. فإنَّ دينركوس كان يقول: إنَّما النفس كتوفيق الألحان والأوتار؛ وقال سيمياس(32) وهو يُنازع سقراط مثل ذلك أيضًا سواء. وقال دينركوس وسيمياس: النفس شبه توفيق الألحان وشبه الجسد بالمعزَف فيستعين بعضها ببعض. فنحن ننقض قول هؤلاء كما نقضه أفلاطون في مُصحَف فيدون(33)، وأوَّل ما نقول في ذلك: إنَّ العلم إنَّما هو التذكير. فمن أجل أنَّ العِلم تذكير، كانت الأنفس قبل أن تُخلَق الأجساد. فإن كانت النفس كما يقولون مثل توفيق الألحان، فلم تُخلَق إذًا قبل الجسد ولكن كانت بعد ما خُلق؛ فإنَّ توفيق الألحان تكون الأوتار قبلها، ثمَّ تكوّن التركيب بعد ذلك فإنَّما يكون كلُّ تركيب بعدما يكون الذي في تُركَّب.

 

ونقول أيضًا: إنَّ النفس تخالف الجسدَ وتملكه وإنَّ التوفيق لا يملُك الأوتارَ ولا يخالفها؛ فلذلك ليست النفس كتوفيق الأوتار.

 

ونقول أيضًا: يكون التوفيق بالزيادة والنقصان في رفع الوصت وخفضه؛ فأمّا النفس فلا تزيد ولا تنقُص من صميم أجزاء النفس ليست النفس كتوفيق الأوتار.

 

ونقول أيضًا: إنَّ النفس تقبل الفضيلة وخلافَها، وأمّا التوفيق فلا يستطيع أن يكون توفيقًا وخلافًا للتوفيق؛ فلذلك ليست النفس كتوفيق الأوتار(34).

 

ونقول أيضًا: إنَّ النفس تقبل الفضيلة كلّ واحد ممّا يُخالف على حدته ؛ وأمّا توفيق الأوتار فإنَّما هو شيء يُرى في الصميم؛ وذلك الشيء فهو شيء على حدته، وأمّا الصميم فهو شيء آخر، فلذلك الصميم ليس كتوفيق الأوتار.

 

وأمّا أن نقول: إنَّ النفس تقبل التوفيق، فليس ذلك بالذي يجعلها توفيقًا، لأنّا نذكر فضيلة النفس إذا عملت الفضائل ولا تُسمّى النفسُ فضيلة.

 

وأمّا جالينوس فلم يقُل في شأن النفس شيئًا، وتبرَّأ ممّا كان تُرجِم من كتاب البيان(35) ولكنَّه قال: إنَّ النفس تمزيج يتَّبع في ذلك قول بقراط(36). فإن كانت النفس تمزيجًا (= مركّبات الجسد) كما يقول، فقد تبيَّن أنَّ النفس ميِّتة ولكن لم يكن يقول: إنَّ كلَّ نفس تمزيج غير أنَّه كان يقول: ما كان من أجزائها غير متفكِّر فإنَّه تمزيج. وأمّا في المتفكِّر، فكان يقول (…): لا يستطيع التمزيج أن يكون نفسًا. فبيان ذلك أنَّ كلَّ جسد ذي نفس أو غير وإن كانت النفس تمزيج الأجساد كما يقولون، فإنه لا يكون من الأجساد ذي نفس إنَّما هو من امتزاج الأربع الطبائع، فإنَّ من تمزيجهنَّ تكون الأجساد شيء ليست له نفس لا الحجارة ولا الخشب ولا الحديد، إن كانت النفس تمزيجًا.

 

فإن قالوا: ما نقول: كلُّ تمزيج الأجساد نفس، ولكنَّ بعضها، فلتخبرونا أيُّ التمزيج هو الذي يجعل للحيوان أنفسًا، فإنَّه لا يذكر من التمزيج شيئًا إلاَّ نجده في الأجساد التي لا أنفس لها. فإنَّه قد قال فيما ذكر من التمزيج: إنَّ التمزيج تسعة أنحاء، فأمّا أحدهنَّ فهو التمزيج الموفّق، وأمّا الثمانية فهو التمزيج الذي لا يكون موفَّقًا في زيادة الطبائع ونقصانها، ومن ذلك يكون السقم. وكان يقول لاطس(37): إنَّ تمزيج الإنسان إنَّما هو من الموافقة؛ فأمّا سائر الحيوان فإنَّ امتزاجها على غير الاتِّفاق في الزيادة والنقصان في استرخائها وشدَّتها وكان يقول جالينوس: إنَّا نجد فيما لا أنفُس لها التمزيج التسعة. وكان يقول أرجانس(38): إن كانت النفس تمزيجًا فإنّا نجد التمزيج يتغيَّر في كلِّ صنف من السنة وفيما يأكل، فتتغيَّر النفس إذًا وليست النفس إذًا واحدةً، وإن كانت تتغيَّر في كلِّ حين تكون أحيانًا نفسَ أسد وأحيانًا نفس شاةٍ وأحيانًا نفس شيء آخر.

 

وكان يقول موطوس(39): إن كانت النفس تمزيجًا والتمزيج إنَّما هو ائتلاف على صورة، فإنَّ الصورة تكون في الشيء فتُفارقه ولا يبلى الصميم إذا فارقته الصورة. فكان حقُّ الجسد إن كانت النفس صورةً ألاَّ يبلى إذا فارقته النفس، فلذلك يُعلَم أنَّ النفس ليست بتمزيج ولا صورة. فإنَّهم لا يستطيعون أن يقولوا: إنَّه لا بدَّ من أن يكون في الحيّ بعضُ ما يخالف كما نرى في النار أنَّه لا بُدَّ من أن تكون في الدفاءة. فأمّا التمزيج فيغيِّره دواءُ الأطبّاء.

 

وقال أيضًا: كلُّ الجسد يُحسّ، فأمّا النفس فلا تُحَسّ؛ فلذلك النفس ليست بجسد.

 

وأقول: إنَّ تركيبَ الجسد من لحمٍ وعصب وعظمٍ بامتزاج الطبائع الأربع، الحرارة والبرودة واليبس والرطوبة، إنَّما هي الصحَّة وهي توفيق الطبائع، وحُسن الجسد مع حسن اللون. فإن كان تمزيج الصحَّة والقوَّة والحسن هي الأنفس، فقد كان حقّ الإنسان ألاَّ يمرض ولا يضعُف ولا يكون غير حسن ما دام حيٌّا. ولكنَّ الإنسان لا يكون حسنًا ولا صحيحًا ولا قويٌّا وهو حيّ؛ فلذلك ليست النفس تمزيجًا.

 

وقد سأل قوم في زمن قسطنطين: كيف تكون في الإنسان الفضائل والشرّ؟ من نحو تمزيج الجسد، كما يكونون ناسٌ من تمزيجهم صحاحًا ومراضًا؛ فكذلك يكون من الناس خبثاء من كثرة المرّة السوداء، ويكون أناس آخرون لهم فخر وجُرأة من نحو كثرة الدم، ويكون ناس آخرون حلماء من نحو كثرة البلغم. وإن كان ناس يحجزون أنفسهم من هذه الشرور بحسن التأديب، فإنَّهم يملكون بتأديبهم التمزيج، وقد تبيَّن لنا أنَّ المالك والمملوك شيء فكذلك النفس والتمزيج شتّى، ولكنَّ الجسد إناءُ النفس لأنَّ الجسد، إذا اعتدل باعتدال التمزيج، أعان النفسَ على الخير إلاَّ أن يُفسِد النفسَ بأدب السوء. وإن لم يكن تمزيج الجسد باتِّفاق فإنَّه يمنع فضائل النفس وحينئذٍ يغالب النفس بالتضاد لِما لم يتَّفق. فينبغي أن يتعاهد المحتجز التمزيج بالاتِّفاق لئلاّ تغلب عليه الأضداد. ومثل ذلك المعزَف والذي يُضرَب به، فإنَّ الذي يضرب بالمعزف إذا لم يتعاهد توفيق أوتار المعزف وتقويمها فينبغي للنفس أن تتعاهد الجسدَ في التفكُّر وحسن التأديب، لأنَّه كما لا تُقوَّم المعزفة فلا يستقيم لصاحبها الذي يُريد منها إذا اختلف أوتارُها، كذلك النفس وتمزيج الجسد إذا لم تتعاهد النفس الجسد.

 

وأمّا أرسطوطاليس فكان يقول: إنَّما النفس في الجسد كهيئة البصر للحيّ أو لتمام الحيّ. وكان يقول: إنَّ النفس لا تستطيع أن تكون بغير جسد وليست بجسد؛ ولكنَّها للجسد وفي الجسد وينبغي لها ولا تستطيع أن تكون وحدها.

 

فقيل له: إنَّما سمِّيتَ النفسَ وميَّزتَ منها التفكُّر وكنتَ حقيقًا أن تسمّي النفسَ كلَّها جميعًا ولا تأخذ أضعفَ أجزائها، فإنَّك سمِّيتَ النفسَ كلها من أضعف أجزائها.

 

وكان يقول أيضًا: إنَّ النفس قوَّة الحياة، وإن لم يكن في الجسد النفس. فإن كان كما يقول، فقد كان حقُّ الذي يقول فيه قوَّة الحياة أن يكونَ جسدًا قبل أن يكون فيه الحياة. فلا يستطيع أن يكون جسدًا قبل أن يكون فيه قوَّة الصورة؛ فإنَّ العنصر ليس بجسد مصوَّر، وإنَّه لا يستطيع ما لم يكن مصنوعًا أن يكون له قوَّة يصنع بها شيئًا. فإن كان إنَّما قوَّة الجسد مبتدعة، فكيف تكون قوَّة الجسد حياة وهي في أشياء أخرى؟ فإنَّ الشيء يكون في الشيء، يكون قوَّة ولا يعمل به كهيئة البصر؛ فإنَّ البصير إذا نام لم يعمل ببصره وفيه البصر. وأمّا النفس فلا يستطيع من كانت فيه إلاَّ أن يعمل؛ فإنَّ النائم لا يُعدَم عملَ النفس، لأنَّه يُطعَم وهو نائم من قبل القوَّة الطاعمة ويتغذّى ويتنفَّس ويحلُم؛ وذلك بيان الحياة. فمن هنالك نعلم أنَّه لا يستطيع أن يكون في شيء قوَّةُ الحياة وليس بحيّ. فإنَّ عمل الحياة هو الذي يُبيِّن النفس، وليس يُبيِّن النفسَ شيءٌ سوى ذلك لأنَّ الحياة في النفس، والجسد ميِّتٌ لا حياة فيه وإنَّما حياته من النفس؛ فلذلك قول من قال: إنَّ الصحَّة في الجسد كهيئة الحياة في النفس. فهو كذب، لأنَّ الذي يقول ذلك ليس يعني حياة النفس ولكن يعني حياة الجسد، ولكنَّه لا يدري ما يقول لأنَّ صميم الجسد يقبل ما تخالف من الصحَّة والمرض؛ فأمّا صميم النفس ولا يقبل ذلك لأنَّ صميم النفس لا يقبل الحياةَ والموت، كما يقبل الجسد الصحَّة والمرض، ولكن إنَّما يقبل الموتَ والحياة صميمُ الجسد. فلذلك لا تستطيع النفس أن تكونَ صنعًا ولكنَّها روحًا غير جسد ولكنَّها تقبل الفضيلة والشرّ.

 

وكان يقول أرسطوطاليس: إنَّما النفس صنعٌ لا تتحرَّك من نحو طبيعتها ولكن إنَّما الحركة تحدث فيها من قبَل الجسد. فكيف أمكنه القولُ أن يقول: إنَّ النفس لا تتحرَّك وتُحرِّك الجسد لأنَّ الحسن يحرِّك ولا يتحرَّك؟ وإنّا نقول في ذلك: إنَّ الحسن لا يتحرَّك وهو يُحرِّكنا؛ فإنَّه لا يحرِّك شيئًا لا حركة له، ولكنَّه يحرِّك ما كان من طبيعته الحركةُ. فإن كان الجسد يتحرَّك على حدته من دون النفس لم يقل: إن شيئًا يحرِّكه ما لا يتحرَّك، ولكن لا يستطيع الذي لا يتحرَّك من طبيعته أن يُحرِّكه ما لا يتحرَّك، فمن أين يكون للجسد الحركة إلاَّ من قبل النفس، لأنَّ الجسد لا يتحرَّك من نحوه، ولكنَّ النفس هي حركة وإنّما الحركة بدءٌ وثني (= يُعاد مرتين)؛ فأمّا بدء الحركة فهو حركة لما يتحرَّك. وأمّا الثني فحركة ما كانت له طبيعة الحركة. فإن كانت النفس كما يقول أرسطوطاليس لا تتحرَّك وتُحرِّك الجسد كهيئة فإنَّه شبيهها، وقال: إنَّ الحسن لا يتحرَّك وهو يُحرِّك، فكذلك النفس(40).

 

فإن كان كما يقول، فهي إذًا حركةٌ بالطبيعة، فمن أين للأجساد بدء الحركة؟ فإن قالوا: إنَّما حركة الأجساد من الطبائع لأنَّ بعضَها خفيف وبعضها ثقيل، فقد أخطئوا لأنَّ الخفَّة والثقل لو كانا حركة لم يزالا عاملَين أبدًا لا يبطُلان لأنَّه ليس شيء من الخفاف ولا الثقال إلاَّ يَسكن إذا صار إلى آخِر طبيعته فلا يتحرَّك. فلذلك لا تكون الخفَّة ولا الثقَل سبب بدء حركة، ولكنَّها الخِفَّة والثقَل يلي الطبائع. فإن كانت الطبائع كما يقولون، فإنَّ الخفَّة والثقَل لا يتفكَّران ولا يحسّان. وإن كانت الخِفَّة والثقل لا يحسّ ولا يُفكِّر، فإنَّ الأجساد كذلك. وإن كانت النفس كما يقولون، إنَّما تحدُث فيها حركة من أجل الأجساد، وإنَّما تحرُّك الأجساد من نحو طبائعها، فقد كان ينبغي للجسد أن يتحرَّك وإن فارقته النفس؛ وإنَّه لو كان كذلك كان الجسد حيٌّا بغير نفس، وهذا هو الكذِب والباطل.

 

ونقول لمن لم يُصِب منهم، أنَّ كلَّ شيء يتحرَّك من طبيعته يتحرَّك مجشَّمًا، وما تحرَّك مجشَّمًا فإنَّ له طبيعة حركة. وقد أبطل من قال ذلك، (= احتمالاً) لأنّا نرى السماء تتحرَّك من طبيعتها ولا تُجشِّمها الحركة. وقالوا: إنَّ كلَّ شيء يتحرَّك من طبيعته يعود إلى أن يسكنَ من طبيعته كهيئة النار والتراب. وقد أبطلوا، لأنَّ السماء والشمس والقمر وسائر الكواكب بتحرُّك من طبائعها وليس تعود إلى أن تسكنَ من طبيعتها، لأنَّها لو سكنت كان ذلك بلاها (= بلاءها) وكلُّ شيء دائم الحركة لو عاد إلى أن يسكن بلي. فكفانا ما قد تبيَّن لنا من شأ النفس وما ذكرنا أنَّها لست بصنع ولا شيء ممّا لا يتحرَّك وإنَّ سببَ قوَّاتها ليس بجسد.

 

وأمّا فيثغوراس فإنَّه كان يُشبِّه كلَّ شيء بالعدد؛ فكان يجعل حدَّ النفس عددًا يتحرَّك من نحوه، واتَّبع في ذلك قول إكسينوقراط؛ ولم يكونا يقولان: إنَّ النفس عدد، لكنَّهما كانا يقولان: هي مّمّا يُعدّ، ويقولان: إنَّ النفس هي التي تُعدِّل الأشياء بعضها ببعض ويكون كلُّ شيء بعدد؛ فلذلك النفس من العدد(41). وقد قالوا مع ذلك: إنَّ النفس تتحرَّك من نحو طبعها.

 

فأمّا الذين قالوا: إنَّ النفس تتحرَّك من نحوها، فقد صدَّقوا. وأمّا الذين قالوا: إنَّها من العدد، فلم يُصيبوا لأنَّ العدد كم والنفس صميمٌ؛ فلذلك لا تكون النفس عددًا.

 

ونقول أيضًا: إنَّ النفس صلة؛ وأمّا العدد فليس بمتواصل، فليست النفس عددًا. ونقول أيضًا: إنَّ العدد شفعٌ أو وتر(42)؛ وأمّا النفس، فليست بشفع ولا وتر. ونقول: إنَّ العدد(43) يزيد وينقُص في الزيادة والنقصان؛ وأمّا صميم(44) النفس فليس يزيد ولا ينقص. ونقول أيضًا: إنَّ النفس تتحرَّك من نحوها؛ وإنَّ العدد لا يتحرَّك من نحوه.

 

وأقول: إنَّ العدد ما دام واحدًا لا يستطيع أن يتغيَّر؛ فأمّا النفس، فإنَّها واحدة وإنَّ لها قوَّة متغيِّرة، تكون عالِمة بعد الجهالة، وتكون صالحة بعد أن كانت طالحة؛ فليست إذًا النفسُ عددًا.

 

وأمّا أنوميوس(45) فحدَّ النفس صميمًا (كائنًا) غير جسدٍ وجعل سبب عملها كهيئة سبب الجسد؛ فجمع في قوله حقٌّا وباطلاً. فأمّا قوله: إنَّ النفس صميم غير جسد، فقد صدق؛ وأمّا قوله: إنَّ سبب خلق النفس كهيئة سبب الجسد، فإنَّما أخذ ذلك من قول أرسطوطاليس؛ فقد اختلف قوله أنوميوس (…) وأنا أقول: إنَّ كلَّ شيء يُشبه الجسد يبلى ويموت؛ وإنَّما هو أحد أمرين، إمّا أن يقول كما قال أصحاب الأُسطوان: إنَّ قوَّةَ النفس كهيئة الجسد، وإمّا أن يقول: هي صميم غير جسد. فإن قلنا: هي صميم غير جسد، فلا نقول: إنَّ قوَّة النفس كهيئة قوَّة الجسد؛ فإنَّا نجعلها جسدًا كهيئة أنفس البهائم، ثمَّ ليس لها معقول.

 

3- اجتماع النفس والجسد

 

قد أخبرنا بعلل النفس وما تكلَّمتْ فيها الحكماء، والآن أقول كيف يجتمع النفس والجسد الذي لا نفس له. فإنَّ في الْتماس ذلك مؤونة وشدَّة على العلماء. فكيف بالجهّال! قد قال رجال من الحكماء أنَّ العقلَ شيء سوى النفس: فذلك من أغلق أمر لأنَّ كلَّ شيء يجتمع في تقويم صميم واحد يختلط، وكلُّ شيء يختلط يتغيَّر ولا يبقى على ما كان قبل ذلك. وسيستبين لنا في أمر الطبائع الأربع أنَّ الأشياء إذا اجتمعت تكوَّن منها شيء سواهنَّ. فكيف تجتمع النفس التي لا جسد لها، وهي صميم على حدتها، في جسد، وتكون جزءًا من الحيّ وتحفظ صميمَها غير مغيَّرة ولا بُدَّ من أحد أمرين: إمّا أن تجتمع النفس والجسد ويُعين بعضها بعضًا كهيئة الطبائع؛ فإن كان كذلك فإنَّ الأجساد التي هي فيها من الأربع المبتدعات لا تكون أجسادًا حتّى يتغيَّر الجسد بالمبتدعات، وإمّا اللواتي تَلصَق كما يلصق الشيءُ بعضه في بعض أو يمتزجنَ كالطلاء والماء.

 

فإن قلنا: إنَّ النفس تلصق بالجسد، فقد أخطأنا لأنَّه قد تبيَّن فيما قد ذكرنا قبل ذلك من قولنا، إنَّ النفس لو التصقت بالجسد كما يلصق الشيء بعضه في بعض، لم يكن الجسدُ كلُّه ذا نفس إلاَّ الذي تلصق به مع أنّا لا نستطيع أن نقول: إنَّ الذي يلصق بعضه ببعض شيء واحد.

 

وإن قلنا: إنَّ النفس تمتزج بالجسد كما يمتزج الطلاء بالماء، لم نُصِبْ أيضًا؛ فإنَّ امتزاج الطلاء بالماء بعد أن يختلطا لا يكون ماءً خالصًا ولا طِلاءً مع أنَّه يكاد يكون شيئان امتزاجهما كهيئة الالتصاق، وإذ كنّا لا نستطيع أن نبلغَ عِلم ذلك من أجل دِقَّة اختلاطهما، فإنَّك إن صبغتَ الإسفنجة في الزيت، ثمَّ جعلتَها في الطلاء والماء الممزوجين، نشفت الماء وحده وبقي الطلاء. فأمّا الشيء الذي يتَّحد كهيئة النفس والجسد فلا يُستطاع أن يُفرَّق كلُّ واحد منهما على حدته ما داما متوحِّدَين. وإن كانت النفس والجسد لا يتوحَّدان ولا يمتزجان ولا يلتصقان، فأيُّ شيء هذا الذي يجعل النفسَ والجسدَ حيٌّا واحدًا؟

 

وأمّا أفلاطون فمن أجل هذا السبب الذي ذكرنا، لم يكن يُسمّي الجسد والنفس حيٌّا ولكنَّه كان يقول: إنَّما النفس تعلو الجسدَ كهيئة اللباس واللابس؛ وفي هذا القول قلتُ: إنَّه لا يستطيع أن يكونَ كاللباس ولا يُشبِه شيئًا واحدًا؛ وأمّا النفس والجسد فيُقال لهما حيٌّا واحدًا.

 

قد فسَّر هذا القول وبيَّنه أمّونيوس معلِّم أفلوطين فقال: إنَّ المعقولة طبيعة تستطيع أن تتوحَّد معها يقبَلها من الأجساد كهيئة امتزاج الأجساد التي يغيِّر بعضهنَّ بعضًا وتبقى بعدما تتوحَّد طبيعتها لا تتغيَّر كهيئة الذي يلتصق بعضه ببعض.

 

فأمّا اتِّحاد الأجساد التي تكون من طبائع شتّى، فلا بُدَّ أن تتغيَّر الطبائع من أجل أنَّها تغيَّرت إلى جسد سوى الذي كانت قبل ذلك. ويكون من الطبائع الأطعمة ومن الأطعمة يكون الدم ومن الدم يكون اللحم وسائر أجزاء الجسد.

 

ويكون في المعقولة اتِّحادٌ ولا يتَّبعه تغيُّر؛ فإنَّ طبيعة صميم المعقولة لا تتغيَّر ولا تهلك من أجل أنَّها خالدة والنفس هي حياة؛ فلو أنَّها تتغيَّر حين تكون في الجسد لم تكن ولما كانت النفس، إذًا انتفع الجسد إن لم يكن جسدًا ينال منها الحياة. فلذلك وصفتُ في كتابي هذا ما وصفتُ من أمر النفس وقلتُ: إنَّ النفس لا تتغيَّر وإن اتَّحدت مع الجسد، لأنَّ صميم المعقولة لا يتغيَّر ولا يُصيبها بلى مع الجسد الذي تتَّحد فيه.

 

فمن هنالك تبيّن لنا أنَّ النفس تتَّحد مع الجسد ولا يُغيِّرها الجسد، وبيان ذلك أنَّ النفس توجَد في الجسد لأنَّها يُهيِّجها ما يُهيِّج الجسد من الأوجاع. فبيان ذلك أنَّ النفس لا تتغيَّر في الجسد عند النوم، لأنَّ النفس كأنَّها تفارق الجسد في النوم وتتركه كالميِّت إلاَّ ما يبقى في الجسد من الحياة، وهي كمِّيَّةُ البخار لئلاّ يهلك الجسد. فأمّا النفس فإنَّها تبقى وتعمل عملها في النوم وهو الرؤيا؛ فإنَّها تكاد تعلَم ما هو كائن.

 

وإنَّ النفس تتفكَّر وحدها فتعلم عِلم طبائع الأجساد من غير أن يشاركها الجسد. ولو أنَّها كانت جسدًا لم تدخُل في الأجساد وتعلم طبائعهنَّ. ومن أجل أنَّ طبيعة النفس لا تتغيَّر بالجسد الذي اتَّحدت فيه من نحو كيانها، وإنَّما النفس كشبه الشمس والجسد كشبه الهواء، فكُلَّما دنت الشمس من الهواء ازداد الهواء استنارة وتغيَّر ويُوجَد في الهواء نورها، ولا تتغيَّر الشمس. فمن أجل هذا الذي قلتُ اتَّحدت الأنفس في الأجساد ولا تتغيَّر.

 

أقول: إنَّ شكل النفس يُخالف شكلَ الشمس، لأنَّ الشمس جسد وهي محدودة تحتاج إلى مكان ويمُنح ضوء الشمس أن يكون في مكان أجساد أُخَر. وكما أنَّ نورَ الشمس يُحَدّ، كذلك نور النار يكون في الحطب أو فيما كانت فيه يمتنع نورُها أن يكون في مكان آخر.

 

وليس كذلك النفس لأنَّها ليست بجسد ولا تُحدّ في مكان، ولكنَّها تدخل في كلِّ شيء من الجسد فتُنوِّر الجسد كلَّه وأجزاءه لأنَّ الجسد لا يملك النفس، ولكنَّ الجسد فيها من أجل أنَّها معقولة. ولا تمنع الأجساد النفسَ أن تدخل في كلِّها وتكونَ فيها، ولا يستطيع مكانٌ أن يحدَّها أو يمنعها أن تدخل فيه أو تخرج منه.

 

فإنَّها في كلِّ مكان معقولة، فبيان ذلك حين تُفكِّر النفس وتعقل لأنَّها ليست لها جثَّة ولا أجزاء متجسِّدة، فلذلك لم تحتج إلى مكان يحصُرها ويحبِسها، وكيف تستطيع أن تُحاطَ بالذي لا أجزاء له. وهو ألطف اللطيف، أو تحبَسَ في مكان، لأنَّ المكان هو للأجساد ذوات الجثَّة، فإنَّ حدَّ المكان هو المنتهى الذي يُحيط بما يحاط به.

 

فلو أنَّ رجلاً قال: إنَّ النفس إذا تفكَّرت الإسكندريَّة كانت بها، أو أرمينية أو الصين كان لا يحدُّها في مكان، ولكن كان يُقال ذلك، ولا يكون. فإنَّ ذلك لو كان حقٌّا لم تستطع أن تكون النفس حين يتفكَّر ذلك المتفكَّر في المشرِق أو في المغرِب في حفظه. ولكنّا نقول: إنَّما تذكر المكان الذي تفكَّرت فيه ولا تكون فيه.

(1) الاختلاف يعني تبدُّل الصفة qualité. والهرق (يهراق) flux يبدّل الوسع volume، والقطع يحوّل الشكل .

 

(2) الطبائع (أو: العناصر) الأربع حاضرة في الجسد، بنسة خاصّة وبصفةٍ تتوازن فيها الأمزجة وتحدّد الحياة والصحّة. والعناصر الأربعة عينها حاضرة في نسب خاصّة، في مختلف أنواع الأطعمة. وهكذا يُسند الطعامُ الحياة والصحّة حين يضع في الجسد ما ضاع من عناصر.

 

(3) هنا أدخل نميسيوس موضوعًا جديدًا: الطبيعيّ physique أو العناية. فنظريَّة الصحَّة هي التي أخذها نميسيوس عن جالينوس (131-201) Galien الطبيب اليونانيّ الذي اكتشف اكتشافات هامَّة في علم تشريح الأجساد وتركيبها ومن التقليد الطبّي لدى اليونان، جعل الصحَّة تقوم في المحافظة على توازن مثاليّ بين الصفات، وهذا ما يشكّل المزاج tempérament عند الإنسان.

 

(4) افترض الأقدمون أنَّ الطيور تتغذّى من الأرض، بينما هي تأكل النمل وسائر الحشرات المخفيَّة في الأرض.

 

(5) مجد الإنسان أن تغطّيه الثياب الحلوة، لا الطبيعة (جلد الحيوان). اعتُبر الإنسان »لا عريانًا« في الجنَّة. وجاءه العري بعد الخطيئة (تك 3:10).

 

(6) أخذت هذه الملاحظات من عالم الكيمياء والطبّ والزوؤلوجيا (أو: علم الحيوان) في خطّ Posidonius (135-51 ق.م.) الفيلسوف اليونانيّ الذي علَّم في رودس وكان من تلاميذه شيشرون خطيب رومه، وبومبيّوس القائد الرومانيّ.

 

(7) Epicure (341-270). فيلسوف يونانيّ. أسَّس في أثينة مدرسة، البستان، كما أطلق الإبيقوريَّة (بحث عن اللذَّة الطبيعيَّة والضروريَّة).

 

(8) Démocrite (460-370 ق.م.). تأثّر به إبيقور. هو فيلسوف يونانيّ سابق لسقراط. قسَّم الطبيعة إلى ذرات تتفاعل في فراغ لا حدود له.

 

(9) Stoa أو الرواق. هم الرواقيون Stoïciens الذين أسَّسهم زينون الفينيقيّ. هذا التيَّار هو عقلانيّة تربط رباطًا لا ينقطع بين المنطق والطبيعة والخلقيَّة، ويعتبر الكون »مدينة« يحكمها العقل.

 

(10) Critias (450-404 ق.م.). رجل سياسة أثينيّ. تلميذ سقراط وقريب أفلاطون. هو افتراض، ويمكن أن يكون شخص آخر.

 

(11) Hippone. من المدرسة الأيَّونيَّة ionienne في الفلسفة الماديَّة. ازدهرت في القرن السادس ق.م. ترك كتاب الطبيعيّ أو كتاب الطبيعة. اعتبر الحرارة والماء الوجودين الأساسيّين.

 

(12) Héraclite الأفسسيّ (540-475 ق.م.). انتقد النظريّات الماديَّة، وشدَّد على لاواقعيّة الحواسّ. فالمعرفة الحقَّة تنطلق من العقل ومن الذهن.

 

(13) Thalès de Milet (القرن السابع ق.م.) هو أبو الفلسفة اليونانيَّة.

 

(14) Pythagore (القرن السادس ق.م.) صاحب معتقد متصوّف.

 

(15) Platon (427-348/347)، فيلسوف يونانيّ من أصل أرستوقراطيّ تلميذ سقراط. ترك العديد من المؤلَّفات.

 

(16) Aristote (322-427). فيلسوف يونانيّ. تلميذ أفلاطون في الأكادميَّة، ومعلِّم الإسكندر المقدونيّ. له كتب عديدة، وهنا في البيولوجيا.

 

(17) Dinarque (361 ق- ؟). ابن كورنتوس العائش في أثينة. تلميذ أرسطو.

 

(18) لا نجد هذا الاسم في اللاتينيَّة بل »المانويّين« الذين حسِبَ نميسيوس تعليمهم موازيًا لتعليم اليونان.

 

(19) Ammonius Saccas جاء من الهند وأقام في الإكسندريَّة، فدرس النيوأفلاطونيَّة. من تلاميذه أفلوطين (205-270).

 

(20) Plotin هو صورة مميَّزة في النيوأفلاطونيّة.

 

(21) Numénius عُرف في آفامية (قلعة المضيق) كفيلسوف نيوفيثاغوريّ، في نهاية القرن الثاني المسيحيّ.

 

(22) إنَّ مفهوم الجسد الحيّ يكون له مبدأ يقود إلى العبث إذا افترض هذا المبدأ جسديٌّا في ذاته. هنا نستطيع القول إنَّ نميسيوس كان أمامه شرح نيوأفلاطونيّ لأرسطو حول النفس.

 

(23) قياس الجسد وصفته اعتبرا مزعجين للناظر. هذا ما ينسبه الرواقيّون إلى رفع خارجيّ للجسد باتّجاه الناظر. فالجسم لا يتفكَّك بل يبقى هو هو لأنَّ انشدادًا داخليٌّا يحلُّ فيه.

 

(24) نذكر اللون. فجسد أبيض متين هو أبيض في ثلاثة أبعاد (= مساوف) أمّا البياض فلا أبعادَ له في ذاته.

 

(25) هو مثل مأخوذ من أفلاطون في Phèdre.

 

(26) Xénocrate الخلقيدونيّ. وُلد سنة 396 ق.م. كان الكاتب عند أفلاطون. قال زينون (مؤسِّس الرواقيّين) وإبيقور إنَّهما سمعاه في أثينة. أمّا النظرة فهي تعليم عن النفس كأنَّها عدد، في الخطِّ الفيثاغوريّ.

 

(27) توجَّه هجوم نميسيوس على بعض الأنبياء الشرقيّين أو السحرة الذين وصلت آراؤهم إلى حمص.

 

(28) النتيجة التي وصل إليها نميسيوس هو أنَّ النفس ليست النسمة.

 

(29) Cléanthe (301-255). خلف زينون كرئيس للمدرسة الرواقيَّة في أثينة.

 

(30) Chrysippe (280-206 ق.م.). كان تلميذ Cléanthe وخلفه. اشتهر بمهارته في الجدل.

 

(31) ردَّ نميسيوس هنا على الرواقيّين الذين اعتبروا النفس »جسديَّة«. فالجسد له شكل هندسيّ فلا يدخل فيه شيء خارجٌ عنه. ولكنَّ »البياض« صفة فهو لاجسديّ لهذا يستطيع أن يمتزج بالجسد. فلا يستطيع الجسد أن يكون مع النفس، كما يكون مع اللون الأبيض. فالنفس لا ترتبط بالجسد على المستوى المكانيّ دأبًا وعادة (ديدنًا).

 

(32) Simias de Thèbes صاحب حوارات. في Criton الذي ألَّفه أفلاطون قيل عنه إنَّه أتى بالمال ليشتري تحرير سقراط من السجن.

 

(33) Phédon أحد كتب أفلاطون فيه نقاش بين الرأي الحقيقيّ والمعرفة.

 

(34) قالوا: النفس تشبه تناسق الأوتار في آلة موسيقيَّة، ممّا يعني أنَّها تأتي بعد الجسد. رفض نميسيوس هذا الموقف: فالنفس جوهر سابقٌ للجسد.

 

(35) كتب جالينوس في البيان مؤلَّفًا في خمسة كتب. بقيَتْ أجزاء منه في اللغة العربيَّة. سوف يذكر نميسيوس الكتاب الثالث من هذا المؤلَّف.

 

(36) Hippocrate هو أبو الطبّ. وُلد حوالي سنة 460 ق.م. أقام قرب Asclépios إله الطبّ. قال: الطبيعة هي مبدأ الصحَّة.

 

(37) .Latès وربَّما Thalès (625-547 ق.م.) عالِمٌ وفيلسوف يونانيّ من إيّونية، وأحد حكماء اليونان السبعة.

 

(38) Origène (185-251 ق.م.). ابن الإسكندريَّة والمعلِّم فيها قبل أن ينتقل إلى قيصريَّة فلسطين ويموت في صور (لبنان).

 

(39) Mothosلم نجد عنه شيئًا. يقول: الطبع أهمّ من اللون. فلا جسد بدون طبع، كما لا نار بلا حرارة. إذًا الطبع صفة ولا يمكن أن يكون النفس.

 

(40) عاد نميسيوس إلى تعليم أرسطو حول النفس وتركه لكي يعود إلى النيوأفلاطونيَّة وإلى النظرة المسيحيَّة.

 

(41) شدَّد فيثاغور على أهميَّة العدد. فالتجانس يعطي الصحَّة والنموّ للجسد. ولكن لا يمكن أن نجعل النفس تحت العدد.

 

(42) شفع أم وتر: عبارة تعني: زوج أم فرد.

 

(43) تشديد على quantité. تزداد وتنقص.

 

(44) النفس كائنٌ يتحرّك من ذاته فلا يضاف إليه شيء.

 

(45) .Eunomius ابن القرن الرابع. وُلد على الحدود بين الكبادوك وغلاطية سنة 356. تتلمذ على يد Aetius ونظَّم نسخة جديدة عن الأريوسيَّة، مع احتقار للتقليد الكنسيّ.

الفصل الثامن

 

غريغوار ابن أبو الفرج ابن العبريّ (1226-1286)

 

في الذكرى المئويَّة السابعة لوفاته(*)

 

مضت سبعماية سنة على وفاة أحد كبار فلاسفة الشرق ولاهوتيّيه، العلاّمة أبو الفرج الملقَّب بابن العبريّ، فاحتفلت الكنائس السريانيَّة بهذه الذكرى في دمشق وحلب وحمص والقامشلي وبيروت؛ وأفردت العراق يومين، يومًا في دير مار متّاي حيث دُفن ويومًا في الموصل؛ ونظَّمت الجامعة اللبنانيَّة سلسلة من المحاضرات دامت ثلاثة أيّام، تطرَّق فيها الباحثون إلى المجالات التي غاص فيها ابن العبريّ: اللاهوت والأخلاقيّات والكتاب المقدَّس والشعر والتاريخ؛ ونشرت دار المشرق تاريخ الزمان ببيروت. فمن هو هذا العظيم الذي احتفلنا بذكراه؟

 

أوَّلاً: حياة ابن العبريّ

 

  1. مولده

 

وُلد ابن العبريّ في ملطية، عاصمة أرمينيا الصغرى، سنة 1226. ونال في العماد اسم يوحنّا. واتَّخذ اسم غريغوار يوم رُسم أسقفًا سنة 1246. أمّا اسمه الكامل فهو أبو الفرج جمال الدين مار غريغوار ابن تاج الدين هارون بن توما المَلطيّ. انتمى إلى أسرة عريقة في المسيحيَّة والشرف، وكان أبوه هارون طبيبًا عالمًا، وجيهًا في قومه، نافذ الكلمة في أهل بلده(1).

 

كان لهارون أولاد نجباء هم ميخائيل وموفَّق ودمنيا ويوحنّا (غريغوار) وبرصوم. والظاهر أنَّهم توفُّوا جميعًا قبل غريغوار، ما عدا برصوم الصفيّ الذي كان شمّاسًا لأخيه، ثمَّ خلفه على كرسيّ المشرق سنة 1288، وظلَّ يشغل هذا المنصب حتّى وفاته في 1 من كانون الأوَّل سنة 1307. ونشير هنا إلى أنَّ برصوم أنجز ترجمة أخيه وأكمل التاريخ الكنسيّ الذي بدأه غريغوار وتوقَّف عنه سنة 1285، فأكمله أخوه حتّى سنة 1288.

 

أمّا عن لقب ابن العبريّ، فيقول المستشرقون(2) إنَّ أباه كان يهوديّ الأصل اهتدى إلى النصرانيَّة فلقِّب بابن العبريّ وانتقل هذا اللقب إلى أولاده. إلاَّ أنَّ البطريرك اغناطيوس أفرام الأوَّل برصوم(3) دحض مقال المستشرقين موردًا بيت شعر قاله ابن العبريّ عن نفسه: »إذا كان سيِّدنا المسيح سمّى نفسه سامريٌّا فلا غضاضة عليك إن دعوك ابن العبريّ، لأنَّ مصدر هذه التسمية نهر الفرات لا دينًا معيبًا ولا لغة عبريَّة«(4). فالأرثوذكس عامَّة ينكرون هذا التعليل ويقولون إنَّ هذا اللقب أطلق على العائلة لولادة أحد آبائها أو لولادة هارون نفسه في أثناء عبور نهر الفرات. أمّا بولس بهنام مطران بغداد السابق فيربط بين قرية كبيرة تسمّى »عبري« من أعمال جوباس، وملطية موطن غريغوار أبي الفرج فيقول: جلا جدُّ أبي الفرج عن هذا القرية إلى ملطية، إلاَّ أنَّ اسم القرية لاحقه فبقيَتْ النسبة في أحفاده(5).

 

  1. حداثته

 

عكف ابن العبريّ منذ حداثته على الدراسة والحفظ والتحصيل، فأتقن السريانيَّة والعربيَّة بعلومهما، وقرأ الطبّ على أبيه فتعلَّم منه شيئًا كثيرًا، وكذلك على غيره من أطبّاء العصر المشهورين. واشتغل أيضًا بالفلسفة واللاهوت فدرس مبادئهما على يد والده وحصَّل الكثير وهو لم يبلغ الثامنة عشرة من عمره.

 

ولكنَّ الكوارث التي حلَّت ببلده اضطرَّته موقَّتًا إلى الانقطاع عن التحصيل. فقد هجم المغول في صيف 1243 على ملطية واستولوا عليها، فهاجر معظم سكّانها إلى سورية ونزح هارون مع أسرته إلى أنطاكية وكانت آنذاك في يد الصليبيّين، فلمّا وصلوا إليها اعتزل ابنُ العبريّ العالمَ وتنسَّك في إحدى المغاور المجاورة. غير أنَّ البطريرك اغناطيوس سابا صرفه عن حياة العزلة هذه بعد أن وصل إليه خبر علمه وفضيلته فطلب إليه متابعة تثقُّفه علميٌّا وروحيٌّا ليستعدَّ لخدمة الكنيسة والمجتمع. وهكذا ذهب أبو الفرج إلى طرابلس (لبنان) مع رفيق له يدعى صليبا فتابع دراسة الطبِّ والبيان والمنطق على عالِم من علماء النساطرة اسمه يعقوب(6).

 

  1. الأسقف غريغوار

 

في سنة 1264، دعا البطريرك اغناطيوس (1222-1252) غريغوار ورفيقه، فرسم صليبا أسقفًا على كنيسة عكّا، وغريغوار أسقفًا على أبرشيَّة جوباس الصغيرة في منطقة ملطية وهو ابن عشرين سنة. ولم تمضِ سنة حتّى نقله البطريركُ إلى لاقبين في المقاطعة نفسها.

 

توفِّي البطريرك اغناطيوس سابا وخلفه ديونيسيوس عنجور (1252-1261) الذي تحزَّب له ابن العبريّ على خصمه ابن المعدنيّ. فنقل ديونيسيوس ابن العبريّ إلى كرسيّ حلب، إلاَّ أنَّ هذه المدينة كانت موالية لابن المعدنيّ فرفضت قبول الأسقف الجديد. حينئذٍ اضطرَّ غريغوار إلى الذهاب إلى دير مار برصوم وأقام عند بطريركه سنتين، ثمَّ قصد دمشق فنال حظوة عند الملك الناصر فرفع مكانته وأعاده إلى كرسيِّه مكرَّمًا. واستفاد ابن العبريّ من هذه الفترة من حياته فأكبَّ على المطالعة وأتمَّ دروسه الفلسفيَّة واللاهوتيَّة وأحكم اللغة العربيَّة، وبدأ يستعدُّ لحقبة جديدة في حياته.

 

ومن ثمَّ عاد إلى حلب بعد أن تحسَّنت علاقاته بابن المعدنيّ سنة 1258، ولكن حدثت في تلك السنة الغزوة المغوليَّة التي ضربت بغداد وقوَّضت الدولة العبّاسيَّة وزرعت الدمار في بلاد العراق وبعض أطراف الشام. وذهب ابن العبريّ لملاقاة هولاكو ليستعطفه على شعبه، ولكنَّ المغول أسروه وأعملوا السيف في رقاب سكّان حلب المدينة المنكوبة من مسيحيّين ومسلمين على حدِّ سواء(7). ولكنَّه في الأخير نال حظوة لدى هولاكو نفسه، نظرًا إلى مهنة الطبِّ التي كان يُتقنها.

 

  1. مفريان المشرق

 

قُتل البطريرك ديونيسيوس في كرسيِّه سنة 1261، ولم يعش البطريرك ابن المعدنيّ بعده طويلاً، فلحقه سنة 1263، وكان، قبل وفاته، قد اختار ابن العبريّ ليحلَّ محلَّه في مفريانيَّة الشرق. ولمّا خلفه اغناطيوس الثالث يشوع في كرسيّ البطريركيَّة سنة 1264، أقرَّ اختيار ابن العبريّ. وجرت حفلة التنصيب بأبَّهة فائقة في مدينة سيس بحضور الملك هايتوم الأرمنيّ وعظماء بلاطه، مع أساقفة اليعاقبة وأساقفة الأرمن في 19 من كانون الثاني سنة 1264. لا يخفى على القارئ أنَّ رتبة المفريان هي الرتبة الثانية في الكنيسة السريانيَّة، وصاحبها يأتي مباشرة بعد البطريرك، وله السلطة على الأساقفة في مفريانيَّته(8). أمّا مفريانيَّة المشرق فكانت تشمل الناحية الشرقيَّة من بلاد الرافدين والعراق العجميّ ومنطقة أشور، أي كلّ ما كان يدخل سابقًا في المملكة الساسانيَّة، فهي رعيَّة واسعة جدٌّا ومنتشرة في مناطق شاسعة.

 

أخذ المفريان الجديد يجوب أنحاء رعيَّته وظلَّ على هذا المنوال 22 سنة يعمل بغيرة ونشاط وإخلاص. تنقَّلَ بين نينوى ودير مار متّاي وبغداد والموصل ومراغة وتبريز، وكان يتفقَّد المؤمنين ويشجِّعهم. ومرَّ في بغداد مرَّتين، ولاقى إكرامًا لدى جثالقة المشرق، وزار تكريت سنة 1277 بعد أن مرَّ فيها التتر فأحدثت زيارتُه فرحًا عظيمًا لمدينة لم تحظَ بزيارة مفريان منذ ستّين سنة(9).

 

وزار هولاكو، الملك التتريّ، فحظيَ بعطفه ونال منه ثلاث براءات: واحدة له، وواحدة للبطريرك، وثالثة لأسقف قيساريّة قبادوقية (في تركيّا) اليعقوبيّ. وسهر على استتباب الأمن والراحة بين أبناء الرعيَّة، وأنشأ الكنائس والأديرة، واهتمَّ بكنيسة برطلة وهو في أواخر حياته سنة 1285. ويروي في تاريخه الكنسيّ أنَّه أقام خلال حياته اثني عشر أسقفًا ممَّن تميَّزوا بالفضيلة والعلم. ولم يقتصر نشاطه على أبناء رعيَّته، بل اتَّصل بالمسيحيّين من مختلف المذاهب من روم وأرمن ونساطرة. واتَّصل كذلك برجال الدولة المسلمين وبأرباب العلم والثقافة، فكثر أصدقاؤه في الأوساط المختلفة.

 

ومع كلِّ هذا النشاط، لم يألُ ابن العبريّ جهدًا في الاطِّلاع على خزائن الكتب والمحفوظات في الأديرة والمعابد. واستفاد خصوصًا ممّا وجده في مدينة مراغة، من أعمال أذربيجان، من وثائق ستساعده على تدوين كتبه التاريخيَّة.

 

وظلَّ ابن العبريّ على هذا المنوال في نشاطه إلى أن وافته المنيَّة في 30 من تمُّوز سنة 1286 في مدينة مراغة، وكان فيها مار يبلاها الثالث، جاثليق النساطرة التتريّ الأصل، فرأى أن يقام لابن العبريّ جنازة فخمة، فشارك فيها الروم والأرمن فضلاً عن اليعاقبة(10). ولقد وضع جثمانه في مذبح كنيسة السريان في مراغة ثمَّ نقل فدفن في دير مار متّاي، وهو لا يزال هناك إلى يومنا هذا موضع إكرام وتقدير.

 

ثانيًا: آثار ابن العبريّ

 

يقول السمعانيّ: »لم يكفَّ ابن العبريّ عن القراءة والكتابة منذ العشرين من عمره وحتّى نهاية حياته«. وكتاباته خير شاهد على علمه الشامل الذي تطرَّق إلى كلِّ فروع المعارف البشريَّة، وقد أحصى منها أخوه برصوما 31 كتابًا وصل إلينا أكثرها وأهمُّها.

 

  1. الآثار الفلسفيَّة

 

كانت الفلسفة الجامعة على الطريقة الأرسطاطاليَّة سهلة المنال مستقرَّة المقام بين المسيحيّين أبناء اللغة السريانيَّة، كما كان مفكِّرو المسلمين يأخذون بها أمثال الفارابي وابن سينا وابن رشد. وجاء ابن العبريّ فكان وريث ثقافة مزدوجة، فألَّف في العربيَّة والسريانيَّة، وهذه مؤلَّفاته الفلسفيَّة التي وصلت إلينا.

 

أ) بعض المؤلَّفات الفلسفيَّة

 

رسالتان في النفس دبَّجهما في العربيَّة: الأولى مقالة مختصرة في النفس البشريَّة، نشرها الأب لويس شيخو(11) سنة 1898، ويبدو أنَّ ابن العبريّ اقتدى فيها برسالة سريانيَّة بالعنوان نفسه للكاتب السريانيّ موسى بركيفا الذي نقل بدوره عن كتاب يونانيّ عنوانه في النفس البشريَّة لططيانس، نُسب خطأ إلى القدّيس غريغوار العجائبيّ(12). والرسالة الثانية مختصر في علم النفس الإنسانيَّة. نشرها القسّ بولس سباط في مصر سنة 1928 فجاءت في 74 صفحة(13)، وقد ألَّفها ابن العبريّ بناء على طلب ديونيسيوس عنجور أسقف ملطية قبيل سنة 1252، ووصلت منها نسخة نفيسة، أنجزت في أواخر القرن الثالث عشر أو أوائل القرن التالي، إلى يد البطريرك اغناطيوس برصوم فنشرها في »المجلَّة البطريركيَّة«(14) ثمَّ على حدة في حمص سنة 1938.

 

ب) الأحداق (كتوبو دبوبوتو):

 

كتيِّب في المنطق والفلسفة لا تتجاوز صفحاته الأربعين، ألَّفه بعد سنة 1275 فجاء في سبعة أبواب مبنيَّة على أورغانون (المنطق) أرسطو. نعرف منه ثلاث نسخ، واحدة في جامعة روكفلر بشيكاغو كُتبت سنة 1290، وثانية في لندن (رقم 1017)، وثالثة في كمبريدج (رقم 2005) والأخيرتان تعودان إلى سنة 1579، وهناك أيضًا نسخة في البطريركيَّة السريانيَّة الأرثوذكسيَّة وثانية في دير الشرفة(15).

 

ج) حديث الحكمة (سود سوفيا):

 

كتاب صغير يتضمَّن أربعة أبواب: المنطق، الفيزياء، الربوبيَّة، الأخلاق. نُشرت منه مقاطع في مجلَّة المعهد الطبّيّ العربيّ في دمشق، ونشره سنة 1940 البطريرك برصوم عن ترجمة عربيَّة عُملت بعد زمن المؤلِّف بمدَّة يسيرة وجاءت نسختها من سنة 1608(16).

 

وقبل أن نتطرق مطوَّلاً إلى كتاب زبدة الحكمة في الفلسفة، نشير هنا إلى كتاب تجارة الفوائد في المنطق والفلسفة، وهو مجلَّد يختصر كتاب زبدة الحكمة، وضعه المؤلِّف قبل سنة 1276 وبقيَتْ منه ستّ نسخ أقدمها خُطَّت في 20 من أيّار سنة 1276(17). قيل إنَّ هذا الكتاب نُقل من العربيَّة إلى السريانيَّة، والأمر يحتاج إلى دليل(18). ونشير هنا إلى أنَّ ابن العبريّ نقل من العربيَّة إلى السريانيَّة كتاب الإشارات والتنبيهات في المنطق والفلسفة وما وراء الطبيعة لابن سينا إجابة إلى رغبة القسّ شمعون آل توما الشرقيّ، رئيس أطبّاء الملك هولاكو(19)، كما نقل كتاب زبدة الأسرار في الفلسفة لأثير الدين الأبهريّ المتوفّى سنة 1264، ولكنَّ هذا الكتاب مفقود.

 

د) زبدة الحكمة (حاوت حكمي)

 

أهمُّ كتاب فلسفيّ تركه لنا ابن العبريّ هو زبدة الحكمة، يقع في مجلَّدين من 951 صفحة ولا يزال مخطوطًا. للمجلَّد الأوَّل نسختان قديمتان، الأولى في فلورنسا (عدد 186)، تعود إلى سنة 1340 وقد خطَّها القسّ الراهب نجم، والثانية في أوكسفورد (هونت 1)، خطَّها الراهب القسّ يوسف الكرجيّ سنة 1498، وأربع نسخ حديثة في كندناط (بلاط الملابار) وحلب ودير السيِّدة (خطَّت سنة 1818) وبرمنغام. وللمجلَّد الثاني نسختان قديمتان الأولى خُطَّت على عهد المؤلِّف وقد نُقلت في أواخر سنة 1285 وأوائل سنة 1286 وهي موجودة في الخزانة البطريركيَّة للسريان الأرثوذكس، والثانية موجودة في خزانة آمد الكلدانيَّة، ونسختان حديثتان، الواحدة في الخزانة البطريركيَّة وأخرى في برمنغام.

 

يتطرَّق المجلَّد الأوَّل إلى العلم المنطقيّ الفلسفيّ وفيه تسعة كتب: الأوَّل إيساغوجي أو المدخل؛ الثاني كتاب المقولات العشر كالجوهر والعرض؛ الثالث كتاب بريرمنياس أي العبارة؛ الرابع الأنالوطيقي الأوَّل وهو تحليل القياس؛ الخامس الأنالوطيقيّ الآخر أي البرهان؛ السادس كتاب طوبيقي أو ديالقطيقي وهو الجدل؛ السابع السوفسطيقي أي المغالطة أو الحكمة المموَّهة؛ الثامن ريطوريقي أي الخطابة؛ التاسع فوايطيقي أي الشعر.

 

في هذا المجلَّد الذي يقع في 365 صفحة اتَّبع ابن العبريّ طريقة أرسطو في طرح المواضيع، وقال في خاتمته: »هذا كلُّ ما وقفنا عليه من تعليم أستاذنا الفيلسوف الكبير أرسطاطوليس في كتاب الشعر، ويُخال لي أنَّ جزءًا غير يسير فضل منه، إمّا لم يُنقَل من اليونانيَّة أو السريانيَّة أو العربيَّة، أو نُقل ولم يصل إلينا. وإذا شاء الله وكان في الأجل نسخة فإنَّنا ننوي وضع كتاب كافٍ في هذا الفنّ، نستقصي فيه من الأقيسة ما وافق هذه اللغة وحسُنَ فيها وقعه وتتَّفق ألفاظه وتحمل معانيه التي تصادف قابليَّة طبيعيَّة للتخيُّل، كاجتماع الأضداد والمجانسة والاستعارة والمضادَّة والتتابع والمقايسة والمساواة والدلالة والتحقُّق وغير ذلك«(20).

 

أمّا المجلَّد الثاني فهو يتطرَّق إلى الطبيعيّات وفيه جزءان. في الجزء الأوَّل ثمانية كتب: الأوَّل كتاب السماع الطبيعيّ ويُعرف بسمع الكيان، يتضمَّن خمسة أبواب وفيه تعريف بالأمور العامَّة لجميع الطبيعيّات (أو الفيزياء) مثل المادَّة والصورة والحركة الطبيعيَّة والأسباب والنهاية وغير النهاية وتعلُّق الحركات والنهاية إلى محرِّك أوَّل واحد غير متحرِّك وغير متناهي القوَّة لا جسم له ولا هو في جسم؛ الثاني كتاب السماء والعالم، يتضمَّن خمسة أبواب وفيه تعريف بأحوال الأجسام، بالعناصر الأربعة وحركاتها ومواضعها، وبالحكمة في صيغتها وتفصيلها؛ الثالث كتاب الكون والفساد، فيه أربعة أبواب يشرح فيها حال الكون والفساد والتوالد والنشوء والاستحالات، ويبيِّن عدد الأجساد القابلة لهذه الأحوال؛ الرابع كتاب المعادن، فيه يذكر حال الكائنات الجماديَّة وما في المعادن والجبال والينابيع وحركة الأرض ووضع المسكونة؛ الخامس كتاب الآثار العلويَّة ويُسمَّى مترولوجيا، يتضمَّن أربعة أبواب وفيها يتكلَّم على الأحوال التي تعرض في العناصر الأربعة وتأثير السماوات والشهب والغيوم والصواعق والرياح والزلازل والبحار والجبال؛ السادس كتاب النبات، في أربعة أبواب، يبحث عن الكائنات النامية؛ السابع كتاب الحيوان، بأبوابه الستَّة، وفيه يعرف طبائع الحيوان وحال الكائنات الحيوانيَّة؛ الثامن كتاب النفس، في أربعة أبواب وهو يشتمل على معرفة النفس والقوى الداركة والمحرّكة التي في الحيوان وخصوصًا في الإنسان.

 

ويبقى الجزء الثاني من المجلَّد الأوَّل الذي يتضمَّن خمسة كتب: الفلسفة، العلم الإلهيّ ويسمّى أيضًا ما بعد الطبيعة وهو القسم النظريّ، والإيثيقيون، أي كتاب الأخلاق أو الحكمة الخلقيَّة وهو القسم العلميّ، تدبير الذات والمنزل، سياسة المدن(21).

 

  1. الآثار اللاهوتيَّة

 

كان ابن العبريّ أسقفًا ورئيس أساقفة، وكان أوَّل همومه تثقيف كهنته ورهبانه ليعلِّموا بدورهم الشعب المؤمن. لهذا صرف معظم وقته في تدبيج الكتب اللاهوتيَّة، فتطرَّق إلى الكتاب المقدَّس، وإلى ما نسمِّيه اللاهوت النظريّ أو التعليم في العقيدة، وإلى ما نسمِّيه اللاهوت الأدبيّ أي التعليم في الأخلاق والمسلك المسيحيّ والنسكيّات.

 

أ) مخزن الأسرار (أوصر روزي)

 

مخزن الأسرار مجلَّد ضخم فسَّر فيه ابن العبريّ أسفار العهدين القديم والجديد وفرغ من تدوينه سنة 1278(22). هذا المصنَّف لم يزل مخطوطًا، نَشر منه المستشرقان سبرنكلن وغراهام المجلَّد الأوَّل الذي يبدأ بسفر التكوين وينتهي بسفر صموئيل الثاني فجاء في 363 صفحة بحجم كبير(23). ولقد طبع كذلك كيتش وبرنستين المقدِّمة وبعض الشروح لمقاطع من سفر أيّوب في مختارات سريانيَّة(24)، وكان قد سبقهما العلاّمة يوسف شمعون السمعانيّ فنشر مقتطفات ونقلها إلى اللاتينيَّة(25). ثمَّ إنَّ الطلاّب الجامعيّين الألمان درسوا مخزن الأسرار، ونقلوا بعض أجزائه إلى اللاتينيَّة أو إلى الألمانيَّة بشكل أطروحة دكتورا. ونذكر على سبيل المثال أنَّ لارساو عُني في ليبزيغ بشرح الفصلين الأوَّلين من سفر التكوين، وأنَّ كلامروث اهتمَّ بأعمال الرسل والرسائل الكاثوليكيَّة، وأنَّ شوارتز درس إنجيل يوحنّا، وسبانوث إنجيل متّى(26).

 

هذا الكتاب الذي سخَّر له علمه بأسره تناول أسفار العهد القديم كلِّه، القانونيَّة الأولى والقانونيَّة الثانية(27)، وأسفار العهد الجديد، ولم يستثنِ منها إلاَّ سفر الرؤيا لأنَّ التقليد السريانيّ لم يجعله في رتبة سائر الكتاب القانونيَّة.

 

في هذا الكتاب الذي تعدَّدت نسخاته المخطوطة فأنافت على العشرين(28)، عاد ابن العبريّ إلى السبعينيَّة والبسيطة وأفاد من الحرقليَّة والهكسبلة(29) واستشهد بالأرمنيَّة والقبطيَّة ليضبط النصَّ الذي يفسِّر، فشرح الآيات مستندًا إلى تفاسير الأقدمين أمثال أوريجان المصريّ وأوسيب القيصريّ، وأثناز الإسكندرانيّ وأفرام السريانيّ وغريغوار النازينزيّ وفيلوكسين المنبجيّ وسويريوس الأنطاكيّ وغيرهم. غير أنَّه لم يقرأ مباشرة هذه النصوص بل وجدها في شُرّاح السريان السابقين. وهنا نشير إلى أنَّ ابن العبريّ يقف على مفترق طريقين: الطريق النسطوريَّة من تيودور بركوني وإسكوليّاته(30) التي جمعها في نهاية القرن الثامن، إلى المسائل المختارة لإيشوع برنون (+828) إلى إيشوعداد المروزيّ وحنانيشوع برسروشويه، إلى الشرح المجهول الاسم، إلى جنَّة الأطياب (أو: جنّة النعيم)، والطريق السريانيَّة ابتداءً من تيودور المبسوسطيّ وفيلوكسين المنبجيّ (+523) إلى يعقوب الرهاويّ (+708) وموسى بركيفا وديونيسيوس الصليبيّ.

 

شرح ابن العبريّ الكتاب المقدَّس شرحًا لفظيٌّا ولغويٌّا، وهذا ما نسمِّيه المعنى الحرفيّ، وشرحه شرحًا روحيٌّا ورمزيٌّا فاكتشف في نصوصه المعنى النهائيّ للكتاب وهو يسوع المسيح وكنيسته.

 

ب) منارة الأقداس

 

منارة الأقداس موسوعة كبيرة تحتوي عرضًا شاملاً للتعاليم الأرثوذكسيَّة، وسيوجزها ابن العبريّ في كتاب الأشعَّة(31). أمّا نحن فنتحدَّث عن منارة الأقداس.

 

هذا الكتاب الذي ذكره السمعانيّ في حديثه عن المكتبة الشرقيَّة الفاتيكانيَّة وصل إلينا في مخطوطات عدَّة توزَّعت بين الشرق والغرب. الأوَّل مخطوط الفاتيكان (عدد 168) يعود إلى القرن الرابع عشر وهو أفضل المخطوطات التي نَقلت إلينا منارة الأقداس لكتابته الواضحة ونصِّه الصحيح الذي لا تشويه فيه. الثاني مخطوط برلين (رقم 190) الذي دوَّنته يدان مختلفتان واحدة سنة 1430، وأخرى سنة 1693، فجاء قريبًا من مخطوط الفاتيكان. ودُوِّن مخطوط فلورنسا في عمودين (سنة 1387) بخطٍّ جميل مع بعض الكلمات المشطوبة والتصحيحات. ويعود مخطوط كمبريدج بإنكلترا إلى القرن الخامس عشر وهو يرتبط بمخطوط فلورنسا، والأخطاء مشتركة ما بينهما. والخامس مخطوط باريس (رقم 210) يعود إلى سنة 1404، كُتب بخطٍّ كبير واضح. تشوَّهت بعضُ كلماته فحاول أحد النسّاخ تصحيحها في ما بعد (سنة 1587). يرتبط مخطوط باريس في بعض عناصره بالفئة الأولى الممثَّلة بمخطوط الفاتيكان ومخطوط برلين، وفي بعضها الآخر بالفئة الثانية الممثَّلة بمخطوط فلورنسا وكمبريدج. ويجدر القول إنَّه منه انطلقت الترجمات العربيَّة لمنارة الأقداس في القرنين السابع عشر والثامن عشر.

 

هذا في الغرب، أمّا في الشرق فهناك مخطوط دير القدّيس مرقس بأورشليم القدس الذي دُوِّن سنة 1590 فجاء ببعض موادِّه قريبًا من مخطوطي الفئة الأولى، ومخطوط مطرانيَّة السريان الأرثوذكس في بيروت الذي يعود إلى القرن الرابع عشر ومخطوط الحسَكة في الجزيرة الذي يعود إلى سنة 1405.

 

نقل كتابَ منارة الأقداس إلى العربيَّة الشمّاس سرجين ابن الأسقف يوحنّا بن غرير الدمشقيّ وتوزَّعت نسخاته على المكتبة الوطنيَّة بباريس (سنة 1656) والمكتبة البودليّة في أوكسفورد (سنة 1656) ومكتبات لندن وكمبريدج، والشرفة والشرقيَّة في لبنان.

 

تتألَّف منارة الأقداس من اثني عشر ركنًا أو بابًا، وكلُّ باب يتضمَّن فصولاً وأقسامًا.

 

الباب الأوَّل: العلم بوجه العموم وفيه فصلان، يتطرَّق الفصل الأوَّل إلى إمكانيَّة اقتناء العلم، والفصل الثاني إلى المنطق. بعد مقدِّمة دوَّنها ابن العبريّ فأبان فيها أنَّ عصره يستخفُّ بالإيمان الحقِّ والعلم الحقّ، يعلن هو أنَّ هذا ما دفعه إلى جمع تعاليم الفلسفة والعلوم والطبيعة في موسوعة ونقدها وتمحيصها بطريقة فلسفيَّة. أمّا هدف الباب الأوَّل فهو القول بأنَّ قمَّة الكمال هي عند الإنسان، الكائن العاقل الباحث عن العلم الذي نقتنيه عن طريق الحواسّ والعقل. ويورد ابن العبريّ الشواهد المأخوذة من الكتاب المقدَّس والآباء المعلِّمين من يونان وسريان. وبعد أن يرسم صورة عن الإنسان المثاليّ يرُدُّ على أعداء الحكمة وعلى الرافضين حقيقة العلم بواسطة الحواسّ والعقل(32).

 

ويصف الكاتبُ في الباب الثاني العالمَ كما خُلق في ستَّة أيّام. عاد ابن العبريّ إلى الأدب السريانيّ من خلال تعليم موسى بركيفا عن الستَّة أيّام فاستقى المادَّة اللاهوتيَّة. واستند إلى الفكر اليونانيّ فقرأ أرسطو عند السريان والعرب، ولم ينسَ كتبًا مثل تاريخ الهند للبيرونيّ، ومروج الذهب ومعادن الجوهر للمسعوديّ، وتقويم البلدان لأبي الفداء. في الفصل الأوَّل يعالج قضيَّة العالم الأزليّ ويعتبر أنَّه مرتبط بالزمن، وفي الفصل الثاني يتطرَّق إلى زوال العالم، وفي الفصل الثالث يعدِّد الخلائق التي كوَّنها الله(33).

 

الباب الثالث يتحدَّث عن اللاهوت: تأكيد وجود الخالق، واجب الوجود والمعبود في كيانه، الله الأزليّ الدائم، الله الخالق الذي لا جسم له مع أنَّنا نقول عنه إنَّه يَسمع ويَرى. الخالق يعرف ذاته وكلَّ الخلائق، هو لا يُرَى بعين الجسد، وهو الخفيّ الذي لا يُدرك. ويُعلن ابن العبريّ أنَّ الله واحد وأنَّه مثلَّث الأقانيم في طبيعة واحدة. وهذا يعني أنَّ الابن والروح القدس ليسا مخلوقين كما يقول أتباع آريوس ومقدونيوس، بل مساويان للآب في الجوهر(34).

 

ويتطرَّق ابن العبريّ في الباب الرابع إلى سرِّ التجسُّد وإمكانيَّة حدوثه فيعود إلى المحصول في الفقه لفخر الدين الرازيّ ليدافع عن عقيدته من الوجهة العقليَّة. ويورد النبوءات والمعجزات التي تسند عقيدة التجسُّد(35). وفي الباب الخامس يبرهن عن وجود الملائكة وعن عددهم وخلقهم وطبيعتهم ودورهم في مخطَّط الله، فيستند إلى ديونيسيوس المنتحَل الذي يُعتبر حجَّةً عند اليعاقبة ويوحنّا الدمشقيّ في كتابه الإيمان الأرثوذكسيّ وموسى بركيفا في كتابيه خلق الملائكة والرتب الملائكيَّة اللذين ضاعا في السريانيَّة ووُجدا في العربيَّة في مكتبة كمبريدج. ويستفيد ابن العبريّ أيضًا من الفلاسفة العرب ولاسيَّما الفارابي وابن سينا(36).

 

بعد الباب السادس الذي يتحدَّث عن الكهنوت(37) يعود ابن العبريّ في الباب السابع إلى كائنات روحيَّة أخرى هم الأرواح الشرّيرة: وجودهم وطبيعتهم. يورد الكاتب آراء المانويّين الذين يعتبرون الشرَّ كائنًا يواجه إله الخير، وأولئك القائلين بعدم وجود الشياطين فيردَّ عليهم راجعًا إلى البراهين العقليَّة وتلك المأخوذة من الكتب المقدَّسة(38). موضوع الباب الثامن، النفس العاقلة(39) والباب التاسع، الحرِّيَّة والإرادة. هنا يتحدَّث الكاتب عن الخير والشرّ، عن العناية الإلهيَّة والإرادة الإلهيَّة، عن حرِّيَّة الإنسان ونهاية حياته(40). موضوع الباب العاشر، إحياء الموتى أو قيامة الأجساد(41). في هذا الباب ثلاثة فصول، الفصل الأوَّل: عودة الفاني إلى الوجود والأمر ممكن رغم معارضة المعارضين؛ الفصل الثاني: القيامة أو تجديد الأجساد البشريَّة التي تقوم حقٌّا يوم القيامة. قال الكتاب: »أنا المميت وأنا المحيي«(42)، وقال أيضًا: »ها أنت تصنع للأموات عجائب فيقوم الجبابرة ويمدحونك والذين في القبور يحدِّثون بنعمتك«(43)، وقال أيضًا: »أمواتك يحيون وجثثهم تقوم«(44). ويورد مقال الصادوقيّين الذين يُنكرون قيامة الموتى ويردُّ عليهم. وفي الفصل الثالث يتطرَّق الكتاب إلى المسألة التالية: كيف تكون الأجساد عندما تقوم؟

 

في الباب الحادي عشر وعنوانه النهاية والدينونة ومجازاة الأخيار والأشرار(45)، يتوقَّف ابن العبريّ عند علامات نهاية الأزمنة، عند سعادة الأخيار وشقاء الأشرار، عند ارتباط الإيمان بالأعمال والمجازاة في العالم الآخر. والباب الثاني عشر عنوانه: فردوس عدن والنظريّات المتعلِّقة بحالة السعادة(46). الفردوس أين يوجد وكيف تكون الحياة فيه؟ ماذا نعني بشجرة الحياة، وشجرة معرفة الخير والشرّ والحيَّة التي أغوت بيت آدم؟

 

  1. في اللاهوت الأدبيّ

 

نتوقَّف في هذا المجال عند ثلاثة كتب تجمع بين القوانين والأخلاق والنسكيّات. وهذه الكتب هي: النوموكانون أو كتاب التوجيهات (كتوبو درمزي)، الإيثيقون أو علم الأخلاق، الحمامة (كتوبو ديونو) وهو مختصر في ترويض النسّاك.

 

أ) النوموكانون

 

النوموكانون أو مجموعة القوانين اسمه في السريانيَّة كتوبو دهودويي أو كتاب الهدايات في الشرع الدينيّ والمدنيّ. نشره في السريانيَّة(47) الأب بول بيجان اللعازريّ سنة 1898 ونقله إلى العربيَّة دانيال بن الخطّاب (+ 1382) تحت عنوان القوانين البيعيَّة كما نقله يوحنّا بن غرير (نهاية القرن السادس عشر) وأسماه الهدايات، وفيلوكسين يوحنّا الدولبانيّ سنة 1929 وأسماه الهدى أو الهدايات، ولكن هذه الترجمات لا تزال مخطوطة. يقع كتاب الهدايات هذا في أربعين فصلاً نورد بعضًا منها: العماد، الميرون، القربان، الأصوام والأعياد، الجنائز، الدرجات والرتب الكهنوتيَّة، الأملاك والزواج، الوصايا، الوراثة، البيع والشراء…

 

يَرجع ابن العبريّ في كتابته إلى تعليم أداي ومجامع أنقره ونيوقيساريَّة ونيقية وأنطاكية واللاذقيَّة وقسطنطينيَّة وسليق وخلقيدونيا، ويستفيد ممّا كتبه الآباء الأقدمون: إقليميس، ديونيسيوس الأثينيّ، وفيلوكسين ويوحنّا التلّي وسويريوس الأنطاكيّ ويعقوب الرهاويّ. كما نقل قوانينَ وجدَها عند البطاركة السريان أمثال جرجس الأوَّل (758-790) وقرياقس (793-817) وديونيسيوس الأوَّل التلمحريّ (818-845) وميخائيل الأوَّل الكبير (1166-1199) وغيرهم.

 

ب) الإيثيقون

 

الإيثيوقون أو علم الأخلاق لحسن السلوك في الدين والدنيا. أتمَّ ابن العبريّ تأليفه بمراغة في 15 تمّوز 1279 ونشره بول بيجان(48) ونقله إلى العربيَّة داود الحمصيّ ويوحنّا بن غرير. وهاتان الترجمتان لا تزالان مخطوطتين، ونقله أيضًا المطران بولس بهنام ونشره في مجلَّة المشرق الموصليَة قبل أن ينشره على حدة في القامشلي سنة 1967.

 

يُقسَم الكتابُ إلى أربعة أبواب، الباب الأوَّل: تنظيم الحركات التي تساهم في تهذيب الجسد وقمعه (الصلاة، السهر، الطقوس، الألحان، الأصوام، العزلة، الحجّ إلى أورشليم)؛ الباب الثاني: أعمال الجسد من أكل وشرب وزواج شرعيّ وطهارة جسديَّة وواجبات الحال والأشغال اليدويَّة والصدقة؛ الباب الثالث: الأهواء المنحرفة وكيفيَّة التخلُّص منها: تهذيب النفس، الشراهة، العهارة، خطايا اللسان…؛ الباب الرابع: تزيين النفس بأنواع الفضائل: كيف نكتسب فضائل العلم والإيمان والصبر…

 

الباب الأوَّل والثاني يتوجَّهان إلى جميع المسيحيّين، أمّا الثالث والرابع فإلى طلاّب معرفة الله عن طريق النسك والتوحُّد.

 

تأثَّر ابن العبريّ في كتاب الإيثيقون هذا بإسحق النينويّ ويوحنّا الدلياتيّ ويوحنّا رئيس الدير أو يوحنّا السلَّميّ وبالأخصّ بالأنبا أواغريس الذي يمثِّل الحركة الأوريجانيَّة المتطرِّفة، كما تأثَّر بالمواضيع التي طرقها الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين.

 

ج) كتاب الحمامة

 

آخر ما ألَّفه ابن العبريّ كتاب الحمامة (كتوبو ديونو) وهو مختصر في ترويض النسك. أنشأه باقتراح بعض عشّاق النسك وأسماه الحمامة رمزًا إلى الروح القدس الذي يعمل في قلوب الكاملين. نشره الأب بول بيجان في باريس وليبزيغ بعد كتاب الإيثيقون(49)، والأب قرداحي في رومه سنة 1898، ويوحنّا دولبانيّ في دير الزعفران سنة 1916، والمطران شيشق في هولنده سنة 1983. نُقل إلى العربيَّة سنة 1299 وسُمِّي كتاب الورقاء في علم الارتقاء، ونقله أيضًا الخوري يوحنّا بن غرير الزربابيّ الشاميّ في منتصف القرن السابع عشر. ثمَّ نقله الأب يوسف حبيقه ونشره في مجلَّة المشرق البيروتيَّة(50)، ونشر البطريرك زكّا عيواص النصَّ السريانيّ مع ترجمته العربيَّة في بغداد(51).

 

يُقسَم كتابُ الحمامة إلى أربعة أبواب، الباب الأوَّل: التمارين الجسديَّة الواجب القيام بها في الدير؛ الباب الثاني: العمل الروحيّ في القلاّية؛ الباب الثالث: في الراحة الروحيَّة التي تغمر النفس وكأنَّها تغطِّيها بالسحاب حيث يسكن الربّ؛ الباب الرابع: قسم شخصيّ يتحدَّث فيه المؤلِّف عن كيفيَّة عودته إلى الخير والصلاح بقراءة كتابات أواغريس والنسّاك الآخرين. وفيه يشبه ابنُ العبريّ الغزاليّ في كتابه المنتقذ من الضلال. ويضيف الكاتب إلى القسم الرابع مئة حكمة عبَّر فيها بطريقة مكثَّفة عن اختباراته الروحيَّة السامية.

 

  1. المصنَّفات التاريخيَّة

 

يضيق بنا المقام إن نحن توقَّفنا عند مصنَّفات ابن العبريّ النحويَّة – وقد وضع في هذا المجال كتاب الأضواء وكتاب الغراماطيق – أو عند مصنَّفاته الشعريَّة التي تدور حول الوصف والحكَم والإخوانيّات. ولذا ننتقل حالاً إلى المصنَّفات التاريخيَّة التي هي أهمُّ آثار ابن العبريّ وأدعاها لتقدير علماء العصر. نتحدَّث عن تاريخ الزمان، والتاريخ الكنسيّ، وتاريخ مختصر الدول.

 

ترك لنا ابن العبريّ في السريانيَّة مؤلَّفًا واحدًا فسيحًا هو التاريخ (مكتبنوت زبني). يُقسم إلى قسمين الواحد دينيّ والآخر مدنيّ. إلاَّ أنَّه فُصل بينهما في الطبعات الحديثة فكان منهما كتابان مستقلاّن: التاريخ السريانيّ أو تاريخ الزمان والتاريخ الكنسيّ. وأخذ الكاتب بالأسلوب المتَّبع في عصره، والذي كان يقضي بأن تُجمع في عهد الملك الزمنيّ أو الرئيس الدينيّ، أشهر الأحداث والمعلومات المتنوِّعة، حتّى الأخبار والنوادر. وإليك على سبيل المثال ما حدث في أيّام الخليفة العبّاسي الناصر بن المستضيء الذي بدأت خلافته سنة 1180 وانتهت سنة 1225. لما بُويع بالخلافة قبض على الوزير ابن العطّار وزجَّه في السجن… وفي سنة 1181 زحف صلاح الدين ليناوش السلطان قلبح… الذي كان يسيء معاملة زوجته… وفي تلك الغضون سرَّح البرنس صاحب أنطاكية امرأته اليونانيَّة الشرعيَّة واتَّخذ امرأة زانية… وفي تلك السنة مات سيف الدين… صاحب الموصل… وفي السنة 1181 مرض الملك الصالح إسماعيل صاحب حلب…(52).

 

أ-تاريخ مختصر الدول

 

امتدَّت كتابة التاريخ العام حتّى سنة 1285، ولكنَّه كان في السريانيَّة فرغب إليه بعض أصدقائه من وجهاء العرب في مراغة أن ينقل إلى العربيَّة تاريخه السريانيّ فلبّى الطلب وأقبل على العمل فأتمَّه إلاَّ بعض صفحات منه في نحو شهر، بإنشاء على جانب من التهذيب والوضوح متوخِّيًا فيه الاختصار. إلاَّ أنَّه ضمَّنه أمورًا كثيرة لا تُوجَد في المطوَّل السريانيّ ولاسيَّما في ما يتعلَّق بدولتَي الإسلام والمغول، وتراجم العلماء والأطبّاء خاصَّة. وهكذا كان لنا من يد ابن العبريّ بالذات تاريخ مختصر الدول(53).

 

يذكر ناشر الكتاب الأب صالحانيّ في مقدِّمة الطبعة الأولى أنَّ هذا التاريخ طُبع لأوَّل مرَّة سنة 1663 في مدينة أوكسفورد بالعربيَّة واللاتينيَّة بمراجعة العلاّمة بولوك(54)، ونُقل إلى الألمانيَّة سنة 1783 على يد العلاّمة باور. »ولمّا عزَّ الآن وجود الطبعة الأولى، يقول الأب صالحانيّ، استفزَّتنا محبَّة هذه البلاد إلى إعادة طبع هذا التاريخ«. قابل المخطوطات بعضها ببعض فتسنّى له أن يكمِّل ما كان من النقص في النسخة المطبوعة في أكسفورد.

 

وندخل في بداية كتاب تاريخ مختصر الدول منطلقين ممّا قاله ابن العبريّ: »وبعد فهذا مختصرٌ في الدول قصدت في اختصاره الاقتصار على بعض ما أُوتي في ذكره اقتصاص إحدى فائدتي الترغيب والترهيب من أمور الحكّام والحكماء خيرها وشرّها على سبيل الالتقاط من الكتب الموضوعة في هذا الفنّ بلغات مختلفة سريانيَّة وعربيَّة وغيرها مبتدئًا من أوَّل الخليقة ومنتهيًا إلى زماننا. وهو مرتَّب على عشر دول داولها الله تعالى بين الأمم فتداولها تداولاً بعد تداولب55. ويبدأ الكاتب من دولة الأولياء، من آدم إلى قضاة بني إسرائيل وملوكهم إلى الكلدانيّين واليونان والعرب المسلمين حتّى يصل إلى ملوك المغول.

 

ب- التاريخ الكنسيّ

 

وقبل أن نرجع إلى تاريخ الزمان، نقول كلمة في التاريخ الكنسيّ الذي نشره أبيلوس ولامي في لوفان(56)، ونقلاه إلى اللغة اللاتينيَّة. كما نقل القسّ إسحق أجزاء منه إلى اللغة العربيَّة في المشرق البيروتيَّة(57).

 

يتطرَّق التاريخ الكنسيّ إلى التاريخ الدينيّ والكنسيّ في الشرق وهو يُقسم إلى قسمين: يبدأ القسم الأوَّل بذكر أحبار العهد القديم منذ هارون ويواصل سلسلة بطاركة أنطاكية المونوفيسيّين (أي السريان أصحاب الطبيعة الواحدة) منذ سويريوس الأنطاكيّ أي منذ سنة 512. في هذا القسم يرتبط ابن العبريّ بميخائيل السريانيّ الكبير ويكاد ينقل تاريخه نقلاً حرفيٌّا. أمّا القسم الثاني من التاريخ الكنسيّ فيتطرَّق إلى الكنيسة السريانيَّة الشرقيَّة منذ بداية النسطوريَّة في القرن الرابع الميلاديّ فيورد سلسلة الجثالقة والبطاركة النساطرة المقيمين في ساليق وقطيسفون وسلسلة المفارنة المونوفيسيّين المقيمين في تكريت. هذا القسم الثاني هو مصدر مهمّ جدٌّا لمعرفة تاريخ الكنيسة السريانيَّة في الشرق. وكما عاد ابن العبريّ في القسم الأوَّل إلى البطريرك ميخائيل السريانيّ، عاد في القسم الثاني إلى ماري بن سليمان (القرن الثاني عشر) في كتابه المجدل الذي وضعه بالعربيَّة.

 

نشير هنا إلى أنَّ ابن العبريّ واصل هذا التاريخ إلى سنة 1285، ثمَّ جاء أخوه المفريان برصوم فأكمله إلى سنة 1288، وبعد ذلك واصل الكتابة فيه أدي السبيرينيّ حتّى سنة 1496.

 

ج- تاريخ الزمان

 

هذا الكتاب لقي اهتمام المؤرِّخين منذ القرن الثامن عشر فنشروا منه مقاطع عديدة ونقلوها إلى اللغات اللاتينيَّة والفرنسيَّة والإنكليزيَّة والألمانيَّة(58). ثمَّ نُشر كاملاً على يد الأب بول بيجان(59) ونقله إلى الإنكليزيَّة العلاّمة واليس(60) وإلى العربيَّة القس إسحق أرملة(61).

 

يبدأ تاريخ الزمان أو التاريخ المدنيّ بعهد آدم ملك الأرض كلِّها. وينقلنا ابن العبريّ إلى عهد الآباء، نوح وإبراهيم وإسحق ويعقوب، ثمَّ إلى القضاة مثل جدعون ويفتاح وشمشون فيصل بنا إلى عهد داود الملك وخلفائه. بعد هذا ننتقل إلى مملكة الكلدان فمملكة الفرس الأولى أي الأخيمينيّين فإلى عهد الإسكندر فالبطالسة حتّى كليوبترا، فإلى عهد أوغسطس. ومنذ عهد الهجرة يحتلُّ الخلفاء المسلمون محلَّ الأباطرة البيزنطيّين بانتظار أن يُفسحوا المجالَ لملوك المغول والتتر الذين عاش ابن العبريّ في أيّامهم.

 

ونستفيد من المقدِّمة التي دوَّنها الأب فيّيه في بداية تاريخ الزمان فنقول كلمة في ابن العبريّ المؤرِّخ. فهو على غرار ما نجده عند المؤرِّخين العرب كابن العميد في المجموع المبارك والتاريخ لابن الأثير وتاريخ الأمم والملوك لأبي جعفر الطبريّ، يورد ما حفظه من أعمال سابقيه ثمَّ يضيف معلومات تتناول الحقبة المعاصرة له. لم يكن ابن العبريّ أوَّل من كتب في التاريخ بين السريان. فقد سبقه بطريرك أنطاكية ميخائيل الأوَّل الملقَّب بالسريانيّ الكبير الذي وصل بتاريخه إلى سنة 1196، والرهاويّ المجهول الذي كتب حتّى سنة 1234؛ هذا فضلاً عن الذين يذكرهم البطريرك ميخائيل وهم يوحنّا الأفسسيّ ويعقوب الرهاويّ وديونيسيوس التلمحريّ وديونيسيوس الصليبيّ وغيرهم. يبدو أنَّ ابن العبريّ لم يستفد كثيرًا من الرهاويّ المجهول، ولكنَّه أكمل تاريخ ميخائيل السريانيّ حتّى سنة 1285(62).

 

لم يعش ابن العبريّ في عزلة بعيدًا عن الملوك والأمراء. فأبوه كان طبيبًا لأحد قادة المغول، ولمّا صار صاحب المقام الأعلى لكنيسته في المملكة المغوليَّة اعترف المغول بسلطته وأعطوه وثيقة بذلك، وبفضل هذه الوثيقة شارك في احتفالات البلاط الرسميَّة وبالأخصّ في تنصيب الخان أحمد تكودار. ثمَّ إنَّه خلال إقامته في مراغة، إحدى عواصم المغول، استفاد من مكتبتها ووثائقها فدوَّن تاريخ حقبة هامَّة. ولم يكمِّل أحد تاريخ المغول بعده حتّى قام بتلك المهمَّة المؤرِّخ رشيد الدين الطبيب والسياسيّ الإيرانيّ المتوفّى سنة 1318.

 

الخاتمة

 

تحدَّثنا وأطلنا الحديث عن غريغوار أبي الفرج ابن العبريّ، والموضوع واسع. فهو المفكِّر الذي اكتنه الفلسفة اليونانيَّة فروى أخوه عن بعض المسلمين قولَهم: »كلَّما سمعوا المفريان غريغوار يشرح لهم قضيَّة يتصوَّرون أنَّهم يتلقَّون العلم مباشرة عن أرسطو نفسه«. وهو اللاهوتيّ الذي شبَّهه المستشرقون بالقدّيس ألبرتُس الكبير أو القدّيس توما الأكوينيّ ففاقهما بسعة معارفه وتشعُّبها. وهو المؤرِّخ الذي نقل تاريخ ميخائيل السريانيّ مضيفًا إليه تسعين سنة فأعطانا عن المغول خاصَّة فكرة صحيحة لم نكن لنصل إليها لو أنَّنا اكتفينا بالمؤرِّخين العرب.

 

قالوا فيه إنَّه كتب في كلِّ مطلَب وفنٍّ فنقصه الاختصاص الذي هو شرط أساسيّ في تقدُّم العلم الإنسانيّ. ولكنَّهم نسوا أنَّه المعلِّم لشعبه والراعي الذي يهمُّه تثقيف القطيع ثقافة تساعده على عيش إيمانه والردِّ على المعارضين لهذا الإيمان. من أجل ذلك عرض ابن العبريّ للمعارف التي تمثَّلها بسرعة ودقَّة، فأمكنه إخراجها بترتيب ووضوح في مختلف الميادين التي جال فيها نشاطه العجيب. هو الذي عاش في حقبة من القلاقل والاضطرابات تضاءلت فيها المعرفة وانحطَّت الدراسات العلميَّة. كان عليه واجب استخلاص كنز السريان الثمين وتنسيقه ونشره للأجيال المقبلة، فوُفِّق إلى ذلك واستحقَّ تكريم اللاحقين فسمُّوه: علم الهدى وكهف التقى وتاج الأمَّة وإمام الأئمَّة وأعجوبة من أجلِّ أعاجيب الدهر

 

في الإنسان ف7 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

مفهوم الحرية عند نميسيوس ف6 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

مفهوم الحرية عند نميسيوس ف6 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

مفهوم الحرية عند نميسيوس ف6 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

 

الفصل السادس

 

مفهوم الحرِّيَّة عند نميسيوس الحمصيّ(*)

 

الحرِّيَّة في الإنسان هي قمَّة الإنسان. فما يميِّز الإنسان هو أنَّ وجوده لا يرتبط بحتميَّة تامَّة وصارمة كسائر المخلوقات. إنَّه مدعوٌّ إلى أن يحقِّق كيانه. وهو عندما يتخلَّى عن سمةٍ تكوِّن جوهره، يتخلَّى عن ذاته. الإنسان مسؤول عن حرِّيّته، فيختار أن يعمل هذا العمل أو ذاك، أن يمتنع عن هذا العمل أو ذاك. وهذا يفترض أن لا يكون إكراهٌ يحملنا على ما لا نرضى به، أو ضرورة تفرض ذاتها علينا، ليكون مبدأ عملنا في ذاتنا، لا في قوَّة خارجة عنّا.

 

عندما نتحدَّث عن الحرِّيَّة من الوجهة الأدبيَّة والأخلاقيَّة، تطالعنا مشكلةُ المسؤوليَّة وما يتبعها من ثواب وعقاب. وعندما نتحدَّث عن الحرِّيَّة من الوجهة الفلسفيَّة واللاهوتيَّة تقفُ أمامنا مشكلةُ الجبريَّة أو سلطة القضاء والقدر، ومشكلة حرِّيَّة الإنسان تجاه إله يعرف كلَّ شيء ويقدر على كلِّ شيء.

 

في هذا الإطار من التساؤلات يندرج فكر نميسيوس، هذا الفيلسوف الحمصيّ الذي عاش في الجيل الرابع المسيحيّ وألَّف كتابًا سمّاه طبيعة الإنسان. انطلق من ثقافته اليونانيَّة وعقيدته المسيحيَّة، فقدَّم لنا نظرة عن الإنسان متكاملة تحدَّث فيها عن النفس والجسد قبل أن يعرض علينا مفهومه لحرِّيَّة الإنسان، والإنسان بدون حرِّيَّة لا يعود إنسانًا.

 

نتعرَّف في مقالنا هذا إلى نميسيوس الحمصيّ وإلى كتابه، ونرافقه في البحث عن كيان الإنسان، ونتوقَّف بصورة خاصَّة على هذه الحرِّيَّة التي تقف بين جبريَّة القضاء والقدر وعناية الله، فتجعل الكائن البشريّ قمَّة الخلائق وشريك الله ورفيقه في تقرير مصيره.

 

  1. نميسيوس الحمصيّ وكتابه في طبيعة الإنسان

 

أ- من هو نميسيوس؟

 

نتعرَّف إلى شخصيَّة نميسيوس من خلال كتابه طبيعة الإنسان الذي هو تقريبًا مرجعنا الوحيد. عاش في سورية وكتب في نهاية القرن الرابع المسيحيّ(1). اهتدى من الوثنيَّة إلى المسيحيَّة، ثمَّ انتُخِبَ أسقفًا على حمص التي كانت في ذلك الوقت مركزًا علميٌّا هامٌّا في سورية.

 

هل كان طبيبًا قبل أن يُنتخَب أسقفًا؟ هذا ما لا يمكن تأكيده، غير أنَّ ما يبدو واضحًا هو أنَّه اطَّلع على أمور الطبّ، وقرأ تآليف الأطبّاء أمثال جالينوس وهيبوكرات(2)، وهو يورد الكثير من المعطيات الطبِّيَّة من علم التشريح وعلم وظائف الإنسان(3).

 

ترك لنا كتابًا وحيدًا في طبيعة الإنسان، فكان تأثيره عظيمًا على الفكر المسيحيّ شرقًا وغربًا استقى منه الكثيرون، وبعضهم أورد نصوصه حرفيٌّا، أمثال مكسيم المعترف (580-662) وأنستاز السينائيّ ويوحنّا الدمشقيّ (640-750) في كتابه الإيمان المستقيم(4).

 

دُوِّن هذا الكتاب باللغة اليونانيَّة وتُرجم إلى اللاتينيَّة مرّات عديدة وإلى الأرمنيَّة والجيورجيَّة… نقله إلى العربيَّة اسحاق بن حنين(5) ونسبه إلى غريغوار النيصيّ (335-394) الذي كان معاصرًا لنميسيوس. ولكنَّ بعض المخطوطات اليونانيَّة تنسبه إلى أدامنتيوس الحمصيّ(6).

 

هذا كلُّ ما نعرفه عن نميسيوس الحمصيّ. ولكن ما يهمُّنا بعد الشخص هو الأثر المهمّ الذي تركه لنا.

 

ب- كتاب طبيعة الإنسان

 

يتألَّف كتاب طبيعة الإنسان من أربعة وأربعين فصلاً مقسَّمة على الشكل التالي. بعد المقدِّمة عن طبيعة الإنسان من نفس وجسد (ف 1)، يدرس الكاتب النفس واتِّحادها بالجسد (ف 2-3)، ثمّ الجسد والعناصر والمخيِّلة والحواسّ الخمس، ثمَّ العقل والذاكرة والفكر (4-14). بعد ذلك يعرض وجهة أخرى عن النفس (ف 15) بما فيها من ميول وأهواء، من لذَّة وألم وخوف وغضب (ف 16-22)، وهي حقول لا يمارس فيها العقلُ سلطتَه، ولذلك تسمَّى الجزء اللاعقليّ. ثمَّ يأتي الجزء الخاصّ بالتغذية الذي يرتبط بحياة الحيّ، ويتعلَّق بالإرادة والتنفُّس والأعمال الإراديَّة واللاإراديَّة (ف 23-34)؛ أمّا الفصول التالية (ف 35-38) فهي تحارب الجبريَّة أو مذهب القضاء والقدر. وينتهي الكتاب بدفاع عن حرِّيَّة الإرادة (ف 39-41) وعن عرض للتعليم المسيحيّ عن عناية الله واهتمامه بالكون والإنسان (42-44).

 

هذه اللائحة المتنوِّعة تدلُّ على أنَّ نميسيوس لم يُتَح له أن يُنهي كتابه فنقصته وحدةُ الموضوع وغاب المنطقُ في التنظيم. ووعدنا الكاتب المرَّة بعد المرَّة أنَّه سيعود إلى هذه النقطة أو تلك ليشبعها درسًا، ولكنَّه لا يعود. أيكون أنَّ الموت عاجله قبل أن يعيد النظر في ما ألَّفه من كتابه؟

 

يبدو نميسيوس من خلال كتابه رجلاً صاحب ثقافة يونانيَّة منفتحة، ملمٌّا بالفلسفة والعلوم الطبِّيَّة، وعارفًا بالسيكولوجيا والفيزيولوجيا. يقرأ كتابَه عالمُ الفقه واللغة ودارس تاريخ الفلسفة، فيجد كلٌّ منهما الكثير من المعلومات. أراد نميسيوس أن يكون كتابه دفاعًا عن الدين المسيحيّ، ولكنَّه لم يكن لاهوتيٌّا بقدر ما كان فلسفيٌّا، وهذا ما يجعلنا نغوص فيه لندرسه من الزاوية الفلسفيَّة. أراد أن يَبني على أسُس أفلاطونيَّة تعليمًا عن النفس وعن اتِّحادها بالجسد، يتوافق ومصادر الوحي، فانطلق لا من الإيمان بحدِّ ذاته، بل سعى إلى الاتِّصال بالفكر غير المسيحيّ وإلى عرض آراء الفلاسفة القدامى. وبعد هذا العرض، شرع يغربل النظريّات المتعدِّدة قبل أن يختار منها ما يلائم نظرته على ضوء العقيدة المسيحيَّة. ناقش أفلاطون وأرسطو وإبيقور والرواقيّين، وجادل جالينوس وإئيتيوس وأمونيوس وبورفير ويامبليك وكثيرين غيرهم. اتَّفق وأفلاطون على وجود سابق للأنفس، ولكنَّه رفض الأخذ بالنظرة الثلاثيَّة التي قالت بها الأفلاطونيَّة الجديدة. سار وراء أرسطو في تعليمه عن ملكات النفس، وأخذ عنه مقاله عن حرِّيَّة الإرادة والاختيار. عرف أن يكتسب المعلومات حيث وجدها، فجاء كتابه لائحة بالآراء المتنوِّعة قبل أن يكون نظامًا فلسفيٌّا متماسكًا متناسقًا(7).

 

ولكي نتعرَّف إلى الوجه الفلسفيّ الذي يتحلَّى به هذا الكتاب، يكفي أن نقابله بكتاب غريغوار النيصيّ في خلق الإنسان(8). فعَرْضُ غريغوار يرتبط، بصورة دقيقة، بخبر سفر التكوين عن خلق الإنسان. يستوحي النصَّ الموحى به فيبيِّن كرامة الإنسان وعظمته مشدِّدًا على طبيعة النفس الروحيَّة وبنية الجسد المنظَّمة. في هذا الإطار، يتطرَّق غريغوار إلى مسألة اللغات والألسنة، إلى العلاقات الزوجيَّة، إلى طبيعة النفس اللامادِّيَّة والخالدة، إلى الوجود السابق للنفس وإلى قضيَّة التقمُّص. يعلِّمنا الكتاب المقدَّس أنَّ الإنسان خُلق على صورة الله ومثاله. من هذا المعطى ينطلق غريغوار، فيتحدَّث إلى المؤمنين، ويبيِّن لهم أنَّ كلمات الكتاب الملهم تجد برهانًا لها على كلِّ الأصعدة وفي كلِّ مجالات الفكر الحاضر.

 

أمّا موقف نميسيوس فيختلف عن موقف غريغوار. هو لا يوجِّه حديثه إلى المؤمنين بل إلى غير المؤمنين. ولهذا نراه يرجع مرارًا إلى فلسفة اليونان وعلومها ليحدِّثنا عن مكانة الإنسان في الكون، عن طبيعة الأنفس واتِّحادها بالجسد، عن حرِّيَّة الإرادة، عن القدر والعناية، وعن تنظيم الجسد، فيورد الكثير من المعلومات الثمينة المأخوذة من كتب اليونان، لا من الكتاب المقدَّس. ونراه يتبسَّط في عرض كلِّ ما يعرفه، وهمُّه أن يثبِّت لقرّائه أنَّه هو أيضًا تشرَّب من الثقافة اليونانيَّة وأنَّه لا يجد تناقضًا بين إيمانه المسيحيّ والثقافة التي حصَّلها على مقاعد الدراسة. وهو إن وقف بوجه التيّارات المادِّيَّة، وإن عارض مسألة الجبريَّة كما وجدها عند هذا أو ذاك من مفكِّري اليونان، فهو إنَّما يفعل ذلك بعد أن يكون درس بنفسه الكتاب وتمعَّن في التعاليم التي يفنِّدها ويخطِّئها9.

 

وهكذا يبدو كتاب نميسيوس لا تفسيرًا لسفر التكوين، بل عرضًا منسَّقًا يتطرَّق فيه المؤلِّف من الوجهة الفلسفيَّة إلى المسائل الكبرى المتعلِّقة بطبيعة الإنسان. غير أنَّه لا يسير كلِّيٌّا على خطى أرسطو الذي يجعل من نظريَّة المعرفة مقدِّمة لعرضه عن طبيعة النفس التي تتجلّى بصورة خاصَّة من خلال البحث في أشكال المعرفة المتنوِّعة(10)، بل هو ينطلق من بحث في الحرِّيَّة. لا شكَّ في أنَّ درس نشاط الإنسان العارف شغل بال نميسيوس، ولكنَّ قضيَّة حرِّيَّة الإرادة كانت قضيَّة حادَّة حامية بعد أن تفشَّت التعاليم عن القضاء والقدر بطريقة واسعة في صفوف المسيحيّين والوثنيّين على حدّ سواء(11)، لذلك أخذ على عاتقه أن يبسِّط فكرته في هذا المجال فيشدِّد على القدر والعناية ويلقي تعليمه في الحرِّيَّة.

 

ج- الأنتروبولوجيّا أو علم الإنسان عند نميسيوس

 

إنَّ كتاب نميسيوس يسجِّل ولادة الأنتروبولوجيّا المسيحيَّة. هذه الملاحظة التي أبداها أحد دارسي طبيعة الإنسان(12) استنتجها بعد أن بيَّن التقاء الفكر الهلّينيّ بالفكر المسيحيّ. فالفكر الهلّينيّ ابتعد بعض الشيء عن التيّار الأفلاطونيّ الذي كان يعتبر الجسد مقبرة للنفس وعنصر الفساد في الإنسان، وتوجَّه إلى الكلام على عظمة الإنسان نفسًا وجسمًا. والفكر المسيحيّ الذي تأثَّر بعض الشيء بالتيّارات النسكيَّة والصوفيَّة التي تعتبر إذلال الجسد مزيَّة وفضيلة، عاد مع بعض فكر أوريجان ومؤلَّفات باسيل الكبير وغريغوار النيصيّ إلى ينابيع الكتاب المقدَّس، ليتعلَّم الكثير عن عظمة الإنسان المخلوق على صورة الله والمدعوّ للحياة والسعادة والتفتُّح على الكون.

 

إذًا، كانت محاولات لبناء رؤية مسيحيَّة عن الإنسان، ولكنَّ نميسيوس سيمتدُّ بهذه المحاولة فيبيِّن أنَّه من الممكن أن ندمج الفلسفة اليونانيَّة بالأنتروبولوجيا المسيحيَّة. في وقت انتشرت المسيحيَّة في صفوف المثقَّفين، عرض نميسيوس تعليمًا مسيحيٌّا صريحًا عن حقيقة الإنسان، وعبَّر عن هذا التعليم عبر مقولات استمدَّها من الفكر اليونانيّ. وهكذا جاء كتاب طبيعة الإنسان، فعقلن العقيدة المسيحيَّة للمسيحيّين وقدَّمها بطريقة يقبل بها المثقَّفون الوثنيّون. قال: لا يتوجَّه كلامي فقط إلى المؤمنين، بل وأيضًا إلى الوثنيّين لأدلَّهم على وجود العناية(13).

 

إنَّ جوهر الكتاب لا يكمن في المعطيات الطبِّيَّة العديدة أو في مقاطع الجدل اللاهوتيَّة، بل في مضمونه الفلسفيّ المستمدّ من الفكر اليونانيّ. وهو في الحقيقة مقالة مختصرة في الأنتروبولوجيّا(14) تتطرَّق إلى طبيعة الإنسان ومكانته في الكون.

 

الكتاب نشيد لعظمة الإنسان. قال نميسيوس: »ولكن لكي لا يظهر لأحد أنَّنا نكتب مديحًا عن الإنسان، فضلاً عن تبيان طبيعته كما قصدناه، نوقف مقالتنا عن الإنسان(15). إنَّ الإنسان خلقَته العنايةُ الإلهيَّة كوحدة متشعِّبة تتضمَّن مكوِّنات الواقع المادّيّ واللامادّيّ ليكون في طبيعته صورة حيَّة عن الكون، ليكون كونًا مصغَّرًا في الكون الكبير(16). والإنسان يقف بجسمه في قمَّة عالم الأجساد، ويرتبط بنفسه بالكائنات اللاجسديَّة العاقلة. إنَّه كائن موقعه على الحدِّ الفاصل بين عالم الحسّ وعالم العقل، وفيه يلتقي هذان العالمان ويتَّحدان(17). إذًا، وجود الإنسان في الكون ليس وجودًا جاء بالعرض أو بالصدفة من دون رؤية أو قصد. إنَّه وجود جوهريّ جُعل ليساعد على التواصل بين العالم الجسديّ والعالم اللاجسديّ فيوحِّد بينهما داخل الخليقة. عندما نتأمَّل واقع الإنسان، أنكون بالغنا في الحديث عن مكانته في الكون؟ فالإنسان يجمع في شخصه الخلائق المائتة والخلائق الخالدة ويؤلِّف نقطة الاتِّصال بين الكائنات العاقلة والكائنات اللاعاقلة«(18).

 

في هذا الجوّ يتطرَّق نميسيوس إلى مواضيع عديدة يبحث فيها ويتوقَّف على ثلاث نقاط رئيسيَّة هي: الطابع الروحيّ للنفس البشريَّة واتّحادها بالجسد. بنية الجسم البشريّ ونشاطاته المتعدِّدة. مسألة حرِّيَّة الإنسان وعلاقتها بالقدَر والعناية. أمّا نحن فنحصر حديثنا بموضوع الحرِّيَّة كما نجده خاصَّة في القسم الأخير من كتاب طبيعة الإنسان.

 

د- بين الحرِّيَّة والعناية

 

خصَّص نميسيوس ما يقارب ثلث الكتاب للبحث في حرِّيَّة الإنسان، ونظر خاصَّة إلى مسألة الجبريَّة والعناية الإلهيَّة. فالجبريَّة هي تسلسل الأمور بطريقة إلزاميَّة بالنسبة إلينا كما يرتِّبها القضاء والقدر فلا يكون لنا أيُّ سلطة عليها. أمّا العناية فهي تلك الحكمة السامية التي بها يسوس الله كلَّ شيء ويدبِّره ويتولّى أمره.

 

قبل أن يعارض تعاليم الجبريَّة المنتشرة في عصره داخل العالم الهلّينيّ، يميِّز نميسيوس فيها خمسة تيّارات مبنيَّة على الأسترولوجيَّة، أو فنّ التنجيم، وعلى فلسفة الرواقيّين وعلى تعاليم الأفلاطونيَّة. هناك جبريَّة جذريَّة تعتبر أنَّ كلَّ ما يحدث في الكون يحدَّد بالضرورة بتحرُّكات الأجرام السماويَّة(19). وهناك جبريَّة مخفَّفة ملطَّفة ترتبط ببعض الفلاسفة الرواقيّين الذين يعتبرون أنَّ الجبريَّة لا تتعارض وحرِّيَّة الإنسان: »كما أنَّ ميزة المياه أن تكون باردة والشجرة أن تعطي ثمرًا، كذلك سمة الكائن الحيّ العاقل تقوم بالتوافق مع الأمور التي يدركها«(20). وهناك تعليم يُنسَب إلى حكماء مصر الذين يقولون بأنَّه وإن كان ما يحدث في الكون يرتبط بتحرُّكات الأجرام، إلاَّ أنَّ ما يحدث يمكنه أن يتبدَّل بفضل الصلوات والذبائح التي نرفعها إلى الكواكب وإلى الآلهة لتأخذ بيدنا في الظروف الصعبة(21). وهناك نظريَّة رابعة يقول بها أحكم حكماء اليونان، أي الرواقيّون: لنا اختيار مبادرتنا الحرَّة، أمّا نتيجة النشاط البشريّ فبيد القدر(22). وهناك أخيرًا نظريَّة أفلاطون التي أثَّرت في تطوُّر اللاهوت المسيحيّ والتي أعطت كلمة القدر مضمونين متمايزين: فالقدر هو نفس العالم، بما أنَّه جوهر. وبما أنَّ نشاطه يرتبط بشريعة إلهيَّة غير متبدِّلة تنبع من علَّة لا نستطيع تجنُّبها. وهذه الشريعة أعطاها الله لنفس العالم لتخلق الكون وتسوسه. إنَّ القدر يدبِّر كلَّ شيء ولكنَّه يدخل في إطار العناية كجزء لا يتجزَّأ منها(23).

 

رفض نميسيوس النظرة الأولى لأنَّها تَنبذ العناية الإلهيَّة وكلَّ شكل من أشكال الدين وتنفي كلَّ حرِّيَّة. وقال في الثانية: إذا كانت هذه الأمور أُثبتت منذ الأزل فكيف يمكنها أن تحدث، وإذا كان نشاطنا تابعًا لعلل لا يمكن تجنُّبها، فما الذي يبقى في مقدورنا أن نفعل(24)؟ ويجيب إلى الثالثة بأنَّه إن كان في مقدور الناس أن يبدِّلوا مجرى الأحداث التي يسوسها القدر، ففي مقدورهم أيضًا أن يبدِّلوا رأسًا على عقب مجرى التاريخ. ونظريَّة الرواقيّين الحكيمة تنتهي إلى الحتميَّة المطلقة فلا يبقى مكان للحرِّيَّة. وينتقد نميسيوس نظرة أفلاطون من وجهة واحدة: أنَّ نتيجة القرارات التي نتَّخذها لا يمكنها أن تكون من عالم الضرورة، وإذا كانت نتيجة نشاطنا خاضعة لعناية الله ويمكنها إلاَّ أن تكون عرضيَّة، لا ضروريَّة.

 

إنَّ تعليم نميسيوس عن الجبريَّة يبدو بمجمله إسهامًا في التفسير المسيحيّ لمفهوم الحرِّيَّة، بمعنى أنَّه يشدِّد على استقلاليَّة السلوك البشريّ، وعلى حرِّيَّة الله الذي لا يمكن أن يكون خاضعًا لأيِّ نوع من الإكراه، لأنَّه الحرِّيَّة بالذات. بمثل هذا التعليم يعارض نميسيوس الأسترولوجيا وكلَّ نظريّات الجبريَّة في العالم الهلّينيّ.

 

وهكذا نصل إلى تعليمه عن العناية الإلهيَّة، وعملُها يشمل كلَّ الأحداث التي لا تتعلَّق بنا. بالنسبة إلى اليهوديّ أو إلى المسيحيّ، لا حاجة إلى البرهان على العناية الإلهيَّة، والاعتقادُ بها جزء من الإيمان. أمّا بالنسبة إلى الوثنيّ، فلا بدَّ من لفت انتباهه إلى ثبات الكون في الوجود، إلى النظام والتناسق في الكون، وبالأخصّ حركات الكواكب وتعاقب الليل والنهار(25).

 

في حديثه عن العناية يتساءل نميسيوس إن كانت العناية تهتمُّ بتدبير العالم بطريقة عامَّة، أم إنَّها تتدخَّل في حياة كلِّ فرد، فيورد رأي أفلاطون وأرسطو والرواقيّين. ثمَّ يطرح مشكلة الشرّ في العالم: إذا كانت العناية الإلهيَّة تسوس كلَّ إنسان بمفرده، فمن أين يأتي الظلم في العالم، ولماذا يكون الأبرار ضحيَّة الأشرار؟ لن نتوسَّع في هذا الموضوع وهو يخرج عن نطاق حديثنا، بل نكتفي بإعلان النتيجة التي توصَّل إليها نميسيوس: لا نحكم على الأمور بحسب ظواهرها الخارجيَّة، ولنتيقَّن أنَّ كلَّ ما يصدر عن العناية الإلهيَّة هو كمالٌ جديرٌ بالدهشة والإعجاب، وأمّا الشرّ الحقيقيّ الموجود في العالم فهو الأعمال السيِّئة التي تنتج عن قرارات يتَّخذها الإنسان بحرِّيَّته.

 

وهكذا يعلن نميسيوس تواجد حرِّيَّة الله وحرِّيَّة الإنسان إلى درجة تجعل حرِّيَّة الله تقف عند حرِّيَّة الإنسان(26).

 

2- مفهوم الحرِّيَّة عند نميسيوس الحمصيّ

 

دُفعنا إلى الحديث مطوَّلاً عن نميسيوس وعن كتابه، واضطررنا إلى عرض فكرته عن الإنسان وموقع الحرِّيَّة بين الجبريَّة والعناية، وهمُّنا بذلك أن نعرِّف بكاتب وكتاب لست أدري بوجود مرجع عربيّ عنهما. والآن نستطيع أن نبحث في موضوع حرِّيَّة الإنسان كما يفهمُهُ هذا الكاتب المشرقيّ الذي كان لكتابه الأثر الكبير، وهو الذي كان، كما قلنا، أوَّل من وضع الأسس الحقيقيَّة للأنتروبولوجيا المسيحيَّة.

 

تقف الحرِّيَّة بين الجبريَّة الآتية من الأفلاك وبين العناية الآتية من الله، وهي مستقلَّة القرار عن هذا التأثير أو ذاك. أجل، سيجعل نميسيوس من حرِّيَّة الإنسان كيانًا مطلقًا فيرفع الإنسان إلى مستوى الألوهة. وهذا ما نجده عند فيلسوف حديث هو جان بول سارتر الذي يعتبر وجدان الإنسان خارج حتميَّة الزمان والمكان ويجعل الشخص حرٌّا بحرِّيَّة لا مفرَّ منها. وما يقوله سارتر عن حرِّيَّة الإنسان هو نفسه ما يقوله ديكارت عن حرِّيَّة الله27.

 

إنَّ البحث في الحرِّيَّة كما نقرأه في كتاب طبيعة الانسان هو أهمّ ما ترك لنا الفكر القديم. فنميسيوس يعرض أوَّلاً الأفعال الإراديَّة والأفعال اللاإراديَّة (ف 28-31)، ثمَّ مفهوم الاختيار الذي ينتج عن مزج عناصر ثلاثة هي المداولة والحكم والرغبة (ف 32)، ويتكلَّم على الإنسان كمبدأ حقيقيّ لبعض أفعاله (ف 38) ويبيِّن حقل مبادرتنا الحرَّة (الفعل الأخلاقيّ والتقنيّ، النشاط العقليّ والسيكولوجيّ، ف 39)، وينتهي بالحديث عن حرِّيَّة الإرادة (ف 40) التي هي حقٌّا أصل حرِّيَّة الإنسان.

 

أ- الفعل الإراديّ والفعل اللاإراديّ

 

بدأ نميسيوس درسه للحرِّيَّة ببحث عن الأفعال الإراديَّة والأفعال اللاإراديَّة. فالأولى تنبع حقٌّا من الإنسان نفسه، وفيها يكون الإنسان مبدأ فعله، فلا يحدُّ من حرِّيَّته إكراهٌ خارجيّ أو داخليّ، ويكون واعيًا للظروف الخاصَّة التي تحيط بعمله. والثانية تصدر عن كائن يقع تحت تأثير الإكراه أو الجهل. ثمَّ يتساءل: هل نحسب نشاط الطبيعة (كتطوُّر الهضم والنموّ مثلاً) بين الأفعال الإراديَّة أو اللاإراديَّة؟ والجواب: ليس فعلاً إراديٌّا ولا إراديٌّا، لأنَّ النشاط الطبيعيّ (الفيزيولوجيّ) لا يرتبط بمقولة الأشياء التي ترجع إلى مبادرتنا الخاصَّة28. أمّا الذي نقوم به مدفوعين برغباتنا (من غضب أو تمتُّع) فيمكن أن نعتبره فعلاً إراديٌّا، لأنَّه يمكن أن يكون أهلاً للذمّ أو المديح، ولأنَّ إتمامه ترافقه اللذَّة والألم، ولأنَّ ينبوعه يكمن في الفاعل. فرغبات الإنسان لا تجتذبه بالضرورة إلى ما لا يريد، وكلّ فرد يستوحي سلوكه من التربية الأخلاقيَّة التي حصل عليها.

 

ويطرح نميسيوس سؤالاً ثانيًا: هل بإمكان كلٍّ من الحيوان والولد أن يقوم بأعمال إراديَّة؟ ويجيب بالإيجاب. الحيوان كالولد يسعى إلى تغذية ذاته دون أيِّ إكراه خارجيّ، عارفًا ما يفعل ومحقِّقًا نشاطه بلذَّة أو ألم بحسب الظروف29.

 

نلاحظ أوَّلاً أن نميسيوس أراد أن يبيِّن أنَّه لا يمكن أن ننكر مسؤوليَّتنا الأدبيَّة في بعض الأعمال، فخصَّص أربعة فصول (28-31) لدرس سيكولوجيَّة العمل الذي يدلُّ على أنَّ الفعل المتعمِّد ليس المثل الوحيد عن الفعل الإراديّ في حياة الإنسان. يقول: إنَّ هذه الدراسة معقَّدة جدٌّا بسبب امتزاج ظروف حياتنا بما هو إراديّ في سلوكنا. وكشخص يدافع عن قضيَّة، يبدأ نميسيوس بحثه الأخلاقيّ من مستوى العلم والفلسفة، لا من مستوى الكتاب المقدَّس، كما أسلفنا، ويتقدَّم خطوة خطوة إلى النتيجة التي تقول بها العقيدة المسيحيَّة.

 

ونلاحظ ثانيًا أنَّه رجع إلى كتاب أرسطو في الأخلاق30 الذي يعلِّم أنَّ الفضيلة تقوم بالاعتدال المعقول، الذي يعلِّمنا أن نتجنَّب الزيادة من جهة والنقص من جهة ثانية. إنَّ الفضيلة تقف بين نقيضين. أن يكون الإنسان خاليًا من أيِّ هوى طبيعيّ فذلك عيب، لا فضيلة، وكذلك إن هو ترك العنان كاملاً لمثل هذا الهوى. هذا التحديد قِبَل به نميسيوس لأنَّه يفترض الإقرار بأنَّه يقوم داخل مراقبة الإنسان لنفسه بقدر ما يستسلم لهواه. إنَّ هذا التعليم كان معروفًا في عصر نميسيوس إلى درجة جعلته يورده من دون أيِّة تهيئة أو تحضير.

 

ونلاحظ ثالثًا أهمِّيَّة الأهواء في الأفعال. يبدو نميسيوس ملتصقًا بعلم الأخلاق الأرسطيّ، وتبعًا لهذا العلم فكلُّ عمل فضيلةٍ يفترض وجود هوى نمارسه بدرجة معتدلة. يمكننا أن نقول إنَّه يفترض توازن الآهواء. إنَّ آباء مدرسة الإسكندريَّة، مثل كليمان وأوريجان، توخُّوا التقدُّم عبر الاعتدال المعقول إلى عدم التأثُّر أو إلى نفي الهوى. بحسب هؤلاء الآباء، تكون الفضيلة المسيحيَّة السامية ثمرة هوى واحد هو الرغبة بالله. هذا التعليم دفع بقضيَّة التصوُّف إلى الأمام. يبدو واضحًا أنَّ نميسيوس أخذ بعين الاعتبار التصوُّف المسيحيّ، إلاَّ أنَّه سار في خطِّه فانطلق من أخلاقيَّة أرسطو ومن تعليمه عن الوسط الذي يقف بين نقيضين، فشدَّد على عظمة الإنسان وعلى أهمِّيَّة الزهد والنسك كسبيل لضبط الأهواء.

 

ويُنهي هذا الفصل فيقول: »لا أحد يدعو فعلاً لاإراديٌّا ذلك الذي نفعله بعد تبصُّر واختيار واعٍ حرّ، حيث الباعث والهدف يأتيان من داخلنا وحيث نلمُّ بمعرفة الظروف إلمامًا كاملاً. وهكذا برهنّا أنَّ الأفعال التي تصدر من داخل ذاتنا هي أفعال إراديَّة. ولكن بما أنَّنا ألمحنا إلى الاختيار الحرّ وإلى الأمور التي تقع داخل سلطانه، علينا الآن أن نبحث عن طبيعة الاختيار الحرّ(31)«.

 

ب- فعل الاختيار

 

ويتساءل نميسيوس: أيُّ علاقة بين الاختيار والفعل الإراديّ، وهل من تماثل بينهما؟ بالنسبة إليه يبدو أنَّ الإراديّ هو أوسع من الاختياريّ، لأنَّ الفعل الإراديّ ليس تخيُّرًا من كلِّ الحالات، وإن يكن كلّ تخيُّر فعلاً إراديٌّا في كلِّ الحالات32. ولكي يحدِّد نميسيوس التخيُّر بدقَّة ووضوح، يقابله بغيره من أنواع النشاط البشريّ. فالتخيُّر هو غير الرُّغب (بضمّ الراء)، وهو غير التمنّي. فالتخيُّر يرتبط بأمور تتعلَّق بنا، أمّا التخلّي فيمكنه أن يستند إلى أشياء مستحيلة33. بالإضافة إلى ذلك، فالتمنّي يتَّجه إلى غاية من الغايات، بينما يستهدف التخيُّر الوسائل التي تُوصل الإنسان إلى الهدف المنشود. والاختيار هو غير الرأي. فالرأي يمكنه أن يستند إلى أمور أزليَّة، يمكنه أن يكون صوابًا أو خطأ، ويعتمد على الشمول، وكلُّ هذه الصفات لا تنطبق على الاختيار. وأخيرًا يتميَّز الاختيار عن التداول لأنَّه نتيجة التداول. إنَّ الاختيار برأي نميسيوس ينتج عن مزج ثلاثة عناصر: التداول والحكم والرغبة(34).

 

أجل، إنَّ فعل الاختيار الحرّ هو أمر متشعِّب جدٌّا، وهو ما يبيِّنه نميسيوس في هذا الفصل، على خطى المعلِّم أرسطو، فيبدو كلامه درسًا في علم اللغة أكثر منه في علم النفس. إنَّ التوسُّع في سيكولوجيَّة التداول انطلاقًا من الاستعمال اللغويّ للكلمات، هو أحد الاهتمامات المنطقيَّة النموذجيَّة في القرن الرابع، ويمكن لنميسيوس أن يكون أخذ بهذه الطريقة في خطى أحد معاصريه في تفسيره لكتاب الأخلاق(35).

 

ج- الإنسان مبدأ أفعاله

 

يخصِّص نميسيوس فصلاً كاملاً يتساءل فيه إن كانت أفعال الإنسان من مبادرته الشخصيَّة بحيث يُعتَبر مبدأَ هذه الأفعال ومصدرها. إنَّ الكثير من الوثنيّين والمسيحيّين يجيبون على هذا التساؤل بالإيجاب، ويعطي براهينه على ذلك عارضًا الافتراضات المتعدِّدة مستبعدًا الافتراض بعد الآخر.

 

أوَّلاً: لا نستطيع أن ندعو الله علَّة أعمالنا، لأنَّ بعضًا منها سيّئ وجائر. ثانيًا: إنَّ أعمالنا لا ترتبط بالله بالضرورة، لأنَّها ليست دومًا هي هي من دون أن تتغيَّر. ثالثًا: لا نستطيع أن ننسب أعمالنا إلى القدر، لأنَّ القدر لا يقبل باحتمالات عديدة، بل باحتمال واحد لا مفرَّ منه. رابعًا: إنَّ أفعالنا ليست من عمل الطبيعة لأنَّ ميدان الطبيعة هو عالم النبات والحيوان. خامسًا: لا نستطيع أن ننسبها إلى الطالع، لأنَّ الطالع يختصُّ بأحداث خارقة وغير منتظرة، ولا إلى الصدفة، لأنَّ لا وجود للصدفة إلاَّ في عالم الحيوان وعند الكائنات الجامدة36. وبعد أن يستبعد هذه الافتراضات، يستنتج أنَّ الإنسان هو مبدأ وسيِّد أفعاله.

 

فلو لم يكن مبدأ أفعاله ومصدرها، فكلُّ تداول لا موضوع له، وكلّ حياة أخلاقيَّة لا تعود ممكنة. والحال إنَّ الإنسان هو مصدر الفضائل التي فيه والتي يحصل عليها بالممارسة وتكرار الأعمال عينها. بالإضافة إلى ذلك، أيَّة قيمة لتنبيه أو تحذير، لتشجيع أو تشريع إن لم يكن الإنسان سيِّد أعماله؟ فإن نحن قلنا إنَّ لا قدرة للإنسان على أعماله لم يكن كلامنا مقبولاً وعارضنا معرفة الإنسان لنشاطه(37).

 

»فكلُّ نصيحة وموعظة تدلُّ على أنَّ هناك أمورًا تقع داخل سلطاننا، لأنَّه لا أحد على الأرض ينصح شخصًا أن لا يكون جائعًا أو عطشان، أو أن لا يأخذ أجنحة ليطير بها، لأنَّه ليس في مقدورنا أن نستفيد من هذه النصيحة. إذًا، من الواضح أنَّ الأمور التي نقبل النصح بأن نعملها هي أمور تقع داخل سلطاننا. وننهي باعتبار أخير فنقول: أيَّة فائدة من الشرائع إن لم يكن لنا شيء ضمن نطاق سلطاننا«(38).

 

في هذا الفصل وفي الفصول الثلاثة اللاحقة يتطرَّق نميسيوس إلى التعليم عن حرِّيَّة الإرادة، فيبدأ بقوله إنَّ الحرِّيَّة ليست وهمًا ومظهرًا خدَّاعًا. لا شكَّ في أنَّ مصدر تعليمه الأخير هو أخلاقيّات أرسطو. هو يتوصَّل إلى اكتشاف الظروف السيكولوجيَّة التي تحدُّ من ممارسة الحرِّيَّة كالأفكار المسبقة والنظرة الضيِّقة وما إلى ذلك. ولكنَّه يقف قريبًا من تيودور المصيصيّ، فيستعمل كلمة »سيادة على النفس«(39) لا حرِّيَّة الإرادة، على مثال أرسطو. وهذا ما يحدونا إلى القول إنَّ الينبوع الذي استقى منه نميسيوس ليس أرسطو بالذات، بل شرح متأخِّر لأخلاقيّات أرسطو كتبه اسكندر الأفروديسيّ الذي ذكرناه سابقًا أو أحد السريان من أصل مسيحيّ.

 

ولكن أيُّ أفعال تدخل في نطاق مبادرتنا الحرَّة؟ الأفعال الإراديَّة، أي تلك التي نقوم بها طوعًا ورضى، وبالأخصّ الأفعال التي ترتبط بعالم النفس. فعالم الفرد الداخليّ هو المكان المميَّز لمبادرتنا الحرَّة، وهو ما يعتبره الرواقيّون الموضوع الوحيد الذي بقي للإنسان ليمارس فيه حرِّيَّته. إن كان نميسيوس لم يذهب إلى ما ذهب إليه الرواقيّون، إلاَّ أنَّه بالنسبة إليه، كلُّ فعل يكون نتيجة تداول سابق واختيار يرتبط بمبادرتنا. وهذا الاختيار يقوم به الروح الذي هو مبدأ سلوكنا البشريّ ومصدره.

 

ولكن ما معنى هذا الكلام في حياة الإنسان الملموسة؟ لأنَّ كلَّ أفعالنا الأخلاقيَّة وعملنا التقنيّ ونشاطنا النفسانيّ والعقليّ تتعلَّق بإطار مبادرتنا40. ولكنْ هناك صعوبتان تعترضان ما قاله نميسيوس: علاقة نشاطنا البشريّ بالعناية الإلهيَّة وتأثير حالتنا كجسديّين على سلوكنا. لا شكَّ في أنَّ العلاقة واضحة بين المبادرات البشريَّة وتدبير الله للكون. ويُطرَح السؤال: هل تستطيع العناية الإلهيَّة أن تقف حاجزًا بيننا وبين ممارسة حرِّيَّة اختيارنا؟ لا شكَّ في ذلك، والحرِّيَّة البشريَّة ليست حرِّيَّة لا محدودة، وهي تمتزج بعمل الله وتولِّيه أمر الكون(41). ويجيب نميسيوس على الصعوبة الثانية فيقول: إنَّ الإنسان هو وحدة النفس والجسد، وإنَّ أسمى نشاطنا لا يمكنه أن يتهرَّب من تأثير حالتنا كجسديّين. نحن لا نستطيع أن ننسب أعمالنا السيِّئة إلى تكوين الجسد الناقص المتخلِّف عن النفس، فنجعل كلَّ أنواع المسؤوليَّة في عالم الضرورة ونبرّئ ذاتنا من كلِّ خطأ. لا، إنَّ الجسد لا يحتِّم علينا هذا السلوك أو ذاك، وفي بعض الحالات تكون حالة الجسد الناقصة من مسؤوليَّة الشخص الذي نتحدَّث عنه.

 

وهكذا انطلاقًا من العلاقة المتبادلة بين حرِّيَّة إرادة الإنسان والعناية الإلهيَّة، نظر نميسيوس إلى طبيعة الحرِّيَّة في المبادرة البشريَّة وامتدادها في الكون. يبقى علينا القول: لماذا أُعطي الإنسان حرِّيَّة الإرادة؟

 

د – حرِّيَّة الإرادة

 

إنَّ أصل حرِّيَّة الإرادة ومصدرها يكمنان في حرِّيَّة الإنسان. إذًا، لا بدَّ من الكشف عن هذه الحرِّيَّة. إنَّ الإنسان وُهب له العقل، فهو لذلك قادر على أن يختار اختيارًا حرٌّا، لأنَّ الكائن العاقل قادر على تداول الأمور. إنَّ الظروف التي تحيط بالإنسان لا تفرض عليه حتميَّتها، وهو يمتلك القدرة على النظر من بُعد وتفحُّص عناصر حالة من الحالات. وسلطة التداول هذه هي عديمة الفائدة إن لم يكن الإنسان قادرًا على العمل بحسب حدسه الخاصّ واختياره. لا شكَّ في أنَّ المعرفة التي يتحدَّث عنها ليست معرفة نظريَّة أو بحثًا علميٌّا، بل هي حدس عمليّ وحسٌّ داخليّ، تبيِّن لنا كيف نتصرَّف في حالة من الحالات. فالحياة البشريَّة صيرورة دائمة، وهي لا تثبت أبدًا في حالة أُعطيت لها بطريقة لا تختلف عن سابقتها. إنَّ الحياة البشريَّة هي اندماج بتطوُّر الكون، وهي جزء منه. وهذا الميل إلى التحرُّك عند الإنسان ينبع من سمات كيانه الأساسيَّة، ومنها أنَّ حياته تبدأ في وقت محدَّد، وإنَّ بنيته تفترض وجود مبدأ مادّيّ(42).

 

إنَّنا نفهم مثل هذا التفسير على ضوء الفلسفة الأرسطيَّة. وأعطى اسكندر الأفروديسيّ، وهو أحد شرّاح أرسطو، في كتابه عن القدر، براهين تشبه إلى حدٍّ بعيد براهين نميسيوس(43). فإن كانت علامة الوجود البشريّ أنَّ له بداية، فهذا يعني أنَّه عرضيّ في صميمه، وأنَّه يحمل في ذاته إمكانيَّة عدم الوجود، لأنَّه لم يكن موجودًا في وقت من الأوقات. والحديث عن ولادة الإنسان يقودنا إلى الحديث عن إمكانيَّة فساده، وحياة الإنسان هي تدرُّج في مسيرة الولادة والفساد. من جهة ثانية، كلُّ مبدأ مادّيّ هو مبدأ مبهَم وغير محدَّد، وهو ينفتح على ما يحدِّده فيما بعد، وهذا المبدأ حاضر دومًا لا في بداية الوجود البشريّ فحسب، بل وفي كلِّ مسيرته اللاحقة.

 

عندما نتطلَّع إلى قابليَّة التحوُّل، علينا بالنسبة إلى نميسيوس، أن نميِّز فيها درجات عديدة. فالكائنات الروحيَّة العائشة قريبًا من الأرض والمشاركة للإنسان في نشاطه، تندمج في الصيرورة أكثر من الكائنات الروحيَّة السامية التي هي أبعد من الأولى عن تقلُّب الكون وعدم ثباته(44). ونتيجة ذلك هو أنَّ الحرِّيَّة مطبوعة بطابع قابليَّة التحوُّل ذاته، أي إنَّها تتطوَّر في هذه الوجهة أو في تلك. ولهذا نقول إن ليس الله علَّة الأعمال السيِّئة التي يتمِّمها الإنسان، وكلُّ إنسان مسؤول عن تصرُّفاته وسلوكه. في هذه الحال يتساءل نميسيوس: أما تكون الحرِّيَّة البشريَّة شرٌّا؟ لا ثمَّ لا. وإنْ كان سلوك الإنسان شرّيرًا، فذلك يرجع إلى إمكانيَّة الاختيار عنده، بل لأنَّ ملكاته التي حصل عليها عبر أعمال قبل بها حرٌّا، هي شرّيرة. لا، ليست الحرِّيَّة بحدِّ ذاتها شرٌّا، لأنَّ بعض الناس يستعملون إمكانيَّة الاختيار استعمالاً سيِّئًا. فالحرِّيَّة هي خير لأنَّها عطيَّة الله الكلّيّ الكمال فينا. وهكذا دافع نميسيوس عن الله الخيِّر في الطبيعة البشريَّة وسيدافع عنه في عنايته مشدِّدًا على حرِّيَّة الإنسان الكاملة في اختيار طريق الشرّ أو طريق الخير.

 

خاتمة

 

الإنسان هو سيِّد أعماله، الإنسان هو المسؤول عن سلوكه الأخلاقيّ والأدبيّ، الإنسان هو سيِّد مصيره، تلك هي خلاصة كتاب نميسيوس: طبيعة الإنسان. أمّا البرهان الرئيسيّ الذي يستند إليه ليدافع عن قضيَّته فهو أنَّ الإنسان قبل موهبة العقل فصار قادرًا على المداولة، وهذه المداولة تكون من دون معنى إن لم يستطع الإنسان أن يختار سلوكه بطريقة حرَّة وواعية. وإن كان الله كوَّن الإنسان بهذه الطريقة، فلأنَّ هذا التداول له معناه وهو إمكانيَّة الاختيار واتِّخاذ القرار. لا يتساءل نميسيوس كيف أنَّ العقل هو مصدر الحرِّيَّة، ولا كيف يستطيع الإنسان أن ينظر مليٌّا إلى القيم الخاصَّة التي يلتقيها في حياته، ولا كيف يجتذب الخيرُ الإنسانَ دون مقاومة. إنَّ نميسيوس لا يتطلَّع إلى العقل، ليستنتج تلك القوَّة الإراديَّة التي هي في أساس قرارنا الحرّ. إن تحدَّث عن أشكال الشهيّات الحسِّيَّة، فهو لا يتحدَّث عن شهيَّة تقف على مستوى سام، ثمَّ تتميَّز عن المعرفة العقليَّة مع أنَّها عقليَّة هي أيضًا. وهكذا فالبراهين التي قدَّمها نميسيوس للدفاع عن حرِّيَّة الإنسان مأخوذة من خبرة الحياة اليوميَّة، وهي لا تدَّعي أنَّها توصَّلت إلى إعطائنا تفسيرًا ميتافيزيقيٌّا لمشكلة الحرِّيَّة45.

 

ولكن، لماذا نريد أن نفرض على نميسيوس أن يعطينا ما لم يعدنا به. انطلق من المنابع الفلسفيَّة والعلميَّة والدينيَّة ليعطي تفسيرًا عن وجود الإنسان في الكون، فدفعنا إلى مرافقته في بحثه وتأمُّله، ومات قبل أن ينتهي من تدوين كتابه كاملاً. يبقى علينا نحن قرَّاءه اليوم أن ننطلق من معطيات عصرنا كما انطلق هو لنؤلِّف من العناصر التي أمامنا نظامًا فكريٌّا يطرح مشكلة الإنسان والحرِّيَّة في زمن صار الإنسان سلعة رخيصة والحرِّيَّة بضاعة نادرة.

 

1 كيف عرفنا الزمن الذي عاش فيه نميسيوس؟ من خلال أسماء معاصريه الذين يحدِّثنا عنهم. يذكر أوَّلاً أونوميوس الذي توفِّي سنة 393. كان أسقفًا على توزيكة، قرب القسطنطينيَّة، وقد رفض القبول بما أعلنه المجمع المسكونيّ الثاني الذي عُقد سنة 381، كما إنَّه دخل في جدال مع باسيليوس الكبير (330-379) وغريغوريوس النيصيّ (325-394). ويذكر ثانيًا أبوليناريوس الذي كان أسقفًا على اللاذقيَّة سنة 363-392. أخذ نميسيوس موقفًا من أحد تآليف أبوليناريوس الذي يورد فيه نظرة تركيب الجسم الثلاثيَّة (الروح والنفس والجسد) كأساس لتعليمه عن المسيح، وهو تعليم شجبه مجمع القسطنطينيَّة الأوَّل (381). ويذكر ثالثًا تيودور المبسوسطيّ (350-428) الذي كان أسقفًا منذ سنة 392 والذي عرفه نميسيوس شخصيٌّا. ويورد نميسيوس أفكار أوريجان غير أنَّه لا يلمِّح إلى أفكاره وتعاليمه التي شجبت في الإسكندريَّة سنة 399 وفي رومة سنة 400. كلُّ هذه التلميحات تدلُّنا على أنَّ نميسيوس كتب طبيعة الإنسان في نهاية الجيل الرابع. راجع طبيعة الإنسان 40/87 حيث نقرأ: حدَّد اونوميوس النفس بجوهر لا جسديّ في جسد مخلوق. بالنسبة إلى أبوليناريوس راجع طبيعة الإنسان 4/14-15، 42/28-29. يذكر نميسيوس تيودور في طبيعة الإنسان 46/6 وأوريجان في 57/53، 87/71، 121/13.

 

ملاحظة: عندما نورد نصٌّا من طبيعة الإنسان نستند إلى النسخة اللاتينيَّة المحقَّقة. (راجع الحاشية 5، ثزض .ا، وذلك بانتظار الطبعة اليونانيَّة التي يحقِّق فيها العلاّمة خدسزءخة . فنذكر الصفحة والسطر).

 

نرجو أن نوفَّق لنشر النصِّ العربيّ كما نقله اسحاق بن حنين في الجيل العاشر

(*) ظهر هذا المقال في مجلة دراسات 12 (1984) ص 1-23.

 

(1) كيف عرفنا الزمن الذي عاش فيه نميسيوس؟ من خلال أسماء معاصريه الذين يحدِّثنا عنهم. يذكر أوَّلاً أونوميوس الذي توفِّي سنة 393. كان أسقفًا على توزيكة، قرب القسطنطينيَّة، وقد رفض القبول بما أعلنه المجمع المسكونيّ الثاني الذي عُقد سنة 381، كما إنَّه دخل في جدال مع باسيليوس الكبير (330-379) وغريغوريوس النيصيّ (325-394). ويذكر ثانيًا أبوليناريوس الذي كان أسقفًا على اللاذقيَّة سنة 363-392. أخذ نميسيوس موقفًا من أحد تآليف أبوليناريوس الذي يورد فيه نظرة تركيب الجسم الثلاثيَّة (الروح والنفس والجسد) كأساس لتعليمه عن المسيح، وهو تعليم شجبه مجمع القسطنطينيَّة الأوَّل (381). ويذكر ثالثًا تيودور المبسوسطيّ (350-428) الذي كان أسقفًا منذ سنة 392 والذي عرفه نميسيوس شخصيٌّا. ويورد نميسيوس أفكار أوريجان غير أنَّه لا يلمِّح إلى أفكاره وتعاليمه التي شجبت في الإسكندريَّة سنة 399 وفي رومة سنة 400. كلُّ هذه التلميحات تدلُّنا على أنَّ نميسيوس كتب طبيعة الإنسان في نهاية الجيل الرابع. راجع طبيعة الإنسان 40/87 حيث نقرأ: حدَّد اونوميوس النفس بجوهر لا جسديّ في جسد مخلوق. بالنسبة إلى أبوليناريوس راجع طبيعة الإنسان 4/14-15، 42/28-29. يذكر نميسيوس تيودور في طبيعة الإنسان 46/6 وأوريجان في 57/53، 87/71، 121/13.

 

ملاحظة: عندما نورد نصٌّا من طبيعة الإنسان نستند إلى النسخة اللاتينيَّة المحقَّقة. (راجع الحاشية 5، ثزض .ا، وذلك بانتظار الطبعة اليونانيَّة التي يحقِّق فيها العلاّمة خدسزءخة . فنذكر الصفحة والسطر).

 

نرجو أن نوفَّق لنشر النصِّ العربيّ كما نقله اسحاق بن حنين في الجيل العاشر.

 

1 جالينوس هو طبيب يونانيّ (حوالى 131-201ب.م.). له اكتشافات خطيرة في التشريح. تُرجمت كتبه إلى العربيَّة فكن من أكبر مراجع أطباء العرب. يرد اسمه في طبيعة الإنسان 32/5، 48/68، 74/191. ويرد أيضًا اسم هيبوكراتيس (460-370) وهو أبو الأطبّاء في 32/8، 68/79. لقد كتب هيبوكراتيس مقالة عن طبيعة الإنسان، غير أنَّ مضمونها غير مضمون كتاب نميسيوس. فالأوَّل يشدِّد على الوجهة الطبِّيَّة، بينما يشدِّد الثاني على الوجهة الفلسفيَّة والمسيحيَّة دامجًا في كتاب الكثير من المعطيات الطبِّيَّة. (راجع مقدِّمة الترجمة اللاتينيَّة للعلاّمة سصةدجج، والتي طبعها سنة 1565 في مدينة أنفرز (َّْمٌَّء) في بلجيكا.

 

(3) A. SICLARI, L’antropologia di Nemesio di Emesa, Padova, 1974, p. 10ss (Pour le texte grec, voir Patrologie Grecque (PG de Migne), XL, p. 508-818); voir aussi; MAXIMUS, Opuscula theologica et polemica, PG, XCI, p. 91-286 et surtout p. 277.

 

JEAN DAMASC(4)بNE, De fide orthodoxa, PG, XCIV, p. 789-1228. Comparer par ex. : La foi orthodoxe de Jean (cf. 39) et Némésios (ch. 38, p. 142, 81- 144, 26); ANASTASIUS, Questiones, XVIII, PG, LXXXIX, p. 851-1078

 

(5) هو طبيب وفيلسوف نسطوريّ (توفّي سنة 1191). نقل إلى العربيَّة الكتب العديدة

 

ومنها طبيعة الإنسان. لم ينشر الكتاب بعد، ومخطوطاته موجودة في الشام والقاهرة.

 

Voir G. VERBEKE et J. R. MONCHO, Némésius d’Emèse, de Natura Hominis,

 

Leiden, Brill, 1975 (publication critique du texte latin); voir aussi S. VAN RIET, « Stoicorum Veterum fragmenta arabica. A propos de Némésius d’ةmèse », dans Mélanges d’islamologie, volume dédié à la mémoire d’Armand Abel, édité par P. Salomon, Brill, 1974, p. 254-263

 

(6) إنَّ نسبة الكتاب إلى غريغوريوس النيصيّ ترتقي إلى الجيل التاسع، وهي تفسَّر في أنَّ النقّاد اعتبروا الفصلين الثاني والثالث من طبيعة الإنسان على أنَّهما مقالة عن النفس لغريغوريوس. ثمَّ انطلاقًا من الجزء نسبوا الكلَّ إلى هذا العلاَّمة الكبير. Voir J. BRAESEKE, “Ein Testimonium

 

Voir J. BRAESEKE, “Ein Testimonium Ignatianum”, dans Zeitschrift für Wissenschaft Theologie, t. 47 (1903) 505-512

 

(أمّا نسبة الكتاب إلى أدامنتيوس فالنقد يردُّها اليوم بقدر ما إنَّه لم يجد أيُّ أثر لشخص اسمه أدامانتيوس الحمصيّ الذي كان فيلسوفًا وطبيبًا في الجيل الرابع. لماذا لا يكون هذا الشخص هو نميسيوس بالذات وكلُّ الدلائل تدلُّ عليه؟ راجع:

 

TELFER, Cyril of Jerusalem and Nemesius of Emesa, The Library of Christian Classics, vol IV, London, 1955, p. 203ss

 

(7) Voir E. AMANN, “Némésius d’Emèse”, dans DTC, t. XI, Paris, 1931, col. (62-67; W. VANHAMEL, « Némésius d’ةmèse », dans Dictionnaire de Spiritualité, vol. 11, Paris, 1981, col. 92-99; J. LIEBAERT, « Némésius d’ةmèse », dans Catholicisme, vol. IX, Paris, 1982, col. 1152-1155; J. QUASTEN, Initiation aux Pères de l’ةglise, t. III, Paris, 1962, p. 495-503.

 

(8)Cf. PG, XLIV, p. 125-256; cf. J. LAPLACE, “Grégoire de Nysse, la creation de l’homme”, dans Sources Chrétiennes, 6, notes de J. Daniélou, Paris, 1943.

 

(9) Dictionnaire de Spir., op. cit., col 94s.

 

(10)راجع أرسطو عن النفس بأجزائه الثلاثة وبالأخصّ الجزء الثالث الفصل الثاني

 

VERBEKE, op. cit., p. LXIIss

 

Voir D. AMAND, “Fatalisme et liberté”, dans L’Antiquité Grecque, (11)

 

Recueil de travaux d’histoire et de philosophie, 3. série, fasc. 9, Louvain, 1945, le ch. 14 parle de Némésius, p. 549-569.

 

(12) W. TEFLER, “The Birth of Christian Anthropology”, in Journal of Theological Studies, XIII, part. 2, oct. 1962, p. 342-354

 

(13) طبيعة الإنسان 153/30-31. الفصل 41 وعنوانه العناية.

 

(14) نقرأ في هوامش المخطوطات العديدة هذه العبارة \’بشكل مختصرب في اليونانيَّة \’َّمللمحىفٌفوِمً َُّهٌُب، للإشارة إلى أنَّنا أمام ملخَّص كتب عديدة قرأها نميسيوس واستنتج منها ما استنتج.

 

(15) طبيعة الإنسان 22/95-98. في الفصل الأوَّل وعنوانه الإنسان. راجع أيضًا 4/6-8.

 

(16)طبيعة الإنسان 21/80-82 (الفصل الأوَّل) راجع العبارة المعروفة َِّب: microcosme dans un macrocosme”

 

(17) طبيعة الإنسان 6/49-52. نرى هنا كيف أنَّ نميسيوس لا يقبل بما تقوله الأفلاطونيَّة الجديدة عن ثلاثيَّة الإنسان (روح ونفس وجسد) لأنَّها تقطع التواصل بين ملكات العقل (أو الروح، راجع كلمة \’نوسب اليونانيَّة) السامية وبين القوى الدنيا للنفس والجسد.

 

(18) طبيعة الإنسان 21/79-80. هذا المديح للإنسان الذي به ينهي نميسيوس فصله الأوَّل يذكِّرنا بتعليم بوسيدونيوس الآفاميّ عن الإنسان الذي هو قمَّة النظام الطبيعيّ. راجع جورج عطيَّه، بوزيدونيوس الآفاميّ في آفاق، العدد 3، السنة الأولى، شتاء 1959، ص 35-46. W. JAEGER, Nemesius von Emesa, Quellenforschungen zum Neoplatonismus und seinen Anfngen bei Poseidonios, Berlin, 1914, p. 134;voir aussi CICERON, Sur la nature des dieux, 11, 153.

 

(19) طبيعة الإنسان 133/59 (الفصل 34).

 

(20)طبيعة الإنسان 133/78-134/36. يذكر نميسيوس اسم كريسيب (حوالى 280-206) الرئيس الثالث لمدرسة الرواقيّين، وفيلوباتور الذي ألَّف كتابًا في القدر يدافع فيه عن وجهة نظر كريسيب رابطًا بين الحرِّيَّة والقدر دون أن يتخلَّى عن هذا أو تلك.

(21)طبيعة الإنسان 135/14-21 (الفصل 35).

 

(22)طبيعة الإنسان 137/60-63 (الفصل 36).

 

(23) طبيعة الإنسان 139/96-112 (الفصل 37).

 

(24) طبيعة الإنسان 134/86ي. يلمِّح نميسيوس إلى بلوتارك (حوالى 46-120ب.م.) المؤرِّخ وعالم الأخلاق اليونانيّ في كتابه عن القدر.

 

(25) طبيعة الإنسان 153/17-154/40. كان الخلاف مستفحلاً بين الرواقيّين والإبيقوريّين في نظرة كلٍّ منهم إلى العناية الإلهيَّة. كان الأوَّلون يدافعون عن عناية الله ويعتبرونها ملازمة للكون كعقل قدير وينبوع كلّ ما هو عقلانيّ. وكان الآخرون يعارضون هذا الرأي ولا يقبلون أن يتدخَّل الآلهة في شقاواتنا ونقائصنا وهم العائشون بعيدًا عن الأرض في هدوء عالم السماء.

 

Voir C. BAILEY, The Greek Atomists and Epicurus, Oxford, 1928, p. 468

 

(26) طبيعة الإنسان 147/75-148/99 (الفصل 39).

 

(27) Voir ses livres: L’Imagination, Paris, 1936; L’Imaginaire, Paris, 1940; voir aussi, A. D. WAELHENS, « Sartre », dans Encyclopaedia Universalis, vol. 14, 1968, p. 14ss.

 

(28) طبيعة الإنسان 125/92-99 (الفصل 31).

 

Voir ARISTOTE, Ethique à Nicomaque, III

 

(29) طبيعة الإنسان 125/1-126/19 (الفصل 31).

 

(30)طبيعة الإنسان 125/1-126/19 (الفصل الثاني، 6-8) Ethique à Nicomaque,

 

(31)طبيعة الإنسان 126/16-21.

 

(32) طبيعة الإنسان 126/24-26 (الفصل 32).

 

(33) طبيعة الإنسان 127/35-128/52. الأخلاق لأرسطو الثالث، 4.

 

(34)طبيعة الإنسان 128/52-70. راجع أخلاق أرسطو الثالث، 4-5. هذا التعليم يقابل تعليم الإسكندر (فيلسوف مشائيّ عاش في الجيل 2-3 المسيحيّ) لا تعليم إسباسيوس الذي قال بوجود عنصرين، هما التداول والرغبة. في اليونانيَّة (بولي βουληوأوركسيسαυραξΙς)

 

Voir E. DOBLER, Nemesius von Emesa und die Psychologie des menschlichen Aktes bei Thomas von Aquin, Werthenstein, 1950, p. 105

 

يبرز نميسيوس أهمَّيَّة التداول الذي يفترض قرارًا نتَّخذه، ويميَّزه عن البحث الذي لا يلزمنا في أعمالنا، كأن نعرف أنَّ الشمس أكبر من الأرض أم لا. طبيعة الإنسان 129/89-93 (الفصل 33).

 

(35) Voir B. DOMANSKI, Die Psychologie des Nemesius, coll. BGPM, 3/1, Münster, 1900, p. 145-147.

 

(36) طبيعة الإنسان 143/88-144/8 (الفصل 38).

 

(37)طبيعة الإنسان 144/30-145/39.

 

(38) طبيعة الإنسان 144/30-145/35.

 

(39) راجع كلمة في اليونانيَّةαυτεξουσιον autexousion وفي اللاتينيَّة Liberium arbitrium

 

طبيعة الإنسان 48/57، 110/87، 142/80-81. Voir DOMANSKI, op. cit., p. 151- 154

 

(40) طبيعة الإنسان 146/57-147/74 (الفصل التاسع).

 

(41) طبيعة الإنسان 147/75-148/99. هنا يرسم نميسيوس حدٌّا واضحًا يفصل بين قرارات الإنسان الحرَّة وبين عمل العناية الإلهيَّة، وكلاهما يمتزجان في صيرورة العالم. ولهذا فما يحدث في الكون هو مزيج، والنتيجة تكون مواقة لقرار الإنسان الحرّ أو لمخطَّط العناية الإلهيَّة أو للاثنين معًا. راجع 192/77.

 

(42) طبيعة الإنسان 149/23-150/51 (الفصل 40).

 

(43) Voir G. BERBEKE, “Aristotélisme et stoïcisme », dans Le De Fatod’Alexandre d’Aphrodisias, Louvain, 1967, p. 87.

 

(44) طبيعة الإنسان 150/63-151/73. في هذا الإطار يستعمل نميسيوس كلمتين تميَّز بهما الرواقيّون في اليونانيَّة απαλλαρικω، وفي اللاتينيَّة َُALIENO (ابتعد، تحرَّر)، في اليونانيَّة ωِπροσοικειλ، وفي اللاتينيَّة FAMILIAREM FACIO(كان شبيهًا ولائقًا).

 

مفهوم الحرية عند نميسيوس ف6 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

نميسيوس الحمصي ف5 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

نميسيوس الحمصي ف5 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

نميسيوس الحمصي ف5 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

 

الفصل الخامس

 

نميسيوس الحمصيّ ونظرته إلى الإنسان(*)

 

حين نتحدَّث عن نميسيوس الحمصيّ، نتذكَّر أوَّل ما نتذكَّر كتابه في طبيعة الإنسان. هو ذاك الأسقف الذي تولَّى أبرشيَّة حمص في القرن الرابع المسيحيّ. وحين نتحدَّث عن نميسيوس الحمصيّ، نتذكَّر تيّارًا فلسفيٌّا واسعًا عرفته سورية ولبنان، سواء على مستوى الأفلاطونيَّة المحدثة، أو في خطِّ آباء الكنيسة، السريانيَّة منها واليونانيَّة. ما هو الإنسان، وما علاقة النفس بالجسد؟ هل الجسد سجين لها؟ وحين نتحدَّث عن نميسيوس الحمصيّ، نتذكَّر التيّارات الآتية من الشرق والغرب. من الشرق وعِلْم الكواكب التي تؤثِّر على مسيرة الإنسان وحرِّيَّته. ومن الغرب مع كلام على قدَرٍ أعلَى لا يستطيع الإنسان شيئًا تجاهه، فكان لا بدَّ من العودة إلى كلام الكتاب المقدَّس حول الإنسان الذي هو على صورة الله. والكلام بالتالي عن حرِّيَّة الإنسان، هو الذي يختار، ولهذا يمكن أن يجازى على أعماله، شرٌّا كانت أم خيرًا.

 

هذا ما دفعنا إلى التكلُّم عن نميسيوس الحمصيّ الذي كتب في اليونانيَّة، في بلاد الشامّ. وانتقل كتابُه إلى العربيَّة أكثر من مرَّة. عرف اللغة السريانيَّة التي كانت لغة الشعب الذي يسوسه في أبرشيَّته. وأتقن اليونانيَّة فجُعل في خطِّ جالينس (131-201) الطبيب اليونانيّ وصاحب الاكتشافات في تشريح جسم الإنسان وفي خطِّ أوريجان وبورفير وتيودور المصّيصيّ ويوحنّا الدمشقيّ، ولاسيَّما في دراساته عن النفس والخلق، عمّا تتذكَّره النفس وعمّا تصير إليه من كمال يرتبط بالكمال الأوَّل.

 

  1. نميسيوس الحمصيّ

 

نبدأ كلامنا فنتعرَّف إلى الشخص قبل أن نصل إلى الكتاب الذي خلَّد ذكره.

 

كان نميسيوس(1) أسقف حمص، وخلف أوسابيوس الذي وُلد في الرها حوالي سنة 300، وتتلمذ على يد أوسابيوس القيصريّ (265-340) الذي سُمِّي »أبا التاريخ الكنسيّ«. قد يكون أسقفُ حمص الذي تمرَّس في دراسة الكتاب المقدَّس، وترك عظات حول الأناجيل، أخذ اسمُ معلِّمه حين صار أسقفًا(2).

 

خلف نميسيوسُ أوسابيوس هذا، وهو ابن سورية على ما يبدو. كان وثنيٌّا واهتدى إلى المسيحيَّة. قيل إنَّه كان في البدء طبيبًا. فقد اطَّلع على أمور الطبِّ وقرأ تآليف الأطبّاء أمثال جالينس وهيبوكرات. ورد اسمُ جالينس ثلاث مرّات في كتاب طبيعة الإنسان (32: 5؛ 48: 68؛ 74: 191). أمّا هيبوكرات (460-370) الذي دُعي »أبا الأطبّاء« وكتَبَ مقالة في طبيعة الإنسان، فقد ورد اسمه أيضًا ثلاث مرّات (32: 8؛ 58: 73؛ 68: 79). نشير بطريقة عابرة إلى أنَّ نميسيوس قد يكون أخذ بعنوان مقال هيبوكرات. ولكن شدَّد هذا الأخير على الوجهة الطبِّيَّة. أمّا نميسيوس فاستفاد من المعطيات الطبِّيَّة ليُبرزَ الوجهة الفلسفيَّة والمسيحيَّة.

 

هذا الأسقف عاش في القرن الرابع، ودوَّن كتابه في نهاية الرابع، الذي كان العصر الذهبيّ بالنسبة إلى الكنيسة في الشرق. من كبادوكية إلى الرها وأنطاكية والإسكندريَّة، هذا فضلاً عن مدن مثل أفامية (قلعة المضيق) وحمص وحماة وبيروت وصور. نذكر على سبيل المثال أميليوس (226-300) الذي كان أستاذًا في أفامية، ساعة كان بورفير هناك. وبورفير (234-304) تربّى في صور، وأَمَّ مكتبة قيصريَّة في فلسطين، وجمع أقوال معلِّمه أفلوطين في التاسوعات وشَرَحها، فبدت آثارٌ من شرحه في نصٍّ عربيّ نُسب خطأ إلى أرسطو. وعرفت أفامية قبل المسيح (130-50) فيلسوفًا رواقيٌّا وُلد فيها: بوسيدون الذي ترك موسوعة في العلوم.

 

وحمص حيث أقام نميسيوس كانت مركزًا علميٌّا هامٌّا. ذكرنا أوسابيوس الذي درس علم التفسير في أنطاكية، والفلسفة في الإسكندريَّة. وصار صديق جاورجيوس أسقف اللاذقيَّة. حين عُيِّن أوسابيوس أسقفًا على حمص، رفضه شعبُ المدينة، لأنَّه لا يريد أسقفًا متبحِّرًا في العلوم، بل راعيًا يهتمُّ بالنفوس.

 

ونودُّ أن نذكر في بلاد الشامّ فلاسفة آخرين. يمبليك الذي وُلد في خلقيس (هي اليوم عنجر في البقاع اللبنانيّ) وتربّى على يد أناتول الذي كان تلميذ بورفير. درَّس الفلسفة في أفامية، فمزج الأفلاطونيَّة مع الإخفائيَّة والتنجيم. وقد أثَّر في الإمبراطور يوليان الجاحد. وأناتول الذي جاء وراء بورفير على مستوى الفكر في عصره. أمّا نيكوماك فوُلد في جرش، في فلسطين. قال في ما قال: الجوهر الفرد هو الإله السامي الذي يضمُّ في ذاته كلَّ النقائض، والإله السامي هو صانع الكون. أمّا المثلَّث الخاصّ بهذا الفيلسوف فيضمُّ الله (الجوهر الفرد) إلى المادَّة بثنائيَّتها، إلى اللوغس (الكلمة) الإلهيّ. كلُّ شيء ينطلق من الجوهر الفرد ويعود إلى الجوهر الفرد. ويوحنّا الأفاميّ عاش في القرن 4-5، فاعتُبر المعلِّم الذي يأتي إليه الناس من البعيد ليسمعوا كلامه. ترك وراءه الحوارات والمقالات التي تحدَّثت عن نشاط النفس، عن مسألة الشرّ. عاش نميسيوس وتفاعل مع فكر سابقيه كما مع فكر معاصريه(3).

 

وذكر هذا »الفيلسوف« في كتابه عددًا كبيرًا من الذين عاصروه. ذكر أونوم (+394) أسقف قوزيكه، قرب القسطنطينيَّة، الذي اشتهر ببلاغته وترك آثارًا عديدة. فردَّ عليه ديديم الأعمى وباسيل وغريغوار النيصيّ. ودخل نميسيوس في جِدال مع باسيل الكبير (330-379) وغريغوار النيصيّ (363-392). هذا يعني أنَّ نميسيوس عاش في ذلك القرن الرابع. في 40: 78، تحدَّث عن أونوم الذي حدَّد النفس على أنَّها جوهر لاجسديّ في جسد مخلوق. واتَّخذ موقفًا من أحد تآليف أبّولينار، أسقف اللاذقيَّة (363-392) الذي قدَّم نظرة حول تركيبة الجسم الثلاثيَّة (الروح، النفس، الجسد) كأساس لتعليمه عن المسيح. كلُّ هذا يدعونا إلى الكلام عن الأثر الوحيد الذي تركه نميسيوس وهو طبيعة الإنسان.

 

  1. كتابه في طبيعة الإنسان

 

نكتشف، حين نتصفَّح كتاب طبيعة الإنسان، رجلاً تمعَّن في الفلسفة وفي الطبّ، وكانت معلوماته واسعة على مستوى السيكولوجيا والفيزيولوجيا، على مستوى دراسة النفس وعلم وظائف الأعضاء. ومقالُه هذا يفيض غنى لطالب معرفة في فقه اللغة وتاريخ الفلسفة. أراد أن يكون كتابه دفاعًا عن الإيمان المسيحيّ، فإذًا ما كتبه لا يفيد اللاهوتيّ كثيرًا. فهمُّه فلسفيٌّ قبل أن يكون لاهوتيٌّا. هو يتحدَّث إلى الإنسان المثقَّف، سواء كان مسيحيٌّا أم وثنيٌّا. لهذا انطلق من أفلاطون وتعليمه عن النفس واتِّحادها بالجسد. وحاول أن يوفِّق بين هذا التعليم والوحي الإلهيّ. من أجل هذا، عالج في المقدِّمة (ف 1) طبيعة الإنسان، المؤلَّفة من نفس وجسد، المخلوقة لكي تكون جسرًا بين عالمين: بين ما هو ظاهر، وما هو معقول. فالعالَم خُلق من أجل الإنسان، ومن أجله وُجدت خلائق الدنيا. وينتهي هذا الفصل الأوَّل مع تقريظ أو مديح للإنسان:

 

حين ننظر إلى هذه الأمور في ما يخصُّ الإنسان، كيف نستطيع أن نُبرز كرامة الموقع الذي يمثِّله في الكون؟ فالإنسان يجمع في شخصه الخلائق المائتة واللامائتة، ويجعل الكائنات العاقلة تتَّصل بالكائنات التي حُرمت من العقل. هو يحمل في طبيعته أفكار الخليقة كلِّها، لهذا يُدعى »مكروكوسموس« أو »كون صغير«. هو الخليقة التي جعلها الله أهلاً لعناية خاصَّة، بحيث إنَّ كلَّ الكائنات نالت وجودها بسببه، سواء تلك الموجودة الآن أو تلك التي ستأتي. هو الخليقة الذي لأجله صار الله إنسانًا، لكي تدرك اللاّفساد وتُفلت من الفساد، لكي تملك على الأعالي، وهي التي صُنعت على صورة الله ومثاله. هذه الخليقة تقيم مع المسيح كابن الله وتجلس فوق كلِّ ناموس وكلِّ سلطان.

 

وإذ نعرف النُبلَ الذي نشارك فيه، وأنّنا غرس السماء، فلا نقترف شيئًا يسلِّم طبيعتنا إلى العار أو يبيِّن أنَّنا غير أهلٍ بأن ننعمَ بمثل هذا الصلاح العظيم. لا نخدَعْ نفوسنا مع كلِّ هذه القدرة وهذا المجد وهذه البركة، فنقايض التنعُّم بالأمور الأبديَّة بحقبة قصيرة من اللذّات لا يمكن أن تدوم. بل لنحافظ على عظمتنا فنعمل الخير ونتجنَّب الشرّ، ونجعل أمام عيوننا هدفًا صالحًا. من أجل كلِّ هذا نعتاد أن نطلب نعمة الله. هذا يعني أنَّنا لا ننسى الصلاة(4).

 

بعد هذا الكلام الرفيع عن الإنسان، درس نميسيوس النفس في الفصل الثاني، واتِّحادها بالجسد في الفصل الثالث، ثمَّ الجسد والعناصر وملكة التخيُّل والنظر واللمس والذوق والسماع والشمّ والعقل والذاكرة والفكر. ومع الفصل الخامس عشر، يقترح هذا »الفيلسوف« طريقة جديدة في تقسيم النفس: قسمٌ فيه الأهواء والشهوة والملذّات والألم والخوف والغضب. وقسمٌ لا سلطة فيه للنفس: التغذية، دقّات القلب، الإيلاد. أمّا الفصول 35-38 فتجابه نظرية القدر. وينتهي الكتاب بدفاع عن الإرادة الحرَّة (ف 39-41) وعرض للتعليم المسيحيّ حول العناية الإلهيَّة (ف 42-44).

 

اعتبر عددٌ من الباحثين أنَّ كتاب نميسيوس هو ولادة الأنتروبولوجيّا المسيحيَّة. هذا لا يعني أنَّه لم تكن قبلَهُ محاولات من أجل صياغة نظرة مسيحيَّة إلى العالَم، بل لأنَّ نميسيوس بيَّن أنَّه من الممكن إدخال الفلسفة اليونانيَّة في نظرة مسيحيَّة شاملة إلى الإنسان. ساعة كانت المسيحيَّة في ملء امتدادها لكي تصل إلى المثقَّفين، قدَّم طبيعةُ الإنسان تعليمًا مسيحيٌّا حقيقيٌّا حول الواقع البشريّ. استعان هذا »الفيلسوف« بمقولات أخذها من الفكر اليونانيّ. فكَّر فيها من جديد وأعاد التعبير بمضامينها. إذًا لا يكمن جوهرُ الكتاب في المعطيات الطبيعيَّة العديدة، ولا في الجدالات اللاهوتيَّة، بل في مضمونه الفلسفيّ. وهكذا نجعله في إطار تاريخ الفلسفة قبل أن نجعله في إطار تاريخ اللاهوت.

 

  1. نسخات الكتاب

 

دُوِّن طبيعة الإنسان في اليونانيَّة، لغة الثقافة في عدد من مدن الشرق. ولكنَّه خرج سريعًا من لغته الأصليَّة، لكي ينتشر في الشرق والغرب.

 

نتعرَّف أوَّلاً إلى نسخات هذا الكتاب في العالَم الغربيّ، قبل أن نعود إلى العالم الشرقيّ. ونتوقَّف مطوَّلاً عند النسخات العربيَّة.

 

أ- العالم الغربيّ

 

أقدم نصٍّ يونانيّ نعرفه، وُجد في كودكس، في جزيرة بطمس. وهو يعود إلى القرن العاشر. ولكنَّ النصَّ اليونانيّ انتشر سريعًا. فالقدّيس يوحنّا الدمشقيّ (675-749) يستقي منه الكثير في الفصول المتعلِّقة بالإنسان (2: 12-29) في كتابه عن الإيمان الأرثوذكسيّ. غير أنَّ الدمشقيّ لم يذكر المرجع الذي استقى منه(5). وبعد قرن من الزمن، عرف الكتابَ ميليثيوسُ الراهب في دير الثالوث الأقدس قرب طبريابوليس (في فريجية، تركيّا). وأورد نصَّه إيرادًا حرفيٌّا وبشكل واسع بحيث شكَّلت إزائيَّة آراء آباء الكنيسة والفلاسفة المشهورة حول تكوين الإنسان نصٌّا لنميسيوس نستفيد منه لتثبيت النصِّ اليونانيّ. ما ذكر ميليثيوس المرجع الذي أخذ منه. ثمَّ إنَّ كتاب نميسيوس مُزِجَ مع كتاب غريغوار النيصيّ حول صنع الإنسان. وحين تُرجم طبيعة الإنسان إلى الأرمنيَّة، نسبه المترجم إلى غريغوار. في الواقع، بدأ الباحثون، منذ القرن التاسع، معتبرين الفصلين الثاني والثالث من طبيعة الإنسان على أنَّهما مقال عن النفس لغريغوار. وانطلاقًا من الجزء، نسبوا الكلَّ إلى هذا العلاّمة الكبير الذي كتب صُنع الإنسان ليكمِّل عظات باسيل شقيقه حول الأيّام الستَّة.

 

أوَّل من ذكر طبيعة الإنسان هو مكسيم المعترف الذي وقف في وجه المونوتيليَّة (أصحاب المشيئة الواحدة في المسيح) الذي تُوفِّي سنة 663. أورده إيرادًا حرفيٌّا في ثلاثة من مؤلَّفاته: إلى الكاهن مارينو. أسئلة إلى تيودور الراهب. الغوامض(6). بعد ذلك، قرأ الكتاب أناستاز السينائيّ، رئيس أساقفة نيقية الذي تُوفِّي بعد سنة 700. أخذ منه مقاطع في الأسئلة والأجوبة، ولاسيَّما السؤالين 18، 24 (مفتاح الآباء اليونان 7746).

 

منذ القرون الوسطى، تمَّ نقل كتاب نميسيوس إلى اللاتينيَّة. أوَّل نقلٍ نعرفه تمَّ على يد نيقولا ألفان (+ 1085) أسقف سالرنو (جنوب إيطاليا). هي ترجمة ناقصة ومليئة بالأخطاء(7). وتبعتها ترجمة كاملة نشرها سنة 1165 المحامي بورغوندا في بلدة بيزا، في إيطاليا(8)، وقدَّمها إلى فرديدريك بربروس (1121-1190) إمبراطور ألمانيا، الذي سار في الحملة الصليبيَّة الثالثة، فمات غرقًا في قيليقية ودُفن في صور، في لبنان. أورد هذه الترجمة كتَّابُ القرون الوسطى مثل ألبير الكبير، ووسَّعوا نسبة الكتاب إلى غريغوار النيصيّ. ثمَّ ظهرت ثلاث ترجمات في عهد النهضة الأوروبيَّة: جورج فالا(9)، سنة 1499؛ جان كونو(10)، سنة 1512؛ إلابود(11)، سنة 1565.

 

ب- العالم الشرقيّ

 

لن ننتظر الكثير من الدراسات عن نميسيوس في العالم الشرقيّ. فهو غير معروف عندنا، شأنه شأن الكتّاب العديدين في السريانيَّة أو العربيَّة أو القبطيَّة. فنحن ما زلنا متخلِّفين في هذا المجال، لاسيَّما وأنَّ المخطوطات الهامَّة موجودة في الغرب. وما تبقّى منها كان في حالة يُرثى لها. وأرجو أن تكون الأحوال تبدَّلت.

 

في الأرمنيَّة، جاءت ترجمة أولى في القسطنطينيَّة، سنة 716. وكانت ناقصة. واستندت إلى هذه الترجمة، تلك التي نُشرت سنة 1880(12). في السريانيَّة، تمَّت ترجمة جزئيَّة، في العصور الوسطى(13)، وقد نُشرت في ألمانيا سنة 1903. ذكر تيموثاوس الأوَّل الذي كان الجاثليق النسطوريّ في بغداد من سنة 780 إلى سنة 823، طبيعة الإنسان في رسالة بعث بها إلى ربّان باثيون، ونسبها بشكل صريح إلى »فيلسوف يُدعى نميسيوس«. ووصف هذا المقال مكتفيًا بالفصل الأوَّل المقسوم خمسة أقسام(14). وفي القرن التاسع، عرف الكتابَ موسى بركيفا الذي كان الأسقف السريانيّ الغربيّ في الموصل حوالى سنة 863 قبل أن يصبح مطران تكريت حيث مات سنة 903. استلهم بشكل واسع طبيعة الإنسان، وأورد بشكل حرفيّ مقاطع من الفصل الثاني جعلها في كتابه عن النفس (ف 3-4) ولكنَّه لم يذكر اسم الكاتب(15). وعُرف طبيعة الإنسان في اللغة الجيورجيَّة. وكان كلام عنه في إيطاليا بالاتِّصال مع الدراسة حول الترجمة الأرمنيَّة(16).

 

ج- الترجمات العربيَّة(17)

 

أوَّلاً: وضع طبيعة الإنسان لنميسيوس في الدراسات العربيَّة

 

في البداية، نتأسَّف أن لا نجد دراسة واحدة شاملة حول نميسيوس الحمصيّ في لائحة الأدب العربيّ التي أوردها كارل بروكلمان بين سنة 1908 وسنة 1942. ولكنَّه في الملحق الذي ظهر سنة 1937، تحدَّث عن ترجمة عربيَّة قام بها حنين بن اسحق، وذلك في سفر واحد: غريغوار النيصيّ، كتاب الأبواب على رأي الحكماء والفلاسفة (سباط 1010). إنَّ عنوان الكتاب الذي يتضمَّنه مخطوط 1010(18) لبولس سباط يُقرأ: »كتاب الفصول على رأي الحكماء والفلاسفة«. ويُشير إلى غريغوار النيصيّ. في دائرة المعارف الإسلاميَّة، لا نجد مقالاً عن نيمسيوس ولا عن طبيعة الإنسان. وفي النهاية، كان جورج غراف أوَّل من قدَّم حاشية حول نميسيوس العربيّ. في الجزء الأوَّل من تاريخ الأدب العربيّ المسيحيّ، الذي ظهر سنة 1944، ذكر مرَّتين طبيعة الإنسان. في مرَّة أولى، تحدَّث عن هذا الكتاب الذي نُسب خطأ إلى غريغوار النيصيّ في بعض التقليد اليونانيّ، وفي التقليد العربيّ. نقله النسطوريّ حنين بن اسحق المتوفّى سنة 873 أو 877. وسوف يتحدَّث عن استعمال هذا الكتاب على يد الملكيّ أبي الفتح عبدالله بن الفضل، في الجزء الثاني. ومرَّة ثانية، أشار إلى طبيعة الإنسان الذي نُسب خطأ إلى غريغوار النيصيّ(19).

 

وفي الجزء الثاني من كتاب غراف (ص 95)، ذُكر طبيعة الإنسان مرَّتين. مرَّة أولى في معرض الحديث عن كتاب المنفعة الكبير لأبي الفتح عبدالله بن الفضل الأنطاكيّ. قال: »وهناك مجموعة أخرى (ف 51-70) تتطرَّق إلى الأسئلة الأنتروبولوجيَّة والسيكولوجيَّة، في ارتباط وثيق مع نميسيوس الحمصيّ«. أمّا الحاشية الثانية فستكون أوسع (ص 130). تحدَّث غراف عن اسحق بن حنين فنسب إليه ترجمة طبيعة الإنسان وأورد أربعة مخطوطات منها سباط 1010. وأشار إلى تلميح نقرأه عند أبي البركات وابن كبر وإلى استعمال أبي اسحق المؤتمن ابن العسّال لهذا الكتاب.

 

بعد سنة 1967، توالت الدراسات، وطُبعت مقاطع من طبيعة الإنسان لارتباطها بالعالم الرواقيّ أو بكتّاب أخذوا من مؤلَّف نميسيوس.

 

ثانيًا: طبيعة الإنسان كما ورد في النصوص

 

أقدم إيراد عربيّ لكتاب نميسيوس نقرأه في سرِّ الخليقة الذي نُسب إلى أبولون التيّاني. نقرأ هنا 18 سطرًا من الفصل الأوَّل، ولكنَّ المقطع لا يرد بشكل حرفيّ. ويبدو أنَّ هذه الترجمة تمَّت حوالى سنة 815-816. وأورد الفيلسوف الكنديّ (+ 873) تحديدًا حرفيٌّا للغضب أخذه من نميسيوس. وحوالى سنة 950، نقل الراهب أنطونيوس من دير مار سمعان قرب أنطاكية الإيمان الأرثوذكسيّ للقدّيس يوحنّا الدمشقيّ، وفيه مقاطع واسعة من طبيعة الإنسان. وحوالى سنة 990، قدَّم ابن النديم في الفهرست (ص 315) لائحة بجميع الكتب المؤلَّفة في العربيَّة أو المنقولة. فقال في الفصل الأوَّل من القسم السابع: غريغوار أسقف نوسا. وله من الكتب: كتاب طبيعة الإنسان.

 

في منتصف القرن الحادي عشر، ترك أبو الفتح عبدالله ابن الفضل الأنطاكيّ كتاب المنفعة الذي أخذ مقاطع واسعة من نميسيوس حول الأنتروبولوجيّا والسيكولوجيّا. حوالى سنة 1265، أورد مؤتمن الدولة أبو اسحق ابن العسّال مقاطع من الفصول 3، 30-43 من طبيعة الإنسان في مجموع أصول الدين. وحوالى سنة 1320، ذكر شمس الرياسة أبو البركات ابن بكر في كتابه مصباح الظلمة في إيضاح الحكمة كتاب نميسيوس بين كُتُب غريغوار النيصيّ، شقيق باسيل القيصريّ. فقال: الخامس، كتاب الأبواب في طبيعة الإنسان. ترجمه من اللغة اليونانيَّة إلى اللغة العربيَّة حنين بن اسحق المتطبِّب، وعدَّتها 43 بابًا.

 

ثالثًا: مخطوطات طبيعة الإنسان

 

– مخطوط دمشق. المكتبة الظاهريَّة. يعود إلى القرن الحادي عشر. نُسخ في العراق في خطٍّ نسخيّ قريب من الكوفيّ. والعنوان: هذا كتاب غريغوار أسقف نوسا المعروف بكتاب الأبواب في طبيعة الإنسان، وهي ثلاثة وأربعون بابًا.

 

– مخطوط البطريركيَّة القبطيَّة في القاهرة. لاهوت 224. انتهى الناسخ من نسخه في 20 كانون الأوَّل 1744. نقرأ: كتاب الأبواب تأليف القدّيس غريغوار أسقف نوسا (وهي الجزيرة) في طبيعة الإنسان. وعدَّة أبوابه ثلثة وأربعون (كذا) بابًا. نقله اسحق بن حنين من اليونانيّ إلى العربيّ.

 

– مخطوط البطريركيَّة القبطيَّة أيضًا، لاهوت 225. يعود إلى القرن السابع عشر. وإليك العنوان: كتاب هذه (كذا) الأبواب على رأي الحكماء والفلاسفة. وهو كتاب غريب عجيب. تأليف القدّيس غريغوار أسقف نوسا (وهي الجزيرة) في طبيعة الإنسان. وعدَّة أبوابه ثلثة وأربعون بابًا. فهو عجيب (كذا) الكتب وأحسنها. نقله اسحق بن حنين من اليونانيّ إلى العربيّ.

 

– مخطوط حلب. مؤسَّسة جورج وماتيلد سالم. العنوان: كتاب الأبواب على رأي الحكماء والفلاسفة…

 

يبدو مخطوط المكتبة الظاهريَّة من أصل إسلاميّ. والمخطوطات الثلاثة الباقية تنتمي إلى أسرة واحدة، وقد ارتبطت بالعالَم القبطيّ(20). ونصُّ نميسيوس لم يُنشر بعد في العربيَّة، كلُّ ما نُشر هو مقاطع في »سرِّ الخليقة«(21).

 

نذكر هنا مقطعًا قصيرًا من النسخة الكاملة:

 

وقد ذَكَر العبرانيّون أنَّ الإنسان، منذ أوَّل أمره، خُلق على التُخوم بين الطبيعة المائتة وبين الطبيعة التي ليست بمائتة. ليكون إن مال إلى الانفعالات الجسمانيَّة واتَّبعها، وقع في التغاير (؟) الجسمانيَّة. وإن هو آثَر فضائل النفس، نال البقاء الدائم ولم يمت.

 

ويحتجُّون في ذلك بأنَّ الله (عزَّ وجلّ) لو كان جعل الإنسان من أوَّل أمره مائتًا، لم يكن عند المعصية، إنَّما يُعاقبُه بالموت، لأنَّه ليس لعقوبة المائت بأن يُجعل مائتًا وجهٌ.

 

ولو كان أيضًا، منذ خلقه إيّاه، خلقَه غير مائت، لم يكن ليجعله محتاجًا إلى الغذاء. لأنَّه ليس شيء من الجواهر التي ليست بمائتة تحتاج إلى غذاء جسميّ(22).

 

ثالثًا: ترجمات مختلفة أو مترجم واحد

 

حين قابل الأب سمير هذه النصوص المختلفة، سواء تلك التي نجدها في المخطوطات أو في الكتب التي تورد بعض طبيعة الإنسان، رأى الاختلافات الواسعة. فتساءل: هل نحن أمام مخطوطات لترجمة واحدة، بل لعدَّة ترجمات؟ فالنسخة التي نقرأها في أبولون تلفت النظر بلغتها المقعَّرة، أمّا النصّ السينائيّ فهو مختصر يُغفِل الأسطر العديدة بل الصفحات. أمّا لغته فبسيطة وواضحة. هي قريبة من النصِّ اليونانيّ، وتورد وحدها اسم الكاتب الحقيقيّ: نميسيوس الحمصيّ.

 

ووصل النصُّ الكامل في مخطوط دمشق والمخطوطات القبطيَّة. اعتبر بعضهم أنَّ مخطوط دمشق الذي يعود إلى القرن الحادي عشر، يتفوَّق على سائر المخطوطات. على مستوى الألفاظ بشكل خاصّ، ترك كلمة »الأسطقسات stoiceia« وأخذ »العناصر«؛ ترك »التبرُّم« وأخذ »الضجر«. »الآلام« هي عنده »الانفعالات«. لن نطيل الكلام، بل نقدِّم الخلاصة: النصُّ الأوَّل هو نصُّ القاهرة. وقد أعاد صياغَته نصُّ دمشق.

 

فهل نستطيع أن نحدِّد تاريخ هذه الترجمات؟ هنا نعود إلى الكنديّ الذي توفِّي سنة 873، في السنة التي فيها توفِّي حنين بن اسحق. بما أنَّ الكنديّ يورد نصٌّا حرفيٌّا من نميسيوس، وبما أنَّه يقول: »واسم الدحل في اللغة اليونانيَّة، مشتقّ من الكمّون والرصد«، نعتبر أنَّ الكنديّ لم ينقل النصَّ عن اليونانيَّة، بل أخذه عن ترجمة عربيَّة. هذا يعني أنَّ نصَّ نميسيوس نُقِل قبل موت الكنديّ. وإذا قابلنا نسخة القاهرة مع نصِّ الكنديّ، نجد تضاربًا لا نجده مع نصِّ دمشق(23). ولكن تبقى الاختلافات طفيفة بالنظر إلى التشابه بين مختلف النصوص.

 

وهل نستطيع أن نحدِّد الكاتب؟ يبدو أنَّه حنين بن اسحق أكبر المترجمين العرب. معرفته للغة اليونانيَّة لا تقبل الشكّ. ولغته العربيَّة متينة. وقد دلَّ على مسيحيَّته من خلال معرفته للكتاب المقدَّس. فحين يورد نميسيوس نصٌّا كتابيٌّا، لا يذكر المرجع. أمّا حنين فلا يهمله. فهو يضيف ما لم يجده في نصِّ نميسيوس.

 

قال نميسيوس: »وسُمِّي، كما قال بولس الرسول، أرضيٌّا ترابيٌّا وكان \’\’إنَّك أرضيّ وإلى الأرض مصيرك\’\’، إنَّه قيسَ بالبهائم التي لا عقل لها«. أضاف حنين بن اسحق. الأولى: »على ما قيل في التوراة. والثانية: على ما قيل في الزبور«. وهكذا صار النصُّ كما نقله حنين: »وسمّي كما قال بولس الرسول أرضيٌّا ترابيٌّا، وكان، على ما قيل في التوراة، إنَّك أرضيّ وإلى الأرض مصيرك، وعلى ما قيل في الزبور إنَّه قيس بالبهائم التي لا عقل لها(24). وكان متشابهًا لها«.

 

  1. فكر نميسيوس في طبيعة الإنسان

 

هذا الكتاب الفلسفيّ في الدرجة الأولى، الذي عرفه الغرب، كما عرفه العالم العربيّ معرفة واسعة، بدا أنَّ مترجمه واحد. ويبدو شبه أكيد أنَّه حنين بن اسحق. أمّا الترجمة فتمَّت قبل موت الكنديّ الذي يورد نصٌّا من نصوصه عن الغضب، أي سنة 873م. وانتقلت ترجمة حنين إلى مخطوطات القاهرة، مع أنَّها متأخِّرة، قبل أن تعود إلى مخطوط دمشق الذي بدا تحسينًا للنصِّ الذي نقرأه في مخطوطات القاهرة.

 

ما يكون الفكر الذي نجده لدى نميسيوس، أسقف حمص، في القرن الرابع؟

 

أ – مضمون الكتاب

 

بدأ الكاتب فحدَّد موقع الإنسان في الكون. ولاحظ كيف أنَّ العناية الإلهيَّة التي خلقته، جعلته صلةَ وصلٍ بين العالم المادّيّ والعالم اللاّمادّيّ. هو عالَم صغير في عالَم كبير(25). إنَّه قلب الكون ومحوره. ومن أجله صُنع الكون.

 

رفض القسمة المثلَّثة حسب أفلاطون وأبّولينار، فاعتبر الإنسان من نفس وجسد. وما تكون النفس؟ رفض نميسيوس التعاليم المادّيَّة، كما رفض رأي أرسطو الذي جعل من النفس كمال(26) الجسد، وبالتالي عنصرًا مادّيٌّا هو الجسد يكمُل فيصير نفسًا. وأخذ نميسيوس برأي أفلاطون الذي يحدِّد النفس على أنَّها جوهر لا جسديّ، وبالتالي هي خالدة. وحين تحدَّث أسقف حمص عن طبيعة النفس بحَثَ عن أصلها، فأخذ بفكر أفلاطون حول وجود سابق للنفوس. ورفض ثلاث مقولات: خلق النفس كما تُخلق المادَّة (أبّولينار). ولادة النفس كما يُولد الجسد. انتقال النفس من جسد إلى جسد بحيث نصل إلى التعليم عن التقمُّص (كما عند أبّولينار). كلُّ هذا يقود إلى رفض خلود النفس. غير أنَّ نميسيوس لبث في خطِّ العالم اليونانيّ الذي اعتبر أنَّ النفس لا يمكن أن تكون خالدة إلاَّ إذا وُجدت منذ البداية، ولم تنتظر خلق الجسد لتوجَد معه.

 

شعر بعضهم أنَّ نميسيوس تبع يامبليك في كلامه عن التقمُّص. في الواقع، تحدَّث عن التقمُّص بشكل غير مباشر، لكي يبيِّن أنَّ الفلاسفة القدماء اعتقدوا بخلود النفس. كلُّ هذه الجدالات تملأ الفصل الثاني الذي هو طويل جدٌّا بالنسبة إلى ما يجاوره. في هذا المناخ، طُرحت مسألةُ مراجع نميسيوس. فنحن نجد في طبيعة الإنسان معلومات دقيقة عن الفكر اليونانيّ من تاليس (625-547 ق.م.) وهيراكليت (550-480 ق.م.) إلى أفلاطون وبورفير. وعرضُهُ حول تنظيم الجسد البشريّ، يعكس المعارف الطبِّيَّة التي تناقلها عصره. من أجل هذا، تحدَّث بعض الباحثين عن نظرة إنتقائيَّة، فيها يختار الكاتب من هنا وهناك ليكوِّن نهجًا يعتبره خاصٌّا به.

 

لا شكَّ في أنَّ نميسيوس تأثَّر أكثر ما تأثَّر بأفلاطون وأفلوطين. ولكنَّه لبث مدينًا لأرسطو الذي يرد اسمه 25 مرَّة. كما ارتبط بالرواقيّين الذين دعاهم أحكم الفلاسفة، وبشكل خاصّ ببوسيدون. عاد نميسيوس إلى جالينس وأخذ الكثير من نصوصه ولاسيَّما في ف 4-27. كما عاد إلى أوريجان في شرحه لسفر التكوين، بحيث تساءَل بعضهم كيف لم يُحرَم نميسيوس. نشير هنا إلى أنَّ هذا الكاتب لم يقرأ كلَّ فيلسوف بمفرده، بل عاد إلى أحكام الفلاسفة(27) التي عرفها عصرُه. ولكنَّه درس في العمق جالينس. كما عرف في العمق بعض مقالات أرسطو مثل »الإتيقون إلى نيكوماك« أو »تاريخ الحيوانات« أو »النفس«. فهو يعطي معلومات خاصَّة حول سيكولوجيَّة هذا الفيلسوف الكبير(28).

 

حين عرض نميسيوس مختلف الآراء، ما اكتفى أن يكون »كاتبًا، ناسخًا لها. بل هو تحقَّق منها وانتقدها حسب نظرته الخاصَّة. غير أنَّه لم يدخل في جدالات ماورائيَّة تتعدَّى فهم قرّائه، مثل براهين أفلاطون حول خلود النفس. بل اكتفى بأن يقدِّم تعليمًا عاديٌّا نقصته أصالةُ الفلاسفة الكبار، لاسيَّما وأنَّه لم يتوقَّف عند الفلسفة، بل وصل إلى اللاهوت. فقد رفض مثلاً أن تكون وحدة الثالوث واللاهوت على المستوى الأدبيّ، بل على المستوى الجوهريّ. هذه الوحدة ليست فقط نتيجة نعمة الله، بل أساسها هو في الطبيعة. هنا بدا نميسيوس وكأنَّه يردّ على تيودور، أسقف المصيصة، في كتابه حول التجسُّد. قال نميسيوس موجزًا فكره حول هذه الوحدة:

 

لا يقبل الكلمةُ الإلهيّ أيَّ تحوُّلٍ في اجتماعه بالنفس والجسد. إذ جعلهما يقاسمانه لاهوته الخاصّ. ما قاسمهما ضعفهما. هو واحد معهما، ومع ذلك فهو يستمرُّ في الحالة التي كان فيها قبل الدخول في هذه الوحدة. هذا الشكل من المزج أو الوحدة، هو شيء جديد كلَّ الجدَّة. امتزج الكلمة بالجسد والنفس، ومع ذلك لبث بكلِّيَّته دون مزج ولا خلط ولا فساد ولا تحوُّل. هو لا يقاسمهما انفعالهما، بل نشاطهما فقط. هو لا يفنى معهما. ولا يتبدَّل مثلهما، بل يعمل من جهة في نموِّهما، ومن جهة ثانية لا يصيبه انحطاط في اتِّصاله بهما. وهكذا يبقى لامتبدِّلاً ولامخلوقًا، لأنَّه لا يشارك إطلاقًا في أيِّ شكل من التحوُّل(29).

 

ب- نظرة نميسيوس إلى النفس

 

بعد أن انتهى هذا المفكِّر من المسألة الماورائيَّة، عاد إلى وحدة النفس والجسد. أدرك إدراكًا عميقًا دقَّة المسألة التي يطرحها: اتِّحادٌ جوهريّ في مركَّب واحد. ما أراد أن يتكلَّم عن مزج وكأنَّنا أمام شيئين مادّيَّين. فجوهر النفس غير جوهر الجسد. هي روحيَّة، وهو مادّيّ. ولا هو قبِل أن يكون الجوهرُ قرب الآخر، وكأنَّهما شيئان يسيران معًا في الطريق وما يعتِّمان أن يفترقا. وما قبِل بفكر أفلاطون الذي قال إنَّ الجسد هو لِباس النفس، بل أخذ بالنظرة الأفلاطونيَّة المحدثة(30). تبع أنوميوس ساكاس معلِّم أفلوطين قال نميسيوس.

 

إنَّ وحدة طبيعة لامادّيَّة مع جسم، ليست مثل وحدة بين جوهرين جسميّين. فالكائن اللامادّيّ يبقى مميَّزًا عن الكائن المادّيّ وغير فاسد. ثمَّ إنَّ الوحدة تتمُّ دون أن ينتج عنها تبدُّل. إذن، تتَّحد النفس بالجسد دون أن تُخلَط معه، بحيث لا نقدر أن نُميِّز بين الاثنين. فهي تستطيع أن تعزل ذاتها معه، في شكل من الأشكال، خلال النوم مثلاً؟ أو من المشاهدة؟ إذا كان الجسد ينام، فالنفس لا تنام. وفي المشاهدة التي هي أسمى مراتب المعرفة ترتفع النفسُ وحدها، بينما يظلُّ الجسد ملتصقًا بالأرض. وكما أنَّ الشمس بحضورها تحوِّل الهواء إلى نور فتجعله مضيئًا، وكما أنَّ النور يتَّحد بالهواء دون أن يختلط الواحد بالآخر، كذلك النفس: إذ هي تتَّحد بالجسد، تبقى مميَّزة عنه.

 

وثبَّت نميسيوس شرحه عائدًا إلى وحدة الكلمة الإلهيّ مع الإنسانيَّة. ولكنَّه لا يطيل الكلام في هذا المجال، بل يكرِّس القسم الأكبر من كتابه لِما نسمّيه اليوم السكولوجيّا الاختباريَّة. فحاول أن يكتشف نواميس تنظِّمُ تصرُّف الإنسان بحيث نستطيع أن ندرسها ونراقبها. في هذا المجال، توقَّف عند الحواسّ وأعضائها ووظائفها. ووجد عند جالينس ما يحتاج إليه على مستوى علم التشريح والتركيب الداخليّ في الجسم، وعلى المستوى الفيزيولوجيّ أو وظائف الأعضاء(31). ودرس نميسيوس الحواسّ الداخليَّة، مثل دور الذاكرة والإدراك الواعي، والمعرفة العقليَّة التي هي قريبة من نظريَّة التذكُّر عند أفلاطون. قال:

 

هناك تذكُّر لا يكون موضوعه ما أدركتهُ الحواسُّ أو العقل، بل المفاهيم المرتبطة بالطبيعة. والمفاهيم الطبيعيَّة هي تلك التي يعرفها الجميع دون الحاجة إلى درس مسبَّق، مثل وجود إله. وهذا ما يسمّيه أفلاطون تذكُّر المثل(32).

 

ج- نميسيوس والحريَّة البشريَّة(33)

 

كرَّس نميسيوس ثلث كتابه للكلام عن الحرّيَّة البشريَّة، وتطرَّق إلى مسائل متعلِّقة بالقدريَّة وبالعناية الإلهيَّة. فالقدَر يتحدَّث عن قوَّة فائقة تحدِّد مسبقًا مسيرة الأحداث، بشكل عامّ، على مستوى المجتمعات. وبشكل خاصّ على مستوى الإنسان، بحيث نصل إلى نفي الحرّيَّة البشريَّة. في هذا المجال، يتحدَّث المفكِّرون عن ناموس يتفوَّق على الإنسان، ويحدِّد له هدف حياته قبل أن يُولد. قالوا: لا إرادة حرَّة عند الإنسان، ولا سلطان له بأن يقوم بعمل أو يمنع خطرًا. مثل هذا الموقف رفضه نميسيوس.

 

في العالَم اليونانيّ، ثلاثة ألفاظ تتحدَّث عن المصير والقدر. الأوَّل »moira« الذي ينطلق من فعل قسم فيدلُّ على قوَّة توزّع الحصص بين الناس. لكلِّ واحد قسمته، حظُّه. هذا ما كُتب له. اللفظ الثاني »anagkh«، الضرورة بطابعها الهائل الذي يسحق الإنسان سحقًا. وأخيرًا، »pronoia« أي المعرفة المسبقة، النظرة المسبقة(34). هذا ما ندعوه العناية. هي الاهتمام بالغير مهما كلَّفنا ذلك من جهد. وهي ترتبط بالعين التي تنظر إلى الشخص المحبوب، تحرسه، تنتظره. والعناية في المعنى الدينيّ تدلُّ على حكمة الله السامية، التي بها يسوس الكونَ والأشخاصَ والأشياء.

 

رفض نميسيوس التعاليم عن القدريَّة التي انتشرت انتشارًا واسعًا في العالم الهلنستيّ. فميَّز خمسة منها تأسَّست على الأسترولوجيّا أو التنجيم، على الرواقيَّة وعلى الأفلاطونيَّة. ميَّز بين الحرِّيَّة البشريَّة وحرِّيَّة الله اللتين تتواجدان معًا. فحرِّيَّة الله لا تُلغي حرِّيَّة الإنسان، بل ترفعُها إلى أعلى مستواها. فالله الذي خلق الإنسان وكلَّ ما فيه، بما في ذلك الحرِّيَّة، أتراه يشوِّه ما خلق؟ أتراه يأخذ بيدٍ ما أعطاه بالأخرى؟ خَلَقنا أحرارًا وهو يحترم حرِّيَّتنا إلى آخر حدود الاحترام. أمّا عنايته فلا تُلغي شخصيَّة الإنسان، بل تعتني بكلِّ المخلوقات وتسوسها، بحيث لا يمكن أن يوجَد نظام للكون أكمل من ذلك الموجود. غير أنَّ الإنسان، بعقله المحدود، لا يستطيع أن يفهم كلَّ الفهم عناية الله التي تسوس الكون. سيبقى هناك موضع للسرِّ الإلهيّ يدخل فيه الإنسان دون أن يتمكَّن من سبر أغواره.

 

بهذه الطريقة ردَّ نميسيوس على »المدارس الثلاث« التي ذكرها. على مستوى الأسترولوجيّا، رفض أن تكون الأجرام السماويَّة هي التي تحدِّد ما يحدث في الكون، وفي حياة البشر. تلك كانت الجبريَّة الجذريَّة، وفيها نحسُّ أنَّنا مجبرون بحيث لا نقدر أن نتخلَّص ممّا يُفرَض علينا. مثلُ هذه الجبريَّة تنبذ العناية الإلهيَّة. وقال الرواقيّون إنَّ النشاط البشريّ هو في يد القدَر. إذا كان الأمر كذلك، لا نستطيع أن نعمل شيئًا. وبالتالي لا يمكن الله أن يحاسبنا على أفعالنا، شرًا كانت أم خيرًا. وقالت الأفلاطونيَّة بشريعة إلهيَّة وُجدت منذ الأزل، وهي غير متبدِّلة، ونحن لا نستطيع تجنُّبها. جاء جواب نميسيوس جوابين. الأوَّل: استقلاليَّة السلوك البشريّ. الثاني: حرِّيَّة الله الذي لا يمكن أن يكون خاضعًا لأيِّ إكراه، وإلاَّ عدنا إلى المفهوم الوثنيّ حيث الآلهة تخضع للقدر ولا تستطيع شيئًا ضدَّه.

 

وفي النهاية، تفحَّص نميسيوس الأعمال الإراديَّة واللاّإراديَّة، ومفهوم الخيار الذي يضمُّ ثلاثة عناصر: التداول أو التشاور. الحكم. الرغبة. فالإنسان هو المبدأ الحقيقيّ لبعض الأعمال، حيث يكون مفتوحًا حقلُ مبادرتنا الحرَّة، على مستوى الفعل الخلقيّ، والعمل التقنيّ، والنشاط النفسيّ والعقليّ. وأخيرًا، هناك حرِّيَّة الاختيار أي تلك القوَّة التي تجعلنا نتَّخذ القرار بإرادتنا وحدنا، وخارجًا عن كلِّ اجتذاب خارجيّ.

 

الخاتمة

 

تلك كانت مسيرتنا للتعرُّف إلى المفكِّر الذي عاش في العصر الذهبيّ للفكر المسيحيّ، في القرن الرابع، وترك أثرًا بعيدًا في الفكر الغربيّ والشرقيّ على السواء، بحيث تُرجم إلى أكثر من لغة، وانتشر في اللغة العربيَّة في أكثر من نصٍّ وفي أكثر من مخطوط. أُخذ منه كتابُه الوحيد الذي وصل إلينا، ونُسب إلى غريغوار النيصيّ. ولكن في النهاية، عرفنا صاحب طبيعة الإنسان في اليونانيَّة، كما عرفنا مترجمه إلى العربيَّة، وهو حنين بن اسحق. ودخلنا في فكره حول الأنتروبولوجيّا، حول ما يتعلَّق بالإنسان، وبيسوع المسيح الإنسان والإله، كما نزلنا إلى أعماق النفس لنكشف صفاءها وعمق الحرِّيَّة فيها. طبيعة الإنسان كتابٌ يعطي صورة عن القرن الرابع، كما عن الفلسفة اليونانيَّة. منذ القرن السادس ق.م. نُشر في اليونانيَّة واللاتينيَّة، فمتى يأتي باحث ينشر في العربيَّة فلسفة من عندنا تتوجَّه اليوم إلى الفكر المشرقيّ كما توجَّهت في القرن الرابع، فرافقت مفكِّرين عديدين زرعوا الشرق بفكرهم من مصر إلى العراق مرورًا بسورية ولبنان وفلسطين؟

 

(*) هذا المثال محاضرة قيلت في دمشق خلال المؤتمر التاسع في التراث السرياني، الذي انعقد سنة 2004 وعنوانه: السريان نقلة حضارات. خبرة بلاد الشام في العصر الأموي.

 

ونُشر في السريان نقلة حضارات، مركز الدراسات، أنطلياس، 2005، ص 197-217.

 

1) J. QUASTEN, Initiation aux Pères de l’Église, Paris, Cerf, 1962, t. III, p. 495, 501; voir E. AMAN, « Némésius d’Émèse » in DTC, II (1931), vol 62-67; V. VALDENBERG, « La philosophie byzantine au IVe-Ve siècle » in Byz, 4 (1929) 237-268; D, AMAND DE MENDETTA, Fatalisme et liberté dans l’antiquité grecque, Louvain, 1945; R. ARNOV, « Nestorianisme et néoplatonisme: l’unité du Christ et l’union des intelligibles », Greg 17, 1936), p. 116-131.

 

(2) , p. 491-495.op. cit. QUASTEN,

 

(3) بالنسبة إلى هؤلاء الفلاسفة، راجع Encyclopédie Philosophique : universelle, Les Oeuvres philosophiques, Paris, PUF, t. I, 1992. Voir les noms suivants : Platon, Plotin, Porphyre, Jamblique, Némésius, Nicomaque de Ferasa, Jean Damascène, Amélius, Anatolius. Avec la biographie qui suit chaque nom.

 

(4) , en latin: De natura hominisPeri jusewV anqrwpoV En grec:

 

(5) Peri jusewV anqrwpoV, éd. N. Ebellodius (gr/lat), Anvers, C.Platinus, 1565; Ed. C.F. MATTHEI (gr/lat). Halle 1802 dans J.P. MIGNE (gr/lat) in Patrologia Graeca. XL, Paris, 1857, p. 508-818. Pour ce qui est de la tradition manuscrite, voir Moreno MORANI, La tradizione manoscritta del “De natura hominis” di Nemesio (Milano 1981).

 

(6) Ad Marinum (Clavis Patrum Graecorum cura et studio Mauritii Ceerano’ 7697/1. Ex quaestionibus a Theodoro monacho illi propositis CPG 7697/26; Ambigua 7705. Sur le rapport entre Maxime le Confesseur et Nemesius, voir L. Thumberg, Microcosm and Mediator, the Theological Anthropology of Maximus the Confessor, Lund, 1965.

 

(7) , Edité à Leipzig en 1917 par C. J. BurkhardPremnon Physicon Nicolas ALFANO,

 

(جذع العلوم الطبيعيَّة)

 

8) Ricardus Burgundio de Pise, Ed. Récente. G. VERBEKE et J. R. MONCH, Némésius d’Émèse, De Natura Hominis, Leyde, 1975 in Corpus commentarionum in Aristoteleum Graecorum, suppl. 1. Cette édition tient compte de la révision du Texte grec par B. Einarson qui prépare une nouvelle édition à Chicago. En outre, elle donne en marge la page de l’Éd. Grecque courante (suivie d’une traduction latine de Matthaei qui a été réimprimée à Hildesheim en 1967). Voir Willy VANHAMEL, « Némésius d’Émèse » in Dict. de Spir. T. 11, col. 92-99. Ici col. 94.

 

(9) Geores Valla (+ 1499) publiée par Gaudentinus Meriula, à Lyon en1538

 

(10) Jean de Cono. C’est la revision humaniste de la traduction de Burgundio, Strasbourg, 1512. Ce texte fut incorporé à l’éd. De Grégoire de Nysse, Bâle, 1562.

 

(11) Nicasius Ellebodius, chez Plantin, Anvers, 1565.

 

  1. TEZA, “La Natura dell’Uomo di Nemessio e le vecchie traduzioni in italiano e in armeno”: Reg. Veneto di scirunze, lettere ed arti 9, ser. 7 (1892), p. 1239-1279.

 

(13) J. DRAESEKE, “Ein Testimonium Ignatianum” in Zeitschrift für wissenschaftliche Theologie 46 (1909), p. 505-512.

 

(14) O. BRAUN, “Der Katholikos Timotheus I und scine Briefe” in Oriens Christianus 1 (1901), p. 138-152. Voir Morani, op. cit., p. 97-98.

 

(15) G. BRAUN, Moses bar Kepha und sein Buch von du Scele, Freiburg im Br, 1897, p. 40-45; voir Morani, op. cit., p. 100.

 

(16) A. ZANOLLI, “Sulla versione georgiano del trattalo di Nemessio: Atti dell’Istituto Veneto di scienze lettere ed arti; classi di scienze morali e lettere, 107 (1948-1949).

 

(17) Kh. SAMIR, s.j., “Les versions de Mémésius de Homs” in : l’eredita classica nelle lingue orientali (Roma – Enciclopedia Italiana, 1986), p. 99-151.

 

(18) C. BROCKELMANN, Geschischte der arabischen Litteratur, supplementband I, Leyde, 1937, p. 369, n. 6, 4e

 

(19) Georges GRAF, Geschischte der christlichen arabischen Litteratur , coll. Studi e Testi. Vol I, n. 118, 1944; vol. n. 133, Cite du Vatican هنا الجزء الأوَّل ص 319، 333 19471..

 

(20) نحن مدينون في هذين المقطعين لمقال الأب خليل سمير في مقاله المذكور في حاشية 17.

 

(21) V. WEISSER, Buch über das Geheimnis der Schöpfung und die Darstellung der Natur (Buch der Unsachen Ivon Pseudo-Apollonius von tyana Alep, 1979, pp. 537-633.

 

(22) حاشية 16، ص 115.

 

(23) الدحل هو حقدٌ معه ترصد فرصة الانتقام (الكنديّ). القاهرة؛ وأمّا الدحل فإنَّه حقد يقع مع ترصُّد الفرصة للانتقام. دمشق؛ وأمّا الدحل فإنَّه رصد لانتهاز فرصة الانتقام. سقط من مخطوط دمشق »حقد يقع مع«. قرأنا عند الكنديّ: »اللغة اليونانيَّة«. ونحن نقرأ في مخطوطي دمشق والقاهرة: في لغة اليونانيّين. لا شكَّ في أنَّ هذه العبارة لا تُوجَد في النصِّ اليونانيّ. فهذا يعني أنَّ النصوص الثلاثة لم تكن نقلاً مباشرًا ولا ترجمة عن اليونانيَّة، بل نسخة عن نصٍّ سابق.

 

(24) حاشية 17، ص 149. وفي مقطع آخر، أضاف حنين: »كما قال رسول الحقِّ بولس« في إيراد لما في الرسالة إلى كورنتوس: »إنَّ الأرضيّين مثل الشيء الأرضيّ، والسماويّين مثل الشيء السماويّ« (15: 48).

 

(25) “Microcosme” dans un “macrocosme”.

 

(26) Entéléchie: Toute réalité parvenue à son être d’achèvement

 

(27) Placita philosophorum

 

(28) الإنسان في طبعه حيوان سياسيّ، فتكون السياسة أساس السلوك في الحياة

 

Ethique à Nicomaque.(29) طبيعة الإنسان، ف 3، الباترولوجيا اليونانيَّة، 4: 601ب، الترجمة ترجمتنا.

 

(30) بولس الفغالي، الإسكندريَّة والحركة الأفلاطونيَّة المحدثة، المنارة 44 (العددان 2-3، 2003)، ص 291-312.

 

31) R. GOULET, “Porphyre, Ammonius, les deux Origène et les autres », in Revue d’histoire et de philosophie religieuse, 57 (1977) 471-496; Ammonius dit Saccas in Dict. des philosophes antiques I, Paris, éd. Du CNRS, 1989, p. 165-168.

 

(32) :Réminiscence تنبُّه النفس بعد اتِّصالها بالبدن إلى معارفها من حياة سابقة. طبيعة الإنسان، ف 13، الباترولوجيّا اليونانيَّة 40: 661 ج. , col 62-64.op. cit. Voir DTC,

 

(33) بولس الفغالي، مفهوم الحرِّيَّة عند نميسيوس الحمصيّ، دراسات 2 (عدد 12/1984)، ص 5-23.

 

(34) Encyclopédie philosophique universelle, Les Notices philosophiques, Paris, PUF, 1990, p. 957-966 stt, p. 963; Voir D. AMAND, Fatalisme et liberté dans l’antiquité grecque, Louvain, 1954 p. 2-16.

 

ترجمة خاصَّة بنا. آباء اليونان 40: 532 ج.

 

نميسيوس الحمصي ف5 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

كتاب شرائع البلدان لبرديصان ف4 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

كتاب شرائع البلدان لبرديصان ف4 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

كتاب شرائع البلدان لبرديصان ف4 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

 

 

الفصل الرابع :كتاب شرائع البلدان لبرديصان الرهاوي

كتاب شرائع البلدان من المصنَّفات الفلسفيَّة المسيحيَّة الأولى. كتبه في السريانيَّة برديصان الرهاويّ الذي كان وثنيٌّا وتنصَّر. ثمَّ تورَّط في معتقدات فاسدة، ممّا دفع الكنيسة إلى إخراجه من صفوفها(1).

 

1- من هو برديصان؟

 

وُلد برديصان في الرها(2) في 11 تمّوز 154 ب.م. وتوفّي في أرمينيا سنة 222. نشأ في قصر الملك معن الثامن ونال مع ابنه أبجر قسطًا وافرًا من العلم والأدب. بعد أن تنصَّر، سيم شمّاسًا، وقال بعضهم إنَّه رُسم كاهنًا، ولكنَّ الأمرَ لا يبدو صحيحًا(3).

 

في بادئ الأمر أخذ برديصان يكتب ضدَّ الهرطقات والبدع المنتشرة هناك، ولكنَّه سرعان ما انجرَّ في نظريّات مرقيون وفالنتين. أمّا مرقيون(4) ففصل بين إله العهد القديم وإله العهد الجديد، بين إله الخير وإله العدل الذي خلق الكون لا من العدم بل من الهيولى التي هي مبدأ كلِّ شرّ. وأمّا فالنتين(5) فكان غنوصيٌّا مسيحيٌّا مزج الفلسفة الأفلاطونيَّة والتقاليد الأسطوريَّة بالعقيدة المسيحيَّة. أخذ برديصان بتعليم فالنتين لصبغته الشرقيَّة ولكنَّه اشمأزَّ من مرقيون لصرامة زهده، فأنكر قيامة الأجساد، وأعلن أنَّ النفس لا تُولَد ولا تموت، وأنَّ الجسد آلة لها يرافقها بصورة عابرة، وأنَّ يسوع لم يكن له جسد حقيقيّ فاتَّحد شخصه بشبح لا قوام له(6).

 

أنشأ برديصان شيعة عُرفت بالديصانيَّة(7) ضمَّت طبقة من أصحاب الثقافة والثراء. وقويت هذه الشيعة فحاربها أفرام السريانيّ حين وصل إلى الرها سنة 363، وهدى المطران ربّولا الرهاويّ (+435) أكثر أتباعها إلى إيمان الكنيسة الجامعة. أمّا من بقي منهم فانتشر في بلدان عديدة وخصوصًا في بلاد فارس، وظلَّ لهم وجود منظَّم حتّى القرن العاشر ب.م.(8)

 

ترك برديصان آثارًا عديدة فقالوا إنَّه أوَّل من ألَّف في علم الفلك، فأشاروا إلى كتابه الذي ضاع والذي يذكره جرجس أسقف العرب(9). وقالوا إنَّه كتب مزامير سليمان، ولكنَّ هذا القول يبقى مجرَّد افتراض. وأشار أفرام السريانيّ إلى أنَّه دوَّنَ مئة وخمسين نشيدًا على غرار مزامير داود وضمَّنها تعليمه ولقَّنها للمؤمنين. إلاَّ أنَّه لم يبقَ لنا شيء من آثار برديصان إلاَّ كتاب شرائع البلدان.

 

2- كتاب شرائع البلدان

 

كتيِّب يقع في ثلاث عشرة ورقة من مخطوطة موجودة في المتحف البريطانيّ بلندن رقمها 14658 (129أ-141أ). اكتشفها البحّاثة الإنكليزيّ وليم كيورتون ونشرها سنة 1855(10). أعاد الباحث الفرنسيّ فرنسوا نو نشر النصِّ السريانيّ وأرفقه بترجمة لاتينيَّة(11) ثمَّ بترجمة فرنسيَّة(12). أمّا نحن فنأخذ بالنصِّ السريانيّ كما نشره نو ونتبع ترقيم المقاطع الوارد في هذه الطبعة.

 

هذا الكتيِّب دوَّنه فيلبُّس، أحد تلامذة برديصان، فجاء بشكل حوار بين »لمعلِّم« و»تلميذ« يُدعى عويدا، نقطة انطلاقه علاقة الإنسان بالشرّ.

 

موضوع هذا الكتيِّب أنَّ الإنسان حرٌّ وإن خضع للطبيعة والقدَر.

 

الطبيعة تخضع لشرائع لا تتغيَّر، والقدَر هو السلطة التي وهبها الخالق للكواكب لكي تبدِّل أوضاع الحياة البشريَّة. وأمام الطبيعة والقدر تقف الإرادة الحرَّة التي تسمح بعمل الخير أو الشرّ مهما كانت الظروف. لا شكَّ في أنَّ الطبيعة تؤثِّر على الإنسان، والقدَر على طالع كلِّ واحد منّا، لكن لا شيء يمنعنا من عمل الخير أو يدفعنا إلى عمل الشرّ خارجًا عن حرِّيَّتنا.

 

هذا الكتيِّب الذي حسبه أبناء الغرب اليونانيّ(13) يتحدَّث عن القدر، اتَّخذ في السريانيَّة عنوان كتاب شرائع البلدان(14)، لأنَّ القسم الثاني يجول بنا في البلدان، فيحدِّثنا عن عادات الشعوب، ويبيِّن لنا أنَّ الإنسان لا يرتبط بمنطقة من المناطق ليتحتَّم عليه أن يعيش على طريقة الساكنين في تلك المناطق.

 

لن أحلِّل نصَّ كتيِّب برديصان(15) فأترك للقارئ أن يكتشف بنفسه غنى هذا النصِّ الذي يذكِّرنا بحوار سقراط مع تلاميذه، يسألهم ويدفعهم إلى اكتشاف الحقيقة.

 

3- نصّ الكتاب

 

  1. قبل أيّام دخلنا لنزور أخانا شمشجرم، وجاء برديصان فوجدَنا هناك. وبعد أن جسَّ (المريض) ورأى أنَّه يتحسَّن سألَنا: »عن أيِّ شيء كنتم تتكلَّمون، فقد سمعت أصواتَكم من الخارج حين كنت أدخل (هذا المكان)«. اعتاد (برديصان) عندما يجدنا نتكلَّم في شيء ما قبل وصوله أن يسألنا: »عن أيِّ شيء كنتم تتكلَّمون« ليستطيع التحدُّث معنا (في هذا الموضوع). فقلنا له: \’قال لنا عويدا (الحاضر) هنا: »إن كان الله واحدًا، كما تقولون، وإن كان حين خلق البشر(16) أرادهم أن يعملوا بما أمرهم به، فلماذا لم يخلق البشر بحيث لا يستطيعون أن يفعلوا الشرّ(17) فيعملون في كلِّ وقت ما هو خير. أما بهذا تتمُّ إرادته«؟

 

  1. فأجابه برديصان: »قل لي رأيك، يا ابني عويدا، أليس إله الكلِّ واحدًا؟ ألا يريد، وهو الواحد، أن يَسلك البشرُ بطريقة بارَّة ومستقيمة«؟

 

قال عويدا: »سألتُ أقراني هؤلاء علّي أجد لديهم جوابًا«.

 

  1. أجابه برديصان: »إن أردتَ أن تتعلَّم، فأفضل لك أن تتعلَّم ممَّن هم أكبر سنٌّا من هؤلاء، وإن (أردت) أن تعلِّم فلا يجب أن تطرح عليهم الأسئلة بل أن تقنعهم ليسألوك هم عمّا يريدون (أن يعرفوه). فهناك معلِّمون يُسألون ولكنَّهم لا يَسألون، وإن سألوا فلكي يوجِّهوا فكر السائل ليطرح السؤال الصالح فيعرفوا مقصده. إنَّه لعمل صالح أن يعرف الإنسان كيف يسأل«(18).

 

  1. قال عويدا: »أردتُ أن أتعلَّم، ولهذا بدأتُ أوَّلاً فسألت إخوتي هؤلاء (وما سألتك أنت) لأنّي خجلت منك«.

 

أجاب برديصان: »بالشكل الملائم تكلَّمتَ، ولكن اعرف أنَّ من يطرح سؤاله بطريقة صالحة وهو يريد أن يقتنع، ومن يقترب إلى طريق الحقِّ بدون (روح) خصام، فهذا يجب ألاّ يَخجل لأنَّه بما يقوله من كلام يحمل العذوبة إلى من يطرح عليه السؤال. إذًا، يا ابني، إذا فكَّرتَ في شيء تريد أن تسأل عنه (وتستوضحه)، فقل لنا كلِّنا ونحن نوافقك إن كان سؤالك حسنًا، وإن لم يكن حسنًا نفرض على نفوسنا أن نبيِّن لك لماذا لم نستحسن (سؤالك). وإن كان هذا الشيء الوحيد الذي أردتَ أن تعرفه وليس في فكرك شيء آخر بالنسبة إليه، وإن كنت تشبه إنسانًا اقترب منه تلاميذ حديثو العهد فشرع يطرح عليهم الأسئلة، أقول لك: يجب ألاّ تفارقنا فارغ اليدين، وإن لذَّ لك ما نقوله لك في هذا الأمر، سنقول لك أقوالاً أخرى، وإن لم يلذَّ لك نكون قد قلنا ما عندنا دون عنف أو شدَّة«.

 

  1. قال عويدا: »وأنا أيضًا أحبُّ كثيرًا أن أسمع وأقتنع، لأنَّ الكلام (الذي قلتُه) لم أسمعه من أحد آخر، بل خطر في فكري فقلتُه لأخوتي هؤلاء، أمّا هم فما أرادوا أن يقنعوني بل (اكتفوا) بالقول لي: آمن إيمانًا (ثابتًا) فتقدر أن تعرف كلَّ شيء. أمّا أنا فلا أقدر أن أؤمن إن لم أقتنع«.

 

  1. أجاب برديصان: »ليس عويدا وحده هو من لا يريد أن يؤمن، بل هناك أيضًا كثيرون (مثله) لا إيمان في داخلهم فلا يقدرون أن يقتنعوا. هم في كلِّ وقت يهدمون (البراهين) ويبنونها ويجدون نفوسهم في فراغ من كلِّ معرفة حقيقيَّة. أمّا عويدا فهو لا يريد أن يؤمن، وأنا أتلو عليكم، أنتم المؤمنين، السؤال الذي يطرحه علَّه يسمع منكم شيئًا يزيد (به علمه)«.

 

  1. وشرع يقول لنا: »هناك أناس كثيرون لا إيمان في داخلهم، وهم مع ذلك لا يقبلون (أن يأخذوا) المعرفة من الحكمة الحقيقيَّة. لأجل هذا لا يستطيعون أن يتكلَّموا أو يقرِّروا ولا يميلون بسهولة إلى السماع. ليس لهم أساس من الإيمان يبنون عليه، وليس لهم رجاء يتَّكلون عليه. ولأنَّهم يشكُّون بالله، فمخافته ليست في قلوبهم تلك التي تنقذهم من كلِّ أنواع المخاوف. من ليس فيه مخافة الله تستعبده كلُّ المخاوف، والذين لا يؤمنون بأشياء وأشياء يعرفون أنَّهم لا يؤمنون حسنًا، بل يتيهون في أفكارهم ولا يستطيعون أن يثبتوا (على رأي). أفكارهم تافهة في فمهم فلا طعم لها، وفي كلِّ وقت يستولي عليهم الخوف والرهبة (وروح) الوقاحة«.

 

  1. قال عويدا: »لماذا لم يَخلقنا الله بلا خطيئة ولا إثم«؟

 

– »إذا كان(19) الإنسان مخلوقًا على هذا الشكل، فهو لا يمتلك نفسه ولكنَّه أداة في يد من يحرِّكه. وواضح أنَّ من يحرِّك (شيئًا) كما يريد فهو يحرِّكه نحو الخير أو الشرّ. إذًا، بماذا يفترق الإنسان عن كنّارة يعزف بها أحدهم أو مركبة يقودها شخص فرد. فالمديح والملامة يعودان إلى (العامل) الماهر. فالكنّارة لا تعرف ما يُعزف عليها والمركبة لا تعلم إن كانت تُقاد في الوجهة الصالحة. كلاهما آلة صُنعت لإفادة من يملك المعرفة. أمّا الله الجوّاد فما أراد أن يخلق الإنسان على هذا الشكل بل (وهبه) الحرّيَّة(20) فرفعه فوق الخلائق العديدة وساواه بالملائكة. انظروا الشمس والقمر وجلدَ السماء وسائر الخلائق التي هي أعظم منّا بشيء من الأشياء. لها ما وُهبت الحرِّيَّة الشخصيَّة فشُدَّت إلى ما أُمرت به، وما استطاعت أن تفعل إلاَّ ما أُمرت به. فلا تقول الشمس يومًا: أنا لا أشرق في الوقت (المحدَّد) لي، ولا (يقول) القمر: لا أتحوَّل من حال إلى حال فأصير صغيرًا أو كبيرًا، ولا يقول أحد من الكواكب: لا أشرق، ولا أغرب. ولا (يقول) البحر: لا أحمل السفن ولا أقف عند حدودي. ولا (تقول) الجبال: لا نثبت في الأمكنة التي وُضعنا فيها. ولا تقول الرياح: لا نهبُّ، ولا (تقول) الأرض: لا أحمل ولا أتلقّى كلَّ ما هو فوقي. ولكنْ كلُّ هذه الخلائق تعمل خاضعة لأمر واحد لأنَّها أدوات (بيد) حكمة الله التي لا تخطئ. إذا كان كلُّ شيء يَخدم فمن الذي يُخدم، وإذا كان كلُّ شيء يُخدم فمن الذي يَخدم؟ إذًا لا يتميَّز شيء عن شيء. فالشيء الذي هو واحد ولا تمييز فيه هو كائن لم يُخلق إلى الآن، أمّا الأشياء المعدَّة للخدمة فهي مشدودة بقدرة الإنسان. فلأنَّ (الإنسان) خُلق على صورة الله أُعطيَت له هذه (المخلوقات) لتخدمه(21) بالفرح زمنًا طويلاً، وهو يدبِّرها بإرادته الخاصَّة. وإن أراد(22) صنَعَ كلَّ ما استطاع أن يصنعه وإن لم يرُد فلا يصنع، وهو يبرِّر نفسه أو يخطئها. فإن خلَقَ (الإنسان) بحيث لا يقدر أن يصنع الشرّ أو يزلّ، فالخير الذي يصنعه ليس له ولا يقدر أن يتبرَّر به. فالذي لا يعمل بإرادته الخير أو الشرّ فتبريره وتأثيمه يقومان على حظِّه وسعده من عمله.

 

  1. »من أجل هذا أنتم ترون أنَّ نعمة الله كثُرت للإنسان الذي وُهبت له حرِّيَّةً تفوَّق بها على كلِّ هذه العناصر التي عنها تحدَّثنا. بهذه الحرِّيَّة يزكّي الإنسان نفسه ويتدبَّر (أمره) بطريقة إلهيَّة فيختلط بالملائكة الذين يملكون هم أيضًا حرِّيَّة شخصيَّة. فلو لم يكن لهم حرِّيَّة شخصيَّة لما (قدروا) أن يشاركوا بنات الناس (في الإثم)(23) ولما كانوا خطئوا ولا سقطوا في مقامهم. ونقول الشيء عينه عن الآخرين الذين عملوا إرادة ربِّهم بقرار اختياريٍّ(24) فارتفعوا وتقدَّسوا وقبلوا المواهب العظمى. كلُّ كائن يحتاج إلى ربِّ الكلّ الذي لا حدود لمواهبه، فاعلموا إذًا أنَّ هذه المخلوقات التي قلتُ عنها إنَّها قائمة بأمر (الله) ليست محرومة حرمانًا كلِّيٌّا من أيَّة حرِّيَّة(25)، ولهذا فهي تخضع كلُّها للدينونة في اليوم الأخير«.

 

  1. قلتُ له(26): »كيف يخضع للدينونة (مخلوقات) مشدودة (إلى الأمر الإلهيّ)«؟

 

أجابني: »يا فيلبُّس، العناصر لا تُدان لأنَّها مشدودة، بل لأنَّها مسلَّطة، فالكائنات ما حُرمت من كيانها حين خُلقت، بل نقصت قوَّةُ الترابط فيها حين امتزجت بعضها ببعض فخضعت لقوَّة خالقها. فهي إذًا لا تُدان بما هي فيه خاضعة، بل بما هو خاصٌّ بها«.

 

  1. قال عويدا: »ما أحسن ما قلتَ، ولكنَّ الوصايا المعطاة للبشر ثقيلة وهم لا يستطيعون أن يعملوا بها«.

 

أجاب برديصان: »مثلُ هذا الكلام هو جواب من لا يريد أن يصنع الصالحات فيفضِّل أن يسمع للعدوِّ ويخضع له. فالبشر ما أُمروا أن يصنعوا إلاَّ الذي يقدرون أن يصنعوا، ووُضعت أمامنا وصيَّتان تليقان بالحرِّيَّة وتَجملان بها. الأولى أن نبتعد عن كلِّ شرٍّ نكره أن يكون فينا، والثانية أن نصنع كلَّ صلاح نحبُّه ونرغب في أن يكون فينا. فمن هو هذا الإنسان الضعيف الذي لا يستطيع إلاَّ أن يسرق أو يكذب، أو يفجُر ويزني، أو يبغض ويغدر؟

 

  1. »كلُّ هذه خاضعة لروح الإنسان، وهي خاضعة له لا بقوَّة الجسد بل بإرادة النفس. فلو كان الإنسان فقيرًا أو مريضًا أو شيخًا أو كسيحًا، أما يستطيع أن يمنع نفسه عن هذه (الخطايا)؟ وكما يمكنه أن يمتنع عنها، هكذا يستطيع أن يحبَّ ويبارك ويقول الحقيقة ويصلّي لأجل معارفه، وإن كان صحيح (الجسم) يستطيع في غناه أن يعطي ممّا له، كما يستطيع أن يُسند بقوَّة جسده المريضَ والكسير. فما هو هذا اللامستطاع حتّى يتذمَّر ناقصو الإيمان؟ لست أدري. ولكنّي أعتبر قدرة الإنسان حاضرة في هذه الوصايا أكثر من أيِّ شيء آخر. (فالوصايا) سهلة ولا يستطيع أحد أن يفسدها. نحن لم نؤمر بأن نحمل أحمالاً ثقيلة من الحجر أو الخشب أو أيِّ شيء آخر ممّا لا يستطيع أن يفعله إلاَّ أصحاب الأجسام القوَّية، ولا أن نبنيَ القلاع ونؤسِّس المدن، وهو أمر لا يستطيع أن يعمله إلاَّ الملوك، ولا أن نقود السفينة وهو أمر لا يعرفه إلاَّ الملاّحون، ولا أن نمارس واحدًا من هذه الفنون التي أُعطيَت لبعض الناس وحُرم منها البعض الآخر. ولكن وُهب لنا بحسب عذوبة الله وصايا سهلة يستطيع(27) كلُّ إنسان فيه نفسٌ أن يعمل بها والفرح في قلبه. فما من إنسان إلاَّ ويفرح عندما يصنع الصلاح، وما من إنسان إلاَّ ويجد لذَّة عندما يحتفظ ممّا هو بغيض، اللهمَّ هؤلاء الذين لم يُخلَقوا لهذا الخير فدُعوا زؤانًا(28). فالذي يوبِّخ إنسانًا على شيء لم يستطع فعله، يكون ديّانًا جائرًا«.

 

  1. قال له عويدا: »أتقول إنَّه سهل علينا أن نقوم بهذه الأعمال، يا برديصان«؟

 

أجاب برديصان: »قلتُ وأقول إنَّها سهلة لمن يريد، وهي (تهب) القيادة الحسنة لروح الأحرار وللنفس التي لا تتمرَّد على من يقودها، وإن وقفت أمور كثيرة في وجه عمل الجسد (العاديّ) ولاسيَّما الشيخوخة والمرض والفقر«.

 

قال عويدا: »يستطيع الإنسان أن يبتعد عن أمور بغيضة(29)، ولكن أيُّ إنسان يمكنه أن يفعل الخير«؟

 

  1. أجاب برديصان: »إنَّه لأسهل عليك أن تفعل الخير من أن تبتعد عن الشرّ. فالخير طبيعيّ في الإنسان، ولهذا يفرح حين يفعل الخير، أمّا الشرّ فهو مِن صُنع العدوّ، ومن أجل هذا يضطرب الإنسان ويقتل كيانه حين يفعل الأمور البغيضة. فاعرف، يا ابني، أنَّه لأسهل على الإنسان، أن يمتدح صديقه ويباركه من أن يذمَّ مبغضه ويشتمه. هذا ليس سهلاً وحسب بل ممكنًا. وعندما يفعل إنسان صلاحًا، تَسعد روحه ويرتاح ضميره ويرغب في أن يرى كلّ واحد ما عمله. أمّا حين يخطأ (إنسان) ويؤذي (الغير)، فهو يرتاع ويضطرب ويمتلئ سخطًا وغضبًا ويتألَّم في نفسه وفي جسده. وإذ هو في هذه الحالة لا يرغب في أن يراه أحد، ويتبرَّأ من تلك الأشياء التي كان يفرح بها والتي نال على أثرها المديح والبركة. فبعد الارتياع يعملون أعمالاً نجسة، ولكنَّهم لا (يرتاحون) حين يعملونها وحين يستحقُّون المديح ولأجل رجاء صالح، (وإن ارتاحوا) فهذه العذوبة لا تدوم لهم (طويلاً). فالراحة الآتية من (ضمير) صحيح (والمبنيَّة) على رجاء صالح، هي غير الراحة الآتية من (ضمير) مريض والمؤسَّسة على رجاء شرّير. الرغبة غير الحبّ، والصداقة غير الزمالة، فيجب علينا أن نفهم بسهولة أنَّ الحبَّ المزيَّف يُسمّى الشهوة، وهو وإن حوى راحة ساعة من الوقت، إلاَّ أنَّه بعيد كلَّ البعد عن الحبِّ الحقيقيّ الذي لا تفسد راحته ولا تزول«.

 

  1. قلتُ له: »هذا ما قاله عويدا أيضًا حين أعلن أنَّ الإنسان يميل بطبعه إلى الشرّ، فإن لم يكن مدفوعًا بطبعه إلى الشرِّ فهو لا يفعل الشرّ«.

 

أجاب برديصان: »إذا عمل الناس جميعًا العمل الواحد وفكَّروا بطريقة واحدة، هذا يعني أنَّ طبيعتهم تقودهم، لا الحرِّيَّة التي تحدَّثت عنها. ولكن لكي تفهموا ما هي الطبيعة وما هي الحرِّيَّة، أزيد فأقول لكم: طبيعة الإنسان في أن يولد وينمو وترتفع قامته ويُنجب (أولادًا) ويشيخ حين يأكل ويشرب وينام ويقوم (وفي النهاية) يموت. هذه الأمور الخاصَّة بالطبيعة نجدها عند جميع البشر، وليس فقط عند البشر بل وأيضًا عند كلِّ الحيوانات التي تملك نفْسًا، كما نجد بعضها في الأشجار. هذا هو عمل الطبيعة أن تفعل كلَّ شيء وتصنعه وتنتجه كما أُمرت، وهذه الطبيعة نجدها محفوظة عند الحيوانات في أعمالها. فالأسد من طبعه يأكل اللحم، ولهذا فكلُّ الأسود آكلة لحوم، والنعجة تأكل العشب ولهذا فكلُّ النعاج آكلة عشب، والنحلة تنتج العسل ومنه تقتات، ولهذا كلُّ النحل هو منتج للعسل، والنملة تجمع المؤونة في الصيف لتقتات منها في الشتاء، ولهذا كلُّ النمل يفعل هكذا، والعقرب تجرح بمنخسها من لم يلحق بها أذى، ولهذا تفعل كلُّ العقارب هكذا. أجل، كلُّ الحيوانات تحافظ على طبيعتها، فلا يأكل العشبَ آكلُ اللحم، ولا يأكل اللحمَ آكلُ العشب.

 

  1. »أمّا الناس فلا يتصرَّفون على هذا الشكل، ولكنَّهم في ما يتعلَّق بأجسادهم يحافظون على طبيعتهم مثل الحيوان؛ أمّا في ما يتعلَّق بروحهم فهم يفعلون ما يريدون كأحرار مسلَّطين على نفوسهم على مثال الله. فمنهم من يأكل اللحم ولا يقرب الخبز، ومنهم من يميِّز (فيأكل) لحمًا دون آخر، ومنهم من لا يأكل لحم أي حيوان فيه نفس (حيَّة). منهم من يجامع أمَّه وأخته وابنته، ومنهم من لا يقرب امرأته، ومنهم من يثأر لنفسه كالأسد والنمر، ومنهم من يؤذي الذي لم يسئ إليه كالعقرب، ومنهم من يُقاد كالنعاج فلا يؤذون من يقودهم. منهم من يتصرَّف بحسب صلاح (قلبه)، ومنهم بحسب العدالة (المتعارف عليها) أو بشرِّ (قلبه). ويقول قائل: لكلِّ واحد طبيعته التي تدفعه إلى أن يعمل على هذا الشكل، ولكنَّنا نرى أنَّ الأمر ليس هكذا. فهناك زناة وسكّيرون وصل إليهم التأديب والمشورة الصالحة فصاروا أعفّاء زاهدين واحتقروا شهوة أجسادهم. وهناك أناس تصرَّفوا بالعفَّة والزهد، ولكنَّهم أهملوا التأديب الحقّ وأشاحوا بوجوههم عن وصايا الله (ومشورة) معلِّميهم، فسقطوا وحُرموا طريق الحقِّ وصاروا زناة شرهين. وهناك من يتوب عن سقطته من جديد، فتحلُّ عليه مخافة (الله) فيعود إلى الحقِّ الذي كان قائمًا فيه.

كتاب شرائع البلدان لبرديصان الرهاوي

 

  1. »إذًا أين هي طبيعة الإنسان؟ ها إنَّ جميع البشر يتميَّزون الواحد عن الآخر في تصرُّفاتهم ورغباتهم، والذين يَثبتون على فكر واحد ورأي واحد يُشبهون بعضهم بعضًا، أمّا الذين ما زالت شهوتهم تخدعهم وسخطهم يقودهم، ثمَّ يبغون في أن يحمِّلوا خالقهم خطيئتهم ليجدوا نفوسهم بدون خطيئة ويحكمون بكلمة فارغة على الذي خلقهم، فهم لا يدرون أنَّ الطبيعة لا ناموس لها(30). لا يُلام الإنسان لقامته الطويلة أو القصيرة، (للونه) الأبيض أو الأسود، لوسع عينيه أو ضيقهما أو بسبب عاهة في جسمه، بل يُلام إذا كان سارقًا أو كاذبًا أو عاملاً بالغشّ أو مسمِّمًا لأحد أو شاتمًا له أو عاملاً بشيء يشبه ذلك. من هنا يتَّضح أنَّه لا يحكم علينا في ما ليس في أيدينا ولا نُزكّى بما جاءنا من الطبيعة. فما نفعله بحرِّيَّتنا الشخصيَّة نُزكَّى عليه ونُمدح إذا كان صالحًا، ونُلام عليه ونُشجب إن كان بغيضًا«.

 

  1. ومن جديد سألناه وقلنا له: »يقول البعض إنَّ الناس يقودهم قرار القدر(31) مرَّة إلى الشرِّ ومرَّة إلى الخير«.

 

فأجابنا: »يا فيلبُّس بريمو، وأنا أيضًا أعرف أنَّ هناك أناسًا يسمَّون كلدانيّين وآخرين غيرهم، يحبُّون التعرُّف إلى هذا الفنّ، كما إنّي أنا أحببته في وقت من الأوقات. وقيل لي في مكان آخر: إنَّ نفس الإنسان تتوق أن تعرف شيئًا لا يعرفه الكثيرون، وهؤلاء الناس (أي الكلدانيّون) يرغبون في الشيء نفسه: كلُّ ما يفعلونه من شرٍّ أو من خير، وكلُّ ما يحصل لهم من فقر أو غنى، من مرض أو صحَّة أو ضعف في الجسم، كلُّ هذا يُرجعونه إلى إدارة هذه الكواكب المسمّاة سباعيَّة وهم يُقادون بها. وهناك آخرون يقولون عكس ما يقوله أولئك، بحيث يعتبرون أنَّ هذا الفنَّ هو كذب من عند الكلدانيّين وأنَّ القدر غير موجود وإن هو إلاَّ اسم من دون مُسمّى، وكلُّ ما في يد الإنسان، صغيرة أو كبيرة، ضعف الجسد وعجزه، كلُّ هذا يحصل للإنسان بالصدفة. وهناك آخرون يقولون: كلُّ ما يفعله الإنسان بإرادته، فهو إنَّما يفعله بالحرِّيَّة التي وُهبت له، أمّا ما يحصل له من عجز وضعف وسوء حال فهو عقاب يتقبَّله من يد الله.

 

  1. »يبدو لي بحسب ضعفي أنَّ في هذه الآراء الثلاثة بعض الحقّ وبعض الخطأ. هي حقٌّ لأنَّ الناس يتكلَّمون بحسب ما يتصوَّرون، ويرون الأمور كما تُعرض أمامهم. وهي خطأ لأنَّ حكمة الله أغنى من (حكمة البشر) وهي التي أقامت العالم والبشريَّة، وخلقت الإنسان، ورتَّبت »المدبِّرين«، ووهبت لكلِّ واحد السلطة التي تليق به. وأنا أقول إنَّ هذه السلطة هي لله والملائكة والمسلَّطين والمدبِّرين والعناصر والناس والحيوانات. وكلُّ هذه الطغمات التي تكلَّمت عليها لم توجَب لها السلطة على كلِّ شيء. المسلَّط على كلِّ شيء هو واحد، وأمّا (الباقون) فهم مسلَّطون على شيء ولا مسلَّطون على شيء آخر، كما قلت، لتظهر (في النهاية) جودةُ الله في الذين لهم سلطان؛ أمّا الذين لا سلطان لهم فيعرفون أنَّ لهم الربّ. إذًا، هناك القدر، كما يقول الكلدانيّون، بحيث لا يكون شيء بحسب إرادتنا. وهذا الأمر واضح في أنَّ كثيرًا من الناس يريدون أن يكونوا أغنياء ومسلَّطين على الآخرين، أو يتمتَّعوا بصحَّة الجسد وأن تخضع لهم الأمور كما يرغبون. غير أنَّ الغنى لا يوجد إلاَّ عند القليلين والسلطة إلاَّ عند بعضهم، ولم تُعطَ صحَّة الجسد لجميع الناس. والأغنياء لا يتمتَّعون كاملاً بغناهم، والمسلَّطون لا يُطاعون كما يريدون. وسيأتي وقت لا يُطاعون كما لا يريدون وسيأتي وقت يغتني فيه الأغنياء كما يرغبون، ويأتي آخر يفتقرون فيه كما لا يرغبون. والذين يفتقرون افتقارًا كاملاً يَحيون كما لا يريدون ويعيشون في العالم كما لا يرغبون، ويتمنّون أشياء ولكنَّ هذه الأشياء تهرب منهم. كثيرون يُنجبون أولادًا ولا يربّونهم، وآخرون يربّونهم ولا يتمتَّعون بهم، وآخرون يحتفظون (بأولادهم) فيكون لهم منهم الذلُّ والعذاب. آخرون يغتنون كما يريدون ويمرضون كما لا يريدون. آخرون يتمتَّعون بالصحَّة كما يريدون ويفتقرون كما لا يريدون. هناك من له الكثير ممّا يريد والقليل ممّا لا يريد، وهناك من له الكثير ممّا لا يريد والقليل ممّا يريد. وهكذا فالغنى والمجد والصحَّة والمرض والأبناء وكلّ ما نشتهيه موضوعٌ تحت (حكم) القدر ولا سلطان لنا عليه. فنحن نبتهج ونفرح بالأشياء التي تحصل كما نريد ونحن نُدفَع رغمًا عنّا إلى ما لا نريد. فيبدو واضحًا أمام الأشياء التي صارت لنا، ونحن ما رغبنا فيها أو رغبنا فيها، أنَّها صارت لنا لا لأنَّنا أردناها، بل هي صارت لأنَّها صارت ونحن نرغب في بعضها ولا نرغب في بعضها الآخر. وهكذا فنحن البشر تقودنا الطبيعةُ بالتساوي والقدر بطرق مختلفة، ولكنَّ كلَّ إنسان يسير بحرِّيَّته كما يشاء.

 

  1. »إذًا نقول الآن ونبيِّن أنَّ القدر لا يتسلَّط على كلِّ شيء لأنَّه هو نفسه المدعوّ القدر إنَّما هو ترتيب مسيرة (الكون) كما وهبها الله للسلاطين والعناصر(32). وبحسب هذه المسيرة والنظام، تختلف العقول بنزولها إلى النفس وتختلف النفوس بنزولها إلى الأجساد، وهذا الاختلاف يسمّى القدر والطالع لهذه المجموعة التي تُغربَل وتُنقّى لتساعد من حصل ويحصل على حنان الله وجوده حتّى النهاية. إذًا يُقاد الجسد بالطبيعة فيما النفس تتألَّم معه وهي تدرك، غير أنَّ الجسد لا يحسُّ بضيق أو مساعدة من القدر في كلِّ ما يفعله. فالرجل لا يكون أبًا قبل أن يبلغ الخامسة عشرة ولا تصير المرأة أمٌّا قبل الثالثة عشرة، والشيخوخة أيضًا لها ناموسها فتحرم النسوة من الإيلاد ويخسر الرجال القوَّة التي تجعلهم يُنجبون. أمّا سائر المخلوقات الحيَّة (الحيوانات) التي تُقاد هي أيضًا بطبيعتها، فهي لا تنجب فقط قبل هذه السنوات التي ذكرت بل تشيخ ولا تستطيع الإيلاد مثل أجسام البشر التي لا تعود تُنجب الأولادَ في الشيخوخة. لا يستطيع القدر أن يعطيهم أولادًا في وقت لم تعد طبيعة الجسد قادرة على ذلك، ولا يستطيع القدر أن يحفظ جسد الإنسان في الحياة دون أن يأكل وأن يشرب، كما لا يعطيه عدم الموت إن هو أكل وشرب. هذه الأمور وكثير غيرها هي خاصَّة بالطبيعة.

 

  1. »ولكن عندما تكتمل الأزمنة وأشكال الطبيعة، يبرز القدر بينها ويصنع أمورًا مختلفة. مرَّة يساعد الطبيعة ويقوّيها ومرَّة يؤذيها ويذلُّها. من الطبيعة النموُّ وكمال الجسم، وخارجًا عن الطبيعة، ومن القدر، أمراض الجسد وفساده. من الطبيعة مجامعة الذكور والإناث وراحة هؤلاء وأولئك، ومن القدر البغض وانفصال شركة (الزواج) وكلّ نجاسة وعمل لا أخلاقيّ يفعله البشر بسبب شهوتهم عند المجامعة. من الطبيعة الولادة والأبناء، ومن القدر يكون أنَّ الأولاد مرَّة يفسدون ومرَّة يُرمون ومرَّة يموتون بعمر مبكِّر. من الطبيعة الشبع الكامل لكلِّ الأجساد، ومن القدر نقص القوت وضيق الأجساد. بالإضافة إلى ذلك، من القدر الشراهة والفسق وكلاهما غير ضروريّ. الطبيعة تأمر الشيوخ أن يكونوا قضاة للشبّان وحكماء للجهّال، والأقوياء أن يكونوا رؤساء على الضعفاء، والشجعان على الجبناء. ولكنَّ القدر يجعل الأولاد قوَّادًا للشيوخ والجهّال للحكماء، وفي وقت الضيق يسوس الضعفاء الأقوياء والجبناء الشجعان. وتيقَّنْ أنَّ الطبيعة تبعد في كلِّ وقت عن طريقها القويم، والذي يسبِّب هذا الابتعاد هو القدر لأنَّ الرؤساء والمدبِّرين الذين منهم يأتي الاختلاف والذين يدعون الطالع، يواجه الواحد الآخر. فالذين عن اليمين يُدعَون مساعدين للطبيعة ويزيدون على جمالها عندما تساعدهم المسيرة(33)، فيقفون في مقام عال في المنطقة المخصَّصة لهم. والذين عن اليسار يُسمّون أشرارًا. هؤلاء عندما يمسكون بمقام رفيع يكونون معارضين للطبيعة وهم لا يضرُّون الناس وحسب، بل أحيانًا الحيوان والشجر وثمر (الحقل) ونتاج السنة وينابيع الماء وكلّ ما يقع تحت تأثيرهم في الطبيعة.

 

  1. »وبسبب هذا الانقسام واختلاف الرأي بين السلاطين، نجد أناسًا يعتبرون أنَّ العالم مدبَّر بدون قاعدة، لأنَّهم لا يعرفون أنَّ هذا الانقسام والاختلاف في الرأي والبرارة والخطأ يعود إلى النظام الذي وهبه الله في الحرِّيَّة بحيث أنَّ هذه الكائنات الفاعلة بسلطة ذاتيَّة تكون بارَّة أو خاطئة. فكما رأينا أنَّ القدر (يستطيع) أن يسحق في الطبيعة، هكذا نقدر أن نرى كيف أنَّ حرِّيَّة الإنسان تتغلَّب على القدر وتسحقه، لا في كلِّ شيء، كما أنَّ القدر لا يتغلَّب على الطبيعة في كلِّ شيء. وهكذا يجب على كلٍّ من هذه الثلاثة أي الطبيعة والقدر والحرِّيَّة أن يحفظ طريقته الخاصَّة في الوجود إلى أن تتمَّ المسيرة ويمتلئ الكيل والعدد، فيبرز أمام الذي يأمر مسكن ونهاية كلِّ الخلائق وقيام كلِّ الكائنات والطبائع«.

 

  1. قال عويدا: »لا يفعل الإنسان الشرَّ بسبب طبيعته، هذا ما اقتنعتُ به انطلاقًا من برهانك، ولا يتصرَّف الناس (كلُّهم) بطريقة ذاتها. والآن إن كنتَ تستطيع أن تبيِّن أنَّ الذين يفعلون الشرّ، إنَّما يفعلون بسبب القدر والحظّ، حينئذٍ يقترب من الصالحات ويتجنَّب البغيضات، ومن أجل هذا يُدانٍ بعدل في اليوم الأخير«.

 

  1. أجاب برديصان: »رأيتَ أنَّ الناس لا يتصرَّفون بالطريقة ذاتها فاقتنعتَ أنَّهم لا يفعلون الشرَّ بسبب طبيعتهم (وحدها). والآن سأقودك إلى الاقتناع أنَّهم لا يفعلون الشرَّ أبدًا بسبب قدرهم. وسنبيِّن لك أنَّ الأقدار والسلاطين لا يحرِّكون البشر قطعًا وبالمساواة، بل هي الحرِّيَّة الشخصيَّة التي تمنعنا أن نخدم الطبيعة أو نتحرَّك أمام توجيه القدر«.

 

  1. قال عويدا: »بيِّنْ لي هذا فأقتنع به، وكلّ ما تأمرني به أفعله«.

 

أجاب برديصان: »هل قرأتَ كُتُبَ كلدان بابل وفيها كُتبَ عن تأثير الكواكب المتزاوجة على طالع الناس؟ (هل قرأتَ) كُتب المصريّين التي تروي كلَّ هذه الأنواع التي تحصل للبشر«؟

 

قال عويدا: »قرأت الكتب التنجيميَّة ولكنّي لم أعرف كتب البابليّين من كتب المصريّين«.

 

أجاب برديصان: »(ما قرأته) هو ما يعلِّمه هذان البلدان«.

 

قال عويدا: »أعرف أنَّ الأمر هو هكذا«.

 

أجاب برديصان: »فاسمع الآن (وحاولْ) أن تفهم أنَّ كلَّ الناس على الأرض لا يفعلون ما تحدِّده لهم الكواكب بواسطة قدرهم وقسمتهم؛ فالناس يضعون الشرائع في كلِّ بلد بهذه الحرِّيَّة التي وهبها الله لهم، وهذه الموهبة تعارض قدر السلاطين الذين يأخذون ما لم يُعطَ لهم. وها أنا أبدأ فأتكلَّم عن (هذه الشرائع) بقدر ما أتذكَّر، وأبدأ من الشرق الذي هو أوَّل العالم كلِّه«(34).

 

  1. »للشيريّين(35) شرائع تمنعهم أن يقتلوا ويزنوا ويعبدوا الأوثان. في كلِّ (قطر) الشيريّين لا نجد وثنًا أو زانية، لا قاتلاً ولا مقتولاً مع أنَّهم هم أيضًا مولودون في أيَّة ساعة وأيِّ يوم. وحتّى المرّيخ القويّ الرابض في وسط السماء لا يضايق حرِّيَّة الشيريّين بحيث يجعل الإنسان يسفك دم صاحبه بسيف من حديد. والزهرة الموضوعة مع المرّيخ لا تَفرض على الرجل الشيريّ أن يضاجع امرأة صاحبه أو امرأة أخرى. هناك (في تلك البلاد) تجد الأغنياء والفقراء والمرضى والأصحّاء والمتسلِّطين والخاضعين لأنَّ هذه الأمور موهوبة لسلطة المدبِّرين«.

 

  1. »ونجد أيضًا في الهند شرائع البراهمة(36) الذين يشكِّلون آلافًا وربوات عديدة: هم لا يقترفون قتلاً ولا يهابون وثنًا ولا يزنون ولا يأكلون اللحم ولا يشربون الخمر. أجل، بينهم لا يحدث شيء من هذا، وها مرَّت آلافُ السنين على هؤلاء الناس الذين يمارسون هذه الشريعة التي وضعوها لنفوسهم«.

 

  1. »وهناك شريعة أخرى في الهند(37) في إقليم يقيم فيه أناس ليسوا من جماعة البراهمة ولا يأخذون بتعليمهم. هم لا يعبدون وثنًا ولا يقترفون الزنى أو القتل، ولا يصنعون شرٌّا آخر لا يحسن في عيني البراهمة. وفي أقاليم الهند، هناك أناس تعوَّدوا أن يأكلوا اللحوم كسائر الشعوب الذين ياكلون لحم الحيوان. فالكواكب الشرّيرة لم تفرض على البراهمة أن يعملوا شرٌّا ونجاسة، والكواكب الخيِّرة لم تَدفع سائر الهنود أن يصنعوا شرٌّا. فالكواكب الموضوعة في مكان مؤاتٍ وفي بروج الناس، لم تقنع أكلة لحوم البشر أن يستعملوا في مأكلهم ما هو نجس وبغيض«.

 

  1. »والفرس(38) أيضًا وضعوا لنفوسهم شرائع، بموجبها يتزوَّجون أخواتهم وبناتهم وبنات بناتهم، ومنهم من يبالغون فيتزوَّجون أمَّهاتهم. بعض هؤلاء الفرس انتشروا وعاشوا في ماداي وفي أرض الفرات وبلاد الفرات ومصر وفريجيا، وهم الذين يُسمّون مجوسًا. وهم في كلِّ البلدان والأقاليم التي يقيمون فيها، يتصرَّفون بحسب الشريعة التي وضعها آباؤهم. ونحن لا نستطيع أن نقول إنَّ كلَّ المجوس وسائر الفرس يقيمون حيث الزهرة موضوعة مع القمر ومع زحل في بيته وتخومه، وعطارد حاضر شاهد.

 

»هناك مناطق عديدة في مملكة الفراتيّين حيث الرجال يقتلون نساءهم وأخوتهم وأولادهم، فلا يلحقهم من جرّاء ذلك عقاب. أمّا من يقتل أحدًا من هؤلاء عند الرومان أو اليونان، فهو يستوجب عقاب النقمة الكبير«.

 

  1. »عند الجيليّين(39) النساء يزرعنَ ويحصدنَ ويبنينَ (البيوت) ويَقمنَ بكلِّ الأعمال. هنَّ لا يلبسن ملابس ملوَّنة ولا ينتعلن أحذية ولا يستعملن زيوتًا مطيِّبة. لا يوبِّخهنَّ أحد إن هنَّ زنين مع الغرباء، أو ضاجعن عبدًا في البيت. أمّا رجال هؤلاء الجيليّات فهم يلبسون لباسًا ملوَّنًا، ويتزيَّنون بالذهب والحجارة الكريمة ويدَّهنون بالزيوت الطيِّبة، وهم يتصرَّفون على هذا الشكل، لا لأنَّهم مخنَّثون بل تجاوبًا مع الشريعة الموضوعة لهم. كلُّ الرجال فيهم مولعون بالصيد والحرب. ونحن لا نستطيع أن نقول إنَّ كلَّ النساء جُعلن في منطقة الزهرة، أو الجدي أو الدلو، في مكان الحظِّ التعيس، ولا نستطيع أن نقول إنَّ (الرجال) الجيليّين جُعلوا في منطقة عطارد والحمل والزهرة في المكان الذي كُتب عنه أنَّ فيه يولد رجال أشدّاء ومخنَّثون«.

 

  1. »عند البوحراتيّين، ويسمّون أيضًا القوشان(40)، تتزيَّن النساء بلباس الرجال الجميل وبالذهب الكثير والحجارة الكريمة الحسنة، ويخدمهنَّ من العبيد والإماء أكثر ممّا لبعولهنَّ. يركبن الخيل ويتزينَّ بالذهب والحجارة الكريمة. لا يحافظن على الطهارة بل يضاجعن عبيدهنَّ والأغراب الذين يأتون إلى بلدهنَّ، فلا يوبِّخهنَّ بعولُهنَّ. هنَّ لا يَخِفن بعولهنَّ الذين يحسبون نساءهم أسيادًا عليهم. ولكنَّنا لا نستطيع أن نقول إنَّ النساء البوحراتيّين جُعلن في منطقة الزهرة والمرّيخ، وإنَّ المشتري يكون في بيت المرّيخ وسط السماء حيث تولد الغنيّات والفاجرات اللواتي يخضعن لبعولهنَّ في كلِّ شيء«.

 

  1. »عند الرقميّين والرهاويّين والعرب(41) لا تُقتل فقط المرأة الزانية، بل تُعاقب أيضًا تلك التي يقع عليها الشكّ«.

 

  1. »وُضعت شريعة في حطرا(42) يُعاقب بموجبها بالرجم كلُّ من سرق شيئًا زهيدًا ولو قليلاً من الماء. أمّا عند القوشان فمن يقترف مثل هذه السرقة يُبصَق في وجهه. ومن يسرق سرقة صغيرة عند الرومان يُجلد ثمَّ يُترك (حرٌّا). فمن عِبْر الفرات إلى المشرق، من شُتم كسارق أو كقاتل لا يغضب، أمّا إن شُتم كمضاجع للذكور فهو يلاحَق حتّى القتل«.

 

  1. »… عند… الشبّان… الشريعة(43) لا تحكم عليهم. ثمَّ، في كلِّ بلاد المشرق الذين يشتمون بمعرفة يقتلهم آباؤهم وإخوتهم وأحيانًا لا يُدفنون«.

 

  1. »في الشمال وفي بلاد الجرمان(44) وجوارها يكون الغلام الجميل كامرأة للرجل وتقام له حفلة عرس، ولا يكون ذلك فضيحة أو لعنة بسبب الشريعة المعمول بها. ولا يمكن لكلِّ الذين في غالية الذين يُسامون بهذه الفضيحة أن يكون طالعهم عطارد مع الزهرة في بيت زحل وعلى حدود المرّيخ وفي أبراج الغرب. فالرجال الذين ولدوا هكذا، كُتب أنَّهم يُحتقرون كما لو كانوا نساء«.

 

  1. »عند البريطانيّين(45) يتزوَّج الرجال العديدون امرأة واحدة«.

 

  1. »عند الفراتيّين(46) يتزوَّج رجل واحد نساء عديدات وكلُّهنَّ يطعن أوامره بشأن الطهارة، لأنَّ تلك هي الشريعة الموضوعة لهنَّ في ذلك البلد«.

 

  1. »الأمازون(47) شعب كامل (من النساء) لا أزواج لهنَّ. هنَّ كالحيوانات، يعبرن النهر مرَّة في السنة، في الربيع، ويخرجن من تخومهنَّ. بعد هذا، يُقمن على الجبل عيدًا عظيمًا فيأتي الرجال من هذه المناطق ويقضون معهنَّ أربعة عشر يومًا، يضاجعوهنَّ فيَحبلن منهم ثمَّ يعبرن (النهر) من جديد (ويعدن) إلى موطنهنَّ. وعندما يلدن يطرحن الذكور ويربّين البنات. ومعروف أنَّهم يفعلن هذا كما تأمرهنَّ الطبيعة. فكلُّهنَّ يحبلن في شهر واحد ويلدن في شهر واحد أو قبل ذلك بقليل أو بعده بقليل. وكلُّهنَّ، كما سمعنا، شُجاعات ومحاربات ولا يستطيع كوكب أن يساعد هؤلاء الذكور، فلا يُطرحون«.

 

  1. »كُتبَ في كتاب الكلدانيّين(48) أنَّه عندما يقف عطارد مع الزهرة في بيت عطارد فهو يصنع المصوّرين والرسّامين والصيارفة، ولكن عندما يقف في بيت الزهرة فهو يصنع العطّارين والراقصين والمغنّين والشعراء. وفي بلاد بني طيء والشرق، وفي ليبيا ونوميديا العليا وموريتانيا التي على فم الأوقيانس وفي جرمانيا الخارجيَّة وسرمطيا العليا وفي إسبانيا وكلِّ البلدان الواقعة غربيّ البنطس وفي بلد الهلّينيّين والألبانيّين والصصويّين وفي بروسا التي في عبر دورا، لا تجد نحّاتًا ولا مصوِّرًا ولا عطّارًا ولا حرّافًا ولا شاعرًا. إذًا، لا تأثير لعطارد والزهرة على مدار العالم كلِّه. وفي كلِّ ماداي عندما يموت إنسان يُرمى للكلاب ولو بقي فيه قليل من الحياة. فالكلاب تأكل كلَّ موتى ماداي. فهل نستطيع أن نقول أنَّ كلَّ المادايّين وُلدوا حين كان القمر واقفًا مع المرّيخ في يوم السرطان تحت الأرض؟ وكلّ الهنود يُحرَقون بالنار عندما يموتون، وتُحرَق معهم نساؤهم الكثر وهنَّ أحياء. فهل نقدر أن نقول إنَّ كلَّ نساء الهند اللواتي يُحرقن وُلدن حيث يقيم المرّيخ مع الشمس في ليل الأسد تحت الأرض كما يُولد الناس الذين يُحرقون بالنار.

 

»والجرمان كلُّهم يموتون خنقًا ما عدا الذين يموتون في الحرب. فمن المستحيل أن يكون كلُّ الجرمان وُلدوا عندما يكون القمر والساعة بين المرّيخ وزحل«.

 

  1. »إلاَّ أنَّه في كلِّ البلدان، يُولَد الناس كلَّ يوم وكلَّ ساعة ولادات تختلف الواحدة عن الأخرى، غير أنَّ شرائعهم تتغلّب على قرار (القدر) فيتدبَّرون (أمورهم) بحسب عوائدهم. فلا يضيّق القدَرُ على الشيريّين ليقترفوا جريمة قتل إن هم لم يريدوا، ولا يجبر البراهمة على أكل اللحم، ولا يمنع الفرس من التزوُّج ببناتهم وشقيقاتهم، والهنود من أن يُحرَقوا، والمادايّين من أن تأكلهم الكلاب، والفراتيّين من أن يتزوَّجوا نساء عديدات، والبريطانيّين من أن تتزوَّج امرأةٌ الواحدة رجالاً عديدين، وأهل الرها من أن يكونوا أعفّاء، واليونان من أن يمارسوا الرياضة (وهم عراة)، والرومان من احتلال البلدان في وقت واحد، والغاليّين من مضاجعة بعضهم بعضًا، والأمازون من تربية الذكور. وطالعُ الإنسان لا يجبره في مسيرة الكون على استعمال فنّ ربَّة الشعر. ولكن كما قلت، كلُّ الناس في كلِّ شعب وكلِّ بلد، يتصرَّفون بحرِّيَّتهم الطبيعيَّة كما يريدون، ويخضعون للقدر وللطبيعة بسبب الجسد الذين يلبسون، مرَّة بإرادتهم ومرَّة بدون إرادتهم. ففي كلِّ بلد وفي كلِّ شعب، هناك أغنياء وفقراء، وأسياد وعبيد، أصحّاء ومرضى، حسب قدر كلِّ واحد منهم وطالعه«.

 

  1. فقلت له: »يا أبانا برديصان، أقنعتنا بذلك فعرفنا أنَّها أمور حقيقيَّة، ولكن أعلم أنَّ الكلدانيّين يقولون إنَّ الأرض مقسومة إلى سبعة أقسام اسمها سبعة أقاليم، وعلى كلِّ قسم منها يتسلَّط واحد من هؤلاء السبعة، وفي كلِّ واحد من هذه البلدان تستظهر إرادة هذا السلطان الذي يُسمّى الشريعة«.

 

  1. أجابني (برديصان): »أوَّلاً، اعرف يا ابني فيلبُّس أنَّ الكلدانيّين وجدوا هذا التعليم لينشروا به ضلالهم. فإن كانت الأرض مقسومة إلى سبعة أقسام، إلاَّ أنَّ كلَّ قسم من هذه الأقسام يتمتَّع بشرائع عديدة تميِّزه عن الآخر. فنحن لا نجد سبعَ شرائع في العالم على عدد الكواكب السبعة، ولا اثنتي عشرة (شريعة) على عدد البروج، ولا ستًا وثلاثين على عدد درجات الفلك، ولكن هناك شرائع عديدة في كلِّ مملكة وفي كلِّ بلد، وفي كلِّ منطقة ومكان يفترق الواحد عن الآخر. فأنتم تتذكَّرون أنّي قلت لكم إنَّه في إقليم الهند الواحد، هناك أناس لا يأكلون لحم الحيوان، وهناك آخرون يأكلون لحوم البشر. وقلت لكم أيضًا عن الفرس والمجوس الذين يتزوَّجون بناتهم وشقيقاتهم لا في إقليم فارس وحسب، بل في كلِّ مكان ذهبوا إليه، وهم بذلك يعملون بشريعة آبائهم ويحافظون على الممارسات السرّيَّة التي سلَّموها إليهم. وتذكَّروا أيضًا أنَّ شعوبًا عديدة سمَّيتُها لكم تدور في كلِّ الأرض، لا في إقليم واحد، بل في كلِّ ريح وإقليم، ولكن ليس لها الفنّ الذي يعطيه المرّيخ والزهرة عندما يتَّحد الواحد بالآخر. فإن كانت الشرائع مرتبطة بالمناخات، فهذا لا يمكن أن يكون، ولكن ما يحصل هو أنَّ هؤلاء الناس البعيدين يمتنعون في طريقة حياتهم عن الامتزاج بأناس أخر كثيرين.

 

  1. »فكِّروا: كم هم الرجال الحكماء الذين أبطلوا شرائع بلدانهم حين بدت لهم سيِّئة، وكم من الشرائع أُبطلت بسبب الضرورة، وكم هم الملوك الذين احتلّوا بلدانًا ليست لهم فأبطلوا الشرائع القائمة وجعلوا مكانها الشرائع التي أرادوا. عندما تمَّ ذلك، لم يقدر كوكب من الكواكب أن يحافظ على الشريعة، وهذا أمرٌ تلاحظونه أمامكم. منذ زمن غير بعيد احتلَّ الرومان بلاد العرب وأبطلوا كلَّ شرائعهم السابقة ولاسيَّما (شريعة) الختان التي اعتادوا أن يمارسوها. الإنسان المسلَّط على نفسه، يَخضع لشريعة وضعها له آخر مسلَّط على نفسه أيضًا. وأكثر من هذا، أستطيع أن أقنع الجهّال وضعاف الإيمان فأقول لهم: كلُّ اليهود الذين قبلوا الشريعة على يد موسى، يختنون أولادهم الذكور في اليوم الثامن ولا ينتظرون مجيء الكواكب ولا يأخذون بعين الاعتبار البلد (الذي يقيمون فيه). فالكوكب المسلَّط على الإقليم (الذي يقيمون فيه) لا يسوسهم بالقوَّة القاهرة، ولكنَّهم يعملون بالشريعة التي وضعها لهم آباؤهم أكانوا في أدوم أو في بلاد العرب، في اليونان أو في بلاد فارس، في الشمال أو في الجنوب. ومن المعروف أنَّهم لا يفعلون ذلك بسبب البروج، لأنَّه يستحيل على كلِّ اليهود الذين يُختنون في اليوم الثامن أن يكون المرِّيخ مواليًا لهم بحيث يمرُّ الحديدُ عليهم فيسيل دمهم.

 

  1. »وفي البلد الذي يقيمون فيه هم لا يعبدون الأوثان، ويمتنعون عن العمل هم وأولادهم يومًا واحدًا في الأسبوع، فلا يقومون بسفَر في ذلك اليوم ويمتنعون عن الشراء والبيع. لا يذبحون حيوانًا في يوم السبت ولا يوقدون نارًا ولا يذهبون إلى القضاء. ومع ذلك لا يُوجَد واحد أمرَه القدر في يوم السبت أن يدخل في محاكمة فتبرأ ساحته أو يحكم عليه، أن يهدم أن يبني، أن يعمل شيئًا ممّا يعمله الناس الذين لا يأخذون بهذه الشريعة. ولهم أيضًا فرائض أخرى فلا تسير حياتهم كحياة سائر البشر وإن كانوا في هذا اليوم عينه يَلدون ويُولدون، يمرضون ويموتون، لأنَّ هذه الأمور لا تتعلَّق بسلطة البشر.

 

  1. »في سورية والرها اعتاد الرجال أن يُخصوا ذواتهم إكرامًا لترعتا، ولكن لمّا آمن الملك أبجر (بالله) أمر بقطع يد كلِّ إنسان يخصي نفسه. ومن ذلك اليوم لم يعد أحد يخصي نفسه في بلاد الرها.

 

  1. »وماذا نقول عن شعبنا المسيحيّ الجديد الذي أقامه المسيح حين جاء في كلِّ بلد وفي كلِّ ناحية. نحن كلُّنا، في كلِّ مكان، نسمَّى باسم المسيح الواحد الذين في غالية لا يتزوَّجون الذكور ولا الذين من بلاد الفرات يتزوَّجون بامرأتين، ولا الذين في اليهوديَّة يُختنون. وإخوتنا عند الجيليّين القوشان لا يضاجعون الأغراب، والذين يعيشون في بلاد فارس لا يتزوَّجون بناتهم. والذين يعيشون في ماداي لا يهربون من موتاهم ولا يدفنونهم وهم أحياء ولا يجعلونهم مأكلاً للكلاب. والذين يعيشون في الرها لا يقتلون نساءهم أو شقيقاتهم اللواتي أُخذن في زنى، بل يبتعدون عنهنَّ ويسلِّمونهنَّ لدينونة الله، والذين في حطرا لا يرجمون السارقين. ولكن في أيِّ مكان أقام (المسيحّيون) وفي أيِّ محلٍّ وُجدوا، تفصلهم شرائعُ البلدان عن شريعة مسيحهم، ولا يفرض عليهم قدر المدبِّرين أن يمارسوا ما يبدو لهم نجسًا.

 

  1. »غير أنَّ المرض والصحَّة والغنى والفقر، وكلُّها لا تتعلَّق بحرِّيَّتهم، تَعرض لهم في كلِّ مكان يقيمون فيه. وكما أنَّ حرِّيَّة الإنسان لا تخضع لضرورة (الكواكب) السبعة، وإن خضعت فهي تستطيع أن تقف بوجه مدبِّريها. كذلك لا يقدر هذا الإنسان المنظور أن ينجو بسرعة ممّا يأمره به مدبِّروه، فهو إذًا عبد ومستعبد. فإذا قدرنا أن نعمل كلَّ شيء فنحن كلَّ شيء، وإن لم نتوصَّل أن نعمل شيئًا صرنا آلة بيد الآخرين. وعندما يريد الله أن تكون كلُّ الممكنات بغير اختلال، فأيّ شيء يستطيع أن يقف بوجه إرادته الكبيرة والمقدَّسة. والذين يحسبون أنَّهم يستطيعون أن يقفوا بوجه (هذه الإرادة)، فهم يتصرَّفون لا انطلاقًا من قوَّتهم بل من شرِّهم وضلالهم. وهذا ممكنٌ لزمن قصير، لأنَّ (الله) صالح ويجيز للطبائع أن تكون قائمة في كيانها وأن تتدبَّر بحسب إرادتها. غير أنَّها تبقى أسيرة الأعمال التي تعملها والأفعال التي أُتقنت لمساعدتها. وهذا النظام والتدبير اللذان وُهبا ومُزج الواحد بالآخر، يخفِّفان من قوَّة الطبائع فلا تضرُّ إطلاقًا ولا يُصيبها ضررٌ كما أضرَّت ونالت الضرر قبل خلق العالم. وسيأتي وقتٌ تزول فيه إمكانيَّة الضرر القائمة عندها بسبب التعليم المؤسَّس على مزج واحد بآخر. وبقيام العالم الجديد، ستسكن كلُّ التحرُّكات الشرّيرة وتنتهي كلُّ التمرُّدات ويقتنع الجهّال ويعمُّ السلام والأمان بموهبة ربِّ كلِّ الطبائع«.

 

انتهى كتاب شرائع البلدان.

(*) ظهر هذا المقال في مجلة دراسات 22 (1987) ص 5-28.

(1) اغناطيوس افرام الأوَّل برصوم، اللؤلؤ المنثور في تاريخ العلوم والآداب السريانيَّة، حلب، 1956، (طبعة أولى، حمص، 1943)، ص 192، 238.

(2) الرها (أورفا اليوم في تركيّا وإديسا اليونانيَّة) مدينة في مقاطعة أسروينا. كانت مركزًا تجاريٌّا وثقافيٌّا هامٌّا. راجع ألبير أبونا، أدب اللغة الآراميَّة، بيروت، 1970، ص 29-30، راجع أيضًا:

R. JANIN, “Edesse”, dans Dictionnaire d’Histoire et de Géographie ecclésiastique (cité DHGE), vol. XIV (1960), col. 1420-1424 ; J. DAUVILLIER, « Edesse », ibid., col. 1424-1430; A. VAN ROEY, « L’école d’Édesse », ibid, col. 1430-1432. G. BARDY, « Edesse », in Catholicisme, 3 (1952), col 1331-1334; H, LECLERCQ, « Edesse », dans Dictionnaire d’Archéologie chrétienne et de liturgie, 6 (1914), col. 2055-2110; J. B. SEGAL, Edessa, the Blessed City, Oxford, 1960.

(3) للتعرُّف إلى حياة برديصان راجع أدب اللغة الآراميَّة، ص 58-64، راجع أيضًا:

G. BARDY, “Bardesane”, in DHGE, vol. 6 (1930), col. 765-767; in Catholicisme, I, (1948), col 1245-1246; F. NAU, Dictionnaire de Théologie Catholique (cité DTC), 12 (1932) col. 391-398; R. DUVAL, Anciennes littératures chrétiennes, II, la littérature syriaque, Paris, 1907, p. 235-240; I. ORTIZ DE URBINA, Patrologia Syriaca, Romae, 1965, p. 42-43; et surtout H.J.W. DRIJVERS, Bardaisan of Edessa, Assen, 1966;

(4) ولد مرقيون على شاطئ البحر الأسود وجاء إلى رومة سنة 140، وهناك أطلق تعليمه فلقي معارضة من السلطات الدينيَّة. راجع:

J. QUASTEN, Initiation aux Pères de l’Église (tr. J. Laporte), I, Paris, p. 305-310; E. G. BLACKMAN, Marcion and his Influence, London, 1948; J. KNOX, Marcion and the New Testament, Chicago, 1942.

(5) أخذت الغنوصيَّة عن الديانات الشرقيَّة الاعتقاد بثنائيَّة مطلقة: الله والعالم، النفس والجسد، وبنظريَّة أصل الخير وأصل الشرّ من مبدأين منفصلين. وأخذت نظريَّة الوسطاء بين الله والعالم عن الأفلاطونيَّة الحديثة كما سيفعل الفلاسفة العرب فيما بعد. راجع: J. QUASTEN, op. cit., p. 289-298; F. M. SAGNARD, La gnose valentinienne et le témoignage de saint Irénée, Paris, 1947; B. LEYTON, (éd.), The Rediscovery of Gnosticism, vol I, The School of Valentinius, Leiden, 1980

(6) R. DUVAL, Histoire d’Édesse, Paris, 1892, p. 115-116; EUSEBE DCÉSARÉE, Histoire Ecclesiastique, IV, 30, tr. G. Bardy, SC 31, Paris, 1968, p. 214-215.

(7) A. ABEL, “Daysaniyya” in Encyclopédie de l’Islam, II, 26, London, 1963, p. 199; G. BARDY, « Bardesanites », in DHGE, 6 (1930), col. 767-769; F. NAU, « Bardesanites », in DTC, 2 (1932), col. 398-401.

(8) يورد ابن النديم (سنة 1988) في كتاب الفهرست (ليبزيغ 1871-1872) ص 161 جدالاً بين تبّاع ماني وتبّاع برديصان حول طبيعة الظلام. وكتب ابن حزم (994-1064) عن الظلمة التي هي حيَّة عند ماني وميتة عند برديصان. راجع الفصل في الملل والأهواء والنحل، القاهرة، 1317ه/1898م، الجزء الأوَّل، ص 36: 3-6؛ راجع أيضًا المقدسي الذي يقول إنَّ النور بحسب برديصان هو خالق الخير وأنَّ الظلام هو خالق الشرّ، والشهرستانيّ الذي قال موردًا رأي برديصان : النور كائن حيّ وفاعل والظلمة كائن ميت لا يستطيع أن يفعل شيئًا أو يدرك شيئًا.

(9) راجع الدرّ المنثور، ص 205.

(10) W. CURETON, Spicilegium syriacum containing remains of Bardesane, Meliton Abrosie and Mara bar Serapion, ed. With English translation and notes,)London, 1855.

(11) F. NAU, Bardesanes, “Liber Legum Regionum cujus syriacum vocalium signis instruxit, latine vertit”, in: Patrologia Syriaca, pars prima, tomus secundus, col 536-611.

نشير هنا إلى المقدِّمة الطويلة (492-535) التي كتبها نو والحواشي التي وضعها المستشرق نولدكه.

(12) F. NAU, Bardesanes l’Astrologue, le Livre des Lois des Pays, texte syriaque et trad. Française, Paris, 1899.

(13) راجع أوسابيوس القيصريّ، التاريخ الكنسيّ، 4: 30؛ سوزومين، التاريخ الكنسيّ، 3: 16؛ تيودوريه، التاريخ الكنسيّ، 1: 22.

(14) اسمه في السريانيَّة »ܩܬܘܒܘ ܕܢܡܘܣܝ ܕܐܬܪܘܬܐܘ « أي كتاب نواميس الأماكن.

(15) راجع بولس الفغالي، »من أجل فكر مشرقيّ – برديصان الرهاويّ وحواره في القدر«، المسرَّة، 685-686، 1983، ص 62-82.

(16) »ܐܩܝܢ« أي اعطى كيانًا وطبعًا. الصيغة اللاحقة في المتكلِّم، ولكنَّنا جعلناها في صيغة الغائب.

(17) »ܣܟܠ « أي صنع جهلاً وحماقة. يرد هذا الفعل 15 مرَّة في صيغه المتعدِّدة في هذا النصّ.

(18) أهمِّيَّة طرح السؤال على الطريقة السقراطيَّة. أمّا المحاورون فهما عويدا وفيلبُّس كاتب هذا النصّ، وأمّا السامعون فسائر تلاميذ المعلِّم.

(19) لا شكَّ أنَّ هذا المقطع هو جواب برديصان وإن لم يشِر النصّ إلى ذلك. هنا يبدأ الحديث عن الطبيعة.

(20) ما أرادنا الله أن نكون آلة بين يديه، فوهبنا الحرِّيَّة. ترد كلمة » حيروت « في هذا النصّ 21 مرَّة.

(21) الإنسان سيِّد الخلائق واللّه كوَّنها لخدمة هذا الإنسان.

(22) »ܣܒܘ« أراد، ترد أربعين مرَّة، »ܣܒܝܘܢܘ« الإرادة ترد 11 مرَّة. إذًا موضوع حديثنا الإرادة والحرّيَّة
) الإنسان سيِّد الخلائق واللّه كوَّنها لخدمة هذا الإنسان.

 

(22) »صبو« أراد، ترد أربعين مرَّة، »وصبيونو« الإرادة ترد 11 مرَّة. إذًا موضوع حديثنا الإرادة والحرّيَّة.

 

(23) نجد هنا إشارة إلى ما ورد في سفر التكوين 6: 2. رأى بنو الله (أي الملائكة بحسب بعض الشرّاح) بنات الناس أنَّهنَّ حسنات فاتَّخذوا لهم نساء. نشير هنا إلى أنَّ أفرام السريانيّ يعتبر أنَّ بني الله هم أبناء شيت البارّ وبنات الناس هنَّ نسل قايين الشرّير: راجع تفسيره لسفر التكوين.

 

Sancti Ephraem Syri in Genesim et in Exodum commentarii, éd. R. M. TONNEAU, (CSCO 152-153), Louvain, 1955, vi, 1-3

 

(24) »شولطن نفشهون« أي سلطة على نفوسهم، سلطة ذاتيَّة.

 

(25) الإنسان حرّ ولكن سائر المخلوقات لم تعدم الحرّيَّة بل تتمتَّع ببعض الحرِّيَّة، ولهذا فهي تخضع للدينونة كالإنسان.

 

(26) هنا يتدخَّل فيلبُّس التلميذ الذي دوَّن كتاب شرائع البلدان.

 

(27) »اشكح« أي يستطيع. ترد هذه الكلمة 52 مرَّة في صيغ الفعل المتعدِّدة.

 

(28) الزؤان هم بنو الشرّير، راجع إنجيل متّى 13: 38.

 

(29) »سينوتو « أي الأمور البغيضة والسيِّئات وهي تقابل الأمور الخيِّرة.

 

(30) الناموس يدعو الحرِّيَّة، والإنسان وحده يتمتَّع بالحرِّيَّة الكاملة.

 

(31) »حلقو« أي القدر. ترد هذه الكلمة 31 مرَّة في النصّ. وأساس الفعل يعني: وزَّع الشيء على الناس وفرَّقه. وهنا يبدأ برديصان حديثَه عن القدر.

 

(32) »شلطني « أي المسلَّطون على ما يحدث لكلِّ إنسان ولا يكون مرتبطًا بالطبيعة. ويسمّيهم أيضًا »المدبِّرين« (مدبرني) وهو ما نجمِّله بكلمة القدر والقضاء. أمّا العناصر فهي الشمس والقمر والكواكب.

 

(33) المسيرة أي طريقة سير الكواكب التي تحدِّد مسيرة الإنسان وطالعه.

 

(34) هنا يورد الكاتب شرائع البلدان المتعدِّدة ليدلَّ على تفلُّت الحرِّيَّة من سلطة القدر. نذكر أنَّ هذا القسم من الكتيِّب أعطاه عنوانه كتاب شرائع البلدان.

 

(38) ها هي شريعة الفرس.

 

(39) الجيليّون يقيمون على الشاطئ الجنوبيّ الغربيّ لبحر قزوين.

 

(40) القوشان احتلُّوا بوحترات ودخلوا أرض الهند قبل أن يخضعهم قبائل الهون في القرن الخامس ب.م.

 

(41) الرقميون.

 

(42) حطرا Hatra. مدينة في الجزيرة على وادي ترتر.

 

(43) لا وجود لكلمة اليونان في نصِّ برديصان، ولكنَّنا نستنتج وجودها من أوسيب القيصريّ. ثمَّ إنَّ هناك ما يقارب عشرين كلمة حُكَّت في هذا المكان من المخطوط.

 

(44) هل يعني هذا العنوان الذي لا يوافق المضمون أنَّ الكاتب انتهى من المشرق وانتقل إلى المغرب؟ فهو سيتكلَّم عن الجرمان (أي الألمان اليوم) وأبناء غاليا (فرنسا اليوم) والبريطانيّين.

 

(45) البريطانيّون

 

(46) الفراتيون Parthes

 

(47) الأمازون هنَّ نساء محاربات أقمن في سقيته، شماليّ البحر الأسود.

 

(48) هنا نكتشف دور النجوم والكواكب.

كتاب شرائع البلدان لبرديصان ف4 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

برديصان الرهاوي ف3 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

برديصان الرهاوي ف3 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

برديصان الرهاوي ف3 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

 

 

القسم الثالث

برديصـــان الرهـاوي وشــرائــع البــلدان

 

برديصان. أو ابن نهر ديصان، موطنه الرها (أورفا الحالية في تركيا)، عاصمة مملكة أسرونيا بلغتها السريانية. بحسب المؤرخين وُلد في 11 تموز سنة 154. أخذ بالحضارة الهلنيّة ولكنه كتب في السريانية. اهتدى إلى المسيحيّة في شبابه فألّف بعض القصائد التي استلهمت إيمانه. غير أنه عُرف خصيصًا كمعلّم الفلسفة المسيحية. ضاعت آثارُه كلها تقريبًا، غير أن تلميذًا من تلاميذه عرف نهج معلّمه: فكتاب شرائع البلدان يبدو بشكل حوار بين المعلّم وتلاميذه في ردّ على الفكر الشرقي الذي استلهم العالم الكلداني القديم حول القدر. ونحن في هذا القسم نقرأ فصلين:

 

1- برديصان الرهاوي وحواره عن القدر

 

2- كتاب شرائع البلدان لبرديصان الرهاوي.

 

ونلاحظ ثانيًا أنَّ الشرَّ هو عمل كثُرت في هذه الآونة الأخيرة الكتُب المترجمة أو الموضوعة عن الفلسفة وما تفرَّع عنها من موادّ في علم النفس والإنسان والاجتماع، وبدأت تظهر، وإن بطريقة حيّية وخجلة، بعض الدراسات عن تاريخ الفلسفة منذ أفلاطون وأرسطو إلى العصر الوسيط فالحديث. تُرجمت آثار عن الغرب، ولكن ظلَّت آثار الشرق بأكثريَّتها مجهولة. فمَن لنا بطرح أفكار أبناء الشرق، من خلال آثارهم، لا من خلال ما كَتب لنا الغربُ عنهم؟ كيف نريد أن نبتكر فلسفة إن لم نغرز جذورنا في أساس تقليدنا الشرقيّ الذي عمره ثلاثة آلاف سنة أو أربعة قبل المسيح؟ وكيف نجابه الغرب ونحاوره إن كنّا لا نعرف تراثنا؟ أيكون المشرق وعاء فارغًا لا بدَّ من أن نملأه بما يأتينا من عالم الغرب؟ إنَّ عالم المشرق يزخر بالتيّارات الفكريَّة التي طبعتْ روحانيَّةَ أفلاطون واجتذبت إليها الرواقيَّة فكان إمامها زينون، الفينيقيّ الأصل، وأحد معلِّميها بوسيدون ابن أفامية (قلعة المضيق) في سورية. وكان لعالم الشرق تأثيره في القرون الوسطى بما انتقل عبر العربيَّة إلى اللاتينيَّة من طبّ ابن سينا وشروحات ابن رشد وعلم اجتماع ابن خلدون.

 

ونسأل: أين تأثيرنا اليوم؟ وهل يمكن أن يكون لنا دورٌ نلعبه في الفكر العالميّ إن بقيَتْ معرفتنا لتراثنا معرفة سطحيَّة لا تتعدَّى ما تعلَّمناه في سنوات البكالوريا؟ يا ليتنا نتعرَّف إلى نميسيوس الحمصيّ الذي كتب »عن طبيعة الإنسان« في بداية القرن الرابع المسيحيّ، ومكسيم الصوريّ الذي عاش في القرن الثاني المسيحيّ فسبق مفكِّرًا آخر من صور، اسمه بورفير (حوالي 234-300) كان له الفضل الكبير في إيصال فكر أفلوطين المصريّ إلينا عبر كتاب »التاسوعات«! ويا ليتنا تعرَّفنا إلى برديصان الرهاويّ، وتاتيان السوريّ، وأفرام السريانيّ الذي علَّم في نصيبين وأسَّس مدرسة الرها في القرن الرابع المسيحيّ! وكيف ننسى ماني ومرقيون، وكلَّ عالَم الغنوصيَّة الذي قدَّم مفاهيم جديدة للتيّارات الفكريَّة في المسيحيَّة والإسلام؟

 

لا شكَّ في أنَّ هؤلاء الكتّاب لم يتكلَّموا باللغة العربيَّة، بل دوِّنتُ آثارهم في لغات نحن نجهلها اليوم، في اليونانيَّة والسريانيَّة واللاتينيَّة وغيرها. ولكن متى كانت اللغة حاجزًا؟ إنَّ هي إلاَّ سبيل لإيصال الحقيقة إلى الإنسان. سبقنا العربُ في العصر العبّاسيّ وترجموا بعضها، وها هو تاريخنا يدعونا إلى نشرها ونقل ما لم يُترجم منها، فتصبح في متناول يدنا نصوصٌ ما زلنا نعيش منها في عمق لاوعْينا.

 

هذا هو هدفي من هذا المقال عن برديصان الرهاويّ.

 

1- من هو برديصان؟

 

عندما نشر البحّاثة الإنكليزيّ وليام كيورتون سنة 1855 كتابه آثار سريانيَّة ملتقطة(1)، ونقل محتوياته عن مخطوطة وجدها في المتحف البريطانيّ رقمها 14658، وهي من القرن السادس أو السابع. أخذ العلماء يبحثون عن وجه رجل حيَّر الناس في عصره وما زال يقسم الباحثين بشأن الأثر الوحيد الذي بقي لنا منه وهو كتاب شرائع البلدان أو حوار في القدر. وهذا الرجل اسمه برديصان.

 

قالوا عن هذا الكاتب الذي ترك لنا أوَّل أثر في السريانيَّة بعد ترجمة الكتاب المقدَّس، إنَّه كان مؤمنًا فأثَّر في ملك الرها ليدين بالنصرانيَّة. وقالوا عنه أيضًا إنَّه كان هرطوقيٌّا مبدعًا. وعرفنا من التواريخ متى وُلد ومتى مات، وكأنَّ حياته لا تزال محفوفة بالأساطير. وجعلوا منه رسول أرمينيا وأحد دعاتها إلى النصرانيَّة، كما أعطوه دورًا في مجيء البعثة الهنديَّة التي زارت إيلاجبلوس، حوالي سنة 220. وقالوا عند ذلك إنَّه ابن الفراتيّين، واعتبرته أرمينيا ابنًا لها بارٌّا، واستأثرت به الرها، عاصمة الأسروان، وكلٌّ يريد شرف القربى إليه(2).

 

وُلد برديصان في الرها أو في جوارها سنة 154ب.م.، فجاء اسمه يربطه بالنهر الذي يمرُّ بالمدينة فيجعلها جنَّة، أي نهر ديصان(3). اسم أبيه »نوحومو« واسم أمِّه »نحشيرام«، وما كانا، على ما يبدو، من السوريّين، بل جاءا إلى سورية من بلاد الفراتيّين في السنة الخامسة عشرة لملك شهروت بن فرس، ملك الفرس، أي سنة 455 يونانيَّة (144 مسيحيَّة).

 

كان برديصان صديقًا للملك أبجَر (179-216) التاسع الكبير ابن معنو الثامن، بعد أن كان رفيقه على مقاعد الدراسة، وكانت له مكانة سامية في القصر الملكيّ. وهناك لاقى يوليوس الأفريقيّ وعرف فيه أمهر الرامين بالسهام في بلاد الأسروين(4). وهكذا تتلمذ له أعظم شخصيّات العاصمة بفضل قوَّته وعلمه ومهارته.

 

لمّا كان الملك أبجر مولعًا بالعلوم والفنون، سُرَّ برديصان بأن يقضي في البلاط الملكيّ السنين الطوال ويقضي على طريقة الفراتيّين حياة هادئة بين تلاميذ يكنُّون له كلَّ احترام وتقدير. وفي ذلك الوقت حار أتباع مرقيون، وارتبطوا بعلاقة مع أبيركيوس الذي حارب هو أيضًا البدعة المرقيونيَّة(5)، كما أنَّه اطَّلع على الديانة المسيحيَّة مدفوعًا بعامل الحشريَّة الدينيَّة، وعلى تيّارات عصره الدينيَّة والفلسفيَّة، فكوَّن لنفسه نظامًا فكريٌّا. وقالوا فيه إنَّه أخذ بتعاليم ولنتنين الغنوصيّ قبل أن يهاجم الولنتيّين وينهي حياته كرئيس شيعة مستقلَّة.

 

وعندما احتلَّ الإمبراطور كركلاَّ (سنة 216 أو 217) مدينة الرها، قتلَ ملكَها وأخذ ابنَي الملك رهينة، وبدأت فترة من التضييق والاضطهاد على أبناء المدينة. وهذا أمر يذكره أوسيب القيصريّ(6). أمّا برديصان فكان يعشق الحرِّيَّة، ولهذا ترك الرها وذهب إلى أرمينيا، وهناك عاش متنقِّلاً من مدينة إلى أخرى. وكان له، خلال إقامته في البلاد، أن اتَّصل ببعثة هنديَّة(7) جاءت سنة 217 للقاء الملك إيلاجبلوس (217-222). أمّا وفاته فجاءت، على ما يبدو، سنة 222، عن عمر يناهز الثمانية والستّين(8).

 

2- تلامذة برديصان

 

ذكر مخائيل السريانيّ اسم اثنين من أبنائه هما أبجارون وحسدو، ولكنَّه لم يقل عنهما شيئًا. أمّا سوزومين، المؤرِّخ اليونانيّ في أواسط الجيل الخامس، فحدَّثنا في تاريخه الكنسيّ (3: 16) عن ابنه هرمون قائلاً إنَّه كان متضلِّعًا من اللغة اليونانيَّة وإنَّه كتب في لغته السريانيَّة الوطنيَّة أشعارًا ظلَّ الناس ينشدونها بعد موته(9). ولاحظ أفرام السريانيّ (306-373) أنَّ الناس ما زالوا يتذوَّقون أسلوبه الأنيق ولغته الموسيقيَّة، فيَضلّون بآرائه التي أخذها عن أبيه وعن فلاسفة اليونان، وفيها من المغالطات ما يخصُّ النفس وولادة الأجساد والتقمُّص.

 

لم يكن لتلامذة برديصان عبقريَّة معلِّمهم ليجمعوا شتات أفكارهم في وحدة منظَّمة، لذلك راحوا يتأثَّرون بالغنوصيَّة والمانويَّة فابتعدوا عن التعليم الأساسيّ. وعندما سيهاجم أفرام السريانيّ المبدعين، سيجمع ماني ومرقيون وبرديصان معًا بعد أن تقاربت أفكارهم(10).

 

في عهد ربولا الرهاويّ(11) الذي توفِّي سنة 435، لاحقت السلطة البرديصانيّين واضطهدتهم مع من اضطهدت من اليهود والوثنيّين، وهدفها اقتلاع بذور الوثنيَّة من البلاد، إذ لم تكن ترى علاقة لعلم التنجيم الفارسيّ بالإيمان المسيحيّ. وهكذا تقوَّض تنظيم البرديصانيّين وهُدمت أماكنُ اجتماعاتهم فاهتدى عدد كبير منهم إلى الأرثوذكسيَّة بينما التحق قسم آخر بالمانويَّة دون أن يذوب فيها.

 

سيَذكر يعقوبُ الرهاويّ (633-708) أنَّه لاقى برديصانيّين في عصره(12)، ولكنَّه لا يقول هل كانوا أفرادًا أو جماعات. وسيذكر كتاب الفهرست الموضوع في نهاية القرن العاشر فيقول إن الشيعة البرديصانيَّة ما زالت موجودة في البصرة(13). ونعرف من ذيول الكتب العديدة أنَّ أتباع برديصان لعبوا دورًا كبيرًا في نقل علم اليونان والفرس إلى العرب، فحافظوا على الخطِّ الذي رسمه لهم معلِّمهم ووجَّهوا الفكر شطر العلوم والفلسفة، مبتعدين عن التيّار الأفراميّ الذي رفض فلسفة اليونان ودعا تلامذته ليعودوا إلى التأمُّل في الكتاب المقدَّس، ولو سلخهم هذا التأمُّلُ عن العالم الذي يعيشون فيه.

 

3- مؤلَّفات برديصان

 

يبدو أنَّ برديصان ألَّف في السريانيَّة كتبًا عديدة ترجمها فيما بعد تلامذتُه إلى اليونانيَّة. ويورد أوسابيوس، أسقف قيصريَّة فلسطين، في كتابه التاريخ الكنسيّ (الجزء الرابع 30: 1) أنَّ برديصان ألَّف 150 نشيدًا على غرار أناشيد الملك داود (أي المزامير)، وأكَّد أفرام السريانيّ كلام أوسابيوس؛ إلاَّ أنَّه لم يصل إلينا من هذه الأناشيد إلاَّ بضع شذرات.

 

ويذكر هيبوليت في ردِّه على كلِّ الهرطقات(14) أنَّ برديصان ألَّف حوارات عديدة يهاجم فيها المرقيّونيّين، ويشير أوسابيوس إلى أنَّه كتب مقالات للدفاع عن المسيحيّين المضطهدين في عهد الإمبراطور كركلاّ، ويلمِّح الأسقف جورج العربيّ إلى كتاب عن الأسترولوجيا أو علم التنجيم. أمّا كتاب الفهرست(15) فيورد أسماء ثلاثة كتب لبرديصان هي كتاب النور والظلمة، وكتاب روحانيَّة الحقّ، وكتاب المتحرِّك والجماد. وينهي كلامه بقوله: »وله كتب كثيرة، ولرؤساء المذهب في ذلك أيضًا كتب كثيرة لم تصل إلينا«.

 

ونسب الباحثون إلى برديصان كتبًا كثيرة في الأدب القديم، منها موشَّحات سليمان(16) التي دُوِّنت في القسم الأوَّل من القرن الثاني، وأعمال توما(17) التي كُتبت في السريانيَّة في بداية القرن الثالث، ودفاع مليتون السرديسيّ(18) المكتوب على عهد الإمبراطور كركلاّ. هذه الكتب الثلاثة وُضعت في عصر برديصان الرهاويّ وفي محيطه الجغرافيّ، فتأثَّر بها أو تأثَّرت به. ونستنتج أنَّه إنّ نُسب إلى هذا المفكّر العديد من الكتب، فهذا يدلُّ على المكانة الفريدة التي احتلَّها في عصره بفضل سعة علومه وكثرة اطِّلاعه في الرها، في تلك المدينة الواقعة على الحدود بين المملكة الرومانيَّة ومملكة الفراتيّين والمؤلَّفة نقطة التقارب بين الثقافة الهلِّينيَّة الآتية من الغرب وثقافة بلاد الرافدين المتأثِّرة بالعالم الفارسيّ.

 

أمّا المؤلَّف الذي اشتهر به برديصان ووردت بعض نصوصه في كتب اليونان، فهو »كتاب شرائع البلدان« أو »حوار في القدر«(19). ذكره أبيفان ثمَّ أوسابيوس(20) الذي أقحم بعضًا من نصوصه في كتابه التهيئة الإنجيليَّة (6: 9)، وأورد بسودو كليمان مقاطعَ عنه في كتب الاستطلاع (9: 19-29).

 

هذا المؤلَّف هو حوار بين برديصان والمدعوّ »عويدا« الذي يريد أن يقتنع قبل أن يؤمن. حضر هذا الحوار تلامذةُ برديصان وكتب أحدُهم، وهو فيلبُّس، ما تفوَّه به المعلِّم من آراء.

 

يعتبر برديصان أنَّ الإنسان يخضع لعوامل ثلاثة هي الطبيعة والقدر والإرادة. الإرادة هي حرَّة. والقدر يمثِّل السلطان الذي أعطاه الله الواحد والخالق للكواكب لكي تؤثِّر في ظروف حياة الإنسان منذ ساعة ولادته. أمّا الطبيعة فهي خاضعة لشرائع لا تتبدَّل، والإنسان، وهو جزء من الطبيعة، يتأثَّر بهذه الشرائع ويخضع في بعض جوانب حياته لقدرة الكواكب، غير أنَّه يتمتَّع بحرِّيَّةٍ تسمح له بأن يفعل الخير والشرّ.

 

يبرهن برديصان أنَّ الإنسان خاضع للطبيعة في ما يتعلَّق بوظائفه الحياتيَّة البدائيَّة. أمّا أحداث حياته فتقع تحت حتميَّة القدر الذي يتجسَّم في الكواكب والنجوم. وخارجًا عن ذلك فالإنسان حرّ أن يفعل ما هو قويم وأن يمتنع عن كلِّ سوء.

 

إذًا، هناك حدٌّ يقف عنده سلطانُ القدر المطلق وهو حرِّيَّة الإنسان. والبرهان على ذلك وجود الشرائع والنواميس المتعدِّدة التي يخضع لها الإنسان فلا تُبدَّل أو تَنسَخ. وطالعُ الإنسان لا تأثير له في الأعمال التي يقوم بها طوال حياته، لأنَّ شرائع الإنسان أقوى من القدر. ويأتي برديصان، داخل هذا العرض، بمجموعة من المعطيات التي نجدها في الأجناس والعروق البشريَّة. تحدَّث برديصان عن الحرِّيَّة والقدر فسُمّي كتابه حوار في القدر، وأورد شرائع البلدان فسُمّي كتاب شرائع البلدان.

 

4- نظرة برديصان إلى الإنسان في الكون

 

ننطلق من كتاب شرائع البلدان لنرسم الخطوط العريضة لنظرة برديصان إلى الإنسان في الكون.

 

نقطة الانطلاق

 

يبدأ الكتاب بسؤال يطرحه عويدا: »إن كان الله واحدًا، كما تقولون، وإن كان كوَّن البشر فأراد بذلك أن تفعلوا ما يأمركم به، فلماذا لم يخلق البشر بحيث لا يستطيعون أن يأثموا، بل يحسنون دائمًا في ما يفعلون؟«(21)

 

هذا السؤال، سعى تلامذة برديصان إلى الإجابة عنه فما أقنعوا عويدا، واكتفوا بالقول: »آمنْ لكي تستطيع أن تعرف كلَّ شيء«. غير أنَّ عويدا رفض هذا المنطق وأجابهم: »لا أستطيع أن أؤمن إلاَّ إذا اقتنعت«(22).

 

وهكذا ينطلق الحوار بين برديصان وعويدا بحضور فيلبّس. أخذ برديصان بطريقة سقراط فسأل عويدا: »قل لي، يا ابني عويدا، ما هو رأيك: أليس إله الكلِّ واحدًا؟ أم لا يريد، وهو الواحد، أن يسير البشرُ سيرةً بارَّة ومستقيمة؟«

 

هذا السؤال يجعلنا نعتبر مع برديصان أنَّ الله واحد هو، وهذا ما يجعله يتعارض والغنوصيَّة التي عرفها برديصان عبر مرقيون، والتي كانت تقول بوجود إله الشرِّ في وجه إله الخير لتحلَّ مشكلة الخير والشرِّ في الإنسان(23).

 

ينظر برديصان إلى الإنسان نظرة مثاليَّة: إنَّه يعيش بطريقة بارَّة أو بحسب الطبيعة(24)، وهذا ما يجعلنا نستشفُّ تأثير الرواقيّين في كتاب شرائع البلدان، وهم الذين نادوا بالعيش بحسب الطبيعة. بالإضافة إلى ذلك، نحن لسنا أمام خلاص يتمُّ بخروجنا من العالم، بل يقوم بحياة داخل العالم. هنا نلتقي أيضًا والرواقيّين الذين يريدون للإنسان أن ينخرط في الحياة السياسيَّة والاجتماعيَّة. فإبيكتات كان يعتبر أنَّ تعليمه يهيّئ تلاميذه للوظائف العامَّة، وكان يندِّد بالشبّان الذين يطيلون المكوث على مقاعد الدراسة، ويقول إنَّ حياة الإنسان العاديَّة هو حياته كزوج وكمواطن وكصاحب منصب في الدولة(25).

 

ونلاحظ كلامًا يقابل القول المأثور: \\\’أؤمن لكي أفهم، وأفهم لكي أؤمنب. غير أنَّ برديصان لا يفصل بين العلم والإيمان، ويعتبر أنَّ اللامؤمن فريسة الخوف ولا يعرف شيئًا معرفة أكيدة. فحالته ترسم صورة قاتمة عن الذين لم تصل إلى قلبهم نعمة الإيمان(26).

 

ب- الحرّيَّــة

 

بعد هذه المقدِّمة يدخل برديصان في صلب الموضوع، ويطرح على بساط البحث مشكلة الحرِّيَّة. يقول أوَّلاً إنَّ الله لم يخلق الإنسان كأداة تتصرف من دون فهم، بل خلقه حرٌّا، على خلاف الخلائق التي هي خاضعة لشريعة ثابتة: فالشمس والقمر والبحر والأرض هي في يد الله وهو يحرِّكها كما يشاء. ويقول ثانيًا إنَّ الله أعطى الإنسان الحرِّيَّة والإرادة، فرفعه على سائر المخلوقات وساواه بالملائكة. أجل، إنَّ الإنسان المخلوق على صورة الله يتصرَّف بحرِّيَّة ويأمر الأشياء المخلوقة، ويفعل ما يشاء أو يمتنع عن عمل يريد الامتناع عنه. هنا لا ينظر برديصان إلى الحرِّيَّة على أنَّها ما يكوِّن جوهر الإنسان، بل ينظر إليها في ممارستها: إنَّها إمكان العمل أو الامتناع عن العمل؛ إنَّها إمكان اتِّخاذ القرار المناسب. والنتيجة هي: من يستطيع أن يفعل الخير يستطيع أن يفعل الشرّ، ومن لم يكن في مقدوره أن يفعل الشرّ ليس في وسعه أن يفعل الخير. إنَّ حرِّيَّة الاختيار والأرادة سيف ذو حدَّين.

 

يجعل برديصان الخلائق خاضعة للإنسان، إلاَّ أنَّه لا ينفي كلَّ حرِّيَّة عن تلك التي نسمِّيها اليوم خلائق جامدة. فالشمس والقمر والكواكب ليست محرومة كلَّ الحرمان من الحرِّيَّة. وإذا كان ما يدلُّ على حرِّيَّة الإنسان هو أنَّه سيمثُل أمام الله الديّان، فهذه الخلائق ستمثُل هي أيضًا إلى القضاء في اليوم الأخير لأنَّها تتمتَّع ببعض الحرِّيَّة. حينئذٍ يسأل فيلبُّس برديصان: »كيف ستُدان المخلوقاتُ التي هي خاضعة لحتميَّة النظام؟« إنَّ العناصر ستُدان لا في ما هي فيه مقيَّدة، بل في ما هي فيه متمتِّعة بالحرِّيَّة. فالكائنات لا تُحرَم من كيانها عندما تكوَّن، إنَّما تتناقص قوَّتها عندما يمتزج الواحد بالآخر فتخضع لقدرة خالقها. إذًا، هي لا تُدان في الأمور التي تكون فيها خاضعة للحتميَّة، بل في تلك التي هي خاصَّة بها(27).

 

ويستنتج برديصان: الشمس والقمر والكواكب والأرض هي حرَّة، وهي أيضًا خاضعة لحتميَّة شريعة ثابتة. وبما أنَّها تتمتَّع بالحرِّيَّة، وإن جزئيَّة، فهي تخضع لدينونة الله في آخر الزمان، لأنَّه حيث لا حرِّيَّة فهناك لا ثواب ولا عقاب. وبما أنَّ الحرِّيَّة هي جوهر الكائنات كلِّها فكلُّ كائن له ذرَّة من الحرِّيَّة، أو بالحريّ العناصر الأربعة الأولى التي عرفتها الفلسفة، وهي النار، أو النور، والريح والماء والأرض، وهذه العناصر تبقى حرَّة ما زالت واحدة موحَّدة في البساطة، وهي تخسر القليل أو الكثير من حرِّيَّتها عندما يمتزج بعضها ببعض.

 

نجد هنا تفسيرًا لوجود الشرِّ في العالم كما عرفته الفلسفات الشرقيَّة: الشرُّ في التركيب والتمازج والكثرة، لأنَّه حيث تكون الكثرة يدخل العدوُّ الذي هو عالم الظلمة، دون أن يدري به أحد، وعندما يدخل إلى الكون لن يستطيع الكون أن يتخلَّص منه دون صلاة إلى الله الذي يرسل إليه المخلِّص.

 

ولكن داخل هذه النظرة إلى الكون يبقى الإنسان فريدًا من نوعه، لأنَّ حرِّيَّته تختلف عن حرِّيَّة سائر الكائنات. فحرِّيَّة الكائنات حرِّيَّة أصليَّة كانت لها عندما تكوَّنت، ثمَّ خسرت قسمًا كبيرًا منها عندما تمَّت عمليَّة المزج في العالم. أمّا حرِّيَّة الإنسان فهي حرِّيَّة الإرادة التي تجعل الإنسان فوق العوالم وتساعده على أن يفعل الخير والشرَّ كيفما أراد.

 

غير أنَّ عويدا لم يقتنع بأنَّ للإنسان إرادة حرَّة، واعتبر أنَّ الوصايا هي من الثقل بحيث يعجز الإنسان عن حملها والعمل بها. فيجيب برديصان مشدِّدًا على قوى الإنسان الجسديَّة، بل على قواه الروحيَّة التي هي قوَّة النفس. قال:

 

»أنت تجيب جواب من لا يريد أن يحسن في عمله، وجواب من يسمع لعدوِّه فيخضع له. إنَّ البشر لم يؤمروا إلاَّ بفعل ما يستطيعون فعله. والحال أنَّ هناك وصيَّتين وُضعتا أمامنا وهما تجمِّلان الحرِّيَّة وتزيِّنانها، واحدة تدفعنا إلى أن نتفرَّق عن كلِّ ما هو شرّ وعن كلِّ ما لا نريده أن يكون لنا، وثانية تدفعنا إلى أن نعمل ما هو صالح وما نحبُّ وما نرغب في أن يكون لنا. فأيُّ إنسان هو أضعف من أن يمتنع عن السرقة والكذب، وعن الفجور والزنى، وعن البغض والغشّ«؟

 

كلُّ هذه الأعمال خاضعة لروح(28) الإنسان. ليست تحت سلطة جسده، بل هو يفعلها بإرادة نفسه. وإن يكن الإنسان فقيرًا ومريضًا وشيخًا، وفاسدًا في عضو من أعضائه، فهو يستطيع أن يمتنع عن كلِّ هذه الأعمال. وكما يستطيع أن يمتنع عنها، يستطيع كذلك أن يحبَّ الآخرين ويدعو لهم بالبركة ويقول الحقَّ ويصلّي طالبًا الخير لكلِّ معارفه(29).

ج- الطبيعـة

 

عندما اعترض عويدا على أنَّ الإنسان يستطيع أن يتجنَّب الشرَّ دون أن يعمل الخير، أدخل برديصان فكرته عن طبيعة الإنسان فقال إنَّ الخير يرتبط بطبيعة الإنسان الحقَّة، لا بتلك التي تشوَّهت بفعل امتزاجها بالعالم. قال:

 

»إنَّه لأسهل علينا أن نعمل الخير من أن نتحفَّظ من الشرّ. فالخير خاصّ بالإنسان، ولأجل ذلك نراه يفرح عندما يصنع خيرًا. أمّا الشرُّ فهو عمل خاصٌّ بالعدوّ، ولهذا عندما يصنع الإنسان أعمالاً منحرفة يكون مضطربًا ولا يكون صحيحًا في كيانه«(30).

 

نلاحظ أوَّلاً أنَّ برديصان يفرِّق بين الطبع (فوسيس في السريانيَّة) والكيان والطبيعة (كينو في السريانيَّة). فكلمة الطبع تستعمَل دومًا في معنى عامّ، فيما كلمة الكيان تُستعمَل في معنى خاصّ. فالحيوانُ طبعٌ والإنسان طبع والنبات طبع، غير أنَّ طبيعة الإنسان هي غير طبيعة الحيوان، وهي ليست بمحصورة في وظائف نباتيَّة. الجسم خاضع للطبيعة، ولكن مع ذلك هناك مكان لأمور الروح، وحقل يكون فيه الإنسان حرٌّا، لأنَّ الحرِّيَّة مرتبطة بروح الإنسان.

 

إنَّ الإنسان يستطيع أن يوجِّه حياته بحرِّيَّة كاملة داخل إمكاناته التي يحدِّدها كيانه. يستطيع أن يأكل اللحم أو لا، أن يضاجع امرأة أو أن يعيش حياة عفيفة. نجد أناسًا يُشبهون الأسود المفترسة شراسة، ونجد غيرهم لا يؤذون نملة. بالإضافة إلى ذلك يستطيع الإنسان أن يغيِّر سلوكه فينتقل من الخير إلى الشرّ، والعكس بالعكس.

 

انطلاقًا من هذه الظواهر نستنتج أنَّ الإنسان لا يخطأ بسبب هذا الكيان الذي يشارك فيه كلُّ إنسان، وإن اختلف الإنسان عن الآخر. فالذين يعتبرون أنَّ الإنسان يخطأ بسبب كيانه أو طبيعته، يحمِّلون الربَّ مسؤوليَّة خطيئتهم لكي يبرِّئوا نفوسهم منها. إنَّهم لا يفهمون أنَّ الشريعة لا تطبَّق على الطبيعة، لأنَّ الإنسان وحده يعاقَب أو يبرَّر بسبب ما يفعله بإرادة حرَّة. إنَّ الشريعة لا تطبَّق إلاَّ على الحرِّيَّة(31).

 

العدوّ الذي يجرح طبيعة الإنسان الحقَّة، إذ بهذه الطبيعة (أو الكيان) يرتبط عمل ما هو قويم. مُزجت العناصر وهجم الظلام عليها فامتزج بها. لهذا يُلام الظلام على ما فعل عندما أدخل الشرَّ إلى العالم. أجل، إنَّ الظلام هو بصورة خاصَّة عنصر شرٍّ في العالم وعدوُّ سائر الكائنات، وهو يصيب الإنسان فيصبح مهيَّأ لعمل الشرّ. إنَّ الإنسان الذي يسير باستقامة يتمتَّع براحة ضمير تدوم فيه كلَّ أيّام حياته، وهو يعرف سلامًا يشبه السلام الذي عرفته الكائنات قبل أن يضع فيها الظلام بلبلته وفتنته.

 

ويعترض عويدا على كلام برديصان ويعتبر أنَّ الإنسان يخطأ بطبيعته، أي بسبب تركيبه الطبيعيّ. فكما أنَّ الأسد، وكلّ أسد، يأكل اللحم بسبب تركيبه الطبيعيّ، وكما أنَّ النعجة، وكلّ نعجة، تأكل العشب بسبب تركيبها الطبيعيّ، وكما أنَّ النحلة تجمع العسل، والنملة تخزن الحبَّ في الصيف لأيّام الشتاء، وكما أنَّ العقرب، وكلَّ عقرب، تجرح من يقترب منها بسبب تركيبها الطبيعيّ، كذلك يُولَد الإنسان وينمو ويُنجب أولادًا ويشيخ، ويأكل ويشرب وينام ويستيقظ، وأخيرًا يموت(32). هذه الأمور الخاصَّة بالإنسان يشارك فيها الحيوان: فطبيعة الحيوان هي مجموع أعماله الغرائزيَّة، وأعمالُ الإنسان هي تعبيرٌ عن طبيعته. ومجموعةُ هذه الطبائع المتنوِّعة هي عملُ الطبع الذي يعمل كلَّ شيء ويخلق كلَّ شيء ويحقِّق كلَّ شي بحسب الأمر المعطى له.

 

د- القدَر(33)

 

وطرح عويدا وفيلبُّس سؤالاً قالا فيه إنَّ الناس ينقادون بحسب ما يقضي لهم القدَر ويفرض عليهم من أعمال، وهكذا تنتفي حرِّيَّتهم وتتأثَّر طبيعتهم فتميل عن الخطِّ الذي حدَّده الله لها. قال برديصان مجيبًا:

 

»وأنا أيضًا، يا فيلبُّس وبَريَمو، أعرف أنَّ هناك أناسًا يسمَّون الكلدانيّين، وأعرف آخرين غيرهم كان فنُّ التنجيم محبَّبًا إليهم كما كان يومًا من الأيّام محبَّبًا إليّ. وقلتُ في مكان آخر إنَّ نفس الإنسان تتوق إلى معرفة ما لا يعرفه كثيرون غيرها. وهؤلاء الكلدانيّون يتوهَّمون أنَّهم يقدرون أن يحصلوا على ذلك. وكلُّ ما يفعلونه من خطأ أو صلاة، وكلُّ ما يحصل لهم من أمور في الغنى والفقر والمرض والصحَّة وفساد الجسد، إنَّ هو إلاَّ من صُنْع الكواكب المسمّاة سبعة«(34).

 

نلاحظ أوَّلاً اسم »بَريَمو« الذي يعني ابن اليمّ والبحر، وهو لقب لمرقيون الذي وُلد على شاطئ البحر الأسود فلقِّب بابن اليمّ كما لقِّب برديصان بابن ديصان، نهر مدينة الرها.

 

ونلاحظ ثانيًا أنَّ فنَّ الكلدانيّين هو فنُّ التنجيم وأنَّه تركه الآن. هذا الفنُّ الذي بدأ منذ التاريخ القديم مع السومريّين والأكاديّين والبابليّين قبل أن ينتقل إلى اليونان والرومان، لم يسلم منه أيُّ مفكِّر في الشرق أكان برديصان أم ماني أم بوسيدون أم بطليموس، دون أن نستطيع التمييز بين ما هو علم الفلك (الأسترونوميا) وما هو فنّ التنجيم (الأسترولوجيا)، بين ما هو توقُّع وتبصُّر مبنيٌّ على أُسس علميَّة وحسابيَّة، وما هو تنبُّؤ وتكهُّن يرتبط بعلم المعرفة وأساليبها المطبوعة بالسرّيَّة.

 

اتَّسم في هذا المجال فكرُ برديصان بعناصر أسترولوجيَّة وعناصر مأخوذة من الفكر المسيحيّ، وامتزج التيّاران في ما كُتب بحيث لا نستطيع أن نفصل الواحد عن الآخر. وهذا التمازج بين الأسترولوجيا والفلسفة سبق الرواقيّون وعرفوه فنظَّموا فلسفة كاملة عن الحياة والكون. كلُّ هذا عرفه برديصان، ولمّا جاء إلى المسيحيَّة مدفوعًا بنزعة فضوليَّة، دمج فلسفتَه القديمة بعناصر معرفته الجديدة.

 

ذكرنا في ما سبق شروحًا عن أمور تقع خارج إرادة الإنسان، الغنى والفقر، المرض والصحَّة، العيب في الجسم، وهذه يسبِّبها القدر المتجسِّد في الكواكب. يقول برديصان:

 

»بالنسبة إليَّ، يبدو لي، بحسب ضعفي، أنَّ هذه البدع الثلاث التي ذكرناها، فيها من الصحَّة وفيها من الخطأ. هي صحيحة لأنَّ الناس يتكلَّمون بحسب الشبه الذي يتراءى لهم، وهم يرون الأمور كما تعرض لهم. وهي خاطئة لأنَّ حكمة الله أقامت العوالم وخلقت البشر ورتَّبت المدبِّرين ووهبت للخلائق والعناصر والبشر والحيوانات، وكلُّ هذه الطغمات التي تكلَّمت عليها لم يُعطَ لها أن تتسلَّط على كلِّ شيء. فالمسلَّط على كلِّ شيء هو واحد، أمّا الباقون فهم مسلَّطون على شيء وغير مسلَّطين على شيء آخر، كما قلت، لتظهر نعمة الله في الذين أعطيَ لهم سلطان والذين لم يعطَ لهم سلطان«(35).

 

إنَّنا نجد أنَّ كلَّ سلطة في الكون ترجع في النهاية إلى الله، وأنَّ الله يفوِّض سلطته بالتسلسل، فيكون لبعض الخلائق سلطان على البعض الآخر. هذه السلطة تنحدر من أعلى إلى أسفل، وتبقى هكذا سلطة الله هي التي تعمُّ الكون بطريقة مباشرة أو غير مباشرة عبر ما تعطيه لبعض الخلائق من سلطان. أجل، إنَّ كلمة الله بسلطتها الخلاّقة قسمت هذه السلطة، ولكن داخل حدود. وهذا يعني أنَّ عناصر الكون، ومنها الإنسان، هي حرَّة من جهة وغير حرَّة من جهة ثانية، لها سلطان على أشياء وليس لها على غيرها. إنَّ امتلاك السلطة هو نتيجة الحرِّيَّة الآتية من الله.

 

قرأنا في النصِّ الذي أوردناه كلمتين لهما مدلولهما في عالم فنِّ التنجيم: المتسلِّط (شليطفو في السريانيَّة) والمدبِّر (مدبرنو في السريانيَّة). يستعمل الكاتب الكلمتين بصيغة الجمع ليدلَّ على الكواكب التي تتمتَّع بسلطان على عالم الأرض، وعلى النجوم التي بظهورها ومكانتها في السماء تدبِّر حياة البشر وتسوسهم وترشدهم وتنير لهم الطريق. أمّا السبعة فهي الكواكب الخمسة مع الشمس والقمر. وأمّا العناصر فهي الأرض والبحار. إنَّ سلطة الكواكب والقدَر تبدأ حيث تنتهي سلطة الإنسان ومدى حرِّيَّته.

 

هنا يبيِّن برديصان كيف أنَّ القدَر الذي يمثِّل سلطة أبراج السماء على الأرض، يدبِّر أمور الإنسان في مجال لا سلطة للإنسان عليه. نودُّ كلُّنا أن نتمتَّع بالغنى والصحَّة والسلطة، ولكنَّ الغنى والصحَّة والسلطة ليست ملك الجميع، إنَّ هي إلاَّ مُلك الأقلِّيَّة الضئيلة. أولادُنا يُفرحوننا أو يؤلموننا، بعضنا يحصل على أكثر ممّا يتمنّى ويحصل بعضنا الآخر على ما لا يريد، تصيبنا الأحداث فنقبلها أو لا نقبل، ومن الواضح أنَّ لا سلطة لنا عليها. هذا هو حظُّنا من القدَر، ويُنهي برديصان كلامه فيقابل بين القدَر والطبيعة وبين دور كلٍّ منهما فيقول:

 

»نتكلَّم الآن فنعطي برهانًا على القدَر: ليس له سلطان على كلِّ شيء، لأنَّه، وهو المدعوُّ قدرًا، ليس إلاَّ ترتيب المسيرة التي وهبها الله للمسلَّطين (أي الكواكب والشمس والقمر) والعناصر (أي الأرض والبحر). وبحسب هذه المسيرة وهذا النظام، تتغيَّر الأرواح من حالة إلى أخرى بانحدارها إلى النفس، وتتغيَّر الأنفس من حالة إلى أخرى بانحدارها إلى الأجساد. وهذا التغيُّر هو ما يسمَّى القدَر والطالع(36). إنَّ هذا التجمُّع يُغربَل ليكون في عون من ساعده الله وسوف يساعده بحنانه ونعمته إلى نهاية كلِّ شيء. ينقاد الجسد بحسب الطبيعة، بينما تتألَّم النفس وتشعر معه، غير أنَّ القدَر لا يضايق الجسد ولا يعينه في كلِّ أمر فرد يقوم به. فالرجل لا يكون أبًا قبل الخامسة عشرة من عمره، ولا تكون الإمرأة أمٌّا قبل الثالثة عشرة. وكما أنَّ لبداية الإنجاب ناموسًا، كذلك لنهاية الإنجاب في الشيخوخة ناموس، فتُحرم النساء من الحبَل ويخسر الرجال قوَّة الإنجاب الطبيعيَّة… ولا يستطيع القدَر أن يعطيهم أولادًا في وقت لم يعد للجسد فيه قدرة طبيعيَّة على الإنجاب، كما لا يستطيع القدَر أن يحفظ جسد الإنسان من الموت إن هو لم يأكل ولم يشرب، ولا يستطيع أن يجعله لا يموت إن هو أكل أو شرب. هذه الأمور وكثير غيرها هي خاصَّة الطبيعة.

 

»ولكن عندما تكتمل الأزمنة وأنواع الطبيعة، حينئذٍ يأتي القدَر… فيساعد الطبيعة مرَّة… ويحرمها مساعدته مرَّة أخرى…«(37).

 

بالنسبة إلى الطبيعة، كلُّ البشر ينقادون بالتساوي؛ أمّا بالنسبة إلى القدَر فبطريقة مختلفة؛ وأمّا بحرِّيَّتنا فكما يريد كلُّ واحد منّا. فالطبيعة تقف عند مستوى وظائف الحياة النباتيَّة، والقدَر على مستوى الأحداث الخارجة عن سلطتنا، والحرِّيَّة عند مستوى الآداب والأخلاق حيث الشرائع والنواميس تعلِّم الإنسان أن يكون سيِّد نفسه.

 

من الضروريّ أن نبيِّن أن ليس للقدَر سلطان على كلِّ شيء، فهو ليس إلاَّ نظامًا لمسيرة الكون كما حدَّدها الله، وهو هنا ليساعد مَن يريد المساعدة. فالقدَر وضعه الله وجعله مسيرة ثابتة ترسمها الكواكب في كلِّ الفلك. ولهذا فكلُّ قوَّته تأتيه من الله، وهي تؤهِّله ليؤثِّر على الأرواح والأنفس النازلة عبر دائرة (أو حلقة. راجع الكلمة السريانيَّة »حلقو« التي تعني القدَر) الكواكب المختلفة إلى جسم الإنسان. عندما تنزل روح الإنسان ونفسه إلى جسمه في وقت الولادة، تحدِّد مجموعة أفلاك السماء حينئذٍ مصير حياته في ما بعد: أيكون غنيٌّا أم فقيرًا؟ أيكون له المرض أم الصحَّة؟

 

هـ – الإنسان

 

انطلاقًا من كلِّ ما قلناه، يمكننا أن ننظر إلى الإنسان كما يتصوَّره برديصان. الإنسان مركَّب من الروح والنفس والجسد. لا يستعمل برديصان كلمة »روحو« السريانيَّة ليعبِّر عن عنصر الروح، مع أنَّ الكلمة مشتركة بين اللغات الساميَّة (ونقرأها في الكتب المقدَّسة). والسبب في ذلك هو، ولا شكَّ، أنَّ كلمة »روحو« السريانيَّة تعني الروح والريح، والريح هي أحد العناصر الأربعة الأولى، التي هي من عالم الأرض، بينما روح الإنسان هي من عالم السماء. فهو إذًا يستعمل كلمة »مدعوّ«(38) التي تدلُّ على العِلم والمعرفة والعقل، وهذا ما يجعلنا قريبين من التيّار الغنوصيّ الذي يجعل خلاص الإنسان في العِلم والمعرفة(39). أمّا النفس فهي صلة الوصل بين عالم الأرض وعالم السماء. فإذا كانت الروح تعرف الأمور تكون أداة الإحساس والإدراك البشريّ. وهكذا نستطيع القول، في خطِّ فكر برديصان، إنَّ الروح هي عالم الحرِّيَّة، والنفس عالم القدَر، والجسد هو عالم الطبيعة.

 

إنَّ هذه الثلاثيَّة التي نقرأها في برديصان تلتقي وما نعرفه عن ثلاثيَّة اليونان (Trichonomie). فكلمة nouV اليونانيَّة تقابل »مدعوّ« (أو »رعينو«) السريانيَّة التي ترجمناها بكلمة الروح، وكلمة yuch اليونانيَّة تقابل في السريانيَّة »نفشو« أو النفس، وكلمة »swma« ومعناها الجسد، تقابل السريانيَّة »فغرو«.

 

إنَّ الفكر اليونانيّ عرف منذ القديم أن يميِّز بين معطيات الكون إجمالاً. فهناك nouV، أي العقل والروح، الذي يقف بعيدًا عن عناصر الكون والذي هو نقيٌّ بحيث لا يعرف أيَّ تركيب؛ جاء إلى العالم فجعل النظامَ حيث كانت الفوضى مسيطرة على عناصره؛ وسوف يشدِّد أفلاطون على خلود الروح وعلى معرفتها المثُل لأنَّها من عالمها(40). ثمَّ إنَّ هناك النفس(41)، وتعني الحياة التي تترك الحيَّ عند موته عبر الفم أو عبر جرح من جروحه(42). وهناك الجسد الذي هو بالنسبة إلى الإنسان »سجن« أو »قبر«. فنستطيع القول بأنَّ الإنسان يملك جسمًا، أو بأنَّ النفس هي صورة الجسد الجوهريَّة.

 

ونعود إلى نظرة برديصان فنرى أنَّ الروح تأتي مباشرة من الله الذي أعطى الإنسان الحرِّيَّة. وهكذا ترتبط الحرِّيَّة بروح الإنسان. أمّا الحدود الموضوعة للحرِّيَّة فتأتيه من القدَر المتجسِّد في حلقة النجوم والكواكب. وأمّا النفس فترتبط بالقدَر الذي يحدِّد حظوظ الإنسان. وأمّا البنية الطبيعيَّة فهي خاصَّة بالجسد. وهكذا تجتمع، من جهة، الروح والنفس والجسد، وتجتمع، من جهة أخرى، الحرِّيَّة والقدَر والطبيعة. في داخل الجسم البشريّ تشكِّل النفس والروح وحدة متماسكة، وتنزلان سويَّة عبر حلقة الكواكب، فتُحدِّد مسيرة الإنسان، وفي الوقت ذاته تتمسَّك الروح بالحرِّيَّة المعطاة لها من الله.

 

كلٌّ من البنية الطبيعيَّة والقدَر والحرِّيَّة له حقله الخاصّ، وحيث يتوقَّف تأثيرُ الواحد يبدأ تأثير الآخر. فقدرة الإنسان على الإنجاب مثلاً ترتبط ببنيته الطبيعيَّة، ولكن عندما تنتفي هذه القدرة، فالقدَر نفسه لا يستطيع أن يفعل شيئًا ليساعده على الإنجاب. لا يستطيع الإنسان أن يعيش من دون طعام، وهذا أمر يتعلَّق بالبنية الطبيعيَّة، والقدَر أيضًا لا يستطيع أن يحفظ الإنسان على قيد الحياة من دون طعام.

 

هناك ظروف نرى فيها القدَر يتدخَّل فيُعين الطبيعة أو يعارضها. لا يعطي برديصان أمثلة عن قدرة القدَر على مساعدة الطبيعة، بل يذكر أمثلة عن إمكان معاكسة القدَر للطبيعة: فالقدَر يلعب دوره أمام صعوبات الزواج، ويكون سبب موت طفل في عمر مبكِّر أو تكوينه تكوينًا معاهًا. ولولا القدَر لما كان المرض والجفاف، ولولاه لما انقلب النظام الاجتماعيّ رأسًا على عقب فسيطر الصغار على الكبار والجهّال على العقلاء.

 

ويلقي برديصان كلامه بلهجة تأكيديَّة فيقول: »أعرف معرفة صريحة أنَّ كلَّ مرَّة تفسد الطبيعة فتبتعد عن استقامتها، ففسادُها سبَبُه القدَر«(43). من هذا الكلام وغيره نستنتج أنَّ في الطبيعة بعض الاستقامة، وأنَّ بنية الإنسان الطبيعيَّة هي طبيعته الحقَّة، وهي الشكل المثاليّ لوجوده البشريّ. غير أنَّ القدَر يؤثِّر في الطبيعة شرٌّا أو خيرًا. فالصدق والاستقامة عند الإنسان يعنيان الحياة بحسب الطبيعة، كما يقول الرواقيّون؛ وعندما تنتفيان من الإنسان، قُلْ هو القدَر، هي الحرِّيَّة.

 

النقاوةُ في الإنسان أمرٌ أوَّليّ، غير أنَّه ككلِّ الكائنات لا يحافظ على نقاوته الأولى وطبيعته الحقَّة، لأنَّه مبنيٌّ من عناصر امتزجت بالظلمة فخسرت بعضًا من طبيعتها. وبما أنَّ الظلمة تشكِّل جزءًا من الإنسان، لم يعد الإنسان يتمتَّع بطبيعته الصحيحة السليمة كما أُعطيت له، وهذا ما يجعلنا قريبين من المانويَّة(44).

 

أجل، إنَّ القدَر يستطيع أن يضع البلبلة في الطبيعة، ولكنَّ الحرِّيَّة أقوى من القدَر، إن لم يكن في كلِّ شيء، فأقلَّه في أمور محدَّدة. يقول برديصان:

 

»وكما رأينا أنَّ القدَر يسحق الطبيعة، هكذا نستطيع أن نرى حرِّيَّة الإنسان ترمي القدَر أرضًا وتسحقه. هي لا تسحقه في كلِّ شيء، كما أنَّه هو لا يسحق الطبيعة في كلِّ شيء. فيجدر بهذه الثلاثة، أي الطبيعة والقدَر والحرِّيَّة، أن يحافظ كلُّ واحد منها على طريقته الخاصَّة بالحياة، إلى أن تتمَّ المسيرة«(45).

 

وتبقى المسألة الأخيرة: إذا كانت بنيةُ الإنسان الطبيعيَّة لا تدفعه أصلاً إلى أن يخطأ، فهل يكون للقدَر أن يحدوه على عمل السوء؟ لا، يقول برديصان، لأنَّ للإنسان حرِّيَّة الإرادة التي تدفع طبيعته إلى الاقتراب من الخير والحذر من الشرّ. وهكذا تبدو طبيعة الإنسان مرتبطة بطريقة غير مباشرة بعالم الأخلاق. أجل، إنَّ الطبيعة، بما فيها من طبيعة محض، تتوجَّه دومًا شطر الخير فلا يبلبلها القدَر أو يُفسدها. وسوف يبيِّن أنَّ القدَر لا يؤثِّر في أعمال الإنسان الأخلاقيَّة أو الاأخلاقيَّة، فينطلق في عمليَّة تقصٍّ واسعة في شرائع البلدان المختلفة.

 

إنَّ قرار القدَر لا يدفع كلَّ إنسان إلى أن يعمل بالشكل ذاته. ومن هنا يستنتج برديصان أنَّ الإنسان لا يخطأ بسبب قدَره المتجسِّد في مجموعة النجوم ساعة ولادته(46). بما أنَّ الناس في البلد الواحد وُلدوا تحت مجموعة نجوم متنوِّعة، وبما أنَّهم يعملون بشرائع ونواميس واحدة رتَّبوها ونظَّموها، فهذا يعني أنَّ حرِّيَّة الإنسان أقوى من القدَر وتأثيرِ الكواكب. وهكذا نقول إنَّ القدَر لا يحدِّد سلوك الإنسان، وإنَّ الإنسان لا يخطأ بسبب تأثير القدَر. إنَّ ما يحدِّد سلوك الإنسان هو الحرِّيَّة، وإنَّ الإنسان يستطيع، مهما كانت الظروف، أن يوجِّه حياته شطر الخير أو شطر الشرّ، وهو عندما يخطأ يفعل ذلك لا مدفوعًا بالقدَر والقضاء، بل بحرِّيَّة الإرادة والاختيار.

 

الخاتمة

 

تلك بعض لمحات سريعة عن برديصان الرهاويّ، عن حياته التي امتزج فيها الواقع بالأسطورة، وعن فكره الذي اتَّخذ منحى جديدًا لم يكن لأحد أن يتوقَّعه. كتب كتابه عن القدَر ولجأ إلى أمثلة مأخوذة من شرائع البلدان ليدلَّ على أنَّ الحرِّيَّة هي أسمى ما في الإنسان، ففهم الناس من بعده أنَّ كتابه نفي للحرِّيَّة وبرهان على وجود القدَر. غريب أمر هذا الرجل الذي أثَّر فكره في ماني وتلاميذه وأفرام ومدرسته، وظلَّ الناس يتحدَّثون عنه أجيالاً بعد موته. أما يستحقُّ أن نخصَّه بدراسة وافية تبيِّن حضوره في عالم الشرق وتُظهر كيف انتقل فكره إلى الفلسفة المسيحيَّة والإسلاميَّة، فدرسه السريان واليونان والعرب وأعطونا نواحي مختلفة عن رجل يمثِّل الكثير من تراثنا الفكريّ؟

 

(1) W. CURETON, Spicilegium syriacum containing remains of Bardesane, Meliton, Ambrose and Mara bar Serapion, ed. With English transl, and notes, London, 1855

 

(2) عن سيرة برديصان، راجع: B. ALTANER, Précis de Patrologie, Paris, 1961, p. 139; G. BARDY, Bardésane, les bardésanites, dans DHGE, VI, col 765-769; Catholicisme, I, col. 1245-1247, Paris, 1948; F. CAYRE, Précis de Patrologie, Paris, 1927, pp. 365-366; F. NAU, Bardésane… dans DTC, II (1923), col 291-401; J. QUASTEN, Initiation aux Pères de l’Eglise, vol I, pp. 300-302, Paris, 1955; H.J.W. DRIHVERS, Bardaisn of Edessa,Assen 1966.

 

– ألبير أبونا، أدب اللغة الآراميَّة، بيروت، 1970، ص 58-66.

 

– كامل مراد ومحمَّد البكري، تاريخ الأدب السريانيّ من نشأته إلى الفتح الإسلاميّ، مصر، 1949، ص 57-65.

 

– البطريرك أفرام برصوم، اللؤلؤ المنثور، حلب، 1956، ص 240.

 

(3) الرها واسمها الحالي أورفا. أمّا اليونان والرومان فلقّبوها بأوذيسا بسبب غزارة مياهها، بعدما سمّاها سلوقس الأوَّل على اسم مدينة في مقدونية. R. JANIN, dans DHGE, XVI (1960), col. 1420-1421; G. BARDY, Edesse, dans : Catholicisme, III (1952), col. 1331-1334; J.B. SEGAL, Edesse, the Blessed City, Oxford, 1970

 

(4) اسمه الكامل: سكستوس يوليوس أفريكانوس (+ 240). رافق سبتيموس ساويروس، الإمبراطور الرومانيّ (193-211) إلى الرها سنة 195، وهناك شاهد برديصان ولقَّبه بالفراتيّ. ويسمّي المدينة الرها الفراتيَّة (راجع: QUASTEN, op.cit., vol. II, pp. 165-166

 

(5) يقول أبيركيوس عن نفسه إنَّه خلال سفره الطويل إلى المشرق عبَرَ الفراتَ وزار الرها وسائر كنائس بلاد الرافدين حيث عمل بنجاح ضدَّ المرقيونيّين والتقى ببعثة من المسيحيّين على رأسها برديصان المشهور بأصله وغناه.

 

Th. NISSEN, Die Petrusakten und ein bardesanistischer Dialog, dans der Aberkiosvita, II, ZNW, 9 (1908), pp. 315-328 et surtout p. 328; H. GREGOIRE, Bardésane et S. Abercius, dans Byzantion, T. 25-27 (1955-1957), pp. 363-368.

 

(6) Voir EUSèBE DE CéSARéE, Histoire Ecclésiastique, IV, 30.

 

(7) Voir JéROME, Adv. Jov. 2, 14; P.L. XXIII, col. 317 et De Viris illustribus, XXXIII

 

(8) بالنسبة إلى سنة ولادته وسنة وفاته، راجع مخائيل السريانيّ: J. B. CHABOT, Paris, 1900-1901, en 4 volumes, vol. I, p. 109-111; P.O., XIII, P. 255-256, Paris, 1916

 

(9) SOZOMENE, P.G., LXVII, col. 953-1630, et le corpus de Berlin, J. BIDEZ, Sozomenus Kirchengeschichte, GCS, 50, Berlin, 1960

 

(10) راجع أناشيد أفرام ضدَّ المبدعين، 1/9-18؛ 2/1؛ 3/7-8. ببرديصان طارت ضلالة اليونان، فعلَّم أنَّ الربَّ خلق كلَّ شيء وأتقن كلَّ شيء. ثمَّ بماني تسلَّط الكذب الآتي من بلاد الهند، فأدخل قوَّتين تحارباننا. ثمَّ ذكر مرقيون ثلاثة أصول. وهكذا كثَّروا عدد الآلهة ليكونوا بدون إله (3/7).

 

(11) يقول ربّولا هذا الكلام عندما كتب سيرة حياته. راجع: J. J. OVERBECK, S. Ephraemi Syri, R. Balaei aliorumque opera selecta, Oxonii 1865, pp. 159-209. Pour la traduction française, voir F. NAU, dans: Revue histoire des Religions, 103 (1931), pp. 97-135.

 

(12) كتب يعقوب اثنتي عشرة رسالة إلى العموديّ يوحنّان مجيبًا إلى سؤال عن أصول مختلفة.

 

يذكر يعقوب ولنتين ومرقيون دون أن يتحدَّث عن علاقتهما ببرديصان.

 

(13) ابن النديم، الفهرست، الطبعة الألمانيَّة (Z.D.N.6)، سنة 1859، الجزء الثالث عشر، ص 642.

 

راجع أيضًا المسعوديّ، كتاب التنبيه والإشراف، طبعة لايدن، سنة 1898، ص 101.

 

وابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، القاهرة، 1317/1899، الجزء الأوَّل، ص 35-36.

 

(14) Philosophoumena ou Réfutation de toutes les heresies (VII, 31, 1). Voir, P. WENDLAND, Hippolytus Werke, 3o Band, Refutatio omnium haeresium, GCS, 26, Leipzig, 1916. Trad. frse. A. SIOUVILLE, Philosophoumena ou Réfutation… trad. et notes (coll. Les texts du Christianisme), Paris, 1928.

 

(15) راجع: Mani seine Lehre und seine Schrift aus dem Fihrist… Von G. Flügel, Leipzig, 1862, pp. 161-162

 

(16) اكتشفت في مخطوطة سريانيَّة سنة 1905 وهي تتكوَّن من أربعين موشَّحًا. راجع ترجمة جورج صابر، بيروت، 1973. لا يمكن الموشَّحات أن تكون من وضع برديصان، فهي تتحدَّث عن حياة شظف وتقشُّف، بينما عرف برديصان الأرستقراطيّ أن يفيد من مباهج الحياة، راجع: , pp. 183ss.op. cit. QUASTEN,

 

A.F. J. KLIJN, The Acts of Thomas, Suppl. Nov. Test. V, Leiden, 1962(17)

 

ترجمت هذه الأعمال إلى اليونانيَّة والأرمنيَّة والحبشيَّة واللاتينيَّة. يبدو أنَّ كاتب هذا الكتاب هو من شيعة البرديصانيّين. راجع: pp. 158-160 op. cit, QUASTEN,

 

(18) أسقف سرديس في ليدية (تركيّا اليوم). عاش في القرن الثاني والَّف كتبًا لم يبقَ لنا منها إلاَّ بضعة مقاطع قصيرة مبعثرة في بطون الكتب. نُسب إليه دفاع عن الدين المسيحيّ في السريانيَّة. راجع: , pp. 273-281.op. cit QUASTEN,

 

(19) ترجم كتاب شرائع البلدان إلى اللغات الأوروبّيَّة المتعدِّدة.

 

H.J.W. DRIJVERS, The Book of the Laws of Countries, Dialogue onFate of Bardesane of Edesse, Assen, 1965.

 

  1. NAU, Bardésane l’Astrologue, le Livre des Lois des Pays. Texte syriaque et trad. frse., Paris, 1899; G. LEVI DELLA VIDA, Bardesane. Il dialogo delle Leggi dei Paesi, Roma, 1921; H. WIESMANN, Die Schrift über die Gesetze der LنnderJahre Stella Matutina Feldkirche, 1931, pp. 553-572.

 

(20) EUSEBIUS, Preparatio Evangelica, GCS, 43, 1, Berlin, 1954; EPIPHANE,

 

Panarion, Bd II, GCS, 31, Leipsig, 1922.

 

(21) شرائع، 1. نورد النصَّ بناء على المرجع السريانيّ كما حقَّق فيه وترجمه إلى اللاتينيَّة F. NAU, Patrologia Syriaca, pars prima, tomus secundus, col. 536-611, Paris, 1907

 

مقابلة بين ما هو جهل وحماقة وإثم وخطأ (سكلو في السريانيَّة)، وما هو طيِّب (طوب في السريانيَّة) وجيِّد وحسن.

 

(22) شرائع، 5. الإيمان والاقتناع. الأوَّل يستند إلى الوحي والثاني إلى العقل (رعينو في السريانيَّة).

 

(23) راجع: E. C. BLACKMANN, Marcion and his influence, London, 1949; A. VON HARNACK, Marcion, Das Evangelium von fremden Gott, Darmstadt, 1960, p. 93-102.

 

(24) العبارة المعروفة عند الرواقيّين: ما يوافق الطبيعة (jusin atak في اليونانيَّة) وما يعارض الطبيعة. راجع:

 

  1. BRéHIER, Histoire de la Philosophie, t. I : L’Antiquité et le Moyen Age, Fasc 2, période hellénistique et romaine, Paris, 1967, p. 284ss; G. FURLANI, “Sur le Stoïcisme de Bardésane d’Edesse”, Archiv. Orient., IX (1937), pp. 347-352

 

(25) راجع: أبيكتات، المقالات. المقالة الثانية 14: 7؛ المقالة الثالثة 26: 35.

 

(26) شرائع، 6-7. لأنَّ الكثيرين لا إيمان لهم فإنَّهم لا يستطيعون أن يقتنعوا، فيهدمون في كلِّ وقت ويبنون.

 

(27) شرائع، 10. نحن هنا أمام نظرة شرقيَّة انتقلت إلى عالم اليونان، وهي تعتبر أنَّ البساطة كمال وأنَّ التركيب نقص. عندما تمتزج الكائنات البسيطة تتدخَّل الظلمة ويمتلئ العالمُ شرٌّا.

 

(28) الروح تترجم لا الكلمة السريانيَّة روحو بل رعينو التي تقابلها في اليونانيَّة كلمة »nouV« والتي تعني العقل والفكر والروح وهي قمَّة الإنسان.

 

(29) شرائع، 10-11. الكلمة الأساسيَّة »اشكح « في السريانيَّة، وهي تعني استطاع، قدر على الشيء وأطاقه. نحن أمام حرِّيَّة الإرادة والاختيار: أن تقدر أن تفعل الخير أو الشرّ، أن لا تقدر أن تفعل الخير أو الشرّ.

 

(30) شرائع، 14. ترجمنا الكلمة السريانيَّة »كيونو« بالعربيَّة »كيان« أو الطبيعة والخليقة، وسوف نترجم كلمة »فوسيس « السريانيَّة (راجع: jusiV اليونانيَّة وتعني nature, manière d’être بالطبع. راجع: A. W. KLIJN, The Word k’jan in Aphraates, Vigiliae christianae, 12 (1958), pp. 57-67

 

(31) شرائع، 16-17. أين هي طبيعة الإنسان، والبشر يتميَّزون الواحد عن الآخر بأعمالهم ورغباتهم؟…

 

(32) شرائع، 15. كلُّ حيوان يتصرَّف محافظًا على طبيعته الخاصَّة به، وكذلك الإنسان.

 

(33) القدَر ترجمة للكلمة السريانيَّة »حلقو«، والفعل منها يعني وزَّع الشيء وفرَّقه. هناك كلمتان يونانيَّتان الأولى moira وتعني القدَر المشخصن، والثانية Eimarmenh وتعني النصيب كما يحدِّده القدَر.

 

(34) شرائع، 18. هذا رأي، ويقابله رأي آخر يقول إنَّ القدر غير موجود وهو اسم فارغ.

 

(35) شرائع، 19.

 

(36) الطالع يترجم السريانيَّة »بيت يلدو«، وهو ما يتفاءل به من السعد أو النحس بطلوع الكواكب عند ولادة الولد.

 

(37) شرائع، 20-21. هناك ابتعاد عن المعنى الحرفيّ للنصّ، وهو موجز جدٌّا، ليسهل فهمه.

 

(38) يستعمل برديصان أيضًا كلمة »رعيونو« وهي مرادفة لكلمة »مدعوّ« وهي تعني الرأي والضمير والعقل، والفكر والنيَّة.

 

(39) راجع كلمة gnwsiV في اليونانيَّة. E. BUONAIUT, Le gnosticisme, Roma, 1907; E. DE FAYE, Gnostiques et gnosticisme, Paris, 1913; H. LIESEGANG, Die Gnosis, Stuttgart, 1955.

 

(40) راجع: vol. Encyclopaedia Universalis, S. PETREMENT, Dualisme, dans:

 

V, col 826.

 

(41) النفس: animus. راجع anima في اللاتينيَّة، وتعني الريح والنفس. ثمَّ جاءت كلمة qumoV، وهي ترتبط بالدم وتدلُّ على الهوى والإرادة والروح، وكلمة yuch التي تدلُّ على الحياة وترتبط بفعل التنفُّس وتذكِّرنا بالنفَس المنعش عندما يتنفَّس الكائن الحيّ. إنَّه من المدهش أن نجد ما قرأناه عند اليونان حاضرًا في اللغة العربيَّة حيث النفْس (بتسكين الفاء) تعني الروح والدم، وحيث النفَس (بفتح الفاء) تعني نسيم الهواء والريح الذي يدخل ويخرج من فم الحيّ!

 

(42) , I, col 841ss.Ency. Universalis H.D. SAFFREY, L’âme, dans:

 

(43) شرائع، 21.

 

(44) راجع: H.C. PUECH, Le Manichéisme, Paris, 1949, pp. 74ss; G. .

 

; G. WIDENGREN, Mani und der Manichism, Stuttgart, 1961, pp. 48ss.

 

(45) شرائع، 22. هنا يذكر برديصان المدَّة اللازمة لكي تتمَّ هذه المسيرة: ستَّة آلاف سنة. هذه الفكرة توسَّع فيها جاورجيوس، أسقف العرب، مبيِّنًا كيف حسب برديصان هذه الستَّة آلاف سنة، منطلقًا من الفترة التي يحتاج إليها كلُّ كوكب لكي يكمل مسرته. راجع: F. NAU, Journal Asiatique, 1901, pp. 209-215; T. JANSMA, L’Hexaméron de Jacques de Sarough, dans L’Orient Syrien, IV (1959) 26ss et 277ss.

 

(36) شرائع، 23-24. قال عويدا: الإنسان لا يخطأ بسبب طبيعته. هذا ما اقتنعتُ به من برهانك أنَّ كلَّ الناس لا يتصرَّفون بطريقة مماثلة. فإن كان لك أن تبرهن لنا أنَّ الذين يخطأون لا يخطأون بسبب القدَر (حلقو في السريانيَّة) والقضاء (فوسقو في السريانيَّة)، فحينئذٍ يجب أن نعتقد بأنَّ للإنسان حرِّيَّة خاصَّة به وأنَّه بطبيعته يتقرَّب إلى الخير ويحذر الشرّ، ولأجل ذلك هو يُدان بعدل في اليوم الأخير.

 

لا بدَّ من التنويه بالنظرة السامية القديمة التي نقرأ شكلاً من أشكالها في الكتاب المقدَّس. في هذا الإطار يبدو الإنسان مكوَّنًا من ثلاثة عناصر: النفس ( )، بثر (اللحم والجسم. راجع »بشر« في العربيَّة) والروح . فالنفس تعني الحلق، وجهة التنفُّس، وتدلُّ كذلك على كلِّ شهوة ورغبة، وأيضًا على »الأنا«؛ »نفش« هي الشخص. أمّا »بثر « فهي التعبير الملموس عن النفس، أي القلب والكلى والكبد، يعني الجسم كمعبّر عن عواطف النفس. غير أنَّ ما يضمن وجود المركَّب »نفش- بثر ) هو الروح الذي انتقل إلى الإنسان من الله عندما نفخ فيه نسمة الحياة (تك 2: 3). فالروح هو ما يربط الإنسان بالله، هو حضور الله في الإنسان.

 

برديصان الرهاوي ف3 – فيوض في الفكر المشرقي – الخوري بولس الفغالي

Exit mobile version