شركة الخصائص الذاتية ج2 – الحوار الثالث ج3 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

شركة الخصائص الذاتية ج2 – الحوار الثالث ج3 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

شركة الخصائص الذاتية ج2 – الحوار الثالث ج3 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

 

الحوار الثالث

” إن الابن هو إله حقيقى كما أن الآب إله حقيقى “

 

أمثلة عن شركة الخصائص الذاتية للآب والابن:

المثال الثانى:

صيغة الجمع في الآية ” نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا

كيرلس: انتبه إذًا، إن أردت، أيها الصديق إلى ما يقوله موسى النبى، الذي يتحدث إلى طبيعة الله البسيطة غير المركبة[1] بصيغة الجمع. لأنه يمكننا إن انتبهنا قليلاً أن نرى ثلاثة أقانيم في طبيعة ألوهية واحدة[2].

إرميـــا: أريد أن أعرف بالضبط معنى ما تقول. تكلم معى إذًا بإيضاح أكثر.

 

كيرلس: أليس حقيقيًا أنه وهو يكتب أول كتبه إلينا (التكوين) يشير إلى أن الله هو خالق الكل؟ يقول إذًا إن الله بعدما خلق كل الخليقة، فإنه فقط عندما خلق الإنسان قال ” نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا[3]. وبعد ذلك بقليل أضاف ” فخلق الله الإنسان على صورته[4].

 

إرميـــا: لقد فهمت.

 

كيرلس: وعندما أراد البعض عن جهل أن يبنوا برجًا يصل إلى السماء قال رب الكل ” هلُّم ننزل ونبلبل هناك لسانهم[5]. مَن إذًا الذي يتكلّم ولمن يقول ” هلُّم ننزل ونبلبل ألسنتهم“؟ لا أعتقد أن يقول هؤلاء إن الله كان محتاجًا لمساعدة الملائكة أو إلى مؤازرة الخلائق الأخرى، كى يتمّم ما أراده. لأن الله هو كلّى القدرة ويستطيع أن يفعل أى شئ، ويملك في ذاته القدرة على فعل ما يريده بسهولة. وكل الخلائق تستمد قوتها منه. كما نقول إن الله هو الحياة والحكمة وأنه لا يمكن لأى أحد أن يُحيي أو يُشرك الآخرين في منافع الحكمة ما لم تكن هذه المواهب صادرة منه كما من نبع متدفق[6]. وهكذا ـ أعتقد ـ بنفس الطريقة، أنه لا يستطيع أى من الخلائق أن تكون له القدرة أن يحقق شيئًا ما بدون أن يدفعه إلى ذلك الله كلّى القدرة. وبالتالى فإننا نستطيع أن نؤكد أنه لا يليق بالله أن يقول للملائكة أو لأى من الكائنات العاقلة ” هلُّم ننزل ونبلبل ألسنتهم“. وهكذا تَدّخَل الثالوث بنفسه في هذا الأمر، لأن شأن تغيير طبيعة اللغة من لغة سهلة موحدة إلى لغات عديدة متنوعة وغير معروفة فيما بينها هو من خصائص طبيعة عمل الثالوث وحده. ولكى نفهم أن هذا الأمر ليس من اختصاص الملائكة لكن من خصائص الإله وحده فلابد أن نلاحظ أنه قال “هلُّم” موجهًا الحديث نحو الثالوث القدوس أى نحو الثالوث ذو الجوهر الواحد.

 

إرميـــا: بالفعل.

كيرلس: وإن كانوا يظنون أن طبيعة الإنسان بصفة عامة تتشكّل حسب الله؟ فلنسألهم صورة مَن تلك التي خُلِقَ عليها الإنسان؟

 

إرميـــا: ما رأيك لو أنهم قالوا إن صورة الله الآب هى التي خُلِقَ عليها الإنسان؟

كيرلس: لو قالوا إن صورة الله الآب فقط لكان تفكيرهم تفكير أحمق.

 

إرميـــا: كيف؟

كيرلس: أولاً: تعبيرا ” لنعمل” وأيضًا ” على صورتنا” يدلاّن على أن المتكلّم ليس شخص واحد بل أكثر من واحد وأكثر من اثنين، وبخلاف هذا نفكر فيما يلى. الصورة التي تشوّهت وفقدت جمالها الأول ألا يجب أن تعود مرة أخرى إلى ما كانت عليه أولاً وبعدما يتم إصلاح ما أصاب الصورة في بُعدها عن الأصل، وهكذا تستعيد هيئة طبيعتها غير المشوَّهة مرة أخرى.

 

إرميـــا: ماذا تقصد بهذا؟

كيرلس: استمع لى جيدًا وسأشرح لك هذا على قدر استطاعتى. لو أن أحدًا من الصنّاع، وعلى سبيل المثال أحد هؤلاء الذين يعملون في تشكيل النحاس، قد صنع تمثالاً معطيًا إياه شكله وملامحه، ثم سقط هذا التمثال من على قاعدته بفعل أحد الحاسدين وتحطّم وفقد جماله، ولو أن صانع التمثال ـ لأنه لم يحتمل أن يرى تمثاله محطمًا ـ أراد أن يقتل ذلك الحاسد الذي حطّم التمثال، نجده وقد أعاد صنع التمثال مستخدمًا نارًا أشد قوة معيدًا إياه إلى حالته الأولى بعد أن يكون قد رفع عنه ما أصابه من أضرار. وهل كنت تعتقد أنه كان من الصواب لو أن الصانع قد ترك صنعته كى تتشكّل بشكل آخر غير الأول، وفي هذا تتضح عدم قدرته؟

 

إرميـــا: لا أعتقد طبعًا.

كيرلس: وهل معنى أنه أعطاه ملمحه الأول أنه أعاد تشكيله بالفعل وأنه طبع صورته فيه؟

 

إرميـــا: بالطبع.

كيرلس: طالما أن الأمر هكذا، فما هو الأمر الذي تُصدق أن يكون الله الآب قد فعله، إن كان الإنسان قد خُلق ” على صورته كشبهه” هو وحده فقط. لأن هذا الكلام تقريبًا هو ما يقوله المخالفون. أى عندما أراد أن يعيد خلقة الإنسان الذي انزلق وتشوّه، ويجدّده لم يعطِ له ملمحه الذي كان عليه في الأصل، أى لم يصيّره شبيهًا بنفسه بل أعطاه شكلاً آخر؟ وهذا سيحدث بالطبع لو أن الابن الذي أُعيدت خلقتنا على صورته كان مختلفًا في الطبيعة عنه (عن الآب). لأن بولس الحكيم يكتب للبعض ما يلى ” يا أولادى الذين اتمخض بكم أيضًا إلى أن يتصور المسيح فيكم[7]. وفي موضع آخر يقول  ” لأن الذين سبق فعرفهم سبق فعينهم ليكونوا مشابهين صورة ابنه[8]. لأن المسيح قد شكّلنا مرةً ثانيةً بالروح القدس حسب صورته واهبًا جمال طبيعته لنفوس الأتقياء وبطريقة عقلية وغير موصوفة. بمعنى أننا ـ كما أعتقد ـ نتشكّل لا لنصير كالله الحقيقى، لكننا نأخذ شكل يتناسب وطبيعتنا المخلوقة. وإلاّ فإن ما ذكره المزمور منذ القديم بأنه ” يتجدّد كالنسر شبابك[9]، كان سيضيع هباء، ويظهر أنه بدون هدف. لأن التجديد بحسب الكتاب ليس هو شئ آخر سوى أنه تجديد نفوسنا التي لم ترتفع إلى أعلى إطلاقًا والتي لم ترجع لِمَا كانت عليه أولاً، ولكنها صارت في وضع أقل كرامة مما كانت عليه قبلاً وهى هكذا تعانى من هذه الحالة. وقد يقال[10] إن عملية الخلق الأول للإنسان هى أفضل بدرجة لا تقارن بعملية تجديد الإنسان بواسطة المسيح إذ أن الأولى قد أعطتنا إمكانية أن يكون لنا ملمح الإله الحقيقى في داخلنا بينما التجديد الذي تم بالمسيح قد أعاد تجديدنا لكن ليس على هذا الملمح، فقد أعاد تشكيلنا على صورة الابن[11]، ولذلك، ماذا سنربح من تجديدنا بواسطة المسيح طالما ـ وحسبما يظهر ـ أننا قد خسرنا كوننا على شبه الله، وبصفة عامة تُرك عنا مجد طبيعتنا طالما أن حالة الغبطة ـ بالنسبة لنا ـ كانت في أن نصبح مشابهين الله؟ غير أنى أؤمن بأن كل هذا الفكر هو كالأساطير يستوجب الضحك إذ هو مثل قصص الأطفال. لأننا تشكّلنا من جديد حسب الصورة الأولى إذ ختمنا بختم الابن[12]، كى نصبح مثله، لأنه هو صورة الآب وختمه وليس هو آخر بجانب الآب وذلك بسبب الجوهر الواحد.

إرميـــا: لقد تحدثت بدقة شديدة.

[1] سبق أن وصف القديس كيرلس الطبيعة الإلهية بأنها “طبيعة بسيطة” انظر هامش1 ص14. وهنا يُضيف لها صفة مرادفة وهى أنها “غير مركبة” لأن التركيب هو بداية الإنقسام وهو عكس البساطة. =وفي موضع آخر يعطى نفس هذا الوصف بأن: ” الجوهر الإلهى بسيط وغير مركب ” وذلك في سياق رده الذي يوضح أن الابن هو كلمة الله الآب فيقول: ” نحن نؤمن بأن الثالوث القدوس المسجود له جوهر واحد رغم جنون الهراطقة الذي يمنعهم من الإيمان. ووحدة الجوهر تفترض وجود مساواة في الخصائص الطبيعية بين الأقانيم. فإذا عدنا إلى إفتراض الهراطقة الذي يتوهم وجود كلمة في الآب غير الابن الكلمة، فإن المساواة تفترض أيضًا وجود كلمة ذاتى في الابن طالما أن الابن مثل الآب في كل شئ وهو صورة جوهره ورسم أقنومه (عب3:1) وأيضًا الروح القدس فيه كلمة ذاتى طالما أن الروح القدس مساوٍ للآب والابن. وهذا يعنى أن الثالوث صار سداسيًا. وأصبحت الطبيعة الإلهية مركبة. وهذا مستحيل فالجوهر بسيط غير مركب، لا يوجد فيه إلاّ ثلاثة أقانيم ولا يوجد وسيط بين كل أقنوم وآخر، بل هو جوهر واحد للثالوث القدوس لا اختلاط فيه بين الأقانيم “. شرح إنجيل يوحنا، إصدار المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، القاهرة 1989، ج1 ص53.

[2] كثيرًا ما أجمع آباء وكتّابها على نفس هذا التفسير. انظر على سبيل المثال: رسالة برنابا (كتبت ما بين 70م وسنة 138م). ق. يوستين المدافع والشهيد (+161): الحوار مع تريفو فصل 62. العلاّمة ترتليان: ضد ماركيون الكتاب الخامس: 12. ق. إيريناؤس: ضد الهرطقات. الكتاب الرابع في المقدمة وأيضًا فصل 20. ق. يوحنا ذهبى الفم. العظة الثانية على سفر التكوين. ويقول ق. أمبروسيوس: [ إن الآب يعلن أن الابن مساوى له وهو يعمل معه في الخلق في قوله ” لنخلق الإنسان على صورتنا كشبهنا ” وهذا يعنى أن الآب والابن والروح القدس لهم جوهر واحد لأن “صورتنا وشبهنا ” تعنى وحدة القوة الإلهية للثالوث ] الروح القدس للقديس أمبروسيوس. المرجع السابق الكتاب الثانى ص9. انظر أيضًا:

  1. Mel. Wilson, st. Andrews: The Early History of the Exegesis of Gen. 1.26. in studia Patristica. Vol 1. 1957. P. 420-437.

[3] تك 26:1.

[4] تك27:1. في موضع آخر يوضح ق. كيرلس معنى أن الإنسان قد خُلق على صورة الله وكشبهه فيقول: “إذن فقد قبلنا، أن الإنسان منذ البداية، قد خُلق وفكره يسمو فوق الخطايا والشهوات، لكنه لم يكن مُحصنًا تمامًا من الانحراف في اختياراته. لأن الخالق الأعظم للجميع، قد رأى حسنًا أن يترك الإنسان لإرادته المستنيرة ويسمح له أن يعمل ما يفكر فيه، وذلك بدافع نفسه فقط. بمعنى أن الفضيلة كان يجب أن تُتمم اختياريًا وليس كأمر إجبارى، وأيضًا ألاّ تكون الفضيلة موجودة بدون تغيير في صفات الطبيعة البشرية، لأن الثبات خاصية الجوهر الإلهى الذى هو فوق الكل ويفوق كل الأشياء. فالله قد خلق الإنسان ذلك الكائن الحى بطبيعة خاصة به كإنسان، مانحًا إياه غنى التشبه به. إذ قد رُسمت صورة الطبيعة الإلهية في الطبيعة البشرية بنفخة الروح القدس. وحيث إن الله هو الحياة ـ بحسب الطبيعة ـ لذلك فهو يعطى نسمة الحياة “. انظر السجود والعبادة بالروح والحق، ترجمة الباحث جورج عوض، إصدار المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، ج1 ص28.

[5] تك7:11.

[6] هذه الحقيقة تخص الأقانيم الثلاثة لله الواحد وتثبت ألوهيتها. وقد سبق القديس أثناسيوس وعلّم في سياق دفاعه عن ألوهية الروح القدس بأن كل الخلائق تشترك فيه وأنه لا يمكن أن يفقد قداسته= =لأنه (أى الروح القدس) لا ينالها عن طريق الإشتراك ولكنه يملكها جوهريًا في ذاته وأيضًا يقول عنه: “فإن كان هو دائمًا كما هو ودائمًا يُشترك فيه، وإن كانت المخلوقات تشترك فيه، فالروح القدس لا يمكن أن يكون ملاكًا ولا مخلوقًا على الإطلاق بل هو خاص بالكلمة “. الرسائل عن الروح القدس. المرجع السابق. الرسالة الأولى: 27. وفي موضع آخر يتبع نفس المنهج لكن من جهة الابن فيقول: “وإذًا فإن ذلك الذي لا يتقدّس بواسطة آخر، ولا يأخذ القداسة بل هو نفسه الذي يُشترك فيه والذي فيه تتقدس كل المخلوقات، فكيف يمكن أن يكون واحدًا من بين الكل، أو يكون من خاصة أولئك الذين يشتركون فيه؟ لأن أولئك الذين يقولون هذا يلزم أن يقولوا إن الابن الذي به وُجدت كل الأشياء هو واحد من بين كل هذه الأشياء “. المرجع السابق: الرسالة الأولى: 23.

[7] غلا19:4.

[8] رو29:8.

[9] مز5:103.

[10] من جانب الذين يقلّلون من شأن الابن وعمله الإلهى. (المترجم)

[11] لأن الابن ـ في نظرهم ـ ليس مساويًا للآب في الجوهر. (المترجم)

[12] يدّلل ق. أثناسيوس على ألوهية الروح القدس بما يفعله في المؤمنين ويستشهد بالآية ” الذي فيه أيضًا إذا آمنتم ختمتم ” (أف13:1) وأيضًا ” لا تحزنوا روح الله القدوس الذي به ختمتم ليوم الفداء” (أف30:4) ويقول إن: ” المخلوقات تُمسح وتُختم فيه فلا يكون الروح مخلوقًا، لأن الذي يُمسح ليس مثل الذين يُمسحون “. وبسبب أن الابن أيضًا هو إله وواحد مع الروح القدس في الجوهر، فإن ق. أثناسيوس يقول: ” لأن المسحة أيضًا هى مسحة الابن حتى أن الذي عنده الروح يقول (نحن رائحة المسيح الذكية) ونتيجة لهذا فإن ” الختم يُعطى بصمة الابن حتى أن المختوم يكون صورة الابن “. المرجع السابق. الرسالة الثالثة: 3 ومن الجدير بالذكر أن ق. كيرلس استخدم في هذا السياق الآية:  ” يا أولادى الذين أتمخض بكم أيضًا إلى أن يتصور المسيح فيكم ” (غلا19:4) وهى نفس الآية التي سبق وأن إستند عليها ق. أثناسيوس لتوضيح تعليمه العقيدى هذا في تلك الرسالة.

شركة الخصائص الذاتية ج2 – الحوار الثالث ج3 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

شركة الخصائص الذاتية ج1 – الحوار الثالث ج2 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

شركة الخصائص الذاتية ج1 – الحوار الثالث ج2 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

شركة الخصائص الذاتية ج1 – الحوار الثالث ج2 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

 

الحوار الثالث

” إن الابن هو إله حقيقى كما أن الآب إله حقيقى “

 

أمثلة عن شركة الخصائص الذاتية للآب والابن:

المثال الأول:

إرميـــا: وماذا تقصد بهذا؟

 

كيرلس: ألا تعرف يا صديقى أن بولس الطوباوى يكتب عن الله الآب قائلاً: ” لكى يكون الله الكل في الكل[1].

 

إرميـــا: وما معنى هذا؟

 

كيرلس: انتبه، فالقديس بولس أعطى نفس المجد للابن ويزيّن طبيعة الابن الوحيد بتلك الأمور التي تمجد الآب وذلك عندما قال في موضع آخر عن الابن ” الذي يملأ الكل في الكل[2].

 

إرميـــا: نعم لقد قال هذا.

 

كيرلس: أعتقد إذًا أن المرء سيُمكنه أن يتساءل عن كيفيّة حدوث ذلك (لأنه سيقول) طالما أن الله الآب يملأ الكل ويوجد ويُعرف من الكل بأنه الله فإنى لا أرى أى مساحة (متبقية) يمكن أن يملأها الابن. ولهذا فنحن مجبرين على أن نفكر بأنه إن لم يكن الواحد منهما في الآخر جوهريًا فحينئذ فإن ملء الكل بواسطة الله الآب سيكون لا لزوم له، لأن الملء سيكون كافيًا بواسطة الابن. أو عكس ذلك إذ أنه إن كان الله الآب يملأ الكل، حينئذٍ سيكون الملء المُعطى للكل من الابن بدون داعٍ طالما أن الآب كافٍ وقادر على أن يملأ الكل. وكيف يمكن للمرء أن يثبت أن الكل ينقصه شئ طالما أن الله الآب هو الذي يملأ هذا الكل.   وهكذا يا صديقى، تجد أن كلمات الحكيم يوحنا ـ في فكر المعارضين ـ هى بلا معنى، وأن تمجيده للابن كان بدون وجه حق عندما قال عن الابن والقديسين ” ومن ملئه نحن جميعًا أخذنا[3]، فلأى شئ كانت حاجتهم التي أخذوها من ملء الابن طالما أن كل ما كانت الخليقة في احتياج إليه موجودًا في الله الآب وحده، وتكون الخليقة غير محتاجة لشئ من أى أحد غيره؟

 

إرميـــا: لقد تكلّمت بالصواب.

 

كيرلس: وعندما نفحص بالضبط ما هو “الملء” المُعطى من كل من الآب والابن فإنه يصير واضحًا إذًا بالنسبة لكل منا أنه، إن كان الجوهر منقسمًا في كليهما حتى أنهما يصيران مختلفين (في الجوهر)، أفلن يعنى هذا إذًا أن الملء الخاص لكل منهما سيكون متناسبًا مع طبيعته (الخاصة به)؟

إرميـــا: حتمًا.

 

كيرلس: فلو قلت إن الآب هو إله حقيقى فحتمًا ستكون أفعاله هى إلهية، بينما لو قلت إن الابن هو مجرد من الألوهة الحقيقية فيتبع ذلك أن قدرته على الملء ستكون طبعًا غير إلهية، وستكون متفقة حتمًا مع طبيعته (الغير إلهية). وهكذا سيكون كل الملء فينا مزدوج وغير متساوٍ. وطالما أن الملء المُعطى بواسطة الآب كان كافيًا لهؤلاء الذين نالوا الخلاص، إذ هو ملء إلهى أعلى من كل ملء. فإذ كان حقيقيًا أن الابن لا يعمل كما يليق بإله حسب الطبيعة إذًا فإنه لم يضف إلينا غير ملء أقل من ملء (الآب). وأيضًا لو قبلنا أن ملء الابن هو أمر نافع وهام وضرورى لخلاصنا فلن يتبقى إلاّ أن نفكر وأن نقول إن الأفضل قد احتاج إلى الأدنى، وأن الأصغر قد أضاف إلى الكامل ما ينقصه، هذا إن كان حقيقيًا أن الملء المعطى بالله الآب لم يكن كافيًا لخلاصنا. وهذا اتهام سخيف ويجب ألاّ يكون إيماننا بهذه الحقائق هكذا.

          وبالتالى فيلزم أن نُلقي عنا بعيدًا كل هذا الهذيان. فما نؤمن به وما نعتقده هو أن فعل الآب والابن واحد[4]، كما أن الملء الحادث فينا بواسطة الآب والابن هو واحد، وذلك لأن طبيعة الآب والابن هى واحدة. فالواقع أن الطبائع التي يصل اختلافها إلى حد التباين والتي تتباعد فيما بينها تمامًا إلى حد الغربة لا يمكن أن يكون لها نفس الفعل المتساوى والمتطابق في أى من الكائنات. لكن حيث تختلف الطبائع فبالضرورة تكون الأفعال أيضًا مختلفة وغير متشابهة.

 

إرميــا: هذا حقيقى. غير أنى أريد أن أسألك كيف نفهم أن الملء يحدث فينا بواسطة الآب والابن طالما أن هذا الملء واحد ومتشابه.

 

كيرلس: بالتأكيد ليس هناك مانع ولا صعوبة في شرح هذه الحقيقة. وهل هناك طريقة أخرى تمكّننا من ذلك سوى معونة الروح القدس؟ ذاك الذي هو نفسه يملأنا بالنعم الإلهية. والذي يجعلنا شركاء الطبيعة الإلهية؟[5] لأنه هكذا كتب تلميذ المسيح ” بهذا نعرف أننا نثبت فيه وهو فينا إنه قد أعطانا من روحه[6].

 

إرميـــا: وهل يتم فينا الملء من كل من الآب والابن بواسطة الروح القدس الواحد معًا، أم يتم من كل واحد منهما على حدة؟

 

كيرلس: تمامًا يا إرميا، غير أن ما يدفعك إلى التساؤل لكى تتعلّم ـ على ما أعتقد ـ هو أنه إن كان الملء يتّم فينا بواسطة الآب والابن فكيف وقد صار هذا الملء تامًا أن يتّم فينا فعل ملء الروح القدس أيضًا؟

 

إرميـــا: وما هو رأيك إذًا؟

 

كيرلس: ربما أنك تفكر ـ وكما هو طبيعى ـ وتقول إنه إن لم يكن للابن طبيعة مساوية لطبيعة الآب، طالما أن الابن ـ حسب ما يعتقد هؤلاء ـ أقل في جوهره من جوهر الآب، فلا أعرف كيف سيفعلان (أى الآب والابن) شيئًا في داخلنا طالما أن الابن غير مساوٍ (للآب) ومتغيّر في كل شئ، وحينئذٍ كيف سيمكن اعتبار أن ملء الآب والابن قد تمّ فينا؟

 

ثم كيف سيتم فينا هذا الملء بواسطة الروح القدس وحده، إن كان من المحتمل أنه يفعل فينا فعل ملء الآب والابن كخادم[7] مع أنه يحمل إلينا هذا الملء بحسب طبيعته الإلهية التي هى نفسها طبيعة الآب والابن.

 

إرميـــا: كلامك معقول، لأن هذا هو ما يدور في عقلى بالفعل.

 

كيرلس: إذًا لنوجّه حديثنا نحو هذه الأمور ويمكننى أن أقول إن مَن يمكنه بذاته أن يجعل الآخر يشترك في أشياء أخرى بدون أن يفقد علاقته الطبيعية بها، فإنه يتصرف بطريقة تدل على أنه مساوٍ لها. لأنى أعتقد أن كل مَن يُظهرون أن لهم فيما بينهم فعل متساوٍ في القوة، فبالضرورة لابد وأن يكون لهم نفس الطبيعة.

 

إرميـــا: استطرد من فضلك في حديثك معطيًا لى مثالاً حتى أستطيع أن أتابعك.

 

كيرلس: سأستطرد في الشرح وسأقول لك إن الشمس[8] على سبيل المثال تُرى وتُدرك على أنها شئ واحد في حد ذاته، عالية هناك، وتتبع نظامًا محددًا حسب ما قصد خالقها. هذه الشمس تُرسل لأسفل أشعتها وتتصل بالموجودات على الأرض، وتنقل إليها الإحساس بالحرارة. وإن أردنا معرفة طبيعة الشمس ومن أين اكتسبتها، فإننا نستطيع ذلك بدون جهد. لأنها ملتهبة وتشبه النار. وكل مَن اقترب منها ولو لمرة واحدة يستطيع بسهولة أن يدرك ذلك بدليل الأشعة الساخنة التي تأتى منها.

 

إرميــا: تتكلم بالصواب، لأنه بالفعل، يمكن الشعور بها لأنه أمر غير صعب.

 

كيرلس: بالمثل، كيف لا يكون الأمر الذي تتكلم فيه واضحًا أمام ذوى العقول؟

إرميـــا: ماذا تقصد؟

 

كيرلس: أقصد أن طبيعة الشمس لا تختلف عن طبيعة الأشعة التي تصدر منها وتخترق المخلوقات التي تتأثر بحرارتها. لأنه كيف من الممكن أن يكون فعل الشعاع مختلفًا وطبيعة الشمس بالنسبة له هى مصدر إشعاعه، حتى أن الشعاع يُدرك على أن له نفس نوعية جوهر الشمس التي تشعه؟

 

إرميـــا: طبعًا لا يمكن أن يكون الشعاع مختلفًا.

 

 

طبيعة الروح القدس

كيرلس: لنأتِ الآن للحديث عن طبيعة الروح القدس ولنفحص الأمر بتدقيق، بدون أن يخرج حديثنا عن هدفه. لأن الوقت يدفعنا للحديث عن أمورٍ أخرى مهمة. ولنفكر في أحد أمرين. هل نحسب الروح القدس مع الآب والابن وبالتالى له نفس الطبيعة الإلهية الواحدة، أم لا؟[9]

 

إرميـــا: يقولون إنه واحد هو الإله الحقيقى وهو الآب ومعه لا يحسبون آخر.

 

كيرلس: وبالتالى وحسب ما يقوله هؤلاء، فإن الابن والروح القدس لا يحسب أى منهما إلهًا حقيقيًا، بل يحسبونهما ضمن المخلوقات العديدة والتي هى ـ حسب قولهم ـ لها نفس طبيعة الابن وهى بعيدة كل البُعد عن جوهر الله الآب. وليدُلّنا هؤلاء عن مَن هو الله، الذي يوجد أيضًا فينا إن كان الروح القدس يسكن في الذين تعمدوا؟[10] وأعتقد أنهم لا يقدرون أن يقولوا شيئًا عن الله الآب، غير أن كوننا شركاء الطبيعة الإلهية[11] هو حقيقة لا يستطيع أحد أن يحصل عليها بواسطة روح مخلوق لو أن الروح القدس ليس إلهًا من طبيعة الله الآب[12]. ويبقى أن نقول إن الابن فقط هو الذي يوجد فينا مع أنه ـ وفقًا لما يقولون ـ له طبيعة مختلفة وهو بعيد عن جوهر الله الآب. ولهذا السبب فهم يُحْصَون الابن مع المخلوقات. وهكذا فمَن يوجد داخلنا أى الروح، هو مخلوق وليس الله. ومع أنه ليس له علاقة مع الله الآب فإنه يهبنا التقديس. وأيضًا إن هم نظروا إلى أعلى وقالوا إن الابن هو إله فليقولوا لنا، هل سيوجد داخلنا إلهان، طالما أن الآب والابن يسكنان فينا. أم يسكن فينا إله واحد؟ لأن المسيح قال: ” إن أحبنى أحد يحفظ كلامى ويحبه أبى وإليه نأتى وعنده نصنع منزلاً[13].

إرميـــا: لا أعتقد أنهم يقصدون إلهين فربما يميلون نحو الأصح ويقبلون أنه يوجد في داخلنا إله واحد حق حسب طبيعته وأنه ـ حسب اعتقادهم ـ هو الآب فقط.

 

كيرلس: إذًا هم مضطرون ـ وليس بحسب رغبتهم ـ أن يقولوا الآتى: إن كان يوجد داخلنا إله واحد فقط وهو الآب وأن الابن يأتى معه بدون لزوم أو ضرورة، فإن كان الابن ليس إلهًا حقيقيًا، فحينئذٍ يكون الملء الذي يتم بواسطته هو بدون أى هدف. وسيكون مجىء المسيح إلى داخلنا هو أمر غير لائق طالما أنه دخول بلا هدف.

          لأنه طالما أننا هيكل للإله الواحد وليس لآلهة كثيرين فيجب أن نصرخ إلى الابن كى يخرج من داخل قلوبنا، أو بالحرى من الذي وعد بأن يأتى إلينا هو أيضًا طالما أنه لا يستطيع أحد أن يأتى مع الآب مادام الآب وحده كافٍ بطبيعته الإلهية كى يملأ بالتمام الهيكل الذي سيحل فيه؟

          وبالتالى (سأعود مرة أخرى إلى هذا الموضوع) فإن الله لن يأتِ إلى داخلنا بواسطة الروح القدس، وذلك لأن مَن ليس له الطبيعة الإلهية ـ حسب قولهم ـ لا يستطيع أن يهبنا أن نكون شركاء الطبيعة الإلهية. وهكذا فإن مجىء المسيح إلى داخلنا مع الآب هو بلا نفع ولن يكون هناك ما يمنعنا من أن نصف قول المطوّب بطرس أنه بلا معنى إذ أنه كيف يقول بوضوح أن المسيح الإله يكون داخلنا بواسطة الآب وأن الآب يدعونا بواسطة الابن أن نكون شركاء الطبيعة الإلهية حقًا.

 

إرميـــا: أقوالهم هذه هى خالية من كل تقوى.

 

كيرلس: نحن نتفق على أن طبيعة الألوهة واحدة. وأن الابن ليس كما يقولون هؤلاء، غريب عن الآب، وأنه إله حقيقى يأتى منه ويوجد فيه، وهكذا فإن طبيعته هى طبيعة الذي وَلَده. ولذلك فنحن لا نؤمن أنهما إلهان[14] لكن إله واحد وفريد يُعبد في ثالوث قدوس[15]. هل تعتقد أنه يجب أن نقبل هذه الحقائق أم نقول إنها غير صحيحة؟

 

إرميـــا: إنها صحيحة تمامًا.

[1] 1كو28:15.

[2] أف23:1.

[3] يو16:1. يرى ق. كيرلس في هذه الآية ما يوضّح إختلاف طبيعة الابن عن طبيعة باقى المخلوقات وأنها تثبت ألوهيته فيقول: ” نحن نأخذ من ملئه والطبيعة الإنسانية التي وجدت أنها= =تحتاج إلى كل شئ تأخذ من ملئه. من ملء الابن كما من الينبوع الأصلى وعطية النعم الإلهية تتدفق على كل نفس تستحق أن تأخذ. وإذا كان الابن يعطى من ملء طبيعته، فالخليقة هى التي تأخذ. فكيف يمكن أن يعتقد أحد أن الخليقة لها ذات المجد الذي للابن. فهو يعلو الجميع بحسب طبيعته الخاصة ويفوق الكل بكرامة كيان أبيه “. شرح إنجيل يوحنا، إصدار مركز دراسات الآباء، القاهرة 1989، ج1 ص138. ويعود ق. كيرلس لإستخدام هذه الآية مرة أخرى. انظر ص73.

[4] وقد سبق ق. أثناسيوس أن استخدم ما جاء في رسالة بولس الرسول الثانية إلى أهل كورنثوس 13:13 ” نعمة ربنا يسوع المسيح ومحبة الله وبشركة الروح القدس مع جميعكم ” ويدلّل بهذا على ألوهية أقانيم الثالوث ووحدتهم في الطبيعة والفعل فيقول: ” لأن هذه النعمة الإلهية التي تعطى في الثالوث من الآب بالابن في الروح القدس، وكما أن النعمة المعطاة هى من الآب بالابن، هكذا فإنه لا يكون لنا شركة في العطية إلاّ في الروح القدس. لأننا حينما نشترك فيه تكون لنا محبة الآب ونعمة وشركة الروح نفسه. ويتضح مما سبق أن فعل الثالوث هو واحد. فالرسول لا يعنى أن ما يعطى، يعطى من كل واحد متنوعًا ومجزئًا “. الرسالة الأولى إلى سرابيون عن الروح القدس المرجع السابق30، 31.

[5] 2بط4:1 بمعنى أن نكون شركاء في عطايا ونعم ومواهب الروح القدس. في موضع آخر وفي دفاعه عن ألوهية الابن المتجسد، يتحدث ق. أثناسيوس عن علاقتنا بالابن والتي تتم عن طريق الروح القدس على أنها علاقة مع الابن وكلمة الله ذاته، مستخدمًا نفس هذه الآية لتدعيم تعاليمه. انظر المقالة الأولى ضد الآريوسيين، إصدار المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، فقرة 16.

[6] 1يو13:4.

[7] يشدّد ق. كيرلس على أن الروح القدس بسبب أنه رب وواحد في الجوهر مع الآب والابن، فإنه يعمل بسلطة بحسب طبيعته الإلهية وليس كخادم. وفي صلاة سر حلول الروح القدس في القداس الإلهى المنسوب لاسمه يقول ” وإرسل إلى أسفل من علّوك المقدس … روحك القدوس الكائن بالأقنوم، غير المستحيل ولا متغيّر الرب المحييّ … الفاعل بسلطة مسرّتك، الطهر على الذين أحبهم وليس كخادم ” الخولاجى المقدس. دير البراموس الطبعة الثالثة 2002 ص467. وفي شرحه ليوحنا 25:14ـ26 يقول: ” فالروح لأنه يعرف ما هى مشورة الابن الوحيد فهو يخبرنا بكل شئ، وهو لا يأخذ هذه المعرفة بالتعلّم لكى لا يبدو أنه يشغل رتبة الخادم الذي ينقل كلمات آخر بل هو روحه، وإذ يعرف ـ دون تعلّم ـ كل ما يخص ذلك الذي هو منه وهو كائن فيه، فإنه يعلن الأسرار الإلهية للقديسين “. وأيضًا يكرر نفس هذه الحقيقة، لكن من جهة علاقة الآب بالروح القدس فيقول في شرحه ليوحنا 15:16 ” كل ما للآب هو لى “: [ الله الآب له روحه الذاتى من ذاته وفي ذاته أى الروح القدس الذي بواسطته يسكن في القديسين ويعلن لهم أسراره ـ لا كأن الروح يمارس مجرد وظيفة خدمة ـ بل بالحرى لأنه هو فيه جوهريًا ومنبثق منه بغير إنفصال ولا إنقسام وهو يفسر ما هو خاص بذلك الذي هو كائن فيه والذي منه يصير ـ وهذا ما هو يخصه أيضًا هو نفسه ـ لأن الله له إتحاد بالخليقة، فقط بواسطة ابنه في الروح وهذا الروح يخص الابن الوحيد لأنه واحد معه في الجوهر ]. انظر مقال “الروح القدس عند القديس كيرلس” د. نصحى عبد الشهيد، ضمن كتاب “الروح القدس عند الآباء”. مركز دراسات الآباء 1994. ويؤكد ق. أمبروسيوس نفس هذه الحقيقة الإلهية بقوله: [ وبكل يقين الروح القدس ليس خادمًا بل شاهدًا للابن، وهذا ما يقوله الابن نفسه ” هو يشهد لى ” (يو26:15) فالروح شاهد للابن والشاهد يجب أن يعرف كل شئ لأن الله الآب هو أيضًا شاهد ]. كتاب الروح القدس. مؤسسة القديس أنطونيوس 1983 الكتاب الأول ص24.

[8] كثيرًا ما استخدم الآباء تشبيه الشمس وأشعتها لإثبات وحدة الجوهر الإلهى للآب والابن. انظر على سبيل المثال: القديس أثناسيوس، تجسد الكلمة، ترجمه عن اليونانية وتعليقات د. جوزيف موريس فلتس، إصدار المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، طبعة ثالثة 2004 الفصل 32 فقرة3 ص 90ـ91. انظر أيضًا المقالات ضد الآريوسيين إصدار المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، المقالة الأولى فقرة 13، 25. المقالة الثانية فقرة 33. المقالة الثالثة فقرة 15:5. الرسائل عن الروح القدس إلى الأسقف سرابيون، المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية 1994: الرسالة الأولى 16، 19، 20، 30. ” الآب نور والابن شعاع ونور حقيقي الآب إله حقيقي والابن إله حقيقي “. الرسالة الثانية: 2. القديس غريغوريوس النيسى: ضد أفنوميوس، الكتاب الثامن P.G 45. 773B

[9] سبق القديس أثناسيوس أن وصف الذين يحاربون الروح القدس وينكرون ألوهيته بأنهم ” لم يدركوا أنه كما لا يجوز أن نفصل الابن عن الآب محافظين على الإيمان الصحيح بإله واحد، هكذا أيضًا فإنهم إذ يفصلون الروح عن الكلمة لا يحتفظون بعد بالإيمان بألوهية واحدة في الثالوث لأنهم يمزقون الألوهة ويخلطون معها طبيعة غريبة ومن نوع مغاير” المرجع السابق. الرسالة الأولى: 2.

[10] سكنى الروح القدس في الذين تعمدوا يدل على ألوهيته، انظر شاهد رقم 1 ص 11.

[11] 2بط4:1.

[12] أكد ق. أثناسيوس هذه الحقيقة الإلهية مدافعًا عن ألوهية الروح القدس ـ كما كان قد سبق فدافع عن ألوهية الابن المتجسد ـ وذلك ببيان كل ما أتمه الابن والروح القدس (إذ هما واحد في الجوهر) لأجل البشرية، الأمر الذي لم يكن في مقدور أى من الخلائق عمله. وفي رسائله عن الروح القدس إلى الأسقف سرابيون يقول: ” وإن كنا بالإشتراك في الروح نصير شركاء الطبيعة الإلهية فإنه يكون من الجنون أن نقول عن الروح القدس من طبيعة المخلوقات وليس من طبيعة الله. وعلى هذا الأساس فإن الذين هم فيه، يتألهون وإن كان هو يؤله البشر، فلا يتبقى أن يشك في أن طبيعته هى طبيعة إلهية، وفي نفس الموضع يقول: ” فلو كان الروح القدس مخلوقًا، لما كان لنا إشتراك في الله بواسطته، فإن كنا قد اتحدنا بمخلوق فإننا نكون غرباء عن الطبيعة الإلهية حيث إننا لم نشترك فيها”. انظر الرسائل عن الروح القدس المرجع السابق. الرسالة24:1. وواضح هنا تأثر ق. كيرلس بهذه التعاليم.

[13] يو23:14. يستشهد ق. أثناسيوس بهذه الآية للدفاع ليس فقط عن ألوهية الابن المتجسد بل وأيضًا عن ألوهية الروح القدس فيقول: ” فالمواهب التي يقسّمها الروح لكل واحد تُمنح من الآب بالكلمة.= =لأن كل ما هو من الآب هو من الابن أيضًا. إذًا فتلك الأشياء التي تعطى من الابن بالروح هى مواهب الآب. وحينما يكون الروح فينا، فالكلمة الذي يعطى الروح يكون أيضًا فينا، والآب موجود في الكلمة وهكذا يكون كما قال ” سنأتى أنا والآب ونصنع عنده منزلاً “. الرسائل عن الروح القدس. المرجع السابق. الرسالة الأولى: 30.

[14] هنا يدافع القديس كيرلس عن ألوهية الابن بكونه ضمن الأقانيم الثلاثة لله الواحد ويقول بأننا لا نؤمن أن الآب والابن إلهين لكن إله واحد وفريد يُعبد في ثالوث مقدس، وكان ق. أثناسيوس قد سبق ودافع بالمثل عن ألوهية الروح القدس ضد الذين أنكروا أنه رب وإله وبالتالى فقد جعلوا أقانيم الله الواحد اثنين وليس ثلاث ولهذا وجه لهم ق. أثناسيوس السؤال التالى: [ وإذًا فحيث إن الكنيسة لها أساس الإيمان، قليقل لنا أولئك الناس مرة أخرى وليعطوا جوابًا هل الله ثالوث أم اثنان؟ فإذا كان اثنين فعليكم أن تحسبوا الروح من بين المخلوقات. وبهذا يكون إيمانكم ليس إيمانًا بالله الواحد ” الذي على الكل وبالكل وفي الكل ” ] (أف6:4) المرجع السابق. الرسالة الأولى: 29.

[15] وقد سبق القديس أثناسيوس وأكد هذه الحقيقة بقوله ” لأنه كما أن الآب هو الكائن الذي يكون، هكذا أيضًا الكلمة هو الكائن والإله على الكل. والروح القدس ليس بدون وجود حقيقي بل هو يوجد وله كيان فعلى. وليس بأقل من هؤلاء الثلاثة تعتقد الكنيسة الجامعة “. المرجع السابق: الرسالة الأولى إلى سرابيون: 28.

شركة الخصائص الذاتية ج1 – الحوار الثالث ج2 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

إن الابن هو إله حقيقى – الحوار الثالث ج1 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

إن الابن هو إله حقيقى – الحوار الثالث ج1 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

إن الابن هو إله حقيقى – الحوار الثالث ج1 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

 

الحوار الثالث

” إن الابن هو إله حقيقى كما أن الآب إله حقيقى “

 

هل الابن هو إله حقيقي كما أن الآب إله حقيقى؟

كيرلس: إنى أعرف جيدًا يا إرميا أنك أنت أيضًا تقول إنه يجب أن نُظهر اهتمامًا كبيرًا بالفضيلة وأن نتعمق على كل حال في كلمات الإيمان[1]، لأن مثل هذه الكلمات هى خاصة بالله. ولهذا فإن الكتاب يقول ” ولتكن هذه الكلمات التي أنا أوصيك بها اليوم على قلبك وقصّها على أولادك وتكلّم بها حين تجلس في بيتك وحين تمشى في الطريق وحين تنام وحين تقوم[2].

          لأنه إن كان كلام الله في أفواهنا دائمًا فإن هذا سيكون له ـ كما أعتقد ـ نفع كثير لحياتنا الروحية، كما أتصور أن كلام الله هذا لا يناسب الجميع بل فقط أولئك الذين لهم الاهتمام أن يعيشوا حسب مشيئة الله[3].

 

إرميـــا: إنى أتفق معك فيما تقول، لأنه لا يوجد شئ أفضل من هذا. ولأننا نتكلّم في الوقت الحاضر عن ولادته الإلهية التي لا توصف وأن الابن لم يأتِ إلاّ من الآب، إذ وُلِدَ من جوهر الله الآب[4]. فما هو الأمر الذي يجعل المعارضين يؤمنون بأن الله هو واحد، الذي هو الآب وأنه إله حق، ولا يحسبون معه أحدًا آخر بالمرة، بل ويبعدون الألوهة الحقة عن طبيعة الابن الوحيد والحقيقى، ذاتها؟

 

كيرلس: أنا نفسى أتساءل عن هذا الأمر الذي يبعدهم بعيدًا، والذي يجعل “من جفنة سدوم جفنتهم، ومن كروم عمورة. عنبهم عنب سم ولهم عناقيد مرارة. خمرهم حمة الثعابين وسم الأصلال القاتل[5]. لأنهم وهم سكارى بسبب ضلالاتهم والتي لا أعرف أين وجدوها، فإنهم يتفوهون من أعماق قلوبهم الماكرة بأمور شريرة. وهم قد تركوا ألسنتهم بدون أى ضابط لينطقوا بالتجديف على الابن[6]، إذ أنهم في هذا يعانون من عدم الفهم الذي يصاحب عدم التقوى الذي اتصف به الفريسيين. ولهذا فإنهم يستحقون أن يسمعوا ما قيل للفريسيين ” يا أولاد الأفاعى كيف تقدرون أن تتكلّموا بالصالحات وأنتم أشرار[7]. ومع أنه ـ بالتأكيد ـ كان يجب مع تمسكهم بطريقة البحث الدقيق، ألاّ يعتقدوا أن ما يبدو لهم أنه صحيح، ليس بالضرورة أن يكون هو السليم والذي لا يقبل النقض. ويجب عليهم أن يبعدوا بأسرع ما يمكن عن تلك الأمور السطحية. لأنهم لو حاولوا البحث بتدقيق في الأمور التي تساعد على فائدتهم وعلى الحكم السليم على الأمور، فإنهم سيتمسكون بتعاليم الحق الإلهى.

 

          لأنى أعتقد أنه من خيالات العقل واضطرابه أن يدّعيَّ المرء أن الابن المولود من الله مثل الكلمة من العقل ومثل الشعاع من النور[8]، ليس هو الله الحقيقى حسب الطبيعة. كما أعتقد أنه من طياشة العقل أن ينساق المرء وراء أفكار لا هدف لها، وأن يتفاخر بتزييف معانى مصطنعة. أليس من الأفضل أن نتعلّم أنه حيث توجد الولادة حسب الطبيعة تكون هناك بالتأكيد علاقة بين الوالد والمولود منه[9]. وأن هذه العلاقة ليست هى علاقة نسبية أو علاقة غير حقيقية بل هى علاقة طبيعية[10]؟ لأن المولود بالحقيقة يأتى من ذات جوهر الذي وَلَده. فكيف يكون إذًا ذلك الذي وُلد من الله، ينقصه شئ أو يكف أن يكون ـ حسب رأيهم ـ هو الله بالحقيقة؟

 

إرميـــا: نعم، ويمكننى أن أقول: إنه هو الله وأنه أتى من الله لكن بطريقة مختلفة.

 

كيرلس: إذًا، ما هو بالضبط هذا الشئ المختلف. لأنى لا أستطيع فهمه بوضوح وربما استطعت أنت أن تقوله لى، إن كنت تعرف شيئًا، لأنه من الطبيعى أن تكون قد سألت عن هذا الأمر؟

 

إرميـــا: بالفعل قد سألت. هم يقولون: إن الآب هو إله حقيقى غير أن الابن ليس كذلك حتى لو كان يدعى الله. ويقولون: إن الابن يأتى فقط من الله بمعنى أنه يأتى من الله لأن كل الأشياء هى من الله.

 

كيرلس: هذا بالطبع يعنى كأنهم يصرخون عاليًا، وقد تركوا تمامًا كل إحساس بالخجل، ويقولون إن الابن ليس هو الله بل هو مساوٍ لكل المخلوقات في طريقة الخلق فهو قد وُلِدَ ووُجِدَ من العدم وحُسِبَ من بين المخلوقات كواحد منها.

          وأعتقد أنه من الحكمة الفائقة أن تجرد كلامهم من كل تزويق وألاّ تترك المعارضين يزيّنون كلامهم عن ـ طبيعة الابن ـ بكلام معسول، فهم لا يؤمنون على الاطلاق بأى شئ حقيقى عنه، ولتقنعهم بأن يقولوا ما يؤمنون به عنه علنًا، لأنى أعتقد أن كلامهم الهزيل سيُنتقد أيضًا علنًا. ويستطيع المرء أن يُدرك حقيقة كون الابن قد أتى من الآب، إن كان عقله غير فاسد ويؤمن بأن هذا لا يعنى شيئًا آخر غير أن الابن قد وُلِدَ[11]. أما أنه قد صَدَر من ذات جوهر الآب[12] فقد بيّنه الحوار الذي أجريناه مؤخرًا[13]. وأعتقد أن على كل عقل يعرف كيف يبحث في العمق، أن يشجع هذا الحوار.

 

إرميـــا: إنه أمر طيب أن تكون راغبًا في هذا، أما الاعتراضات التي يمكن أن يثيروها على حججنا فهى كالآتى:

 

          يقولون: إن واحد فقط يُدعى الله في العهد القديم كما في العهد الجديد. لأن موسى قد قال ” اسمع يا إسرائيل. الرب إلهنا رب واحد[14]. وأيضًا يصرخ الرب قائلاً: ” انظروا الآن. أنا أنا هو وليس إله معى[15]. وأيضًا     ” أنا الرب الأول وأنى كائن إلى الأبد ولا يوجد إله لك غيرى[16]. كما أن الابن نفسه يقول للآب ” هذه هى الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقى وحدك[17]. وهم يستطيعون بسهولة أن يشيروا إلى آيات عديدة مثل هذه وسيحاولون بوجه عام تفسيرها مستخدمين حججهم، وهم يتوقعون أن البعض سيؤمن بسرعة أن الآب هو فقط الإله الحقيقى وأنه لا يوجد آخر غيره قط.

 

كيرلس: لكن قل لى: لماذا يتعبون أنفسهم في محاولة إقناعنا بما يقولون؟ فنحن لا نحتاج إلى مجهود على الاطلاق ـ أيها الحبيب ـ لكى نوافق مباشرةً على ما يقولونه ونؤمن بالآب الإله الحقيقى حسب الطبيعة وذلك وفق نص قانون الإيمان[18]. وهل يمكن للمرء أن يعترض على هذا، وماذا تكون حجته؟ أما إذا قالوا: إنه لا يوجد إله غيره إطلاقًا (في كل الوجود) فإن هذا لا ينطبق على طبيعة الابن في شئ، لأنه بطبيعته مختلف عن كل (الآلهة المخلوقة)[19] ولا يُحسب ضمن المخلوقات إذ هو كائن دائمًا مع أبيه مُشرقًا دائمًا معه وهو يُدرَك دائمًا مع الذي وَلَده في طبيعة إلهية واحدة. واحد إذًا هو الله وهو الإله الحقيقى لأننا قد عُتقنا من تعدّد الآلهة وطالما قد تنقينا أخيرًا من لطخة تعدد الآلهة وعرفنا الرب الحقيقى الواحد، لنترك الآن هذه الأمور ولنأتى إلى موضوعنا لأنى أظن أنه يجب أن نفعل هكذا.

 

إرميـــا: أى موضوع تقصد؟

 

كيرلس: قول الابن إن الآب هو الإله الحقيقى وحده.

 

إرميـــا: نعم هكذا قال.

 

كيرلس: والعهد القديم قال لنا أيضًا أنه لا يوجد إله آخر سواه.

 

إرميـــا: بالفعل.

 

كيرلس: هيا بنا أيها الحبيب نحن أيضًا إلى الكتب المقدسة[20] ـ ولنفحص بتدقيق كلام القديسين. هلم إذًا لنفحص ربما وُجد مَن دَعىَ الابن ووَصفَه بأنه إله حقيقى وحده.

 

إرميـــا: بالصواب تتكلم.

 

كيرلس: إذًا سنرى أمامنا يوحنا الحكيم والذي دُعى ابن الرعد[21]، يصرخ قائلاً ” ونعلم أن ابن الله قد جاء وأعطانا بصيرة لنعرف الحق ونحن في الحق في ابنه يسوع المسيح هذا هو الإله الحق والحياة الأبدية[22]. ويقدّم لنا العون أيضًا باروخ الذي يعلن بوضوح طبيعة ومجد الابن ويصرخ بنفس الطريقة ويشير إلى نفس الأمر بقوله ” هذا هو إلهنا ولا يحسب آخر تجاهه هو وجد كل طريق التأدب وأعطاها ليعقوب غلامه وإسرائيل المحبوب منه. بعد هذا ظهر على الأرض وتصرف مع الناس[23]. وأيضًا نستطيع أن نقول إن الرسول بولس الطوباوى قد حدّثنا عن رب وهو يسوع المسيح وأيضًا داود ينشد بوحى الروح قائلاً: ” لأنه مَن هو إله غير الرب وهل يوجد إله سوى إلهنا[24]. إذًا لقد دُعى الابن الوحيد الجنس بأنه الإله الوحيد والحقيقى وذلك بطريقة واضحة وأكيدة في الأسفار المقدسة.

 

إرميـــا: هذا حق.

 

كيرلس: بالنسبة لنا طالما أن الآب هو وحده الإله الحقيقى، فإن الابن أيضًا هو إله مساوٍ له ولا يوجد أى اختلاف بينهما (في الجوهر) ولا يمكن أن يُحسب معهما أحد آخر على الاطلاق. إذًا إلى أين يتجه فكر هؤلاء الذين يعتقدون بما ينادون به، لأن طبيعة الآب والابن ستَحُول دون ذلك الفكر وإلاّ كانت غير مستحقة للمجد اللائق بها كطبيعة إلهية طالما أنها ستكون متغيّرة وغير ثابتة؟[25] وبالعكس لو أننا نسبنا للابن فقط الألوهة الحقيقية ولم نحسب معه أحدًا غيره إلهًا، أفلن نُحد بذلك من مجد الآب، الأمر الذي لا يحق لنا أن نقوله؟ أَوليس غير صحيح أن نقول إنه طالما نقبل أن الآب فقط هو وحده الإله الحقيقى أننا نؤكد بذلك فورًا أن الابن له طبيعة مختلفة عن الآب وبالتالى فإننا نجرده من الألوهة الكاملة وبالتالى تكون له طبيعة أخرى؟

 

إرميـــا: بالطبع إن معانى الكلمات[26] تقود إلى هذا الفكر. ومع هذا فالمعارضون لديهم الحق في أن يقولوا بأنه إن كان الابن هو إله حقيقى فإن هذا سيمنعنا من القول بأن الله هو واحد بل سيضطرنا إلى القول بأنه اثنين.

 

كيرلس: إن تلك الأمور الغريبة التي ينادون بها هى غير واضحة بالمرة، ويمكن اعتبارها أنها طريقة من طرق التجديف المعروفة التي تنتشر بسرعة. غير أن هدفنا ليس هو أن نفحص من أين يأتى هذا التجديف بل بالحرى أن نعترف أنه يجب أن ندرك كيف أن الابن قد وُلِدَ من جوهر الله الآب وأنه إله حق من إله حق[27] وأنه لم يولد من طبيعة غريبة ومختلفة، وأن له كل ما للآب حسب الجوهر عدا كونه أبًا[28]. وإذ نحصى الروح القدس مع الآب والابن في الألوهة الواحدة، فإننا هكذا نسجد لثالوث واحد مساوٍ في الجوهر الإلهى.

إرميـــا: لكن إن قالوا إنه لو قبلنا بوجود ثلاثة أقانيم، فإنه سيمكن أن نفهم حينئذٍ أن الألوهة مثلثة (أى يوجد ثلاثة آلهة).

كيرلس: بالنسبة لنا فإن الحقيقة الإلهية تعلّمنا[29] أن الأمور ليست هكذا. لأننا قد تعمدّنا باسم الآب والابن والروح القدس[30]، وبالطبع لا نقول إننا نؤمن بثلاثة آلهة، لكن بألوهة واحدة ممجدّة في الثالوث القدوس[31]. فلماذا إذًا تتسرع محاولاً أن تُخضع تلك الأمور التي تفوق العقل لأفكار بشرّية[32]، تلك الأمور التي أعتقد أنه يجب أن يُنظر إليها فقط بالإيمان الخالى من كل شك؟ لأن التساؤل عن ماهية الثالوث وعن طبيعة الألوهة هو أمر غير لائق بالمرة ويدل على عدم التقوى[33]. وعلى عكس ذلك فإن التقوى هى أن نرغب في أن نفكر بطريقة سليمة كيف أننا نسجد للثالوث القدوس الإله الواحد. أتوافق إذًا يا إرميا على أننا نفهم هذه الأمور ونؤمن بها بطريقة صحيحة، بينما المخالفون يحاولون بكل الطرق أن يخترعوا أمورًا غريبة وأفكارًا شاذة لا تخطر على فكر أحد؟

 

إرميـــا: صحيح، وأنا أعرف أنهم يحاولون ذلك، لكن كيف يكون الله الذي نؤمن به واحدًا بينما نقول إن لكل من الآب والابن أقنومه الخاص؟

 

كيرلس: إن ما يساعدنا في فهم هذا الأمر هو أن نأخذ في اعتبارنا حقيقة وحدة الجوهر، تلك الوحدة التي بها يكون للأقنومين جوهر واحد، مع حفظ ما يخص كل منهما كأقنوم وألاّ تُنسَب الإزدواجية إلى الطبيعة البسيطة[34] ولا حتى بسبب الخوف أننا ربما نخدش بساطة الطبيعة عندما نتحدث عن أقنومين. ونستطيع أن نبيّن أن الكلام عن وحدة الجوهر هو كلام حق من كل الشهادات التي وردت عن الابن في الكتاب المقدس. بمعنى أنه لأن الآب بطبيعته هو الله بالحقيقة فإنه سيقبل أن يكون الابن بطبيعته هو الله بالحقيقة، بسبب أن لكل منهما أقنومه الخاص ولهما نفس الجوهر. وليست هناك طريقة أخرى لذلك عدا أن يكون الابن من ذات الآب وأن الابن له في ذاته نفس طبيعة الذي وَلَده، وبهذه الطريقة يمكن أن يُفهم ما يقال بأن الابن والآب هما واحد. وهكذا، فعلى سبيل المثال نجد أن فيلبس قد وُبِخَ لأنه لم يعبّر عن عطشه للمعرفة بكلمات واضحة. وإذ كان من الممكن أن يرى وبكل وضوح طبيعة الله الآب في شخص الابن فإنه قال ” يا سيد أرنا الآب وكفانا[35]. والرب قد أجابه قائلاً: ” أنا معكم زمانًا هذه مدته ولم تعرفنى يا فيلبس الذي رآنى فقد رأى الآب فكيف تقول أنت أرنا الآب، ألست تؤمن أنى أنا في الآب والآب فيّ[36]. ” أنا والآب واحد[37]. وقول الرب هو حق لأنه بما أن الابن مولود من جوهر الله الآب، فإنه بالقطع كائن في الآب، وهو (الابن) يستطيع من خلال طبيعته أن يُظهر طبيعة الذي وَلَدَه. وطالما أن الآب لا يُدْرَك إلاّ بالابن وفي الابن، وبما أن الابن هو رسم جوهر الآب[38]، فإن طبيعة مَن وَلَده تكون فيه هو أيضًا. وأعتقد أيضًا وبحسب ما نؤمن، أنه يجب أن نقول إن ما يقال عن أى منهما يسرى على كل منهما لأن لكليهما نفس المجد.

[1] دائمًا ما يركّز آباء الكنيسة وخصوصًا ق. كيرلس على أن حياة الفضيلة هى ثمرة مباشرة لحياة الإيمان المستقيم. انظر على سبيل المثال: شرح قانون الإيمان (رسالة رقم 55) للقديس كيرلس، ترجمة د. موريس تاوضروس ـ د. نصحى عبد الشهيد، مركز دراسات الآباء. القاهرة 1996م. ص26ـ27.

[2] تث7:6.

[3] من أشهر كتابات ق. كيرلس الروحية هو كتاب السجود والعبادة بالروح والحق والذي يشرح فيه أهمية أن يُفهم ما جاء في كلمة الله في العهد القديم كمثال للعبادة بالروح والحق ويمثل نفعًا كبيرًا لحياتنا الروحية وسوف نشير إلى هذا الكتاب في الهوامش، ولقد ترجم الباحث جورج عوض سبعة مقالات منه عن اليونانية ونشرها المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية بالقاهرة، في خمسة أجزاء 2001، 2002، 2003، 2004، 2006م.

1 يتبع ق. كيرلس هنا نفس تعبير ق. أثناسيوس ونص مجمع نيقية 325م. انظر المقالة الأولى ضد الآريوسيين. المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، فصل 58. وهنا يكرر ق. كيرلس كثيرًا، هذا التعبير الهام. انظر ص9، 14، 15، 48، 68، 80. وأيضًا رسائل ق. كيرلس. المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية. الرسالة 17 ص 15.

[5] تث32:32.

[6] يكرر ق. كيرلس هنا ما سبق أن كتبه ق. أثناسيوس في وصف الآريوسيين الذين أنكروا ألوهية الابن ” ولكونهم مروجين للبدعة الآريوسية، فإنهم لا يضبطون ألسنتهم عن الكفر “. الرسائل عن الروح القدس للأسقف سرابيون. ترجمة د. موريس تاوضروس ود. نصحى عبد الشهيد. مركز دراسات الآباء 1994، الرسالة الثالثة: 5. ولقد أشار ق. كيرلس من قبل إلى الآريوسيين وأوضح تجديفهم بقوله “ولكنهم يتجنون على كلمة الحق حينما يقللون ـ بدون تقوى ـ من مجد الابن وينسبونه إلى طبيعة أخرى مختلفة عن طبيعة الآب؛ وهكذا يظهر الابن على أنه خارج جوهر الآب” حوار حول الثالوث: المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية سنة 1999 المقالة 1، 2 ص 56.

[7] مت34:12.

[8] لقد أشار ق. كيرلس إلى هذا المثل من قبل بقوله ” لنأخذ مثالاً وليكن طبيعة الشمس والشعاع الذي يخرج منها. ولا يمكن أن نطبق آلام الولادة والتمزق وخلافه على خروج الشعاع من الشمس، وهو كائن فيها رغم إشعاعه. وهكذا فالشمس تمتلك في طبيعتها الخاصة، شعاع النور الذي لا ينفصل عنها، لكنه يبدو بعد خروجه منها أن له فرادة خاصة به وأحيانًا يفكر البعض في الشمس نفسها ولكنهم لا يستطيعون أن يتخيّلوا جوهرها. ففي هذا الجوهر يوجد الشعاع ومن الجوهر يخرج الشعاع دون أن ينفصل الشعاع عن الجوهر، إلاّ أنه متميّز عنه، إذ أن الشعاع يخرج من الشمس إلى خارجها، ولهذا فمن العبث والمُضحك أن نتصور أن الشمس أقدم من الشعاع، وكأن الشعاع الخارج منها يجىء متأخرًا. ولا أعتقد أن إنسانًا حكيمًا وسليم العقل يفكر هكذا. فهذا التصور معناه أن الشمس غير موجودة بسبب أنها لا تمتلك النور موجودًا فيها. وهو الذي يجعلنا ندرك أنها موجودة. هكذا ترى أن الأمثلة المادية الملموسة لها قيمتها في صياغتنا للتعبيرات السليمة، فهى تعطينا إمكانية أن نعبّر عن المعانى الفائقة، دون أن تُفسد هذه التعبيرات معنى الميلاد الإلهى. حوار حول الثالوث، المرجع السابق ص 104. وكثيرًا ما استخدم القديس أثناسيوس تشبيه النور والشعاع الخارج منه لوصف العلاقة الجوهرية للابن بالآب. انظر: الرسائل إلى سرابيون عن الروح القدس. مركز دراسات الآباء 1994. الرسالة الأولى: 16، 19، 20، 30. الرسالة الثانية:2. المقالة الثانية ضد الآريوسيين: 35. وهذا الوصف يعنى أن الابن هو نور مشع من الآب. وهكذا نفهم نص قانون الإيمان “نور من نور” بعكس فهم “إشعاع” بمعنى نور مقتبس من نور آخر مثلما يأخذ السراج نوره من سراج آخر فيكون تعبيرًا عن الإنقسام والتجزئة في عالم المخلوقات، والتي لا وجود لها في= =طبيعة الله الثالوث. وفي موضع آخر يشدّد ق. أثناسيوس عن أن طبيعة الابن هى نفسها طبيعة الآب مستخدمًا نفس هذا الوصف فيقول ” إن الشعاع هو النور وليس ثانيًا بعد الشمس، ولا هو نور آخر، ولا هو ناتج من المشاركة مع النور، بل هو مولود كلي وذاتى من النور ومثل هذا المولود هو بالضرورة نور واحد ولا يستطيع أحد أن يقول إنه يوجد نوران، فرغم أن الشمس والشعاع هما اثنان إلاّ أن نور الشمس الذي ينير بشعاعه كل الأشياء هو واحد “. انظر المقالة الثالثة ضد الآريوسيين، مركز دراسات الآباء. القاهرة سنة 1994. فصل 4.

[9] انظر أيضًا ق. أثناسيوس “.. هكذا وإن كان الله أبًا فلابد أن يكون لمن هو ابن بالطبيعة ومن نفس جوهر الآب ” الرسائل عن الروح القدس. المرجع السابق. الرسالة الثانية:6. وأيضًا ” الابن مولود من الآب أى صادر من جوهره، ولأنه ابنه فلابد أن يكون له نفس الجوهر ” ق. كيرلس. حوار حول الثالوث. المرجع السابق ص49.

[10] أى علاقة حسب الطبيعة الواحدة الإلهية التي تربط الآب بالابن.

[11] ” إن الابن بسبب خصوصيته مع الآب وبسبب أنه المولود الذاتى لجوهر الآب، هو غير مخلوق بل من نفس جوهر الآب” ق. أثناسيوس الرسائل عن الروح القدس. المرجع السابق الرسالة الثالثة:1.

[12] الابن هو “المولود الأصيل لجوهر الآب ” ق. كيرلس. شرح إنجيل يوحنا. المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية ج5 ص 159.

3 يقصد الحوار الثانى من الحوارات السبعة والذي قام المركز بترجمته ونشره. انظر حوار حول الثالوث. المرجع السابق.

[14] تث4:6.

[15] تث39:32.

[16] إش4:41(س).

[17] يو3:17.

[18] حيث يُذكر ” نؤمن بإله واحد الله الآب ضابط الكل…”. والجدير بالذكر أن ق. كيرلس قد قام بشرح قانون الإيمان الذي أقره مجمع نيقية ـ القسطنطينية، في رسالة له موجهة إلى الرهبان (رقم 55). انظر  هامش 1 ص1.

[19] ” حيث إن الابن ليس بينه وبين المخلوقات أى مشابهة ” كما سبق أن أشار ق. أثناسيوس، انظر: الرسائل عن الروح القدس المرجع السابق. الرسالة الثانية:5 وأيضًا يقول عن الابن “فهو ليس من بين الأشياء المخلوقة”. المرجع السابق الرسالة الثالثة: 4.

[20] يؤكد ق. كيرلس هنا ما سبق أن ذكره ” ولست أدعى أننى سأقول شيئًا أفضل من الذي قاله أسلافنا أو أنى سوف أسبر غور الأمور الروحية بشكل أحسن، لأننا نجد كفايتنا فيما كتبه الآباء القديسون، لأن مَن يقرر أن يتعرّف بحكمة على الآباء ويستخدم كتاباتهم بالحرص الواجب فسوف يسكن النور الإلهى في عقله “. حوار حول الثالوث. المرجع السابق ص17. ويوضح ق. أثناسيوس أهمية الحرص على الإيمان المسلّم مرة بالتقليد والذي يتطابق مع ما جاء في الكتاب المقدس فيكتب في نهاية رسالته الأولى إلى الأسقف سرابيون عن الروح القدس ” .. بحسب الإيمان الرسولى المسلّم لنا بالتقليد مع الآباء فإنى قد سلّمت التقليد بدون ابتداع أى شئ خارجًا عنه، فما تعلمته بذلك قد رسمته مطابقًا للكتب المقدسة ” وعندما طلب منه الأسقف سرابيون أن يشرح له الآية ” من قال= =كلمة على ابن الإنسان يُغفر له أما مَن قال على الروح القدس فلن يُغفر له في هذا الدهر ولا في الدهر الآتى ” (مت31:12ـ32)، فقد فسر ق. أثناسيوس هذه الآية له في رسالته الرابعة والتي ختمها بالنصيحة التالية ” لقد كتبت هذا الشرح حسبما تعلّمت .. أما بالنسبة لك فأرجو أن تقبل هذا الشرح ليس كتعليم كامل وتام في ذاته بل كبداية تحتاج إلى أن تكملها معتمدًا على نصوص الأناجيل والمزامير. المرجع السابق.

[21] مر17:3.

[22] 1يو20:5.

[23] باروخ36:3ـ38.

[24] مز32:18(س).

[25] الطبيعة الثابتة والتي لا تقبل أى تغيير هى الطبيعة الإلهية. أما طبيعة باقي المخلوقات فهى قابلة للتغيير وتتصف بعدم الثبات.

2 أى كلمة “أب”، “ابن” حيث إن الأب لابد أن يلد ابنًا له نفس طبيعته.

[27] بحسب نص قانون الإيمان النيقاوى ـ القسطنطينى.

[28] يوضح ق. أثناسيوس حقيقة ألوهية الابن المتجسد بكونه مختلف في جوهره عن كل المخلوقات وبأن له ما لله الآب فيقول: [ وحيث إنه غريب عن المخلوقات حسب الجوهر، ولكونه الكلمة الخاص بالآب وهو لا يختلف عنه وحيث إن كل ما للآب هو له، فذلك يقضى أنه من نفس جوهر الآب .. وهذا ما أدركه الآباء حينما اعترفوا في مجمع نيقية أن الابن مساو للآب في الجوهر ومن نفس جوهره. لقد تحققوا جيدًا أن الجوهر المخلوق لا يستطيع أن يقول ” كل ما للآب هو لى ” وبسبب أن وجود الجوهر المخلوق له بداية، فهو ليس كائنًا بذاته ولم يكن أزليًا، ولذلك فحيث إن الابن له هذه الخصائص وحيث إن كل الأشياء السابق ذكرها والتي للآب هى للابن، فمن الضرورى أن يكون جوهر الابن غير مخلوق بل هو من نفس جوهر الآب. لهذا السبب ـ فلا يمكن أن يكون جوهره مخلوقًا فهو يملك خواص الله، تلك الخواص التي له والتي بها يُعرف الله ]. الرسالة الثانية إلى سرابيون عن الروح القدس: المرجع السابق فقرة:5، ضد الآريوسيين. المرجع السابق 3:3.

[29] يمثل التعليم بعقيدة الثالوث، تعليمًا أساسيًا وجوهريًا في إيماننا المسيحى ولهذا فإن القديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات يصف هذه العقيدة بأنها “رأس الإيمان”. ويقول ق. أثناسيوس في سياق دفاعه عن ألوهية الروح القدس وبالتالى دفاعه عن وحدة الثالوث وألوهيته قائلاً ” دعونا ننظر إلى تقليد الكنيسة وتعليمها وإيمانها الذي هو من البداية والذي أعطاه الرب وكرز به الرسل وحفظه الآباء وعلى هذا الأساس تأسست الكنيسة ومَن يسقط منه فلن يكون مسيحيًا ولا ينبغي أن يدعى كذلك فيما بعد وإذًا يوجد ثالوث قدوس وكامل ويُعترَف بلاهوته في الآب والابن والروح القدس”.= =انظر الرسائل عن الروح القدس إلى الأسقف سرابيون. مركز دراسات الآباء 1994. الرسالة الأولى: 28 ص82ـ83. انظر أيضًا: عقيدة الثالوث القدوس. في كتاب ” تعاليم عقيدية في الصلوات الليتورجية ” د. جوزيف موريس فلتس، إصدار المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية. القاهرة 2004 ص 21ـ35. وأيضًا:

Trinity: in the encyclopedia of Early Christianity, second Edition, 1998, P 1143.

[30] يشدّد الآباء على أن الكنيسة في ممارستها لسر المعمودية باسم الثالوث، تعكس إيمانها بحقيقة ألوهية الأقانيم الثلاثة وهو إيمانها الواحد والذي على أساسه تُجرى المعمودية الواحدة والتي يسميها ق. أثناسيوس “طقس التكميل” والذي يتم به الإنضمام إلى الكنيسة ويقول: [ هذا هو إيمان الكنيسة الجامعة لأن الرب أسسها وأصلّها في الثالوث حينما قال لتلاميذه ” اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح الدس ]. الرسالة الثالثة إلى سرابيون عن الروح القدس، المرجع السابق فقرة 6. وأيضًا يقول ” فألوهة الثالوث واحدة وإيمان واحد وتوجد معمودية واحدة تعطى فيه وواحد هو التكميل “. الرسالة الثالثة إلى سرابيون عن الروح القدس، المرجع السابق فقرة: 7. والجدير بالذكر أن ق. أثناسيوس في محاربته لأفكار الآريوسيين الذين أنكروا ألوهية الابن كان قد حذّرهم من عدم جدوى سر التكميل أى المعمودية لأنهم ينكرون الابن وبالتالى ينكرون ألوهية الآب فيقول: [ أما هؤلاء الآريوسيون فإنهم يخاطرون بفقدان إتمام السر وأعنى به المعمودية لأنه إن كان إتمام السر يعطى باسم الآب والابن وهم لا يقرون بأي حقيقة بسبب إنكارهم للابن الذي هو منه، الذي هو مثله في الجوهر، منكرين الابن الحقيقي ويسمون لأنفسهم ابنًا آخر… ألا يكون طقس المعمودية الذي يتممونه فارغًا تمامًا وعديم الجدوى، إذ أن له مظهر خارجى، أما في الحقيقة فإنه ليس له شئ يعين على التقوى؟ لأن الآريوسيين لا يعمدّون باسم الآب والابن، بل باسم خالق ومخلوق .. فليس مَن يقول ببساطة “يا رب” هو الذي يُعطَى المعمودية بل هو ذلك الذي مع الاسم الذي يدعوه، عنده أيضًا إيمان مستقيم … ومع الإيمان المستقيم يأتى إتمام المعمودية ]. المقالة الثانية ضد الآريوسيين 42. كما أنه يستخدم نفس هذا التوجه الإيمانى في محاربته لأفكار “المحرفون” الذين أنكروا ألوهية الروح القدس فيقول: [ إن التكميل (المعمودية) الذي تحسبون أنكم تمارسونه ليس إنضمامًا تامًا إلى اللاهوت لأنكم تمزجون المخلوق باللاهوت وتضعون الخليقة مع الله الذي خلقها بكلمته الذاتى .. فمن هو الذي يوحّدكم بالله إن لم يكن لكم روح الله بل الروح الذي من الخليقة؟ .. لأنه إن كان الروح ـ كما تقولون ـ هو ملاك ومخلوق وفي نفس الوقت يحسب مع الثالوث، إذًا يكون ضروريًا، ليس لواحد فقط من الملائكة الذين خلقوا، أن يحسبوا مع اللاهوت،= =وبذلك لا يعود هناك فيما بعد ثالوث بل عدد لا يحصى في اللاهوت. وهكذا فإن طقس الإنضمام (المعمودية) الذي نكرر أنه يظهر أنه طقسكم، هو منقسم بين هنا وهناك وصار غير أكيد بسبب تقلبه ]. الرسالة الأولى إلى سرابيون عن الروح القدس، المرجع السابق: 29. ويتابع ق. أثناسيوس تعليمه عن الإيمان بالثالوث الواحد وعلاقته بالمعمودية على اسم الثالوث فيقول: [ لأنه كما أن الإيمان بالثالوث ـ المسلّم إلينا ـ يجعلنا متحدين بالله، وكما أن ذلك الذي يستبعد أحد أقانيم الثالوث ويعتمد باسم الآب وحده، أو باسم الابن وحده أو باسم الآب والابن بدون الروح القدس، لا ينال شيئًا بل يظل غير فعّال وغير مكتمل، هو نفسه وذلك الذي يفترض أنه ضمه (بالمعمودية)، هكذا ذلك الذي يفصل الابن عن الآب، أو مَن ينزل الروح إلى مستوى المخلوقات، فليس له الآب ولا الابن بل هو بدون إله، وهو أشر من غير المؤمن، ويمكن أن يكون أى شئ إلاّ أن يكون مسيحيًا لأن كما أن المعمودية التي تعطى الآب والابن والروح هى واحدة فإن الإيمان بالثالوث هو واحد ]. المرجع السابق. الرسالة الأولى:30.

[31] في محاولته لبيان “سر المسيح” الذي كانت أحداث وشخصيات العهد القديم ظلاً له، واستُعلن لنا بتجسد الابن الوحيد، أوضح ق. كيرلس في مجال شرحه لحادثة الطوفان وإلى مَن كان يرمز نوح وإلى أى شئ يرمز الفلك وإلى مَن تشير مقاييسه وأبعاده … الخ. فيقول ” إن هذه المقاييس تشير بكل وضوح إلى الثالوث القدوس الواحد في الجوهر وإلى أن الطبيعة الإلهية كاملة تمامًا “. ثم يشرح دلالات هذه المقاييس بقوله: [ انتبه إذًا إلى ما ورد في الكتاب المقدس بخصوص الثلاثمائة ذراع والتي ترمز إلى الكمال. لأن هذا كان طول الفلك لكن عرض الفلك الذي يبلغ خمسين ذراعًا يعبّر جيدًا عن وحدة الألوهة التي هى كمال الكمال فإن الخمسين هى سبع سبعات وتضاف إليهم وحدة واحدة لأن الطبيعة الإلهية هى واحدة. أما إرتفاع الفلك فلا يعلن لنا أى شئ آخر سوى هذه الألوهية، لأنه يصل إلى ثلاث عشرات وينتهى أيضًا إلى ذراع واحد الذي هو فوق الكل والأعظم. لأنه يقول “وثلثين ذراعًا إرتفاعه وتصنع كوا الفلك وتكمله إلى حد ذراع من فوق ” (تك16:6) أى بينما الثالوث القدوس هو ثلاثة أقانيم إلاّ أن له طبيعة واحدة إلهية، ولكننا إن كنا نقول إن الآب والابن والروح القدس ثلاثة أقانيم إلاّ إننا نؤمن بطبيعة واحدة وأنهم متحدون في جوهر واحد، وهذا ما أشار إليه بقوله ” وتكمله إلى حد ذراع من فوق”. حسنًا قد خلّصنا المسيح بالإيمان وأدخلنا إلى الكنيسة فهى كمثل فلك ندخل إليها لننتصر على خوف الموت وننجو من نيران هذا العالم لأن نوح البار ـ أى المسيح ـ سيكون معنا ]. انظر “جلافيرا” أى تعليقات لامعة: ترجمة الباحث جورج عوض إبراهيم، نُشرت بالكتاب الشهرى للشباب والخدام. المقالة الثانية على سفر التكوين، عدد يونيو 2004 ص19.

[32] وأيضًا نجد أن ق. أثناسيوس في رسائله إلى سرابيون عن ألوهية الروح القدس، يعلّق على أفكار الهراطقة بقوله: ” لأن هذا الذي سلّم إلينا بواسطة الإيمان لا يجوز لنا أن نقيّمه بمقاييس الحكمة البشرية. بل يسمع الإيمان لأن أى عقل يمكنه أن يفسر بإحكام، الأمور التي تعلو على الطبيعة المخلوقة، أى سمع يمكنه أن يدرك الأشياء التي لا يسوغ للبشر أن يسمعها أو ينطقوا بها “. مركز دراسات الآباء 1994، الرسالة الأولى: 17 ص62. ويعترض على توجيه الهراطقة للأسئلة حول حقيقة الثالوث الذي يجب عليهم أن يؤمنوا به أولاً كى يفكروا به فيقول ” إن توجيه مثل هذه الأسئلة عن الله يكون جرأة جنونية لأن الألوهة لا تُسلّم لنا بواسطة براهين كلامية بل بالإيمان مع التفكير بتقوى ووقار “. الرسالة الأولى: 20 ص68.

[33] التساؤل ليس فقط عن ماهية الثالوث بل وأيضًا عن كل الأمور العقائدية والإيمانية هو دليل على “عدم التقوى إذ يجب أن نسلّم بكل هذه الحقائق كما هى، أو كما سبق وأن كتب ق. كيرلس أيضًا أننا يجب أن لا نكون فضوليين أكثر من ذلك، وألاّ نجازف بالفحص المتهور لما تسلمناه بالإيمان. وذلك لأن الذي من الإيمان لا نسعى لامتلاكه بطرق أخرى .. وما يعتمد على البحث العقلانى ليس إيمانًا. فالإيمان الحقيقي بعيد كليةً عن كل محاولات بشريّة للتأكد من صدقه ” حوار حول الثالوث. المرجع السابق ص91ـ92. وفي هذا يقول أيضًا ق. هيلارى أسقف بواتيه بفرنسا (315ـ367م): ” نحن مضطّرون بسبب أخطاء الهراطقة والمجدّفين لأن نعمل ما هو غير مباح وأن نتسلق المرتفعات وأن نعبّر عن الأشياء التي لا ينطق بها وأن نتناول أمور محظورة. ومع أنه ينبغي علينا أن ننفذ الوصايا من خلال الإيمان وحده، عابدين الآب وساجدين للابن معه، وفرحين في الروح القدس فنحن مضطّرون لتوسيع قدرة لغتنا الضيّقة، للتعبير عن الحقائق التي لا توصف، كما أننا مجبرون بسبب تجاوزات الآخرين أن نتجاوز نحن في محاولة محفوفة بالمخاطر، حين نضع في كلام بشّرى ما كان يجب أن يُحفظ في عقولنا برهبة مقدسة… إن خيانتهم قد جرّتنا إلى هذا الموقف الخطير والمريب، حيث قد تعيّن علينا أن نضع عبارات محدّدة تذهبنا أبعد ممّا قد وصفته السماء عن أمور سامية للغاية ومخفيّة في الأعماق “. عن الثالوث 2:2، 5. The father of the church, the  

Catholic University of America Press Washington, p.c. vol. 25. p. 36.            

[34] توصف الطبيعة الإلهية بأنها طبيعة بسيطة وغير مرّكبة، فالطبيعة البسيطة غير قابلة للإنقسام لأن التركيب هو بداية الإنقسام. انظر أيضًا هامش 3 ص25.

[35] يو8:14.

[36] يو9:14ـ10.

[37] يو30:10.

[38] انظر عب3:1. في سياق رده على الذين يخلطون بين صفتى “الخلق” و “الولادة” في الطبيعة الإلهية البسيطة، استخدم ق. كيرلس هذه الآية وتسآل قائلاً: ” كيف يمكن أن نعتقد أن الابن هو رسم المجد الذي لا يُعبّر عنه وبهاء جوهر الله الآب، إن لم يكن يمتلك إمتياز كونه مولودًا، أو إن كانت ولادته مجرد كلمات جوفاء أو إن كان مختلفًا في طبيعته عن الآب وبذلك يُحسب ضمن المخلوقات؟ وفي هذه الحالة ما الذي يمنعنا من أن نحسب الآب أيضًا ضمن باقي المخلوقات، ونضطر نتيجة لذلك أن نعتبر الآب مثل باقي الكائنات التي تخضع للتغيير مادام صورته ورسم جوهره خاضعًا أيضًا للتغيير “. حوار حول الثالوث. المرجع السابق ص85. ويقول أيضًا: ” إن أزلية الابن مشهود لها من الآب إذ هو مولود من الآب أزليًا بالطبيعة “. ويستشهد بنفس الآية السابقة لإثبات ذلك ويعطى مثل الشمس والشعاع لإيضاح هذه الحقيقة انظر حوار حول الثالوث المرجع السابق ص103ـ104.

 

إن الابن هو إله حقيقى – الحوار الثالث ج1 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

هل الولادة هي عملية تحوّل؟ – الحوار الثاني ج8 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

هل الولادة هي عملية تحوّل؟ – الحوار الثاني ج8 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

هل الولادة هي عملية تحوّل؟ – الحوار الثاني ج8 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

 

الحوار الثانى

عن أن الابن أزليّّ مع الله الآب ومولود منه حسب الطبيعة

هل الولادة هي عملية تحوّل من الإمكانية ” δυνάμει ” إلى الفعل” ἐγέργεια”

إرميـــا: إذا أردت ذلك فليكن، ولنقبل الإيمان بأن الابن كائن مع الآب ولكنهم سيقولون، إن الله كان دائمًا أبًا  ولكنه كان أبًا “بالإمكانية” فقط، والابن كان يمكن أن يُدرك بطريقة نظرّية فقط، إذ لم يكن له وجود فعلي ككائن قبل الولادة، وبعد ذلك وُلِدَ.

كيرلس: فبالتالي الولادة هي حقيقية وهي في الواقع من الآب. ويُعتَرف بها دائمًا هكذا، فالله أب بالطبيعة وهو أب “بالإمكانية” و”الفعل”. وهو ليس له إرادة تتوسط بين “الإمكانية” و”الفعل” وبالتالي فهو آب حسب قوانين طبيعة لها خاصية الولادة. وهو لا يكون أبًا لِمَنْ هو غريب عنه، ما دام المولود منه هو دائمًا من نفس طبيعة الوالد. ومن ناحية أخرى فإنهم ـ بكلامهم هذا ـ يُهينون الآب إذ ينسبون له إنه قابل للتغيير وذلك رغم أن الكتب المقدّسة تشهد بأنه   “لَيْسَ عِنْدَهُ تَغْيِيرٌ وَلاَ ظِلُّ دَوَرَانٍ”[1]. أم أن عملية التحوّل من “الإمكانية” إلى “الفعل” ليست تغييرًا شديدًا يا صديقي؟ لأنه لو أن هناك كائن له “الإمكانية” حسب طبيعته، ومع ذلك لا يتقدّم من حالة “الإمكانية” إلى حالة “الفعل”، فإنه يكون ما زال مستقرًا في حالة “الإمكانية”، دون أن تفعل بعد، الحركة التي تتعداه إلى حالة “الفعل” وهكذا يظل باقيًا في وضعه الأصلي الأول. أما إذ تحرّك ناحية حالة “الفعل” فحينئذ، وحسب ما هو طبيعي، فإنه سيتحوّل حسب رأيي إلى حالة أخرى مختلفة عمّا كان عليه أصلاً. أم إنهم ينسبون هذا التحوّل إلى حالة الكينونة. “بالإمكانية” وليس لحالة الكينونة “بالفعل”؟

إرميـــا: لا أعتقد ذلك.

كيرلس: إذًا إن كانوا يقولون إنه لا يوجد تمييز بين حالة الكينونة “بالإمكانية” وحالة الكينونة “بالفعل”، أي إذا وَضِعَوهما على نفس المستوى وفى نفس الموقف، فهذا معناه أن الله كان أبًا “بالفعل” وبدون بداية. وذلك لأنه حسب رأينًا لا يوجد فارق زمني بين الكائن حسب “الإمكانية” والكائن حسب “الفعل”، ولكن إذا تمايز الاثنان بفارق زمني كبير فكيف لا يحدث تغيير في طبيعة الله، لأنها لم تحتفظ بكيانها حسب الإمكانية، ولكنها تعرضّت لتغيير قادها من “الإمكانية” إلى “الفعل”؟

إرميـــا: الذي تقوله صحيح، ولكن دعني أقول لك ماذا سيأتي على ذهن المضادين لنا إذ إنهم سيقولون ما يلي: إن الآب دائمًا خالق بطبيعته وبدون بداية. ولكن ألم يخلق المخلوقات في زمن معين؟ وذلك لأن الخلق ليس أزليًا في الله، ولكنه خَلَقَ (الخليقة) من العدم في لحظة زمنية معيّنة. فهل بهذا سنقبل، أن طبيعته غير المتغيّرة قد تغيّرت، وأنه قد خضع “لظل تغيير”؟ فمن يجسر أن يؤكد شيئًا كهذا؟ وهكذا ففي حالة الولادة، الله يمر من حالة الكائن حسب “الإمكانية” إلى حالة الكائن “بالفعل” بدون تغيير ولا حركة تغيّر من الله، ولكنها استعداد في الطبيعة التي تعمل بهذه الطريقة فيما يخص عملية الولادة.

كيرلس: إذا فهمت أن هؤلاء المنحرفين قد اخترعوا شيئًا لا يمكن الرّد عليه فبذلك يكون ذهنك ميالاً إلى البساطة المتناهية. ولنفحص بكل عناية خصائص الحركة في الحالتين، ما الذي يفصلهما وما الاختلاف بينهما؟ سوف ترى وتعرف سقم أفكارهم الجاهلة. فالكائن الذي يُقال إنه وَلَدَ شيئًا من داخله والذي مرّ من حالة الكائن “بالإمكانية” إلى حالة الكائن “بالفعل”، قد أصابته زعزعة في طبيعته وذلك لأن الأمر لا يتعلّق بآخر، بل بطبيعته ذاتها التي عانت التحوّل من “الإمكانية” إلى “الفعل”. والآخر الذي يُقال إنه لا يعمل العمل السابق (الولادة) بل عملاً آخر، فإنه لا يتأثر في نفسه بهذا العمل إذ أنه ينفذه في آخر كما سنرى.

إرميــــا: سوف تقدم لي خدمة جليلة كالمرّات السابقة إذا ما تكرّمت بتوضيح الأمر.

كيرلس: هيّا بنا، فلنأخذ الإنسان كمثال، فهو بطبيعته يتوالد ويمتلك هذه “الإمكانية” منذ البداية، ولكن بالنمو والنضوج تتحّول هذه “الإمكانية” إلى “فعل”. ومن ناحية أخرى، فالإنسان لا يمتلك الحكمة بدون ممارسة ولكن توجد فى جوهره مقدرة كامنة قادرة على اختيار أمر دون آخر فيما يمارسه من علوم وفنون تناسب الإنسان، فهو يصنع السفن ويجهّزها ويصنع من البرونز أشكالاً حسب فكره، أو يعمل أشياء أخرى مماثلة. فحسب رأيك هل يمكن أن نفكر في الآب الذي ينتقل من حالة أب بحسب “إمكانية” إلى أب “بالفعل”، بنفس الطريقة التي نفكر بها عن الصانع في صنعه لأشياء أوجدها بنفسه؟

إرميـــا: لن أفكر هكذا. فالإنسان من جهة ليس منحصرًا في نفسه، ولكنه يُظهر علمه فيما يفعله من أمور خارج نفسه. ولكن من الجهة الأخرى توجد حركة داخلية كامنة في جوهر الإنسان نفسه. وهذه هي طبيعتنا إذ يحدث فيها نوع من التغيّر والتحوّل، وبكلمات أخرى، هي تنتقل من “الإمكانية” إلى “الفعل”.

كيرلس: هذا ما أردت قوله حينما طلبت أن نفحص الفرق في الحركة بين الحالتين فليس هناك شيء يقودنا إلى أن نقبل أن طبيعة الله قد تغيّرت، أو أنها قد تعرّضت للاضطراب في إحدى خصائصها الجوهرية حينما قرر الله أن يخلق زمن معيّن. كما أننا لا نقبل أن يتعرّض جوهر الله للتغيّر بانتقاله من حالة (الأبوّة) حسب الإمكانية إلى الأبوة “بالفعل” أي إلى الولادة.

إرميـــا: هذا صحيح.

كيرلس: هناك شيء آخر، لأني أعتقد أننا يجب أن نُقلّد الكلاب في حاسة الشّم القوية، وذلك حينما نريد أن نبحث عن الحقيقة. وهناك أمر يساعدنا على أن نكتشف ضَعْف وحماقة أفكار معاندينا. لأنه لا يوجد سبب قهري يمنع الابن الفائق في طبيعته على كل البشر من أن يكون دائمًا مع مَنْ وَلَدهَ أي مع مَنْ يُدرَك على أنه دائمًا آب وهو الله. أما بالنسبة للخليقة فهي من عمل القدرة الخالقة. كيف إذن أو بأي كيفيّه يمكن لها أن تتشارك مع الله في مجد وجوده الأزليّ وهي التي ليس بدون بداية زمنيّة كما أنها قد أتت من العدم إلى الوجود؟ أم أنك ربما ستقول أن الخلائق يمكن أن توجد بدون فعل هذه القوة الخالقة؟

إرميــــا: بلى.

كيرلس: وبالتالي، بينما الخليقة لم تكن قد جاءت بعد إلى الوجود، لكن كان الله حينذاك خالقًا، ولم يكن الله أبًا لأنه كان خالق لكن لأنه قد وَلَد، والابن هو ابن لأنه وِلد. وإن كان في علاقة الخالق بالخليقة ليس ضروريًا أن يكونوا دائمًا معًا، ألاّ إنه ضروري أن يكون الابن مع الآب دائمًا لكي نفهم بدقة الأمور الخاصة بالله سواء الله الآب أو الله الابن، وعليه فكيف يمكن أن يظهر أحدهما قبل الآخر ما دامت كينونة كل واحد منهما تعتمد على كينونة الآخر؟ ولا يمكن وجودها بمعزل كل منهما عن الآخر؟ لأن الآب هو آب في علاقته بالابن والعكس صحيح. أم إنه يبدو لك أن الحديث قد أتخذ مجرى خاطئًا؟

إرميــــا: إطلاقًا …

كيرلس: فإذا كانت الولادة هي من ذاته، وإعلان الله نفسه أبًا للابن بالطبيعة يُظهران حكمة الله الآب وصلاحه، فلماذا يتأخر الآب في ولادته للابن؟ ما هو الشيء النافع الذي منع الله أن يصير آبًا منذ البداية؟ فالبشر آباء دائمًا “بالإمكانية” ولكن ليس “بالفعل”، وهذا ينطبق على كل الناس والسبب وراء عدم كونهم كلهم آباء واضح. فالجسد لم يصل بعد إلى سن النضوج والبلوغ. وإلى أن يصلوا إلى هذه اللحظة، فإن ملكات الطبيعة تكون كامنة وتنتظر اللحظة المناسبة التي تظهر فيها وتثبت ذاتها. ولكن في حالة الله، فهو دائمًا كامل، وهو دائمًا هو نفسه، وليس في الله نمو نحو امتلاك صفة أو خاصية ليست فيه، ولهذا فهو لا يحتاج للزمن لإظهار قدراته، وهو من أجلنا يشع الابن من جوهره الذاتي. وهذا المولود كائن في الآب بالجوهر. فكيف نتصوّر ونفهم إذن، إنه لم يلد “بالفعل” منذ الأزل بل إنه بقى في حالة “الإمكانية” فقط. وهذا يجعلنا نظن أنه قد حدث له تغيير معين عند الولادة عما كان عليه منذ الأزل؟ إن كلام المعاندين هو عدم تقوى موجهة ضد الابن. وذلك لأن الابن الوحيد سوف لا يكون خالقًا للأزمنة إذا كان الزمن ـ بطريقة ما ـ يحاصره من كل جانب. وكأن ولادة الابن “بالإمكانية” من الله الآب، هي أقدم من ولادته منه “بالفعل”، وهذا يفترض أن يكون الآب في حركته من حالة عدم الولادة، أي من حالة الولادة حسب “الإمكانية” إلى الولادة “بالفعل”، قد مرّ بفترة زمنية- حتى لو كانت قصيرة ـ بين المرحلتين إذ سبقت أحدهما الأخرى. يا للعار ويا للرعب الذي أشعر به من هذا الكلام، أن نفكر ونتصور أن الشمس والنار لا يمكن أن تتغيّرا عن طبيعتهما، وأنهما لم تتوقفا أبدًا عند مجرد مرحلة يمكن أن نصفها بمرحلة الوجود حسب “الإمكانية”، وأنهما لم تنتقلا من هذه المرحلة إلى مرحلة “الفعل”، أي تحوّل “الإمكانية” إلى “فعل”، عن طريق حركة داخل الزمن تفصل بين الطبيعة والفعل. ولكن عكس ذلك نجد أن الصفات الذاتية للشمس والنار لا تنفصل عنهما، وهى قائمة فيهما منذ بداية وجودهما، بينما يقولون عن الله إنه ليس أسمى من الأجساد ولا حتى إنه يمتلك في طبيعته قوانينه الخاصة به من جهة الولادة الإلهية غير المدركة، التي لا تليق إلاّ به وحده.

65 يع1: 13.

هل الولادة هي عملية تحوّل؟ – الحوار الثاني ج8 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

هل ولادة الله إرادية؟ – الحوار الثاني ج7 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

هل ولادة الله إرادية؟ – الحوار الثاني ج7 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

هل ولادة الله إرادية؟ – الحوار الثاني ج7 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

 

الحوار الثانى

عن أن الابن أزليّّ مع الله الآب ومولود منه حسب الطبيعة

 

هل ولادة الله إرادية ؟

إرميا: إن المناقشة عمل رائع يا صديقي ولقد أجهدتك كثيرًا، وأخالك تعتقد أنك أنهّيت الموضوع ولست بحاجة إلى شيء أخر لكي تثبت أن الآب لا يوجد زمنيًا قبل الابن، وإنه يجب التفكير فيهما على أن لهما طبيعة واحدة وأنهما كائنان معًا، ولكنى لا أعتقد أننا وصلنا إلى هذه النتيجة بصورة مرضّية تمامًا وذلك لصعوبة الوصول إليها بسهولة.

كيرلس: ماذا تريد القول بهذا؟

إرميــا: يجب أن تعرف أنهم سوف يسألون ـ وذلك لأن أفكارهم دائمًا لاذعة ـ هل الآب وَلَدَ الابن بإرادته أم بغير إرادته؟

كيرلس: أنى سأسّر جدًا إذا عَلمِت إلى أين ستقودنا هذه الاختراعات.

إرميـــا: إنهم سوف يقولون أو يضيفون الآتي: إذا لم تكن الولادة بإرادة الآب، إذن الآب وَلَدَ رغمًا عنه، أي أن آخر قد أرغمه على الولادة، ولنقلها بصراحة، فإنه قد وَلَدَ مضطّرًا أو أنه فوجئ بحدث لم يكن يتوقّعه، أي حدث رغم إرادته. وما داموا قد وصلوا بفكرهم إلى كلام بلا معنى فسوف يجعلونك مضطّرًا أن تؤكد وتعترف بأن الابن لم يُولَد رغم إرادة الآب، ومن ثم يغالون قائلين إذا كان الآب قد وُلِدَ الابن بإرادته فمعنى ذلك أن إرادة الآب قد سبقت عملية الولادة.

كيرلس: إنها حقًا مؤامرات ودسائس لا تمت للتقوى بِصِلة، هذه التي يخترعها ضدنا هؤلاء المضلِّون. وهم يُسيئون إلى عقائد الحق وأعتقد أن من يسأل أين توجد المبالغات في الخطأ لن يجدها إلاّ فيما يقولون.

          ولقد أحرزوا نصرًا غير مشرّف، ولأن مبالغتهم غير التقّية وغباءهم قد تعدى كل حدود، فلم يتبقّ أمامهم إلا أن يسمعوا: “سَدُومَ أُخْتَكِ لَمْ تَفْعَلْ هِيَ وَلاَ بَنَاتُهَا كَمَا فَعَلْتِ أَنْتِ وَبَنَاتُكِ!”[1]. كفانا أفكارًا لاذعة ومتناقضة ولنذهب مباشرة إلى الحقيقة، ولنؤكد أن الآب لم يكن يومًا محرومًا من ابنه، بل الابن كائن دائمًا في الآب الأزليّ الذي بلا بداية. وهو لم يكن أبدًا أبًا للابن رغمًا عنه وهذه الإرادة لا تنشأ ولا تظهر أبدًا قبل الولادة. ولأن إرادة الآب حكيمة جدًا وعاقلة، فلا يجرؤ أحد على أن يدّعى أن إرادة الله غير حكيمة أو غير عاقلة. وهكذا فإن الابن هو حكمة الله الآب وعقله. وهكذا ففي الابن توجد كل إرادة الآب، وهكذا فإن الذين يثرثرون بهذا الكلام سوف يجدون أن الأمور ترتد ضدهم، لأنه لا شيء يمنعنا نحن أيضًا أن نطرح أسئلة كثيرة بغض النظر عن إن كانت هذه الأسئلة صحيحة أم لا. فهل الآب يوجد بإرادته أم بغير إرادته؟ وإذا كان يوجد بغير إرادته فمعنى ذلك أن وجوده اضطراري، وإذا كان الجواب هو أنه يوجد بإرادته، فمعنى ذلك أن إرادته سابقة لوجوده لأن الإرادة تتصّرف بحكمة وتُعبّر عن نفسها بالعقل، ولأن الابن هو حكمة الله وكلمته، فإنه يكون موجودًا قبل الآب. والوحي الإلهي يدعو الابن إرادة الله الآب ومشورته، وذلك لأن داود يقول بالروح في المزمور، باسم أولئك الذين آمنوا “أمسكت بيدي  اليمنى. بمشورتك تهديني”[2]. وأيضًا يقول في مزمور آخر “يا رب بإرادتك ثبّتَ لجبلي عزً”[3]. وذلك لأننا بالمسيح نسير نحو إرادة الله الآب، وقد تحولنا فيه[4] إلى جمال يفوق جمال العالم، ونحن نتشّدد به في كل صلاح.

          وهكذا إذا أطلقنا العنان لمفاهيم فاسدة وعفنة ولأفكار ليست في محلها، فإننا نقول إن الابن كائن قبل الآب، وذلك لأنه هو الإرادة. وهكذا فالسؤال هو: كيف يوجد المولود قبل الوالد؟ أرأيت إلى أي مدى توغلوا في الشر؟ وذلك لأنهم ازدروا بالوصية القائلة جَرِّبُوا أَنْفُسَكُمْ، هَلْ أَنْتُمْ فِي الإِيمَانِ؟ امْتَحِنُوا أَنْفُسَكُمْ[5].

إرميا: حقًا إنهم ابتعدوا كثيرًا ..

كيرلس: يمكن أن نستمرـ وبدون تعب كبيرـ في تحويل فكرهم المهذار إلى سخافة أخرى، ونطلب منهم إجابة فورّية على هذا السؤال.

إرميـــا: ما هو هذا السؤال؟.

كيرلس: هل يجب أن نؤمن ونعتقد نحن والملائكة القديسون أن الله الآب هو خالق وملك رحيم، أم لا يجب؟

إرميـــا: نعم، نحن لا نتردد في القول بهذا، وإذا لم يكن هكذا فماذا يكون؟

كيرلس: السؤال الذي أطرحه عليهم هو، هل كل هذا ـ أي كون الله ملك وخالق ـ تّم بإرادته أم بغير إرادته؟ وإذا قالوا “بغير إرادة” فإنهم ينسبون لله “عدم الإرادة” أي الأفعال اللاإرادية، وبالتالي فهو خاضع للضرورات التي يَخَضَع لها البشر. وإذا قالوا إن كل ذلك تم بإرادته فإذن الإرادة قد سبقت الوجود، فهو إذن لم يخلق دائمًا بملء قوّته ولم يكن ملكًا بلا بداية، ولا رحومًا ولا صالحًا، ويكون هناك بالتالي مسافة من الزمن في داخل الله نفسه، لم يكن فيها شيء من ذلك، بل كان فيها يفكر في أن يكون هكذا. مَنْ يقدر أن يسمع هذا الكلام ولا يبكى كثيرًا على جنون هؤلاء الناس. ولا نكتفي بالحزن عليهم بل نُقصيهم من التعرّض لهذه المسائل ونقوم نحن بفحص عمق الأمور، ونخلُص إلى أن في مجال الأشياء التي نعملها أو لا نعملها، يمكن أن نتكلّم عن إرادي وغير إرادي، ولكن هذا غير ممكن في مجال الولادة. وإذا سأل أحد عن السبب في ذلك، فمن الحكمة أن نجيب بقول مأثور: “الطبيعة أرادت وهى لا تبالي بالقوانين”، فلا الإرادة ولا عدم الإرادة يعوقها. وفى رأيك ألست أقول الصدق إذا أكدت أن الله هو بالجوهر آب ولم يصر آبًا نتيجة لنشاط في إرادته، جعله في وضع أفضل كآب. مستحيل أن يكون الله قد صار أبًا نتيجة فعل إرادي.

إرميـــا: ماذا تقصد بذلك؟

كيرلس: ألا تقول أن الآب قدوس وصالح؟

 إرميــا: بكل تأكيد.

كيرلس: هل هذه الفضائل ذاتية فيه ومن جوهره، أم إنها مضافة إليه بفعل إرادي، أي أنها يمكن أن تختفي إذا ظهرت إرادة معاكسة؟ فهذا هو معنى الحركة الإرادية.

إرميــا: هي صفات جوهرية في الله والذين لا يقولون بذلك، سوف يَسخر منهم الرأي المستقيم.

كيرلس: رائع يا صديقي وإنني لمعجب بغيرتك وحماسك للمعرفة والتعلّم، فكيف يكون الله الآب أبًا بإرادته أو بدون إرادته بدلاً من أن يكون أبًا بالطبيعة؟ الله كائن بطبيعته وليس بالإرادة، وهكذا فهو قدوس وصالح بالطبيعة؛ وكيف أيضًا لا ترى أمرًا آخرًا، مع إنه يُغضب بشدة هؤلاء المعاندين؟

إرميـــا: ما هو هذا الأمر؟

كيرلس: بكل سرور أشرح لك مادمت ترغب في معرفة أمور مفيدة. ولكن افهم ما أقول. هل هم على استعداد أن يعترفوا بأن الآب هو والد بطبيعته وأن هذا الأمر جوهري فيه أم ينكرونه، مفكرون في كل هذا بغير تقوى؟ فإذا قالوا إنه ليس والد بالطبيعة، فإنهم ينفون تمامًا وجود الابن الذي هو مولود من الآب، والذي خرج من الآب كما تشهد بذلك الكتب المقدّسة. فإذا كان الله الآب لا يملك طبيعة قادرة حقًا في جوهرها على الولادة، وتحتاج إلى دفع من إرادته لتفعل ذلك، فإنه قد آن الأوان لنقول إنه طبقًا لهذا المنطق، نقول إن الله قد صنع طبيعته الخاصة وجعلها قادرة على الولادة، وجعلها قادرة على أشياء لم تكن قادرة عليها قبلاً. وبذلك نرى أن إرادة الله، أقدم من الله نفسه وأنه بالإرادة أعطى نفسه أن يكون أبًا.

          ولكن علينا أن ندوس هذه الأفكار الفاسدة والتي تحمل غباء لا يُحتمل. أما نحن المؤمنون والذين نتبع التفكير المستقيم بأمانة فنحن نعتقد أنه من العبث أن نفكر في أن الآب قد وَلَدَ إراديًا أو لاإراديًا. فهو والد بالطبيعة والجوهر. وما هو طبيعي في الكائن، لا يكون غير إرادي لأن طبيعته وإرادته متلازمتان.

إرميــــا: وأنا أعتقد إنها هي هكذا.

كيرلس: وزيادة على ذلك، فهناك سخافة أخرى لا تَقل عن سابقتها، فحسب رأيهم فإنه في حالة كَونْ الله هو أب، لابد أن تكون الإرادة سابقة على الولادة. فلنفحص هذا من فضلك، هل الله الآب هو أب لأنه وَلَدَ أم كان من الأفضل له عدم الولادة؟ فإذا كانت طبيعته لم تتغيّر بالولادة، فكيف لا يخجل هؤلاء التعساء من أن ينسبوا إليه خزي عدم الولادة؟ أما إذا كان عدم الولادة أفضل له، فما الذي يدفعه لأن يصير في وضع أقل عن طريق الولادة؟ وهكذا يكون الله قد عمل عملاً غير ملائم وغير معقول  وقَبِلَ بإرادته ما يهين مجده وطبيعته . وهذا اتهام خطير ضد قصد الآب وإرادته التي لا يُعبّر عنها. ألا تعتقد أن كلامهم الرديء وخبثهم قد تعدى كل حدود حتى وصل إلى التقزز، وهكذا وصل عدم تقواهم إلى أقصى مدى؟

إرميـــا: هذا حق .

كيرلس: فلنهرب إذن من هناك بسرعة ونلتفت إلى أمورنا.

إرميــــا: ماذا تقصد؟

كيرلس: أقول إنه من الواجب علينا أن نحمل في نفوسنا أنصع وأصدق اعتقاد عن الله، ولنمعن النظر في إنه لا يوجد ما هو سابق على ميلاد الابن، وأن إرادة الوالد لا تسبق وجود المولود، وأن الله الآب هو أب بطبيعته وهذه هي إرادته أيضًا. وذلك لأن الله الكائن لا يكون هكذا بدون إرادة. ونفس الشيء إذا فكّرنا في قداسة الآب وصلاحه، فالله صالح وقدوس بطبيعته وإرادته. ولا يمكن أن نعتقد عنه أنه كان يمكن أن يوجد بطريقة أخرى. فهو الله وهو آب في نفس الوقت، والولادة عنده ليست شيئًا لاحقًا للوجود، وفى الوقت الذي نفكر فيه أنه موجود وكائن يجب أن نفكر في أنه أيضًا أب. وهكذا فالآب الذي له هذه الطبيعة يقودنا إلى الاعتقاد بأن هذه الولادة هي أزليّة، وهكذا يكون الابن مولود من الآب أزليًا.

60 حز16: 48.

61 مز72: 23س.

62 مز29: 7س.

[4] يستعمل كيرلس فعل “ ΜορφοÚμεθα “  بمعنى تحولّنا أو تشكلّنا، من هذا الفعل تأتي نفس الكلمة التي في رسالة فيلبى2: 5 ” آخذًا شكل ” Μορφ»” ” العبد ” أي أن تحوّل المسيحيين ليصيروا على صورة الله، يتّم في المسيح .

64 2كو13: 5.

هل ولادة الله إرادية؟ – الحوار الثاني ج7 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

العلة ليست بالضرورة سابقة على المعلول – الحوار الثاني ج6 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

العلة ليست بالضرورة سابقة على المعلول – الحوار الثاني ج6 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

العلة ليست بالضرورة سابقة على المعلول – الحوار الثاني ج6 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

 

الحوار الثانى

عن أن الابن أزليّّ مع الله الآب ومولود منه حسب الطبيعة

 

في أن العلّة ليست بالضرورة سابقه على المعلول:

إرميـــا: نعم سيبقى هكذا لأن الطبيعة الإلهية لا تتغيّر، ولكن إذا وَلَدَ الله ابنًا فسوف يعتبرونه أنه سابق على ابنه، أي أنه أسبق في الوجود على مولوده.

كيرلس: أكرّر أن غير الجسدي لا يتبع في ولادته قوانين الجسد، وهو في ولادته يلد حسب طبيعته وليس حسب طبيعة الأجساد. فالأجساد البشريّة هي بالضرورة سابقه على ما تلده. والمنطق يُظهر ذلك بطريقة حاسمة وبدون مراوغة، فهي تتميّز بأنها أقَدَم من مولودها، لأن المولود يُعتبر الثاني في الزمن والوالد هو الأول. فالكائنات هي التي تلد عادة، في زمن معيّن، وذلك لأنها لا تملك في ذاتها ولادة أزليّة بلا بداية، أما الله الذي هو كائن منذ الأزل بلا بداية ولا نهاية، فكيف يتفق مع طبيعته أن ننسب لابنه الوحيد بالطبيعة، بدايةً في الزمن؟ فالذي يلده الله بحسب قوانين طبيعته سيكون ذا طبيعة وجنس مختلفين عن البشر، لأنه يحمل طبيعة الذي وَلَدَه، وإلاّ تحوّل الأمر إلى مسخ وتشويه للمولود. لأنه شيء فظيع أن نعزل المولود عن طبيعة الآب الذي وَلَدَه. إذن، غير الجسدي سوف يلد بما يتفق مع طبيعته الخاصة بدون أن نضع عملية الولادة والمولود تحت حدود الزمن، بل يكون المولود، له نفس طبيعة ذاك الذي وَلَدَه، ولن يكون بأي حال من الأحوال من بين الذين يولَدون في الزمن، لأنه مولود من أصل أزليّ بلا بداية، فوق الدهور نفسها.

إرميـــا: بالصواب قلت، وأعتقد أنه كلّما بيّنت قصدك بالتبسيط بطريقة أو بأخرى بالإشارة إلى طبيعة الأشياء المتغيّرة كلما زاد الأمر وضوحًا، وذلك لأن الأمثلة المفهومة تجعل الأمور التي تفوق أذهان السامعين جلّية وواضحة.

كيرلس: هذا صحيح أيها الطوباوي ولكن بفحصنا طبائع الكائنات، هل يمكن أن تدّلني على كائن يمكن أن نقارنه بالله ويتشابه معه من كل جانب بدون أي فارق؟

إرميـــا: لا يوجد، لأنه من المسلّم به أن الله بطبيعته ليس فيه أية صفة  من صفات الكائنات الخاضعة للزمن والتغيّر.

كيرلس: يجب أن نُعجب إذن بالقديس بولس الذي يقول: فَإِنَّنَا نَنْظُرُ الآنَ فِي مِرْآةٍ، فِي لُغْزٍ[1]، وأيضًا بقوله الآنَ أَعْرِفُ بَعْضَ الْمَعْرِفَةِ”[2] وليس من التقوى ولا الحكمة أن ندع كلام بولس يمّر بدون إعجاب.

إرميــــا: بكل تأكيد.

كيرلس: لنلجأ بسرعة إلى الكتب المقدّسة ذاتها التي هي مثل مرج ملئ بالزهور الزاهية الألوان والتي تزهر في حينها. هيّا بنا نفعل كالنحل ونذهب إلى الأمثلة الواضحة والمناسبة لهدفنا وموضوعنا، ولنعطِ صورة عن كيفيّة الولادة الإلهية التي تفوق كل عقل ولسان.

          وكما يعلّق البعض أنظاره الجسدّية على أمور دقيقة، لنركز نحن بعيون أذهاننا، لنتأمل على قدر طاقتنا وكما في مرآة في لغز، الطبيعة الإلهية ـ وإن كان بطريقة غير كاملة بالتأكيد ـ وذلك لنعرف كيف تُوجد، فالآب يُشبِّه الابن “بكلمة” قائلاً فَاضَ قَلْبِي بِكَلاَمٍ صَالِحٍ[3]. والآن أجب يا صديقي عن أسئلتي المُلِّحة، أين نجد هنا الانقسام والتمزّق؟ فالذهن البشرى يَلد وينطق كلامًا خارجًا منه ويختار ما يناسبه، ومسيرة الكلام من أعماق الإنسان إلى لسانه تقدّم لنا شرحًا للميلاد الجوهري. ويمكن أن تكون “الكلمة” شيئًا آخر غير الذهن الذي نطقها، ولكنهما لا يتجزآن، والذهن لا يُعتبر بأي حال أقدّم من الكلمة التي نطقها. لأن الكلام هو دائمًا من الذهن وللذهن، والذهن كامن في الكلام. وإن لم يكن الأمر هكذا فهذا معناه أن الذهن موجود  بغير كلام والكلام بغير ذهن، الأمر الذي يؤدى في النهاية إلى أن معرفتنا بهما سوف تتلاشى تمامًا. لأن الذهن دائمًا هو أصل الكلام ووالده، والكلام بدوره هو ثمرة ونتاج الذهن، والذهن لا يكون أبدًا بدون كلام، وحينما يلد كلامًا، فإن هذا الكلام يحمل طبيعة الذهن الذي وَلَده وشَكْلُه دون أن ينقصه شيء. ولهذا فإذا قال أحدهم ـ في هذا الصدد ـ إن الوالد (أي الذهن) أقدم من المولود (أي الكلام)، فهذا حسب رأيي ضربٌ من البلاهة، وذلك لأن الكلمة تخرج من الذهن، ومادام الذهن هو ذهن لأن الكلمة كائنه فيه، والكلمة بدورها هي كلمة لأنها مملوءة عقلاً وفهمًا، فكيف نستطيع أن نتصوّر لحظة، وجود ذهن بدون كلمة أو كلمة بدون ذهن؟ والكائنات التي لها ما تملكه، إذ قيل عنها إنها أقدم ممّا تملكه فإن هذا يؤدى إلى تفتيت كيانها حسب الخيال، وإلى تشبيهها في علاقتها بما تملك، بأناس ضرب رأسهم الشيبُ  في علاقتهم كآباء بأبنائهم.

          ولكن هذه الكائنات وما تملكه موجودة معًا بالضرورة، ويجب أن ندركها معًا. فحينما يَربُط أحدهم ما هو أصغر زمنيًا بما هو أقدم منه ـ دون أن يذوب أحدهما في الآخر، إذ أن أحدهما قد ظهر قبل الآخر ـ فإنه يلغى بذلك ما هو كيان منفرد ويُظهر كيانين مُشتركين معًا.

إرميــــا: إنني أصير بطئ الفهم حينما تتناول قضايا من هذا النوع، ولهذا لا أفهم تمامًا ماذا تريد أن تقول، أرجوك أَوضِح بدون اتهامي بالكسل ولا تعاقبني بصمتك.

كيرلس: أنا مستعد للكلام لأنه لا يجب أن نترّدد في شرح أمورٍ بهذه الدقة، وذلك مادام الكلام يأتينا فيّاضًا من الينبوع. إن التفكير العميق والانطلاق من فوق للنزول إلى أسفل وتناول الموضوعات بشكل متسّع من منطلقات صعبة ليس دائمًا ضارًا، ويمكن أن يكون مفيدًا فائدة ليست بقليلة. لهذا يمكن أن تفهم ما أقول تمامًا إذا ما تأملت طبيعة الألوان. قل لي هل إذا لم يُوضع ـ على سبيل المثال ـ اللون الأبيض أو الأسود على شيء ما، فهل يمكن أن يوجدا بذاتيهما بدون ذلك الشيء؟

إرميــــا: لا، لأن الأشياء التي لا ترى، لابد أن تملك خواصًا تجعلنا ندرك ماهيتها، وحينئذ فقط تصير ظاهرة.

كيرلس: هذا صحيح، وبالتالي فهناك مواد تُدرَك وتُخضَع للمنطق. بعضها يوجد فيها اللون الأبيض واللون الأسود. وهذه الألوان توجد داخل هذه المواد، فلو أن أحدًا أراد أن يفصل الألوان في جانب آخر مدعّيًا أن المواد سابقة الوجود على الألوان وأن الألوان أحدث زمنيًا منها، ففي أي موضع من هذه المواد سيحدد ذلك الشيء الذي هو أبيض بطبيعته، أو ذلك الشيء الذي ليس هو أبيض، أو كيف للون الأبيض أن يكون كذلك إلاّ إذا أقترن بما هو أبيض بطبيعته وبالتالي يُعرف إنه أبيض؟ لأنه إن لم تلتقِ معًا الصفات التي تحدد طبيعة شيء ما والتي لا يمكن أن توجد فعلاً بطريقة أخرى فحينئذ يمكن أن ندركها بطريقة نظرية فقط ولكنها لن توجد منفصلة عن بعضها وذلك وفق المنطق الذي يليق بها.

إرميـــا: هذا كلام حق وأوافق عليه ويوافق معي آخرون ولكن كيف ينطبق هذين التشبيهين على علاقة الآب والابن؟

كيرلس: يمكن أن نقول من ناحية، إن خروج الكلام من الذهن وولادته منه بدون أي ضرر وإن المولود لا ينفصل عنه، ومن ناحية أخرى فإن الكلام يظل في الذهن الذي ولده ويكون واحدًا معه. هذا كله يمكن إثباته بوضوح ليس بعده وضوح. وأيضًا يمكن أن نثبت حقيقة أن الذهن يمتلك مع الأفكار شركة طبيعة واحدة ووجود واحد، بدون وسيط بينهما. أما ما قلناه عن الكائنات التي تمتلك ألوانًا بطبيعتها، وأنه لا توجد أقدميّة للكائنات على الألوان والعكس، وهى موجودة معًا بالضرورة ـ هذا الذي قلناه ـ لا يكفى لكي يوضّح لنا كيفيّة الولادة الإلهية، بل بالحري نزيد على ما قلناه ما يلي: إذا كان الله هو آب، فليس هذا معناه أنه صار آبًا خلال الزمن (مثل الآباء الجسدييّن)، ولكنه هو كائن هكذا دائمًا، هو هو ذاته، لا يعتريه تغيّر ولا ظل دوران، لأن الله كامل ولا يشوبه أي نقص بأي معنى ولا تعترى طبيعته أيّة أوجاع بشرّية. وهذا معناه بالضرورة أن ولادة كائن آخر من هذا الآب لا تجعله أصغر منه زمنيًا، ولا يمكن أن يكون هذا الابن أقل في المجد بالنسبة للذي وَلَدَه. لأنه من الضروري أن يكون في الله شركة، وأن يكون الابن له وجود أزلىّ مع الآب ولذلك، فأزليّة الابن مشهود لها من الآب، إذ هو مولود من الآب أزليًا بالطبيعة. والطوباوي بولس يُظهِر صحة كلامنا وحقيقته حينما يدعو الابن أنه بهاء مجد الآب ورسم جوهره[4].

إرميــــا: كيف ذلك؟

كيرلس: لاحظ ما سوف أقوله لأني سأوضّح لك الأمر كالآتي، فلأني درست الموضوع، فحسب رأيي فإن شعاع النور الذي يشع من جسم ما، هو الذي يعطى للكائنات التي توجد خارجه، معرفة جوهر النور الذي يشرق، وهذه المعرفة تتم عن طريق أن يشرق هذا النور على الحواس بشكل مستمر أو أن يحدث اتصال بينه وبين الأجساد بطريقة ما، وهذا الشعاع يعطى الفرصة أن نعرف الأصل الذي يخرج منه النور. لنحاول أن ننظم أفكارنا أكثر، ونأخذ مثالاً وليكن طبيعة الشمس والشعاع الذي يخرج منها. لا يمكن أن نطبق معاناة الولادة البشرّية وما يحدث فيها من تغيّر وتمزّق وإنقسام وخلافه على خروج الشعاع من الشمس[5]، وهو كائن فيها رغم إشعاعه. وهكذا فالشمس تمتلك في طبيعتها الخاصة، شعاع النور الذي لا ينفصل عنها، ولكنه يبدو بعد خروجه منها أن له فراده خاصة به. وأحيانًا يفكر البعض في الشمس نفسها ولكنهم لا يستطيعون أن يتخيّلوا جوهرها. ففي هذا الجوهر يوجد الشعاع ومن الجوهر يخرج الشعاع دون أن ينفصل الشعاع عن الجوهر، إلاّ أنه متميز عنه، إذ أن الشعاع يخرج من الشمس إلى خارجها. ولهذا فمن العبث والمضحك أن نتصوّر أن الشمس أقدم من الشعاع، وكأن الشعاع الخارج منها يجئ متأخرًا. ولا أعتقد أن إنسانًا حكيمًا وسليم العقل يفكر هكذا. فهذا التصّور معناه أن الشمس غير موجودة بسبب أنها لا تمتلك النور موجودًا معها، وهو الذي يجعلنا ندرك أنها موجودة. هكذا ترى أن الأمثلة الماديّة الملموسة لها قيمتها في صياغتنا للتعبيرات السليمة، فهي تعطينا إمكانية أن نُعبّر عن المعاني الفائقة، دون أن تُفسد هذه التعبيرات معنى الميلاد الإلهي، بأن تدخل عليه التمّزق والانقسام، وذلك لأن ولادة الجوهر الذي هو فوق الكّل، خالية من المعاناة، والمولود الإلهي يأتي من صميم الجوهر، ولا يوجد به انقسام أو تغيّر وهو كائن مع الذي وَلَدَه، وهذا ما يلزم أن نفهمه لأن هذا هو الواقع. ولقد شهد الحكيم يوحنا لأزليّة الابن وعدم وجود بداية له حينما قال فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ[6] وأيضًا قال هوالْكَائِنُ وَالَّذِي كَانَ وَالَّذِي يَأْتِي[7].

 

53 1كو13: 12.

54 1كو13: 12.

55 مز45: 1.

56 انظر عب1: 3

57 سبق أن استخدم الآباء ومنهم ق. أثناسيوس مَثَل الشمس والشعاع لشرح معنى الولادة الأزليّة للابن من جوهر الآب. انظر المقالة الأولى ضد الآريوسيين. المرجع السابق الفصول 7، 13، 17، 37. المقالة الثالثة، المرجع السابق: فصل 25، فقرة: 11.

58 يو1: 1.

59 رؤ1: 8.

 

العلة ليست بالضرورة سابقة على المعلول – الحوار الثاني ج6 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

الولادة والتغير – الحوار الثاني ج5 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

الولادة والتغير – الحوار الثاني ج5 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

الولادة والتغير – الحوار الثاني ج5 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

 

الحوار الثانى

عن أن الابن أزليّّ مع الله الآب ومولود منه حسب الطبيعة

 

الولادة والتغيّر :

إرميـــا: هذا هو التفكير الصحيح. ولكنهم سوف يتساءلون مرّة أخرى على ما أظن، عن كيفّية أن الآب عندما وَلَدَ، لماذا لم يصبه شئ مما يحدث في العادة للذين يَلِدون، مثل التجزئة أو انفصال جزء منهم عنهم؟ وكيف لا تكون العلّة أقدم من المعلول في كل الأحوال؟

كيرلس: هذا أمر صعب للغاية يا إرميا وليس من السهل أن نصل إلى عمقه، وهو أمر ليس سهل المنال حتى للقادرين على الشرح. لأن العقل لا يستطيع أن يدرك مَنْ هو فوق العقل، ومَنْ هو فوق الكلام، لا يمكن شرحه بالكلام. فالله آب وقد وَلَد الابن بالحقيقة من جوهره الخاص، وهذا تسلّمناه بالإيمان؛ والكتب المقدّسة الموحى بها من الله تذكر في كل مكان، الله الآب وأنه وَلَدَ.       

          وأعتقد أنه يجب أن لا نكون فضوليين أكثر من ذلك، وألاّ نجازف بالفحص المتهور لما تسلّمناه بالإيمان. وذلك لأن الذي من الإيمان لا نسعى لامتلاكه بطرق أخرى. وذلك كما يقول الرسول الحكيم جدًا بولس : “لأَنَّنَا بِالرَّجَاءِ خَلَصْنَا. وَلَكِنَّ \لرَّجَاءَ الْمَنْظُورَ لَيْسَ رَجَاءً لأَنَّ مَا يَنْظُرُهُ أَحَدٌ كَيْفَ يَرْجُوهُ أَيْضًا؟ “[1] وَلَكِنْ بِدُونِ إِيمَانٍ لاَ يُمْكِنُ إِرْضَاؤُهُ، لأَنَّهُ يَجِبُ أَنَّ \لَّذِي يَأْتِي إِلَى \للهِ يُؤْمِنُ بِأَنَّهُ مَوْجُودٌ، وَأَنَّهُ يُجَازِي الَّذِينَ يَطْلُبُونَهُ[2]، ولا ينبغي أن نبحث أكثر من ذلك. ولهذا يجب أن نقبل الرأي بأن الله هو الآب وأنه وَلَدَ، ولنترك كيفيّة ذلك لأنه فوق قدرتنا.. وأعتقد أنه لا يخطر ببال إنسان أن يسخر من أولئك الذين ـ بحكمة ـ سلّموا بالتفوق لما هو أعلا منهم. وهكذا نحن نعرف أن كيفّية الولادة الإلهية تفوق كل عقل. وهذا يمكن أن نعرفه من الله الذي أعلن عن اللوغوس الذي خرج من طبيعته، هكذا: “من البطن قبل الصبح ولدتك[3]. والتعبير”من البطن” يدل على أن الابن وُلِدَ من جوهر الآب بالطبيعة. وهو تشبّيه مأخوذ من حياتنا اليومية. وأما عن ذِكْر “قبل الصبح” فهذا يدّل على أن عملية الولادة قد تمّت في غموض وبشكل سرّى يصعب فهمه مثلما يحدث عندما لا يرى شخص شيء ما بسبب الضباب الكثيف. وحينما يبدأ الفجر في البزوغ بنوره وشعاعه من المشرق تبدأ إشعاعات صغيرة في الظهور في الأثير ويظهر نور خافت وضعيف ليُعدّ الطريق لنور الشمس الساطع بينما تكون أنوار الليل وظلماته قد وهنت جدًا. ولكن مادمنا لا نرى نور الفجر في السماء، فإن الليل يظّل مخيّمًا ويكون الظلام كثيفًا في العيون. وقل لىّ أنت بحق، ما هو الغريب في أن نقول إن الابن وُلِدَ، مادمنا قد قبلنا أنه وُلِدَ “قبل الصبح”؟

إرميـــا: ليس هناك ما يدعو للعجب يا صديقي العزيز، في أمر الولادة فإن الأمر حقًا قديم قَدِم الفجر بالنسبة للنهار.

كيرلس: إذن من الأفضل أن نقول “قبل السماء والأرض” لأنهما أقَدم من النجوم والفجر، أو أن نقول، وهذا أفضل، إن الابن كائن قبل وجود الأرض والسماء أي قبل الخليقة كلها. وهذا في رأيي أمر بديهي، فالابن خرج من الآب الذي لا بداية له، وقد وُلِدَ بشكل يفوق الفهم. ولهذا فإشعياء الفصيح يقول بدوره “من يخبر بجيله” ويقول إن ” قُطِعَ مِنْ أَرْضِ الأَحْيَاءِ[4] وفى رأيي أن ” الجيل ” يعنى الولادة و”الحياة” تعنى الوجود. وهذه الحياة أُخِذَت من كل الأرض بمعنى إنها تنتمي للأرض، ولكنها تفوق ذهن كل كائن على الأرض، إنها تعلو فوق مستوى مفاهيمنا، ولا تقدر أي قامة إنسانية على سبر غورها. والنبي كان على حق فيما قال، وفى أن الابن يسمو على الزمن أيضًا، وإنه مثله مثل الآب يعلو على كل بداية، فهذا ما صرخ به نبيّ أخر من الأنبياء القديسينأَمَّا أَنْتِ يَا بَيْتَ لَحْمَِ أَفْرَاتَةَ، وَأَنْتِ صَغِيرَةٌ أَنْ تَكُونِي بَيْنَ أُلُوفِ يَهُوذَا، فَمِنْكِ يَخْرُجُ لِي الَّذِي يَكُونُ مُتَسَلِّطًا عَلَى إِسْرَائِيلَ، وَمَخَارِجُهُ مُنْذُ الْقَدِيمِ، مُنْذُ أَيَّامِ الأَزَلِ[5]. فالنبي يتكلّم عن الميلاد كخروج خاص من كيان الآب، وهذا يجعلنا نفهم معنى وجود الابن الدائم، الذي وُلِدَ منذ البدء الذي لا بدء قبله ـ مع الذي وَلَدَه، وهذا الوجود معناه أن الابن مولود وليس أنه غير مولود. يا للسخرية التي تنتظرهم أمام جميع الناس، هل فكّرت في ذلك، فهم يعتقدون ـ لا أعرف كيف ـ أنهم قادرون بواسطة أفكار بشرّية أن يصلوا إلى حقائق إلهية عالية جدًا. إني أتساءل، بأي طريقة يمكن أن نعرف كيف يلد الله، بينما لم نعرف بعد كيف أنه كائن بالطبيعة؟

إرميـــا: هذا مستحيل لأنه جَعَلَ الظُّلْمَةَ سِتْرَهُ[6] حسب المكتوب “وحوله مظلّته”. وذلك لأنه حسب اعتقادي؛ فإن الصعوبة تكمن في رؤيته، أو بالأولى في عدم القدرة على استيعابه، والكتاب يسمى ذلك ظلمة ومظلّة. وهو الذي يملأ الكّل وهو غير معروف بالكامل إلاّ لنفسه ولمولوده أي ابنه. وقد قال الابن ذلك لاَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الآبَ إِلاَّ الابْنُ وَمَنْ أَرَادَ الابْنُ أَنْ يُعْلِنَ لَهُ[7].

كيرلس: هذا كلام صحيح وأريد أن أُبدى لك إعجابي بهذه الأفكار. إذن، لو أن إنسانًا بدأ في البحث عن أمر يفوق العقل ولا يمكن اقتناؤه بواسطة العقل، فلا يجب أن نمدح هذا الإنسان على أنه مجتهد إذ أن تعبه باطل، بل يجب أن نقول لكل إنسان من هذا النوع ما قاله الحكيم: “الذي يتكل على الأكاذيب سوف يرعى الرياح ويطارد العصافير الطائرة ويترك طرق مزرعته، وهو يسلك في الضلال ويسير في صحراء بلا ماء وأرض مهيأة للعطاش ويحصد بيديه العقم”[8]. وهم يفتقّدون تمامًا الاتجاه الصحيح ولا يهتمون بالنافع والمفيد وهذا يحجب الحقيقة، لأنهم يتبعون الكذب ويتمّسكون بما لا يعطى ثمر التقوى. والسبب في وجودهم في هذه الحالة هو ذهنهم المتكّبر الذي أوصلهم إلى أن يعتبروا حقيقة عدم إدراك طبيعة الله التي هي امتياز خاص به، موضع شكوى وتذمر. ومع ذلك فإن الكتب المقدّسة الموحى بها تصرخ مؤكّدة أن طرق الله أعلى من ذهن البشّر، وهذا هو تدبير الله وتصّرفه مع كل الكائنات المتغيّرة. الطوباوي داود وقد قال هذا بالترانيم والموسيقى: فِي الْبَحْرِ طَرِيقُكَ، وَسُبُلُكَ فِي الْمِيَاهِ الْكَثِيرَةِ، وَآثارُكَ لَمْ تُعْرَفْ[9]. وذلك لأنه حينما تسير المركب بقوة الرياح المواتية وتدخل إلى أعماق البحار فإن أثرها سرعان ما يختفي. وهذا يشبه تمامًا ما يفعله المحراث في شق سطح الأرض، هكذا تَشقُ السفينة عباب الماء، وحينما تتقدّم السفينة تعود المياه إلى سابق عهدها، أليس هذا هو ما يحدث؟

إرميـــا: تمامًا، ولكن لنفحص كيف يمكن أن يتّم الميلاد ـ حسب إيماننا ـ بدون تغيّير في الطبيعة، وهل من الممكن القول إن العلّة لا توجد قبل المعلول؟

كيرلس: بالتأكيد ليس هناك وجود سابق من أي نوع، وحينما يتعلّق أمر الولادة بالله فليس هناك أي تغيّير أو تجزئة من أي نوع، لأن الله لا يخضع للضرورات التي يخضع لها البشر، ومنها التجزئة والولادة في الزمن. فإذا تكلّمنا عن ذوى الأجساد، وجب أن نقول إنهم هم الذين يختبرون ذلك لأن طبيعتهم خاضعة للتغيّر، وأيضًا لأنهم محكومون بالزمن الحاضر. ولكن لأن حديثنا يتعلّق بالطبيعة الإلهية، التي هي أسمى من كل جسد ملموس ومرئي، والتي هي صانعة الدهور نفسها وكائنة قبل الزمن، فكيف لا يكون نوع من اللّغو أن نتصوَّر أن هذه الطبيعة جازت أية تغيّرات أثناء الولادة، أو أن الذي وُلِدَ منها خاضع للزمن وتقلباته؟ لأنه في حالة الله يجب ألاّ نتكلّم عن العلّة والمعلول، بل من المناسب أن نتكلّم عن الله الآب والابن المولود منه.

إرميـــا: يجب أن تعرف أنهم على استعداد للتنازل وقبول هذا الكلام لإرضائك، ولكن سوف يسألون أولاً عن كيف يلد الآب من جوهره بدون أن يتمزّق أو ينفصل جزء منه مادام الابن قد خرج من جوهر الآب حقيقة ليكون كائنًا بذاته؟ والسؤال الثاني كيف لا نتصّور للوالد وجودًا سابقًا على المولود منه؟

كيرلس: اللَّئِيمَ يَتَكَلَّمُ بِاللُّؤْمِ، وَقَلْبُهُ يَعْمَلُ إِثْمًا لِيَصْنَعَ نِفَاقًا يقول النبي[10]، فما كان ينبغي أن يخجلوا من ذكره ـ إذا كان لديهم حس سليم ـ نجدهم يتباهون به بغباء غير مفهوم. فإنهم يفرضون قيودًا على ذات الطبيعة الإلهية. وهذه القيود هي التقسيم والتمزّق والاضطرار للولادة في الزمن، ولكن من الأفضل أن نستوعب أن هذه الولادة لا تُفهم ولا تُوصف كولادة بشريّة. لأنه لا يجب القول إن الله قد وَلَدَ في الزمن فهو بلا بداية ولا نهاية ولا زمني، فهو كائن وهكذا الذي وُلِدَ منه كائن فيه ومعه. لأن الابن أشرق كنور وذلك بشكل يفوق الذهن. وهذا تّم في جوهر الآب، فلم يتّم ذلك نتيجة انقسام الوالد أو تجزئته، وإلاّ لكان الابن مختلفًا عن الآب الذي وَلَده. فهو وُلِدَ بطريقة غير جسديّة لا تخضع لظروف الولادة الجسديّة التي يصفونها[11]. لأنه لو خضع لذلك، لكانت الطبيعة الإلهية جسدًا، وفى هذه الحالة تصير محدودة بالمكان ولها حجم وكم. ولأنها محدودة فيمكن تحجيمها، ويتبع هذا سلسلة طويلة من الأفكار ناتجة عن تصوّرات البشر عن الجسد، وهى أفكار غبية غباءً منقطع النظير.

إرميا: أنا أوافقك تمامًا.

كيرلس: إني لا أترّدد أن أضيف شيئًا آخرً.

إرميـــا: ما هو؟

كيرلس: إذا اعتبرنا أن طبيعة الله الآب خاضعة لقوانين وعادات الأجساد البشرّية، ففي هذه الحالة تكون الولادة بالإنقسام والتمزّق، وبذلك يصير مولودها في وضع وحالة خاصة به، لأنه سيكون غير مرتبط بجوهر الذي وَلَدَه، أي سَيَصير مجرّد كائن خارج تمامًا عن الذي وَلَدَه، لأن هذه هي الطريقة التي تُولد بها الأجساد البشرية. فلو كانوا لا يزالون يؤمنون بأن الله مالئ الكل، فأين إذن سنضع هذا المولود الخارج منه وما هو وضعه الخاص؟

إرميـــا: الحق معك في أن نقول إن أفكارًا شريرة كثيرة ستخرج من هذا التفكير، فنتيجة لذلك سيلغون الولادة في الآب ويعتقدون أنها ليست حقيقية في حاله الله، وهكذا يواصلون أفكارهم الغبيّة.

كيرلس: هذا معناه أن ندوس بأقدامنا معطيات الإيمان. والسؤال هو بالأولى كيف يمكن أن تحتفظ الطبيعة الإلهية للثالوث الواحد والتي لا يُعبّر عنها، بما لها، إذا نفينا وجود ولادة حقيقية؟ وهذا في رأيي لون من ألوان الشعوذة والدجل الذي يُمسَك فيه أولئك المتهودين، في ذات الفعل. فلو وافقناهم سوف ننحدر نحن إلى نفس مستواهم، لأنهم يتمسّكون بأن هناك إله واحد خالق وآب للكون، ولكنهم لا يقبلون ربنا يسوع المسيح. فماذا يمنعنا إذن أن نقوم ونرجم المسيح كما فعل اليهود ونرميه بهذه التهمة: لَسْنَا نَرْجُمُكَ لأَجْلِ عَمَل حَسَنٍ، بَلْ لأَجْلِ تَجْدِيفٍ، فَإِنَّكَ وَأَنْتَ إِنْسَانٌ تَجْعَلُ نَفْسَكَ إِلهًا[12] فلو أنهم هدموا ـ بعدم تقوى ـ مبدأ الولادة الحقيقية فلن يستطيع إنسان، في هذه الحالة، أن يتجرأ ويفكر بأن الابن هو الله بالطبيعة، وأنه يملك هذا الاسم الإلهي بالحقيقة، بل سوف يضعه مع باقي البشر، ويكون كباقي البشر مخلوقًا، وكأنه لم يخرج من ذات جوهر الآب. ولكن إذا كان حسب رأيهم ليس ابنًا بالطبيعة، بل هو محسوب بين المخلوقات، إذن في كل مّرة نسجد له، فنحن نسجد للمخلوقات دون الخالق، ومن ناحية أخرى إن إتهامنا بالتجديف لن يكون عادلاً من قِبل الله، لأنه هو نفسه السبب وراء (سجودنا)، لأنه حينما أُدخِلَ البكر إلى العالم قال وَلْتَسْجُدْ لَهُ كُلُّ مَلاَئِكَةِ اللهِ[13]. إذن كيف لا يكون ذاك الذي تسجد له الملائكة القديسون أنفسهم، هو الذي يَملك المجد اللائق بالله الآب في كيانه؟ كيف لا يكون هو ذاته من طبيعة الآب وبسبب هذا فهو الله؟ ولتلاحظ كيف أن فكرة هذه الضرورة التي يضعونها على الله وتفكيرهم أن الولادة ليست حقيقية، تصير فكرة ضعيفة وتتحوّل ضدهم، وذلك لأنهم بدون فحص، ينسبون لله الضرورات البشّرية والتمزّق والتغيّر.

إرميـــا: إننا نتفهّم ذلك ولكنهم يسألون عن كيفية الولادة بدون تغيّر؟

كيرلس: كما سبق وقلت إنه من دواعي التقوى أن نقبل أن غير الجسدي، غير خاضع لقوانين الأجساد. والحقيقة أن الولادة بالجسد خاضعة للتغيّر والتمّزق، ولكن غير الجسدي لا يلد بهذه الطريقة. فكما أنه كائن بطريقة تختلف عن طريقة وجود الكائنات الجسديّة، هكذا أيضًا لابد وأن تكون طريقة ولادته تناسب طبيعته. فكل كائن ـ حسب رأيي ـ لا يخضع لقوانين الكائنات الأخرى ولكن له قوانينه الخاصة. فالوجود أمر مشترك بين جميع الكائنات إلاّ أن الطبيعة الخاصة بكل كائن تُعطِى لكل منها فرادته التي تحفظه من الذوبان في باقي الكائنات. فالأجساد تخضع بالطبع لقوانين وعادات الأجساد، وتلد أيضًا حسب قوانينها وتتعرّض للتغيّر. ولكن غير الجسدي بدوره له قوانينه الخاصة ويلد بطريقته الخاصة، لأن طبيعته غير خاضعة للتغيّر والتمزّق. وإذا كان الذهن يستطيع أن يميّز طريقة الولادة الجسديّة ولكنه لا يستطيع أن يفهم الولادة الخاصة بالطبيعة غير الجسّدية، أفلا ينبغي أن نقر بأن معرفة الذهن محدودة؟ فالذهن يُنزل بِمَنْ هو أسمى من الجسد، بصورة فائقة، إلى مستوى أدنى، ولا يخجل من أن ينسب إليه أوجاعًا وانفعالات لا تناسبه بالمرّة. وهل معنى ذلك أن نلغى بكل بساطة ما لا يبذل الذهن جهدًا لفهمه، أو ما يستحيل عليه معرفته؟ فلا يستطيع أحد أن يعرف ماهية طبيعة الآب، فهي تفوق معرفة كل الأذهان. فإما أن يكفروا بلا تحفظ ويقولوا إنه لا يوجد إله، أو أن يحسبوه ضمن الكائنات المخلوقة والخاضعة لكل تغيّر، وبالتالي فهو عرضه للتمزّق. وهكذا يجعلون الذي لا يتغيّر عرضه للتغيّر. ولكنى أعتقد أنه لا يوجد كلام مهمًا كان يستطيع أن يجعل الله عرضة للتغيّر، بل أن الله سيبقى ثابتًا كما هو لا يتغير أبدًا حسب ما نؤمن به.

 

40 رو8: 24.

41 عب11: 6.

42 مز109: 3س.

43 إش53: 8.

44 ميخا5: 2.

45 مز17: 12.

46 مت11: 27.

47 أم9: 12س.

48 مز77: 19.

49 إش32: 6.

50 لأن هذا هو ما حاول الآريوسيون فعله إذ نادوا بأن ولادة الابن من الآب مثل الولادة البشرية الخاضعة للزمن والتغيّر والانقسام.

51 يو33:10.

52 عب6:1.

 

الولادة والتغير – الحوار الثاني ج5 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

غير المولود والآب – الحوار الثاني ج3 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

غير المولود والآب – الحوار الثاني ج3 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

غير المولود والآب – الحوار الثاني ج3 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

 

الحوار الثانى

عن أن الابن أزليّّ مع الله الآب ومولود منه حسب الطبيعة

 

غير المولود والآب ( وجهة نظر واقعية ):

إرميـا: سيقولون، ليكن ذلك، وسوف لا نعطى للقب “غير المولود” القدرة على تعريف الله الآب، ولكنهم يستمرون فى القول إنه يُعبّر عن جوهره. وبما أن “غير المولود” يختلف عن “المولود”، فإن الابن فى هذه الحالة لن يكون من نفس طبيعة الآب. فإن اختلاف المعانى التى تُعطى للألقاب يؤدى إلى الاختلاف فى الجوهر.

كيرلس: يا للفكر الماكر؟! وهذه عادتهم فعلاً فى الانتقال من فكرة إلى أخرى، وهذا يجعلنا نرى ألوانًا عجيبة من الأفكار. إن أصحاب هذه الآراء غير التقّية يبدون لىّ أنهم يفعلون ما يفعله الفنانون والرسامون. فهؤلاء يرتكبون أحيانًا خطأً ما فى تصميم وتنفيذ لوحة لكائن حىّ بألوان غير طبيعية، ثم يقومون بتحسّين رسمهم بألوان أخرى جديدة، وهم بذلك يعتقدون أنهم قد وصلوا بعد تعب كثير إلى أن يمنعوا عملهم من أن يظهر كاذبًا لمن يشاهده، ظانين بذلك أن لهم خبرة. ولكن بينما يعتقدون أنهم يثبّتون أسماءهم وصْيَتهم، فإنهم بدون أن يدروا يُظهرون أخطاءهم السابقة. وفيما هم يمدحون هذه التعديلات التى يقومون بها فإنهم يكشفون قبح ما ارتكبوه من رعونة، هل جانبنى الصواب فى كلامى هذا؟

إرميـا: هذا حق ولكن لننسَ ـ من أجل الرحمة ـ التعديات التى صنعوها، ولندخل فى صلب الموضوع وإلاّ فسوف نقدم لهم الفرصة لكى يزدروا بنا كما لو كنا نترّدد أمام الجهاد الموضوع أمامنا ..

كيرلس: مادمت ترى أن ذلك صحيح فلنبدأ فى خوض غمار الموضوع. إنه لجهل كبير أن نقول إن “غير المولود” هو وصف لجوهر الله وأعتقد أنه سيوجد مَنْ يرد على حماقاتهم بضحكة ساخرة. فإذا كان تعبير “غير المولود” يصف جوهر الله، وإذا وُجِدَ آلاف الكائنات الحيّة غير المولودة فى العالم، فإذن كل ما هو “غير مولود” يُعتَبر وصفًا لجوهر الله، أو بكلام آخر تصير صفة “غير مولود” هى وصف لجوهر هذا الكائن. فالشمس مثلاً توجد بدون أن تكون مولودة، والقمر خُلِقَ بنفس الطريقة وهكذا النجوم والسموات، هذا بدون الكلام عن الرئاسات والعروش وكل الخليقة التى فوقنا والتى لم تأتِ إلى الوجود مثلنا عن طريق الولادة. فليس إذن كل “غير مولود” هو جوهر لله، ولا يمكن أن ننسب لقب “غير المولود” لكل كائن غير مولود كجوهر له. وهكذا لا نستطيع أن نعطى هذا التعميم لتعبير “غير المولود” إذا كنا قد طهّرنا ذهننا من الفساد والالتواء. ويجب أن نضيف صفة خاصة وهي أن استعمال لقب “غير المولود” كجوهر بدون أن نضيف إليه نوعًا أو جنسًا أو غيرها من الاختلافات، فإن هذا الاسم لن يكشف شيئًا للسامعين سوى أنه جوهر. فإذا افترضنا أن “غير المولود” لا يدل على شئ خاص بالله، فسوف لا ننسب له أنه لم يُولَد بل فقط أنه جوهر، ولمن يكون هذا الجوهر؟ ذلك شئ غير واضح، إذ أنه فوق مقاييس النوع والجنس والاختلاف. ولنستعمل أيضًا وبنفس الطريقة لقب “الولادة” بخصوص الابن، ولنعتبره تعبيرًا عن الجوهر فقط بدون أى تمييز آخر، ففى حالة إطلاق هذين اللقبين هكذا ببساطة وبدون أى تحديد، بينما هما لا يعبّران عن أى شئ سوى الجوهر، ماذا سيكون الفارق فى هذه الحالة بين الآب والابن؟ فى هذه الحالة فإن المقابلة ستكون بين جوهر وجوهر، ومادمنا لا نضيف شيئًا للتمييز فسوف لا نجد فرقًا. ومع مضى الوقت وإصرارهم على عدم ذكر شئ غير الجوهر، سوف يصير هناك تشابه كلى. ولذلك فإنهم يجب أن يخجلوا من جهلهم حينما يقولون إن لقب “غير المولود” هو يُعبرّ عن جوهر الله[1] ويرفعونه كحاجز أمام طبيعة الابن، وينبحون به ضد عقائد الحق. فنحن لا نرى أبدًا ذلك الاختلاف بين الآب والابن الذى يدّعون أنه واضح، مادام لفظ “غير المولود” لا يُعبّر ـ بخصوص ـ الآب أكثر من أنه لم يُولَد. ولا التعبير الآخر “المولود” بخصوص الابن، أكثر من أنه وُلِدَ. وبقولهم إن اللقبين (غير المولود والمولود) هما جوهران، فإن كلامهم هذا يُنقصه الوضوح. وأعتقد أن ما سبق وشرحناه قد أوضح لنا أن جوهر كائن ما، لا يختلف عن جوهر آخر إلاّ فى أن يكون له كيان قائم بذاته يُستدل منه على أنه جوهر آخر، هل يَروق لك هذا الشرح، وهل تجده واضحًا ومستقيمًا، أم تريد أن تصحح شيئًا؟

إرميــا: أبدًا فكل شئ سليم وصحيح.

كيرلس: إنهم قد رفعوا عن لقب “غير المولود” دلالته على عدم الولادة وقصروه على الجوهر الكائن، فما الذى يمنع إذن الذين يحاولون تجريد لقب “مولود” من أن يدل على الولادة فعلاً ويقصرونه على الجوهر؟ وهذا هو ما يفعلونه مع لقب “غير المولود”، وبعد ذلك كيف سنتعرّف، وأى منطق سوف يجعلنا نميّز بين أقنوم وشخص الآب وأقنوم وشخص الابن؟ ونحن لم نعد قادرين على التمييّز بين الذى وَلَدَ والذى وُلِدَ، أى بين الوالد والمولود. وهكذا تصير كل عقيدتنا الإيمانية باطلة، ولا يوجد ما يبرّر إيماننا. ولماذا نستمر إذن في الإيمان بالآب كوالد والابن كمولود؟ لأننا لا نستطيع بأى شكل من الأشكال ـ وخاصة فى هذا الصدد ـ أن نُحرّف المسمّيات عن مقاصدها. وأعتقد أنى أقول كلامًا دقيقًا وملزمًا للجميع وضروريًا. وذلك لأن إيماننا حق، ولهذا نحن نحيا ملء الحق ومعرفة الله الحقيقية حينما نعتمد “باسم الآب والابن والروح القدس”.

إرميـــا: هذا هو الخبر السار. ولكنى أتجرأ وأقول إنهم يقولون نفس الشيء، لأنهم يسمّون الله بالآب لأنه خالق ولأنه مصدر كل الأشياء وخالقها من العدم إلى الوجود، وفي كل الأحوال سوف يقولون إنهم تعلّموا أن يقولوا فى صلواتهم “أبانا الذى فى السموات”.

كيرلس: إذن سنسألهم كأصدقاء عن السبب وراء التزامنا بأن ندعو الله يا أبانا ؟ هل لأننا نُعَّد بين المخلوقات أم لأننا تكللّنا بنعمة التبنى وحُسِبنا أولادًا لله؟

إرميـــا: ذلك لأننا مخلوقات بالطبيعة وأبناء بالنعمة.

كيرلس: لكن لاحظ أننا حينما نُسِمى آب وابن لا نعنى الخلق، لأن العلاقة تكون بين آب وابن، وبالتبادل بين ابن وآب بدون وسيط، تمامًا مثلما لا يوجد وسيط بين الصنعة وصانعها أو الصانع وصنعته. وإذا حرمنا كل واحد من نوع علاقته بالآخر ولم نعطه الاسم الذى يدّل على دوره فى هذه العلاقة فسوف نجد أنفسنا ننسب للآب أنه “الصنعة” وللابن “أنه الصانع”، وحينئذ كيف لا نصير أضحوكة بسبب هذا الجنون.

إرميـــا: نحن ندعو الله أبًا كأبناء ولكن الكلام كثير فى هذا الأمر وغير مفيد.

كيرلس: ولكن بدون والد ومولود، لن يكون عندنا آب حقيقى ولا ابن حقيقي.

إرميـــا: ما تقوله صحيح ولكنهم سيقولون لِندعُ الله أبًا، إذا تمسّكت بذلك، والسبب تحتمه ضرورات اللغة.

كيرلس: من أين له بلقب الآب إن لم يكن أبًا حسب الطبيعة! أم أنهم سيقولون إن من يدعونهم آباء هم أيضًا آباء بالطبيعة.

إرميـــا: أنت تعرف جيدًا أن هذا هو ما سيقولونه.

كيرلس: أين سنضع إذن الطوباوى بولس الذى لا يُرجِع مبدأ الأبوة إلينا ولا إلى أى من المخلوقات، ولكنه يخصصه لله الحقيقى الواحد، الآب. ولنستمع لما كتبه لتعليمنا “الَّذِي مِنْهُ تُسَمَّى كُلُّ أبوّه فِي السَّمَاوَاتِ وَعَلَى الأَرْضِ[2]. لابد أن نجيبهم، وبذلك نُمرّن فكرنا. ياإرميا ما أريد أن أعرفه هو الآتى: هل صار الله “غير مولود” مع الوقت، فى لحظة معيّنة زمنية بينما لم يكن كذلك منذ البدء، أم أنه غير مولود منذ البدء ؟

إرميــا: نعم منذ البدء هو غير مولود وأى كلام آخر سيكون ضرب من الغباء.

كيرلس: إذن ماذا تعنى كلمة “غير المولود” هل مجرد أنه لم يُولَد أم ماذا؟

إرميــا: واضح أنها تعنى أنه لم يُولد.

كيرلس: ماذا يدفع الله الذى لا بداية له أن يجعلنا نراه على هذه الصورة، أي صورة الآب، ولماذا سُمى هكذا؟ فإذا كان لقب “غير المولود” يمثل طبيعته فعلاً وهذا فى وقت لم يكن هناك أى كائن مولود يشاركه الوجود، ولأنه حسب كلامهم، هو الآب الذي لم يلد الابن، فبالمقارنة بمَنْ يكون الآب “غير مولود”، فى وقت لم تكن توجد فيه كائنات مولودة؟ ولا أعتقد أنهم سيقولون إن الكائنات المخلوقة عن طريق الولادة تتشارك مع الله الأبدى وغير المولود؟! فإذا كان الله دائمًا غير مولود لأنه دائمًا آب، فإننا لابد أن نؤكد وجود ذاك الذى بسببه كان الآب “غير مولود”، أقصد الابن الذى هو كائن بالولادة، والذى على صورته اغتنت نفوسنا، والذى شابهناه بفضائل التقوى ودُعينا نحن آباء لأولادنا مشابهةً بالآب الأعلى، وذلك لأن الأصول سابقة دائمًا على الصور.

إرميـــا: وماذا يمنع المضاّدين من القول إن الله دُعىّ أبًا مكُتسبًا هذا الاسم منّا نحن الذين ندعى آباء بالطبيعة (لأولادنا) لأنه وهو أب وسبب كينونة ووجود كل الكائنات المخلوقة، فإن عدم الولادة هى طبيعته؟.

كيرلس: ولكن بولس شهد بصدق مؤكدًا أن كل أبوّة على الأرض انسكبت منه على كل خليقة عاقلة، وذلك على صورة الآب، ولم يقل بولس إن “عدم الولادة” فى السماء وعلى الأرض، هى من الله أو أن أى كائن لا يجب أن يكون مولودًا وذلك لكى تنطبّع صورة غير المولود فى المخلوقات. إن أجمل زينة ممكنة للخليقة هى انسجامها ومشابهتها مع ذاك الذى هو فوق الجميع.

إرميــــا: إذن هيّا بنا نَقْلب الخليقة رأسًا على عقب ونحرمها من الولادة حتى تصير مشابهة لذاك الذى هو “غير المولود”.

كيرلس: ليس هذا ما أقصده ولكنى أردت إظهار سخافة نتائج تفكيرهم، ويجب علينا أن نبتّعد عنها بأقصى سرعة، وكلام الحكمة كفيل بإقناعنا حينما يقول اِحْفَظْ نَفْسَكَ طَاهِرًا[3]. وتدعونا هذه الحكمة بقوّة بأن لا “نشترك فى خطايا الآخرين”. إذن لابد لنا أن نتمسك بقوّة وبِحُب بأقوال آبائنا القديسين التى بلا عيب، ولا حاجة لنا أن نتسلّى بآراء غريبة أو أن نشترك فى فكر عنيد وبربرى، هذا الفكر البربرى هو الذى ينبح ضد مجد الابن الوحيد، والذين ” تكلّموا ضد الله بالظلم” حسب المكتوب[4]. فإن آباءنا القديسين المعروفون والوكلاء الأمناء لأسرار مخلّصنا، هؤلاء الرجال ذائعى الصيت رأوا أن لقب “غير المولود” لا يعبّر عن جوهر الله الآب، لكنها كلمة تعنى للذين يسمعونها أنه لم تحدث ولادة. ونحن نعترف أن هذه الكلمة تُعبر عن أقنوم الله الآب ولكن لا نقول إنها تمثل جوهر الله. وإذا حاولنا فحص ذلك سنجد أنه بين كل الموجودات، أو ما نظن أنه موجود بدون أن يكون له وجود فعلّى قائم بذاته ـ توجد كائنات قائمة بذاتها وهى تمثل أقنوم: وهناك صفات غير ثابتة ليس لها وضع خاص بها، إذ هى تنتقل من هنا وهناك بين جواهر الكائنات ـ أى أنها مشترَكة بين الجواهر. وهذه الصفات لديها إمكانية أن تشترك فى جواهر الكائنات. وهذا يعطيها مظهر المشاركة فى الجوهر وهذا يعطى انطباعًا أن هذه الطبيعة الغريبة هى خاصة بها ..

إرميــــا: ماذا تريد أن تقول؟

كيرلس: يبدو أنك لا تتذّكر التعب الذى عانيناه لكى نشرح ذلك شرحًا كاملاً. إن الأشياء العارضة أو الصفات الكامنة فى كائن ما، لا يمكن أن تُعتبر كشيء قائم بذاته، ولكنها موجودة بسبب انتسابها لغيرها. فهي حسب الظاهر، موجودة كشيء قائم بنفسه، ولكنها فى الواقع لا تملك طبيعة خاصة بها بل هي تنتمى إلى طبيعة أخرى… وهكذا فإن “المولود” و”غير المولود” ليسا أمرين قائمين بذاتهما مثل الأقنوم، ولكنهما يُظهِران لنا ببساطة إن كانت هناك ولادة أم عدم ولادة (لهذا الإقنوم).

إرميـــا: بالصواب قلت.

كيرلس: يجب إذن أن ننسب لصفة “عدم الولادة” كأن لها وجودًا داخليًا فى أقنوم الله الآب، ونقبل أنها تنتسب إلى هذا الأقنوم ولكنها ليست هى الأقنوم. تأمل اللغو الذى ينتج عن ظنونهم، بأن “غير المولود” هو جوهر، فهناك آلاف الكائنات الموجودة عن طريق الولادة، وبالتالي ما الذى يمنع من الاستمرار فى الهذيان والقول إن كائنًا من هذه الكائنات الموجودة لا يملك وجودًا خاصًا به لأنه حصل على كينونته بالولادة، وذلك لأن كل واحد من هذه الكائنات قد فقد خاصية الجوهر وضاع بسبب كونه “غير مولود”.

إرميــــا: يضيع بالفعل، وكيف يكون الأمر غير ذلك؟

 كيرلس: ولماذا لا نقول لهم الأتى وهو كلام مناسب جدًا: لنفترض أن غير المولود هو جوهر الله الآب حسب ما يقولون، وأن هذه الطبيعة قاصرة عليه فقط وهى منفصلة تمامًا عن الطبائع الأخرى. ويكون الله بالتالى متعاليًا على كل جوهر وعلى كل الكائنات . ويجب أن نتذكر أن الكائنات قائمة عن طريق التوالد وأنها تمتلك طبيعة خاصة بها، ورغم أن طبائع هذه المخلوقات مختلفة تمامًا عن طبيعة الله؛ فإن عدم الولادة والولادة لا علاقة لهما بالجوهر. إذن ماذا سيقول هؤلاء الناس ذووِ الميول الشريرة عن وجود صفات الله الآب فى مَوُلِوُده الذى وَلَده، أقصد الابن الوحيد، فالآب هو الحياة والنور والإله الحقيقى، وهكذا الابن أيضًا هو الحياة والنور والإله الحقيقى، وذلك ليس بمجرد المشاركة (مثل البشر) ولكن بالطبيعة والتساوى. هل فهمت إذن استحالة إرجاع صفات اللاهوت الذاتية، إلى لقب “غير المولود” فقط، لأن هذا يُدخلنا فى مخاطرة الاعتراف بأن كائنات أخرى غير الله تملك هذه الصفة بحكم وجودها فى الحياة بدون ولادة؟ فهذه الصفات الخاصة تعود إلى الآب بكونه هو الله. وهكذا ووفقًا لقوانين الطبيعة فإن الآب يمكنه أن ينقل طبيعته إلى أى شخص. وهكذا فإن صفة “غير المولود” ليست هى جوهر الله، بل هى تُظهر فقط كما ـ سبق وأشرت ـ أن الآب لم يُولد، إذ ليس لها قوام قائم بذاتّه.

22 يوضّح ق. كيرلس ما يريد أن يقوله هنا بقوله فيما بعد أن “غير المولود” يُعبرّ عن أقنوم الله الآب ولكن لا نقول إنه يمثل جوهر الله”. 

23 أف3: 15. حسب الأصل اليوناني Πατριà. يكرر ق. كيرلس هنا نفس تعليم ق. أثناسيوس مستخدمًا نفس الآية فقد سبق ق. أثناسيوس أن كتب قائلاً “إن الله يلد ليس كما يلد البشر بل هو يلد كإله. لأن الله لا يقتدى بالبشر بل الأحرى البشر (هم الذين يقتدون بالله) لأن الله ـ على وجه الخصوص ـ هو وحده حقًا الآب لابنه الذاتي. أما الآباء البشرّيون فقد دعوا كذلك آباء لأولادهم، من الله “الَّذِي مِنْهُ تُسَمَّى كُلُّ أبوّه فِي السَّمَاوَاتِ وَعَلَى الأَرْضِ“. انظر المقالة الأولى ضد الآريوسيين، عربها د.صموئيل كامل، ود. نصحي عبد الشهيد المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية طبعة ثانية 2002، ص76-77.

24 1تيمو5: 22.

25 مز74: 5س.

غير المولود والآب – الحوار الثاني ج3 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

مفهوم الولادة – الحوار الثاني ج4 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

مفهوم الولادة – الحوار الثاني ج4 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

مفهوم الولادة – الحوار الثاني ج4 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

الحوار الثانى

عن أن الابن أزليّّ مع الله الآب ومولود منه حسب الطبيعة

 

فحص الاعتراضات على مفهوم الولادة:

إرميـــا: هذا صحيح ولكن المضاّدين ربما سيقولون لنا: إنك إذا قلت إن الابن الذى هو كائن بالولادة، يشترك مع الله الآب فى الجوهر، فإنك لن تترّدد فى أن تقول إنه كائن دائمًا مع الآب، وإنه لم يُولَد بدون التغيّر الذي يصاحب ما نسميّه عادة، بالولادة. بينما المنطق يقنعنا بأن نفكر أن العلّة توجد قبل المعلول، وأن طبيعة الذى يَلد يلحقها تغييّر ما بسبب ولادتها للكائن الذى يُولد منها، لأن المولود يشكَّل جزءً من طبيعة الذى يلد. إذن يجب أن نستبعد فكرة الولادة الطبيعية البشرّية من أذهاننا لأنها تعنى تغييرًا قد دخل إلى الطبيعة الإلهية التي تسمو على كل تغيير.

كيرلس: أليس هذا هو ما سبق أن قلته؟ فأفكارهم تشبه الصبغة التى يلونون بها الأمور حسب ظنونهم، ويعطونها أشكالاً عديدة وفى أى اتجاه. فهم يشبهون المعتوهين والأطفال الصغار، بل وحتى الأطفال لديهم القدرة على التفكير، بينما ‎هؤلاء الناس يتمسكّون بدون فحص بكل ما يأتى على أذهانهم، ويكرّمون كل ما هو قبيح وعفن. هذا حسب رأيى هو حال العبيد والنفوس التى أضعفتها الغفلة. وهكذا يقول لنا بولس أَيُّهَا الإِخْوَةُ لاَ تَكُونُوا أَوْلاَدا ًفِي أَذْهَانِكُمْ بَلْ كُونُوا أَوْلاَدا ًفِي الشَّرِّ وَأَمَّا فِي الأَذْهَانِ فَكُونُوا كَامِلِينَ[1]. والحقيقة أن الذى لا يملك القدرّة على التميّيز وهو رجل وليس مراهقًا، بل ووصل إلى مستوى النضوج الذى فيه يتحقق الملء فى المسيح، فإذا لم يتحقق ذلك فيه فإن ما يفعله حينذاك سيكون أمرًا لا يليق بالقديسين. ولا نشك لحظة فى الضرر الفادح الذى ينتظر أولئك الذين لا يملكون القدرة على التمييّز.

إرميـــا: بالفعل لأني لا أعتقد شيئًا غير ذلك، والحق معك.

كيرلس: هل تريد إذن أن نترك الحديث عن التميّيز ونعود إلى تسليط نور الحق على ادعاءات هؤلاء الناس.

إرميـــا: بكل تأكيد لأننا سنجد ما نقوله فى هذا الاتجاه.

كيرلس: لا أعرف من أين جاء هؤلاء بكلمتى “العّلة” و”المعلول”. ولا أعتقد أنهم سيدّعون أنهم وجدوها فى الكتب المقدّسة، فما الذى سيقولونه فى هذا الأمر؟

إرميــا: لقد سمعتنا نقول منذ قليل إن “العلّة” أقدم من حيث الوجود ومن حيث الفكر، من “المعلول”، وإن مَنْ يَلدِ لا يمكن أن يَلدِ بدون ألم وتغيّير. وهم يقدّمون هذه الأفكار بشكل مزّيف لكى يظهروا أن الابن أقلّ من الآب، وأنه فى المرتبة الثانية لأنه جاء متأخرًا، وهكذا ينكرون بشكل قاطع أن الولادة حقيقية. ويدّعون باطلاً أن الولادة من الجوهر ليست أصيلة.

 

الخلق والولادة :

كيرلس: فليتفضّلوا ويعطونا إجابة عن هذا السؤال: هل أنتم مقتنعون بأن الآب هو “سبب” كينونة الابن؟ هل دور الآب هو دور “الصانع” الذى أحضر الابن إلى الوجود مثل باقى الخلائق المصنوعة؟ أم سيقولون معنا أن المولود قد خرج من جوهر الآب بميلاد حقيقى؟

إرميـــا: حسب رأيهم، أن يكون الله أبًا فهذا معناه أنه خالق، وإذ هو الكائن العظيم البسيط فى جوهره، فإنهم عندما يقولون إن الله قد وَلَدَ، فهم يقصدون بذلك أنه قد خَلَقَ. ويمكن أن يقولوا إنه ما لم يكن فعْل الولادة هو فعل الخلق فهذا سوف يجعل الكائن البسيط كائنًا مركبًا.

كيرلس: هذا فى الحقيقة خلط كبير فى الأمور وتشويش على الطبيعة البسيطة والواضحة، ورغم أن هناك صفات ذاتية فى هذه الطبيعة تبيّن التماّيز بوضوح، إلاّ أنهم يخلطون الأمور مثل خلط مياه نهرين مستقلين حسب رأى أحد الحكماء اليونانيين. وبالنسبة لى، هناك فارق كبير بين “يخلق ” و” يَلدْ “، وذلك بغض النظر عن كل المماحكات الفكريّة . وأنا أرى أنه يجب ألاّ نخلط بين أن ننسب للآب أن طبيعته بسيطة وبين أن نستغل هذه البساطة بدون تعقل، لكى نفكر عنه أفكارًا غير منطقية ولا تليق به. فإذا كان الله بالخلق وَلَدَ أيضًا، وإذا أراد أحد رؤية الخلق والولادة كشيء واحد، بدون أى تميّيز بينهما ولا اختلاف، ولا يرى أن الخلق غير الولادة، فإنى لا أستطيع أن أوافق على ذلك، لأن هذا سوف يؤدى لاعتبار كل شئ خَلَقَه الله، مولودًا منه. تصوّروا معى العدد الذى لا يُحصَى للمخلوقات والأنواع، وهذا يستحيل أن نحصيه، ولكن مَنْ يريد ذلك فعلّيه أن يحاول إحصاءها، لأنه لا يوجد كائن واحد لا ينتمى لطغمة المخلوقات، وعليه أن يُحصِى أيضًا أصغر المخلوقات وأقلها شأنًا، فهل سيصير الله أبًا لكل هذه المخلوقات الدنيا؟

إرميـــا: هذا كلام غير مقبول طبعًا.

كيرلس: بل لتقل بأكثر وضوح إنهم قد خرجوا عن كل حدود التقوى. لأن التفكير بأن الخَلقْ والولادة فى الله هما أمران لا تمايز بينهما بسبب بساطة الطبيعة، فهذا معناه أن نُظهِر الكتب المقدّسة أنها خرافات باطلة، لأنها تُسمِى الابن، بـ “الوحيد الجنس” (المونوجينيس). وإذا كان ما يقوله المضاّدون صحيحًا، فيجب أن يكون له أخوة كثيرون. وهذا معناه أن الابن الوحيد قد جاء إلى الوجود مثله مثل باقى المخلوقات عن طريق الخلق، وذلك لأنهم لا يفرّقون بين الخَلقْ والولادة. وهذا معناه أن الرسول يوحنا الذى أدخلنا إلى هذا السَّر، قد جانبه الصواب حينما يقدّم لنا الابن على أنه “الابن الوحيد” (المونوجينيس)، وهو يقول عنه إنه فِي حِضْنِ الآبِ[2] وهذا معناه أن الولادة من الآب حقيقية تمامًا، وهذا كلام واضح جدًا. فإن حاولوا إنكاره فإنهم بذلك يتجاسرون على الابن نفسه. فقد كان من الأسهل عليه أن يقاوم اعتراضات اليهود، ولكن نجده فى الواقع يستثيرها. فلماذا لم يقل لهم بوضوح إن الله قد خَلِقة، ولماذا دعا الله أباه، مساويًا نفسه بالله؟[3]، مَنْ أجبره على أن يصرخ فى مجامعهم: اَلَّذِي يُؤْمِنُ بِهِ لاَ يُدَانُ؟[4]، بينما كان فى إمكانه أن يُسكّن غضب سامعيه؟ فلو كان قد قال: “إن الذى يؤمن بالمخلوق لا يدان ” لَمَا رأيناهم فى حاجة أن يتهمّوه بالكفر، أو أن يرجموه أو أن يقودوه إلى الجبل ليلقوه من أعلى[5].

          ومن أين أتى التلاميذ، وهم الحكماء، بهذا الاعتقاد عنه أنه الابن الوحيد لله وليس مخلوقًا؟ فالمسيح غيّر طبيعة الماء، واستطاع أن يمشى على مياه البحر كأرض صلبة بدلاً من أن يغوص فى أعماقها، مما أثار دهشة الرسل القديسين بقوة. وعندما دخل السفينة معهم، سجدوا له معترفين وقائلين بِالْحَقِيقَةِ أَنْتَ ابْنُ اللَّهِ[6]. وما فعله المسيح (فى هذه المعجزة) جعلهم يؤيدون اعترافهم به بصيغة توكيد بقولهم “بالحقيقة”. هل بعد هذا نستطيع أن نتهمهم بالكذب؟ هل تختلط علينا الأمور ونتهمهم بأنهم حادوا عن الحق؟ وإذا كان (الرّب) ليس ابنًا خارجًا من جوهر الذى وَلَده، أى الآب، بل هو مجرد مخلوق، وإن كان لقب ابن الله ليس إلاّ مظهرًا فقط، فبماذا كان التلاميذ يفكرون حينما سجدوا له؟ لماذا دعوه “ابن الله” وهم معلّمو أسرار الإيمان وكارزو الحق الإلهى؟

إرميــــا: لا نستطيع أن نقول أحسن من ذلك حسب رأيى.

كيرلس: إن بولس الطوباوي وهو القديس والذى دعاه الله إِنَاءٌ مُخْتَارٌ[7]، وعُيّن خادمًا للأمم، والمؤتمن على أسرار مخلّصنا، ماذا كان يريد أن يقول يا ترى حينما صرخ بخصوص الابن والملائكة القديسين قائلاً:     “ الَّذِي، وَهُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ، وَحَامِلٌ كُلَّ الأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ، بَعْدَ مَا صَنَعَ بِنَفْسِهِ تَطْهِيرًا لِخَطَايَانَا، جَلَسَ فِي يَمِينِ الْعَظَمَةِ فِي الأَعَالِي، صَائِرًا أَعْظَمَ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ بِمِقْدَارِ مَا وَرِثَ اسْمًا أَفْضَلَ مِنْهُمْ. لأَنَّهُ لِمَنْ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ قَالَ قَطُّ: أَنْتَ ابْنِي أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ؟ اِجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ؟ أَلَيْسَ جَمِيعُهُمْ أَرْوَاحًا خَادِمَةً مُرْسَلَةً لِلْخِدْمَةِ لأَجْلِ الْعَتِيدِينَ أَنْ يَرِثُوا الْخَلاَصَ! وأيضًا ” لأَنَّهُ إِنْ كَانَتِ \لْكَلِمَةُ \لَّتِي تَكَلَّمَ بِهَا مَلاَئِكَةٌ قَدْ صَارَتْ ثَابِتَةً، وَكُلُّ تَعَدٍّ وَمَعْصِيَةٍ نَالَ مُجَازَاةً عَادِلَةً، فَكَيْفَ نَنْجُو نَحْنُ إِنْ أَهْمَلْنَا خَلاَصًا هَذَا مِقْدَارُهُ؟”[8]. كيف يمكن إذن أن نعتقد نحن أو الملائكة القديسين ـ بشكل أكيد ـ أن الابن هو رسم المجد الذى لا يُعبّر عنه وبهاء جوهر الله الآب، لو لم يكن يمتلك امتياز كونه مولودًاولكانت ولادته مجرّد كلمات جوفاء، ولكان مختلفًا فى طبيعته (عن الآب)، وبذلك يُحسب ضمن المخلوقات؟ وفى هذه الحالة ما الذى يمنعنا من أن نحسب الآب أيضًا ضمن باقى المخلوقات، ونضطر نتيجة لذلك أن نعتبر الآب مثل باقى الكائنات التى تخضع للتغيير مادام مَنْ هو صورته ورسم جوهره (أي الابن) خاضعًا أيضًا للتغيير؟ كيف يمكن للابن فى هذه الحالة أن يكون وارثًا لاسم أفضل من الملائكة؟ وإذا كان الخلق ـ عند الله ـ مساويًا للولادة، فإن ذلك الذى له هذه المكانة، أي الابن، سوف يكون من ضمن المخلوقات، وإن كان أى مخلوق سيصير مولودًا، فما الذى يمنع الله إذن أن يقول لكل واحد من الملائكة القديسين: أَنْتَ ابْنِي، أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ”[9]؟ فإذا كانت الملائكة تمتلك هذه المكانة فلماذا يحرمها الله من هذا الحق؟ لماذا يحرمهم من مجد الولادة، ومن نوال لقب ابن؟ وحسب الآراء الغبية التى يتمسك بها هؤلاء الناس، لا يوجد فرق بين الولادة والخلق، على اعتبار أن الله بسيط . فهم يجعلون معنى الولادة والخلق متداخلين، ويخلطون بين هاتين الحقيقتين.

إرميــــا: هذا وصف قليل على أفكارهم وتعبيراتهم.

كيرلس: نحن لا نوافق على ذلك أبدًا، لأن الفارق بين الأسماء وبين ما تدّل عليه الأسماء، هو فارق عظيم. وأنا أريد أن أسألك  سؤالاً وأجبني من فضلك.

إرميــا: تفَضّل…

كيرلس: لقد كَتَب العظيم يوحنا، وهو أعمق مَنْ أدخلنا إلى الأسرار الإلهية، عن الابن قائلاً: إِلَى خَاصَّتِهِ جَاءَ، وَخَاصَّتُهُ لَمْ تَقْبَلْهُ. وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ[10]. مَنْ الذي يحصل على مجد الابن ونعمة التبني، هل هم الذين لا يمتلكونه، أم أولئك الذين لا يحتاجون إلى هذا الغنى بل ويمتلكونه في طبيعتهم، ولم يسبق لهم أن أخذوه من مصدر آخر؟

إرميــا: أعتقد أن نعمة البنّوة تعطى للذين لا يملكونها، وهذه هي الحقيقة.

كيرلس: إذن، ما هي الكائنات المخلوقة التي لا تمتلك هذه النعمة مادامت الولادة ليست شيئًا آخر سوى إنها هي الخلق، أو مادام الأمران لا يختلفان ولا يتمايزان، وهكذا فإن كل ما يوجد بالولادة فهو مخلوق؟

إرميـــا: وهل الآب وَلَدنا من طبيعته الذاتية؟

كيرلس: لا، الله لم يلدنا من طبيعته الذاتية، ولكن يجب ألاّ نخلط بين حالتنا البشرّية وحالة الذي هو الابن بالطبيعة، ولذلك لا ينبغي أن نستخدم نفس الكلام الخاص بحالتنا البشريّة لنتحدّث به عن الابن. نحن خُلقنا، وهذا كلام يوافق عليه الجميع، أما هو فقد وُلِدَ من جوهر الله الآب. أما نحن فقد نلنا نعمة أن نتشبّه بالابن في الولادة من الله. إذ نلنا من رحمته نعمة جعلتنا أبناء الله، إذ حصلنا على كرامة من خارج طبيعتنا أُضيفت إلينا، بها صرنا أبناء بالتبني مشابهين الابن الحقيقي ودُعينا لمجد ذلك الذي هو الابن بالطبيعة.

          ولقد كان من المستحيل أن يوجد أبناء بالتبني لو لم يكن الابن الوحيد بالطبيعة كائنًا من قبل، كما أنه كان من المستحيل أن توجد ولادة على صورة الأصل لو لم تكن ولادته هي الأصل والمصدر. فإذا كان الآب لم يَلِد بالحقيقة وإذا كانت الولادة بالنسبة له هي نوع من الخلق ولا تتميّز عنه، إذن يصير الحديث عن الابن الوحيد عبثا وتبدو لنا طبيعة الآب كأنها طبيعة عقيمة، وينتهي رجاء أولئك الذين آمنوا ويصير كأمر تافه، فأين إذن التبني؟ وأين الكرامة التي ننالها منه والتي تنقل كائن من حالة إلى حالة أفضل بين المخلوقات إذا كان المخلوق يتساوى في القيمة ـ حسب رأيهم ـ مع المولود؟ وهكذا فإنهم يخلطون الخلق والولادة معتبرين كليهما حقيقة واحدة، وهذا أمر يدعو إلى الخجل الشديد.

إرميـــا: تمامًا.

كيرلس: وأيضًا عندما يُقال عن الابن إنه جليس مع الآب[11] وهو كذلك بالفعل ـ لأن الولادة الحقيقة للابن من الآب لا تعطيه (حسب قولهم) أن يتحلّى بصفات مَنْ وَلَده عن طريق المساواة الكاملة والطبيعة الواحدة، أفلا يعني قولهم هذا أنهم يقرّون بكل وضوح أن المجد الذي يليق بالخالق فقط قد أنسكب أيضًا على طبيعة المخلوقات وإن العبد قد نال كرامة السيد؟ وعندما يكتب بولس الرسول متسائلاً “لِمَنْ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ قَالَ قَطُّ: أَنْتَ ابْنِي أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ؟”[12] وأيضًا “لِمَنْ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ قَالَ قَطُّ: اِجْلِسْ عَنْ يَمِينِي؟”[13]، فلأي سبب رأى الله أنه حسن للملائكة أن يخدموه ويسجدون له بينما يجعل الآخر (الابن) جليسًا معه على عرشه متمتعًا بالمجد اللائق بالإله برغم إنه ليس من نفس الطبيعة؟ وقد يقول قائل ربما يوجد عند الآب الضابط الكّل تحيّز أو يُماَرس عليه ضغط من نوع ما، لكي يضع البعض (الملائكة) في موضع أقل بينما يكرّم الواحد، وهذا بدون أن يكون هناك إدانة ضد الكثيرين منهم، أو تهمة معيّنة تبرّر التقليل من شأنهم . لأنه قد رسم لهم منذ البدء أن يعيشوا بلا عيب، وكان باستطاعتهم الحفاظ على مكانتهم الأولى في الصعود والنزول من أجل خدمة الله.

          هل يُعَد هذا ظلم من جهة الله الآب لأنه لم يعطهم أيضًا أن يتمتّعوا بنفس المجد؟ لا، لا يمكن أن نتكلّم عن ظلم أو تحيّز عند الله! يجب ألاّ نكون عادمي الحس والفكر مثل هؤلاء الناس. فإن هناك مسافة كبيرة وفارقًا عظيما بين المخلوق والمولود. فالابن يشارك عرش الله، والآخرون يخدمونه، لأنهم دُعوا إلى الوجود بالخلق، ولماذا نخلط الأمور التي هي واضحة تمامًا ولا تقبل الخلط؟ لماذا يحاولون بشكل غير منطقي أن يمزجوا معًا كائنات لا تتشابه في طبائعها، بل تصرخ من نفسها شاهدة على ذلك، ويبدو لنا أن هدف هؤلاء الناس النهائي ليس هو سعادة اكتشاف الحق، ولكن هدفهم هو التسليّة غير التقيّة والكلام الذي لا يعرف حدودًا ولا ضوابط.

إرميـــا: أنت تتكلّم بالصدق، هؤلاء الناس لا يبحثون عن الأمور الضرورية والنافعة. وأنا أعتقد أنهم سيقولون الآتي: كيف يمكن لمَنْ هو بسيط في طبيعته (الله) أن يفعل أفعالاً مختلفة، فَيِلَد ويَخِلْق دون أن يهدم بذلك مبدأ أن طبيعته بسيطة؟

كيرلس: ما هذا إلاّ مثال لمن يتكئ على عكاز من قصبة مرضوضة حسب تعبير إشعياء النبي[14]. إن الاتكال على هذه الأفكار والظن أن التمّسك بها هو الإيمان المستقيم عينه، هو كَمَنْ اختار بغباء قصبة مرضوضة ليتكئ عليها. ومن السهل أن ننقض هذه الطريقة في التفكير التي يُظن أنها حكيمة، وسوف تجد نفسك عندما تدرس الكائنات وتفحصها بذهن دقيق ومملوء بحب المعرفة، أن طبائع هذه الكائنات كثيرة جدًا متعدّدة ومن بينها، هناك كائنات تفنى بعضها البعض بالعداوة وأخرى ليس بينها عداوة بحسب طبيعتها، غير أنها لا تستطيع أن تعيش فى توافق. هل تفهم ما أقول؟

إرميـــا: ليس تمامًا ..

كيرلس: ستفهم حالاً لأني سأشرح كلامي.

إن الله بقدرته وإبداعه قد خَلَق الملاك والإنسان، والسماء والأرض، البقرة والحصان، الخشب والصخر .. وكل كائن من هذه الكائنات يتبع طبيعته الخاصة والتي لا تتشابه مع الطبائع الأخرى. ولكن هذا لا يعنى أن هناك تناقضًا بين هذه الطبائع. فطبيعة الملاك ليست مناقضة لطبيعة الإنسان، ووجود السماء لا يتناقض مع وجود باقي الكائنات. فليس هناك عداوة بين السماء والأرض، أو بين الخشب والصخر، لأنها لا تأخذ وجودها من أصول متناقضة يفصل بينها تناقض الطبيعة. وبجانب هذه الكائنات، فإن الله بقوّته قد خَلَقَ النار التى تحرق والماء الذى يرّطب، ومع ذلك فالاثنان من صنع كائن واحد بسيط. ومادام هناك كائنات مختلفة من صنع قوّة بسيطة، فلماذا لا نقبل أفعالاً متعدّدة لجوهر بسيط. وإن لم يقبلوا هذا، فهم يقلبون الحقيقة ويهدمونها باسم التقوى. وهناك أمر آخر يجب ألاّ نهمله، فحسب رأيهم إن كان الله بسيطًا، فإن عمله لا يأخذ إلاّ شكلاً واحدًا، وأن هذا هو المناسب لله. فإن كان الأمر كذلك، فلماذا لا نؤمن أيضًا أن هناك بساطة بهذا المعنى في ما يريده الله وما يفعله معنا؟

إرميـــا: ماذا تريد أن تقول؟

كيرلس: ألا يشعر هو أيها العزيز، بالحزن والاشمئزاز من جهة الأشرار؟ ألا يصير الشرير مصدر اشمئزاز لله؟ بينما يفرح بالقديسين ويمدح أولئك الذين يسلكون باستقامة ؟

إرميــــا: كيف يكون غير ذلك؟

كيرلس: أتوافق على أن هذا يثير الغضب الذي يؤدى إلى الجحيم، بينما يكون نصيب القديسين أن ينالوا الكرامة والنعمة كثمرة لوداعتهم؟

إرميــــا: أنا أقبل ذلك لأنه فعلاً هكذا.

كيرلس: هل لمجرّد أن قلنا إن الطبيعة الإلهية طبيعة بسيطة، ينكرون أن تكون أفعال الله متنوعة. يجب عليهم أن يعرفوا أن هذه الطبيعة لها إرادة بسيطة حكيمة، وليس إرادات متعددة، وذلك لأن الله يمكن أن يلوم الذين يمدحهم ويؤدب الذين يحبهم. والذي يعمله الله في غضبه هو نتيجة لطفه، وهكذا فغضب الله ينسجم مع لطفه. وأنا أريد أن أضيف شيئًا آخرً: إن اللاهوت طبيعة واحدة وبسيطة، ولكنه أيضًا هو الحياة والقوّة والحكمة والمجد. والحياة تُحيى الأحياء والقوة تقّوى الأقوياء والحكمة تحكّم الحكماء والمجد يرفع المُمجدين. أم أنك ترى أن ما أقوله ليس صحيحًا؟

إرميـــا: صحيح تمامًا.

كيرلس: إن كان الجوهر بسيط، فكيف لا تكون أفعاله متنوّعة، الأمر الذي ينكره أولئك الناس؟ فالله يعمل بطرق متنوّعة مع أنه بسيط في طبيعته. لابد من الاعتراف بذلك يا إرميا فهذا هو المنطق السليم. أليس من المنطقي أن نقبل بساطة الطبيعة في الله وفى نفس الوقت لا ننشغل كثيرًا بما يفعله، لأن الله وحده يعلم كيف يعمل بطرق متنوعة. لأن أمور الله تفوق كل عقل وكل كلام.

إرميــــا: حسنًا قلت.

كيرلس: سيكون من الغباء بمكان أن ننسب للطبيعة الخالقة للكون عقمًا وجفافًا، أو أنها غير مثمرة، وذلك لأن كل الكائنات المخلوقة هي مثمرة وغير عقيمة، وما الثمار التي تأتى منها إلاّ نتيجة لمشابهتها للطبيعة الإلهية في الإثمار وعدم العقم.

 

26 1كو14: 20.

27 يو1: 18. سبق أن شرح ق. كيرلس بالتفصيل معنى أن الابن هو في حضن الآب وذلك في سياق شرحه لانجيل يوحنا فكتب قائلاً: [ لإننا يجب أن نلاحظ إنه يدعوه “الابن” الإله الابن الوحيد ويقول إنه “في حضن الآب” لكي ندرك أنه لا يمكن أن يُحسب مثل المخلوقات أو أنه له طبيعة مخلوقه بل أن له اقنومه المتميّز عن الآب والذي هو في الآب” ]. انظر شرح إنجيل يوحنا للقديس كيرلس الجزء الأول. إصدار مركز دراسات الآباء سنة 1989م.

28 يو5: 18.

29 يو3: 18.

30 يو5: 18.

31 انظر مت14: 25-33.

32 أع9: 15.

33 عب1: 3-5، 2: 2، 13: 14-3. راجع شرح ق. أثناسيوس للمعنى اللاهوتي لهذا الآيات في سياق دفاعه عن الوهية الابن المتجسد. المقالة الأولى ضد الآريوسين. المرجع السابق. فصل 13 ص126-144.

34 مز2: 7. من الملاحظ هنا أن ق. كيرلس يستخدم هذا المزمور ضمن سؤال ليؤكد به على تعليمه بأن الخلق ليس مساويًا للولادة. فالابن هو مولود من جوهر الآب وبالتالي هو غير مخلوق ولا يُحسَب من ضمن المخلوقات. ومن الجدير بالذكر أن ق. أثناسيوس سبق أن استخدم نفس هذا المزمور مع آية أخرى هَذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ”مت3: 17 للدفاع عن ألوهية الابن المتجسد. انظر المقالة الثانية ضد الآريوسيين فقرة: 23 ص50. 

35 يو1: 11-12.

36 يردّد الكاهن في صلاة الصلح نفس هذه العبارة في القداس الغريغوري الموجّه إلى الابن حيث يقول…”أيها الكائن الذي كان الدائم إلى الأبد الذاتي والمساوي والجليس والخالق مع الآب” انظر الخولاجي المقدس، جمع وترتيب القمص عبد المسيح صليب المسعودي البرموسي اصدار دير السيدة العذراء برموس الطبعة الثالثة أكتوبر 2002 ص316.

37 عب1: 5.

38 عب1: 13.

39 إش36: 6.

 

مفهوم الولادة – الحوار الثاني ج4 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

لفظ غير مولود ج2 – الحوار الثاني ج2 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

لفظ غير مولود ج2 – الحوار الثاني ج2 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

لفظ غير مولود ج2 – الحوار الثاني ج2 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

 

الحوار الثانى

عن أن الابن أزليّّ مع الله الآب ومولود منه حسب الطبيعة

إرميـــا: لقد تكلّمت بكل قوة ووضوح، ومن المستحيل أن يكون لنا رؤية أخرى تخالف ذلك. ولكنهم يقولون إن لقب “غير المولود” يحدّد طبيعة الله الآب وهذا معناه وبكل سهولة أن للابن طبيعة أخرى لأنه من المسلّم به أن المولود يختلف عن غير المولود.

كيرلس: ونحن سنقول لهم، يا أعزائى، إنه إذا كانت صفة “المولود” تحددّ طبيعة الابن، فإن الابن فى هذه الحالة سيكون من طبيعة أخرى غير طبيعة الآب، وبالتالى فهو غريب عن جوهره. وما عواقب ذلك؟ ستكون العواقب جرائم صعبة جدًا وأراء فاسدة عن جوهر الابن الوحيد. وهذه الآراء تَحُط من قَدْر المسيح العالى جدًا. وهو يقول لنا نحن المخلوقين، ذلك بصراحة : “أنتم من أسفل” وعن أقنومه الخاص يقول “أنا من فوق[1]. أما عن كيفيّة أن يكون كائن ما من فوق وينزل إلى أسفل  ويظلّ غريبًا عن العالم الذي من أسفل فهذا أمر يسهل شرحه لكل مَنْ يرغب فى سبر غور هذه المسألة. إن كل كائن غير مولود يشترك مع أى كائن أخر غير مولود فى صفة أساسية وهى عدم الولادة . ألا يجدر بنا أن نستمر فى التفكير بهذه الطريقة ونعتبر أن أى كائن مولود مساوٍ لكائن آخر مولود؟

إرميـــا: وما هو الغامض فى ذلك ؟ فالفكرة واضحة فى الحالتين وسهلة

كيرلس: هل تعتقد يا إرميا أن عدم التقوى غير ظاهر بعد فى كلامهم هذا؟ أم تعتقد أن الكلام الخادع لهؤلاء المضاّدين والمعاندين يمكن أن يمر مرور الكرام؟ فإن تَصَنُعهم وبريق كلامهم وكأنه من الله، جعلهم يجذبون أذهان البسطاء، وهو فى الواقع أكثر شرًا من التجديف البشع. لقد أنزلوا الابن الوحيد إلى درجة المخلوقات، وهو الذي بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ ، صار معدودًا بين الكائنات المحكوم عليها بالتغيّير والفساد… وإذا كان لقب “المولود” هو، كما يدّعون، اسم الابن وجوهره، فإن جوهر الابن فى هذه الحالة سيكون مساويًا لأى مولود آخر[2] من الكائنات الحيّة والتى تُقدّر بالآلاف، بل ولا تُحصى، وتتضّمن أصغر الكائنات مثل الناموس والذباب..

إرميـــا: لقد قلت الحق.

كيرلس: فلماذا إذن يُسموّنه بالابن؟ ولماذا يسلّمون بأن الله هو الآب إذا لم يكن بالحقيقة قد وَلَد ابنًا من جوهره الخاص؟ ولهذا لا يجب أن ينطقوا فيما بعد أيّة كلمة، لا عن الآب ولا عن الابن، لأن الحقيقة دائمًا محبوبة من المسيحيين، والمسيحيون يحبون الحق. وأمام هذا القيء نستطيع أن نفهم وبعمق أهمية أن يصمت الإنسان أمام أسرار الله، كما هو مكتوب لاَ تُجَاوِبِ الْجَاهِلَ حَسَبَ حَمَاقَتِهِ[3]، ولكن عليهم أن لا يهجموا على البسطاء بدون أى تمييّز أو كياسة ويتصوّرون أنه من الصعب أن نظهر فساد آرائهم، والله وحده يعلم مدى بؤس حججهم. فلنحارب أولئك المسلحّين بالكذب والخداع وذلك بقوّة اتحادنا بالمسيح الظافر، وأدلة العقل السليم، ولنرنم مع داود:

          لأَنِّي عَلَى قَوْسِي لاَ أَتَّكِلُ، وَسَيْفِي لاَ يُخَلِّصُنِي.7 لأَنَّكَ أَنْتَ خَلَّصْتَنَا مِنْ مُضَايِقِينَا، وَأَخْزَيْتَ مُبْغِضِينَا”[4] وأنت ماذا تقول؟

إرميـــا: إمض إذن وبكل شجاعة، وسيّد الكلّ سوف يقف بجانبنا ويكون رفيقنا فى الكفاح ..

كيرلس: أنا كلىّ اشتياق لعمل ذلك وليس عندى أدنى تردّد ولكن قبل كل شئ أعتقد أنه يجب أن أقول شيئًا.

إرميـــا: ما هو؟

كيرلس: إنه شئ مُخجل ومُخالف للحقيقة ادعائهم بأن عدم المولودية هى تحديد وتعريف لله. ونحن نعلم أن الحد هو ما يُظهر طرف الشيء ونهايته. وهكذا تصل وقاحتهم إلى درجة يستحيل معها الحوار والإقناع.

إرميـــا: نعم وليس لديهم أى تردد فى التأكيد على ذلك، بل ويصرون عليه..

كيرلس: إنك لا تكذب فيما تقول لأن وقاحتهم قد تَعدت كل حدود الرزانة واللياقة. فإن ما يقولونه هو جهل مطبق بدون أى شك لأنهم بكل بساطة وبدون أدنى خوف يَحكمون على الرأى المستقيم والذى بلا عيب، وهم يلهثون وراء كل ما يستحسنون حتى ولو اكتشفوا بعد ذلك أنها أمور غير مقبولة. لاحظ كيف سقطوا فى الفخاخ التى صنعها لهم جهلهم وبالذات فيما يخص النقطة الآتية: فهم يقولون إن تعريفات الجوهر تتّم من خلال اسم واحد أو كلمة واحدة، وهذا أمر لا يقبله العلماء والذين يبحثون عن الدقة فى هذا المجال. وبالإضافة إلى ذلك يقولون إنه لا يوجد غير التعريفات المكّونة من كلمة واحدة. وحتى عند استعمال كلمتين، فهاتين لا تكفيان للوضوح الكامل بل بالحرى يحتاج الأمر إلى ثلاث كلمات حتى تظهر  معانى الأشياء التى نريد تحديدها بوضوح .

إرميـــا: هل لك أن تعطنى مثالاً على ذلك؟

كيرلس: لنفترض أننا بصدد سؤال عن مَنْ هو الإنسان؟ فإذا أردنا إعطاء إجابة مختصرة وفى كلمة واحدة فسنُعرّف الإنسان بأنه “حىّ”. ولكن حتى هذا التعريف لا يخلو من الغموض. صحيح أن الإنسان “حىّ” ولكن هذه الصفة ليست حكرًا علية وحده فهو يشترك فى هذه التسميّة مع آخرين. فالكائنات الحيّة الأخرى لا تُحصى. فالكلب والبقرة والنمر تُعد كائنات حيّة.. فإذا أضفنا تعبيرًا آخر إلى الصفة الأولى وقلنا إنه “حىّ وزائل”، فإننا وإن كنا نقول الحقيقة إلاّ أن تعريف الإنسان هذا غير كامل، لأننا نسمى الكلب والبقرة أيضًا كائنات حيّة زائلة أو مائتة، ولكن إذا انتقل الحديث إلى تناول أهم خصائص الإنسان الجوهرية سواء كانت عامة أو خاصة فسنقول إنه “حى زائل عاقل، وهو المؤهّل للعلم ولإِعمَال العقل”، وسوف نكون قد وفّينا التعريف حقه ولا ينقصه شئ. هل أدركت الآن كم أن رأينا سليم وهو كلام حق؟

إرميـــا: نعم أدرك، وماذا بعد ذلك؟

كيرلس: ولهذا فيجب أن يعلموا أنه أمر مخالف وغير مناسب للعلم الذى يدَّعون أنهم يحبونه، أن نحاول أن نعرّف شيئًا ما تعريفًا وافيًا بكلمة واحدة. فبماذا سيردون بكل ما لهم من مظاهر الحكمة إذا قلنا إن جوهر الله الآب يتحددّ فقط بكلمة “غير المولود”، ويبدو أنهم بدون وعى انطلقوا فى هذه الأحاديث مع أناس يعتقدون أنهم ذوو حس مرهف وذهن حاد، وهناك أمر آخر فات عليهم فهمه.

إرميـــا: ما هو هذا الأمر الذى فاتهم؟

كيرلس: إن تعريفات الجواهر، إذا ما تمّت بطريقة منطقيّة ومناسبة ومنسجمة مع نفسها، فلابد أن تبدأ من النوع أو الجنس ثم تنتقل إلى بيان خصوصيات كل نوع، وما تميّزه عن غيره. ولكن انتظر فهناك أمر أريد أن أقوله لك.

إرميــا: أوُضِح ذلك لأنى أعتقد أنه يجب أن نمضى بنفس الطريقة فى عرض الأمور التى نتحدّث عنها.

كيرلس: إذا اقترب منك أحد الناس مستفسرًا عن معنى كلب أو بقرة فبماذا تجيبه يا إرميا؟

إرميـــا: سأقول إنها “كائنات حيّة”.

كيرلس: والآن قل لىّ، هل تعتقد أنك بهذه الإجابة قد أعطيت شرحًا وافيًا لهذا الأمر؟

إرميـــا: أبدًا، لأنى سوف أضيف أيضًا، اختلاف الطبائع الكامنة فى كل منها، هذا إذا أردت أن أتكلّم بطريقة مقبولة .

كيرلس: هذا حق ورائع، إذن ليس هناك غموض فى هذا الصدد فتعريف الجواهر يجب أن يتم انطلاقًا من الجنس أو النوع، ثم ينتقل إلى بيان خصوصيات كل نوع.

إرميـــا: نعم، فليس هناك طريق آخر.

كيرلس: إذن فَكِّر مليًا أو بالأحرى، فليفكر هؤلاء الذين يريدون أن ينسبوا بجهل، للفظ “غير المولود” إمكانية تعريف الجوهر، دون أن يوضحوا هل يشيرون بهذا اللفظ إلى النوع أم إلى الاختلاف داخل النوع. فإذا قالوا إنهم يشيرون به إلى النوع فيجب أن لا يطلقوه على شئ أخر غيره، لئلا ننسب للنوع إمكانية تحديد اختلاف الطبائع وهكذا نعطيه دورًا غير دوره. أما إذا تركوا هذا الأمر وقالوا إنه يعنى الاختلاف فى الطبائع، فليشرحوا لنا أى اختلاف سيظهر مادمنا لم نعرّف أولاً النوع المشار إليه؟ كيف يكون لدينا تعريف وافٍ للجواهر، وكيف نفهمه فى سياقه المنطقى وهو لا يتكّون إلاّ مما يشير إلى اختلاف(داخل النوع)؟ إنهم بتمسكّهم بهذا على أنه حق، سوف يجلبون على أنفسهم السخرية.

إرميـــا: هذا أمر لا شك فيه.

كيرلس: إذن الحقيقة الواضحة هى أن نقول لهم إن آرائهم إنما هى افتراءات زائدة عن حدّ اللياقة.

إرميــــا: وكيف نظهر ذلك لهم، أخبرنى؟

كيرلس: كما سبق وقلت إننا لا يمكن أن نصل إلى تعريف صحيح لأى جوهر، من خلال الاختلاف فقط. وذلك لأن معرفة النوع تتم من خلال ما يميّزه (عن غيره)، لأن منه ينطلق الحديث كما من نقطة انطلاق المتسابقين حتى نصل إلى رؤية واضحة. وعلى هذا الأساس فإذا أصروا بجهل على أن لفظ “غير المولود” يمكن أن يوضّح لنا الأمر فلن نجد اختلاف (داخل النوع)، فرغم أن هذا التعبير يعنى أنه لم تكن هناك ولادة، ولكن يجب ألاّ نعطى لهذا التعبير كل هذه الأهمية. ولكن فيما يخصهم سيستخدمون اللفظ كتعبير عن النوع، هكذا ببساطة وبدون تمييز. ولكن هذا يخرج بنا خارج حدود المنطق واللياقة، وذلك لأننا نحاول أن نطبق على الله صفة النوع بينما لا يوجد كائن آخر مساوٍ له أو سابق عليه. ولنفرض أن الله ينتمى إلى نوع وهو “غير المولود”، وذلك حسب رأيهم، فسوف يكون نوع لا قيمة له بالنسبة لنا مادمنا نجعله نوعًا بدون الاهتمام بأهمية الفروق بينه وبين الأنواع الأخرى. فإذا كان دور لفظ “غير المولود” ينحصر فى أنه يُظهر لنا أنه لم يَوَلَد فما الفارق الذى يمكن أن يُظِهَره بين الآب والابن، لو كان الابن فى مكانة أقل بسبب كونه مولودًا. أنا غير قادر على فهم ذلك كله؟ وأنت ما رأيك يا إرميا؟

إرميـــا: هل يمكننى أن أقول أى شئ بعد كل هذا؟

كيرلس: ولكن حسب اعتقادى ـ وقد أظهرنا ذلك بوضوح ـ أن لفظ “غير المولود” ليس له قوّة التعريف الكامل والدقيق. وهذا ليس معناه أننا معتادون على بحث هذه الأمور، ولكن الضرورة وُضعت علينا ودفعتنا الحاجة أن نتنازل على غير رغبتنا وننشغل بأمور تتعّدى معرفتنا وممارستنا ولكن هذا لا يلغى فائدتها. ولا شك أن الخوض فى أفكار جديدة أمر لا يخلو من تعب، ويجب أن نقول إن رجال الاختصاص الدائبين على العمل فى هذا المجال بدقة يقولون إن كل تعريف أو تحديد معناه التغيير.

إرميــا: وما هو هذا التغييّر؟ سأكون سعيدًا إذا ما عرفّتنى؟

كيرلس: سوف أقول لك ذلك، بأن أعود إلى الوراء وأعيد على مسامعك ما سبق وقلته، فنحن نُعرّف الإنسان على أساس أنه كائن حىّ زائل بينما نحدّد الحصان مثلاً على أنه حيوان يتميّز بالصهيل وهكذا، وهناك طريقة أخرى لكى نحدّد طبيعة هذه الكائنات، وهى أن ننطلق من الصفات الأخيرة وليست الأولى، إلى أن نصل إلى حيث يبدأ التحديد، بمعنى أنه إذا كان هناك كائن حىّ زائل وعاقل فإننا سنفهم أنه الإنسان، وإذا قلنا إن كائنًا ما قادر على الصهيل فسوف يظهر ذلك أن الأمر يتعلّق بطبيعة الحصان. فإذا كان تعبير “غير المولود” هو تعريف، فلماذا لا يقبل التغييّر أو التعديل. يجب أن لا يترددوا فى أن يعترفوا بذلك، فإذا قلنا عن كائن إنه “غير مولود”، فهذا يكون تحديدًا لجوهر الله الآب، ولكن هذا الفكر عارٍ تمامًا من الصحة، لأنه يوجد آلاف الأشياء بنفس الطريقة. ومن الصعوبة بمكان أن نحصر الأشياء التى ينطبق عليها هذا الكلام. هل فهمت الآن درجة الغموض التى يقودنا إليها كلامهم وأفكارهم.

إرميـــا: حقًا إنه لأمر مفزع.

كيرلس: هناك دلائل أخرى تؤكد على أن تعبير “غير مولود” غير كافٍ كتعريف متكامل ويجب أن نعيد فحص هذا الأمر. نحن نحدّد كل كائن انطلاقًا من إيماننا بماهيته الحقيقية، وليس من عوارض فيه التي يمكن أن تختفى لأسباب كثيرة ..

إرميـــا: أوُضِح ذلك من فضلك؟

كيرلس: لنأخذ النار أو الماء مثالاً، فحينما نريد أن نُعرّف ماهيتهما أو نحدّد طبيعة كل منهما، فسوف نقول عن النار إنها جسم ساخن وجاف، أما الماء فهو سائل وبارد. وهذا هو على ما أعتقد التحديد المناسب انطلاقًا من كينونتهما الحقيقية. فإذا قلنا عن النار إنها لا باردة ولا ليّنة مع حذف القول إنها ساخنة وجافة، وكذلك عن الماء نقول إنه لا ساخن ولا جامد، بينما يجب القول إنه بارد، ولكن إذا عرَّفنا هذه الأشياء بهذه الطريقة السلبّية، فمن أين سنأخذ التحديد الصحيح؟

إرميــا: أعتقد أننا متفقون على أن نُعرَّف هذه الأشياء انطلاقًا من الصفات التى لا تملكها، أى التعريّف السلبّى، مثل الشيء الصلب نقول عنه إنه ليس لينًا.

كيرلس: ولكن هل لو تكلّم إنسان هكذا عن كائن ما، فهل سينجح فى إظهار الحقيقة بدون انحراف عن القصد؟

إرميـــا: إطلاقًا.

كيرلس: كيف إذن نستطيع أن نقول أن تعبير “غير المولود” هو تعبير كافٍ كتحديد، وهو لا يُظهر لنا ماهية الآب، ولكن ما ليس للآب؟

إرميـــا: على كل حال أنت تؤكد أنه “غير مولود”.

كيرلس: هذا هو فعلاً ما أكدّته، وهذا هو مضمون الكلمة بشكل عام، ما هو رأيهم إذن إذا قلنا إن تحديدات الجواهر لا تُوجد بها بالضرورة خصائص متناقضة، ولذلك فهى لا تدخل فى نطاق التحديدات النسبّية، ومن خصائص هذه التحديدات النسبيّة أنها تشير دائمًا إلى علاقة بشيء آخر.

إرميـــا: إن كلامك غير واضح ـ على الأقل بالنسبة لى.

كيرلس: ليس هناك ما يَمنع أن نجعله واضحًا، فحينما نتكلّم عن الآب فإننا نثير فى أذهان السامعين فكرة الابن أى مجرد فكرة وجود كائن مولود، والعكس صحيح، فحينما نذكر الكائن المولود فإننا نجلب إلى الأذهان ذاك الذى يَلدِ. نفس الشيء يمكن أن ينطبق على فكرة الاتجاهات، فحينما نتكلّم عن اتجاه ما، نَتَذكّر الاتجاه الآخر، أى حينما نقول اليمين يذهب فكرنا أيضًا إلى وجود يسار. ولكن حينما نتكلّم عن الإنسان ونحاول تحديد جوهره أو جوهر أى كائن آخر من الكائنات الحيّة، فإذا قلنا إنه إنسان لا نضيف عليه شيئًا مختلفًا أو معاكسًا، كما نتكلّم عن اليمين أو اليسار أو الآب والابن، وذلك لأن الإنسان هو الإنسان، كما أن الصخرة هى الصخرة ولا يوجد فيها ما يجعلنا نميّزها عن غيرها، ولذلك فإن خصائصها المميّزة لها هى التى تحدّد الأسماء التى نطلقها عليها. وإذا جئنا إلى لفظ “غير المولود”، فإنه يعنى “غير المولودية” كما أنه يشير ضمنًا إلى “المولود”، لأن اللفظ يشير إلى الخاصتين اللتين يعبر عنهما . فكيف إذن نعتبر لقب “غير المولود” تعريفًا (لجوهر) الله بينما هو يختلف عن لقب “مولود” وليس فيه معنى يشير إلى ما هو مشترك بينهما؟[5].

إرميــا: إذن لقب “غير المولود” حسب رأيك لا يعنى شيئًا بالنسبة لله؟

كيرلس: أبدًا يعنى الكثير، وذلك بسبب أنه قد خُصص للآب وارتبط به وحده فقط، وذلك للتعبير عن حقيقة “عدم الولادة” ولكن لا يجب أن ننسب لهذه الكلمة وحدها صفة التحديد أو التعريف النهائى لجوهر الله.

17 يو8: 23. في موضع آخر يشرح ق. كيرلس قول المسيح هذا، والذي لم يفهمه اليهود. بل ظنوا إنه شخص عادي يتعرّض للموت أو يختفى بالهروب فيقول ق. كيرلس إن المسيح أراد أن يعلّمهم “أن الأمرلا يختص بميلاد واحد وفنائه، بل يختص بذلك الذي هو بالحقيقة مولود من فوق أى من الله الآب”. ويستمر ق. كيرلس في شرحه واضعًا هذا الكلام على فم المسيح “فيقول لذلك فإن الموت =والهروب لن يناسبني لأني أنا من فوق أي إله من إله (لأن الله هو فوق الكل) ولكن هذا يناسبكم أنتم بالحرى لأنكم “من أسفل” أي طبيعة خاضعة للموت والفناء والخوف… ولا يتساوى الذي من أسفل من الأرض مع ذلك الذي هو من فوق مولود من الله الآبَّ. شرح انجيل يوحنا. ترجمة د. موريس تاوضروس د.نصحي عبد الشهيد. المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية ديسمبر 2000 ج4 ص44-46.

[2] أى يكون مساويًا لأى مولود آخر من المخلوقات، أى أن يكون جوهره مخلوقًا مثل الكائنات الحيّة الأخرى.

19 أم26: 4.

20 مز44: 6-7س.

[5] يقصد ما هو مشترك بين “غير المولود” و”المولود” من ناحية، وبين “جوهر الله” من ناحية أخرى.

 

لفظ غير مولود ج2 – الحوار الثاني ج2 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري

Exit mobile version