مفهوم عطاء الآب للابن في فكر القديس كيرلس عمود الدين [ كل شئ دفع الي من ابي ]

مفهوم عطاء الآب للابن في فكر القديس كيرلس عمود الدين [ كل شئ دفع الي من ابي ]

مفهوم عطاء الآب للابن في فكر القديس كيرلس عمود الدين [ كل شئ دفع الي من ابي ]

مفهوم عطاء الآب للابن في فكر القديس كيرلس عمود الدين [ كل شئ دفع الي من ابي ]

لوقا 10 : 22 كل شيء قد دفع إلي من أبي. وليس أحد يعرف من هو الابن إلا الآب.

رأي القديس كيرلس عمود الدين بتبسيط شرحه :

ان كلمة دفع او العطاء لا تنتقص من الالوهية بل تدعمها .

فبرهن القديس كيرلس على هذا شارحاً الاتي:

1- كلام المسيح يوضح التميز في الاقانيم .بالابن حقاً واحد مع الآب في الجوهر لكن هناك تمايز .

2- ان الابن يتكلم بحسب طبيعته والقول هو “كل شئ ” يعني انه لا يوجد شئ لم يكن له .

3- لو بفرض ان الابن اخذ كل شئ ولم يكن للابن شئ قبل ان يأخذ كل شئ .ونجد في النص أن الآب اعطاه كل شئ .فهل الآب بعدما اعطاه كل شئ لم يكن لديه شئ لاجل ذاته ؟هذا تخريف وعبث .فكيف يقولون ان الآب يتعري من الاشياء التي له بحسب الطبيعة .وهو يملكها حتي لو اعطاها للابن .

4- مفهو ان الابن اخذ هذا لا يعني اخذ في نطاق زمني او انه كان محروما من الذي اخذه .فما اخذه اخذه من جهة بشريته لكن ما لديه هو بحسب الطبيعة مثل الآب ايضاً .

المرجع

من كتاب: تفسير الكتاب المقدس عند الاباء للدكتور جورج عوض مع تصرف في تبسيط الالفاظ

مفهوم عطاء الآب للابن في فكر القديس كيرلس عمود الدين [ كل شئ دفع الي من ابي ] 

المسيح الإله المتجسد عند القديس كيرلس الأسكندري د. موريس تواضروس

المسيح الإله المتجسد عند القديس كيرلس الأسكندري د. موريس تواضروس

المسيح الإله المتجسد عند القديس كيرلس الأسكندري – د. موريس تاوضروس

المسيح الإله المتجسد عند القديس كيرلس الأسكندري د. موريس تواضروس

 

            ما هى المشكلات أو القضايا التى أُثيرت حول التجسد أو حول ” المسيح الإله المتجسد ” وكيف عالجها القديس كيرلس :

 

أولاً : كيف تم التجسد :

كما يقول القديس يوحنا ” والكلمة صار جسدًا ” ويشرحها القديس كيرلس على النحو التالى :

          أ ـ ” صار” لا تعنى التغير (كما يُقال مثلاً عن زوجة لوط ” صارت عمود ملح ” (تك26:19) أو عصا موسى ” طرحها على الأرض فصارت حية ” (خر3:4).

          افتراض التغير لمعنى كلمة ” صار ” لا ينطبق على الله لأن الله لا يتغير.

          ب ـ كلمة ” صار ” ملتصقة بالكلمة ” الكلمة صار ” تعنى أن الكلمة الذى هو الإله، هو بهاء مجد الآب ورسم جوهره، الذى هو صورة الله، هذا الكلمة ، هذا الإله هو بنفسه وبعينه هو الذى صار جسدًا (أى إنسانًا) دون أن يتحول إلى جسد، ودون أن يفقد ما يخصه.

          ج ـ وكلمة ” صار ” تعنى أن هذا الذى صار إنسانًا، وصار فى شكلنا وأخذ صورة عبد، هو بعينه الكلمة، هو الرب ، هو الله (عندما وجد السيد المسيح المولود أعمى بعد أن شفاه قال له هل تؤمن بابن الله؟ فقال الذى شُفى ” ومن هو يا سيد حتى أؤمن به ” فأجاب السيد المسيح ” قد رأيته والذى يتكلم معك هو هو ” (يو37:9).

          د ـ وكلمة ” صار ” أيضًا تعنى: أن الكلمة جعل جسد البشر جسده الخاص.

          هـ ـ وفى رده على الهراطقة أوضح أن كلمة ” صار ” تؤخذ بالمعنى الحقيقى للكلمة، فإذا أخذنا الجانب المجازى كمبدأ نفسر به سر التدبير الإلهى، فإننا نصل فى النهاية إلى أن المسيح لم يُولد ولم يمت ولم يقم حسب الكتب، ولا يبقى لنا شئ من الإيمان الذى نكرز به.

          وبالتالى فإن كلمة ” صار ” فى عبارة ” صار جسدًا ” تفسر الحقائق الخاصة بالتجسد عندما أخلى ذاته وأخذ كل ما للطبيعة البشرية ما عدا الخطية ، فلا عجب أن يُقال بعد ذلك إنه يجوع ويعطش ويتعب وينام ، لأن هذه هى خصائص الطبيعة البشرية التى أخذها.[1]

 

ثانيًا : صورة الاتحاد بين اللاهوت والناسوت وكيف تم :

          يؤكد القديس كيرلس أن التجسد هو اتحاد أقنومى بين اللاهوت والناسوت، وليس صلة أو مصاحبة أو علاقة. ويناقش الأمر على النحو التالى :

          ماذا يقول الهراطقة :

          1 ـ الله الكلمة قد اتخذ ناسوتًا كاملاً من نسل إبراهيم وداود، وهو لا يختلف عن كل البشر . هو إنسان كامل له نفس عاقلة وجسد . هو إنسان مثلنا كَوّنه الروح القدس فى أحشاء العذراء ووُلد من امرأة . تمت بينه وبين لاهوت الكلمة مصاحبة. فأعده لكى يتألم وأقامه من الأموات وأخذه معه إلى السموات وأجلسه عن يمين الله. وهو هناك الآن فوق كل رئاسة وسلطان وقوة وسيادة. وهو يقبل العبادة التى تُقدم له من كل الخليقة لأنه التصق بالطبيعة الإلهية بدون افتراق.

          2 ـ حيث إن الله الكلمة والابن الوحيد للآب اتصل به هذا الإنسان المولود من مريم، صار هذا الإنسان يشترك فى الاسم وفى كرامة الابن. فالذى هو بالطبيعة الرب والابن ـ من أجل خلاصنا ـ اتصل به اتصالاً لا افتراق فيه، أى أنه يُحسب مع الابن الوحيد فى اسم وكرامة البنوة والربوبية [2].

 

رد القديس كيرلس :[3]

          أ ـ الكلمة الذى من الآب هو نفسه الذى تجسد، وهو نفسه إله وإنسان معًا فى نفس الوقت. هو الكائن منذ الأزل لأنه الله الذى جاء ووُلد فى الزمان جسديًا من امرأة . هو نفسه الأزلى وهو نفسه الذى فى آخر الزمان ولد حسب الجسد. هو نفسه بالطبيعة قدوس (كإله) ولكن تقدس معنا عندما صار إنسانًا. له رتبة الربوبية ولكن اتخذ لنفسه صورة العبد. هو الحياة ويعطى الحياة كإله، ولكن قيل إنه أُقيم من الأموات بواسطة الآب لأنه تجسد.

          ب ـ تعليم الهراطقة حَوَّل سر التدبير (أى التجسد) إلى ما هو عكس التجسد تمامًا، فإذا كان التجسد يعنى أن الكلمة الذى بطبيعته الله والذى وُلد من الله الآب قد قَبِلَ الإخلاء وأخذ شكل عبد ووضع نفسه، نرى الآن العكس وهو أن إنسانًا قد ارتفع بواسطة المصاحبة إلى مجد الألوهية الفائق وأخذ مكانة الله وارتفع وجلس مع الآب فى الأعالى .

          إن ما يقول به الهراطقة هنا هو نوع من الخرافات اليونانية التى كانت تؤله الأبطال والملوك. فالهراطقة  يقولون إنه حدث مجرد اتصال بين هذا الإنسان والكلمة، ثم كافأ الكلمة هذا الإنسان الذى اتصل به وأعطاه عرش الألوهية حيث يقف لخدمته الملائكة ورؤساء الملائكة. إن الهراطقة حَوَّلوا العبادة لله إلى عبادة لإنسان مثلنا أخذ كرامة من الابن الحقيقى.

          ج ـ إذا كان الآباء لم يستخدموا كلمة ” صلة ” مطلقًا فلماذا نستخدمها ؟ كلمة اتحاد تعنى اتفاق أو ملائمة عنصرين فى اتحاد يجعلهما واحدًا. الواحد البسيط لا يُوصف بأنه متحد بل الواحد المركب من اثنين أو أكثر من عناصر مختلفة هو الذى يمكن أن يُقال أنه فى اتحاد. لقد قَسَّمَ الهراطقة الواحد إلى اثنين. عندما يسمِى الهراطقة ” الاتحاد ” بأنه ” صلة ” فهم يتحدثون عن البشر الذين توفرت لهم علاقة بالله. وكيف يمكن أن يُقال عمن هو خاضع فعلاً كعبد أنه أخذ صورة عبد.

أليس هذا تناقضًا، وأليس من الصواب القول بأن هذا الذى هو بالحقيقة حر، وجوهره فوق كل شئ صار مثلنا وأخذ صورة عبد؟ الحر بالطبيعة صار فى وضع العبد حتى ننال نحن الكرامة فيه ونُدعى فيه أبناء الله ويصير الله هو أب لنا.

          د ـ إن اتحاد اللاهوت بالناسوت هو مثل اتحاد نفس الإنسان بجسده. والنفس تجعل الأشياء التى للجسد هى لها رغم أنها (النفس) بطبيعتها لا تشارك الجسد آلامه المادية أو الطبيعية الآلام التى تسببها للجسد الأشياء التى هى خارج الجسد. لأن الجسد عندما يتحرك مدفوعًا نحو رغبته الطبيعية (الجسدية) فإن النفس التى فيه تعرف هذه الرغبات بسبب اتحاد النفس بالجسد، لكنها (النفس) لا تشارك الجسد رغباته، ومع ذلك نعتبر أن تحقيق الرغبة هو تحقيق لرغبتها هى (أى النفس) فإذا ضُرب الجسد أو جرح بالحديد مثلاً، فإن النفس تحزن مع جسدها، ولكن بطبيعتها لا تتألم بالآلام المادية التى تقع على الجسد.

          ومع هذا يلزم أن نقول إن الاتحاد فى عمانوئيل هو أسمى من أن يُشبّه باتحاد النفس بالجسد. لأن النفس المتحدة بجسدها تحزن مع جسدها وهذا حتمى، حتى أنها عندما تقبل الهوان تتعلم كيف تخضع لطاعة الله. أما بخصوص الله الكلمة فإنه من الحماقة أن نقول إن اللاهوت وقعت عليه الإهانات، لأن اللاهوت لا يشعر بنفس الطريقة التى نشعر بها، نحن البشر.

وعندما اتحد بجسد له نفس عاقلة وتألم لم ينفعل ـ اللاهوت ـ بما تألم به، لكنه كان يعرف ما يحدث له، وأباد كإله كل ضعفات الجسد، ورغم أنه جعلها ضعفاته هو فهى تخص جسده. لذلك (لسبب الاتحاد) قيل عنه إنه عطش وتعب وتألم لأجلنا.

          ولذلك فإن اتحاد الكلمة بطبيعتنا البشرية يمكن على وجه ما أن يُقارن باتحاد النفس بالجسد. لأنه كما أن الجسد من طبيعة مختلفة عن النفس ، لكن الإنسان واحد من اثنين (النفس والجسد) ، هكذا المسيح واحد من الأقنوم الكامل لله الكلمة ومن الناسوت الكامل (من العذراء). والألوهة نفسها والناسوت نفسه، فى الواحد بعينه الأقنوم الواحد. وكما قلنا: إن الكلمة يجعل آلام جسده آلامه هو، لأن الجسد هو جسده وليس جسد أحد آخر سواه، هكذا يمنح الكلمة جسده كل ما يخص لاهوته من قوة، حتى أن جسده قادر على أن يقيم الموتى ويبرئ المرضى.

          هـ ـ إن ما يريد أن يؤكد عليه القديس كيرلس ، هو أن الكلمة صار إنسانًا، وهو ليس إنسانًا تشرف بصلته باللاهوت، كما أنه ليس إنسانًا حصل على مساواة وكرامة وسلطان الله الكلمة.. إننا فيما يقول القديس كيرلس ـ نؤمن بأنه ليس إنسانًا مثلنا قد تشرف بنعمة اللاهوت، لئلا نقع فى خطية عبادة إنسان، وإنما نؤمن بالرب الذى ظهر فى شكل عبد والذى صار مثلنا بالحقيقة بطبيعة بشرية ، ولكنه ظلَّ الله، لأن الله الكلمة عندما أخذ جسدًا لم يفقد خواصه الإلهية، بل ظل فى نفس الوقت هو الله المتجسد.

          و ـ وكيف يُقال عنه إنه أخلى نفسه، إن كان هو بحسب طبيعته الخاصة إنسانًا وُلد مثلنا من امرأة؟ أخبرنى عن طبيعة التفوق العالى الذى هو أعظم من الإنسان والذى نزل فيه ليصير إنسانًا؟ أو كيف يعتبر أنه اتخذ صورة عبد لم تكن له من البداية وهو الذى بالطبيعة ينتمى إلى فئة العبيد ويخضع تحت نير العبودية.

          ز ـ يفسر الهراطقة الإخلاء على النحو التالى: إن ذلك الذى هو بالطبيعة وبالحقيقة الابن الحر، الكلمة الذى من الله الآب، وهو فى صورة الذى ولده ومساوٍ له، قد حلَّ فى إنسان مولود من امرأة . أى أنهم يفسرون الإخلاء بأنه حلول فى الإنسان. ويتساءل القديس كيرلس: هل يكون يا أصدقائى الأعزاء، الحلول وحده للكلمة الذى من الله فى الإنسان كافيًا لإخلاء نفسه؟

هل هو سليم أن نقول إنه بذلك يكون قد لبس صورة عبد، وأن هذا يكون بالنسبة له هو كيفية اتضاعه ، رغم أنه يقول ـ كما أسمعه ـ للرسل القديسين : إن أحبنى أحد يحفظ كلمتى ويحبه أبى وإليه نأتى وعنده نصنع منزلاً ؟ هل تسمعون كيف يقول إنه هو والله الآب سوف يصنعان منزلاً فى أولئك الذين يحبونه؟ لذلك هل نوافق أن الله الآب أخلى نفسه وأنه احتمل إخلاء لنفسه مماثلاً لإخلاء الابن وأنه أخذ صورة العبد، بسبب أنه يجعل النفوس المقدسة لأولئك الذين يحبونه منازل خاصة له؟

          وماذا عن الروح القدس الساكن فينا؟ هل هو مكمل تدبير التأنس الذى نقول إنه تم بواسطة الابن وحده ولأجل خلاص الناس وحياتهم؟

          إن الإخلاء هو الذى يفسر الاتحاد الأقنومى ، ولولا الإخلاء لما حدث ” سر ” ولما كان فى الأمر أعجوبة لما تم الخلاص. لو كان الله أخذ جسدًا فقط دون إخلاء لكان الحدث أمرًا طبيعيًا ، فلقد أخذ المسيح جميع المؤمنين واتحد بهم كقوله ” أنا الكرمة الحقيقية وأنتم الأغصان”. وفى هذا لم يقل ” صار الكلمة جسدًا ” أو أخلى الله ذاته ” .

          لقد قال الرسول بولس ” أخلى ذاته آخذًَا صورة عبد “. فقبل الأخذ حدث إخلاء، وأما الأخذ بدون إخلاء فيُسمى ” حلولاً ” أو ” سكنى ” كحلول روح الله فى الإنسان، عندما يتخذ الله من الإنسان هيكلاً ليحل فيه . ولا يُقال عن هذا الحلول، إن ” الله صار جسدًا “. إن الأخذ غير المسبوق بإخلاء يُقال عنه اتحاد إرادى[4].

أما الأخذ فى التجسد، فقد صار فيه الاتحاد أقنوميًا. إن الاتحاد الإرادى استعارى يُطلق من باب المجاز، أما اتحاد الكلمة بالناسوت فهو فعلى حقيقى أقنومى. لقد اتحد اللاهوت بالناسوت اتحادًا أقنوميًا، ولم يكن بين الإخلاء والأخذ زمن ما، كما لا يمكن تصور حلول اللاهوت فى أحشاء العذراء دون وجود الناسوت ، ولا تصور وجود الناسوت فيها دون حلول اللاهوت، وذلك أشبه بميلاده الأزلى من الآب، إذ لا يمكن تصور وجود الآب الوالد بدون الابن المولود، ولا تصور وجود الابن المولود بدون الآب الوالد.

          ونتيجة لهذا الاتحاد الأقنومى جاز أن نقول على هذا الاتحاد الألفاظ البشرية كالأكل والشرب والصلب والموت، إلى جانب الألفاظ الإلهية الرفيعة كالأزلية والوجود فى كل مكان. وكلا الألفاظ البشرية والإلهية تُطلق على الإله  المتجسد ذى الأقنوم الواحد المركب، فيُقال هذا الإنسان هو الله، ويُقال إن الله مات، كما يحدث أن ينسب الكتاب المقدس غالبًا، القتل والموت إلى النفس لاتحادها بالجسد القابل القتل والموت، كما جاء فى سفر العدد ” الذى قتل نفسًا سهوًا ” (عدد12،11:35).

          وما يُقال عن المسيح من أنه كان ” ينمو فى القامة وفى الحكمة وفى النعمة ” (لو52:2) فهذا يخص التدبير ، لأن كلمة الله سمح لبشريته أن تنمو حسب خواصها وحسب قوانينها وعاداتها. لكنه أراد شيئًا فشيئًا أن يعطى مجد ألوهيته إلى جسده كلما تقدم فى العمر حتى لا يكون مرعبًا للناس إذا بدر منه عدم الاحتياج المُطلق إلى أى شئ ، ومع ذلك تكلموا عنه ” كيف عرف هذا الإنسان الكتب وهو لم يتعلم ” (يو15:7).

فالنمو يحدث للجسد ، كما أن التقدم فى النعمة والحكمة يتلاءم مع مقاييس الطبيعة البشرية. وهنا يلزمنا أن نؤكد أن الله الكلمة، المولود من الآب، هو نفسه كلى الكمال لا ينقصه النمو أو الحكمة أو النعمة، بل إنه يعطى للمخلوقات الحكمة والنعمة وكل ما هو صالح[5].

 

ثالثاً : خصائص هذا الاتحاد :[6]

          1 ـ لا يغير من طبيعة اللاهوت أو من طبيعة الناسوت، ويحتفظ بهما معًا فى طبيعة واحدة، طبيعة الإله المتأنس. يقول القديس كيرلس ” نحن نقول إن الجسد لم يتحول إلى طبيعة اللاهوت، ولا طبيعة كلمة الله التى تفوق التعبير، تغيرت إلى طبيعة الجسد، لأنه بصورة مطلقة هو غير قابل للتبدل أو للتغير، ويظل هو نفسه دائمًا حسب الكتب. ولكن حينما كان منظورًا، وكان لا يزال طفلاً مقمطًا، وكان فى حضن العذراء التى حملته، فإنه كان يملأ كل الخليقة كإله، وكان مهيمنًا مع ذلك الذى ولده، لأن الإلهى هو بلا كمية وبلا حجم ولا يقبل التحديد.

          2 ـ لا يجزئ ولا يفصل الإنسان عن الله. وعلى الرغم من أن سامعيه كانوا ينظرون إليه كإنسان ذى جسد، فهو لا يقول : النور موجودًا فىَّ ، لكنه يقول ” أنا هو نور العالم ” ، حتى لا يقسم أحد المسيح إلى ابنين بعد التدبير الذى تم بتأنسه، لأنه كما يقول بولس ” الرب يسوع المسيح هو واحد ” (أنظر 1كو6:8) قبل الجسد ومع الجسد. والكلمة الذى من الله الآب هو بالحقيقة ابن واحد ووحيد.

وحتى حينما صار إنسانًا فهو لا يُحسب منفصلاً عن الهيكل المأخوذ من امرأة، لأن الجسد خاص به. وعمومًا فإن فصله (فصل الكلمة عن الجسد) من جهة البنوة هو تجديف. ولكن ينبغى أن نعرف أنه بالرغم من قولنا إن الكلمة صار جسدًا فنحن لا نقول إنه مجرد جسد، ولكننا نعنى بكلمة لجسد ، الإنسان كله.

          المسيح إذن واحد : هذه هى النقطة الأساسية التى دار الخلاف حولها بين القديس كيرلس ونسطور، وهى النقطة الأساسية التى تدور حولها حرومات القديس كيرلس لنسطور.

          خلاصة الحرومات أن الشخص الذى أمامنا هو نفسه الله، وأن الله هو الشخص المتجسد أمامنا. إذا تكلمنا عن الله أتكلم عن الكلمة المتجسد وإذا تكلمنا عن الكلمة المتجسد، الكلمة الذى صار إنسانًا فإنى أتكلم عن الله. ويقول القديس كيرلس بلسان المسيح المتجسد ” أنتم تظنون إنى واحد مثلكم بسبب أنى ألبس جسدكم، ولهذا فقد انخدعتم بشدة ولم تتأملوا السر العميق الذى للتدبير بالجسد. فرغم إنى أنا هو الإله الحقيقى الذى فى صورة الآب الذى ولدنى، فإنى وضعت نفسى آخذًا صورة عبد وصرت إنسانًا. هذا هو جوهر الحرومات التى وضعها القديس كيرلس ليؤكد أن المسيح واحد [7].

          فى الحَرْم الأول: لمن لا يعترف أن عمانوئيل هو الله بالحقيقة. عمانوئيل هو الاسم الذى أخذه السيد المسيح عند الولادة ” وتدعون اسمه عمانوئيل  أى الله معنا ” . عمانوئيل هو الله.

          فى الحَرْم الثانى: يؤكد أن المسيح هو إله وإنسان معًا. إله وفى نفس الوقت إنسان.

          فى الحَرْم الثالث: يؤكد وحدة الأقنوم بعد الاتحاد (اتحاد اللاهوت بالناسوت) ومن أجل تأكيد وحدة الأقنوم يؤكد أن الاتحاد هو اتحاد  أقنومى واتحاد طبيعى وليس اتحاد من الخارج أو اتحاد الكرامة .

          فى الحَرْم الرابع: يؤكد أن ما يصدر عن المسيح من أقوال يُنسب إلى المسيح الواحد. لا نقسم الأقوال بين أقنومين. لا نقول إن هذه الأقوال تصدر من أقنوم الإنسان وهذه الأقوال تصدر من اقنوم الكلمة ونتحدث عن أقنومين (أى شخصين) منفصلين كل منهما يتكلم على حده منفصلاً عن الآخر.

          فى الحَرْم الخامس: يرفض أن ينظر إلى المسيح كمجرد إنسان يحمل الله.

          فى الحَرْم السادس: يرفض القول بأن الكلمة هو إله وسيد المسيح.

          فى الحَرْم السابع: يرفض القول بأن كلمة الله يفعل فى يسوع المسيح كإنسان.

          فى الحَرْم الثامن: يرفض القول إن الإنسان الذى اتخذه الكلمة ينبغى أن يُسجد له مع الله الكلمة.

          فى الحَرْم التاسع: يتكلم عن العلاقة مع الروح القدس فيرفض القول ” إن المسيح كان يستخدم القوة التى من الروح كما لو كانت خاصة بقوة غريبة عنه، ولا يقول إن الروح خاص به، والذى به عمل المعجزات.

          فى الحَرْم العاشر: يرفض القول بأن الإنسان المولود من امرأة هو آخر على حده غير كلمة الله.

          فى الحَرْم الحادى عشر: يؤكد أن جسد الرب هو معطى الحياة لأن هذا الجسد يخص الكلمة ولم يحصل فقط على حلول إلهى. هو جسد الكلمة الخاص به ولذلك يستطيع أن يهب الحياة.

          فى الحَرْم الثانى عشر: علينا أن نعترف أن كلمة الله تألم بالجسد (فى الجسد) وصُلب بالجسد (فى الجسد)، وذاق الموت بالجسد (فى الجسد).

 

رابعاً : الوحدة بين الابن والآب :[8]

يقول القديس كيرلس على لسان المسيح: لىَّ الآب فىَّ كمشارك ومريد معى فى كل الأشياء التى تختص بكم، لأن الرب يشترك معى فى صنع العجائب ويعمل معى ، لأنه لو كان الأمر يختص بالطبيعة البشرية لما كنت قد فعلت شيئًا. وإذ لى الآب فى نفسى فإنى اعترف أنى أستطيع أن أنجز كل الأشياء. ولأنى أملكه فى نفسى بموجب وحدة الجوهر فإنى أنجز كل الأشياء بلا عائق.

ويقول: نعتبر أن الآب يعمل مع الابن لا كمن يقدم قوى أخرى خاصة به لمن تنقصه قوة لأجل إنجاز الأعمال المعمولة، لأننا إن كنا نفكر هكذا، فنحن سنصل إلى أن قوة الآب وقوة الابن كلتيهما ناقصتين بالتأكيد عن إتمام أية معجزة تجرى بواسطتهما معًا، كما لو أن الواحد منهما لا يكفى لهذا العمل.

لكن الشركة بين الآب والابن تُفسر كالآتى: لهما ألوهة واحدة، طبيعة واحدة، نفس السلطان ونفس القوة. أعمال الآب هى أعمال الابن وأعمال الابن هى أعمال الآب. فعندما يقول المسيح لست أفعل شيئًا من نفسى، يقصد أن له نفس الفكر الذى للآب ونفس الطاقة، وليس له إرادة خاصة به غير موجودة فى الآب ، بل هو يشترك مع ذاك الذى وَلَده فى الإرادة من جهة كل شئ. فالابن له دائمًا مشيئة واحدة مع الآب ولا يعمل شيئًا يتنافر معه ولا يحتمل أن يقول شيئًا مما لم يكن من الآب.

 

خامساً : الابن يملك كل ما للآب :

          الابن هو قوة الله وحكمته، فكيف يهب الله قوة لقوته الذاتية، أو كيف يجعل حكمته الذاتية أكثر حكمة؟ كيف نقول بعد ذلك عن الابن إنه قوة الله وحكمته، إن كان ينال قوة وحكمة من آخر؟ الابن حكيم ليس بواسطة التعلم، ولا يحتاج لأن تُضاف إليه قوة من الخارج. والذين يحطون من قدر رسم (صورة) الله الآب (أى الابن) هم لا يتهمونه هو نفسه بقدر ما يتهمون الآب الذى الابن هو رسم له ، حيث إن الآب يكون على نحو ما يُرى فى الابن.

          ولكن كيف نفسر عبارتى : أنا لا أفعل شيئًا من نفسى (يو30:5، 28:8)؟ إذ هو حكمته ومشورته ، وعبارة ” تعليمى ليس لى بل للذى أرسلنى ” (يو16:7).

          مثلان للتوضيح :

          1 ـ نفترض أن هناك إنسانين لهما نفس الطبيعة ، متساويين فى القوة ولهما فكر واحد أحدهما مع الآخر. فلو قال أحدهما : أنا لا أفعل شيئًا من نفسى، فهل هو سيقول هذا كأنه ضعيف ولا يستطيع أن يفعل شيئًا بالمرة من نفسه، أم أنه يقول هذا لأن الإنسان الآخر هو فى اتفاق معه وله فكر واحد معه ومتحد معه؟  هكذا الابن فحيث إنه حكمة الله ومشورته الحية فهو يعترف أنه لا يفعل شيئًا آخر غير ما يريده الآب إذ هو حكمته ومشورته.

          2 ـ من الذى يعلم الطفل المولود حديثًا أن يستعمل الصوت البشرى (الكلام)؟ لماذا لا يزأر مثل الأسد؟ لكن الطبيعة تشكل الجنين حسب خاصية الزارع (الآب) وهكذا بالضرورة سوف ينمو نحو الصوت المشترك الذى نستخدمه جميعًا ؟ إذن فمن الممكن بدون معلم أن يتعلم من الطبيعة التى تسكب كل خاصية الزارع فى الجنين . فهكذا يكون الحال مع الابن أيضًا ، حيث إنه إله من إله بالطبيعة ، تَعلَّم من الطبيعة الخاصة أن يتكلم كإله وأن يقول شيئًا إلهيًا: أنا هو نور العالم.

          فعندما يقول الابن إنه : ” تعلم من الآب ” (يو16:7) فإنه يشير إلى نوع من التعلم بدون تعلّم، للأعمال والكلمات الإلهية من الطبيعة الخاصة لذلك الذى وَلَده، لأنه بدون شك فإن التماثل فى الإرادة والتساوى والمشابهة فى الكلمات توجد بالضرورة فى أولئك الذين لهم نفس الطبيعة ، وهذا هو معنى أنه لا يفعل من نفسه شيئًا، وهو تدبيريًا يقول إن ما يعرفه كإله ، فهذا تعلمه من الآب [9].
ـــــــــــــــــــــــــــــ

1  كتاب “المسيح واحد” للقديس كيرلس الأسكندرى ـ مؤسسة القديس أنطونيوس ـ مركز دراسات الآباء القاهرة 1987ـ ص20ـ 24.

2  المرجع السابق ص 37ـ38.

[3]  المرجع السابق ص 57ـ61.

4  ليس هو اتحادًا طبيعيًا، ولكنه مبنى على الرغبة والإرادة، كأن يتحد اثنان فى فكرة معينة أو رأى معين، أو الاشتراك فى عمل واحد، فهو اتحاد مجازى وليس اتحادًا فعليًا، يظل فيه أشخاص الاتحاد منفصلين الواحد عن الآخر. وكما يقول القديس كيرلس ” التلميذ يمكن أن يُقال إنه يجتمع ويتصل بمعلمه عن طريق محبة التعليم. ونحن أيضًا يتصل كل منا بالآخر بعدة طرق مختلفة مثل الذى يعمل مساعدًا لشخص آخر، فهو متصل بهذا الآخر بحسن النية والإرادة الصالحة بالذى طلبه كمساعد ” (المسيح واحد ص44).

5 رسائل القديس كيرلس (الأجزاء 4،3،2) ترجمة د. موريس تاوضروس ، ود. نصحى عبد الشهيد ـ مؤسسة القديس أنطونيوس ـ مركز دراسات الآباء ـ القاهرة 1995.

6  المرجع السابق .

7 رسائل القديس كيرلس إلى نسطور ويوحنا الإنطاكى ـ للقديس كيرلس الأسكندرى ـ ترجمة د. موريس تاوضروس ، ود. نصحى عبد الشهيد ـ مؤسسة القديس أنطونيوس ـ مركز دراسات الآباء ـ القاهرة 1995ـ ص35ـ39.

8 تفسير إنجيل يوحنا (الإصحاح الثامن) للقديس كيرلس ـ ترجمة د. موريس تاوضروس ، د. نصحى عبد الشهيد (تحت الطبع).

9  المرجع السابق.

المسيح الإله المتجسد عند القديس كيرلس الأسكندري د. موريس تواضروس

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الثاني – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

الكلمة صار جسدا ( يوحنا 1 : 14 ) للقديس كيرلس الإسكندري

الكلمة صار جسدا ( يوحنا 1 : 14 ) للقديس كيرلس الإسكندري

الكلمة صار جسدا ( يوحنا 1 : 14 ) للقديس كيرلس الإسكندري

الكلمة صار جسدا ( يوحنا 1 : 14 ) للقديس كيرلس الإسكندري [1]

الآن يعلن الإنجيلى التجسد بشكل علنى، فهو يؤكد أن الابن الوحيد جاء، فهو يؤكد أن الابن الوحيد جاء، ودُعى ابن الإنسان. ولهذا السبب بالذات وليس لأجل أى شئ آخر يقول   “الكلمة صار جسدا” ومعنى هذه الكلمات لا يزيد عن قوله ” الكلمة صار إنسانًا ” وتعبير الإنجيلى ” صار جسدًا ” ليس غريبًا ولا بعيدًا عن استعمال الأسفار الإلهية، لأنها غالبًا ما تسمى الإنسان كله “جسد” كما جاء فى النبى يوئيل ” سأسكب من روحى على كل جسد” (يوئيل28:2)

ونحن لا نعترض أن النبى يعلن أن الروح القدس قد أُعطى للجسد دون النفس، أو للجسد وحده، فهذا غير معقول بالمرة. ولكن لأننا ندرك الكل عن طريق الجزء يُسمى الإنسان جسدًا، وهذا صحيح. ولا يوجد ما يدعو إلى افتراض أن تسمية الإنسان جسد تعنى عدم وجود النفس، لكن لماذا يُسمى الإنسان جسدًا؟ هذا ما نحتاج شرحه.

 

الإنسان مخلوق عاقل، ومُركب، من النفس، ومن جسد ترابى قابل للفناء. وعندما خلق الله الإنسان، أتى به من العدم إلى الوجود، دون أن يكون فى طبيعة الإنسان عدم فساد أو عدم فناء (لأن هاتين الصفتين من صفات الله وحده). ولكن الإنسان خُتم بروح الحياة، أى الاشتراك فى اللاهوت فنال الإنسان بذلك الصلاح الذى يفوق الطبيعة الإنسانية، ولذلك قيل إن الله نفخ فى أنفه نسمة حياة، فصار الإنسان نفسًا حية (تك7:2).

وعندما عوقب الإنسان على معصيته قيل له بالحق ” تراب أنت وإلى التراب تعود” (تك19:3). فتعرى من النعمة أى نسمة الحياة أى روح ذاك الذى يقول ” أنا هو الحياة ” ففارق الروح القدس الجسد الترابى وسقط للموت، أى موت الجسد وحده.

أما النفس فلم تفقد عدم الموت. لأنه عن الجسد وحده قيل ” تراب أنت وإلى التراب تعود“. ولذلك كانت الحاجة ماسة إلى أن الذى فينا والذى صار فى خطر دائم وتحول إلى الانحلال، أن يتجدد بقوة، وأن يتم نسجه من جديد بنسيج الحياة القادرة بطبيعتها على عدم الموت. وكانت الحاجة إلى رفع عقوبة ” تراب وإلى التراب تعود” أن يتحد الجسد بشكل فائق بالكلمة الذى يحيى الكل.

وعندما يصبح الجسد، جسد الكلمة، فإنه يشترك فى عدم الموت الخاص بالكلمة. ولأنه من غير المعقول بالمرة، أن النار التى لها قدرة وحرارة ذاتية على أن تحوّل الخشب إلى نار، تقف قدرتها ولا يمتد تأثيرها إلى الخشب، وهذا يعنى أننا نتمسك بأن الكلمة الذى هو فوق الكل قد أعطى الجسد من صلاحه أى الحياة، فلم يكتف بتجديد النفس فقط.

 

لذلك السبب بالذات اعتقد أن الإنجيلى القديس، كان يقصد الجانب الذى تأثر أكثر من غيره فى الإنسان، عندما قال “الكلمة صار جسدا”، لكى نرى فى وقت واحد، الجرح والدواء، المريض والطبيب، ذاك الذى سقط تحت قبضة الموت والذى يقيمه للحياة، ذاك الذى ساد عليه الفساد والذى طرد الفساد، ذاك الذى أمسك به الموت والذى هو أسمى من الموت، ذاك الذى له عدم الحياة وذاك الذى هو واهب الحياة.

 

ولم يقل الإنجيلى إن الكلمة جاء إلى الجسد مثلما فعل فى القديم عندما جاء إلى الأنبياء والقديسين، واشتركوا فيه وإنما ما يعنيه الإنجيلى، إنه صار جسدًا، أى صار إنسانًا ولكنه هو الله بالطبيعة وهو فى الجسد، وجعله جسده دون أن يفقد لاهوته.

فهذا هو اعتقادنا لأننا نعبده وهو فى الجسد حسب ما هو مكتوب فى إشعياء ” الرجال ذوو القامة سوف يأتون إليك ولك يكونون، سوف يأتون مقيدين بسلاسل وسوف يخرون أمامك ويتوسلون إليك، لأن الله فيك، ولا إله آخر سواك” (إش14:45س) وها هو يقول إن الله فيه، لأنه لا يفصل الكلمة عن الجسد، وأيضًا إنه لا يوجد إله آخر سواه. أى الذى اتحد بالجسد، هيكله الذى أخذه من العذراء لأنه مسيح واحد من الاثنين.

1 شرح إنجيل يوحنا، نصوص الآباء 22، إصدار المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية بالقاهرة، القاهرة 1989، صفحات 129ـ132.

الكلمة صار جسدا ( يوحنا 1 : 14 ) للقديس كيرلس الإسكندري

التعليم عن الخلاص للقديس كيرلس رئيس أساقفة الأسكندرية

التعليم عن الخلاص للقديس كيرلس رئيس أساقفة الأسكندرية 

التعليم عن الخلاص للقديس كيرلس رئيس أساقفة الأسكندرية

التعليم عن الخلاص للقديس كيرلس رئيس أساقفة الأسكندرية

د. ميشيل بديع عبد الملك غطاس

 

(الحلقة الثانية)

 

تحدثنا فى الحلقة الأولى[1] فى موضوع “المسيح وسيط الخلاص” كأحد تعاليم القديس كيرلس الأسكندرى عن الخلاص, وركزنا حديثنا حول “يسوع المسيح الإله المتجسد”. ورأينا أن “كلمة الله الأزلى” (LÒgoj) له طريقة إعلان جديدة من خلال التجسد وهى الاتحاد بالطبيعة الإنسانية الكاملة دون استحالته إلى الناسوت أو استحالة الناسوت إلى اللاهوت:

[ لأن الله المتحد بالناسوت بصورة لا ينطق بها قد حفظ الناسوت بصفاته الخاصة وهو نفسه (أى كلمة الله) بقى إلهاَ كما كان, غير أنه من بعد الاتحاد يعتبر واحداَ مع ناسوته لأنه اقتنى لنفسه ما لهذا الناسوت كما أشاع فى هذا الناسوت أيضًا قوة طبيعته “الإلهية” الخاصة].[2]

ففى تجسد كلمة الله الأزلى احتفظ “اللوغوس” فى خروجه من حضن الآب بنفس علاقته الأزلية بالآب وبالروح القدس.

كما تحدثنا أيضًا عن المسيح “آدم الثانى” باعتباره الأصل الثانى للجنس البشرى بعد سقوط آدم الأول, حيث استعرضنا مقارنات القديس كيرلس بين كل من طبيعة آدم الأول وآدم الثانى من حيث الاختلافات الجوهرية بينهما:

[المسيح هو “الأصل” (`r…za) الثانى للجنس البشرى والبداية الجديدة للبشرية التى ترجع بواسطة التقديس إلى كمالها الأول][3]؛ [لذلك يدعى المسيح آدم الثانى لأنه استطاع أن يوصل إلى طبيعتنا كل نعم السعادة والخلود والمجد, وذلك بالمثل كما استطاع آدم (الأول) أن يوصل إلى طبيعتنا لعنة الفساد والمذلة][4].

 

فى هذا المقال نستكمل حديثنا عن “المسيح وسيط الخلاص” ونتكلم عن النقطة الثانية :

 

  1. II. يسوع المسيح الوسيط بين الله والبشر

 

1 ـ طبيعة وساطة المسيح

يتكلم القديس كيرلس عن أن موسى وإرميا وأنبياء آخرون من العهد القديم كانوا وسطاء بين الله والناس, حيث كانوا وسطاء بحكم الوظيفة, أما المسيح يعتبر “الوسيط الوحيد”[5] بحسب تعاليم القديس بولس الرسول: ” لأنه يوجد اله واحد ووسيط واحد بين الله والناس الإنسان يسوع المسيح” (1تى2: 5)؛ وتبعاَ لذلك فإن وساطة المسيح مختلفة عن وساطة الأنبياء:

[ أما من جهة الوساطة, فقد كان موسى فى القديم صورة للمسيح, من حيث أنه استخدم (بشكل كامل) العطايا الإلهية التى مُنحت لشعب إسرائيل. ومع ذلك فإن وساطة موسى لم تكن سوى وساطة خادم, أما وساطة المسيح فقد كانت على العكس تتسم بالحرية وبعمق أكبر][6].

 

يمكننا أن نفهم وساطة المسيح فى أنها تنحصر فى مصالحة الإنسانية الخاطئة مع الله من خلال محو السيد المسيح للخطية, ولكن القديس كيرلس يرى أن فى وساطة المسيح معنى أعمق من حيث إنه جمع الطبيعة البشرية بالطبيعة الإلهية فى طبيعته وأقنومه الواحد وأصبح بذلك رباط الاتحاد بين البشرية واللاهوت:

[ هو الابن الوحيد والكلمة كمولود من الله والآب, وهو البكر بين اخوة كثيرين (رو8: 29) لأنه صار انسانًا, ولقب “بالابن الوحيد” الذى هو لقب خاص باللوغوس يطلق أيضاَ على اللوغوس متحداَ بالحسد. ونفس الأمر مع لقب “البكر” فهذا اللقب لم يكن لقبه قبل التجسد ولكنه صار لقبًا له بعد التجسد. وهو وسيط بهذا المعنى: إنه جمع ووحد فى شخصه أمورًا متباعدة فيما بينها, وهى اللاهوت والناسوت, الله والإنسان, وربطهما بوساطته بالله الآب لأنه واحد مع الآب فى الطبيعة لأنه يوجد فيه ويحيا فيه. وهو واحد مع البشر فى الطبيعة لأنه خرج من بينهم, وهو حاضر وسطهم, وذلك لأنه ليس غريبًا عنا فيما يخص إنسانيته وهو عمانوئيل الذى شابهنا فى كل شئ ما خلا الخطية][7].

 

من خلال بنية المسيح من اللاهوت الكامل والناسوت الكامل نفهم معنى وساطة المسيح, فهو الإله المتأنس الذى من جهة يكون مساويًا لنا بحسب الجسد, ومن جهة أخرى يكون مساويًا للآب بحسب اللاهوت. لهذا صار وسيطًا بين الله والإنسان لأنه وحد فى شخصه طبيعتين مختلفتين وأصبح بذلك “حلقة وصل” (meqÒrion) بين البشرية والألوهية المتباعدتين الواحدة عن الأخرى بعدًا لانهائيًا:

[ نحن نتحد بالآب بواسطة المسيح كما بوسيط وكأنه هو “حلقة الوصل” (meqÒrion) بين اللاهوت الفائق السمو وبين الناسوت, من حيث أن له الاثنين فى كيانه وكأنه يجمع داخل نفسه الذين تباعدوا بمثل هذا القدر, لأنه متحد من جهة بالله الآب نظراَ لأنه هو نفسه الله بحسب الطبيعة, ومن جهة أخرى متحد بالناس نظراَ لأنه بالحقيقة قد صار إنسانًا][8].

 

لقد كان للسيد المسيح ـ فى التجسد ـ القدرة على أن يجتاز ضعفات الطبيعة البشرية ويتمم عمل الخلاص[9] ويرفع الطبيعة البشرية المتحدة به:

[ كما أن الحديد إذا قربناه من نار شديدة يكتسب للوقت مظهر النار ويشترك فى صفات ذلك العنصر الغالب, هكذا أيضاَ طبيعة الجسد التى اتخذها لنفسه اللوغوس غير الفاسد والمحيى لم تبقَ على حالها الأول بل قد انعتقت من الفساد والفناء وسادت عليهما][10]؛ [لقد وضع نفسه لكى يرفع إلى رفعته الخاصة ما هو وضيع بحسب الطبيعة, ولبس صورة العبد مع كونه بحسب الطبيعة هو الرب وهو الابن، لكى يجعل الذى هو عبد بالطبيعة شريكا فى مجد التبنى الذى يشبه مجده الخاص, فقد صار مثلنا ـ أى إنسانا ـ لكى يجعلنا مثله ـ أى أبناء ـ وهكذا أخذ لنفسه خاصة ما هو لنا وأعطانا عوضا عنه ما هو له][11].

 

لقد تسمى المخلص بـ “عمانوئيل” الذى تفسيره “الله معنا”, ليس بمعنى أنه سيكون عاملاً معنا ومساعدًا لنا, بل إنه سيكون حاضرَا معنا أى واحدًا منا. لأن كلمة الله قد صار إنسانًا وفيه قد خلصنا جميعا وحطم رباطات الموت وخلصنا من فساد الخطيئة، حيث أن كلمة الله وهو فى صورة الله قد نزل إلينا وصار معنا[12]؛ لذلك لم يشأ الابن الوحيد أن يأتى إلينا فى مجده الإلهى بل صار مثلنا وأصبح وسيطا بين الله والناس من أجل أن يربى البشرية على معرفة إرادة الله[13].

 

ولكن كيف يكون عمانوئيل واحدًا؟

يجيب عن هذا السؤال القديس كيرلس الأسكندرى فى كتاب شرح تجسد الابن الوحيد:

[ قيل عن الله الكلمة مرة واحدة وإلى الأبد وفى آخر الدهور أنه صار إنسانا كما يقول بولس: “ظهر بذبيحة نفسه” (عب26:9) وما هى هذه الذبيحة؟ هى جسده الذى قدمه كرائحة بخور ذكية لله الآب. فقد دخل مرة واحدة إلى الأقداس, ليس بدم ماعز وتيوس بل بدم ذاته (عب 12:9). وهكذا حصل للذين يؤمنون به فداء أبديا. وكثيرون قبله كانوا قديسين ولكن ليس واحد منهم دعى عمانوئيل لماذا؟ لأن الوقت لم يكن قد حان بعد ليكون هو معنا أى أن يجيء إلى طبيعتنا عندما يتجسد, وذلك لأنه أسمى من كل المخلوقات. واحد إذا هو عمانوئيل لأنه هو الابن الوحيد الذى صار إنسانًا عندما وُلِدَ جسديًا من العذراء القديسة. لقد قيل ليشوع: “سأكون معك” (5:1), ولكن (الله) لم يُدع فى ذلك الوقت عمانوئيل. وكان قبل ذلك مع موسى ولم يدعى عمانوئيل لذلك عندما نسمع (اسم) عمانوئيل: “معنا الله” الذى أعطى للابن, فلنعتقد بحكمة أنه ليس معنا كما كان فى الأزمنة السابقة مع القديسين لأنه كان معهم كمعين فقط ولكن هو معنا لأنه صار مثلنا دون أن يفقد طبيعته لأنه هو الله غير المتغير][14].

 

2 ـ العمل الكهنوتى للوسيط

يؤكد القديس كيرلس الأسكندرى على أن المسيح كان ينوب عن البشرية كلها أمام الآب كرئيس كهنة استنادًا إلي تعاليم القديس بولس الرسول فى رسالته إلى العبرانيين. لذلك نجد أنه يذكر الآتى فى “الحرم” العاشر من الحرومات الاثنى عشر التى أرسلها إلى نسطور بطريرك القسطنطينية فى الرسالة الثالثة:

[ يقول الكتاب المقدس إن المسيح هو رئيس كهنة ورسول اعترافنا (عب3: 1), وأنه قدم نفسه من أجلنا رائحة طيبة لله الآب. لذلك فمن يقول أن رئيس كهنتنا ورسولنا ليس هو نفسه الكلمة الذى من الله حينما صار جسدًا وإنسانًا مثلنا, بل أن هذا الإنسان المولود من المرأة هو آخر على حده غير كلمة الله, أو من يقول أنه قدم نفسه كذبيحة لأجل نفسه أيضًا وليس بالحرى لأجلنا فقط (فهو لا يحتاج إلى ذبيحة لأنه لم يعرف خطية), فليكن محرومًا][15].

 

مثلما الوظيفة الكهنوتية هى عبارة عن “وظيفة” “وسائطية” لذلك نجد أن وظائف الوسيط تتركز فى عمله الكهنوتى. لأن العمل الكهنوتى يجعل الله والخليقة فى اتصال تبادلى فائق للطبيعة لأن المسيح منذ البدء دعى كاهن بحسب تدبير الله الآب لخلاص الجنس البشرى بحسب تعاليم القديس بولس الرسول فى رسالته إلى العبرانيين: “ ولا يأخذ أحد هذه الوظيفة بنفسه بل المدعو من الله كما هرون أيضًا. كذلك المسيح أيضًا لم يمجد نفسه ليصير رئيس كهنة بل الذى قال له أنت ابنى أنا اليوم ولدتك” (عب4:4ـ5), حيث يقول القديس كيرلس فى المقالة الأولى من كتاب السجود والعبادة بالروح والحق:

[ فكلنا قد دعينا إلى الحرية بواسطة إيماننا بالمسيح, وقد افتُدينا من الشيطان الطاغية والمسيح يقودنا إلى هذه الحرية، ولقد كان موسى وهارون مثالاً سابقًا للمسيح, حتى تدرك يا بلاديوس أن عمانوئيل حسب التدبير, هو المشرع ورئيس الكهنة والرسول][16].

فالمسيح كرئيس كهنة يكون أيضًا معلمًا وملكًا حيث إن له مجد داود بمعنى السلطة والسيادة على إسرائيل أى المؤمنين[17].

ويقول القديس كيرلس عن كهنوت المسيح فى شرحه لإنجيل يوحنا:

[ حيث إنه الآن رئيس كهنة, حيث صار إنسانًا, فقد قدم لله الآب ذاته كذبيحة بلا عيب عن حياة الكل, ومن حيث أنه بكر (الإنسانية) يكون متقدماَ فى كل شئ كما يقول القديس بولس الرسول (كو1: 18). فهو يقدم الجنس البشرى مطهرًا إياه بدمه ومغيرًا إياه بواسطة الروح القدس إلى جدة الحياة][18].

 فى هذا النص نرى كيف أن المسيح يكون نائباَ عن الجنس البشرى حيث قدم ذاته ذبيحة, وكيف أن هذه الذبيحة لم تنتهِ (غير نهائية).

 

ملخص عام

 

نستطيع أن نقول إن وساطة المسيح بحسب تعاليم القديس كيرلس لها وجهان:

1 ـ التكفير والمصالحة مع الآب حيث أنه رفع الخطية التى كانت تفصل بين الله والناس وبسبب أنه رئيس كهنة فقد قدم نفسه ذبيحة لله أبيه.

2 ـ الاتحاد بالله حيث اجتمعت إليه واتحدت فى شخصه الواحد الطبيعتان الإلهية والبشرية لتكوَّنا وحدة واحدة ليُصَيِّر الإنسان شريكاَ للطبيعة الإلهية. وهذا السر الذى حدث فى المسيح هو بداية ووسيلة اشتراكنا فى الروح واتحادنا بالله.

1 أنظر ميشيل بديع: “التعليم عن الخلاص للقديس كيرلس رئيس أساقفة الأسكندرية”(1), فى: دراسات آبائية ولاهوتية السنة الثانية، (العدد الثالث) 1999, إصدار المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية بالقاهرة, صفحات 22-29.

2 جميع الاقتباسات فى هذا البحث هى من كتابات القديس كيرلس الأسكندرى, لذلك سنشير فقط إلى أعماله بحسب مجموعات الأباء اليونانية PG.

تعاليم فى تجسد الابن الوحيد (PG 75,1377 D)

3 تفسير إشعياء (PG 70,588)

4 شرح إنجيل يوحنا 14:1 (PG 73,161)

5 كتاب الكنز 32 (PG 75,504B)

6 شرح إنجيل يوحنا (PG 73,429B)

7 حوار حول الثالوث 1 (PG 75,692F.)

8 شرح إنجيل يوحنا 14:10 (PG 73,1045C)

9 عن الإيمان الصحيح, المقالة الثانية 37 (PG 76,1385C)

10 العظة الفصحية 17 (PG 77,785D-788A)

11 شرح إنجيل يوحنا 17:20 (PG74,700AB)

12 شرح إنجيل يوحنا17:20 (PG 73,844C-D)

13 حوار حول الثالوث (PG 75,853A)

14 شرح تجسد الابن الوحيد (PG 75,1377 D)

15 الرسالة 17 (PG 77758f.)

16 السجود والعبادة بالروح والحق 11:1 (PG 68,728 B) المقالة الأولى، ترجمة ومراجعة وإصدار المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، ديسمبر 2001، ص71.

17 الرسالة 55 (PG 77,309) ؛ أنظر رسائل القديس كيرلس الجزء الرابع، الرسالة 55 ص 39، 40، ترجمة وإصدار مركز دراسات الآباء 1997؛ أنظر أيضًا: إشعياء22: 20-24 (PG 70,517 B) ؛ زكريا 6: 9-15 (PG 72,93)

18 شرح إنجيل يوحنا 2:17 (PG74,480 D)؛ أنظر السجود والعبادة بالروح والحق 10:1 (PG 68,708)

التعليم عن الخلاص للقديس كيرلس رئيس أساقفة الأسكندرية 

الصلاة والبنوة عند القديس كيرلس الأسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

الصلاة والبنوة عند القديس كيرلس الأسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

الصلاة والبنوة عند القديس كيرلس الأسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

الصلاة والبنوة عند القديس كيرلس الأسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

الصلاة والبنوة عند القديس كيرلس الأسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

1 ـ المسيح يعلمنا الصلاة بمثاله:

يقول القديس كيرلس إن المسيح يعلمنا الصلاة بمثاله ويذكر هذا الأمر فى:

أ ـ وقت معمودية يسوع:

إذ يقول الإنجيل ” وإذ كان يصلى انفتحت السماء ونزل عليه الروح القدس .. إلخ ” (لو22:3). فيقول القديس كيرلس [.. وحينما اعتمد صلى لكى تتعلموا أنتم يا أحبائى أن الصلاة بلا انقطاع هو أمر مناسب جدًا لأولئك الذين حُسبوا أهلاً للمعمودية المقدسة .. لذلك فإذ قد اتخذنا المسيح كمثال لنا فلنقترب من نعمة المعمودية المقدسة لكيما نحصل على دالة الصلاة بلا انقطاع ونرفع أيادى مقدسة لله الآب لكيما يفتح السماء علينا نحن أيضًا، ويرسل علينا الروح القدس، ولكى يقبلنا كأبناء .. إلخ ] (لوقا جـ1 عظة 11 ص76).

 

ب ـ صلاة المسيح على الجبل وقضاؤه الليل كله فى الصلاة:

ويذكر أيضًا أن المسيح مثال لنا فى الصلاة عندما يتحدث عن ذهاب المسيح إلى الجبل للصلاة وقضائه الليل كله فى الصلاة فى (لو12:6) وهنا يتحدث عن الطريقة التى نتعلمها من المسيح فى تقديم صلواتنا لله بأن نصلى فى الخفاء ولا نطلب مجدًا من الناس بل ” رافعين أيادى مقدسة ” (1تى8:2). وأن نصلى بدون اضطراب متخلين عن الهموم العالمية وبدون تقلب، بل بجدية وغيرة وبصبر كثير استنادًا على قول الإنجيل أن يسوع لم يُصَلِّ فقطن بل إنه أيضا قضى الليل كله فى الصلاة (أنظر عظة 23 على لو6: 12 الجزء الأول ص142، 143).

 

ج ـ يسوع يصلى على انفراد:

وأيضًا يتحدث فى شرح الصلاة الربانية عن المسيح كمثال لنا أنه: ” كان يصلى على انفراد” (لو18:9)، فيقول إن المسيح كان يصلى ليس لأنه محتاج إلى شئ إذ هو ابن الله وهو ممتلئ من كل صلاح مثل الآب، ولكن لأنه صار إنسانًا يأكل ويشرب وينام، فهو يقدم الصلاة أيضًا كإنسان. ويقول إن المسيح قد صلى لكى يعلمنا ألاّ نتراخى فى الصلاة، بل بالحرى نداوم عليها وبإلحاح شديد، وأن نتعلم منه ” أن نصلى على انفراد مثله، وبهدوء بيننا وبين الله وحده بذهن نقى غير مشتت “.

ويشير إلى تعليم الرب فى (مت5:6ـ6) عن الصلاة فى المخدع، فى الخفاء إلى الآب، وألاّ نطلب مدح الناس كأننا نصلى لهم وليس لله (أنظر لوقا جـ3 عظة70 ص14ـ17).

 

د ـ المسيح مثال لنا فى صلاته فى جبل الزيتون ليلة آلامه:

وهنا يتحدث القديس كيرلس لماذا انفصل المسيح عن التلاميذ نحو رمية حجر وصلى بمفرده فيقول إن هذا كان [ ليعلمنا نوع الصلاة التى تُسرّ الله أى بدون استعراض أنفسنا أمام الناس مثل الكتبة والفريسيين] ويشير أيضا إلى تعليم الرب ” أدخل إلى مخدعك وصلى فى الخفاء ” (مت6:6).

وهنا أيضا يشير إلى (1تى2: 8) ثم يتحدث عن توسلات المسيح فى البستان، ويقول إنه [ لم يكن فى حاجة إلى قوة أو عون من آخر، وإنما فعل هذا لكى نتعلم نحن بمقتضى هذا القانون؛ بأن نتخلى عن الإهمال فى الصلاة ] وأنه [ عندما تداهمنا التجارب والاضطهادات وأخطار الأعداء، فإن الوسيلة الفعالة لخلاصنا هى أن نصحو ونجثو على ركبنا طالبين المعونة من فوق ] .

ويقول إن المسيح مخلصنا هو النموذج الذى نتطلع إليه فى الصلاة أيضا، فى التسليم لمشيئة الآب عندما صلى قائلاً ” إن شئت فلتُجِزْ عنى هذه الكأس ولكن لتكن لا إرادتى بل إرادتك“، وذلك عندما تقابلنا الصعوبات والضيقات، لكى نصلى [ أن يتمم الله الأمور بحسب مشيئته الصالحة وليس بحسب مشيئتنا، إذ هو يعرف ما هو مناسب لفائدة أرواحنا وما هو ملائم لأولئك الذين يحبونه] (تفسير لوقا عظة 147 على لو22: 39ـ42 الترجمة الإنجليزية) .

 

2 ـ المسيح يوصينا أن نصلى لله الآب كأبناء:

أ ـ فى تعليم المسيح لتلاميذه عن الصلاة فى (لوقا1:11ـ4):

يقول القديس كيرلس إن تعليم المسيح لنا أن نصلى كأبناء هو جودٌ فائقٌ ولطفٌ لا يبارى وأنه بذلك يمنحنا مجده الخاص، ويستشهد على نوال نعمة البنوة من (مز6:81س) ” أنا قلت أنكم آلهة وبنو العلى كلكم ” وأنه بذلك حررنا من العبودية وأدخلنا فى مرتبة البنين، ويستشهد أيضًا عن نوال البنوة بـ(يو11:1ـ13) ” وكل الذين قبلوه أعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله .. الذين وُلدوا من الله

وأيضًا بـ(1بط23:1) ” مولودين ثانية بكلمة الله الحية الباقية إلى الأبد “، وأيضًا بـ(يع18:1) ” شاء فولدنا بكلمة الحق “، ويشير القديس كيرلس إلى الولادة الروحية التى يتحدث عنها المسيح فى (يو5:3) ” إن كان أحد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله “، وهو بإشارته هذه يقصد أننا ننال البنوة بواسطة المعمودية (أنظر لوقا جـ3 عظة71 ص18،19).

وبعد ذلك ينتقل القديس كيرلس ليتكلم عن مسئولية الذين يدعون الله ” أبًا “، وكأنه يقول إنه فى مقابل امتياز وكرامة البنوة لله، هناك مسئولية تنبع من هذا الامتياز وهى [ إنه ينبغى أن نسلك بسيرة مقدسة وبلا لوم وأن نحيا هكذا كما يرضى أبانا ] (أنظر عظة71 ص20). ويستشهد فى ذلك بقول الرسول بطرس ” وإن كنتم تدعون أبًا الذى يحكم بغير محاباة .. فسيروا زمان غربتكم بخوفٍ ” (1بط17:1).

ويحذر من [ خطورة إحزان الله أبانا وإغضابه بالانحراف وراء الأمور غير المستقيمة، وأن من لا يراعى نفسه ولا يبالى بسخاء النعمة التى أًعطيت له، فإنه يكون محبًا للذّة أكثر من حبه للآب السماوى، وأن الذين يتمردون على الآب يرتكبون جرمًا عظيمًا. وبالعكس فإن الذين يخضعون للآب ويطيعونه ويكرّمونه، فإن الآب يكرمهم ويجعلهم شركاء فى الميراث مع ابنه الوحيد بالطبيعة؛ وإذ نسلك بطريقة تليق بمن أكرمنا هكذا، فإنه سيقبل ابتهالاتنا التى نقدمها فى المسيح ] (أنظر عظة71 ص21،22).

 

ب ـ أبانا، ليتقدس اسمك:

يشرح القديس كيرلس قول الأبناء للآب ” ليتقدس اسمك ” بأن [ الله ليس محتاجًا إلى مزيد من القداسة، منا إذ هو كُلىَّ القداسة وهو مانح القداسة للخليقة ]. بل إن ليتقدس اسمك معناها [ليت اسمك يُحفظ مقدسًا فينا، فى أذهاننا وإرادتنا]. [وإن من يصلى قائلاً ليتقدس اسمك، فهو يطلب أنه هو نفسه يقتنى ذهنًا مقدسًا وإيمانًا، لكى يشعر بأن اسم الله مكرم وقدوس، فالتقديس هو مصدر الحياة وسبب كل بركة ].

وإن [ من يصلون بجد معتمدين على محبته، فإنهم لا يطلبون التقديس لأنفسهم فقط، بل لأجل كل سكان الأرض سواء الذين آمنوا أو الذين لم يقبلوا الإيمان بعد، لكى يشرق عليهم نور الحق ويعرفون الله أنه قدوس ]. ويقول إن عبارة [ الله يتقدس بواسطتنا هو اعتراف منا بأنه ” قدوس الأقداس “] ويستشهد بقول إشعياء النبى ” قدسوا الرب فيكون مخافتكم، ويصير قداسة لكم ” (إش13:8س). ويقول إن ما يعلّمه لنا الرب فى الصلاة هو: آمنوا إنه قدوس .. وهكذا سيصير هو نفسه واسطة تقديسكم (أنظر لوقا جـ3 عظة72 ص23ـ26).

 

ج ـ أبانا، ليأتِ ملكوتك:

الذين يدعون الله أبًا يطلبون مجىء الملكوت، بمعنى مجىء المسيح بملكه الكامل لأنهم ينتظرون الأكاليل عند مجيئه، ويقتبس ” تعالوا يا مباركى أبى رثوا الملكوت.. ” (مت34:25)، لأنهم جاهدوا وصاروا أنقياء، واحتملوا الآلام والاضطهادات لأجل مجد المسيح، و(2تى12:2) ” إن كنا نصبر فسنملك أيضًا معه ” و(فى21:3) ” سيغير شكل جسد تواضعنا ليكون على صورة جسد مجده ” . وإنهم آمنوا بما قاله عن نهاية العالم أنهم ” سيضيئون كالشمس فى ملكوت أبيهم ” (مت43:12) (أنظر لوقا ج3 عظة73 ص29ـ32).

 

د ـ أبانا، لتكن مشيئتك ..:

الذين يصلون كأبناء، يطلبون أن تتم مشيئة الله على الأرض بمعنى أن يحيوا هم أنفسهم بلا لوم .. وكذلك سكان الأرض أن يهبهم [ الله القوة ليصنعوا مشيئته، ويتمثلوا بالملائكة فى السماء.. يصلون أن يروا توقف الخطية ولا يتبعوا مشيئتهم الخاصة. فالأبناء يبتهلون من أجل جميع الناس.. ليُحسبوا أهلاً للسلام الذى من فوق.. ويجدوا راحة القلب.. وهم مثابرون على التمثل بالجمال الروحانى للأرواح السماوية..] (أنظر لوقا جـ3 عظة73 ص33ـ37).

 

هـ ـ أبانا، أعطنا كل يوم خبزنا الضرورى:

والذين يُصَلُّون للآب كأبناء، يمكن أن يطلبوا منه الخبز الضرورى للحياة اليومية. ويقول القديس كيرلس إن هذا الخبز الذى يطلبه القديسون، هو الخبز الروحى النازل من السماء، هذا أولاً، ولكن من جهة أخرى، يقول إنه لا لوم عليهم البتة أن يطلبوا مجرد الخبز العادى اللازم لاحتياجات الجسد يوم بيوم، ويقول إن هذا يليق بتقوى حياتهم على أساس أن القديسين الذين يطلبون خبز يوم واحد، فهذا برهان واضح على أن الرب لا يسمح لهم بامتلاك أى شئ

ولا يريدهم أن يبتغوا الغنى الأرضى كما قال فى مناسبة أخرى ” لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون وبما تشربون ولا لأجسادكم بما تلبسون لأن أباكم يعلم أنكم تحتاجونها ” (مت25:6،32).

ويشرح الكلمة اليونانية ” إيبى أوسيوس epiousios” ويقول إن معناها ما هو ضرورى وكافى، ويقول إن طلب الخبز الضرورى لليوم الواحد مرتبط بالتجرد من الهموم الدنيوية والشهوات الجسدانية ومن الغنى، لتكون حياتهم نقية من محبة المال ويثقون أن الآب سيعطيهم ما وعد به ويسد احتياجهم روحيًا وجسديًا عندما يسألونه ما يكفى لحياتهم من طعام وكساء . (أنظر لوقا جـ3 عظة75 ص38ـ42).

 

و ـ أبانا، أغفر لنا خطايانا، كما نغفر نحن للمسيئين إلينا:

المسيح يعلّم تلاميذه بعدما يطلبون الخبز الضرورى من الآب أن يطلبوا كأبناء ” اغفر لنا خطايانا ” . ويقول القديس كيرلس إنهم بعدما يسألونه غفران خطاياهم بعد ذلك يعترفون أنهم يغفرون للذين يسيئون إليهم، فنوال الغفران يستلزم الاعتراف أولاً بالخطايا أمام الله، ويقتبس قول إشعياء ” اعترف أولاً بتعدياتك لكى تتبرر ” (إش26:43س) ومزمور(5:32) ” قلت اعترف للرب بذنبى وأنت غفرت آثام خطيتى “.

فطريق الخلاص هو الإقرار بالذنوب وأن نطلب من الذى يبرر الأثيم قائلين ” اغفر لنا خطايانا “. ويقول القديس كيرلس إن الرب اهتم بأن يضيف بعد ” اغفر لنا خطايانا ” قوله [ إننا نحن أيضًا قد غفرنا لكل من أساء إلينا] لأن الذين يصلون هكذا يتحلُون بطول الأناة ويغفرون للمسيئين (لوقا ج3 عظة76 ص43،45ـ48).

 

ز ـ أبانا، لا تدخلنا فى تجربة:

الأبناء الذين يصلون للآب السماوى يعلّمهم الرب أن يختموا صلاتهم قائلين: ” ولا تدخلنا فى تجربة”. ويقول القديس كيرلس إن طلب عدم الدخول فى التجربة لا يعنى الجبن أو التكاسل، بل يعنى اعترافًا بخطورة التجارب التى يسوقها الشيطان، فيقول [ إن عنف التجربة قد يهز أحيانًا عقل أشد الناس شجاعة ]، ويحذر من الثقة فى النفس بزيادة بل [ يجب أن نعرف ضعف ذهننا ]، ويقول [ فلنصل أن لا نُجَرَّبْ .. ولكن إذا ما دعت الضرورة وأُلقينا فيها رغمًا عنان فلابد أن نبذل أقصى جهدنا ونصارع من أجل نفوسنا .. طالبين معونة الرب لنا ]. ويذكر نوعين من التجارب:

 

1 ـ تجارب تأتى من الهراطقة .

2 ـ تجارب الخطية .

ويقتبس (1بط19:4) ” الذين يتألمون بحسب مشيئة الله فليستودعون أنفسهم لخالق أمين “، (1بط15:4) [ إن كان يتألم كمسيحى فلا يخجل بل يمجد الله ]، وأن الذين يحتملون هذه الآلام ينالون الأكاليل. ” جاهدت الجهاد الحسن .. وأخيرًا وُضع لى إكليل البر ” (2تى7:4). وعن تجارب الخطية يقتبس (يع13:1ـ15) ” كل واحد يُجرب إذا انجذب ينخدع من شهوته..“. وهناك أيضًا تجارب ” حب الربح المادى ” و” حب الاكتناز الخسيس “.

[ لذلك يليق بنا حسنًا نحن المُعَرَّضين لمثل هذه الشرور الخطيرة حتى إن لم نكن قد سقطنا فيها بعد، أن نصلى قائلين ” لا تدخلنا فى تجربة لكن نجنا من الشرير“]. والله الذى نحبه أكثر من أى شئ سوف يعيننا ويهبنا النصرة فهو مخلص الكل (أنظر لوقا جـ3 عظة 77 ص54،53،52،51،50).

 

3 ـ ينبغى أن يُصلى كل حين ولا يُمل (لو1:18ـ8):

وعن الصلاة كل حين بدون ملل فى مثل ” القاضى والأرملة ” يقول إن المسيح يعلمنا بواسطة هذا المثل ألاّ نكون متكاسلين فى الصلاة بل بالحرى أن نفرح لسبب الحرية التى منحها الله لنا فى الاقتراب منه، إذ يريدنا أن نتحدث معه كأبناء مع أبيهم، وأن هذا امتياز عظيم وكرامة حقيقية جديرة بأن نربحها . ويقول إن المسيح هو وسيط لنا فى الصلاة وهو يمنحنا مع الآب استجابة لكل توسلاتنا ويشير إلى وعد المسيح “ إلى الآن لم تطلبوا شيئًا باسمى، اطلبوا تأخذوا ” (يو24:16)، ” لأنه هو وسيطنا وكفارتنا ومعزينا والواهب لكل ما نطلب فمن واجبنا أن نصلى بلا انقطاع ” (1تس17:5).

ويقول إن الطلب ينبغى أن يكون بإيمان، ويقتبس (يع6:1،7). ويقول إنه إن كانت لجاجة المرأة المظلومة قد تغلبت على القاضى الظالم [ حتى أنصفها رغمًا عن إرادته فكيف، من يحب الرحمة ويبغض الإثم ويقدم المعونة دائمًا لمن يحبونه، كيف لا يقبل أولئك المتقدمين إليه نهارًا وليلاً ولا ينصفهم، إذ هم مختاروه ] (أنظر لوقا جـ4 عظة 119 على لوقا1:18ـ8 ص149،150).

الصلاة والبنوة عند القديس كيرلس الأسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

إيمان الكنيسة الجامعة – القديس كيرلس الأسكندري

إيمان الكنيسة الجامعة – القديس كيرلس الأسكندري [1]

إيمان الكنيسة الجامعة – القديس كيرلس الأسكندري

إيمان الكنيسة الجامعة – القديس كيرلس الأسكندري

 6ـ لأن هذا هو إيمان الكنيسة الجامعة الرسولية الذي يتفق فيه كل الأساقفة في الغرب والشرق: [ نؤمن بإله واحد، الآب ضابط الكل خالق كل ما يرى وما لا يرى، وبرب واحد يسوع المسيح، ابن الله الوحيد، المولود من الآب أى “من جوهر الآب”[2]، إله من إله، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، “له الجوهر نفسه مع الآب”[3]، الذي به كان كل شئ ما في السماء وما على الأرض، الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا، نزل، وتجسد متأنسًا، وتألم، وقام في اليوم الثالث، وصعد إلى السموات، ويأتي ليدين الأحياء والأموات؛ و(نؤمن) بالروح القدس].

7ـ [ ولكن الذين يقولون، ” كان هناك وقت لم يكن فيه الابن موجودًا”، و” لم يكن قبل أن يولد “، وأنه ” خلق من العدم “، أو أنه ” من طبيعة أو جوهر مختلف “[4]، أو أنه عرضة “للتبدل”[5] أو “التغير”[6]، فأولئك تحرمهم الكنيسة الجامعة الرسولية ][7].

وإذ نتبع ـ من كل ناحية ـ اعترافات الآباء القديسين التي صاغوها بالروح القدس الذي كان ينطق فيهم، وإذ نتبع ما في أفكارهم من معاني، وكما لو كنا نسير في طريق ملوكي، فإننا نقول إنه: هو ” كلمة الله الوحيد”[8]، المولود ” من ذات الجوهر الذي للآب “[9]، إله حق من إله حق، النور الذى من النور، الذي به صارت كل الأشياء، تلك التي في السماء وتلك التي على الأرض، وإذ نزل لأجل خلاصنا، وتنازل إلى إخلاء نفسه[10]، فإنه تجسد وتأنس، أى أخذ جسدًا من العذراء القديسة، وجعله خاصًا به من الرحم، واحتمل الولادة مثلنا، وجاء كإنسان من امرأة، دون أن يفقد ما كان عليه، ولكن رغم أنه وُلد متخذًا لحمًا ودمًا فإنه ظل كما كان، أى أنه من الواضح إنه الله بالطبيعة والحق .

8 ـ ونحن نقول أيضًا إن الجسد لم يتحول إلى طبيعة اللاهوت، ولا طبيعة كلمة الله التي تفوق التعبير، تغيرت إلى طبيعة الجسد، لأنه بصورة مطلقة هو غير قابل للتبدّل أو للتغيّر. ويظل هو نفسه دائمًا حسب الكتب. ولكن حينما كان منظورًا، وكان لا يزال طفلاً مقمطًا، وكان في حضن العذراء التي حملته، فإنه كان يملأ كل الخليقة كإله، وكان مهيمنًا مع ذلك الذي ولده. لأن الإلهي هو بلا كمية وبلا حجم، ولا يقبل التحديد.

9 ـ وإذ نعترف بكل تأكيد أن الكلمة اتحد بالجسد أقنوميًا، فإننا نسجد لابن واحد الرب يسوع المسيح. نحن لا نجزَّئ ولا نفصل الإنسان عن الله، ولا نقول إنهما متحدان الواحد بالآخر بواسطة الكرامة والسلطة، لأن هذا هراء وليس أكثر. ولا نسمى كلمة الله مسيحًا على حده، وبالمثل لا نسمى المولود من امرأة مسيحًا آخر على حدة، بل نعترف بمسيح واحد فقط، الكلمة من الله الآب، مع جسده الخاص. لأنه حينئذ إنسانيًا قد مُسِح بيننا رغم أنه يعطى الروح للذين يستحقون أن ينالوه، وليس بكيل، كما يقول البشير المغبوط يوحنا[11]. ولسنا نقول إن كلمة الله حل في ذلك المولود من العذراء القديسة، كما في إنسان عادى، لكي لا يُفهم أن المسيح هو ” إنسان يحمل الله “.

لأنه حتى إن كان ” الكلمة حل بيننا “[12] فإنه أيضًا قد قيل إن في المسيح ” يحل كل ملء اللاهوت جسديًا “[13]. لذلك إذن نحن ندرك أنه إذ صار جسدًا فلا يقال عن حلوله إنه مثل الحلول في القديسين، ولا نحدد الحلول فيه أنه يتساوى وبنفس الطريقة كالحلول في القديسين. ولكن الكلمة إذ اتحد ” حسب الطبيعة ” (kat¦ fÚsin) ولم يتغير إلى جسد ، فإنه حقق حلولاً مثلما يقال عن حلول نفس الإنسان في جسدها الخاص .

10 ـ لذلك فالمسيح واحد، وهو ابن ورب، ليس بمعنى أن لدينا إنسانًا حقق مجرد اتصال مع الله، كإله، بواسطة اتحاد كرامة أو سلطة. لأن المساواة في الكرامة لا توحد الطبائع، فإن بطرس ويوحنا يتساويان في الكرامة الواحد مع الآخر، فكل منهما رسول وتلميذ مقدس إلاّ أن الاثنين ليس واحدًا.

كما أننا لا نرى أن طريقة الاتصال هى بحسب المجاورة لأن هذه لا تكفى لتحقيق الاتحاد الطبيعي، ولا بحسب مشاركة اعتبارية مثلما إننا نحن الذين نلتصق بالرب كما هو مكتوب فنحن روح واحد معه[14] بل بالحرى نحن نرفض تعبير “الاتصال” لأنه لا يُعّبر تعبيرًا كافيًا عن الاتحاد. ونحن لا نقول عن الكلمة الذي من الله الآب إنه إله المسيح وربه، حتى لا نجزئ أيضًا المسيح الواحد والابن والرب إلى اثنين، ولكى لا نسقط في جريمة التجديف بأن نجعله هو إلهه وربه. وكما قلنا سابقًا، فإن كلمة الله قد اتحد بالجسد “أقنوميًا” (kaq’ØpÒstasin)، فهو إله الكل ورب الجميع، وليس هو عبد لنفسه ولا سيد لنفسه.

وأن يعتقد أحد بهذا ويقوله فهذا أمر غير معقول كما أنه بالأحرى أمر عديم التقوى. لأنه قال إن الله أباه، رغم أنه هو إله بالطبيعة ومن جوهر أبيه. ونحن لم نجهل أنه مع بقائه إلهًا فإنه قد صار إنسانًا أيضًا خاضعًا لله حسب القانون الواجب لطبيعة الإنسان. لكن كيف يمكنه هو أن يصير إلهًا أو سيدًا لنفسه ؟ وطالما أن الأمر يختص بما هو لائق بحدود إخلائه لنفسه، فإنه هو نفسه خاضع لله مثلنا. وهكذا فهو أيضًا ” ولد تحت الناموس “[15]، ورغم أنه تكلم بالناموس وهو معطى الناموس كإله.

 

[1] عن كتاب رسائل القديس كيرلس إلى نسطور ويوحنا الأنطاكي، للقديس كيرلس الأسكندري، رسالة 17 إلى نسطور، فقرات 6، 7، 8، 9، 10. ص15ـ19.

2 ™k tÁj oÙs…aj toà PatrÕj.

3 ÐmooÚsion tù Patrˆ.

[4] أى من جوهر مختلف عن جوهر الآب.

5 tršpton

6 ¢lloiwÒn

[7] هذا هو نص قانون إيمان مجمع نيقية المسكونى الأول سنة 325.

8 Óti aÙtoj Ð monogen¾j toà Qeoà Lògoj.

9 aÙtÁj tÁj oÙs…aj toà PatrÕj.

[10] انظر في 7:2 ،8.

[11] انظر يو 34:3.

[12] انظر يو 14:1.

[13] كو 9:2.

[14] 1كو 17:6.

[15] غلا 4:4.

إيمان الكنيسة الجامعة – القديس كيرلس الأسكندري [1]

Exit mobile version