لفظ غير مولود ج1 – الحوار الثاني ج1 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري
لفظ غير مولود ج1 – الحوار الثاني ج1 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري
الحوار الثانى
عن أن الابن أزليّّ مع الله الآب ومولود منه حسب الطبيعة
مقدمة: ظُُلمَة المعاندين:
كيرلس: أليس من الصدق أن نقول يا إرميا إن كلمة الحق بسيطة بطبيعتها لأنها تجد راحتها فى القلوب البسيطة وإنها أشهى لدى الكثيرين من ثمرة تعب النحل؟ ونستدل على أن الأمر صادق من الكلمات التى وجهها داود الإلهى إلى الله مخلّص الجميع “مَا أَحْلَى قَوْلَكَ لِحَنَكِي! أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ لِفَمِي”[1].
إرميا: نعم إن كلام الحق فى ملء بساطته لهو أشهى من أقراص العسل، وأنا على استعداد أن أصدّق على هذا الكلام. ولكن المشكلة فى الموضوع الذى نحن بصدده تكمن فى كيفيّة فهم هذا الكلام البسيط.
كيرلس: لا شيء يكشف لنا أن كلمة الحق بسيطة أكثر من حقيقة كونها استُخلِصت من خلال تعقيدات كثيرة وفخاخ عديدة، ولا يوجد فى ـ كلمة الحق ـ أي مظاهر عنف أو كُره، وهى لا تميل بطبيعتها إلى فعل الشر، أى إنها تُظهر قوّتها من أجل الوصول إلى الحقيقة، دون أن تسبب أضرارًا للذين يستمعون إليها. وتستطيع ـ إذا أردت ـ أن ترى ذلك بصورة ساطعة كما فى لوحة مضيئة، إذا تأملت فى هرطقة آريوس وأتباعه[2] والتى أشعر إننى يجب أن أقول فيهم وبكل سهولة “هَلْ يُغَيِّرُ الْكُوشِيُّ جِلْدَهُ أَوِ النَّمِرُ رُقَطَهُ؟ فَأَنْتُمْ أَيْضًا تَقْدِرُونَ أَنْ تَصْنَعُوا خَيْرًا أَيُّهَا الْمُتَعَلِّمُونَ الشَّرَّ“[3]. وأنا أعتقد أن طريقة تفكير خصومنا لا تختلف فى شئ عن الفهد الذى له ألوان مختلفة ويحمل على ظهره خليطًا من البقع متعددّة الألوان والأشكال. وهم بدورهم لهم ذهن غير منسجم وبلا مضمون أو قوام، ومن قلوبهم تخرج أفكار مستكبرة. وكما هو مكتوب “لِسَانُهُمْ سَهْمٌ قَتَّالٌ يَتَكَلَّمُ بِالْغِشِّ. بِفَمِهِ يُكَلِّمُ صَاحِبَهُ بِسَلاَمٍ وَفِي قَلْبِهِ عداوة.“[4]. وهم يظهرون كأنهم لا يعترضون بأى شكل من الأشكال على مجد الابن الوحيد (المونوجينيس) ولكنهم يجرحونه بكلامهم التجديفى الذى لا يُحتمل.
إرميـــا: ماذا تقصد بكلامهم التجديفى؟
كيرلس: إنهم يُسمّون كلمة الله الوحيد بالابن وهذا صحيح، وهم يتفقون معنا فى أنه مولود، ولكنهم يتجنّون على كلمة الحق حينما يقللّون ـ بعدم تقوى ـ من مجد الابن ويقولون إنه من طبيعة أخرى مختلفة عن طبيعة الآب، وهكذا يظهر الابن على أنه غريب عن جوهر الآب، ومن طبيعة أخرى ولا يمت بصلة طبيعيّة للذى وَلَده. وهكذا فحسب كلامهم لا يكون قد وَلَده. وأنا لا أرى وراء وصولهم بهذه السهولة إلى هذه الدرجة من الحماقة إلاّ سببًا واحدًا.
إرميــــا: ما هو إذن؟
كيرلس: هو تشامخهم الشديد واعتقادهم بأنهم أقدر على التحدّث فى الأمور العويصة أكثر من الآخرين، وذلك لأنهم تدرّبوا على المبارزات الكلاميّة التى تُغذّيها الحيّل والتشبيهات الخادعة والالتواءات العقلّية والتى لها شكل جميل، وهذه كلها تؤثر بشكل قوى على أولئك الذين اختاروا أن يحيوا فى بساطة عقلّية.
وهم قد استندوا على حكمة هذا العالم كما يتكئ المرء على قصبة مرضوضة[5]. ولقد جمعوا قاذورات الأفكار المغشوشة حتى أن صحة وسلامة وإستقامة العقائد صارت لا تعنى لهم شيئًا، وهم لا يُفكرون مثلاً فى أن أولاد هارون قد هلكوا لأنهم تحدوا إرادة الله وأحضروا على مذبح التقدمة نارًا غريبة[6]، وهم يرفضون سماع صرخة صوت الناموس القائل: “وَلاَ تُدْخِلْ رِجْسًا إِلَى بَيْتِكَ لِئَلاَّ تَكُونَ مُحَرَّمًا مِثْلَهُ. تَسْتَقْبِحُهُ وَتَكْرَهُهُ لأَنَّهُ مُحَرَّمٌ”[7]. إنها حقًا نار غريبة وملعونة من الله وهى حركة ذهن مشتعل بحكمة شيطانية، وغير مستنير بنور الكتب المقدسة[8].
إنها لعنة أن يصنعوا تمثالاً ويحوّلونه إلى شبيه بالله، أى يصنعون ابنًا ويزيّنونه بالكرامة والمجد الساطع الذى يليق بالله ولكن هذا كله ليس هو التمجيد الصحيح، لأنه يستند إلى أسماء ومسميّات باطلة يطلقونها على الله. وفى الواقع إن القول إنه مولود، وتسميته ابنًا بدون أن يقال إنه ابن الله ومولود منه، حسب الطبيعة، لا يعنى لنا شيئًا.
وبالنسبة لنا فإن الكنز مخفى فى أوانى خزفية[9]، والحق عزيز لدينا، بالحري حينما يكون حرًا من حكمة هذا العالم والحيّل الشيطانية.
إرميـــا: نعم بالصدق قُلْتَ إن الحق عزيز لدينا، ولكن أتوسل إليك أن تكشف لنا أعماق مفاهيمهم عن الآب والابن، فإن هذا بالحرى سيعود عليهم بالنفع الكثير.
كيرلس: أنا أدرك تمامًا أن هذا سيعود بالفائدة عليهم. وما دام رأيك أن هذا أفضل شئ فليكن، مادامت “الحبال مرخيّة”، كما يقول الشعراء اليونانيون، لنترك الشاطئ ولنُطلِق الحديث كما تُطْلَق السفينة فى أعالى البحار.
إرميـــا: هيّا بنا إذن .
نتائج استعمال لفظ ”غير مولود”(Αγέννητος) (وجهة نظر منطقية):
كيرلس: إن اسم “آب” وكيانه أمران مختصان بذات الله الآب نفسه وقد شرحنا ذلك فى حديثنا السابق[10]. والسبب الوحيد لتميّز الآب بهذه الخصائص هو أنه وَلَدَ الابن. وفى نفس الوقت فإن اسم الابن بدوره، يعتبر من خصوصيات الابن ولقد ذكرنا السبب وراء ذلك، لأنه قد وُلِدَ من الله الآب، وهذا الرأى كما يبدو لنا يعلو فوق كل هجوم.
إرميـــا: إننا نرى الأمر هكذا. وزيادة على ذلك أريد أن أقول لك إننى قد امتلأت بالخوف والرعّدة حينما تساءلت إلى أين يمكن أن تقودنا أفكارهم، ويجب أن تضع فى اعتبارك أنه يمكن لمن انحرفت أفكاره، أن يطرح عليك هذا السؤال: بما أننا قلنا إن اسم آب وكيانه أمران مختصان بالله الآب نفسه بسبب أنه وَلَدَ ولذلك فهو ليس ابنًا، وكذلك الابن هو ابن لأنه مولود. وهكذا فمن الصحيح القول إنه لا يمكن أن يكون هناك تداخل بين الأمرين لأن الآب سيظل دائمًا أبًا ولن يتحّول إلى ابن، والابن سيظل دائمًا ابنًا ولن يتحّول إلى أب، وخاصية الآب هى أنه “غير مولود” بينما خاصية الابن ستظل أنه هو “المولود”. وبما أن هناك فرقًا كبيرًا بين “غير المولود” و”المولود” فهل سيظّل الآب والابن مختلفين وبالتالي من المستحيل أن نتصورهما فى كيانين متماثلين تمامًا؟
كيرلس: ماذا يمكن لمثل هؤلاء الناس أن يفعلوا سوى أن يشوّهوا بساطة جمال الفكر الذى فى المسيح تمامًا مثل مزّيفى النقود الذهبية؟ إنهم يحرّفون كلام الحق المستقيم، ويجدون سعادتهم فى اختراع حكمة غير شرعيّة وبُلغُتَهم المتعّجرفة يحاولون أن يصيبوا جماعة الربَّ بالهلع وذلك إقتداء بما فعله المتعجرف جليات[11].
إرميا: هذا هو الموقف ولابد أن تعرف أن هذا ما سوف يقولونه، وسوف لا يتوّرعون عن أن يسلكوا الطريق التى ذَكَرتَ.
كيرلس: أى إنسان يستطيع أن يدرك أنهم انحرفوا عن التفكير الواجب والذوق الصالح. وما يحتاجون إليه هو أن يبكوا على غباوتهم ويختاروا الحلّ الصحيح بأن يطبقوا على أنفسهم ما قاله آخرون “لأَنَّنَا جَعَلْنَا الْكَذِبَ مَلْجَأَنَا، وَبِالْغِشِّ اسْتَتَرْنَا“[12]. وهم يجهلون حسب اعتقادى أن “آب” و”غير مولود” لا يمثلان حقيقة واحدة وليس لهما مغزى واحد. فالحقيقة أن أى كائن إذا دُعى “أبًا” فهو ليس بالضرورة وبشكل دائم وفى كل الأحوال “غير مولود”. وأيضًا فأى كائن ما، غير مولود لا يصير أبًا بشكل حتمى. وهكذا (بحسب فكرهم) هناك كائنات كثيرة غير مولودة لأن هناك آباء كثيرون. وإذا كان هناك آلاف من الآباء فبنفس القَدْر يوجد كائنات “غير مولودة”، وهذا هو ما نخرج به من فحص أفكارهم. لأننا إذا فحصنا بدقة، طبيعة الكائنات وميزّنا سبب وجود كل كائن منها، فسوف نكتشف أن هذه الكائنات لم تأتِ كلها إلى الوجود عن طريق الولادة . فهل نعتبر أن القصد من هذه الكائنات وهدف وجودها بلا معنى وقوّة، لمجرد أن “غير مولود” لا تعنى شيئًا واحدًا بالمعنى المطلق .. فهناك كثرة من الكائنات غير المولودة تختلف فى طبيعتها باختلاف الطبيعة. فماذا سوف يقولون إذا سألناهم هنا عن القصد من وراء اسم الأب؟ هل الأهمية في المعنى تقع على أن الكائن وُلِدَ من كائن أخر أو تقع على الذى وَلَدَ؟
إرميــــا: أعتقد الأهم هو الذى وَلَدَ.
كيرلس: هذا صحيح؟ فإذا كان هدف قانون الأبوّة أن يرفع ببساطة كل الآباء إلى مرتبة “غير المولودين” فلماذا لا نستفيد نحن من هذه الرتبة التى لغير المولودين مادام البرهان واضحًا أننا آباء؟ أما إذا كان قانون الطبيعة نفسه لا يرفعنا إلى هذه الدرجة، لأننا بحسب قانون الطبيعة ذاته، مولودون. فلماذا يُزيّفون الحق بقولهم إن حقيقة عدم الولادة هى نفسها خاصية أنه أب، بينما لقب أب فى حالتنا نحن البشر لا يمكن أن يعنى شيئًا إلاّ عندما نَلِدُ؟
إرميــــا: حسب رأيك، بماذا نجيب على الذين يسألوننا إن كان الله الآب مولودًا أم غير مولود؟
كيرلس: أقول إنه بالنسبة لذهن نقيّ، هو غير مولود، ولكن يجب أن لا نعتبر أنه لمجرد كونه أبًا يكون غير مولودٍ. ولكن كونه آبًا يرجع إلى أنه لم يُولد من أى شخص، ومع كونه قائمًا بدون ولادة إلاّ أنه وَلَد ابنه الذى هو كائن فيه و لهذا السبب ندعوه أبًا.
إرميـــا: ليكن، ولكن المشكلة تكمن فى أن هناك فرقًا بين كائن غير مولود وكائن مولود. ومن المستحيل أن نرى الاثنين كشيء واحد وهما مختلفين، وإذا أردت أن لا تعتبرهما شيئين مختلفين بل شيئًا واحدًا فيجب أن تستبدل الواحد بالآخر بدون تحديد، بمعنى أن الأسماء التى للآب والابن يمكن أن تطلق على الاثنين معًا فى وقت واحد، وذلك مثلما نقول غير المرئى وغير الفاسد.
كيرلس: يجب أن لا نهدم اتزان الحقيقة بإزالة الاختلاف بين المولود وغير المولود، وهذا الأمر متفق علية من الجميع، وفى مثل هذه الحالة فإن اختلاف الأسماء والمسمّيات لا يعنى اختلافًا فى الله فى ذاته، هذا الاختلاف معناه فقط أن الله ليس بهذه الطريقة بل أنه غير مولود .. وبماذا سيجاوبون على ذلك، أولئك الذين يَقلِبُون معانى الأشياء، بالرغم ذكائهم الكبير وكبريائهم الظاهر في مثل هذه الأمور؟…
إرميـــا: إذن، هل عدم الولادة شئ عارض بالنسبة لله الآب؟
كيرلس: إطلاقًا! حينما نتكلّم عن الله فإننا نعنى كل ما يخص الله، ولا يمكن أن يتطّرق إلى أذهاننا أن فى الله شيئًا عارضًا، حاشا، ولا تتعّجب، فحينما نتأمل فى أحوالنا، نرى بسهولة نفس الشيء. فرغم أن وجودنا جعلنا نحيا فى الزمن، فنحن مولودون فى نفس الوقت بكل صفاتنا الجوهرية وطبائعنا التى لا تنفصل عنا، وهكذا لا يوجد فى الله شئ يحق لنا أن نعتبره أمرًا عارضًا، والصفات الطبيعيّة الجوهرية لكائن ما أو حتى ما يُنسَبْ إليه لا توجد قائمة بذاتها، وذلك كما نرى فى الإنسان أو فى أى كائن آخر[13]. فهذه الصفات كامنة فى جوهر كل كائن. وإذن ما هى المكانة التى سوف تحتلها “حقيقة عدم الولادة” فى الله نفسه؟ هل هى شئ كائن فى طبيعة الله ووجوده الخاص، وكما يقول أولئك إنه “صفة ذاتية[14] لله الآب”. إذن فهذه الصفة ستصير متميّزة عند صاحبها لأن الشيء الذى ينتسب إلى شئ آخر وفى نفس الوقت له قوام قائم بذاته يعتبر شيئًا متميّزًا عن الذى ينتسب إليه، وهكذا حسب ما يقولون تصير طبيعة الآب البسيطة طبيعة مركبّة، بالنسبة لفهمنا عن الآب وعن غير المولود. ويجب أن لا نُعير الحكمة الشكليّة لهؤلاء الناس، أى اهتمام، بل ننتبه إلى كلمات المخلّص الذى يعرف جيدًا طبيعته وطبيعة الآب الذى وَلَده. والابن لم يُسمِ أباه أبدًا غير مولود بل سماه من أجلنا “أبًا “.
إرميـــا: يقول سليمان “لأَنَّ عَصْرَ اللَّبَنِ يُخْرِجُ جُبْنًا“[15]، ويبدو لى أن هذا القول الإلهى ذو فائدة كبيرة لنا، لأننا كلَّما اعتصرنا التعاليم الإلهية كلَّما أخرجت لنا زبدًا، وكلَّما اشتقنا بلا حدود للفهم أكثر، كلَّما صار لنا الله اللبن (العقلى)، مصدرًا ـ لا حدود له ـ للتقوى. وألتمس منك العذر لأنى لحوح وأُكثِر من السؤال ولكن أريد أن تجيب عن سؤالى هذا: هل كان الابن يعرف أن الآب “غير مولود”؟
كيرلس: نعم هذا أمر لا أنكره أبدًا لأنه لا يستطيع الإنسان أن ينكر الشيء الواضح وضوح النهار، ولكن رغم معرفته بأن الآب غير مولود وغير مرئى وأزلىّ، إلاّ أنه لم يذكر أيًّا من هذه الصفات، ولكن فى المقابل سمّاه “آب” حينما قال “أَحْمَدُكَ أَيُّهَا الآبُ رَبُّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ“ وأيضًا “أَنِّي مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَرَجْتُ“، بل أيضًا حينما وضع السيَّد قانون المعمودية المقدسة، أى أساس الإيمان الذى بلا عيب لكل الذين يوجدون تحت الشمس، فإنه لم يذكر شيئًا عن هذه التعبيرات “الأزليّ” و”غير المولود”، ولكن أوصى بالمعمودية “باسم الآب والابن والروح القدس”.[16] وحسب رأيىَّ فإن الربَّ قد اختار التعبيرات التى تُظهر لنا بدقة، الوجود الخاص بكل ما يعنيه، أى الصفات المشتركة فى اللاهوت، وذلك بدلاً من الحديث عن كل ما يخص الجوهر الإلهى، بالطبيعة. وحينما نقول الطبيعة الإلهية، فإنما نعنى كل الثالوث القدوس فى الله الواحد، ولا نعنى كل أقنوم على حده. بينما حين نتناول البحث فى “الآب والابن والروح القدس” فإننا لا نقصد كشف كل الطبيعة الإلهية بلا تميّيز، ولكننا نبدأ بقدر الإمكان بتمييّز الأقانيم كل أقنوم بحسب خاصيته، لنصل إلى إدراك وحدتهم الجوهرية، حسب طاقتنا.
والمصدر الذى لا يوجد قبله شئ هو الآب، والذى وُلِدَ من هذا المصدر بالطبيعة، ندعوه الابن. وهذا الابن ليس فى عداد الكائنات المخلوقة الحاصلة على وجودها بالولادة داخل الزمن الحاضر، وهو ليس أقل شأنًا من الآب من جهة طبيعته الخاصة النورانية، وهو قائم في الآب أزليًا، والذي يساويه فى كل شئ ماعدا حقيقة “الأبوّة”، التى لا تناسب إلاّ الله الآب وحده. وأما الروح القدس فيمكنك أن تشرحه هكذا: إنه انسكب من طبيعة الله الآب بالابن، وذلك مثل النَفَس الذى يخرج من أفواهنا ويدل على وجودنا الخاص، وهكذا تلاحظ بوضوح وبدون خلط أن كل من الأقانيم الثلاثة له مزيته الخاصة به، وذلك فى الطبيعة الواحدة المتساوية فى الجوهر والمسجود لها من قِبَلْ كل الكائنات.
2 رغم أن الموضوع الذي يدافع عنه ق. كيرلس في هذه الحوارات، هو ألوهية الابن، الأمر الذي كان ينكره آريوس وأتباعه، إلاّ أنه لم يذكر اسم آريوس أو أتباعه بل كان يشير إليهم بقوله “المعارضين أو “المخالفين”
3 إر13: 23.
4 إر9: 8س.
5 إش 36: 6.
6 لا10: 1-3.
7 تث7: 26.
8 راجع ما يقوله ق. أثناسيوس في هذا الصدد: تَجسُّد الكلمة، ترجمة د. جوزيف موريس فلتس. المركز الأرثوذكسي لدراسات الآبائية ج1: 4، 2006 فصل 57: 1. وقد سبق أن اشار ق. كيرلس لأهميّة الكتب المقدّسة ناصحًا ايانا “بأنه لا يجب أن نلجأ للكتب المقدسة بنفس رخوه” وذلك في الحوار الأول من هذا الكتاب.
9 2كو4: 7.
10 يقصد في الحوار الأول في هذا الكتاب.
11 انظر 1صم17: 4، 54.
12 إش28: 15.
[13] اعتاد الآباء الكلام عن الإنسان لِيَسُهل عليهم توصيل المفاهيم عن الله ( المترجم ).
[14] خاص أو ذاتى ‡διον من الكلمات الهامة فى شرح الثالوث عند الآباء ويستخدموها أيضًا عن التجسّد بقولهم “جسده الخاص” “σëμα “‡διονراجع مثلا ق. أثناسيوس: تجسّد الكلمة، المرجع السابق الفصول 8/4، 10/1، 14/8، 17/1، 31/4، 43/4.
15 أم30: 33.
16 سيعود القديس كيرلس للحديث عن أهمية الإيمان الثالوثي والذي على أساسه تُجرى المعمودية. انظر ” حوار حول الثالوث ” ج2، ص11.
لفظ غير مولود ج1 – الحوار الثاني ج1 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري
مضمون تعبيرّى “ابن” و”ولادة” – الحوار الأول ج6 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري
مضمون تعبيرّى “ابن” و”ولادة” – الحوار الأول ج6 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري
الحوار الأول
الابن أزلي مع الله الآب ومساوٍ له في الجوهر
مضمون تعبيرّى “ابن” و”ولادة”:
إرميـــا: إنهم يقولون إنه ابن وإنه مولود، ويخجلون من أظهار أنهم يتناقضون مع الكتب المقدَّسة، إذ هم لا يرونه مولودًا من جوهر الآب ولا يرون أنفسهم ملزمين بقبول الولادة كأمر خاص بالطبيعة.
كيرلس: إنهم يعطون معنى مزيفًا لتعبيري البنوّة والولادة. فهم يبعدونهماـ كما ترى بنفسكـ عن جوهر الله الآب. وهكذا يزدرون بالمعنى الصحيح للولادة وبذلك يحرمون الابن من كونه ابنًا بالطبيعة. ولكنهم إن كانوا يعتقدون أنهم حاذقون وذوو رؤية ثاقبة وقد أصابتهم أفكارهم بنشوة كبيرة، فكيف فاتتهم الحقيقة الواضحة وهى أنهم بأفكارهم هذه إنما يقللّون من كرامة الله الآب نفسه؟ لأنهم بهذا يؤكدون أنه عقيم ولا قدرة له على الولادة بينما الخصوبة مغروسة في طبيعة الكائنات الفانية، وهى بنعمته تثمر وتملأ الأرض.
إرميــا: ربما يقولون إنه إذا طبقّنا مبدأ الولادة على الله فهناك آلاف المولودين الذين يجب نسبتهم لله كما يقول الكتاب بخصوص الشعب: “رَبَّيْتُ بَنِينَ وَنَشَّأْتُهُمْ…“[1].
كيرلس: هؤلاء الذين يقولون هذا ينطبق عليهم ما يقوله الطوباوي داود إنهم “َيتَعَلَّلَون بِعِلَلِ الشَّرِّ مَعَ أُنَاسٍ فَاعِلِي إِثْمٍ“[2]، فإذا اتفقنا أن ننسب للابن شيئًا آخرً فيما يخص طبيعته وحسب ما نؤمن به فهو إنه ابن وإنه مولود. وهم قد ارتكبوا خطأ كبيرًا ضد الحق حينما غيرّوا طبيعة الابن وذلك لكي ينعتوه “بالوسيط”. وسوف نقنعهم بأنهم قد صنعوا بمماحكة الكلام خرافات مصطنعة ولم يتوقفوا حتى أنزلوه من عُلُّوه الجوهري مع الآب. وحتى بعد هذا لم يكف هؤلاء البؤساء من أن يصفوا الابن الحقيقي بأحط الألفاظ حتى دَعُوه ابن “زنا”. فالابن الوحيد لم يرتفع إلى المجد، مجد التبنّى، لكونه من نفس طبيعتنا ولكونه اشترك معنا فى كل شئ، فهذا محض افتراء، لأنه بذلك يكون قد صار ابنًا بالنعمة مثلنا ويُحسب فى عداد الخليقة. ولكن هذا الكلام لا يتعدى الهذيان، والثرثرة وركام من الأفكار الكافرة. فالابن الوحيد لا يحتاج أن يصير على مستوى الأولاد بالتبنى لأنه يدرك سمو مكانته الإلهية، وعمق بنوّته الطبيعية لله. ولهذا لا نجد صعوبة فى فهم ما قاله لليهود “إِنْ قَالَ آلِهَةٌ لأُولئِكَ الَّذِينَ صَارَتْ إِلَيْهِمْ كَلِمَةُ اللهِ، وَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يُنْقَضَ الْمَكْتُوبُ، فَالَّذِي قَدَّسَهُ الآبُ وَأَرْسَلَهُ إِلَى الْعَالَمِ، أَتَقُولُونَ لَهُ: إِنَّكَ تُجَدِّفُ، لأَنِّي قُلْتُ: إِنِّي ابْنُ اللهِ؟“[3].
فإذا كانوا قد دُعوا أبناءً وآلهةً لأن الكلمة قد جاءت إليهم، فكيف لا يكون هو ابنًا بالأولى، بل إن الله، بواسطته سمّى هؤلاء أبناءً؟ فهو ابن بالحقيقة، ولقب “ابن” ليس شيئًا مضافًا إليه. بل إن لقب ابن يكشف عن كينونته، كما أن لقب “آب” يكشف عن أبوّة الله. فالآب يُدعى آب لأنه وَلَدَ الابن، والابن من جانبه يُدعى ابنًا لأنه مولود من الآب. ولهذا فقد شرحنا بطرق كثيرة ومختلفة خصائص الطبيعة الإلهية، ووصلنا إلى المعرفة المطلوبة للموضوع، ولا أريد أن أضع تعبيرّي البنوّة والأبوّة ضمن طرق الشرح هذه [4].
إرميـــا: ماذا تعنى؟
كيرلس: سوف أشرح لك مادُمتَ تريد أن تعرف. يوجد عندنا طريقان اعتدنا أن نميّز بهما الخصائص الأساسية للطبيعة الإلهية. فنحن نعّرف الطبيعة الإلهية:سواء بما تمثله كما هي (إيجابي). أو بما لا تمثله (سلبي).
فحينما نسميها نور وحياة فنحن ننطلق مما نعرف عنها. وحينما نقول إنها غير مرئية وغير فانية فنحن ننطلق من التعريف بما ليس فيها. فهي غير قابلة للفساد وغير مرئية[5]، وهذا هو معنى الصفات التي نطلقها. أليس ذلك صحيحًا؟
إرميــــا: نعم.
كيرلس: وإذا كنا نقول إن الآب هو نور وحياة وفوق ذلك هو غير فاني وغير مرئي، أفلا يكون من العدل والصواب أن نفكر بنفس الطريقة المستقيمة وننسب كل ذلك إلى طبيعة الابن، أي نحتفظ لله الكلمة بنفس ألقاب الله الآب؟
إرميــــا: نعم.
كيرلس: وإذا قلت إن الآب هو مَلِكْ أفلا يكون للابن نصيب في المُلك؟
إرميـــا: وكيف يكون غير ذلك؟
كيرلس: قد يُظَنْ أن المزايا المشتركة توجد فقط في التفوّق والمجد. فالحقيقة التي لا تُكذب أبدًا هي أن المسيح قال لأبيه السماوي “َكُلُّ مَا هُوَ لِي فَهُوَ لَكَ، وَمَا هُوَ لَكَ فَهُوَ لِي، وَأَنَا مُمَجَّدٌ فِيهِمْ“[6]، فلو كنا ننسب للآب إنه آب وللابن إنه ابن، على سبيل الكرامة والأمور الأخرى، فما الذي يمنعنا (في هذه الحالة) من أن نزيل التمييّز بين الاثنين، وندعو كلا منهما آب وابن معًا على أساس أنهما يملكان نفس المزايا المشتركة.
إرميـــا: هذه أفكار غير مقبولة ولا مألوفة؛ فالآب لا يكون أبدًا غير ما هو عليه أي آب، والابن كذلك فهو يبقى ابنًا ولا يمكن أن يكون آبًا.
كيرلس: هذا إيمان مستقيم وحقيقي يا إرميا. فأنت توافق بشكل حاسم على أن اسم الآب ليس لقبًا شرفيًا واسم الابن كذلك. فكل اسم مثلما سبق وتكلّمنا عن النور والحياة هو اسم كل واحد ويُظهره كما هو.
إرميــــا: بكل تأكيد .
كيرلس: هناك حقيقة يجب أن لا نجهلها وهى أن الأسماء، كل اسم حسب قيمته، تنشئ نوعًا من الالتباس الذى يحتاج إلى إيضاح ويستدعى أن نحدد لكل لفظ معناه الثابت، ولهذا فيجب أن نعطى لكل من الآب والابن ألقابًا تليق بكينونتهما، فالآب يُدعى “آب” وليس “ابن”، لأنه وَلَدَ، والابن يُدعى “ابن” وليس “آب” لأنه مولود. وتخّيل للحظة ولو بالتأمل، أننا لا ننسب للآب أنه آب ولا للابن أنه ابن، فكيف إذن يمكن أن نُحددّ أقنوم كل واحد؟ فهل نُحددّه بالصدفة، بأن نُسميّه مَرّة الله ومَرّة حياة أو عديم الفساد أو غير المرئي أو الملك؟ ولكن هذا لا يكفى لتحديد الأقنوم! فلكل من الاثنين ما يميّزه عن الآخر، فكيف نميّز بينهما؟ حينما نقول الآب فنحن نُحددّ إنه آب لأنه وَلَدَ، والابن هو ابن لأنه بالحقيقة وُلِدَ، إذن خصوصيات كل أقنوم هي ما يعود إليه، وإليه فقط. بينما عموميات اللاهوت تقال عن الاثنين. وفى العموميات تندرج كل الكرامات التي للطبيعة، ولكن الخصوصيات تُحددّ من ناحية الذي وَلَد، ومن ناحية أخرى المولود، أي الآب والابن.
93 إش2:1.
94 مز141: 4س.
95 يو10: 35-36. لقد تناول ق. كيرلس هذه الآية بالشرح المستقيم في سياق شرحه لإنجيل يوحنا. انظر: شرح إنجيل يوحنا: ترجمة ومقدمة، د. موريس تاوضروس ود. نصحي عبد الشهيد. المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية. ديسمبر 2003، ج5، ص154-157.
[4] يقصد القديس كيرلس أن طُرق الشرح هذه تقودنا إلى معرفة البنوّة والأبوّة، ولذلك فالبنّوة والأبوة ليست ضمن الشرح.
97 الملاحظ أن ق. كيرلس يعود مرّه أخرى إلى شرح نفس النقطة التي سبق أن تعرّض لها من قبل انظر ص25.
98 يو17: 10.
مضمون تعبيرّى “ابن” و”ولادة” – الحوار الأول ج6 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري
الواحد في الجوهر – الحوار الأول ج5 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري
الواحد في الجوهر – الحوار الأول ج5 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري
الحوار الأول
الابن أزلي مع الله الآب ومساوٍ له في الجوهر
عودة إلى موضوع الهوموأوسيوس (الواحد في الجوهر) ووساطة الابن :
إرميــــا: إنهم يؤكدون أن الابن مختلف عن الآب حسب الطبيعة. ولهذا فهم لا يقولون شيئًا عن “مساواته للآب في الجوهر”، وأضافوا ملحوظة غريبة وهى أننا يجب أن نسميّه “مشابه للآب في الجوهر” مع الاحتفاظ بلقبه كوسيط، معتبرين أن هذا أنسب لقب له.
كيرلس: وماذا نُسمىِّ ذلك إلاّ لونًا من الهذيان وثرثرة العجائز؛ إنهم يعطونه طبيعة متوسطة ثم يقولون إن هذا يفرض علينا أن نسميّه “وسيطًا”، وإلى أين يؤدى بنا هذا الكلام؟ وإلى أي فكر سنصل؟ أنا لا أرى مخرجًا، وإذا كنت تعرف أنت فقل لي، فإن اشتياقي للمعرفة لا يساويه شئ في الكون.
إرميــــا: وماذا أستطيع أن أقول أمام هذه الأمور؟
كيرلس: اسأل نفسك وتعلّم بأقصى سرعة إذا كان الوسيط هو مولود أو مخلوق، أهو الله الحقيقي أم نحسبه من ضمن المخلوقات، وحسب رأى أولئك لا هو الله الحقيقي ولا هو مخلوق بشكل واضح فأي موضع سنجد له بين الكائنات؟ وحتى لو تركت نفسي للتأملات العالية، لا أجرؤ أن أقول شيئًا.
إرميـــا: إنه موجود (حسب رأيهم) بين الاثنين، الله والخليقة ولهذا فهُم يدعونه وسيطًا.
كيرلس: لا يوجد كلام غير واضح مثل ذلك ولا تفكير غبي مثل هذا التفكير. وحتى ولو تتبّعنا كل درجات الكائنات وفحصنا طبائعها بشكل دقيق، فلن نجد طبيعة مجرّدة من كل معايير الألوهة الحقة، وهى لا تخضع لمفهوم الكائن المخلوق، طبيعة تشكّل لونًا من ألوان الكائنات الأكثر سموًا من البشر. فهل هناك كائن متوسط بين المولود وغير المولود، بين المخلوق وغير المخلوق، بين المتغّير وغير المتغّير؟
إرميـــا: لا أعتقد ذلك والحق معك .
كيرلس: حينما نفحص الطبائع في مجملها، نجد اثنتين:
الأولى هي الكائنة دائمًا والمكتفيّة بذاتها، والثانية هي التي تحصل على الوجود بالخلق. والطبيعة الكائنة بشكل غير مخلوق تعلو على كل شئ، وتملك كل إمكانيات التفوّق والسمّو، والأخرى توجد تحت أقدام سيدها. ونتّعلم ذلك بوضوح من كلام المسيح مع جمع اليهود: “أَنْتُمْ مِنْ أَسْفَلُ أَمَّا أَنَا فَمِنْ فَوْقُ“ويشرح الحكيم يوحنا كيف جاء إلينا الابن الوحيد من فوق “اَلَّذِي يَأْتِي مِنْ فَوْقُ هُوَ فَوْقَ الْجَمِيعِ”[1]. وهو يعتقد أنه يجب أن نُعطِى للذي هو الله بالطبيعة كل المقام الذي يليق به، لأن قوله “من فوق” ليس المقصود به المكان أو الارتفاع، ولكن يدل على جوهر الآب. وكيف نترّدد في ذلك وقد قال أحد القديسين بوضوح “كُلُّ عَطِيَّةٍ صَالِحَةٍ وَكُلُّ مَوْهِبَةٍ تَامَّةٍ هِيَ مِنْ فَوْقُ، نَازِلَةٌ مِنْ عِنْدِ أَبِي الأَنْوَارِ، الَّذِي لَيْسَ عِنْدَهُ تَغْيِيرٌ وَلاَ ظِلُّ دَوَرَانٍ”[2]؟ فإن مَنْ يفوق الملائكة والكائنات الاسمي منها ـ ليتفوّق على السيرافيم أنفسهم ـ فلن يكون قد تعدّى الطبيعة الخاضعة للتغيّير أي المخلوقة. لأنه إما أن يكون “من فوق” أي من أبى الأنوار، والوحيد الذي من فوق هو الابن، أو أن نعتبره “من أسفل” وبالتالي فهو ينتمي إلى الخليقة، وبين الخالق والخليقة لا يوجد شئ. وإذا سألنا هؤلاء الذين يقفون ضدنا، هل الابن خاضع للتغيّير أم لا؟ وكيف يكون وسيطًا وخاضعًا للتغيير؟ ماذا سيقولون؟
إرميــــا: أعتقد أنهم سيقعون في مأزق.
كيرلس: في مأزق؟! وأي مأزق، لأنه مكتوب: “لأن الحق حي وهو غالب وسيغلب إلى الأبد”[3] ولنحاول أن نفحص بأنفسنا النهاية التي سوف يقودنا إليها التمعّن في الطريقتين. فإذا قالوا إن هذا الوسيط غير خاضع للتغييّر أي غير مولود، فإنهم بهذا ينسبون إليه الطبيعة اللائقة بالله، وبهذا فإنهم يظهرونه وكأنه يتعدّى حدود الوساطة، ويصير أعلى من وضعه الطبيعي، لأن الذي هو فوق الجميع هو الله حسب المجد والطبيعة، وله خصوصية عدم التغييّر ويستحيل أن نضع هذه الطبيعة بين الطبائع الخاضعة للتغّير والفساد. وإذا تراجعوا وقالوا إنه مخلوق، فكيف ينفرد عن باقي المخلوقات وبأي حق؟ فكيف يكون وسيطًا مَنْ هو أصغر من الله بالطبيعة وأكبر من المخلوقات بالطبيعة؟ فلو أنه غير قابل للتغيّير فسوف يرتفع إلى مجد اللاهوت ويتعدّى حدود الوساطة. وأما إذا كان قابلاً للتغييّر فسوف يهبط إلى أسفل، ويصير غير أهل للوساطة لأنه سيتساوى مع باقي الكائنات. ما هذه السفسطة الخالية من كل محبة حقيقية للحكمة!.
والذي يُقدّم أمرًا على أنه مفهوم وهو غير مفهوم ويوهمنا أنه يمكن أن نحدد مكانًا لطبيعة ما، لا يستطيع أي فكر أن يصل إليها، فهذا يعتبر كلام مبتدع وغير مفهوم، بينما الكلام في مثل هذه الأمور يجب أن يكون واضحًا. وهكذا يتضّح أنهم يخدعون الناس بأفكارهم غير المنطقية وأعمالهم الخالية من التقوى. وهم بهذا يَهينون الابن ويحرمونه من المساواة مع الله الآب في الطبيعة ويحاولون أن يجدوا له وضعًا وسطًا، أو مجدًا صغيرًا بأن يرفعوه قليلاً فوق الكائنات المتغيّرة، ويُغلقون عليه الطريق إلى الآب، ويحرموننا من رؤيته إلهًا بالطبيعة. وهم بهذا يحددّون له المجد الذي يتلائم مع أفكارهم وأمزجتهم. وهؤلاء الناس أُشبهّهم بصانعي التماثيل وهم ذوو صيت في هذه الحرفة، فهم ينحتون الخشب أو الصخر ويُعطونه شكلاً إنسانيًا ثم يُضيفون عليه من الخارج قشرة من الذهب أو ألوانًا أخرى جذابة حتى يفتنوا العيون التي تنظر إليها، وهكذا يصرفون النظر عن التمتّع بما هو مُخفى في الداخل، ويصلون إلى إقناع الناظرين بأن يستنفذوا كل فرحهم واهتمامهم بالشكل الخارجي الفاني. وفى رأيي أن هذا هو ما يحدث تمامًا في حديثهم عن الوسيط. فهم يخدعون عقول البسطاء بأفكار جذابة وشكليّة، وهؤلاء (البسطاء) لا يستطيعون أن يسبروا أغوار أفكارهم المتناقضة واستنتاجاتهم المزيّفة.
إرميــــا: ما أروع هذا الكلام .
كيرلس: وإذا كان لديهم أقل تقدير للتفكير السليم فما كان يجب أن يلصقوا بالمسيح أمورًا غير مفهومة ولا أن يطلقوا العنان للتعبيرات التى تصدر من مجرد تأملات نظّرية بلا مضمون فعلى، ويجب عليهم أن يروا بوضوح وبلا دوران أن الابن يسكن في الأعالي اللاهوتية أي أنه من ذات طبيعة الآب ـ وما عليهم سوى التمعّن في الأمر ـ فالابن مولود من الآب، أي صادر من جوهره، ولأنه ابنه فلابد أن يكون له نفس الجوهر. ألم يعلن الله الآب نفسه أن الابن هو “ابن حقيقي وليس شيئًا آخرً حينما أعلنها مدوّية “هذَا هُوَ ابْني الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ“[4]. ولماذا لا نتصّور أنه يقول “هذا هو الوسيط بيني وبين الناس”؟ وأعتقد أنه كان سيقولها، لو كان قد وضع في حسابه أنه سوف يوجد مَنْ يتصّور وساطة الابن بهذا الشكل المريض. ولكن حتى لو اكتفينا بقوله “ابني الحبيب” فقد قال الله كل شئ بهذه العبارة، لأنه حدّد فعلاً مَنْ سيكون وسيطًا. بينما فيما يخص الإعلان عن الابن الذي صار إنسانًا، فالله الآب له الحرّية أن يختار الاسم المناسب. وقل أنت هل وَصَلَت بهم الحماقة والغباء إلى درجة أنهم لا يعترفون به حتى كابن.
89 يو3: 31. سبق أن تعرّض ق. كيرلس لشرح هذه الآية بالتفصيل وبيان المعنى الحقيقي لتعبير “مِنْ فَوْقُ” الذي يدل على وحده جوهر الآب والابن وذلك في سياق شرحه لإنجيل يوحنا. انظر: شرح إنجيل يوحنا ترجمة د. جرجس كامل. مقدمة ومراجعة د. نصحي عبد الشهيد المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية مايو 1995 ج2. الفصل الثاني ص35 ـ40.
90 يع1: 17.
91 عزرا الأول 3: 12، 4: 38 وهو أحد الأسفار التي لم تعتبرها الكنيسة من ضمن الأسفار القانونية.
92 مت17: 5.
الواحد في الجوهر – الحوار الأول ج5 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري
طبيعة الوحدة – الحوار الأول ج4 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري
طبيعة الوحدة – الحوار الأول ج4 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري
الحوار الأول
الابن أزلي مع الله الآب ومساوٍ له في الجوهر
طبيعة الوحدة بين الآب والابن:
كيرلس: الابن مساوٍ للآب في الجوهر، لأنه بالحق خرج من الآب، وهو فيه بالطبيعة والجوهر. وكما إننا لا نستطيع أن نقول بشكل قاطع إنه مساوٍ لنا في الجوهر بدون أن يكون قد صار إنسانًا، كذلك بنفس الدرجة لا نستطيع أن نقول إنه في الله وواحد معه، إلاّ إذا كان له فعلاً كل خصائص طبيعته، ولا كان ممكنًا للبشر أن يكونوا شركاء الطبيعة الإلهية إلاّ بواسطة الغنى الذي سكبه عليهم الابن، وبواسطته. إن الابن له اتحاد حقيقي وطبيعي بالآب، ونستطيع بدون عناء أن نتعرّف على مكانة الابن من حديثه مع الآب السماوي حينما يقول: “لِيَكُونَ الْجَمِيعُ وَاحِدًا كَمَا أَنَّكَ أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ فِيَّ وَأَنَا فِيكَ لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضًا وَاحِدًا فِينَا لِيُؤْمِنَ الْعَالَمُ أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي. وَأَنَا قَدْ أَعْطَيْتُهُمُ الْمَجْدَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي لِيَكُونُوا وَاحِدًا كَمَا أَنَّنَا نَحْنُ وَاحِدٌ. أَنَا فِيهِمْ وَأَنْتَ فِيَّ لِيَكُونُوا مُكَمَّلِينَ إِلَى وَاحِدٍ“[1].
إرميـــا: وإذا قالوا إن وحدة الابن مع الآب، تشبه ما نلاحظه فى علاقاتنا نحن البشر، فبماذا نجيب؟ دعنى أوضح ما أريد قوله. مكتوب: “َكَانَ لِجُمْهُورِ الَّذِينَ آمَنُوا قَلْبٌ وَاحِدٌ وَنَفْسٌ وَاحِدَةٌ”[2]، فعلى الرغم من كونهم نفوسًا عديدة صاروا نفسًا واحدة. وهذا لا يعنى وحدة الطبائع ولكن وحدة الإرادة والهدف والفكر، ولأن الابن له نفس مسرّة الآب، فهو واحد معه فى الإرادة والفكر مثلنا نحن البشر فى علاقتنا بعضنا ببعض. وهكذا يذهب هؤلاء البؤساء إلى كل مكان ويدمّدمون بهذه الكلمات.
كيرلس: ولكن هذا يدل مرّة أخرى على أنهم يرتكبون جريمة واضحة بغباوتهم التى وصلت إلى حد بعيد، وأن حالة من التوتر تقود أفكارهم. ومعروف أن الأفكار المنحرفة إنما تصدر عن أناس فقدوا إتزانهم، وكما هو مكتوب أن “اللَّئِيمَ يَتَكَلَّمُ بِاللُّؤْمِ وَقَلْبُهُ يَعْمَلُ إِثْمًا لِيَصْنَعَ نِفَاقًا وَيَتَكَلَّمَ عَلَى الرَّبِّ بِافْتِرَاءٍ”[3]. وكيف لا نرى اللؤم والجهل والعبث الذى وصل إلى حد لا يطاق فى حديثهم وتأييدهم لفكرة أن وحدة الابن مع الله الآب ليست أمرًا جوهريًا؟ بل هى أمر اختيارى أو اتحاد بالإرادة، وهو بذلك لا يختلف كثيرًا عن البشر المدعوّين للتبني، والذين يطلق عليهم الاسم الإلهي بإرادة الآب بسبب أن فضائلهم جعلتهم أهلاً للحصول على هذا المجد العظيم. وبهذا الشكل ماذا يمنع أي واحد من القديسين من أن يفكر، بما إنه صَنَع ما يرضى الله ومسّرة السيد، فيمكنه أن يستخدم كلمات الابن الوحيد ويتوّجه بها إلى الآب قائلاً “كَمَا أَنَّنَا نَحْنُ وَاحِدٌ“؟[4]. فليُظهروا لنا إذا كان أحد القديسين قد تجرأ ونطق بهذا الكلام. والحقيقة أن القديسين كلّما وصلوا إلى مرتبة عالية في القداسة، كلّما تذّكروا خطاياهم ولم ينسوا طبيعتهم البشرية[5]. وهناك آلاف الشواهد الكتابيّة على ذلك، ولكنى أترك هذا التدرّيب الروحي للذين يحّبون العلوم المقدّسة، غير إنى سأواجه ما يقدّم من حجج، وأعود إلى الوراء قليلاً لأكلّمهم عن الوحدة كما نحياها نحن البشر فيما بيننا، إنها وحدة بالإيمان كما يتفق على ذلك الجميع، هذه التي تقرّبنا من بعضنا وليس هناك اختلاف في الجوهر يمكن أن يفرّق بيننا حتى ولو كان لكل واحد فينا أقنومه الخاص. نحن جميعًا واحد في الجوهر الإنساني الواحد، أما فيما يخص وحدتنا مع الله، فالأمر لا يقتصر على مجرد ميل الإرادة، ولكن هناك عامل أخر يُكلّمنا عنه الطوباوي بولس حينما يقول “فَإِنَّنَا نَحْنُ الْكَثِيرِينَ خُبْزٌ وَاحِدٌ جَسَدٌ وَاحِدٌ لأَنَّنَا جَمِيعَنَا نَشْتَرِكُ فِي الْخُبْزِ الْوَاحِدِ”[6]. وهل تجهل أن الأمم يتحدّون بالمسيح بالإيمان والأولوجيا (البركة) السرائرية؟
إرميــــا: لا طبعًا أنا لا أجهل ذلك ..
كيرلـس: هل نحن فيما بيننا نحيا في وحدة الطبيعة والإرادة مثل تلك الوحدة التي سوف نكتشف إنها لنا في المسيح.
إرميــا: ماذا تريد أن تقول، فإني لا أستطيع أن أفهمك بسهولة.
كيرلس: لا يوجد شئ صعب في هذا الكلام، وما أقوله يفهمه كل إنسان حكيم ومطلّع على الأمور. نحن الذين ننتسب للبشّرية، نحن نرتبط أولاً بعضنا ببعض ارتباطًا وثيقًا، وذلك برباط طبيعتنا الواحدة وفى نفس الوقت مرتبطون ومتحدون بطريقة أخرى، فكل منا له أقنومه الخاص، فالواحد بطرس والآخر يوحنا، وواحد توما والآخر متى، وقد صرنا أعضاء في جسد المسيح، نتغذى على نفس الجسد ومختومين في الوحدة بالروح القدس. ولأن المسيح غير منقسم فنحن واحد فيه وهذا هو السبب وراء قوله للآب السماوي “لِيَكُونُوا وَاحِدًا كَمَا أَنَّنَا نَحْنُ وَاحِدٌ“. ففي المسيح وبالروح القدس نحن واحد بالجسد وبالروح. وما نعيبه على الذين لهم رأى أخر إنهم لا يفهمون النصوص الخاصة بطبيعتنا البشرية.
إرميـــا: إنهم مخطئون وملامون بكل تأكيد، ولكن اسمح لي ـ أنا المشتاق للمعرفة ـ أن أسألك، إذا كنا نقبل أن يُقال إن الابن متحد بالآب تمامًا مثل اتحادنا نحن ببعضنا البعض، أم أن وحدة الابن بالآب أسمى من وحدة البشر؟
كيرلس: الابن متحد بالآب مثلنا، وفى نفس الوقت أسمى منا، فالكلّ متفقون على أنه واحد في الجوهر (هوموأوسيوس) مع ذاك الذي وَلَده، لأنه ابنه الحقيقي. وهذا الأمر كائن في أقنومه الخاص، ولكن وحدتهما طبيعية، ولا يمكن أن تتعّرض الأقانيم لأي تغييّر كما يظن البعض، بحيث إن نفس الأقنوم يكون أبا وابنًا. ولكن كل أقنوم قائم بذاته ويمتلك وجودًا خاصًا به. ووحدة الجوهر هي التي تُعرِّف وحدة الأقانيم معًا.
إرميــا: أتريد أن تقول إن الابن موجود بجوهره الذاتي (῎ιδια οὐσία) بجانب جوهر الآب ؟
كيرلس: ليس بجوهر أخر غير جوهره كإله، ولكن بأقنومه الخاص كابن.
إرميــــا: إذن يجب أن نميّز بين الجوهر و الأقنوم.
كيرلس: نعم، هناك فارق كبير بين الاثنين وذلك لأن الجوهر يحتوى كل الصفات الجوهرية.
إرميـــا: كيف تشرح ذلك، أعذرني لأني بطئ الفهم في مثل هذه الأمور.
كيرلس: يجب أن تعرف أنه حتى بالنسبة لي شخصيًا، فالحديث في هذه الأمور ليس بالأمر السهل، ولكن لابد أن نفحص الأمر، فالجوهر هو حقيقة مشتركة، بينما الأقنوم يُطلق على الأقانيم المُشتَرِكة في هذا الجوهر الواحد، انتبه فسوف أشرح لك ذلك:
إرميــا: وكيف يكون ذلك؟
كيرلس: نحن نُعرّف الإنسان بأنه “حي وناطق وفاني” وهذا هو المفهوم المناسب له، ونحن نقول إن هذا يُعبّر عن جوهره. وهذا التعريف ينطبق على كل الأفراد فردًا فردًا، وهنا يجد توما ومرقس وبطرس وبولس مكانهم الصحيح حسب اعتقادي، وهكذا نحدّد الجوهر ولكننا لا نحدّد بعد ماهية الأشخاص الذين نتكلّم عنهم بشكل دقيق. فحينما نقول “إنسان” بشكل عام فهو ليس بطرس ولا بولس، وحينما نقول توما وبطرس فنحن لا نخرج من حدود ما نسميه بالجوهر الواحد وهذا لا يقلّل من كل منهم “كإنسان”، فقد أظهرناه موجودًا بأقنومه الخاص.
إذن الجوهر هو لكل إنسان دليل على النوع، أما الأقنوم فهو يطلق على كل واحد في ذاته، دون أن ننسى أنه يشير أيضًا إلى شركة الجوهر ولكن دون أن نخلط بين العام والخاص.
إرميــــا: الآن أفهم ما تعنى، لأن عرضك لا يخلو من لباقة وبراعة.
كيرلس: وبقولنا واعترافنا بأن الابن “هوموأوسيوس” مع الله الآب، نُقّر أيضًا أن له “أقنومه الخاص” وهذا معناه أنهما متحدان ومتميّزان في نفس الوقت. وهكذا نصل من الوحدة إلى تمايز الأقانيم. ووحدة الجوهر في كل شئ، والوحدة والمساواة القائمة بين الآب والابن تتعدى تمايز الأقانيم في الآب والابن وتُقدمهما بشكل غير منقسم، ولا نستطيع أن ننزع عن كل أقنوم ما هو خاص به، وذلك لأن الواحد آب وليس ابنًا والابن ابن وليس أبًا.
إرميــا: إذا وافقتني، نستطيع القول إنه يوجد جوهران الآب والابن وهكذا فالتمايز يصير واضحًا .
كيرلس: لا يمكن أن نميّز جوهرين، لا تترك نفسك تُخدع بآراء أولئك الناس ذوى الأفكار الفاسدة، لا تترك الطريق الممّهدة، لتضيع في متاهات.
إرميــــا: كيف يكون ذلك؟
كيرلس: إذا قلنا إن هناك طبيعة للآب وطبيعة أخرى للابن منفصلة عن الأولى، فسنصل إلى أن نفصل بينهما. لأنه بالنسبة للبشر لا يمكن أن نقول “جوهر وجوهر آخر، ونوزّع على كل كائن خاص، الصفات المشتركة، كما لو كانت تخصه هو وحده، وفى الحقيقة إذا قبلنا مبدأ وجود أكثر من جوهر واحد كوسيلة لإظهار التمايز، فإن الجوهر العام الواحد سوف يضيع وسوف يؤدى الاختلاف الجوهري (حسب تصورهم) إلى خلق حالة من الانفصالية والاختلاف، وهكذا نصل إلى وجود تعدّد[7] واختلاف حسب الطبيعة.
إرميـــا: أعتقد أن هذا صحيح .
كيرلس: بهذا الشكل لا يتبقى لنا إلاّ أن نقول إن كان الابن حسب رأيهم ليس مساويًا لله الآب في الجوهر، وأنه من جوهر آخر مختلف ومن طبيعة أخرى فهذا يُخرجنا من الحدود التي تُعرّف بها الألوهة. ففي حالة كون الابن له جوهره الخاص، فسيكون غريبًا عن جوهر الله الآب.
82 يو17: 21-23.
83 أع4: 32.
84 إش32: 6.
85 يو17: 22.
86 هنا يعتمد ق. كيرلس على شرح القديس أثناسيوس لهذه الآية ويتبع نفس تعليمه. انظر المقالة الثانية ضد الآريوسيين فقرة 19.
87 1كو10: 17.
88 يقصد تعدد آلهة.
طبيعة الوحدة – الحوار الأول ج4 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري
طبيعة متوسطة بين الله والبشر – الحوار الأول ج3 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري
طبيعة متوسطة بين الله والبشر – الحوار الأول ج3 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري
الحوار الأول
الابن أزلي مع الله الآب ومساوٍ له في الجوهر
إن الابن لا يمكن أن يكون من طبيعة متوسطة بين الله والبشر:
إرميــــا: وماذا لو أرادوا أن يقنعونا أن نفهم تعبير “من فوق” بطريقه تختلف عما قلته لنا توًا؟ مثلاً يمكن أن يقولوا إن “من فوق” تعنى أنه لا صلة له بالأرض ولا بالإنسانية، ولكنه من السماء أو أنه من طبيعة أخرى تسمو كثيرًا عن طبيعتنا؟ فماذا نقول لهم وأي إجابة نقدّم؟
كيرلس: وإذا قَبِلنَا أن الابن هو كما يقولون ويدّعون، فماذا تبقّى فيه من مجد نتأمله؟ أليس كل واحد من الملائكة القديسين “من فوق” ونحن نؤمن أنه يأتي إلينا من السماء؟ أليس الملائكة ـ العروش والرياسات والسيادات والسيرافيم ـ أسمى منّا بكثير على الأقل فيما يخص طبيعتهم؟ فإذا لم يكن للابن شئٌ أكثر من ذلك وقسناه بالمقاييس الطبيعية[1]، فهو كما يبدو ليَّ لن يختلف كثيرًا عن المخلوقات العاقلة التى تأتينا “من فوق” من وقت لآخر. “أَلَيْسَ جَمِيعُهُمْ أَرْوَاحًا خَادِمَةً مُرْسَلَةً لِلْخِدْمَةِ لأَجْلِ الْعَتِيدِينَ أَنْ يَرِثُوا الْخَلاَصَ!“[2]. وفى هذه الحالة فإن المجد الإلهي سوف يكون مُضافًا إليه وليس من طبيعته، ويكون المسيح كاذبًا حينما يقول: “أنا هو الحق”. أين هو الحق وكيف يكون الحق كائنًا في مَنْ لا ينطبق عليه قول الأسفار المقدّسة الموحى بها؟ وما المعنى الحقيقي لما تقوله الأسفار المقدسة من أن الابن ليس من هذا العالم؟
إرميـــا: دعني أكرّر أمامك ما يقولون، فإنهم يؤكدون أنه ليس مساويًا في الجوهر لله الآب ويُنزِلونه من الطبيعة الفائقة إلى أسفل، ولكنهم والحق يقال يعطونه مركزًا أسمى من باقي الخليقة، ويقولون إنه لا يشارك باقي المخلوقات في نفس الطبيعة. ولكنه يحتل مكانة متوسطة. وبكلام أخر فهو يتسامى عن مستوى الطبيعة، ولكنه لا يشارك الآب الذي وَلَده، في الجوهر، وفى نفس الوقت لا يمكن أن نحط من قَدْرِه ونحسبه مع المخلوقات.
كيرلس: إذا قرّروا أن يتكلّموا بوضوح وصراحة عن طبيعة الابن، فإنهم، بلا شك، سيقولون إنه ليس هو الله بالطبيعة، كما أنه ليس مخلوقًا؛ وبذلك فإنهم يبعدونه عن جوهر الله الآب كما يجعلونه أعلى من طبيعة الكائنات المخلوقة، هادمين بذلك ألوهيته. وأنا لا أرى كيف أنه طبقًا لهذا الرأي لا يُحسب ضمن المخلوقات؟
إرميـــا: لقد فهمت الأمر بشكل جيّد. وهم يستمرون فى الدفاع عن رأيهم قائلين إنهم إذا دعوه وسيطًا بين الله والناس فهذا لا يعنى أكثر من إنه وسيط بالمعنى الذي يريدونه.
كيرلس: وهل هناك غباء أكثر من ذلك لأن “أعدائنا أغبياء” حسب المكتوب[3]. فكم سيكون بعيدًا عن الأفكار الحكيمة أن يتصّور أولئك أنهم بإمكانهم هزيمة عقائد الحق وذلك باختراعات خيالهم، ولقد علّمنا القديس بولس الحكيم حقًا، بل وكل خورس القديسين أن نؤمن بأن الابن قد إتخّذ جسدًا أي صار مشابهًا لنا في كل شئ ما خلا الخطية. ولهذا فالقديسون يقدمّون لنا زوايا متعدّدة للدخول إلى هذا السّر العظيم، فأحيانًا نجدهم يقدّمون الابن الوحيد مرتفعًا عن طبيعتنا وفوق الخليقة وأحيانًا يقدّمونه آخذًا شكل العبد وقد تنازل عن كل أمجاد اللاهوت، ولكنه هو هو دائمًا وليس به تغيير ولا ظل دوران. ويقول عنه حامل الروح “يَسُوعُ الْمَسِيحُ هُوَ هُوَ أَمْسًا وَالْيَوْمَ وَإِلَى الأَبَدِ“[4].
إرميـــا: أي علاقة توجد بين هذه الأعماق وما يقولونه؟!
كيرلس: لا يجب أن نلجأ للكتب المقدّسة بنفسٍ رخوة[5]، إذ أنهم يفعلون ذلك ويحيدون عن الطريق المستقيم حتى يصلوا إلى التطرّف سواء يسارًا أو يمينًا. بينما إتباعنا للطريق الملوكي يُوجب علينا ويعلّمنا ألاّ ننحرف لا يمينًا ولا يسارًا. ولنلاحظ كيف أنهم بسبب فقدان البصيرة يتركون أنفسهم للانقياد بأهوائهم دون أن يفحصوا أيّ من آيات الكتب المقدّسة تتحدّث عن اللوغوس في حد ذاته، أي قبل التجسّد، وأي آيات تتحدّث عنه بعد أن تَشَبه بنا.
ولكن ربما يعتقدون أنه لا يجب أن نأخذ هذه الأمور فى الاعتبار، وعلينا أن نقبل كل المكتوب بدون فحص. وأرجو أن يوضحّوا لنا ويعرفّوننا ماذا يمنعهم من قبول أن اللوغوس، كلمة الله المتجسّد يحتاج إلى الطعام وإلى الراحة وأنه يتعرّض للتعب: “فَإِذْ كَانَ يَسُوعُ قَدْ تَعِبَ مِنَ السَّفَرِ، جَلَسَ هكَذَا عَلَى الْبِئْرِ“[6]. وأكثر من ذلك حين نتكلّم عن موته، نَخلُص إلى أن التمييز بين هذه النصوص أمر هام جدًا لنا لأن هذا يقودنا إلى تمييز الأزمنة والأوقات[7].
إرميـــا: وكيف لا يكون هذا التمييز هامًا بل وهامًا جدًا؟
كيرلس: بل ويجب التمييز أمام كل العالم بين الأقوال الإلهية التي تقال عنه بعضها عن بعض. فاسمع ما يقوله بولس عن طبيعته الإلهية “الَّذِي، وَهُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ، وَحَامِلٌ كُلَّ الأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ“[8]. ومرة أخرى في موضع آخر يقول “لأَنَّ كَلِمَةَ اللهِ حَيٌَّ وَفَعَّالٌَ وَأَمْضَى مِنْ كُلِّ سَيْفٍ ذِي حَدَّيْنِ، وَخَارِقَةٌ إِلَى مَفْرَقِ النَّفْسِ وَالرُّوحِ وَالْمَفَاصِلِ وَالْمِخَاخِ، وَمُمَيِّزَةٌ أَفْكَارَ الْقَلْبِ وَنِيَّاتِهِ. وَلَيْسَتْ خَلِيقَةٌ غَيْرَ ظَاهِرَةٍ قُدَّامَهُ، بَلْ كُلُّ شَيْءٍ عُرْيَانٌ وَمَكْشُوفٌ لِعَيْنَيْ ذلِكَ الَّذِي مَعَهُ أَمْرُنَا“[9]. وهذه الآيات تخص الابن الوحيد قبل التجسد. وهناك آيات تقال عنه وهو مولود مثلنا في الجسد “الَّذِي، فِي أَيَّامِ جَسَدِهِ، إِذْ قَدَّمَ بِصُرَاخٍ شَدِيدٍ وَدُمُوعٍ طَلِبَاتٍ وَتَضَرُّعَاتٍ لِلْقَادِرِ أَنْ يُخَلِّصَهُ مِنَ الْمَوْتِ، وَسُمِعَ لَهُ مِنْ أَجْلِ تَقْوَاهُ، مَعَ كَوْنِهِ ابْنًا تَعَلَّمَ الطَّاعَةَ مِمَّا تَأَلَّمَ بِهِ“[10].
إذا نظرنا لهذه الحقائق ألا نستنتج أن هناك اختلافًا في طبيعة الأمور؟؛ فنحن نسمع أن بهاء مجد الله الآب وختم جوهره ذاك الذي يحمل كل الأشياء بكلمة قدرته، الكلمة الحيّ، اللوغوس الحيَّ الفعال، بعد كل هذا المجد نسمع أنه قدَّم بصراخ شديد ودموع، طلبات وتضرعات لكي يَخلُص من الموت.
ولكن الرسول يقول “فى أيام جسده” أى أنه وهو كلمة الله، صار جسدًا حسب الكتب[11]، ولكنه لم يحلّ فى إنسان كما يحدث فى القديسين الذين يسكن فيهم (الكلمة) بالروح القدس. إذن هناك طريقتان للكلام عن الابن: فمن جهة يجب أن ننسب له كل ما لله بكونه هو الله، ومن جهة أخرى ننسب له كل ما يخصّنا لأنه صار مثلنا. ويجب أن نرفض كل خلط وعدم تمييز بين هذه الأمور لأن هذا ينفى الفهم الحقيقي للمعاني ويحجب عن عيوننا نصف حقيقة الجمال الإلهي.
إرميــــا: ما أروع هذه الكلمات.
كيرلس: فحينما نسميّه “الوسيط” يجب ألاّ نفهم أن هذا يحدّد ماهية جوهر الابن الوحيد. بل بالحري ينبغي أن تقود كل الأفكار إلى الخضوع للمسيح. وهكذا فليبعد كل فكر غير نقىّ كما هو مكتوب “هَادِمِينَ ظُنُونًا وَكُلَّ عُلْوٍ يَرْتَفِعُ ضِدَّ مَعْرِفَةِ اللهِ، وَمُسْتَأْسِرِينَ كُلَّ فِكْرٍ إِلَى طَاعَةِ الله“[12].
إرميــــا: هذا كلام حق، ولكن أيها الشجاع لنكتفِ بهذا فيما يخص هذا الموضوع. لأني لا أرى بعد ذلك مكانًا للشك وسأكون سعيدًا جدًا أن أتعلّم منك كيف نفهم طريقة الوساطة، وهذا الأمر سيفضح عدم التناسق في آراء الهراطقة الخادعة .
كيرلس: هيّا بنا إذا أردت ولنحصر الحديث في هذه النقطة . قبل كل شئ يجب أن نبدأ بفحص متى دَعَتَ الكتب المقدّسة الابن “بالوسيط”. فبولس يقول “لأَنَّهُ يُوجَدُ إِلهٌ وَاحِدٌ وَوَسِيطٌ وَاحِدٌ بَيْنَ اللهِ وَالنَّاسِ: الإِنْسَانُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ“[13].
وهكذا فالرسول يُحدّد، على ما أعتقد، أن الفترة الوحيدة التي تَتَناسب مع “الوساطة” هي الأزمنة الأخيرة، والتي فيها حسب كلام الرسول “الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً ِللهِ. لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ“[14]. ورغم أنه الإله والرَّب فلكى يُرجعنا بواسطة نفسه لله الآب، ولكى يصالح الكّل حسب المكتوب “وَأَنْ يُصَالِحَ بِهِ الْكُلَّ لِنَفْسِهِ، عَامِلاًالصُّلْحَ بِدَمِ صَلِيبِهِ، بِوَاسِطَتِهِ، سَوَاءٌ كَانَ مَا عَلَى الأَرْضِ امْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ“[15]لكى يصنع ذلك كله، توّسط كإنسان. ولهذا يقول بولس“نَطْلُبُ عَنِ الْمَسِيحِ: تَصَالَحُوا مَعَ اللهِ“[16]وذلك بالاتحاد بشخص المسيح. ولأن طبيعة الإنسان لا تحتمل أن تستوعب مجد الله بحسب ما كان قَبِل التجسّد، لذلك فقد لبس الابن الوحيد لأجلنا ولأجل خلاصنا، جَسَدنَا وتشبّه بنا.
وهكذا يُكْشَف لنا قصد الله الآب كما يُكشف للساجدين بالروح وليس للمتمسكين بظلال الحقيقة وليس للملتصقين بالناموس الذى لا يؤدى إلى الكمال. وهكذا ما دام “الله روح” فلنسرع نحن أيضًا لكى نعبده بالروح والحق. ألم يقل العظيم إشعياء “لأَنَّهُ يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ وَنُعْطَى ابْنًا، وَتَكُونُ الرِّيَاسَةُ عَلَى كَتِفِهِ، وَيُدْعَى اسْمُهُ عَجِيبًا، مُشِيرًا، إِلهًا قَدِيرًا، أَبًا أَبَدِيًّا، رَئِيسَ السَّلاَمِ“[17].
إرميــا: إن هذا كلام رائع، وإذا أردت أن تقنعنا نهائيًا بهذا الكلام فأذكر لنا بعض الأمثلة القديمة التى تشير إلى وساطة المسيح وسأكون ممنونًا لك.
كيرلس: دعنا نتوجّه إلى موسى العالم بالأسرار الإلهية ولنلاحظ أن أعماله وأقواله بكل ما تحمل من قوّة، هى عبارة عن أيقونة لوساطة المسيح، وهكذا يثبت صحة ما نتمسك به لأننى أعتقد أنه من الغباء[18] بمكان أن يترك الإنسان نفسه فى التقليل من شأن خصومه الذين صنعوا من لذتهم منهجًا فكريًا ويتناقضون مع الكتب المقدّسة، وبعد ذلك يترك نفسه يسقط فى نفس الأخطاء.
إرميــــا: الحق معك.
كيرلس: حينما خرج الإسرائيليون من أرض مصر بعد أن تخلّصوا من نير العبودية وحينما جاءوا إلى الجبل الذى يُسمّى جبل سيناء، رأى الله أنه حسن أن يعطيهم نواميس لكى يعرفوا ماذا عليهم أن يفعلوا. وأمرهم أن يجتمعوا أسفل الجبل وأن يغسلوا ثيابهم[19]، وبعد تطهّرهم يتقّدمون إلى رؤية الله غير المعتادة. وحينما تّم كل ذلك حسب أوامر موسى، نزل الربُّ على الجبل على شكل نار وصعد دخانه كدخان الأتون وارتجف كل الجبل جدًا فكان صوت البوق يزداد اشتدادًا جدًا وموسى يتكلّم، وقاد موسى الشعب للقاء الله على الجبل.
هذا هو المكتوب، والأمر هنا، حسب اعتقادي، أن موسى هو مثال (TÚpoj)[20] لوساطة المسيح. والمسيح الربّ نفسه يؤكد ذلك “لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي“[21] ونحن لا نأتي إلى الله الآب إلاّ بالمسيح، وذلك بأن نتطّهر من كل دنس عن طريق تغييّر ثياب عقولنا لنقتنى النقاوة التي في المسيح كما يأمرنا القول الإلهي: “الْبَسُوا الرَّبَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ“[22]. وما غَسْلُ الثياب إلاّ تعبير عن قوّة الروح المُطِّهر. فإذا قُلتْ إن كل ذلك حق، فلابد أن تكون قد اقتنعت.
إرميـــا: بكل تأكيد.
كيرلس: لقد نزل الله على شكل نار وأظهر للناظرين إليه مجدًا ملموسًا وغير عادى، ولم يكن من السهل على الشعب أن يحتمل هذه الرؤية العينيّة، ولمّا خافوا وارتعدوا ترجّوا قائدهم، أعنى موسى، صارخين: “تَكَلَّمْ أَنْتَ مَعَنَا فَنَسْمَعَ. وَلاَ يَتَكَلَّمْ مَعَنَا اللهُ لِئَلاَّ نَمُوتَ“[23]، وهنا الأمر واضح، لقد طلبوا من موسى أن يصير “وسيطًا” لأنهم لم يكونوا يستطيعون أن يلقوا بأنفسهم أمام مجد الله فى ملء لاهوته.
دعونا ننتقل الآن من هذه الإيقونة المضيئة التى لموسى إلى الأصل الذى هو المسيح الابن الوحيد، الذى إذ لم يشأ أن يأتى إلينا فى مجده الساطع الإلهى فإنه صار مثلنا (عندما تجسَّد)، وبهذا أصبح وسيطًا بين الله والناس من أجل أن يرّبى البشرّية على معرفة إرادة الله، وهكذا صار هو سلامنا كما تقول الكتب[24].
ولهذا فلست أكذب ولا أدّعى إذا ما قلت إن خدمة موسى إنما هى إيقونة لعمل المسيح. وأعتقد أنك تقدر أن تدرك ذلك بدون عناء. وفى ختام اجتماع بنى إسرائيل يقول سفر التثنية “تَكُونُ كَامِلاً لَدَى الرَّبِّ إِلهِكَ. إِنَّ هؤُلاَءِ الأُمَمَ الَّذِينَ تَخْلُفُهُمْ يَسْمَعُونَ لِلْعَائِفِينَ وَالْعَرَّافِينَ. وَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ يَسْمَحْ لَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ هكَذَا. يُقِيمُ لَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَبِيًّا مِنْ وَسَطِكَ مِنْ إِخْوَتِكَ مِثْلِي. لَهُ تَسْمَعُونَ. حَسَبَ كُلِّ مَا طَلَبْتَ مِنَ الرَّبِّ إِلهِكَ فِي حُورِيبَ يَوْمَ الاجْتِمَاعِ قَائِلاً: لاَ أَعُودُ أَسْمَعُ صَوْتَ الرَّبِّ إِلهِي وَلاَ أَرَى هذِهِ النَّارَ الْعَظِيمَةَ أَيْضًا لِئَلاَّ أَمُوتَ. قَالَ لِيَ الرَّبُّ: قَدْ أَحْسَنُوا فِي مَا تَكَلَّمُوا. أُقِيمُ لَهُمْ نَبِيًّا مِنْ وَسَطِ إِخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ، وَأَجْعَلُ كَلاَمِي فِي فَمِهِ، فَيُكَلِّمُهُمْ بِكُلِّ مَا أُوصِيهِ بِهِ. وَيَكُونُ أَنَّ الإِنْسَانَ الَّذِي لاَ يَسْمَعُ لِكَلاَمِي الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِهِ بِاسْمِي أَنَا أُطَالِبُهُ“[25]. ألا يوضّح ذلك بالصورة والمثال إلى أي مدى تحتاج البشرّية بسبب ضعفها إلى وسيط؟ ولك هنا أمر آخر يجب أن نلتفت إليه.
إرميــــا: ما هو هذا الأمر؟
كيرلس: حينما اقترب الشعب من موسى قالوا له “تَكَلَّمْ أَنْتَ مَعَنَا فَنَسْمَعَ. وَلاَ يَتَكَلَّمْ مَعَنَا اللهُ لِئَلاَّ نَمُوتَ“، وهذا الأمر طلبوه في حوريب في يوم الاجتماع، عندما ظهر لهم الله على هيئة نار على جبل سيناء، وقد قَبِلَ الربّ كلامهم ورتّب الخالق حسب سابق علمه وساطة موسى كمثال لوساطة المسيح وقال “قَدْ أَحْسَنُوا فِي مَا تَكَلمُوا. أُقِيمُ لهُمْ نَبِيّاً مِنْ وَسَطِ إِخْوَتِهِمْ مِثْلكَ”[26]. وهذا يعنى بوضوح ضرورة وجود وسيط لكي ينقل الوصايا الإلهية الآتية من فوق، ويُظِهر للشعب إرادة الله. ولا نحتاج إلى جهد كبير لنفهم أن هذه الأمور تنطبق على المسيح الذي صرخ بصوت مدوي قائلاً “لأَنِّي لَمْ أَتَكَلَّمْ مِنْ نَفْسِي، لكِنَّ الآبَ الَّذِي أَرْسَلَنِي هُوَ أَعْطَانِي وَصِيَّةً: مَاذَا أَقُولُ وَبِمَاذَا أَتَكَلَّم“ُ[27]. وأيضًا يقول “الْكلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ لَسْتُ أَتَكَلَّمُ بِهِ مِنْ نَفْسِي لَكِنَّ الآبَ الْحَالَّ فِيَّ“[28] ويقول عنه الحكيم يوحنا “وَمَنْ قَبِلَ شَهَادَتَهُ فَقَدْ خَتَمَ أَنَّ اللَّهَ صَادِقٌ. لأَنَّ الَّذِي أَرْسَلَهُ اللَّهُ يَتَكَلَّمُ بِكلاَمِ اللَّهِ“[29]. والآن أيها الصديق المحبوب، هل ستقبل الحق الكامن في هذا الكلام أم سترفضه؟
إرميـــا: أرفضه؟! إطلاقًا لا …
كيرلس: إذن هذا هو ما قيل لنا عن موسى، هل تريد أن نؤكد شيئًا آخر علاوة على ما قيل لكي يشرح لنا وساطة الابن أم نترك هذا الموضوع ونتحدّث في موضوع آخر؟
إرميـــا: أيها الشجاع، أليس أحرى بنا أن نستفيد من الموضوع الذى بين أيدينا بدلاً من أن نفتح بابًا أخر للمناقشة، علمًا بأن لا شئ يمنعنا من ذلك؟
كيرلس: إذن سأوجّه حديثي في الاتجاه الذي سيروقك وأقول: نعرف إن قورح وداثان وأبيرام وُلِدوا من سبط لاوي ولكن القرعة كانت قد وقعت عليهم لا لكي يصيروا كهنة، لكن لكي يخدموا في خيمة الشهادة وكانوا لاويين، وهذا الأمر كان على قدر قامتهم. ولكنهم قد اشتهوا رتبة الكهنوت قبل الأوان ولم يقنعوا بالشرف الذي حباهم به الله، فاندفعوا إلى الأمام وأهاجوا الشعب على موسى وهارون وتكلّموا بكلام مّر ضد رجل مُسالم، وحينئذ عاقبهم القاضى العادل بأن هلكوا مع منازلهم حينما انفتحت الأرض وابتلعتهم هم و أولادهم وبهائمهم ومقتنياتهم. وحينئذ قام بعض أتباعهم بغباء بالهجوم على موسى فاستدعوا غضب الطبيعة الإلهية عليهم، إذ قال الله لموسى وهارون “افْتَرِزَا مِنْ بَيْنِ هَذِهِ الجَمَاعَةِ فَإِنِّي أُفْنِيهِمْ فِي لحْظَةٍ! فَخَرَّا عَلى وَجْهَيْهِمَا… قَال مُوسَى لِهَارُونَ: خُذِ المَجْمَرَةَ وَاجْعَل فِيهَا نَارًا مِنْ عَلى المَذْبَحِ وَضَعْ بَخُورًا وَاذْهَبْ بِهَا مُسْرِعًا إِلى الجَمَاعَةِ وَكَفِّرْ عَنْهُمْ لأَنَّ السَّخَطَ قَدْ خَرَجَ مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ. قَدِ ابْتَدَأَ الوَبَأُ. فَأَخَذَ هَارُونُ كَمَا قَال مُوسَى وَرَكَضَ إِلى وَسَطِ الجَمَاعَةِ وَإِذَا الوَبَأُ قَدِ ابْتَدَأَ فِي الشَّعْبِ. فَوَضَعَ البَخُورَ وَكَفَّرَ عَنِ الشَّعْبِ. وَوَقَفَ بَيْنَ المَوْتَى وَالأَحْيَاءِ فَامْتَنَعَ الوَبَأُ“[30]. هل بعد كل ذلك يا إرميا تحتاج وساطة الابن الوحيد إلى شرح؟
إرميـــا: الأمر واضح و لكن في رأيي أنه يجب فحص مغزى هذا الحادث بأكثر دقة. ومَنْ غَيركَ أَقَدرْ على فعل ذلك ؟
كيرلس: ألا ترى أن هارون يشكّل منذ القديم صورة ومثالاً لكهنوت مخلّصنا. هارون الذي كان يرتدى رداءً حتى قدميّه، ويلبس ما نسمّيه غطاء الكتف وعلى جبهته صفيحة من ذهب، وكان يُسمح له أن يدخل إلى قدس الأقداس مرَّة فقط كل عام ويرش الدّم، كفارة عن كلّ الشعب؟
إرميـــا: بالصواب قلت، وهكذا يقول بولس ذو الصوت الإلهي “وَأَمَّا الْمَسِيحُ، وَهُوَ قَدْ جَاءَ رَئِيسَ كَهَنَةٍ لِلْخَيْرَاتِ الْعَتِيدَةِ، فَبِالْمَسْكَنِ الأَعْظَمِ وَالأَكْمَلِ، غَيْرِ الْمَصْنُوعِ بِيَدٍ، أَيِ الَّذِي لَيْسَ مِنْ هَذِهِ الْخَلِيقَةِ. وَلَيْسَ بِدَمِ تُيُوسٍ وَعُجُولٍ، بَلْ بِدَمِ نَفْسِهِ، دَخَلَ مَرَّةً وَاحِدَةً إِلَى الأَقْدَاسِ، فَوَجَدَ فِدَاءً أَبَدِيًّا.”[31].. ومَنْ يستطيع أن ينكر مهما كان مستوى معرفته قليلاً، الحقيقة الساطعة أن هذه الأمور القديمة إنما هي ظلال وصِوَر لما فَعَلَه المسيح؟
كيرلس: وهكذا نحن قَبِلنا يسوع المسيح رئيس كهنة ورسول اعتراف إيماننا. ولنعترف جميعًا وبصدق، وبدون أن نجعل إرادتنا ضد إرادة الله و معجزاته، إننا نحن سكان الأرض قد أغضبنا الخالق وأهنّا الذي أراد أن يعطى للبشر المجد والكرامة على قدر احتمالهم، وهكذا دخل إلينا الفساد الذي سحقنا بالموت ” لَكِنْ قَدْ مَلَكَ \لْمَوْتُ مِنْ آدَمَ إِلَى مُوسَى وَذَلِكَ عَلَى \لَّذِينَ لَمْ يُخْطِئُوا عَلَى شِبْهِ تَعَدِّي آدَمَ “[32]. ولقد وَسَعَّت الهاوية نفسها، كما يقول النبي إشعياء، وفغرت فاها بلا حد..[33]. وكان يمكن أن تفنى الأرض عن بكرة أبيها، وذلك بوقوعها في فخ لا يمكن أن تخرج منه لو لم يأتِ الحلّ الإلهي من فوق، من السموات، وذلك بأن ينزل إلينا الابن الوحيد، وتّم ذلك حسب مسرّة الله الآب، إذ “أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ“[34] وصار رئيس كهنة، وقدّم نفسه بخورًا لأجلنا إلى الله الآب لكي يُسقِط الغضب ويمنَع الوباء: “وَوَقَفَ بَيْنَ المَوْتَى وَالأَحْيَاءِ فَامْتَنَعَ الوَبَأُ”[35]. وبعد هذا كلّه ألا يرى الإنسان بكل وضوح ويدرك أن يسوع صار وسيطًا بين الله والناس؟ فالمعركة انتهت لصالحنا وكل حائط قديم يفصلنا عن الله قد هُدِمَ. واقتربا اللذين كانا قبلاً منفصلين من بعضهما، أقصد الله والبشرّية. وكان المسيح هو عامل التقارب الذي وحّد في نفسه ما هو فوق وما هو أسفل أي الله و الإنسان. وكما قال الصوت الإلهي بولس: “هُوَ سَلاَمُنَا، الَّذِي جَعَلَ الاِثْنَيْنِ وَاحِدًا، وَنَقَضَ حَائِطَ السِّيَاجِ الْمُتَوَسِّطَ”[36]. وفى موضع أخر يقول: “فَإِذْ قَدْ تَبَرَّرْنَا بِالإِيمَانِ لَنَا سَلاَمٌ مَعَ اللهِ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ“[37].
إرميـــا: لقد رفع المسيح الخطيّة التي كانت تعوق محبتنا لله وأُلفَتنا معه[38]، وهكذا أبطل العداوة. هل بهذه الطريقة نعتبره وسيطًا، أم هناك طرق أخرى ومظاهر أخرى للوساطة؟ سوف أسعد بإجابتك على هذا السؤال لأني ظمآن إلى أن أتعلّم منك.
كيرلس: بكل سرور وبدون تردد أقول إنه أبطل العداوة بجسده[39] حسب المكتوب، وصار وسيطًا ومصالحًا لنا، نحن الذين سقطنا من محبة الله بسبب مَيِلنَا لملذّات العالم، وعَبَدْنا المخلوق دون الخالق[40]، فقدّمنا فى ذاته لله الآب[41] واقتنانا لنفسه مُبرِرًا إيانا بالإيمان و نحن لا نقول أبدًا إن هذا العمل التدبيري هو العمل الوحيد الذي أظهر به المسيح وساطته، ولكن يمكننا ذكر أمور أخرى مملوءة بالاسرار تكون بها الوساطة قولاً وفعلاً.
إرميــــا: ماذا تعنى بذلك؟
كيرلس: وهل أعنى شيئًا غير المكتوب: “فَلْيَكُنْ فِيكُمْ هَذَا الْفِكْرُ الَّذِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ أَيْضًا: الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً لِلَّهِ. لَكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ، وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ“[42]، فالمسيح الذي هو بهاء وصورة الله الآب وشكله، وهو كلمة الله، الذي هو من الله وفى الله، أخلى ذاته وصار إنسانًا وذلك بإرادته ومسّرة أبيه، ولم يكن مجبرًا على فعل هذا. ومع صيرورته إنسانًا ظلَّ محتفظًا بكرامة اللاهوت وأخذ ما للإنسان حسب التدبير.
ونحن نرى أن الابن واحد من اثنين، إذ فيه التقت الطبيعتان الإلهية والإنسانية واتحدتا في واحد بشكل غير موصوف ولا يُعَّبر عنه. وبكل تأكيد نحن لا نعنى أن كلمة الله قد تحّول إلى الطبيعة الجسدّية الأرضّية ولا الجسد تحّول إلى طبيعة الله الكلمة. والذي يتبنّى أحد هذين الموقفين المتطرّفين لابد أن يكون مختل العقل. فكل من الطبيعتين تبقى في خصوصيتها ولكنهما تُعدّان في وحدة تامة لا تنفصل، وهذه الوحدة يكشفها تعبير “المسيرة الواحدة”[43]، فهو نفسه إنسان وإله. وحينما نقول الله فنحن لا نلغى الإنسانية بعد الاتحاد وحينما نقول إنسان فنحن لا ننفى صفات اللاهوت، وهذا واضح للذي يريد أن يفكر في الأمر بطريقة مستقيمة[44].
وهو الابن الوحيد والكلمة لأنه المولود من الله الآب، وهو البكر بين إِخوَة كثيرين[45] لأنه صار إنسانًا، ولُقِبَ بـ “الابن الوحيد” الذي هو لقب خاص باللوغوس، يطلق أيضًا على اللوغوس متحدًا بالجسد. ونفس الأمر مع لقب “البكر” فهذا اللقب لم يكن لَقَبَه قَبِلْ التجسّد، ولكنه صار لقبًا له بعد التجسد. وهو وسيط بهذا المعنى: إنه جمع ووحّد في شخصه أمورًا متباعدة فيما بينها، وهى اللاهوت والناسوت، الله والإنسان، وربط الإنسان بوساطته بالله الآب لأنه هو واحد مع الآب في الطبيعة، لأنه كائن فيه ويحيا فيه. وهو واحد في الطبيعة مع البشر لأنه خرج من بينهم، وحاضر وسطهم، وذلك لأنه ليس غريبًا عنا فيما يخص إنسانيته وهو عمانوئيل الذي شابهنا في كل شئ ما خلا الخطية وحدها.
إرميـــــا: هذا رأي مستقيم مائة في المائة، وهكذا وصلنا بالضرورة إلى الإيمان بأن الابن مساوٍ للآب في الجوهر.
[1] يقصد بالمقاييس الطبيعية مقاييس الطبائع المخلوقة.
38 عب1: 14.
39 تث32: 31.
40 عب 13: 8.
41 ينصح ق. أثناسيوس أيضًا كل من يريد أن يعرف ما يختص بالله الكلمة قائلاً: “إن دراسة الكتب المقدسة ومعرفتها معرفة حقيقية تتطلبان حياة صالحه ونفسًا طاهرة وحياة الفضيلة التي بالمسيح، وذلك لكي يستطيع الذهن ـ باسترشاده بها ـ أن يصل إلى ما يتمناه وأن يدرك بقدر استطاعه الطبيعة البشرية ما يختص بالله الكلمة“. انظر: تَجسُّد الكلمة ترجمة د. جوزيف موريس فلتس، المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية. طبعة4، 2006 فصل 57: 1. ص167.
42 يو4: 6.
43 يكررّ هنا القديس كيرلس ما سبق أن علّم به القديس أثناسيوس من أهمية تمييز النصوص بمعنى إنه يجب معرفة الشخص الذي تتكلّم عنه الآية وزمان كتابتها والسياق التي وردت فيه هذه الآية. انظر المقالة الأولى ضد الآريوسيين فقرة45.
44 عب1: 3.
45 عب4: 12-13.
46 عب5: 7-8.
47 يو1: 14.
[12] 2كو10: 5. الآية حرفيًا “إلى طاعة المسيح” و لكن القديس كيرلس يستخدم تعبير “طاعة الله” للتأكيد على إلوهية المسيح له المجد وإنه هو الله الكلمة المتجسّد.
49 1تيمو2: 5.
50 فى2: 6-7.
51 كو1: 20.
52 2كو5: 20.
53 إش9: 6.
[18] يستعمل ق. كيرلس نفس الكلمة اليونانية التي يستعملها ق. بولس في 1كو1: 3 (ولليونانيين جهالة).
55 انظر خر19: 14ـ19.
[20] كلمة TÚpoj التي يستعملها ق. كيرلس، صارت فيما بعد مدرسة للتفسير اسمها typology (انظر رومية5: 14 حيث يذكر الرسول أن آدم هو مثال الآتي أي المسيح).
57 يو14: 6.
58 رو13: 14.
59 خر20: 19.
60 أف2: 4.
61 تث18: 13–19.
62 تث18: 17ـ18.
63 يو12: 49. في موضع آخر يشرح ق. كيرلس المعنى اللاهوتي السليم لهذه الآية التي أساء الهراطقة فهمها فأنكروا ألوهية الكلمة، فكتب قائلاً “لا ينبغي أن يفترض أحد أن قول الربُّ إنه لا يتكلّم من نفسه وإن كل كلامه هو من الآب ـ يتعارض بأي حال مع التقدير الخاص به. سواء من جهة جوهره أو كرامته الإلهية؛ بل ينبغي أولاً أن نفكر في الأمر مرّه أخرى ونقول “هل يستطيع أحد حقًا أن يفترض أن اسم الوظيفة النبوية وممارسة عمل النبوّة تليق بذاك الذي هو الكائن دائما والذي يُعتبر أنه الله بالطبيعة؟” أظن بالتأكيد أن أي واحد مهما كان بسيطًا سوف يجيب بالنفي ويقول إنه من غير المعقول أن الله الذي يتكلّم في الأنبياء يُسمِىّ هو نفسه نبيًا: لأنه هو الذي “كَثَّرْتُ الرُّؤَى وَبِيَدِ الأَنْبِيَاءِ مَثَّلْتُ أَمْثَالاً“ كما هو مكتوب انظَر هو 12: 10. ولكن حيث إنه اتخذ اسم العبودية. الشكل الخارجي المشابه لنا وبسبب مشابهته لنا دعىّ نبيًا، فيتبع بالضرورة أيضًا أن الناموس قد وشحّه بالصفات الملائمة للنبي أي خاصية الاستماع من الآب وأَخذْ وصيه، ماذا يقول وبماذا يتكلّم. انظر يو12: 49.” وإضافة إلى ذلك أشعر أنه من الضروري أن أقول هذا أيضًا: إن اليهود كانت عندهم غيرة شديدة من جهة الناموس، مؤمنين أنه قد أُعطِىَ من الله، ولذلك لم يكن متوقعًا أن يقبلوا كلمات المخلّص حينما غيّر صورة الفرائض القديمة إلى العبادة الروحانية. وما هو السبب الذي يجعلهم غير راغبين في قبول تحويل الظلال إلى معانيها الحقيقية؟ إنهم لم يدركوا أنه هو الله= =بالطبيعة ولا حتى سمحوا بالافتراض أن الابن الوحيد الذي هو كلمة الآب، قد لبس جسدنا لأجل خلاصنا. وإلاّ لكانوا قد خضعوا في الحال وغيرّوا رأيهم بدون أي تردد ولكانوا قد كرّموا مجده الإلهي بإيمان صحيح” انظر: شرح إنجيل يوحنا. ترجمة د. نصحي عبد الشهيد. المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية الجزء السابع أكتوبر 2007 ص53ـ54
64 يو14: 10.
65 يو3: 33.
66 عد16: 21-48.
67 عب9: 11-12.
68 رو5: 14.
69 إش5: 14س.
70 فى2: 7.
71 عد16: 48.
72 أف2: 14.
73 رو5: 1.
[38] حرفيًا تأتى من كلمة بيت أي نشعر إننا معه في بيته .
75 انظر أف2: 15.
76 انظر رو1: 25.
77 انظر أف2: 18.
78 فى2: 5-7.
[43] يشير إلى انفراج الساقين عند المسير، فالساقين يظهران عند المشي، منفرجتين وهما في وحدة السير معًا… (المترجم).
80 تُعبّر هذه الفقرة باختصار، عن التعاليم الخريستولوجية التي علّم بها ودافع عنها ق. كيرلس ضد نسطور وأتباعه، الذين حاولوا التعليم بوجود شخصين وابنين منفصلّين، ولقد أدان مجمع أفسس سنة 431م نسطور وتعاليمه، وأقر ما علّم به بابا الأسكندرية. انظر رسائل ق. كيرلس إلى نسطور ويوحنا الأنطاكي. ترجمة المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية. ومن الجدير بالذكر أن الكنيسة تضع هذه الصيغة المختصرة للإيمان في نص الاعتراف الأخير في القداس الإلهي الذي يردده الكاهن بقوله: آمين آمين آمين… ألخ.
81 رو8: 29.
طبيعة متوسطة بين الله والبشر – الحوار الأول ج3 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري
قانون إيمان مجمع نيقية – الحوار الأول ج2 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري
قانون إيمان مجمع نيقية – الحوار الأول ج2 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري
الحوار الأول
الابن أزلي مع الله الآب ومساوٍ له في الجوهر
قانون إيمان مجمع نيقية واصطلاح “`ομοούσιος” أي ”المساوى فى الجوهر”:
كيرلس: أشعر أن كلامك قد شجّعنى وأضرم فىَّ رغبة شديدة للعمل.. هيّا بنا.. ولكن دعنا نبدأ بعرض الإيمان كما حدّده بدقة وعرضه بكل وضوح المجمع المقدّس والمشهور الذى انعقد فى الوقت المناسب في مدينة نيقيا وسنفحص، إذا أردت، بكل وضوح ما هو الأمر الذي يبدو وكأنه راسخ بالنسبة لأولئك الذين يفضلّون أن يكون لهم أيمان مختلف، لأن من يقول إن الإيمان الذي قد تحدّد وعُرِضَ بشكل فائق وبحسب مشيئة الله في هذا المجمع المقدس العظيم، هو أساس وقاعدة ثابتة تسند نفوسنا، هو شخص يتكلّم بالصواب ويُمتدح من المسيح وهو شديد الإيمان وعابد حقيقي.
دعنا نذكر الإنجاز العظيم لهذا المجمع، وهو قانون الإيمان الذى قدّم لنا مفاهيمًا إيمانية صادقة، وهكذا فإن الذين ينتقدوننا لن يجدوا فى النهاية أى دافع يثير شوقهم لأن يتكلّموا ضدنا، وكأننا نتبع عقائد غريبة تاركين الطريق الملوكى لكى نتلّفت يسارًا ويمينًا حسب شهوتنا الخاصة. وهذا حسب رأيى يعبّر عن مرض عقلّى ليس من السهل الشفاء منه، لأن الحكمة التى بلا فحص هى عرضة للانحراف، كما هو مكتوب.
“نؤمن بإله واحد، الأب ضابط الكل، خالق كل ما يرى وما لا يرى. وبرب واحد يسوع المسيح، ابن الله الوحيد المولود من الآب أى من جوهره، إله حق من إله حق. مولود غير مخلوق واحد مع الآب فى الجوهر[2]الذى به كان كل شئ ما فى السموات وما على الأرض؛ الذى لأجلنا نحن البشر ولأجل خلاصنا نزل وتجسد وتأنس وتألم وقبر وقام فى اليوم الثالث وصعد إلى السموات. وسيأتى ليدين الأحياء والأموات. وبالروح القدس”.
“والذين يقولون إنه كان هناك وقت، لم يكن فيه الابن موجودًا وأنه قَبْل ولادته لم يكن موجودًا أو أنه صار من العدم، أو أن الابن من جوهر أو أقنوم آخر، أو أنه مخلوق، أو أنه تعرّض للتغّير والتحوّل، هؤلاء جميعًا تحرمهم الكنيسة الجامعة الرسولية”[3].
إرميـــا: يا للحذق الذى بلا عيب وما يؤدي إليه من سمو. إن كل من نطق بمثل هذه الكلمات يستحق أن يُدعى ابن الرعد[4] لأنه نطق بشيء رائع وفائق.
كيرلس: إذن فرؤيتى للأمور صائبة وقد بذلت ما فى وسعى وأشعر أن الواجبـ الذى ألقىّ على عاتقى وقَبِلَته بكل سرورـ هو أن نحفظ ما كشفه الروح لنا وأنت تعلّم ذلك جيدًا.
إرميـــا: هذا الكلام صحيح جدًا ولكن بالمقابل يجب أن نقنع الناس أن يفكروا بنفس الطريقة، فهم مثل العجول المسمّنة التى تنحرَف عن القطيع كله فهؤلاء قد إمتلأوا من السفاهة وصاروا يندفعون بطياشة إلى كل ما يوافق رغباتهم. ولكي يصلوا إلى ذلك فهم يتركون المرعى الخصيب الذي يحوى أفضل وأكمل طعام، لينخرطوا في أحاديث حمقاء لمعلّمين كذبة[5]، تدمي كأشواك. وهذا هو الذي جعل الحكمة نفسها تقول في حزن شديد عن هؤلاء: “التَّارِكِينَ سُبُلَ الاسْتِقَامَةِ لِلسُّلُوكِ فِي مَسَالِكِ الظُّلْمَةِ، الْفَرِحِينَ بِفَعْلِ السُّوءِ، الْمُبْتَهِجِينَ بِأَكَاذِيبِ الشَّرِّ، الَّذِينَ طُرُقُهُمْ مُعْوَجَّةٌ، وَهُمْ مُلْتَوُونَ فِي سُبُلِهِمْ“[6].
كيرلس: لقد حكمت بالصواب ويجب أن نبكى على هؤلاء قائلين مع النبي “يا ليت رأسي ماء وعيناي ينبوع دموع لأبكى ليلاً نهارًا على شعبي”[7]. وكيف لا نبكى نهارًا وليلاً على ذلك الذي يكون أمامه فرصة اختيار معرفة الحق وينحرف إلى معرفة الضلال وإلى الآراء الفاسدة والكاذبة؟ وعن مثل هؤلاء أيضًا قال أحد تلاميذ المخلّص القديسين: “مِنَّا خَرَجُوا، لكِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مِنَّا، لأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا مِنَّا لَبَقُوا مَعَنَا“[8]. ثم ماذا يمكن أن يكون لديهم من اعتراضات على هذا الإيمان أو الاعتراف بالإيمان الأرثوذكسي والدقيق والذي لا يملك إنسان أن يعّدله بأي شكل؟
إرميـــا: نعم إنهم يقولون إننا قد أدخلنا كلمة “هوموأوسيوس” (الواحد في الجوهر) وهى كلمة غير واردة في الكتب المقّدسة وأنها شيء جديد وغير كتابي.
كيرلس: هذا كلام خالى من المعنى، يا صديقى، لأن كلمة “هوموأوسيوس” يجب أن لا تسبب قلقًا ما دامت تحمل معنىً صحيحًا، أم أنك أنت أيضًا لا تقبل حقيقة ما أقول؟
إرميــــا: إننى أقبل.
كيرلس: إفحص إذن في كلمات وأوصاف أخرى تعوّدنا أن نطلقها على طبيعة الله ولا توجد في الكتب المقدسة والإلهية.
إرميــــا: أي كلمات تقصد ؟
كيرلس: حينما نَصِف الذات الإلهية بأنها غير مادية وغير مرئية وغير محدودة وغير ممكن قياسها، هل نحن نتكلّم بطريقه غير مناسبة؟ وحينما نصفها بأنها غير محدودة ولا تخضع لشيء، فهل يتهمّنا أحد أننا نتكلّم بدون فائدة رغم أننا نقدّم الرأى السليم؟
إرميــــا: هذا مجرد لغو بكل تأكيد.
كيرلس: لماذا إذن يُظهِرون أنفسهم كأناس بلا وعى ويُهاجمون مصطلح “هوموأوسيوس” كأطفال صغار مُدّعين أن هذا التعبير غريب وهو المليء بالمعاني الحكيمة القيّمة؟ ورغم أن المعنى الحقيقي معروف ومعتّرف به على الأقل من قِبَل الذين فحصوا بعمق الأمور الإلهية وترّبوا فى الأسرار؛ إلاّ أننا نقول إن معنى “الهوموأوسيوس” حسب رأينا هو: إن الابن وُلِدَ من نفس طبيعة الله الآب، وبذلك يكون الابن ليس من جنس آخر كما يريد أولئك الناس، ولا هو غريب عن الذي وَلدَه ولكنه مساوي له فى الجوهر وله نفس خواصه وطبيعته. ولن أخجل أبدًا من استخدام أي كلمة تستطيع أن تشارك في إظهار الجمال والحق. ونحن نعلم أن الله هو فوق كل جنس. ولكن إذا قرّرنا التخلّي عن البحث عن الوسائل التي تقودنا إلى المعرفةـ وهى معرفة محدودة بكل تأكيدـ أي معرفة الجوهر الذي يفوق كل عقل، فسوف نصير غير صادقين وجَهَلَة ولن نتعلّم أبدًا عن الله الحقيقى وطبيعته .. وسنصير “مُضْطَرِبِينَ وَمَحْمُولِينَ بِكُلِّ رِيحِ“[9] حسب المكتوب. وحينما نصبح مذعورين ورافضين للرؤية حتى “فِي مِرْآةٍ، فِي لُغْزٍ“[10]، ورافضين للمعرفة “جزئيًا” فسنصير كلنا مثل الحجارة الصماء والتى بلا شعور، مثلما قال أحد شعراء اليونان “مثل أناس بطالين وهم عبء على الأرض ..”[11].
إرميــــا: ولكن هذا لا يلغى السؤال: أين يذكر الكتاب المقدس تعبير “هوموأوسيوس”؟
كيرلس: إنك تُجبرنا يا صديقي أن نكرّر ما سبق وقلناه: أين وصَفَت الكتب المقدّسة إله الكون بأنه “غير الجسدي”، “غير الموصوف” و”غير المحدود” و”غير الخاضع لأحد”؟![12] ورغم ذلك فهو كل هذا بالطبيعة سواء أراد هؤلاء أم لم يريدوا؟
وإذا كنا قد وضعنا فى قلوبنا أن نُفكر بطريقة مستقيمة فلا يحق لنا أن نرفض التعبيرات التى تساعدنا على معرفة الحقيقة. ألا يوافقون أن الله قد قال لموسى القديس، وقوله حق: “أَهْيَهِ الَّذِي أَهْيَهْ. وَقَالَ: هكَذَا تَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: أَهْيَهْ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ. وَقَالَ اللهُ أَيْضًا لِمُوسَى: هكَذَا تَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: يَهْوَهْ إِلهُ آبَائِكُمْ، إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلهُ إِسْحَاقَ وَإِلهُ يَعْقُوبَ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ. هذَا اسْمِي إِلَى الأَبَدِ وَهذَا ذِكْرِي إِلَى دَوْرٍ فَدَوْرٍ“[13]، ولكنى أعتقد أنهم لن يتركوا أنفسهم لكى يصلوا إلى مثل هذه الحماقة، ويعتقدون أن الله ليس هو يهوه. لأنه بالحقيقة هو “الكائن” وهذه التسميّة لا تناسب غيره، حتى ولو بسبب استعمال اللغة أُطلق الاسم على غيره. وبنفس المنطق نحت أسلافنا[14] تعبير “هوموأوسيوس” الذى هو أصدق تعبير على الإطلاق. وحينما يقول أحد إن الابن مساوٍ للأب فى الجوهر فإنه لا يرتكب حسب رأينا أى خطأ، ولا يُعتبر مُبتدعًا، ولا يفرض أسماء على الألوهة بدون داعٍ. ولكنه يستخدم هنا كلمة، أستطيع أن أقول بلا تردد إن جذورها الأولى توجد فى الأسفار الموحى بها. وهكذا فالاشتقاقات التى تخرج من الكلمة ليست بلا أصل، ولكن جذورها كامنة منذ البدء.
فإذا خرج علينا من يقول إن تعبير “هوموأوسيوس” مخالف لتقاليدنا المقدّسة، فقد جانبه الصواب ويخطئ فى فهم اشتقاقات الكلمة فى تسلسلها الطبيعى. فالجوهر والمساواة فى الجوهر هما من الكائن. وبسبب أنهم جهلاء للغاية فهم يحرموننا من الكلمات الأخرى والتى هى معطاة لنا لكى نستطيع أن نتسامى للتأمل فى الإلهيات كما تستوعبها أذهاننا، وليكن ذلك مبدئيا كما “فى مرآة فى لغز”.
إرميـا: هل لديك اعتراض إن فضّلوا تعبير “مشابه في الجوهر” على تعبير “مساوٍ في الجوهر” [15].
كيرلس: كلامهم هذا غير مستقيم يا صديقي العزيز، فَهُم يُناقضون أنفسهم بعد أن بذلوا جهدًا كبيرًا لإثبات أن التعبير غير كتابي. فإما أن الابن مساوٍ للأب في الجوهر أو أنه لا شئ. وإذا أرادوا أن يقولوا “مشابه في الجوهر” حسب ما يستحسنون فإن عبارة “مساوٍ في الجوهر” هي أساس كل شئ عندنا. وكيف يُفسرون موقفهم بعد أن احتقروا العبارة ووصفوها بأنها كلمة غير صائبة وغير متفقة مع الأسفار المقدسة، ورفضوا أن يقبلوا أي خطاب يحمل ما يشير إلى هذا التعبير، ثم يعودون ويقبلونها ويضعونها في مصاف الألفاظ القيّمة وبافتراض أننا سمحنا لهم باستعمال عبارة أن الابن مشابه للأب في الجوهر، فماذا سيكون موقفهم في نظرك؟
كيرلس: الأمر لا يحتمل أكثر من ذلك يا عزيزي، فإن اللغو الكثير والتعاليم الفاسدة التى يُلقنها لهم معلّموهم قد جعلتهم يتصرّفون كالصبية، وذلك بمحاولتهم قطع كل صلة وشركة طبيعية بين الآب والابن، وكأنهم أشفقوا عليه فسمحوا له أن يكون مشابهًا الآب وهكذا لا نرى الفرق بين الابن الوحيد وباقي الناس المخلوقين على صورة الله والذين يظهر فيهم بعض هذا الجمال الإلهي.
إرميــــا: ماذا تقصد من وراء ذلك؟
كيرلس: ألم تسمع أيها العزيز وصيّة المسيح الواضحة “فَكُونُوا رُحَمَاءَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمْ أَيْضاً رَحِيمٌ“[16].
إرميــــا: نعم.
كيرلس: ألا تدرك أن هذه الصفة الإلهية تُطبع فينا، وبذلك تُشكّل طريقة حياتنا بممارستنا للصلاح؟ فالصلاح فائق بحسب ما يليق بجوهر الله، ورغم ذلك فنحن نستطيع أن نصير صالحين بالاقتداء به، وذلك بفضل طريقة حياتنا، بشرط أن نختار بإشتياق وامتداد للأمام كل ما يستحق الاقتداء به. ولأننا نتمتّع بذهن صافٍ ورؤيةٍ صائبةٍ فلا يمكن أن ندّعى أننا لكى تنطبع طريقة الحياة الإلهية فى نفوسنا، لابد لنا أن نكون مشابهين لله فى الجوهر، فهذه المشابهة تقودنا إلى أن نصير مساويين له في كل صفاته، حاشا!. لأن ذلك سيقودنا إلى أن نعطى ذواتنا ذات المقام الإلهى بدون أى اختلاف بيننا وبينه، على اعتبار إننا خُلِقنا على صورته كشبهه.
وهنا يجب التنّويه بأنه رغم أننا خُلقنا على صورته ومثاله إلاّ أن الفارق بين الله والإنسان فارق شاسع.. فالله بسيط فى طبيعته وغير مرّكب بينما نحن نملك طبيعة مركبّة، إذ أن طبيعتنا البشرية مكونة من أجزاء متعددة. ونحن من التراب فيما يخص الجسد وهذا يعنى أننا معرّضون للفساد والزوال مثل الأعشاب. بينما الله فوق كل ذلك، والنفس الإنسانية عرضة لتقلبات كثيرة من الصالح إلى الطالح ومن الطالح إلى الصالح، ولكن الله هو هو دائمًا، صالح إلى الأبد ولا يتّحول ولا يتغّير من حال إلى حال. وعدم تغّير الله ليس صفة عرضّية بل يرجع إلى جوهره. وهكذا أصبح من الواضح أن البشر الذين أتوا إلى الوجود من العدم لا يتشابهون مع الله حسب الطبيعة، بل يمكن أن يتشابهوا معه في نوعية الحياة الجديدة والسلوك المستقيم[17].
إرميـــا: إن حديثنا يسير في الطريق السليم وذلك لأنه رغم سقوطنا، إلاّ أنه لا نحن ولا الملائكة الذين سقطوا، لم ننحرف كليّة عن طبيعتنا ولم ننحدر إلى العدم الكلىّ، رغم عدم اقتنائنا للفضيلة، ولقد فقدنا القدرة على المعرفة الصحيحة وفن الحياة وذلك بسبب ميلنا للشر، ولكن المسيح جاء ودعانا إلى أن نتشّكل من جديد حسب الصورة الأولى بكل بهائها. ولا نقول أبدًا إن الوصول إلى هذا المجد يعنى أن الطبيعة البشرّية تصير طبيعة أخرى، ولكن الأمر يتعلّق باختيار الإرادة في أن يتغيّر الإنسان من حياة شريرة إلى حياة مقدّسة في القول والفعل.
كيرلس: يبدو لي أن الأمر واضح يا صديقي إرميا فإن صفات الله تضئ في صورتنا لأننا اخترنا بملء حريتنا أن نسير في الصلاح، ولكننا، وكما ذكرت ذلك أنت نفسك، لسنا واحدًا مع الله في الجوهر، لأنه لو صح ذلك كما يدّعون، فما الذي يمنعنا أن نكون من نفس طبيعة خالقنا؟ وذلك لأن الكائنات التي تتشابه فيما بينها لابد أن تكون طبيعتها واحدة. ألا يتشابه الملاك مع ملاك آخر في طبيعته؟! وألا يتشابه الإنسان مع إنسان آخر فى نفس الطبيعة؟!
إرميـــا: نعم إنه كذلك.
كيرلس: وهكذا كما ترى، فرغم أن تعبير “هوموأوسيوس” (الواحد في الجوهر) يُعبّر وبشكل رائع عن تطابق الطبيعة، فإن هؤلاء الذين لا يفكرّون بشكل مستقيم يرفضونه على أنه شئ من اختراعنا وذلك لكي يتمسّكوا برأيهم هم وأقصد بذلك “المشابه في الجوهر”[18]، وهم بذلك يُلبسون اللوغوس رداءً دنيويًا. فهم يتظاهرون أنهم يرفضون الحطّ من قيمة الابن، ويدعونه الله وابن ومخلّص وفادى وهم على قناعة تامة ـ قناعة جاءتهم من تمحكات حكمة هذا الدهرـ أن الابن ليس ابنًا بالطبيعة ولا هو إله حق. هؤلاء التعساء يضعونه في عداد المشابهين لله وهم لا يتورّعون عن وضع خالق الكون في مصاف المخلوقات، ويدّعون أنه ليس من نفس الجوهر بل أنه من طبيعة مشابهة. ولهذا السبب يحق لنا أن نطلب منهم أن يرفضوا هذه المصطلح الغريب والشاذ وذلك لكي نستطيع أن نتكلّم، إذا أرادوا، عن تشبّهنا به[19]، وأعتقد أن هذا سوف يزعجهم. وعلى كل حال فمن السهل أن نفهم نواياهم حتى لو لم يقولوا ذلك، وكيف أنهم يرفضون تعبير “هوموأوسيوس” ليس لأنه تعبير غير كتابى كما يعتقدون ويؤكدون مرارًا و تكرارًا، ولكنهم يرفضونه لأنه يُعبّر عن الحق، وذلك لأنه يُظهر بوضوح أن الابن ليس من طبيعة مختلفة عن طبيعة الآب بل هو من نفس طبيعته.
إرميـــا: هذا شيء رائع حقًا.
كيرلس: إنني أعتقد أن هؤلاء المحاربين لله عن سبق إصرار، يتناسون قول المخلّص الذي يؤكد فيه أنه من طبيعة الله الآب بدون انفصال وأنه لم يأتِ إلى الوجود زمنيًا: “أَنْتُمْ مِنْ هذَا الْعَالَمِ، أَمَّا أَنَا فَلَسْتُ مِنْ هذَا الْعَالَمِ“ وأيضًا “أَنْتُمْ مِنْ أَسْفَلُ، أَمَّا أَنَا فَمِنْ فَوْقُ“[20]. والحكيم يوحنا يكتب عن الابن قائلاً: “اَلَّذِي يَأْتِي مِنْ فَوْقُ هُوَ فَوْقَ الْجَمِيعِ“[21]. ماذا يعنى تعبير “مِنْ فَوْقُ“ إلاّ أنه من الطبيعة الفائقة جدًا والتي تعلو على كل الكائنات؟ وماذا يعنى “لَسْتُ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ“ إلاّ أنه مختلف تمامًا ولا ينتمي إلى أي كائن خاضع للتغيّر ـ إنه حالة فريدة ـ إذ أن الله هو أبوه.
16 هنا يعرض ق. كيرلس النص الذي أقره الآباء في مجمع نيقية سنة 325م، والملاحظ أن المجمع الثاني في القسطنطينية قد تبَني هذا النص مع بَعض التعديلات وأضاف الجزء الخاص بإلوهية الروح القدس، وهكذا استقرت صياغة قانون الإيمان على النحو الذي نتلوه الآن.
[2] هذه العبارة هي ترجمة للكلمة اليونانية المركبة “هوموأوسيوس “`ομοούσιος” وهي من مقطعين وهي تعنى من جوهر الآب ذاته أو مساوى للآب فى الجوهر أو واحد مع الآب فى الجوهر.
18 هذه الفقرة وردت أيضًا في قرارات المجمع بعد إقرار الإيمان الذي أجمعت عليه الكنيسة، وهذه الفقرة تشير إلى ما كان يعلّم به آريوس الهرطوقي.
19 مر3: 17.
20 ويقصد أتباع الآريوسيين الذين أنكروا ألوهية الابن المتجسّد، والملاحظ أن وصفهم بأنهم كذبة هو نفس الوصف الذي أعطاه ق. يوحنا لمن أنكروا أن يسوع هو المسيح (انظر: 1يو2: 22).
21 أم2: 13-15.
22 إر9: 1س.
23 1يو2: 19. يقارن هنا ق. كيرلس بين الآريوسيين وتعاليم هؤلاء الهراطقة الذين يتكلّم عنهم ق. يوحنا في رسالته ويصفهم بهذا الوصف إذ أنهم أيضًا أنكروا الابن: 1يو2: 23.
24 أف4: 14.
25 1كو13: 12.
26 هوميروس: الإلياذة 43: 104 . استخدام ق. كيرلس ـ مثل غيرة من الآباء ـ لبعض أفكار الفلاسفة اليونانيين، يعكس سعه اطلاعهم وثقافتهم الواسعة. والجدير بالذكر أن الفلسفة اليونانية كانت من بين المواد التي تدرّس في مدرسة الإسكندرية اللاهوتية بجانب العلوم الرياضية والموسيقية والفنية… الخ.
27 تُستخدم هذه الصفات فيما يُسمىَّ بعلم اللاهوت السلبي Apophatic theology بمعنى وصف الله بما ليس هو، وهي صفات شائعة في كتابات كثير من آباء الكنيسة بالرغم من أنها لم ترد في نصوص الكتاب المقدس، فنجدها مثلاً في كتابات ق. غريغوريوس اللاهوتي، ففي القداس المعروف باسمه يتوجه بالصلاة إلى قنوم الابن فيصفه بأنه “غير المرئي، غير المحوَى، غير المبتدئ، غير الزمني، غير المفحوص، غير المستحيل”. انظر: الخولاجي المقدّس، طبعه دير البراموس: 2002 ص325.
28 خر3: 14-15.
[14] نلاحظ إشارة ق. كيرلس إلى “أسلافنا” άρχιότεροι أى الأقدم منّا وهذا يشير إلى معنى الإيمان المسلّم بواسطة الآباء الأقدمين.
[15] الفرق بين التعبيرين فى اليونانية هو (حرف i يوتا). مشابه فى الجوهر ÐmoioÚsioj، بينما مساوٍ فى الجوهر ÐmooÚsioj .
31 لو6: 36. يستخدم ق. كيرلس نفس هذه الآية وطريقة تفسيرها كما سبق إن استخدمها وشرحها ق. أثناسيوس في الدفاع عن إلوهية الابن المتجسد وإنه لا يشابه في طبيعته الإلهية أي من المخلوقات. انظر ق. أثناسيوس: المقالة الثالثة ضد الآريوسيين، فصل 10:25.
32 في سياق شرحه لقانون الإيمان يشددّ ق. كيرلس على العلاقة الوثيقة بين الإيمان والأعمال، فلابد إن تعكس أعمالنا، إيماننا القويم وأيضًا من الضرورى أن نعبّر عن إيماننا بأعمال وسلوك مستقيم= =فيقول: “لأن الإيمان الصحيح الذي لا يُسخر به بسبب ما له من بهجة التلازم مع الأعمال الصالحة، هو يملؤنا بكل صلاح ويُظهر أولئك الذين قد حصلوا على مجد متميزّ. وإن كان بهاء أعمالنا يبدو إنه لا يرتبط بالتعاليم الصحيحة والإيمان الذي بلا لوم، فإن هذه الأعمال لن تنفع نفس الإنسان، بحسب رأيي. فكما أن “الإيمان بدون أعمال ميت” يع2: 20، هكذا أيضًا نحن نقول إن العكس صحيح. وهكذا فليقترن الإيمان الذي بلاعيب ويشرق مع أمجاد الحياة المستقبلية وبذلك نصير كاملين… وأولئك الذين بسبب الجهل قد قللّوا من قيمة امتلاك الإيمان المستقيم ممجدين حياتهم بسبب أعمال الفضائل يشبهون أناسًا ذو ملامح حسنه في وجوههم ولكن نظرة عيونهم مصابه بتشويه وحَوَل”. رسائل ق. كيرلس: ترجمة د. موريس تاوضروس د. نصحي عبد الشهيد. المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية. يونيو 1997م، ج4، الرسالة رقم55، ص26 فقرة: 2، 3.
[18] القديس كيرلس يقول إن تعبير “المشابه فى الجوهر” وباليونانية `οmoioÚsioj هو تعبير يناسب المخلوقات ولا يناسب الابن لأن الابن غير مخلوق.
34 نحن نشبه الابن من حيث طبيعته البشريّة التي اتحد بها. فهو قد شابهنا في كل شيء ما عدا الخطية وحدها. أمَّا من جهة طبيعته الإلهية فنحن لا نشابهه فيها بالمرّة فهو الخالق ونحن بشر مخلوقين. وسبب انزعاج المقاومين، من القول بإننا نشبه الابن، هو التفسير السليم لهذا القول، لأنهم اعتقدوا أن الابن هو مثل بقية أبناء البشر بالتالي هو مخلوق.
35 يو8: 23.
36 يو3: 31.
قانون إيمان مجمع نيقية – الحوار الأول ج2 حول الثالوث – القديس كيرلس الاسكندري
كيرلس: نحن لم نرَ الأب الموقر إرميا لا بالأمس ولا أول أمس ولعله فضّل ألاّ يخرج إلى ساحة المدينة ومكث فى البيت، ربما دفعه الشتاء إلى عدم الخروج ولقد أحسن الصنع، والآن لقد خرج مع ظهور الطقس الجميل.
إرميـــا: حقًا قلت، فالشيخوخة دائمًا فترة حرجة والشيخ يتردّد كثيرًا قبل الخروج من البيت وخاصة حينما تكون السماء ممطرة.
كيرلس: نستطيع بكل محبة وصراحة أن نشبِّهك بسمك البحر فحينما تهب ريح شديدة تحرك الأمواج، تجتمع الأسماك معًا على هيئة سرب واحد في التجاويف التي في أعماق البحار، وتدخل فيها كما في غابة أو حرجة الأشجار، وتأكل من النبات الكثيف الذي تجده. ولكن بمجرد أن تشرق أشعة الشمس على المياه، وحينما ترى هذه الأشعة كإبتسامة على وجه البحر كله، تدخلها الشجاعة وتخرج على قمة الأمواج تاركة وراءها الخوف والتردد.
إرميــا: هذا هو ما يحدث لي تمامًا وهو لا يخفى عليك أيها الصديق العزيز.
كيرلس: وعلى حد علمى فأنت الآن بعيد عن ضجيج الناس والمشغوليات وذهنك فى حالة استجمام.
إرميــــا: وما الفائدة من ذلك؟
كيرلس: الفائدة عظيمة وتليق بالقديسين، وهل هناك حياة هادئة ومستقرة بدون ثمر؟
إرميــــا: إن نوعية الحياة أهم من طولها.
كيرلس: إن كلام الله في المزمور الذي ترتّله على القيثارة يثبت صحة ما تقول.
إرميــــا: عن أى مزمور تتكلّم؟
كيرلس:“كُفُّوا وَاعْلَمُوا أَنِّي أَنَا اللهُ“[2]. إن العيون الجسدية تبصر جيدًا الأشياء التي تَعبْر أمامها، إذا كانت خالية من العوائق مثل التراب والدخان وكل ما يشوّش الرؤية، ولكن إذا أصابتها الأوجاع فإنها لا تبصر بوضوح وتعوزها الرؤية الثاقبة للأمور وهذا ينطبق على فكر الإنسان. ففكر الإنسان المستقر والهادئ والبعيد عن التخيّلات غير النقيّة، تكون نظرته حادة ونافذة وسيتعرّف على الكائنات معرفة بدون خطأ. ولكن إذا تشوش بالأهواء[3] فإنه سيصير عاجزًا عن رؤية الجمال الإلهى وسوف يسكن وسط الأشياء الأرضية.
إرميــــا: بالصدق تتكلّم.
كيرلس: إذًا هل اختليت إلى نفسك فى وقت فراغك فى المنزل، تتذكّر (أيها الأب) إرميا، الصوت الإلهى؟ هل تقرأ كل يوم كتبًا مقدّسة؟ هل هناك غيرة تدفعك إلى طلب العلم؟ هل لديك حاسة مرهفة تسعى وراء ما يجب أن تتعلّمه؟ أم يجب علينا أن ننسب عدم رغبتك الشديدة للعمل إلى أنك لم تعد في سن الشباب، إلاّ إذا كان لديك سبب آخر غير حقيقي؟ وسأذهب إلى حد أن أتجرأ وأجرح مشاعرك بقولي إن الإنسان المسن يميل إلى عدم قول الصدق وهو يبحث عمن يقبل إسرافه في الأمور التي يريدها وعمن يثق بكلامه.
إرميــــا: سأستطيع أن أقول الكثير والكثير عن مرض الجسد لأن شمس حياتنا الأرضية بدأت فى الغروب، ولكنى سأدخل فى لب الموضوع تاركًا هذه الشكوى (من الأمراض) لوقت مناسب. لأن ذهنى يشتاق للمعرفة ولا يطلب شيئًا غيرها. وحالتى تشبه المُهر[4] الأصيل والسريع فى العدو، فكلما أراد أن يُظهر مهارته فى العدو، يجد نفسه رغمًا عنه، بسبب الأرض غير المهيأة للعدو، يقدّم عرضًا ناقصًا لا يتناسب مع قوته. وهكذا أشعر بنفس الشىء. فكلّما تدفعنى غيرتى على أن أكرّس وقتى لدراسة الأسفار المقدّسة، أجد نفسى أمام صعوبات بلا مخرج، والتغلّب على هذه الصعوبات ليس بالأمر المتاح لكل إنسان. وهكذا كما ترى فإن الصعوبات القائمة تدفعنى إلى التردّد، وأنا أزداد ترددًا بالأكثر أمام كل ما يخص الإيمان الذى هو أساس الرجاء الذى فينا.
كيرلس: سأقول لك إنك تتكلّم الحق، وذلك لأن اقتناء العطايا الصالحة النازلة من فوق، من الله، ليس بالأمر الذى يتم بدون معاناة، وهذا الأمر واضح للجميع وذلك لأن الأمور الفائقة وتلك التي عظمتها هى في السماء ليس بالأمر المتاح لكل من يُظهر مجرد الاشتياق لكنها تقتنى بالجهد وهى أمور صعبة المنال إذ هى مليئة بالصعوبات والتعب.
إرميـــا: إذن، ماذا يمكن أن يفعله أولئك الذين يرغبون بغيرة صادقة أن يكتشفوا كل هذه العطايا وخاصة أنه حسب قولكم، ليس بالأمر السهل؟
كيرلس: ليس أمامهم إلاّ أن يطيعوا أقوال القديسين الذين صرخوا عاليًا “وَإِنَّمَا إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ تُعْوِزُهُ حِكْمَةٌ فَلْيَطْلُبْ مِنَ اللَّهِ الَّذِي يُعْطِي الْجَمِيعَ بِسَخَاءٍ وَلاَ يُعَيِّرُ، فَسَيُعْطَى لَهُ“[5].
وبكل تأكيد فالنور الإلهى الروحانى سوف ينير لمن لا نور له، والحكمة سوف تجعل من لا حكمة له، حكيمًا، ومن ينقصه الوعى، أكثر وعيًا. والنور والحكمة هما المسيح “الَّذِي أَشْرَقَ فِي قُلُوبِنَا، لإِنَارَةِ مَعْرِفَةِ مَجْدِ اللهِ“[6] لأنه حسب قول المغبوط بولس فإن الله الآب “أَنْقَذَنَا مِنْ سُلْطَانِ الظُّلْمَةِ، وَنَقَلَنَا إِلَى مَلَكُوتِ ابْنِ مَحَبَّتِهِ“[7]، ولقد سمى أحد القديسين هذا النور بزوغ النهار وكوكب الصبح حينما قال “إِلَى أَنْ يَنْفَجِرَ النَّهَارُ، وَيَطْلَعَ كَوْكَبُ الصُّبْحِ فِي قُلُوبِكُمْ“[8] وهو يعنىـ حسب اعتقادى ـ بانفجار النهار وطلوع كوكب الصبح، الاستنارة فى الروح بالمسيح.
إرميــا: لا يوجد أحد يشك فى أن المسيح هو النور وهو النهار وهو كوكب الصبح، وخاصة هؤلاء الداخلين ليصيروا مختارين بالإيمان (الموعوظين). وإذا سألناك أن تشرح لنا عقيدة الإيمان بطريقة مبسطّة وسهلة الفهم، هل ستوافق أم سترفض وتعطى الفرصة للمتشككين لكى يفتخروا على شيخوختى؟ ويجب ألاّ نعطى أى اهتمام للآراء الباطلة التى يروجها بعض الناس والتى يهدفون من ورائها إلى تزّييف الحق الإلهى وتحويله حسب خيالاتهم، ويتجولون كسرب من النحل يجول فى المدن والقرى محدثًا طنينًا كثيرًا “يَتَكَلَّمُونَ بِرُؤْيَا قَلْبِهِمْ لاَ عَنْ فَمِ الرَّبِّ“[9].
كيرلس: كم تعجبنى فيك هذه المحبة الإلهية التى لا نظير لها ولذلك أرجوك ألاّ تتخلى أبدًا عن هذه الاستقامة فى الرأى وهى الجديرة حقًا بالإعجاب. ومن يستحق غيرك أيها الصديق فى أن يستمتع بالمحبة الإلهية؟! ولست أدّعى أننى سأقول شيئًا أفضل من الذى قاله أسلافنا أو أنى سوف أسبر غور الأمور الروحية بشكل أحسن، لأننا نجد كفايتنا فيما كتبه الآباء القديسون، لأن من يقرر أن يتعّرف بحكمة على الآباء و يستعمل كتاباتهم بالحرص الواجب فسوف يسكن النور الإلهى فى عقله، لأنه حسب كلام المخلّص “لأَنْ لَسْتُمْ أَنْتُمُ الْمُتَكَلِّمِينَ بَلْ رُوحُ أَبِيكُمُ الَّذِي يَتَكَلَّمُ فِيكُمْ“[10]. وذلك لأن “كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ اللهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّوْبِيخِ“[11]، أليس كذلك يا صديقى؟
إرميـــا: نعم ما تقوله صحيح. و لكن إذا أصابك التردّد ولم يكن لديك رغبة في التعاون معنا، أي إذا أغلقت فمك فسوف نصاب نحن بالشلل، وأخشى ما أخشاه أن يصير قولك إن الآباء قد كلّمونا بطريقة كافية ومُرضِية مجرّد حجة، لكى تمتنع عن أن تكلّم الذين يشتاقون إلى الاستماع إليك حول موضوعات الإيمان. وأنا بدوري لن أمدحك أبدًا على هذا المسلك، وألزمك أن تجيب على أسئلتى.
كيرلس: حول أى موضوع تريد سؤالى أيها النبيل؟ ولا تحاول الضغط بشدة على ذكائى المتواضع.
إرميـــا: إن هدفى ليس هو الضغط عليك وإن كان يجب أن أفعل اكثر من ذلك، في تلك الأمور التي أرى إنه من الضروري أن أسألك فيها.
كيرلس: اطرح أسئلتك الآن إذا كنت تعتقد إنك يجب أن تفعل ذلك.
إرميـــا: إذا أراد أحدنا أن يرعى الخراف والماعز فى الريف ألا تعتقد أنه يحتاج إلى عصا الراعى ومجموعة من الكلاب المدرّبة، لكى من ناحية يحمى نفسه فى حالة إذا ما هجم عليهم وحش مفترس، ومن ناحية أخرى فإن نباح الكلاب يحمى القطيع؟
كيرلس: هذا صحيح .
إرميــا: فإذا قام الراعىـ بمرور الزمنـ بإحضار كلاب أخرى محل الكلاب التى ماتت، هل تعتبر أن سهر ونباح الجيل الثانى من الكلاب ليس له فائدة لأن الجيل السابق من الكلاب كان شجاعًا ومتفوقًا؟!
كيرلس: وكيف نجرؤ على القول بأن شيئًا نافعًا لا فائدة له؟
إرميــا: أظن أنك تنسحب لكى تبقى بلا لوم وتتركنى أمام كتابات الآباء فقط، موحيًا بذلك أننا لا يجب أن نبذل جهدًا مثلهم، وأن لا نجاهد مسنودين بمحبة الله، بينما الهراطقة الأشرار المتوحشون يفترسون النفوس البسيطة بدون أن يقف أمامهم عائق ولا مانع.
حوار حول الثالوث ج3 (الحوار الرابع) – القديس كيرلس الاسكندري
حوار حول الثالوث ج3 (الحوار الرابع) – القديس كيرلس الاسكندري
الحوار الرابع
في أن الابن غير مخلوق وغير مصنوع
براهين ثبتت الولاده حسب الطبيعة للابن وحيد الجنس:
كيرلس: فإن كان هو الله، وقد وُلِدَ بطريقة لا تُوصف من الله الآب فهل من الممكن لشخص ما ألاّ يَضَعْهُ في مرتبة الابن حسب الطبيعة، بل يدعوه مخلوقًا أو مصنوعًا ولا يُحكم على هذا الشخص بعقوبة من اعتادوا أن يعوقوا مجد الله؟ في الوقت الذي تقول فيه الكتب المقدسة المُوحى بها أن “كُلُّ مَنْ سَبَّ إِلَهَهُ يَحْمِلُ خَطِيَّتَهُ. وَمَنْ جَدَّفَ عَلَى اسْمِ الرَّبِّ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ. يَرْجُمُهُ كُلُّ الْجَمَاعَةِ رَجْماً. الْغَرِيبُ كَالْوَطَنِيِّ عِنْدَمَا يُجَدِّفُ عَلَى الاسْمِ يُقْتَلُ.“[1].
إرميا: إني أعتقد أنه لن يقدر أن يهرب من تلك العقوبة التي يستحقها.
كيرلس: وبالتالي فمن الأفضل جداً يا إرميا ألاّ نعتاد أن نرتعب من لغو الآخرين لأنهم يَعرضون علينا فكراً لا قيمة له، بل أن يكون لنا قانون إيمان يتفق وأقوال الآباء مُعلّمي اللاهوت. لأنه يليق بنا وليس بآخرين، وبالحري بهؤلاء الآباء أن نصفهم ونقول “لأَنْ لَسْتُمْ أَنْتُمُ الْمُتَكَلِّمِينَ بَلْ رُوحُ أَبِيكُمُ الَّذِي يَتَكَلَّمُ فِيكُمْ.“[2].
إرميا: بالصواب تتكلّم.
كيرلس: إذن لقد تَعلّم هؤلاء (الآباء) ألاّ يَسجدوا للابن الوحيد كلمة
الله على أنه مخلوق- بمعنى أنه قد خُلِقَ- لكنهم يَشهدون أنه هو ثمرة جوهر الأب، وهو كائن معه أزليًا ويُسمّونه ابن الله الحقيقي وأيضًا الحياة الأبدية. والواقع أن يوحنا اللاهوتي يقول “وَنَعْلَمُ أَنَّ ابْنَ اللهِ قَدْ جَاءَ وَأَعْطَانَا بَصِيرَة ًلِنَعْرِفَ الْحَقَّ. وَنَحْنُ فِي الْحَقِّ فِي ابْنِهِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ. هَذَا هُوَ الإِلَهُ الْحَقُّ وَالْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ.“[3]. لكن يا صديقي، لو أن الابن مع كونه الإله الحقيقي والحياة الأبدية كان أيضًا مخلوقًا ومصنوعًا في الوقت الذي لم ينفصل عن الطبيعة الممّجده، فهل لا يكون هذا سببًا لأن تُلصق نفس هذه التهمة بجوهر الآب لأن لا شيء يمكن أن يَمنعُ هذا الإتهام؟
إرميا: وبأي طريقة.
كيرلس: ألا يُسمي هو أيضًا إله حقيقي وهل لا يُحيي كل الأشياء طالما أنه بطبيعته هو الحياة؟ لأنه حسبما يقول لنا مُتكلّم حكيم “لأَنَّنَا بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ“[4].
إرميا: نعم، كلامك حق.
كيرلس: لو صح هذا القول فإن الإتهام غير اللائق سيمس الآب أيضًا. وسَيُدعي بأنه مخلوق، لأنه هكذا لن يوجد شيء يمنع الآب من أن يُحسب ضمن المخلوقات طالما أن الإلوهة الحقيقية تأثرت بكون الابن (حسب قولهم) من ضمن المخلوقات، ولا أيضًا يوجد شيء يمنع الحياة الأبدية، ولا أعرف كيف، من أن تَكُف عن أن تكون حياه، بل تكون مختلِطة بالمخلوقات الأخرى مثلما لو كانت مضطرة أن تكون مرتبطة بزمن محددّ، لأن كل ما هو مخلوق ليس هو خارج الزمن أو أعظم من الزمن.
أرميا: إن كلامهم هذا، الخالي من كل تقوى، هو أمر رهيب جداً.
كيرلس: غير أنه أمر سهل أن تتجنّب هذا الكلام لأنه يمكن لهؤلاء الذين يرغبون أن يبتعدوا بسهولة ويطردوا عنهم كلام المعارضين المُفسد والمُهلك، أن يثقوا بكل تقوي في الغلبة باستخدام أقوال القديسين. لأن الآباء الرُسل لم يكرزوا إطلاقًا بأن الله هو خالق للابن الوحيد بل أنه هو الآب الذي وَلدَه. وهؤلاء الآباء هم الذي كانوا نورًا للعالم وقد استمدوا نورهم من ذلك الذي له نفس طبيعة الله الآب، أعني أنهم استمدوا نورهم من المسيح وذلك لأنه قال لهم مرّة “أَنْتُمْ نُورُ الْعَالَمِ“[5]. وقد جعلهم مُعلّمين ثابتين وحقيقيين لأنه قال لهم “فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآبِ وَالاِبْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ.”[6] فحيث يكون الآب الحقيقي والولادة، وبالطبع الابن الذي لم يكن ابنًا بالتبني لكن ابنًا من أبيه حسب الطبيعة، هل يمكن أن يكون هناك مكانًا لتخاريفهم وقولهم بأن الابن مخلوق؟
إرميا: لا يوجد مكان لها بالمرّة، على الأقل كما أعتقد أنا.
كيرلس: وربما يصل بعض هؤلاء الذين يهتمون بالبحث عن ما هو صحيح بصفة عامة، إلى ذلك الحد من الفكر غير المُتدّرِب ويعتقدون أننا نهتمّ بعملية الولادة أكثر من إهتمامنا بجوهر الله الآب، وهم يَحمَّرُون خجلاً من عدم المعرفة معتقدين أن جوهر الله ربما يتأثر من التغيّرات غير الإدارية ويخضع للحاجات الجسدية لأن بعض المخبولين يُقسّمون جوهر الله وطريقة الولادة وَيظْهُرون بذلك أنهم صَاروا إلى الهلاك المبين. فعندما يقال عن طبيعة الله غير الموصوفه والتي تفوق كل عقل أنها تَلِد، فهؤلاء يَعتقدون إنها تتأثر بعملية الولادة هذه، وهم في هذا يَجهلون تمامًا ماهية الطبيعة غير الجسديّة وماهية طبيعة الأجسام وما هي التغيّرات التي تعانيها الأجساد. لأن ما لا جسم له هو غير قابل للتقسيم على الإطلاق، بمعني أنه غير قابل للاشتقاق والتجزيء الذي يتناسب مع طبيعة الأشياء الماديّة الملموسة، أو لإمكانية أن يتأثر بأي شيء من هذه الأشياء.
إذن عندما يُقال عن الله أنه “وَلَدَ” فيجب أن يُرفض أي شك في أن الله يعتريه تغيّير بل أن يسود الفكر الذي يعطي طبيعة الله ما يليق بها. لأن الله لا يلد كما نلد نحن بل يلد بالطريقة التي تناسبه.
س:لم.
0أنتم المتكلمين بل روح أبيكم الذي يتكلم فيكم
إذن ما يفكر ويستند إليه المعاندون هو نوع من السفسطة التي لا معنى لها. لأنهم وهم يَتظاهرون بأنهم يَخشون من أنه ربما يُصيبُ طبيعة الأب شيء نتيجة الولادة، فأنهم يَحرمونها كرامة عظيمة جداً (أي كرامة إنها لا تتغيّر). لأني أعتقد أن كل حديث يتصف بالحكمة لابد أن يقنعنا أنه يجب أن يُمجد الله الأب بسبب أنه وَلَدَ، لا بسبب أنه خَلَق الابن الوحيد[7]. لأنه بهذه الطريقة يُمجّد اكثر ويُعدّ من بين هؤلاء الذين لهم مكانة ربوبية (أي مع الابن والروح القدس) حيث إنه يعلو بما لا يقارن عنا نحن البشر وأيضًا لأنه يجعل ابن الإنسان في وضع أكثر علواً مما هو فيه.
غير أنه إن كان الله خالق ويقدر أن يخلق بينما في نفس الوقت لا يَلِدُ، فإني أرتعب من أن أقول شيئًا لا يَليقُ به ومشكوك فيه، ومع ذلك فسوف أقوله مع أني لا أرغب في ذلك كثيرًا، وهو أنه إن كان الأمر هكذا فإن الطبيعة الإلهية قد ابتعدت بالفعل عن ما هو أفضل وأوضح، وذلك لأنه بينما يظهر أن للطبيعة المخلوقة إمكانيات متعددّة ومَقِدَره على أن تُشكّل مناظر طبيعية فنيّه، مع مقدرتها على الولادة، الأمر الذي يعطيها عظمة، نجد أن الطبيعة الإلهية لا تتمتع بهذه المقدرة، وهذا أمر مرعب.
أرميا: أنك تتكلّم كلامًا حسنًا.
كيرلس: إذن يا إرميا، الابن، حسب ما نؤمن، هو وَليد حقيقي لجوهر الله وليس هو نتاجًا لحكمة وثمرًا لصنعةٍ لأننا نقول على الخليقة كلها إنها خُلِقت بهذه الطريقة.
إرميا: بالـفعل.
كيرلس: ولهذا فالحكيم يوحنا يواجه كل الأكاذيب ويقول بكل وضوح: “وَآيَاتٍ أُخَرَ كَثِيرَة ًصَنَعَ يَسُوعُ قُدَّامَ تلاَمِيذِهِ لَمْ تُكْتَبْ فِي هَذَا الْكِتَابِ. وَأَمَّا هَذِهِ فَقَدْ كُتِبَتْ لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ“[8]. ويُقلدّ كل من يؤمن بذلك أرفع الأوسمه لأنه يكتب أيضًا: “مَنْ هُوَ الَّذِي يَغْلِبُ الْعَالَمَ، إِلاَّ الَّذِي يُؤْمِنُ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ ابْنُ اللهِ؟.“[9] وبالإضافة إلى هذا يا صديقي فإن الابن نفسه يوضحّ ويشدّد على محبة الله الأب لنا لأنه يقول: “لأَنَّهُ هَكَذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ.”[10]
ومع ذلك، فإن لم يكن هناك ابن، فلما حرص يوحنا على أن تكون غاية كتاباته هو أن يجب أن نعترف بأن الكلمة الذي تجسد هو بالحقيقة ابن الله؟ وكيف يغلب العالم كله مَنْ لا يقبل الإيمان بأن الابن مخلوق؟ وكيف يُكافأ بمثل هذه المكافأه أي غلبه العالم مَنْ له مثل هذه الأفكار الخاطئة؟
لأنه لو لم يكن من الخطر لقلنا إن الله يكرّم ويقبل هؤلاء الذين يؤمنون بإيمان خاطئ وإنه يُكافئ بعضهم بعطايا إلهية، فإني سأقول ومعي كل الحق بأنه يجب أن يُكرمّ وبكل الطرق مَنْ يؤمنون– في ضلال- بأن وحيد الجنس ليس ابنًا لكنه مخلوق ومصنوع حتى ولو قيل عنه أنه وُلد ودُعيّ ابنًا بواسطة الأب نفسه والروح القدس. وعلى عكس ذلك سيكون من الحق والصواب أن يكون من غير اللائق أن نقول هكذا ومن غير التقوى أن نفكر بمثل هذا الفكر. لأن الله يُكافئ الذين يحبون ويؤمنون بالحق أي بالابن الحقيقي وليس بشيء مصنوع لأن الإيمان بأنه مخلوق هو إيمان مريض وغير منطقي. ولهذا فإن الآباء الرُسل قد وصفوا القديس بطرس بأنه مطوّب. ففي الحقيقة عندما سأله المخلّص عندما كان في قيصرية فيلبس: مَنْ يقول الناس عن ابن الإنسان وأي أراء تُقال وتنتشر عنه في بلاد اليهودية. حينئذ ترك بطرس كل ما يقال من سخافات عن ابن الإنسان وقال بكل حكمة ومعرفة “أَنْتَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ الْحَيِّ.”[11]
ولم يتأّخر الربّ يسوع في مدح الحق الذي نطق به بطرس فقال له: “طُوبَى لَكَ يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا إِنَّ لَحْماًوَدَماًلَمْ يُعْلِنْ لَكَ لَكِنَّ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. وَأَنَا أَقُولُ لَكَ أَيْضاً: أَنْتَ بُطْرُسُ وَعَلَى هَذِهِ الصَّخْرَةِ أَبْنِي كَنِيسَتِي وَأَبْوَابُ الْجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا.“[12]. ودُعي سمعان “بصخره” لا لأمر أخر إلاّ لأجل ثبات وعدم تزعزع إيمان التلميذ بطرس وعلى هذا الإيمان تثبتتّ وتأسسّت كنيسة المسيح وستبقى إلى الأبد حتى أن أبواب الجحيم لن تقوى عليها. وإيمان بطرس في الابن لم يُعبّر عنه بدون تدقيق ولا نبَعَ من فكر بشرّي، لكنه كان باستنارة سمائية: فالله الآب يوضح مكانه الابن ويلهم كل نفوس المؤمنين الحقيقيين بالإيمان بالابن. لأنه لم يكن من الممكن أن يكون المسيح كاذبًا ولهذا قال: “إِنَّ لَحْما ًوَدَما ًلَمْ يُعْلِنْ لَكَ لَكِنَّ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ“[13].
إذن طالما أن بطرس قد وُصِفَ بأنه طوباوي وأستحق كل هذا التكرّيم لأنه أعترف بابن الله الحيّ، فكيف لا يكون هؤلاء الذين يُنزلون بذاك الذي هو ثمرة جوهر الله، إلى مرتبة المخلوقات ويَحسبون ذلك الذي هو شريك في الأزليّة ونبع الحياة، بين هؤلاء الذين ليس لهم الحياة في ذواتهم، وكيف لا يكون هؤلاء مملؤين حماقة وجديرين بكل ازدراء وهم الذين لا يعطون اهتمامًا بكل ما يليق بالله الآب وبكل ما هو حق؟ أم أن هؤلاء ليسوا جهلاء جدًا؟
ارميا: هم بالفعل جُهلاء.
كيرلس: ولأن إيمانهم في الابن هو ضعيف جداً وغير لائق بالمرّة فهم يشوّهون محبة الله الآب الجديرة بكل تقدير، بمحاولاتهم التفوّه بكلام لا يليق ضد الخصائص الإلهية.
إرميا: هل تستطيع أن تقول لي بأي طريقة يفعلون هذا، لأني لا استطيع أن أتابع كلامك؟
كيرلس: بكل سرور لأنه لا توجد أي صعوبة في ذلك. ودعني اسأل هل بذل الآب ابنه من أجل حياه العالم؟.
إرميا: بالتأكيد.
كيرلس: إذن سيكون واضحًا لكل أحد أن المولود هو أرفع مِن ما هو مصنوع بمهارة وحذق حيث إن المولود- من بين البشر- هو ثمرة شخصية لذلك الذي وَلَده بينما ما هو مصنوع هو نتيجة محصله لفكر وحكمه بشريّة.
إرميا: وماذا يعني هذا أيضًا؟.
كيرلس: ألا تفهم، أن محبة الله للعالم كانت ستُعطَى قيمه أقل لو أنه أرسل لخلاص العالم، ابنه الذي هو جزء من العالم (طالما هو كذلك كما يدّعون)، بينما كانت تلك المحبة ستُقدّر جدًا، وهذا حق، إذا علّمنا أن الله الآب قد بذل ابنه فداء عن حياة العالم ولم يشفق على ثمرته الذي اسلمه للموت بالجسد مفضلاً بذلك أن يهب السعادة لكل البشر؟.
إرميا: إني أفهم ذلك.
كيرلس: إني بالتأكيد أعتقد (وأرجو ألاّ يَغضبُ أحد من طريقة حديثي، إنما اضطر لهذا من أجل محبة لله )، أن المسيح كان لا يمكن أن يكون واحد من بين الخليقة أو أن يفدي العالم أو أن يعطي حياته ذبيحة كفارة أو أن يسفك دمه الكريم عنا إن لم يكن الابن هو إله حق من الإله الحقيقي وليس مخلوقًا وجزءً من الخليقة.
إرميا: بالصواب تتكلّم.
كيرلس: وسأضيف أيضًا أن كانت الخليقة قد خلُصت بدون أن تتلقي من الآب شيئًا بالمرّة أو أنها قد إحتاجت لمساعده قوات السماء. فمِن أين وبأي طريقة استطاعت الخليقة من نفسها وبمفردها أن تَخلُص وأن تَبقْي في حالة السعادة؟ لأنه، كما يقولون إن الابن والذي هو جزء من الخليقة هو مَنْ قد خلَّص الخليقة، فلأي سبب إذن نُعطِي تسبيح الشكر لله؟ وبغض النظر عن هذا، فلماذا لا نسبّح الخليقة بل نأتي لإله الكلّ ونتضرّع له قائلين: “بَارِكِي يَا نَفْسِي الرَّبَّ وَلاَ تَنْسَيْ كُلَّ حَسَنَاتِهِ. الَّذِي يَغْفِرُ جَمِيعَ ذُنُوبِكِ. الَّذِي يَشْفِي كُلَّ أَمْرَاضِكِ. الَّذِي يَفْدِي مِنَ الْحُفْرَةِ حَيَاتَكِ“[14]. فإن فعلنا هذا فنحن نفعل بالتأكيد ما هو ضد الله بينما لو قدّمنا لله التسبيح فإننا سنصبح حكماء ومؤمنين حقيقيين. إذن فكيف يكون ذلك الذي هو مخلوق وكواحد منا إله من إله وابن حقيقي؟ أم ليس الأمر هو هكذا؟.
إرميا: وكيف لا يكون هكذا!!
كيرلس: هيّا إذن إن أردت، كي نضيف شيئًا آخر إلى ما سبق أن وضحّناه ونقول إن الأسماء التي تدلّ على علاقة، تُشير أيضًا إلى طرفي هذه العلاقة لأن المعنى يشمل كل منهما. هكذا سيكون من السهل علي المرء وهو يعرف معنى اليمين- على سبيل المثال هو أن يعرف من خلاله معنى اليسار وسيوافق المرء أيضًا أن العكس صحيح. فالأسم “آب” إذن هو من الأسماء التي تدلّ على علاقة مع آخر[15]، كما أن الأسم “ابن” يدلّ على نفس العلاقة. وبالتالي فإلى أي شيء تدل الأسماء “الآب”، “الابن” وإلى أي علاقة تُشير، وعند استخدامها هل يخرج الحديث عمّا يليق؟.
إرميا: وهل هذا الأمر هو غير واضح لأحد؟! لأن الأسم “آب” يقُصد به شخص في علاقته “بابن” وبالطبع “ابن” في علاقته “بأب”.
كيرلس: إذن فلماذا يسموّن هؤلاء المجانين والمنحرفين الله “بالآب” ولكنهم يدّعون أن الابن هو مخلوق؟ أم أنه لا يُعتبر جهل وعدم لياقة أن نقول إن “الخالق” يُناظر الآب و”المخلوق” يُناظر “الابن” طبقًا للعلاقة التي توجد بين اثنين؟.
إرميا: إنه جهل كبير، لأنه هكذا سيصل الحال أن ندعَو الآب نفسه بأنه “مخلوق” طالما إن له علاقة حسب الطبيعة بشيء من بين المخلوقات وذلك حسب تفكيرهم.
كيرلس: إذن لنسمع المسيح نفسه وهو يصرخ قائلاً: “ لَسْتُمْ تَعْرِفُونَنِي أَنَا وَلاَ أَبِي. لَوْ عَرَفْتُمُونِي لَعَرَفْتُمْ أَبِي أَيْضاً “[16]. وعندما سألوا عن سبب توبيخهم أجابهم قائلاً “إن من ينكر الآب ينكر الابن أيضًا ومن ينكر الابن لن يقبل الآب أيضًا[17]. وبالطبع فإنه محق في قوله هذا. لأنه إن لم يكن هناك آب قد وَلَدَ حسب الطبيعة، فإن أحد لن يقبل أن يكون هناك ابن مولود، ولا حتى آب، وهذه طريقة تفكير غير منطقية. لأن الآب يدعي أبًا لأنه وَلَدَ. وبالتالي هو قول حق أن الأسمين أب وابن يُشيران إلى الاثنين وعندما يوجد الواحد، يوجد بالضرورة الآخر وهذا هو السبب فيما يُقال عن كينونة كل منهما[18]. وإلاّ لماذا قال المسيح للشعب اليهودي المُعاند “أنا قد أتيت باسم أبي ولستم تقبلوني”؟[19] مع أن المسيح بالطبع لا يُسمىَ أبا لنفسه لكن يُسمىَ ابنًا قد وُلِدَ من آب. فكيف يقول إنه قد أتي إلينا باسم الآب؟ أم أنه يجب أن نُفسر لفظ “بإسم” على أنه يدل على مجد الآب وسروره؟ لأن لفظ “اسم” في الكتاب المقدّس يدلّ في بعض الأحيان على المدح والمجد الظاهر لكل أحد كما جاء في سفر الأمثال: “اَلصِّيتُ[20] أَفْضَلُ مِنَ الْغِنَى الْعَظِيمِ“[21]. فهل كفّ قول المخلّص عن أن يكون قولاً حقيقيًا ومملؤ بالحكمة عندما قال بكل وضوح أنه قد أتي إلينا باسم أبيه؟.
إرميا: من الصحيح بالتأكيد، أن أقول إن مَنْ هو حق لا يمكن أن يخطىء في بيان ما هو حقيقي.
كيرلس: إذن طالما أننا نتكلّم بالحق، فيجب علينا إما أن نضع الله الآب في منزله المخلوقات حتى لا يظهر بأنه يَتفوّق على الابن في المجد، أو أن نرفع الابن إلى مرتبة تليق بإله أي من جهة طبيعيّة وجوهرة. لأن الله الآب لن يُضار في شيء إن كان الابن له نفس الطبيعة. وسيساعدنا في ذلك يوحنا الحكيم بقوله “اَلَّذِي يَأْتِي مِنْ فَوْقُ هُوَ فَوْقَ الْجَمِيعِ“[22]. وتعبير “من فوق” يعني رِفعّة طبيعة الابن وعلوها وهذا ما يوضحه تلميذ المُخلّص بقوله “كُلُّ عَطِيَّةٍ صَالِحَةٍ وَكُلُّ مَوْهِبَةٍ تَامَّةٍ هِيَ مِنْ فَوْقُ، نَازِلَةٌ مِنْ عِنْدِ أَبِي الأَنْوَارِ“[23]. إذن فالابن أتى من الآب، إلينا (على الأرض) كما من نَبعْ وكَنبَت من جذر فوقاني، وبقوله “الذي يأتي من فوق هو فوق الجميع” فإنه يُظهر من ذاته نفس المجد الذي منه قد جاء وأنه هو فوق الجميع مثله مثل الآب تمامًا. وبقولنا إنه “فوق الجميع” لا نقصد بهذا أنه هو فوق الخليقة من حيث المرتبة والمجد فقط لكن نقصد أن جوهره الفائق يعلو فوق الجميع وهو واحد في الجوهر مع الآب الذي وَلَدَه. إذن طالما هو فوق الجميع، فكيف يمكن أن نفهم أنه واحد ضمن الكلّ؟ لأنه إن كان فعلاً هو مخلوق، فحينئذ يجب أن يُحسب ضمن كل المخلوقات. وكيف يكون مختلفًا عن الكلّ وفوق الجميع إن لم يتفوّق– بحسب الطبيعة – على كل مقارنه بينه وبين كل المخلوقات؟ وكيف يكون مدحنا للابن هو مديح بغير حق إن كنا نعليّ مكانيًا فقط من طبيعته غير المنظورة؟.
أرميا: ماذا تعني بهذا؟.
كيرلس: هل تريد أن نُعطِي تعبير “من فوق” تفسيرًا مكانيًا ويكون عكس تعبير “من أسفل”. وهي تعبيرات تتعلق بالمسافات؟.
إرميا: إن فَعَلنا هذا، فماذا سنفعل بالابن إن وجد في موضع معيّن؟ لأن مثل هذا الوضع هو من خصائص المخلوقات المادية (الجسميّة)!
كيرلس: إذن ما نقوله هو صحيح، وهو أن تعبير “من فوق” معناه من عند الآب. لأن الابن يُعرَف أنه فقط من عند الآب وهو وحده الذي يَعرِف الله أبيه. طالما أن الطبيعة (الإلهية) الفائقة غير مرئية وغير معروف ما هي ماهيتها بالضبط لدى أي كائن من الكائنات. لأننا نؤمن بوجود الله، لكنه من غير اللائق أن نبحث في ماهية الله حسب طبيعته الإلهية ولأنه ليس من السهل أن ندرك هذا، إذ أن طبيعة الله هي أبعد من حدود الفكر البشرّي. ثم إن كان الابن هو مخلوق ومصنوع فكيف يمكنه وحده أن يعرف الآب وأن يكون هو وحده أيضًا معروفًا من الآب؟ لأن معرفة طبيعة الله هو أمر مستحيل تمامًا بالنسبة للمخلوقات، بينما أن يُعرَف شيئًا عن تلك المخلوقات، وماهيتها، ليس هو أمر يفوق إدراك العقل حتى ولو كان هذا الأمر صعب قليلا علينا. وبالتالي فطالما أن الابن وحده هو الذي يَعرِف الآب وهو فقط الذي يُعرَف من الآب. إذن سيتلاشى الاتهام بأنه قد خُلِقَ. لأن الطبيعة الفائقة غير الموصوفة هي فقط التي تَعرفُ نفسها ولا يستطيع أولئك الذين خُلقوا أن يقتربوا منها على الإطلاق.
إرميا: بالفعل، إن الطبيعة الإلهية لا يُقترب ولا يُدنى منها، لأن الله أعلى من فحص عقلى.
كيرلس: إذن كيف يمكن أن نقول إن الابن قد خُلق مع أن الحكيم بولس يبشر بالآتي ويقول: “وَإِنَّمَا أَقُولُ: مَا دَامَ الْوَارِثُ قَاصِرا ًلاَ يَفْرِقُ شَيْئا ًعَنِ الْعَبْدِ، مَعَ كَوْنِهِ صَاحِبَ الْجَمِيعِ. بَلْ هُوَ تَحْتَ أَوْصِيَاءَ وَوُكَلاَءَ إِلَى الْوَقْتِ الْمُؤَجَّلِ مِنْ أَبِيهِ. هَكَذَا نَحْنُ أَيْضاً: لَمَّا كُنَّا قَاصِرِينَ كُنَّا مُسْتَعْبَدِينَ تَحْتَ أَرْكَانِ الْعَالَمِ. وَلَكِنْ لَمَّا جَاءَ مِلْءُ الزَّمَانِ، أَرْسَلَ اللهُ ابْنَهُ مَوْلُودا ًمِنِ امْرَأَةٍ، مَوْلُوداً تَحْتَ النَّامُوسِ، لِيَفْتَدِيَ الَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ، لِنَنَالَ التَّبَنِّيَ.“[24] بمعنى أنه في كل الوقت الذي كنا نعيش في جهل وكنا قاصرين كنا مُستَعبَدين تحت أركان العالم كنا نَعبدُ الخليقة مع أنه كان يجب علينا أن نقدمّ الكرامة لمن بطبيعته وحده هو الله الحقيقي. وعندما أشرق الابن بيننا، فقد صارت معرفتنا أفضل من جهالة الطفولة، وإذ انتقلنا من الظلمة إلى نور الحق، فإننا- وكما أظن أنَك ستوافقني- قد أُعتقنا من أن نكون مُستَعبَدين تحت أركان العالم. وبخلاف هذا فإن الكتاب المقدّس قد أعلن لنا هذا التعلّيم مرارًا قبل قليل وهو تعلّيم يتصّف بالحكمة والحق وكل من يهتم بما هو سليم سوف يتفق مع ما جاء فيه لأن هذا التعلّيم يعلّن لنا أسرار المسيح.
إرميا: أني أتفق معك بالتأكيد.
كيرلس: إذن يا إرميا، هل كل شيء قد أتي إلى الوجود بموافقة الله الخالق، يجب ألاّ نحسبهُ بين أركان هذا العالم، أو طالما أنه هو جزء من العالم فيجب أن يُحسب مع الكلّ؟.
إرميا: بكل تأكيد.
كيرلس: وهل تحررّنا تمامًا عندما تحررّ عقلنا وفكرنا وعندما رفضنا الرغبة في أن نظل مُستعبدين لأركان هذا العالم؟.
إرميا: هكذا أعتقد.
كيرلس: إذن فلنقبل الإيمان بالابن على أنه هو الابن الحقيقي، أو كيف يمكن أن يكون خلاف ذلك؟.
إرميا: هو هكذا بالفعل.
كيرلس: بالتالي لا يمكن أن يكون الابن الوحيد هو مخلوق وكواحد من أركان هذا العالم ويُحسب من ضمن المخلوقات. ونحن مازلنا أطفالاً في أفكارنا ولا نقدر أن نفخر بأن لنا العقل التام، بل بالحري تخدعنا بعض الأفكار غير المجدّية مع أن لدينا بالحقيقة الرجاء الواثق أي الرجاء في الابن. لأنه في أي شيء سيكون الابن قد أفادنا بكونه قد صار انسانًا إن لم يكن قد حررّنا من عباده المخلوقات؟ أم أنه لا يكون ضلالاً إن كنا نؤمن به على أنه مثل أي ابن آخر (مخلوق)؟.
إرميا: سيكون بالفعل هكذا لو أن الابن كان مخلوقًا.
كيرلس: ألن تكون شريعة موسى أفضل من شريعة المسيح لو أننا بالفعل نؤمن بشخص مخلوق؟ وفي هذه الحالة يجب أن توضع شريعة موسى القديمة بعد الأناجيل المقدسة؟ وحينئذ كيف يمكن ” للْبَارُّ أن يَحْيَا َبِالإِيمَانِ “[25] طالما أن الناموس لا يقود أبدًا للكمال؟[26] مع أن الإيمان بالابن– كما يقول هؤلاء- يُهلك أولئك الذين يقبلونه بينما الناموس يفيد القدماء.
إرميا: إشرح لي بأي طريقة يحدث هذا كما يتصّورون.
كيرلس: إن الناموس الذي أُعطيّ للقدماء بواسطة موسى الحكيم قد أوصاهم قائلاً: “إِسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ: الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ“[27]وفي موضع آخر قال لهم: “لا تَصْنَعْ لكَ تِمْثَالاً مَنْحُوتًا صُورَةً مَا مِمَّا فِي السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ أَسْفَلُ“[28] وهو قد ارتقى بهم إلى أعلى بعيدًا عن عباده أركان العالم عندما قال لهم: “لِئَلا تَرْفَعَ عَيْنَيْكَ إِلى السَّمَاءِ وَتَنْظُرَ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ وَالنُّجُومَ كُل جُنْدِ السَّمَاءِ التِي قَسَمَهَا الرَّبُّ إِلهُكَ لِجَمِيعِ الشُّعُوبِ التِي تَحْتَ كُلِّ السَّمَاءِ فَتَغْتَرَّ وَتَسْجُدَ لهَا وَتَعْبُدَهَا.”[29]، بمعنى أن الناموس قد دعاهم للإيمان بالواحد الذي هو بالحقيقة إله حسب الطبيعة وأعتقهم نهائيًا مما هو خطأ وشر. لأن الناموس لم يطالبهم بضرورة السجود للخليقة بجانب الخالق، لكنه أوصي مَِنْ دعاهم إلى الاعتماد الكلّي على الخالق وهددّ بعقاب الموت لِمنْ لم يرغب في عبادته. فإن كان هذا هو بالتأكيد ما يقوله الناموس، فدعنا نقول إلى أي مدى دعانا كلام الإنجيل. لقد انقضى الناموس الذي كان ظلاً ورمزًا وسطع نور الحقيقية منذ أن قَبِلنَا الإيمان بالابن مع أنه- حسب ما يعتقد المخالفون- هو مخلوق ومصنوع. فهل نحن مجانين إذ قد آمنا إيمانًا أسمى من أولئك الذين آمنوا- وفقًا للناموس- بالواحد الذي هو بالحقيقة إله حسب الطبيعة؟ والأكثر غرابه أن هؤلاء بغير أن يكون قد قبلوا نور الحقيقة فإنهم قد عرفوا الإله بحسب الطبيعة بينما نحن يا من قد أتينا بعدهم ونفتخر أننا قَبِلنَا الحق الذي لم يُستعلن لِمنْ كان قبلنا، فإننا قد انحرفنا عن هذه الحقيقة ونوجد في ظلام لا استنارة رغم وجود النور الإلهي.
إرميا: يالها من حجج قوية.
كيرلس: إنك لو عرفت أمرًا آخرً، سوف تتعجب بالأكثر.
إرميا: وما هو هذا الأمر؟.
كيرلس: إن الناموس قد صار “مُؤَدِّبَنَا إِلَى الْمَسِيحِ“[30] وأعتقد أنك تعرف أن هذا قد كتبه بولس الرسول.
إرميا: أعرف هذا.
كيرلس: يجب إذن أن نفحص بتدقيق إلى أي شيء وبأي كيفية كان الناموس هو مُؤدِّبنَا الذي يقودنا إلى المسيح، بمعنى يقودنا إلى معرفة المسيح وأقواله. فهل سيقودنا إلى معرفة اسمى تتّفوق على المعرفة التي بواسطة الناموس والمخفيّة فيما بين الرموز أَمّ إلى معرفه أقلّ منها؟.
إرميا: بالطبع إلى معرفة اسمى وأوضح.
كيرلس: حسنا يا صديقي، لأني أعتقد أن كل حكيم وعارفٍ سيوَافق وسيقول إن الأمر لابد وأن يكون هكذا. إذن فإن كان الناموس الذي هو مؤدّبنا، والذي كَرَزَ بالواحد الذي هو بالحقيقة إله حسب الطبيعة، لمَ يقُدنَا إلى معرفة اسوأ فيما يختص بسرِّ المسيح، حينئذ لا يجب أن يكون الابن مخلوق، حتى لا يظهر الناموس بأنه قد ظَلَمِنا فيما نفعل أو كأنه يُظهر أن معرفة المخلوق أفضل من معرفة الله الخالق وبذلك يُصبح الناموس فخًا ومصيّدة يَستخدمها الشيطان، مع أن الملائكة قد أعلنت أنه أُعطى لنا كي يساعدنا كما قال أحد القديسين: “إن الناموس أُعطى للمساعدة” وطالما أن المسيح هو كمال الناموس والأنبياء، فكيف يمكن أن يكون كلام الكتاب صادقًا وهو ينتهي بنا إلى نتيجة مُضلّه في كل معرفتنا ويجعلنا نعبد الطبيعة المخلوقة بدلا من الله الخالق؟
رد على الإعتراضات الخاصة بلقب “بكر”::
إرميا: بالصواب تتكلّم، غير أني أعتقد أن المخالف لنا سوف يسأل عن معني كلمة “بكر”.
كيرلس: كلمة “بكر” تعني أن أحد يتقدّم على أخوته ويكون قد وُلِدَ قبلهم.
إرميا: إذن لماذا- كما يقولون- دُعيّ الابن “بكر” كل الخليقة لو أن الخليقة كلها ليست- بطريقه ما- هي أخته ومن نفس جنسه وليس هو من طبيعتها؟
كيرلس: إذن فقد دُعي ابنًا- على ما يبدو- بدون هدف وولادته ليست ولادة حقيقية كما أن الحديث عن الآب سيكون بالنسبة لنا بمثابة أسطوره بلا قيمه!!
إرميا: إطلاقًا،فهم يقولون أن الحديث عن آب للابن قد تم بطريقة مبالغ فيها مدعين إنه في موضع آخر قيل عن ابناء اسرائيل وبنفس الطريقة “رَبَّيْتُ بَنِينَ وَنَشَّأْتُهُمْ“(اش1: 2س)[31].
كيرلس: إذن سيكون وحيد الجنس قد أصبح ابنًا بالتبني مثلنا- كما يقولون- لكي يصبح ابنًا، وألا يعنى هذا انه في الواقع هو مخلوق؟
إرميا: هم يقولون هكذا،
كيرلس: لماذا أهملوا الدافع لمعرفة الحقيقه وتنبئوا ما قاله النبي “لأَنَّنَا جَعَلْنَا الْكَذِبَ مَلْجَأَنَا وَبِالْغِشِّ اسْتَتَرْنَا“؟[32]غير أني أعتقد أنه قبل كل شيء علينا أن نَعلَم متى دُعيّ الكلمة بكرًا ومَنْ هم الذين أتي بينهم ودُعيّ وسطهم بكرًا. لأننا هكذا سَنُسرع في أن نرفع قلوبنا تجاه المعاني الصحيحة للكلمات التي تليق بالاسرار. لأن معرفة الأزمنة وتمييز في الأشخاص هي أمور توضّح لنا بسهولة معنى الكلمات المُستَقيمة وغير المنحرفة التي تأتي إلينا مباشره من الكتب المقدّسة[33]. أو إن لم يكن ما أقوله صحيحًا، ولم يكن مهمّا أن تُفحص بتدقّيق الأزمنة والأوقات التي فيها كان كلمة الله غير متجسّد ثم صار جسدًا، فيجب ألاّ يرتّعب أحد لو أن ما يخصه يقال بدون أي تمييّز- ولتَكُفْ أيه تجديفّات واتهامات (للابن). ولو أن أحد يؤمن بأن الابن قد مات بالحقيقة مع أن الكلمة الذي قد جاء من الآب هو الحياة حسب الطبيعة، فليستحق منّا التحيّة والتكريّم لأنه لا يكذب، ولكن من سيقول إنه قد مات بالجسد (حاسبًا أن الابن كلمة الله هو مخلوق) سيكون كلامه بلا معنى وبلا أي تمييّز.
إرميا: هذا صحيح، ومع أن الكلام يمكن بالفعل أن يُفهم هكذا، إلاّ إنهم يوجهون نقدًا له.
كيرلس: لا أيها الحبيب، لأن كلامهم هذا سيقودهم لأمر آخر لا يليق وسيجعلهم يفعلونه بجرأة كبيرة.
إرميا: ما هو الأمر الذي تُعنيه؟.
كيرلس: لقد كان الكثيرون يقومون بتحصيل الجزيّة طبقًا لناموس موسى، درهميّن عن كل شخصين. وعندما ذهبوا لبطرس ليعرفوا إن كان المسيح سَيُحسب ضمن دافعي الجزية أم سيرفضُ دفع الجزية، حينئذ سأل بطرس المسيح ماذا يجب أن يَفعلُ معهم، فبادَرَه المسيح بهذا السؤال “مِمَّنْ يَأْخُذُ مُلُوكُ الأَرْضِ الْجِبَايَةَ أَوِ الْجِزْيَةَ أَمِنْ بَنِيهِمْ أَمْ مِنَ الأَجَانِبِ؟”[34] وعندما أجاب بطرس “من الأجانب” فإن الرب أضاف قائلاً: “فَإِذا ًالْبَنُونَ أَحْرَارٌ. وَلَكِنْ لِئَلاَّ نُعْثِرَهُمُ اذْهَبْ إِلَى الْبَحْرِ وَأَلْقِ صِنَّارَةً وَالسَّمَكَةُ الَّتِي تَطْلُعُ أَوَّلا ًخُذْهَا وَمَتَى فَتَحْتَ فَاهَا تَجِدْ إِسْتَارا ًفَخُذْهُ وَأَعْطِهِمْ عَنِّي وَعَنْكَ“[35]. إذن هل فهمت؟ إنه عندما يتكلّم عن طبيعته فإنه يؤكد أنها حرّه لأن هذا يوضّح أنه يعلو على كل الخليقة لأن ما يُخلق هو عبد للخالق. ولهذا فإن الطوباوى داود يُشير إلى الله ضابط الكلّ بقوله: “لأَنَّ الْكُلَّ عَبِيدُكَ“[36] وبالتالي فالابن لا يخضع لمقاييّسنا نحن العبيد كما أنه لا يوجد تحت نير، لكن له الطبيعة الإلهية الفائقة العلو والتى تسمو على كل الخلائق.
إرميا: هذا كلام صحيح.
كيرلس: إذن يا إرميا هل سنُخضِع ذلك الذي له كل هذا المجد اللامع، تحت نير العبودية حتى ولو قيل عنه أنه أخلى نفسه واتخذّ شكل العبد؟ وكيف لا يكون هذا دليلاً على الجهل؟ لأني أريد أن أقول إنه مع كونه اتخذّ شكل العبد إلاّ أنه قَبِلْ ذلك كانت طبيعته حرّه وغير مقيّده[37] ومن ناحيه أخري ولا حتى أي كائن آخر يمكنه أن يصير ما كان عليه الابن وهو عندما يتخلّى عن ما كان عليه فإنه بطريقة طبيعيّة يتممّ أمر آخر. إذن لقد جاء الابن الينا ليس لكونه عبدًا فصار عبد بل جاء إلينا من طبيعة حرّه إلى شكل العبد. فلو لم يكن هناك للزمن دورًا، وان لم يكن تميز الاشخاص أى معنى مفيد، فحتى لو فكرنا أن كان الكلمة يمكن أن يدرك عاريًا وبدون جسد، فلن نستطيع إلاّ أن نحسبه عبدًا لا حرًا وأنه ضمن من هم تحت النير.
إرميا: وكيف لا يكون كل هذا كلام غير منطقي ولا يلَيق؟.
كيرلس: فليسمع إذن المخالفين؛ فطالما أنكم لا تقبلوا أن تفحصوا بالتدقيق الأزمنة وتميزوا الأشخاص، فإلى أين أنتم مُنقادون، وماذا تفعلون يا مَنْ لكم ذهن شرير ملتّو؟. ولماذا تخلطون بين أمور لا تقبل الاختلاط، مُهملّين الأزمنة والأوقات، والمعاني التي يمكن من خلالها أن تصبح كل الآيات التي قِيلت عن الابن واضحه في معانيها كل الوضوح؟ لأنكم يجب أن تَنسبوا لله الكلمة حتى قبل تجسده، إذ هو ابن للآب، كل ما يليق بالله، أي المجد والحريّة التي لا تُقارن، ونفس القوّة التي للآب. لأنه بواسطة الكلمة صارت كل الأشياء التي لم تكن موجودة. لأن للآب والكلمة نفس الإرادة والعمل المُشتَرك كما هو واضح في كل ما كتب عنه موسى. لأن موسى كتب لنا كيف أن الله الأب قال للكلمة أي الابن الذي قد وُلِدَ منه والكائن معه “لنَخلِقْ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا“[38] لأن تعبير “لنخلق” لا يدل على أن المتكلّم هو واحد، بل على أكثر من واحد وأكثر من اثنين[39]. ومن ناحية آخرى لأنه يهتّم بنا ويحبنا فإنه تحرّك بدافع من رأفته ومراحمه الإلهية حتى أنه “إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً لِلَّهِ. لَكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذاً صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِراً فِي شِبْهِ النَّاسِ. وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ“[40] وأي كلام يمكن أن يُقنعُنا نحن الذين بطريقة سليمة نعتقدُ في الابن، حتى نُقيّم درجه الأخلاء هذه أو أن نتعجّل بإنقاص قيمة ذلك الذي وضَعَ من عظمته بسببنا ومن أجلنا؟ فحينذاك دُعيّ الابن الوحيد بكرًا وحُسب بين أخوه كثيرين وهو الابن الواحد الوحيد الذي وُِلَدَ من الآب. إذن لقد وضَعَ نفسه وظهر كواحد منّا، لا لكي يتعرّض لأمر ممّا نتعرّض نحن له عاده، تاركًا عنه الطبيعة الآلهية وصِفَته كإبن حقيقي، لكن كي يرفع مَنْ كان بطبيعته عبد ومخلوق. بمعنى كيّ يرفعنا للمجد المدّخر فيه وحده، فهو الربّ وهو قد دعانا كي نكون أبناء. إذن عندما تعتبر كواحد منّا حين ندعوه بكرًا فنحن لا نجبره كيّ يكون فيما هو خارج طبيعته، وعلى الجانب الآخر عندما نقول إنه قد ارتقى بنا، فهذا لا يعني أنه قد تَخلّى عن طبيعته الفائقة وبالتالي تكون الطبيعة المخلوقة قد سادت عليه. فإن فكرّنا بهذه الطريقة ألاّ يكون هذا هزيان كامل؟ وبالتالي فعندما صار (الابن) مثلنا فهو لم يتخلّ عن ما هو له لكننا نحن الذين ارتقينا اليه، بسبب نعمته وأيضًا عَبَرنا مقياس طبيعتنا بسبب نعمته التي كرّمتنا، وارتقينا إلى ما هو أرفع وأعلى.
إرميا: ما تقصد بقولك هذا؟
كيرلس: ألم ندعى ابناء لله والمولودين- من الروح؟
أرميا: بلى.
كيرلس: لهذا فنحن لدينّا وصيّه ألاّ ندعو لنا أبًا على الأرض، بل أن نقدّم لله فقط بكونه أبانا، وذلك بسبب البكر الذي قد جاء بيننا ليس لسبب أحد آخر، سوى أن يجعل منا نحن أيضًا أبناء. لأن هذا هو هدف تجسده. وإلاّ فكيف كان سيكون سرّ المسيح مملؤ بالحكمة إن كان هو قَبِلَ أي أحد آخر قد أساء إلى طبيعته (الإلهيه) دون أن تعود الفائدة على حالتنا؟ لأنه قد نزل وصار بكرًا كي يُصنَّف مع الكثيرين مع أنه يختلف جوهريًا عنهم حسب طبيعته بل ويفوقهم، وليس فيه شيئًا- من أي جهه- مما يظن هؤلاء الذين يشترك معهم، أنه يتصّف به.
إرميا: لكنهم يقولون أنه يُسمّى بكراً للخليقة لأنه يختلف كثيرًا ويفوق بما لا يقارن كل الكائنات التي يحسب أنه من ضمنها.
كيرلس: وأين يَكمنُ مجده الذي لا يقارن وما هو مقدار علّوه، حتى وإن كان يقال لنا باللغة التي نفهمها، الكثير عنه وعن ماهيته، بأنه لابد أن يكون قد خُلِقَ؟ إن بَحثَِنا الآن يدور بكل تدقيق لا عن ما هو الكائن، أو هل تنقصه كرامة أو مجد، لكن بحثَِنَا يدور حول طبيعة المخلوق الذي جاء إلى الوجود، وما هو الشيء الأعلى منه والذي يفوقه، وأيضًا يتركّز حول طبيعة الابن الوحيد وهل هي مختلفة عن باقى المخلوقات، والتي سوف ترتْقي اليها بعد وقت معيّن طبيعة كل الكائنات التي يُعتقد أنها قد خُلِقت. وبالتالي فإن أراد شخص ما يا صديقي أن يَعلمُ عن ماهية طبيعة الشمس، وعن طبيعة الخيل، فإنه سيسأل: مَنْ مِن الأثنين حسب طبيعته- مخلوق وقد أتى من العدم إلى الوجود، أو هل يوجد رأى آخر. ما رأيك أنت؟.
إرميا: سأقول إنها مخلوقات.
كيرلس: ولو أصرّ بالأكثر علي رأيه وسأل مرّه أخري قائلا: مَنْ مِن الاثنين يسبق الآخر من حيث العظمة؟ ألن يكون سؤاله هذا مضحكًا لأن الإجابة لا تحتاج إلى تفكير مِمَن يسألهم؟.
إرميا: بالفعل سيكون سؤال مضحك جدًا.
كيرلس: أعتقد أن الأمر هو عبارة عن ثرثرة فارغة لأنه كيف يمكن المقارنة بين الشمس والخيل في العظمة وأين هي أوجه المقارنة؟ لأن الاختلافات التي تفصلهما هي أبعد من أي قياس. غير أنه لو صار الحديث عن جوهر كل من الاثنين وفكرّ أي شخص في ماهيه كل منهما، فلن يكون هناك فرق بينهما من حيث إن كليهما مخلوق مع أن الشمس تختلف كثيراً من حيث العظمة. لكن نحن نفحص بتدقيق ما قيل عن الابن، ونريد أن نعرف ماهيه طبيعته. فلو أن الابن يُعدّ من بين المصنوعات ويُحصى معنا كمخلوق، لكان تفاخرنا بأن الابن يفوق في المجد هو مجرد تفاخر مزيّف- لأن البعض يُزيّن الابن بامتيازات خارجية، ويُنسبون إليه أموراً وقتيه وهم يحاولون بطرق لا قيمه لها وبهتافات مثيره أن يجعلوا لتجاديفهم صوره حسنه. وبصفه عامه فإن من يُحسب وفق طبيعته من المصنوعات ويُعدّ بين المخلوقات، ليس هو وفق طبيعته إله ولا بالتأكيد ابن حقيقي وربّ ولكن شخص مختلف بين العبيد ويتفرّد عنهم فقط بمجد متواضع.
إرميا: بالصواب تتكلّم.
كيرلس: يتبقي فقط أن نتعجب من الأتي.
إرميا: وأي شيء هذا؟.
كيرلس: أنهم في تحاشيهم أن يعرفوا الحقيقة جيدًا وأن يؤمنوا، يهذون بأن لقب البكر معناه أن المسيح هو دائمًا وحيد الجنس، وهم في هذا يخدعون البسطاء، مع أن من يريد أن يقول شيئًا يتعلّق بهذا الأمر لا يكون محقًا. لأنه لو كان لقب “بكر” يجعل من الابن مخلوقًا ويُعدّ واحدًا بين أخوه كثيرين وهو لهذا يكون بكرًا، فحينئذ سيُظهِر هذا اللقب أن الابن وحيد الجنس هو مختلف عن الآخرين من جهة طبيعته. لأن كونه أنه وحيد الجنس يعني أنه ليس هناك آخر مثله من جهة طبيعته. وأيضًا أنه من المحتمل ألاّ يكون بكرًا بسبب كونه وحيد الجنس أو لن يكون وحيد الجنس بسبب أنه بكر، وهكذا سيكون من الحتمي أن يعتقدوا بأنه ولا حتى يوجد ابن بالمرّة. لأن سيوجد نوع من “الصراع بين الاسمين “بكر” و “وحيد الجنس” وسَيُفرَغ كل منهما الآخر من معناه. فكيف يمكن إذن أن يُستخَدم كل من الاسميّن لنفس الشخص ويعتبر هذا أمر صحيحًا؟.
إرميا: أعتقد أن الأمر لن يكون خلاف ذلك إلاّ إذا أخذنا في اعتبارنا ما حدث في تدبير التجسد.
كيرلس: وأيضًا فلتَعلم- بالتأكيد- أنك لم تؤمن بأي شيء آخر سوي ذلك الذي رآه القديسين مُعلّمي اللاهوت، أنه صحيح. هؤلاء الذين سلّمونا وشرحوا لنا ما يتعلّق بهذه الأمور[41]. فالواقع أن يوحنا اللاهوتي قد دَعى الكلمة الذي أتى من الله، بوحيد الجنس وبأنه هو الله وأكدّ الوهتيه إذ ليس له بداية في الزمن (أي أزلي). كما أن بولس الرسول المملؤ بالمسيح والروح القدس والمتميّز بين الرسل يقول “وَأَيْضاً مَتَى أَدْخَلَ الْبِكْرَ إِلَى الْعَالَمِ يَقُولُ: «وَلْتَسْجُدْ لَهُ كُلُّ مَلاَئِكَةِ اللهِ»“[42] وأعتقد أنه يستخدم تعبير “بكر” في الزمن المناسب الذي يشير إلى ظهوره في الجسد. لأنه قد جاء إلى العالم مع أنه منذ القِدم هو كائن فيه مع أن العالم لم يكن يعرفه وهكذا صار وسيطًا بين الله والناس وأصبح لقب “وحيد الجنس” امتيازًا خاصًا له. فهو إله من إله، واحد من واحد، ومولود بطريقة لا توصف، وعندما أتي إلينا فحينئذ فقط حُسِبَ بيننا كأخوه له وذلك عندما دُعى بكراً. وإلاّ فأين الأخلاء إن لم يكن مَنْ هو “وحيد الجنس” قد صار “بكراً”، وسكن بين البشر كإنسان وهو يعلو عن كل الخليقة؟ وبصفه عامة كيف صار مَنْ هو غني، فقيراً، إن لم يكن قد ظهر بيننا متخذًا ما هو غريب عليه، الأمر الذي من أجله صار فقيراً[43]؟ فطالما أن ما هو مخلوق (أي الجسد) والذي يُعدّ من بين المخلوقات، قد وُجِدَ فقط في زمن الإخلاء والفقر، إذن فَقَبِْل هذا الزمن ألا يليق به تمامًا مجد كل ما هو غير مخلوق بل ما يفوق كل الخليقة؟
إرميا: نعم هذا يليق به.
كيرلس: وطالما أنه وهو غني قد دُعىّ “بكرًا” عندما صار فقيرًا مثلنا ومن أجلنا، فإنه من اللائق- على ما أعتقد- أن نُفكر في أنه هو وحيد الجنس قبل زمن الأخلاء (العوز). لاني أعتقد بأنه يجب أن تكون هذه الأسماء صادقة بكل طريقه. إذن هو بكر ووحيد الجنس وابن في نفس الوقت بكونه ابنًا حقيقيًا وليس مخلوقًا.
إرميا: غير أنهم يقولون أن لقب “الابن” يُستَخدم لِمنْ هم من بين المخلوقات لأنه قال: “أنا قلت أنكم ألهه وبنو العليّ كلكم”[44]
كيرلس: لكن قل لي: إن كنا نحن أيضًا قد دُعينا أبناء الله بالتبني وآلهه، مع أننا حسب طبيعتنا قد خُلقتنا من التراب، فما هو الشيء الذي سينتقض مجد الابن الحقيقي الذي هو إله حسب الطبيعة ومولود من ذات جوهر الآب عندما نتحدّث عن كينونته ابنًا؟ وكيف لا يكون من المفيد للمتعطشين لمعرفة الأمور الخاصة بالابن، أن يتعلّموا بطريقة ما عندما يدرسون حالتنا نحن؟.
إرميا: كيف يكون هذا؟.
كيرلس: أريد أن أقول يا صديقي: إن مَنْ له طبيعة سامية تفوق الكلّ لا يمكن للاستخدام السيئ لمعاني الكلمات أن يُنزله إلى مستوي مَنْ هم أقل. ولا حتى مَنْ هو أقل ومَنْ ليس له مجد الابن أن يُرفع إلى مستوى الطبيعة الفائقة إن اُعطى كرامة ساميه بمجرد وصفه بكلمات وأوصاف بسيطة. هل تعرف ما أقوله وتفهمه جيدًا؟.
إرميا: أفهمه ولكن ليس جيدًا.
كيرلس: اسمع إذن، نحن نؤمن بإله واحد حسب الطبيعة ونعبده ومع ذلك نُدعَي نحن أيضًا آلهه حسب النعمة، بل بالحري صار لنا مجد البنوّه. أليس هذا ما قد قلته لنا قبل قليل؟.
إرميا: نعم.
كيرلس: فماذا إذن يا صديقي، هل يمكن أن نَصيرُ نحن أنفسنا ألهه حسب الطبيعة وأبناء حقيقين لذلك الذي يعلو ويوجد فوق الجميع لأننا دعينا ألهه وأبناء بدون أن نكون قد حصلنا على البهاء لأجل هذا الغرض وأيضًا أن نكون قد استؤمنا على أن نكون ثمره الطبيعة الفائقة؟.
إرميا: إطلاقًا، لان مَنْ هو بطبيعته مخلوق، كيف يمكن أن يصير إلهًا بالطبيعة؟
كيرلس: حسنًا تقول يا صديقي، لأن كل واحد يَحتفظُ- في الواقع- بطبيعته، حتى وإن عَلاَ بواسطة الكلمات العظيمة وأيضًا لا يُحدَّ أو يصيبه نقصًا إن قِيلت عنه كلمات وَضيِعه. وهيّا بنا لنقول إنه، طالما أن تعبير “بكر” يُشير إلى الابن عندما اتخذ لأجلنا جسدًا مخلوقًا وصار مثلنا، فإنه لم يتخلّ عن كونه إلهًا بالطبيعة وابنًا بالحقيقة. لأنه كما أننا لمَ نرتفعُ إلى ما هو فوق طبيعتنا عندما دُعينا آلهه، هكذا الابن- حَسبما أؤمن لم تَتَغيّر طبيعته بسبب حقيقة أنه صار كواحد من بين المخلوقات بسبب طبيعته البشريّة. أما إن رفض البعض ما جاء من عبارات في نصوص الكتاب المقدِّس، فإني أعتقد بأنه لا هُمْ ولا نحن أيضًا سنعرف ماذا سنقول- لو أراد أحد أن يَعلم بسبب الشغف الكبير والتسرّع بقولهم: لماذا كان كتاّب الوحي الإلهي يُشيّرون إلى الربَّ على أن له أيدي وأرجل مع أنهم كانوا يتكلّمون عن الطبيعة التي تفوق الكلّ وتعلو على كل جسم وهيئه وليس لها طول وعرض وهي غير ملموسة وغير ماديه؟ أننا نستطيع أن نواجه ادعائاتهم هذه بكل سهوله وبدون تفكير كثير، ونقول لهم الآتي: إن الاستخدام غير المُحددّ للكلمات لا يضير الطبيعة الفائقة على الجسد من جهة ماهيتها، حيث إن هذه الكلمات تُساهم في فائدة من يسمعها. أم أن حديثى غير مُقنع وليس صحيحًا بالمرّة؟.
إرميا: على العكس تمامًا.
كيرلس: وبسبب أنهم يتباهون بأقوالهم التي تبدو وكأنها مملؤه حكمه، ويثرثرون بحجج يتصوّرون أنه من الصعب تفنيدها فأنهم يتصورون أن من العسير أن ينسب للابن وحيد الجنس، لقب “البكر” قائلين بإن الابن وحيد الجنس لا يجب أن يكون خارج الخليقة طالما أنه له طبيعة مماثله لطبيعة كل المخلوقات، وهذا طبقًا لقوانين الخلق. هل تريد أن نضيف أمرًا آخر نافعًا؟.
إرميا: أنك تتحدّث بطريقه شيّقة، كما أني أريدك أن تتحدّث عن هذا الأمر الآخر.
كيرلس: ألم نُدعيَ نحن الذين نؤمن بالابن، كي نصير أبناء بواسطة الابن، كما أننا تَشكلّنا حسب صورته مثلما تتشكلّ الأيقونات حسب الأصل؟.
إرميا: بالفعل لقد دُعيِنا أن نتشكلّ على حسب صوره الابن. لأنه قد كُتِبَ “كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَاناً أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللَّهِ أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ.“[45]
كيرلس: لقد تحدثّت بشكل فائق، غير أني أعرف أنك ستضيف أمرًا ضروريًا يتعلّق بهذا الموضوع وهو: هل أننا بالفعل دُعينا للتبني بحسب الجوهر والطبيعة؟ وإن كان هذا لم يحدث، فكيف حصلنا على صفه الأخوّة والقرابة؟
إرميا: أننا لم نحصل بأي طريقه من الطرق على التبني حسب الجوهر، بل حسب النعمة وبطريقة مُكتسبة.
كيرلس: إذن فكيف يُعتَبر الكلمة مخلوقًا بسبب تسميّته بالبكر؟ وبأي طريقه يمكن أن يُحسب مثلنا بحسب الجوهر كأنه بين أخوه له لأننا نُشْبَهَهُ، مع أن الصفة بأننا إخوَه له لم تكن في طبيعتنا بل بالحري خارجه عنّا وقد اكتسبناها في مليء الزمان وليس في وقت سابق على تجسّده بل عندما صار كواحد منا؟ لأني لا أعتقد أنهم سيقولون- مع أنهم تعوّدوا على الثرثرة الكثيرة- بأن الناموس قد دَعي القدماء بأن يصيروا إخوَه للابن لأنه يوجد في الناموس روح عبودية[46]. وعليه يكون واضحًا جدًا أن كلمة الله لم يكن معنا نحن العبيد طالما أنه لم يكن قد اتخذ جسدًا وصار في شكل العبد حتى يصيح أخًا لنا. لكن علينا الآن أن نتابع حديثنا عن هذا الأمر وبشكل واضح.
إرميا: وما هو هذا الأمر؟
كيرلس: إن الميّزة الطبيعيّة يا أرميا في بعض الكائنات لا تُكتسّب بمرور الوقت أو تُفرض عليها بواسطة آخر، لكن يتضحّ أنها توجد فيها دائمًا وتكوّن جوهرها. وأقصد بما أقول الأتي: إن الإنسان عند خِلقَتِه هو كائن عاقل حسب طبيعته غير أنه لم يصبح غنيا بعد. إذن فإن جاءته الثروة كشيء أضافي وخارجي فهل هذا معناه أن طبيعته كإنسان عاقل كانت ناقصة؟. وبالتالي- وعلى ما أعتقد- سيكون حقيقيًا أنه لا يمكن أن نتصوّر أن شخصًا سيحصل بمرور الزمن على شيء كان قد حصل عندما جاء إلى الوجود (أي العقل).
إرميا: بالفعل.
كيرلس: إذن لو أن الابن كان دائمًا أخًا لنا ويحسب بأستمرار من بين المخلوقات لأنه من نفس طبيعتهم ولهذا فقد كان بكرًا بينهم، فحينئذ أي هبه لم تكن لدينا قد تخف إياها وأقصد بذلك هبه الأخوّة؟ ولماذا منح هذه العطية فقط لمن آمنوا به؟ وما هو الذي يمكن أن يحصل عليه مخلوق من مخلوق مثله؟ هل أدركت إذن إلى أين يقودنا منطق هؤلاء المخالفين؟.
إرميا: نعم.
كيرلس: نترك عنّا إذن يا صديقي، كل اهتمام بهذه الأفكار الساذجة وننتهي إلى القول اليقين مؤمنين حقًا بأن الابن قد دُعيّ بكرًا من أجلنا عندما صار مثلنا كما أنه هو وحيد الجنس لأنه لا يوجد أحد يماثله حيث إنه الوحيد الذي وُلِدَ من جوهر الله الآب.
هل يُعبّر لقب ” الابن” على أنه خليقة مميّزة؟
إرميا: غير أنه إن قَبَل هؤلاء بأنه يجب أن ندعوه وحيد الجنس لأنه هو الوحيد الذي جاء من الآب الفريد، فماذا ستكون إجابتك على هذا؟.
كيرلس: كنت بالطابع سأعتقد بأنهم فقدوا نعمة العقل الذي يجب أن يرى بطريقة لائقة وبشهامه. بل أنهم يرتكبون خطًأ كبيرًا من جهة معرفتهم بمعنى الأسماء مُعطين إياها معاني بحسب ما يرغبون. لأن “وحيد الجنس” تعني ذلك الذي وُلِدَ حسب الطبيعة من آخر وليس ذَلك الذي صُنِع بطريقه ماهرة. وليأتوا هؤلاء إلى هنا ليجيبونا عندما نسألهم أين قرأوا أن هذا التعبير يستخدم ليصف عملاً من الأعمال الفنيّة أو العلّمية. لأننا لن نسمح لأفكارهم الزائفة أن تُقنن ما يريدونه هم في توجيههم لمعاني الكلمات بطريقه خاطئة جدًا نحو تفسير غير سليم بالمرّة. فلو أن نجارًا- على سبيل المثال- قد صنع مركبًا واحدًا فريدًا، فهل كان يسمىّ وحيد الجنس بالنسبة له مع أن هذا المركب هو من صُنعِه ونتيجة لخبرته؟ وكيف لا يكون هذا مدعاة للسخرية؟ أم أنك تعتقد أن هذا تفكير حكيم؟.
إرميا: طبقًا لا أعتقد هذا بالمرّة.
كيرلس: وأيضًا ما يدّعيه المعارضون وبطريقه غبيّة بأن الابن وحده قد وُلِدَ من الآب ولهذا فإن له طبيعة مُميزَّه وأنه لذلك قد وصلَ إلى هذا القَدْر الرفيع من المجد، في كل هذا سنثبت بطريقتين أن هؤلاء المعارضون يرتكبون خطًأ وأنهم جهلاء.
إرميا: قُل لىّ كيف ستثبت هذا.
كيرلس: أولاً، إن تفكيرهم هذا سيقودهم بالضرورة وسيحصرهم في أن ينسبوا للآب أنه كفَّ (عن أبوَّته) بعد أن وَلَد الابن. وبدون أن يريدوا يعترفون بأن الطبيعة الفاعله على الدوام كفَّت عن فعل ما يخصها وأن عمليه الخلق قد إنتهت وأنه بعد ذلك لم ينشغل بأى أمر على الإطلاق بل أنه قد حوَّل للابن- بطريقه ما- أن يفعل الأمور التي بواسطتها فقط تُعرف خصائص الطبيعة الفائقة. وهكذا فإن ثمار الجوهر المولود ستكون هي خصائص الالوهيه بينما حسب ما هو ظاهر- فإن الله الآب سيكون فخورًا بالابن الذي هو مخلوق فريد بينما الابن وهو يري الأعمال الكثيرة، فإنه سيعتقد أنه في مرتبه أعلى مساوية لمرتبه الآب لأنه بسبب ولادته قد أرتقى ليكون خالقًا حيث إنه قد أحضر الأشياء غير الموجودة إلى الوجود، بل أنه أيضًا يفوق على ذلك بأنه صالح حيث إن عمل مَنْ هو صالح هو أن يُحضر للوجود تلك الأشياء التي لم تكن لها هبه الوجود. وهكذا فإن الحديث يبتعد عن الجدّية مظهرًا البطيء في الطبيعة الدائمة الحركة حيث إنها تَقْدَر فقط أن تَهِب الوجود للأشياء غير الموجودة. وهل لا يعتبر هؤلاء التعساء أن ولادة الابن هي توقف فعلّي للطبيعة الولوده وذلك بحسب أفكارهم الخاصة والتي يعتبروها صحيحة بالنسبة لهم؟. وإلاّ فإن كان الله الآب قد فضَّل أن يَكفُّ عن العمل، فلماذا كتب لنا موسى المطوّب كلاما غير صحيح بالنسبة لهؤلاء المعارضون قائلاً “وَقَالَ اللهُ: نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا“[47]؟ لان عبارة “لنَخلقْ”[48] توضح أن الله لم يتحاش على الإطلاق أن يخلق، بمعنى أن يخلقنا نحن أنفسنا بل بالحري كان يُفضّل العمل المشترك مع الابن والروح القدوس وقد تمّ هذا بالفعل لأنه مكتوب “فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ“[49]. وكلام موسى لن يكون كاذبًا لأنه كان عالمًا بالأمور اللاهوتية وكان يكرّم طبيعة الله. غير أن الكلمة الذي أتي من الآب سيُعلن لنا بالأكثر أن طبيعة الآب هي فعّاله دائمًا وعامله. لأن المسيح عنفّ مرّة اليهود عندما رآهم غاضبون من أنه قد فعل شيئاً في يوم السبت قائلا لهم “أبي يعمل حتى الآن وأنا أعمل” وفي موضع آخر قال “الْكلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ لَسْتُ أَتَكَلَّمُ بِهِ مِنْ نَفْسِي لَكِنَّ الآبَ الْحَالَّ فِيَّ هُوَ يَعْمَلُ الأَعْمَالَ“[50]. إذن يا أرميا أليس من غير اللائق وهو خطأ كبير أن نعارض كلام المُخلّص ونصوص الكتاب المقدّس- والتي تتفق مع ما قاله الابن- ونجرؤ على القول بإن الآب غير فاعل أيضًا بالنسبة للخليقة؟.
إرميا: هو خطأ كبير بالفعل.
كيرلس: وأعتقد أن هناك أمراً آخر هو غير واضح وغير مفهوم.
إرميا: وما هو؟.
كيرلس: فَليَقُل ليّ هؤلاء إذن، لأني أريد أن أتعلّم، لو كان الابن فقط هو الذي خضع لعملّيه الخلق ولهذا فهو مختلف عن جميع المخلوقات لأنه هو الوحيد الذي صار بواسطة الآب فقط. فأيهما لا يحبه الآب: المخلوقات التي خُلِقَت بعد الابن وبواسطته والتي لم يسمح لها لهذا السبب أن تصل إلى درجه عاليه من الطوبى لأنه يترفّع عن خلقتها، أم أنهم سيقولون إن الآب هو فوق كل حسد وكل جمود؟.
إرميا: سيقولون هذا بالفعل على ما أعتقد.
كيرلس: سيقولون هذا لو أنهم كانوا يؤمنون حتى بهذا فقط. لأني لا أتخيّل أن يصلوا إلى أبعد من أفكار الفلاسفة اليونانيين في هذا الأمر، حيث إن أحدهم وهو أفلاطون قد قال عن الله “إنه كان صالحًا وبالتالي لا يوجد فيه حسد بالمرة تجاه أي شيء”. إذن طالما أن الآب هو صالح وبالحري هو نفسه معدن الصلاح، وبالتالي فهو قد سمح بإرادته وفِعله وحده، للمخلوقات أن تصل إلى درجه عاليه من السعادة، فلماذا إذن لم يجعل هذه السعادة عامة للجميع بدون أن يحسد بكونه هو الصالح، ولماذا أسند لآخر (الابن) أن يفعل هذا حارمًا بذلك الخليقة من أمر فائق لا يقارن؟.
إرميا: غير أن الآب لا يظَّل غير فاعل على الدوام لأنه يعمل مع الابن مُعطيًا الوجود لكل المخلوقات.
كيرلس: وما هي إذن مساهمه الابن في عملية الخلق؟ هل كانت تفوق قدره الآب ولهذا فقد كانت ضرورية له فيما يفعل وأنه قَبَلَها عن احتياج؟ أم كانت أدنى منه ولهذا فلم تكن ضرورية له؟ فإن كانت تَفوُقه وضروريّة وأنه لهذا قَبِلها فإن هذا الكلام سيكون بلا معني بل بالحري تجدّيف. لأن الابن سيكون متفوقًا على مَنْ جاء منه وسيفوق طبيعة الله الآب بل وسيكملّها بما تحتاجه وبكل ما هو صالح. ومن ناحية آخرى إن كان قَبِلَها مع أنها أدنى منه وليست ضرورية، حيث تُظهر عدم روعه الخليقة، إذن- فقل لي- ما هو الأمر الذي أقنع الآب كي يعمل مع الابن؟ وهل لن يبادر أحد بالقول إن الآب تخلّى عن ما هو أعلى– ولا أعرف بأي طريقة- بينما أراد أن يتمسك بما لم يكن أعلي. بمعني أنه يتحاشى بسبب الخوف أن يخلق بنفسه الخليقة، رغم أن عن طريقه هو وحده وبواسطته يمكن أن تظهر روعه الخليقة، وإنه قَبِلَ الابن كشريك حتى يكون إحضار الخليقة هو عمل بلا أي شائبه؟.
إرميا: غير أنهم يقولون إن الطبيعة المخلوقة لم تتّم بفعل الآب وحده، لأنه كان سيكون من غير المعقول على مثل هذه القوة الفائقة السامية أن تضطر لأن تتنازل إلى فعل مثل هذه الأمور البسيطة.
كيرلس: إن هذا القول هو قول أحمق ينتج عن عقل طائش. أليس من عدم الحكمة أن يفكر أحد ويقول بإنه لو كان في الحقيقة خلق الخليقة هو أمر أدنى وغير مقبول ويمثل عبئًا بالنسبة للآب؛ إلاّ أن نفس الأمر ليس كذلك بالنسبة له عند خلق الابن وحده، إذ هو أمر مقبول وسامي، مع أن الابن له نفس طبيعة المخلوقات كما يقال؟ ولا يمكن أن يكون هناك أمر يمثل عبئًا عن خلق الخليقة ولا يمثل عبئًا عن خلق الابن حتى لو كان الابن يبدو مكانه أعلى من بقية الخليقة. إما إن تجرأت بالقول بإنه لا يليق يسمو الآب أن يتنازل ويهتم بخلق الخليقة فإن مثل هذا القول يحمل في طيلته تجديفًا مزدوجًا، لأنه يهين الابن من ناحية ومن ناحية أخرى يلوم الآب رغم ظنهم بأنهم يكرمونه بمثل هذه الادعاءات.
إرميا: وماذا تقصد بقولك هذا؟.
كيرلس: في قولهم بتفوّق الآب، هم يظنون أنهم يقللّون من مكانه الابن، ومع هذا فاني أعتقد أنهم لا يستطيعوا أن ينزعوا عنه مكانته العليا وسمو مجده. إذن طالما أن طبيعة الابن هي هكذا وأنه قد وصل إلي هذه الدرجة من الكرامة والمجد حتى أنه يخلق الرئاسات والسلاطين والكراسي وما دونها، فقلّ لي هل يليق به أنه بينما يخلق عصفورًا صغيرًا وأشياء أخرى أقل، أن تنسب له أنه يخلق كل هذا بواسطة قدرات آخر؟ وماذا سيبقي صحيحاً في إيماننا لو أننا اعتقدنا بذلك؟.
إرميا: هذا لا يليق بأي حال من الأحوال لأنه مكتوب “كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ“[51].
كيرلس: وكيف لا تكون إهانه وتحقير لطبيعة الابن أن يخلق عصفورًا صغيرًا؟ وطالما أنه هو صورة الآب وشبهه، فهل هذا الشبه يعني أنه يهدر قوّته المُحييّة في خلق مثل هذه الأشياء المتواضعة؟. وبالتالي فهّم عندما يَتعجّبون من قدره الآب الفائقة فإنهم يَقولون إن خلقته للملائكة هو أمر متواضع وبالتالي كان سيكون من السهل عليهم أن يقولوا بإن الابن لا يجب أن يخلق عصافيرًا أو زواحف وأيضًا كل تلك الأنواع العديدة من الزهور في الحقول؟ ولكن لماذا يصفه المزمور بكل هذه الصفات الرائعة قائلا “الْمُنْبِتُ عُشْباً لِلْبَهَائِمِ وَخُضْرَةً لِخِدْمَةِ الإِنْسَانِ“[52]؟ وبطريقه آخرى إذن هم يعترفون (بآلهه) أخرى خالقه لها نفس طبيعة تلك الخلائق البسيطة أو هم يهينون وبطريقه علنيّة الابن الوحيد عندما يتحدّثون عنه كخالق فقط لتلك المخلوقات البسيطة.
إرميا: لو فكروا بهذا سيكون أمرًا خطيرًا عليهم.
كيرلس: وكيف لا ينسبون للآب حماقة وتفاخر بقولهم إنه لم يرغب في أن يكون خالقًا لتلك المخلوقات التي يريد أن يكون هو ربها؟ مع أننا نسمع المسيح وهو يثني علي عناية الله الآب وتدبيره عندما قال: “أَلَيْسَ عُصْفُورَانِ يُبَاعَانِ بِفَلْسٍ؟ وَوَاحِدٌ مِنْهُمَا لاَ يَسْقُطُ عَلَى الأَرْضِ بِدُونِ أَبِيكُمْ“[53]. وكيف يمكن لذلك الذي يبسط عنايته حتى بالنسبة للعصافير، أن ينسي أن يخلق ملائكة وأن يبسط السماء ويثّبت الأرض ويصنع الشمس والقمر والنجوم، تلك الأمور التي اِمتُدحت من الملائكة القديسين على أنها عمل الخالق العظيم، لأن الربّ قال “ترنمت كواكب الصبح معاً”[54]. فألا يتضّح لك أنه يجب أن نفكر بطريقه سليمة فيما يجب أن نقوله؟.
إرميا: بالتأكيد.
كيرلس: قُلّ لي أذن، هل تَستَطيع أن تقول إن جزء صغيرًا أو كبيرًا من بين المخلوقات ليس هو نتيجة عمل القوّه الإلهية؟.
إرميا: إطلاقًا.
كيرلس: وكيف لا يكون دليلاً على جهلهم أنهم يَصفُون الأعمال التي تمّت بواسطة الابن بأنها إلهيه ومع ذلك لا يؤمنون أنه هو الله بل يحسبونه ضمن المخلوقات كما لو كانت له نفس طبيعة الأشياء المخلوقة؟ لأن ما هو مخلوق ليس هو الله، ولن تستطيع المخلوقات أن تشعر بتفوّق طبيعة خالقها على طبيعتها إن لم تكن طبيعتها أقل بل ومختلفة عن طبيعة الله الذي خلقها، ولقد فهم الطوباوي بولس هذا الأمر جيدًا عندما كتب “لأَنَّ مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ تُرَى أُمُورُهُ غَيْرُ الْمَنْظُورَةِ وَقُدْرَتُهُ السَّرْمَدِيَّةُ وَلاَهُوتُهُ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ“[55]. إذن هل يمكن أن تُدرَك الوهيته وقدرته السرمديه لو جعلتم الكلمة خالق الكل، مخلوقًا؟![56].
حاشا لأنه أزلى. لكن أعتقد أنه- حسب تفكيرهم هذا- يمكن للخليقة أيضًاأن تتباهى بكونها إلهيه، غير أنه ما سينتج من مثل هذا التفكير؟ سيظهر أن الخليقة التي يشاهدونها أمامهم وليس الله الخالق- ستكون بالنسبة لهم كإله”[57].
هل يعمل الآب من خلال وسيط، وهكذا يصير هو نفسه معروفًا:
إرميا: وماذا لو قالوا إن إلوهه الآب وقوتّه السرمديّه هي التي تتضح من خلال أعماله العجيبة في خليقته؟.
كيرلس: هم أنفسهم يدينون أقوالهم هذه ويستطيع المرء أن يثبت بسهوله أن أقوالهم تتناقض مع أفكارهم.
إرميا: ماذا تقصد؟.
كيرلس: إنهم يحصرون قدرة الآب الخالقة في عملية خلق الابن ويقولون إن الآب أُظهر منذ أن خلق العالم، مع أن الكتاب المقدس ينسب خلق العالم للابن إذ هو مكتوب: “بِكَلِمَةِ الرَّبِّ صُنِعَتِ السَّمَاوَاتُ وَبِنَسَمَةِ فَمِهِ كُلُّ جُنُودِهَا“[58]إذن العالم يشهد أمامنا أن الكلمة هو خالقه كما أنه يوضّح قوّته وإلوهيته. لأننا ونحن نشاهد الخليقة، فإننا لا نُعجب بالكلمة خالق الكون على أنه مخلوق لكننا نكّرمه ونُعلّيه جدًا وهكذا فإننا نعبر عن تقوانا بطريقه سليمة، مؤمنين أن الابن الوحيد هو الله حسب الطبيعة وأنه قد أتي من الله. لأنه بهذا فقط سننكر الاتهام بأننا نوجد في ضلال وسنبعده عن أذهاننا وسننجو من العقاب الذي يشير إليه المطوّب بولس بقوله: “لِذَلِكَ أَسْلَمَهُمُ اللهُ أَيْضاً فِي شَهَوَاتِ قُلُوبِهِمْ إِلَى النَّجَاسَةِ لإِهَانَةِ أَجْسَادِهِمْ بَيْنَ ذَوَاتِهِمِ. الَّذِينَ اسْتَبْدَلُوا حَقَّ اللهِ بِالْكَذِبِ وَاتَّقَوْا وَعَبَدُوا الْمَخْلُوقَ دُونَ الْخَالِقِ الَّذِي هُوَ مُبَارَكٌ إِلَى الأَبَدِ. آمِينَ“[59]، أي هؤلاء الذين يسلكون بطرق معوّجه ويستبدلّون الحق بالباطل عابدين الخليقة دون من هو بطبيعته الله. وهكذا صار الذهن غير مختبر وسقط باندفاع في هذا الفكر الخاطئ فضللّنا نحن أيضًا مع الوثنين عابدين الطبيعة المخلوقة، بمعني أننا عبدنا الابن- الذي هو بحسب ما يقول هؤلاء- مخلوق. وأليس كل ما هو صائر من العدم هو مخلوق؟!.
إرميا: بالتأكيد
كيرلس: انتبه إذن يا أرميا كيف أن أفكارهم مليئة بالحماقات. لأن الكتاب المقدّس يذكر أن الأمم عرفوا إلهًا حيًا وحقيقيًا وبالإيمان فُتنوا بالابن، بينما وصل هؤلاء إلى مثل هذه الدرجة من حماقة الأفكار حتى أنهم لم يخجلوا بالمرّة عندما ينسبوا له هذه الصغائر ويقولون إنه مخلوق. لأنه قد كُتب عن أولئك الذين تبعوا الرسل بأنهم هم أنفسهم: “يُخْبِرُونَ عَنَّا أَيُّ دُخُولٍ كَانَ لَنَا إِلَيْكُمْ، وَكَيْفَ رَجَعْتُمْ إِلَى اللهِ مِنَ الأَوْثَانِ لِتَعْبُدُوا اللهَ الْحَيَّ الْحَقِيقِيَّ“[60]. فطالما أن ما تفعله العبادات الوثنية هو أمر شائن ومُخجل إذ يعبدون الخلائق (دون الخالق) وطالما أن الأمم قد رجعوا إلى عباده الإله الحيّ وآمنوا باسم الربّ يسوع وعادوا إلى السجود للابن مع الآب، فكيف مازال من الممكن اعتبار أن الابن مخلوق؟ أو أن الإيمان هو بلا فائدة أو أن اعتقادنا نحن في الله هو كاذب مع أنه بالتأكيد يُقال أننا قد تركنا الضلالات القديمة؟.
إرميا: بالفعل يُقال هذا، لأن الأمم قد رجعوا إلي الله الآب الحقيقي والحيّ.
كيرلس: وكيف كانت طريقة عودتنا إلى الله؟ أو كيف يقدر البعض أن يعودوا بطريقه حسنه وصحيحة وبدون ضلال إلى الربّ الحيّ الحقيقي، دون أن يعترفوا بأن عباده الخليقة هو أمر باطل؟.
إرميا: أعتقد أنه عن طريق الإيمان لأنه يقول”الذي مِثَالهُ يُخَلّصِنَا نحن الآن أي المعمودية لا إزاله وسخ الجسد، بل سؤال ضمير صالح عن الله بقيامة يسوع المسيح”[61].
كيرلس: إن هذا هو قول حق، أنما أريدك أن تجاوبني. هل الإيمان هذا معناه أن نؤمن بالآب والابن والروح القدس؟[62]
إرميا: نعم.
كيرلس: إذن هل يستطيعون من يريدوا أن يحفظوا إيمانهم ثابتًا ونقيًا وحرًا من أي شائبه، أن يؤمنوا بالله والخليقة في نفس الوقت، أم هل يستطيعوا أن يؤمنوا بالله جاعلين الابن مع الآب لأنه هو مساوٍ له في الجوهر؟
إرميا: يستطيعون هؤلاء أن يؤمنوا بإله واحد بمعني طبيعه إلهيه واحده مدركين بالطبع أنهم لن يحيدوا عن الطريق طالما أنهم لم يخلطوا طبيعة الله بالطبيعة المخلوقة.
كيرلس: هؤلاء إذن يوافقون على أن الإيمان بالابن هو الإيمان بالله الحيّ والحقيقي وهذا يتضّح وبدون مشقّه عندما نسمع الابن وهو يقول: “أَنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ فَآمِنُوا بِي“[63]. وهذا ليس معناه أن يؤمنوا بالخليقة والله معًا، بل على العكس فلأن الابن هو من نفس جوهر الآب لهذا فإن الإيمان هنا هو إيمان بالطبيعة الإلهية الواحده. وفي موضع آخر يقول: “الَّذِي يُؤْمِنُ بِي لَيْسَ يُؤْمِنُ بِي بَلْ بِالَّذِي أَرْسَلَنِي“[64] لآن الإيمان بالابن لا ينفصل عن الإيمان بالآب بل أن الإيمان بالابن هو الذي يقود المؤمن الحقيقي- عن طريق الابن- إلى الآب الذي وَلَده. كما أنه يمكنكِ بسهوله أن تعلم أن من كانوا قبلاً وثنييّن قد اعترفوا بالمسيح وسجدوا له، وذلك عندما تسمع بولس الرسول وهو يقول: “لِذَلِكَ اذْكُرُوا أَنَّكُمْ أَنْتُمُ الأُمَمُ قَبْلاً فِي الْجَسَدِ، الْمَدْعُوِّينَ غُرْلَةً مِنَ الْمَدْعُوِّ خِتَاناً مَصْنُوعاً بِالْيَدِ فِي الْجَسَدِ، أنَّكُمْ كُنْتُمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بِدُونِ مَسِيحٍ، أَجْنَبِيِّينَ عَنْ رَعَوِيَّةِ إِسْرَائِيلَ، وَغُرَبَاءَ عَنْ عُهُودِ الْمَوْعِدِ، لاَ رَجَاءَ لَكُمْ وَبِلاَ إِلَهٍ فِي الْعَالَمِ “[65]. إذن يمكن أن نفهم أن الأمم الذين كانوا يعيشوا بدون المسيح كانوا بعدين عن مَنْ هو بطبيعته الله، محرومين بذلك من الحقيقة لأنهم كانوا بلا إله في العالم. لكنهم عندما عرفوا الابن بالإيمان، وعندما اُستعلن للعالم الرجاء الصالح، وتطهّروا من ضلالات الإلحاد وابتعدوا عنها.
إرميا: بالصواب تتكلّم.
كيرلس: إذن الابن هو الله الحقيقي، لأنه هكذا ستبقي ولادتنا الجديدة بالمعمودية المقدسة، ولادة أصيله وبلا أي شائبه.
إرميا: وماذا يعني هذا؟ لأني لم أفهم ما قلت.
كيرلس: ألم نُولَد روحيًا[66] يا صديقي آخذين صورة ابنه وتشكّلنا حسب بهاءه الإلهي عن طريق الروح القدس فصرنا شركاء الطبيعة الإلهية، بنسبنا للابن الذي هو الله؟.
إرميا: بالطبع.
كيرلس: إذن كيف يكون الابن مخلوقًا؟ (وقد أتمّ كل هذا فينا)، لأنه إن لم يكن الابن هو مَنْ تؤمن به أنه من الله كيف لا يكون سرّ (المعمودية) مبنيًا على رَجاء باطل وفكر عقليّ فقط وسيكون في الواقع مجردّ خيال وخداع؟ فأي ختم الهي سنكون قد خُتمنا به في داخلنا حتى ولو كنا أخذنا شكل الابن إن لم يكن الابن بحق هو الله وليس مخلوق؟
والآن يجب عليك أن تؤمن أيضًا بأن الله الآب نفسه هو خالق لأن الصورة لابد وأن تشبه الأصل. أو جاوبني على هذا الأمر لأنني سوف أسألك: ألا توافقني على أن الطبيعة الإلهية- وفي أي صورة يمكن أن تدركها أنت- لا يمكن أن تقارن بالطبيعة المخلوقة وهي مختلفة عنها تمامًا وأنها لا تشابه بأي صورة من الصور أي من المخلوقات؟.
إرميا: أتفق معك تمامًا لأنه كيف لا تعلو طبيعة الله عن طبيعة أي مخلوق؟
كيرلس: وبالتالي فكلّ من لدّيه عقل سوف لا يقبل بأن تكون الطبيعة غير المخلوقه وغير المصنوعة هي صورة لأي طبيعة مخلوقه. أو حتى يمكنه أن يقبل أن يكون داخل مَنْ هو كائن في كل مكان ومَنْ هو بغير تغييّر، طبيعة أخري كانت غير موجودة وخُلِقتَ فيما بعد؟.
إرميا: بالصواب تتكلّم.
كيرلس: وأعتقد أيضًا أن العكس صحيح. بمعني أنه لا يمكن في داخل الشيء الذي لم يكن كائن دائمًا[67]، أن يوجد الشيء الذي هو دائم الوجود وغير المتغيّر[68].
إرميا: هذا حق.
كيرلس: إذن ما هو الأمر المستحق لكل أعجاب أكثر من أننا في داخلنا قد تشكّلنا حسب صورة الابن؟ وأين سطع الجمال الإلهى داخل نفوس أولئك الذين آمنوا كشيء غير معتاد بل وغريب؟ فبالتأكيد يوجد تشابه تام بين أحد الخلائق والخلائق الآخرى، وأن هذا التشابه لا يأتيهم من خارجهم بل تفرحنه قوانين الطبيعة، وعليه فإن كل الخليقة الباقية كانت تشبه دائمًا الابن الذي هو- حسب اعتقادهم- من بين المخلوقات. وبالتالي فأي بهاء قد تشكّل في نفوسنا بواسطة الروح القدس؟ لأنه سيتضح أن ما قد وُهب لنا كان بدون هدف لأننا إن لم تكن من حصلنا عليه (بواسطة الروح القدس) كانه سيكون في داخلنا حسب طبيعتنا وقد حصلنا عليه من ذواتنا وبدون أن نأخذه من آخر. غير أن هذا سيناقض كل ما هو سليم ومنطقي. لأننا نحن أي كل الذين آمنا صرنا شركاء الطبيعة الإلهية وذلك عن طريق علاقتنا بالابن بواسطة الروح القدس وهذا حدث ليس بطريقه ظاهرية بل بطريقه حقيقية، إذ عندما قبلنا هذا الصورة الإلهية فقد أعيدّت خلقتنا حسب هذا البهاء الذي يفوق كلّ الخليقة. لان المسيح يتشّكل داخلنا بطريقة لا توصف- ليس كمخلوق داخل (البشر) المخلوقين لكن بكونه هو غير المخلوق وهو الله، داخل طبيعة مخلوقه ومجبوله، مُشكّلاً إياها من جديد حسب صورته بواسطة الروح القدس واضعًا هذه الخليقة أي نحن، في مرتبه أعلى من رتبه كل المخلوقات.
إرميا: وبالتالي فلا يوجد ما يعوق أو يستبعد الابن الوحيد عن البنوّة الحقيقية، ويجب علينا أن نؤمن بأنه مولود غير مخلوق.
كيرلس: نعم، وذلك يكون بأن نقبل بالفعل بأنه إله حقيقي ونؤمن بأنه يجب أن يكرمّ منّا ومن كل الملائكة القديسين بالسجود وبأن يُعطىَ له كل المجد والكرامة الإلهية. لأنه لو عبدنا الخليقة دون الخالق، ولم نعطِ كَرامة للطبيعة الإلهية التي تفوق الكلّ ناسبين كرامة الخالق للمخلوق لاستحققنا أن نسمع عن حق قول النبي ” شعب جاهل لا يفهم“[69].
إرميا: غير أن هؤلاء لن يقولون عنه أنه ابن وإنه هو الله.
كيرلس: وكيف لا يكون قولاً غير متناسق ويدعو للسخرّية أن يُقال عن الابن أسماء مشتركه وألقاب متعددّة مثل أنه “صورة” الآب وفي نفس الوقت لا نُعطيه المجد اللائق بالله حاسبين إياه ضمن المخلوقات؟ أم ليس هو أمر شائن أن نقول إنه مخلوق مع أننا نعبده على أنه هو الله؟.
إرميا: بصواب تتكلّم.
كيرلس: إن كانوا يعتقدون كما يجب، فليكفوا عن محاولتهم بخداعنا بكلام مزيّن يبعدون به الابن عن الإلوهه الحقيقية. لأن هذا هو ما يقولونه بكل وضوح وهكذا يجدّفون عليه بطريقة مباشرة. وإلاّ فإنهم سيسمعون منا ومن الملائكة “يا هؤلاء جميعكم القادحين نارًا المتنطقين بشرار اسلكوا بنور ناركم وبالشرار الذي أوقدتموه. من يدي صار لكم هذا في الموضع تضطجعون”[70]. لأننا سنتبع الطريق المستقيم مؤمنين بأن الكلمة هو الله الحقيقي الذي وُلِدَ من الله الحقيقي بطريقه لا توصف. وعندما يتعقلّون قليلاً مع أنهم قليلى الفهم وحتى لو أنهم خففّوا من حدّه ضلالاتهم- حسب اعتقادي- فأنهم بالقطع لن يتراجعوا عما يقولون لأنهم بينما يعترفون بالابن على أنه هو الله لكنهم يحسبونه أنه أقل من الله (الآب) حسب الجوهر، ويضيفون قائلين إنه هو مخلوق اسمي قليلاً عن باقي المخلوقات جاعلين إياه (على الحدود) بين الطبيعة المخلوقة وغير المخلوقة. غير أنه يجب أن يعرفوا أن طبيعة الإلوهه يجب ألاّ تُفهم على أن بها اختلاف، لأن الله لا يمكن أن يكون آخر غير الله من جهة إلوهيته، مثلما الأمر في حالتنا نحن البشر. لأننا نقول أن الطبيعة البشرّية هي واحده وتوصيف الجوهر هو واحد ولا يمكن تغييّره. فإن كانوا يؤمنون بأن الابن هو الله، فليكفوا تمامًا عن أن يحسبوه بين المخلوقات، أما إن كانوا غير مقتنعين بألاّ يؤمنوا به على أنه ليس من بين المخلوقات، حينئذ لا يجب أن يعترفوا به على أنه هو الله. لأنه في هذه الحالة سوف نقول في سخرية “اِجْعَلُوا الشَّجَرَةَ جَيِّدَةً وَثَمَرَهَا جَيِّداً أَوِ اجْعَلُوا الشَّجَرَةَ رَدِيَّةً وَثَمَرَهَا رَدِيّاً“[71]. أم هل أننا يا صديقي لا يمكننا أن نعرف أحد المخلوقات بكل وضوح وبدون أي خداع عن طريق تلك الأشياء التي تؤمن أنها حقيقية؟.
إرميا: بالتأكيد.
كيرلس: هيّا بنا نتحدّث بالضبط عن ماهية طبيعة الابن، واضعين في اعتبارنا الآتي: لو أن الابن ليس هو الله بالطبيعة لكنه أتي إلى الوجود مثلنا- وذلك حسب أساطيرهم وكلامهم غير المعقول- فكيف يكون منفصل عن باقي الخليقة؟ وهل يمكن أن يكون هذا قد حَدَثْ بسبب بُعد المسافات بينه وبينهم؟ وكيف لا يكون مثل هذا الكلام سفسطه فلسفيّه؟ لأنه أين أو بأي طريقه يكون (الكلمة) غير المتجسد معزولاً في مكان ما او ما هو المكان الذي يستطيع أن يحده؟ وبخلاف هذا فإن يوحنا الطوباوي يؤكد أنه “كَانَ فِي الْعَالَمِ وَكُوِّنَ الْعَالَمُ بِهِ وَلَمْ يَعْرِفْهُ الْعَالَمُ“[72]. وبالتالي يا أرميا فإننا عندما نفكر بطريقه صحيحة في طريقة ابتعاده لا يستطيع إلاّ أن نقول إن العالم لم يعرف خالقه مع أنه هو الكائن دائما فيه.
إرميا: كيف لا يكون هكذا.
كيرلس: إذن فقد هرب العالم من خالقه، طالما أنه ابتعد عن الاتصال به، لأنه لم يعرف الخالق الذي هو اسمي من الخليقة. ولأنه أنعطف نحو الشرّ فإنه قطع علاقته بالخالق تلك التي كانت عن طريق الروح القدوس. لأنه بمجرد أن خُلِقَت طبيعة الإنسان بواسطة روح الخالق غير الموصوف في نفس الوقت زُينّت بهبه العلاقة بالروح القدوس لأنه مكتوب “وَنَفَخَ فِي أَنْفِهِ نَسَمَةَ حَيَاةٍ“[73]. لأنه كما أعتقد – لا نستطيع الكائن الحيّ أن تكون له هذه الدّالة وهذا التقدّيس بأي طريق آخر سوي عن طريق شركه الروح القدس. لأنه عندما تجسَّد الابن الوحيد وَجَدَ أن طبيعة البشّر خاليه من الصلاح الذي وَهَبه الله إليها في القديم عند خلقتها، لهذا أسرع بأن يشاركها من ملئه مثلما من نبع قائل “أقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ“[74]ومبيّنًا نفخه روحه عندما نَفَخَ في وجوههم. وهكذا كان تجديّد البشريّة وإعادتها إلى رتبتها الأولي مُماثلاً لما قد حَدَثَ عند خلقها في البدء، بينما نجد أن انفصال الطبيعة المخلوقة لا يُفهم على أنه بُعد مكاني بل بالحري على أنه بُعد هذه الخليقة عن الله وعن شركه الابن والروح القدس. لهذا فيمكن أن ترجع إلى حالتها الأولي لو أرادت- طالما أنها وُهبت التجديّد الروحي وهي مدّعوه لشركه الطبيعة الإلهية عن طريق الروح القدس. فلو كان الابن- حسب ما يقولون- هو واحد من ضمن المخلوقات، فبأي طريقه تكون الخليقة قد انفصلت عنه؟ لأن مَنْ تربَطهم علاقة قرابة هم دائمًا متحابون، ولن ينفصل أحدهم عن الأخر أبدًا، إذ أن كل منهم هو مثل الأخر مخلوق. بينما الغريب، أي الذي لا يكون من نفس الطبيعة، لا يوصف عاده بنفس صفات تلك الطبيعة، لأنه مختلف عنها، فكيف يكون (الابن) قد صار ضمن الخليقة عن طريق الروح؟ وما هو الشيء الذي يمكن أن يُضيفه أو يَهبه إليها، أو إلى أي مستوي يمكن أن ترتقي إليه هذه الطبيعة المخلوقة وما هو الشيء الفائق الذي يشكّله داخلها؟ وكيف يُقال أنه قد وَضَعَ نفسه[75] طالما أنه لا يحسب من ضمن مَنْ هم أعلى (لأنه هو مخلوق مثلنا حسب اعتقادهم)؟ أو أي تنازل قد احتاجه حتى أنه في تنازله هذا من علّوه فوق الخليقة، يكون قد اتحد بهذا العالم ويصير جزءًا منه، إن لم يكن هو اسمى من العالم والخليقة؟.
إرميا: أعتقد أنهم سيجدون صعوبة في الإجابة عن هذا السؤال؟
كيرلس: وما هو السبب الذي يجعل الابن وحده أن يكون حرًا ومخلّص طالما أن كل الخليقة تحني عنقها في عبودية لله؟ وسنكون غير عقلاء ومثرثرين يا صديقي لو أننا وضعنا الابن المولود من الآب حسب الطبيعة بين أبناء الله بالتبني لأنه هو أزلي مع الله الآب. وإن كان الابن هو مخلوق مثلنا فأين يوجد ومَنْ هو ذلك الذي يجب أن نتشبّه به ونتغيّر لنصير على حسب صورته؟.
أعتراضات المخالفين مبنيه على سوء فهمهم لبعض الآيات الكتابية:
إرميا: أظن أنك شرحت هذا الأمر بشكل واضح جدًا. غير أني أعتقد أن المخالفين سيقولون متسألين: وهل لم يذكر الكتاب المقدّس منذ القديم عن الابن أنه مخلوق، وهكذا إعترف به سليمان الحكيم عندما قال في الأمثال “اَلرَّبُّ قَنَانِي(خلقني) أَوَّلَ طَرِيقِهِ مِنْ قَبْلِ أَعْمَالِهِ مُنْذُ الْقِدَم“[76]. وأيضًا سيقولون بأن بطرس المميّز من بين الرسل قد قال “فَلْيَعْلَمْ يَقِيناً جَمِيعُ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ أَنَّ اللهَ جَعَلَ يَسُوعَ هَذَا الَّذِي صَلَبْتُمُوهُ أَنْتُمْ رَبّاً وَمَسِيحاً“[77]. فماذا نستطيع إذن أن نقول لو أنهم قد حاصرونا بمثل هذه الأقوال؟.
كيرلس: وماذا نقول أيضًا، إلاّ الذي هو بالفعل حقيقة؟ لأن الذهن الذي لا يستنير بالحكمة السمائيه التي تتدفق بغزاره من عند أبي الأنوار هو ذهن مُظلم وبالتأكيد لا يستطيع اجتياز ضباب صعوبات المعرفة. وأعتقد أن داود النبي عبّر عن هذا بقوله: “أنر عيني لئلا أنام نوم الموت”[78]. فهّلا نفحص بعناية وبذهن متقّد روحي، معاني هذه الآيات وبحاسة شم مدّربه نشتّم ونتتّبع أثار الحقائق غير المرئية وغير المدركة فيها. لأن الابن قد قال فعلا إنه مخلوق، لكنه لم يقل هذا بدون إيضاح السبب، لكن قال إن هذا قد تمّ “لأجل أعمال وفي بداية طرق الله الآب” وبالتالي فالخلق في هذه الحالة لا يمكن أن يعني أنه خُلِقَ من العدم، بل يعني استخدام مَنْ هو كائن بالفعل لأداء هذه الأعمال المزمع أن تجري. مثل النسّاج أو الحدّاد، فمع أنهما كائنان وموجودان بغض النظر عما يقومان به من أعمال إلاّ أنه رغبه مَنْ يريد أن يقوما بعمل من هذه الأعمال، هي التي تُكَلِف كل منهما بأداء عمله حسب مهنته التي يجيدها، وهذا ليس معناه أنه يحضرهما إلى الوجود. فلو أن الابن قال فقط “إن الربّ خلقني” ولم يضيف شيئًا بالمرّة على هذا القول لكان من الجائز أن يُفهم قوله بالمعني الذي يشير إليه المحرّفون، لكنه لم يقل فقط هذا بل أضاف أنه قد خُلق لأجل أعماله لأول طرقه. ودعهم يتركوا عنهم الاستخدام السيئ لمعني هذه الآيه وليُعطي لهم مثلاً آخرً أوضح. فعندما تقرأ ما قد كًُتب عن الله أنه “قد صار ملجأً وصخره”[79] فهل تقبل إذن بأن الله مخلوق لأن أحد قال عنه أنه قد صار ملجأً؟.
إرميا: مستحيل.
كيرلس: فلماذا يفكرون هؤلاء التُعساء بمثل هذه الطريقة مستخدمين أضاليلاً كثيرة كأسلحه يدّمرون بها أنفسهم، بينما كان من الواجب عليهم أن ينحازوا إلى الحقيقة وبالحري إلى ما يتضّح أنه قد قيل عن الله ليس من جهة الوهيته بل بسبب تجسدَّه واتخاذه طبيعة بشرّيه ومشابهه الابن لنا؟ وغير ذلك فإنه يجب علّى حِسب ما أظن- أَن أقول الآتي: في قوله إنه قد ُخلِقَ أضاف أيضا بأنه وُلِدَ لأنه قال “مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقَرَّرَتِ الْجِبَالُ قَبْلَ التِّلاَلِ وُلِدتَ“[80]. فإما أن نلغي عمليه الولاده لأنه قال إني خُلِقتَ أو نترك هذا التعبير ونؤمن بأنه وُلِدَ. لأن التعبيران يتصارعان فيما بينهما بما يحمله كل منهما من معانٍ، غير أن التعبيّرين هما حق. وبالتالي فالابن ذاته قد وُلِدَ فعلاً من الآب بكونه هو الله، وأيضا فإن جسده مخلوق[81] ويمكن أن نجد في الكتاب المقدّس ما يقنعنا بذلك عندما نقرأ ما قاله أشعياء النبي “هُوَذَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْناً وَيَدْعُونَ اسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ“[82]فكيف إذن يأتي الكلمة إلينا بينما هو الله إلاّ عن طريق قربي وصله تتفق مع قانون الأجساد؟ وكيف لا يكون هذا أمر غير لائق إذ أنه عندما قيل أنه يتخذ هيئتنا ويتنازل إلى تواضعنا ويصير بين الخليقه وهو غير المخلوق، لأنه حينئذ جاء إلينا مع أنه هو اسمي منا وأرفع، بقدر سمو الطبيعة الإلهية عن الطبيعة المخلوقة. لأن الطوباوي داود دعى الابن الوحيد الذي وُلد من الله (الآب) والذي هو أرفع منا بدرجه لا تُقارن ولا تقاس والكائن في المجد الذي لا يوصف، مُنشدًا وقائلاً “يَا رَبُّ لِمَاذَا تَقِفُ بَعِيداً؟ لِمَاذَا تَخْتَفِي فِي أَزْمِنَةِ الضِّيقِ؟” [83]. لأن ذاك الذي يختلف عنّا من حيث طبيعته الفائقة في كل شيء، جاء إلينا عندما قَبِلَ بإرادته أن يخلي ذاته. فإن قالوا إن الأمر ليس كذلك، فحينئذ لن يمنعهم أي شيء- على ما أعتقد- عن أن يقولوا بغير خجل، إن ما قيل عن أن الابن قد جاء إلينا، عندما صار إنسانًا، وهو قول بلا معني. لأنه متى كان الابن ليس هو معنا إن كان هو مخلوق؟
إرميا: بالصواب تتكلّم.
كيرلس: وعندما يُقال أنه جُعِلَ ربًا ومسيحًا فإنك يجب أن تفهم أنه وَضَعَ نفسه آخذًا شكل العبد بسبب أنه قد شابهنا. وواضح- على ما أعتقد- بل كان من الضروري أن الطبيعة الإلهية لا تتأثر بخصائص طبيعتنا البشرية، عندما تواضع بالجسد، حاملاً فيه دائما صفات العبودية والمذّلة، بل حتى عندما نُسِبَ للمجد الإلهي ما يليق فقط بضعف البشر. وبالتالي فلأنه صار- من أجلنا- في شكل العبد، ولأنه عاد إلى ربوبيته التي كانت له والتي لم تفارقه إذ أنها في طبيعته، فلهذا يقال أنه قد جُعِلَ ربًا وأنه جاء إلى عالمنا عندما اتخذّ جسدًا.
فلو كنا بصدد أن ننسب للكلمة (قبل تجسَّده) كل ما هو خاص بالجسد، أي كل ما حدث وقيل بسبب التجسَّد، فإننا سنكون منكرين للتعاليم الحقة في غير وقار شديد. لأنه قد خضع للناموس وصار مرئيًا وملموسًا ووُضع قليلاً عن الملائكة[84]“وَأُحْصِيَ مَعَ أَثَمَةٍ“[85]“مِثْلَ شَاةٍ سِيقَ إِلَى الذَّبْحِ“[86] وتعرّض لالآم الموت القاسية. فيجب ألاّ تُنسب لطبيعة الكلمة غير المتجسَّد، مثل هذه الأمور المتواضعة وغير الكريمة ودعنا نتسأل: ما النتيجة لو تمّ ذلك. أعتقد أن المحبوب والجليس مع الآب سيبتعد عن كل الأمور التي تجعله في المجد اللائق به كإله، أو بالحري لا يكون في مقام مساوٍ حتى للملائكة. وحينئذ لماذا بينما هو بالتأكيد يُمجّد إذ هو شريك العرش الالهي مع الآب، نجد أن الملائكة تقف حوله ماثله لآوامره كعبيد؟ وهو الذي بالقطع يُدعى ربّ القوات وهم الذين يمجدّونه بتسابيح تدلّ على ربوبيته قائلين إن السماء والأرض مملؤتين من مجده[87]، وبالتالي فإن قال المعارضون إنه مخلوق مع أنه يُمجّد حتى من الملائكة الفائقة المجد، أفلا يبيّن قولهم هذا أن عقولهم ثمله بل ومريضه جدًا؟.
إرميا: بالفعل لأن، هذا هو رأيّ أنا أيضًا لكنهم أيضًا يقولون إن الابن خُلِقَ لأجل أعمال الآب، ليس عندما اتخذّ الابن شكلنا، لكن عندما وُلِدَ من الآب لكي يعمل به الآب أعماله، فصار مثل الأداه التي أعطت للمخلوقات حركتها.
كيرلس: يالها من حماقة شديده. فأي كلام كان من الممكن أن يتحاشوه هؤلاء الذين ينسبون لله الآب أنه خَلقَ الخليقة بلا هدف وأن قوّه الخلق لديه هي ناقصه وأنه أخطأ فيما لا يجب الخطأ فيه وبالتالي فإن قوِّته الفائقة تصبح غير كاملة؟.
إرميا: كيف؟
كيرلس: ألاّ تفهم- وبغض النظر عن كل هذا- أنه إن كان يليق بالله الآب وبما لديّه من قدرات تتضّح في عمليه الخلق، أن يظهر كخالق وأن تكون طبيعته هكذا وأن يعمل كل ما يشاء، وبالتالي يتحاشى كل لوم، طالما أنه أجرى أعماله بطريقة أخرى ( أي ليس بواسطة الابن )، فكيف لا يكون قد ظَلَمَ الابن إذ قد أحضره للوجود بدون أن يستخدم أداة ووسيط لكن وهبه الوجود بقوته الخّلاقه؟ وكيف تكون بقية الخلائق- التي يقولون إنها أقل في المجد من الابن- قد جاءت إلى الوجود بطريقة أفضل وأرفع بينما الابن مع أنه ممجّد بخصائص طبيعية علويّه قد جاء إلى الوجود بطريقة أدنى وهامشية؟ لكن ربما يقول البعض إن الفعل الشخصي لله الآب كان أرفع ونتيجه لهذا الفعل الشخصي صار الابن. فلو قالوا هذا عليهم أن يجيبوا على هذا السؤال: ما هو الأمر الذي اقنع أراده الله الآب التي هي فوق كل تقدير ألاّ يُفضِِِّل الطريقة الأعلى على الطريقة الأدنى عندما أراد أن يخلق، بل ألاّ ينجح في عمل كان يجب عليه عمله، متجنبًا- بدون سبب- أن يتممّ ما كان يجب أن يتممّه؟
إرميا: وهل كان محتم على أبو كل الخلائق أن يخلق الخلائق بدون وسيط.
كيرلس: لماذا يا صديقي؟ وهل كان من الأصلح له أن يقبل مساعدة آخرين؟ إن مثل هذه الأقوال ستقود إلى أفكار كثيرة غير منطقيّة؟ فما الذي كان الآب في احتياج إليه، لأننى لا أرى ما هي الفائدة من الأداه أو الوسيط. لأننا لو رأينا أنه كان في احتياج حقيقى وأنه بسبب هذا الإحتياج ولأجل هذا الهدف قد خَلَق الابن، والذي يعتبره هؤلاء المعترضون أنه ضمن الخلائق، فكيف يكون من الممكن أن تكون للآب القدّرة الكاملة بكونه هو الخالق حينما يستجمع في نفسه- بواسطه أداه وفي آخر لحظه، قوته كي يستكمل تمامًا- كل ما هو له بالطبيعة؟ ولكن أقول ما هو أبشع إذ أن حسب تفكيرهم هذا، سيكون المخلوق هو مُكمّلاً للألوهه، وأن مَنْ اتخذ وضع الخادم يتبيّن أنه كان معونه ضروريّه للقوةّ البارئه التي لله الآب. وقلْ لى- بالإضافه إلى ذلك- كيف وبدون تدخل أى وسيط، كان سيقدر أن يَخلق الابن، لو كان هو بالفعل مخلوق، طالما أنه يتفوّق كثيرًا ويغير قياس؟. لأنى أظن أنه بسبب خجلهم من أقوالهم المشينة ضد الله فإنهم يتظاهرون بأنهم ينسبون إليه كرامات مزيّفة. فمَنْ كان هو قادر على أن يخلق بمفرده ما كان متفوقًا، وما كان عاليا جدًا، وبدون مساعدة كيف كان من الممكن أن يُظهر ضعفه أمام خلق الأشياء التي هي أقل إن كان ليس لديه مساعد؟ وبالتالى كيف لا يكون هؤلاء الذين يفكرون هكذا هم جديرون بالشفقه؟.
إرميا: ولِما لا؟ غير أنه من المُحتمل أن تسمع أشياء أخرى. مثل أن يقولوا إن الله الآب، قد خَلَق كل الأشياء بمفرده وذلك لأن هذا أمرًا بسيطًا.
كيرلس: وبعيد عن أي تجديف سيكون من الأصح وأنت تبتعد عن الأسباب المؤدية لهذا كله أن تقول: “اجْعَلْ يَا رَبُّ حَارِساً لِفَمِي. احْفَظْ بَابَ شَفَتَيَّ. لاَ تُمِلْ قَلْبِي إِلَى أَمْرٍ رَدِيءٍ لأَتَعَلَّلَ بِعِلَلِ الشَّرِّ مَعَ أُنَاسٍ فَاعِلِي إِثْمٍ“[88]. لأن مَنْ يقول إن الله الآب قد خَلَقَ كل شيء بمفرده لأن هذا أمرًا بسيطًا، كأنه يقول إن الله متكبّر ومعجب بذاته، وهكذا فهو ينسب لله مثل هاتين الصفتين السيئتين والمقززتين ومثل هذا الشخص هو جاهل ولا يعرف معنى الكلام. غير أنى أريد بدورى أن أسألك.
إرميا: عن أى شيء تريد أن تسأل؟
كيرلس: ألا يقولون إن الابن هو مخلوق؟
إرميا: نعم. لكن ماذا تقصد بسؤالك؟
كيرلس: لو نظرنا نحن- على قدر استطاعتنا- إلى ماهية تلك الطبيعة التي تتحكم في كل الخلائق، ألن نرى أن كل ما هو مخلوق هو ضئيل بالنسبة لها.
إرميا: بالفعل هو ضئيل.
كيرلس: ولهذا فقد أحسن الله عندما خلق الابن فقط. وكأنه عندما شعر بالخجل من باقي الخلائق الدنيا فقد تخلّص من أمر خلقتها بأن أوكل لآخر (أي الابن) أن يُحضرها من العدم إلى الوجود؟! في حين أننا نجد أنه بالنسبة لله فإن أجمل وأروع ما يظهر من مجده وعظمته هو قدرته على الخلق، طالما أنه هكذا نعرفه نحن ونعرف مَنْ هو أو كما هو مكتوب “فإنه بعظم جمال المبروءات يُبصر فاطرها على طريق المقايسة”[89] فإذا كانت الخلائق التي تعرف من خلالها تعتبر ضئيلة ومهملة فإن الله نفسه كان سيخجل من طبيعته مدركًا بالتالي أنها قبيحة فإن كانت الأشياء التي تظهر ويُعرَف من خلالها هي أشياء صغيرة وحقيرة، فإن الله نفسه كان سيخجل منها وهو مُدرك أن الطبيعة ليست رائعه. لكن أيضًا توجد أشياء رائعه في كل إنسان وكل ملاك والتي من خلالها تَظَهر حقيقة طبيعته، وكيف إنه لا ينقصه شيئاً، أو أنه يمكن أن يخجل من شيء يخص طبيعته إن أراد أن يُعرف (عن طريق طبييعته هذه). فإن كان الأمر هكذا (مع المخلوقات) فما هو السبب الذي يجعل الله يخجل ممّا يخصه، أو أن يعتبر ما يمكن أن يُعرف من خلاله أنه هو الله، أنه هو شيء معيب؟ وإن كان أمراً معيباً بالنسبة لله ولا يليق به كونه قد خُلق السيرافيم والملائكة الذين لا يقارنوا بالمّره بعظمة الله ورفعته، إذن فلأجل السبب نفسه لن يكون أمرًا وضيعًا أنه يريد من الملائكة أن تسجد له وتمجدّه؟ لأنه كيف لِمَنْ يزدرى أن يكون خالق للملائكة، أن يعتبر نفسه إلهاً لها؟ ولأى سبب يرغب في أن نكرّمه ونعبده طالما هو يزدرى من أَمْر خلقتنا من العدم؟ وكيف لا يتأثر مجده لو أنه اعتبر أن الأمر الذي من أجله يستحق التمجيّد هو أمر مهين؟.
إرميا: إذن لماذا يُقال إن الآب قد خَلَق كل شيء بالابن؟
كيرلس: يُقال هكذا لأن الآب خَلَقَ كل شيء بالكلمة والحكمة والقوّة المذّخرة فيه. لأن كل ما هو للآب هو للابن. لكن دعنا نفسّر هذا بالطريقة الآتية متبعيّن الطريق الملوكي سالكين باستقامة في الحق. ألا ترغب بشدة في أن توافقني على أنه طالما تقول إن الآب هو خالق، فبالضرورة لابد أن نفكر في أنه لا يخلق لا بدون قوّة ولا بدون حكمة ولا بدون كلمة؟
إرميا: بالطبع، فالضرورة تحتم ذلك، ولهذا فإن المزمور- من جهه أخرى- يقول إن الخليقة “كُلَّهَا بِحِكْمَةٍ صَنَعْتَ“[90] بينما يُحدثّنا إرميا النبى بطريقة رائعه ويقول إن الربّ هو “صَانِعُ الأَرْضِ بِقُوَّتِهِ مُؤَسِّسُ الْمَسْكُونَةِ بِحِكْمَتِهِ وَبِفَهْمِهِ بَسَطَ السَّمَاوَاتِ“[91]
كيرلس: ماذا إذن؟ ألم يَقُل لنا إرميا بكل وضوح إن كلّ الأشياء قد صارت بفهم الله وحكمته وقوّته، وأيضًا يقول يوحنا الحكيم إن كلّ الأشياء قد صارت بالابن؟ لأن “كُلُّ شَيْءٍ “ كما يذكر “كَانَ وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ“[92].
إرميا: نعم هم قالوا هذا، لكن ما يعني كل ما قالوه؟
كيرلس: إن ما قد قالوه يعضّد تأكيدنا على أن الابن هو حكمة الله وقوّته[93].
إرميا: لكن كيف ومِن أين يأتى الشك في هذه الحقيقة؟
كيرلس: تقدّم إذن وقُل لىّ: في أى من هذين الأمرين نعتقد: في أن الابن قد جاء إلى الوجود عن طريق حكمة وفهم وقوّة الآب؟ أم أنه قد جاء بدون حكمة وفهم وقوّة؟ وذلك لأنهم يقولون إن الابن مخلوق.
إرميا: إن هذا هو جهل تام بالحقيقة، لأن الآب لم يكن على الإطلاق بدون حكمة وقوّة.
كيرلس: بالصواب تتكلّم، وإنى امتدحك لأنك تفضّل أن تؤمن إيمانًا مستقيمًا سليمًا، غير أنه ماذا سيقول أولئك الذين يحسبون الابن ضمن المخلوقات؟ لأنه إن لم يكن الابن كائن منذ الأزل وإنه قد جاء إلى الوجود حسب قانون الخلق[94]، وأنه كان فقط حكمة وقوّة وفهم الآب، فيجب أولاً أن يعترفوا بأنه قَبَلَ وجود الابن كان الآب ضعيفًا لا قوّة له ولا حكمة ولا فهم وأن يقبلوا بأنه قد خََلَق الابن بدون حكمة وبدون قوة مع أن مُحاط بكثير من الأمور المدهشة وأنه لا يشابه بقيّة المخلوقات بل يتفوّق عليها بشكل لا يُقارن، ومن ناحية أخرى- مع أن كل كلامهم هو مُثير للضحك لإصرارهم على كل ما هو تجدّيف شائن- فإنهم لو أصروا على إعتقادهم بأنه من الضرورى أن يكون الابن قد جاء عن طريق حكمة الآب وقوّته، فحينئذ سيكون هو ذاته أكبر من ذاته، ولكن أيضًا خالق. بمعنى أن يكون الابن قد خَلَقَ نفسه، إذ هو كل حكمة وقوّة الآب- وصار إلى الوجود بقوّته وحكمته. هل تدرك إذن أن اسانيدهم يمكن تفنيدها من كل جانب؟
إرميا: نعم ادرك ذلك جيدًا.
كيرلس: بل ويمكن وبدون أى جهد أن تُفند عقيدتهم. وبعدما بَحَثنا في كلّ المعانى المُمكنه الخاصة بطبيعة الله، هياّ بنا ننشغل يا صديقى بالخصائص التي تليق بهذه الطبيعة وما هي وكيف أنها عظيمة ففيما يختص بالخلق، هل تعتقد أن الباعث أو الرائع في عملية الخلق هي الإرادة التي تمنح الخلائق عطية الوجود من العدم، وموافقة أحد هذه الخلائق (الابن كما يقولون) أن تأتي إلى الوجود بقية الخلائق التي لم تكن موجودة من قبل وبذلك يكتمل خلق كل الخليقة؟ أم أنه أحضر لنفسه إداة للخلق كان ضروريًا أن يستخدمها مثلما يفعل النحّات الذي لديه الأدوات التي يجب أن يستعملها كي يصير نحاتًا يقوم بتنفيذ الأعمال التي يعرف كيف ينحتها؟
إرميا: قُل ليّ: هل يمكن للمرء أن ينكر أنه يليق جداً بالله أن يخلق بإرادته هو وحده؟
كيرلس: بالطبع لا يمكن لأحد أن ينكر هذا، لأن الطوباوى موسى أوضح لنا هذا قائلاً إن الله هو الذي خلق وأن الخليقة لم تتمّ بطريقة أخرى وذلك عندما كتب: “وَقَالَ اللهُ: “لِيَكُنْ نُورٌ” فَكَانَ نُورٌ“[95] وهذا يعنى أنه بمجرد أن نَطَقَ الله، تحقّق ما نطق به بدون أى تأخير بسبب وجود الوسيط أو المساعد- كما يدّعي هؤلاء- يعمل وفق نظام محدد لأن كلمة الله هي قوة الخلق في حد ذاتها، فمجرد كلمة من الله، خلقت غير الموجودات وليس بإرادة أي من المخلوقات الآخرى. إذن فخلق المخلوقات تم بإرادة الله فقط. فإن كان يليق بالله الآب أن يخلق بمثل هذا الطريقة الرائعة، فلماذا إذن ينسبون له الحاجة إلى مساعدة آخر وسيط، الأمر الذي لا نعرف كيف اخترعوه وعبرّوا عنه بطريقة غير لائقه عندما قالوا إن وجود الابن كان ضروريًا كى يكون وسيطًا يخلق الآب عن طريقة بقيّه المخلوقات؟ لأنه من الواضح أنهم يجهلون أنه لو أنهم نادوا بأن الابن مخلوق وأنه يُحسب ضمن المخلوقات، فإنهم بذلك يظهرونه وكأنه أعلى وأفضل من الآب.
إرميا: بأى طريقة؟
كيرلس: إن كان الآب يَخلِقُ وهو مضطر عن طريق وسيط بينما الابن يفعل بمفرده ما يريد بإرادته وأوامره حينما قال بسلطان للأبرص “أُرِيدُ فَاطْهِرْ“[96] كما أنه أتى بأولئك إلى الحياة، هؤلاء الذين كان قد هُزموا من الموت، وأعطى العميّان نور البصر الذي لا يقدّر بشيء، إذن هل لن يلاحظ أحد أن هذا الوسيط أو الخادم والذي ليس هو حسب طبيعته هو الخالق- كما يعتقدون- هو في مجد أعظم وأنه هكذا سيكون الأداه، أفضل من الصانع؟.
إرميا: هكذا يبدو الأمر.
كيرلس: لماذ إذن يستخفون- بدون تبصّر- بأهميه أن يفكروا بطريقة سليمه، وينحرفون تجاه ما هو أشر تابعين ما يرون هم فقط أنه سليم؟ ناسين أن مَنْ يخلقه الإنسان لا يستطيع أن يصنع تلك الأشياء التي يخلقها الإنسان نفسه أو أن مَنْ يُصنع بواسطه آخر لا تكون له حسب الطبيعة وبكيفيّه لا تتغيّر، خصائص جوهر الصانع؟.
إرميا: كيف؟ لأن عكس هذا الكلام هو أيضا صحيح. لأنه لا يحدث أصلا على سبيل المثال أن يصير صانع النحاس أو نحات الخشب هو نفسه ما يصنعه من تماثيل نحاس أو خشب.
كيرلس: بالصواب تتكلّم، وأنا امتدح فيك هذا الاستعداد الروحى الجيّد. فلو كان الابن مخلوقاً، فبأى طريقة إذن يمكن أن يعمل أعمالاً مثل التي يعملها الله الآب؟ وكيف له وهو الذي يملك في طبيعته كل خصائص الجوهر الفائق، أن يستدعى بمثل هذه القّوة وبدون جهد، إلى الوجود كل ما لم يكن موجودًا، حتى أنه بمجرد إرادته يستكمّل كل الخليقة؟ أم هل ربما لم يكن من الممكن للآب نفسه أن يخلق بنفس الطريقة طالما أن طبيعته كافيه لتحقيق هذا الغرض كما أن قدرته لا تحتاج لمساعدة المخلوقات؟.
إرميا: بالفعل هو كذلك.
كيرلس: لأنه كما أن المصنوعات والأعمال الفنيّة التي يعملها الإنسان بيديّه لا تقدر ولا تستطيع أن تعمل ما يعمله الإنسان نفسه، هكذا وبالطريقة عينها- حسب ما أؤمن- فإنه ولا حتى المخلوقات التي خلقتها اليّد الإلهية، تستطيع أن تعمل ما يعمله الله ذاته. لكن لأن الابن قد خَلَقَ وفَعَل، لا يمكن أن يكون هو نفسه مخلوقاً من بين مخلوقات التي خلقتها اليدّ الإلهية، أو يكون قد خُلِقَ من العدم ليصير خالقًا، لأنه يملك خاصيه الخلق هذه في جوهرة وبدرجه ليست أقل ممّا يملكه الآب ذاته.
إرميا: غير أنه يُقال إن الابن قد خَلَقَ الخليقة بدافع من الآب لأنه يقول “الْكلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ لَسْتُ أَتَكَلَّمُ بِهِ مِنْ نَفْسِي لَكِنَّ الآبَ الْحَالَّ فِيَّ هُوَ يَعْمَلُ الأَعْمَالَ“[97]
كيرلس: أعرف تماماً أن هذا هو رأى المعارضون لأنهم لا يكفّوا عن تحرّيف الحقيقة وما كان يجب عليهم أن يفكروا فيه بطريقة حكيمه من جهه التدبير الألهى في سر التجسد، يتهكّمون عليه بالأكاذيب الكثيره. فلو أنهم صاروا بالفعل- في أغلبهم- رافضين ومُنكرين سّر تدبير تجسّد الكلمة، ومفسرّين حسب رغبتهم أى أقوال يريدونها، ولو أنهم أيضاً يتفقون مع أولئك الذين يفضلون أن يؤمنوا إيماناً مستقيماً بأن الكلمة الذي هو الله، قد تجسَّد وصار إنساناً، إذن فلماذا يظلمون حكمه التدبير الإلهى ويحرّفون معانى الكلمات التي تتفق تماماً مع هذه الحكمة، معطين إياها ما يريدون من معانى حاثين اتباعهم على إنكار طبيعه ومجد الابن الوحيد؟ لأنه بينما كان من الواجب على اليهود التعساء أن يعجبوا بالمسيح ممتدحين أعماله وممجّدين إياه بصفته أنه هو الله، إذ أن أقواله وتعاليمه كانت تفوق جداً ما جاء في الناموس، ومعجزاته كانت تتِّعدى كل منطق (بشرّى) إلاّ أنهم لم يفعلوا ذلك، بل أعربوا عن غضبهم مُهددّين إياه، بالقتل، ووصل بهم الحال إلى الاعتقاد في أن من واجبهم أن يجدّفوا عليه وهم يفعلون ذلك بدون أى تقوى. لهذا فقد قالوا مرّه “هَذَا لاَ يُخْرِجُ الشَّيَاطِينَ إِلاَّ بِبَعْلَزَبُولَ رَئِيسِ الشَّيَاطِينِ“[98] ومرّه أخرى قالوا: “مِنْ أَيْنَ لِهَذَا هَذِهِ الْحِكْمَةُ وَالْقُوَّاتُ؟“[99]غير أن سّر التدبير الإلهى كان أمراً صعباً وعسر الفهم بالنسبه لأولئك الذين وُجِدوا في تلك الحاله، أى كون أنه هو إله حق من إله حق، وأنه قد استُعلِنَ من أجلنا وصار انساناً مثلنا، كى يقول بكل وضوح: “أننى بالفعل حكمة وقوّة كما أننى الفاعل في كل المعجزات، وأيضاً أن سلطانى غير مُكَتسب ولا أنا أفتخر بشيء هو غريب عنى بل أن لى سلطان في ذاتى ولىّ الحق أن افتخر بكل ما أعمل لأنها أعمال خاصة بى وحدى”. لأنه إن كان قد قال هذا، لَمَا كانوا قد قبلوه منه وهم الذين رغم كلماته المعتدله، كانوا قد ثاروا ضده في كل مرّه كان يتحدّث فيها معهم في أمور تفوق إداركهم البشرى. وهو قد أبعدهم عن حماقاتهم الكبيرة وقادهم رويداً رويداً إلى الفهم العميق وبطريقة حكيمة جداً أبعدهم عن اعتقادهم بأن ربّ الكلّ يعمل المعجزات باسم بعلزبول، حيث نسب النتائج المبهره لكل أفعاله إلى قوّة الآب التي لا توصف، مُعطياً الطبيعة الإلهية كل ما يليق بها. ولأن الابن كائن في الآب الذي وَلَده، وبسبب حقيقه أنهما واحد في الجوهر تماماً، فقد قال الابن إن الآب كائن فيه ويعمل هذه الأعمال. إذ أنه لا يجب أن يعتقد أحد- لو كان تفكيره سليماً- أن الأفعال التي تليق بالله والتي تكشف عن هويته، هي أفعال جسّديه أى أفعال بشرّيه حينما نفكر فيها بمفردها وفي حد ذاتها. وأيضا فأنا لا أعتقد أن هذا الكلام يبعد بعيداً عن طريقة التفكير المستقيمه.
إرميا: اطلاقاً، فهذا كلام صحيح.
كيرلس: وبالإضافه إلى ذلك، فانى أكاد أن أقول إن أقوالهم عينها تتعارض مع بعضها لو ظنوا أن الكلمة يعمل بمشيئته وحده فقط (دون مشيئه الآب)، وهم بذلك لا يوقرون الآب أيضاً.
إرميا: قل لىّ كيف؟ لأنى لا أستطيع أن أفهم قصدك.
كيرلس: إن ما يعطيه شخص آخر- يا صديقي- ألا يمكنه أن يسترده منه- حتى وإن لم يفعل لأنه فكر في أنه يجب ألاّ يسترده- لأنه يملك القدره على ذلك؟! وما لا يملكه الإنسان في طبيعته بل هو مضاف إليه من خارجه، ألا يمكن أن يُسترد منه طالما أن هذا الشيء قابل للاسترداد حتى وإن كان هذا الأمر لا يحدث بالمره؟!
إرميا: بالتأكيد.
كيرلس: انتبه إذن لأن عدم التقوى تجاه الابن وحيد الجنس هي عظيمة. لأنه إن لم يكن بمفرده يفعل هذه الأعمال بل يستمد قوه من الآب كى يخلق فما هو الأمر الذي يضايقهم حتى أن يقولوا معنا “وَلَكِنْ بِنِعْمَةِ اللهِ أَنَا مَا أَنَا وَنِعْمَتُهُ الْمُعْطَاةُ لِي لَمْ تَكُنْ بَاطِلَةً“[100]؟ وكيف كان من الممكن للرسول الحكيم جداً بولس- لو أراد أن يكون صادقاً- أن يكتب قائلاً “نِعْمَةٌ لَكُمْ وَسَلاَمٌ مِنَ اللهِ أَبِينَا وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ“[101]؟ وكيف يكون من يتلقى نعمته من الخارج أن يكون هو ذاته واهباً للنعمة مع الآب؟ ولا أعتقد أنه سيكون من الصواب والحق أن يؤمن شخص بأن صفة الخلق لدى الابن وحيد الجنس هي بدون هدف، وأنه سيأتى وقت سيعانى فيه الابن وذلك لو أراد الآب أن ينزع منه ما قد وَهَبه أياه وأن يُبعِد عن طبيعة الابن تلك الطاقه التي عن طريقها- كما يقولون- نشط الابن وصار خالقاً. لأن من ينشط بواسطه آخر يمكن ان يَسْكن ويكون في حالة خمول عندما تكون حركته ليست هي ثمره لطبيعته الخاصه.
إرميا: هذا صحيح.
كيرلس: وبالاضافة إلى هذا فإنه سيتضحّ من الكلام الآتى أن ما يقولونه لا أساس له بل أنه سفسطه مملؤة بالشر.
إرميا: أى كلام تقصد؟
كيرلس: ألم تسمعهم أخيراً عندما كانوا يتناقشون معنا بشأن الآب عندما علّوا من شأنه جداً (بالمقارنه بالابن) الذي أهانوه بكلام مشين، لأنه حينئذ قالوا بإن الابن قد جاء إلى الوجود (خُلق) كضرورة وحتمّيه وذلك لأنه كان يليق الآب أن يخلق بنفسه، لذا خلق آخر (الابن) الذي هو أقل منه ليتم به عمليه الخلق هذه. ولأن خلق الخليقة كان وشيكًا أن تحدث، فلهذا، أحضر الآب الابن إلى الوجود كى يخلق (بالابن) الخليقة الآخرى التي كانت أقل منه.
إرميا: بالفعل لقد سمعت هذا.
كيرلس:وما مصير تفكيرهم “الحكيم” لو كان الآب قد خلق كل شيء بواسطة الابن؟ لأنه أن يفعل أحد شيئًا عن طريق شخص آخر، وهذا الآخر ليس له الامكانيه أن يفعل شيئًا من ذاته أو بإرادته الذاتيه بل يكون- بطريقة ما- مجرد أداه، فأنا- على الأقل- كنت سأقول وبدون تردد إنه قد تم ما يريد بنفسه وليس بواسطه آخر. وسيكون من الحماقه أن نقول أنه لا يليق بالله الآب أن يخلق بقية الخلائق لأنها ضئيله بالنسبة له والأمر ليس كذلك بالنسبة للابن. لأنه ما هو الكائن- الذي طالما هو محسوبًا من ضمن المخلوقات- لا يكون ضئيلاً بالمقارنه بطبيعة الله؟ لأنهم بينما يفحصون الطبيعة غير المفحوصة، يصفون بعضًا من الخلائق أنها ضئيله بالنسبة لها، غير عابئين في نفس الوقت بمن هو أعظم بما لا يقاس من طبيعة المخلوقات، بل ويثرثرون عليه .
إرميا: إن كلامك رائع.
كيرلس: دعنا يا إرميا إذن من كل عبارات المديح وهيّا بنا نتكلّم بكل جديّه ونذكر ما هو وحده حق والذي تعلّمنا أن نعترف به وهو أن الابن الوحيد هو الله وأنه قد أتى- حسب الطبيعة- من الله الآب. ولأن “الله” هو بالفعل كائن وأن طبيعته غير المخلوقه هي بلا بدايه وأزليّه، إذن فلتبطل وبدون رجعه كل الخداعات والخيالات. لأنه كيف يمكن أن نقبل بأن الكلمة الحقيقى لله قد صار فيما بعد وأنه مخلوق، ولا يقول كل أحد ممّن يفكرون بطريقه سليمه- على ما أعتقد- أننا قد انحرفنا عن التفكير الصائب؟، أو هل يمكن أن تجاوبنى عندما أسألك: هل تنكر أن ما أقوله صحيح؟ لأنه عندما يقول المرء “ابن الله” فأنى أعتقد (مع أن كثيرين قد نالوا التبنى) أنه لا يمكن إلاّ أن يقصد- وأيضاً من يسمعه- ذلك الذي هو ابن وحيد بالحقيقة، حسب الطبيعة أم ربما يبدو لك أن الأمر ليس كذلك؟
إرميا: بالفعل.
كيرلس: إذن فكما أن الله هو بالنسبة لنا واحد وهو الإله الحق حسب الطبيعة، فلوا أراد أحد أن يعرّف إلهنا حتى بدون أن نضيف إلى اسمه أى اسم آخر، فإنه لن يراودنا حتى مجّرد التفكير في أننا نقصد إلهًا آخر مع أنه توجد أسماء كثيرة لله في السماء وعلى الأرض كما هو مكتوب[102]. وهكذا فعندما يشير المرء إلى اسم ابن الله فإن تفكير أولئك الذين يحبون الله سيتّجه مباشرة إلى الابن الوحيد والحقيقى وسيضيف إلى الاسماء الباقية هذا الاسم أيضاً.
إرميا: اسم مَنْ تقصد؟.
كيرلس: ألا توافقنى يا صديقى أن مَنْ هو كائن بالفعل هو واحد فقط وليس كثيرون؟ هذا هو الله بمعنى طبيعة الله.
إرميا: اتفق معك.
كيرلس: إذن تلك الأشياء التى خُلقت وجاءت إلى الوجود بواسطته، أليست هي كائنات؟
إرميا: هي كائنات، وكيف لا؟. غير إن تلك الكائنات الموجودة هي مشابهه للكائن الحقيقي.
كيرلس: لقد تيقنتّ أنك تعرف الحقيقة بطريقة جيده جداً. لأن ما هو مشابه يكشف لحد ما المجد الطبيعى للكائن الحقيقي.والكائن الحقيقي إذن هو واحد. وبنفس الطريقة، على ما أعتقد مع أن كثيرين يدعون آلهه وأبناء إلاّ أن واحد هو حسب الطبيعة هو الابن وهوالله، إذ إنه مولود من طبيعة الآب بطريقة لا توصف. لهذا فإنه من الحسن جداً أن نعترف نحن به مع الملائكة أنه أزلى مع الآب وبأنه لم يُخلَق مثل بقيّة المخلوقات حسب ما يتصّور المنحرفون بأن فكرهم هذا هو معتقد صحيح مع أنهم يجهلون الحق الذي هو المسيح الذي له مع الآب والروح القدس المجد من الآب وإلى الابن أمين.
[7] سبق ان أشار القديس كيرلس إلى هذه النقطة الهامة في حواره الثاني. انظر حوار حول الثالوث ج1، مركز دراسات الآباء، ص ، وهذا التعليم نجده أيضًا في تعليم القديس أثناسيوس
[41] هنا يكمن مبدأ الاعتماد على التقليد الكنسي باعتباره مصدرًا للتعلّيم في الكنيسة إذ لابد من الرجوع لتعاليم الآباء الكبار فيما يخص عقيدة الكنيسة وإيمانها ولقد سبق للقديس كيرلس أن أشار إلى هذه الأهمية في حواره الأول. أنظر الحوار حول الثالوث. المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية. ج1 ص17.
[46] والتي هي ضد ما فعله الابن عندما تجسد وجعلنا ابناء.
[47] تكوين26:1 في موضع آخر استخدم القديس كيرلس هذه الآية لشرح عقيدة أن الله هو جوهر واحد وثلاثة أقانيم أنظر: الحوار حول الثالوث. المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية ج1 ص وهنا يستخدمها لبيان دور الله الآب، الإيجابي في عملية الخلق. هذا الدور كان من الممكن ألاّ يكون إيجابيًا كنتيجه لتفكير المعارضين وثانيًا: للتركيز على العمل المشترك لأقانيم الثالوث كنتيجة طبيعية لوحدة الجوهر بينهم.
[76] أمثال22:8سبق أن شرح القديس أثناسيوس نفس هذا المعنى الصحيح لهذه الآية للرد على الأريوسيين الذين أنكروا إلوهية الابن المتجسد. أنظر المقالة الثانية ضد الأريوسين ص87.
[81] سبق أن عالج القديس أثناسيوس هذه القضية ورد على الذين كانوا يتصورون أن جسد المسيح غير مخلوق بل هو واحد مع الكلمة في الجوهر. أنظر. المسيح في رسائل القديس أثناسيوس. المركز الأرثوذكسي لدراسات الآباء بالقاهرة. الرسالة إلى ابكتيتوس.
حوار حول الثالوث ج2 (الحوار الثالث) – القديس كيرلس الاسكندري
حوار حول الثالوث ج2 (الحوار الثالث) – القديس كيرلس الاسكندري
الحوار الثالث
” إن الابن هو إله حقيقى كما أن الآب إله حقيقى “
هل الابن هو إله حقيقي كما أن الآب إله حقيقى؟
كيرلس: إنى أعرف جيدًا يا إرميا أنك أنت أيضًا تقول إنه يجب أن نُظهر اهتمامًا كبيرًا بالفضيلة وأن نتعمق على كل حال في كلمات الإيمان[1]، لأن مثل هذه الكلمات هى خاصة بالله. ولهذا فإن الكتاب يقول ” ولتكن هذه الكلمات التي أنا أوصيك بها اليوم على قلبك وقصّها على أولادك وتكلّم بها حين تجلس في بيتك وحين تمشى في الطريق وحين تنام وحين تقوم“[2].
لأنه إن كان كلام الله في أفواهنا دائمًا فإن هذا سيكون له ـ كما أعتقد ـ نفع كثير لحياتنا الروحية، كما أتصور أن كلام الله هذا لا يناسب الجميع بل فقط أولئك الذين لهم الاهتمام أن يعيشوا حسب مشيئة الله[3].
إرميـــا: إنى أتفق معك فيما تقول، لأنه لا يوجد شئ أفضل من هذا. ولأننا نتكلّم في الوقت الحاضر عن ولادته الإلهية التي لا توصف وأن الابن لم يأتِ إلاّ من الآب، إذ وُلِدَ من جوهر الله الآب[4]. فما هو الأمر الذي يجعل المعارضين يؤمنون بأن الله هو واحد، الذي هو الآب وأنه إله حق، ولا يحسبون معه أحدًا آخر بالمرة، بل ويبعدون الألوهة الحقة عن طبيعة الابن الوحيد والحقيقى، ذاتها؟
كيرلس: أنا نفسى أتساءل عن هذا الأمر الذي يبعدهم بعيدًا، والذي يجعل “من جفنة سدوم جفنتهم، ومن كروم عمورة. عنبهم عنب سم ولهم عناقيد مرارة. خمرهم حمة الثعابين وسم الأصلال القاتل“[5]. لأنهم وهم سكارى بسبب ضلالاتهم والتي لا أعرف أين وجدوها، فإنهم يتفوهون من أعماق قلوبهم الماكرة بأمور شريرة. وهم قد تركوا ألسنتهم بدون أى ضابط لينطقوا بالتجديف على الابن[6]، إذ أنهم في هذا يعانون من عدم الفهم الذي يصاحب عدم التقوى الذي اتصف به الفريسيين. ولهذا فإنهم يستحقون أن يسمعوا ما قيل للفريسيين ” يا أولاد الأفاعى كيف تقدرون أن تتكلّموا بالصالحات وأنتم أشرار“[7]. ومع أنه ـ بالتأكيد ـ كان يجب مع تمسكهم بطريقة البحث الدقيق، ألاّ يعتقدوا أن ما يبدو لهم أنه صحيح، ليس بالضرورة أن يكون هو السليم والذي لا يقبل النقض. ويجب عليهم أن يبعدوا بأسرع ما يمكن عن تلك الأمور السطحية. لأنهم لو حاولوا البحث بتدقيق في الأمور التي تساعد على فائدتهم وعلى الحكم السليم على الأمور، فإنهم سيتمسكون بتعاليم الحق الإلهى.
لأنى أعتقد أنه من خيالات العقل واضطرابه أن يدّعيَّ المرء أن الابن المولود من الله مثل الكلمة من العقل ومثل الشعاع من النور[8]، ليس هو الله الحقيقى حسب الطبيعة. كما أعتقد أنه من طياشة العقل أن ينساق المرء وراء أفكار لا هدف لها، وأن يتفاخر بتزييف معانى مصطنعة. أليس من الأفضل أن نتعلّم أنه حيث توجد الولادة حسب الطبيعة تكون هناك بالتأكيد علاقة بين الوالد والمولود منه[9]. وأن هذه العلاقة ليست هى علاقة نسبية أو علاقة غير حقيقية بل هى علاقة طبيعية[10]؟ لأن المولود بالحقيقة يأتى من ذات جوهر الذي وَلَده. فكيف يكون إذًا ذلك الذي وُلد من الله، ينقصه شئ أو يكف أن يكون ـ حسب رأيهم ـ هو الله بالحقيقة؟
إرميـــا: نعم، ويمكننى أن أقول: إنه هو الله وأنه أتى من الله لكن بطريقة مختلفة.
كيرلس: إذًا، ما هو بالضبط هذا الشئ المختلف. لأنى لا أستطيع فهمه بوضوح وربما استطعت أنت أن تقوله لى، إن كنت تعرف شيئًا، لأنه من الطبيعى أن تكون قد سألت عن هذا الأمر؟
إرميـــا: بالفعل قد سألت. هم يقولون: إن الآب هو إله حقيقى غير أن الابن ليس كذلك حتى لو كان يدعى الله. ويقولون: إن الابن يأتى فقط من الله بمعنى أنه يأتى من الله لأن كل الأشياء هى من الله.
كيرلس: هذا بالطبع يعنى كأنهم يصرخون عاليًا، وقد تركوا تمامًا كل إحساس بالخجل، ويقولون إن الابن ليس هو الله بل هو مساوٍ لكل المخلوقات في طريقة الخلق فهو قد وُلِدَ ووُجِدَ من العدم وحُسِبَ من بين المخلوقات كواحد منها.
وأعتقد أنه من الحكمة الفائقة أن تجرد كلامهم من كل تزويق وألاّ تترك المعارضين يزيّنون كلامهم عن ـ طبيعة الابن ـ بكلام معسول، فهم لا يؤمنون على الاطلاق بأى شئ حقيقى عنه، ولتقنعهم بأن يقولوا ما يؤمنون به عنه علنًا، لأنى أعتقد أن كلامهم الهزيل سيُنتقد أيضًا علنًا. ويستطيع المرء أن يُدرك حقيقة كون الابن قد أتى من الآب، إن كان عقله غير فاسد ويؤمن بأن هذا لا يعنى شيئًا آخر غير أن الابن قد وُلِدَ[11]. أما أنه قد صَدَر من ذات جوهر الآب[12] فقد بيّنه الحوار الذي أجريناه مؤخرًا[13]. وأعتقد أن على كل عقل يعرف كيف يبحث في العمق، أن يشجع هذا الحوار.
إرميـــا: إنه أمر طيب أن تكون راغبًا في هذا، أما الاعتراضات التي يمكن أن يثيروها على حججنا فهى كالآتى:
يقولون: إن واحد فقط يُدعى الله في العهد القديم كما في العهد الجديد. لأن موسى قد قال ” اسمع يا إسرائيل. الرب إلهنا رب واحد“[14]. وأيضًا يصرخ الرب قائلاً: ” انظروا الآن. أنا أنا هو وليس إله معى“[15]. وأيضًا ” أنا الرب الأول وأنى كائن إلى الأبد ولا يوجد إله لك غيرى“[16]. كما أن الابن نفسه يقول للآب ” هذه هى الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقى وحدك“[17]. وهم يستطيعون بسهولة أن يشيروا إلى آيات عديدة مثل هذه وسيحاولون بوجه عام تفسيرها مستخدمين حججهم، وهم يتوقعون أن البعض سيؤمن بسرعة أن الآب هو فقط الإله الحقيقى وأنه لا يوجد آخر غيره قط.
كيرلس: لكن قل لى: لماذا يتعبون أنفسهم في محاولة إقناعنا بما يقولون؟ فنحن لا نحتاج إلى مجهود على الاطلاق ـ أيها الحبيب ـ لكى نوافق مباشرةً على ما يقولونه ونؤمن بالآب الإله الحقيقى حسب الطبيعة وذلك وفق نص قانون الإيمان[18]. وهل يمكن للمرء أن يعترض على هذا، وماذا تكون حجته؟ أما إذا قالوا: إنه لا يوجد إله غيره إطلاقًا (في كل الوجود) فإن هذا لا ينطبق على طبيعة الابن في شئ، لأنه بطبيعته مختلف عن كل (الآلهة المخلوقة)[19] ولا يُحسب ضمن المخلوقات إذ هو كائن دائمًا مع أبيه مُشرقًا دائمًا معه وهو يُدرَك دائمًا مع الذي وَلَده في طبيعة إلهية واحدة. واحد إذًا هو الله وهو الإله الحقيقى لأننا قد عُتقنا من تعدّد الآلهة وطالما قد تنقينا أخيرًا من لطخة تعدد الآلهة وعرفنا الرب الحقيقى الواحد، لنترك الآن هذه الأمور ولنأتى إلى موضوعنا لأنى أظن أنه يجب أن نفعل هكذا.
إرميـــا: أى موضوع تقصد؟
كيرلس: قول الابن إن الآب هو الإله الحقيقى وحده.
إرميـــا: نعم هكذا قال.
كيرلس: والعهد القديم قال لنا أيضًا أنه لا يوجد إله آخر سواه.
إرميـــا: بالفعل.
كيرلس: هيا بنا أيها الحبيب نحن أيضًا إلى الكتب المقدسة[20] ـ ولنفحص بتدقيق كلام القديسين. هلم إذًا لنفحص ربما وُجد مَن دَعىَ الابن ووَصفَه بأنه إله حقيقى وحده.
إرميـــا: بالصواب تتكلم.
كيرلس: إذًا سنرى أمامنا يوحنا الحكيم والذي دُعى ابن الرعد[21]، يصرخ قائلاً ” ونعلم أن ابن الله قد جاء وأعطانا بصيرة لنعرف الحق ونحن في الحق في ابنه يسوع المسيح هذا هو الإله الحق والحياة الأبدية“[22]. ويقدّم لنا العون أيضًا باروخ الذي يعلن بوضوح طبيعة ومجد الابن ويصرخ بنفس الطريقة ويشير إلى نفس الأمر بقوله ” هذا هو إلهنا ولا يحسب آخر تجاهه هو وجد كل طريق التأدب وأعطاها ليعقوب غلامه وإسرائيل المحبوب منه. بعد هذا ظهر على الأرض وتصرف مع الناس “[23]. وأيضًا نستطيع أن نقول إن الرسول بولس الطوباوى قد حدّثنا عن رب وهو يسوع المسيح وأيضًا داود ينشد بوحى الروح قائلاً: ” لأنه مَن هو إله غير الرب وهل يوجد إله سوى إلهنا “[24]. إذًا لقد دُعى الابن الوحيد الجنس بأنه الإله الوحيد والحقيقى وذلك بطريقة واضحة وأكيدة في الأسفار المقدسة.
إرميـــا: هذا حق.
كيرلس: بالنسبة لنا طالما أن الآب هو وحده الإله الحقيقى، فإن الابن أيضًا هو إله مساوٍ له ولا يوجد أى اختلاف بينهما (في الجوهر) ولا يمكن أن يُحسب معهما أحد آخر على الاطلاق. إذًا إلى أين يتجه فكر هؤلاء الذين يعتقدون بما ينادون به، لأن طبيعة الآب والابن ستَحُول دون ذلك الفكر وإلاّ كانت غير مستحقة للمجد اللائق بها كطبيعة إلهية طالما أنها ستكون متغيّرة وغير ثابتة؟[25] وبالعكس لو أننا نسبنا للابن فقط الألوهة الحقيقية ولم نحسب معه أحدًا غيره إلهًا، أفلن نُحد بذلك من مجد الآب، الأمر الذي لا يحق لنا أن نقوله؟ أَوليس غير صحيح أن نقول إنه طالما نقبل أن الآب فقط هو وحده الإله الحقيقى أننا نؤكد بذلك فورًا أن الابن له طبيعة مختلفة عن الآب وبالتالى فإننا نجرده من الألوهة الكاملة وبالتالى تكون له طبيعة أخرى؟
إرميـــا: بالطبع إن معانى الكلمات[26] تقود إلى هذا الفكر. ومع هذا فالمعارضون لديهم الحق في أن يقولوا بأنه إن كان الابن هو إله حقيقى فإن هذا سيمنعنا من القول بأن الله هو واحد بل سيضطرنا إلى القول بأنه اثنين.
كيرلس: إن تلك الأمور الغريبة التي ينادون بها هى غير واضحة بالمرة، ويمكن اعتبارها أنها طريقة من طرق التجديف المعروفة التي تنتشر بسرعة. غير أن هدفنا ليس هو أن نفحص من أين يأتى هذا التجديف بل بالحرى أن نعترف أنه يجب أن ندرك كيف أن الابن قد وُلِدَ من جوهر الله الآب وأنه إله حق من إله حق[27] وأنه لم يولد من طبيعة غريبة ومختلفة، وأن له كل ما للآب حسب الجوهر عدا كونه أبًا[28]. وإذ نحصى الروح القدس مع الآب والابن في الألوهة الواحدة، فإننا هكذا نسجد لثالوث واحد مساوٍ في الجوهر الإلهى.
إرميـــا: لكن إن قالوا إنه لو قبلنا بوجود ثلاثة أقانيم، فإنه سيمكن أن نفهم حينئذٍ أن الألوهة مثلثة (أى يوجد ثلاثة آلهة).
كيرلس: بالنسبة لنا فإن الحقيقة الإلهية تعلّمنا[29] أن الأمور ليست هكذا. لأننا قد تعمدّنا باسم الآب والابن والروح القدس[30]، وبالطبع لا نقول إننا نؤمن بثلاثة آلهة، لكن بألوهة واحدة ممجدّة في الثالوث القدوس[31]. فلماذا إذًا تتسرع محاولاً أن تُخضع تلك الأمور التي تفوق العقل لأفكار بشرّية[32]، تلك الأمور التي أعتقد أنه يجب أن يُنظر إليها فقط بالإيمان الخالى من كل شك؟ لأن التساؤل عن ماهية الثالوث وعن طبيعة الألوهة هو أمر غير لائق بالمرة ويدل على عدم التقوى[33]. وعلى عكس ذلك فإن التقوى هى أن نرغب في أن نفكر بطريقة سليمة كيف أننا نسجد للثالوث القدوس الإله الواحد. أتوافق إذًا يا إرميا على أننا نفهم هذه الأمور ونؤمن بها بطريقة صحيحة، بينما المخالفون يحاولون بكل الطرق أن يخترعوا أمورًا غريبة وأفكارًا شاذة لا تخطر على فكر أحد؟
إرميـــا: صحيح، وأنا أعرف أنهم يحاولون ذلك، لكن كيف يكون الله الذي نؤمن به واحدًا بينما نقول إن لكل من الآب والابن أقنومه الخاص؟
كيرلس: إن ما يساعدنا في فهم هذا الأمر هو أن نأخذ في اعتبارنا حقيقة وحدة الجوهر، تلك الوحدة التي بها يكون للأقنومين جوهر واحد، مع حفظ ما يخص كل منهما كأقنوم وألاّ تُنسَب الإزدواجية إلى الطبيعة البسيطة[34] ولا حتى بسبب الخوف أننا ربما نخدش بساطة الطبيعة عندما نتحدث عن أقنومين. ونستطيع أن نبيّن أن الكلام عن وحدة الجوهر هو كلام حق من كل الشهادات التي وردت عن الابن في الكتاب المقدس. بمعنى أنه لأن الآب بطبيعته هو الله بالحقيقة فإنه سيقبل أن يكون الابن بطبيعته هو الله بالحقيقة، بسبب أن لكل منهما أقنومه الخاص ولهما نفس الجوهر. وليست هناك طريقة أخرى لذلك عدا أن يكون الابن من ذات الآب وأن الابن له في ذاته نفس طبيعة الذي وَلَده، وبهذه الطريقة يمكن أن يُفهم ما يقال بأن الابن والآب هما واحد. وهكذا، فعلى سبيل المثال نجد أن فيلبس قد وُبِخَ لأنه لم يعبّر عن عطشه للمعرفة بكلمات واضحة. وإذ كان من الممكن أن يرى وبكل وضوح طبيعة الله الآب في شخص الابن فإنه قال ” يا سيد أرنا الآب وكفانا “[35]. والرب قد أجابه قائلاً: ” أنا معكم زمانًا هذه مدته ولم تعرفنى يا فيلبس الذي رآنى فقد رأى الآب فكيف تقول أنت أرنا الآب، ألست تؤمن أنى أنا في الآب والآب فيّ “[36]. ” أنا والآب واحد “[37]. وقول الرب هو حق لأنه بما أن الابن مولود من جوهر الله الآب، فإنه بالقطع كائن في الآب، وهو (الابن) يستطيع من خلال طبيعته أن يُظهر طبيعة الذي وَلَدَه. وطالما أن الآب لا يُدْرَك إلاّ بالابن وفي الابن، وبما أن الابن هو رسم جوهر الآب[38]، فإن طبيعة مَن وَلَده تكون فيه هو أيضًا. وأعتقد أيضًا وبحسب ما نؤمن، أنه يجب أن نقول إن ما يقال عن أى منهما يسرى على كل منهما لأن لكليهما نفس المجد.
أمثلة عن شركة الخصائص الذاتية للآب والابن:
المثال الأول:
إرميـــا: وماذا تقصد بهذا؟
كيرلس: ألا تعرف يا صديقى أن بولس الطوباوى يكتب عن الله الآب قائلاً: ” لكى يكون الله الكل في الكل “[39].
إرميـــا: وما معنى هذا؟
كيرلس: انتبه، فالقديس بولس أعطى نفس المجد للابن ويزيّن طبيعة الابن الوحيد بتلك الأمور التي تمجد الآب وذلك عندما قال في موضع آخر عن الابن ” الذي يملأ الكل في الكل “[40].
إرميـــا: نعم لقد قال هذا.
كيرلس: أعتقد إذًا أن المرء سيُمكنه أن يتساءل عن كيفيّة حدوث ذلك (لأنه سيقول) طالما أن الله الآب يملأ الكل ويوجد ويُعرف من الكل بأنه الله فإنى لا أرى أى مساحة (متبقية) يمكن أن يملأها الابن. ولهذا فنحن مجبرين على أن نفكر بأنه إن لم يكن الواحد منهما في الآخر جوهريًا فحينئذ فإن ملء الكل بواسطة الله الآب سيكون لا لزوم له، لأن الملء سيكون كافيًا بواسطة الابن. أو عكس ذلك إذ أنه إن كان الله الآب يملأ الكل، حينئذٍ سيكون الملء المُعطى للكل من الابن بدون داعٍ طالما أن الآب كافٍ وقادر على أن يملأ الكل. وكيف يمكن للمرء أن يثبت أن الكل ينقصه شئ طالما أن الله الآب هو الذي يملأ هذا الكل. وهكذا يا صديقى، تجد أن كلمات الحكيم يوحنا ـ في فكر المعارضين ـ هى بلا معنى، وأن تمجيده للابن كان بدون وجه حق عندما قال عن الابن والقديسين ” ومن ملئه نحن جميعًا أخذنا “[41]، فلأى شئ كانت حاجتهم التي أخذوها من ملء الابن طالما أن كل ما كانت الخليقة في احتياج إليه موجودًا في الله الآب وحده، وتكون الخليقة غير محتاجة لشئ من أى أحد غيره؟
إرميـــا: لقد تكلّمت بالصواب.
كيرلس: وعندما نفحص بالضبط ما هو “الملء” المُعطى من كل من الآب والابن فإنه يصير واضحًا إذًا بالنسبة لكل منا أنه، إن كان الجوهر منقسمًا في كليهما حتى أنهما يصيران مختلفين (في الجوهر)، أفلن يعنى هذا إذًا أن الملء الخاص لكل منهما سيكون متناسبًا مع طبيعته (الخاصة به)؟
إرميـــا: حتمًا.
كيرلس: فلو قلت إن الآب هو إله حقيقى فحتمًا ستكون أفعاله هى إلهية، بينما لو قلت إن الابن هو مجرد من الألوهة الحقيقية فيتبع ذلك أن قدرته على الملء ستكون طبعًا غير إلهية، وستكون متفقة حتمًا مع طبيعته (الغير إلهية). وهكذا سيكون كل الملء فينا مزدوج وغير متساوٍ. وطالما أن الملء المُعطى بواسطة الآب كان كافيًا لهؤلاء الذين نالوا الخلاص، إذ هو ملء إلهى أعلى من كل ملء. فإذ كان حقيقيًا أن الابن لا يعمل كما يليق بإله حسب الطبيعة إذًا فإنه لم يضف إلينا غير ملء أقل من ملء (الآب). وأيضًا لو قبلنا أن ملء الابن هو أمر نافع وهام وضرورى لخلاصنا فلن يتبقى إلاّ أن نفكر وأن نقول إن الأفضل قد احتاج إلى الأدنى، وأن الأصغر قد أضاف إلى الكامل ما ينقصه، هذا إن كان حقيقيًا أن الملء المعطى بالله الآب لم يكن كافيًا لخلاصنا. وهذا اتهام سخيف ويجب ألاّ يكون إيماننا بهذه الحقائق هكذا.
وبالتالى فيلزم أن نُلقي عنا بعيدًا كل هذا الهذيان. فما نؤمن به وما نعتقده هو أن فعل الآب والابن واحد[42]، كما أن الملء الحادث فينا بواسطة الآب والابن هو واحد، وذلك لأن طبيعة الآب والابن هى واحدة. فالواقع أن الطبائع التي يصل اختلافها إلى حد التباين والتي تتباعد فيما بينها تمامًا إلى حد الغربة لا يمكن أن يكون لها نفس الفعل المتساوى والمتطابق في أى من الكائنات. لكن حيث تختلف الطبائع فبالضرورة تكون الأفعال أيضًا مختلفة وغير متشابهة.
إرميــا: هذا حقيقى. غير أنى أريد أن أسألك كيف نفهم أن الملء يحدث فينا بواسطة الآب والابن طالما أن هذا الملء واحد ومتشابه.
كيرلس: بالتأكيد ليس هناك مانع ولا صعوبة في شرح هذه الحقيقة. وهل هناك طريقة أخرى تمكّننا من ذلك سوى معونة الروح القدس؟ ذاك الذي هو نفسه يملأنا بالنعم الإلهية. والذي يجعلنا شركاء الطبيعة الإلهية؟[43] لأنه هكذا كتب تلميذ المسيح ” بهذا نعرف أننا نثبت فيه وهو فينا إنه قد أعطانا من روحه “[44].
إرميـــا: وهل يتم فينا الملء من كل من الآب والابن بواسطة الروح القدس الواحد معًا، أم يتم من كل واحد منهما على حدة؟
كيرلس: تمامًا يا إرميا، غير أن ما يدفعك إلى التساؤل لكى تتعلّم ـ على ما أعتقد ـ هو أنه إن كان الملء يتّم فينا بواسطة الآب والابن فكيف وقد صار هذا الملء تامًا أن يتّم فينا فعل ملء الروح القدس أيضًا؟
إرميـــا: وما هو رأيك إذًا؟
كيرلس: ربما أنك تفكر ـ وكما هو طبيعى ـ وتقول إنه إن لم يكن للابن طبيعة مساوية لطبيعة الآب، طالما أن الابن ـ حسب ما يعتقد هؤلاء ـ أقل في جوهره من جوهر الآب، فلا أعرف كيف سيفعلان (أى الآب والابن) شيئًا في داخلنا طالما أن الابن غير مساوٍ (للآب) ومتغيّر في كل شئ، وحينئذٍ كيف سيمكن اعتبار أن ملء الآب والابن قد تمّ فينا؟
ثم كيف سيتم فينا هذا الملء بواسطة الروح القدس وحده، إن كان من المحتمل أنه يفعل فينا فعل ملء الآب والابن كخادم[45] مع أنه يحمل إلينا هذا الملء بحسب طبيعته الإلهية التي هى نفسها طبيعة الآب والابن.
إرميـــا: كلامك معقول، لأن هذا هو ما يدور في عقلى بالفعل.
كيرلس: إذًا لنوجّه حديثنا نحو هذه الأمور ويمكننى أن أقول إن مَن يمكنه بذاته أن يجعل الآخر يشترك في أشياء أخرى بدون أن يفقد علاقته الطبيعية بها، فإنه يتصرف بطريقة تدل على أنه مساوٍ لها. لأنى أعتقد أن كل مَن يُظهرون أن لهم فيما بينهم فعل متساوٍ في القوة، فبالضرورة لابد وأن يكون لهم نفس الطبيعة.
إرميـــا: استطرد من فضلك في حديثك معطيًا لى مثالاً حتى أستطيع أن أتابعك.
كيرلس: سأستطرد في الشرح وسأقول لك إن الشمس[46] على سبيل المثال تُرى وتُدرك على أنها شئ واحد في حد ذاته، عالية هناك، وتتبع نظامًا محددًا حسب ما قصد خالقها. هذه الشمس تُرسل لأسفل أشعتها وتتصل بالموجودات على الأرض، وتنقل إليها الإحساس بالحرارة. وإن أردنا معرفة طبيعة الشمس ومن أين اكتسبتها، فإننا نستطيع ذلك بدون جهد. لأنها ملتهبة وتشبه النار. وكل مَن اقترب منها ولو لمرة واحدة يستطيع بسهولة أن يدرك ذلك بدليل الأشعة الساخنة التي تأتى منها.
إرميــا: تتكلم بالصواب، لأنه بالفعل، يمكن الشعور بها لأنه أمر غير صعب.
كيرلس: بالمثل، كيف لا يكون الأمر الذي تتكلم فيه واضحًا أمام ذوى العقول؟
إرميـــا: ماذا تقصد؟
كيرلس: أقصد أن طبيعة الشمس لا تختلف عن طبيعة الأشعة التي تصدر منها وتخترق المخلوقات التي تتأثر بحرارتها. لأنه كيف من الممكن أن يكون فعل الشعاع مختلفًا وطبيعة الشمس بالنسبة له هى مصدر إشعاعه، حتى أن الشعاع يُدرك على أن له نفس نوعية جوهر الشمس التي تشعه؟
إرميـــا: طبعًا لا يمكن أن يكون الشعاع مختلفًا.
طبيعة الروح القدس
كيرلس: لنأتِ الآن للحديث عن طبيعة الروح القدس ولنفحص الأمر بتدقيق، بدون أن يخرج حديثنا عن هدفه. لأن الوقت يدفعنا للحديث عن أمورٍ أخرى مهمة. ولنفكر في أحد أمرين. هل نحسب الروح القدس مع الآب والابن وبالتالى له نفس الطبيعة الإلهية الواحدة، أم لا؟[47]
إرميـــا: يقولون إنه واحد هو الإله الحقيقى وهو الآب ومعه لا يحسبون آخر.
كيرلس: وبالتالى وحسب ما يقوله هؤلاء، فإن الابن والروح القدس لا يحسب أى منهما إلهًا حقيقيًا، بل يحسبونهما ضمن المخلوقات العديدة والتي هى ـ حسب قولهم ـ لها نفس طبيعة الابن وهى بعيدة كل البُعد عن جوهر الله الآب. وليدُلّنا هؤلاء عن مَن هو الله، الذي يوجد أيضًا فينا إن كان الروح القدس يسكن في الذين تعمدوا؟[48] وأعتقد أنهم لا يقدرون أن يقولوا شيئًا عن الله الآب، غير أن كوننا شركاء الطبيعة الإلهية[49] هو حقيقة لا يستطيع أحد أن يحصل عليها بواسطة روح مخلوق لو أن الروح القدس ليس إلهًا من طبيعة الله الآب[50]. ويبقى أن نقول إن الابن فقط هو الذي يوجد فينا مع أنه ـ وفقًا لما يقولون ـ له طبيعة مختلفة وهو بعيد عن جوهر الله الآب. ولهذا السبب فهم يُحْصَون الابن مع المخلوقات. وهكذا فمَن يوجد داخلنا أى الروح، هو مخلوق وليس الله. ومع أنه ليس له علاقة مع الله الآب فإنه يهبنا التقديس. وأيضًا إن هم نظروا إلى أعلى وقالوا إن الابن هو إله فليقولوا لنا، هل سيوجد داخلنا إلهان، طالما أن الآب والابن يسكنان فينا. أم يسكن فينا إله واحد؟ لأن المسيح قال: ” إن أحبنى أحد يحفظ كلامى ويحبه أبى وإليه نأتى وعنده نصنع منزلاً “[51].
إرميـــا: لا أعتقد أنهم يقصدون إلهين فربما يميلون نحو الأصح ويقبلون أنه يوجد في داخلنا إله واحد حق حسب طبيعته وأنه ـ حسب اعتقادهم ـ هو الآب فقط.
كيرلس: إذًا هم مضطرون ـ وليس بحسب رغبتهم ـ أن يقولوا الآتى: إن كان يوجد داخلنا إله واحد فقط وهو الآب وأن الابن يأتى معه بدون لزوم أو ضرورة، فإن كان الابن ليس إلهًا حقيقيًا، فحينئذٍ يكون الملء الذي يتم بواسطته هو بدون أى هدف. وسيكون مجىء المسيح إلى داخلنا هو أمر غير لائق طالما أنه دخول بلا هدف.
لأنه طالما أننا هيكل للإله الواحد وليس لآلهة كثيرين فيجب أن نصرخ إلى الابن كى يخرج من داخل قلوبنا، أو بالحرى من الذي وعد بأن يأتى إلينا هو أيضًا طالما أنه لا يستطيع أحد أن يأتى مع الآب مادام الآب وحده كافٍ بطبيعته الإلهية كى يملأ بالتمام الهيكل الذي سيحل فيه؟
وبالتالى (سأعود مرة أخرى إلى هذا الموضوع) فإن الله لن يأتِ إلى داخلنا بواسطة الروح القدس، وذلك لأن مَن ليس له الطبيعة الإلهية ـ حسب قولهم ـ لا يستطيع أن يهبنا أن نكون شركاء الطبيعة الإلهية. وهكذا فإن مجىء المسيح إلى داخلنا مع الآب هو بلا نفع ولن يكون هناك ما يمنعنا من أن نصف قول المطوّب بطرس أنه بلا معنى إذ أنه كيف يقول بوضوح أن المسيح الإله يكون داخلنا بواسطة الآب وأن الآب يدعونا بواسطة الابن أن نكون شركاء الطبيعة الإلهية حقًا.
إرميـــا: أقوالهم هذه هى خالية من كل تقوى.
كيرلس: نحن نتفق على أن طبيعة الألوهة واحدة. وأن الابن ليس كما يقولون هؤلاء، غريب عن الآب، وأنه إله حقيقى يأتى منه ويوجد فيه، وهكذا فإن طبيعته هى طبيعة الذي وَلَده. ولذلك فنحن لا نؤمن أنهما إلهان[52] لكن إله واحد وفريد يُعبد في ثالوث قدوس[53]. هل تعتقد أنه يجب أن نقبل هذه الحقائق أم نقول إنها غير صحيحة؟
إرميـــا: إنها صحيحة تمامًا.
المثال الثانى:
صيغة الجمع في الآية ” نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا ”
كيرلس: انتبه إذًا، إن أردت، أيها الصديق إلى ما يقوله موسى النبى، الذي يتحدث إلى طبيعة الله البسيطة غير المركبة[54] بصيغة الجمع. لأنه يمكننا إن انتبهنا قليلاً أن نرى ثلاثة أقانيم في طبيعة ألوهية واحدة[55].
إرميـــا: أريد أن أعرف بالضبط معنى ما تقول. تكلم معى إذًا بإيضاح أكثر.
كيرلس: أليس حقيقيًا أنه وهو يكتب أول كتبه إلينا (التكوين) يشير إلى أن الله هو خالق الكل؟ يقول إذًا إن الله بعدما خلق كل الخليقة، فإنه فقط عندما خلق الإنسان قال ” نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا “[56]. وبعد ذلك بقليل أضاف ” فخلق الله الإنسان على صورته “[57].
إرميـــا: لقد فهمت.
كيرلس: وعندما أراد البعض عن جهل أن يبنوا برجًا يصل إلى السماء قال رب الكل ” هلُّم ننزل ونبلبل هناك لسانهم “[58]. مَن إذًا الذي يتكلّم ولمن يقول ” هلُّم ننزل ونبلبل ألسنتهم“؟ لا أعتقد أن يقول هؤلاء إن الله كان محتاجًا لمساعدة الملائكة أو إلى مؤازرة الخلائق الأخرى، كى يتمّم ما أراده. لأن الله هو كلّى القدرة ويستطيع أن يفعل أى شئ، ويملك في ذاته القدرة على فعل ما يريده بسهولة. وكل الخلائق تستمد قوتها منه. كما نقول إن الله هو الحياة والحكمة وأنه لا يمكن لأى أحد أن يُحيي أو يُشرك الآخرين في منافع الحكمة ما لم تكن هذه المواهب صادرة منه كما من نبع متدفق[59]. وهكذا ـ أعتقد ـ بنفس الطريقة، أنه لا يستطيع أى من الخلائق أن تكون له القدرة أن يحقق شيئًا ما بدون أن يدفعه إلى ذلك الله كلّى القدرة. وبالتالى فإننا نستطيع أن نؤكد أنه لا يليق بالله أن يقول للملائكة أو لأى من الكائنات العاقلة ” هلُّم ننزل ونبلبل ألسنتهم“. وهكذا تَدّخَل الثالوث بنفسه في هذا الأمر، لأن شأن تغيير طبيعة اللغة من لغة سهلة موحدة إلى لغات عديدة متنوعة وغير معروفة فيما بينها هو من خصائص طبيعة عمل الثالوث وحده. ولكى نفهم أن هذا الأمر ليس من اختصاص الملائكة لكن من خصائص الإله وحده فلابد أن نلاحظ أنه قال “هلُّم” موجهًا الحديث نحو الثالوث القدوس أى نحو الثالوث ذو الجوهر الواحد.
إرميـــا: بالفعل.
كيرلس: وإن كانوا يظنون أن طبيعة الإنسان بصفة عامة تتشكّل حسب الله؟ فلنسألهم صورة مَن تلك التي خُلِقَ عليها الإنسان؟
إرميـــا: ما رأيك لو أنهم قالوا إن صورة الله الآب هى التي خُلِقَ عليها الإنسان؟
كيرلس: لو قالوا إن صورة الله الآب فقط لكان تفكيرهم تفكير أحمق.
إرميـــا: كيف؟
كيرلس: أولاً: تعبيرا ” لنعمل” وأيضًا ” على صورتنا” يدلاّن على أن المتكلّم ليس شخص واحد بل أكثر من واحد وأكثر من اثنين، وبخلاف هذا نفكر فيما يلى. الصورة التي تشوّهت وفقدت جمالها الأول ألا يجب أن تعود مرة أخرى إلى ما كانت عليه أولاً وبعدما يتم إصلاح ما أصاب الصورة في بُعدها عن الأصل، وهكذا تستعيد هيئة طبيعتها غير المشوَّهة مرة أخرى.
إرميـــا: ماذا تقصد بهذا؟
كيرلس: استمع لى جيدًا وسأشرح لك هذا على قدر استطاعتى. لو أن أحدًا من الصنّاع، وعلى سبيل المثال أحد هؤلاء الذين يعملون في تشكيل النحاس، قد صنع تمثالاً معطيًا إياه شكله وملامحه، ثم سقط هذا التمثال من على قاعدته بفعل أحد الحاسدين وتحطّم وفقد جماله، ولو أن صانع التمثال ـ لأنه لم يحتمل أن يرى تمثاله محطمًا ـ أراد أن يقتل ذلك الحاسد الذي حطّم التمثال، نجده وقد أعاد صنع التمثال مستخدمًا نارًا أشد قوة معيدًا إياه إلى حالته الأولى بعد أن يكون قد رفع عنه ما أصابه من أضرار. وهل كنت تعتقد أنه كان من الصواب لو أن الصانع قد ترك صنعته كى تتشكّل بشكل آخر غير الأول، وفي هذا تتضح عدم قدرته؟
إرميـــا: لا أعتقد طبعًا.
كيرلس: وهل معنى أنه أعطاه ملمحه الأول أنه أعاد تشكيله بالفعل وأنه طبع صورته فيه؟
إرميـــا: بالطبع.
كيرلس: طالما أن الأمر هكذا، فما هو الأمر الذي تُصدق أن يكون الله الآب قد فعله، إن كان الإنسان قد خُلق ” على صورته كشبهه” هو وحده فقط. لأن هذا الكلام تقريبًا هو ما يقوله المخالفون. أى عندما أراد أن يعيد خلقة الإنسان الذي انزلق وتشوّه، ويجدّده لم يعطِ له ملمحه الذي كان عليه في الأصل، أى لم يصيّره شبيهًا بنفسه بل أعطاه شكلاً آخر؟ وهذا سيحدث بالطبع لو أن الابن الذي أُعيدت خلقتنا على صورته كان مختلفًا في الطبيعة عنه (عن الآب). لأن بولس الحكيم يكتب للبعض ما يلى ” يا أولادى الذين اتمخض بكم أيضًا إلى أن يتصور المسيح فيكم“[60]. وفي موضع آخر يقول ” لأن الذين سبق فعرفهم سبق فعينهم ليكونوا مشابهين صورة ابنه“[61]. لأن المسيح قد شكّلنا مرةً ثانيةً بالروح القدس حسب صورته واهبًا جمال طبيعته لنفوس الأتقياء وبطريقة عقلية وغير موصوفة. بمعنى أننا ـ كما أعتقد ـ نتشكّل لا لنصير كالله الحقيقى، لكننا نأخذ شكل يتناسب وطبيعتنا المخلوقة. وإلاّ فإن ما ذكره المزمور منذ القديم بأنه ” يتجدّد كالنسر شبابك“[62]، كان سيضيع هباء، ويظهر أنه بدون هدف. لأن التجديد بحسب الكتاب ليس هو شئ آخر سوى أنه تجديد نفوسنا التي لم ترتفع إلى أعلى إطلاقًا والتي لم ترجع لِمَا كانت عليه أولاً، ولكنها صارت في وضع أقل كرامة مما كانت عليه قبلاً وهى هكذا تعانى من هذه الحالة. وقد يقال[63] إن عملية الخلق الأول للإنسان هى أفضل بدرجة لا تقارن بعملية تجديد الإنسان بواسطة المسيح إذ أن الأولى قد أعطتنا إمكانية أن يكون لنا ملمح الإله الحقيقى في داخلنا بينما التجديد الذي تم بالمسيح قد أعاد تجديدنا لكن ليس على هذا الملمح، فقد أعاد تشكيلنا على صورة الابن[64]، ولذلك، ماذا سنربح من تجديدنا بواسطة المسيح طالما ـ وحسبما يظهر ـ أننا قد خسرنا كوننا على شبه الله، وبصفة عامة تُرك عنا مجد طبيعتنا طالما أن حالة الغبطة ـ بالنسبة لنا ـ كانت في أن نصبح مشابهين الله؟ غير أنى أؤمن بأن كل هذا الفكر هو كالأساطير يستوجب الضحك إذ هو مثل قصص الأطفال. لأننا تشكّلنا من جديد حسب الصورة الأولى إذ ختمنا بختم الابن[65]، كى نصبح مثله، لأنه هو صورة الآب وختمه وليس هو آخر بجانب الآب وذلك بسبب الجوهر الواحد.
إرميـــا: لقد تحدثت بدقة شديدة.
هل الابن أقل من الآب المشرّع؟
كيرلس: انظر مقدار الحماقة التي يمكن أن يصل إليها حديثهم عندما يتهمون أولئك الذين يخالفونهم في الإيمان. لأنه لو كان الإله الحقيقي هو الآب وحده ـ وهذا كلام لا معنى له ـ فإنى أعتقد أننا سنكون مجبرين على أن نستبعد الابن عن أن يكون إلهًا حقيقيًا.
إرميـــا: هذا كان سيحدث بالضرورة.
كيرلس: إذ سيكون الابن (حسب قولهم) في وضع أقل من وضع الآب. لأن الذي يعلو فوق الجميع هو الإله الحقيقى حسب الطبيعة.
إرميـــا: بالفعل سيكون هكذا لأن هذا ما يقود إليه كلامهم.
كيرلس: إحذر إذًا من الخطر يا إرميا، لأنه ـ حسب أفكارهم المضادة للمنطق ـ إذا كان الابن هو أقل من الآب، فإذا فكرنا بدون تردد فيما قاله القديسون (عن معرفة المسيح)، فإن هذا يمكن أن يجعل الابن في مرتبة أعلى وأفضل من الآب نفسه.
إرميـــا: بالطبع هذا أمر لا شك فيه بالمرة.
كيرلس: اسمع إذًا الآن ما يصرخ به بولس بأنه كان فريسيًا حسب الناموس، وأنه كان يضطهد الكنيسة بكل غِيرة، وأنه كان يعيش بلا لوم لكى يُرضى الناموس. فيقول ” لكن ما كان لى ربحًا فهذا قد حسبته من أجل المسيح خسارة، بل أنى أحسب كل شئ خسارة من أجل فضل معرفة المسيح يسوع ربى “[66].
إرميـــا: لقد قال هذا بالفعل، لكن ماذا كان يقصد بذلك؟
كيرلس: ألم يَشْر الناموس عند آبائنا القدماء إلى أن هناك رب وإله واحد؟
إرميـــا: نعم.
كيرلس: وهؤلاء المعاندون بالطبع يقولون إن هذا الرب والإله هو الآب.
إرميـــا: هم يقولون ذلك.
كيرلس: ولكن، ماذا يقول ذلك الذي اختير ليكون إناءً مختارًا لأسرار المسيح والذي هو معلّم المسكونة ولماذا يعتقد أن معرفة المسيح لا تقارن بكل تعاليم الناموس القديم وكيف يصفها بأنها أفضل جدًا، وكيف يرى أن ما يقوله الناموس هو بغير نفع بينما ينبهر ويتعجب أمام مسألة الخلاص التي يقدمها الإنجيل؟ وألا يجبرنا هذا على الإستنتاج بأن (المسيح) الذي هو موضوع المعرفة الأفضل لا يمكن إلاّ أن يكون ـ بالتبعية ـ أفضل (من ذلك) الذي علّم عنه الناموس؟
إرميـــا: نعم.
كيرلس: وعندئذٍ كيف يصل عقلنا إلى ذلك الحد من الغباء وعدم المعرفة حتى أنه يُقال أو يُعتقد أن الابن أعلى من الآب مع أن الابن أصله ومصدره في ذلك الذي وَلَده؟[67] لأنه بهذا القول نهين كل من الآب والابن لأن الضرورة تحتم أن نقيّم النبات مع الثمار والأصل مع الفرع والنبع مع الماء الذي ينبع منه وليس غريبًا عنه وأيضًا نقيّم مصدر النور مع الشعاع الصادر عنه والذي يستمد ضياءه منه.
إرميـــا: بالطبع إن قلنا هذا سنُهين كليهما معًا وهل يمكن أن يكون ما نفعله هو غير ذلك؟
كيرلس: وفي هذه الحالة هل سيكون من الضرورى أن نتخلى عن أى حديث عن الوحدة حسب الطبيعة بين الآب والابن وعن الكلام الذي يثبت أن الابن إله حقيقي بالطبيعة؟
إرميـــا: بالطبع سنكون مضطّرين لعمل هذا. لكن قل لي كيف تكون معرفة المسيح هى أفضل من تعاليم الناموس مع أن المسيح له طبيعة الآب الإله الحقيقى وقد تنبأ عنه العهد القديم؟
كيرلس: إن معرفة المسيح هى أسمى من المعرفة عن الله كما جاءت في العهد القديم بل وتفوقها، وتميّزها واضح. بل هى أوسع وأشمل مما جاء في الناموس، حتى أن موسى مُعلّم الناموس كان يطلب بإلحاح أن يعرف الله (الكائن) بشكل دقيق وواضح[68]، وقال للرب مخلّص الجميع اظهر نفسك لىّ بشكل ملموس كى أراك[69]، فأمره الرب أن يحفر في صخرة ومن داخل هذه النقرة، يمكنه إن أراد، أن يراه[70]. وأعتقد أن الرب قد أراد بهذا أن يبيّن وبطريقة غير مباشرة أن الناموس يستطيع أن يكشف عن جزء بسيط من معرفة الله لأولئك الذين يريدون أن يعرفوا، ويرسل ـ كما من ثقب ـ شعاع معرفته البسيط لأنه أراد لشعب الله أن يؤمنوا فقط بإله واحد لكى يبعدهم عن الضلالات.
غير أن الله لم يُظهر لموسى بوضوح ماهية طبيعته غير الموصوفة، وذلك على عكس ما فعل المخلّص في كرازته، أعنى المسيح في كرازته. بمعنى أنه لأننا قد عَرِفنا الابن فنحن نؤمن أنه صَدَر من أصل الآب وأن مجد الابن وهو يُظهر ـ كصورة مرسومة ـ طبيعة الآب[71]، قد أعد أعيننا لنرى أمورًا أعلى مما يفكر فيه الذهن أو يقدر الكلام أن يعبّر عنه. ولهذا نسمع المسيح يقول لله أبيه ” أنا أظهرت اسمك للناس “[72]. كما أنه قال لليهود ” لستم تعرفونى أنا ولا أبى. لو عرفتمونى لعرفتم أبى أيضًا“[73]. ولو أننا نعرف أن كائنًا ما من الكائنات هو فقط موجود بدون أن نعرف ماهيته، فإنى أعتقد أن أى شخص يمكنه أن يقول إن هذا الأمر هو أقل من معرفة شئ عن وجود كائن ما وأيضًا عن ماهيته. ولهذا فإنه بعد الكرازة بالإنجيل توقف سريان تعاليم الناموس التي كانت تعلّم القدماء أن الله هو واحد، فقط بدون أن تتحدث عن الطبيعة الإلهية ـ الثلاثة أقانيم أو عن وحدة الجوهر لأن هذه التعاليم هى التي تحدّث عنها العهد الجديد. لأننا إن لم نؤمن أن الابن واحد مع الآب في الجوهر سيكون هناك تخبط ومتاهة[74]، ولن يكون للإيمان المعبّر عنه في الكتب ـ كما أعتقد ـ ما يسنده ويؤكده.
إرميـــا: كيف وبأى طريقة؟
كيرلس: إن الكتاب المقدس يصّرح بأن الله واحد وهو إله حق بطبيعته ولهذا فإن الابن لن يكون له المجد والكرامة الإلهيين إن لم يكن له كل ما للآب نفسه بغير تغيير. أم لعلك لم تسمع الآباء القديسين وهم يصرخون لله قائلين، مرة ” واحد هو واضع الناموس “[75]. ومرة أخرى ” الذي وحده له عدم الموت “[76]. ومن يا ترى هو الذي يجب أن نعتقد أنه الواحد الديّان الذي وضع الناموس والذي وحده له عدم الموت؟
إرميـــا: بالتأكيد هو الآب. حسب ما يقول المعارضون لأنى أعتقد أنهم لا يفهمون أن هذا الكلام يُقصد به شخص آخر سوى الآب.
كيرلس: وأنا أيضًا أعرف أنهم يفهمون أن هذا الكلام هو عن الآب وأن هدفهم غير برىء، وهل يجب إذًا أن نؤمن أن الابن أقل من واضع الناموس والديّان وأنه غير أبدى؟ وأن الحياة التي فيه قد حصل عليها من خارجه؟ وماذا سنحصد من هذا الفكر غير أن الابن سيكون خاضعًا بغير إرادته للناموس والدينونة وأنه بذلك يُحصى مع الذين هم بطبيعتهم مائتين؟ وفضلاً عن ذلك كيف لا يمكن اعتبار البشارة الإلهية ـ أى الإنجيل ـ هى كذب وبهتان طالما أنها تعتمد على شهادة الابن كى تَثبتْ حقيقتها؟ لأن الابن قال في الإنجيل ” أنا هو الحياة“[77] بينما هو ـ حسب اعتقادهم ـ ليس عديم الموت لأن الآب فقط هو الذي لا يموت. إنى أعتقد أنك لن تحتاج لمجهود كبير كى تفهم أنه (أى الابن) هو الديّان وأنه واضع الناموس أم أنك لم تسمعه وهو يقول في موضع آخر ” قد سمعتم إنه قيل للقدماء لا تزن وأما أنا فأقول لكم إن مَن ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه“[78]. وفي موضع آخر أيضًا يقول ” لأن الآب لا يدين أحد بل قد أعطى كل الدينونة للابن“[79].
إرميـــا: لقد سمعت ذلك، لكن دعنى أسألك، هل تريد أن تستكمل الحديث ونردُ على هذه المغالطات أم أننا سنترك المعارضين بدون أن نَسوق لهم الأمثلة؟
كيرلس: لنستمر في الحديث بكل ثقة لأن الموضوع جدير بالمناقشة ويحفّز الذهن للرد على كل أفكار المعترضين.
إرميـــا: فلنتحدث إذًا بوضوح أكثر عن الآب والابن كلٍ على حدة.
كيرلس: قل ما شئت إذًا، ولن أعتبر ما تقوله هو تعبير عن إيمانك بل هو يمثل آراء المخالفين.
إرميـــا: إن واضع الناموس والديّان هو فقط الله الآب. لأنه يليق بالطبيعة الملوكية التي تفوق الكل أن تُشَرِّع وأن تدين. ولقد وصل الابن بالتأكيد إلى هذا الحد من المجد وذلك بتفضّل الله الآب.
كيرلس: وهل يكون غير واضح لأى واحد بين الذين يفكرون بطريقة سليمة أن كل ما ستقوله سيكون بدون فائدة ومعنى، إن لم تثبت أن ما قلته يتفق مع ما جاء في أقوال القديسين، لأننا لن نتبع أولئك الذين يريدون دائمًا أن ينادوا بأفكارهم فقط، بل أننا سنتبع أولئك الذين يتكلمون بفم الرب[80]. ووفقًا للمكتوب (في الكتاب المقدس)[81].
إرميـــا: حسنًا قلت، لأن الطوباوى داود (وهو يطلب من الله الآب من أجل دعوة الأمم) رتّل قائلاً: ” قم يا رب. لا يعتز الإنسان. لتحاكم الأمم قدامك … ليعلم الأمم أنهم بشر “[82]. بينما الابن نفسه يشير بكل وضوح إلى أن هذا الأمر قد تحقق بواسطته (بصفته رب وملك) كما جاء بالمزمور ” أما أنا فقد مسحت ملكى على صهيون جبل قدسى. إنى أخبر من جهة قضاء الرب“[83]. غير أن ذلك الذي يُعطىَ له السلطان أن يدين ويحكم، كهبة من آخر، ألا يكون سلطانه هذا هو سلطان خارج عنه وليس من طبيعته؟
كيرلس: لقد صرخ أحدهم ـ عن حق ـ في أولئك المنحرفين ـ قائلاً: ” اصحوا أيها السكارى، يا جميع شاربى الخمر “[84]. لأن الابن إذ هو صورة الآب ومساوٍ له في كل شئ، قد شاء بإرادته أن يتضع، فتنازل واتخذ شكلنا وصار إنسانًا، وهكذا يُعطىَ له السلطان أن يملك وأن يحكم ويُشرّع. ولأنه صار فقيرًا مثلنا بحسب التدبير واتخذ شكل العبد، وهكذا قَبِل أن يكون له بالعطية ما كان له بالطبيعة، ولهذا نجد طريقة كلامه وأفعاله تتناسب مع هذا الإخلاء[85]. وإنى أعتقد أنه لن يصيب أى واحد ممن يؤمن به أى أضرار لو أنه فحص عن الوقت[86] الذي أشارت إليه الآيات السابقة. بمعنى، متى مَلَكَ المسيح على الأمم، ومتى جاء إلى جبل صهيون (ليُمسح ملكًا)؟ هل يمكن أن يكون هذا قد تم قبل أن يصير إنسانًا؟ مع أنه من الممكن للمرء أن يرى بوضوح في النصوص الموسَويّة أن الابن لم يقم في أى وقت آخر ليُخبر بقضاء الرب للإسرائيليين إلاّ عندما لبس ثوب فقرنا، وأن رب الأنبياء قد دُعى نبيًا، ومَن هو كائن في حضن أبيه قد حُسب بين البشر، لأن الله كان قد أخبر موسى عن هذا الأمر بقوله ” أُقيم لهم نبيًا من وسط أخوتهم مثلك وأجعل كلامى في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به “[87]. إذًا يا صديقى هل كان من الممكن أن يكون الكلمة أخًا للإسرائيليين وأن يُحسب من بين البشر قبل أن يصير جسدًا ويتحد بالطبيعة البشرّية بهذه الطريقة التي تفوق إدراك العقل والتي تعلو على الوصف؟ أم أنك تذكر أمرًا أكثر إقناعًا وهو أنه مُسح أخًا وصار مثل موسى مؤدبنا بالناموس[88]، وعند الحاجة أخذ يُشرّع ثم بطريقة معينة صارت له خدمة[89]، ومتى حدث كل هذا؟ أليس عندما أخلى ذاته من مجد طبيعته، أى في ملء الزمان وعندما مارس سلطانه الكامل بكل اتضاع.
إرميـــا: أعلم أنك تتكلّم بطريقة جيدة جدًا وأنا أتفق معك تمامًا.
كيرلس: بالتالى فلو أنهم فحصوا كل الأمور بحسب زمان حدوثها، فلن ينزلقوا ـ على ما أعتقد ـ إلى هذه الانحرافات أو تلك الأفكار الملتوية، بل سيكونون قادرين في النهاية على الفهم الصحيح لكلام الحق. وبالإضافة إلى ما سبق أن قلته فإنى أقول الآتى: لو أن أحدهم تصور أنه أمر غير ذى شأن وغير ضرورى وبلا معنى أن يبحث المرء عن الوقت المناسب لكل حدث ورد ذكره بالكتاب الموحى به، فهل سيكون هناك مانع من أن نقول إن الابن الوحيد وكلمة الله قبل أن يأتى إلينا قد مات بالصليب وقبل أن يتخذ جسدًا قد عامله اليهود مثل السكارى. وأنهم قالوا وفعلوا كل هذه الأفعال التي تليق بهم وحدهم وذلك عندما ذُكر عن المسيح وكأنه قد عانى ذلك بالفعل: ” بذلت ظهرى للضاربين وخدى للناتفين، وجهى لم أستر عن العار والبصق“[90]؟ إذًا أليس هو فكر مجنون يستحق الاستهزاء أن يُعتقد أن الابن قد عانى هذه الآلام في الزمن الذي لا يناسبها، أى قبل أن يتخذ جسدًا؟
إرميـــا: صحيح.
كيرلس: لكن لنترك الحديث عن هذا الأمر ولنتحدث عن أمر آخر لو رغبت.
إرميـــا: وما هو؟
كيرلس: لنستمر في البحث عن الحقيقة والمعرفة الدقيقة ولنفحص ـ حسب ما يقولون ـ إن كان حدث مَسحِه ملكًا ومشرّعًا هو الذي سيحدّد كينونة الابن حسب الجوهر أم أن هذا هو مجرد صفة له؟
إرميـــا: إنى لا أعتقد أنهم سيقولون إن تحديد جوهر الابن يتوقف على حدث مَسحِه ملكًا ومشرّعًا من عدمه. لأنهم في هذيانهم غير المحدود لن يصلوا إلى هذا المستوى من الحماقة بأن يجرؤوا على القول بأن مَسحِه ملكًا ومشرّعًا هو الذي يحدد جوهر الابن. غير أنه ربما سيقولون: إن الحدث في حد ذاته هو الذي يحكم عليه، فالابن ـ كما يقولون ـ لم يكن ليقبل من آخر ما كان له بالطبيعة[91].
كيرلس: ولكم أيها الخبثاء!! سنقول أيضًا أن تفكيركم هذا غير منطقى وغير معقول بل ليس لديكم مهارة في صياغة الأمور العقائدية، ومن السهل أن تنحرفوا وتضلوا، ذلك لأنكم قد نسيتم أنه يجب فهم أحداث الكتاب المقدس حسب الأزمنة[92] التي تناسبها كما أنكم عندما تتحدثون عن الابن الوحيد في زمن تجسده قد نسيتم أيضًا أنه لا يجب أن ننسب إليه ما لا يليق بالله. ولأنها ليست هى المرة الأولى التي تفكرون فيها بطرق ملتوية وغير مستقيمة، فإنكم تقولون إن صيرورته ملكًا ليست خاصية ذاتية للابن، لكنها مجرد حدث. غير أننا نقول ما الذي يمنعنا من أن نؤمن ونعترف أنه فيما كان الابن بحسب جوهره ملكًا ومشرّعًا[93]، فإن الله الآب أراد أن يُظهر للبشر مَن هو كائن بالفعل. وبالقطع أنا لا أعنى أنه بدأ في أن يملك لكنه قَبِلَ أن يُشرّع لأولئك البشر وأن يضمهم لمملكته بعد أن كانوا قد خرجوا عن طاعته وصاروا تابعين لضلالات تعدد الآلهة. وأعتقد أنه من غير اللائق بالمرة، أن يقول بعض الذين يزعمون بأنهم حكماء، إن كلمة الآب قد دُعيّ منذ البداية وبرضاء الذي وَلَده ـ كى يُشرّع ومع ذلك لا يؤمنون أن الابن بحسب الطبيعة هو مُشرّع وأنه هو الله. فلو كان هناك منزل صغير مُعتم ومليء بالضباب الكثيف لم يدخله نور أشعة الشمس لفترة ما لأن أحدًا لم يسمح بذلك وبعد مرور هذه الفترة دخل النور مباشرةً وطرد الظلام وأضاء المكان بنور غير عادى بالنسبة لمثل هذا المكان[94]، ولو كان لهذا النور لسان لحكى لمن يتعجبون مما حدث وقال إنه قد جاء ـ من الشمس التى وَلَدته[95] ـ كى يدخل إلى ذلك المكان كى يفرّح بفرح دائم مَن كانوا تحت سيادة الظلام، فبعد كل ذلك هل يقبل أحد أن يكون هذا “النور” قد استمد طبيعة النور لأول مرة حين دخل في هذا المنزل الصغير لأول مرة؟
كيرلس: لماذا إذًا يتصور هؤلاء أن كون الآب قد أقام الابن ملكًا ومشرّعًا، يمثل عائقًا منيعًا أمامنا مع أن الابن (في بداية كرازته) كان قد مارس عمله كمشرّع وحتى في الحالات القليلة التي أتم فيها عمله هذا كان يُظهر مجد طبيعته (الإلهية) ويبيّن أنه ينبغى على كل الأمم أن تخضع لنواميسه ـ وكان هذا يتم بتأييد من الله الآب ـ بعد أن كان شعب إسرائيل وحده في القديم هو الذي يخضع للنواميس الإلهية؟
إرميـــا: لكن لو كانوا يريدون أن يثبتوا بوضوح أن الابن هو مُشرّع، فمتى وبأى طريقة حدث ذلك بالنسبة لنا؟
كيرلس: أعتقد أن ما قلناه أخيرًا فيه الكفاية لمَن لديهم عطش للمعرفة. حيث إن الله قد ذكر بشأن الناموس والوصايا المعطاة في القديم أنه من غير المسموح أن يُضاف إليها أو يُحذَف منها (لأن الطبيعة الملكية فقط هى التي لها حق التشريع، وهى التي تقدر أن تضيف أو تحذف ما تريد)، أما الابن فقد شرّع، وأظهر أن الوصية القديمة لا تصلح وأعطى وصية جديدة هى الوصية الإنجيلية. ولقد فعل هذا كمشرّع، وليس كمُرسَل من السماء بل كمن له سلطان يليق بالله. والقديس بولس يؤكد على ذلك بقوله ” صرتُ لليهود كيهودى لأربح اليهود وللذين تحت الناموس كأنى تحت الناموس لأربح الذين تحت الناموس وللذين بلا ناموس كأنى بلا ناموس مع أنى لست بلا ناموس لله. بل تحت ناموس المسيح لأربح الذين بلا ناموس“[97]. انتبه إذًا لأنه بينما هو يقول إنه ليس بلا ناموس لله يقول أنه يعيش طبقًا لناموس المسيح وهو في هذا يعطى المجد له لأنه هو الله ولأنه هو المُشرّع، ويعترف بألوهيته وبأحقيته وحده في أن يُشرّع. إذًا، وفقًا لكلام القديس بولس طالما أن مَن يعش بحسب ناموس المسيح هو ليس بلا ناموس لله، فما هو السبب الذي يمكن أن يمنع الابن من أن يكون هو المُشرّع وهو الله في نفس الوقت؟
إرميـــا: لا يوجد سبب على ما أعتقد.
كيرلس: يمكن للمرء أن يشير إلى أمر آخر بالإضافة إلى ما سبق.
إرميـــا: وما هو؟
كيرلس: أعتقد أنه ليس من السهل على أحد أن يثبت أن الله الآب قد شرّع بالأخص للقدماء الأولين فقط أو لمَن بعدهم، بينما يستطيع وبدون مشقة أن يتأكد أنه يُشرّع مع الابن وبواسطة الابن. فأين ولمَن كان الآب يُشرّع بينما كان الابن صامتًا وغائبًا؟
إرميـــا: ومع ذلك فإن الحكيم بولس يقول إن ” الله كلّم الآباء بالأنبياء قديمًا“[98]. كما أن موسى أيضًا قال للإسرائيليين مرة ” الرب إلهنا كلّمنا في حوريب “[99].
كيرلس: إن ما تقوله هو حسن يا صديقى فالقديسون قد نسبوا دائمًا لله الآب ذلك التشريع القديم. لكن هيّا لأثبت لك أن الابن يقول إن هذا التشريع هو له. لأنه لم يأت كى ينقض بأى شكل من الأشكال أو يهدم ما قاله الأنبياء لكن كى يكمّل أقوال الأنبياء والناموس. لأنه هو بنفسه قال ” لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل“[100]. وأيضًا ” السماء والأرض تزولان ولكن كلامى لا يزول“[101]. هل فهمت الآن أنه بعدما قال إن كل ما في الناموس سيتم حتمًا قال إن كلامى سيصير من الآن هو الناموس؟ لكن يمكن للمرء أن يراه وهو يصرخ في موضع آخر على لسان أحد الأنبياء ويقول ” لذلك يعرف شعبى اسمى، لذلك في ذلك اليوم يعرفون إنى أنا هو المتكلم “[102]. لقد تجسّدتُ واتخذتُ شكل طبيعتكم وكنت أنا هو مَن تكلّم حينذاك مع أن الله الآب كان هو مَن شرّع ما نطق به الأنبياء. إذًا الأمر يستتبع بالضرورة، وهذا أمر غير مشكوك فيه بالمرة أن مَن له دائمًا مجد المشرّع (واضع الناموس) يجب أن يكون وبطريقة طبيعية هو الديّان[103]، وأن يعاقب عقابًا شديدًا أولئك الذين يهملون ما تحدد بواسطة الناموس والذين يميلون إلى فعل ما يرون أنه حسن.
إرميـــا: بالتأكيد.
الابن له خصائص طبيعة الذي وَلَدَه:
كيرلس: تمامًا كما لو قيل إن واحد هو واضع الناموس[104] وهو الآب وهو الديّان أيضًا، فإن هذا ليس معناه بأى شكل من الأشكال أن الابن ليس هو واضع الناموس وهو الديّان. لأنه لا يوجد بالمرة ما يمكن أن يفصل طبيعة الابن عن طبيعة الآب. وبنفس الطريقة على ما أعتقد، حتى إن كان الله الآب هو مَن له خاصية عدم الموت[105]، فإن الابن أيضًا له نفس الخاصية في جوهره وهو بالتأكيد عديم الموت بمعنى أن طبيعته غير مائتة ومشرقة ببهاء خصائص طبيعة الذي وَلَده، ولهذا فنحن والملائكة نسجد له. أما إن قالوا لنا إن الأمور ليست كذلك وأتوا لنا بكتابات منحولة ـ رغم أننا نؤمن بما هو مستقيم ـ فليوضحوا لنا ما يلى.
إرميـــا: ماذا تقصد؟
كيرلس: أولاً وقبل كل شئ، إن كان مَن ليست له حياة لأنه لا يملكها في طبيعته، فحينئذٍ ألا يكون بالضرورة مائتًا وستكون الحياة معطاة له من خارج (طبيعته) بواسطة آخر.
إرميـــا: نعم، لأن مَن هو ليس عديم الموت يمكن أن يقبل الموت.
كيرلس: وبالإضافة إلى هذا فليقولوا لنا أيضًا ما هو عمل الحياة في أولئك الذين هم في حاجة إلى الحياة؟
إرميـــا: طبعًا هو إعطائهم الحياة، مثلما أن عمل النور هو الإضاءة بالتأكيد.
كيرلس: بالصواب تتكلّم. فلو أن أحدًا قد اعتقد أن الحياة تحتاج إلى أن تنال حياةً (من آخر) أو أن النور يحتاج أن يستنير بواسطة آخر، فهل تظن أن اعتقاده هذا سليم؟
إرميـــا: بالتأكيد لا، لأنه بهذا الاعتقاد يكون قد ابتعد عن التفكير السليم لأن الحياة لا تُوهَب حياة بواسطة آخر.
كيرلس: إذَا عندما يكون الابن الوحيد بيننا ويصرخ فينا قائلاً ” أنا هو القيامة والحياة“[106]. فهل يجب أن نفترض أن الحياة ينقصها عدم الموت أم كيف يكون الأمر بخلاف ذلك؟
إرميـــا: كيف يكون ذلك؟ لأن الحياة لا ينقصها عدم الموت بالتأكيد. لأن الحياة في طبيعتها تعنى عدم الموت.
كيرلس: وأنا أقول إنه طالما أن الله الآب هو عديم الموت (وهذا ما يخبرنا عنه الكتاب المقدس)[107]، فكيف لا يكون الابن أيضًا عديم الموت؟ غير أنى أؤمن وبشكل مطلق بأن أمر الوحدة الجوهرية بين الآب والابن يعطى لكل منهما حقيقة كونهما عديميّ الموت، كما أنه أمر واضح أن الحياة هى صفة جوهرية وأن عدم الموت ليس هو شئ صالح يعطى من الخارج بل هو أمر يرجع إلى الطبيعة. فلو أن المعاندين بتفكيرهم المنحرف قد ظنوا أنه يجب أن يقولوا إن الابن هو غريب عن الله الآب وأن له طبيعة أخرى منفصلة وأنه ليس هو إله حق مع أنه بالتأكيد هو غير مائت بطبيعته أو بالحرى هو الحياة عينها، وبالتالى لا ينسبوا إليه كل الميزات التي نندهش منها نحن والملائكة والتي تليق بالطبيعة الإلهية غير الموصوفة، فهل يمكن ـ حسب تعليمهم المنحرف ـ أن تنسَب هذه الميزات التي تليق بالطبيعة الإلهية لأحد آخر من بين الخلائق؟
إرميـــا: وبأى طريقة يقولون ذلك؟
كيرلس: أعتقد أن هؤلاء سيقولون إن سلطة إعطاء الحياة وكونه هو الحياة تليق بمن هو بالفعل والطبيعة إله حق. إذًا طالما أن الآب حسب جوهره هو كذلك، بينما ـ وفقًا لما يقولون ـ إن الابن ليس من طبيعة الآب، وأنه يوجد في منزلة أقل من الآب، وحينما يقول الابن إنه هو الحياة ناسبًا لطبيعته الخاصة ما هو من خصائص جوهر الآب، فكيف لا يكون ما قلته بشأنهم هو صحيح؟ لأنه (حسب فكرهم) ما كان من خصائص الطبيعة غير الموصوفة قد انتقل إلى مَن لم يأت من جوهر الله الآب بل إلى مَن أتى إلى الوجود مع بقية الخلائق. لأنه بحسب ما نؤمن به، فإننا نعرف أن الله يأتى في المقام الأول ثم بعد ذلك الخليقة كلها ولا يوجد في الوسط بين الله والخليقة أى شئ آخر على الاطلاق. أليس ما أقوله صحيحًا؟
إرميـــا: صحيح تمامًا.
كيرلس: إذًا فإن كان الابن له جوهر آخر غير جوهر الآب فكيف يمكن أن نفهم أنه يوجد فعل واحد ومماثل لمَن هم مختلفين من جهة طريقة وجودهم؟ لأنه يقول ” لأنه كما أن الآب يقيم من الأموات ويُحيّي كذلك الابن أيضًا يُحيي مَن يشاء “[108].
إرميا: هو يقول ذلك بالتأكيد. والابن بالقطع هو الحياة. غير أنه قال أيضًا ” كما أرسلنى الآب الحيّ وأنا حيُُّ بالآب “[109]. إذًا فالحياة التي فيه هى بسبب أبيه[110].
كيرلس: وبالتالى أيها الجسورون هل يجب أن نقبل أن الابن نفسه قد استمد حياته من الله الآب مع بقية المخلوقات كلها وبالتالى لابد وأن نحصيه مع بقية الكائنات التي تستمد حياتها من آخر كشئ دخيل عليها؟ حينئذٍ يجب أن يُحسب الابن بين أولئك الذين يموتون لأن الشئ الذي يأتى من خارج (الإنسان) يمكن أن يُفقد، وما يريد الإنسان أن يحتفظ به، سيكون معرّضًا للفقدان، إن لم يرتبط بقوانين طبيعية تجعل احتفاظه بهذا الأمر ثابتًا.
إرميـــا: فكيف إذًا يمكن أن يفكر المرء بأن الابن هو الحياة بسبب الآب بالرغم من أن الابن نفسه بحسب الطبيعة هو الحياة؟
كيرلس: كونه هو الحياة[111] هو بالتأكيد دليل على أصالة صدوره من الله الآب وبرهان واضح على حقيقة طبيعته (الإلهية).
إرميـــا: ماذا تقصد بهذا؟
كيرلس: أقصد أنه لم يقل إنه أُعطى الحياة من الآب بل قال إنه حيّ بالآب.
إرميـــا: وماذا يعنى هذا إذًا؟
كيرلس: أعتقد أنه يليق لمَن له طبيعة ليس فيها حياة وليس لها عدم الموت بل هو يستمد حياته من آخر، أن يقول ” إن أبى أعطانى الحياة“. بينما يليق بمَن يعرف أنه هو الحياة وأنه قد صدر من الحياة، أن يقول وبطريقة تناسبه كإله ” أنا حيّ بالآب“. فلو أن كائنًا عاقلاً قد وُلد من كائن عاقل هو أبوه وقال إنى عاقل بأبى. أو بطريقة أخرى لو أن الحرارة التي تشع من النار[112] لها صوت وقالت إنى أُدفئ بالنار التي منها قد انبعثت[113]، فهل من الممكن ألاّ يظن مَن له عقل أنهما (أى الكائن العاقل والحرارة) يقصدان بالحرى خصائص كل منهما التي منها كينونتهما وليس خصائص دخيلة عليهما من الخارج كهبات؟!!
إرميـــا: بلى، سوف يظن كذلك.
كيرلس: وبالتالى فإن الابن حيّ بالآب لأنه هو الحياة التي هى من حياة الآب[114]، ولأنه بالفعل إلهًا حقًا تمامًا مثل مَن وَلَده. وكلامى الذي أقوله يستند على شهادة يوحنا الإنجيلى والمملوءة حكمة إذ يكتب عنه قائلاً ” ونعلم أن ابن الله قد جاء وأعطانا بصيرة لنعرف الحق ونحن في الحق في ابنه يسوع المسيح هذا هو الإله الحق والحياة الأبدية“[115]. هل اتضحت الأمور أكثر بالنسبة لك؟ وهل أصبح من السهل أكثر أن تؤمن بذلك بدلاً من أن تظن أن الابن ليس من نفس جوهر الآب؟
إرميـــا: إنى أعتقد أنه لا يوجد شئ يمكن أن يدحض كلمات يوحنا اللاهوتى لأنها تشهد شهادة قوية عن الابن ضد ما يردده المعارضون. غير أنه عندما يُسمّى الابن بالإله الحق ففي الحال يبتسم المعارضون في سخرية ويقولون إن الابن في الواقع ليس هو إله حق لكن الآب بإرادته قد منحه هذا الاسم. ويضيفون قائلين إن القديس بولس كتب ” رفّعه الله وأعطاه اسمًا فوق كل اسم“[116].
هل الابن هو أقل من الآب لأنه قد أُعطىَ ”اسمًا”؟
كيرلس: يجب أن تعلم أنى أتفق معك أنه قد أُعطى اسمًا فوق كل اسم. فإن اعترض أحد على أقوال الوحى الإلهى فإن هذا لا يدل ـ على ما أعتقد ـ على رجاحة الفكر بل على عقل منحرف وعلى محاولة إنسان قد إختّل عقله. غير أنى مندهش من فنون وأساليب المعارضين في التضليل لأنهم لم يحاولوا حتى مجرد التفكير في سبب إعطائه اسمًا، لكنهم يفتشون عن كلمات تخدم أفكارهم[117] وفي هِمّة يستغلون أى أمر يظهر وكأنه ضد مجد وكرامة الابن. مع أن الوحى الإلهى يحدّد الوقت الذي أُعطى فيه الابن هذه العطية لأنه لم يكن آخر هو الذي كُتب عنه “ الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله لكنه أخلى نفسه آخذًا صورة عبد صائرًا في شبه الناس وإذ وجد في الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب ولذلك رفّعه الله أيضًا وأعطاه اسمًا فوق كل اسم[118] لكى تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومَن على الأرض ومَن تحت الأرض ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو الرب لمجد الله الآب“[119].
إرميـــا: وماذا يعنى هذا؟
كيرلس: كان من الممكن أن يكون هذا الكلام مثل طريق مُمَهد ومَعَبر لمَن يريدون الفهم بطريقة صحيحة، ويقودهم هذا الكلام إلى الحق. فلتفهم يا صديقى أنه إذ قد أُعطى الاسم ” كهبة ” فهذا يشير إلى عملية الإخلاء وأن الابن قد وضع نفسه حسب التدبير، من أجلنا. وطالما أنه أخذ اسمًا ـ وفق عملية الإخلاء والخضوع هذه ـ فيبدو كأنه أخذ شيئًا لا يمتلكه قبل عملية الإخلاء لأنه من نفس جوهر الله الآب. وطالما أنه وضع نفسه وقد تنازل من علوه إلى ما هو أقل، فإنه يرجع بالقطع إلى علوه السابق، وهذا لا يعنى أنه يأخذ مجد وكرامة آخر بل ما كان له منذ البدء. أما إن كانوا يعتقدون أنه من الضرورى أن يقولوا إن الابن قد أخذ مجدًا وكرامةً غريبة عنه عندما أُعطى اسمًا فوق كل اسم، كهبة من الآب، فحينئذٍ لا يوجد شئ يمنعنا حسب المنطق من أن نفهم سر تأنسه بطريقة عكسية وأن نحوّل تجسده إلى اتجاه آخر تمامًا. وسأقول لك بأى طريقة يتم هذا. إن كان أخذْ الابن لاسم فوق كل اسم ليس هو اخلاء بالنسبة له، لكن بالحرى اكتسابه لشئ جديد لم يكن له حسب طبيعته، حينئذٍ سيكون هناك إخلاء جوهرى أو بالحرى إخلاء قد حدث قبل أن يحدث الإخلاء في ملء الزمان. بينما الزمن الذي فيه تم الإخلاء ـ وبطريقة لا أعلمها ـ أى الزمن الذي أخلى فيه ذاته، هو زمن المجد والكرامة، بعدما اقتنى ما لم يكن له بحسب الطبيعة وامتلك أمورًا لا تقارن بما كان له سابقًا. غير أنه ـ وكما تؤمن أنت ـ أن الاسم الذي هو فوق كل اسم قد أُعطى للابن عندما اتخذ جسدنا كواحد منا، وتعيّن ابن الله وهو الابن الحقيقى، كابنًا بالتبنى مثلنا ومن أجلنا حتى أننا بواسطته نصير أبناءً لله بالتبنى ، وتكون لنا شركة الطبيعة الإلهية. أم أنك تعتقد أن الحديث قد حادَ عمّا يجب؟
إرميـــا: بالطبع لا.
كيرلس: لقد قرّرنا ـ وعلى عكس عناد المعترضين ـ أنه لابد وأن نعترف بالأمور الأسمى وأن نتمسك بغير لوم بالإيمان بالابن الوحيد[120] ولنبعد عنا كل كبرياء كما هو مكتوب[121]، ولنُخضع كل فكر إلى طاعته. أما إن رفضنا أن نفعل ذلك فيجب علينا أن نقبل ما يقوله هؤلاء وسننكر على الابن الوحيد كونه الإله الحقيقى. وبهذا سنقول أيضًا إنه ليس لدينا شئ آخر نضيّعه.
إرميـــا: هل ستوضّح لى ما تريد، أم ستتحاشى الحديث؟
كيرلس: بالتأكيد لديّ رغبة أن أتحدّث ولن أتحاشى الكلام عن هذه الأمور أم ربما كان من غير الصحيح أن نقول إنه طالما قد أُعطى اسمًا أفضل وأنه ـ بطريقة ما ـ دُعى إلهًا، فإن هذه العطية يمكن أيضًا أن تفارقه؟ لأن ما يُعطى لا يبقى ثابتًا إلى الأبد. وحسب هذا فإن الآب نفسه سيكون معرضًا لما لا يليق أن يُنطق به. لأن الآب سيُصبح أقل من الابن وستكون طبيعته أدنى من طبيعة المولود منه ـ مع أن الابن حسب زعمهم أقل من الآب ـ لأنه لو أن الابن كان له مجرد أن يُدعى إلهًا لكان مجد ألوهيته مجد زائف ولكان وكأنه أُعطى هذه الرتبة الآن فقط وكأنها رتبة زائفة لو أنه بالفعل كان ما يملكه من الألوهية هو مجرد اسم (أى مجرد عطية).
إرميـــا: إن حديثك يوضّح بشاعة هذه الأمور غير اللائقة.
كيرلس: بالفعل هى أمور بشعة، لكن من الضرورى أن نستعرضها. لأننا عندما نفعل هذا فإننا نستبعد ما هو ليس حق ونُظهر ما هو حق. إذًا طالما أن الابن ـ كما يعتقدون ـ قد أخذ اسمًا من الله الآب مكافأة له على إخلائه، فبالتالى يمكن أن يقال إنه قَبْل زمن الإخلاء (أى قبل التجسد) لم يكن له هذا الاسم إذ أن هذه النعمة المعطاة ـ والتي يمكن بسهولة أن تُفقد ـ لم تظهر إلاّ في زمن الإخلاء. وغير ذلك، كيف كان الابن مساويًا لله الآب طالما أنه لم يكن قد أخلى نفسه بإرادته ولم يكن قد أخذ شكل العبد؟ لأنه لم يحسب مساواته لله خلسة. إذًا فإن كنا نقول إن الابن قَبْل زمن الإخلاء كان مساويًا للآب، وأنه عندما أخلى نفسه، كُرّم بطريقة خاصة وأُضيف له مجد فوق المجد الذي له، فإنه سيكون بهذا الشكل قد فاق الآب نفسه.
إرميـــا: هذا كلام صعب جدًا.
كيرلس: غير أنه سليم من حيث طريقة التفكير. فلو قالوا إن الابن ـ عندما أخذ اسمًا فوق كل اسم ـ كان قد اكتسب شيئًا أسمى، فهذا يعنى أن طبيعته قد تطوّرت وفاقت طبيعة الله الآب. لأن هذا ما يتضح من كلامهم الشنيع الذي سبق أن قالوه. ومن ناحية أخرى لو أن المرء قد رأى الابن أقل بين آخرين أسمى منه ولم تزيده العطية أى شئ مع أنه يُفهم أنه أخذ شيئًا، فكيف لا يظهر كذب وهراء مَن لهم مثل هذه الجرأة الكبيرة أن يقولوا إن الطبيعة الإلهية التي لا توصف تتفوّق قليلاً فقط على الطبيعة المخلوقة حتى لا يقال إنها لا تتفوّق عليها بالمرة ؟ وأيضًا أن يقولوا إنه لو أن هذه الطبيعة قد أعطت خصائصها الذاتية لأحد المخلوقات كى ترفعه للمجد فإنه لن يستفيد إلاّ القليل. غير أنه لو فكّرنا هكذا لكان هذا هراء منا، لأن الأمور المختصة بالله هى يقينية وتستحق كل المجد. وحسب فكرهم فإن الله الآب يظهر وكأنه أفضل من نفسه، مانحًا لغيره عطايا أفضل مما يملك.
إرميـــا: بأى طريقة؟
كيرلس: بأنه (أى الآب) قد أعطى الابن ـ الذي هو مساوٍ له وله نفس المجد حتى قَبْل إخلائه لذاته ـ أعطاه اسمًا فوق كل اسم واضعًا إياه في مرتبة عالية. إذًا أليس ما يقوله المعاندون هو هراء تفوح منه رائحة الجهل؟
إرميـــا: بالتأكيد.
كيرلس: كما أعتقد أن المرء يستطيع أن يثبت هراء ما يقولون كالآتى:
لو كان الابن يعرف أنه يحمل مجرد “اسم الابن” وأنه ليس ابنًا بطبيعته (الإلهية) فما الذي جعله ينادى عاليًا ويقول ” أنا هو الحق“[122]. لأن المزَيف ليس هو حقيقى، ومَن يُظهر ما ليس له حسب الطبيعة، بل (يظهر) تلك الأمور الخارجية والغريبة عنه، فهو يحاول أن يخترق الحقيقة والمجد بالقوة. غير أن الواقع ليس هكذا، كما أن هذه الأفكار مشوّهة. وإن كان (الكلمة) ليس هو الله بالطبيعة فلماذا رأى أنه لا يجب أن يحسب نفسه مع أولئك الذين هم آلهة بالتبنى لكنه ميّز نفسه عن كل القديسين وسار في طريق لا يستطيع أحد منهم أن يسير فيه وذلك بقوله ” إن قال آلهة لأولئك الذين صارت إليهم كلمة الله، ولا يمكن أن ينقض المكتوب، فالذي قدّسه الآب وأرسله إلى العالم أتقولون له أنك تجدف، لأنى قلت إنى ابن الله“[123]؟ أى أنه يقول: طالما أن هؤلاء الذين يقبلون كلمة الله ويضعونها في داخل نفوسهم، يدعون آلهة، فكيف لا يكون ذاك الذي صيّرهم آلهة، هو نفسه إلهًا؟[124] لأن ” الكلمة كان الله ” كما يقول القديس يوحنا، والفعل كان (½n)[125] لا يعنى أن المجد صار له بعد وقت معيّن بل أن هذا المجد هو له قبل كل الدهور. إذًا هل يشير تعبير “كان” إلى أن هذا المجد كان له دائمًا، أم يعنى أن هذا المجد كان له في بداية الزمن فقط؟
إرميـــا: بالصواب تتكلّم، لأن تعبير “كان” يتعدّى حدود الزمن.
كيرلس: والقديس بولس لا يعترف بالابن على أنه ابن لا يتحلّى برتب غير أصيلة فيه، بل يعترف به إلهًا بالطبيعة متحدًا بالله الآب بعلاقة جوهرية حسب الطبيعة.
إرميـــا: كيف؟
كيرلس: إنه يكتب الآتى ” لأنه وإن وُجد ما يسمى آلهة سواء كان في السماء أو على الأرض كما يوجد آلهة كثيرون وأرباب كثيرون لكن لنا إلهًا واحد الآب الذي منه جميع الأشياء ونحن له، ورب واحد يسوع المسيح الذي به جميع الأشياء ونحن به“[126]. فلو أنه كان قد اعترف بأنه يجب أن يُحصى الابن بين الذين يحسبون آلهة بالنعمة، فلماذا لم يجعله بين هؤلاء الآلهة، ويشير فقط إلى إله واحد وفريد هو الآب الذي هو الله والرب ولأنه ميّز بين الابن وبين تلك الآلهة الأخرى وقال إنه يجب أن يُدعى الآب إلهًا والابن ربًا؟ غير أنى أعتقد أنه من الحكمة والضرورة أن لا نفصل المجد الذي هو حسب الطبيعة عن الألوهة الحقة، وأن لا نُخرج الربوبية الحقة بعيدًا عن الطبيعة الإلهية، لأنه من الواضح أن كلاً من الآب والابن له بالحرى الألوهة والمجد. والدليل الواضح على أن الآب والابن هما واحد في الجوهر هو أن لكل منهما خصائص هذه الطبيعة وأن كل منهما له نفس هذه الطبيعة الإلهية الواحدة وهذا يؤكد وحدتهما المطلقة (في الجوهر) وأنهما لا يحتاجان شيئًا من خارجهما.
إرميـــا: لكن كيف يكون هذا؟
هل بنوّة الابن للآب هى بنوّة حسب الطبيعة أم أنها بالتبنى وأنها هبه بالروح القدس؟
كيرلس: إن سألك أحد يا إرميا عن الابن فهل ستقول له إنه ابن بالطبيعة أم أنه ابن فقط بحسب مشيئة الآب، أى أنه ابن كباقى البشر؟
إرميـــا: طبعًا سأقول إنه ابن بالطبيعة غير أنى أعتقد أن أى من المعارضين لن يعترف بهذه الحقيقة.
كيرلس: أنت ستقول هكذا، أما هم فإنهم ـ خلاف ذلك ـ يضيفون قائلين عنا إننا نهذى وأن فِكرنا قد انحرف. وقل لى مَن من هؤلاء الذين يختلفون معهم ولا يوجهون له إتهام؟ فإنهم قد صاروا مسعورين وقد وصلوا إلى درجة لا توصف من الجنون بشأن هذا الأمر حتى أنهم اعتقدوا أن الابن يجب أن يصنّف ابنًا بالتبنى مثله مثل بقية البشر. ومع أنه كان ينبغى عليهم أن يخجلوا من ضلالاتهم هذه ومن أنهم يشوهون الحقيقة الساطعة بأن يعطوا الابن مجدًا متميّزًا لا يستطيع غيره الوصول إليه، وذلك حسب تصورهم الخاطئ عنه؛ غير أنى أود أن أسألهم عن طريقة التبنى هذه وكيف حدثت وأيضًا عن بنوّته هو وبنوّتنا نحن. لأننا ورثنا أن نكون أبناء، ولسنا نحن الذين نقول كيف صرنا أبناء لكن القديس بولس هو الذي علّمنا ذلك عندما كتب ” ثم بما أنكم أبناء أرسل الله روح ابنه إلى قلوبكم صارخًا يا أبا الآب“[127]. وهذا معناه: نحن نقول إننا دعينا إلى البنوة الروحية وذلك بسبب أن الابن يسكن في داخل قلوبنا بطريقة لا توصف بواسطة الروح القدس[128]، أم أنك تظن أن الأمر ليس كذلك؟
إرميـــا: إنى أظن أن الأمر هكذا، لأنى أذكر أن القديس يوحنا كلّمنا عن الله قائلاً ” وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله أى المؤمنون باسمه “[129].
كيرلس: انتبه إذًا يا صديقى، إلى النتيجة التي يمكن أن يصل إليها الحديث عن الابن الوحيد لو أنه أصبح مساويًا لنا نحن الذين دُعينا للبنوّة. لأنه لا يمكن أن يصير الإنسان المخلوق ابنًا إلاّ عن طريق ابن الله[130] وبواسطة نعمة الروح القدس وهذا ما يؤكده الرسول بولس بقوله ” وبما أنكم أبناء أرسل الله روح ابنه إلى قلوبكم صارخًا يا أبا الآب“[131]، فإن كان الأمر هكذا ففيمَنْ سيصير الابن ابنًا هو أيضًا؟ لأنى لا أعتقد أنهم سيقولون إنه صار ابنًا بذاته في ذاته على الرغم من أنه حُسِبَ بين الذين قد دعوا أبناء بالتبنى طالما أنه ـ حسب فكرهم ـ قد أُستبعد عن أن يكون ابنًا حقيقيًا بالطبيعة.
إرميـــا: فبماذا تجاوبهم لو قالوا إننا بالفعل قد قَبِلنا الابن في داخلنا بينما هو قد قَبِلَ الآب في داخله؟
كيرلس: كنت سأجيب بأنه لو أن هؤلاء يحددون ـ حسب ما يريدون ـ جوهر الطبيعة الإلهية وينسبون لها قوانينًا يعتقدون بصحتها، فإن الحديث مع هؤلاء في هذا الأمر لن يصلح أبدًا، لأنهم يتكلّمون بما في داخل قلوبهم ولا يرددون بالمرة ما قاله السيد بفمه. أما إن اعتقدوا بأنهم لابد أن يسلكوا طريق الحق والمعرفة الإلهية، فحينئذٍ لابد أن ما يؤمنون به يكون مؤيدًا بكلمات الكتاب المقدس[132].
إرميـــا: هم يقولون ذلك لأن الابن قال لفيلبس ” ألست تؤمن أنى أنا في الآب والآب في “[133].
كيرلس: إذًا فالآب يقدّس الابن بكونه (أى الآب) في داخله؟
إرميـــا: هم بالقطع سيقولون نعم.
كيرلس: وهل يتقدّس الابن لأن الآب هو بالطبيعة قدوس وله في ذاته القدرة أن يقدّس مَن يكون فيهم، أم أنه يستمد القداسة من آخر؟[134]
إرميـــا: لأن الآب نفسه قدوس بالطبيعة.
كيرلس: إذًا فالابن لا يملك بالتأكيد قداسة حسب طبيعته، كما يدّعى الحمقى الذين يفكرون في كل أمر غير لائق، لكنه أخذ طبيعة لم تكن حرّة في أن تخطئ بمعنى أن عِتْقها الدائم من الخطية كان يتوقف على ما تفعله. فلو أنهم قبلوا أن هذه الطبيعة قد ربحت شيئًا من قداسة الآب ومن سكناه ومجده الذي يبهرنا، فكيف يكون بلا هدف أن يقال إن الله الآب سكن فيه وأنه هو في الآب والآب فيه، وما معنى هذا الكلام أو ما هى تفاصيل هذا الأمر؟ لنفحص كل هذا هنا بتدقيق.
إن الابن ـ كما يعتقد هؤلاء ـ قد سكن في الآب لأنه كان ـ حسب فكرهم غير المستقيم ـ في إحتياج إلى التقديس[135]. وقد يتساءل المرء ما الذي ربحه الآب نفسه بكون الابن داخله؟ فلو أنهم قالوا إن هذه هى الطريقة التي يجب أن يتقدّس بها مَن تتطلب طبيعته التقديس، حينئذٍ نتساءل لماذا ونحن نتقبل الروح لا ننتقل إليه حتى يصبح فينا ونحن فيه؟ وإن كانت لا تقلقهم هذه الأمور التي لا تليق (لأن الروح القدس هو فينا وليس نحن فيه حسب الطبيعة) فكيف لا يكونون غارقين في أفكارهم الباطلة باعتقادهم أنه لا يجب أن نفسر كون الآب في الابن والابن في الآب على أنه كذلك بسبب وحدة الجوهر لكن يعتقدون أن هذا يتم بطريقة مَن يتلقى شيئًا صالحًا من خارجه؟ ومن ناحية أخرى أظن أنه ينبغى أن نقول الآتى أيضًا: إنه في اتحادنا بالابن والذي يتم بواسطة الروح القدس في الذين يقبلون، ألا نتغيّر نحن لنصير أبناء طالما أن الابن يشركنا في مجده ويطبع ملامحه هو في نفوس مَن يقبلونه؟[136]
إرميـــا: بالطبع.
كيرلس: إن لدى الابن القدرة ـ حسب طبيعته ـ على أن يجعل له أبناء، وأن له هذه القدرة ـ كما أعتقد ـ بسبب أنه ليس هو آخر سوى أنه هو نفسه ابن.
إرميـــا: دعنا نقبل هذا، لكن ماذا سنستفيد من ذلك الرأى؟
كيرلس: إننا نقبل ـ حسب التفكير المنطقى والسليم ـ أن سُكنى الآب لها نفس فاعلية سُكنى الابن، لأن مَن يمتلئ منه سيحصل على نفس الكمال كما في حالة سكنى الابن. لأن الآب يجعل مَن يريد أن يسكن هو فيه، أبًا وليس ابنًا، ويشكّله حسب صورته.
إرميـــا: فقل لى إذًا، هل نقبل بأن صورة الله التي حصلت عليها الطبيعة البشرّية (لأن الإنسان خُلِقَ على صورة الله ومثاله)[137]، تشير إلى مشابهتنا للابن فقط أم أننا ـ حسب هذا الرأى ـ سنقبل أنها تشير إلى مشابهتنا للآب والابن، وأننا سنقول إننا خلقنا مشابهين للطبيعة الإلهية بكاملها مع أننا أبناء ونحسب من بين البنين؟
كيرلس: وغير ذلك يا صديقى، ألا تعتقد أنه يجب أن تفكر كيف أن كل كلامنا هنا هو عن الإيمان بالطبيعة الإلهية الواحدة والتي هى في ثلاثة أقانيم متمايزة ولها نفس الجوهر فهى تمثل إلهًا واحدًا أسمى[138] من الكل والذي نتشكّل على هيئته حسب ما يقول الكتاب، ولكننا نأخذ ختم التبنى عن طريق الابن بواسطة الروح القدس[139]. فالبنوّة هى صورة الابن والأبوة هى صورة الآب. إذًا فنحن أبناء بسبب الابن كما أننا على صورة الله وشبهه إذ قد خُلقنا هكذا منذ البداية على صورة كمال الطبيعة (الإلهية) أعنى الطبيعة الفائقة[140].
إرميـــا: ما تقوله صحيحًا.
كيرلس: وبالتالى فإن امتداد المناقشة إلى ما لا يجب وكما يريدون هو أمر بلا معنى ولن يجدى نفعًا، غير أنى أرى أنه من الحكمة أن نتناقش وأن نؤمن بتلك الأمور النافعة لنا في كل الحالات.
كيرلس: إذًا ما يقوله هؤلاء هو أساطير لا نفع منها، إذ أن شرورهم لا حد لها بينما نحن لا نستطيع أبدًا أن نؤمن بأن الابن هو إله غير حقيقى، وأنه يتقدّس بمعنى أنه يُدعى من الآب كى يصير ابنًا وأنه يتمجّد معنا كابن، على العكس فإن ما هو عليه إنما هو من طبيعته. لأنه لا يمكن أن يصير الابن ابنًا بواسطة الروح القدس. فالروح القدس هو بالتأكيد روح الآب مثلما هو روح الابن[142] وهذا يمكن أن يعلمه المرء وبدون تعب عندما يسمع الابن نفسه وهو يقول ” فإن كنتم وأنتم أشرار تعرفون أن تعطوا أولادكم عطايا جيدة فكم بالحرى أبوكم الذي في السموات يهب خيرات للذين يسألونه“[143]. وأيضًا ” لأنه لستم أنتم المتكلّمين بل روح أبيكم الذي يتكلّم فيكم“[144]. وبنفس الطريقة فإن القديس بولس يكتب لمن يؤمنون قائلاً: ” وأما أنتم فلستم في الجسد بل في الروح إن كان روح الله ساكنًا فيكم ولكن إن كان أحد ليس له روح المسيح فذلك ليس له. وإن كان المسيح فيكم فالجسد ميت بسبب الخطية وأما الروح فحياة بسبب البر“[145]. إذًا فبالتأكيد الروح هو الذي يعطينا نحن الأرضيين بهاء مجد البنوّة، وأقصد أنه طالما أن الروح هو روح الابن، فإنه يعطى بفعله التبنى للجميع، بينما يكون بلا فعل في ذلك الذي هو ليس غريبًا عنه (أى الابن)[146] الذي هو في الواقع روحه الذاتى، وهو (الروح) ينسكب بواسطة الابن ومسرّة الآب على المستحقين أى الذين يقبلونه. أم أنك تظن أننا لم نوضح هذه الأمور بطريقة صحيحة؟
إرميـــا: إنى أتفق معك تمامًا فيما تقول.
كيرلس: وأيضًا عندما يحدّثنا القديس يوحنا عن الله بقوله ” بهذا نعرف أننا نثبت فيه وهو فينا أنه قد أعطانا من روحه“[147]. فكيف يصعب علينا أن ندرك أن الابن هو إله بالحقيقة وأنه قد جاء من جوهر الآب، حيث إن روحه الساكن فينا هو الله وليس شيئًا آخر؟[148] ومع قولى هذا أُضيف أيضًا الآتى: لو لم يكن روح الآب هو الله، الذي به تُعطى حياة وقداسة للبشر، هو روح الابن أيضًا، فمن ذا الذي يصل تفكيره إلى هذا الحد الدنئ حتى يفكر ويقول إن الابن ليس واحدًا في الجوهر مع الله الآب بل هو ضمن المخلوقات، ويقول أيضًا إن الابن لا يعطِى ولا حتى يهب للبشر (أن يكونوا شركاء الطبيعة الإلهية) أو تلك المواهب المتميّزة الخاصة بها، الأمر الذي يجعله لا يكون مختلفًا بالمرة عن المخلوقات، وأيضًا يجعل طبيعة المخلوقات مساوية في المجد مع تلك الطبيعة (الإلهية) التي تضبط كل الأشياء.
إرميـــا: وكيف لا يكون هذا التفكير خاطئًا؟
كيرلس: إذًا فطالما أنه من السهل أن نتأكد من خلال الكتب المقدسة أن الابن الوحيد له خصائص الله الآب[149]، فهيّا بنا نستجمع أفكارًا أخرى بخلاف ما سبق أن قلناه، لكى نحاصر أقوال المعاندين الضعيفة والهزيلة، ونأتى بأقوال تثبت أنه يعمل نفس أعمال الله الآب وأيضًا بتلك التي توضح أنه هو الله وتبيّن أنه لا يحسب ضمن هؤلاء الذين هم بنين حسب النعمة، أو أنه يتحلى بمجد مكتسب، بل أنه إله حق لا ينقصه شئ عن ما هو للآب، وعلى هذا يُدرك على أنه أرفع في كل مَن هو مخلوق.
إرميـــا: هذه يا صديقى، أمور جيدة، تستحق التقدير من الجميع.
كيرلس: هل تعتقد إذًا يا صديقى أن أحدًا من المخلوقات قد ساهم في إتمام أمر تستطيع وحدها الطبيعة الفائقة على الكل، أن تتممه؟
إرميـــا: لا أعتقد ذلك.
كيرلس: بالصواب تتكلّم. والطوباوى بولس يتحدث عن قدرة الله الآب على إقامة الموتى على أنها أمر فائق للطبيعة وغير مألوف بالمرة وكما أعتقد يفوق كل حدود إمكانيات المخلوقات، وذلك عندما قال ” لأن الناموس ينشئ غضبًا إذ حيث ليس ناموس ليس أيضًا تعدٍ. لهذا هو من الإيمان كى يكون على سبيل النعمة ليكون الوعد وطيدًا لجميع النسل ليس لمن هو من الناموس فقط بل أيضًا لمن هو من إيمان إبراهيم الذي هو أب لجميعنا، كما هو مكتوب أنى قد جعلتك أبًا لأمم كثيرة، أمام الله الذي آمن به الذي يحيي الموتى ويدعو الأشياء غير الموجودة كأنها موجودة “[150]. هيا بنا إذًا ـ إن كنت ترى أن هذا صحيح ـ لنرى أيضًا المجد عينه الذي للابن، وسوف ترى مرة أخرى أن الابن ليس أقل من الآب، بل له نفس القدرات التي للآب. لأن بولس الرسول يقول لنا ” لأنه كما في آدم يموت الجميع هكذا في المسيح سَيُحيا الجميع “[151]. لأنه هو الحياة وليس مختلفًا عن (جوهر) الآب بل لهما نفس الجوهر. وغير ذلك فأنت تسمعه يقول في موضع آخر “لأنه كما أن الآب يقيم الأموات ويُحيي كذلك الابن أيضًا يُحيي مَن يشاء“[152]. ولهذا فلأن أعماله الإلهية قد أظهرت طبيعته ومجده فقد قال ” إن كنت لست أعمل أعمال أبى فلا تؤمنوا بى، ولكن إن كنت أعمل فإن لم تؤمنوا بى فآمنوا بالأعمال لكى تعرفوا وتؤمنوا أن الآب فىّ وأنا فيه“[153]، أم أن ذلك لا يعنى أنه أراد أن يجعل نفسه معروفًا على أنه هو الله؟ كما لو أن شخصًا ظهر أن لديه القدرة أن يعمل أعمالاً مساوية لأعمال الله، لكان له بالضرورة نفس المجد، ولا يمكن ألاّ يكون هو الله، لأنى أعتقد أن ما نقوله يقود إلى هذه النتيجة.
إرميـــا: هذا يبدو واضحًا، لأنه لا يمكن أن نتصور أنه بينما يفخر بهذه الأعمال عينها، يكون هو نفسه ليس له المجد عينه.
كيرلس: وعندما تعلن لنا الكتب المقدسة بأن ” كل عطية صالحة وكل موهبة تامة هى من فوق نازلة من عند أبى الأنوار الذي ليس عنده تغيير ولا ظل دوران “[154]، فمن أين ـ حسب اعتقادك ـ تتوزع علينا الهبات الإلهية؟
إرميـــا: واضح أنها من عند الله الآب.
كيرلس: لكن المسيح أعطى للرسل القديسين السلطان كى يخرجوا الشياطين ويشفوا الأمراض وكل ضعف بين الناس[155]. والأمر الأعظم من كل هذا أنه أعطاهم السلطان حتى يقدروا أن يهزموا حتى الموت نفسه عندما حدّثهم بكلام يليق به كإله ” اشفوا مرضى، طهروا بُرصًا. أقيموا موتى، أخرجوا شياطين“[156]. كما أن يوحنا الناطق بالإلهيات يعترف بكل وضوح قائلاً ” ومن ملئه نحن جميعًا أخذنا“[157]. فهل تعتقد أنه توجد عطية صالحة وهبة كاملة[158] غير أن نكون شركاء الروح القدس؟![159]
إرميـــا: لا أعتقد.
كيرلس: انتبه إذًا يا صديقى، كيف أنه يرسل من ملئه، روحه القدوس الذي هو واحد معه في الجوهر بدون أن ينفصل عنه، وعن طريق الروح القدس يصير لنا كل عطية صالحة[160]. فطالما أنه قد قام مُبطلاً الفساد ومحطمًا قيود الموت فإنه جاء بنا مرة أخرى إلى القداسة معطيًا للرسل جمال الطبيعة كما كانت عندما خلق الجنس البشرى، ونفخ في وجوههم قائلاً: ” اقبلوا الروح القدس “[161]. إذًا فطالما أن كل عطية صالحة تأتى من فوق، من الآب وتوزع بواسطة الابن، الذي له السلطة الإلهية وليس كخادم[162]، فبأى طريقة إذًا لا يكون واحدًا في الجوهر مع الآب الذي وَلَده، بمعنى كيف لا يكون إلهًا بالحق[163]، وليس مزينًا من الخارج بكرامات مثل اللوحات المرسومة؟
إرميـــا: لا يمكن أن يكون هكذا بأى طريقة من الطرق على ما أعتقد.
كيرلس: وهل حديثنا عن الإيمان غير كافٍ لكى يثبت بشكل قاطع أن الابن هو الله بالطبيعة؟
إرميـــا: ماذا تقصد؟
كيرلس: لأننا نؤمن بالمسيح، فإننا بهذا نقترب من الله الذي هو بطبيعته إله حقيقى[164] ونبتعد عن ضلال تعدد الآلهة تاركين عبادة الكائنات المخلوقة ومتحررين من السجود لصورهم[165]. ولهذا فالرسول بولس يكتب لأولئك الذين دعوا للمعرفة الحقيقية قائلاً ” لذلك اذكروا أنكم أنتم الأمم قبلا في الجسد المدعوين غرلة من المدعو ختانًا مصنوعًا باليد في الجسد أنكم كنتم في ذلك الوقت بدون مسيح أجنبيين عن رعوية إسرائيل وغرباء عن عهد الموعد لا رجاء لكم وبلا إله في العالم“[166]. وفي موضع آخر يكتب أيضًا ” ولكن حينئذٍ إذ كنتم لا تعرفون الله استعبدتم للذين ليسوا بالطبيعة آلهة وأما الآن إذ عرفتم الله بل بالحرى عُرفتم من الله فكيف ترجعون أيضًا إلى الأركان الضعيفة الفقيرة التي تريدون أن تستعبدوا لها من جديد“[167].
إذًا فطالما أن هؤلاء الذين كانوا بلا مسيح كانوا بلا إله وأنهم قد عرفوا الله عندما آمنوا وقبلوا الابن الذي قال ” الذي يؤمن به لا يدان والذي لا يؤمن قد دين لأنه لم يؤمن باسم ابن الله الوحيد“[168]، فكيف يكون من الممكن ألاّ يُعرف أنه الله، وهو الذي يُمجَّد منا ومن الملائكة بعبارات تكريم صادقة، كما أننا نؤمن أن جوهره يعكس كينونته، بمعنى أنه إله حق من إله حق؟ وإلاّ فقل لى كيف تفهم ما قصده الرسول بولس عندما كتب عنه قائلاً ” إن الله كان في المسيح مصالحًا العالم لنفسه غير حاسب لهم خطاياهم واضعًا فينا كلمة المصالحة إذ نسعى كسفراء عن المسيح كأن الله يعظ بنا نطلب عن المسيح تصالحوا مع الله “[169]. فعندما يأتى شخص ما للمسيح فإنه يتصالح مع الله ومن خلال المسيح يتصالح العالم كله مع الله، وبالتالى كيف لا يكون من المضحك أن يعتقد هؤلاء أن الكلمة الذي أتى من الآب وهو باقٍ فيه، هو بعيد عن جوهر الآب؟
إرميـــا: سيكون بالتأكيد أمر مضحك لو فكروا هكذا.
كيرلس: ومن هو الذي تستطيع أن تقول عنه إن له سلطان على كل الخليقة وأنه يفوق كل الكائنات؟
إرميـــا: الله وحده بالطبع، لأن ليس غيره من بين الكائنات، يستطيع ذلك لأن داود يرنم قائلاً ” لأن الكل عبيدك “[170]. وأيضًا يقول ” هلم نسجد ونركع ونجثو أمام الرب خالقنا لأنه هو إلهنا ونحن شعب مرعاه وغنم يده “[171].
كيرلس: حسنًا قلت يا صديقى العزيز، لأنه واضح أن هذه الآيات تمجد الله. لأنه ليس لأحد من بين الموجودات أن يدّعى أنه يوجد وسط الكائنات بمعنى أن يدّعى أنه يجلس وسط خليقته وأن يتجرأ على إخضاعها تحت سلطانه أو إن أراد أن يفعل ذلك، بدون أن يكون مُكللاً بمجد المُلك، ألن نقول إنه يعرّض نفسه للإدانة والمحاكمة؟
إرميـــا: بالفعل.
كيرلس: وعلى ذلك فكيف يدعو الابن المؤمنين أنهم خِرافه هو وليسوا خِراف الآب؟ وذلك عندما قال ” خرافى تسمع صوتى وأنا أعرفها فتتبعنى، وأنا أعطيها حياة أبدية ولن تهلك إلى الأبد ولا يخطفها أحد من يدى “[172]. فالقديس يوحنا الناطق بالإلهيات يخبرنا مؤكدًا أن (الابن) قد جاء إلى خاصته وأنه سمّى كل سكان الأرض، بل وكما أعتقد، كل الخليقة، خاصته، وأنه يعمل كل ما يعمله الآب لا كأنه أقل منه لكن كمَن له سلطان وربوبية حقيقية وليست غريبة عنه. لأنه في حديثه مع تلاميذه ومع الذين كانوا يتبعونه قال ” إن الحصاد كثير والفعلة قليلون فاطلبوا من رب الحصاد أن يرسل فعلة إلى حصاده“[173]. وفي نفس الوقت الذي يُرجِع فيه للآب تعيين فعلة للحصاد، فهو يكشف عن مَن يكون رب الحصاد وذلك حينما أعطى لتلاميذه امتياز نشر أسرار ملكوته. كما أن البشير لوقا يؤكد أن الحصاد هو له وذلك عندما قال ” الذي رفشه في يده وسينقى بيدره ويجمع القمح إلى مخزنه“[174]، بالإضافة إلى ذلك فإن الرسول بولس قدّمه على أنه هو رب وإله للمؤمنين عندما كتب قائلاً ” الذين هم للمسيح قد صلبوا الجسد مع الأهواء والشهوات“[175]. وأيضًا قال ” إن كان أحد ليس له روح المسيح فذلك ليس له“[176]. فحينما يقول أحد القديسين أو عندما نصرخ كلنا لله قائلين ” لك أنا خلّصنى لأننى حفظت وصاياك“[177]. إذًا هل يستطيع الذين هم خاصة الآب أن يكونوا بنفس الكيفيّة خاصة المسيح إن لم يكن جوهر الواحد هو نفسه جوهر الآخر؟
إرميـــا: أتفق معك في هذا لأنه يوجد إله واحد ورب واحد، كما أن الألوهة والربوبية هما للجوهر الواحد للآب والابن.
كيرلس: إن ما تقوله هو حق. لأن الآب فيه كل ملء الربوبية والمجد كإله، كما أن الابن هو أيضًا رب وإله. فبدون الربوبية لن يكون الآب إلهًا ولا يكون الابن ربًا حقيقيًا إن كان منفصلاً عن الألوهة الحقيقية حسب الطبيعة. ولهذا فإن الطوباوى بولس يربط بين الاسمين في وحدة واحدة، وذلك عندما يقول في إحدى المرات: إن الإنجيل هو إنجيل الله الآب وفي مرة أخرى يقول إن الإنجيل هو إنجيل المسيح. هل ترغب أن نأتى بشواهد كتابية نثبت بها ما نقول؟
إرميـــا: إنى أرغب جدًا في هذا.
كيرلس: يقول ” بولس عبد ليسوع المسيح المدعو رسولا المفرز لإنجيل الله“[178]. وإذ ينسب للابن مجد الله إذ أنه قد وُلِدَ منه وهو كائن فيه ويُدرك دائمًا معه، فإنه يذكر أيضًا ” لكننا لم نستعمل هذا السلطان بل نتحمل كل شئ لئلا نجعل عائقًا لإنجيل المسيح “[179]. وأخيرًا فإنه لكى يشير إلى الاسمين أيضًا بسبب وحدتهما في الجوهر فإنه يكتب ” ولكن بأكثر جسارة كتبت إليكم جزئيًا أيها الاخوة كمذكّر لكم بسبب النعمة التي وهبت لى من الله حتى أكون خادمًا ليسوع المسيح لأجل الأمم مباشرًا لإنجيل الله ككاهن ليكون قربان الأمم مقبولاً ومقدسًا بالروح القدس “[180]. إذًا فإنجيل الله وإنجيل المسيح هما واحد. وكل ما نستطيع أن نقوله عن الله كإله نقوله عن الابن أيضًا، لأنه لو كان هناك شئ يقف كوسيط بينهما بحيث يجعل الآب والابن غير متساويين لما كان من الممكن أن نقول نفس الأقوال عن كل منهما، أم هل تعتقد يا إرميا أن الأمر ليس هكذا؟
إرميـــا: أنا بالطبع أوافقك فيما تقول.
كيرلس: غير أن بعض الشروحات المُضِلّة تشير إلى أن هناك اختلاف بين الآب والابن (من حيث الجوهر) وتبيّن أن الأمور التي نؤمن أنها تخص الله الآب، لا تخص الابن أيضًا. فكيف يمكن أن يكون الإنجيل واحدًا بالنسبة للآب والابن وكيف نفهم ذلك من تفاسيرنا الأصيلة إن لم يكن الابن هو الله حسب الطبيعة؟ ألا يكون هذا تضليلاً للذين يتعلمون؟ وألا يعطّل ذلك معرفتهم للحقيقة؟
إرميـــا: إن ما تقوله هو حق.
كيرلس: فبولس الذي يخدم سر الله، أى الكرازة بالإيمان به لهؤلاء الذين لم يعرفوها بعد، كيف يستطيع أن يقول إنه خادم للمسيح وأنه مبشّر بالمسيح وهو يجاهد من أجل مجد الله ويدعو نفسه أنه خادم لله؟ لأنه قال ” بل في كل شئ نُظهر أنفسنا كخدام الله “[181] وفي موضع آخر كتب لآخرين ” أهُمْ خدام المسيح أقول كمختل العقل فأنا أفضل “[182]. فهل يوجد في هذا الكلام ما يفصل بين الآب والابن من حيث وحدة الجوهر؟
إرميـــا: لا أفهم ما تقول.
كيرلس: نستطيع بطريقة أخرى أن نبرهن على أنه من غير المقبول ألاّ نؤمن أن الابن هو إله بالطبيعة طالما أن الكتب المقدسة تعلّمنا أن الكنيسة هى كنيسة الله وأيضًا هى كنيسة المسيح. فالطوباوى بولس يكتب لأهل كورنثوس قائلاً: ” كونوا بلا عثرة لليهود واليونانيين ولكنيسة الله“[183]. كما يؤكد أن الابن سيُحضر لنفسه الكنيسة مجيدة لا دنس فيها ولا غضن[184]. لكن بينما يقول الله على لسان أحد الأنبياء أنه سيسكن وسيسير بيننا[185] فإن المسيح يحلّ في وسطنا. وكما تنبأت عنه النبوات منذ القديم فإنه يعمل بيننا كإله. لأنه وفق ما قد كُتب فإن ” موسى كان أمينًا في كل بيته كخادم شهادة للعتيد أن يتكلم به، وأما المسيح فكابن على بيته وبيته نحن“[186].
إرميـــا: إذًا لا يوجد شئ على الاطلاق يمكن أن يعوقنا عن أن نؤمن إيمانًا حقيقيًا بأنه طالما أن الابن قد وُلد من جوهر الله الآب ذاته، فلا يمكن أن يُدرَك على أنه مختلف عن الآب من حيث الطبيعة.
كيرلس: أصبت يا صديقى لأن الطوباوى بولس رأى أنه من الصواب أن نؤمن بهذا فقال ” الذي لم يشفق على ابنه بل بذله لأجلنا أجمعين كيف لا يهبنا معه كل شئ“[187]. إذًا طالما أن الابن هو في الحقيقة ابن الله الآب، فهل يمكن أن تكون له طبيعة مختلفة عنه؟ وهل يمكن أن نتخيّل وجود أى سبب منطقى يجعل ذلك الذي عرّفته اللغة[188] عينها بأنه ابنه الذاتى أو ابنه الخاص غريبًا عنه من حيث الجوهر؟[189]
إرميـــا: أنا لا أعتقد ذلك.
كيرلس: كيف ذلك؟ ألا نقول إن مَن دُعوا ليكونوا أبناء الله هم عدد لا يُحصى؟
إرميـــا: بالتأكيد، لأنه مكتوب ” أنا قلت إنكم آلهة وبنو العلى كلكم“[190].
كيرلس: فلو تجرأ شخص وأخذ واحدًا أو اثنين من بين هؤلاء ودعاهما ابنين خاصين لله الآب ألا يكون مستحقًا لجزاء مَن يحرّف جمال الحقيقة؟
إرميـــا: أوافق لأن ما تقوله صواب.
كيرلس: وإن أردت أن أعرف السبب في أنه بينما كثيرون قد دعوا آلهة وأبناء إلاّ أن تعبير (الابن) “الذاتى” أو “الخاص” ينسب حرفيًا وبالفعل لواحد فقط، فهل تستطيع أن تجاوبنى؟
إرميـــا: سأقول إن هؤلاء بالتأكيد صاروا أبناء بسبب نوالهم عطية المحبة السماوية بدعوتهم للتبّني بينما الابن ليس كذلك لكنه هو ابن حقيقى وذاتى لله الآب وله نفس الطبيعة التي هى أرفع وأسمى من طبيعة الكل.
كيرلس: إن كان الابن هو ابن ذاتى لله فهل يكون ما هو ذاتى لله هو إله، أم هو مخلوق، أم ماذا؟
إرميـــا: هذا أيضًا أمر غير مشكوك فيه بالمرة لأن ما هو ذاتى (خاص) في الله هو الألوهة كما أنه بالتأكيد أن ما هو ذاتى في الخليقة هو أنها مخلوقة.
كيرلس: وأيضًا إن اعتقد شخص ما أن الخليقة أو ما هو مخلوق هو خاص ـ حسب الطبيعة ـ بالله، فإنى أعتقد أن الأمر الأكيد هو أن نتبع طريقة التفكير العكسية، وحينئذ فعندما نقول إن الألوهة تمثل ما هو ذاتى (خاص) بالخليقة، فهذا لا يكون خطأً. غير أننا لا يمكن أن نؤمن بهذا. كما أننا بسبب هذه الأفكار المنحرفة لابد أن نفكر بطريقة سليمة ونؤمن أن الابن هو ابن ذاتى (خاص) لله الآب وهو لا يحصى ضمن مَن نالوا التبنى بل هو إله من إله[191]. كما أنه لا يمكن التفريق أو الفصل بين مَن هم من جنس واحد ونوع واحد في طبيعة طريقة وجودهم ومرتبطين معًا في وحدة كاملة (حسب الجوهر). فمثلاً المفهوم والتعريف الذي يحدّد جوهر الإنسان لا يمكن إلاّ أن يكون واحدًا للجميع. إذًا فالابن ليس إلهًا من طبيعة أخرى غير طبيعة ذلك الذي وَلَده. فهو إله حقيقى طالما دعى ابنًا ذاتيًا (خاصًا)[192] لله الحقيقى حسب الطبيعة. وهو يختلف بالتأكيد عن كل هؤلاء الذين صاروا أبناء بالتبّني كما أن له نفس المجد الحقيقى الذي لله.
إرميـــا: بالصواب تتكلم.
رأس كل رجل هو المسيح … ورأس المسيح هو الله:
كيرلس: وهناك شاهد آخر من الكتاب المقدس يشدّد على وحدة الجوهر بين الآب والابن لأن بولس الرسول يقول: ” رأس كل رجل هو المسيح وأما رأس المرأة فهو الرجل، ورأس المسيح هو الله “[193]. لأنى أعتقد أنه يقصد بهذه الآية أن يوضّح وحدة الجوهر وأن الابن قد وُلد بالحقيقة من نفس هذا الجوهر[194].
إرميـــا: ماذا تقصد؟.
كيرلس: هل تعتقد أنه يجب أن نفحص بالتدقيق هذه الآية؟ قل لى ما الذي لم تفهمه أو ما الذي يبدو لك غريبًا في هذه الآية.
إرميـــا: نعم، يقولون، إن هذا الكلام يجرّد الابن من أن يكون واحدًا مع الله الآب.
كيرلس: كيف، هل تستطيع أن تجاوبنى؟
إرميـــا: بالتأكيد، هم يقولون إن كان الرجل هو رأس المرأة ـ بسبب أن له نفس طبيعتها وجوهرها ـ مع أنه يعتبر أنه يفوقها لأن الرأس هو عضو مكرّم جدًا وأعظم أعضاء الجسد ـ ورأس الرجل هو المسيح، الأمر الذي يعنى أن هناك (تطابق) تشابه بين طبيعته وطبيعة المخلوقات مثلما أن طبيعة الرجل والمرأة هى واحدة. إذًا كيف يمكن أن يقال عن الابن أنه هو الله وبالحرى إله حقيقى أو كيف يمكن أن يكون واحدًا مع الآب في الجوهر طالما أنه يحسب من بين المخلوقات حتى ولو كان له مكانة الرأس في الجسد، لأنهم يقولون إنه متفوق على البشر من حيث الكرامة؟
كيرلس: يا لها من مقدرة فعليّة على التفوه بكلام غير لائق!! يا له من حديث عنيف وهجومى ومزيّف ذلك الذي يتحدث به أعداؤنا!! لأنهم يجدّفون تجديفًا واضحًا لأنهم يدّعون أن الابن هو مخلوق بواسطة الله الآب. غير أننا سنتحدث عن ذلك الأمر في الوقت المناسب وسنتناوله بالبحث من جهة الفكر واللغة. غير أنى أتعجب كثيرًا لأمر سأذكره الآن لأن هؤلاء الجهلاء قد وقعوا في خطأ وبدرجة ليست أقل من المرات السابقة، من جهة التفكير السليم. لأنه يقال عن المسيح أنه هو رأس الرجل بسبب الارتباط الناتج عن العلاقة الطبيعية[195] (معنا) ونحن لا ننكر ذلك لأنه صحيح ومؤكد. فطالما أن الله هو رأس المسيح، فما هو الأمر الذي يعترضنا، أيها الكرام أو ماذا يمنعنا من أن نفكر أنه طالما أن الابن هو من نفس جوهر المخلوقات لأنه يدعى رأس الرجل، أن نتجرأ بأن نحصى الآب أيضًا من ضمن المخلوقات طالما أنه يُدعى رأس الابن حيث إن الابن هو مخلوق ومصنوع حسب ما تقولون؟ لأنه من الواضح أنهم يعتقدون أن ما يهذون به هو كلام حسن بغير عيب، غير أنى أعتقد أن ثقل تجديفهم قد أضناهم ومع ما يبدون من قسوة إلاّ أنهم يتبعون طرقًا طفولية في التعامل مع أمور هامة كهذه.
إذًا فمع رفضنا وتركنا لهذه الأمور وإلقائها في البحر، هيا بنا نفكر فيما ينبغى أن نفكر فيه. فنحن نقول بالفعل، إن الرجل هو رأس المرأة لأن المرأة خُلِقتْ في البدء من جنبه وعلى صورته كما خلق هو على صورة الله كما جاء في الكتب[196]. كما أننا تعلّمنا أن رأس الرجل هو المسيح، الذي هو الأصل الثانى للجنس البشرى وبكر البشرّية[197] التي تقدسّت بالروح فنالت عدم الموت ولهذا السبب عينه يُدعى المسيح آدم الثانى[198]. ونحن نقبل بل ونؤمن أن رأس المسيح هو الآب لأنه مساوٍ له في الجوهر ومتحد معه حسب الطبيعة. ولهذا يُدرَك على أنه هو الله مع أنه ظهر في الجسد وصار كواحد منا. والمسيح ليس إلهًا فقط وليس إنسانًا فقط، بل أنه ـ حسب التدبير ـ قد وحّد في شخصه طبيعتين مختلفتين هما اللاهوتية والناسوتية في إتحاد لا يدركه العقل ولا يدنى منه ولا يُعبر عنه باللسان[199]. لأن المسيح هو إله وإنسان معًا[200]، فالآب السماوى هو مصدر (نبع) وأصل أقنومه وهو كائن معه وأزلى معه بدون أن يكون الآب سابقًا على الابن زمنيًا[201] ـ طالما أن الرأس (الآب) كائن مع مَن دُعى رأسًا (الابن)، ومن جهة أخرى فالمسيح مرتبط معنا من حيث طبيعته البشرية. فعندما نقول إن الله هو رأس المسيح وهو كذلك بدون شك، كيف لا يكون إلهًا ذلك الذي أصله هو الألوهة الحقيقية وله نفس جوهر من وَلَده؟ لأنه لابد أن ندرك أن الرأس هى من نفس طبيعة باقى الجسد. لكن إن كانوا يعتقدون أن الكلمة الذي وُلِدَ من الله الآب لابد أن يخرج خارج نطاق الألوهة ويحسب ضمن المخلوقات فليسمعوا جيدًا هذا القول ” اجعلوا الشجرة جيدة وثمرها جيدًا أو اجعلوا الشجرة ردية وثمرها رديًا لأن من الثمر تعرف الشجرة “[202].
إرميـــا: لقد كان شرحك وافيًا.
كيرلس: إنه دليل واضح على حماقتهم التي فاقت كل حدود أنهم يعجبون بالشجرة لأنها جيدة وأصيلة بينما يصنّفون الثمرة بأنها من طبيعة أخرى. فالإله يَلدْ بالضرورة إلهًا. أم سنقول إن الأمر ليس كذلك؟
إرميـــا: أنا على الأقل أوافقك فيما تقول.
رائحة المسيح الذكيّة فينا هى شهادة لألوهيته:
كيرلس: وكيف لا يكون إلهًا وبالحرى إلهًا حقيقيًا مَن بواسطته، وبواسطته وحده يستطيع المرء أن يعرف أن الآب هو إله حق حسب الطبيعة؟[203] لأن بولس الرسول يكتب لهؤلاء الذين آمنوا ” لكن شكرًا لله الذي يقودنا في موكب نصرته في المسيح كل حين ويُظهر بنا رائحة معرفته في كل مكان لأننا رائحة المسيح الذكية لله“[204]. فعندما تظهر رائحة الله الآب الذكيّة من خلال المسيح، وتصبح معروفة بواسطته، كيف تشك في أن هذا يجب أن يحدث؟ لأنه في المروج والبساتين تنمو الأشجار والزهور في مواسمها، كأشجار التفاح مثلاً وزهور السوسن. إذًا يا صديقى هل من الممكن أن يكون لثمار التفاح ـ وبطريقة طبيعية ـ رائحة السوسن أو أن يُغيّر التفاح رائحته لرائحة زهور السوسن أو عنهما يُنزع إلى الأبد ما يميّز كل منهما؟
إرميـــا: لا يمكن أن يتم هذا بأى طريقة لأنه ستفيح من كل منهما رائحته.
كيرلس: إذًا فكيف يقدر المسيح أن يكون هو رائحة المعرفة الحقيقية لله الآب ولا يُصدَّق أنه صَدَر من الألوهة الحقيقية؟ لأنه قد ثبت أن كل واحد يُعطى ما هو حسب طبيعته، وكيف يمكن لرائحة الألوهة حسب الطبيعة أن تُعطى بواسطة مخلوق له طبيعة مختلفة عن طبيعة الله؟ كما أنه لا يمكن للمرء العاقل أن يصدّق أن رائحة الألوهة توجد في طبيعة المخلوقات لأن هذا سيكون فكرًا أحمقًا. وهكذا فإننا لا نستطيع أن ننسب إلى الألوهة الفائقة غير المولودة أنها ستأتى لنا بابن ذو طبيعة مختلفة عنها، عوضًا عن ابن فيه رائحة الألوهة الفائقة. لأن الابن الوحيد وُلِدَ ـ بطريقة لا يُعبَر عنها ـ من جوهر الله الآب. ولهذا فإن كنيسة الأمم تناديه كعريس قائلة ” اسمك كالطيب المسكوب، لهذا أحبتك العذارى..“[205] كما أننا أيضًا عن طريقه وبواسطته قد قَبِلنا ونلنا رائحة معرفة الآب.
إرميـــا: أتفق معك لأنه واضح أنك تتكلّم وتفكر بالصواب.
كيرلس: وبطريقة أخرى يمكن أن نبرهن على أن الابن هو الله وأنه وُلِدَ من الله مع أنه يمكننا أن نتوقف عن الحديث هنا.
إرميـــا: بأى طريقة تقصد؟
كيرلس: قل لى هل من اللائق أن أى كائن من الكائنات يمكن أن يوزع كل ما تملك الطبيعة الإلهية وحدها أن تهبه؟
إرميـــا: ليس من اللائق إطلاقًا.
كيرلس: بالتالى فمن الطبيعي أن مَن له القدرة على إتمام هذا العمل، أن يكون في العلا، في قمة درجات المجد اللائق بالله؟
إرميـــا: وكيف لا يكون هكذا؟
كيرلس: إن السلام هو عطية إلهية وهبة سماوية ويأتى إلينا بتفضّل من الله كما يصرخ إشعياء النبى قائلاً ” يا رب تجعل لنا سلامًا لأنك كل أعمالنا صنعتها لنا. يا رب لا نعرف آخر سواك نحن ندعوك باسمك “[206].
إرميـــا: بالفعل هذا ممكن.
كيرلس: إذًا فالسلام هو ثمرة فعل سماوى وهو عطية بالفعل كما قلت سابقًا لا يهبه أى كائن مخلوق بل فقط الله حسب الطبيعة .. ولهذا فإن إشعياء قد قال بأنه يعرف الله وحده ولا يعرف آخر سواه.
إرميـــا: هذا حقيقى.
كيرلس: انتبه إذًا، إن الكلمة المولود من الآب هو الضابط للكل، وهو المانح لما يعطيه الله الآب لنا. لأنه قال لتلاميذه القديسين ” سلامى أنا أعطيكم، سلامى أترك لكم “[207]. وقال إن هذا السلام هو سلامه لأنه بالفعل هو سلام يُعطى من الله وحده وليس بأى طريقة أخرى. كما أن بولس الطوباوى يقول ” نعمة لكم وسلام من الله أبينا والرب يسوع المسيح“[208]. فقل ليّ إذًا: ذاك الذي هو مع الله الآب، يهب ويُعطى ويأتى بنفس المجد غير المتغيّر والعظمة، كيف يكون من الممكن أن ينقص عنه في المجد، أو كيف لا يكون مساويًا ومشابهًا في كل شئ لذلك الذي وَلَده؟
إرميـــا: صحيح.
كيرلس: تعال لنفحص أمرًا آخرً.
إرميـــا: ما هو؟
كيرلس: ألا ترى أنه إن تبعنا تعاليم القديسين[209] فإنه من المؤكد أن وصولنا إلى الحقيقة سيكون أسهل وسيقودنا هذا إلى ما يسّر الله وإلى معرفة ما أُوحى به عن الابن بواسطة الروح القدس؟
إرميـــا: ماذا يعنى هذا؟
كيرلس: يعنى أن الابن هو الله بالحقيقة حسب الطبيعة. ولهذا فإن المطوّب بولس قد قال عن الله الآب: ” الله ابو ربنا يسوع المسيح الذي هو مبارك إلى الأبد يعلم أنى لا أكذب“[210]. وبعد ذلك مباشرةً يكرّم الابن ويمجده بنفس الكلام وبدون أى تردد لأنه يعرف أنه هو الله الحقيقى حسب الطبيعة فيقول لليهود: ” فإنى كنت أود لو أكون أنا نفسى محرومًا من المسيح لأجل اخوتى وأحبائى حسب الجسد الذين هم إسرائيليون ولهم التبنى والمجد والعهد والاشتراع والعبادة والمواعيد ولهم الآباء منهم المسيح حسب الجسد الكائن على الكل إلهًا مباركًا إلى الأبد آمين“[211].
[1] دائمًا ما يركّز آباء الكنيسة وخصوصًا ق. كيرلس على أن حياة الفضيلة هى ثمرة مباشرة لحياة الإيمان المستقيم. انظر على سبيل المثال: شرح قانون الإيمان (رسالة رقم 55) للقديس كيرلس، ترجمة د. موريس تاوضروس ـ د. نصحى عبد الشهيد، مركز دراسات الآباء. القاهرة 1996م. ص26ـ27.
[3] من أشهر كتابات ق. كيرلس الروحية هو كتاب السجود والعبادة بالروح والحق والذي يشرح فيه أهمية أن يُفهم ما جاء في كلمة الله في العهد القديم كمثال للعبادة بالروح والحق ويمثل نفعًا كبيرًا لحياتنا الروحية وسوف نشير إلى هذا الكتاب في الهوامش، ولقد ترجم الباحث جورج عوض سبعة مقالات منه عن اليونانية ونشرها المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية بالقاهرة، في خمسة أجزاء 2001، 2002، 2003، 2004، 2006م.
1 يتبع ق. كيرلس هنا نفس تعبير ق. أثناسيوس ونص مجمع نيقية 325م. انظر المقالة الأولى ضد الآريوسيين. المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، فصل 58. وهنا يكرر ق. كيرلس كثيرًا، هذا التعبير الهام. انظر ص9، 14، 15، 48، 68، 80. وأيضًا رسائل ق. كيرلس. المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية. الرسالة 17 ص 15.
[6] يكرر ق. كيرلس هنا ما سبق أن كتبه ق. أثناسيوس في وصف الآريوسيين الذين أنكروا ألوهية الابن ” ولكونهم مروجين للبدعة الآريوسية، فإنهم لا يضبطون ألسنتهم عن الكفر “. الرسائل عن الروح القدس للأسقف سرابيون. ترجمة د. موريس تاوضروس ود. نصحى عبد الشهيد. مركز دراسات الآباء 1994، الرسالة الثالثة: 5. ولقد أشار ق. كيرلس من قبل إلى الآريوسيين وأوضح تجديفهم بقوله “ولكنهم يتجنون على كلمة الحق حينما يقللون ـ بدون تقوى ـ من مجد الابن وينسبونه إلى طبيعة أخرى مختلفة عن طبيعة الآب؛ وهكذا يظهر الابن على أنه خارج جوهر الآب” حوار حول الثالوث: المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية سنة 1999 المقالة 1، 2 ص 56.
[8] لقد أشار ق. كيرلس إلى هذا المثل من قبل بقوله ” لنأخذ مثالاً وليكن طبيعة الشمس والشعاع الذي يخرج منها. ولا يمكن أن نطبق آلام الولادة والتمزق وخلافه على خروج الشعاع من الشمس، وهو كائن فيها رغم إشعاعه. وهكذا فالشمس تمتلك في طبيعتها الخاصة، شعاع النور الذي لا ينفصل عنها، لكنه يبدو بعد خروجه منها أن له فرادة خاصة به وأحيانًا يفكر البعض في الشمس نفسها ولكنهم لا يستطيعون أن يتخيّلوا جوهرها. ففي هذا الجوهر يوجد الشعاع ومن الجوهر يخرج الشعاع دون أن ينفصل الشعاع عن الجوهر، إلاّ أنه متميّز عنه، إذ أن الشعاع يخرج من الشمس إلى خارجها، ولهذا فمن العبث والمُضحك أن نتصور أن الشمس أقدم من الشعاع، وكأن الشعاع الخارج منها يجىء متأخرًا. ولا أعتقد أن إنسانًا حكيمًا وسليم العقل يفكر هكذا. فهذا التصور معناه أن الشمس غير موجودة بسبب أنها لا تمتلك النور موجودًا فيها. وهو الذي يجعلنا ندرك أنها موجودة. هكذا ترى أن الأمثلة المادية الملموسة لها قيمتها في صياغتنا للتعبيرات السليمة، فهى تعطينا إمكانية أن نعبّر عن المعانى الفائقة، دون أن تُفسد هذه التعبيرات معنى الميلاد الإلهى. حوار حول الثالوث، المرجع السابق ص 104. وكثيرًا ما استخدم القديس أثناسيوس تشبيه النور والشعاع الخارج منه لوصف العلاقة الجوهرية للابن بالآب. انظر: الرسائل إلى سرابيون عن الروح القدس. مركز دراسات الآباء 1994. الرسالة الأولى: 16، 19، 20، 30. الرسالة الثانية:2. المقالة الثانية ضد الآريوسيين: 35. وهذا الوصف يعنى أن الابن هو نور مشع من الآب. وهكذا نفهم نص قانون الإيمان “نور من نور” بعكس فهم “إشعاع” بمعنى نور مقتبس من نور آخر مثلما يأخذ السراج نوره من سراج آخر فيكون تعبيرًا عن الإنقسام والتجزئة في عالم المخلوقات، والتي لا وجود لها في= =طبيعة الله الثالوث. وفي موضع آخر يشدّد ق. أثناسيوس عن أن طبيعة الابن هى نفسها طبيعة الآب مستخدمًا نفس هذا الوصف فيقول ” إن الشعاع هو النور وليس ثانيًا بعد الشمس، ولا هو نور آخر، ولا هو ناتج من المشاركة مع النور، بل هو مولود كلي وذاتى من النور ومثل هذا المولود هو بالضرورة نور واحد ولا يستطيع أحد أن يقول إنه يوجد نوران، فرغم أن الشمس والشعاع هما اثنان إلاّ أن نور الشمس الذي ينير بشعاعه كل الأشياء هو واحد “. انظر المقالة الثالثة ضد الآريوسيين، مركز دراسات الآباء. القاهرة سنة 1994. فصل 4.
[9] انظر أيضًا ق. أثناسيوس “.. هكذا وإن كان الله أبًا فلابد أن يكون لمن هو ابن بالطبيعة ومن نفس جوهر الآب ” الرسائل عن الروح القدس. المرجع السابق. الرسالة الثانية:6. وأيضًا ” الابن مولود من الآب أى صادر من جوهره، ولأنه ابنه فلابد أن يكون له نفس الجوهر ” ق. كيرلس. حوار حول الثالوث. المرجع السابق ص49.
[10] أى علاقة حسب الطبيعة الواحدة الإلهية التي تربط الآب بالابن.
[11] ” إن الابن بسبب خصوصيته مع الآب وبسبب أنه المولود الذاتى لجوهر الآب، هو غير مخلوق بل من نفس جوهر الآب” ق. أثناسيوس الرسائل عن الروح القدس. المرجع السابق الرسالة الثالثة:1.
[12] الابن هو “المولود الأصيل لجوهر الآب ” ق. كيرلس. شرح إنجيل يوحنا. المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية ج5 ص 159.
3 يقصد الحوار الثانى من الحوارات السبعة والذي قام المركز بترجمته ونشره. انظر حوار حول الثالوث. المرجع السابق.
[18] حيث يُذكر ” نؤمن بإله واحد الله الآب ضابط الكل…”. والجدير بالذكر أن ق. كيرلس قد قام بشرح قانون الإيمان الذي أقره مجمع نيقية ـ القسطنطينية، في رسالة له موجهة إلى الرهبان (رقم 55). انظر هامش 1 ص1.
[19] ” حيث إن الابن ليس بينه وبين المخلوقات أى مشابهة ” كما سبق أن أشار ق. أثناسيوس، انظر: الرسائل عن الروح القدس المرجع السابق. الرسالة الثانية:5 وأيضًا يقول عن الابن “فهو ليس من بين الأشياء المخلوقة”. المرجع السابق الرسالة الثالثة: 4.
[20] يؤكد ق. كيرلس هنا ما سبق أن ذكره ” ولست أدعى أننى سأقول شيئًا أفضل من الذي قاله أسلافنا أو أنى سوف أسبر غور الأمور الروحية بشكل أحسن، لأننا نجد كفايتنا فيما كتبه الآباء القديسون، لأن مَن يقرر أن يتعرّف بحكمة على الآباء ويستخدم كتاباتهم بالحرص الواجب فسوف يسكن النور الإلهى في عقله “. حوار حول الثالوث. المرجع السابق ص17. ويوضح ق. أثناسيوس أهمية الحرص على الإيمان المسلّم مرة بالتقليد والذي يتطابق مع ما جاء في الكتاب المقدس فيكتب في نهاية رسالته الأولى إلى الأسقف سرابيون عن الروح القدس ” .. بحسب الإيمان الرسولى المسلّم لنا بالتقليد مع الآباء فإنى قد سلّمت التقليد بدون ابتداع أى شئ خارجًا عنه، فما تعلمته بذلك قد رسمته مطابقًا للكتب المقدسة ” وعندما طلب منه الأسقف سرابيون أن يشرح له الآية ” من قال= =كلمة على ابن الإنسان يُغفر له أما مَن قال على الروح القدس فلن يُغفر له في هذا الدهر ولا في الدهر الآتى ” (مت31:12ـ32)، فقد فسر ق. أثناسيوس هذه الآية له في رسالته الرابعة والتي ختمها بالنصيحة التالية ” لقد كتبت هذا الشرح حسبما تعلّمت .. أما بالنسبة لك فأرجو أن تقبل هذا الشرح ليس كتعليم كامل وتام في ذاته بل كبداية تحتاج إلى أن تكملها معتمدًا على نصوص الأناجيل والمزامير. المرجع السابق.
[28] يوضح ق. أثناسيوس حقيقة ألوهية الابن المتجسد بكونه مختلف في جوهره عن كل المخلوقات وبأن له ما لله الآب فيقول: [ وحيث إنه غريب عن المخلوقات حسب الجوهر، ولكونه الكلمة الخاص بالآب وهو لا يختلف عنه وحيث إن كل ما للآب هو له، فذلك يقضى أنه من نفس جوهر الآب .. وهذا ما أدركه الآباء حينما اعترفوا في مجمع نيقية أن الابن مساو للآب في الجوهر ومن نفس جوهره. لقد تحققوا جيدًا أن الجوهر المخلوق لا يستطيع أن يقول ” كل ما للآب هو لى ” وبسبب أن وجود الجوهر المخلوق له بداية، فهو ليس كائنًا بذاته ولم يكن أزليًا، ولذلك فحيث إن الابن له هذه الخصائص وحيث إن كل الأشياء السابق ذكرها والتي للآب هى للابن، فمن الضرورى أن يكون جوهر الابن غير مخلوق بل هو من نفس جوهر الآب. لهذا السبب ـ فلا يمكن أن يكون جوهره مخلوقًا فهو يملك خواص الله، تلك الخواص التي له والتي بها يُعرف الله ]. الرسالة الثانية إلى سرابيون عن الروح القدس: المرجع السابق فقرة:5، ضد الآريوسيين. المرجع السابق 3:3.
[29] يمثل التعليم بعقيدة الثالوث، تعليمًا أساسيًا وجوهريًا في إيماننا المسيحى ولهذا فإن القديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات يصف هذه العقيدة بأنها “رأس الإيمان”. ويقول ق. أثناسيوس في سياق دفاعه عن ألوهية الروح القدس وبالتالى دفاعه عن وحدة الثالوث وألوهيته قائلاً ” دعونا ننظر إلى تقليد الكنيسة وتعليمها وإيمانها الذي هو من البداية والذي أعطاه الرب وكرز به الرسل وحفظه الآباء وعلى هذا الأساس تأسست الكنيسة ومَن يسقط منه فلن يكون مسيحيًا ولا ينبغي أن يدعى كذلك فيما بعد وإذًا يوجد ثالوث قدوس وكامل ويُعترَف بلاهوته في الآب والابن والروح القدس”.= =انظر الرسائل عن الروح القدس إلى الأسقف سرابيون. مركز دراسات الآباء 1994. الرسالة الأولى: 28 ص82ـ83. انظر أيضًا: عقيدة الثالوث القدوس. في كتاب ” تعاليم عقيدية في الصلوات الليتورجية ” د. جوزيف موريس فلتس، إصدار المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية. القاهرة 2004 ص 21ـ35. وأيضًا:
Trinity: in the encyclopedia of Early Christianity, second Edition, 1998, P 1143.
[30] يشدّد الآباء على أن الكنيسة في ممارستها لسر المعمودية باسم الثالوث، تعكس إيمانها بحقيقة ألوهية الأقانيم الثلاثة وهو إيمانها الواحد والذي على أساسه تُجرى المعمودية الواحدة والتي يسميها ق. أثناسيوس “طقس التكميل” والذي يتم به الإنضمام إلى الكنيسة ويقول: [ هذا هو إيمان الكنيسة الجامعة لأن الرب أسسها وأصلّها في الثالوث حينما قال لتلاميذه ” اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح الدس ]. الرسالة الثالثة إلى سرابيون عن الروح القدس، المرجع السابق فقرة 6. وأيضًا يقول ” فألوهة الثالوث واحدة وإيمان واحد وتوجد معمودية واحدة تعطى فيه وواحد هو التكميل “. الرسالة الثالثة إلى سرابيون عن الروح القدس، المرجع السابق فقرة: 7. والجدير بالذكر أن ق. أثناسيوس في محاربته لأفكار الآريوسيين الذين أنكروا ألوهية الابن كان قد حذّرهم من عدم جدوى سر التكميل أى المعمودية لأنهم ينكرون الابن وبالتالى ينكرون ألوهية الآب فيقول: [ أما هؤلاء الآريوسيون فإنهم يخاطرون بفقدان إتمام السر وأعنى به المعمودية لأنه إن كان إتمام السر يعطى باسم الآب والابن وهم لا يقرون بأي حقيقة بسبب إنكارهم للابن الذي هو منه، الذي هو مثله في الجوهر، منكرين الابن الحقيقي ويسمون لأنفسهم ابنًا آخر… ألا يكون طقس المعمودية الذي يتممونه فارغًا تمامًا وعديم الجدوى، إذ أن له مظهر خارجى، أما في الحقيقة فإنه ليس له شئ يعين على التقوى؟ لأن الآريوسيين لا يعمدّون باسم الآب والابن، بل باسم خالق ومخلوق .. فليس مَن يقول ببساطة “يا رب” هو الذي يُعطَى المعمودية بل هو ذلك الذي مع الاسم الذي يدعوه، عنده أيضًا إيمان مستقيم … ومع الإيمان المستقيم يأتى إتمام المعمودية ]. المقالة الثانية ضد الآريوسيين 42. كما أنه يستخدم نفس هذا التوجه الإيمانى في محاربته لأفكار “المحرفون” الذين أنكروا ألوهية الروح القدس فيقول: [ إن التكميل (المعمودية) الذي تحسبون أنكم تمارسونه ليس إنضمامًا تامًا إلى اللاهوت لأنكم تمزجون المخلوق باللاهوت وتضعون الخليقة مع الله الذي خلقها بكلمته الذاتى .. فمن هو الذي يوحّدكم بالله إن لم يكن لكم روح الله بل الروح الذي من الخليقة؟ .. لأنه إن كان الروح ـ كما تقولون ـ هو ملاك ومخلوق وفي نفس الوقت يحسب مع الثالوث، إذًا يكون ضروريًا، ليس لواحد فقط من الملائكة الذين خلقوا، أن يحسبوا مع اللاهوت،= =وبذلك لا يعود هناك فيما بعد ثالوث بل عدد لا يحصى في اللاهوت. وهكذا فإن طقس الإنضمام (المعمودية) الذي نكرر أنه يظهر أنه طقسكم، هو منقسم بين هنا وهناك وصار غير أكيد بسبب تقلبه ]. الرسالة الأولى إلى سرابيون عن الروح القدس، المرجع السابق: 29. ويتابع ق. أثناسيوس تعليمه عن الإيمان بالثالوث الواحد وعلاقته بالمعمودية على اسم الثالوث فيقول: [ لأنه كما أن الإيمان بالثالوث ـ المسلّم إلينا ـ يجعلنا متحدين بالله، وكما أن ذلك الذي يستبعد أحد أقانيم الثالوث ويعتمد باسم الآب وحده، أو باسم الابن وحده أو باسم الآب والابن بدون الروح القدس، لا ينال شيئًا بل يظل غير فعّال وغير مكتمل، هو نفسه وذلك الذي يفترض أنه ضمه (بالمعمودية)، هكذا ذلك الذي يفصل الابن عن الآب، أو مَن ينزل الروح إلى مستوى المخلوقات، فليس له الآب ولا الابن بل هو بدون إله، وهو أشر من غير المؤمن، ويمكن أن يكون أى شئ إلاّ أن يكون مسيحيًا لأن كما أن المعمودية التي تعطى الآب والابن والروح هى واحدة فإن الإيمان بالثالوث هو واحد ]. المرجع السابق. الرسالة الأولى:30.
[31] في محاولته لبيان “سر المسيح” الذي كانت أحداث وشخصيات العهد القديم ظلاً له، واستُعلن لنا بتجسد الابن الوحيد، أوضح ق. كيرلس في مجال شرحه لحادثة الطوفان وإلى مَن كان يرمز نوح وإلى أى شئ يرمز الفلك وإلى مَن تشير مقاييسه وأبعاده … الخ. فيقول ” إن هذه المقاييس تشير بكل وضوح إلى الثالوث القدوس الواحد في الجوهر وإلى أن الطبيعة الإلهية كاملة تمامًا “. ثم يشرح دلالات هذه المقاييس بقوله: [ انتبه إذًا إلى ما ورد في الكتاب المقدس بخصوص الثلاثمائة ذراع والتي ترمز إلى الكمال. لأن هذا كان طول الفلك لكن عرض الفلك الذي يبلغ خمسين ذراعًا يعبّر جيدًا عن وحدة الألوهة التي هى كمال الكمال فإن الخمسين هى سبع سبعات وتضاف إليهم وحدة واحدة لأن الطبيعة الإلهية هى واحدة. أما إرتفاع الفلك فلا يعلن لنا أى شئ آخر سوى هذه الألوهية، لأنه يصل إلى ثلاث عشرات وينتهى أيضًا إلى ذراع واحد الذي هو فوق الكل والأعظم. لأنه يقول “وثلثين ذراعًا إرتفاعه وتصنع كوا الفلك وتكمله إلى حد ذراع من فوق ” (تك16:6) أى بينما الثالوث القدوس هو ثلاثة أقانيم إلاّ أن له طبيعة واحدة إلهية، ولكننا إن كنا نقول إن الآب والابن والروح القدس ثلاثة أقانيم إلاّ إننا نؤمن بطبيعة واحدة وأنهم متحدون في جوهر واحد، وهذا ما أشار إليه بقوله ” وتكمله إلى حد ذراع من فوق”. حسنًا قد خلّصنا المسيح بالإيمان وأدخلنا إلى الكنيسة فهى كمثل فلك ندخل إليها لننتصر على خوف الموت وننجو من نيران هذا العالم لأن نوح البار ـ أى المسيح ـ سيكون معنا ]. انظر “جلافيرا” أى تعليقات لامعة: ترجمة الباحث جورج عوض إبراهيم، نُشرت بالكتاب الشهرى للشباب والخدام. المقالة الثانية على سفر التكوين، عدد يونيو 2004 ص19.
[32] وأيضًا نجد أن ق. أثناسيوس في رسائله إلى سرابيون عن ألوهية الروح القدس، يعلّق على أفكار الهراطقة بقوله: ” لأن هذا الذي سلّم إلينا بواسطة الإيمان لا يجوز لنا أن نقيّمه بمقاييس الحكمة البشرية. بل يسمع الإيمان لأن أى عقل يمكنه أن يفسر بإحكام، الأمور التي تعلو على الطبيعة المخلوقة، أى سمع يمكنه أن يدرك الأشياء التي لا يسوغ للبشر أن يسمعها أو ينطقوا بها “. مركز دراسات الآباء 1994، الرسالة الأولى: 17 ص62. ويعترض على توجيه الهراطقة للأسئلة حول حقيقة الثالوث الذي يجب عليهم أن يؤمنوا به أولاً كى يفكروا به فيقول ” إن توجيه مثل هذه الأسئلة عن الله يكون جرأة جنونية لأن الألوهة لا تُسلّم لنا بواسطة براهين كلامية بل بالإيمان مع التفكير بتقوى ووقار “. الرسالة الأولى: 20 ص68.
[33] التساؤل ليس فقط عن ماهية الثالوث بل وأيضًا عن كل الأمور العقائدية والإيمانية هو دليل على “عدم التقوى إذ يجب أن نسلّم بكل هذه الحقائق كما هى، أو كما سبق وأن كتب ق. كيرلس أيضًا أننا يجب أن لا نكون فضوليين أكثر من ذلك، وألاّ نجازف بالفحص المتهور لما تسلمناه بالإيمان. وذلك لأن الذي من الإيمان لا نسعى لامتلاكه بطرق أخرى .. وما يعتمد على البحث العقلانى ليس إيمانًا. فالإيمان الحقيقي بعيد كليةً عن كل محاولات بشريّة للتأكد من صدقه ” حوار حول الثالوث. المرجع السابق ص91ـ92. وفي هذا يقول أيضًا ق. هيلارى أسقف بواتيه بفرنسا (315ـ367م): ” نحن مضطّرون بسبب أخطاء الهراطقة والمجدّفين لأن نعمل ما هو غير مباح وأن نتسلق المرتفعات وأن نعبّر عن الأشياء التي لا ينطق بها وأن نتناول أمور محظورة. ومع أنه ينبغي علينا أن ننفذ الوصايا من خلال الإيمان وحده، عابدين الآب وساجدين للابن معه، وفرحين في الروح القدس فنحن مضطّرون لتوسيع قدرة لغتنا الضيّقة، للتعبير عن الحقائق التي لا توصف، كما أننا مجبرون بسبب تجاوزات الآخرين أن نتجاوز نحن في محاولة محفوفة بالمخاطر، حين نضع في كلام بشّرى ما كان يجب أن يُحفظ في عقولنا برهبة مقدسة… إن خيانتهم قد جرّتنا إلى هذا الموقف الخطير والمريب، حيث قد تعيّن علينا أن نضع عبارات محدّدة تذهبنا أبعد ممّا قد وصفته السماء عن أمور سامية للغاية ومخفيّة في الأعماق “. عن الثالوث 2:2، 5. The father of the church, the
Catholic University of America Press Washington, p.c. vol. 25. p. 36.
[34] توصف الطبيعة الإلهية بأنها طبيعة بسيطة وغير مرّكبة، فالطبيعة البسيطة غير قابلة للإنقسام لأن التركيب هو بداية الإنقسام. انظر أيضًا هامش 3 ص25.
[38] انظر عب3:1. في سياق رده على الذين يخلطون بين صفتى “الخلق” و “الولادة” في الطبيعة الإلهية البسيطة، استخدم ق. كيرلس هذه الآية وتسآل قائلاً: ” كيف يمكن أن نعتقد أن الابن هو رسم المجد الذي لا يُعبّر عنه وبهاء جوهر الله الآب، إن لم يكن يمتلك إمتياز كونه مولودًا، أو إن كانت ولادته مجرد كلمات جوفاء أو إن كان مختلفًا في طبيعته عن الآب وبذلك يُحسب ضمن المخلوقات؟ وفي هذه الحالة ما الذي يمنعنا من أن نحسب الآب أيضًا ضمن باقي المخلوقات، ونضطر نتيجة لذلك أن نعتبر الآب مثل باقي الكائنات التي تخضع للتغيير مادام صورته ورسم جوهره خاضعًا أيضًا للتغيير “. حوار حول الثالوث. المرجع السابق ص85. ويقول أيضًا: ” إن أزلية الابن مشهود لها من الآب إذ هو مولود من الآب أزليًا بالطبيعة “. ويستشهد بنفس الآية السابقة لإثبات ذلك ويعطى مثل الشمس والشعاع لإيضاح هذه الحقيقة انظر حوار حول الثالوث المرجع السابق ص103ـ104.
[41] يو16:1. يرى ق. كيرلس في هذه الآية ما يوضّح إختلاف طبيعة الابن عن طبيعة باقى المخلوقات وأنها تثبت ألوهيته فيقول: ” نحن نأخذ من ملئه والطبيعة الإنسانية التي وجدت أنها= =تحتاج إلى كل شئ تأخذ من ملئه. من ملء الابن كما من الينبوع الأصلى وعطية النعم الإلهية تتدفق على كل نفس تستحق أن تأخذ. وإذا كان الابن يعطى من ملء طبيعته، فالخليقة هى التي تأخذ. فكيف يمكن أن يعتقد أحد أن الخليقة لها ذات المجد الذي للابن. فهو يعلو الجميع بحسب طبيعته الخاصة ويفوق الكل بكرامة كيان أبيه “. شرح إنجيل يوحنا، إصدار مركز دراسات الآباء، القاهرة 1989، ج1 ص138. ويعود ق. كيرلس لإستخدام هذه الآية مرة أخرى. انظر ص73.
[42] وقد سبق ق. أثناسيوس أن استخدم ما جاء في رسالة بولس الرسول الثانية إلى أهل كورنثوس 13:13 ” نعمة ربنا يسوع المسيح ومحبة الله وبشركة الروح القدس مع جميعكم ” ويدلّل بهذا على ألوهية أقانيم الثالوث ووحدتهم في الطبيعة والفعل فيقول: ” لأن هذه النعمة الإلهية التي تعطى في الثالوث من الآب بالابن في الروح القدس، وكما أن النعمة المعطاة هى من الآب بالابن، هكذا فإنه لا يكون لنا شركة في العطية إلاّ في الروح القدس. لأننا حينما نشترك فيه تكون لنا محبة الآب ونعمة وشركة الروح نفسه. ويتضح مما سبق أن فعل الثالوث هو واحد. فالرسول لا يعنى أن ما يعطى، يعطى من كل واحد متنوعًا ومجزئًا “. الرسالة الأولى إلى سرابيون عن الروح القدس المرجع السابق30، 31.
[43] 2بط4:1 بمعنى أن نكون شركاء في عطايا ونعم ومواهب الروح القدس. في موضع آخر وفي دفاعه عن ألوهية الابن المتجسد، يتحدث ق. أثناسيوس عن علاقتنا بالابن والتي تتم عن طريق الروح القدس على أنها علاقة مع الابن وكلمة الله ذاته، مستخدمًا نفس هذه الآية لتدعيم تعاليمه. انظر المقالة الأولى ضد الآريوسيين، إصدار المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، فقرة 16.
[45] يشدّد ق. كيرلس على أن الروح القدس بسبب أنه رب وواحد في الجوهر مع الآب والابن، فإنه يعمل بسلطة بحسب طبيعته الإلهية وليس كخادم. وفي صلاة سر حلول الروح القدس في القداس الإلهى المنسوب لاسمه يقول ” وإرسل إلى أسفل من علّوك المقدس … روحك القدوس الكائن بالأقنوم، غير المستحيل ولا متغيّر الرب المحييّ … الفاعل بسلطة مسرّتك، الطهر على الذين أحبهم وليس كخادم ” الخولاجى المقدس. دير البراموس الطبعة الثالثة 2002 ص467. وفي شرحه ليوحنا 25:14ـ26 يقول: ” فالروح لأنه يعرف ما هى مشورة الابن الوحيد فهو يخبرنا بكل شئ، وهو لا يأخذ هذه المعرفة بالتعلّم لكى لا يبدو أنه يشغل رتبة الخادم الذي ينقل كلمات آخر بل هو روحه، وإذ يعرف ـ دون تعلّم ـ كل ما يخص ذلك الذي هو منه وهو كائن فيه، فإنه يعلن الأسرار الإلهية للقديسين “. وأيضًا يكرر نفس هذه الحقيقة، لكن من جهة علاقة الآب بالروح القدس فيقول في شرحه ليوحنا 15:16 ” كل ما للآب هو لى “: [ الله الآب له روحه الذاتى من ذاته وفي ذاته أى الروح القدس الذي بواسطته يسكن في القديسين ويعلن لهم أسراره ـ لا كأن الروح يمارس مجرد وظيفة خدمة ـ بل بالحرى لأنه هو فيه جوهريًا ومنبثق منه بغير إنفصال ولا إنقسام وهو يفسر ما هو خاص بذلك الذي هو كائن فيه والذي منه يصير ـ وهذا ما هو يخصه أيضًا هو نفسه ـ لأن الله له إتحاد بالخليقة، فقط بواسطة ابنه في الروح وهذا الروح يخص الابن الوحيد لأنه واحد معه في الجوهر ]. انظر مقال “الروح القدس عند القديس كيرلس” د. نصحى عبد الشهيد، ضمن كتاب “الروح القدس عند الآباء”. مركز دراسات الآباء 1994. ويؤكد ق. أمبروسيوس نفس هذه الحقيقة الإلهية بقوله: [ وبكل يقين الروح القدس ليس خادمًا بل شاهدًا للابن، وهذا ما يقوله الابن نفسه ” هو يشهد لى ” (يو26:15) فالروح شاهد للابن والشاهد يجب أن يعرف كل شئ لأن الله الآب هو أيضًا شاهد ]. كتاب الروح القدس. مؤسسة القديس أنطونيوس 1983 الكتاب الأول ص24.
[46] كثيرًا ما استخدم الآباء تشبيه الشمس وأشعتها لإثبات وحدة الجوهر الإلهى للآب والابن. انظر على سبيل المثال: القديس أثناسيوس، تجسد الكلمة، ترجمه عن اليونانية وتعليقات د. جوزيف موريس فلتس، إصدار المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، طبعة ثالثة 2004 الفصل 32 فقرة3 ص 90ـ91. انظر أيضًا المقالات ضد الآريوسيين إصدار المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، المقالة الأولى فقرة 13، 25. المقالة الثانية فقرة 33. المقالة الثالثة فقرة 15:5. الرسائل عن الروح القدس إلى الأسقف سرابيون، المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية 1994: الرسالة الأولى 16، 19، 20، 30. ” الآب نور والابن شعاع ونور حقيقي الآب إله حقيقي والابن إله حقيقي “. الرسالة الثانية: 2. القديس غريغوريوس النيسى: ضد أفنوميوس، الكتاب الثامن P.G 45. 773B
[47] سبق القديس أثناسيوس أن وصف الذين يحاربون الروح القدس وينكرون ألوهيته بأنهم ” لم يدركوا أنه كما لا يجوز أن نفصل الابن عن الآب محافظين على الإيمان الصحيح بإله واحد، هكذا أيضًا فإنهم إذ يفصلون الروح عن الكلمة لا يحتفظون بعد بالإيمان بألوهية واحدة في الثالوث لأنهم يمزقون الألوهة ويخلطون معها طبيعة غريبة ومن نوع مغاير” المرجع السابق. الرسالة الأولى: 2.
[48] سكنى الروح القدس في الذين تعمدوا يدل على ألوهيته، انظر شاهد رقم 1 ص 11.
[50] أكد ق. أثناسيوس هذه الحقيقة الإلهية مدافعًا عن ألوهية الروح القدس ـ كما كان قد سبق فدافع عن ألوهية الابن المتجسد ـ وذلك ببيان كل ما أتمه الابن والروح القدس (إذ هما واحد في الجوهر) لأجل البشرية، الأمر الذي لم يكن في مقدور أى من الخلائق عمله. وفي رسائله عن الروح القدس إلى الأسقف سرابيون يقول: ” وإن كنا بالإشتراك في الروح نصير شركاء الطبيعة الإلهية فإنه يكون من الجنون أن نقول عن الروح القدس من طبيعة المخلوقات وليس من طبيعة الله. وعلى هذا الأساس فإن الذين هم فيه، يتألهون وإن كان هو يؤله البشر، فلا يتبقى أن يشك في أن طبيعته هى طبيعة إلهية، وفي نفس الموضع يقول: ” فلو كان الروح القدس مخلوقًا، لما كان لنا إشتراك في الله بواسطته، فإن كنا قد اتحدنا بمخلوق فإننا نكون غرباء عن الطبيعة الإلهية حيث إننا لم نشترك فيها”. انظر الرسائل عن الروح القدس المرجع السابق. الرسالة24:1. وواضح هنا تأثر ق. كيرلس بهذه التعاليم.
[51] يو23:14. يستشهد ق. أثناسيوس بهذه الآية للدفاع ليس فقط عن ألوهية الابن المتجسد بل وأيضًا عن ألوهية الروح القدس فيقول: ” فالمواهب التي يقسّمها الروح لكل واحد تُمنح من الآب بالكلمة.= =لأن كل ما هو من الآب هو من الابن أيضًا. إذًا فتلك الأشياء التي تعطى من الابن بالروح هى مواهب الآب. وحينما يكون الروح فينا، فالكلمة الذي يعطى الروح يكون أيضًا فينا، والآب موجود في الكلمة وهكذا يكون كما قال ” سنأتى أنا والآب ونصنع عنده منزلاً “. الرسائل عن الروح القدس. المرجع السابق. الرسالة الأولى: 30.
[52] هنا يدافع القديس كيرلس عن ألوهية الابن بكونه ضمن الأقانيم الثلاثة لله الواحد ويقول بأننا لا نؤمن أن الآب والابن إلهين لكن إله واحد وفريد يُعبد في ثالوث مقدس، وكان ق. أثناسيوس قد سبق ودافع بالمثل عن ألوهية الروح القدس ضد الذين أنكروا أنه رب وإله وبالتالى فقد جعلوا أقانيم الله الواحد اثنين وليس ثلاث ولهذا وجه لهم ق. أثناسيوس السؤال التالى: [ وإذًا فحيث إن الكنيسة لها أساس الإيمان، قليقل لنا أولئك الناس مرة أخرى وليعطوا جوابًا هل الله ثالوث أم اثنان؟ فإذا كان اثنين فعليكم أن تحسبوا الروح من بين المخلوقات. وبهذا يكون إيمانكم ليس إيمانًا بالله الواحد ” الذي على الكل وبالكل وفي الكل ” ] (أف6:4) المرجع السابق. الرسالة الأولى: 29.
[53] وقد سبق القديس أثناسيوس وأكد هذه الحقيقة بقوله ” لأنه كما أن الآب هو الكائن الذي يكون، هكذا أيضًا الكلمة هو الكائن والإله على الكل. والروح القدس ليس بدون وجود حقيقي بل هو يوجد وله كيان فعلى. وليس بأقل من هؤلاء الثلاثة تعتقد الكنيسة الجامعة “. المرجع السابق: الرسالة الأولى إلى سرابيون: 28.
[54] سبق أن وصف القديس كيرلس الطبيعة الإلهية بأنها “طبيعة بسيطة” انظر هامش1 ص14. وهنا يُضيف لها صفة مرادفة وهى أنها “غير مركبة” لأن التركيب هو بداية الإنقسام وهو عكس البساطة. =وفي موضع آخر يعطى نفس هذا الوصف بأن: ” الجوهر الإلهى بسيط وغير مركب ” وذلك في سياق رده الذي يوضح أن الابن هو كلمة الله الآب فيقول: ” نحن نؤمن بأن الثالوث القدوس المسجود له جوهر واحد رغم جنون الهراطقة الذي يمنعهم من الإيمان. ووحدة الجوهر تفترض وجود مساواة في الخصائص الطبيعية بين الأقانيم. فإذا عدنا إلى إفتراض الهراطقة الذي يتوهم وجود كلمة في الآب غير الابن الكلمة، فإن المساواة تفترض أيضًا وجود كلمة ذاتى في الابن طالما أن الابن مثل الآب في كل شئ وهو صورة جوهره ورسم أقنومه (عب3:1) وأيضًا الروح القدس فيه كلمة ذاتى طالما أن الروح القدس مساوٍ للآب والابن. وهذا يعنى أن الثالوث صار سداسيًا. وأصبحت الطبيعة الإلهية مركبة. وهذا مستحيل فالجوهر بسيط غير مركب، لا يوجد فيه إلاّ ثلاثة أقانيم ولا يوجد وسيط بين كل أقنوم وآخر، بل هو جوهر واحد للثالوث القدوس لا اختلاط فيه بين الأقانيم “. شرح إنجيل يوحنا، إصدار المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، القاهرة 1989، ج1 ص53.
[55] كثيرًا ما أجمع آباء وكتّابها على نفس هذا التفسير. انظر على سبيل المثال: رسالة برنابا (كتبت ما بين 70م وسنة 138م). ق. يوستين المدافع والشهيد (+161): الحوار مع تريفو فصل 62. العلاّمة ترتليان: ضد ماركيون الكتاب الخامس: 12. ق. إيريناؤس: ضد الهرطقات. الكتاب الرابع في المقدمة وأيضًا فصل 20. ق. يوحنا ذهبى الفم. العظة الثانية على سفر التكوين. ويقول ق. أمبروسيوس: [ إن الآب يعلن أن الابن مساوى له وهو يعمل معه في الخلق في قوله ” لنخلق الإنسان على صورتنا كشبهنا ” وهذا يعنى أن الآب والابن والروح القدس لهم جوهر واحد لأن “صورتنا وشبهنا ” تعنى وحدة القوة الإلهية للثالوث ] الروح القدس للقديس أمبروسيوس. المرجع السابق الكتاب الثانى ص9. انظر أيضًا:
Mel. Wilson, st. Andrews: The Early History of the Exegesis of Gen. 1.26. in studia Patristica. Vol 1. 1957. P. 420-437.
[57] تك27:1. في موضع آخر يوضح ق. كيرلس معنى أن الإنسان قد خُلق على صورة الله وكشبهه فيقول: “إذن فقد قبلنا، أن الإنسان منذ البداية، قد خُلق وفكره يسمو فوق الخطايا والشهوات، لكنه لم يكن مُحصنًا تمامًا من الانحراف في اختياراته. لأن الخالق الأعظم للجميع، قد رأى حسنًا أن يترك الإنسان لإرادته المستنيرة ويسمح له أن يعمل ما يفكر فيه، وذلك بدافع نفسه فقط. بمعنى أن الفضيلة كان يجب أن تُتمم اختياريًا وليس كأمر إجبارى، وأيضًا ألاّ تكون الفضيلة موجودة بدون تغيير في صفات الطبيعة البشرية، لأن الثبات خاصية الجوهر الإلهى الذى هو فوق الكل ويفوق كل الأشياء. فالله قد خلق الإنسان ذلك الكائن الحى بطبيعة خاصة به كإنسان، مانحًا إياه غنى التشبه به. إذ قد رُسمت صورة الطبيعة الإلهية في الطبيعة البشرية بنفخة الروح القدس. وحيث إن الله هو الحياة ـ بحسب الطبيعة ـ لذلك فهو يعطى نسمة الحياة “. انظر السجود والعبادة بالروح والحق، ترجمة الباحث جورج عوض، إصدار المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، ج1 ص28.
[59] هذه الحقيقة تخص الأقانيم الثلاثة لله الواحد وتثبت ألوهيتها. وقد سبق القديس أثناسيوس وعلّم في سياق دفاعه عن ألوهية الروح القدس بأن كل الخلائق تشترك فيه وأنه لا يمكن أن يفقد قداسته= =لأنه (أى الروح القدس) لا ينالها عن طريق الإشتراك ولكنه يملكها جوهريًا في ذاته وأيضًا يقول عنه: “فإن كان هو دائمًا كما هو ودائمًا يُشترك فيه، وإن كانت المخلوقات تشترك فيه، فالروح القدس لا يمكن أن يكون ملاكًا ولا مخلوقًا على الإطلاق بل هو خاص بالكلمة “. الرسائل عن الروح القدس. المرجع السابق. الرسالة الأولى: 27. وفي موضع آخر يتبع نفس المنهج لكن من جهة الابن فيقول: “وإذًا فإن ذلك الذي لا يتقدّس بواسطة آخر، ولا يأخذ القداسة بل هو نفسه الذي يُشترك فيه والذي فيه تتقدس كل المخلوقات، فكيف يمكن أن يكون واحدًا من بين الكل، أو يكون من خاصة أولئك الذين يشتركون فيه؟ لأن أولئك الذين يقولون هذا يلزم أن يقولوا إن الابن الذي به وُجدت كل الأشياء هو واحد من بين كل هذه الأشياء “. المرجع السابق: الرسالة الأولى: 23.
[63] من جانب الذين يقلّلون من شأن الابن وعمله الإلهى. (المترجم)
[64] لأن الابن ـ في نظرهم ـ ليس مساويًا للآب في الجوهر. (المترجم)
[65] يدّلل ق. أثناسيوس على ألوهية الروح القدس بما يفعله في المؤمنين ويستشهد بالآية ” الذي فيه أيضًا إذا آمنتم ختمتم ” (أف13:1) وأيضًا ” لا تحزنوا روح الله القدوس الذي به ختمتم ليوم الفداء” (أف30:4) ويقول إن: ” المخلوقات تُمسح وتُختم فيه فلا يكون الروح مخلوقًا، لأن الذي يُمسح ليس مثل الذين يُمسحون “. وبسبب أن الابن أيضًا هو إله وواحد مع الروح القدس في الجوهر، فإن ق. أثناسيوس يقول: ” لأن المسحة أيضًا هى مسحة الابن حتى أن الذي عنده الروح يقول (نحن رائحة المسيح الذكية) ونتيجة لهذا فإن ” الختم يُعطى بصمة الابن حتى أن المختوم يكون صورة الابن “. المرجع السابق. الرسالة الثالثة: 3 ومن الجدير بالذكر أن ق. كيرلس استخدم في هذا السياق الآية: ” يا أولادى الذين أتمخض بكم أيضًا إلى أن يتصور المسيح فيكم ” (غلا19:4) وهى نفس الآية التي سبق وأن إستند عليها ق. أثناسيوس لتوضيح تعليمه العقيدى هذا في تلك الرسالة.
[67] يقول ق. كيرلس في موضع آخر: ” المصدر الذي لا يوجد قبله شئ هو الآب والذي وُلِدَ من هذا المصدر بالطبيعة ندعوه الابن “. حوار حول الثالوث. المرجع السابق ص63. وسبق أن علّم ق. أثناسيوس عن علاقة الابن بالآب بقوله ” فالابن يجب أن يُعترف به أنه ليس من خارج أبيه بل هو الذي ولده “. ضد الآريوسيين. المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، المقالة الثانية. فصل 14.
[71] عن أن الابن قد أظهر طبيعة الآب كصورة مرسومة يقول ق. كيرلس في موضع آخر: ” لأننا نحتاج أولاً أن نتعلّم بقدر الإمكان ماذا يكون الابن بالطبيعة وهكذا فمن الصورة والرسم الدقيق جدًا= =ندرك الأصل جيدًا. لأن الآب يُرى في الابن وهو يظهر بصورة كاملة في طبيعة وليده الذاتى كما في مرآة … لأنه يلزم لرسم جوهره أن يكون مماثلاً له من كل جهة وبكل طريقة، لئلا يُفترض أن شيئًا آخر مغايرًا لما يكونه الآب (أى مغاير لجوهر الآب) يشع في الابن بصورة كاملة “. شرح إنجيل يوحنا ج4، إصدار المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، القاهرة سنة 2000، ص35.
[73] يو19:8. عندما شرح ق. كيرلس هذه الآية في كتابه “شرح إنجيل يوحنا” ركّز على وحدة الجوهر بين الآب والابن واضعًا في إعتباره التعاليم الآريوسية التي أنكرت ألوهية الابن المتجسد ولهذا نجده يذكر صفة مَن ينادى بهذه التعاليم داعيًا إياه بـ ” الآريوسى محارب الله ” ويوضح ق. كيرلس أنه بسبب هذه الوحدة الجوهرية للآب والابن تصير معرفة وإدراك كل منهما عن طريق الآخر فيقول: ” لأنه حيث إننا نعرف الابن فإننا بواسطته نعرف ذاك الذي وَلَده، لأنه من خلال كل واحد منهما نصل إلى إدراك الآخر: فحينما يُذكر الآب يأتى ذكر وَليده بالتأكيد معه. وأيضًا مع معنى لفظ الابن يأتى اسم ذاك الذي وَلَده. ولذلك فالابن هو باب وطريق يقود إلى معرفة الآب “. شرح إنجيل يوحنا ج4، إصدار المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، القاهرة سنة 2000، ص35. ولم يكتف ق. كيرلس بتوضيح هذه العلاقة الجوهرية بين الآب والابن، بل أنه جعل هذه العلاقة هى الأساس الضرورى لإدراك الثالوث (هذا التوجه نلاحظه هنا أيضًا في حواره حول هذه النقطة) فيقول: ” كيف لا يلزم بالضرورة الآن أن نعترف أن الابن هو مثل الآب من كل جهة لكى بواسطته نعرف أيضًا ذلك الذي وَلَده كما قلنا قبلاً، صاعدين من الصورة إلى الأصل ويصير ممكنًا لنا أيضًا أن ندرك الثالوث القدوس إدراكًا صحيحًا وبلا لوم “. المرجع السابق ص36.
[74] كان القديس أثناسيوس سابق للقديس كيرلس في دفاعه عن ألوهية الابن، وتوضيح أن معرفة الله تأتى فقط من خلال الإيمان بالمسيح، لهذا كان يركّز في تعاليمه على عقيدة تجسد ابن الله والفداء الذي قدّمه للبشرية وهذا يستلزم الإيمان السليم بألوهية السيد المسيح وإنسانيته معًا، وذلك في مقابل الفكر الآريوسى الخاطئ الذي كان يحاول أن يلغي حقيقة الفداء وأهميته، فلو لم يكن السيد المسيح هو الله بالحقيقة ـ كما أن الآب هو الله بالحقيقة (بسبب وحدتهما في الجوهر ÑmooÚsioj ) ـ لما كان في الإمكان أن يفدى البشرية من الموت والفساد. ولو لم يكن الابن هو الإله الذي تجسد، لما كان ممكنًا أن يشركنا في طبيعته الإلهية. انظر: كتاب تجسد الكلمة. ترجمه عن اليونانية د. جوزيف موريس فلتس. المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، الطبعة الثالثة 2004 المقدمة ص14ـ15.
[79] يو22:5. ظن المعارضون أن هذه الآية تدل على أن الابن أقل من واضع الناموس والديّان وأنه غير أبدى منكرين بذلك ألوهيته. ويعطى ق. كيرلس المعنى الحقيقي لهذه الآية بقوله: [ وها هو المسيح يقول ” إن الآب قد أعطى كل الدينونة للابن ” ليس كأن الابن كان بلا سلطان حتى الآن، بل تدبيريًا كإنسان، معلّمًا أنه من المناسب أكثر أن تُنسب كل الأشياء إلى الطبيعة الإلهية إذ هو أيضًا ليس خارجًا عن الآب لأنه هو الكلمة وهو الله الذي له السلطان في ذاته على الكل ]. شرح إنجيل يوحنا، المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، القاهرة 1995، ج2 ص106.
[85] لم يفسر الهراطقة كلام وأفعال المسيح له المجد على أنها تتناسب مع الاخلاء ولهذا فقد نادوا بتعاليم أنكرت ألوهيته.
[86] يشدّد الآباء ومنهم ق. أثناسيوس أيضًا على أهمية البحث عن الشخص الذي تتكلّم عنه الآية وزمان كتابتها والموضوع العام الذي يكتب من أجله الكاتب. انظر المقالة الأولى ضد الآريوسيين، إصدار المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، فقرة 54. ولقد اتبع ق. كيرلس نفس هذا المنهج الآبائى في تفسير النصوص لهذا يعلّق على الآية ” فإذ كان يسوع قد تعب من السفر وجلس (يو6:4) بقوله: ” إن التمييز بين النصوص أمر هام جدًا لنا لأن هذا يقودنا إلى تمييز الأزمنة والأوقات “. حوار حول الثالوث. المرجع السابق ص30.
[89] في سياق تفسيره لمعجزة شفاء الأبرص وقول المسيح له بأن لا يقول لأحد بل يمضى ليُرى نفسه للكاهن ويقدّم عن تطهيره كما أمر موسى، يقول ق. كيرلس إنه من خلال هذه المعجزة ” يمكننا أن نرى بوضوح تام أن المسيح يفوق ناموس موسى بما لا يقارن ” وأن هذه الخدمة تثبت أنه إله. انظر: تفسير إنجيل لوقا للقديس كيرلس، ترجمة د. نصحى عبد الشهيد. إصدار مركز دراسات الآباء سنة 1990، ج1 ص116.
[93] يذكر ق. كيرلس نفس هذه الحقيقة في إطار شرحه لما جاء في سفر العدد. انظر أيضًا شرحه لما جاء في إنجيل لوقا 21:2ـ24 عن ختان المسيح حيث يقول: “حينما كان الابن حاضرًا بيننا، فرغم أنه هو بالطبيعة الله ورب الكل فإنه لا يحتقر حالتنا بسبب ذلك، بل يُخضع نفسه معنا لنفس مشرّع الناموس، رغم أنه كإله كان هو نفسه مشرّع الناموس”. تفسير إنجيل لوقا، إصدار مركز دراسات الآباء، مايو 1990، ج1 ص42.
[94] في موضع آخر يشرح ق. كيرلس بالتفصيل أن الخليقة قد إستنارت بالابن وذلك في إطار شرحه للآية ” والحياة كانت نور الناس، والنور يضئ في الظلمة والظلمة لم تدركه ” (يو4:1ـ5)، وفي شرحه هذا يشدّد أيضًا ـ كما يفعل هنا ـ على وحدة الجوهر بين الآب والابن ويورد أحد عشر برهانًا ودليلاً على هذه الحقيقة وعلى أن طبيعة الابن ليست كطبيعة المخلوقات. انظر شرح إنجيل يوحنا للقديس كيرلس، إصدار مركز دراسات الآباء. يناير 1989، ج1 ص73ـ87.
[95] سبق القديس أثناسيوس واستخدم تشبيه النور وأشعته التي تضئ كل المكان ليثبت أن الابن غير مخلوق بل أن الآب قد خلق كل شئ به. انظر المقالة الثانية ضد الآريوسيين الفصل 31:18، الطبعة الثالثة، إصدار المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية 2004.
[96] يشدّد آباء مجمع نيقية على ألوهية الابن المتجسد وعلى أنه من ذات جوهر الآب وذلك باستخدام تعبير ” نور من نور ” في نص قانون الإيمان. انظر أيضًا ق. كيرلس، شرح إنجيل يوحنا، إصدار المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية ج1 ص74. انظر أيضًا هامش رقم 2 ص 3.
[108] يو21:5. وفي شرحه لهذه الآية من إنجيل يوحنا يؤكد ق. كيرلس نفس المعنى بقوله: ” أترون أيضًا أنه في تلك الكلمات برهانًا ساطعًا على معادلته للآب. لأن مَن يعمل بالمساواة من جهة إقامة الموتى، كيف يمكن أن يكون أقل؟ أو كيف يكون من طبيعة أخرى وغريبًا عن الآب وهو الذي يشّع بنفس الخصائص؟ لأن القدرة على الإحياء التي في الآب كما هى في الابن، هى خاصية للجوهر الإلهى، لكن الآب أيضًا لا يُحيي بعض الناس منفصلاً عن الابن ومن ذاته أو أن الابن يُحيي البعض الآخر منفصلاً ومنعزلاً عن الآب، إذ أن الابن له الآب في ذاته بالطبيعة، والآب يفعل كل شئ ويعمل كل شئ بالابن. لكن طالما أن الآب لديه قوة الإحياء في طبيعته ذاتها، هكذا الابن نفسه أيضًا، ينسب قوة إقامة الموتى، وكأنها تخص كلا منهما على حدة “. شرح إنجيل يوحنا، مركز دراسات الآباء، القاهرة 1995، ج2 ص105.
[109] يو57:6. عندما يتعرّض ق. كيرلس لشرح هذه الآية من إنجيل يوحنا فإنه يبدأ بالقول: ” معنى هذا النص غامض، تغلفه صعوبة ليست بقليلة، لكنه ليس عسر الفهم تمامًا إذ يمكن إدراكه وفهمه من قِبَل أولئك الذي اختاروا أن يفكروا باستقامة “. شرح إنجيل يوحنا، مركز دراسات الآباء، القاهرة 1998م، ج3 ص159. ولهذا فإنه يجتهد لتوضيح المعنى الحقيقي لها وما يحويه من تعاليم عقائدية تثبت ألوهية الابن ومساواته في الجوهر لله الآب. ومن الملاحظ أيضًا أنه إمتد في شرحه لهذه الآية كى يعلّم ليس فقط بوحدة الجوهر للآب والابن ضد الفكر الآريوسى، بل أيضًا كى يثبت= =عقيدة الثالوث الأقدس الواحد في الجوهر فيقول: ” إن الطبيعة الإلهية هى واحدة تُدرك في الآب والابن والروح القدس لا بشكل إنقسامى متعدد يعمل كل منهم بمفرده ما ينبغى أن يتم من أمور لكن ما يقال إنه تم بواسطة واحد منهم هو عمل الطبيعة الإلهية كلها. لأنه لَمّا كان الثالوث القدوس واحدًا فيما يخص وحدانية الجوهر، فإن قوته هى قوة واحدة بالكامل من جهة كل شئ. لأن كل شئ هو من الآب بالابن في الروح “. المرجع السابق ص160. ومن الجدير بالذكر أنه رغم أن موضوع الكتاب الذي ننشره اليوم هو حوار حول الثالوث، إلاّ أن القديس كيرلس لم يتطرق إلى عقيدة الثالوث، أى وحدة الجوهر الإلهى والثلاثة أقانيم، عندما أشار إلى هذه الآية، بالرغم من أنه في استخدامه لآيات أخرى من إنجيل يوحنا كان قد تعرّض لهذه العقيدة الهامة. انظر على سبيل المثال ص27.
[110] يضع ق. كيرلس على لسان إرميا كلامًا يعبر أحيانًا عن رأى المعارضين (انظر كيرلس ص37). ومن هذه الآراء أن الابن ليس له حياة في ذاته بل يستمدها من الآب وبالتالى فهو أقل من الآب، ودليلهم على هذا قول الابن ” أنا حيّ بالآب “. وفي موضع آخر يشير ق. كيرلس صراحة أن هذا ما يفكر فيه المعارض، فيقول: [ لكن معارضنا قد يجيب مرة أخرى: وبأية كيفية أخرى يكشف الابن عما يكونه بالطبيعة أو كيف يظهر بوضوح أن الآب أعظم إلاّ بقوله ” أنا حيّ بالآب”؟ لأنه إن كان الآب هو مُعطي الحياة للابن، فمن ذا الذي يندفع في مثل هذه الحماقة فلا يدرك بالتمام أن مَن يشترك في الحياة لن يكون بالطبيعة هو نفسه الحياة أو يكون قديرًا على الإحياء؟ ]. شرح إنجيل يوحنا، مركز دراسات الآباء، القاهرة 1998، ج3 ص160ـ161.
[111] في فصل كامل من كتابه “شرح إنجيل يوحنا” يشدّد ق. كيرلس على أن الآية “فيه كانت الحياة” يو4:1 تعنى أن الابن هو بالطبيعة الحياة ولذلك هو غير مخلوق وأنه من نفس جوهر الآب ويدلّل ببراهين تسعة على ألوهية الابن إذ هو واهب الحياة. انظر ج1 إصدار مركز دراسات الآباء. القاهرة 1989، فصل 6 ص67ـ72.
[112] سبق أن شرح يوستين المدافع والشهيد (+ 161م) طريقة ولادة الابن من الآب باستخدام تشبيه النار والحرارة الناشئة عنها. انظر حواره مع تريفو: 61.
3 استخدم ق. كيرلس نفس هذا التشبيه في سياق البراهين العديدة التي أوردها لإيضاح حقيقة وحدة الجوهر للآب والابن. انظر شرح إنجيل يوحنا. المرجع السابق ج1. الفصل الثالث. البرهان 22. ص40.
[114] في إطار شرحه ليوحنا 57:6 ” كما أرسلنى الآب الحيّ وأنا حيّ بالآب” يتكلم ق. كيرلس بلسان الابن المتجسد ويقول: ” وحيث إننى أنا الكلمة، ووُلدت حياة من ذلك الذي هو بالطبيعة حياة.. ولأننى الحياة بالطبيعة لأننى من الآب الحيّ “. انظر شرح إنجيل يوحنا، إصدار مركز دراسات الآباء، القاهرة 1998، ج3 فصل 3 ص159.
[116] في9:2. ويُلاحظ أن القديس كيرلس كان قد إستخدم نفس هذه الآية في سياق تعليقه على رؤية زكريا وأنه شاهد وزنة رصاص قد رُفعت (زك5:5ـ11) يقول ق. كيرلس: ” وزنة الرصاص هى المسيح نفسه الذي رُفع بالصليب ونراه يشّع بمجد الألوهية لأن الله رَفّعه عاليًا وأعطاه اسمًا فوق كل =اسم “. انظر كتاب السجود والعبادة بالروح والحق، ترجمة الباحث جورج عوض إبراهيم، المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، يوليو 2002 الجزء الثانى المقالتان الثانية والثالثة. ص61.
[117] هذا هو اسلوب الهراطقة دائمًا في استخدام النصوص المقدسة. ولقد كشف القديس أثناسيوس نفس هذا الأسلوب الذي اتبعه الآريوسيون. انظر المقالة الأولى ضد الآريوسيين، إصدار المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، الفصل الثالث والفصل الحادى عشر. ومن الجدير بالذكر أن لفظ هرطقة ليس عربيًا بل يونانيًا من الكلمة “هيرسيس” a‰resij بعد أن تم نقل كل أحرفها اليونانية إلى أحرف عربية أو ما يسمى بـ Transliteration والمعنى الحرفي للكلمة اليونانية هو من معنى الفعل a„ret…zw الذي يعنى أختار أو أنتقي. ولذلك فإن لقب هراطقة أُطلق على الأشخاص الذين كانوا ينتقون أو يفتشون عن كلمات من بين النصوص المقدّسة كى تخدم أفكارهم التي لا تتفق مع إيمان الكنيسة المستقيم.
[118] إنشغل ق. أثناسيوس من قبل ببيان التفسير المستقيم لهذه الآية بالتفصيل وموضحًا ألوهية الابن المتجسد وأن إعطاؤه اسمًا لا يعنى أنه غير مساو للآب في الجوهر. انظر المقالة الأولى ضد= =الآريوسيين، مركز دراسات الآباء، فصل 11 ص74ـ87 ولقد اتبع ق. كيرلس نفس هذا التفسير وتأثر به.
[119] في6:2ـ11. سبق أن استعان ق. كيرلس بالجزء الأول من هذه الآيات (6، 7) في الرّد على الآريوسيين الذين قالوا إن الابن هو من طبيعة متوسطة بين الله والبشر لأنهم فهموا قول بولس الرسول “يوجد وسيط واحد بين الله والناس، الإنسان يسوع المسيح الذي بذل نفسه فدية لأجل الجميع” (1تيمو5:2)، وذلك بطريقة خاطئة، لهذا نجد أن ق. كيرلس يقول: [ إن الرسول يحدّد على ما أعتقد، أن الفترة الوحيدة التي تتناسب مع الوساطة هى الأزمنة الأخيرة، والتي فيها حسب كلام الرسول “الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله، لكنه أخلى نفسه آخذًا صورة عبد”. ورغم أنه الإله والرب فلكى يُرجعنا بواسطة ذاته لله الآب ولكى يصالح الكل حسب المكتوب “عاملاً الصلح بدم صليبه سواء كان ما على الأرض أم ما في السموات” لكى يصنع ذلك كله، توسط كإنسان. ولهذا يقول بولس ” نطلب عن المسيح تصالحوا مع الله وذلك بالإتحاد بشخص المسيح. ولأن طبيعة الإنسان لا تحتمل أن تستوعب مجد الله في حالته الأولى قبل التجسد، فقد لبس الابن الوحيد لأجلنا ولأجل منفعتنا جسدنا ـ وتشبهّه بنا ]. حوار حول الثالوث، الجزء الأول، المرجع السابق ص32.
[120] في بداية مقالته الأولى ضد الآريوسيين الذين أنكروا ألوهية الابن المتجسد، أوضح القديس أثناسيوس الإيمان الصحيح عن الابن الوحيد بقوله: ” ها نحن إذًا نتحدث بحرية عن الإيمان الصحيح النابع من الكتب الإلهية، ولنضع هذا الإيمان كسراج على المنارة فنقول: ابن حقيقي حسب الطبيعة للآب ومن نفس جوهره وهو الحكمة وحيد الجنس وهو الكلمة الحقيقي لله وهو ليس مخلوقًا ولا مصنوعًا، ولكنه مولود حقيقي من ذات جوهر الآب ولهذا فهو إله حق إذ أنه واحد في الجوهر ÐmooÚsioj مع الآب الحقيقي “. انظر الفصل الثانى فقرة 9.
[124] هذه الآية نفسها استخدمها القديس أثناسيوس في سياق دفاعه عن ألوهية الروح القدس ليدافع عن ألوهية الابن، لأنه إن لم يكن الابن هو الله لما كان روحه أيضًا هو الله إذ يقول: [ لكن إن كان البعض (من المخلوقات) قد دعى آلهة، فذلك ليس بحسب الطبيعة بل بحسب إشتراكها مع الابن،= =لأنه هكذا قال هو نفسه ” إن قال آلهة لأولئك الذين صارت إليهم كلمة الله “. ومن أجل هذا فلأنهم ليسوا آلهة بالطبيعة، فإن بعضهم قد يعانى التغيير (إذ هى مخلوقة) في وقت ما، ويسمعون القول “إنى قلت أنكم آلهة وبنو العلى كلكم، لكن مثل الناس تموتون ” (مز6:81، 7س) هكذا كان ذلك الذي سمع ” أنت إنسان لا إله ” (خر9:28) أما الابن فهو إله حقيقي مثل الآب لأنه هو في الآب والآب فيه]. الرسائل عن الروح القدس. المرجع السابق، مركز دراسات الآباء 1994 الرسالة الثانية:4.
[125] الفعل “½n” في اللغة اليونانية هو صيغة الماضى لفعل الكينونة “يكون” “ e‡nai” .
[126] 1كو5:8ـ6. سبق أن استخدم ق. أثناسيوس هذه الآية لإثبات ألوهية الروح القدس فيقول: [ إذا كان الابن هو كلمة الله فهو واحد كما أن الآب واحد، لأنه ” يوجد إله واحد الذي منه جميع الأشياء … ورب واحد يسوع المسيح ” لذلك يُقال ويكتب عنه أنه ” الابن الوحيد ” وأما المخلوقات فهى كثيرة ومتنوعة: ملائكة، رؤساء ملائكة، شاروبيم، رئاسات سلاطين وغير ذلك كما سبق أن قلنا. وإذا كان الابن ليس من الكثيرين لكنه واحد، كما أن الآب واحد وهو ليس مخلوقًا فبالضرورة (لأنه ينبغي أن نأخذ من الابن معرفتنا عن الروح) لا يمكن أن يكون الروح مخلوقًا، لأنه ليس من بين= =الكثيرين، بل هو نفسه واحد ]. الرسائل عن الروح القدس. المرجع السابق، مركز دراسات الآباء، القاهرة 1994. الرسالة الثالثة: 3.
[127] غلا6:4. إستخدم ق. كيرلس نفس هذه الآية، انظر ص62.
[128] سبق وأن رد ق. أثناسيوس على الآريوسيين الذين أنكروا ألوهية الروح القدس أيضًا، وبالتالى فإنهم علّموا بأن الثالوث قابل للتقسيم، وكان قد علّم بأن الثالوث غير قابل للتقسيم وأورد الكثير من آيات الكتاب المقدس التي تثبت تعليمه ومنها قوله: [ كما أن المسيح ابن حقيقي، فإننا عندما نأخذ الروح “نصير أبناء” لأن الكتاب يقول ” إذ لم تأخذوا روح العبودية أيضًا لخوف بل أخذتم روح التبنى ” (رو15:8). وإن كنا بالروح قد صرنا أبناء فواضح أننا في المسيح ندعى أولاد الله لأن ” كل الذين قبلوه أعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله ” ]. الرسائل عن الروح القدس. المرجع السابق. الرسالة الأولى: 19. وفي موضع آخر من نفس الرسالة يقول عن الابن أنه ” يوّحدنا الآب بواسطة الروح الذي فيه “. فقرة 24. انظر أيضًا المقالة الثالثة ضد الآريوسيين: 20.
[130] يؤكد ق. كيرلس هذه الحقيقة عندما يشرح هذه الآية في مجال شرحه لإنجيل يوحنا فيقول: [ إذ حيث إنهم قبلوا الابن نالوا السلطان أن يُعدّوا من أولاد الله فالابن وحده هو الذي يعطى بحسب ما يخص طبيعته ليكون في سلطانهم أن يصيروا أبناء الله جاعلاً ما يخصه مشتركًا وعامًا بينهم ليكون هذا صورة طبيعة محبته للإنسان وللعالم. وليس هناك وسيلة أخرى غير هذه تجعلنا نحن الذين لبسنا “صورة الترابى” نهرب من الفساد إلاّ إذا ختمنا بجمال صورة السمائى (1كو49:15) بدعوتنا إلى البنوّة لأننا عندما نشترك فيه بالروح القدس القدس نُختم لنكون مثله ونصعد إلى الصورة الأولى التي أخبرتنا الكتب المقدسة بأننا خلقنا عليها (تك27:1) ]. شرح إنجيل يوحنا، مركز دراسات الآباء، القاهرة 1989، ج1 ص124. وفي موضع آخر من شرحه لنفس الآية يقول: [ إذًا هو الابن بالحق وبالطبيعة ونحن صرنا به أبناء أيضًا وننال الخيرات بالنعمة دون أن تكون هذه الخيرات من طبيعتنا ]. المرجع السابق ص125.
[132] لقد إعتمد آباء الكنيسة المعلّمين في تحديد العقيدة وصياغتها ـ وعلى عكس الهراطقة ـ على الإعلان الإلهى الذي تسلّمته الكنيسة من الرب نفسه وعاشته في تقليدها المقدس الذي عبّرت عنه نصوص الكتاب المقدس. لمزيد من التفاصيل انظر د. جوزيف موريس فلتس: الآباء والعقيدة. المنشور في دورية دراسات آبائية ولاهوتية، مركز دراسات الآباء، يناير 1998 السنة الأولى العدد الأول ص17ـ27.
[133] يو10:14. لقد فنّد القديس كيرلس الهرطقات التي أنكرت ألوهية الابن والتي نادت بأن الابن ليس هو الله بالطبيعة وبأنه أقل من الآب، وذلك بتقديمه براهينًا كثيرة بلغ عددها (22) في مقدمة شرحه لإنجيل يوحنا. ولقد مثّل الشاهد يو10:14 البرهان الأخير من هذه البراهين فيقول: [ لقد قال المخلّص إنه في الآب والآب فيه وواضح لكل أحد أن هذا لا يعنى وجود جسد في جسد آخر أو وعاء في وعاء، وإنما الصواب أن الواحد يعلن الآخر. لأن كل منهما في الآخر في الجوهر نفسه غير المتغيّر وله ذات الطبيعة الإلهية الواحدة غير المتغيّرة. ولعل أقرب تشبيه هو أن يشاهد إنسان وجهه في مرآه ويندهش من التطابق التام لدرجة أنه يقول ” إنى في هذه الصورة وهذه الصورة فيّ” أو مثلما تقول حلاوة العسل حينما توضع على اللسان ” الحلاوة في العسل والعسل فيّ ” أو مثل الحرارة الصادرة من النار كما لو كانت تقول ” أنا في النار والنار فيّ “. وكل هذه الأشياء التي ذكرناها هى متمايزة في الفكر، ولكنها واحد في الطبيعة، وكل واحد يصدر من الآخر بدون إنقطاع وبدون إنفصال، حتى إن كان يبدو أن ما يصدر كأنه ينفصل عن الشئ الذي هو موجود فيه. ورغم أن معنى الأفكار الخاصة بهذه الأشياء تأخذ هذا الشكل، ولكن لايزال الواحد منها يظهر في الآخر، وكلاهما واحد بحسب الجوهر. ” الإنسان والصورة، الحلاوة والعسل، الحرارة والنار ” وعلى نفس القياس فبسبب عدم تغيير الجوهر، والدقة في تعبير الصورة عن الأصل فإننا نفهم أن الآب في= =الابن. فكيف يمكن والحالة هذه أن يقال أن الآب أعظم أو أن الابن أقل. فإذا كان الآب في الابن والابن في الآب فهذا يعنى أن الكامل في الكامل أى في الابن الذي يستطيع أن يحتوى الكامل وهو الصورة المعبّرة للآب ضابط الكل ]. شرح إنجيل يوحنا، مركز دراسات الآباء، القاهرة 1989م، ج1 ص40.
[134] لابد أن تَفوق طبيعة مَن يُقدِّس طبيعة من يتقدس وبالتالى فالابن لأنه هو الله وواحد مع الآب في الجوهر فإنه يُقدِّس مَن يكون فيهم. وقد استخدم ق. كيرلس هذا البرهان المُقنع في سياق حديثه عن ألوهية الروح القدس وأن طبيعته الإلهية تختلف عن طبيعة ملكى صادق الذي اعتقد البعض أنه هو الروح القدس فيقول: ” فإن قلنا إن الروح يقوم بالخدمة الكهنوتية (ويقصد ملكى صادق) فإنه يكون أقل من الطبيعة الإلهية ويكون بالحرى من ضمن المخلوقات، ويسجد معها لله، ولا يُقدِّس ذاته لأن الذي يُقدس هو أسمى ولا يحتاج أن تتقدس طبيعته من آخر “. انظر جلافيرا (تعليقات لامعة). ترجمة الباحث جورج عوض إبراهيم، المقالة الثانية عن سفر التكوين. نُشرت بالكتاب الشهرى للشباب والخدام، ديسمبر 2004.
[135] هذا بالطبع هو فكر الهراطقة غير المستقيم. فالحقيقة أن الابن هو ـ مثله مثل الآب ـ قدوس حسب طبيعته. وفي موضع آخر وفي سياق شرحه لملابس هرون الكهنوتية وعلاقتها “بسر المسيح” فإن ق. كيرلس قد فسّر عبارة “قدس للرب” المكتوبة على صفيحة من ذهب على عمامة هارون، بأنها هى عبارة تخص الابن المتجسد غير أنها لا تصفه بأنه محتاج للقداسة إذ هو قدوس حسب طبيعته الإلهية ولا يحتاج إلى التقديس من آخر، إنما هى تعنى أن الابن قد عيّن خصيصًا وأُرسل إلى العالم لخلاص وتقديس البشرية. انظر السجود والعبادة بالروح والحق، المقالة الحادية عشر.
EPE. qes/nikh 1999. T. 132.
[136] سبق أن عالج ق. أثناسيوس نفس هذه القضية في مقالته ضد الآريوسيين الذين أنكروا ألوهية الابن وبالتالى بنوّته حسب الطبيعة للآب، وبالتالى عدم قدرته على أن يجعلنا ـ بقبول روحه ـ أبناءً لله الآب. انظر المقالة الثانية 51:2.
[138] وقد سبق أن تحدث القديس كيرلس عن الطبيعة الإلهية الواحدة في ثلاثة أقانيم وذلك في الجزء الأول من حوار حول الثالوث ص62ـ63، فقال: [ حينما نقول الطبيعة، فإنما نعنى كل الثالوث القدوس في الله الواحد، ولا نعنى كل أقنوم على حدة، بينما حين نتناول البحث في ” الآب والابن والروح القدس ” فإننا لا نقصد كشف كل الطبيعة الإلهية بلا تمييز، ولكننا نبدأ بقدر الإمكان بتمييز الأقانيم كل أقنوم بحسب خاصيته، لنصل إلى إدراك وحدتهم الجوهرية، حسب طاقتنا ]. ويقول ق. أثناسيوس عن أهمية أن يكون التعليم اللاهوتى هو في الأساس تعليمًا عن الثالوث: ” فإذ كان التعليم عن الله كاملاً الآن على أساس فهمه كثالوث فهذه هى الديانة والعبادة الحقيقية والوحيدة وهذا هو الصلاح والحق. وهذا هو الواجب أن يكون هكذا دائمًا “. المقالة الأولى ضد الآريوسيين، مركز دراسات الآباء، القاهرة 2002. فقرة 18
[139] رو29:8. يكرر ق. كيرلس نفس هذه العبارة تقريبًا في إطار شرحه المفصّل لآية يو27:6 “الذي يعطيكم ابن الإنسان لأن هذا قد ختمه الله الآب ” ويدلّل على أن لفظ “ختمه” دليل على وحدة الجوهر للآب والابن. راجع شرح إنجيل يوحنا، إصدار المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، ج3 فصل5.
The Image of God in Man according to Cyril of Alexandria by Walter J. Burghardt, Mary Land, 1957.
[141] في هذا الجزء يوضح ق. كيرلس ألوهية الروح القدس وذلك من خلال علاقته بالآب والابن حيث إن الأقانيم الثلاثة لهم نفس الجوهر الواحد هذا من جهة ومن جهة أخرى يوضح ألوهيته من خلال عمل الروح القدس كرب وإله فينا حيث يعطينا بهاء ومجد البنوّة ويقدّسنا. ومن الجدير بالذكر أن ق. كيرلس هنا يتبع نفس أسلوب وتعاليم ق. أثناسيوس في معالجة هذه القضية. راجع كتاب الروح القدس: الرسائل إلى الأسقف سرابيون الرسالة الثالثة.
1 انظر ق. أثناسيوس. الروح القدس. المرجع السابق، الرسالة 1:3.
[146] الإعتراف بألوهية الروح القدس أمر جوهرى في عقيدتنا المسيحية وهذا الأمر استدعى إنعقاد مجمع القسطنطينية 381م لمواجهة التعاليم التي أنكرت أن الروح القدس رب محيي وأنه واحد في الجوهر مع الآب والابن. ولأن الروح القدس هو روح الابن أيضًا فلم يكن غريبًا على الآريوسيين أن ينكروا أيضًا ألوهيته كما أنكروا ألوهية الابن وفي هذا يقول ق. أثناسيوس: ” إن هذا التفكير ليس غريبًا على الآريوسيين لأنهم أنكروا كلمة الله فإنه من الطبيعى أن ينطقوا بنفس التجديف ضد= =روحه”. انظر كتاب الرسائل عن الروح القدس إلى الأسقف سرابيون، مركز دراسات الآباء، القاهرة 1994 رسالة 1 فقرة 2.
[148] تعرّض أقنوم الروح القدس وهو الأقنوم الثالث الأقدس لهجوم حاد من الهراطقة في القرون الأولى للمسيحية، الأمر الذي تصدى له آباء الكنيسة الكبار مثل القديس أثناسيوس والقديس ديديموس الضرير، والقديس باسيليوس الكبير والقديس غريغوريوس اللاهوتى، والقديس أمبروسيوس أسقف ميلانو. وبعد أن عبّرت الكنيسة في مجمعها المسكونى الثانى عن عقيدتها بألوهية الروح القدس جاءت النصوص الليتورجية كى تؤكد على الإيمان الثالوثى بالآب والابن والروح القدس. راجع د. جوزيف موريس فلتس، تعاليم عقيدية في النصوص الليتورجية، إصدار المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، الفصل الثالث: ألوهية الروح القدس، اكتوبر 2004 ص36ـ48.
[149] ورغم السهولة في التأكيد من خلال آيات الكتاب المقدس على أن الابن الوحيد له خصائص الله الآب، إلاّ أن الهراطقة قد أساءوا فهم وتفسير هذه الآيات الأمر الذي أدى بهم إلى إنكار ألوهية الابن. ولقد سبق للقديس أثناسيوس أن تناول كل الآيات التي أساء الآريوسيون فهمها وقام بشرحها حسب إيمان الكنيسة الذي تسلّمته بالتقليد وذلك في مقالات ثلاثة بعنوان ضد الآريوسين، وهى المقالات التي نشير إليها باستمرار في هوامش هذا الكتاب إصدار مركز دراسات الآباء. ولقد إعتمد ق. كيرلس ـ كما جاء في المقدمة ـ على هذه المقالات في كتابه هذا “حوار حول الثالوث” غير أنه استخدم آيات إضافية ـ كما يتضح من كلامه هنا ـ ليثبت بها حقيقة ألوهية الابن المتجسد.
[152] يو21:5. انظر الشاهد رقم 1 ص49 حيث أشار ق. كيرلس لنفس الآية.
[153] يو37:10ـ38. يعلّق ق. كيرلس على قول الرب ” أنا في الآب والآب فيّ ” (يو10:14) وأيضًا ” أنا والآب واحد ” (يو30:10) بقوله: ” إن ما يجعل الابن يقول هذا ليس فقط لأن الابن يرغب نفس الأمور كالآب وليس فقط لأنه يملك إرادة واحدة معه، بل ما يجعله هكذا هو أنه المولود الأصيل لجوهر الآب. فهو يقول إنه يريد ويتكلّم ويملك نفس فاعلية الآب وبسهولة ينجز ما يريد مثلما يفعل الآب وهكذا يُعترف به من كل ناحية أنه من نفس الجوهر مع الآب وهو ثمرة حقيقية لجوهره “. شرح إنجيل يوحنا، المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، القاهرة 2003م، ج5 ص159. وكما إمتد تعليم ق. كيرلس عن وحدة الجوهر الإلهى للآب والابن إلى التعليم عن الأقانيم الثلاثة في الجوهر الواحد وذلك في تعامله مع الآية ” كما أرسلنى الآب الحيّ وأنا حيّ بالآب ” (يو57:6) (انظر هامش 2 ص35) نجده يقول في شرح (يو37:10ـ38): [ إن وحدة الجوهر= =تجعل الآب يُرى في الابن والابن يُرى في الآب … رغم أننا ندرك الثالوث القدوس على أنه قائم في أقانيم ثلاثة لأن الآب هو الآب وليس هو الابن وأيضًا الابن هو الابن وليس هو الآب؛ والروح القدس هو الروح (وليس هو الآب أو الابن) ومع ذلك فلا يوجد بينهم أى إختلاف بل هم في شركة ووحدة الواحد مع الآخر ]. انظر شرح إنجيل يوحنا، المرجع السابق ص158.
[157] يو16:1. انظر شاهد رقم 3 ص16 حيث استخدم ق. كيرلس نفس الآية. في إطار شرحه لإنجيل يوحنا وهنا يستخدمها ليثبت بها أن الابن ليس أقل من الآب بل هو واحد معه في الجوهر ويقول: [ إذا كان الابن هو الملء ” لأن من ملئه نحن جميعًا أخذنا ” فما هو مكانه الحقيقي وهو أقل من الآب كما يدعون؟ لأن الأشياء المختلفة تمامًا لا يمكن مصالحتها ووضعها في وحدة. فكيف يكون الابن الملء وفي نفس الوقت أقل من الآب؟ ]. شرح إنجيل يوحنا، مركز دراسات الآباء، القاهرة 1989م، ج1 ص29.
[158] وهذا ما تشدّد عليه الكنيسة أيضًا في صلواتها الليتورجية عندما يصلى الكاهن في لحن H ¢g£ph’ قائلاً: ” محبة الله الآب ونعمة الابن الوحيد ربنا وإلهنا ومخلّصنا يسوع المسيح، وشركة وموهبة الروح القدس تكون مع جميعكم “. انظر الخولاجى المقدس، طبعة دير البراموس 2002 ص323.
[160] يع17:1. يشدّد الآباء ومنهم أيضًا ق. أثناسيوس على وحدة العمل لأقانيم الثالوث الواحد في الجوهر فيقول في سياق إستشهاده بالآية ” نعمة ربنا يسوع المسيح ومحبة وشركة الروح القدس مع جميعكم ” (2كو13:13): [ لأن هذه النعمة والهبة تعطى في الثالوث من الآب بالابن في الروح القدس. وكما أن النعمة المعطاة هى من الآب بالابن، هكذا فإنه لا يكون لنا شركة في العطية إلاّ في الروح القدس ]. الرسائل عن الروح القدس. المرجع السابق، الرسالة الأولى: 31.
[162] عن وصف الهراطقة للابن ” بالخادم ” الذي لا سلطة له يقول ق. كيرلس: [ وعندما يسمع الهراطقة أن ” كل شئ به كان ” تأخذهم الحمى فيسرعون ويطلقون عليه اسم الخادم ويحلمون بأن الابن عبد وليس حر وعابد وليس الرب ]. شرح إنجيل يوحنا، مركز دراسات الآباء، القاهرة 1989م، ج1 ص64. ويرّد على هذه الأفكار ويقول: [ وعندما يسمعون ” وبغيره لم يكن شئ مما كان ” لا يفكرون فيما يليق بعظمة وكرامة الابن. ولكن إذا كان الآب لا يخلق إلاّ بالابن أى بحكمته وقوته، والإنجيلى يقول لا شئ مما كان قد خُلق بدون الابن فإن النتيجة النهائية أن الابن الوحيد هو مجد الله الآب (لأنه يُمجد كخالق بالابن) لأن الابن يعمل كل شئ ويُحضر من العدم إلى الوجود كل الكائنات ]. المرجع السابق ص46. ويتابع ق. كيرلس في الصفحات التالية من نفس المرجع بطرق عديدة دحض هذه التسمية وهذا الوصف. هذا ولقد فنّد ق. كيرلس زعم المعارضين بأن الروح القدس أيضًا ليس هو الله إذ أنه حسب تعاليمهم يفعل فينا ملء الآب والابن كخادم. انظر ص19 من هذا الحوار وهامش (1) ص20.
[163] يورد ق. كيرلس عدة حقائق لإثبات ألوهية الابن وأنه ليس أقل من الآب. ومن هذه الحقائق إرساله الروح القدس لتقديس البشر فيقول في موضع آخر: ” إذا كان الابن أقل والآب أعظم فكل منهما بشكل مختلف يمنح لنا التقديس. يمنحه الابن بشكل أقل والآب بشكل أعظم. فماذا عن الروح القدس؟ هل سيعمل عملاً مزدوجًا: أقل مع الابن وأعظم مع الآب؟ والذين سوف يُقدَسون بالآب سوف يُقدَسون بشكل كامل. أما الذين سيُقدَسون بالابن سوف يقدّسون بشكل أقل. هذه غباوة عظيمة فالروح القدس واحد في كماله وفي تقديسه وهو يُعطىَ مجانًا من الآب بواسطة الابن طبيعيًا. فليس الابن أقل من الآب الكامل. بل هو يعمل كل شئ مع الآب وله الروح القدس روح الآب الذي وَلَده. وهو صالح وكامل وحر وله كيانه الخاص به مثل الآب تمامًا “. شرح إنجيل يوحنا، مركز دراسات الآباء، القاهرة 1989م، ج1 ص31.
[164] هذه هى الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته (يو3:17). الإيمان بالمسيح يدخلنا إلى معرفة الله الآب وشركة الروح القدس الحقيقية وهكذا نعترف بأقانيم الثالوث المساوى في الجوهر. وهذا الإيمان يبعدنا عن ضلال تعدد الآلهة أو كما يقول ق. أثناسيوس: ” وإذًا يوجد ثالوث قدوس وكامل يُعترف بلاهوته في الآب والابن والروح القدس … وهو مساو وغير منقسم في الطبيعة وفعله واحد … وليس بأقل من هؤلاء الثلاثة تعتقد الكنيسة الجامعة لئلا تنزلق إلى أفكار اليهود المعاصرين الرديئة وإلى أفكار سابيليوس كما أنها لا تعتقد بأكثر من ثلاثة لئلا تتدحرج إلى تعدد الآلهة “. الرسائل عن الروح القدس. المرجع السابق. الرسالة الأولى: 28.
[165] تحدّث ق. أثناسيوس بالتفصيل عن ضلالات عبادات الوثنيين وما كانوا يفعلونه من أمور شائنة، انظر ق. أثناسيوس. الرسالة إلى الوثنيين. ترجمة القمص مرقص داود. مكتبة المحبة 1981.
[168] يو18:3. يشرح ق. كيرلس هذه الآية موضحًا أهمية الإيمان بألوهية الابن المتجسد إذ أنه هو الذي يدين وهو الذي يعطينا ألاّ ندان فيقول: [.. يكشف الرب عن مدى فداحة وخطورة جريمة الكفر به، إذ هو الابن وهو الوحيد الجنس لأنه إن كان الذي يهان يستحق الإيمان به، فكم بالحرى يستحق الدينونة ذاك الذي يحتقره، بسبب تعديه الرهيب وهو يقول ” مَن لا يؤمن به قد دينَ إذ قد جلب على نفسه فعلاً الحكم العادل بالعقاب إذ يرفض عن وعى ذاك الذي يعطينا ألاّ ندان ]. انظر شرح إنجيل يوحنا، إصدار مركز دراسات الآباء، القاهرة 1995، ج2 ص27.
[172] يو27:10ـ28. يستشهد ق. كيرلس بهذه الآية هنا ليثبت وحدة الجوهر الإلهى للآب والابن وأن كل ما يعمله الآب يعمله الابن أيضًا كمخلّص. وفي موضع آخر يشرح هذه الآية ليثبت بها أيضًا ألوهية الابن واهب الحياة فيقول: [ وكونه يعطى حياته فهو بيّن أنه هو “الحياة” بطبيعته وأنه يهب هذه الحياة من نفسه لا كمَن ينالها من آخر ]. شرح إنجيل يوحنا، المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، القاهرة 2003م. ج5 ص149.
[188] يقصد بقول الكتاب: ” الذي لم يشفق على ابنه“، حيث إن النص اليونانى يَرِد به تعبير ابنه الخاص أو الذاتى “ ƒdiÕu Uƒoà “.
[189] هذا التعبير “ابنه الذاتى أو ابنه الخاص” سبق أن إستعمله وكرره كثيرًا ق. أثناسيوس وذلك في إطار دفاعه عن ألوهية الابن. وهنا يتضح أيضًا تأثر ق. كيرلس بتعاليم ق. أثناسيوس وبكتاباته وحتى بسؤاله وبتعجبه ممن يقول إن الابن غريب عن جوهر الآب عندما كتب ق. أثناسيوس: [ متى إذًا كان الله موجودًا بدون ما هو خاص به ذاتيًا؟ أو كيف يظن أحد أن ما هو خاص به ذاتيًا هو غريب ومن جوهر مختلف ]. انظر المقالة الأولى ضد الآريوسيين، إصدار مركز دراسات الآباء، الطبعة الثالثة، القاهرة 2000 فقرة 19ـ20.
[190] مز6:82. يستخدم ق. كيرلس نفس هذا المزمور في شرحه للآية ” كل شئ به كان وبغيره لم يكن شئ مما كان (يو3:1) وذلك لإيضاح أن الابن هو بالطبيعة خالق مع الآب وهو من جوهر الآب فيقول: [ يذكر الإنجيلى الكرامة الإلهية الخاصة بالابن لكى يوضح بشكل أكيد أنه واحد في الجوهر مع الله الذي وَلَده وأن كل ما يخص الآب يخص الابن أيضًا ولذلك يجب أن نعتقد أنه الإله الحق، وليس كمَن نال لقب الألوهية التي تُعطى بالنعمة وحدها حسب الكلمات ” أنا قلت أنكم آلهة وبنى العلى كلكم ” أما هو فغير ذلك تمامًا، لأن كل شئ به كان ]. شرح إنجيل يوحنا ج1، مركز دراسات الآباء، القاهرة 1989م، ص60. وعندما يتعرّض لشرح المعنى الذي وصف به القديس يوحنا الابن بأنه ” النور الحقيقي ” فإنه يعود لإستخدام نفس المزمور السابق ليبيّن الفرق الجوهرى بين كون الابن هو النور الحقيقي وبين كون التلاميذ نورًا للعالم كما دعاهم الرب (مت14:5)، حيث إدعى المعارضون أنه لا يوجد فرق بين الابن وباقى المخلوقات ولقد أجابهم ق. كيرلس قائلاً: [ نحن أبناء الله بل دعينا آلهة في الأسفار الإلهية حسب المكتوب ” ألم أقل أنكم آلهة وبنو العلى كلكم ” هل يعنى هذا أن نتخلى عن كياننا ونرتفع إلى جو اللاهوت غير المنطوق به وأن نخلع الابن الكلمة من بنوّته ونجلس نحن في مكانه مع الآب ونجعل محبة الذي أكرمنا عذرًا للكفر؟ حاشا لله فالابن هو كائن غير متغيّر. أما نحن فبالتبنى صرنا أبناء وآلهة بالنعمة غير جاهلين مَن نحن، وعلى نفس القياس لا نؤمن أن القديسين هم النور أما النور الحقيقي … فهو الذي ينير كل إنسان آت إلى العالم ]. المرجع السابق ص103.
[191] كما نردد في قانون إيمان نيقية ـ القسطنطينية عن الابن ـ وكلمة الله أنه ” إله حق من إله حق “.
[192] تعبير [ ابنًا ذاتيًا (خاصًا) ] له مدلول لاهوتى عميق يوضّح ويشدّد على العلاقة الجوهرية للابن بالآب وقد شرح القديس أثناسيوس أبعاد هذا التعبير بإسهاب في مقالته الأولى ضد الآريوسيين فقرات 14ـ16.
[194] ربما كان القديس كيرلس هو الوحيد من بين آباء الكنيسة المعلّمين، الذي أعطى لهذه الآية مثل هذا التفسير الذي يشدّد به على وحدة الجوهر بين الآب والابن.
[195] يقصد أن المسيح له المجد إتخذ لنفسه طبيعة بشرّية مثل طبيعتنا البشرية تمامًا ما عدا الخطية وحدها.
[197] لقد أساء الآريوسيون فهم الآية ” بكر كل الخليقة ” كو15:1. وفسروها خطئًا على أن الابن وكلمة الله هو مخلوق. لهذا أعطى ق. أثناسيوس الشرح المستقيم لهذه الآية مدافعًا عن ألوهية الابن المتجسد موضحًا أنه ” دُعيّ بكر الخليقة ليس بسبب نفسه كما لو كان مخلوقًا ولا بسبب أن له علاقة ما من جهة الجوهر مع كل الخليقة، بل لأن الكلمة ـ من البدء ـ عندما خلق المخلوقات تنازل إلى مستواها حتى يتيسر لها أن تأتى إلى الوجود. لأن المخلوقات ما كان ممكنًا لها أن تحتمل طبيعته التي هى بهاء الآب الخالص. لو لم يتنازل بحب الآب للبشر ويعضّدها ويمسك بها ويحضرها إلى الوجود “. انظر الشرح المطوّل لهذه الآية في المقالة الثانية ضد الآريوسيين، مركز دراسات الآباء، القاهرة 2004 الطبعة الثالثة، فقرات 62ـ66.
[198] انظر التسبحة اليومية: ثيؤطوكية الأربعاء. وأيضًا ق. كيرلس: الجلافيرا: تعليقات على سفر التكوين. المقالة الثالثة.EPE. Tom. 3. s. 235
[199] يدافع ق. كيرلس بكل قوة عن عقيدة الكنيسة فيما يخص طبيعة المسيح الكلمة المتجسد وذلك ضد هرطقة نسطور الذي علّم بوجود طبيعتين منفصلتين وأنكر أن العذراء هى والدة الإله. انظر رسائل ق. كيرلس إلى نسطور ويوحنا الأنطاكى ثلاثة أجزاء، إصدار مركز دراسات الآباء. القاهرة 1988، 1989، 1995م.
[200] وفي موضع آخر من هذا الحوار عبّر ق. كيرلس عن إيمان الكنيسة بهذا بقوله: ” ونحن نرى أن الابن واحد من اثنين إذ فيه التقت الطبيعتان الإلهية والإنسانية معًا واتحدنا بشكل غير موصوف ولا يُعبّر عنه. وبكل تأكيد نحن لا نعنى أن كلمة الله قد تحوّل إلى الطبيعة الجسديّة الأرضية ولا الجسد تحوّل إلى طبيعة الكلمة … فكل منهما يبقـى في خصوصيته ولكنهما يعدان في وحدة تامة لا تنفصل “. المرجع السابق. الحوار الأول ص39.
[201] هذا ما كان يعلّم به آريوس وسجله في كتابه “ثاليا” أى المأدبة الأدبية وقد أورد ق. أثناسيوس بعضًا مما ورد في الثاليا في بداية المقالة الأولى ضد الآريوسيين فقرة 5.
[203] كانت من نتائج تجسد الابن وكلمة الله هو القضاء على الموت وعلى فساد الطبيعة البشرية وأن يعرّف البشر عن الإله الحقيقي، عن الله الآب. انظر ق. أثناسيوس. تجسد الكلمة، ترجمه عن اليونانية وتعليقات د. جوزيف موريس فلتس، إصدار المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، فصل 7:15 ص45.
[209] إتباع تعاليم القديسين وأسفار الكتاب هو الذي يضمن سلامة الإيمان المسلّم مرة، ولهذا نجد أن القديس أثناسيوس يتسآل عن مصدر تعاليم الهراطقة بقوله: ” فمَن هو الذي سلّم هذه الأمور إليهم؟ ومَن هو الذي علّمهم؟ فبالتأكيد لم يتعلّموا هذا من أحد الأسفار الإلهية، بل من فيض قلوبهم خرج هذا الجنون “. الرسائل عن الروح القدس. المرجع السابق. الرسالة الثالثة: 5.
حوار حول الثالوث ج1 (الحوار الأول والثاني) – القديس كيرلس الاسكندري
حوار حول الثالوث ج1 (الحوار الأول والثاني) – القديس كيرلس الاسكندري
المقدمة
القديس كيرلس:
القديس كيرلس الأسكندرى المعروف بعمود الدين هو أحد أبرز الآباء المعلّمين في الكنيسة الجامعة في القرون الأولى للمسيحية. وبالنسبة لكنيستنا القبطية الأرثوذكسية فهو أبرز معلّميها بعد القديس أثناسيوس الرسولى.
ومن المعروف أن القديس كيرلس قد صار بطريركًا لكرسى مار مرقس بالإسكندرية سنة 412م، وظلّ يخدم الإيمان ويقوم بالرعاية الأمينة حتى انتقاله سنة 444م.
في هذه الفترة التي تبلغ 32 عامًا، كتب القديس كيرلس عشرات الكتب في الدفاع عن الإيمان المستقيم، وفي شرح الكتاب المقدس بعهديه، وغيرها من الرسائل والعظات وموضوعات أخرى[1].
وقد درج الباحثون في علم الآباء على تقسيم كتابات القديس كيرلس إلى مرحلتين: مرحلة ما بعد ظهور النسطورية، ومرحلة ما قبل ظهورها.
ففي مرحلة ما بعد ظهور النسطورية (428ـ444م) كرّس ق. كيرلس معظم كتاباته للدفاع عن التعليم الصحيح حول طبيعة المسيح ضد البدعة النسطورية، وهو الدفاع الذي صار سببًا في شهرته بلقب عمود الدين. ولكن القديس كيرلس كان مدافعًا عن الإيمان المستقيم من قبل ظهور البدعة النسطورية.
ففي المرحلة الأولى من خدمته (412 ـ 428م)، أى ما قبل ظهور البدعة النسطورية، دافع ق. كيرلس أيضًا عن الإيمان المستقيم إذ أنه كان قد انشغل ـ في قسم من هذه المرحلة ـ بالدفاع عن إلوهية المسيح ابن الله ومساواته للآب في الجوهر ضد البدعة الآريوسية، وذلك في كتابين هما ” الكنز في الثالوث “، ” حوار حول الثالوث “.
التعليم عن الثالوث
I ـ عقيدة الثالوث القدوس المساوى في الجوهر:
نحاول أولاً إيضاح أهمية عقيدة الثالوث القدوس لإيماننا المسيحي وحياتنا وخلاصنا وكيف علّم آباء الكنيسة ـ وبالأكثر ق. أثناسيوس ـ عنها لأن كتاباته العقيدية كانت هى مصدر أساسي لتعاليم ق. كيرلس عن هذه العقيدة الخلاصية، بل أن الأخير قد اتخذ منهج ق. أثناسيوس في فهم وشرح عقيدة الثالوث ـ كما سنرى بالتفصيل فيما بعد ـ منهجًا له.
إن عقيدة الثالوث القدوس، أى الآب والابن والروح القدس، الأقانيم الثلاثة المتساوون في الجوهر وذوو القداسة الكليّة، هى الأساس الراسخ لكل فكر ديني وتقوي ولكل الحياة والخبرة الروحية، فالنفس المسيحية في بحثها عن الله هى في الواقع تبحث وتفتش عن الثالوث[1].
وعقيدة الثالوث القدوس ليست من اختراع بشر، بل هى حقيقة أعلنها الله نفسه لأجل خلاص الإنسان، أو كما يدعوها ق. غريغوريوس النيسي بـ “العقيدة الخلاصية”[2]، لأنها عطية الله لنا لأجل خلاصنا. وبالتالي فعقيدة الثالوث ـ مثلها مثل كل العقائد الإيمانية ـ ليست هى نتيجة لفكر بشري بل أن جذورها هى في الاعلان الإلهي، ومنه تستمد كل تعاليمها وبه ترتبط كل الإرتباط. وبحسب التعليم الأرثوذكسي فإنه لا توجد عقيدة غير نابعة من ذلك الاعلان الإلهي الذي تم في المسيح يسوع ” فالله لم يعرفه أحد قط، الابن الوحيد الذي في حضنه هو الذي خبر“[3]. والابن وكلمة الله، عندما أُستعلن، كشف لنا سر الثالوث فهو الذي “ أظهر لنا نور الآب وأعطانا شركة الروح القدس الحقيقية“[4]. لهذا فإن الإنسان لا يستطيع بقوته أن يكتشف الحقيقة، فالعقل المحدود لا يستطيع أن يدرك الحقيقة التي هى فوق كل إدراك. وبالتالي فعقيدة الثالوث ليست هى نتيجة أفكار بشرّية وليست لها علاقة بالمعرفة والحكمة البشرّية، والمعرفة البشرّية بالتالي ليست هى مصدر عقيدة الثالوث كما أنها لا يمكن أن تكون حكمًا عليها، كما أن لا التاريخ ولا الخبرة الدينية يمكن أن تفعل هذا. فعقيدة الثالوث ليست هى ثمرة تجارب أو خبرات تاريخية ودينية. فالإنسان لا يستطيع أن يصل إلى هذه العقيدة بل هى أُعطيت للإنسان. فأصلها أبعد من قدرات الإنسان إذ هى واقع آخر يفوق واقعه الحالي وتختلف عنه في النوع. فالمسيح الإله الحيّ هو الذي أعلن وكشف لنا عن هذه الحقيقة. وهدف كل عقيدة هى الحياة في المسيح. ولهذا فهذه العقيدة أو بمعنى آخر هذه الحقيقة قد أُعطيت للإنسان لكى تقوده إلى علاقة مع الله مثلث الأقانيم وشركة في حياة الثالوث القدوس كما يقول ق. يوحنا “ أما شركتنا نحن فهى مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح“[5] في الروح القدس.
ولقد أدرك آباء الكنيسة تلك الحقيقة وعاشوها، لهذا نجد مثلاً أن القديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات يصف عقيدة الثالوث القدوس بأنها “رأس الإيمان” ويشدّد القديس أثناسيوس أيضًا على أن الكنيسة قد تأسست على الإيمان بهذه العقيدة والتي بدونها لا يمكن أن يكون المرء مسيحيًا فيقول “دعونا ننظر إلى تقليد الكنيسة وتعليمها وإيمانها الذي هو منذ البداية والذي أعطاه الرب وكرز به الرسل وحفظه الآباء وعلى هذا الأساس تأسست الكنيسة ومَن يسقط منه فلن يكون مسيحيًا ولا ينبغي أن يدعى كذلك فيما بعد. وإذن يوجد ثالوث قدوس وكامل يُعتّرف بلاهوته في الآب والابن والروح القدس”[6].
لقد أوصى الرب القائم من بين الأموات، تلاميذه عندما التقاهم في الجليل بعد القيامة قائلاً: ” اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس“[7]، وهذا الإيمان بالثالوث هو الذي أعطاه الرب وكرز به الرسل وحفظه الآباء كما قال ق. أثناسيوس، غير أن حقيقة الثالوث لم تبدأ بتجسد الابن الوحيد، بل هى حقيقة أبدية، إذ نجد أن في العهد القديم نصوصًا استشف منها الآباء ما يوضح حقيقة الثالوث مثل قول الرب في صيغة الجمع ” لنخلق الإنسان على صورتنا كشبهنا“[8]، غير أنه بتجسد الابن الوحيد استُعلنت طبيعة الله وحقيقته، وكُشف لنا سر الثالوث القدوس كاملاً.
وبالرغم من أن الرسل قد آمنوا ثم كرزوا بما آمنوا به وعلّموا وتلمذوا كثيرين على هذه العقيدة الخلاصية إلاّ أن عقيدة الثالوث قد تعرّضت على مر العصور الأولى للمسيحية لهجوم كثير من الهراطقة الذين علّموا بأفكار متعددة وخاطئة، فمنهم من اتهم المسيحيين بأنهم يعبدون ثلاثة آلهة مثلهم مثل الوثنيين الذين كانوا يؤمنون بتعدد الآلهة، ومنهم من أنكر عليهم إيمانهم بإلوهية الابن المتجسد، فأنكروا علاقته الجوهرية بالآب وغيرهم من الذين بعدما أنكروا إلوهية الابن حاسبين إياه من بين المخلوقات، تحول هجومهم ضد الأقنوم الثالث فأنكروا إلوهية الروح القدس.
وهذه التعاليم الخاطئة سواء كانت ضد إلوهية الابن أو إلوهية الروح القدس، هى في الواقع موجهة ضد عقيدة الثالوث القدوس لأن إنكار إلوهية أى من الأقانيم الثلاثة هو إنكار لعقيدة الثالوث كلها حتى وإن كانت الهرطقات قد وجَهَت سهامها إلى أقنومي الابن والروح القدس فقط.
هذا ولقد وصلت هذه التعاليم الخاطئة إلى ذروتها بظهور بدعة آريوس الذي أنكر إلوهية الابن، الأمر الذي واجهته الكنيسة بكل حزم وشدة متمثلة في موقف ق. أثناسيوس وقرارات مجمع نيقية الأول 325م والذي حدّد موقف الكنيسة وإيمانها بإلوهية الابن المتجسد ومساواته في الجوهر لله الآب. وأيضًا بظهور بدعة مقدونيوس التي أنكرت إلوهية الروح القدس فجاء انعقاد المجمع المسكوني الثاني في القسطنطينية 381م ليعبّر عن إيمان الكنيسة الجامعة بربوبية الروح القدس المحيي والمسجود له مع الآب والابن.. وهكذا استطاع الآباء أن يحدّدوا صياغة عقيدة الثالوث ويردوا على التعاليم الخاطئة التي علّم بها الهراطقة سواء عن طريق الصياغة التي أقروها في مجمعي نيقية والقسطنطينية أو في كتاباتهم الدفاعية التي سجلوا فيها تعاليمهم عن إلوهية الابن وولادته الأزلية من الآب ومساواته في الجوهر للآب والروح القدس، أو تلك التي سجلوا فيها تعاليمهم عن إلوهية الروح القدس وانبثاقه من الآب وإرساله بالابن وأنه من ذات جوهر الآب والابن.
ولقد كان القديس أثناسيوس الرسولي من بين هؤلاء الآباء الذين دافعوا عن عقيدة الثالوث. غير أن دفاعه عن إلوهية أقانيم الثالوث قد تميّز ببعده الخلاصي والكياني، فمن الواضح تمامًا أن مدخل ق. أثناسيوس إلى فهم وشرح عقيدة الثالوث القدوس كان يقوم على أساس أعمال الله الخلاصية والإعلانية التي تحققت في ظهور ابنه الوحيد بالجسد. ومن خلال مفهوم ” هوموأوسيوس ÐmooÚsioj ” كان القديس أثناسيوس يصل إلى العلاقات الأزلية والتمايز داخل جوهر اللاهوت الواحد[9].
لقد كان شغله الشاغل ـ وهو يرد على الآريوسيين الذين أنكروا إلوهية الابن المتجسد ـ هو أن يحافظ على ما أتمه المسيح من أجلنا ومن أجل خلاصنا ـ فلو لم يكن المسيح هو الله بالحقيقة كما أن الآب هو الله بالحقيقة (بسبب وحدتهما في الجوهر) لما كان في الإمكان أن يعرّفنا بالآب أو أن يفدى البشرية من الموت والفساد ولو لم يكن الابن هو الإله الذي تجسد لما كان ممكنًا ـ عندما اتحد بطبيعتنا ـ أن يعطينا الحياة الإلهية أى حياة الثالوث.
وأيضًا كان هذا البُعد الخلاصي لفهم وشرح عقيدة الثالوث القدوس واضحًا جدًا في رسائل ق. أثناسيوس عن الروح القدس والتي كتبها بين عامي 356، 361 بناء على طلب من صديقه سرابيون أسقف تيمي من أجل الرد على رفض أنصاف الآريوسيين[10]، لألوهية الروح القدس على أساس بدعة تقول إنه من “جوهر مختلف šteroÚsioj” عن الآب والابن. ولأن هذا الانحراف كان يشكّل تهديدًا واضحًا لعقيدة الثالوث القدوس وبالطبع لسر المعمودية المقدسة ـ وذلك بسبب تمزيقه لوحدة الله ـ فقد واجهه ق. أثناسيوس بنفس البراهين الخرستولوجية والخلاصية والكيانية التي استخدمها في جداله الطويل مع الآريوسيين[11] وقد ظل على تأكيده القاطع بأنه من خلال عقيدة إلوهية الروح القدس ووحدانيته في ذات الجوهر (مع الآب والابن) يكتمل فهمنا للثالوث القدوس في فكر الكنيسة وعبادتها[12].
فكما أننا نأخذ معرفتنا للآب من معرفتنا للابن فهكذا تمامًا ينبغي أيضًا أن نأخذ معرفتنا للروح القدس من معرفتنا للابن، أى من العلاقات الداخلية التي بين الآب والابن والروح القدس في جوهر الثالوث الواحد غير المنقسم[13]. وكان ق. أثناسيوس قد أقام حجته الدفاعية على أساس رؤية خلاصية، من منطلق أننا لو لم نكن في الروح القدس نُعطى علاقة مع الله، لما كان للإنجيل أى مضمون حقيقي وهو بالضبط ما كان سيحدث لو لم يكن الابن واحدًا في ذات الجوهر والقدرة مع الله الآب، فكل شئ إذًا يرتبط بحقيقة الوحدانية في ذات الجوهر التى للروح القدس والآب والابن. وبما أن الابن هو من جوهر الآب وخاص بجوهره، فكذلك روح الله الذي هو واحد مع الابن (وخاص به) لابد أن يكون معه (أى مع الابن) من جوهر الآب وواحد معه في ذات الجوهر[14].
II ـ تعاليم القديس كيرلس عن عقيدة الثالوث:
ولقد اقتفى ق. كيرلس أثار مَن سبقوه من الآباء في محاولاتهم للدفاع عن عقيدة الثالوث. غير أنه تأثر تأثرًا كبيرًا بكتابات ق. أثناسيوس الرسولى وخصوصًا تلك التي دافع فيها عن إلوهية الابن مثل مقالاته ضد الآريوسيين، وأيضًا تلك التي دافع فيها عن إلوهية الروح القدس مثل رسائله إلى الأسقف سرابيون[15]، وذلك لأن ق. كيرلس كان على قناعة تامة بأن الدفاع عن إلوهية أحد أقانيم الثالوث هو دفاع عن عقيدة الثالوث القدوس كله.
ولما كانت مسألة إلوهية أقنوم الآب غير واردة في محاورات المعارضين[16]، فإنه لم ينشغل بها في هذا الحوار[17] بل كان كل تركيزه على إيضاح إلوهية الابن والروح القدس[18].
وفي محاولته هذه اقتفى أيضًا آثار ق. أثناسيوس، مشددًا على الآتي:
1ـ أن إلوهية الابن والروح القدس هى بسبب أنهما واحد فى ذات الجوهر مع الآب ÐmooÚsioj فيقول: “إن الابن قد وُلِدَ من جوهر الله الآب وأنه إله حق من إله حق وأنه لم يولد من طبيعة غريبة ومختلفة وأن له كل ما للآب حسب الجوهر عدا كونه أبًا وإذ نحصى الروح القدس مع الآب والابن في الألوهة الواحدة فإننا هكذا نسجد لثالوث واحد مساوٍ في الجوهر الإلهى”[19].
2 ـ ” الابن لم يأتِ إلاّ من الآب إذ ولد من جوهر الله الآب “[20].
3 ـ ” الابن بطبيعته مختلف عن كل الآلهة المخلوقة ولا يحسب ضمن المخلوقات إذ هو كائن دائمًا مع أبيه وهو يُدرك دائمًا مع الذي ولده في طبيعة إلهية واحدة”[21].
4 ـ إننا قد اعتمدنا باسم الآب والابن والروح القدس وبالطبع أننا لا نؤمن بثلاثة آلهة لكن بألوهة واحدة ممجّدة في الثالوث الأقدس”[22].
وفي موضع آخر يرّد على الذين يتساءلون عن كيفية أن يكون الله واحد بينما نقول إن لكل من الآب والابن أقنومه الخاص، فيقول ” إن ما يساعدنا في فهم هذا الأمر هو أن نأخذ في الاعتبار حقيقة وحدة الجوهر تلك الوحدة التي بها يكون للأقنومين جوهر واحد مع حفظ كل ما يخص كل منهما كأقنوم”[23].
III ـ عمل الابن المتجسد فينا يشهد لألوهيته:
سبق أن أوضحنا أن القديس أثناسيوس كان يدافع عن إلوهية الابن ـ وبالتالي عن أقانيم الثالوث ـ من خلال إيضاح عمل الفداء الذي أتمه الابن المتجسد من أجلنا ومن أجل خلاصنا مبينًا أنه إن لم يكن الابن ربًا وإلهًا لم استطاع أن يأخذ ما لنا ويهبنا ما له، وهنا نجد أن ق. كيرلس يتبع نفس هذا المنهج الأسكندرى الذي يجعل من عقيدة الثالوث التي نؤمن بها واقعًا حيًا وملموسًا في حياتنا، بواسطة عمله فينا هذا من جهة، ومن جهة أخرى يمكننا أن نشهد من خلال أعمالنا أن مَنْ نؤمن به هو الله الواحد الآب والابن والروح القدس.
والجدير بالذكر أن ق. كيرلس لم يستخدم لهذا الغرض، فقط نصوصًا كتابية كان قد رجع إليها ق. أثناسيوس، لكنه استخدم بجانبها نصوصًا كتابية أخرى رأى فيها دليلاً واضحًا على إلوهية الابن من خلال عمله فينا، وفي نفس الوقت تبيّن وحدة الجوهر للآب والابن وكمثال لهذه النصوص الأخرى نستعرض الآتي[24]:
1 ـ في قول بولس الرسول عن الله ” ليكون الله الكل في الكل “[25] وعن الابن أنه هو الذي ” يملأ الكل في الكل “[26].
يرى ق. كيرلس أن هذا القول يجعلنا [ أن نفكر بأنه إن لم يكن الواحد منهما في الآخر جوهريًا فحينئذٍ فإن ملء الكل بواسطة الآب سيكون لا لزوم له لأن الملء سيكون كافيًا بواسطة الابن أو عكس ذلك إذ أنه إن كان الله الآب يملأ الكل فحينئذٍ سيكون الملء المعطى للكل من الابن بدون داع طالما أن الآب كان قادرًا أن يملأ الكل ][27]. ويجب أن نلاحظ هنا تشديده على مفهوم الاحتواء المتبادل للأقانيم داخل الجوهر الواحد، لأن هذا المفهوم يدخل ضمن مفهوم القديس أثناسيوس عن العلاقة بين الآب والابن والتي عبّر عنها بمصطلح هوموأوسيوس ÐmooÚsioj[28] والذي عبّر بصورة دقيقة وقاطعة عن الوحدانية في ذات الجوهر والعمل بين الابن المتجسد والله الآب والتي يُبنى عليها كل شئ في الإنجيل.
شاهد كتابي آخر اعتمد عليه ق. كيرلس لإيضاح نفس الحقيقة هو ما جاء على لسان القديس يوحنا اللاهوتى في الإنجيل ” ومن ملئه نحن جميعًا أخذنا ” فبعدما فند حجج المعارضين وإنكارهم لإلوهية الابن، تساءل في استنكار [ إن لم يكن للابن طبيعة مساوية لطبيعة الآب، طالما أن الابن ـ حسب ما يعتقد هؤلاء ـ أقل في جوهره من جوهر الآب، فلا أعرف كيف سيفعلان (أى الآب والابن) شيئًا في داخلنا طالما أن الابن غير مساوٍ (للآب) ومتغيّر في كل شئ، وحينئذٍ كيف سيمكن اعتبار أن ملء الآب والابن قد تم فينا؟][30].
3 ـ ” إن أحبني أحد يحفظ كلامي ويحبه أبي وإليه نأتي وعنده نصنع منزلاً “[31]. دليل آخر على إلوهية الابن ومساواته للآب في الجوهر هو سكنى الإله الواحد فينا. لأن المعارضون فهموا من الآية أنه يسكن فينا إله واحد هو الآب ولكن ليس معنى ذلك أن كون الابن هو إله فإنه يسكن فينا إلهان، ولهذا فنّد ق. كيرلس هذه الأفكار الخاطئة وأوضح إيمان الكنيسة بقوله: [ نحن نتفق على أن طبيعة الألوهة واحدة، وأن الابن ليس كما يقولون هؤلاء غريب عن الآب، وإنه إله حقيقي يأتي منه ويوجد فيه، وهكذا فإن طبيعته هى طبيعة الذي وَلَده، ولذلك فنحن لا نؤمن أنهما إلهان، لكن إله واحد وفريد يُعبد في ثالوث قدوس ][32].
4ـ ” نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا“[33]. ” فخلق الله الإنسان على صورته“[34].
رغم إجماع كثير من آباء الكنيسة ومنهم ق. كيرلس على الرجوع لهذا الشاهد (تك26:1) عند تعليمهم عن عقيدة الثالوث إلاّ أن ق. كيرلس هنا قد استخدم الشاهد الثاني (تك27:1) أيضًا تمشيًا مع منهجه الذي اقتفى فيه أثار ق. أثناسيوس وهو المنهج الذي يتسم بالبُعد الخلاصي الخرستولوجى أى بما فعله الابن المتجسد. فلأنه هو واحد مع الآب والروح القدس في الجوهر فإن تجديدنا الذي أعاد تشكيلنا على صورة الابن أرجع الإنسان إلى رتبته الأولى ليكون على شبه الله. يقول ق. كيرلس إذًا [ لأننا تشكّلنا من جديد حسب الصورة الأولى إذ ختمنا بختم الابن، كي نصبح مثله لأنه هو صورة الآب وختمه وليس هو آخر بجانب الآب وذلك بسبب الجوهر الواحد][35].
5 ـ ” أنا أظهرت اسمك للناس“، ” لستم تعرفوني أنا ولا أبي..“.
كان من نتيجة تجسد كلمة الله الابن الوحيد، أنه عرّفنا بالإله الحقيقي، فالابن إذ هو صورة الله الآب، أظهر لنا ” نور الآب وأعطانا شركة الروح القدس الحقيقية”[36] وإذ هو واحد معه في الجوهر وهو الابن الوحيد الحقيقي. فقد علّم البشر عن الآب[37]. وهنا يستشهد ق. كيرلس بما جاء على لسان المسيح له المجد في صلاته للآب “ أنا أظهرت اسمك للناس“[38]. وأيضًا ما قاله لليهود “ لستم تعرفوني أنا ولا أبي. لو عرفتموني لعرفتم أبي أيضًا“[39]. ويوضح ق. كيرلس أنه بمجىء الابن في الجسد أصبحت معرفتنا عن الله أكمل مما كانت في العهد القديم فيقول: [ وبعد الكرازة بالإنجيل توقف سريان تعاليم الناموس التي كانت تعلّم القدماء أن الله هو واحد فقط، بدون أن تتحدث عن الطبيعة الإلهية ـ الثلاثة أقانيم أو عن وحدة الجوهر، لأن هذه التعاليم هى التي تحدث عنها العهد الجديد. لأننا إن لم نؤمن أن الابن واحد مع الآب في الجوهر سيكون هناك تخبط ومتاهة ][40]. وعلى هذا الأساس فهم ق. كيرلس قول القديس بولس ” لكن ما كان لي ربحًا فهذا قد حسبته من أجل المسيح خسارة بل أنى أحسب كل شئ خسارة من أجل فضل معرفة المسيح يسوع ربي“[41].
6 ـ ” واحد هو واضع الناموس“[42]، ” الذي وحده له عدم الموت“[43].
وإلوهية الابن المتجسد ووحدته في الجوهر مع الآب والروح القدس تتضح أيضًا ليس فقط من خلال أعماله المعجزيّة التي أتمها بالجسد بل في أنه هو أيضًا الديَّان والمشرّع الذي وضع الناموس والذي وحده له عدم الموت. وإذ فهم ق. كيرلس أن المعارضين ينسبون هذه الصفات للآب وحده دون الابن، فإنه يرد قائلاً: [ هل يجب إذًا أن نؤمن أن الابن هو أقل من واضع الناموس والديّان وأنه غير أبدي؟ وأن الحياة التي فيه قد حصل عليها من خارجه؟ وماذا ستحصد من هذا الفكر غير أن الابن سيكون خاضعًا بغير إرادته للناموس والدينونة وأنه بذلك يُحصى مع الذين هم بطبيعتهم اثنين؟ وفضلاً عن ذلك كيف لا يمكن اعتبار البشارة الإلهية ـ أى الإنجيل ـ هى كذب وبهتان طالما أنها تعتمد على شهادة الابن كي تثبت حقيقتها؟ لأن الابن قال في الإنجيل ” أنا هو الحياة” بينما هو ـ حسب اعتقادهم ـ ليس عديم الموت لأن الآب فقط هو الذي لا يموت][44]. ويشدّد على حقيقة الابن فيقول إنه هو ” الديان وواضع الناموس” ويستشهد بقول المسيح نفسه لليهود ” قد سمعتم أنه قيل للقدماء لا تزن أما أنا فأقول لكم إنه مَن ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه“[45]. وأيضًا يستحضر شهادة ق. يوحنا الإنجيلي ” لأن الآب لا يدين أحدًا بل قد أعطى كل الدينونة للابن“[46]. ومن الواضح هنا اعتماد ق. كيرلس على إيمان الكنيسة الذي قد حدّده الآباء في مجمع نيقية ـ القسطنطينية عندما ذكروا في قانون الإيمان عن الابن المتجسد الذي صلب وقبر وقام وصعد، أنه ” أيضًا سيأتي في مجده ليدين الأحياء والأموات” معبّرين بذلك عن إلوهيته ومساواته للآب في الجوهر. وأخيرًا يؤكد على هذه الحقيقة بقوله: [هذا أمر غير مشكوك فيه بالمرة أن مَن له دائمًا مجد المشرّع (واضع الناموس) يجب أن يكون وبطريقة طبيعية هو الديَّان][47]. وبسبب الوحدة الجوهرية للآب والابن فإن الابن له خاصية عدم الموت مثله مثل الآب [ إن كان الله الآب هو مَن له خاصية عدم الموت، فإن الابن أيضًا له نفس الخاصية في جوهره وهو بالتأكيد عديم الموت بمعنى أن طبيعته غير مائتة ومشرقة ببهاء خصائص طبيعة الذي ولده][48] ولهما أيضًا فعل واحد ومماثل يتضح في أنهما يهبان الحياة لمن يشاء ” لأنه كما أن الآب يقيم من الأموات ويحيي كذلك الابن أيضًا يحيي مَن يشاء“[49].
7 ـ ” أما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله أى المؤمنين باسمه“[50].
شاهد كتابي آخر يوضح عملاً خلاصيًا آخر يتممه الابن الوحيد فينا، نحن الذين نؤمن به، وهو أنه يصيّرنا أبناءً لله، ويخلص ق. كيرلس إلى أن هذا لم يكن ليتم لو لم يكن الابن المتجسد هو ابن الله بالطبيعة. ويحذر ق. كيرلس من قبول عكس ذلك بقوله: [ انتبه إذًا يا صديقي إلى النتيجة التي يمكن أن يصل إليها الحديث عن الابن الوحيد لو أنه أصبح مساويًا لنا نحن الذين دُعينا للبنوة، لأنه لا يمكن أن يصير الإنسان المخلوق ابنًا إلاّ عن طريق ابن الله وبواسطة نعمة الروح القدس، وهذا ما يؤكده الرسول بولس بقوله ” وبما أنكم أبناء أرسل الله روح ابنه إلى قلوبكم صارخًا يا أبا الآب“][51]. [ فإن كان الأمر هكذا ففيمَنْ سيصير الابن ابنًا هو أيضًا؟ لأني لا أعتقد أنهم سيقولون إنه صار ابنًا بذاته في ذاته على الرغم من أنه حُسب بين الذين دعوا أبناء بالتبني طالما أنه ـ حسب فكرهم قد استبعد عن أن يكون ابنًا حقيقيًا بالطبيعة][52]. وسكنى الابن بالروح القدس تجعلنا أبناء بالتبني وتحضرنا إلى علاقة أبوة الله لنا لأن [ كل كلامنا هنا هو عن الإيمان بالطبيعة الإلهية الواحدة والتي هى في ثلاثة أقانيم متمايزة ولها نفس الجوهر فهى تمثل إلهًا واحدًا أسمى من الكل والذي نتشكل على هيئته كما يقول الكتاب، ولكننا نأخذ ختم التبني عن طريق الابن بالروح القدس، فالبنوة هى صورة الابن والأبوة هى صورة الآب، إذًا فنحن أبناء بسبب الابن كما أننا على صورة الله وشبهه إذ قد خلقنا هكذا منذ البداية على صورة كمال الطبيعة (الإلهية) أعني الطبيعة الفائقة ][53].
8 ـ ” بهذا نعرف أننا نثبت فيه وهو فينا أنه قد أعطانا من روحه“[54]. جانب آخر من العمل الخلاصي الذي ساعد ق. كيرلس في فهم وشرح عقيدة الثالوث هو ثباتنا في الله وتقديسنا عن طريق روحه القدوس. ومرة أخرى يشدّد ق. كيرلس على المساواة في الجوهر للأقانيم الثلاثة والتي هى أساس العمل الواحد والفعل الواحد الخلاصي الذي تم فينا. فالروح القدس رب محيي يثبّت ويقدّس البشر، وهو يتمّم هذا لأنه هو روح الابن الذي هو إله بالحقيقة مولود من جوهر الله الآب، لذا وضع ق. كيرلس هذه الآية من رسالة ق. يوحنا أمامه ورأى فيها بكل وضوح الوحدة الجوهرية للآب والابن والروح القدس من خلال عملهم وفعلهم الواحد، لهذا تعجب ممن لم يستطيعوا أن يدركوا كيف [ أن الابن هو إله بالحقيقة وأنه قد جاء من جوهر الآب، حيث إن روحه الساكن فينا هو الله وليس شيئًا آخر؟][55]. وأضاف قائلاً [ لو لم يكن روح الآب هو الله ـ الذي به يُعطى حياة وقداسة للبشر ـ هو روح الابن أيضًا، فمن ذا الذي يصل تفكيره إلى هذا الحد الدنئ حتى يفكر ويقول إن الابن ليس واحدًا في الجوهر مع الله الآب بل هو ضمن المخلوقات ويقول أيضًا إن الابن لا يُعطِى ولا حتى يهب البشر أن يكونوا شركاء الطبيعة الإلهية أو تلك المواهب المميزة الخاصة بها، الأمر الذي يجعله لا يكون مختلفًا بالمرة عن المخلوقات وأيضًا يجعل طبيعة المخلوقات مساوية في المجد مع تلك الطبيعة (الإلهية) التي تضبط كل الأشياء][56].
9 ـ ” كل عطية صالحة وكل موهبة تامة هى من فوق نازلة من عند أبى الأنوار الذي ليس عنده تغيير أو ظل دوران“[57].
يستخدم ق. كيرلس طريقة الحوار بالأسئلة والإجابات السابق الإشارة إليها في المقدمة ليصل إلى هدفه الذي هو إثبات إلوهية الابن، ومن خلال الوحدة الجوهرية للأقانيم يصل إلى أن الثالوث القدوس هو رب وإله واحد. وهنا يتوقف أمام هذه الآية ويتساءل حتى يعطى إجابة تخدم هدفه وتثبّت التعليم القويم فيقول: من أين تتوزع علينا الهبات الإلهية؟ لقد ظن مَن أنكروا إلوهية الابن أن الآية تتكلّم صراحةً على أن هذه الهبات تأتي لنا فقط من عند الله الآب، وهم في هذا أنكروا على الابن مساواته في الجوهر للآب والروح القدس وبالتالي أنكروا عليه وحدة العمل والفعل بينهما. غير أن الواقع العملي في حياة مَن يؤمنون بالمسيح يشهد بعكس ذلك لأن [ المسيح أعطى للرسل السلطان كى يخرجوا الشياطين ويشفوا الأمراض وكل ضعف بين الناس والأمر الأعظم من كل هذا أنه أعطاهم السلطان حتى يقدروا أن يهزموا الموت نفسه عندما حثّهم بكلام يليق به كإله ” اشفوا المرضى، طهروا برصًا، أقيموا موتى اخرجوا شياطين ” كما أن يوحنا الناطق بالإلهيات يعترف بكل وضوح قائلاً ” من ملئه نحن جميعًا أخذنا”]. ويرى ق. كيرلس أن العطية الصالحة والهبة الكاملة والتي تثبت إلوهية الابن هى أن نكون شركاء الروح القدس فيقول إن الابن [ يرسل من ملئه روحه القدوس الذي هو واحد معه في الجوهر بدون أن ينفصل عنه، وعن طريق الروح القدس يصير لنا كل عطية صالحة][58].
لقد كانت قيامة المسيح هى أعظم دليل على إلوهيته، ثم كانت عطيته الإلهية لتلاميذه أى عطية الروح القدس بعد القيامة، فهو يعطى كل العطايا بسلطة إلهية وليس كخادم يستمد سلطته من آخر [ فطالما أنه قد قام مبطلاً الفساد ومحطمًا قيود الموت فإنه جاء بنا مرة أخرى إلى القداسة معطيًا للرسل جمال الطبيعة كما كانت عندما خلق الجنس البشرى ونفخ في وجوههم قائلاً: ” اقبلوا الروح القدس“. إذًا فطالما أن كل عطية صالحة تأتي من فوق من الآب وتوزع بواسطة الابن الذي له السلطة الإلهية وليس كخادم، فبأى طريقة إذًا لا يكون واحدًا في الجوهر مع الآب الذي ولده، بمعنى كيف لا يكون إلهًا بالحق، وليس مزينًا من الخارج بكرامات مثل اللوحات المرسومة][59].
10 ـ ” إن الله كان في المسيح مصالحًا العالم بنفسه غير حاسب لهم خطاياهم واضعًا فينا كلمة المصالحة إذ نسعى كسفراء عن المسيح كأن الله يعظ بنا نطلب عن المسيح تصالحوا مع الله“[60].
إن الإيمان بالمسيح يدخلنا إلى معرفة الله الآب وشركة الروح القدس وهكذا نعترف بأقانيم الثالوث التى من نفس الجوهر وهذا الإيمان يبعدنا عن ضلال تعدد الآلهة ويصالحنا مع الله.
ويعلّق ق. كيرلس على ما كتبه بولس الرسول المشار إليها هنا قائلاً: [ عندما يأتي شخص ما للمسيح فإنه يتصالح مع الله. ومن خلال المسيح يتصالح العالم كله مع الله ][61] وهو يرى أن في هذا ما يثبت وحدة جوهر الآب والابن فهذا يستكمل قوله بسؤال استنكارى [ وبالتالي كيف لا يكون من المضحك أن يعتقد هؤلاء أن الكلمة الذي أتى من الآب وهو باق فيه، هو بعيد عن جوهر الآب ][62]. إذًا مَن يعرف الابن يعرف الآب. الإله الحقيقي أيضًا كما يشهد معلّمنا يوحنا ” هذه هى الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته “[63].
11ـ ” لأن الكل عبيدك“[64]، “هلم نسجد ونركع ونجثو أمام الرب خالقنا لأنه هو إلهنا ونحن شعب مرعاه وغنم يده“[65]، “خرافي تسمع صوتي وأنا أعرفها فتتبعني وأنا أعطيها حياة أبدية ولن تهلك إلى الأبد ولا يخطفها أحد من يدي“[66].
قد يرى من لا يؤمنون بإلوهية الابن وبأنه مساوٍ للآب والروح القدس في الجوهر، أن الابن كان غير محق في أن يدعو مَن يؤمنون به بأنهم خرافه هو، وكان الأجدر به أن يدعوهم خراف الآب، على أساس أن الابن ـ حسب اعتقادهم ـ ليس إلهًا حقيقيًا مثل الآب. والخطورة الواضحة في هذا التفكير تكمن في إنكار عقيدة الثالوث كله لأنها تنكر أحد أقانيمه كما سبق القول، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإنها تهدر قيمة العمل الخلاصي والمحبة الإلهية نحو البشر. فلقد ارتضت محبته أن تفتقدنا من ضلالنا وأن يشملنا كراع صالح برعايته بل أنه صيّرنا خرافه وأعطانا حياة أبدية ووعدنا بألاّ تهلك إلى الأبد وألاّ يخطفها أحد من يده”[67]. غير أن القديس كيرلس كان يؤمن ـ كما أخبرنا ق. يوحنا ـ بأن [ الابن قد جاء إلى خاصته وأنه سمى كل سكان الأرض بل كل الخليقة خاصته وأنه يعمل كل ما يعمله الآب لا كأنه أقل منه، لكن كمن له سلطان وربوبية حقيقية وليست غريبة عنه ][68].
12ـ ” إن الحصاد كثير والفعلة قليلون فاطلبوا من رب الحصاد أن يرسل فعلة إلى حصاده“[69]، ” الذي رفشه في يده وسينقي بيدره ويجمع القمح إلى مخزنه“[70].
كانت وصية الرب القائم منتصرًا من بين الأموات، لتلاميذه أن يذهبوا ويتلمذوا جميع الأمم، وهكذا أعطاهم المسيح له المجد شرف وامتياز نشر أسرار ملكوته. وهذا عكس ما قد يفهمه بعض المعارضين من قول المسيح لتلاميذه ” اطلبوا من رب الحصاد أن يرسل فعلة إلى حصاده ” وكأنه هو لا يملك حصاده أو أن الحصاد ليس له على اعتبار أنه هو ليس مثل الآب إله حقيقي حسب اعتقادهم، غير أن شهادة يوحنا المعمدان عنه كما سجلها إنجيل لوقا توضح أنه هو ـ مثله مثل الآب ـ رب الحصاد وأن المخزن هو مخزنه أو كما يقول ق. كيرلس أنه [ في نفس الوقت الذي يُرجع فيه للآب تعيين فعلة لحصاده، فهو يكشف عن مَن يكون رب الحصاد وذلك حينما أعطى لتلاميذه امتياز نشر أسرار ملكوته، كما أن البشير لوقا يؤكد أن الحصاد هو له ][71].
13ـ ” الذي لم يشفق على ابنه بل بذله لأجلنا أجمعين كيف لا يهبنا معه كل شئ“[72]، ” أنا قلت إنكم آلهة وبنو العلي كلكم“[73].
فهم بعض المعارضين أن معنى هذه الآيات أن يكون لكلمة الله طبيعة مخلوقة لكونه ابن مثلنا نحن الذين صرنا أبناءً بالتبني وبالتالي ستكون طبيعة الابن مختلفة عن طبيعة مَن ولده. ولقد دافع ق. كيرلس عن إلوهية الابن عندما شرح المعنى السليم لهذه الآيات وأوضح [ أنه بينما كثيرون قد دعوا آلهة وأبناء إلاّ أن تعبير الابن “الذاتي” أو “الخاص” ينسب حرفيًا وبالفعل لواحد فقط][74]. ويستطرد فيقول إن هذا بسبب أن [ هؤلاء بالتأكيد صاروا أبناء بسبب نوالهم عطية المحبة السماوية بدعوتهم للتبني بينما الابن ليس كذلك لكنه هو ابن حقيقي وذاتي لله الآب وله نفس الطبيعة التي هى أرفع وأسمى من طبيعة الكل][75]. وردًا على أفكار المعارضين المنحرفة يقول [ لابد أن نفكر بطريقة سليمة ونؤمن أن الابن هو ابن ذاتي (خاص) لله الآب وهو لا يحصى ضمن من نالوا التبني بل هو إله من إله. كما أنه لا يمكن التفريق أو الفصل بين من هم من جنس واحد ونوع واحد في طبيعة طريقة وجودهم ومرتبطين معًا في وحدة كاملة حسب الجوهر. إذًا فالابن ليس إلهًا من طبيعة أخرى غير طبيعة ذلك الذي ولده فهو إله حقيقي طالما دعى ابنًا ذاتيًا (خاصًا) لله الحقيقي حسب الطبيعة وهو يختلف بالتأكيد عن كل هؤلاء الذين صاروا أبناء بالتبني كما أن له نفس المجد الحقيقي الذي لله][76].
13 ـ ” رأس كل رجل هو المسيح أما رأس المرأة فهو الرجل ورأس المسيح هو الله“[77]. من بين الآيات الرائعة التي استخدمها ق. كيرلس في دفاعه عن إلوهية الابن تلك الآية التي جاءت في رسالة معلّمنا بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس. ورغم ما يبدو في أن معنى هذه الآية لا يحمل أى بُعد يساعد على فهم وشرح عقيدة الثالوث فإن ق. كيرلس ربما كان هو الوحيد الذي اعتقد بأن الرسول بولس [ يقصد بهذه الآية أن يوضح وحدة الجوهر وأن الابن قد وُلد بالحقيقة من نفس هذا الجوهر][78] بينما رأى المعارضون [ أن هذا الكلام يجرّد الابن من أن يكون واحدًا مع الله الآب][79]. فقد رأى ق. كيرلس [ أن الرجل هو رأس المرأة لأن المرأة خلقت من البدء من جنبه وعلى صورته كما خلق هو على صورة الله كما جاء في الكتب. كما أننا تعلّمنا أن رأس الرجل هو المسيح الذي هو الأصل الثاني للجنس البشرى وبكر البشرّية التي تقدست بالروح فنالت عدم الموت ولهذا السبب عينه يدعى المسيح آدم الثاني، ونحن نقبل بل ونؤمن أن رأس المسيح هو الآب لأنه مساوٍ له في الجوهر ومتحد معه حسب الطبيعة، ولهذا يُدرك على أنه هو الله مع أنه ظهر في الجسد وصار كواحد منا][80]. ولأن عقيدة الثالوث مرتبطة بسر الفداء الذي تم بمسرة الآب بتجسد الابن الوحيد من الروح القدس ومن مريم العذراء، لهذا تابع ق. كيرلس شرحه للآية السابقة معطيًا لها بعدًا خرستولوجيًا وخلاصيًا بقوله: [ والمسيح ليس إلهًا فقط وليس إنسانًا فقط بل أنه ـ حسب التدبير ـ قد وحّد في شخصه طبيعتين مختلفتين هما اللاهوتية والناسوتية في اتحاد لا يدركه العقل ولا يدنى منه ولا يُعبّر عنه باللسان. لأن المسيح هو إله وإنسان معًا، فالآب السماوى هو مصدر (نبع) وأصل أقنومه وهو كائن معه وأزلي معه بدون أن يكون الآب سابقًا على الابن زمنيًا، طالما أن الرأس (الآب) كائن مع من دعى رأسًا (الابن) ومن جهة أخرى فالمسيح مرتبط معنا من حيث طبيعته البشرية][81]. ويختم ق. كيرلس شرحه لهذه الآية بالتأكيد مرة أخرى على أن الابن له نفس جوهر مَن ولده فيؤكد : [ عندما نقول إن الله هو رأس المسيح وهو كذلك بدون شك، كيف لا يكون إلهًا ذلك الذي أصله هو الألوهة الحقيقية وله نفس جوهر من ولده؟ لأنه لابد أن ندرك أن الرأس هى من نفس طبيعة باقي الجسد][82]. ويلفت نظر المعارضين إلى ما قاله المسيح له المجد بأن الشجرة تعرف من ثمارها وأن هذا يثبت إلوهة الابن أيضًا فيقول: [ لكن إن كانوا يعتقدون أن الكلمة الذي وُلد من الله الآب لابد أن يخرج خارج نطاق الألوهة ويحسب ضمن المخلوقات فليسمعوا جيدًا هذا القول ” اجعلوا الشجرة جيدة وثمرها جيدًا أو اجعلوا الشجرة ردية وثمرها رديًا لأنه من الثمر تعرف الشجرة“][83].
14 ـ ” لكن شكرًا لله الذي يقودنا في موكب نصرته في المسيح كل حين ويُظهر بنا رائحة معرفته في كل مكان لأننا رائحة المسيح الذكية لله“[84].
فسّر ق. كيرلس معظم أسفار الكتاب المقدس وكان له منهج مميز ذو توجهات ثلاثة: خرستولوجى وروحى وكنسي[85]. فمن بين الأناجيل الأربعة نجد تفسيره لإنجيل يوحنا هو أكثر التفاسير التي تعكس هذه التوجهات وخصوصًا التوجه الخرستولوجى ومن بين رسائل بولس الرسول نجد أن رسالة كورنثوس هى من أكثر الرسائل المستخدمة في كتاباته. وهنا نجده يستحضر هذه الآية ليدلّل بها على أن رائحة المسيح الذكية فينا هى شهادة لإلوهيته، مشددًا بذلك ـ كعادته ـ على البُعد الخلاصي في فهم وشرح عقدية الثالوث، لأن من نتائج تدبير الخلاص أن الابن عرّفنا بالله الآب، لهذا نجد ق. كيرلس هنا يوجه للمعترضين سؤالاً استنكاريًا فيقول: [ كيف لا يكون إلهًا وبالحرى إلهًا حقيقيًا من بواسطته، وبواسطته وحده يستطيع المرء أن يعرف أن الآب هو إله حق حسب الطبيعة؟ لأن بولس الرسول يكتب لهؤلاء الذين آمنوا ” لكن شكرًا لله الذي يقودنا في موكب نصرته في المسيح كل حين ويُظهر بنا رائحة معرفته في كل مكان لأننا رائحة المسيح الذكية لله “[86]. فعندما تظهر رائحة الله الآب الذكيّة من خلال المسيح وتصبح معروفة بواسطته، كيف تشك في أن هذا يجب أن يحدث؟ وكيف يقدر المسيح أن يكون هو رائحة المعرفة الحقيقية لله الآب ولا يصدّق أنه صَدَر من الألوهة الحقيقية؟][87]. ويخلص إلى الحقيقة الإلهية بأن ” الابن الوحيد وُلد ـ بطريقة لا يُعبّر عنها ـ من جوهر الله الآب. ولهذا فإن كنيسة الأمم تناديه كعريس قائلة ” اسمك كالطيب المسكوب، لهذا أحبتك العذارى ” كما أننا أيضًا عن طريقه وبواسطته قد قبلنا رائحة معرفة الآب“[88].
15 ـ ” يا رب تجعل لنا سلامًا لأنك كل أعمالنا صنعهتا لنا. يا رب لا نعرف آخر سواك نحن ندعوك باسمك“[89].
وأخيرًا يختم ق. كيرلس هذا الحوار الثالث حول الثالوث والذي وضع له عنوانًا ” أن الابن هو إله حقيقي كما أن الآب إله حقيقي”، وذلك بالحديث عن فعل سماوى إلهى وعطية وُهبت للبشر، حسب العمل التدبيرى للثالوث. فكل شئ أعطى للبشرية من الآب بالابن في الروح القدس.
إذًا هو يتحدث هنا عن عطية وهبة السلام الذي يأتي إلينا بتفضل من الله كما تشهد الآية عن لسان إشعياء النبي فيقول: [ السلام هو ثمر فعل سماوى وهو عطية بالفعل، لا يهبه أى كائن مخلوق بل فقط الله حسب الطبيعة … ولهذا فإن إشعياء قد قال بأنه يعرف الله وحده ولا يعرف آخر سواه ]. إذًا بسبب الوحدة الجوهرية لأقانيم الثالوث فإن الابن إذ هو إله حقيقي كما أن الآب إله حقيقي فهو يعطينا سلامه الإلهي، لهذا يشدّد ق. كيرلس على هذه الحقيقة بقوله [ إن الكلمة المولود من الآب هو ضابط الكل وهو المانح لما يعطيه الله الآب لنا، لأنه قال لتلاميذه ” سلامي أنا أعطيكم، سلامي أترك لكم ” وقال إن هذا السلام هو سلامه لأنه بالفعل هو سلام يُعطى من الله وحده وليس بأى طريقة أخرى ][90].
وهكذا يصل ق. كيرلس إلى هدفه والذي عبّر بنفسه عنه بقوله [ غير أن هدفنا ليس هو أن نفحص من أين يأتي هذا التجديف بل بالحرى أن نعترف أنه يجب أن ندرك كيف أن الابن قد وُلِدَ من جوهر الله الآب وأنه إله حق من إله حق وأنه لم يولد من طبيعة غريبة ومختلفة، وأن له كل ما للآب حسب الجوهر عدا كونه أبًا وإذ نُحصى الروح القدس مع الآب والابن في الألوهة الواحدة، فإننا هكذا نسجد لثالوث واحد مساوٍ في الجوهر الإلهى][91].
IV ـ الربوبية الواحدة للآب والابن:
لقد ظن المعارضون حسب فكرهم المنحرف أن مَن يؤمن بالابن، لن يكون إيمانه صحيحًا، لأن الإيمان بالابن ليس كالإيمان بالآب، على اعتبار أن الله الحقيقي ـ حسب اعتقادهم ـ هو الآب فقط. ويستنكر ق. كيرلس هذا الفكر الخاطئ ويتساءل قائلاً: [ هل يستطيع الذين هم خاصة الآب أن يكونوا بنفس الكيفية خاصة المسيح إن لم يكن جوهر الواحد هو نفسه جوهر الآخر؟][92]. ويتابع تعليمه معبرًا عن إيمان الكنيسة بقوله: [ لأن الآب فيه كل ملء الربوبية والمجد كإله، كما أن الابن هو أيضًا رب وإله. فبدون الربوبية لن يكون الآب إلهًا ولا يكون الابن ربًا حقيقيًا إن كان منفصلاً عن الألوهة الحقيقية حسب الطبيعة ][93]. ويستدل على ما يؤمن به مما جاء في رسائل بولس الرسول الذي [ يربط بين الاسمين في وحدة واحدة ][94]. ولهذا فإنه يورد مجموعة من الآيات يرد في أحدها اسم المسيح أو الابن والأخرى اسم الله أو الآب لأنه يؤمن بأن [ كل ما نستطيع أن نقوله عن الله كإله نقوله عن الابن أيضًا ][95]، وهذه الآيات كالآتي:
1 ـ
+ ” الذين هم للمسيح قد صلبوا الجسد مع الأهواء والشهوات“
+ ” لك أنا فخلصني لأنني حفظت وصاياك” (مز56:119)[97].
2 ـ
+ ” بولس الرسول عبد ليسوع المسيح المدعو رسولاً المفرز لإنجيل الله” (رو1:1)[98].
+ ” لكننا لم نستعمل هذا السلطان بل نتحمل كل شئ لئلا نجعل عائقًا لإنجيل المسيح” (1كو12:9)[99].
3 ـ
+ ” بل في كل شئ نظهر أنفسنا كخدام الله “ (2كو4:6)[100].
+ ” هم خدام المسيح أقول كمختل العقل فأنا أفضل” (2كو23:11)[101].
4ـ
+ ” كونوا بلا عثرة لليهود واليونانيين ولكنيسة الله” (1كو32:10)[102].
+ ” موسى كان أمينًا في كل بيته كخادم شهادة للعتيد أن يتكلم به وأما المسيح فكابن على بيته وبيته نحن” (عب5:3ـ6)[103].
وأخيرًا يضع ق. كيرلس اعتراف إيمانه على لسان إرميا حينما يقول: [ إذًا لا يوجد شئ على الاطلاق يمكن أن يعوقنا على أن نؤمن إيمانًا حقيقيًا بأنه طالما أن الابن قد وُلِدَ من جوهر الله الآب ذاته فلا يمكن أن يُدرك على أنه مختلف عن الآب][104].
مقدمة القديس كيرلس
لكتاب الثالوث القدوس الواحد في الجوهر
إن الدخول إلى الأمور الإلهية هو أمر صعب بكل تأكيد حتى بالنسبة لأولئك الذين لديهم الحواس المدرّبة على إدراك الأسرار الإلهية، أو حسب ما يقول بولس الحكيم جدًا كأنهم ينظرون إلى الأمور التي تفوق كل إدراك كما “فِي مِرْآةٍ، فِي لُغْزٍ“[1]. ولعل السبب وراء تلك الصعوبة يكمن فى أن ذهن الإنسان مثقّل جدًا وغير قادر على إدراك الأمور الدقيقة، ولهذا فرغم أنه من الواجب أن نتحدّث عن الأمور الإلهية، إلاّ أن الأكثر حكمة هو أن نصمت. وبالنسبة للمكلّفين بتعليم هذه الأمور فإن الأمر لا يخلو من مخاطر. والرسول بولس القديس حينما صرخ “فَوَيْلٌ لِي إِنْ كُنْتُ لاَ أُبَشِّرُ“[2]، كان على دراية كاملة بصعوبة التبشير بالإلهيات .
وهكذا توصّلتُ إلى أن أكتب لك هذا الكتاب وهو موّجه لك أيها المحب للمعرفة نيميسيوس، وقد قمت بجهدٍ مضنٍ لتأليف هذا الكتاب لأجلك، عن الثالوث القدوس الواحد في الجوهر. وقد قمنا بتجميع الأفكار المتشابهة من حيث النوع والجنس. وهكذا صار الكتاب يتكوّن من سبع مقالات. والحوار التالي[3] هو مع إرميا المجتهد والمؤَهل للخوض في هذه القضايا بسبب غزارة علمه وبحثه الدائم.
وأسلوب الكتاب سلس وهو عبارة عن أسئلة وأجوبة متبادلة بين شخصين، فالشخص الأول نضع أمامه حرف “أ” والثاني “ب”[4]. وقد لزم تقديم الأشخاص منذ البداية نظرًا لدقة التساؤلات، والإجابات تميّز الأفكار المختفية، فتبنى بعضها وتهدم البعض الآخر مما يسبب مرارة للنفس. ولهذا السبب يجب أن نحفظ ترتيب الحروف منذ البداية حتى لا يحدث اختلاط للأفكار التى سوف نكتشفها أثناء الحوار، وهكذا نحفظ للكتاب نظامه وقوته. أرجو لك أيها العزيز أن تكون معافى فى الرب.
محتويات الكتاب:
الحوار الأول: أن الابن أزلى مع الله الآب ومساوٍ له فى الجوهر.
الحوار الثاني: إن الابن أزلى مع الله الآب وهو مولود منه حسب الطبيعة.
الحوار الثالث: إن الابن هو إله حق مثل الآب.
الحوار الرابع: إن الابن ليس مخلوقًا أو مصنوعًا.
الحوار الخامس: إن كل خواص الألوهية ومجدها كائنة فى الابن بالطبيعة تمامًا مثل الآب.
الحوار السادس: إن خواص الطبيعة البشرية وما يتبعها، لا تنسب للألوهية، بل هى منسوبة للابن بالجسد حسب التدبير (الإيكونوميا). وهذه الخواص البشرية ليست من طبيعة اللوغوس والذي هو الله بالحقيقة.
الحوار السابع: في أن الروح القدس هو الله ومن الله حسب الطبيعة.
كيرلس: نحن لم نرَ الأب الموقر إرميا لا بالأمس ولا أول أمس ولعله فضّل ألاّ يخرج إلى ساحة المدينة ومكث فى البيت، ربما دفعه الشتاء إلى عدم الخروج ولقد أحسن الصنع، والآن لقد خرج مع ظهور الطقس الجميل.
إرميـــا: حقًا قلت، فالشيخوخة دائمًا فترة حرجة والشيخ يتردّد كثيرًا قبل الخروج من البيت وخاصة حينما تكون السماء ممطرة.
كيرلس: نستطيع بكل محبة وصراحة أن نشبِّهك بسمك البحر فحينما تهب ريح شديدة تحرك الأمواج، تجتمع الأسماك معًا على هيئة سرب واحد في التجاويف التي في أعماق البحار، وتدخل فيها كما في غابة أو حرجة الأشجار، وتأكل من النبات الكثيف الذي تجده. ولكن بمجرد أن تشرق أشعة الشمس على المياه، وحينما ترى هذه الأشعة كإبتسامة على وجه البحر كله، تدخلها الشجاعة وتخرج على قمة الأمواج تاركة وراءها الخوف والتردد.
إرميــا: هذا هو ما يحدث لي تمامًا وهو لا يخفى عليك أيها الصديق العزيز.
كيرلس: وعلى حد علمى فأنت الآن بعيد عن ضجيج الناس والمشغوليات وذهنك فى حالة استجمام.
إرميــــا: وما الفائدة من ذلك؟
كيرلس: الفائدة عظيمة وتليق بالقديسين، وهل هناك حياة هادئة ومستقرة بدون ثمر؟
إرميــــا: إن نوعية الحياة أهم من طولها.
كيرلس: إن كلام الله في المزمور الذي ترتّله على القيثارة يثبت صحة ما تقول.
إرميــــا: عن أى مزمور تتكلّم؟
كيرلس:“كُفُّوا وَاعْلَمُوا أَنِّي أَنَا اللهُ“[6]. إن العيون الجسدية تبصر جيدًا الأشياء التي تَعبْر أمامها، إذا كانت خالية من العوائق مثل التراب والدخان وكل ما يشوّش الرؤية، ولكن إذا أصابتها الأوجاع فإنها لا تبصر بوضوح وتعوزها الرؤية الثاقبة للأمور وهذا ينطبق على فكر الإنسان. ففكر الإنسان المستقر والهادئ والبعيد عن التخيّلات غير النقيّة، تكون نظرته حادة ونافذة وسيتعرّف على الكائنات معرفة بدون خطأ. ولكن إذا تشوش بالأهواء[7] فإنه سيصير عاجزًا عن رؤية الجمال الإلهى وسوف يسكن وسط الأشياء الأرضية.
إرميــــا: بالصدق تتكلّم.
كيرلس: إذًا هل اختليت إلى نفسك فى وقت فراغك فى المنزل، تتذكّر (أيها الأب) إرميا، الصوت الإلهى؟ هل تقرأ كل يوم كتبًا مقدّسة؟ هل هناك غيرة تدفعك إلى طلب العلم؟ هل لديك حاسة مرهفة تسعى وراء ما يجب أن تتعلّمه؟ أم يجب علينا أن ننسب عدم رغبتك الشديدة للعمل إلى أنك لم تعد في سن الشباب، إلاّ إذا كان لديك سبب آخر غير حقيقي؟ وسأذهب إلى حد أن أتجرأ وأجرح مشاعرك بقولي إن الإنسان المسن يميل إلى عدم قول الصدق وهو يبحث عمن يقبل إسرافه في الأمور التي يريدها وعمن يثق بكلامه.
إرميــــا: سأستطيع أن أقول الكثير والكثير عن مرض الجسد لأن شمس حياتنا الأرضية بدأت فى الغروب، ولكنى سأدخل فى لب الموضوع تاركًا هذه الشكوى (من الأمراض) لوقت مناسب. لأن ذهنى يشتاق للمعرفة ولا يطلب شيئًا غيرها. وحالتى تشبه المُهر[8] الأصيل والسريع فى العدو، فكلما أراد أن يُظهر مهارته فى العدو، يجد نفسه رغمًا عنه، بسبب الأرض غير المهيأة للعدو، يقدّم عرضًا ناقصًا لا يتناسب مع قوته. وهكذا أشعر بنفس الشىء. فكلّما تدفعنى غيرتى على أن أكرّس وقتى لدراسة الأسفار المقدّسة، أجد نفسى أمام صعوبات بلا مخرج، والتغلّب على هذه الصعوبات ليس بالأمر المتاح لكل إنسان. وهكذا كما ترى فإن الصعوبات القائمة تدفعنى إلى التردّد، وأنا أزداد ترددًا بالأكثر أمام كل ما يخص الإيمان الذى هو أساس الرجاء الذى فينا.
كيرلس: سأقول لك إنك تتكلّم الحق، وذلك لأن اقتناء العطايا الصالحة النازلة من فوق، من الله، ليس بالأمر الذى يتم بدون معاناة، وهذا الأمر واضح للجميع وذلك لأن الأمور الفائقة وتلك التي عظمتها هى في السماء ليس بالأمر المتاح لكل من يُظهر مجرد الاشتياق لكنها تقتنى بالجهد وهى أمور صعبة المنال إذ هى مليئة بالصعوبات والتعب.
إرميـــا: إذن، ماذا يمكن أن يفعله أولئك الذين يرغبون بغيرة صادقة أن يكتشفوا كل هذه العطايا وخاصة أنه حسب قولكم، ليس بالأمر السهل؟
كيرلس: ليس أمامهم إلاّ أن يطيعوا أقوال القديسين الذين صرخوا عاليًا “وَإِنَّمَا إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ تُعْوِزُهُ حِكْمَةٌ فَلْيَطْلُبْ مِنَ اللَّهِ الَّذِي يُعْطِي الْجَمِيعَ بِسَخَاءٍ وَلاَ يُعَيِّرُ، فَسَيُعْطَى لَهُ“[9].
وبكل تأكيد فالنور الإلهى الروحانى سوف ينير لمن لا نور له، والحكمة سوف تجعل من لا حكمة له، حكيمًا، ومن ينقصه الوعى، أكثر وعيًا. والنور والحكمة هما المسيح “الَّذِي أَشْرَقَ فِي قُلُوبِنَا، لإِنَارَةِ مَعْرِفَةِ مَجْدِ اللهِ“[10] لأنه حسب قول المغبوط بولس فإن الله الآب “أَنْقَذَنَا مِنْ سُلْطَانِ الظُّلْمَةِ، وَنَقَلَنَا إِلَى مَلَكُوتِ ابْنِ مَحَبَّتِهِ“[11]، ولقد سمى أحد القديسين هذا النور بزوغ النهار وكوكب الصبح حينما قال “إِلَى أَنْ يَنْفَجِرَ النَّهَارُ، وَيَطْلَعَ كَوْكَبُ الصُّبْحِ فِي قُلُوبِكُمْ“[12] وهو يعنىـ حسب اعتقادى ـ بانفجار النهار وطلوع كوكب الصبح، الاستنارة فى الروح بالمسيح.
إرميــا: لا يوجد أحد يشك فى أن المسيح هو النور وهو النهار وهو كوكب الصبح، وخاصة هؤلاء الداخلين ليصيروا مختارين بالإيمان (الموعوظين). وإذا سألناك أن تشرح لنا عقيدة الإيمان بطريقة مبسطّة وسهلة الفهم، هل ستوافق أم سترفض وتعطى الفرصة للمتشككين لكى يفتخروا على شيخوختى؟ ويجب ألاّ نعطى أى اهتمام للآراء الباطلة التى يروجها بعض الناس والتى يهدفون من ورائها إلى تزّييف الحق الإلهى وتحويله حسب خيالاتهم، ويتجولون كسرب من النحل يجول فى المدن والقرى محدثًا طنينًا كثيرًا “يَتَكَلَّمُونَ بِرُؤْيَا قَلْبِهِمْ لاَ عَنْ فَمِ الرَّبِّ“[13].
كيرلس: كم تعجبنى فيك هذه المحبة الإلهية التى لا نظير لها ولذلك أرجوك ألاّ تتخلى أبدًا عن هذه الاستقامة فى الرأى وهى الجديرة حقًا بالإعجاب. ومن يستحق غيرك أيها الصديق فى أن يستمتع بالمحبة الإلهية؟! ولست أدّعى أننى سأقول شيئًا أفضل من الذى قاله أسلافنا أو أنى سوف أسبر غور الأمور الروحية بشكل أحسن، لأننا نجد كفايتنا فيما كتبه الآباء القديسون، لأن من يقرر أن يتعّرف بحكمة على الآباء و يستعمل كتاباتهم بالحرص الواجب فسوف يسكن النور الإلهى فى عقله، لأنه حسب كلام المخلّص “لأَنْ لَسْتُمْ أَنْتُمُ الْمُتَكَلِّمِينَ بَلْ رُوحُ أَبِيكُمُ الَّذِي يَتَكَلَّمُ فِيكُمْ“[14]. وذلك لأن “كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ اللهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّوْبِيخِ“[15]، أليس كذلك يا صديقى؟
إرميـــا: نعم ما تقوله صحيح. و لكن إذا أصابك التردّد ولم يكن لديك رغبة في التعاون معنا، أي إذا أغلقت فمك فسوف نصاب نحن بالشلل، وأخشى ما أخشاه أن يصير قولك إن الآباء قد كلّمونا بطريقة كافية ومُرضِية مجرّد حجة، لكى تمتنع عن أن تكلّم الذين يشتاقون إلى الاستماع إليك حول موضوعات الإيمان. وأنا بدوري لن أمدحك أبدًا على هذا المسلك، وألزمك أن تجيب على أسئلتى.
كيرلس: حول أى موضوع تريد سؤالى أيها النبيل؟ ولا تحاول الضغط بشدة على ذكائى المتواضع.
إرميـــا: إن هدفى ليس هو الضغط عليك وإن كان يجب أن أفعل اكثر من ذلك، في تلك الأمور التي أرى إنه من الضروري أن أسألك فيها.
كيرلس: اطرح أسئلتك الآن إذا كنت تعتقد إنك يجب أن تفعل ذلك.
إرميـــا: إذا أراد أحدنا أن يرعى الخراف والماعز فى الريف ألا تعتقد أنه يحتاج إلى عصا الراعى ومجموعة من الكلاب المدرّبة، لكى من ناحية يحمى نفسه فى حالة إذا ما هجم عليهم وحش مفترس، ومن ناحية أخرى فإن نباح الكلاب يحمى القطيع؟
كيرلس: هذا صحيح .
إرميــا: فإذا قام الراعىـ بمرور الزمنـ بإحضار كلاب أخرى محل الكلاب التى ماتت، هل تعتبر أن سهر ونباح الجيل الثانى من الكلاب ليس له فائدة لأن الجيل السابق من الكلاب كان شجاعًا ومتفوقًا؟!
كيرلس: وكيف نجرؤ على القول بأن شيئًا نافعًا لا فائدة له؟
إرميــا: أظن أنك تنسحب لكى تبقى بلا لوم وتتركنى أمام كتابات الآباء فقط، موحيًا بذلك أننا لا يجب أن نبذل جهدًا مثلهم، وأن لا نجاهد مسنودين بمحبة الله، بينما الهراطقة الأشرار المتوحشون يفترسون النفوس البسيطة بدون أن يقف أمامهم عائق ولا مانع.
قانون إيمان مجمع نيقية واصطلاح “`ομοούσιος” أي ”المساوى فى الجوهر”:
كيرلس: أشعر أن كلامك قد شجّعنى وأضرم فىَّ رغبة شديدة للعمل.. هيّا بنا.. ولكن دعنا نبدأ بعرض الإيمان كما حدّده بدقة وعرضه بكل وضوح المجمع المقدّس والمشهور الذى انعقد فى الوقت المناسب في مدينة نيقيا وسنفحص، إذا أردت، بكل وضوح ما هو الأمر الذي يبدو وكأنه راسخ بالنسبة لأولئك الذين يفضلّون أن يكون لهم أيمان مختلف، لأن من يقول إن الإيمان الذي قد تحدّد وعُرِضَ بشكل فائق وبحسب مشيئة الله في هذا المجمع المقدس العظيم، هو أساس وقاعدة ثابتة تسند نفوسنا، هو شخص يتكلّم بالصواب ويُمتدح من المسيح وهو شديد الإيمان وعابد حقيقي.
دعنا نذكر الإنجاز العظيم لهذا المجمع، وهو قانون الإيمان الذى قدّم لنا مفاهيمًا إيمانية صادقة، وهكذا فإن الذين ينتقدوننا لن يجدوا فى النهاية أى دافع يثير شوقهم لأن يتكلّموا ضدنا، وكأننا نتبع عقائد غريبة تاركين الطريق الملوكى لكى نتلّفت يسارًا ويمينًا حسب شهوتنا الخاصة. وهذا حسب رأيى يعبّر عن مرض عقلّى ليس من السهل الشفاء منه، لأن الحكمة التى بلا فحص هى عرضة للانحراف، كما هو مكتوب.
“نؤمن بإله واحد، الأب ضابط الكل، خالق كل ما يرى وما لا يرى. وبرب واحد يسوع المسيح، ابن الله الوحيد المولود من الآب أى من جوهره، إله حق من إله حق. مولود غير مخلوق واحد مع الآب فى الجوهر[17]الذى به كان كل شئ ما فى السموات وما على الأرض؛ الذى لأجلنا نحن البشر ولأجل خلاصنا نزل وتجسد وتأنس وتألم وقبر وقام فى اليوم الثالث وصعد إلى السموات. وسيأتى ليدين الأحياء والأموات. وبالروح القدس”.
“والذين يقولون إنه كان هناك وقت، لم يكن فيه الابن موجودًا وأنه قَبْل ولادته لم يكن موجودًا أو أنه صار من العدم، أو أن الابن من جوهر أو أقنوم آخر، أو أنه مخلوق، أو أنه تعرّض للتغّير والتحوّل، هؤلاء جميعًا تحرمهم الكنيسة الجامعة الرسولية”[18].
إرميـــا: يا للحذق الذى بلا عيب وما يؤدي إليه من سمو. إن كل من نطق بمثل هذه الكلمات يستحق أن يُدعى ابن الرعد[19] لأنه نطق بشيء رائع وفائق.
كيرلس: إذن فرؤيتى للأمور صائبة وقد بذلت ما فى وسعى وأشعر أن الواجبـ الذى ألقىّ على عاتقى وقَبِلَته بكل سرورـ هو أن نحفظ ما كشفه الروح لنا وأنت تعلّم ذلك جيدًا.
إرميـــا: هذا الكلام صحيح جدًا ولكن بالمقابل يجب أن نقنع الناس أن يفكروا بنفس الطريقة، فهم مثل العجول المسمّنة التى تنحرَف عن القطيع كله فهؤلاء قد إمتلأوا من السفاهة وصاروا يندفعون بطياشة إلى كل ما يوافق رغباتهم. ولكي يصلوا إلى ذلك فهم يتركون المرعى الخصيب الذي يحوى أفضل وأكمل طعام، لينخرطوا في أحاديث حمقاء لمعلّمين كذبة[20]، تدمي كأشواك. وهذا هو الذي جعل الحكمة نفسها تقول في حزن شديد عن هؤلاء: “التَّارِكِينَ سُبُلَ الاسْتِقَامَةِ لِلسُّلُوكِ فِي مَسَالِكِ الظُّلْمَةِ، الْفَرِحِينَ بِفَعْلِ السُّوءِ، الْمُبْتَهِجِينَ بِأَكَاذِيبِ الشَّرِّ، الَّذِينَ طُرُقُهُمْ مُعْوَجَّةٌ، وَهُمْ مُلْتَوُونَ فِي سُبُلِهِمْ“[21].
كيرلس: لقد حكمت بالصواب ويجب أن نبكى على هؤلاء قائلين مع النبي “يا ليت رأسي ماء وعيناي ينبوع دموع لأبكى ليلاً نهارًا على شعبي”[22]. وكيف لا نبكى نهارًا وليلاً على ذلك الذي يكون أمامه فرصة اختيار معرفة الحق وينحرف إلى معرفة الضلال وإلى الآراء الفاسدة والكاذبة؟ وعن مثل هؤلاء أيضًا قال أحد تلاميذ المخلّص القديسين: “مِنَّا خَرَجُوا، لكِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مِنَّا، لأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا مِنَّا لَبَقُوا مَعَنَا“[23]. ثم ماذا يمكن أن يكون لديهم من اعتراضات على هذا الإيمان أو الاعتراف بالإيمان الأرثوذكسي والدقيق والذي لا يملك إنسان أن يعّدله بأي شكل؟
إرميـــا: نعم إنهم يقولون إننا قد أدخلنا كلمة “هوموأوسيوس” (الواحد في الجوهر) وهى كلمة غير واردة في الكتب المقّدسة وأنها شيء جديد وغير كتابي.
كيرلس: هذا كلام خالى من المعنى، يا صديقى، لأن كلمة “هوموأوسيوس” يجب أن لا تسبب قلقًا ما دامت تحمل معنىً صحيحًا، أم أنك أنت أيضًا لا تقبل حقيقة ما أقول؟
إرميــــا: إننى أقبل.
كيرلس: إفحص إذن في كلمات وأوصاف أخرى تعوّدنا أن نطلقها على طبيعة الله ولا توجد في الكتب المقدسة والإلهية.
إرميــــا: أي كلمات تقصد ؟
كيرلس: حينما نَصِف الذات الإلهية بأنها غير مادية وغير مرئية وغير محدودة وغير ممكن قياسها، هل نحن نتكلّم بطريقه غير مناسبة؟ وحينما نصفها بأنها غير محدودة ولا تخضع لشيء، فهل يتهمّنا أحد أننا نتكلّم بدون فائدة رغم أننا نقدّم الرأى السليم؟
إرميــــا: هذا مجرد لغو بكل تأكيد.
كيرلس: لماذا إذن يُظهِرون أنفسهم كأناس بلا وعى ويُهاجمون مصطلح “هوموأوسيوس” كأطفال صغار مُدّعين أن هذا التعبير غريب وهو المليء بالمعاني الحكيمة القيّمة؟ ورغم أن المعنى الحقيقي معروف ومعتّرف به على الأقل من قِبَل الذين فحصوا بعمق الأمور الإلهية وترّبوا فى الأسرار؛ إلاّ أننا نقول إن معنى “الهوموأوسيوس” حسب رأينا هو: إن الابن وُلِدَ من نفس طبيعة الله الآب، وبذلك يكون الابن ليس من جنس آخر كما يريد أولئك الناس، ولا هو غريب عن الذي وَلدَه ولكنه مساوي له فى الجوهر وله نفس خواصه وطبيعته. ولن أخجل أبدًا من استخدام أي كلمة تستطيع أن تشارك في إظهار الجمال والحق. ونحن نعلم أن الله هو فوق كل جنس. ولكن إذا قرّرنا التخلّي عن البحث عن الوسائل التي تقودنا إلى المعرفةـ وهى معرفة محدودة بكل تأكيدـ أي معرفة الجوهر الذي يفوق كل عقل، فسوف نصير غير صادقين وجَهَلَة ولن نتعلّم أبدًا عن الله الحقيقى وطبيعته .. وسنصير “مُضْطَرِبِينَ وَمَحْمُولِينَ بِكُلِّ رِيحِ“[24] حسب المكتوب. وحينما نصبح مذعورين ورافضين للرؤية حتى “فِي مِرْآةٍ، فِي لُغْزٍ“[25]، ورافضين للمعرفة “جزئيًا” فسنصير كلنا مثل الحجارة الصماء والتى بلا شعور، مثلما قال أحد شعراء اليونان “مثل أناس بطالين وهم عبء على الأرض ..”[26].
إرميــــا: ولكن هذا لا يلغى السؤال: أين يذكر الكتاب المقدس تعبير “هوموأوسيوس”؟
كيرلس: إنك تُجبرنا يا صديقي أن نكرّر ما سبق وقلناه: أين وصَفَت الكتب المقدّسة إله الكون بأنه “غير الجسدي”، “غير الموصوف” و”غير المحدود” و”غير الخاضع لأحد”؟![27] ورغم ذلك فهو كل هذا بالطبيعة سواء أراد هؤلاء أم لم يريدوا؟
وإذا كنا قد وضعنا فى قلوبنا أن نُفكر بطريقة مستقيمة فلا يحق لنا أن نرفض التعبيرات التى تساعدنا على معرفة الحقيقة. ألا يوافقون أن الله قد قال لموسى القديس، وقوله حق: “أَهْيَهِ الَّذِي أَهْيَهْ. وَقَالَ: هكَذَا تَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: أَهْيَهْ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ. وَقَالَ اللهُ أَيْضًا لِمُوسَى: هكَذَا تَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: يَهْوَهْ إِلهُ آبَائِكُمْ، إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلهُ إِسْحَاقَ وَإِلهُ يَعْقُوبَ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ. هذَا اسْمِي إِلَى الأَبَدِ وَهذَا ذِكْرِي إِلَى دَوْرٍ فَدَوْرٍ“[28]، ولكنى أعتقد أنهم لن يتركوا أنفسهم لكى يصلوا إلى مثل هذه الحماقة، ويعتقدون أن الله ليس هو يهوه. لأنه بالحقيقة هو “الكائن” وهذه التسميّة لا تناسب غيره، حتى ولو بسبب استعمال اللغة أُطلق الاسم على غيره. وبنفس المنطق نحت أسلافنا[29] تعبير “هوموأوسيوس” الذى هو أصدق تعبير على الإطلاق. وحينما يقول أحد إن الابن مساوٍ للأب فى الجوهر فإنه لا يرتكب حسب رأينا أى خطأ، ولا يُعتبر مُبتدعًا، ولا يفرض أسماء على الألوهة بدون داعٍ. ولكنه يستخدم هنا كلمة، أستطيع أن أقول بلا تردد إن جذورها الأولى توجد فى الأسفار الموحى بها. وهكذا فالاشتقاقات التى تخرج من الكلمة ليست بلا أصل، ولكن جذورها كامنة منذ البدء.
فإذا خرج علينا من يقول إن تعبير “هوموأوسيوس” مخالف لتقاليدنا المقدّسة، فقد جانبه الصواب ويخطئ فى فهم اشتقاقات الكلمة فى تسلسلها الطبيعى. فالجوهر والمساواة فى الجوهر هما من الكائن. وبسبب أنهم جهلاء للغاية فهم يحرموننا من الكلمات الأخرى والتى هى معطاة لنا لكى نستطيع أن نتسامى للتأمل فى الإلهيات كما تستوعبها أذهاننا، وليكن ذلك مبدئيا كما “فى مرآة فى لغز”.
إرميـا: هل لديك اعتراض إن فضّلوا تعبير “مشابه في الجوهر” على تعبير “مساوٍ في الجوهر” [30].
كيرلس: كلامهم هذا غير مستقيم يا صديقي العزيز، فَهُم يُناقضون أنفسهم بعد أن بذلوا جهدًا كبيرًا لإثبات أن التعبير غير كتابي. فإما أن الابن مساوٍ للأب في الجوهر أو أنه لا شئ. وإذا أرادوا أن يقولوا “مشابه في الجوهر” حسب ما يستحسنون فإن عبارة “مساوٍ في الجوهر” هي أساس كل شئ عندنا. وكيف يُفسرون موقفهم بعد أن احتقروا العبارة ووصفوها بأنها كلمة غير صائبة وغير متفقة مع الأسفار المقدسة، ورفضوا أن يقبلوا أي خطاب يحمل ما يشير إلى هذا التعبير، ثم يعودون ويقبلونها ويضعونها في مصاف الألفاظ القيّمة وبافتراض أننا سمحنا لهم باستعمال عبارة أن الابن مشابه للأب في الجوهر، فماذا سيكون موقفهم في نظرك؟
كيرلس: الأمر لا يحتمل أكثر من ذلك يا عزيزي، فإن اللغو الكثير والتعاليم الفاسدة التى يُلقنها لهم معلّموهم قد جعلتهم يتصرّفون كالصبية، وذلك بمحاولتهم قطع كل صلة وشركة طبيعية بين الآب والابن، وكأنهم أشفقوا عليه فسمحوا له أن يكون مشابهًا الآب وهكذا لا نرى الفرق بين الابن الوحيد وباقي الناس المخلوقين على صورة الله والذين يظهر فيهم بعض هذا الجمال الإلهي.
إرميــــا: ماذا تقصد من وراء ذلك؟
كيرلس: ألم تسمع أيها العزيز وصيّة المسيح الواضحة “فَكُونُوا رُحَمَاءَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمْ أَيْضاً رَحِيمٌ“[31].
إرميــــا: نعم.
كيرلس: ألا تدرك أن هذه الصفة الإلهية تُطبع فينا، وبذلك تُشكّل طريقة حياتنا بممارستنا للصلاح؟ فالصلاح فائق بحسب ما يليق بجوهر الله، ورغم ذلك فنحن نستطيع أن نصير صالحين بالاقتداء به، وذلك بفضل طريقة حياتنا، بشرط أن نختار بإشتياق وامتداد للأمام كل ما يستحق الاقتداء به. ولأننا نتمتّع بذهن صافٍ ورؤيةٍ صائبةٍ فلا يمكن أن ندّعى أننا لكى تنطبع طريقة الحياة الإلهية فى نفوسنا، لابد لنا أن نكون مشابهين لله فى الجوهر، فهذه المشابهة تقودنا إلى أن نصير مساويين له في كل صفاته، حاشا!. لأن ذلك سيقودنا إلى أن نعطى ذواتنا ذات المقام الإلهى بدون أى اختلاف بيننا وبينه، على اعتبار إننا خُلِقنا على صورته كشبهه.
وهنا يجب التنّويه بأنه رغم أننا خُلقنا على صورته ومثاله إلاّ أن الفارق بين الله والإنسان فارق شاسع.. فالله بسيط فى طبيعته وغير مرّكب بينما نحن نملك طبيعة مركبّة، إذ أن طبيعتنا البشرية مكونة من أجزاء متعددة. ونحن من التراب فيما يخص الجسد وهذا يعنى أننا معرّضون للفساد والزوال مثل الأعشاب. بينما الله فوق كل ذلك، والنفس الإنسانية عرضة لتقلبات كثيرة من الصالح إلى الطالح ومن الطالح إلى الصالح، ولكن الله هو هو دائمًا، صالح إلى الأبد ولا يتّحول ولا يتغّير من حال إلى حال. وعدم تغّير الله ليس صفة عرضّية بل يرجع إلى جوهره. وهكذا أصبح من الواضح أن البشر الذين أتوا إلى الوجود من العدم لا يتشابهون مع الله حسب الطبيعة، بل يمكن أن يتشابهوا معه في نوعية الحياة الجديدة والسلوك المستقيم[32].
إرميـــا: إن حديثنا يسير في الطريق السليم وذلك لأنه رغم سقوطنا، إلاّ أنه لا نحن ولا الملائكة الذين سقطوا، لم ننحرف كليّة عن طبيعتنا ولم ننحدر إلى العدم الكلىّ، رغم عدم اقتنائنا للفضيلة، ولقد فقدنا القدرة على المعرفة الصحيحة وفن الحياة وذلك بسبب ميلنا للشر، ولكن المسيح جاء ودعانا إلى أن نتشّكل من جديد حسب الصورة الأولى بكل بهائها. ولا نقول أبدًا إن الوصول إلى هذا المجد يعنى أن الطبيعة البشرّية تصير طبيعة أخرى، ولكن الأمر يتعلّق باختيار الإرادة في أن يتغيّر الإنسان من حياة شريرة إلى حياة مقدّسة في القول والفعل.
كيرلس: يبدو لي أن الأمر واضح يا صديقي إرميا فإن صفات الله تضئ في صورتنا لأننا اخترنا بملء حريتنا أن نسير في الصلاح، ولكننا، وكما ذكرت ذلك أنت نفسك، لسنا واحدًا مع الله في الجوهر، لأنه لو صح ذلك كما يدّعون، فما الذي يمنعنا أن نكون من نفس طبيعة خالقنا؟ وذلك لأن الكائنات التي تتشابه فيما بينها لابد أن تكون طبيعتها واحدة. ألا يتشابه الملاك مع ملاك آخر في طبيعته؟! وألا يتشابه الإنسان مع إنسان آخر فى نفس الطبيعة؟!
إرميـــا: نعم إنه كذلك.
كيرلس: وهكذا كما ترى، فرغم أن تعبير “هوموأوسيوس” (الواحد في الجوهر) يُعبّر وبشكل رائع عن تطابق الطبيعة، فإن هؤلاء الذين لا يفكرّون بشكل مستقيم يرفضونه على أنه شئ من اختراعنا وذلك لكي يتمسّكوا برأيهم هم وأقصد بذلك “المشابه في الجوهر”[33]، وهم بذلك يُلبسون اللوغوس رداءً دنيويًا. فهم يتظاهرون أنهم يرفضون الحطّ من قيمة الابن، ويدعونه الله وابن ومخلّص وفادى وهم على قناعة تامة ـ قناعة جاءتهم من تمحكات حكمة هذا الدهرـ أن الابن ليس ابنًا بالطبيعة ولا هو إله حق. هؤلاء التعساء يضعونه في عداد المشابهين لله وهم لا يتورّعون عن وضع خالق الكون في مصاف المخلوقات، ويدّعون أنه ليس من نفس الجوهر بل أنه من طبيعة مشابهة. ولهذا السبب يحق لنا أن نطلب منهم أن يرفضوا هذه المصطلح الغريب والشاذ وذلك لكي نستطيع أن نتكلّم، إذا أرادوا، عن تشبّهنا به[34]، وأعتقد أن هذا سوف يزعجهم. وعلى كل حال فمن السهل أن نفهم نواياهم حتى لو لم يقولوا ذلك، وكيف أنهم يرفضون تعبير “هوموأوسيوس” ليس لأنه تعبير غير كتابى كما يعتقدون ويؤكدون مرارًا و تكرارًا، ولكنهم يرفضونه لأنه يُعبّر عن الحق، وذلك لأنه يُظهر بوضوح أن الابن ليس من طبيعة مختلفة عن طبيعة الآب بل هو من نفس طبيعته.
إرميـــا: هذا شيء رائع حقًا.
كيرلس: إنني أعتقد أن هؤلاء المحاربين لله عن سبق إصرار، يتناسون قول المخلّص الذي يؤكد فيه أنه من طبيعة الله الآب بدون انفصال وأنه لم يأتِ إلى الوجود زمنيًا: “أَنْتُمْ مِنْ هذَا الْعَالَمِ، أَمَّا أَنَا فَلَسْتُ مِنْ هذَا الْعَالَمِ“ وأيضًا “أَنْتُمْ مِنْ أَسْفَلُ، أَمَّا أَنَا فَمِنْ فَوْقُ“[35]. والحكيم يوحنا يكتب عن الابن قائلاً: “اَلَّذِي يَأْتِي مِنْ فَوْقُ هُوَ فَوْقَ الْجَمِيعِ“[36]. ماذا يعنى تعبير “مِنْ فَوْقُ“ إلاّ أنه من الطبيعة الفائقة جدًا والتي تعلو على كل الكائنات؟ وماذا يعنى “لَسْتُ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ“ إلاّ أنه مختلف تمامًا ولا ينتمي إلى أي كائن خاضع للتغيّر ـ إنه حالة فريدة ـ إذ أن الله هو أبوه.
إن الابن لا يمكن أن يكون من طبيعة متوسطة بين الله والبشر:
إرميــــا: وماذا لو أرادوا أن يقنعونا أن نفهم تعبير “من فوق” بطريقه تختلف عما قلته لنا توًا؟ مثلاً يمكن أن يقولوا إن “من فوق” تعنى أنه لا صلة له بالأرض ولا بالإنسانية، ولكنه من السماء أو أنه من طبيعة أخرى تسمو كثيرًا عن طبيعتنا؟ فماذا نقول لهم وأي إجابة نقدّم؟
كيرلس: وإذا قَبِلنَا أن الابن هو كما يقولون ويدّعون، فماذا تبقّى فيه من مجد نتأمله؟ أليس كل واحد من الملائكة القديسين “من فوق” ونحن نؤمن أنه يأتي إلينا من السماء؟ أليس الملائكة ـ العروش والرياسات والسيادات والسيرافيم ـ أسمى منّا بكثير على الأقل فيما يخص طبيعتهم؟ فإذا لم يكن للابن شئٌ أكثر من ذلك وقسناه بالمقاييس الطبيعية[37]، فهو كما يبدو ليَّ لن يختلف كثيرًا عن المخلوقات العاقلة التى تأتينا “من فوق” من وقت لآخر. “أَلَيْسَ جَمِيعُهُمْ أَرْوَاحًا خَادِمَةً مُرْسَلَةً لِلْخِدْمَةِ لأَجْلِ الْعَتِيدِينَ أَنْ يَرِثُوا الْخَلاَصَ!“[38]. وفى هذه الحالة فإن المجد الإلهي سوف يكون مُضافًا إليه وليس من طبيعته، ويكون المسيح كاذبًا حينما يقول: “أنا هو الحق”. أين هو الحق وكيف يكون الحق كائنًا في مَنْ لا ينطبق عليه قول الأسفار المقدّسة الموحى بها؟ وما المعنى الحقيقي لما تقوله الأسفار المقدسة من أن الابن ليس من هذا العالم؟
إرميـــا: دعني أكرّر أمامك ما يقولون، فإنهم يؤكدون أنه ليس مساويًا في الجوهر لله الآب ويُنزِلونه من الطبيعة الفائقة إلى أسفل، ولكنهم والحق يقال يعطونه مركزًا أسمى من باقي الخليقة، ويقولون إنه لا يشارك باقي المخلوقات في نفس الطبيعة. ولكنه يحتل مكانة متوسطة. وبكلام أخر فهو يتسامى عن مستوى الطبيعة، ولكنه لا يشارك الآب الذي وَلَده، في الجوهر، وفى نفس الوقت لا يمكن أن نحط من قَدْرِه ونحسبه مع المخلوقات.
كيرلس: إذا قرّروا أن يتكلّموا بوضوح وصراحة عن طبيعة الابن، فإنهم، بلا شك، سيقولون إنه ليس هو الله بالطبيعة، كما أنه ليس مخلوقًا؛ وبذلك فإنهم يبعدونه عن جوهر الله الآب كما يجعلونه أعلى من طبيعة الكائنات المخلوقة، هادمين بذلك ألوهيته. وأنا لا أرى كيف أنه طبقًا لهذا الرأي لا يُحسب ضمن المخلوقات؟
إرميـــا: لقد فهمت الأمر بشكل جيّد. وهم يستمرون فى الدفاع عن رأيهم قائلين إنهم إذا دعوه وسيطًا بين الله والناس فهذا لا يعنى أكثر من إنه وسيط بالمعنى الذي يريدونه.
كيرلس: وهل هناك غباء أكثر من ذلك لأن “أعدائنا أغبياء” حسب المكتوب[39]. فكم سيكون بعيدًا عن الأفكار الحكيمة أن يتصّور أولئك أنهم بإمكانهم هزيمة عقائد الحق وذلك باختراعات خيالهم، ولقد علّمنا القديس بولس الحكيم حقًا، بل وكل خورس القديسين أن نؤمن بأن الابن قد إتخّذ جسدًا أي صار مشابهًا لنا في كل شئ ما خلا الخطية. ولهذا فالقديسون يقدمّون لنا زوايا متعدّدة للدخول إلى هذا السّر العظيم، فأحيانًا نجدهم يقدّمون الابن الوحيد مرتفعًا عن طبيعتنا وفوق الخليقة وأحيانًا يقدّمونه آخذًا شكل العبد وقد تنازل عن كل أمجاد اللاهوت، ولكنه هو هو دائمًا وليس به تغيير ولا ظل دوران. ويقول عنه حامل الروح “يَسُوعُ الْمَسِيحُ هُوَ هُوَ أَمْسًا وَالْيَوْمَ وَإِلَى الأَبَدِ“[40].
إرميـــا: أي علاقة توجد بين هذه الأعماق وما يقولونه؟!
كيرلس: لا يجب أن نلجأ للكتب المقدّسة بنفسٍ رخوة[41]، إذ أنهم يفعلون ذلك ويحيدون عن الطريق المستقيم حتى يصلوا إلى التطرّف سواء يسارًا أو يمينًا. بينما إتباعنا للطريق الملوكي يُوجب علينا ويعلّمنا ألاّ ننحرف لا يمينًا ولا يسارًا. ولنلاحظ كيف أنهم بسبب فقدان البصيرة يتركون أنفسهم للانقياد بأهوائهم دون أن يفحصوا أيّ من آيات الكتب المقدّسة تتحدّث عن اللوغوس في حد ذاته، أي قبل التجسّد، وأي آيات تتحدّث عنه بعد أن تَشَبه بنا.
ولكن ربما يعتقدون أنه لا يجب أن نأخذ هذه الأمور فى الاعتبار، وعلينا أن نقبل كل المكتوب بدون فحص. وأرجو أن يوضحّوا لنا ويعرفّوننا ماذا يمنعهم من قبول أن اللوغوس، كلمة الله المتجسّد يحتاج إلى الطعام وإلى الراحة وأنه يتعرّض للتعب: “فَإِذْ كَانَ يَسُوعُ قَدْ تَعِبَ مِنَ السَّفَرِ، جَلَسَ هكَذَا عَلَى الْبِئْرِ“[42]. وأكثر من ذلك حين نتكلّم عن موته، نَخلُص إلى أن التمييز بين هذه النصوص أمر هام جدًا لنا لأن هذا يقودنا إلى تمييز الأزمنة والأوقات[43].
إرميـــا: وكيف لا يكون هذا التمييز هامًا بل وهامًا جدًا؟
كيرلس: بل ويجب التمييز أمام كل العالم بين الأقوال الإلهية التي تقال عنه بعضها عن بعض. فاسمع ما يقوله بولس عن طبيعته الإلهية “الَّذِي، وَهُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ، وَحَامِلٌ كُلَّ الأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ“[44]. ومرة أخرى في موضع آخر يقول “لأَنَّ كَلِمَةَ اللهِ حَيٌَّ وَفَعَّالٌَ وَأَمْضَى مِنْ كُلِّ سَيْفٍ ذِي حَدَّيْنِ، وَخَارِقَةٌ إِلَى مَفْرَقِ النَّفْسِ وَالرُّوحِ وَالْمَفَاصِلِ وَالْمِخَاخِ، وَمُمَيِّزَةٌ أَفْكَارَ الْقَلْبِ وَنِيَّاتِهِ. وَلَيْسَتْ خَلِيقَةٌ غَيْرَ ظَاهِرَةٍ قُدَّامَهُ، بَلْ كُلُّ شَيْءٍ عُرْيَانٌ وَمَكْشُوفٌ لِعَيْنَيْ ذلِكَ الَّذِي مَعَهُ أَمْرُنَا“[45]. وهذه الآيات تخص الابن الوحيد قبل التجسد. وهناك آيات تقال عنه وهو مولود مثلنا في الجسد “الَّذِي، فِي أَيَّامِ جَسَدِهِ، إِذْ قَدَّمَ بِصُرَاخٍ شَدِيدٍ وَدُمُوعٍ طَلِبَاتٍ وَتَضَرُّعَاتٍ لِلْقَادِرِ أَنْ يُخَلِّصَهُ مِنَ الْمَوْتِ، وَسُمِعَ لَهُ مِنْ أَجْلِ تَقْوَاهُ، مَعَ كَوْنِهِ ابْنًا تَعَلَّمَ الطَّاعَةَ مِمَّا تَأَلَّمَ بِهِ“[46].
إذا نظرنا لهذه الحقائق ألا نستنتج أن هناك اختلافًا في طبيعة الأمور؟؛ فنحن نسمع أن بهاء مجد الله الآب وختم جوهره ذاك الذي يحمل كل الأشياء بكلمة قدرته، الكلمة الحيّ، اللوغوس الحيَّ الفعال، بعد كل هذا المجد نسمع أنه قدَّم بصراخ شديد ودموع، طلبات وتضرعات لكي يَخلُص من الموت.
ولكن الرسول يقول “فى أيام جسده” أى أنه وهو كلمة الله، صار جسدًا حسب الكتب[47]، ولكنه لم يحلّ فى إنسان كما يحدث فى القديسين الذين يسكن فيهم (الكلمة) بالروح القدس. إذن هناك طريقتان للكلام عن الابن: فمن جهة يجب أن ننسب له كل ما لله بكونه هو الله، ومن جهة أخرى ننسب له كل ما يخصّنا لأنه صار مثلنا. ويجب أن نرفض كل خلط وعدم تمييز بين هذه الأمور لأن هذا ينفى الفهم الحقيقي للمعاني ويحجب عن عيوننا نصف حقيقة الجمال الإلهي.
إرميــــا: ما أروع هذه الكلمات.
كيرلس: فحينما نسميّه “الوسيط” يجب ألاّ نفهم أن هذا يحدّد ماهية جوهر الابن الوحيد. بل بالحري ينبغي أن تقود كل الأفكار إلى الخضوع للمسيح. وهكذا فليبعد كل فكر غير نقىّ كما هو مكتوب “هَادِمِينَ ظُنُونًا وَكُلَّ عُلْوٍ يَرْتَفِعُ ضِدَّ مَعْرِفَةِ اللهِ، وَمُسْتَأْسِرِينَ كُلَّ فِكْرٍ إِلَى طَاعَةِ الله“[48].
إرميــــا: هذا كلام حق، ولكن أيها الشجاع لنكتفِ بهذا فيما يخص هذا الموضوع. لأني لا أرى بعد ذلك مكانًا للشك وسأكون سعيدًا جدًا أن أتعلّم منك كيف نفهم طريقة الوساطة، وهذا الأمر سيفضح عدم التناسق في آراء الهراطقة الخادعة .
كيرلس: هيّا بنا إذا أردت ولنحصر الحديث في هذه النقطة . قبل كل شئ يجب أن نبدأ بفحص متى دَعَتَ الكتب المقدّسة الابن “بالوسيط”. فبولس يقول “لأَنَّهُ يُوجَدُ إِلهٌ وَاحِدٌ وَوَسِيطٌ وَاحِدٌ بَيْنَ اللهِ وَالنَّاسِ: الإِنْسَانُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ“[49].
وهكذا فالرسول يُحدّد، على ما أعتقد، أن الفترة الوحيدة التي تَتَناسب مع “الوساطة” هي الأزمنة الأخيرة، والتي فيها حسب كلام الرسول “الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً ِللهِ. لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ“[50]. ورغم أنه الإله والرَّب فلكى يُرجعنا بواسطة نفسه لله الآب، ولكى يصالح الكّل حسب المكتوب “وَأَنْ يُصَالِحَ بِهِ الْكُلَّ لِنَفْسِهِ، عَامِلاًالصُّلْحَ بِدَمِ صَلِيبِهِ، بِوَاسِطَتِهِ، سَوَاءٌ كَانَ مَا عَلَى الأَرْضِ امْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ“[51]لكى يصنع ذلك كله، توّسط كإنسان. ولهذا يقول بولس“نَطْلُبُ عَنِ الْمَسِيحِ: تَصَالَحُوا مَعَ اللهِ“[52]وذلك بالاتحاد بشخص المسيح. ولأن طبيعة الإنسان لا تحتمل أن تستوعب مجد الله بحسب ما كان قَبِل التجسّد، لذلك فقد لبس الابن الوحيد لأجلنا ولأجل خلاصنا، جَسَدنَا وتشبّه بنا.
وهكذا يُكْشَف لنا قصد الله الآب كما يُكشف للساجدين بالروح وليس للمتمسكين بظلال الحقيقة وليس للملتصقين بالناموس الذى لا يؤدى إلى الكمال. وهكذا ما دام “الله روح” فلنسرع نحن أيضًا لكى نعبده بالروح والحق. ألم يقل العظيم إشعياء “لأَنَّهُ يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ وَنُعْطَى ابْنًا، وَتَكُونُ الرِّيَاسَةُ عَلَى كَتِفِهِ، وَيُدْعَى اسْمُهُ عَجِيبًا، مُشِيرًا، إِلهًا قَدِيرًا، أَبًا أَبَدِيًّا، رَئِيسَ السَّلاَمِ“[53].
إرميــا: إن هذا كلام رائع، وإذا أردت أن تقنعنا نهائيًا بهذا الكلام فأذكر لنا بعض الأمثلة القديمة التى تشير إلى وساطة المسيح وسأكون ممنونًا لك.
كيرلس: دعنا نتوجّه إلى موسى العالم بالأسرار الإلهية ولنلاحظ أن أعماله وأقواله بكل ما تحمل من قوّة، هى عبارة عن أيقونة لوساطة المسيح، وهكذا يثبت صحة ما نتمسك به لأننى أعتقد أنه من الغباء[54] بمكان أن يترك الإنسان نفسه فى التقليل من شأن خصومه الذين صنعوا من لذتهم منهجًا فكريًا ويتناقضون مع الكتب المقدّسة، وبعد ذلك يترك نفسه يسقط فى نفس الأخطاء.
إرميــــا: الحق معك.
كيرلس: حينما خرج الإسرائيليون من أرض مصر بعد أن تخلّصوا من نير العبودية وحينما جاءوا إلى الجبل الذى يُسمّى جبل سيناء، رأى الله أنه حسن أن يعطيهم نواميس لكى يعرفوا ماذا عليهم أن يفعلوا. وأمرهم أن يجتمعوا أسفل الجبل وأن يغسلوا ثيابهم[55]، وبعد تطهّرهم يتقّدمون إلى رؤية الله غير المعتادة. وحينما تّم كل ذلك حسب أوامر موسى، نزل الربُّ على الجبل على شكل نار وصعد دخانه كدخان الأتون وارتجف كل الجبل جدًا فكان صوت البوق يزداد اشتدادًا جدًا وموسى يتكلّم، وقاد موسى الشعب للقاء الله على الجبل.
هذا هو المكتوب، والأمر هنا، حسب اعتقادي، أن موسى هو مثال (TÚpoj)[56] لوساطة المسيح. والمسيح الربّ نفسه يؤكد ذلك “لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي“[57] ونحن لا نأتي إلى الله الآب إلاّ بالمسيح، وذلك بأن نتطّهر من كل دنس عن طريق تغييّر ثياب عقولنا لنقتنى النقاوة التي في المسيح كما يأمرنا القول الإلهي: “الْبَسُوا الرَّبَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ“[58]. وما غَسْلُ الثياب إلاّ تعبير عن قوّة الروح المُطِّهر. فإذا قُلتْ إن كل ذلك حق، فلابد أن تكون قد اقتنعت.
إرميـــا: بكل تأكيد.
كيرلس: لقد نزل الله على شكل نار وأظهر للناظرين إليه مجدًا ملموسًا وغير عادى، ولم يكن من السهل على الشعب أن يحتمل هذه الرؤية العينيّة، ولمّا خافوا وارتعدوا ترجّوا قائدهم، أعنى موسى، صارخين: “تَكَلَّمْ أَنْتَ مَعَنَا فَنَسْمَعَ. وَلاَ يَتَكَلَّمْ مَعَنَا اللهُ لِئَلاَّ نَمُوتَ“[59]، وهنا الأمر واضح، لقد طلبوا من موسى أن يصير “وسيطًا” لأنهم لم يكونوا يستطيعون أن يلقوا بأنفسهم أمام مجد الله فى ملء لاهوته.
دعونا ننتقل الآن من هذه الإيقونة المضيئة التى لموسى إلى الأصل الذى هو المسيح الابن الوحيد، الذى إذ لم يشأ أن يأتى إلينا فى مجده الساطع الإلهى فإنه صار مثلنا (عندما تجسَّد)، وبهذا أصبح وسيطًا بين الله والناس من أجل أن يرّبى البشرّية على معرفة إرادة الله، وهكذا صار هو سلامنا كما تقول الكتب[60].
ولهذا فلست أكذب ولا أدّعى إذا ما قلت إن خدمة موسى إنما هى إيقونة لعمل المسيح. وأعتقد أنك تقدر أن تدرك ذلك بدون عناء. وفى ختام اجتماع بنى إسرائيل يقول سفر التثنية “تَكُونُ كَامِلاً لَدَى الرَّبِّ إِلهِكَ. إِنَّ هؤُلاَءِ الأُمَمَ الَّذِينَ تَخْلُفُهُمْ يَسْمَعُونَ لِلْعَائِفِينَ وَالْعَرَّافِينَ. وَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ يَسْمَحْ لَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ هكَذَا. يُقِيمُ لَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَبِيًّا مِنْ وَسَطِكَ مِنْ إِخْوَتِكَ مِثْلِي. لَهُ تَسْمَعُونَ. حَسَبَ كُلِّ مَا طَلَبْتَ مِنَ الرَّبِّ إِلهِكَ فِي حُورِيبَ يَوْمَ الاجْتِمَاعِ قَائِلاً: لاَ أَعُودُ أَسْمَعُ صَوْتَ الرَّبِّ إِلهِي وَلاَ أَرَى هذِهِ النَّارَ الْعَظِيمَةَ أَيْضًا لِئَلاَّ أَمُوتَ. قَالَ لِيَ الرَّبُّ: قَدْ أَحْسَنُوا فِي مَا تَكَلَّمُوا. أُقِيمُ لَهُمْ نَبِيًّا مِنْ وَسَطِ إِخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ، وَأَجْعَلُ كَلاَمِي فِي فَمِهِ، فَيُكَلِّمُهُمْ بِكُلِّ مَا أُوصِيهِ بِهِ. وَيَكُونُ أَنَّ الإِنْسَانَ الَّذِي لاَ يَسْمَعُ لِكَلاَمِي الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِهِ بِاسْمِي أَنَا أُطَالِبُهُ“[61]. ألا يوضّح ذلك بالصورة والمثال إلى أي مدى تحتاج البشرّية بسبب ضعفها إلى وسيط؟ ولك هنا أمر آخر يجب أن نلتفت إليه.
إرميــــا: ما هو هذا الأمر؟
كيرلس: حينما اقترب الشعب من موسى قالوا له “تَكَلَّمْ أَنْتَ مَعَنَا فَنَسْمَعَ. وَلاَ يَتَكَلَّمْ مَعَنَا اللهُ لِئَلاَّ نَمُوتَ“، وهذا الأمر طلبوه في حوريب في يوم الاجتماع، عندما ظهر لهم الله على هيئة نار على جبل سيناء، وقد قَبِلَ الربّ كلامهم ورتّب الخالق حسب سابق علمه وساطة موسى كمثال لوساطة المسيح وقال “قَدْ أَحْسَنُوا فِي مَا تَكَلمُوا. أُقِيمُ لهُمْ نَبِيّاً مِنْ وَسَطِ إِخْوَتِهِمْ مِثْلكَ”[62]. وهذا يعنى بوضوح ضرورة وجود وسيط لكي ينقل الوصايا الإلهية الآتية من فوق، ويُظِهر للشعب إرادة الله. ولا نحتاج إلى جهد كبير لنفهم أن هذه الأمور تنطبق على المسيح الذي صرخ بصوت مدوي قائلاً “لأَنِّي لَمْ أَتَكَلَّمْ مِنْ نَفْسِي، لكِنَّ الآبَ الَّذِي أَرْسَلَنِي هُوَ أَعْطَانِي وَصِيَّةً: مَاذَا أَقُولُ وَبِمَاذَا أَتَكَلَّم“ُ[63]. وأيضًا يقول “الْكلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ لَسْتُ أَتَكَلَّمُ بِهِ مِنْ نَفْسِي لَكِنَّ الآبَ الْحَالَّ فِيَّ“[64] ويقول عنه الحكيم يوحنا “وَمَنْ قَبِلَ شَهَادَتَهُ فَقَدْ خَتَمَ أَنَّ اللَّهَ صَادِقٌ. لأَنَّ الَّذِي أَرْسَلَهُ اللَّهُ يَتَكَلَّمُ بِكلاَمِ اللَّهِ“[65]. والآن أيها الصديق المحبوب، هل ستقبل الحق الكامن في هذا الكلام أم سترفضه؟
إرميـــا: أرفضه؟! إطلاقًا لا …
كيرلس: إذن هذا هو ما قيل لنا عن موسى، هل تريد أن نؤكد شيئًا آخر علاوة على ما قيل لكي يشرح لنا وساطة الابن أم نترك هذا الموضوع ونتحدّث في موضوع آخر؟
إرميـــا: أيها الشجاع، أليس أحرى بنا أن نستفيد من الموضوع الذى بين أيدينا بدلاً من أن نفتح بابًا أخر للمناقشة، علمًا بأن لا شئ يمنعنا من ذلك؟
كيرلس: إذن سأوجّه حديثي في الاتجاه الذي سيروقك وأقول: نعرف إن قورح وداثان وأبيرام وُلِدوا من سبط لاوي ولكن القرعة كانت قد وقعت عليهم لا لكي يصيروا كهنة، لكن لكي يخدموا في خيمة الشهادة وكانوا لاويين، وهذا الأمر كان على قدر قامتهم. ولكنهم قد اشتهوا رتبة الكهنوت قبل الأوان ولم يقنعوا بالشرف الذي حباهم به الله، فاندفعوا إلى الأمام وأهاجوا الشعب على موسى وهارون وتكلّموا بكلام مّر ضد رجل مُسالم، وحينئذ عاقبهم القاضى العادل بأن هلكوا مع منازلهم حينما انفتحت الأرض وابتلعتهم هم و أولادهم وبهائمهم ومقتنياتهم. وحينئذ قام بعض أتباعهم بغباء بالهجوم على موسى فاستدعوا غضب الطبيعة الإلهية عليهم، إذ قال الله لموسى وهارون “افْتَرِزَا مِنْ بَيْنِ هَذِهِ الجَمَاعَةِ فَإِنِّي أُفْنِيهِمْ فِي لحْظَةٍ! فَخَرَّا عَلى وَجْهَيْهِمَا… قَال مُوسَى لِهَارُونَ: خُذِ المَجْمَرَةَ وَاجْعَل فِيهَا نَارًا مِنْ عَلى المَذْبَحِ وَضَعْ بَخُورًا وَاذْهَبْ بِهَا مُسْرِعًا إِلى الجَمَاعَةِ وَكَفِّرْ عَنْهُمْ لأَنَّ السَّخَطَ قَدْ خَرَجَ مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ. قَدِ ابْتَدَأَ الوَبَأُ. فَأَخَذَ هَارُونُ كَمَا قَال مُوسَى وَرَكَضَ إِلى وَسَطِ الجَمَاعَةِ وَإِذَا الوَبَأُ قَدِ ابْتَدَأَ فِي الشَّعْبِ. فَوَضَعَ البَخُورَ وَكَفَّرَ عَنِ الشَّعْبِ. وَوَقَفَ بَيْنَ المَوْتَى وَالأَحْيَاءِ فَامْتَنَعَ الوَبَأُ“[66]. هل بعد كل ذلك يا إرميا تحتاج وساطة الابن الوحيد إلى شرح؟
إرميـــا: الأمر واضح و لكن في رأيي أنه يجب فحص مغزى هذا الحادث بأكثر دقة. ومَنْ غَيركَ أَقَدرْ على فعل ذلك ؟
كيرلس: ألا ترى أن هارون يشكّل منذ القديم صورة ومثالاً لكهنوت مخلّصنا. هارون الذي كان يرتدى رداءً حتى قدميّه، ويلبس ما نسمّيه غطاء الكتف وعلى جبهته صفيحة من ذهب، وكان يُسمح له أن يدخل إلى قدس الأقداس مرَّة فقط كل عام ويرش الدّم، كفارة عن كلّ الشعب؟
إرميـــا: بالصواب قلت، وهكذا يقول بولس ذو الصوت الإلهي “وَأَمَّا الْمَسِيحُ، وَهُوَ قَدْ جَاءَ رَئِيسَ كَهَنَةٍ لِلْخَيْرَاتِ الْعَتِيدَةِ، فَبِالْمَسْكَنِ الأَعْظَمِ وَالأَكْمَلِ، غَيْرِ الْمَصْنُوعِ بِيَدٍ، أَيِ الَّذِي لَيْسَ مِنْ هَذِهِ الْخَلِيقَةِ. وَلَيْسَ بِدَمِ تُيُوسٍ وَعُجُولٍ، بَلْ بِدَمِ نَفْسِهِ، دَخَلَ مَرَّةً وَاحِدَةً إِلَى الأَقْدَاسِ، فَوَجَدَ فِدَاءً أَبَدِيًّا.”[67].. ومَنْ يستطيع أن ينكر مهما كان مستوى معرفته قليلاً، الحقيقة الساطعة أن هذه الأمور القديمة إنما هي ظلال وصِوَر لما فَعَلَه المسيح؟
كيرلس: وهكذا نحن قَبِلنا يسوع المسيح رئيس كهنة ورسول اعتراف إيماننا. ولنعترف جميعًا وبصدق، وبدون أن نجعل إرادتنا ضد إرادة الله و معجزاته، إننا نحن سكان الأرض قد أغضبنا الخالق وأهنّا الذي أراد أن يعطى للبشر المجد والكرامة على قدر احتمالهم، وهكذا دخل إلينا الفساد الذي سحقنا بالموت ” لَكِنْ قَدْ مَلَكَ \لْمَوْتُ مِنْ آدَمَ إِلَى مُوسَى وَذَلِكَ عَلَى \لَّذِينَ لَمْ يُخْطِئُوا عَلَى شِبْهِ تَعَدِّي آدَمَ “[68]. ولقد وَسَعَّت الهاوية نفسها، كما يقول النبي إشعياء، وفغرت فاها بلا حد..[69]. وكان يمكن أن تفنى الأرض عن بكرة أبيها، وذلك بوقوعها في فخ لا يمكن أن تخرج منه لو لم يأتِ الحلّ الإلهي من فوق، من السموات، وذلك بأن ينزل إلينا الابن الوحيد، وتّم ذلك حسب مسرّة الله الآب، إذ “أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ“[70] وصار رئيس كهنة، وقدّم نفسه بخورًا لأجلنا إلى الله الآب لكي يُسقِط الغضب ويمنَع الوباء: “وَوَقَفَ بَيْنَ المَوْتَى وَالأَحْيَاءِ فَامْتَنَعَ الوَبَأُ”[71]. وبعد هذا كلّه ألا يرى الإنسان بكل وضوح ويدرك أن يسوع صار وسيطًا بين الله والناس؟ فالمعركة انتهت لصالحنا وكل حائط قديم يفصلنا عن الله قد هُدِمَ. واقتربا اللذين كانا قبلاً منفصلين من بعضهما، أقصد الله والبشرّية. وكان المسيح هو عامل التقارب الذي وحّد في نفسه ما هو فوق وما هو أسفل أي الله و الإنسان. وكما قال الصوت الإلهي بولس: “هُوَ سَلاَمُنَا، الَّذِي جَعَلَ الاِثْنَيْنِ وَاحِدًا، وَنَقَضَ حَائِطَ السِّيَاجِ الْمُتَوَسِّطَ”[72]. وفى موضع أخر يقول: “فَإِذْ قَدْ تَبَرَّرْنَا بِالإِيمَانِ لَنَا سَلاَمٌ مَعَ اللهِ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ“[73].
إرميـــا: لقد رفع المسيح الخطيّة التي كانت تعوق محبتنا لله وأُلفَتنا معه[74]، وهكذا أبطل العداوة. هل بهذه الطريقة نعتبره وسيطًا، أم هناك طرق أخرى ومظاهر أخرى للوساطة؟ سوف أسعد بإجابتك على هذا السؤال لأني ظمآن إلى أن أتعلّم منك.
كيرلس: بكل سرور وبدون تردد أقول إنه أبطل العداوة بجسده[75] حسب المكتوب، وصار وسيطًا ومصالحًا لنا، نحن الذين سقطنا من محبة الله بسبب مَيِلنَا لملذّات العالم، وعَبَدْنا المخلوق دون الخالق[76]، فقدّمنا فى ذاته لله الآب[77] واقتنانا لنفسه مُبرِرًا إيانا بالإيمان و نحن لا نقول أبدًا إن هذا العمل التدبيري هو العمل الوحيد الذي أظهر به المسيح وساطته، ولكن يمكننا ذكر أمور أخرى مملوءة بالاسرار تكون بها الوساطة قولاً وفعلاً.
إرميــــا: ماذا تعنى بذلك؟
كيرلس: وهل أعنى شيئًا غير المكتوب: “فَلْيَكُنْ فِيكُمْ هَذَا الْفِكْرُ الَّذِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ أَيْضًا: الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً لِلَّهِ. لَكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ، وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ“[78]، فالمسيح الذي هو بهاء وصورة الله الآب وشكله، وهو كلمة الله، الذي هو من الله وفى الله، أخلى ذاته وصار إنسانًا وذلك بإرادته ومسّرة أبيه، ولم يكن مجبرًا على فعل هذا. ومع صيرورته إنسانًا ظلَّ محتفظًا بكرامة اللاهوت وأخذ ما للإنسان حسب التدبير.
ونحن نرى أن الابن واحد من اثنين، إذ فيه التقت الطبيعتان الإلهية والإنسانية واتحدتا في واحد بشكل غير موصوف ولا يُعَّبر عنه. وبكل تأكيد نحن لا نعنى أن كلمة الله قد تحّول إلى الطبيعة الجسدّية الأرضّية ولا الجسد تحّول إلى طبيعة الله الكلمة. والذي يتبنّى أحد هذين الموقفين المتطرّفين لابد أن يكون مختل العقل. فكل من الطبيعتين تبقى في خصوصيتها ولكنهما تُعدّان في وحدة تامة لا تنفصل، وهذه الوحدة يكشفها تعبير “المسيرة الواحدة”[79]، فهو نفسه إنسان وإله. وحينما نقول الله فنحن لا نلغى الإنسانية بعد الاتحاد وحينما نقول إنسان فنحن لا ننفى صفات اللاهوت، وهذا واضح للذي يريد أن يفكر في الأمر بطريقة مستقيمة[80].
وهو الابن الوحيد والكلمة لأنه المولود من الله الآب، وهو البكر بين إِخوَة كثيرين[81] لأنه صار إنسانًا، ولُقِبَ بـ “الابن الوحيد” الذي هو لقب خاص باللوغوس، يطلق أيضًا على اللوغوس متحدًا بالجسد. ونفس الأمر مع لقب “البكر” فهذا اللقب لم يكن لَقَبَه قَبِلْ التجسّد، ولكنه صار لقبًا له بعد التجسد. وهو وسيط بهذا المعنى: إنه جمع ووحّد في شخصه أمورًا متباعدة فيما بينها، وهى اللاهوت والناسوت، الله والإنسان، وربط الإنسان بوساطته بالله الآب لأنه هو واحد مع الآب في الطبيعة، لأنه كائن فيه ويحيا فيه. وهو واحد في الطبيعة مع البشر لأنه خرج من بينهم، وحاضر وسطهم، وذلك لأنه ليس غريبًا عنا فيما يخص إنسانيته وهو عمانوئيل الذي شابهنا في كل شئ ما خلا الخطية وحدها.
إرميـــــا: هذا رأي مستقيم مائة في المائة، وهكذا وصلنا بالضرورة إلى الإيمان بأن الابن مساوٍ للآب في الجوهر.
طبيعة الوحدة بين الآب والابن:
كيرلس: الابن مساوٍ للآب في الجوهر، لأنه بالحق خرج من الآب، وهو فيه بالطبيعة والجوهر. وكما إننا لا نستطيع أن نقول بشكل قاطع إنه مساوٍ لنا في الجوهر بدون أن يكون قد صار إنسانًا، كذلك بنفس الدرجة لا نستطيع أن نقول إنه في الله وواحد معه، إلاّ إذا كان له فعلاً كل خصائص طبيعته، ولا كان ممكنًا للبشر أن يكونوا شركاء الطبيعة الإلهية إلاّ بواسطة الغنى الذي سكبه عليهم الابن، وبواسطته. إن الابن له اتحاد حقيقي وطبيعي بالآب، ونستطيع بدون عناء أن نتعرّف على مكانة الابن من حديثه مع الآب السماوي حينما يقول: “لِيَكُونَ الْجَمِيعُ وَاحِدًا كَمَا أَنَّكَ أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ فِيَّ وَأَنَا فِيكَ لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضًا وَاحِدًا فِينَا لِيُؤْمِنَ الْعَالَمُ أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي. وَأَنَا قَدْ أَعْطَيْتُهُمُ الْمَجْدَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي لِيَكُونُوا وَاحِدًا كَمَا أَنَّنَا نَحْنُ وَاحِدٌ. أَنَا فِيهِمْ وَأَنْتَ فِيَّ لِيَكُونُوا مُكَمَّلِينَ إِلَى وَاحِدٍ“[82].
إرميـــا: وإذا قالوا إن وحدة الابن مع الآب، تشبه ما نلاحظه فى علاقاتنا نحن البشر، فبماذا نجيب؟ دعنى أوضح ما أريد قوله. مكتوب: “َكَانَ لِجُمْهُورِ الَّذِينَ آمَنُوا قَلْبٌ وَاحِدٌ وَنَفْسٌ وَاحِدَةٌ”[83]، فعلى الرغم من كونهم نفوسًا عديدة صاروا نفسًا واحدة. وهذا لا يعنى وحدة الطبائع ولكن وحدة الإرادة والهدف والفكر، ولأن الابن له نفس مسرّة الآب، فهو واحد معه فى الإرادة والفكر مثلنا نحن البشر فى علاقتنا بعضنا ببعض. وهكذا يذهب هؤلاء البؤساء إلى كل مكان ويدمّدمون بهذه الكلمات.
كيرلس: ولكن هذا يدل مرّة أخرى على أنهم يرتكبون جريمة واضحة بغباوتهم التى وصلت إلى حد بعيد، وأن حالة من التوتر تقود أفكارهم. ومعروف أن الأفكار المنحرفة إنما تصدر عن أناس فقدوا إتزانهم، وكما هو مكتوب أن “اللَّئِيمَ يَتَكَلَّمُ بِاللُّؤْمِ وَقَلْبُهُ يَعْمَلُ إِثْمًا لِيَصْنَعَ نِفَاقًا وَيَتَكَلَّمَ عَلَى الرَّبِّ بِافْتِرَاءٍ”[84]. وكيف لا نرى اللؤم والجهل والعبث الذى وصل إلى حد لا يطاق فى حديثهم وتأييدهم لفكرة أن وحدة الابن مع الله الآب ليست أمرًا جوهريًا؟ بل هى أمر اختيارى أو اتحاد بالإرادة، وهو بذلك لا يختلف كثيرًا عن البشر المدعوّين للتبني، والذين يطلق عليهم الاسم الإلهي بإرادة الآب بسبب أن فضائلهم جعلتهم أهلاً للحصول على هذا المجد العظيم. وبهذا الشكل ماذا يمنع أي واحد من القديسين من أن يفكر، بما إنه صَنَع ما يرضى الله ومسّرة السيد، فيمكنه أن يستخدم كلمات الابن الوحيد ويتوّجه بها إلى الآب قائلاً “كَمَا أَنَّنَا نَحْنُ وَاحِدٌ“؟[85]. فليُظهروا لنا إذا كان أحد القديسين قد تجرأ ونطق بهذا الكلام. والحقيقة أن القديسين كلّما وصلوا إلى مرتبة عالية في القداسة، كلّما تذّكروا خطاياهم ولم ينسوا طبيعتهم البشرية[86]. وهناك آلاف الشواهد الكتابيّة على ذلك، ولكنى أترك هذا التدرّيب الروحي للذين يحّبون العلوم المقدّسة، غير إنى سأواجه ما يقدّم من حجج، وأعود إلى الوراء قليلاً لأكلّمهم عن الوحدة كما نحياها نحن البشر فيما بيننا، إنها وحدة بالإيمان كما يتفق على ذلك الجميع، هذه التي تقرّبنا من بعضنا وليس هناك اختلاف في الجوهر يمكن أن يفرّق بيننا حتى ولو كان لكل واحد فينا أقنومه الخاص. نحن جميعًا واحد في الجوهر الإنساني الواحد، أما فيما يخص وحدتنا مع الله، فالأمر لا يقتصر على مجرد ميل الإرادة، ولكن هناك عامل أخر يُكلّمنا عنه الطوباوي بولس حينما يقول “فَإِنَّنَا نَحْنُ الْكَثِيرِينَ خُبْزٌ وَاحِدٌ جَسَدٌ وَاحِدٌ لأَنَّنَا جَمِيعَنَا نَشْتَرِكُ فِي الْخُبْزِ الْوَاحِدِ”[87]. وهل تجهل أن الأمم يتحدّون بالمسيح بالإيمان والأولوجيا (البركة) السرائرية؟
إرميــــا: لا طبعًا أنا لا أجهل ذلك ..
كيرلـس: هل نحن فيما بيننا نحيا في وحدة الطبيعة والإرادة مثل تلك الوحدة التي سوف نكتشف إنها لنا في المسيح.
إرميــا: ماذا تريد أن تقول، فإني لا أستطيع أن أفهمك بسهولة.
كيرلس: لا يوجد شئ صعب في هذا الكلام، وما أقوله يفهمه كل إنسان حكيم ومطلّع على الأمور. نحن الذين ننتسب للبشّرية، نحن نرتبط أولاً بعضنا ببعض ارتباطًا وثيقًا، وذلك برباط طبيعتنا الواحدة وفى نفس الوقت مرتبطون ومتحدون بطريقة أخرى، فكل منا له أقنومه الخاص، فالواحد بطرس والآخر يوحنا، وواحد توما والآخر متى، وقد صرنا أعضاء في جسد المسيح، نتغذى على نفس الجسد ومختومين في الوحدة بالروح القدس. ولأن المسيح غير منقسم فنحن واحد فيه وهذا هو السبب وراء قوله للآب السماوي “لِيَكُونُوا وَاحِدًا كَمَا أَنَّنَا نَحْنُ وَاحِدٌ“. ففي المسيح وبالروح القدس نحن واحد بالجسد وبالروح. وما نعيبه على الذين لهم رأى أخر إنهم لا يفهمون النصوص الخاصة بطبيعتنا البشرية.
إرميـــا: إنهم مخطئون وملامون بكل تأكيد، ولكن اسمح لي ـ أنا المشتاق للمعرفة ـ أن أسألك، إذا كنا نقبل أن يُقال إن الابن متحد بالآب تمامًا مثل اتحادنا نحن ببعضنا البعض، أم أن وحدة الابن بالآب أسمى من وحدة البشر؟
كيرلس: الابن متحد بالآب مثلنا، وفى نفس الوقت أسمى منا، فالكلّ متفقون على أنه واحد في الجوهر (هوموأوسيوس) مع ذاك الذي وَلَده، لأنه ابنه الحقيقي. وهذا الأمر كائن في أقنومه الخاص، ولكن وحدتهما طبيعية، ولا يمكن أن تتعّرض الأقانيم لأي تغييّر كما يظن البعض، بحيث إن نفس الأقنوم يكون أبا وابنًا. ولكن كل أقنوم قائم بذاته ويمتلك وجودًا خاصًا به. ووحدة الجوهر هي التي تُعرِّف وحدة الأقانيم معًا.
إرميــا: أتريد أن تقول إن الابن موجود بجوهره الذاتي (῎ιδια οὐσία) بجانب جوهر الآب ؟
كيرلس: ليس بجوهر أخر غير جوهره كإله، ولكن بأقنومه الخاص كابن.
إرميــــا: إذن يجب أن نميّز بين الجوهر و الأقنوم.
كيرلس: نعم، هناك فارق كبير بين الاثنين وذلك لأن الجوهر يحتوى كل الصفات الجوهرية.
إرميـــا: كيف تشرح ذلك، أعذرني لأني بطئ الفهم في مثل هذه الأمور.
كيرلس: يجب أن تعرف أنه حتى بالنسبة لي شخصيًا، فالحديث في هذه الأمور ليس بالأمر السهل، ولكن لابد أن نفحص الأمر، فالجوهر هو حقيقة مشتركة، بينما الأقنوم يُطلق على الأقانيم المُشتَرِكة في هذا الجوهر الواحد، انتبه فسوف أشرح لك ذلك:
إرميــا: وكيف يكون ذلك؟
كيرلس: نحن نُعرّف الإنسان بأنه “حي وناطق وفاني” وهذا هو المفهوم المناسب له، ونحن نقول إن هذا يُعبّر عن جوهره. وهذا التعريف ينطبق على كل الأفراد فردًا فردًا، وهنا يجد توما ومرقس وبطرس وبولس مكانهم الصحيح حسب اعتقادي، وهكذا نحدّد الجوهر ولكننا لا نحدّد بعد ماهية الأشخاص الذين نتكلّم عنهم بشكل دقيق. فحينما نقول “إنسان” بشكل عام فهو ليس بطرس ولا بولس، وحينما نقول توما وبطرس فنحن لا نخرج من حدود ما نسميه بالجوهر الواحد وهذا لا يقلّل من كل منهم “كإنسان”، فقد أظهرناه موجودًا بأقنومه الخاص.
إذن الجوهر هو لكل إنسان دليل على النوع، أما الأقنوم فهو يطلق على كل واحد في ذاته، دون أن ننسى أنه يشير أيضًا إلى شركة الجوهر ولكن دون أن نخلط بين العام والخاص.
إرميــــا: الآن أفهم ما تعنى، لأن عرضك لا يخلو من لباقة وبراعة.
كيرلس: وبقولنا واعترافنا بأن الابن “هوموأوسيوس” مع الله الآب، نُقّر أيضًا أن له “أقنومه الخاص” وهذا معناه أنهما متحدان ومتميّزان في نفس الوقت. وهكذا نصل من الوحدة إلى تمايز الأقانيم. ووحدة الجوهر في كل شئ، والوحدة والمساواة القائمة بين الآب والابن تتعدى تمايز الأقانيم في الآب والابن وتُقدمهما بشكل غير منقسم، ولا نستطيع أن ننزع عن كل أقنوم ما هو خاص به، وذلك لأن الواحد آب وليس ابنًا والابن ابن وليس أبًا.
إرميــا: إذا وافقتني، نستطيع القول إنه يوجد جوهران الآب والابن وهكذا فالتمايز يصير واضحًا .
كيرلس: لا يمكن أن نميّز جوهرين، لا تترك نفسك تُخدع بآراء أولئك الناس ذوى الأفكار الفاسدة، لا تترك الطريق الممّهدة، لتضيع في متاهات.
إرميــــا: كيف يكون ذلك؟
كيرلس: إذا قلنا إن هناك طبيعة للآب وطبيعة أخرى للابن منفصلة عن الأولى، فسنصل إلى أن نفصل بينهما. لأنه بالنسبة للبشر لا يمكن أن نقول “جوهر وجوهر آخر، ونوزّع على كل كائن خاص، الصفات المشتركة، كما لو كانت تخصه هو وحده، وفى الحقيقة إذا قبلنا مبدأ وجود أكثر من جوهر واحد كوسيلة لإظهار التمايز، فإن الجوهر العام الواحد سوف يضيع وسوف يؤدى الاختلاف الجوهري (حسب تصورهم) إلى خلق حالة من الانفصالية والاختلاف، وهكذا نصل إلى وجود تعدّد[88] واختلاف حسب الطبيعة.
إرميـــا: أعتقد أن هذا صحيح .
كيرلس: بهذا الشكل لا يتبقى لنا إلاّ أن نقول إن كان الابن حسب رأيهم ليس مساويًا لله الآب في الجوهر، وأنه من جوهر آخر مختلف ومن طبيعة أخرى فهذا يُخرجنا من الحدود التي تُعرّف بها الألوهة. ففي حالة كون الابن له جوهره الخاص، فسيكون غريبًا عن جوهر الله الآب.
عودة إلى موضوع الهوموأوسيوس (الواحد في الجوهر) ووساطة الابن :
إرميــــا: إنهم يؤكدون أن الابن مختلف عن الآب حسب الطبيعة. ولهذا فهم لا يقولون شيئًا عن “مساواته للآب في الجوهر”، وأضافوا ملحوظة غريبة وهى أننا يجب أن نسميّه “مشابه للآب في الجوهر” مع الاحتفاظ بلقبه كوسيط، معتبرين أن هذا أنسب لقب له.
كيرلس: وماذا نُسمىِّ ذلك إلاّ لونًا من الهذيان وثرثرة العجائز؛ إنهم يعطونه طبيعة متوسطة ثم يقولون إن هذا يفرض علينا أن نسميّه “وسيطًا”، وإلى أين يؤدى بنا هذا الكلام؟ وإلى أي فكر سنصل؟ أنا لا أرى مخرجًا، وإذا كنت تعرف أنت فقل لي، فإن اشتياقي للمعرفة لا يساويه شئ في الكون.
إرميــــا: وماذا أستطيع أن أقول أمام هذه الأمور؟
كيرلس: اسأل نفسك وتعلّم بأقصى سرعة إذا كان الوسيط هو مولود أو مخلوق، أهو الله الحقيقي أم نحسبه من ضمن المخلوقات، وحسب رأى أولئك لا هو الله الحقيقي ولا هو مخلوق بشكل واضح فأي موضع سنجد له بين الكائنات؟ وحتى لو تركت نفسي للتأملات العالية، لا أجرؤ أن أقول شيئًا.
إرميـــا: إنه موجود (حسب رأيهم) بين الاثنين، الله والخليقة ولهذا فهُم يدعونه وسيطًا.
كيرلس: لا يوجد كلام غير واضح مثل ذلك ولا تفكير غبي مثل هذا التفكير. وحتى ولو تتبّعنا كل درجات الكائنات وفحصنا طبائعها بشكل دقيق، فلن نجد طبيعة مجرّدة من كل معايير الألوهة الحقة، وهى لا تخضع لمفهوم الكائن المخلوق، طبيعة تشكّل لونًا من ألوان الكائنات الأكثر سموًا من البشر. فهل هناك كائن متوسط بين المولود وغير المولود، بين المخلوق وغير المخلوق، بين المتغّير وغير المتغّير؟
إرميـــا: لا أعتقد ذلك والحق معك .
كيرلس: حينما نفحص الطبائع في مجملها، نجد اثنتين:
الأولى هي الكائنة دائمًا والمكتفيّة بذاتها، والثانية هي التي تحصل على الوجود بالخلق. والطبيعة الكائنة بشكل غير مخلوق تعلو على كل شئ، وتملك كل إمكانيات التفوّق والسمّو، والأخرى توجد تحت أقدام سيدها. ونتّعلم ذلك بوضوح من كلام المسيح مع جمع اليهود: “أَنْتُمْ مِنْ أَسْفَلُ أَمَّا أَنَا فَمِنْ فَوْقُ“ويشرح الحكيم يوحنا كيف جاء إلينا الابن الوحيد من فوق “اَلَّذِي يَأْتِي مِنْ فَوْقُ هُوَ فَوْقَ الْجَمِيعِ”[89]. وهو يعتقد أنه يجب أن نُعطِى للذي هو الله بالطبيعة كل المقام الذي يليق به، لأن قوله “من فوق” ليس المقصود به المكان أو الارتفاع، ولكن يدل على جوهر الآب. وكيف نترّدد في ذلك وقد قال أحد القديسين بوضوح “كُلُّ عَطِيَّةٍ صَالِحَةٍ وَكُلُّ مَوْهِبَةٍ تَامَّةٍ هِيَ مِنْ فَوْقُ، نَازِلَةٌ مِنْ عِنْدِ أَبِي الأَنْوَارِ، الَّذِي لَيْسَ عِنْدَهُ تَغْيِيرٌ وَلاَ ظِلُّ دَوَرَانٍ”[90]؟ فإن مَنْ يفوق الملائكة والكائنات الاسمي منها ـ ليتفوّق على السيرافيم أنفسهم ـ فلن يكون قد تعدّى الطبيعة الخاضعة للتغيّير أي المخلوقة. لأنه إما أن يكون “من فوق” أي من أبى الأنوار، والوحيد الذي من فوق هو الابن، أو أن نعتبره “من أسفل” وبالتالي فهو ينتمي إلى الخليقة، وبين الخالق والخليقة لا يوجد شئ. وإذا سألنا هؤلاء الذين يقفون ضدنا، هل الابن خاضع للتغيّير أم لا؟ وكيف يكون وسيطًا وخاضعًا للتغيير؟ ماذا سيقولون؟
إرميــــا: أعتقد أنهم سيقعون في مأزق.
كيرلس: في مأزق؟! وأي مأزق، لأنه مكتوب: “لأن الحق حي وهو غالب وسيغلب إلى الأبد”[91] ولنحاول أن نفحص بأنفسنا النهاية التي سوف يقودنا إليها التمعّن في الطريقتين. فإذا قالوا إن هذا الوسيط غير خاضع للتغييّر أي غير مولود، فإنهم بهذا ينسبون إليه الطبيعة اللائقة بالله، وبهذا فإنهم يظهرونه وكأنه يتعدّى حدود الوساطة، ويصير أعلى من وضعه الطبيعي، لأن الذي هو فوق الجميع هو الله حسب المجد والطبيعة، وله خصوصية عدم التغييّر ويستحيل أن نضع هذه الطبيعة بين الطبائع الخاضعة للتغّير والفساد. وإذا تراجعوا وقالوا إنه مخلوق، فكيف ينفرد عن باقي المخلوقات وبأي حق؟ فكيف يكون وسيطًا مَنْ هو أصغر من الله بالطبيعة وأكبر من المخلوقات بالطبيعة؟ فلو أنه غير قابل للتغيّير فسوف يرتفع إلى مجد اللاهوت ويتعدّى حدود الوساطة. وأما إذا كان قابلاً للتغييّر فسوف يهبط إلى أسفل، ويصير غير أهل للوساطة لأنه سيتساوى مع باقي الكائنات. ما هذه السفسطة الخالية من كل محبة حقيقية للحكمة!.
والذي يُقدّم أمرًا على أنه مفهوم وهو غير مفهوم ويوهمنا أنه يمكن أن نحدد مكانًا لطبيعة ما، لا يستطيع أي فكر أن يصل إليها، فهذا يعتبر كلام مبتدع وغير مفهوم، بينما الكلام في مثل هذه الأمور يجب أن يكون واضحًا. وهكذا يتضّح أنهم يخدعون الناس بأفكارهم غير المنطقية وأعمالهم الخالية من التقوى. وهم بهذا يَهينون الابن ويحرمونه من المساواة مع الله الآب في الطبيعة ويحاولون أن يجدوا له وضعًا وسطًا، أو مجدًا صغيرًا بأن يرفعوه قليلاً فوق الكائنات المتغيّرة، ويُغلقون عليه الطريق إلى الآب، ويحرموننا من رؤيته إلهًا بالطبيعة. وهم بهذا يحددّون له المجد الذي يتلائم مع أفكارهم وأمزجتهم. وهؤلاء الناس أُشبهّهم بصانعي التماثيل وهم ذوو صيت في هذه الحرفة، فهم ينحتون الخشب أو الصخر ويُعطونه شكلاً إنسانيًا ثم يُضيفون عليه من الخارج قشرة من الذهب أو ألوانًا أخرى جذابة حتى يفتنوا العيون التي تنظر إليها، وهكذا يصرفون النظر عن التمتّع بما هو مُخفى في الداخل، ويصلون إلى إقناع الناظرين بأن يستنفذوا كل فرحهم واهتمامهم بالشكل الخارجي الفاني. وفى رأيي أن هذا هو ما يحدث تمامًا في حديثهم عن الوسيط. فهم يخدعون عقول البسطاء بأفكار جذابة وشكليّة، وهؤلاء (البسطاء) لا يستطيعون أن يسبروا أغوار أفكارهم المتناقضة واستنتاجاتهم المزيّفة.
إرميــــا: ما أروع هذا الكلام .
كيرلس: وإذا كان لديهم أقل تقدير للتفكير السليم فما كان يجب أن يلصقوا بالمسيح أمورًا غير مفهومة ولا أن يطلقوا العنان للتعبيرات التى تصدر من مجرد تأملات نظّرية بلا مضمون فعلى، ويجب عليهم أن يروا بوضوح وبلا دوران أن الابن يسكن في الأعالي اللاهوتية أي أنه من ذات طبيعة الآب ـ وما عليهم سوى التمعّن في الأمر ـ فالابن مولود من الآب، أي صادر من جوهره، ولأنه ابنه فلابد أن يكون له نفس الجوهر. ألم يعلن الله الآب نفسه أن الابن هو “ابن حقيقي وليس شيئًا آخرً حينما أعلنها مدوّية “هذَا هُوَ ابْني الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ“[92]. ولماذا لا نتصّور أنه يقول “هذا هو الوسيط بيني وبين الناس”؟ وأعتقد أنه كان سيقولها، لو كان قد وضع في حسابه أنه سوف يوجد مَنْ يتصّور وساطة الابن بهذا الشكل المريض. ولكن حتى لو اكتفينا بقوله “ابني الحبيب” فقد قال الله كل شئ بهذه العبارة، لأنه حدّد فعلاً مَنْ سيكون وسيطًا. بينما فيما يخص الإعلان عن الابن الذي صار إنسانًا، فالله الآب له الحرّية أن يختار الاسم المناسب. وقل أنت هل وَصَلَت بهم الحماقة والغباء إلى درجة أنهم لا يعترفون به حتى كابن.
مضمون تعبيرّى “ابن” و”ولادة”:
إرميـــا: إنهم يقولون إنه ابن وإنه مولود، ويخجلون من أظهار أنهم يتناقضون مع الكتب المقدَّسة، إذ هم لا يرونه مولودًا من جوهر الآب ولا يرون أنفسهم ملزمين بقبول الولادة كأمر خاص بالطبيعة.
كيرلس: إنهم يعطون معنى مزيفًا لتعبيري البنوّة والولادة. فهم يبعدونهماـ كما ترى بنفسكـ عن جوهر الله الآب. وهكذا يزدرون بالمعنى الصحيح للولادة وبذلك يحرمون الابن من كونه ابنًا بالطبيعة. ولكنهم إن كانوا يعتقدون أنهم حاذقون وذوو رؤية ثاقبة وقد أصابتهم أفكارهم بنشوة كبيرة، فكيف فاتتهم الحقيقة الواضحة وهى أنهم بأفكارهم هذه إنما يقللّون من كرامة الله الآب نفسه؟ لأنهم بهذا يؤكدون أنه عقيم ولا قدرة له على الولادة بينما الخصوبة مغروسة في طبيعة الكائنات الفانية، وهى بنعمته تثمر وتملأ الأرض.
إرميــا: ربما يقولون إنه إذا طبقّنا مبدأ الولادة على الله فهناك آلاف المولودين الذين يجب نسبتهم لله كما يقول الكتاب بخصوص الشعب: “رَبَّيْتُ بَنِينَ وَنَشَّأْتُهُمْ…“[93].
كيرلس: هؤلاء الذين يقولون هذا ينطبق عليهم ما يقوله الطوباوي داود إنهم “َيتَعَلَّلَون بِعِلَلِ الشَّرِّ مَعَ أُنَاسٍ فَاعِلِي إِثْمٍ“[94]، فإذا اتفقنا أن ننسب للابن شيئًا آخرً فيما يخص طبيعته وحسب ما نؤمن به فهو إنه ابن وإنه مولود. وهم قد ارتكبوا خطأ كبيرًا ضد الحق حينما غيرّوا طبيعة الابن وذلك لكي ينعتوه “بالوسيط”. وسوف نقنعهم بأنهم قد صنعوا بمماحكة الكلام خرافات مصطنعة ولم يتوقفوا حتى أنزلوه من عُلُّوه الجوهري مع الآب. وحتى بعد هذا لم يكف هؤلاء البؤساء من أن يصفوا الابن الحقيقي بأحط الألفاظ حتى دَعُوه ابن “زنا”. فالابن الوحيد لم يرتفع إلى المجد، مجد التبنّى، لكونه من نفس طبيعتنا ولكونه اشترك معنا فى كل شئ، فهذا محض افتراء، لأنه بذلك يكون قد صار ابنًا بالنعمة مثلنا ويُحسب فى عداد الخليقة. ولكن هذا الكلام لا يتعدى الهذيان، والثرثرة وركام من الأفكار الكافرة. فالابن الوحيد لا يحتاج أن يصير على مستوى الأولاد بالتبنى لأنه يدرك سمو مكانته الإلهية، وعمق بنوّته الطبيعية لله. ولهذا لا نجد صعوبة فى فهم ما قاله لليهود “إِنْ قَالَ آلِهَةٌ لأُولئِكَ الَّذِينَ صَارَتْ إِلَيْهِمْ كَلِمَةُ اللهِ، وَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يُنْقَضَ الْمَكْتُوبُ، فَالَّذِي قَدَّسَهُ الآبُ وَأَرْسَلَهُ إِلَى الْعَالَمِ، أَتَقُولُونَ لَهُ: إِنَّكَ تُجَدِّفُ، لأَنِّي قُلْتُ: إِنِّي ابْنُ اللهِ؟“[95].
فإذا كانوا قد دُعوا أبناءً وآلهةً لأن الكلمة قد جاءت إليهم، فكيف لا يكون هو ابنًا بالأولى، بل إن الله، بواسطته سمّى هؤلاء أبناءً؟ فهو ابن بالحقيقة، ولقب “ابن” ليس شيئًا مضافًا إليه. بل إن لقب ابن يكشف عن كينونته، كما أن لقب “آب” يكشف عن أبوّة الله. فالآب يُدعى آب لأنه وَلَدَ الابن، والابن من جانبه يُدعى ابنًا لأنه مولود من الآب. ولهذا فقد شرحنا بطرق كثيرة ومختلفة خصائص الطبيعة الإلهية، ووصلنا إلى المعرفة المطلوبة للموضوع، ولا أريد أن أضع تعبيرّي البنوّة والأبوّة ضمن طرق الشرح هذه [96].
إرميـــا: ماذا تعنى؟
كيرلس: سوف أشرح لك مادُمتَ تريد أن تعرف. يوجد عندنا طريقان اعتدنا أن نميّز بهما الخصائص الأساسية للطبيعة الإلهية. فنحن نعّرف الطبيعة الإلهية:سواء بما تمثله كما هي (إيجابي). أو بما لا تمثله (سلبي).
فحينما نسميها نور وحياة فنحن ننطلق مما نعرف عنها. وحينما نقول إنها غير مرئية وغير فانية فنحن ننطلق من التعريف بما ليس فيها. فهي غير قابلة للفساد وغير مرئية[97]، وهذا هو معنى الصفات التي نطلقها. أليس ذلك صحيحًا؟
إرميــــا: نعم.
كيرلس: وإذا كنا نقول إن الآب هو نور وحياة وفوق ذلك هو غير فاني وغير مرئي، أفلا يكون من العدل والصواب أن نفكر بنفس الطريقة المستقيمة وننسب كل ذلك إلى طبيعة الابن، أي نحتفظ لله الكلمة بنفس ألقاب الله الآب؟
إرميــــا: نعم.
كيرلس: وإذا قلت إن الآب هو مَلِكْ أفلا يكون للابن نصيب في المُلك؟
إرميـــا: وكيف يكون غير ذلك؟
كيرلس: قد يُظَنْ أن المزايا المشتركة توجد فقط في التفوّق والمجد. فالحقيقة التي لا تُكذب أبدًا هي أن المسيح قال لأبيه السماوي “َكُلُّ مَا هُوَ لِي فَهُوَ لَكَ، وَمَا هُوَ لَكَ فَهُوَ لِي، وَأَنَا مُمَجَّدٌ فِيهِمْ“[98]، فلو كنا ننسب للآب إنه آب وللابن إنه ابن، على سبيل الكرامة والأمور الأخرى، فما الذي يمنعنا (في هذه الحالة) من أن نزيل التمييّز بين الاثنين، وندعو كلا منهما آب وابن معًا على أساس أنهما يملكان نفس المزايا المشتركة.
إرميـــا: هذه أفكار غير مقبولة ولا مألوفة؛ فالآب لا يكون أبدًا غير ما هو عليه أي آب، والابن كذلك فهو يبقى ابنًا ولا يمكن أن يكون آبًا.
كيرلس: هذا إيمان مستقيم وحقيقي يا إرميا. فأنت توافق بشكل حاسم على أن اسم الآب ليس لقبًا شرفيًا واسم الابن كذلك. فكل اسم مثلما سبق وتكلّمنا عن النور والحياة هو اسم كل واحد ويُظهره كما هو.
إرميــــا: بكل تأكيد .
كيرلس: هناك حقيقة يجب أن لا نجهلها وهى أن الأسماء، كل اسم حسب قيمته، تنشئ نوعًا من الالتباس الذى يحتاج إلى إيضاح ويستدعى أن نحدد لكل لفظ معناه الثابت، ولهذا فيجب أن نعطى لكل من الآب والابن ألقابًا تليق بكينونتهما، فالآب يُدعى “آب” وليس “ابن”، لأنه وَلَدَ، والابن يُدعى “ابن” وليس “آب” لأنه مولود. وتخّيل للحظة ولو بالتأمل، أننا لا ننسب للآب أنه آب ولا للابن أنه ابن، فكيف إذن يمكن أن نُحددّ أقنوم كل واحد؟ فهل نُحددّه بالصدفة، بأن نُسميّه مَرّة الله ومَرّة حياة أو عديم الفساد أو غير المرئي أو الملك؟ ولكن هذا لا يكفى لتحديد الأقنوم! فلكل من الاثنين ما يميّزه عن الآخر، فكيف نميّز بينهما؟ حينما نقول الآب فنحن نُحددّ إنه آب لأنه وَلَدَ، والابن هو ابن لأنه بالحقيقة وُلِدَ، إذن خصوصيات كل أقنوم هي ما يعود إليه، وإليه فقط. بينما عموميات اللاهوت تقال عن الاثنين. وفى العموميات تندرج كل الكرامات التي للطبيعة، ولكن الخصوصيات تُحددّ من ناحية الذي وَلَد، ومن ناحية أخرى المولود، أي الآب والابن.
[1] انظر عرضًا مفصلاً عن حياة القديس كيرلس وكتاباته للدكتور نصحي عبد الشهيد في مقدمة كتاب “شرح إنجيل يوحنا” للقديس كيرلس، الجزء الثانى. وكتاب “القديس كيرلس حياته وأعماله” وهما من إصدارات المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية عام 1995، 1998.
[1] The Faith, Clark Cariton, Salisbury, AM, 1997, p. 53.
[6] الرسائل عن الروح القدس إلى الأسقف سرابيون، ترجمة د. موريس تاوضروس د. نصحي عبد الشهيد، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية 1994. الرسالة الأولى: 28.
[9] Tomas F. Torrance, The Trinitarian Faith. T.&T. Clark. Edinburgh 1988. p.305
أى أن ق. أثناسيوس كان يبدأ في إيضاح عمل الله التدبيرى ـ في حياة الإنسان ـ بواسطة المسيح، ومن المسيح ـ الأقنوم الثاني ـ يصل بعد ذلك من خلال ” الهوموأوسيوس ” (الوحدانية في ذات الجوهر الذي للآب والابن والروح القدس) إلى العلاقات الأقنومية داخل الثالوث أى العلاقات الداخلية في جوهر الله الواحد.
[10] كان يتزعمهم يوسابيوس أسقف قيصرية. أصروا على التمييز المشدّد بين الآب والابن، رفضوا مصطلحات مجمع نيقية واعتبروها سابيلية ولأنها لم ترد في نصوص العهد الجديد، إلاّ أنهم كانوا على استعداد لقبول معنى التساوى في الجوهر ÐmooÚsioj لكن بتعبير مخالف لهذا تمسكوا بالتعبير “مماثل للآب في كل شئ ” وأنكروا فيما بعد ألوهية الروح القدس.
وأيضًا ق. أثناسيوس. الرسالة الأولى إلى سرابيون 4ـ14، 23.
[15] لقد حاولنا إيضاح هذا التأثير من خلال إشارتنا في هوامش الكتاب إلى نصوص ق. أثناسيوس التي شرحت نفس تعاليم ق. كيرلس. وخصصنا فهارس للوصول بسهولة إلى هذه النصوص وإلى نصوص آبائية أخرى.
[16] [ إرميا: يقولون إنه واحد هو الإله الحقيقي وهو الآب ومعه لا يحسبون آخر.
كيرلس: وبالتالي وحسب ما يقوله هؤلاء فإن الابن والروح القدس لا يحسب أى منهما إلهًا حقيقيًا بل يحسبونهما ضمن المخلوقات العديدة والتي ـ حسب قولهم ـ لها نفس طبيعة الابن وهى بعيدة كل البُعد عن جوهر الله الآب ] ص22.
[17] فيقول: [ لأننا نتكلم في الوقت الحاضر عن ولادته الإلهية التي لا توصف وأن الابن لم يأتِ إلاّ من الآب إذ ولد من جوهر الله الآب، فما هو الأمر الذي يجعل المعارضين يؤمنون بأن الله هو واحد، الذي هو الآب وأنه إله حق، ولا يحسبون معه أحدًا آخر بالمرة، بل ويبعدون الألوهة الحقة عن طبيعة الابن الوحيد والحقيقي ذاتها ] انظر ص2.
[18] بالرغم من عدم تعرضه هنا باستفاضة لإثبات ألوهية الروح القدس حيث إنه قد خصص الحوار الأخير من حواراته السبعة لهذه المسألة.
[28] بالنسبة للقديس أثناسيوس كان مفهوم هوموأوسيوس يحمل في طياته مفهوم علاقة التواجد (الاحتواء) المتبادل للأقانيم داخل جوهر الله الواحد، والتي أشار إليها اعلان الله عن ذاته في تدبير الخلاص. ولم يكن هذا التواجد المتبادل يعني مجرد ارتباط أو اتصال متبادل بين الأقانيم الثلاثة الإلهية، ولكنه كان يعني السكنى الكاملة المتبادلة بينهم. فبينما كل أقنوم يظل “كما هو” محتفظًا بتمايزه كآب أو ابن أو روح قدس إلاّ أنه يكون بكامله في الآخرين كما أن الآخرين هما بالكامل فيه” انظر أيضًا T.F. Torrance. Ibid. p.306.
[85] انظر: أمثلة من تفسير الآباء لآيات الكتاب المقدس. د. جوزيف موريس فلتس. دراسات آبائية ولاهوتية، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، السنة الثامنة العدد الخامس عشر. يناير 2005 ص44ـ53.
16 هنا يعرض ق. كيرلس النص الذي أقره الآباء في مجمع نيقية سنة 325م، والملاحظ أن المجمع الثاني في القسطنطينية قد تبَني هذا النص مع بَعض التعديلات وأضاف الجزء الخاص بإلوهية الروح القدس، وهكذا استقرت صياغة قانون الإيمان على النحو الذي نتلوه الآن.
[17] هذه العبارة هي ترجمة للكلمة اليونانية المركبة “هوموأوسيوس “`ομοούσιος” وهي من مقطعين وهي تعنى من جوهر الآب ذاته أو مساوى للآب فى الجوهر أو واحد مع الآب فى الجوهر.
18 هذه الفقرة وردت أيضًا في قرارات المجمع بعد إقرار الإيمان الذي أجمعت عليه الكنيسة، وهذه الفقرة تشير إلى ما كان يعلّم به آريوس الهرطوقي.
19 مر3: 17.
20 ويقصد أتباع الآريوسيين الذين أنكروا ألوهية الابن المتجسّد، والملاحظ أن وصفهم بأنهم كذبة هو نفس الوصف الذي أعطاه ق. يوحنا لمن أنكروا أن يسوع هو المسيح (انظر: 1يو2: 22).
21 أم2: 13-15.
22 إر9: 1س.
23 1يو2: 19. يقارن هنا ق. كيرلس بين الآريوسيين وتعاليم هؤلاء الهراطقة الذين يتكلّم عنهم ق. يوحنا في رسالته ويصفهم بهذا الوصف إذ أنهم أيضًا أنكروا الابن: 1يو2: 23.
24 أف4: 14.
25 1كو13: 12.
26 هوميروس: الإلياذة 43: 104 . استخدام ق. كيرلس ـ مثل غيرة من الآباء ـ لبعض أفكار الفلاسفة اليونانيين، يعكس سعه اطلاعهم وثقافتهم الواسعة. والجدير بالذكر أن الفلسفة اليونانية كانت من بين المواد التي تدرّس في مدرسة الإسكندرية اللاهوتية بجانب العلوم الرياضية والموسيقية والفنية… الخ.
27 تُستخدم هذه الصفات فيما يُسمىَّ بعلم اللاهوت السلبي Apophatic theology بمعنى وصف الله بما ليس هو، وهي صفات شائعة في كتابات كثير من آباء الكنيسة بالرغم من أنها لم ترد في نصوص الكتاب المقدس، فنجدها مثلاً في كتابات ق. غريغوريوس اللاهوتي، ففي القداس المعروف باسمه يتوجه بالصلاة إلى قنوم الابن فيصفه بأنه “غير المرئي، غير المحوَى، غير المبتدئ، غير الزمني، غير المفحوص، غير المستحيل”. انظر: الخولاجي المقدّس، طبعه دير البراموس: 2002 ص325.
28 خر3: 14-15.
[29] نلاحظ إشارة ق. كيرلس إلى “أسلافنا” άρχιότεροι أى الأقدم منّا وهذا يشير إلى معنى الإيمان المسلّم بواسطة الآباء الأقدمين.
[30] الفرق بين التعبيرين فى اليونانية هو (حرف i يوتا). مشابه فى الجوهر ÐmoioÚsioj، بينما مساوٍ فى الجوهر ÐmooÚsioj .
31 لو6: 36. يستخدم ق. كيرلس نفس هذه الآية وطريقة تفسيرها كما سبق إن استخدمها وشرحها ق. أثناسيوس في الدفاع عن إلوهية الابن المتجسد وإنه لا يشابه في طبيعته الإلهية أي من المخلوقات. انظر ق. أثناسيوس: المقالة الثالثة ضد الآريوسيين، فصل 10:25.
32 في سياق شرحه لقانون الإيمان يشددّ ق. كيرلس على العلاقة الوثيقة بين الإيمان والأعمال، فلابد إن تعكس أعمالنا، إيماننا القويم وأيضًا من الضرورى أن نعبّر عن إيماننا بأعمال وسلوك مستقيم= =فيقول: “لأن الإيمان الصحيح الذي لا يُسخر به بسبب ما له من بهجة التلازم مع الأعمال الصالحة، هو يملؤنا بكل صلاح ويُظهر أولئك الذين قد حصلوا على مجد متميزّ. وإن كان بهاء أعمالنا يبدو إنه لا يرتبط بالتعاليم الصحيحة والإيمان الذي بلا لوم، فإن هذه الأعمال لن تنفع نفس الإنسان، بحسب رأيي. فكما أن “الإيمان بدون أعمال ميت” يع2: 20، هكذا أيضًا نحن نقول إن العكس صحيح. وهكذا فليقترن الإيمان الذي بلاعيب ويشرق مع أمجاد الحياة المستقبلية وبذلك نصير كاملين… وأولئك الذين بسبب الجهل قد قللّوا من قيمة امتلاك الإيمان المستقيم ممجدين حياتهم بسبب أعمال الفضائل يشبهون أناسًا ذو ملامح حسنه في وجوههم ولكن نظرة عيونهم مصابه بتشويه وحَوَل”. رسائل ق. كيرلس: ترجمة د. موريس تاوضروس د. نصحي عبد الشهيد. المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية. يونيو 1997م، ج4، الرسالة رقم55، ص26 فقرة: 2، 3.
[33] القديس كيرلس يقول إن تعبير “المشابه فى الجوهر” وباليونانية `οmoioÚsioj هو تعبير يناسب المخلوقات ولا يناسب الابن لأن الابن غير مخلوق.
34 نحن نشبه الابن من حيث طبيعته البشريّة التي اتحد بها. فهو قد شابهنا في كل شيء ما عدا الخطية وحدها. أمَّا من جهة طبيعته الإلهية فنحن لا نشابهه فيها بالمرّة فهو الخالق ونحن بشر مخلوقين. وسبب انزعاج المقاومين، من القول بإننا نشبه الابن، هو التفسير السليم لهذا القول، لأنهم اعتقدوا أن الابن هو مثل بقية أبناء البشر بالتالي هو مخلوق.
35 يو8: 23.
36 يو3: 31.
[37] يقصد بالمقاييس الطبيعية مقاييس الطبائع المخلوقة.
38 عب1: 14.
39 تث32: 31.
40 عب 13: 8.
41 ينصح ق. أثناسيوس أيضًا كل من يريد أن يعرف ما يختص بالله الكلمة قائلاً: “إن دراسة الكتب المقدسة ومعرفتها معرفة حقيقية تتطلبان حياة صالحه ونفسًا طاهرة وحياة الفضيلة التي بالمسيح، وذلك لكي يستطيع الذهن ـ باسترشاده بها ـ أن يصل إلى ما يتمناه وأن يدرك بقدر استطاعه الطبيعة البشرية ما يختص بالله الكلمة“. انظر: تَجسُّد الكلمة ترجمة د. جوزيف موريس فلتس، المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية. طبعة4، 2006 فصل 57: 1. ص167.
42 يو4: 6.
43 يكررّ هنا القديس كيرلس ما سبق أن علّم به القديس أثناسيوس من أهمية تمييز النصوص بمعنى إنه يجب معرفة الشخص الذي تتكلّم عنه الآية وزمان كتابتها والسياق التي وردت فيه هذه الآية. انظر المقالة الأولى ضد الآريوسيين فقرة45.
44 عب1: 3.
45 عب4: 12-13.
46 عب5: 7-8.
47 يو1: 14.
[48] 2كو10: 5. الآية حرفيًا “إلى طاعة المسيح” و لكن القديس كيرلس يستخدم تعبير “طاعة الله” للتأكيد على إلوهية المسيح له المجد وإنه هو الله الكلمة المتجسّد.
49 1تيمو2: 5.
50 فى2: 6-7.
51 كو1: 20.
52 2كو5: 20.
53 إش9: 6.
[54] يستعمل ق. كيرلس نفس الكلمة اليونانية التي يستعملها ق. بولس في 1كو1: 3 (ولليونانيين جهالة).
55 انظر خر19: 14ـ19.
[56] كلمة TÚpoj التي يستعملها ق. كيرلس، صارت فيما بعد مدرسة للتفسير اسمها typology (انظر رومية5: 14 حيث يذكر الرسول أن آدم هو مثال الآتي أي المسيح).
57 يو14: 6.
58 رو13: 14.
59 خر20: 19.
60 أف2: 4.
61 تث18: 13–19.
62 تث18: 17ـ18.
63 يو12: 49. في موضع آخر يشرح ق. كيرلس المعنى اللاهوتي السليم لهذه الآية التي أساء الهراطقة فهمها فأنكروا ألوهية الكلمة، فكتب قائلاً “لا ينبغي أن يفترض أحد أن قول الربُّ إنه لا يتكلّم من نفسه وإن كل كلامه هو من الآب ـ يتعارض بأي حال مع التقدير الخاص به. سواء من جهة جوهره أو كرامته الإلهية؛ بل ينبغي أولاً أن نفكر في الأمر مرّه أخرى ونقول “هل يستطيع أحد حقًا أن يفترض أن اسم الوظيفة النبوية وممارسة عمل النبوّة تليق بذاك الذي هو الكائن دائما والذي يُعتبر أنه الله بالطبيعة؟” أظن بالتأكيد أن أي واحد مهما كان بسيطًا سوف يجيب بالنفي ويقول إنه من غير المعقول أن الله الذي يتكلّم في الأنبياء يُسمِىّ هو نفسه نبيًا: لأنه هو الذي “كَثَّرْتُ الرُّؤَى وَبِيَدِ الأَنْبِيَاءِ مَثَّلْتُ أَمْثَالاً“ كما هو مكتوب انظَر هو 12: 10. ولكن حيث إنه اتخذ اسم العبودية. الشكل الخارجي المشابه لنا وبسبب مشابهته لنا دعىّ نبيًا، فيتبع بالضرورة أيضًا أن الناموس قد وشحّه بالصفات الملائمة للنبي أي خاصية الاستماع من الآب وأَخذْ وصيه، ماذا يقول وبماذا يتكلّم. انظر يو12: 49.” وإضافة إلى ذلك أشعر أنه من الضروري أن أقول هذا أيضًا: إن اليهود كانت عندهم غيرة شديدة من جهة الناموس، مؤمنين أنه قد أُعطِىَ من الله، ولذلك لم يكن متوقعًا أن يقبلوا كلمات المخلّص حينما غيّر صورة الفرائض القديمة إلى العبادة الروحانية. وما هو السبب الذي يجعلهم غير راغبين في قبول تحويل الظلال إلى معانيها الحقيقية؟ إنهم لم يدركوا أنه هو الله= =بالطبيعة ولا حتى سمحوا بالافتراض أن الابن الوحيد الذي هو كلمة الآب، قد لبس جسدنا لأجل خلاصنا. وإلاّ لكانوا قد خضعوا في الحال وغيرّوا رأيهم بدون أي تردد ولكانوا قد كرّموا مجده الإلهي بإيمان صحيح” انظر: شرح إنجيل يوحنا. ترجمة د. نصحي عبد الشهيد. المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية الجزء السابع أكتوبر 2007 ص53ـ54
64 يو14: 10.
65 يو3: 33.
66 عد16: 21-48.
67 عب9: 11-12.
68 رو5: 14.
69 إش5: 14س.
70 فى2: 7.
71 عد16: 48.
72 أف2: 14.
73 رو5: 1.
[74] حرفيًا تأتى من كلمة بيت أي نشعر إننا معه في بيته .
75 انظر أف2: 15.
76 انظر رو1: 25.
77 انظر أف2: 18.
78 فى2: 5-7.
[79] يشير إلى انفراج الساقين عند المسير، فالساقين يظهران عند المشي، منفرجتين وهما في وحدة السير معًا… (المترجم).
80 تُعبّر هذه الفقرة باختصار، عن التعاليم الخريستولوجية التي علّم بها ودافع عنها ق. كيرلس ضد نسطور وأتباعه، الذين حاولوا التعليم بوجود شخصين وابنين منفصلّين، ولقد أدان مجمع أفسس سنة 431م نسطور وتعاليمه، وأقر ما علّم به بابا الأسكندرية. انظر رسائل ق. كيرلس إلى نسطور ويوحنا الأنطاكي. ترجمة المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية. ومن الجدير بالذكر أن الكنيسة تضع هذه الصيغة المختصرة للإيمان في نص الاعتراف الأخير في القداس الإلهي الذي يردده الكاهن بقوله: آمين آمين آمين… ألخ.
81 رو8: 29.
82 يو17: 21-23.
83 أع4: 32.
84 إش32: 6.
85 يو17: 22.
86 هنا يعتمد ق. كيرلس على شرح القديس أثناسيوس لهذه الآية ويتبع نفس تعليمه. انظر المقالة الثانية ضد الآريوسيين فقرة 19.
87 1كو10: 17.
88 يقصد تعدد آلهة.
89 يو3: 31. سبق أن تعرّض ق. كيرلس لشرح هذه الآية بالتفصيل وبيان المعنى الحقيقي لتعبير “مِنْ فَوْقُ” الذي يدل على وحده جوهر الآب والابن وذلك في سياق شرحه لإنجيل يوحنا. انظر: شرح إنجيل يوحنا ترجمة د. جرجس كامل. مقدمة ومراجعة د. نصحي عبد الشهيد المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية مايو 1995 ج2. الفصل الثاني ص35 ـ40.
90 يع1: 17.
91 عزرا الأول 3: 12، 4: 38 وهو أحد الأسفار التي لم تعتبرها الكنيسة من ضمن الأسفار القانونية.
92 مت17: 5.
93 إش2:1.
94 مز141: 4س.
95 يو10: 35-36. لقد تناول ق. كيرلس هذه الآية بالشرح المستقيم في سياق شرحه لإنجيل يوحنا. انظر: شرح إنجيل يوحنا: ترجمة ومقدمة، د. موريس تاوضروس ود. نصحي عبد الشهيد. المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية. ديسمبر 2003، ج5، ص154-157.
[96] يقصد القديس كيرلس أن طُرق الشرح هذه تقودنا إلى معرفة البنوّة والأبوّة، ولذلك فالبنّوة والأبوة ليست ضمن الشرح.
97 الملاحظ أن ق. كيرلس يعود مرّه أخرى إلى شرح نفس النقطة التي سبق أن تعرّض لها من قبل انظر ص25.
98 يو17: 10.
حوار حول الثالوث ج1 (الحوار الأول والثاني) – القديس كيرلس الاسكندري