تفسير رسالة أفسس 5 الأصحاح الخامس – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة أفسس 5 الأصحاح الخامس – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة أفسس 5 الأصحاح الخامس – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة أفسس 5 الأصحاح الخامس – القمص تادرس يعقوب ملطي

 

الأصحاح الخامس: العبادة والسلوك

 

إن كانت الكنيسة هي قبول دعوة الله للتمتع بالحياة الجديدة في المسيح، فإن هذه الحياة تتجلى في حياة الإنسان وعبادته وسلوكه، دون ثنائية… فتكون حياته كلها “ذبيحة لله”، أي عبادته غير منقطعة وغير منفصلة عن سلوكياته.

  1. الامتثال بالله “المحبة الباذلة” ١ – ٢.
  2. السلوك في نور قيامته ٣ – ١٤.
  3. التدقيق في السلوك والعبادة ١٥ – ٢١.
  4. العلاقات الزوجية وسرّ المسيح ٢٢ – ٢٣.

1. الامتثال بالله “المحبة الباذلة”

فَكُونُوا مُتَمَثِّلِينَ بِاَللهِ كَأَوْلاَدٍ أَحِبَّاءَ،

وَاسْلُكُوا فِي الْمَحَبَّةِ كَمَا أَحَبَّنَا الْمَسِيحُ أَيْضًا وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِنَا،

قُرْبَانًا وَذَبِيحَةً لِلَّهِ رَائِحَةً طَيِّبَةً]١-٢[.

إن كانت لغة الكنيسة الجامعة هي المحبة، خلالها نُمارس وحدانية الروح، وبها تنمو الجماعة وكل عضو فيها، مشتاقًا أن يتحقق سرّ المسيح، بانفتاح باب الإيمان للجميع خلال المحبة، فإن المحبة هي أيضًا علامة امتثالنا بالله أبينا، وإقتدائنا بكلمة الله المتجسد الذي خلال المحبة أسلم نفسه لأجلنا قربانًا وذبيحة للآب رائحة سرور ورضا. وكما يقول القديس يوحنا الحبيب: “بهذا قد عرفنا المحبة أن ذاك وضع نفسه لأجلنا فنحن ينبغي لنا أن نضع نفوسنا لأجل الإخوة” (١ يو ٣: ١٦).

كما سبق فكررنا أن المسيحي يشارك السيد المسيح كهنوته (الكهنوت العام) بتقديم حياته ذبيحة حب عن الآخرين كسيده. هذه هي سمة “الإنسان الجديد” الذي لنا عوض “الإنسان العتيق” الفاسد.

  • من يقطن في الحب يقطن في الله، لأن الله محبة (١يو ٤: ١٦)[1].
  • لقد دُعيت ابنًا، فإن رفضت الامتثال به لماذا تطلب ميراثه؟[2]

القديس أغسطينوس

  • لئلا تظن أن هذا العمل (خلاص المسيح) قد تم عن إلزام، اسمعه يقول: “أسلم نفسه”.

كما أحبك سيدك، حب أنت صديقك! بل، إن كنت لا تقدر أن تحب هكذا، فحب قدر ما تستطيع… سامح الآخرين، فإنك إذ تقتدي به تكون على مثاله.

من واجبنا أن نسامح عن الأخطاء أكثر من أن نعفو عن الديون المالية، فإنك إن تنازلت عن الديون التي لك لا تتمثل بالله، أما إن سامحت المعاصي التي ضدك فإنك تتمثل به.

لا تستطيع القول بأنك فقير وعاجز عن أن تتنازل عن الديون التي لك، إن كنت لا تسامح المعاصي التي هي ضدك، الأمر الذي في سلطانك عمله! بالتأكيد لن تتحمل أية خسارة بهذا الصنيع…

انظر، فإنه يقدم لك نصيحة أكثر نبلاً، إذ يحثك، قائلاً: “كَأَوْلاَدٍ أَحِبَّاءَ“، نعم فإنه يوجد سبب آخر مقنع لتتمثل به، ليس أنك نلت صلاحًا من يديه فقط، وإنما أيضًا دُعيت ابنه. وإذ ليس كل الأبناء يتمثلون بآبائهم بل “الأحباء” لذا يقول “كَأَوْلاَدٍ أَحِبَّاءَ“.

انظروا،هنا أساس كل عمل! فإنه حيث لا يوجد سخط ولا غضب ولا صراخ (صخب) ولا تعنيف إنما ينتزع هذا كله، لذلك يضع في النهاية النقطة الرئيسية (أي المحبة).

كيف صرت ابنًا؟ بأنه غفر لك! على نفس الأساس الذي به نلت امتيازًا عظيمًا يلزمك أنت أيضًا أن تسامح أخاك!

كن محبًا للحب،فيه قد خلصت، وبه صرت ابنًا!

إن كان في قدرتك أن تنقذ الآخرين، أفلا تستخدم معهم نفس العلاج (الذي أُستخدم بالنسبة لك) مقدمًا النصيحة للجميع: “اغفروا يُغفر لكم”[3].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • لقد أسلم بواسطة الآب (رو ٨: ٣٢)، كما أسلم نفسه بإرادته (أف ٥: ٢؛ غلا ١: ٣، ٤)، فمن الواضح أن عمل الآب وإرادته هما واحد مع الابن[4].

القديس أمبروسيوس

2. السلوك في نور قيامته

إذ بالحب العملي نتمثل بالله النور نحمل شركة طبيعته،فنُحسب “أَوْلاَدِ نُورٍ]٨[، لا مكان لظلمة الموت فينا، بل ننعم بنور القيامة، خلال هذا المفهوم يوصينا الرسول أن نسلك عمليًا كأولاد للنور متمتعين بقوة القيامة وبهجتها في داخلنا، معلنة في حياتنا اليومية وسلوكنا الخفي والظاهر، تاركين أعمال الظلمة غير اللائقة بنا، إذ يقول:

وَأَمَّا الزِّنَا وَكُلُّ نَجَاسَةٍ أَوْ طَمَعٍ، فَلاَ يُسَمَّ بَيْنَكُمْ كَمَا يَلِيقُ بِقِدِّيسِينَ،

وَلاَ الْقَبَاحَةُ، وَلاَ كَلاَمُ السَّفَاهَةِ وَالْهَزْلُ الَّتِي لاَ تَلِيقُ، بَلْ بِالْحَرِيِّ الشُّكْرُ.

فَإِنَّكُمْ تَعْلَمُونَ هَذَا أَنَّ كُلَّ زَانٍ أَوْ نَجِسٍ أَوْ طَمَّاعٍ،

الَّذِي هُوَ عَابِدٌ لِلأَوْثَان،

 لَيْسَ لَهُ مِيرَاثٌ فِي مَلَكُوتِ الْمَسِيحِ وَاللهِ.

لاَ يَغُرَّكُمْ أَحَدٌ بِكَلاَمٍ بَاطِلٍ،

لأَنَّهُ بِسَبَبِ هَذِهِ الأُمُورِ يَأْتِي غَضَبُ اللهِ عَلَى أَبْنَاءِ الْمَعْصِيَةِ.

فَلاَ تَكُونُوا شُرَكَاءَهُمْ.

لأَنَّكُمْ كُنْتُمْ قَبْلاً ظُلْمَةً وَأَمَّا الآنَ فَنُورٌ فِي الرَّبِّ.

اسْلُكُوا كَأَوْلاَدِ نُورٍ]٣– ٨[.

يلاحظ في النص الآتي:

أولاً: أبرز أعمال الظلمة التي “لا تليق” بنا كأولاد النور، بل لا تُسم بيننا… كنا قبلاً نمارسها لأننا كنا في ظلمة، أما الآن فنحن نور في الرب. وقد ركز في حديثه عن أعمال الظلمة على ثلاث خطايا، وهي: “الزِّنَا وَكُلُّ نَجَاسَةٍ أَوْ طَمَعٍ]٣[، هذه الأمور الثلاثة التي لا يليق مجرد ذكر أسمائها بيننا إن كنا بالحقيقة قديسين في الرب. يعود فيكرر نفس هذه الخطايا الثلاث ]٥[ كعلة لحرمان الإنسان من ملكوت الله. وكما يقول الأب صرابيون: [يجب علينا أن نتجنب هذه (الخطايا) الثلاث على قدر متساوٍ من الحرص، فإن واحدة منها كما أن جميعها تغلق أمامنا ملكوت المسيح وتستبعدنا عنه بقدر متساوٍ[5].]

ثانيًا: يرى القديس يوحنا الذهبي الفم[6] أن الرسول بولس قدم المجموعة الأولى من الشرور: “كل مرارة وسخط وغضب الخ” (٤: ٣١)، وأن علة هذه الشرور هي الصياح أو الصخب؛ أما المجموعة الثانية “الزِّنَا وَكُلُّ نَجَاسَةٍ أَوْ طَمَعٍ” فهي تنبع عن الشهوات الجسدية وعلتها “كَلاَمُ السَّفَاهَةِ وَالْهَزْلُ” ]٤[. عوض كلمات الشكر لله.

كأن الرسول بولس وهو يقدم أعمال الشر يضع أيدينا على علة هذه الأعمال أو بدايتها التي تبدو أمرًا تافهًا ثم تستفحل… فقد يستتفه الإنسان “الصياح” أو “الصخب” عوض الهدوء والسكون… هذا الصخب يفسد عيني الإنسان أو بصيرته الداخلية فيبدأ يغضب، ثم يتحول الغضب إلى حقد ومرارة نحو الغير، وقد يتحول إلى قتل إن لم يكن جسديًا فمعنويًا. هنا أيضًا يبدأ الإنسان بكلمات المزاح غير اللائقة لتتحول إلى كلام السفاهة، فتثير شهوات الإنسان نحو الزنا والنجاسة والطمع. لذا يحذرنا الحكيم سليمان، قائلاً: “ابعد طريقك عنها، ولا تقرب إلى باب بيتها” (أم ٥: ٨).

الكلمة القبيحة أو كلام السفاهة والهزل ]٤[، علامة من علامات الفراغ الداخلي، تهدم ولا تبني، تدفع إلى الزنا وكل نجاسة وطمع، لذا يقول القديس يوحنا الذهبي الفم في تعليقه على هذه العبارات الرسولية:

[الكلمات هي الطريق للأعمال… أي نفع للنطق بالفكاهة؟ إنك مجرد تضحك!

اخبرني، هل يشغل صانع الأحذية نفسه بشيء غير ما يمس مهنته ولمنفعتها؟ هل يشتري أية آلة غير التي تخص عمله؟ لا. فإنه لا لزوم للأمور التي لا نحتاج إليها.

إذن ليتك لا تتفوه بكلمة بطالة، فخلال الكلمات البطالة تسقط في أحاديث غبية. الوقت الحاضر ليس وقت للضحك المتسيّب، إنما هو وقت للحزن والتجارب والبكاء، فهل تمزح؟

أي مصارع يدخل حلقة المصارعة ليناضل ضد خصمه، ينطق بفكاهات؟

إبليس واقف مستعد، إنه يزأر (١بط ٥: ٨) ليفترسك، إنه يجول من كل جهة، ويقلب كل الأمور ضد حياتك، ويدبر مكائد لينزعك من راحتك، يصرّ بأسنانه ويجأر، يتنفس نارًا ضد خلاصك، فهل تجلس أنت لتنطق بفكاهات وتتفوه بكلمات غبية، وتتحدث بما هو ليس للنفع؟!…

الآن وقت للحرب (الروحية) والصراع، للسهر والحراسة، لللتسلح والتسربل. لا مجال للضحك هنا، فإن هذا خاص بالعالم، اسمع ما يقوله المسيح “العالم يفرح، أنتم تحزنون” (يو ١٦: ٢٠).

المسيح صلب من أجل شرورك، وأنت تضحك؟…

اسمع ما يقوله النبي: “اعبدوا الله بخشية، هللوا له برعدة” (مز ٢: ١١). المزاح يجعل النفس رخوة وبليدة…

ليس من هو معيب مثل المازح، فإنه ليس في فمه شيء نافع بل مملوء أتعابًا[7].]

ثالثًا: قابل الرسول “القباحة وكلام السفاهة والهزل” بعمل مضاد لائق بأبناء النور ألا وهو “الشكر”. فالمؤمن لا يُسر بالأعمال السابقة، إنما بالحري بممارسته للحياة الملائكية، حياة الشكر لله والتسبيح الدائم. بهذا يُظهر فرحه الداخلي العميق الذي لا يقوم على تصرفات زمنية سخيفة وإنما على علاقته البنوية على مستوى أبدي.

في حديثه السابق قابل أعمال الإنسان العتيق من كذب وغضب وسرقة وكلام رديء بالعمل الأساسي في الإنسان الجديد ألا وهو “المحبة” التي بها نتمثل بالله (٥: ١)، الآن يقابل أعمال الظلمة من زنا وكل نجاسة وطمع وقباحة وكلام السفاهة والهزل بعمل النور الأساسي ألا وهو “الشكر”، عمل الملائكة النورانيين. بمعنى آخر بالحب نعلن بنوتنا لله، وبالشكر نعلن شركتنا مع السمائيين.

رابعًا: يعلل الرسول بولس ضم “الطمع” إلى الزنا والنجاسة، قائلاً: “فَإِنَّكُمْ تَعْلَمُونَ هَذَا أَنَّ كُلَّ زَانٍ أَوْ نَجِسٍ أَوْ طَمَّاعٍ، الَّذِي هُوَ عَابِدٌ لِلأَوْثَانِ لَيْسَ لَهُ مِيرَاثٌ فِي مَلَكُوتِ الْمَسِيحِ وَاللهِ]٥[، حاسبًا الطمع ليس بالأمر الهين كما يظن الكثيرون، خاصة إذا قورن بالزنا والنجاسة، فإن الطمع هو “عبادة أوثان” (كو ٣: ٥)، إذ يقيم الإنسان المال إلهًا له. فإن كان الزنا يعني عبودية الإنسان لشهوات الجسد عوض الحياة المقدسة في الرب، فالطمع هو عبودية الإنسان للأمور الزمنية عوض الحياة الأبدية والمجد السماوي في الرب. فلا يليق الاستهانة بالطمع ولا بالزنا والنجاسة… فإن هذه جميعها من سمات أبناء المعصية، تجلب الغضب الإلهي ]٦[.

خامسًا: لم يقل الرسول “كنتم قبلاً في الظلمة، وأما الآن في النور”، وإنما قال: “كُنْتُمْ قَبْلاً ظُلْمَةً، وَأَمَّا الآنَ فَنُورٌ]٨[. فمن يسلك في الظلمة تمتزج حياته بها فيصير هو نفسه كما لو كان ظلمة، ومن يسلك في نور الرب يصير هو نفسه نورًا وبركةً، كقول الرب: “أنتم نور العالم” (مت ٥: ١٤؛ لو ١١: ٣٣– ٣٦؛ يو ٥: ٣٥).

سادسًا: إذ صاروا نورًا بالرب “النور الحقيقي” يلتزمون بالسلوك كأبناء للنور ]٨[، فتصير الحياة المقدسة ثمرًا طبيعيًا فيهم وليس عملاً مفتعلاً! لذا يقول: “اسْلُكُوا كَأَوْلاَدِ نُورٍ. لأَنَّ ثَمَرَ النُور (الرُّوح)ِ هُوَ فِي كُلِّ صَلاَحٍ وَبِرٍّ وَحَقٍّ. مُخْتَبِرِينَ مَا هُوَ مَرْضِيٌّ عِنْدَ الرَّبِّ]٨–١٠[.

  • يقول إنه ليس بفضلكم الذاتي، وإنما خلال نعمة الله تقتنون هذا، فقد كنتم قبلاً تستحقون العقاب، وأما الآن فلا تستحقون[8].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • إذ كنتم في الظلمة لم تكونوا في الرب، لكن إذ استنرتم فإنكم تضيئون بالرب وليس من ذواتكم[9].

القديس أغسطينوس

  • [في حديثه عن بطرس الرسول الذي سار على المياه كأمر سيده]

كان قادرًا أن يعمل ما فعله الرب، لكن ليس من عندياته، وإنما في الرب…

سار بطرس على الماء كأمر الرب، مدركًا أنه يعجز عن التمتع بهذه القوة من ذاته.

بالإيمان صار لديه القوة ليحقق ما يعجز الضعف البشري عن عمله[10].

القديس أغسطينوس

إن كان السيد المسيح هو شمس البرّ، فإننا بروحه القدوس، الذي هو “النور” ننعم بثمر النور: “كل صلاح وبرّ وحق”. فكما أن الحياة الزمنية ما كان يمكن أن يكون لها وجود بدون الشمس، مع الفارق الشاسع لا حياة لنا بدون شمس البرّ واهب كل صلاح وبرّ وحق.

سابعًا: بقوله “مُخْتَبِرِينَ مَا هُوَ مَرْضِيٌّ عِنْدَ الرَّبِّ]١٠[ يميز بين السالكين بأعمال الظلمة والسالكين بأعمال النور، فإن الأولين يمارسون ما هو مرضي لأنفسهم أو لغيرهم، أما أولاد النور فيهتمون كيف يرضون الله، مرددين في أعماقهم عبارة الرسول: “ماذا تريد يا رب أن أفعل؟”.

ثامنًا: إذ تمتعنا بالرب النور الذي بقيامته بدّد سلطان الظلمة، فتركنا أعمال الظلمة وانتقلنا إلى النور، فصرنا به نورًا، نحمل ثمر النور، يحذرنا الرسول بولس من النكوص إلى الوراء والعودة إلى الظلمة وأعمالها، قائلاً:

وَلاَ تَشْتَرِكُوا فِي أَعْمَالِ الظُّلْمَةِ غَيْرِ الْمُثْمِرَةِ بَلْ بِالْحَرِيِّ وَبِّخُوهَا.

لأَنَّ الأُمُورَ الْحَادِثَةَ مِنْهُمْ سِرًّا ذِكْرُهَا أَيْضًا قَبِيحٌ.

وَلَكِنَّ الْكُلَّ إِذَا تَوَبَّخَ يُظْهَرُ بِالنُّورِ.

لأَنَّ كُلَّ مَا أُظْهِرَ فَهُوَ نُورٌ]١١–١٣[.

بمعنى آخر أراد الرسول من المؤمنين أن يحددوا موقفهم، إن كانوا أولاد نور أم أولاد ظلمة، وذلك ليس خلال المناقشات الغبية وإنما خلال الحياة العملية. هذا ما يؤكده في أكثر من موضع، إذ يقول: “أية خلطة للبر والإثم؟! وأية شركة للنور مع الظلمة؟! وأي اتفاق للمسيح مع بليعال؟! وأي نصيب للمؤمن مع غير المؤمن؟!” (٢ كو ٦: ١٤، ١٥). وبنفس المعنى يقول يوحنا الحبيب: “بهذا أولاد الله ظاهرون وأولاد إبليس، كل من لا يفعل البرّ فليس من الله وكذا من لا يحب أخاه” (يو ٣: ١٠).

تاسعًا: بسلوكنا في النور كأولاد للنور، نأتي بثمر النور، معلنين بذلك أن أعمال الظلمة “غير مثمرة”، بالأولى (أعمال النور) تنفضح أعمال الشرير وتوبَّخ ]١١[، وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [يقول: “أنتم نور”، الآن النور يوبّخ ما يدور في الظلمة، كأنه يقول إن كنتم فضلاء واضحين لا يقدر الأشرار أن يختفوا، وذلك كما لو أضيئت شمعة، يصير الكل في نور، ولا يقدر اللص أن يدخل، هكذا إذ يشرق نوركم ينفضح الأشرار ويُمسكون. عملنا ان نكشفهم، فلماذا يقول ربنا: “لا تدينوا لكي لا تُدانوا” (مت ٧: ١، ٣)؟ لم يقل بولس: “دينوهم” بل “وبخوهم” أي أصلحوا أمرهم[11].]

عاشرًا: الآن يختم حديثه عن السلوك في النور بتأكيد تمتعنا بنور قيامته وتأكيد الغلبة والنصرة للنور على الظلمة، مقتبسًا في الغالب تسبحة كانت من صميم ليتورچية العماد، تُمجّد السيد المسيح الذي يهب البشرية الاستنارة عوض الظلمة والحياة المقامة عوض موت الخطية (يو ١١: ١١)… يهب مؤمنيه الحياة الجديدة المقامة بطريقة خلاّقة جديدة تقابل خلقة النور، إذ يقول: “لِذَلِكَ يَقُولُ: اسْتَيْقِظْ أَيُّهَا النَّائِمُ وَقُمْ مِنَ الأَمْوَاتِ فَيُضِيءَ لَكَ الْمَسِيحُ]١٤[.

  • هذه هي قيامة القلوب أي قيامة الإنسان الداخلي، أو قيامة النفوس.
  • هو بعينه الذي يهب النور للأعمى يقيم الموتى[12].

القديس أغسطينوس

  • يقصد بالنائم والميت الإنسان الذي في الخطية، فإنه تفوح منه روائح كريهة كرائحة الميت، ويكون متبلدًا كمن هو نائم، فيكون كمن لا يرى شيئًا، وإنما يعيش في الأحلام والأوهام والتخيلات…

أترك الخطية فتقدر أن تعاين المسيح، “لأن كل من يعمل السيئات يبغض النور ولا يأتي إلى النور” (يو ٣: ٢٠). فمن لا يرتكبها يأتي إلى النور…

“ليس الله إله أموات بل إله أحياء” (مت ٢٢: ٣٢)، فإن كان ليس إله أموات، فلنحيا نحن[13].

القديس يوحنا الذهبي الفم

3. التدقيق في السلوك والعبادة

إن كان كلمة الله في محبته وهبنا نور قيامته مشرقًا فينا، فلنقوم من موت الخطية، فمن جانبنا نلتزم بالحياة المدققة، لا كجهلاء بل كحكماء، وقد أوضح الرسول النقاط التالية:

أولاً: “فَانْظُرُوا كَيْفَ تَسْلُكُونَ بِالتَّدْقِيقِ، لاَ كَجُهَلاَءَ بَلْ كَحُكَمَاءَ]١٥[.

الحياة الروحية أشبه بمبنى يُقام أساسه بقيامة الرب الواهبة النور عوض الظلمة، والحياة عوض الموت، لكي يبقى المؤمن يعمل كل أيام تغربه بكل حكمة وتدقيق، لا بذاته إنما بالنعمة المجانية، أي بالحياة المُقامة في المسيح الموهوبة له.

هذا البناء الروحي الداخلي يمارسه كل مؤمن، كما يمارسه العاملون في الكرم لحساب الجماعة كلها، كقول الرسول نفسه: “فلينظر كل واحد كيف يبني عليه” (١ كو ٣: ١٠).

هنا نلاحظ أنه لا يكفي التدقيق في السلوك وإنما تلزم “الحكمة” أيضًا في التصرف… فقد حسب البعض أن الإيمان بالمصلوب غباوة وجهالة، وأن الاتكال على الله يعني تجاهل التفكير والحكمة، لذا ركز الرسول كثيرًا على “الحكمة” و”المعرفة” فنجده بعد قليل يؤكد: “فَاهِمِينَ مَا هِيَ مَشِيئَةُ الرَّبِّ]١٧[. هذا الخط واضح في كل كتابات الرسول، إذ دعانا الرب للشركة معه، فننعم بالفهم وإدراك إرادته والتمتع بحكمته.

ثانيًا: “مُفْتَدِينَ الْوَقْتَ لأَنَّ الأَيَّامَ شِرِّيرَةٌ]١٦[.

علامة التعقل والحكمة مع التدقيق في السلوك هو “افتداء الوقت“. فالمؤمن يدرك أن حياته الزمنية هي ثروته الحقيقية من جهة كونها علة إكليله الأبدي أو هلاكه، إن افتدى وقته تحول جهاده الزمني السريع إلى إكليل سماوي خالد، وإن أهمل في أيامه القصيرة تحطمت أبديته الحقة!

الأيام شريرة” لأنها تخدع الإنسان، فينجذب إلى الزمنيات كمن هو خالد في العالم، ليجد نفسه قد طُلبت فجأة لتقف أمام الديان العادل تعطي حسابًا عن وكالتها.

وللقديس البابا ثاوفيلس حديث مع الأم ثيؤدورا بخصوص هذه العبارة سبق عرضه في كتابنا: “قاموس آباء الكنيسة وقديسيها[14]“.

يقول القديس أغسطينوس: [أليست هذه أيامًا شريرة بالحق، إذ نقضيها في الجسد الفاسد أو تحت ثقله، وسط التجارب والضيقات العظيمة، فلا توجد إلاَّ المباهج الباطلة، دون فرحٍ أكيد، وإنما يوجد خوف مرعب وطمع جشع وحزن مذبل (للإنسان)؟! يا لها من أيام شريرة، ومع هذا فلا يوجد من يريدها أن تنتهي بل يطلب الناس العمر الطويل[15].]

حقًا إنها أيام شريرة ومقصرة، إذ يرى كثير من الآباء أن الأنبياء في العهد القديم والرسل في العهد الجديد بل والرب نفسه يؤكدون سرعة مجيء الرب الأخير، لكي نكون دومًا على استعداد لملاقاته، حاسبين أن الزمن، مهما طال، فهو أيام شريرة إن قرون بالأبدية المطوّبة. لذا جاء في نص منسوب للقديس هيبوليتس الروماني: [حقًا، أي عذر لإنسان يسمع هذه الأمور في الكنيسة من الأنبياء والرسل ومن الرب نفسه دون أن يعطي اهتمامًا لنفسه ولا لنهاية الأزمنة والاقتراب من الساعة التي فيها يقف أمام كرسي المسيح؟![16]]

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على العبارات السابقة ]١٥– ١٧[، قائلاً إنه يطالبهم بالسلوك بتدقيق وبحكمة دون جهالة لينزع عنهم جذور المرارة وكل أساس للغضب، فإنهم قد دعوا كحملان يعيشون وسط ذئاب، يجدون مقاومة من الخارج كما من أهل البيت أيضًا، لذا يحتاج الأمر منهم إلى السلوك بتدقيق وبحكمة، حتى لا يتسرب الغضب إلى قلوبهم، بل يهتموا بإعلان رسالة الإنجيل خلال الحب العملي حتى للمقاومين، وأن نعطي لكل ذي حقٍ حقه (رو١٣: ٧)… ويختم حديثه بالقول: [عندما يرى بقية العالم أننا نحتمل بصبر يخجلون[17].]

يكمل القديس يوحنا الذهبي الفم تعليقه موضحًا السلوك بحكمة وافتداء الوقت بالقول:

[الوقت ليس ملككم! في الوقت الحاضر أنتم غرباء ورحّل وأجنبيون، فلا تطالبوا الكرامات، ولا تبحثوا عن المجد ولا السلطة أو الانتقام، احتملوا كل شيء “مفتدين الوقت”.

أقول إنني أتصور إنسانًا له بيت عظيم وقد ذهب إليه أناس ليقتلوه، فالتزم بدفع مبلغ كبير ليفدي حياته. هكذا أيضًا أنت لك بيت عظيم وإيمان حقيقي في خزانتك. إنهم يريدون الحضور ليسحبوا هذا كله. أعطهم ما يريدون وإنما احفظ الأمر الرئيسي، أقصد “الإيمان”.

يقول “لأَنَّ الأَيَّامَ شِرِّيرَةٌ“…

ما هو شر الجسد؟ المرض!

ما هو شر النفس؟ الشر (الخطية)!

ما هو شر الماء؟ المرارة.

شر كل شيء يناسب طبيعته ويفسده…

بنفس الطريقة كما اعتدنا نقول: “قضيت يومًا رديئًا وشريرًا”. الأحداث الصالحة التي تتم في اليوم هي من عند الله، أما الشريرة فهي من الناس الأشرار. إذن فالشرور التي تحدث في الأزمنة هي من صنع البشر، لذا قيل أن الأيام شريرة، كما يقال ان الأزمنة شريرة[18].]

ثالثًا: “وَلاَ تَسْكَرُوا بِالْخَمْرِ الَّذِي فِيهِ الْخَلاَعَةُ، بَلِ امْتَلِئُوا بِالرُّوحِ]١٨[.

لوط الذي عذب نفسه بأفعال سدوم وعمورة الأثيمة، حين سكر أنجب من ابنتيه موآب وعمون، فكانا ونسلهما من بعدهما مقاومين لعمل الله ولشعبه عبر الأجيال. وهكذا كل من ينحرف نحو السكر يثمر مقاومة ومضادة لأعمال الله. لذا يحذرنا القديس چيروم، قائلاً: [لقد وجد الموآبيين والعمونيين أصلهم في السُكر (تك ١٩: ٣٠ – ٣٨)[19].]

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم:

[يليق بالإنسان العادي أن يتحفظ من السًكر من كل جانب، فكم بالأكثر يلزم بالجندي (الروحي) الذي يعيش بين السيوف، ويتعرض لسفك دمه والقتل…

اسمع ما يقوله الكتاب: “أعطوا مسكرًا لهالك، وخمرًا لمرّي النفس” (أم ٣: ٦)…

لقد أُعطيت الخمر لنا لا لهدف سوى صحة الجسد (أي لنواح طبية)، لكن هذا الهدف فسد بسبب سوء الاستخدام. اسمع ما يقوله رسولنا الطوباوي لتيموثاوس: “استعمل خمرًا قليلاً من أجل معدتك وأسقامك الكثيرة” (١تي ٥: ٢٣)…

يقول: أتريد أن تكون فرحًا؟ أتريد أن تشغل اليوم؟ أعطيك المشروب الروحي. لأن السكر يفقدنا حتى صلاح لساننا الواضح، فيجعلنا متلجلجين ومتلعثمين، ويشّوه العينين وكل الملامح. تعلّم التسبيح بالمزامير فتلمس عذوبة العمل. فإن الذين يسبحون بها هم مملوؤن بالروح القدس كما أن الذين يتغنون بالأغاني الشيطانية هم مملوؤن بالروح النجس[20].]

 إذن عوض البهجة بالسُكر هذا العالم لنمتليء بعمل روح الله القدوس الساكن فينا فتسكر نفوسنا بحب الله بلا انقطاع، وتهيم دائمًا في السماوات تطلب البقاء في أحضانه أبديًا.

هنا يليق أن نشير إلى أن الامتلاء بالروح لا يعني حلولاً خارجيًا نتقبله وإنما هو قبول عمل الروح فينا والتمتع بقوته العاملة داخل النفس. لقد عبّر القديس باسيليوس في كتابه عن الروح القدس عن هذا الامتلاء بقوله إن الروح يُعطي للإنسان قدر استعداد الإنسان، وكأن الروح لا يكف عن أن يعطي ما دام الإنسان يفتح قلبه لعمله فيه ويتجاوب معه.

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على العبارة: “وأما شاول الذي هو بولس أيضًا فامتلأ بالروح القدس وشخص إليه، وقال: أيها الممتليء كل غش وكل خبث يا ابن إبليس يا عدو كل برّ إلاَّ تزال تفسد سبل الله المستقيمة؟!” (أع ١٣: ٩، ١٠): [لا يفتكر أحد أن بولس لم يكن مملوءً من الروح عندما تحدث مع الساحر، لكن الروح القدس الساكن فيه ملأه قوة ليقف أمام الساحر؛ فكما أن الساحر يحمل قوة الشر قدم له الروح قوة… [21].]

رابعًا: “مُكَلِّمِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِمَزَامِيرَ وَتَسَابِيحَ وَأَغَانِيَّ رُوحِيَّةٍ، مُتَرَنِّمِينَ وَمُرَتِّلِينَ فِي قُلُوبِكُمْ لِلرَّبِّ. شَاكِرِينَ كُلَّ حِينٍ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فِي اسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، لِلَّهِ وَالآبِ]١٩-٢٠[.

لقد أعطانا الرسول نفسه مثلاً إذ قدم لنا في نفس الرسالة الكثير من المقتطفات عن التسابيح الكنسية، موضحًا بطريقة عملية كيف أن هذا التسبيح مبهج للنفس وللجماعة ككل، فقد كانت الكنيسة الأولى “جماعة مقدسة دائمة التسبيح”، يصفها الإنجيلي لوقا، قائلاً: “كانوا يتناولون الطعام بابتهاج وبساطة قلب، مسبحين الله ولهم نعمة لدى جميع الشعب” (أع ٢: ٤٦، ٤٧).

التسبيح والشكر هما من عمل الكنيسة السماوية، أو من عمل السمائيين، فإن قبلنا في المسيح الحياة السماوية صار التسبيح نابعًا من أعماق القلب طبيعيًا، يتجاوب معه كل كيان الإنسان، حتى إن كان وسط الضيق. هذا ما هزّ الوثنيون إذ رأوا المسيحيين يسبحون الله داخل السجون، خاصة حين يصدر الحكم بقتلهم.

في القرنين الرابع والخامس على وجه الخصوص كانت الأديرة المصرية وبراريها فراديس لا تسمع فيها سوى صوت التسبيح غير المنقطع، كما أخبرنا القديس يوحنا كاسيان. والكنيسة تعلن طبيعتها المتهللة بالرب بالتسبيح في كل ليتورچياتها، كما في الصلوات الخاصة بكل عضو…

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على العبارات الرسول السابقة، قائلاً:

[ماذا تعني “في قلوبكم للرب]19[؟ إنها تعني أن يكون (التسبيح) بإصغاء شديدٍ وفهمٍ، فمن لا يصغي تمامًا يترنم ناطقًا بالكلمات بينما يجول قلبه هنا وهناك.

يقول: “شَاكِرِينَ كُلَّ حِينٍ...]٢٠[، بمعنى: “لتعلم طلباتكم لدى الله بالشكر” (راجع في ٤: ٦)، فإنه ليس شيء يسرّ الله مثل إنسان شاكر.

نصير نحن قادرين على تقديم الشكر لله بسحب نفوسنا من (الخطايا) السابق ذكرها، وتطهيرها بالوسائل التي أخبرنا (الرسول) عنها.

يقول: “بَلِ امْتَلِئُوا بِالرُّوحِ” ]١٨[. هل الروح فينا؟ نعم، بالحق هو فينا، فإننا إذ ننزع الكذب والمرارة والزنا والنجاسة والطمع عن نفوسنا، وإذ نصير هكذا متحننين، مسامحين بعضنا البعض، ليس فينا مزاح، بهذا نحسب مؤهلين، فما الذي يمنع الروح من حلوله فينا وإنارتنا؟

إنه ليس فقط يحل وإنما يملأ قلوبنا، وإذ يلتهب فينا نور عظيم هكذا لا يكون طريق الفضيلة صعبًا بل سهلا ً وبسيطًا.

يقول: “شَاكِرِينَ كُلَّ حِينٍ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ]٢٠[.

ما هذا؟ هل نشكر على كل ما يحل بنا؟ نعم، حتى وإن حلّ بنا مرض أو فقر. فإن كان في العهد القديم ينصحنا الحكيم: “اقبل ما يحل بك بفرح وصبر حينما تصير إلى حال أقل” (ابن سيراخ ٢: ٤) فكم بالأولى في العهد الجديد؟!

نعم، قدم التشكرات حتى لو لم تعرف الكلمة (التي تقدمها)!…

إن كنت تشكر في الراحة والرخاء والنجاح والغنى فهذا ليس بالأمر العظيم، ولا هو بالعجيب، إنما يلزم الإنسان أن يشكر حين يكون في أحزان وضيقات ومتاعب. ليست كلمة أفضل من القول: “أشكرك أيها الرب”…

لنشكر الرب على البركات التي نراها والتي لا نراها أيضًا، والتي نتقبلها بغير إرادتنا، فإن كثيرًا من البركات ننالها بغير رغبتنا ودون معرفتنا…

حينما نكون في فقر أو مرض أو نكبات فلنزد تشكراتنا، لا أقصد بالتشكرات خلال الكلمات واللسان وإنما خلال العمل والأفعال، وفي الذهن وبالقلب. لنشكره بكل نفوسنا، فإنه يحبنا أكثر من والدينا، وكبُعد الشر عن الصلاح هكذا الفارق الشاسع بين حب الله لنا وحب آبائنا. هذه ليست كلماتي إنما هي كلمات المسيح نفسه الذي يحبنا. اسمعه يقول: “أم أي إنسان منكم إن سأله ابنه خبزًا يعطيه حجرًا؟!… فإن كنتم وأنتم أشرار تعرفون أن تعطوا أولادكم عطايا جيدة فكم بالحري أبوكم الذي في السماوات يهب خيرات للذين يسألونه؟!” (مت ٧: ٩، ١١).

اسمع أيضًا ما قيل في موضع آخر: “هل تنسى المرأة رضيعها فلا ترحم ابن بطنها؟! حتى هؤلاء ينسين وأنا لا أنساك” (إش ٤٩: ١٥).

إن كان لا يحبنا فلماذا خلقنا؟ هل من ضرورة تلزمه على خلقتنا؟ هل نحن نقدم له عونًا أو خدمة؟ هل يحتاج منا أن نرد له شيئًا؟

اسمع ما يقوله النبي: “قلت للرب: أنت ربي، خيري لا شيء غيرك” (مز ١٦: ٢)…

لنمجد الله على كل شيء!

يقول: “خَاضِعِينَ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ فِي خَوْفِ اللهِ]٢١[.

إن كنت تخضع من أجل الحاكم، أو من أجل المال، أو من أجل التكريم، فبالأولى من أجل مخافة المسيح. ليكن بيننا تبادل الخدمات مع الخضوع، فلا تكون بيننا أنانية. لا يجلس أحد كمن من طبقة الأحرار والآخر كمن من طبقة العبيد، فمن الأفضل أن يخدم السادة والعبيد بعضهما البعض. من الأفضل أن تكون عبدًا بهذه الكيفية عن أن تكون حرًا بالطريقة الأخرى، كما يظهر من المثل التالي:

افترض إنسانًا له مئة عبد يخدمونه بكل طريقة، وآخر له مئة صديق الكل يخدم بعضه البعض، أي الحياتين أسعد؟… في الأولى الكل مُلزمون بالعمل أما في الثانية فيعملون بحرية اختيارهم… الله يريدنا هكذا، لذا غسل أقدام تلاميذه[22].]

4. العلاقات الزوجية وسرّ المسيح

لقد تحدث الرسول بولس عن الكنيسة من الجانب العملي، خلال سلوك المؤمن اليومي، بنزع أعمال الإنسان القديم وممارسته أعمال الإنسان الجديد، رافضًا أعمال الظلمة كابن للنور، ممتليء بعمل الروح القدس. هذا السلوك يرتبط بعبادته أيضًا فتتحول إلى تسبيح حقيقي داخلي وتشكرات لا تنقطع تنبع لا عن الفم واللسان فحسب وإنما خلال القلب والفكر، وكل الأحاسيس الداخلية كما خلال العمل. الآن يقدم لنا الرسول انعكاسات هذه المفاهيم على حياتنا الأسرية، التي لا تنفصل عن جهادنا الروحي ولا عن حياتنا الكنسية.

إن كانت الكنيسة الجامعة – كما أعلنها الرسول بولس في هذه الرسالة – هي كشف عن سرّ المسيح، أي سرّ حب الله الفائق للبشرية خلال ذبيحة المسيح يسوع ربنا، فإن هذا السرّ الإلهي يقدم لنا مفاهيم عميقة وجديدة للعلاقات الزوجية والأسرية والاجتماعية. ففي الحياة الزوجية نحمل صورة لعلاقتنا مع الآب في المسيح يسوع ربنا، علاقة الحب والوحدة، كما نرى في العرس الأرضي أيقونة للعرس السماوي، والبيت المسيحي ظلاً لبيت الله الأبدي[23]. من هنا فالشريعة الخاصة بالزواج والناموس الخاص بالبيت المسيحي إنما يُستمدان من عمل السيد المسيح الخلاصي.

أَيُّهَا النِّسَاءُ (الزوجات) اخْضَعْنَ لِرِجَالِكُنَّ كَمَا لِلرَّبِّ…]٢٢[

ويلاحظ على النص الرسولي الذي بين أيدينا الآتي:

أولاً: الكشف عن الوحدة الزوجية بين الرجل والمرأة بكونها أيقونة للوحدة مع السيد المسيح وعروسه الكنيسة، الأولى تستمد كيانها من الثانية، لذا وجب أن يتم العرس في ظل الصليب، خلال وحدة الإيمان بالسيد المسيح المصلوب، والارتباط بكنيسته.

  • كيف يمكننا أن نعبر عن السعادة الزوجية التي تعقدها الكنيسة، ويثبتها القربان، وتختمها البركة؟![24]

العلامة ترتليان

  • يجب على المتزوجين والمتزوجات أن يجروا إتحادهم برأي الأسقف، لكي يكون الزواج مطابقًا لإرادة الله لا بحسب الشهوة[25].

القديس أغناطيوس النوراني

  • إذا كان لابد أن يعقد الزواج بحلة كهنوتية وبركة، فكيف يمكن أن يكون زواج حيث الإيمان مختلف؟![26]

القديس أمبروسيوس

ثانيًا: مفهوم الخضوع

كثيرون يسيئون فهم العبارة الرسولية: “أَيُّهَا النِّسَاءُ (الزوجات) اخْضَعْنَ لِرِجَالِكُنَّ كَمَا لِلرَّبِّ]٢٢[، فيحسبونها دعوة لخنوع المرأة واستسلامها، ولبث روح السلطة للرجل.

“الخضوع” في المسيحية ليس خنوعًا ولا ضعفًا، ولا نقصًا في الكرامة، هذا ما أعلنه كلمة الله المتجسد حين أعلن طاعته للآب وخضوعه له مع أنه واحد في الجوهر، رافعًا من فضيلة “الخضوع” ليجعلها موضع سباق لعلنا نبلغ سمة المسيح الخاضع والمطيع. والعجيب أن الإنجيلي لوقا يقول بأن “يسوع” كان خاضعًا للقديسة مريم والقديس يوسف النجار (لو ٣: ٥١)، مع كونه خالقهما ومخلصهما، وخضوعه لم يعيقه عن تحقيق رسالته التي غالبًا لم يدركاها في كمال أعماقها، إذ قال بتواضع وصراحة: “لماذا كنتما تطلبانني؟ ألم تعلما أنه ينبغي أن أكون في ما لأبي” (لو ٣: ٤٩). فالخضوع ليس استسلاما على حساب رسالة الشخص، ولا طاعة عمياء دون تفكير، وإنما اتساع قلب وقبول لإرادة الغير بفكر ناضج متزن.

قدم لنا القديس هيبوليتس الروماني فهمًا لخضوع الابن للآب، ليس علامة عن انتقاص لأقنومه وإنما على تناغمه واتفاقه ووحدته مع الآب، إذ يقول: [يرتد تدبير الاتفاق إلى الله الواحد. فإن الله واحد: الآب يوصي والابن يطيع والروح يهب فهمًا… الآب أراد والابن فعل والروح أعلن، هذا ما يوضحه الكتاب المقدس كله[27].]

إذن فخضوع الزوجة لرجلها هو مشاركة السيد المسيح طاعته وخضوعه للآب كعلامة الحب والوحدة، وليس إهدارًا للكرامة أو كإنقاصٍ من شأنها.

والقديس يوحنا الذهبي الفم يرى أن المرأة وهي موضع حب رجلها الشديد يلزمها ألاَّ تقابل هذا الحب بكبرياء بل بخضوع كرد فعل لمحبته، إذ يقول: [المحبة من اختصاص الرجال، أما الخضوع فمن اختصاص النساء، فإن قدم كل إنسان ما يلتزم به تثبت الأمور، فالرجل بحبه للمرأة تصيره هي محبة له، والمرأة بطاعتها للرجل يصير وديعًا معها. لا تنتفخي لأن الرجل يحبك، فقد جعله الله يحبك لتطيعيه في خضوع بسهولة. لا تخافي من خضوعك له، لأن الخضوع للمحب ليس فيه صعوبة[28].]

والقديس أغسطينوس يطالب الزوجات أن يقتدين بالقديسة مريم التي اتسمت بالتواضع المقدس، فقدمت يوسف رجلها عنها (لو ٢: ٤٨) مع أنها نالت شرف ولادتها للسيد المسيح[29].

بهذا فهم الآباء خضوع الزوجة بمنظار روحي خلال الصليب، لا يفقدها مساواتها له ولا مشاركته التدبير وتحمل المسئولية إنما يزينها بالفضيلة ويمجدها لتكسب أيضًا محبته.

يقول القديس أمبروسيوس: [ليت الرجل يقود زوجته كربانٍ، يكرمها كشريكة معه في الحياة، يشاركها كوارثه معه في النعمة[30].]

وقد سبق لنا الحديث في شيء من الإفاضة عن خضوع الزوجة في كتاب “الحب الزوجي”.

ثالثًا: رئاسة الرجل وحبه

كثيرًا ما يتمسك الرجل بالرئاسة بكونها “سلطة” ودكتاتورية، لذا ربط الرسول بولس الرئاسة بالحب الباذل، إذ يقول: “لأَنَّ الرَّجُلَ هُوَ رَأْسُ الْمَرْأَةِ كَمَا أَنَّ الْمَسِيحَ أَيْضًا رَأْسُ الْكَنِيسَةِ، وَهُوَ مُخَلِّصُ الْجَسَدِ]٢٣[.

فرئاسة السيد المسيح لكنيسته أعلنت خلال محبته الباذلة على الصليب لخلاصها، وهكذا إذ يريد الرجل أن يكون رأسًا فليقدم حبًا باذلاً عمليًا! وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [اهتم بها بنفس العناية التي تعهد بها المسيح الكنيسة. نعم، حتى وإن احتاجت أن تقدم حياتك! نعم، وإن احتاجت أن تتقطع أجزاء ربوات المرات! نعم، لتحتمل أي ألم مهما كان ولا تمتنع[31].]

إن كان الرجل هو الرأس فلا مكان للرأس بدون الجسد، ولا حياة للرأس بدون الجسد. يقول القديس أمبروسيوس: [الرجل بدون زوجته يحسب كمن هو بلا بيت[32].]

رابعًا: الشركة في الصليب

حينما تمارس الزوجة خضوعها لرجلها في الرب، ويمارس الرجل حبه لعروسه من أجل الرب، إنما يشترك الاثنان معًا بصورة أو بأخرى في عمل السيد المسيح الذبيحي بالبذل الحقيقي، فتصير حياتهما الزوجية علامة منظورة عن شركتهما في عمل السيد المسيح المبذول الخفي. بمعنى آخر يرى الزوجان في ذبيحة المسيح، ذبيحة الحب عن الآخرين، نموذجًا حيًا ورصيدًا لحياتهما الأسرية. هذا ما نلمسه في حديث الرسول بولس: “وَلَكِنْ كَمَا تَخْضَعُ الْكَنِيسَةُ لِلْمَسِيحِ، كَذَلِكَ النِّسَاءُ لِرِجَالِهِنَّ فِي كُلِّ شَيْءٍ. أَيُّهَا الرِّجَالُ، أَحِبُّوا نِسَاءَكُمْ كَمَا أَحَبَّ الْمَسِيحُ أَيْضًا الْكَنِيسَةَ وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِهَا]٢٤-٢٥[.

تحت ظل الصليب تقدم الزوجة خضوعها بفرح من أجل الرب، ويعلن الزوج حبه لزوجته مهما كان تصرفها. ممتثلاً بالسيد المسيح الذي قدم حياته لتقديس المؤمنين.

من كلمات القديس يوحنا الذهبي الفم للزوج: [إن رأيتها تزدري بك وتأنف منك وتحتقرك، فتفكيرك العظيم تجاهها ومودتك ولطفك تقدر أن تخضعها لك، فإنه ليس شيء أعظم قوة في الاستمالة أكثر من هذه الرباطات، خاصة من الزوج والزوجة!… نعم فإنه بالرغم مما تعانيه من بعض الأمور من ناحيتها فلا تعنفها، لأن المسيح لم يفعل ذلك[33].]

في قوة ووضوح تحدث الرسول بولس عن حب المسيح لكنيسته كمصدر حيّ لحب الرجل لزوجته، قائلاً:

وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِهَا،

لِكَيْ يُقَدِّسَهَا، مُطَهِّرًا إِيَّاهَا بِغَسْلِ الْمَاءِ بِالْكَلِمَةِ،

لِكَيْ يُحْضِرَهَا لِنَفْسِهِ كَنِيسَةً مَجِيدَةً،

لاَ دَنَسَ فِيهَا وَلاَ غَضْنَ أَوْ شَيْءٌ مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ،

بَلْ تَكُونُ مُقَدَّسَةً وَبِلاَ عَيْبٍ]٢٥–٢٧[.

ويلاحظ في محبة السيد المسيح لكنيسته الآتي:

أ. أنه أسلم نفسه لأجلها، لأن المحبة “لا تطلب ما لنفسها” (١ كو ١٣: ٥). المسيح في علاقته بنا يطلب خلاصنا، لننعم بشركة الميراث معه؛ هو لا يحتاج إلينا لكنه بالحب يبذل عنا. هكذا ليت الرجل في علاقته بزوجته يحبها لأجل شخصها كمحبوبة لديه، لا لأجل إشباع مطالب معينة بالنسبة له، أيًا كان نوعها!

ب. غاية السيد المسيح من عروسه أن يقدسها ويطهرها بمياه المعمودية وذلك بالكلمة، إذ تتقدس المياه خلال السيد المسيح الكلمة، مقدمًا صليبه ثمنًا لتقديسنا.

كانت – كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم – مملوءة عيبًا وبشعة وملومة، فلم يشمئز منها ولا مقتها، إنما أسلم نفسه من أجلها، كقول الرسول: “وإذ كنا خطاة مات المسيح عنا” (رو ٥: ٥). [وبالرغم من كونها هكذا أخذها وكساها بالجمال، وغسلها، ولم يرفض أن يسلم نفسه من أجلها[34].]

في قوة تحدث الرب على لسان حزقيال عن هذا الحب الباذل، قائلاً:

“هكذا قال السيد الرب لأورشليم، مخرجك ومولدك من أرض كنعان، أبوك أموري وأمك حثية. أما ميلادك يوم وُلدت فلم تُقطع سرتك، ولم تُغسلي بالماء للتنظف، ولم تملحي تمليحًا، ولم تقمطي تمقيطًا.

لم تشفق عليك عين لتصنع لك واحدة من هذه، لترق لك، بل طُرحت على وجه الحقل بكراهة نفسك يوم وُلدت.

فمررت بك ورأيتك مدوسة بدمك، فقلت لك: بدمك عيشي…

جعلتك ربوة كنبات الحقل، فربوت وكبرت وبلغت زينة الأزيان.

نهد ثدياكِ، ونبت شعرك، وقد كنت عريانة وعارية.

فمررت بك ورأيتك، وإذا زمنك زمن الحب.

فبسطت ذيلي عليك وسترت عورتك، وحلفت لك، ودخلت معك في عهد يقول السيد الرب، فصرت لي.

فحممتك بالماء وغسلت عنك دماءك ومسحتك بالزيت،

وألبستك مطرزة، ونعلتك بالتخس، وآزرتك بالكتان، وكسوتك بزًا، وحليتك بالحلي، فوضعت أسورة في يديك، وطوقًا في عنقك، ووضعت خزامة في أنفك، وأقراطًا في أذنيك، وتاج جمال على رأسك…

وأكلت السميذ والعسل والزيت،

وجملت جدًا جدًا، فصلحتِ لمملكة.

وخرج لك اسم في الأمم لجمالك، لأنه كان كاملاً ببهائي الذي جعلته عليك يقول السيد الرب” (حز ١٦: ٢ – ١٤).

إنها صورة رائعة لعمل الله الفائق خلال محبته الباذلة بالصليب!

ج. يقول: “يُحْضِرَهَا لِنَفْسِهِ“، ففي طقس الزواج اليهودي كانت هناك فترة بين عقد الزواج واستلام العروس؛ هكذا وقع السيد عقد الزوجية بدمه الطاهر على الصليب، اشترانا وقبلنا عروسًا له، وفي مجيئه الأخير يستلم العروس حيث يجتمع كل المختارين معه على السحاب، وكأنه يُحضر عروسه لنفسه. لقد أحبها بلا مقابل، لكنه ينتظرها عروسًا له تجاوبه الحب بالحب، وتشاركه المجد الأبدي!

هنا يلزمنا أن نقف قليلاً، فإن كان السيد المسيح في محبته بذل حياته عن عروسه، فهو يطلب تقديسها، فلا ينعم بالعرس إلاَّ المقدسون فيه. وكما يقول القديس أغسطينوس إن بعض السمك الرديء يدخل شبكة المسيح في الكنيسة، لكنه لابد أن يفرز فلا يكون له نصيب مع السمك الجيد[35].

يقول الأب دوروثيؤس من غزة: [تجسد الرب يسوع المسيح ليعيد الإنسان إلى صورته الأولى. ولكن كيف نرجع إلى تلك الصورة الأولى؟ حين نتعلم من الرسول القائل: “لنطهر ذواتنا من كل دنس الجسد والروح” (٢ كو ٧: ١). لنتطهر فيظهر الشبه (بالله) الذي نلناه. لنعزل عنه دنس الخطية فيظهر بكل جماله خلال الفضيلة. يقول داود في صلاته من أجل هذا الجمال: “أعطيت جمالي قوة” (مز ٢٩: ٨). إذن فلنطهر أنفسنا لنعود إلى التشبه بالله، الأمر الذي أقامه فينا[36].]

د. إذ تحدث عن تقديس الكنيسة خلال محبة المسيح الباذلة، أشار إلى المعمودية، قائلاً: “بِغَسْلِ الْمَاءِ بِالْكَلِمَةِ]٢٦[.

  • يعلن الرسول الطوباوي ويؤكد أن المعمودية هي التي فيها يموت الإنسان القديم ويولد الإنسان الجديد، قائلاً: “خلصنا بغسل الميلاد الثاني” (تي ٣: ٥). فإن كان الميلاد الثاني (التجديد) يتم في الجرن أي في المعمودية، فكيف يمكن لهرطقة – وهي ليست عروس المسيح – أن تلد بنينًا لله خلال المسيح؟

إنها الكنيسة وحدها التي التصقت واتحدت بالمسيح تلد روحيًا أبناءً، كقول الرسول: “أحب المسيح أيضًا الكنيسة وأسلم نفسه لأجلها، لكي يقدّسها، مطهرًا إياها بغسل الماء” (أف ٥: ٢٥، ٢٦). إن كانت هي المحبوبة والعروس، وحدها تتقدس بالمسيح، ووحدها تتطهر بجرنه، فمن الواضح أن الهرطقة – التي ليست عروس المسيح – لا يمكن أن تتطهر ولا أن تتقدس بجرنه ولا أن تلد أبناءً لله[37].

الشهيد كبريانوس

هـ. إذ أقام السيد المسيح كنيسته جسدًا مقدسًا له، بكونه رأسها، هكذا يرى الزوج في زوجته جسده، فيحبها ويهتم بها، إذ يقول الرسول:

كَذَلِكَ يَجِبُ عَلَى الرِّجَالِ أَنْ يُحِبُّوا نِسَاءَهُمْ كَأَجْسَادِهِمْ.

مَنْ يُحِبُّ امْرَأَتَهُ يُحِبُّ نَفْسَهُ.

فَإِنَّهُ لَمْ يُبْغِضْ أَحَدٌ جَسَدَهُ قَطُّ بَلْ يَقُوتُهُ وَيُرَبِّيهِ، كَمَا الرَّبُّ أَيْضًا لِلْكَنِيسَةِ.

لأَنَّنَا أَعْضَاءُ جِسْمِهِ، مِنْ لَحْمِهِ وَمِنْ عِظَامِهِ]٢٨–٣٠[.

هنا يقدم الرسول ثلاث مقارنات: المسيح والكنيسة، الرجل وزوجته، الرأس والجسد.

في الوقت الذي في أبرز مدى إتحاد الزوج بزوجته بكونها جسده، حتى قال القديس يوحنا الذهبي الفم: [ليس هنا شيء يلحم حياتنا مع بعضنا البعض هكذا مثل حب الرجل وزوجته[38]]، فقد أعلن الرسول أمرين: الأول مدى إتحادنا بالسيد المسيح “لأَنَّنَا أَعْضَاءُ جِسْمِهِ، مِنْ لَحْمِهِ وَمِنْ عِظَامِهِ” والثاني نظرتنا القدسية لجسد: “فَإِنَّهُ لَمْ يُبْغِضْ أَحَدٌ جَسَدَهُ قَطُّ بَلْ يَقُوتُهُ وَيُرَبِّيهِ“.

فمن جهة إتحادنا بالسيد المسيح بكوننا أعضاء جسمه، فهو الغاية الأولى والرئيسية في عمل الله الخلاصي وتمتعنا بإنجيله. إذ يريدنا واحدًا معه، ننعم بالشركة معه أبديًا كأبناء روحيين وورثة. هذا الخط واضح جدًا في كل رسائل بولس الرسول، خاصة هذه الرسالة مادام يتحدث عن الكنيسة جسد المسيح.

أما من جهة قدسيتنا للجسد، فقد أوضح أننا لا نبغض الجسد بكونه خليقة الله المقدسة، إنما نبغض شهواته الدخيلة. الجسد لا يمثل عائقًا نود الخلاص منه خلال معادتنا له، بل هو عطية إلهية تبقى مقدسة مادمنا نسلك بالروح. وقد ركز الآباء على هذا الاتجاه الإنجيلي حتى لا ننحرف إلى الأفكار الغنوسية المعادية للجسد بكونه – في نظرهم – عنصر ظلمة يجب إهلاكه.

يقول القديس أغسطينوس: [لنهتم بالجسد، وإنما فقط في حدود الصحة[39].]

و. إذ يتحدث الرسول عن الوحدة القائمة بين الزوجين يقدم لنا مفهومًا لهذه الوحدة منذ بدء الحياة الإنسانية، يتحقق خلال عمل المسيح، إذ يقول: “مِنْ أَجْلِ هَذَا يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ، وَيَكُونُ الاثْنَانِ جَسَدًا وَاحِدًا]٣١[. وقد اقتبس الرسول ذلك عن سفر التكوين (٢: ٢٤).

هذه الوحدة تظهر بصورة فريدة بين السيد المسيح وكنيسته، حيث دعاها الرسول “سرًّا”، إذ يقول: “هَذَا السِّرُّ عَظِيمٌ، وَلَكِنَّنِي أَنَا أَقُولُ مِنْ نَحْوِ الْمَسِيحِ وَالْكَنِيسَةِ. وَأَمَّا أَنْتُمُ الأَفْرَادُ، فَلْيُحِبَّ كُلُّ وَاحِدٍ امْرَأَتَهُ هَكَذَا كَنَفْسِهِ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلْتَهَبْ (تحترم) رَجُلَهَا]٣٢-٣٣[.

لقد قدم السيد المسيح نفسه مثلاً ففي إتحاده بالكنيسة العروس، كما يقول القديس أغسطينوس قام بترك الآب إذ أخلى ذاته عن الأمجاد وأخذ شكل العبد (في ٢: ٧)، وإن كان يبقى واحدًا معه في الجوهر بلا انفصال، كما ترك أمه أي الشعب اليهودي الذي أخذ عنه الجسد خلال القديسة مريم اليهودية الجنس، ليصير هو مع عروسه جسدًا واحدًا[40].

[1] Ep. 148: 5.

[2] Ser. on N.T. 64: 3.

[3] In Eph. Hom 17.

[4] Of the Christian Faith 17: 109.

[5] Cassian: Conf. 5: 11

[6] In Eph. hom 17.

[7] In Eph. hom 17.                                                      

[8] Ibid 18.

[9] Ser. on N.T. 17: 5.

[10] Ibid 26: 5, 6.

[11] In Eph. hom 18.

[12] Ser. on N.T. 77: 7; 38: 3.

[13] In Eph. hom 18

[14] حرف “ث”، الأم ثيؤدورا.

[15] Ser. on N.T. 34: 2.

[16] Ante Nicene Prs, vol 5, p 245.

[17] In Eph. hom 19.

[18] In Eph. hom 19.

[19] Ep. 108: 12.

[20] In Eph. Hom 19.

[21] للمؤلف: الروح القدس بين الميلاد الجديد والتجديد المستمر، ١٩٨١، ص ٢٢٦ – ٢٢٨..

[22] In Eph. Hom 19.

[23] للمؤلف: الحب الزوجي، ١٩٨٤، ص ١٢ – ١٦..

[24] To his wife 2: 9.

[25] Ad. Polyc. 5.

[26] Ep. to Wegelius 19, 23: 7.

[27] Against the heresy of one Noetus 14.

[28] للمؤلف: الحب الزوجي، ١٩٨٤، ص 39.

[29] للمؤلف: الحب الزوجي، ١٩٨٤، ص ٣٨ – ٣٩.

[30] Ep. 63.

[31] In Eph. Hom 20.

[32] On Paradise 11: 50.

[33] In Eph. Hom 20.

[34] Ibid.

[35] Ep. 93: 34.

[36] Com. on an Easter Hymn.

[37] Ep. 74.

[38] In Eph. Hom 20.

[39] Ep 130: 7.

[40] راجع للمؤلف: سفر التكوين، ١٩٨٤، ص ٦٥، ٦٦.

St. Augustin: Ser. On Nt Lessons, 41: 7.

تفسير رسالة أفسس 5 الأصحاح الخامس – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة أفسس 4 الأصحاح الرابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة أفسس 4 الأصحاح الرابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة أفسس 4 الأصحاح الرابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة أفسس 4 الأصحاح الرابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

 

الباب الثاني: الحياة الكنسية العملية

 

 

 

 

  1. الوحدة وإضرام المواهب ص ٤.
  2. العبادة والسلوك ص ٥.
3. الحياة العملية والجهاد الروحي    ص ٦.

 

 

الحياة الكنيسة العامة

إذ كانت الكنيسة الجامعة في حقيقتها هي “سرّ المسيح المكتوم”، وقد أعلن لنا عن مجيء المسيح فتحققت مسرة الآب فيه، وتهلل السمائيون بنا كعروس مقدسة وكجسدٍ مقدسٍ للرأس القدوس، ضمت أعضاء الجسد من الأمم واليهود، فإن هذه الكنيسة الجامعة يلزم أن تترجم عمليًا في حياتنا الكنسية وعبادتنا وسلوكنا الأسري والاجتماعي وفي جهادنا الروحي الخفي. هذا ما أكده الرسول بولس في الأصحاحات الثلاثة الأخيرة ]٤– ٦[.

الكنيسة ليس مؤسسة، لكنها “حياة في المسيح”، تتجلى في أعماقنا كما في كل تصرف خفي أو ظاهر.

 

الأصحاح الرابع

الوحدة وإضرام المواهب

 

الله في محبته أعلن لنا “سرّ المسيح”، الذي هو سرّ الكنيسة الجامعة التي تضم الأمم لتنعم بالحياة في المسيح، لذا يليق بنا أن نقابل هذا الحب الإلهي العملي إيجابيًا باتساع قلبنا لبعضنا البعض، فنحمل وحدانية الروح. هذه الوحدانية لا تعني أن نكون نسخة متشابهة لبعضنا البعض بل نكون أشخاصًا لنا مواهبنا المتباينة التي أُعطيت لنا للعمل معًا، يكمل أحدنا الآخر لبنيان الكنيسة وبنيان نفوسنا، لعلنا نبلغ “قِيَاسِ قَامَةِ مِلْءِ الْمَسِيحِ]١٣[.

  1. المحبة ووحدانية الروح ١ – ٣.
  2. وحدة الإيمان وتنوع المواهب ٤ – ١١.
3. الوحدة وبنيان الكنيسة            ١٢ – ١٦.
  1. الوحدة والحياة الجديدة ١٧ – ٣٢.

1. المحبة ووحدانية الروح     

إن كان الرسول يشعر بالتزام نحوهم ليحقق فيهم بالنعمة “سرّ المسيح”، محتملاً الشدائد حتى الأسر لمجدهم، فإنه يليق بهم من جانبهم أن يدركوا الدعوة الإلهية التي دعوا إليها. فالعمل لا يكون من جانب الخادم وحده، وإنما يليق بكل عضو حيّ أن يلتزم بدوره، أو بمعنى أصح أن يعتز بعضوية الكنيسة خلال العمل الجاد. أما مركز هذا العمل فهو الالتزام بالمحبة الجادة الواهبة وحدانية الروح خلال انسجام كل الأعضاء معًا كجسدٍ واحد لرأس واحد.

يوصيهم الرسول:

فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ، أَنَا الأَسِيرَ فِي الرَّبِّ،

أَنْ تَسْلُكُوا كَمَا يَحِقُّ لِلدَّعْوَةِ الَّتِي دُعِيتُمْ بِهَا. بِكُلِّ تَوَاضُعٍ، وَوَدَاعَةٍ، وَبِطُولِ أَنَاةٍ، مُحْتَمِلِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي الْمَحَبَّةِ.

مُجْتَهِدِينَ أَنْ تَحْفَظُوا وَحْدَانِيَّةَ الرُّوحِ بِرِبَاطِ السَّلاَمِ]١– ٣[.

لما كان موضوع “وحدانية الروح” أو رباط السلام أمرًا له تنازلاته الكثيرة من كل عضو لذا بدأ الحديث عنه بإعلان الرسول عن تنازلاته التي هي بالحق سرّ مجده وكرامته، إذ يدعو نفسه “الأَسِيرَ فِي الرَّبِّ[1]. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [يا لها من كرامة عظيمة! إنها أعظم من كرامة الملوك أو السفراء… كان أمجد له أن يكون أسيرًا من أجل المسيح عن أن يكون رسولاً أو معلمًا أو كارزًا. من يحب المسيح يفهم ما أقوله. من دخل إلى التكريس للرب والتهب به يعرف قوة هذه القيود. مثل هذا يفضل أن يكون سجينًا من أجل المسيح عن أن تكون السماوات مسكنه. كانت اليدان أكثر مجدًا مما لو كانتا مزينتين بزينةٍ ذهبيةٍ أو بتاجٍ ملوكيٍ…[1].]

لقد خصص القديس يوحنا الذهبي الفم العظة الثامنة كلها في تفسير الرسالة إلى أهل أفسس يمجد فيها الآلام التي تُحتمل من أجل المسيح، أيًا كان نوعها أكثر من المجد الذي نتقبله حتى من يديّ السيد المسيح نفسه.

هذا بالنسبة للآلام أما بالنسبة لوحدة الكنيسة فقد امتص هذا الموضوع فكر آباء الكنيسة، فلا ندهش إن رأينا القديس يوحنا الذهبي الفم قد خصص العظة التاسعة في تفسيره للرسالة إلى أهل أفسس بأكملها لشرح العبارات الثلاث الواردة في أول هذا الأصحاح. وقد لخص القديس حديثه بكلمات قليلة في موضع آخر بقوله: [اسم الكنيسة ليس اسم الانقسام بل الوحدة والانسجام، يلزم أن تكون كنيسة واحدة في العالم، بالرغم من وجود كنائس كثيرة منتثرة في مواضع كثيرة[2].]

  • الأسقفية واحدة، تتجمع أجزاؤها معًا خلال الأساقفة (الكثيرين).

الكنيسة واحدة تمتد بثمارها المتزايدة المنتشرة بين الجمهور كأشعة الشمس الكثيرة مع أن النور واحد، وكأغصان الشجرة الكثيرة لكن الجذر واحد…

هكذا غطست الكنيسة في نور الرب لذا ترسل أشعتها على العالم لكن النور واحد يبلغ كل موضع، ووحدة الجسد لا تُنتزع منها[3].

القديس كبريانوس

  • ما أعظم سلطان قيود بولس كما يظهر هنا، فإنها أمجد من المعجزات. فإنه ليس عبثًا يتحدث عنها – كما يبدو – ولا بدون هدف، وإنما أراد أن يتلامس معهم خلالها فوق كل شيء. فماذا يقول: “فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ، أَنَا الأَسِيرَ فِي الرَّبِّ، أَنْ تَسْلُكُوا كَمَا يَحِقُّ لِلدَّعْوَةِ الَّتِي دُعِيتُمْ بِهَا]١[، كيف يكون هذا؟ “بِكُلِّ تَوَاضُعٍ، وَوَدَاعَةٍ، وَبِطُولِ أَنَاةٍ، مُحْتَمِلِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي الْمَحَبَّةِ]٢[.

لم يكن مكرمًا لمجرد كونه أسيرًا، وإنما لأنه كان هكذا من أجل المسيح! لذا يقول “فِي الرَّبِّ“، أي أنه أسير لأجل المسيح. ليس شيء ما يعادل هذا!

الآن تجتذبني القيود جدًا فتبعدني عن الحديث في الموضوع، وتدفعني للخلف (أي العودة إلى الحديث عنها من جديد)، فإنني لا أستطيع مقاومة الحديث عنها. إنني أنجذب إليها تلقائيًا، نعم وبكل قلبي، ليكون نصيبي الدائم هو الإسهاب في الحديث عن قيود بولس…

  • الآن لا تملوا، فإنني أريد أن أقدم إجابة لتساؤل يثيره الكثيرون، عندما يقولون: إن الضيقات ممّجدة، فلماذا قال بولس نفسه في دفاعه أمام أغريباس: “كنت أصلي إلى الله أنه بقليل وبكثير ليس أنت فقط بل أيضًا جميع الذين يسمعونني اليوم يصيرون هكذا كما أنا ما خلا هذه القيود” (أع ٢٦: ٢٩)؟

حاشا أن يكون قد نطق بهذا للتحقير من شأن القيود، لا، فإنه لو كان الأمر هكذا لما كان يفتخر بالقيود والسجون والضيقات الأخرى، عندما قال في موضع آخر: “فبكل سرور أفتخر بالحري في ضعفاتي” (٢ كو ١٢: ٩). فماذا هو الأمر (بالنسبة لما قاله أمام أغريباس)؟… لم يكن من يتحدث أمامهم قادرين على السماع عن جمال القيود وبهائها وبركتها، لذا أضاف: “ما خلا القيود”.

عندما كتب إلى العبرانيين لم يقل هذا، بل حثهم أن يكونوا “كمقيدين” (عب ١٣: ٣) مع المقيدين…

قدير هو سلطان قيود بولس!…

إنه لمنظر جميل مشبع أن ترى بولس مقيدًا وهو خارج من السجن، كما تنظره مقيدًا وهو داخل السجن… فإن كان القديسون في كل الأوقات يحملون منظرًا مجيدًا، إذ هم مملوؤن نعمة غنية، فإنهم يكونون هكذا بالأكثر عندما يتعرضون لمخاطر من أجل المسيح، عندما يصيرون مسجونين. وكما أن الجندي الشجاع يمثل منظرًا مبهجًا في كل الأوقات وذلك من تلقاء نفسه لكل من يتطلع إليه خاصة عندما يقف في الصفوف بجانب الملك، هكذا تأملوا بولس بأية عظمة يكون عندما ترونه يعلّم وهو في قيوده!

ألعلي أشير إلى فكرة عابرة خطرت ببالي حالاً؟! فإن الطوباوي بابيلاس الشهيد قُيّد تمامًا كما قيد يوحنا (المعمدان)، لأنه وبّخ ملكًا على عصيانه. وعند موته أوصى هذا الرجل أن تبقى القيود تلازم جسده، فيُدفن جثمانه مقيدًا. وإلى اليوم لا تزال قيوده مختلطة برفاته، هكذا كانت محبته للقيود التي قُيد بها من أجل المسيح. وكما يقول النبي عن يوسف: “في الحديد دخلت نفسه” (مز ١٠٥: ١٨). حتى النساء أيضًا قُيدن قبل الآن بهذه القيود.

  • على أي الأحوال نحن لسنا في قيود، ولست أوصيكم بها مادام الوقت ليس وقت قيود. قيد قلبك وفكرك لا يديك! فإنه توجد قيود أخرى؛ من لا يُقيد بالواحدة (أي الالتزام الروحي) فسيُقيد بالأخرى. اسمع ما يقوله المسيح: “اربطوا يديه ورجليه” (مت ٣٢: ١٣). الله لا يسمح لنا بهذا القيود![4]

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • يقول: “َأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ، أَنَا الأَسِيرَ فِي الرَّبِّ، أَنْ تَسْلُكُوا كَمَا يَحِقُّ لِلدَّعْوَةِ الَّتِي دُعِيتُمْ بِهَا]١[.

لكن ما هذه الدعوة؟ يُقال: لقد دُعيتم جسده. صار المسيح رأسًا لكم، ومع أنكم كنتم أعداء وارتكبتم شرورًا بلا حصر، غير أنه أقامكم معه، وأجلسكم معه (أف ٢: ٦). إنها دعوة عليا، دعوة لإمتيازات سامية، لا بدعوتنا لترك حالتنا السابقة فحسب وإنما بتمتعنا بإمتيازات كهذه…

لكن كيف يمكن أن نسلك فيها؟ “بِكُلِّ تَوَاضُعٍ]٢[. هذا هو أساس كل فضيلة. إن كنت متواضعًا وتأملت ما أنت عليه، وكيف خلصت، فإن هذه التأملات تدفعك لكل فضيلة. فإنك لا تنتفخ بالقيود ولا بهذه الإمتيازات التي أشرت إليها، وإنما تتواضع لأنك تعرف أن هذه جميعها إنما هي من قبيل النعمة.

الإنسان المتواضع قادر أن يكون عبدًا كريمًا وشاكرًا في نفس الوقت. فإنه “أي شيء لك لم تأخذه؟” (١ كو ٤: ٧). اسمع أيضًا قوله: “أنا تعبت أكثر منهم جميعهم، ولكن لا أنا بل نعمة الله التي معي” (١كو ١٥: ١٠).

يقول “ بِكُلِّ تَوَاضُعٍ“، ليس فقط بالأقوال ولا بالأفعال وإنما بالاحتمال حتى في نغمة الصوت. لا تكن متواضعًا مع شخص وخشنًا مع آخر. بل كن متواضعًا مع جميع البشر، سواء كانوا أصدقاء أم أعداء، عظماء أم محتقرين، هذا هو التواضع.

كن متواضعًا حتى في أعمالك الصالحة. اسمع ما يقوله المسيح: “طوبى للمساكين بالروح” (مت ٥: ٣)، وقد وضع هذا في بداية (التطويبات)[5].

القديس يوحنا الذهبي الفم

إذ دُعينا جسد المسيح الواحد، فإننا لا نستطيع أن ننعم بوحدانية الروح، ونثابر عليها بدون التواضع الحقيقي، الذي هو أساس كل فضيلة، وبداية كل تطويب.

سلوكنا بالحق كما يليق بدعوة المسيح لنا يلزمنا أن ننعم “ بِكُلِّ تَوَاضُعٍ“، فإن كان كلمة الله بتواضعه أخلى ذاته، وصار كواحدٍ منا، لكي يضمنا إليه ويثبتنا فيه كجسد للرأس الواحد، هكذا إذ يكون لنا فكره ونحمل تواضعه عاملاً فينا، نحمل وحدانية الروح مع بعضنا البعض فيه. بمعنى آخر، بالتواضع نزل إلينا الكلمة الإلهي ليهبنا الوحدة فيه، وحدتنا مع الآب بروحه القدوس، ووحدتنا مع بعضنا البعض فيه.

إذ نسلك بكل تواضع في الرب نحمل وداعة تجاه إخوتنا، محتملين بعضنا بعضًا في المحبة كأساس حيّ لحفظ وحدانية الروح. يقول الرسول:

بِكُلِّ تَوَاضُعٍ، وَوَدَاعَةٍ، وَبِطُولِ أَنَاةٍ،

مُحْتَمِلِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي الْمَحَبَّةِ.

مُجْتَهِدِينَ أَنْ تَحْفَظُوا وَحْدَانِيَّةَ الرُّوحِ بِرِبَاطِ السَّلاَمِ]٢- ٣[.

  • إن كنت لا تحتمل أخاك العبد رفيقك فكيف يحتملك السيد؟ حيث توجد المحبة يمكن احتمال كل شيء!
  • مُجْتَهِدِينَ أَنْ تَحْفَظُوا وَحْدَانِيَّةَ الرُّوحِ بِرِبَاطِ السَّلاَمِ]٣[. اربط يديك بالاعتدال. مرة أخرى نرى هذا الاسم الحسن “ بِرِبَاطِ (قيود)“. لقد تركنا الحديث عن القيود، وهذا هو يعود ثانية من تلقاء ذاته.

كانت القيود السابقة (الخاصة بأسر الرسول) حسنة، وهذه القيود أيضًا حسنة، تلك كانت ثمار هذه (أي احتمال الآلام هو ثمرة لرباط المحبة).

اربط نفسك بأخيك؛ فالذين يرتبطون معًا بالمحبة يستطيعون أن يحتملوا كل شيء بسهولة. اربط نفسك بأخيك، وهو بك؛ أنت سيد لنفسك ولأخيك؛ فمن أشتاق أن أقيمه صديقًا لي أستطيع باللطف أن أحقق هذا معه.

بقوله “مُجْتَهِدِينَ” يُظهر أن الأمر لا يتحقق بسهولة، وليس في قدرة كل أحد.

مُجْتَهِدِينَ أَنْ تَحْفَظُوا وَحْدَانِيَّةَ الرُّوحِ“؛ ما هي وحدانية الروح هذه؟ في الجسد البشري توجد روح تجمع الأعضاء معًا رغم تنوعها. هكذا الحال هنا، فقد أُعطى الروح (القدس) لهذا الغرض، ليوّحد الذين تفرقوا بسبب الجنس أو لأسباب أخرى، فيتحد الكبير والصغير، الغني والفقير، الطفل والشاب، المرأة والرجل، وتصير كل نفس معًا، متحدين أكثر من كونهم جسدًا واحدًا. هذه العلاقة الروحية أسمى من العلاقة الطبيعية؛ فكمال الوحدة هنا أكمل وأشد، لأن إتحاد النفس أكثر كمالاً بقدر ما أن النفس بسيطة ومتسقة.

كيف يمكن الاحتفاظ بهذه الوحدانية؟ “بِرِبَاطِ السَّلاَمِ“. فإنه لا يمكن أن يكون لها وجود متى وجدت العداوة والخصام. يقول (الرسول): “فإنه إذ فيكم حسد وخصام وانشقاق ألستم جسديين وتسلكون بحسب البشر؟!” (١ كو ٣: ٣). فكما أن النار متى وجدت قطعًا جافة من الخشب تلتهب معًا ليصعد منها لسان واحد من اللهب، أما متى كانت مبللة فلا تعمل فيها ولا توّحد بينها، هكذا هنا أيضًا، فإنه ليس شيء من الطبيعة الباردة يقدر أن يجلب هذه الوحدانية، أما إن كانت الطبيعة حارة فإنه في الغالب يستطيع ذلك. هكذا حرارة المحبة تنشيء الوحدانية، وذلك برباط السلام…

كأنه بنفس الطريقة يود أن يقول إن أردت أن تلتصق بآخر، لا تستطيع أن تتمم ذلك إلاَّ بأن تلصقه هو أيضًا بك. إن أردت أن تجعل الرباط مزدوجًا يحتاج هو أيضًا أن يلتصق بك. هكذا يريدنا أن نرتبط مع بعضنا البعض، فلا نكون فقط في سلام ولا أن نحب بعضنا بعضًا بل وأن يكون الكل نفسًا واحدة.

مجيد هو هذا الرباط، به ينبغي أن يرتبط كل أحد بالآخر كما بالله.

هذا الرباط لا يسبب “إزرقاقًا في الجلد”، ولا يشّل حركة اليد التي يربطها، بل بالحري يتركها حرة، يسهل لها الحركة، ويهبها شجاعة للعمل أكثر مما تمارسه الأيدي الحرة. إذ رُبط القوي بالضعيف أعانه ولا يدعه يهلك، وإذ ارتبط بشخص متهاون أنهضه وأحياه. لقد قيل: “إذا عضد أخ أخاه صارا مدينة حصينة” (أم ١٨: ١٩ LXX).

هذه القيود (رباط السلام) لا يزعزعها بُعد المسافة، ولا السماء، ولا الأرض، ولا الموت، ولا شيء آخر، بل هي أقوى من كل شيء[6].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • لقد برهن أنه لا وحدة ولا سلام يمكن أن يُحفظ ما لم يطلب الإخوة بعضهم البعض خلال الاحتمال المشترك، ويحفظوا رباط الاتفاق خلال المشاركة في الصبر[7].
  • أتظن أنك تستطيع أن تثبت وتحيا إن انسحبت وبنيت لنفسك بيوتًا أخرى ومسكنًا مختلفًا (أي تركت رباط السلام والوحدة)، بينما قيل لراحاب التي كانت رمزًا للكنيسة: “اجمعي إليك في البيت أباكِ وأمك وإخوتك وسائر بيت أبيكِ، فيكون أن كل من يخرج من أبواب بيتك إلى خارج فدمه على رأسه” (يش ٢: ١٩)؟[8]

الشهيد كبريانوس

2. وحدة الإيمان وتنوع المواهب

الرسالة إلى أفسس هي رسالة الوحدة المسيحية، إذ يقدم لنا الرسول بولس سبعة أشكال للوحدة تتفاعل معًا لتعيش الكنيسة بالإيمان الواحد:

أولاً: “جَسَدٌ وَاحِد]٤[، ربما يقصد هنا وحدة الجماعة المقدسة من جهة التنظيم الكنسي، فإن كانت الوحدة في حقيقتها روحًا داخليًا لكن لا انفصال بين الروح والجسد، وبين الحياة الداخلية والتدبير الظاهر.

وربما بقوله “جَسَدٌ وَاحِد” يشير إلى الوحدة الكنيسة النابعة عن الوحدة السرائرية القدسية[9] Sacramental Unity، خاصة خلال سرّ الإفخارستيا. فالتنظيم الخارجي للكنيسة، مهما بلغ شأنه، يُعتبر ثانويًا بالنسبة لحياتها القدسية السرائرية. الروح القدس يعمل في الكنيسة خلال الأسرار المقدسة من أجل إتحاد كل إنسان في الله. والكنيسة منذ قيامها تتطلع إلى المذبح لتجد جسد الرب الذبيح الواحد، فتجد حياتها وعلّة وجودها، خلاله تنعم بالوحدة مع المسيح الواحد، وقيامها جسدًا واحدًا حيًا له. هذا ما شهدت به الليتورچيات الأولى؛ نقدم على سبيل المثال:

  • كما أن الخبز المكسور،

كان مرة مبعثرًا على التلال،

وقد جُمع ليصير (خبزًا) واحدًا،

كذلك اجمع كنيستك من أقاصي الأرض، في ملكوتك.

(ليتورچيا) الديداكية

  • كما أن عناصر هذا الخبز، كانت فيما مضى،

قد بُعثرت مرة في الجبال،

وقد جُمعت معًا وصارت واحدًا،

كذلك ابن كنيستك المقدسة من كل أمة،

ومدينة وبلدة وقرية وبيت،

واجعل منها كنيسة واحدة حية جامعة.

ليتورچيا الأسقف سرابيون

  • الآن ما هو هذا الجسد الواحد؟ إنه المؤمنون في العالم كله، الكائنون الآن، والذين كانوا، والذين سيكونون. مرة أخرى، الذين أرضوا الله قبل مجيء المسيح هم “جسد واحد”. كيف يكون هذا؟ لأنهم هم أيضًا عرفوا المسيح. من أين يظهر هذا؟ يقول: “أبوكم إبراهيم تهلل بأن يرى يومي، فرأى وفرح” (يو ٨: ٥٦). كما قال: “لو كنتم تصدقون موسى لكنتم تصدقونني، لأنه هو كتب عني” (يو ٥: ٤٦). لم يكن ممكنًا للأنبياء أن يكتبوا أيضًا عن “الواحد” لو أنهم لم يعرفوا ما قالوه عنه، لكنهم عرفوه وعبدوه، هكذا كانوا هم أيضًا جسدًا واحدًا

ليس الجسد منفصلاً عن الروح، وإلاَّ ما كان جسدًا، هكذا جرت العادة بيننا أن ندعو الأشياء المتحدة معًا والمتجانسة تمامًا والمتلاصقة أنها جسد واحد. وأيضًا من جهة الوحدانية نقول إن ما يخضع لرأسٍ واحدٍ هو جسد؛ وحيث يوجد رأس واحد، يوجد جسد واحد.

يتكون الجسد من أعضاء، مكرمة وغير مكرمة. ليس للعضو الأعظم أن يضاد المحتقر، ولا الأخير أن يحسد الأول. حقًا لا يساهم ك عضو بنفس المقدار كغيره، لكن كل واحد يقدم ما تدعو إليه الحاجة. وإذ خُلقت جميع الأعضاء لأغراض ضرورية ومتنوعة، لذا يُحسب الكل في كرامة متساوية…

يوجد في الكنيسة أعداد كبيرة، منهم من يمثلون الرأس، مرتفعون في الأعالي، ومنهم من يشبهون العينين اللتين في الرأس، يتطلعون نحو السماويات، يقفون بعيدًا عن الأرض، ليست لهم خلطة بها، ومنهم من يمثلون الأرجل يطأون على الأرض، الأرجل السليمة، لأن السير على الأرض لا يعتبر جريمة إنما الجري نحو الشر هو كذلك. يقول النبي: “أرجلهم إلى الشر تجري” (إش ٥٩: ٧).

ليت الرأس لا تتشامخ على الرجلين، ولا تتطلع الرجلان بالشر نحو الرأس، وإلاَّ تشوه الجمال الخاص بكل عضو وتعطّل كمال عمله.

طبيعي أن من ينصب الشراك لقريبه إنما ينصبها لنفسه أولاً، وإن رفضت الرجلان أن تحملا الرأس بعيدًا عن قصدها، فإنهما في نفس الوقت تؤذيان نفسيهما بتكاسلهما وبعدم الحركة. أيضًا إذا رفضت الرأس الاهتمام بالرجلين أصابها الأذى هي أولاً …[10]

القديس يوحنا الذهبي الفم

ثانيًا: “َرُوحٌ وَاحِدٌ]٤[؛ الوحدة في جوهرها ليست تنظيمات خارجية، وإنما حياة داخلية يقودها روح الله القدوس الواحد، ليهب الكل روحًا واحدًا، وحياة داخلية متناسقة ومتناغمة معًا.

  • بالروح القدس، الذي يجمع شعب الله في واحد، يُطرد الروح الشرير المنقسم على ذاته.
  • من اختصاص الروح القدس الشركة التي بها صرنا جسدًا واحدًا لابن الله الواحد الوحيد، إذ مكتوب: “فإن كان وعظ ما في المسيح، إن كانت تسلية ما للمحبة، إن كانت شركة ما للروح” (في ٢: ١)[11].

القديس أغسطينوس

  • عندما نزل العليّ وبلبل الألسنة قسّم الأمم.

لكنه عندما وزّع ألسنة النار (الروح القدس)، دعى الكل إلى الوحدة.

لهذا باتفاق واحد، نمجد الروح كلي القداسة.

لحن عيد البنطقسطي Kantakon

(بالكنيسة الأرثوذكسية اليونانية)

  • يقول الله: “في بيت واحد يؤكل، لا تُخرج من اللحم من البيت إلى خارج” (خر ١٢: ٤٦). جسد المسيح، جسد الرب المقدس لا يمكن أن يُحمل خارجًا، لا يوجد بيت للمؤمنين غير كنيسة واحدة. هذا البيت، هذا المأوى لوحدة الروح القدس أُشير إليه وأعلن عنه حين قال: “الله مسكن المتوحدين (ذوي الفكر الواحد) في بيته” (مز ٦٧: ٦). ففي بيت الله، في كنيسة المسيح، يسكن ذوو الفكر الواحد، يحتفظون باتفاق معًا وببساطة[12].
  • إذ تتقبل الكنيسة هذه الكرازة وهذا الإيمان، فإنها وإن كانت مبعثرة في العالم كله لكنها تكون كمن تقطن في بيت واحد، بدقة تحرص على ذلك. إنها تؤمن بهذه التعاليم كما لو كان لها نفس واحدة، ولها ذات القلب الواحد؛ وهي تعلن هذه التعاليم وتعلمها وتسلمها بتناسق كامل كما لو كان لها فم واحد[13].

القديس إيريناؤس

  • الحب الذي يطلبه بولس ليس حبًا عامًا، إنما الحب الذي يثبتنا في بعضنا البعض، ويجعلنا ملتحمين معًا بغير انشقاق، فيقيم وحدة كاملة كما بين عضو وعضو. مثل هذا الحب ينتج ثمارًا عظيمة ومجيدة، لذا قال: “جَسَدٌ وَاحِدٌ“… وقد أضاف بطريقة جميلة: “َرُوحٌ وَاحِدٌ“، مُظْهِرُ أن يكون الجسد الواحد أيضًا روحًا واحدًا. إذ يمكن أن يوجد جسد واحد ولا يكون الروح واحدًا، كأن يصادق إنسان هراطقة.

بهذا التعبير أراد أن يكشف عن تظاهرهم بالاتفاق، كأنه يقول: “لقد قبلتم روحًا واحدًا، وشربتم من ينبوع واحد، لذا يجب ألاَّ تنقسموا في الفكر“. ولعله أراد بالروح هنا غيرتهم[14].

القديس يوحنا الذهبي الفم

ثالثًا: ” رَجَاء وَاحِد]٤[، عمل الروح القدس قائد الكنيسة الداخلي بعث روح الرجاء الواحد نحو الميراث السماوي، والتمتع بشركة المجد الأبدي. هذا الرجاء الواحد الذي دعينا إليه ينزع عن الإنسان رغبته في الكرامات الزمنية وحب السلطة، فيطلب الكل ما هو غير منظور، ويتسابق الكل في احتلال المركز الأخير الذي احتله الرب حين صار عبدًا وأطاع حتى الموت موت الصليب.

  • لقد أضاف: “كَمَا دُعِيتُمْ أَيْضًا فِي رَجَاءِ دَعْوَتِكُمُ الْوَاحِدِ]٤[، بمعنى أن الله دعا الكل بذات الشروط. لا يمنح واحدًا شيئًا غير الآخر، إنما يعطي الخلود للجميع مجانًا، يهب الكل الحياة الأبدية، والمجد الخالد، والأخوّة، والميراث.

إنه رأس الجميع، يقيم الجميع معه ويجلسهم معه (أف ٢: ٦) …

هل يمكن القول بأنك دُعيت بواسطة إله أعظم وغيرك دُعي بواسطة إله أقل؟! هل أنت خلصت بالإيمان وغيرك خلص بالأعمال (الناموسية)؟! هل نلت أنت المغفرة في المعمودية وغيرك لم ينل؟! …[15]

القديس يوحنا الذهبي الفم

رابعًا: “رَبٌّ وَاحِدٌ]٥[.

  • يود لنا إتحادًا مع بعضنا البعض على نفس المثال الذي لوحدة الثالوث القدوس… هذه الوحدة هي أكمل إتحاد يلزم أن تنعكس على وحدة المؤمنين[16].

القديس كيرلس الكبير

  • عمل الرب الواحد أن يضمنا معًا فيه لنصير فيه كاملين وسمائيين بروح الوحدة. إنه يطلب الكل، يرغب أن يخلص الكل، يود أن يجعل الكل أبناء الله، ويدعو كل القديسين في رجل واحد كامل.

يوجد ابن الله الواحد، الذي به نتسلم التجديد خلال الروح القدس، يود أن يأتي الكل في إنسانٍ واحد كامل سماوي[17].

القديس هيبوليتس الروماني

خامسًا: “إِيمَانٌ وَاحِدٌ]٥[.

عمل الكنيسة الأول هو تقديم الإيمان الحق والثابت للعالم، لذا يدعوها القديس كبريانوس: “بيت الإيمان[18]“. هذا الإيمان تقبلته الكنيسة كوديعة تحفظه عبر الأجيال دون انحراف، وكما يقول القديس أيريناؤس: [الكنيسة الأولى الجامعة هي وحدها تعمل في وحدة الإيمان الواحد[19].]

عبر العلامة أوريجينوس في إحدى عظاته عن الفصح عن الإيمان الواحد الذي تعيشه الكنيسة الواحدة لتخلص معلقًا على ممارسة الفصح لكل عائلة في بيت واحد (خر ١٢: ٤٦)، قائلاً: [هذا يعني أنه بيت واحد له الخلاص في المسيح، أعني الكنيسة التي في العالم، هذه التي كانت متغربة عن الله والآن تتمتع بقرب فريد لله، إذ تقبلت رسل الرب يسوع كما تقبلت راحاب قديمًا في بيتها جاسوسيّ يشوع، فتمتعت وحدها بالخلاص وسط خراب أريحا[20].]

سادسًا: ” مَعْمُودِيَّةٌ وَاحِدَةٌ]٥.[

في سرّ المعمودية يتقبل المؤمنون – من أمم كثيرة – العضوية في جسد المسيح الواحد، ويشاركونه دفنه، وينعمون بحياته المقامة التي تهيئهم ليصيروا العروس السماوية الواحدة للعريس الواحد.

  • إذ ليس لنا نحن والهراطقة إله واحد، ولا رب واحد، ولا كنيسة واحدة، ولا إيمان واحد، ولا روح واحد، ولا جسد واحد، فمن الواضح أنه لا يمكن أن تكون المعمودية مشتركة بيننا وبين الهراطقة، إذ ليس بيننا وبينهم شيء مشترك[21].

القديس كبريانوس

سابعًا: “إِلَهٌ وَآبٌ وَاحِدٌ]٦[. ترتبط الكنيسة الجامعة بالراعي الواحد والآب بالرغم من وجود قيادات كنسية كثيرة، فيبقى أبوها سرّ وحدتها، إذ يقول الرسول:

َآبٌ وَاحِدٌ لِلْكُلِّ،

الَّذِي عَلَى الْكُلِّ وَبِالْكُلِّ وَفِي كُلِّكُمْ]٦[.

أبوة الله نحو المؤمنين عجيبة، تضمنا معًا تحت حبه وعنايته فنَظْهر أبناء لأب واحد “على الكل“، يدبر كل حياتنا خلال أبوته. أما قوله “بالكل”، فإنه كأبٍ محبٍ يعمل ليس فقط كمدبر “على الكل” وإنما بالكل، أي بنا، ومن خلالنا كأعضاء في جسد ابنه المحبوب. وبقوله: “في كلكم” يؤكد سكناه فينا. بمعنى آخر أبوته تظهر في جوانب ثلاثة متكاملة:

أ. رئاسته الأبوية (على الكل).

ب. عمله بنا خلال تقديره لنا كأبناء له (بالكل).

ج. سكناه في داخلنا (في كلكم).

وقد لاحظ بعض الدارسين أن عبارات الرسول في هذا الأصحاح عن الوحدة شملت ثلاثة ثلاثيات:

أ. من جهة الكنيسة: جسد واحد، روح واحد، رجاء الدعوة الواحد ]٤[.

ب. من جهة الإيمان: رب واحد، إيمان واحد، معمودية واحدة ]٥[.

ج. من جهة أبوة الله لنا: على الكل، بالكل، في الكل ]٦[.

إذ تحدث الرسول عن سرّ الوحدة الكنسية التي تقوم خلال وحدة الجسد والروح والرجاء والإيمان والمعمودية، بإتحادنا في الله الواحد، وتمتعنا بأبوته الواحدة للكل. الآن يؤكد الرسول أن الوحدة لا تعني ذوبان الأشخاص وتطابق الكل ليكون الجميع صورة لشكلٍ واحدٍ، وإنما هي وحدة متناغمة ومنسجمة خلال المواهب المتنوعة. ففي أكثر من موضع يؤكد الرسول بولس تنوع المواهب كعلاقة على حيوية الكنيسة (رو ١٢: ٣ – ٨؛ ١ كو ١٢: ١ – ٣١). هذه المواهب تُعطى للأعضاء كهبة إلهية حسبما يرى الله بحكمته وأبوته. كأب حكيم يهب كل أحد بما يناسبه، وليس عن محاباة؛ إنه يعطي بفيض حسب كرمه الإلهي، إذ يقول الرسول: “وَلَكِنْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا أُعْطِيَتِ النِّعْمَةُ حَسَبَ قِيَاسِ هِبَةِ الْمَسِيحِ]٧[.

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم قائلاً:

[لاحظ أنه لم يقل “حسب إيمان كل واحد”، لئلا يسقط الذين ليس لهم معارف كثيرة في اليأس، لكنه ماذا قال؟ “حَسَبَ قِيَاسِ هِبَةِ الْمَسِيحِ“. يقول أن النقطة الرئيسية والأساسية هي أن الكل يشترك معًا في المعمودية والخلاص بالإيمان وأخذ الله أبًا لنا والشركة في الروح الواحد. فإن كان لهذا الإنسان أو ذاك موهبة روحية سامية لا تحزن قط، فإنه يُطالب بمتاعبٍ أكثر. فالذي أخذ خمس وزنات كان مطالبًا بخمس، أما الذي نال وزنتين فأحضر فقط وزنتين (أخريتين) ومع هذا نال مكافأة لا تقل عن الأول. لذلك فإن الرسول هنا أيضًا يشجع السامع على نفس الأساس، مظهرًا أن المواهب تُعطى لا لتكريم شخص عن آخر، وإنما لأجل العمل في الكنيسة، كما يقول بعد ذلك: “لأَجْلِ تَكْمِيلِ الْقِدِّيسِينَ، لِعَمَلِ الْخِدْمَةِ، لِبُنْيَانِ جَسَدِ الْمَسِيحِ]١٢[. لذلك يقول حتى عن نفسه: “ويل لي إن كنت لا أبشر” (١ كو ٩: ١٦). كمثال: نال هو موهبة الرسولية، لذلك الويل له – لا لأنه تقبلها – (وإنما إن كان يهمل فيها)، أما أنت فلا تسقط تحت هذا الخطر.

حَسَبَ قِيَاسِ]٧[. ماذا يعني “حسب قياس”؟

إنها تعني “ليس حسب استحقاقنا”، وإلاَّ ما كان أحد قد نال ما ناله، وإنما حسب العطية المجانية التي نلناها.

إذن لماذا ينال أحد أكثر مما ينال آخر؟

يود أن يقول بأنه ليس شيء يسبب ذلك، وإنما الأمر هو مجرد تنوّع، لكي يساهم كل أحد في “البناء”. بهذا يُظهر أن الإنسان لا ينال أكثر وغيره أقل حسب استحقاقه الذاتي، وإنما من أجل (نفع) الآخرين، حسب قياس الله، إذ يقول في موضع آخر: “وأما الآن فقد وضح الله الأعضاء كل واحد منها في الجسد كما أراد” (١ كو ١٢: ١٨)[22].]

القديس يوحنا الذهبي الفم

إذن فالعطية إلهية تُعطى حسب حكمة الله الفائقة أو حساب قياس المسيح كما يقول الرسول، لكن دون شك إضرامنا للمواهب المجانية وأمانتنا تفتح بابًا لنوال عطايا مجانية أكثر، وكما يقول القديس چيروم: [هذا لا يعني أن قياس المسيح يتغير، لكن قدر ما نستطيع أن نتقبل يسكب نعمته فينا[23].]

على أي الأحوال، ليس المجال للافتخار ولا لليأس، فإن مواهبنا هي عطية الله المجانية التي يهبها لنا لا عن استحقاقات ذاتية، وإنما لأجل العمل معًا لبناء الكنيسة الروحي. هو الذي نزل إلينا وقدم محبته العملية على الصليب وصعد ليوزع مواهبه المجانية حسب غنى حكمته. يقول الرسول: “لِذَلِكَ يَقُولُ: إِذْ صَعِدَ إِلَى الْعَلاَءِ سَبَى سَبْيًا وَأَعْطَى النَّاسَ عَطَايَا]٨[.

  • سَبَى سَبْيًا وَأَعْطَى النَّاسَ عَطَايَا]٨[.

عندما ارتفع على الصليب المقدس سمّر الخطية التي انتزعتنا من الفردوس على الصليب، وسبى سبيًا كما هو مكتوب.

ماذا سبي سبيًا؟ نتيجة سقوط آدم سبانا عدونا، وأمسك بنا، وجعلنا تحت سلطانه. عندئذ صارت نفوس البشر بعد تركها الجسد تذهب إلى الجحيم، إذ أُغلق الفردوس أمامها. لذلك إذ ارتفع المسيح على الصليب المقدس واهب الحياة اختطفنا بدمه من السبي الذي اُستعبدنا فيه خلال سقوطنا. بمعنى آخر أمسك بنا من يد العدو، وجعلنا مسبيين له بغلبته وطرده ذاك الذي سبق فسبانا. هذا هو السبب الذي لأجله يُقال: “سبي سبيًا[24].

الأب دوروثيؤس من غزة

  • وَأَمَّا أَنَّهُ صَعِدَ، فَمَا هُوَ إِلاَّ إِنَّهُ نَزَلَ أَيْضًا أَوَّلاً إِلَى أَقْسَامِ الأَرْضِ السُّفْلَى. اَلَّذِي نَزَلَ هُوَ الَّذِي صَعِدَ أَيْضًا فَوْقَ جَمِيعِ السَّمَاوَاتِ، لِكَيْ يَمْلأَ الْكُلَّ]٩-١٠[.

عندما تسمع هذه الكلمات لا تفكر في مجرد تحرك من مكان إلى مكان، وإنما ما قد قرره بولس في الرسالة إلى أهل فيلبي (٢: ٥ – ٩) يركز عليه هنا (أي الإخلاء حتى الموت موت الصليب وارتفاعه ليخضع الكل له)…

لقد أطاع حتى الموت… فبقوله “أقسام الأرض السفلى” عني قبوله الموت وذلك حسب مفاهيم البشر… فقد قال يعقوب: “تنزلون شيبتي بحزن إلى الهاوية” (تك ٤٢: ٣٨)، وجاء في المزمور: “أشبه الهابطين في الجب” (مز ١٤٣: ٧)، أي يشبه الموتى.

لماذا نزل إلى هذه المنطقة؟ وعن أي سبي يتحدث؟ إنه يتحدث عن الشيطان، إذ سبي الطاغية، أي الشيطان أو الموت واللعنة والخطية…

يقول أنه نزل إلى أقسام الأرض السفلى فلا يكون بعده أحد، وصعد إلى فوق الكل حيث لا يكون بعده أحد. هكذا يظهر طاقته الإلهية وسمو سلطانه!…

  • نزوله إلى أقسام الأرض السفلى لم يضره، ولا كان ذلك عائقًا له عن صيرورته أعلى من السماوات. هكذا كلما تواضع الإنسان بالأكثر يتمجد! ذلك كما في الماء كلما ضغط الإنسان على الماء إلى أسفل ارتفع إلى أعلى[25].

القديس يوحنا الذهبي الفم

إذ أوضح الرسول الثمن الذي دفعه السيد المسيح ليقدم لنا هبات العهد الجديد أو المواهب المتنوعة، بنزوله إلى أقصى أقسام الأرض السفلى، أي الموت، لكي يرتفع فيرفعنا معه إلى السماوات عينها، الآن يعلن أن عطايا الله لأعضاء كنيسته ليست قاصرة على أشخاص دون سواهم بل يفيض بالعطاء على الكل، وإن اختلفت العطية؛ ليس من عضو بلا موهبة أو عطية وإلاَّ فقد وجوده كعضوٍ وصار يمثل ثقلاً على الجسد عوض ممارسته العضوية، إذ يقول: “لِكَيْ يَمْلأ الْكُلَّ. وَهُوَ أَعْطَى الْبَعْضَ أَنْ يَكُونُوا رُسُلاً، وَالْبَعْضَ أَنْبِيَاءَ، وَالْبَعْضَ مُبَشِّرِينَ، وَالْبَعْضَ رُعَاةً وَمُعَلِّمِينَ]١٠-١١.

إنه “يملأ الكل”… يملأهم هبات وعطايا ليمارسوا عملهم بروحه القدوس، كأعضاء حقيقيين في جسد المسيح الدائم العمل والحركة، الجسد الذي لن يتوقف عن الحياة ولا يُصاب بشيخوخة أو يفقد سمة العمل الدائم.

  • فوضع الله أناسًا في الكنيسة، أولاً رسلاً، ثانيًا أنبياء، ثالثًا معلمين” (١ كو ١٢: ٢٨)، وكل وسائل أعمال الروح الأخرى. فمن لا يشترك في عمل الكنيسة لا يشارك هذا الروح… إذ حيث توجد الكنيسة يوجد روح الله، وحيث يوجد روح الله توجد الكنيسة وكل نوع من النعمة[26].

القديس إيريناؤس

  • أنت نفسك صرت كاهنًا في المعمودية … صرت كاهنًا من جهة أنك تقدم نفسك تقدمة لله[27].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • لقد أكمل الحديث مظهرًا عناية الله وحكمته، لأن من قام بأعمال كهذه، وله هذه القدرة، ذاك الذي لم يرفض أن ينزل حتى إلى أقسام الأرض السفلى لأجلنا لا يمكن أن يقوم بتوزيع المواهب الروحية بلا هدف.

يخبرنا في موضع آخر أن هذا من عمل الروح، قائلاً: “أقامكم الروح القدس أساقفة لترعوا كنيسة الله“. هنا (أف ٤: ١١) ينسب العمل للابن، وفي موضع آخر لله (الآب) (١ كو ٣: ٦ – ٨).

يقول: “لأَجْلِ تَكْمِيلِ الْقِدِّيسِينَ، لِعَمَلِ الْخِدْمَةِ، لِبُنْيَانِ جَسَدِ الْمَسِيحِ]١٢[. هل تدركوا كرامة هذه الوظيفة؟ كل عمل هو للبنيان، الكل يكمّل، الكل يخدم[28].

القديس يوحنا الذهبي الفم

3. الوحدة وبنيان الكنيسة

إذ تحدث الرسول بولس عن الوحدة الكنسية التي تُدعَّم أساسًا على وحدة الإيمان ]١– ٦[، عاد ليؤكد وحدة العمل بالرغم من تنوع المواهب ]٧– ١١[ حيث يتسلم الكل دوره في بناء الكنيسة من يد المسيح الواحد الذي نزل حتى الموت وصعد ليفيض على كنيسته مواهبه الإلهية. الآن ]١٢– ١٦[ يحدثنا عن وحدانية الهدف. فإن كانت المواهب متعددة، لكن الغاية واحدة هي “بيان جسد المسيح الواحد]١٢[.

المواهب هي عطية الثالوث القدوس، تارة ينسبها الرسول للروح القدس وأخرى للسيد المسيح، وثالثة للآب، لأنها هي عطية الروح القدس التي قدمت للكنيسة خلال استحقاقات الابن الذي قدم حياته مبذولة لأجلنا، تُوهب بتدبير الآب محب البشر. يقدمها الثالوث القدوس لبنيان الكنيسة كلها، كما يقول الرسول: “لأَجْلِ تَكْمِيلِ الْقِدِّيسِينَ، لِعَمَلِ الْخِدْمَةِ، لِبُنْيَانِ جَسَدِ الْمَسِيحِ]١٢[، وفي نفس الوقت لبنيان كل عضو فيها. بمعنى آخر وحدة الهدف تمجّد الكنيسة الجامعة كما تمجد كنيسة القلب الداخلي، تحقق النمو الروحي للجماعة مع بنيان كل إنسان روحيًا لكي يبلغ الكل إلى “قِيَاسِ قَامَةِ مِلْءِ الْمَسِيحِ]١٣[.

أولاً: من جهة بنيان الجماعة ككل

الآن يوضح الرسول، بشيءٍ من الإسهاب، ماذا يقصد ببنيان جسد المسيح، إذ يقول: “إِلَى أَنْ نَنْتَهِيَ جَمِيعُنَا إِلَى وَحْدَانِيَّةِ الإِيمَانِ وَمَعْرِفَةِ ابْنِ اللهِ. إِلَى إِنْسَانٍ كَامِلٍ. إِلَى قِيَاسِ قَامَةِ مِلْءِ الْمَسِيحِ]١٣[.

بمعنى آخر إذ تنوعت المواهب، إنما لكي يعمل الكل بهدفٍ واحدٍ، بغية الوصول “إِلَى وَحْدَانِيَّةِ الإِيمَانِ“. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [بمعنى إلى أن نُظهر أن لنا جميعنا الإيمان الواحد، حينما نكون كلنا واحدًا، ونكون كلنا متشابهين في معرفة الرباط المشترك. هكذا يليق بك أن تتعب عاملاً بهذا الهدف. فإن قبلت الموهبة بهذا الهدف أي بنيان الغير، فإنك لن تتوقف عن العمل إن حسدك الآخرون. لقد كرمك الله، وسامك لكي تبني غيرك. نعم بهذا الهدف كان الرسول منشغلاً، وبذات الهدف كان النبي يتنبأ ويعمل والإنجيلي يكرس بالإنجيل والراعي والمعلم يعملان، الكل يتعهد عملاً مشتركًا واحدًا. الآن إذ نؤمن كلنا إيمانًا متشابهًا توجد وحدانية، ويتحقق “الإِنْسَانٍ الكَامِلٍ[29].]

هكذا يتناغم تنوع المواهب في الكنيسة – جسد المسيح الواحد – مع وحدانية الإيمان، إذ يعمل الكل معًا، كل في موهبته، خلال عضويته الصادقة في جسد المسيح لبنيان الجماعة المقدسة، بهذا يدخل الكل إلى “َمَعْرِفَةِ ابْنِ اللهِ“، “إِلَى إِنْسَانٍ كَامِلٍ“. بمعنى أن الوحدة الكنسية القائمة على تنوع المواهب مع وحدة الهدف ووحدانية الإيمان تنطلق بالمؤمنين من حالة الطفولة الروحية إلى النضوج الروحي، إذ ينطلق الكل معًا من معرفة روحية اختيارية حية إلى معرفة أعمق فأعمق، لعلهم يبلغون “قِيَاسِ قَامَةِ مِلْءِ الْمَسِيحِ“.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [يقصد هنا بالملء المعرفة الكاملة، فكما يقف الرجل (الإنسان الكامل) بثبات بينما يتعرض الطفل للفكر المتردد، هكذا أيضًا بالنسبة للمؤمنين[30].]

نحن الآن كمن هم في حالة طفولة نامية للبلوغ إلى النضوج الكامل، لذا يدعونا الرسول في موضع آخر “أطفالاً” (١كو ١٣: ١١)، وحينما يقارن بين ما نلناه من معرفة روحية وما نكون عليه من معرفة مقبلة يحسبنا هكذا، قائلاً: “لأننا نعلم بعض العلم ونتنبأ بعض التنبؤ، ولكن متى جاء الكامل فحينئذ يبطل ما هو بعض، لما كنت طفلاً كطفل كنت أتكلم وكطفل كنت أفطن وكطفل كنت أفكر، ولكن لما صرت رجلاً أبطلت ما للطفل، فإننا ننظر الآن في مرآة في لغز لكن حينئذ وجهًا لوجه، الآن أعرف بعض المعرفة لكن حينئذ سأعرف كما عرفت” (١ كو ١٣: ٩ – ١٢).

هكذا مادمنا في جهادنا، نعمل معًا بهدف واحد في وحدانية الإيمان، ننطلق دائمًا من حالة الطفولة إلى النضوج لنبلغ “قِيَاسِ قَامَةِ مِلْءِ الْمَسِيحِ“.

ثانيًا: من جهة كل عضو

لا يمكن فصل العضو عن الجماعة، ولا الجماعة عن العضو، كل نموٍ في حياة الجماعة هو لبنيان الأعضاء، وكل نموٍ حقيقيٍ في حياة الأعضاء هو لبنيان الجماعة. لذلك إذ نسمع تعبير “قِيَاسِ قَامَةِ مِلْءِ الْمَسِيحِ” لا نحسبه خاص بالكنيسة كجماعة فحسب، ولا كأعضاء منعزلين، إنما هو حث للجماعة ككل ولكل عضو لعله يبلغ المرتفع الشاهق.

هنا المرتفع شاهق جدًا، لأن الرسول يريدنا بإرادتنا الحرة أن نجاهد بقوة النعمة بلا انقطاع سالكين في هذا الطريق بلا توقف. ليتنا إذ نسمع هذا لا نيأس، متذكرين كلمات الأب سيرينيوس: [يليق بنا ألاَّ ننسحب من جهادنا في السهر بسبب اليأس الخطير، لأن “ملكوت السماوات يُغصب والغاصبون يختطفونه” (مت ١١: ١٢). فلا يمكن نوال فضيلة بدون جهاد[31].] ويحدثنا الأب ثيوناس[32] عن الجهاد معلنًا أن الله لا يُلزمنا على صعود مرتفعات الصلاح العالية والسامية لكنه يحثنا بنصائحه وشوقنا لبلوغ الكمال بإرادتنا الحرة.

الآن بعد أن شوّقنا الرسول للارتفاع على الجبال السماوية الشاهقة لنبلغ “قِيَاسِ قَامَةِ مِلْءِ الْمَسِيحِ” حذرنا من المعوقات، مطالبًا إيانا بالجهاد بلا انقطاع، كأطفال صغار يحتاجون إلى النمو بغير توقف بالرغم من الصعاب التي تواجهنا، إذ يقول:

كَيْ لاَ نَكُونَ فِي مَا بَعْدُ أَطْفَالاً مُضْطَرِبِينَ وَمَحْمُولِينَ بِكُلِّ رِيحِ تَعْلِيمٍ،

بِحِيلَةِ النَّاسِ، بِمَكْرٍ إِلَى مَكِيدَةِ الضَّلاَلِ.

َلْ صَادِقِينَ فِي الْمَحَبَّةِ، نَنْمُو فِي كُلِّ شَيْءٍ إِلَى ذَاكَ الَّذِي هُوَ الرَّأْسُ:

الْمَسِيحُ]١٤-١٥[.

كأن السيد المسيح يعمل في أناس هم أطفال غير ناضجين، يسندهم وينميهم ليقيمهم رجالاً ناضجين روحيًا، وعوض الضعف يهبهم قوة. بمعنى آخر، يعيش كل عضو داخل الكنيسة في حركة مستمرة بلا انقطاع، ناميًا في المحبة، أي في المسيح الذي لم يرضِ نفسه (رو ١٥: ٣)، بل أحب الكل، باذلاً حياته ليقيم الكنيسة.

يقارن الرسول بولس الكنيسة بالسفينة وسط مياه هذا العالم، فإن لم يعمل كل البحارة معًا بروح واحد يصيرون كأطفال يتعرضون لمتاعبٍ كثيرةٍ، ولا يقدرون على مقاومة الرياح والأمواج فيهلكون.

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول هنا يتحدث عن الكنيسة كبناء واحد، إن لم يعمل الكل معًا فيه يتعرض للهدم ويفقد الكل حياته، إذ يعلق على هذا النص، قائلاً:

[بقوله: “لاَ نَكُونَ فِي مَا بَعْدُ” يظهر أنهم كانوا هكذا في القديم، حاسبًا نفسه أيضًا موضوع تصحيح معهم. يود أن يقول بأنه يوجد عاملون كثيرون كي لا يهتز البناء، فتكون الحجارة مثبتة لا محمولة (إلى هنا وهناك). هذه هي سمة الأطفال أن يُحملوا إلى هنا وهناك فيضطربون ويهتزون… لقد قدم هذا التشبيه ليشير إلى الخطر العظيم الذي تتعرض له النفوس[33].]

إذ كشف الرسول عن خطورة الحياة بغير وحدانية الإيمان والهدف، مشبهًا العاملين كأطفال يلهون، كل في واديه، يُحملون بريح التعاليم الباطلة، ويسقطون تحت خداع الناس، وينحرفون إلى الضلال، أوضح الالتزام بالسلوك في طريق “الوحدانية” بارتباط الكل بالحب معًا تحت قيادة “الرأس المسيح” الواحد، مشبهًا الكنيسة بالجسد فتنمو الأعضاء معًا خلال إتحادها فيه، وتنال بنيانها خلال عمله فيها ]١٥، ١٦[.

الجسد كله ينمو معًا، دون أن يفقد العضو كيانه بل يتمتع قدر قياسه، قدر ما يتسع ينال من الرأس نموه. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [تعتمد نفوس البشر عليه كأعضاء، فينعم كل عضو منفرد بعنايته الإلهية وعطية المواهب الروحية قدر ما يناسب قياسه، هذا يؤدي إلى نموهم… يليق بكل عضو ليس فقط أن يكون متحدًا بالجسد، وإنما يكون أيضًا في مكانه اللائق به، وإلاَّ فقد إتحاده بالجسد وحُرم من تقبل الروح[34].]

خلال وحدانية الهدف ننعم بالمحبة التي تربطنا معًا بالرأس، فيعمل هو فينا، كل في موقعه بما يناسبه لبنيان الجسد كله، فلا نكون مجرد جماعة عاملة معًا، وإنما أعضاء لبعضنا البعضK يعمل الرأس فينا بالحب، كل حسب موهبته التي يهبها إياه بروحه القدوس.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم:

[إن رغبنا في نوال نفع الروح (القدس) الذي من الرأس، فلنلتصق كل بالآخر.

يوجد نوعان من الانفصال عن جسد الكنيسة: الأول حين تبرد المحبة والآخر حين نجسر ونرتكب أمورًا لا تليق بانتمائنا لهذا الجسد. فإننا بإحدى الطريقتين نقطع أنفسنا عن “ملء المسيح”…

ليس شيء يسبب انقسامًا في الكنيسة مثل حب السلطة!

ليس شيء يثير غضب الله مثل انقسام الكنيسة! نعم وإن مارسنا ربوات الأعمال المجيدة فإننا إن مزقنا ملء الكنيسة نسقط تحت عقوبة لا تقل عن تلك التي يسقط تحتها من أفسدوا جسده[35].]

4. الوحدة والحياة الجديدة

لكي تكون الوحدة حياة ديناميكية متحركة بغير جمود يختم الرسول حديثه عن الوحدة الكنسية بالتجديد الدائم المنطلق خلال الإنسان القديم ولبس الإنسان الجديد في مياه المعمودية. وكما يقول كثير من الدارسين الغربيين هذا النص الخاص بالحياة الجديدة جاء يحمل تعبيرات تخص ليتورچية العماد، نذكر على سبيل المثال:

تَخْلَعُوا (الإنسان القديم)” ]٢٢[؛ ” َتَتَجَدَّدُوا بِرُوحِ ذِهْنِكُمْ” ]٢٣[؛ “َتَلْبَسُوا الإِنْسَانَ الْجَدِيدَ” ]٢٤[.

لكي يبرز قوة “الحياة الجديدة” التي صارت لنا في المسيح يسوع خلال مياه المعمودية بروحه القدوس، والتزامنا بالنمو في هذه الحياة الجديدة، أبرز أولاً الإنسان العتيق الذي خلعناه، وقد وضح بقوة في حياة الأمم وسلوكهم.

يبدأ الرسول حديثه بالقول:

فَأَقُولُ هَذَا وَأَشْهَدُ فِي الرَّبِّ،

أَنْ لاَ تَسْلُكُوا فِي مَا بَعْدُ كَمَا يَسْلُكُ سَائِرُ الأُمَمِ أَيْضًا بِبُطْلِ ذِهْنِهِمْ، إ

ِذْ هُمْ مُظْلِمُو الْفِكْرِ،

وَمُتَجَنِّبُونَ عَنْ حَيَاةِ اللهِ لِسَبَبِ الْجَهْلِ الَّذِي فِيهِمْ بِسَبَبِ غِلاَظَةِ قُلُوبِهِمْ.

اَلَّذِينَ إِذْ هُمْ قَدْ فَقَدُوا الْحِسَّ،

أَسْلَمُوا نُفُوسَهُمْ لِلدَّعَارَةِ لِيَعْمَلُوا كُلَّ نَجَاسَةٍ فِي الطَّمَعِ]١٧– ١٩[.

ويلاحظ في هذا النص الآتي:

أولاً: لما كان الأمر خطيرًا للغاية، أراد الرسول أن يُشهد الرب نفسه على قوله هذا، حتى يستطيعوا في جدية أن يقارنوا بين الحياة الأممية خارج المسيح والحياة الجديدة التي في المسيح.

ثانيًا: يحذرهم الرسول بولس من السلوك كسائر الأمم “بِبُطْلِ ذِهْنِهِمْ]١٧[. ماذا يعني بطل الذهن إلاَّ انشغال الذهن وارتباكه في الأمور الباطلة الزمنية عوض التأمل في السماويات والانشغال بالحياة الأبدية الدائمة؟!

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ما هو بطل الذهن؟ إنه انشغال الذهن بالأمور الباطلة. وما هي الأمور الباطلة سوى كل أمور الحياة الحاضرة؟! يقول عنها المبشر: “باطل الأباطيل الكل باطل” (جا ١: ٢). لكن قد يقول قائل: “إن كانت هذه الأمور باطلة فلماذا خُلقت؟ إن كانت هي خليقة الله، فلماذا باطلة؟… “ليست خليقة الله هي التي ندعوها باطلة؛ حاشا! السماء ليست باطلة، ولا الأرض باطلة؛ حاشا! ولا الشمس ولا القمر ولا النجوم ولا جسدنا، لا، فإن هذه كلها حسنة جدًا” (تك ١: ٣١). فما هو الباطل إذن؟ لنسمع ما يقوله المبشر: “(فعظمت عملي)، بنيت لنفسي بيوتًا، غرست لنفسي كرومًا… اتخذت لنفسي مغنين ومغنيات، عملت لنفسي برك مياه، وكانت لي أيضًا قنية بقر وغنم، جمعت لنفسي أيضًا فضةً وذهبًا، فإذا الكل باطل” (راجع جا ٢: ٤ – ١١). اسمع أيضًا النبي: “يذخر ذخائر ولا يدري من يضمها” (مز ٣٩: ٦). هذا هو باطل الأباطيل: المباني الفخمة والغنى السريع الفائض، قطعان العبيد والمظاهر الصاخبة (الاستعراضات) في الميادين العامة، كبرياؤك ومجدك الباطل وتشامخ فكرك والمباهاة. هذه الأمور باطلة لم تأتِ من يد الله، إنما هي من صنعنا نحن. لماذا هي باطلة؟ لأنها بلا غاية مفيدة. فالغنى يكون باطلاً متى أُنفق على الترف بينما لا يُحسب كذلك إن وُزع وقدم للمحتاجين (مز ١١٢: ٩)[36].]

ثالثًا: ربما يتساءل البعض: لماذا يُلام الأمم ما داموا مظلمي الفكر ومتغربين عن حياة الله بسبب الجهل وغلاظة قلوبهم؟

يجيب الرسول بولس مؤكدًا مسئوليتهم، إذ يقول: ” إِذْ هُمْ قَدْ فَقَدُوا الْحِسَّ، أَسْلَمُوا نُفُوسَهُمْ لِلدَّعَارَةِ لِيَعْمَلُوا كُلَّ نَجَاسَةٍ فِي الطَّمَعِ]١٩[. بمعنى آخر ان ما يمارسونه من فساد، وما يسقطون فيه من ظلمة وتجنب عن “حياة الله” إنما ينبع عن “فقدانهم الحس” بإرادتهم فيسلمون أنفسهم بأنفسهم للدعارة والطمع.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [“إِذْ هُمْ قَدْ فَقَدُوا الْحِسَّ، أَسْلَمُوا نُفُوسَهُمْ” ]١٩[، بينما تسمعون: “أسلمهم الله إلى ذهن مرفوض” (رو ١: ٢٨). فإن كانوا قد أسلموا أنفسهم فكيف أسلمهم الله؟ وأيضًا إن كان الله قد أسلمهم فكيف أسلموا هم أنفسهم؟… كلمة “أسلمهم” (في رو ١: ٢٨) تعني أن الله سمح لهم أن يُسلموا[37].]

رابعًا: يربط الرسول بولس بين الإيمان الفاسد أو الفكر الفاسد وبين السلوك الفاسد؛ فالفكر والسلوك أشبه بسلسلة مترابطة كل يؤثر في الآخر؛ حينما يمتليء الفكر بالأمور الزمنية الباطلة يُصاب بالظلمة والجهل، وحينما يصاب بالظلمة ينحدر للفساد، وهكذا يدفعه الفساد إلى ظلمة أعمق.

في هذا يقول القديس أغسطينوس أن وراء كل إلحاد (فساد فكر) شهوة! وبصورة أخرى يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ألا ترى أن الحياة الفاسدة هي أساس لتعاليم هكذا (فاسدة) أيضًا؟! إذ يقول الرب: “لأن كل من يعمل السيئات يبغض النور ولا يأتي إلى النور” (يو ٣: ٢٠)… كما لو أننا غطسنا في أعماق المياه فلا نقدر أن نعاين الشمس بسبب كثافة المياه التي فوقنا، فتصير عائقًا، هكذا تُصاب عينا الفهم بعمى القلب وفي فقداننا للحسّ لا توجد مخافة (الله) في نفس. لقد قيل: “ليس خوف الله أمام عينيه” (مز ٣٦: ١)، وأيضًا: “قال الجاهل في قلبه ليس إله” (مز ١٤: ١). الآن فإن العمى لا يصدر إلاَّ من عدم الحسّ[38].]

خامسًا: إذ يربط الرسول بأن عمى الفكر أو انحرافه بفساد السلوك، ربما يتساءل البعض كيف أستطيع أن أحفظ حياتي من الدنس؟ لذا يربط الرسول الدنس بالطمع، قائلاً: “لِيَعْمَلُوا كُلَّ نَجَاسَةٍ فِي الطَّمَعِ” ]19[. فإن كانت قداسة الحياة تبدو صعبة للإنسان، فهل السقوط في الطمع أمر إلزامي؟! بمعنى آخر ما هي حجة الأمم أو عذرهم من جهة الطمع؟ في هذا يقول الأب مرقس الناسك إنه إذ يتمم الإنسان الوصية التي في مقدوره، يعمل الله فيه ويسنده في تتميم الوصية التي ليست في قدرته. بمعنى آخر إن كنا نضبط أنفسنا من جهة الطمع فهو يضبط مشاعرنا وأحاسيسنا بعيدًا عن كل نجاسة. لنكن أمناء في الرب فيما بين أيدينا فيعمل بغنى نعمته فينا.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [كان في قدرتهم أن يشتركوا في الاعتدال في الغنى حتى في المباهج والترف، لكنهم انغمسوا بغير اعتدال فهلكوا تمامًا[39].]

بعدما عرض الرسول فساد الأمم في الذهن كما في السلوك، في نجاسات ورجاسات، عاد ليؤكد أن هذا الحال لا يليق بالمؤمنين الذين التقوا بالسيد المسيح كمعلم ومعين، واهب التجديد الذهني المستمر بروحه القدوس، إذ يقول:

وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلَمْ تَتَعَلَّمُوا الْمَسِيحَ هَكَذَا،

إِنْ كُنْتُمْ قَدْ سَمِعْتُمُوهُ وَعُلِّمْتُمْ فِيهِ كَمَا هُوَ حَقٌّ فِي يَسُوعَ،

أَنْ تَخْلَعُوا مِنْ جِهَةِ التَّصَرُّفِ السَّابِقِ الإِنْسَانَ الْعَتِيقَ الْفَاسِدَ بِحَسَبِ شَهَوَاتِ الْغُرُورِ،

وَتَتَجَدَّدُوا بِرُوحِ ذِهْنِكُمْ،

وَتَلْبَسُوا الإِنْسَانَ الْجَدِيدَ الْمَخْلُوقَ بِحَسَبِ اللهِ فِي الْبِرِّ وَقَدَاسَةِ الْحَقِّ]٢٠– ٢٤[.

هذا النص في حقيقته هو تسبحة العهد الجديد حيث يمجد المؤمن أعمال الله الفائقة في حياته، ويمدح غنى نعمة الله الفياضة التي يهبنا إياها حسب مسرته. وكما سبق فقلنا إنها في الغالب جزء من ليتورچية قداس المعمودية في العصر الرسولي، حيث تعلن عمل الله فيها. وهنا نلاحظ في النص الآتي:

أولاً: لم يقل الرسول “تتعلموا من المسيح” وإنما “ تَتَعَلَّمُوا الْمَسِيحَ“، فإن كان السيد المسيح هو المعلم الذي تلمذ الرسل والتلاميذ، فهو لا يزال حيًا في كنيسته يعلم خلال خدامه، لا يعلمنا عن آخرين إنما يعلمنا “ذاته” حيًا فينا. ربما هذا ما عناه الرسول بقوله: “ تَتَعَلَّمُوا الْمَسِيحَ“.

لقد تمتعت البشرية منذ بدء انطلاقها بالوصية يسندها الناموس الطبيعي، ثم الناموس الموسوي فيما بعد، لكن السيد المسيح جاء ليقدم أولاً “حياته” ننعم بها. نناله برًا وقداسة وقيامة تعمل فينا. لقد سمعناه وتمتعنا به فشاهدنا “الحَقٌّ فِي يَسُوعَ“، إذ قال: “أنا هو الحق”… بهذا الحق الذي صار لنا فيه لا يُمكن للباطل أن يرتبط بنا، ولا للحياة الباطلة أن يكون لها وجود في داخلنا.

ثانيًا: للمرة الثانية يربط الرسول بين التعاليم الصادقة “الحق” وبين الحياة المقدسة، إذ يؤكد أننا ما دمنا ننعم بالحق أي بالإيمان الصادق في المسيح يسوع ربنا، لابد أن نخلع الإنسان العتيق.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم:

[ما يوجد بيننا ليس بالباطل بل الحق. كما أن التعاليم حقة هكذا الحياة أيضًا حقة!

الخطية هي “باطل” وبطلان، أما الحياة المستقيمة فهي “حق”.

العفة بالحقيقة هي حق، إذ لها غاية عظيمة، أما الفجور فتنتهي إلى لا شيء[40].]

إذن ليت إيماننا الصادق بالسيد المسيح “الحق” يلتحم بسلوكنا فيه بالحق، فيتجلى فينا بالإيمان العملي الحيّ أو العامل بالمحبة كقول الرسول بولس.

ثالثًا: إذ يحملون السيد المسيح في داخلهم يلتزمون برفض أعمال الإنسان العتيق، سالكين حسب الإنسان الجديد الذي صار لهم هبة مجانية خلال مياه المعمودية. هذا الإنسان الداخلي الجديد يلزم أن ينمو بلا توقف خلال تجديده اليومي غير المنقطع كعلامة على حيوية المؤمن. هذا ما عبّر عنه الرسول بولس هنا بقوله: “َتَتَجَدَّدُوا بِرُوحِ ذِهْنِكُمْ]٢٣[. وإذ يقصد بالذهن هنا “الإنسان الداخلي ككل”، فإن روح الذهن غالبًا ما يعني تجديد أعمال الروح القدس الساكن فيكم بالتجاوب معه؛ فالتجديد لا يمس الروح بل الذهن؛ فبالروح أو في الروح يتجدد إنساننا الداخلي كل يوم، كقول الرسول: “لذلك لا نفشل بل وإن كان إنساننا الخارج يفنى، فالداخل يتجدد يومًا فيومًا” (٢ كو ٤: ١٦).

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارة (أف ٤: ٢٣) بالقول: [كيف يتم التجديد إذن؟ “في رُوحِ ذِهْنِكُمْ“، إذ من له الروح لا يتمم عملاً قديمًا إذ لا يحتمل الروح أعمال الإنسان القديم. يقول “في روح ذهنكم”، أي الروح الذي في ذهنكم[41].]

يكمل الرسول بولس حديثه، قائلاً: “وَتَلْبَسُوا الإِنْسَانَ الْجَدِيدَ الْمَخْلُوقَ بِحَسَبِ اللهِ فِي الْبِرِّ وَقَدَاسَةِ الْحَقِّ]٢٤[. فإن كان قد طالبنا بخلع أعمال الإنسان العتيق الفاسد ]٢٢[ لم يتركنا عراه، بل أسرع بالمطالبة بلبس الإنسان الجديد الحامل برّ المسيح وقداسته. ويلاحظ هنا الآتي:

أ. أنه لا توجد حالة وسطى، إما أن يُوجد الإنسان لابسًا الإنسان العتيق الفاسد لحساب عدو الخير المفسد، أو الإنسان الجديد لحساب الله. بمعنى آخر، لا يقبل الرسول أنصاف الحلول، إما أن يحمل الإنسان أسلحة الفساد أو أسلحة البرّ، منتميًا لإحدى المملكتين: مملكة إبليس أو مملكة الله!

في هذا يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لا يمكن أن يظهر الإنسان بلا عمل]، إما أن يكون عاملاً للرذيلة أو الفضيلة!

ب. الإنسان الجديد الذي نلبسه ليس من عندياتنا بل هو “الْمَخْلُوقَ بِحَسَبِ اللهِ فِي الْبِرِّ وَقَدَاسَةِ الْحَقِّ]٢٤[. إنه عمل خلقة، وكما يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم: [لقد خلقه (الله) في الحال، ليكون ابنًا، وذلك في المعمودية[42].]

البرّ الذي صار لنا في العهد الجديد هو في “َقَدَاسَةِ الْحَقِّ“، وليس كبرّ اليهود الرمزي، لأننا تمتعنا بالحق ذاته ساكنًا فينا، وعاملاً بنا على الدوام.

إن كنا قد نلنا عطية “الإنسان الجديد” كلباس برٍّ في المسيح يسوع برّنا، يليق بنا أن نجاهد لنوجد دائمًا بهذا اللباس، وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [كيف يتحدث مع أولئك الذين لبسوا (الإنسان الجديد) فعلاً؟ إنه يتحدث معهم عن الثوب النابع عن الحياة والأعمال الصالحة (في الرب). قبلاً (نالوا) الثوب خلال المعمودية، أما الآن فخلال الحياة اليومية والعمل، ليس “بِحَسَبِ شَهَوَاتِ الْغُرُورِ]٢٢[، وإنما “بِحَسَبِ اللهِ
]٢٣[[43].]

يكمل القديس يوحنا الذهبي الفم حديثه، قائلاً: [من جانبنا يليق بنا ألاَّ نخلع ثوب البرّ الذي يدعوه النبي: “ثوب الخلاص” (إش ٦١: ١٠)، فنصبح على شبه الله؛ فإنه بالحق يلبس ثوب البرّ. إذن، فلنلبس هذا الثوب. كلمة “نلبس” إذن واضحة أنها لا تعني سوى عدم الخلع نهائيًا. استمع إلى النبي القائل: “لبس اللعنة مثل ثوبه، فدخلت في حشاه” (مز 109: 18)، وأيضًا: “اللابس النور كثوبٍ” (مز ١٠٤: ٢)… إذن ليتنا لا نلتحف بالفضيلة يومًا أو يومين أو ثلاثة بل نلتحف بها أبدًا، ولا نخلع هذا الثوب قط. فالإنسان لا يشوهه خلع ثوبه مثلما يشوهه خلع الفضيلة. بالأمر الأول يرى العبيد رفقاؤه عريه، أما بالأمر الثاني فيرى ربه والملائكة عريه. إن رأيت إنسانًا يذهب إلى الحمامات العامة عاريًا ألا تتضايق؟ فإن ذهبت أنت خالعًا هذا الثوب (الذي للبرّ) فماذا تقول؟[44].]

ج. دعوة الرسول بولس هنا لخلع كل تصرف خاص بالإنسان العتيق الفاسد وتجديد الذهن المستمر في حقيقتها هي دعوة لممارسة الحياة الجديدة أو المتجددة المستمرة والمنطلقة نحو السماويات عينها حيث تكون لنا هناك التسبحة الجديدة أيضًا. بمعنى آخر هي انطلاقة روحية نحو الأبديات خلال ترك الحرف القاتل والتمتع بجدة الحياة. يقول القديس چيروم: [حيث تكون التسبحة التي نترنم بها جديدة (رؤ ١٤: ٣) ويُنزع الإنسان العتيق نسير في جدة الروح لا عتق الحرف[45].] بهذا تتحول حياتنا إلى أغنية جديدة نترنم بها أو تسبحة عملية يعزفها روح الله على أوتار حياتنا الداخلية وتصرفاتنا الظاهرة مهيئًا إيانا للحياة الأخروية حيث التسبحة جديدة غير المنقطعة.

هذه الدعوة في حقيقتها تعلن مفهوم التقدم أو النمو الروحي أو التجديد المستمر. يقول الأب ثيؤدور في مناظرته مع القديس كاسيان: [إننا نحتاج إلى ما يقوله الرسول: “وَتَتَجَدَّدُوا بِرُوحِ ذِهْنِكُمْ” (أف ٤: ٢٣)، إلى التقدم الروحي، فنفسي ما هو وراء (في ٣: ١٣). فإن تغاضي الإنسان عن ذلك تكون النتيجة الحتمية هي النكوص والتقهقر من سيء إلى أسوأ… والفشل في اقتناء سمات جديدة، يعني وجود خسارة… إذ تبطل الرغبة في التقدم يوجد خطر التقهقر إلى الوراء[46].]

بعد أن تحدث عن النمو الروحي خلال تجديد الذهن المستمر ولبس أعمال الإنسان الجديد مع خلع أعمال الإنسان القديم، بدأ في شيء من التفصيل يقول:

أولاً: “لِذَلِكَ اطْرَحُوا عَنْكُمُ الْكَذِبَ وَتَكَلَّمُوا بِالصِّدْقِ كُلُّ وَاحِدٍ مَعَ قَرِيبِهِ، لأَنَّنَا بَعْضَنَا أَعْضَاءُ الْبَعْضِ]٢٥[.

يلاحظ في حديثه عن أعمال الإنسان الجديد ]٢٥–٣٢[ يتحدث عن علاقتنا بالغير، فالحياة المقدسة تمس أعماقنا الخاصة كما تمس علاقتنا بإخوتنا، فالكذب يسيء إلى عضويتنا المشتركة القائمة على الحق، والسرقة تسلب حق الغير عوض الاهتمام باحتياجات الآخرين… وهكذا كل تصرف خاطيء إنما يحزن روح الله الساكن فينا وفي الآخرين ]٣[.

الآن يحدثنا عن طرح الكذب والنطق بالصدق، فلا يكفي الجانب السلبي إنما نلتزم بالعمل الإيجابي، لنرفض الباطل ونقبل الحق، لأننا بعضنا أعضاء البعض، وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم ان الرسول يقول: [ليت العين لا تكذب على القدم، ولا القدم على العين. فإنه لو وجدت حفرة عميقة… فهل تكذب القدم على بقية الأعضاء ولا تنطق بالحق؟ لو شاهدت العين حية أو حيوانًا مفترسًا هل تكذب على الرِجْل؟![47]] وحدة الأعضاء معًا كجسد متكامل تستلزم بالضرورة صدق الأعضاء فيما بينها وإلاَّ انهار الجسد كله خلال الخداع والكذب. لذلك يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ليته لا يخدع أحد قريبه، كما يقول المرتل هنا وهناك: “بشفاة ملقة، بقلب فقلب يتكلمون” (مز ١٢: ٢). فإنه ليس شيء، ليس ما يجلب عداوة أكثر من الخداع والخبث[48].]

ثانيًا: “اِغْضَبُوا وَلاَ تُخْطِئُوا. لاَ تَغْرُبِ الشَّمْسُ عَلَى غَيْظِكُمْ وَلاَ تُعْطُوا إِبْلِيسَ مَكَانًا]٢٦-٢٧[.

ليس مجال يهب لإبليس مكانًا بيننا مثل الغضب، فإن وجد الغضب له موضعًا ولم يشرق علينا السيد المسيح – شمس البرّ – بأشعة محبته فينا لينزع روح الغضب يستقر العدو ويملك!

  • ماذا نفعل في يوم الدينونة، نحن الذين لم تغرب الشمس على غضبنا يومًا واحدًا بل سنوات كثيرة؟!
  • أن تكون غضوبًا فهذا أمر بشري، أما أن تضع حدًا للغضب فهذا أمر مسيحي[49].

القديس چيروم

  • الغضب المملوء عنادًا يجلب بالتأكيد ضررًا للنفس الغضوبة، أيا كان الشخص الذي تغضب عليه[50].

الأب يوسف

  • أثناء النهار يقدر الكثيرون منا أن يسكنوا غضبهم، ويتغلبوا عليه، أما في الليل، فالمرء عند إنفراده، يرخي العنان لأفكاره، إذ يشتد هياج الأمواج وتثور الزوبعة بعنف عظيم، فلكي تتلافى، لذلك يطلب منا بولس الرسول أن نستقبل الليل متسالمين لكي لا يغتنم الشيطان فرصة إنفرادنا فيشعل فينا نار الغضب[51].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • إن كنتم غاضبين فلا تدعوا هذه الشمس تغرب على غيظكم… لئلا تكونوا غضبى فيغرب شمس البرّ (ملا ٤: ٢) عنكم وتمكثون في الظلام[52].

القديس أغسطينوس

  • اِغْضَبُوا وَلاَ تُخْطِئُوا]٢٦[.

لاحظ حكمته، فإنه يتحدث لكي يمنع خطأنا، ولكن إن كنا لا نصغي لا يتخلى عنا. من أجل أبوته الحانية لا يهجر من يخطىء.

كما أن الطبيب يصف العلاج للمريض، فإن لم يخضع لذلك لا يقسو عليه بل يحاول أن يقنعه حتى يحقق له الشفاء، هكذا يفعل بولس…

إنه يقول: “اطْرَحُوا عَنْكُمُ الْكَذِبَ]٢٥[. فإن كان الكذب ينتج غضبًا لذلك يكمل حديثه لعلاج الغضب. ماذا يقول؟ “اِغْضَبُوا وَلاَ تُخْطِئُوا“. حقًا إنه لأمر حسن ألاَّ تغضب قط، لكن إن سقط أحد في الألم (الغضب) ليته لا يسقط إلى درجة كبيرة؛ إذ يقول: “لاَ تَغْرُبِ الشَّمْسُ عَلَى غَيْظِكُمْ“. هل أنت مملوء غضبًا؟ يكفيك ساعة أو ساعتين أو ثلاث ساعات، لكن لا تدع الشمس ترحل وأنتما في حالة عداوة.

من أجل صلاح الله أشرق (شمس البرّ)، لا تدعه يرحل، بل يشرق…

إن كان الرب قد أرسله من أجل صلاحه العظيم (ليشرق عليك)، وقد غفر لك خطاياك، وأنت لا تريد أن تغفر لأخيك، فانظر أي شر عظيم هذا؟! …

َلاَ تُعْطُوا إِبْلِيسَ مَكَانًا]٢٧[. إذ تكون في حرب مع آخر: “تعطي مكانًا لإبليس… فإنه ليس لإبليس مكانًا مثلما في عداوتنا…

كن في عداوة، لكن ضد إبليس، وليس ضد عضو معك[53].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • بإرادتك الشريرة تعطه مكانًا، فيدخل ويملك ويستغلك، إنه لا يمتلكك ما لم تعطه مكانًا[54].

القديس أغسطينوس

  • [بخصوص الهروب من الشر]

ليس أحد يقترب نحو الخطر ويبقى في أمان لمدة طويلة، ولا يقدر خادم الله أن يهرب من إبليس إن أعاق نفسه بشباك إبليس[55].

الشهيد كبريانوس

ثالثًا: “لاَ يَسْرِقِ السَّارِقُ فِي مَا بَعْدُ، بَلْ بِالْحَرِيِّ يَتْعَبُ عَامِلاً الصَّالِحَ بِيَدَيْهِ، لِيَكُونَ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ مَنْ لَهُ احْتِيَاجٌ]٢٨[.

لا يكف السارق عن عمل الإنسان العتيق الذي هو جمع ما ليس له لحسابه الذاتي ظلمًا، وإنما يلزمه أيضًا أن يمارس أعمال الإنسان الجديد بالبذل والعطاء، فيعمل ويجاهد لكي يعطي.

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم، قائلاً: [“لاَ يَسْرِقِ السَّارِقُ فِي مَا بَعْدُ” هذا لا ينزع الخطية، وإنما كيف تُنزع؟ إن عملوا، ومارسوا علاقات الحب مع الآخرين! إنه لا يريدنا أن نعمل فحسب وإنما نعمل ونتعب. لكي نمارس علاقات ودية مع الغير. فإن السارق أيضًا له أعمال لكنها أعمال شريرة[56].]

رابعًا: “لاَ تَخْرُجْ كَلِمَةٌ رَدِيَّةٌ مِنْ أَفْوَاهِكُمْ، بَلْ كُلُّ مَا كَانَ صَالِحًا لِلْبُنْيَانِ، حَسَبَ الْحَاجَةِ، كَيْ يُعْطِيَ نِعْمَةً لِلسَّامِعِينَ]٢٩[.

مرة أخرى لا يقف الأمر عند الجانب السلبي بالامتناع عن الكلمة الرديئة، إنما الالتزام بالكلمة البنّاءة لحساب الجماعة المقدسة، أو لحساب السامعين لها.

  • لنطلب معونته لكي نتمم اجتهادنا بالعمل، ولنحفظ فمنا جاعلين عقلنا مزلاجًا له، لا يكون موصدًا دائمًا، بل ليفتح في الوقت الملائم… لذلك يقول الحكيم سليمان: “للسكوت وقت وللتكلم وقت” (جا ٣: ٣).

لو كان واجبًا أن يُفتح الفم دائمًا لما لزم له وجود باب، ولو كان واجبًا أن يغلق دائمًا لما لزمت له حراسة. فالباب والحراسة ليعمل كل شيء في وقته. يقول آخر: “اجعل لكلامك ميزانًا ومعيارًا” (سيراخ ٢٨: ٢٩)، أي أن نلفظ كلامنا باحتراس وازنين إياه ومفكرين فيه[57].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • تكلم بما يبني أخاك، ولا تزد كلمة واحدة على ذلك. فإن الله وهبك فمًا ولسانًا لهذا الهدف أن تشكره وتبني أخاك. فإن كنت تحطم هذا البناء، فخير لك أن تصمت ولا تتكلم قط… يقول المرتل: “يقطع الرب جميع الشفاه الملقة” (مز ١٢: ٣).

الفم هو علة كل الشرور؛ بالحري ليس الفم وإنما إساءة إستخدامه[58].

القديس يوحنا الذهبي الفم

إن كان الفم المقدس بروح الرب يبني الإخوة، فإن الفم الدنس يحطم البناء الإلهي فيهم، فيُحسب مقاومًا لعمل الروح القدس، لذا يحذرنا الرسول بولس، قائلاً:

وَلاَ تُحْزِنُوا رُوحَ اللهِ الْقُدُّوسَ

الَّذِي بِهِ خُتِمْتُمْ لِيَوْمِ الْفِدَاءِ]٣٠[.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم:

[هذا الأمر أكثر رعبًا وتحذيرًا، وذلك كما يقول في الرسالة إلى أهل تسالونيكي: “من يرذل لا يرذل إنسانًا بل الله (الذي أعطانا أيضًا روحه القدوس)” (١ تس ٤: ٨). هكذا هنا أيضًا، فإنك إن تفوهت بكلمة قاسية وضربت أخاك، فإنك لست تضرب أخاك إنما تُحزن الروح القدس. وقد أظهر بعد ذلك ما وُهب لك من نفع لكي يتشدد التوبيخ، قائلاً: “َلاَ تُحْزِنُوا رُوحَ اللهِ الْقُدُّوسَ، الَّذِي بِهِ خُتِمْتُمْ لِيَوْمِ الْفِدَاءِ“. إنه هو الذي يجعلنا قطيعًا ملوكيًا. هو الذي يفصلنا عن الأمور الماضية ولا يسمح لنا أن نسقط بين ما يعرضنا لغضب الله، فهل تحزنه؟

أنظر كيف أن كلماته محذرة، إذ يقول: “لأن من يرذل لا يرذل إنسانًا بل الله”، ويقطع بذلك هنا: “َلاَ تُحْزِنُوا رُوحَ اللهِ الْقُدُّوسَ، الَّذِي بِهِ خُتِمْتُمْ“. ليكن هذا الختم باقيًا على فمك؛ لا تحطم بصماته، فإن الفم الروحي لا ينطق بأمر كهذا.

لا تقل: “ماذا يعني إن نطقت بكلمة غير لائقة وشتمت إنسانًا، إنها كلا شيء!” إنه شر عظيم حتى وإن بدا لك كلا شيء…

لك فم روحي، فلتفكر أية كلمات تنطق بها وذلك حالما تتولد فيك، أية كلمات التلاميذ بفمك؟! أنت تدعو الله “أبًا”، فهل تهين أخاك في نفس الوقت؟!…

ليحفظ إله السلام ذهنك ولسانك ويحصنك بحصن منيع بمخافته، بربنا يسوع المسيح الذي له المجد مع الروح القدس إلى الأبد، آمين[59].]

إذ يذكر المؤمن أنه قد لبس الإنسان الجديد بالروح القدس الذي ختمه كقطيع ملوكي، فصار في ملكية المسيح لا في ملكية عدو الخير، لذا يليق به ألاَّ يرتد إلى أعمال الإنسان العتيق الخاصة بختم إبليس لا ختم روح الله القدوس، لهذا يقول الرسول:

لِيُرْفَعْ مِنْ بَيْنِكُمْ كُلُّ مَرَارَةٍ وَسَخَطٍ وَغَضَبٍ وَصِيَاحٍ وَتَجْدِيفٍ مَعَ كُلِّ خُبْثٍ.

وَكُونُوا لُطَفَاءَ بَعْضُكُمْ نَحْوَ بَعْضٍ، شَفُوقِينَ،

مُتَسَامِحِينَ، كَمَا سَامَحَكُمُ اللهُ أَيْضًا فِي الْمَسِيحِ]٣١-٣٢[.

هكذا وضع كل أنواع الشر الخاصة بعلاقتنا بالآخرين خاصة خلال الفم في كفة واللطف والشفقة في الكفة الأخرى المقابلة، إذ خلط بين أعمال الظلمة وأعمال النور، وبين تصرفات الإنسان القديم الفاسد والامتثال بالسيد المسيح خلال الإنسان الداخلي الجديد الموهوب لنا بروحه القدوس.

إذ يعمل روح الله فينا يتجلى “السيد المسيح” مشتهي الأمم، فنحمل عذوبة داخلية لا مرارة، نحيا في شركة الحياة السماوية العذبة عوض الحياة المرة، لذا قيل: “لِيُرْفَعْ مِنْ بَيْنِكُمْ كُلُّ مَرَارَةٍ]٣١[.

في شيء من التفصيل يحدثنا القديس يوحنا الذهبي الفم عن “المرارة” التي هي داخل الجسد متى أفرزت مادة المرارة أفسدت الجسم كله، هكذا النفس متى قدمت أعمالاً مرة، أُصيبت بمرارة داخلية ومررّت حياة الكثيرين… [ليس شيء فاقد القوة مثل المرارة، فإنها تجعل البشر أغبياء وفاقدي الحس[60].]

لننزع عنا أعمال الإنسان القديم فلا نحمل مرارة من جهة إنسان، وبالتالي لا توجد جذور للسخط أو الغضب أو الصياح أو التجديف بخبث من جهة إخوتنا، بل على العكس نحمل لطفًا وشفقةً وتسامحًا كما سامحنا الآب بدم ابنه الوحيد.

  • إذ يقودنا الطوباوي بولس بعيدًا عن الخطية يدخل بنا إلى الفضيلة. لأنه أية منفعة لانتزاع كل الأشواك إن لم تُبذر البذور الصالحة؟…

الذي لا يحمل “مرارة” ليس بالضرورة يكون “لطيفًا”، وغير “الغضوب” ليس بالضرورة يكون “شفوقًا”، فالحاجة ماسة للجهاد حتى نبلغ هذا السمو (اللطف والشفقة)… لقد انتزع البذور الرديئة، الآن يحثنا أن نضع البذور الصالحة.

َكُونُوا لُطَفَاءَ“، لأنه إذ نُزعت الأشواك بقي الحقل عاطلاً، وسينتج أعشابًا غير نافعة من جديد، الحاجة ملحة لإشغاله بما هو صالح…

لقد أنتزع “الغضب” ليضع “اللطف”، وأزال “المرارة” ليضع “الشفقة”، وخلع “الخبث” و”الدهاء” ليزرع “العفو” عوضًا عنهما[61].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • هنا نجد الحكم، إن كان المسيح غفر لك خطاياك التي هي أكثر من سبعين مرة سبع مرات، إن كان يسامحك هكذا… فهل تهمل أنت في الغفران (لأخيك)؟…

قد وجد المسيح آلاف من الخطايا فوق الخطايا، ومع ذلك غفرها جميعًا، إذن لا تنزع رحمته عنك، بل اطلب غفران هذه الخطايا الكثيرة[62].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • كَمَا سَامَحَكُمُ اللهُ أَيْضًا فِي الْمَسِيحِ]٣٢[.

هذا يحوي مقصدًا عاليًا، لم يقل سامحنا فحسب، دون مخاطرة أو تكلفة، وإنما خلال ذبيحة ابنه، فلكي يسامحك قدم ابنه ذبيحة، بينما حينما تسامح أنت غالبًا ما يتحقق ذلك دون مخاطرة من جانبك أو تكلفة، ومع ذلك فلا تهب السماح[63].

القديس يوحنا الذهبي الفم

[1] In Eph. hom 8.

[2] In 1Cor. hom 1: 1, PG 61: 13.

[3] Unity of Church 5.

[4] In Eph. hom 9.

[5] In Eph. hom 9.

[6] In Eph. hom 9.

[7] On the advantage of Patience, 15.

[8] Unity of Church 8.

[9] للمؤلف: مقدمات في علم الباترولوچى، طبعة ١٩٨٠، ص ١٣٦.

[10] In Eph. hom 10.

[11] Ser. on N.T. 21.

[12] Unity of Church 8.

[13] Adv. Haer 1: 10: 1.

[14] In Eph. hom 11.

[15] Ibid.

[16] Comm. on St. John 2: 2.

[17] Treat. on Christ and Antichrist 3.

[18] On Mortality 6.

[19] Adv. Haer 3: 3: 1.

[20] Source Chret. Vol 36, p 65.

[21] Ep. 73: 26.

[22] In Eph. hom 11.

[23] Against Jovinainus 2: 23.

[24] Comm..on Easter Hymn.

[25] In Eph. hom 11.

[26] Adv. Haer 3: 24.

[27] In 2Cor. PG 61: 417

[28] In Eph. hom 11.

[29] In Eph. hom 11.

[30] In Eph. hom 11.

[31] Cassian: Conf. 7: 6.

[32] Ibid. 21: 5.

[33] In Eph. hom 11.

[34] In Eph. hom 11.

[35] In Eph. hom 11.

[36] Ibid 12.

[37] Ibid 13.

[38] Ibid.

[39] Ibid.

[40] Ibid.

[41] Ibid.

[42] Ibid.

[43] Ibid.

[44] Ibid.

[45] Ep. 69: 7.

[46] Cassian: Conf. 6: 14.

[47] In Eph. hom 14.

[48] Ibid.

[49] Ep 13; 130: 13.

[50] Cassian: Conf. 16: 7

[51] المطران ابيفانيوس: الآمالي الذهبية في مقالات لأبينا الجليل في القديسين يوحنا الذهبي الفم، ١٩٧٢، ص ١٣٩، ١٤٠.

[52] Ser. on N.T. Lessons 8: 7.

[53] In Eph. hom 14.

[54] Ser. on N.T. 17: 4.

[55] Ep. 61: 2.

[56] In Eph. hom 14

[57] المطران يبيفانيوس، ص ٣٩.

[58] In Eph. hom 14.

[59] In Eph. hom 14.

[60] Ibid 15.

[61] In Eph. hom 16.

[62] Ser. on N.T. 33: 3.

[63] In Eph hom 17.

تفسير رسالة أفسس 4 الأصحاح الرابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة أفسس 3 الأصحاح الثالث – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة أفسس 3 الأصحاح الثالث – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة أفسس 3 الأصحاح الثالث – القمص تادرس يعقوب ملطيتفسير رسالة أفسس 3 الأصحاح الثالث – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة أفسس 3 الأصحاح الثالث – القمص تادرس يعقوب ملطي

 

الأصحاح الثالث الكنيسة الجامعة وسرّ المسيح

 

يعتبر الرسول بولس باكتشافه “سرّ المسيح”، لا بقدراته البشرية أو مواهبه إنما بإعلان الله له عن هذا السرّ المكتوم منذ الدهور، الحامل لغنى المسيح الذي لا يُستقصى. ما هو سرّ المسيح إلاَّ دعوة الأمم لشركة الميراث ونوال المواعيد في المسيح بالإنجيل؟! إنه تحقيق جامعية الكنيسة التي تمتد بين الأمم واليهود لتضم كل مؤمن ليكون له موضع “في المسيح” ويكون للمسيح موضع في قلبه.

  1. سرّ المسيح ودعوة الأمم ١ – ٨.
  2. دعوة إلهية أصيلة وسماوية ٩ – ١١.
  3. دعوة أكيدة ١٢.
  4. دعوة تحتاج إلي جهاد روحي ١٣.
  5. شفاعة الرسول عن الكل ١٤ – ٢١.

1. سرّ المسيح ودعوة الأمم

بِسَبَبِ هَذَا أَنَا بُولُسُ، أَسِيرُ الْمَسِيحِ يَسُوعَ لأَجْلِكُمْ أَيُّهَا الأُمَمُ،

إِنْ كُنْتُمْ قَدْ سَمِعْتُمْ بِتَدْبِيرِ نِعْمَةِ اللهِ الْمُعْطَاةِ لِي لأَجْلِكُمْ.

أَنَّهُ بِإِعْلاَنٍ عَرَّفَنِي بِالسِّرِّ.

كَمَا سَبَقْتُ فَكَتَبْتُ بِالإِيجَازِ]١– ٣[.

ويلاحظ في هذا النص وما يليه الآتي:

أولاً: يبدأ حديثه بقوله: “بِسَبَبِ هَذَا“… وكأن ما يتحدث عنه قديس بولس كأسير للسيد المسيح إنما بسبب “سرّ المسيح”، أي سرّ انفتاح باب الإيمان أمام الأمم كما أمام اليهود ليصير الكل بناءً واحدًا حيًا، وهيكلاً لله، إن كان القديس بولس قد صار رسولاً بل وأسيرًا إنما لأجهلم في الرب.

لقد كرر الرسول كلمة “أنا” أكثر من مرة (١: ١٥، ٣: ١، ٤: ١، ٥: ٣٢)، ليس لتقوقعه حول ذاته “ego“، وإنما لتأكيد اعتزازه بالرسالة التي أعلن الرب سرّها له، ومن أجلها صار “أسيرًا”. كانت إحساسا الرسول بولس تتركز في قبوله “الأسر” بفرح لأجل تمتع الأمم بالحرية، بل ومن أجل إخوته اليهود أيضًا (١ تس ٢: ١٤ – ١٦؛ ٢ كو ١١: ٢٤، ٢٥).

إنه يعتز برسوليته، بل وبأسره من أجل خلاص كل نفسٍ، حتى حسب لقب “أسير المسيح يسوع” شرفًا له، لقد شعر بالتزامه بالعمل الكرازي مهما بلغت تكلفته. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [سبق فذكر الرسول عناية المسيح العظيمة المتحننة، الآن يذكر عنايته هو، التي تعتبر تافهة وكلا شيء إن قورنت بعناية المسيح، لكنها كفيلة أن تقربهم إليه، لذا يقول: “أنا أيضًا ملتزم (أسير)” فإن كان سيدي صُلب لأجلكم بالأكثر أُربط أنا لأجلكم. لم يربط السيد نفسه فحسب، وإنما ألزم عبيده أيضًا بذلك لأجلكم أيها الأمم[1].]

لعله أراد بإعلان أسره في روما تأكيد مثابرته على تحقيق “سرّ المسيح” أي الكرازة باسمه وقوته بين الأمم ولأجلهم، وإن كان ثمن هذا كراهية اليهود بني جنسه له وتسليمه للأسر.

وربما كانت إحساسات الرسول بولس أثناء أسره في روما تتركز في تأمله في شدة قوة محبة المسيح التي “أسرته” (في ٣: ١٢)، لكي تنتزعه من المقاومة ضد الخدمة إلي العمل لحساب المسيح وبقوته، لذا كثيرًا ما يكرر العبارة: “حسب شدة قوته“. كان يشعر أنه أسير محبة المسيح وقوته الجذابة لتستخدمه كأداة تعمل لحساب ملكوته.

ثانيًا: يبدوا أن بعضًا ممن يكتب إليهم لم يره وإنما سمعوا عنه [٢[، فلا توجد بينهم وبين الرسول روابط علاقات شخصية، لكنه بثقةٍ يشعر أن ما وُهب إليه من نعم هو لأجلهم. إحساسات صادقة وقوية لدى الخادم أن ما لديه من عطايا ليس عن فضل خاص به ولا عن امتياز له عن غيره، لكنه هبة إلهية قُدمت له من الله لأجل المخدومين.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [هنا يلمح إلي النبوة التي أُعطيت لحنانيا في دمشق بخصوصه، حين قال له الرب: “اذهب لأن هذا لي إناء مختار ليحمل اسمي أمام أمم وملوك” (أع ٩: ١٥)؛ ويقصد بـ “ِتَدْبِيرِ نِعْمَةِ ” الإعلان الذي ظهر له، كأنه يقول: “لأني لم أقبله من عند إنسان” (غل ١: ١٢). لقد وهبني الإعلان إنما لأجلكم، إذ قال لي بنفسه: “اذهب، فإني سأرسلك إلي الأمم بعيدًا” (أع ٢٢: ٢١)[2].]

أما قوله: “كَمَا سَبَقْتُ فَكَتَبْتُ بِالإِيجَازِ]٣[، فإن الكلمة اليونانية Prographo المستخدمة هنا يمكن أن تحمل على الأقل ثلاثة معانٍ: أن ما كتبه نفس الرسالة أعلاه حيث حدثهم عن سرّ مشيئة الله الخاصة بجميع ما في السماوات وما على الأرض في المسيح يسوع (١: ٩، ٢٠) أو سرّ المسيح الخاص بمصالحة الأمم واليهود في جسد واحد خلال الصليب (2: ١١ – ٢٢). المعنى الثاني أنه يذّكر السامع بما سبق فكتبه في أحدى رسائله السابقة عن هذا الإعلان، وليس بالضرورة أن تكون رسالة موجهة إلي أهل أفسس، إذ كانت رسائله كثيرة التداول؛ والمعنى الثالث أنه سبق فكتب بصفة عامة وليس خلال رسالة معينة.

ثالثًا: يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن حديث الرسول بولس السابق عن “سرّ المسيح” الخاص بقبول الأمم في ذات الجسد جنبًا إلي جنب مع اليهود كان موجزًا للغاية لعدم قدرة السامعين على قبوله، إذ لم يكن ممكنًا لليهود أن يدركوا أو يقبلوا عظمة الغنى الذي أغدقه الله على الأمم ليصيروا شركاء في الميراث والجسد ونوال الموعد. هذا السرّ المعلن بقوة للرسول لم يُعلن لأنبياء العهد القديم بذات القوة بل جزئيًا، إذ يقول الرسول:

الَّذِي بِحَسَبِهِ حِينَمَا تَقْرَأُونَهُ تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْهَمُوا دِرَايَتِي بِسِرِّ الْمَسِيحِ.

الَّذِي فِي أَجْيَالٍ أُخَرَ لَمْ يُعَرَّفْ بِهِ بَنُو الْبَشَرِ،

كَمَا قَدْ أُعْلِنَ الآنَ لِرُسُلِهِ الْقِدِّيسِينَ وَأَنْبِيَائِهِ بِالرُّوحِ:

أَنَّ الأُمَمَ شُرَكَاءُ فِي الْمِيرَاثِ وَالْجَسَدِ وَنَوَالِ مَوْعِدِهِ فِي الْمَسِيحِ بِالإِنْجِيلِ]٤– ٦[.

كأنه يقول أن حقيقة قبول الأمم للإيمان كانت سرًا بالنسبة للأجيال السابقة، لم يُكشف هذا السرّ كما الآن، فقد أُعلن للرسل والأنبياء (أنبياء العهد الجديد) وذلك بالروح القدس.

  • الَّذِي فِي أَجْيَالٍ أُخَرَ لَمْ يُعَرَّفْ بِهِ بَنُو الْبَشَرِ، كَمَا قَدْ أُعْلِنَ الآنَ لِرُسُلِهِ الْقِدِّيسِينَ وَأَنْبِيَائِهِ بِالرُّوحِ]٥[. اخبرني، ما هذا؟ ألم يعرف الأنبياء هذا (السرّ)؟ إذن، كيف يقول المسيح ان موسى وإيليا كتبا هذا عني؟ وأيضًا: “لو كنتم تصدقون موسى وإيليا تصدقونني” (يو ٥: ٤٦)؟ وأيضًا: “فتشوا الكتب لأنكم تظنون أن لكم فيها حياة أبدية، وهي التي تشهد لي” (يو ٥: ٣٩)؟

إنه يعني إما أن هذه لم تُعلن لكل البشر، إذ أضاف: “الذي في أجيال أُخر لم يعرف به بنو بشر كما قد أُعلن الآن”، أو يعني أنها لم تُعرف بكل حقائقها وأحداثها: “كما قد أعلن الآن لرسله القديسين وأنبيائه بالروح”. تأمل: لو أن بطرس لم يُعلن له بالروح ذلك لما ذهب إلي الأمم. اسمع ماذا يقول: “هؤلاء الذين قبلوا الروح القدس كما نحن أيضًا” (أع ١٠: ٤٧)، بمعنى أنه بالروح اختار الله أن يقبلوا هذه النعمة. لقد نطق الأنبياء بذلك لكنهم لم يعرفوها معرفة كاملة، حتى الرسل لم يعرفوها بعد أن سمعوها، فقد فاقت كل الحسابات البشرية والتوقعات العامة.

  • أَنَّ الأُمَمَ شُرَكَاءُ فِي الْمِيرَاثِ وَالْجَسَدِ وَنَوَالِ مَوْعِدِهِ]٦[. ما هذا؟ “شركاء في الميراث والموعد والجسد”؟ هذه الأخيرة أمر عظيم، إذ يصيرون جسدًا واحدًا، ويقتربون إليه في علاقة قوية للغاية[3].

القديس يوحنا الذهبي الفم

رابعًا: يرى بعض الدارسين أن التعبيرات الواردة في الفقرة ٥ مثل “بني البشر، لرسله القديسين وأنبيائه” غريبة في أسلوب الرسول بولس، فهي غالبًا اقتباس نقله الرسول عن تسبحة كنسية في ذلك الحين[4].

خامسًا: يؤكد الرسول أكثر من مرة أن تحقيق “سرّ المسيح” ليس عن فضل بشري، كما لا تعوقه العقبات الإنسانية، إنما يتحقق “حَسَبَ فِعْلِ قُوَّتِهِ (قوة الله)” ] ٧؛ ١: ١٩[، أما من جهة نفسه فهو مجرد خادم أصغر من جميع القديسين أؤتمن على تحقيق خطة الله خلال غنى المسيح الذي لا يُستقصى، إذ يقول: “الَّذِي صِرْتُ أَنَا خَادِمًا لَهُ حَسَبَ مَوْهِبَةِ نِعْمَةِ اللهِ الْمُعْطَاةِ لِي حَسَبَ فِعْلِ قُوَّتِهِ. لِي أَنَا أَصْغَرَ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ أُعْطِيَتْ هَذِهِ النِّعْمَةُ، أَنْ أُبَشِّرَ بَيْنَ الأُمَمِ بِغِنَى الْمَسِيحِ الَّذِي لاَ يُسْتَقْصَى]٧ ٨[.

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول بولس إذ يتحدث عن عظمة قوة نعمة الله، يتصاغر جدًا في عيني نفسه، فيتطلع إلي نفسه كأصغر صغار جميع القديسين (Less than the least of all saints)، إذ يقول:

[إذ أوشك أن يتحدث عن عظمة نعمة الله، اسمع ماذا يقول: “لي أنا أصغر (من أصغر) جميع القديسين أُعطيت هذه النعمة“. كان تواضعًا حقًا، إذ كان ينتحب خطاياه السابقة مع أنها غُفرت له، فكان يذكرها، واضعًا نفسه مقياسًا حقيقيًا حيث دعا نفسه: “مجدفًا ومضطهدًا ومفتريًا” (١ تي ١: ١٣)… مرة أخرى يدعو نفسه: “السقط” (١ كو ١٥: ٨). أما أن يضع نفسه بعد قيامه بأعمال عظيمة صالحة فيدعو نفسه: “أصغر من أصغر القديسين” فهذا تواضع بالحقيقة عظيم وفائق.

لم يقل “أصغر الرسل” بل “من أصغر القديسين”، فإن التعبير الأول أخف.

يقول أيضًا “أنا لست أهلاً أن أدعى رسولاً (١ كو ١٥: ٩) …[5]]

لعل الرسول قد تواضع جدًا بصورة فائقة فحسب نفسه ليس فقط أصغر من الرسل وإنما الأصغر بين أصغر القديسين بوجه عام. وكان هذا التواضع لازمًا لأمرين، أولاً لأنه حيث يكون البناء شاهقًا جدًا يلزم أن تكون الأساسات عميقة للغاية. البناء الذي أمامه غاية في العلو، إذ وهبت له نعمة خاصة ليبشر “بَيْنَ الأُمَمِ“، أي يدخل وسطهم ويكون بينهم كما لو كان واحدًا منهم حتى يقدم لهم “غِنَى الْمَسِيحِ الَّذِي لاَ يُسْتَقْصَى“.

بمعنى آخر لم يقف “ضد الأمم”، ولا كرز كما من بعيد، لكنه انطلق إلي هؤلاء الذين هم عن بعدٍ شديدٍ ليدخل في وسطهم، يحفر فيهم أساسات عميقة، ليقدم البناء الحيّ اللائق بالمسيح السماوي! هذا من جانب، أما الجانب الآخر فلأنه يتحدث عن أمرٍ يصعب على كثير من اليهود قبوله، لذا يتدرع بالتواضع كسلاحٍ ضد كل هجومٍ يتعرض له. هنا يعلمنا الرسول أن نقابل المقاومين بروح التواضع الشديد فنربحهم ونربح نفوسنا معهم!

2. دعوة إلهية أصيلة وسماوية

رأينا الرسول بولس يتواضع للغاية ليعلن تمتعه بنعمة خاصة إلهية هي نعمة الكرازة بين الأمم للتمتع بغنى المسيح الذي لا يُستقصى، هذا العمل أي انفتاح الباب للأمم للدخول إلي غنى المسيح دعاه “سرّ المسيح”. هذا السرّ ليس بالأمر الذي هو من عند الرسول نفسه، ولا من وحي فكره الخاص، لكنه أداة يستخدمها الله لتحقيق مقاصده الأزلية المكتومة منذ الدهور. هذا السرّ السماوي الإلهي، كان مكتومًا، والآن انفتح ليضم الجميع وليُعلن للسمائيين أنفسهم الذين يرون في الكنيسة عجبًا. يرون الأمم الأرضيين قد صاروا سمائيين، ودخلوا معهم في شركة! إذ يقول الرسول:

وَأُنِيرَ الْجَمِيعَ فِي مَا هُوَ شَرِكَةُ السِّرِّ الْمَكْتُومِ مُنْذُ الدُّهُورِ فِي اللهِ

خَالِقِ الْجَمِيعِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ.

لِكَيْ يُعَرَّفَ الآنَ عِنْدَ الرُّؤَسَاءِ وَالسَّلاَطِينِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ بِوَاسِطَةِ الْكَنِيسَة

بِحِكْمَةِ اللهِ الْمُتَنَوِّعَةِ،

حَسَبَ قَصْدِ الدُّهُورِ الَّذِي صَنَعَهُ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا]٩– ١١[.

يلاحظ في هذا النص الرسولي:

أولاً: إن كانت نعمة الله قد أنارت عينيه ليرى “سرّ المسيح”، فبالضرورة ملتزم أن يقود، إن أمكن الجميع ليروا ما قد رآه، سرّ الله المكتوم منذ الدهور، سرّ حب الله خالق الجميع معلنًا بيسوع المسيح مخلص الكل، السرّ الأزلي في خطة الله وتدبيره.

ثانيًا: يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [حقًا، لم يُعلن (السرّ) لإنسان، فهل أنت تنير السرّ للملائكة ورؤساء الملائكة والرؤساء والسلاطين؟ يقول: “نعم” فإنه كان مكتومًا في الله، بل “فِي اللهِ خَالِقِ الْجَمِيعِ“. أتتجاسر وتنطق بهذا؟ يجيب: “نعم”. وكيف أُعلن هذا للملائكة؟ “ بِوَاسِطَةِ الْكَنِيسَةِ“… ألم تكن الملائكة تعرفه؟… ألم يعرفه حتى رؤساء الملائكة؟ حتى هؤلاء لم يعرفوه؟… لقد دعاه سرًا، لأن الملائكة لم يكونوا يعرفوه، ولا كان قد أُعلن لأحد… حقًا لقد عرف الملائكة أن الأمم مدعوون فعلاً، أما إن يكونوا مدعوين للتمتع بذات امتيازات إسرائيل وأن يجلسوا على عرش الله هذا من كان يتوقعه؟ من كان يصدقه؟![6].]

ثالثًا: لا شك أن السمائيين قد أدركوا حكمة الله منذ خلقتهم، لكنهم شاهدوا في كنيسة العهد الجديد عجبًا. لذا يقول: “بِحِكْمَةِ اللهِ الْمُتَنَوِّعَةِ“، وحسب ترجمة النص في كتابات الذهبي الفم “المتنوعة جدًا”. أقول رأوا أعماقًا جديدة في حكمة الله التي أقامت من الوثنيين ومقاومي الحق أبناءً لله، ورثه مع المسيح.

رابعًا: يرى القديس چيروم في النص الذي بين أيدينا إذ يميز الرسول بين الرؤساء والسلاطين وهما طغمتان سمائيتان تتمتعان بإدراك سرّ الله، أن الكنيسة أيضًا تضم أعضاء ينتمون إلي جسد واحد لكن لكل منهم قامته الروحية، أو كما قال الرسول: “إن نجمًا يمتاز عن نجم في المجد” (١ كو ١٥: ٤١).

يقول: [با لتأكيد من يزرع أكثر ومن يزرع أقل كلاهما على الجانب الأيمن، لكن مع انتمائهما إلي طبقة واحدة، أي طبقة الزارعين، غير أنهم يختلفان من جهة القياس والعدد…[7].]

3. دعوة أكيدة

إذ يتحدث الرسول عن هذا السرّ الإلهي الأزلي الذي أعلنه له، والذي كرس حياته لتحقيقه، أراد أن يؤكد ثقته في الله أن خطته هذه ستتحقق بالرغم من أسر بولس أو سجنه… حقًا لقد وُضع الرسول تحت قيود منظورة، لكنه يشعر بالحرية والانطلاق بثقة في تحقيق سرّ المسيح، إذ يقول: “الَّذِي بِهِ لَنَا جَرَاءَةٌ وَقُدُومٌ بِإِيمَانِهِ عَنْ ثِقَةٍ (الكلمة اليونانية Parresia تعني حرية)” ]١٢[.

  • لَنَا َقُدُومٌ” لا كأسرى، وإنما كأشخاص يطلبون المغفرة، وليس كخطاة، إذ يقول: “لَنَا جَرَاءَةٌ وَقُدُومٌ“، أي جرأة مرتبطة بثقة متهللة. من أين تأتي؟ من إيماننا به![8]

القديس يوحنا الذهبي الفم

4. دعوة تحتاج إلي جهاد روحي

هذه الدعوة لتحقيق “سرّ المسيح” لا فضل للرسول فيها، إنما هي حسب فعل قوة الله… لكن الرسول بولس لم يقف سلبيًا بل جاهد واحتمل حتى السجن، حاسبًا هذا لمجد الأمم؛ الآن يسأل الأمم أنفسهم أن يشاركوه هذا الجهاد قائلاً “لِذَلِكَ أَطْلُبُ أَنْ لاَ تَكِلُّوا فِي شَدَائِدِي لأَجْلِكُمُ الَّتِي هِيَ مَجْدُكُمْ]١٣[.

  • هكذا أحبهم الله حتى بذل ابنه لأجلهم، وسمح بالآلام لخدامه من أجلهم، فقد أُلقي بولس في السجن لكي ينالوا بركات وقوة. بالتأكيد كان هذا بسبب محبة الله الفائقة لهم. هذا ما قاله الله أيضًا عن الأنبياء، قتلتهم بأقوال فمي” (هو ٦: ٥)[9].

القديس يوحنا الذهبي الفم

5. شفاعة الرسول عن الكل

ما دام تحقيق “سرّ المسيح” هو عمل إلهي، فلا يكفي جهاد الرسول أو جهادهم، وإنما لا يكف الرسول وسط شدائده من الانحناء أمام الآب طالبًا قوته وإمكانياته، إذ يقول: “بِسَبَبِ هَذَا أَحْنِي رُكْبَتَيَّ لَدَى أَبِي رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي مِنْهُ تُسَمَّى كُلُّ عَشِيرَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَعَلَى الأَرْضِ]١٤-١٥[.

لعل الرسول بولس أراد أن يتمثل بمسيحه الذي دخل البستان ليشرب كأس الآلام لأجل مجدنا عندما انحنى على ركبتيه أمام الآب ليحمل الصليب ويحقق المصالحة. هكذا لاق بكل خادم أن يجثو أمام الآب مقدمًا الطاعة ليحمل شركة الصليب من أجل خلاص الغير.

  • ها هو يظهر روح صلاته عنهم، إذ لم يقل: “أصلي” فحسب، وإنما أظهر تضرعاته القلبية بانحناء الركب.

الَّذِي مِنْهُ تُسَمَّى كُلُّ عَشِيرَةٍ“. إنه يعني أنه لم يحسبها ضمن عداد الملائكة بل انه قد خلق عشائر في السماء من فوق، وعلى الأرض من تحت، وليس كما كان اليهود[10].

القديس يوحنا الذهبي الفم

بمعنى آخر أن الرسول بولس إذ ينحني بركبتيه كما بكل قلبه لدى الآب يطلب تحقيق مشيئته الإلهية، أن يضم السمائيين والأرضيين كعائلة مقدسة ترتبط معًا في المسيح يسوع ربنا.

ماذا يطلب الرسول في شفاعته عنهم؟ أو صلواته من أجلهم؟

أولاً: “لِكَيْ يُعْطِيَكُمْ بِحَسَبِ غِنَى مَجْدِهِ أَنْ تَتَأَيَّدُوا بِالْقُوَّةِ بِرُوحِهِ فِي الإِنْسَانِ الْبَاطِنِ]١٦[.

إن كنت بالحب الحقيقي العامل لا أكف عن أنحني بركبتي كما بإنساني الداخلي لأجلكم فإنني أطلب ليهبكم تأييدًا داخليًا في إنسانكم الداخلي، وقوة روحية، ليس من أجل صلواتي ومحبتي وإنما بالحق من أجل غنى مجده. كأنه يقول: إن صلواتي تأتي متناغمة مع مشيئة الله وغنى مجده المشتاق أن يعمل في إنسانكم الباطن أو الداخلي.

ما هو التأييد بالقوة بروحه في الإنسان الباطن إلاَّ التمتع بحلول المسيح بالإيمان في قلوبكم؟! ]١٧[. هنا يركز الرسول بولس أنظارهم نحو الإنسان الباطن ليتجلى السيد المسيح فيه، معلنًا ملكوته في داخلنا. لهذا حينما تحدث القديس يوحنا كاسيان عن الصوم كأحد التداريب الروحية، طالبنا ألاَّ نركز على التصرفات الخارجية كالامتناع عن الطعام وإنما على “الحياة الداخلية في المسيح يسوع”، إذ يقول: [عندما يصوم الإنسان الخارجي يلزم أن يمتنع الإنسان الداخلي عن الطعام الرديء بالنسبة له، إذ يحثنا الرسول الطوباوي أن يظهر الإنسان الداخلي – فوق الكل – نقيًا أمام الله، فيوجد مستحقًا لقبول المسيح ضيفًا في داخله[11].]

سرّ القوة هو “حلول المسيح” بالإيمان في قلوبنا.

  • يحل المسيح بالإيمان فيك؛

إذ يحضر الإيمان يكون المسيح حاضرًا،

استرخاء الإيمان هو نوم للمسيح. قم وحث نفسك، قائلاً: “يا رب إننا نهلك”.

لا تدع إبليس يفسد إيمانك، لا تدعه يبتلع السمكة![12]

القديس أغسطينوس

لقد سبق فأعلن السيد المسيح هذه العطية للقلوب المحبة الأمينة، إذ قال: “إن أحبني أحد يحفظ كلامي ويحبه أبي، وإليه نأتي، وعنده نصنع منزلاً” (يو ١٤ ٢٣).

ثانيًا: “وَأَنْتُمْ مُتَأَصِّلُونَ وَمُتَأَسِّسُونَ فِي الْمَحَبَّةِ،

حَتَّى تَسْتَطِيعُوا أَنْ تُدْرِكُوا مَعَ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ

مَا هُوَ الْعَرْضُ وَالطُّولُ وَالْعُمْقُ وَالْعُلْوُ،

وَتَعْرِفُوا مَحَبَّةَ الْمَسِيحِ الْفَائِقَةَ الْمَعْرِفَةِ،

لِكَيْ تَمْتَلِئُوا إلي كُلِّ مِلْءِ اللهِ]١٨، ١٩[.

كما ربط السيد المسيح حلوله في القلب بنقاوة القلب العميقة خلال المحبة الصادقة الحافظة لكلامه (يو ١٤: ٢٣)، الآن يعلن الرسول أن حلول المسيح في القلب يجعل النفس متأصلة متأسسة في المحبة الإلهية، فتنعم بعطية “الإدراك الروحي”، و”المعرفة الفائقة”.

إتحادنا بالسيد المسيح المرتكز على الحب، يكشف الأسرار الإلهية، فندرك ما هو العرض والطول والعمق والعلو، ونتعرف على محبة المسيح الفائقة المعرفة، فندخل إلي الملء. إنها سلسلة غير منقطعة بين “الإتحاد مع الله”  و”المحبة الفائقة” و”المعرفة الإلهية” و”الملء”.

هذه عطايا العريس السماوي لعروسه المتحدة به، المتمتعة بمحبته الفائقة، فتنال حق التعرف على أسراره والانطلاق في نموٍ غير منقطعٍ من ملءٍ إلي ملءٍ!

  • يحل (المسيح) في تلك القلوب المخلصة (الأمينة)، في المتأصلين في محبته، الذين يبقون ثابتين غير متزعزعين. لكي تنالوا القوة (الكاملة)، فالأمر يتطلب قوة عظيمة: ” لِكَيْ تَمْتَلِئُوا إلي كُلِّ مِلْءِ اللهِ“. ماذا يعني الرسول بهذا التعبير؟ مع أن محبة المسيح ترتفع فوق كل معرفة بشرية، لكنكم ستعرفونها إن كان لكم المسيح ساكنًا فيكم، نعم ليس فقط تعرفون ذلك منه، بل أيضًا وتمتلئون إلي كل ملء الله[13].

القديس أغسطينوس

  • العرض هو الأعمال الصالحة، والطول هو المثابرة والمداومة على الأعمال الصالحة، والعلو هو رجاؤكم في البركات العتيدة. فمن أجل هذه العلو تؤمرون: “ارفعوا قلوبكم”، اصنعوا خيرًا، ثابروا عليه من أجل جعالة الله. احسبوا الأمور الأرضية كلا شيء[14].

القديس أغسطينوس

يرى القديس أغسطينوس[15] في حديث الرسول هنا عن الطول والعرض والعلو والعمق إشارة إلي الصليب بكونه الينبوع الذي يفجر فيها معرفة محبة الله الفائقة. العلو ذاك الذي يضع السيد المسيح رأسه عليه، وهو رمزًا لتوقع المكافأة من عدل الله الفائق، كما جاء في (رو ٢: ٦، ٧) “الذي سيجازي كل واحد حسب أعماله، أما الذين بصبر في العمل الصالح يطلبون المجد والكرامة والبقاء فالحياة الأبدية”. والطول هو الصليب وقد وُضع عليه جسد السيد المسيح رمزًا للصبر والمثابرة المستمرة حسب مشيئة الله، أو “طول الأناة”. والعمق، هو الجزء المثبت في الأرض، يمثل طبيعة السرّ الخفية، سرّ الصليب، أو سرّ حب الله.

يمكننا أن نقول انه خلال السيد المسيح المصلوب فينا يكون لنا العلو حيث تتفتح عيوننا بصيرتنا بالرجاء في الأبدية، ويكون لنا العمق حيث نكون متأسسين بنعمة الله في محبته الخفية، ويكون لنا الطول والعرض أي المحبة العملية لله والناس على المستوى الرأسي والأفقي؛ بمعنى آخر في المسيح يسوع يثبت رجاؤنا وإيماننا ومحبتنا لله والناس.

أخيرًا إذ يرى الرسول أن هذه العطايا الإلهية فائقة أكدّها، معلنا أن الله يتمجد فينا خلال أعماله الفائقة في كنيسته، إذ يقول:

وَالْقَادِرُ أَنْ يَفْعَلَ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ أَكْثَرَ جِدًّا مِمَّا نَطْلُبُ أَوْ نَفْتَكِرُ،

بِحَسَبِ الْقُوَّةِ الَّتِي تَعْمَلُ فِينَا،

لَهُ الْمَجْدُ فِي الْكَنِيسَةِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ إلي جَمِيعِ أَجْيَالِ دَهْرِ الدُّهُورِ. آمِينَ[20.]

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [فعل الله “فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ أَكْثَرَ جِدًّا مِمَّا نَطْلُبُ أَوْ نَفْتَكِرُ”… إنني بالحق أصلي، لكنه هو يهب أكثر مما نطلب… فإننا لم نطلب هذه الأمور ولا توقعناها[16].]

يشعر الرسول أنه إن كان بدافع الحب يطلب بإلحاح، فإن الله في عطاياه للبشرية يفيض أكثر مما كان الرسول يطلب أو يتوقع، لذا ختم حديثه بتقديم الحمد والشكر لله الذي يتمجد في كنيسته.

ما أجمل كلماته ” لَهُ الْمَجْدُ فِي الْكَنِيسَةِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ“، فإن الأب يتمجد في الكنيسة عروس المسيح، يتجلى بقوة في حياة أعضائها.

[1] In Eph. hom 6.

[2] Ibid.

[3] Ibid.

[4] Anchor Bible, p 331.

[5] In Eph. hom 7.

[6] Ibid.

[7] Against Joviniasus 2: 23.

[8] In Eph. hom 7.

[9] Ibid.

[10] Ibid.

[11] Institutes of Cassian 5: 21.

[12] Sermon on N.T. Lessons 31: 8; 53: 6

[13] In Eph. hom 7.

[14] Ser. on N.T. 3: 15.

[15] Ibid 54: 24.

[16] In Eph. hom 7.

 

تفسير رسالة أفسس 3 الأصحاح الثالث – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة أفسس 2 الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة أفسس 2 الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة أفسس 2 الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة أفسس 2 الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

 

الأصحاح الثاني: الكنيسة وسرّ المصالحة

إن كانت الكنيسة في جوهرها هي تمتع بالثبوت “في المسيح” لننعم بحياته عاملة فينا، وننال معرفة أسراره الإلهية على مستوى الخبرة الحيّة العملية، فإن هذه الحياة لها صعيدان: صعيد رأسي وآخر أفقي. على الصعيد الرأسي ننعم بالحياة المقامة في المسيح فنجلس معه في السماويات نمارس وحدتنا مع الله، وعلى الصعيد الأفقي نقترب جميعنا نحو الرأس الواحد، فينشق الحجاب الحاجز بين اليهود والأمم، وبين الشعوب، ليشعر الكل بالعضوية لبعضنا البعض. هذان الصعيدان يتحققان معًا خلال ثبوتنا “في المسيح”. كلما اتحدنا مع الآب في ابنه نتحد أيضًا مع بعضنا البعض فيه.

  1. القيامة وسرّ المصالحة مع الله ١ – ١٠
  2. سرّ مصالحة البشرية معًا ١١ – ٢٢

1. القيامة وسرّ المصالحة مع الله

يرى القديس أغسطينوس أن الصليب يتكون من عارضيتن، عارضة رأسية وأخرى أفقية، الأولى تمثل مصالحة الإنسان مع الله وخليقته السمائية، والثانية تمثل مصالحته مع أخيه الإنسان. هذا الصليب بعمله المتكامل يتحقق في الكنيسة كما أعلن الرسول بولس في هذا الأصحاح حيث أوضح قيامة الإنسان المؤمن من موته، وانطلاقه إلي السماويات ليجلس في حضن الآب، واتساع قلبه بالحب لينضم الكل إليه كأعضاء معه في الجسد الواحد.

الآن بالنسبة للجانب الأول يقول الرسول:

وَأَنْتُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَمْوَاتًا بِالذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا،

الَّتِي سَلَكْتُمْ فِيهَا قَبْلاً حَسَبَ دَهْرِ هَذَا الْعَالَمِ،

حَسَبَ رَئِيسِ سُلْطَانِ الْهَوَاءِ،

الرُّوحِ الَّذِي يَعْمَلُ الآنَ فِي أَبْنَاءِ الْمَعْصِيَةِ،

الَّذِينَ نَحْنُ أَيْضًا جَمِيعًا تَصَرَّفْنَا قَبْلاً بَيْنَهُمْ فِي شَهَوَاتِ جَسَدِنَا،

عَامِلِينَ مَشِيئَاتِ الْجَسَدِ وَالأَفْكَارِ،

وَكُنَّا بِالطَّبِيعَةِ أَبْنَاءَ الْغَضَبِ كَالْبَاقِينَ أَيْضًا،

اَللهُ الَّذِي هُوَ غَنِيٌّ فِي الرَّحْمَةِ،

مِنْ أَجْلِ مَحَبَّتِهِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي أَحَبَّنَا بِهَا،

وَنَحْنُ أَمْوَاتٌ بِالْخَطَايَا أَحْيَانَا مَعَ الْمَسِيحِ –

بِالنِّعْمَةِ أَنْتُمْ مُخَلَّصُونَ]١– ٥[.

لكي يكشف عن قوة النعمة، وعمل المصالحة التي تمت بين الله والإنسان، أبرز أولاً حالة الموت التي بلغناها، والعبودية التي سقطنا فيها تحت سلطان عدو الخير، والفساد الذي دبّ في جسدنا لنتمم الشهوات. عندئذ أظهر غنى رحمة الله المجانية النابعة عن محبته، فقدم لنا الحياة بموت الصليب، ووهبنا الخلاص بنعمته.

يلاحظ في هذا النص الآتي:

أولاً: أن ما ورد في هذا الأصحاح ككل يقابل ما جاء في الإنجيل بحسب لوقا البشير عن الابن الضال (لو ١٥: ١١ – ٣٢)، كما يقول D. M. Stanley:

 

 

أف ٢

لوقا ١٥

الله الذي هو غني في الرحمة، من أجل محبته الكثيرة التي أحبنا بها… [4]

وإذ كان لم يزل بعيدًا رآه أبوه، فتحنن وركض ووقع على عنقه وقبّله. [20]

وأنتم إذ كنتم أمواتًا بالذنوب…[1]

لأن ابني هذا كان ميتًا فعاش. [24]

أنتم الذين كنتم قبلاً بعيدين…[13]

وسافر إلي كورة بعيدة. [14]

الذين إذ هم فقدوا الحس… [19]

اخرجوا الحلة الأولى وألبسوه [22]

لكي لا نكون فيما بعد أطفالاً مضطربين ومحمولين بكل ريح تعليم بحيلة الناس… [14-16]

فغضب ولم يرد أن يدخل، فخرج أبوه يطلب إليه … [28-32]

ثانيًا: هذا الأصحاح مشحون بالمقابلات الصارمة بين ضعف الإنسان الشديد وفاعلية عمل الله وقدرته العجيبة.

  • الأول يبلغ إلي الموت ]١[، والثاني يقيمه من جديد ]٥[.
  • الأول ينحط إلي شهوات الجسد ]٣[، والثاني يرفعه إلي السماوات ]٦[.
  • الأول يهرب إلي التغرب عن الله وعن أخيه الإنسان ]١2[، والثاني يرده ليصير أهل بيت الله ]١٩[، واحدًا مع أخيه ]١٤[.

ثالثًا: بدأ حديثه بفاعلية الخطية القاتلة لإنسانيتنا، والطامسة للصورة والتشبه بالله، وكما يقول الأب دورثيؤس من غزة: [بالخطية نطمس ما يخص شبهه فينا، لذا صرنا تحت الموت كقول الرسول: ” كُنْتُمْ أَمْوَاتًا بِالذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا” (أف ٢: ١). إذ خلقنا الله على شبهه، وهو متحنن على خليقته وشبهه صار إنسانًا لأجلنا، وقبل الموت عوضًا عنا، ليقودنا نحن الأموات، ويردنا إلي الحياة التي فقدناها[1].] هذا التفسير قدمه الأب عند عرضه لسرّ المسيح، في تفسيره لتسبحة القيامة التي وضعها القديس غريغوريوس النزينزي.

رابعًا: بالخطية انحدرنا إلي فقدان الحياة، بتركنا الله مصدر حياتنا وقبولنا العبودية لعدو الخير إبليس، بالطاعة له وعصياننا لله، وقد دعا الرسول إبليس هذا: “رَئِيسِ سُلْطَانِ الْهَوَاءِ“، كما دعانا ” أَبْنَاءِ الْمَعْصِيَةِ“.

كان ينظر إلي “الْهَوَاءِ” كمسكن للشياطين، لهذا أراد تأكيد كمال نصرة المسيح عليه قال: “سنخطف جميعًا معهم في السحب لملاقاة الرب في الهواء” (١ تس ٤: ١٧). فإن الشياطين تقطن الهواء، فسيغلبه الرب في عرينه، ويحملنا في ذات الموضع كأبناء الميراث عوض أن كنا أبناء المعصية.

هنا نلاحظ أن اليهود – ككثير من الأمم – كانوا يعتقدون أن لإبليس وجنوده مملكة تقوم في ثلاث مناطق: في المياه، وفي البرية، وفي الهواء. ولعل اختيار هذه الثلاث مناطق يقوم على استحالة استقرار الإنسان وتمتعه بالسلام فيها. ففي البحر يشعر الإنسان بالخطر من الغرق، وفي البرية يواجه القفر والجفاف مع الحيوانات المفترسة، وفي الهواء إنما يعني خروج النفس من الجسد خلال الموت لتنطلق في الهواء.

إن كانت هذه المناطق في نظر اليهود هي مراكز العدو “إبليس”، فقد أعلن السيد المسيح غلبته عليه في ذات الناطق، ففي المياه اعتمد محطمًا عدو الخير تحت قدميه، واهبًا مؤمنيه قوة الغلبة عليه خلال المعمودية. لذا كان “جحد الشيطان” خطًا واضحًا في طقس العماد، وكما يقول العلامة ترتليان: [في الكنيسة، تحت يد الأسقف نشهد أننا نجحد الشيطان وكل موكبه وكل ملائكته[2].] أما بالنسبة للبرية فقد جُرب السيد المسيح فيها وغلب المجرب وجاءت ملائكة تخدمه (مر١: ١٣). وفي الهواء فقد ارتفع السيد المسيح على الصليب كما في الهواء ليعلن بصليبه تحطيم سلطان إبليس وانهيار مملكته.

خامسًا: يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول بولس إذ أعلن بشاعة ما بلغ إليه الإنسان بالذنوب والخطايا، ألا وهو موت النفس الذي هو أمرّ من موت الجسد، بل ويمثل جريمة يسقط فيها الإنسان بإرادته، أراد أن يشجع السامعين بإعلان دور عدو الخير “رئيس سلطان الهواء” في حياة البشرية كمثير ومحرض.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ها أنتم تلاحظون لطف بولس، كيف يشجع المستمع في كل المناسبات ولا يثقل عليه. فمع أنه قال لهم: قد بلغتم أقصى درجات الشر (هذا هو معنى أنهم صاروا أمواتًا) فلكي لا يفرطوا في الحزن الشديد (إذ يخجل الناس عندما تُفضح أعمالهم الشريرة السابقة، حتى وإن كانت قد انتهت ولا تمثل خطرًا)، أوضح لهم شريكًا معهم في الجريمة، لكي لا يظنوا أن كل ما فعلوه هو من عندياتهم، وإنما يوجد شريك قوي معهم؛ من هو؟ إنه إبليس[3].]

هكذا أراد الرسول بولس أن يحمل عدو الخير المسئولية معنا، كعدوٍ عنيف يحث البشرية على الشر ويثيرها، لكنه لم يدخل إلي حياتنا قهرًا وإنما بسبب عصياننا لله، إذ يقول: “الرُّوحِ الَّذِي يَعْمَلُ الآنَ فِي أَبْنَاءِ الْمَعْصِيَةِ]٢[. فإن كان العدو شريكًا معنا لكننا مسئولون عن تصرفاتنا وعن عمل العدو فينا.

إبليس يجد موضعًا له في “أبناء المعصية“، أما “أبناء الطاعة” فلا يقتحمهم هذا الروح إنما يتجلى فيهم روح الله القدوس.

سادسًا: أوضح الرسول أن ما بلغ إليه الإنسان يستوي فيه اليهودي مع الأممي، إذ سقط الاثنان تحت سلطان الخطية، فعندما قال: “الَّتِي سَلَكْتُمْ“، عاد فقال: “الَّذِينَ نَحْنُ أَيْضًا جَمِيعًا تَصَرَّفْنَا قَبْلاً بَيْنَهُمْ فِي شَهَوَاتِ جَسَدِنَا، عَامِلِينَ مَشِيئَاتِ الْجَسَدِ وَالأَفْكَارِ، وَكُنَّا بِالطَّبِيعَةِ أَبْنَاءَ الْغَضَبِ كَالْبَاقِينَ أَيْضًا]٣[. كأن بقوله ليس فقط أنتم وحدكم أيها الأمم قد سلكتم في الخطايا، وإنما نحن أيضًا سقطنا معكم تحت الخطية وحُسبنا معكم أبناء معصية، فلا نستطيع كيهود أن نفتخر بأننا أسمى منكم (رو ٣: ٩ – ١٠).

لقد كان الكل بالطبيعة “أبناء الغضب” أو كما يقول القديس بفنوتيوس إنهم كانوا في بيت أبيهم القديم أي “إبليس” الذي سحبهم إلي أسفل، لذا وجب على الكل أن يخرجوا منه، مرتفعة أنظارهم إلي بيت أبيهم الجديد، أي أورشليم العليا، إذ يقول: [نخرج من بيت أبينا القديم… إذ كنا بالطبيعة أبناء غضب كالباقين أيضًا، مثبتين أنظارنا تجاه العلويات[4].]

كنا “بالطبيعة أبناء الغضب”، لذا وجب علينا أن نخرج من هذه الطبيعة، طبيعة الإنسان العتيق، ونلبس الإنسان الجديد (في مياه المعمودية). بهذا نكون قد انطلقنا من بيت أبينا القديم الذي خضعنا له في مذلة العبودية إلي بيت أبينا الجديد القدوس.

سابعًا: علة موتنا وعصياننا لله ليس “الجسد” بل “مشيئات الجسد وشهواته وأفكاره“. فالجسد خليقة مقدسة من عمل الله الصالح القدوس، لكنه إذ انحرف عن غايته وترك خضوعه صارت له “مشيئات متضاربة” وأفكار مقاومة لعمل روح الله. الجسد ليس شرًا، فقد صار الكلمة جسدًا (يو ١: ١٤)، لكنه فسد حين صار آلة إثم تعمل لحساب الشهوات؛ إن تقدست تتحول إلي آلة برّ تعمل لحساب ملكوت الله.

  • إذن كيف يمكننا أن نقدم أجسادنا ذبيحة حية لله (رو ١٢: ١)؟ إن كنا لا نعود نتبع مشيئات الجسد وأفكارنا الذاتية (أف ٣: ٢)، بل نسلك بالروح ولا نتمم شهوات الجسد (غلا ٥: ١٦)[5].

الأب دورثيؤس من غزة

هكذا يكشف الرسول بولس عن سرّ الموت الروحي… السلوك حسب شهوات الجسد والعمل حسب مشيئاته وأفكاره ]٣[، لكن هذا لا يعفي النفس المسئولية، فإن الإنسان الجسداني، إذ يخضع لشهوات الجسد ومشيئاته وأفكاره تشاركه النفس ويشاركه العقل حتى يصيرا كما لو كانا جسدين. بمعنى آخر، الإنسان يمثل وحدة واحدة، إما أن يكون جسديًا، فيعمل بكليته حسب شهوات الجسد، أو روحانيًا فيعمل بكليته كما لو كان روحًا. في الأول تخضع النفس للجسد كما بغير إرادتها، أما الثاني فيخضع جسده لنفسه كما بغير إرادة الجسد. ولعل هذا ما قصده الأب سرابيون حين قال: [الخطايا الجسدية هي التي تعمل على إشباع شهوات الجسد وملذاته. هذه تهيج العقل أحيانًا ليقبل رغباتها بغير إرادته[6].]

ثامنًا: بعد أن تحدث عما بلغة الكل من يهود وأمم بسبب العصيان أكدّ محبة الله الفائقة نحو الإنسان وترفقه به حتى بعد السقوط، إذ يقول: “اَللهُ الَّذِي هُوَ غَنِيٌّ فِي الرَّحْمَةِ، مِنْ أَجْلِ مَحَبَّتِهِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي أَحَبَّنَا بِهَا” ]٤[، وقد أكد “غنى” رحمة الله، مكررًا هذا التعبير خمس مرات في هذه الرسالة.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [الله ليس رحيمًا فحسب وإنما هو غني في الرحمة، وكما قيل في موضع آخر: “ككثرة رحمتك التفت إليّ” (مز ٦٩: ١٦)، وأيضًا: “ارحمني يا الله كعظيم رحمتك، ومثل كثرة رأفتك امح أثمي” (مز ٥١: ١)[7].]

تاسعًا: أوضح هذه الرحمة عمليًا، بقوله: “أَحْيَانَا مَعَ الْمَسِيحِ… أَقَامَنَا مَعَهُ، وَأَجْلَسَنَا مَعَهُ]٥-٦[. لقد تحنن علينا لا بكلمات لطيفة أو مشاعر رقيقة وإنما بنزوله إلينا لنشاركه، فنحيا مع المسيح ]٥[ ونقوم معه ]٦[ ونجلس مع في السماويات ]٦[… يؤكد الرسول الشركة مع المسيح بكل قوة!

  • وَنَحْنُ أَمْوَاتٌ بِالْخَطَايَا، أَحْيَانَا مَعَ الْمَسِيحِ]٥[.

هنا أيضًا يُذكر المسيح، وهو موضوع جدير بإيماننا، لأنه إن كان البكر حيًا، فنحن أيضًا نكون هكذا. لقد أحياه (الآب) وأحيانا نحن. انظر، أليس هذا قد قيل عن المسيح المتجسد؟ أما ترى “عَظَمَةُ قُدْرَتِهِ الْفَائِقَةُ نَحْوَنَا نَحْنُ الْمُؤْمِنِينَ” (١: ١٩)؟ الذين كانوا أمواتًا وأبناء الغضب أحياهم، انظر إلي “رَجَاءُ دَعْوَتِهِ]١٨[!

وَأَقَامَنَا مَعَهُ، وَأَجْلَسَنَا مَعَهُ]٦[.

أما ترى مجد ميراثه، واضح أنه “َأَقَامَنَا مَعَهُ“…

حقًا إنه إلي الآن لم يقم أحد فعلاً إلاَّ الرأس الذي قام فقمنا نحن معه، وذلك كما سجد يعقوب ليوسف فقيل أن زوجته أيضًا سجدت معه (تك ٣٧: ٩، ١٠). بنفس الطريقة يُقال: “أجلسنا معه نحن أيضًا“، فإذ يجلس الرأس يجلس الجسد أيضًا معه، لهذا أضيف: “في المسيح يسوع[8].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • خلال الجسد (الذي أخذه)، الذي هو عربون خلاصنا، أجلسنا في السماويات.
  • إنه أساس الكل، ورأس الكنيسة (أف ٥: ٢٣)، فيه استحقت طبيعتنا العامة حسب الجسد أن تجلس في العرش السماوي، لقد كُرم الجسد إذ وجد له نصيبًا في المسيح الذي هو الله، بل وكُرمت كل طبيعة الجنس البشري إذ وجدت لها نصيبًا في الجسد.

نحن نجلس فيه بأخذه طبيعتنا الجسدية[9].

القديس أمبروسيوس

إذن قيامة المسيح وجلوسه في السماويات كباكورة لنا حُسبا قيامة لنا وجلوسًا لنا معه في السماويات. هذا من جانب ومن جانب آخر، فإننا ننعم بذلك حقًا خلال قيامة النفس من موت الخطية وتمتعها بعربون الحياة السماوية.

قيامة النفس التي نلناها في المسيح يسوع المقام أعظم من قيامة الجسد، لأن قيامة الجسد تتحقق بدون إرادتنا. حينما قال السيد للميت: “لعازر، هلم خارجًا” (يو ١١: ٤٣)، أطاع للحال وقام الميت. وتكرر الأمر في أكثر من مرة حين أقام السيد المسيح ابنة يايرس وابن أرملة نايين. بل وبطرس الرسول إذ صلى إلي الله استطاع أن يقيم طابيثا (أع ٩: ٤) باسم المسيح.

وفي اليوم الأخير سيقيم الأموات في لحظة في طرفة عين (١كو ١٥: ٥٢). أما قيامة النفس فتتم خلال إيماننا بالمسيح المقام وتمسكنا به حتى النهاية، الأمر الذي لا يتم بطريقة آلية وإنما خلال إرادتنا الحرّة. استمع إلي عتاب السيد المسيح المؤلم: “كم مرة أردت أن أجمع أولادك ولم تريدوا” (مت ٢٣: ٣٧). الأمر الذي يستلزم خضوع إرادتنا البشرية لإرادة الله الصالحة نحونا. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [التأثير على الإرادة أصعب من التأثير على الطبيعة[10].]

عاشرًا: يقول القديس يوحنا الذهبي الفم بأنه لئلا يظن أحد أن قيامة المسيح وجلوسه في السماوات أمران يخصانه دوننا، أكد الرسول فاعليتهما في البشرية عبر العصور حتى نهاية الأزمنة، إذ يقول:

لِيُظْهِرَ فِي الدُّهُورِ الآتِيَةِ غِنَى نِعْمَتِهِ الْفَائِقَ بِاللُّطْفِ عَلَيْنَا فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ.

لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ، وَذَلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ.

هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ. لَيْسَ مِنْ أَعْمَالٍ كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ]٧– ٩[.

يقول “لِيُظْهِرَ“، هنا الكلمة اليونانية لا تعني مجرد “الكشف عن” أو “إظهار”، وإنما تعني “البرهان”… فقيامة المسيح وجلوسه في السماوات هما برهان أكيد لغنى نعمة الله الفائق الذي تفجر لحساب الكنيسة خلال الدهور، فينعم المؤمنون بلطف الآب بثبوتهم في المسيح يسوع. صار المسيح الرأس الذي يقدم تأكيدات وبراهين على ما ينعم به المؤمنون خلال إتحادهم به.

من هنا نجد أن خلاصنا يتحقق خلال إيماننا به كنعمة مجانية، أو كعطية إلهية، وليس عن استحقاق لبرٍّ ذاتي.

  • يقول: “لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ” لكي لا تدفعك عظمة البركات الموهوبة نحو التشامخ، لاحظ كيف نزل بك… حتى الإيمان ليس من عندياتنا، لأنه لو لم يأتِ (المسيح) ولو لم يدعنا كيف كان يمكننا أن نؤمن؟!… عمل الإيمان نفسه ليس من ذواتنا. إنه عطية الله، ليس من أعمال. ربما تقول هل يكفي الإيمان لخلاصنا؟ كلا…
  • اعترف أنك بالنعمة تخلص، حتى تشعر أن الله هو الدائن… فإن أسندنا لله (أعمالنا الصالحة) تكون مكافأتنا عن تواضعنا أعظم من المكافأة عن الأعمال نفسها…
  • لو كانت النعمة لا تنتظر ما يتحقق من جانبنا لانسكبت بفيض في كل النفوس، لكنها إذ تطلب ما هو من جانبنا تسكن في البعض بينما تترك البعض الآخر، ولا تظهر في البعض، لأن الله يشترط أولاً الاختيار السابق[11].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • ما أن تتكبر حتى تفقد في الحال ما نلته[12].

القديس أغسطينوس

إذن تتحقق مصالحتنا مع الآب خلال النعمة الإلهية الغنية التي فاضت بصليب ربنا يسوع، فغيّرت مركزنا من حالة العداوة إلي البنوة، ورفعتنا من الموت الروحي إلي الحياة المقامة، ومن الانحطاط إلي الجلوس في السماويات. هذا العمل في حقيقته هو أشبه بتجديد للخلقة، تكلفته أكثر من الخلقة الأولى، إذ الأولى احتاجت أن الله يقول فيكون، أما الخلقة الجديدة فثمنها تسليم الابن ذاته لتجديدنا خلال دم صليبه. لهذا يكمل الرسول بولس كلماته معلنًا عمل الله الفائق فينا بقوله:

لأَنَّنَا نَحْنُ عَمَلُهُ،

مَخْلُوقِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ لأَعْمَالٍ صَالِحَةٍ،

قَدْ سَبَقَ اللهُ فَأَعَدَّهَا لِكَيْ نَسْلُكَ فِيهَا]١٠[.

  • لاحظ الكلمات التي استخدمها. إنه يلمح هنا إلي الميلاد الجديد، الذي هو بالحقيقة خلقة ثانية. إننا وُجدنا من العدم إلي الوجود. فما كنا عليه قبلاً، أي الإنسان العتيق، إنما كنا أمواتًا. ما صرنا عليه الآن لم يكن لنا من قبل. إذن، بالحق هو عمل خلقة، نعم خلقة أنبل من الأولى. ففي الأولى صار لنا الوجود، أما بالأخيرة هذه فنلنا ما هو أعظم وأفضل، ألا وهو صلاحنا.

” لأَعْمَالٍ صَالِحَةٍ، قَدْ سَبَقَ اللهُ فَأَعَدَّهَا لِكَيْ نَسْلُكَ فِيهَا” ]١٠[. ليس فقط لكي نبدأ وإنما لكي نسلك فيها، فإننا نحتاج إلي صلاح يبقى معنا في الطريق ويرافقنا حتى يوم الممات.

إن كان علينا أن نسافر في طريق يؤدي إلي مدينة ملوكية، وعبرنا الجانب الأكبر منه ثم جلسنا وتراخينا بالقرب من المدينة جدًا، فلا ننتفع شيئًا. فرجاء دعوتنا “لأَعْمَالٍ صَالِحَةٍ” كما يقول إلا فلا ننتفع شيئًا.

إنه لا يفرح لأننا تممنا عملاً واحدًا بل كل الأعمال. فإن كان لنا خمس حواس يلزمنا أن نستخدم جميعها في الوقت المناسب، وهكذا يلزم أن تكون لنا فضائل كثيرة[13].

القديس يوحنا الذهبي الفم

2. سرّ مصالحة البشرية معًا

يكمل أن الصليب بعارضتيه الرأسية والأفقية، بلا انفصال، فبمصالحة الإنسان مع السماء تاركًا خطاياه خلال نعمة الله المجانية والحياة المقامة ينفتح قلبه بالحب نحو أخيه أيًا كان أصله! لهذا بعدما تحدث الرسول عن مصالحتنا مع الله، عالج موضوع مصالحة البشرية معًا؛ فإذ نُزع الحجاب الذي كان يفصل الإنسان عن المقادس السماوية يلزم بالضرورة، وفي نفس الوقت، أن يُنقض حائط السياج المتوسط الذي أُقيم بين اليهود والأمم.

بدأ الرسول حديثه بعرض تغّرب الأمم عن رعوية إسرائيل وتغربه أيضًا عن الله، قائلاً:

لِذَلِكَ اذْكُرُوا أَنَّكُمْ أَنْتُمُ الأُمَمُ قَبْلاً فِي الْجَسَدِ،

الْمَدْعُوِّينَ غُرْلَةً مِنَ الْمَدْعُوِّ خِتَانًا مَصْنُوعًا بِالْيَدِ فِي الْجَسَدِ،

أَنَّكُمْ كُنْتُمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بِدُونِ مَسِيحٍ،

أَجْنَبِيِّينَ عَنْ رَعَوِيَّةِ إِسْرَائِيلَ،

وَغُرَبَاءَ عَنْ عُهُودِ الْمَوْعِدِ،

لاَ رَجَاءَ لَكُمْ، وَبِلاَ إِلَهٍ فِي الْعَالَم” ِ]١١، ١٢[.

هذه هي صورة الأمم قبل قبولهم الإيمان بالسيد المسيح، يُلاحظ فيها الآتي:

أولاً: كان الأمم بلا ختان (في الغرلة)، لا يحملون علامة الميثاق مع الله التي طالب بها إبراهيم وبنيه (تك ١٧: ٩ – ١٤)، إنهم بلا عهد معه. على أن اليهود وإن كانوا قد نالوا العلامة لكنهم للأسف نالوها في الجسد دون أن تكون لها أعماق داخلية، إذ يقول “ مَصْنُوعًا بِالْيَدِ فِي الْجَسَدِ” ]١١[، إي لا تحمل اتجاهًا داخليًا، ولا تمييزًا حقيقيًا عن الأمم. وكما أوضح في رسالته إلي رومية: “لأن اليهودي في الظاهر ليس يهوديًا، ولا الختان الذي في الظاهر في اللحم ختانًا، بل اليهودي في الخفاء هو اليهودي، وختان القلب بالروح لا بالكتاب هو الختان، الذي مدحه ليس من الناس بل من الله” (رو ٢: ٢٨، ٢٩).

بعد أن عرض عمل نعمة الله الفائقة في الكل: “نَحْنُ عَمَلُهُ، مَخْلُوقِينَ فِي الْمَسِيحِ“، لم يعد بعد يوجد مجال لافتخار اليهود بختان الجسد، الذي هو ليس إلاَّ من “صنع اليد”. شتان ما بين “عمل الله” و”صنع اليد البشرية”!

نال الكل ختانًا جديدًا، ليس مصنوعًا باليد في الجسد، وإنما كما يقول الرسول: “ختنتم ختانًا غير مصنوع بيدٍ، بخلع جسم خطايا البشرية بختان المسيح، مدفونين معه في المعمودية، التي فيها أقمتم أيضًا معه بإيمان …” (كو 2: ١١، ١٢). هكذا لا وجه للمقارنة بين ختان الجسد الرمزي وبين الختان الجديد في مياه المعمودية.

ثانيًا: كان الأمم “أَجْنَبِيِّينَ عَنْ رَعَوِيَّةِ إِسْرَائِيلَ]١٢[، أي لا يحملون المواطنة الإسرائيلية، وبالتالي كانوا غرباء عن المواطنة الإلهية، الأمر الذي أفقدهم الرجاء، لأنهم لم ينالوا الشريعة الإلهية ولا تمتعوا بنبوات الأنبياء التي أشارت بقوة عن مجيء المسيا مخلص العالم.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لم يقل الرسول إنهم معزولون بل “أَجْنَبِيِّينَ عَنْ رَعَوِيَّةِ إِسْرَائِيلَ“، إي ليس لكم نصيب في هذه الرعوية. التعبير مؤثر جدًا يدل على عزل واسع جدًا. الإسرائيليون أنفسهم كانوا خارج هذه الرعوية لك ليس كغرباء بل عن إهمال، لذلك سقطوا عن العهود، لا كأجنبيين بل كغير مستحقين لها[14].]

ثالثًا: “وَبِلاَ إِلَهٍ فِي الْعَالَمِ]١٢[. التعبير هنا لا يعني أنهم كانوا ملحدين أو منكرين لوجود الله، وإنما كانوا بلا معرفة عنه، كقوله: “كالأمم الذين لا يعرفون الله” (١ تس ٤: ٥).

الآن إذ اقتربوا من السيد المسيح، وقبلوه بالإيمان تغيرت صورتهم تمامًا، وتغير مركزهم بالنسبة لله ولليهود، إذ يقول:

وَلَكِنِ الآنَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ،

أَنْتُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ قَبْلاً بَعِيدِينَ صِرْتُمْ قَرِيبِينَ بِدَمِ الْمَسِيحِ.

لأَنَّهُ هُوَ سَلاَمُنَا، الَّذِي جَعَلَ الإثْنَيْنِ وَاحِدًا،

وَنَقَضَ حَائِطَ السِّيَاجِ الْمُتَوَسِّطَ، أَيِ الْعَدَاوَةَ.

مُبْطِلاً بِجَسَدِهِ نَامُوسَ الْوَصَايَا فِي فَرَائِضَ،

لِكَيْ يَخْلُقَ الإثْنَيْنِ فِي نَفْسِهِ إِنْسَانًا وَاحِدًا جَدِيدًا، صَانِعًا سَلاَمًا]١٣– ١٥[.

في العهد القديم صار اليهود قريبين لله، لا بعلامة الختان فحسب، وإنما بدم الذبائح أيضًا، كقول موسى النبي حين أخذ الدم ورش على الشعب: “هوذا دم العهد الذي قطعه الرب معكم على جميع هذه الأقوال” (خر ٣٤: ٨)؛ أما في العهد الجديد فصار البشر قريبين إلي الله في عهد أخوة خلال ذبيحة المسيح.

إذ بذل المسيح نفسه ذبيحة حب ضمنا معه في رباط وحدة، ونقض حائط السياج المتوسط الذي أقامه اليهود حول الهيكل حتى لا يعبره غريب، هذا الحائط يمثل العداوة بين اليهود والأمم، والفصل الكامل بينهما، لا من جهة عدم العبور إلي الهيكل اليهودي فحسب، وإنما اعتزال اليهود الحياة الأممية، والانفصال عنهم في كل اتجاهات الحياة، حتى لا يتدنسوا برجاساتهم.

يخبرنا يوسيفوس أن هذا الحائط الحجري كان يرتفع ٣ بوصات يفصل الدار الخارجية للهيكل عن الدار الداخلية، وُجدت عليه علامات تهدد بالموت كل أجنبي يتعداه[15]. وفي الحفريات التي قام بها Clermont– Ganneua بأورشليم عام ١٨٧1 وُجدت إحدى هذه التحذيرات، جاء فيها: “لا يجوز لشخصٍ من أمة أخرى أن يدخل في المنطقة المسوّرة حول الهيكل، ومن يُمسك يحكم على نفسه بالموت”.

هذا الحاجز ولّد لدى الأمم اتجاهين: البعض أُعجب بنقاوتهم من الرجاسات الوثنية فقبلوا التهود، والبعض الآخر حسبوا هذا تعصبًا فامتلأوا مرارة ضد اليهود واحتقارًا لهم.

لم ينقض حائط السياج الحجري لكي يدخل الأمم مع اليهود إلي هيكل أورشليم، وإنما نزع العداوة بدمه ليدخل بالكل إلي العضوية في جسده، ” فيَخْلُقَ الإثْنَيْنِ فِي نَفْسِهِ إِنْسَانًا وَاحِدًا جَدِيدًا]١٥[.

ربما يقدم هنا تلميحًا إفخارستيًا، حيث يشترك الكل معًا في جسد المسيح الواحد، فيتحقق في الجميع تجديدًا دائمًا وانسجامًا مستمرًا حتى تعلن “الكنيسة الواحدة المتجددة”. في الإفخارستيا تلتقي البشرية المؤمنة فتجد لها موضعًا حقيقيًا للسكنى معًا على صعيد الثبوت في المسيح. هذه المصالحة التي تمت في الصليب أكدها الرسول في أكثر من موضع: “ليس يهودي ويوناني، ليس عبد ولا حرّ، ليس ذكر وأنثى، لأنكم جميعًا واحد في المسيح” (غلا ٣: ٢٨). “وأن يصالح به الكل لنفسه عاملاً الصلح بدم صليبه بواسطته، سواء كان ما على الأرض أو ما في السماوات” (كو ١: ٢٠).

  • لأَنَّهُ هُوَ سَلاَمُنَا، الَّذِي جَعَلَ الإثْنَيْنِ وَاحِدًا” ماذا يعني: “جَعَلَ الإثْنَيْنِ وَاحِدًا”؟

لا يعني أنه أقامنا إلي مركزهم الوضيع، وإنما أقامنا وإياهم إلي ما هو أعلى. لكن البركة بالنسبة لنا أعظم، لأن لهم كان الوعد، وكانوا هم أقرب منا، أما نحن فلم يكن لنا الوعد وكنا أكثر بعدًا منهم، لهذا قال: “وأما الأمم فمجدوا الله من أجل الرحمة” (رو ١٥: ٩). حقًا لقد أعطى الوعد للإسرائيليين، لكنهم لم يستحقوه، وأما نحن فلم يعطنا وعدًا وإذ كنا غرباء، وليس لنا معهم شركة في شيء ما لكننا صرنا واحدًا لا بإتحادنا معهم، وإنما بإتحادنا وإياهم معًا في واحد.

أقدم لكم تشبيهًا: هب أنه يوجد تمثالان، أحدهما من الفضة والآخر من الرصاص، وأذيب الاثنان معًا، فصار الاثنان من ذهب، هكذا جعل الاثنين واحدًا.

يمكن وضع الأمر بصورة أخرى: لنفرض أن اثنين، أحدهما عبد والآخر ابن بالتبني، وأن الاثنين أذنبا ضده، فصار أحدهما ابنًا غير مستحق للميراث والآخر شريدًا ذاك الذي لم يعرف له أبًا قط. صار الاثنان وارثين، وابنين حقيقيين. كلاهما ارتفعا إلي ذات الكرامة، فصار الاثنان واحدًا، واحد جاء من بعيدٍ جدًا والآخر من مسافة أقل، لكن العبد صار أكثر نبلاً مما كان عليه قبل أن يذنب.

  • يكمل حديثه: “وَنَقَضَ حَائِطَ السِّيَاجِ الْمُتَوَسِّطَ“، وقد فسر معنى حائط السياج المتوسط بقوله: “أَيِ الْعَدَاوَةَ التي أبطِلها بِجَسَدِهِ، نَامُوسَ الْوَصَايَا فِي فَرَائِضَ“.

حقًا يؤكد البعض أنه قصد الحائط الذي وضعه اليهود ضد اليونانيين، إذ لم يكن يُسمح لليهودي أن يختلط باليونانيين. أما بالنسبة لي فيبدو لي أن المعنى غير هذا، بل بالحري قال: “العداوة في الجسد”، الحائط المتوسط، كحاجز عام الذي يعزلنا كلنا في وجه المساواة عن الله. وكما يقول النبي: “آثامكم صارت فاصلة بينكم وبيني” (إش ٥٩: ٢)، تلك العداوة التي كانت بين الله وبين اليهود كما الأمم، بكونها حائطًا متوسطًا.

هذا الحائط لم يُنقض حين وُجد الناموس بل بالعكس تقوّى، كقول الرسول: “لأن الناموس ينشيء غضبًا” (رو ٤: ١٥). وبنفس الطريقة بقوله “الناموس ينشيء غضبًا” لم ينسب كل التأثير للناموس ذاته، وإنما يجب أن نفهم أن السبب هو آثامنا؛ هكذا هنا أيضًا يقول: “حَائِطَ السِّيَاجِ الْمُتَوَسِّطَ” لأنه خلال عصياننا نشأت العداوة.

كان الناموس سياجًا، عُمل لأجل الحماية، ولهذا دُعي “سياجًا” ليحيط بما هو في داخله. أنصت أيضًا إلي النبي القائل: “أقمت خندقًا حوله” (إش ٥: ٢).

على أي الأحوال، صار (الناموس) حائطًا متوسطًا لا لسلامهم بل ليعزلهم عن الله. وهكذا تكوّن الحائط المتوسط من السياج. ولكي يشرح ذلك أكمل: “أبْطل العداوة بِجَسَدِهِ، أي نَامُوسَ الْوَصَايَا“. كيف تم ذلك؟ بقتله (على الصليب) مبطلاً العداوة. ليس فقط بهذه الوسيلة وإنما بحفظ الناموس …[16]

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • لِكَيْ يَخْلُقَ الِاثْنَيْنِ فِي نَفْسِهِ إِنْسَانًا وَاحِدًا جَدِيدًا]١٥[. لاحظ أن الأممي لم يصر يهوديًا، بل كلاهما – هذا وذاك – صارا في حالة جديدة…. وُهب الاثنين خليقة جديدة. استخدم كلمة “خلق” في كل المناسبات وليس “غيّر”، ليظهر قوة عمله.
  • لِكَيْ يَخْلُقَ الِاثْنَيْنِ فِي نَفْسِهِ“، أي بنفسه، فلم يعهده بهذا الأمر لآخر، بل قام به بنفسه، أذاب هذا وذاك وأقام واحدًا مجيدًا… أمسك اليهود باليد الواحدة، والأمم بالأخرى، وكان هو في الوسط، فمزجهما معًا، وانتزع الخلافات التي كانت بينهما وشكّلهما من جديد من فوق بالنار والماء وليس بالماء والتراب.
  • إِنْسَانًا وَاحِدًا جَدِيدًا، صَانِعًا سَلاَمًا“، صانعًا سلامًا لكليهما مع الله، ومع بعضهما البعض.
  • فِي جَسَدٍ وَاحِدٍ” أي في جسده… إذ تحمل هو العقوبة المستحقة.
  • بِالصَّلِيبِ، قَاتِلاً الْعَدَاوَةَ بِهِ“، لا توجد كلمات حاسمة وقوية أكثر من هذا، إذ يقول الرسول أن موته قتل العداوة. لقد جرحها وقتلها، لا بتكليفه آخر ليعمل ذلك، ولا خلال عمله فقط وإنما خلال ألمه. لم يقل “حل العداوة” أو “أبطلها” بل ما هو أقوى: “قتلها”، حتى لا تقوم ثانية… مادمنا ثابتين في جسد المسيح ومتحدين معه، لا تقوم العداوة بل تبقى ميتة[17].

القديس يوحنا الذهبي الفم

إن كان السيد المسيح قد دفع ثمن هذه المصالحة في جسده المبذول عنا، فإنها مصالحة مفرحة ومبهجة للكل، لذلك يقول الرسول: “فَجَاءَ وَبَشَّرَكُمْ بِسَلاَمٍ، أَنْتُمُ الْبَعِيدِينَ وَالْقَرِيبِينَ]١٧[.

وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لم يرسل المسيح إلينا هذه الأخبار (المفرحة) على يد آخر، ولا أعلنها لنا خلال الغير، وإنما جاء بشخصه. لم يرسل ملاكًا ولا رئيس ملائكة ليتمم هذا الأمر… بل كان الأمر يستدعي مجيئه[18].]

جاء بنفسه ليبشر الكل – البعيدين والقريبين – لا بكلمات سلام، وإنما أيضًا بعمل سلام… هذه البشرى نظرها إشعياء النبي من بعيد خلال ظلال النبوة، فقال: “سلام سلام للبعيد وللقريب، قال الرب وسأشفيه” (إش ٥٧: ١٩).

المصالحة التي تتم بين الفريقين تحققت بالصليب في جسد المسيح. لكن للآب والروح القدس دورهما الإيجابي في هذا العمل. إذ يقول الرسول: “لأَنَّ بِهِ لَنَا كِلَيْنَا قُدُومًا فِي رُوحٍ وَاحِدٍ إلي الآبِ]١٨[. إنه نص ثالوثي قوي، حيث يعلن الرسول أنه خلال تجسد الابن اقترب البشر إلي الآب بفعل الروح القدس. بمعنى آخر المصالحة هي: اقتراب للآب، خلال الابن المتجسد، وذلك في الروح.

تمتع الأمم بعمل الثالوث القدوس، فنزعت عنهم الغربة القديمة وصاروا مع اليهود رعية أهل بين الله، إذ يقول: “فَلَسْتُمْ إِذًا بَعْدُ غُرَبَاءَ وَنُزُلاً، بَلْ رَعِيَّةٌ مَعَ الْقِدِّيسِينَ وَأَهْلِ بَيْتِ اللهِ]١٩[. كان الأمم واليهود طفلين غريبين ضمهما السيد المسيح في جسده بروحه القدوس في أخوّة ليصيرا ابنين للآب من “َأَهْلِ بَيْتِ اللهِ“، ليس لأحدهما فضل على الآخر.

صار للأمم – بعد قبلوهم الإيمان بالمسيح – ذات حقوق اليهود، إذ دخلوا في بناء الكنيسة الجامعة التي أساسها الرسل والأنبياء وحجر زاويتها السيد المسيح. بمعنى آخر لم يعد أنبياء العهد القديم، ولا رسل العهد الجديد، ولا المسيح نفسه، حكرًا على أمة اليهود دون غيرهم.

يقول الرسول:

مَبْنِيِّينَ عَلَى أَسَاسِ الرُّسُلِ وَالأَنْبِيَاءِ، وَيَسُوعُ الْمَسِيحُ نَفْسُهُ حَجَرُ الزَّاوِيَةِ،

الَّذِي فِيهِ كُلُّ الْبِنَاءِ مُرَكَّبًا مَعًا يَنْمُو هَيْكَلاً مُقَدَّسًا فِي الرَّبِّ.

الَّذِي فِيهِ أَنْتُمْ أَيْضًا مَبْنِيُّونَ مَعًا،

مَسْكَنًا لِلَّهِ فِي الرُّوحِ” [٢٠ – ٢٢[.

لقد تحقق باليهود كما بالأمم بناء روحي واحد أساسه الرسل والأنبياء، يربطهما معًا حجر الزاوية السيد المسيح، الذي فيه تحققت نبوات العهد القديم وباسمه تتم كرازة العهد الجديد.

إن كانت أورشليم العليا في حقيقتها هي “مسكن الله مع الناس” (رؤ ٢١: ٣)، فقد شاهد القديس يوحنا أسماء الرسل الإثني عشر مكتوبة على أساساتها (رؤ ٢١: ١٤) وأسماء الإثني عشر سبطًا على أبوابها (رؤ ٢١: ١٢).

في أكثر من موضع يشرح لنا القديس أغسطينوس دور السيد المسيح كحجر الزاوية الذي ربط اليهود مع الأمم في بناء واحد، كحائطين ذوي اتجاهين مختلفين التحما معًا. فمن كلماته: [حدث في ذلك اليوم الذي هو يُدعى ميلاده رآه الرعاة اليهود، بينما في هذا اليوم يليق أن يُدعى “الظهور الإلهي” أي “الإعلان” سجد له المجوس الأمميون… حقًا لقد وُلد كحجر زاوية للاثنين، وكما يقول الرسول: “لِكَيْ يَخْلُقَ الاثْنَيْنِ فِي نَفْسِهِ إِنْسَانًا وَاحِدًا جَدِيدًا، صَانِعًا سَلاَمًا، وَيُصَالِحَ الاثْنَيْنِ فِي جَسَدٍ وَاحِدٍ مَعَ اللهِ بِالصَّلِيبِ]١٥-١٦[.

ما هو حجر الزاوية إلاَّ ربط حائطين ذوي اتجاهين مختلفين، وكأنهما يتبادلان القبلة! المختونون مع غير المختونين، أي اليهود مع الأمم، اللذان كانا يحملان عداوة مشتركة، ولهما أمور أساسية تعزلهما عن بعضهما البعض، فاليهود كانوا يعبدون الله الواحد الحق، والأمم كانوا يعبدون آلهة كثيرة باطلة. الأولون كانوا قريبين والآخرون كانوا بعيدين. لقد قاد الفريقين إلي نفسه، ذاك الذي صالحهما مع الله في الجسد الواحد، وكما قال نفس الرسول: وذلك بالصليب قاتلاً العداوة[19].]

يرى القديس أغسطينوس[20] أنه بدعوة السيد المسيح رأس الزاوية، وهو رأس الكنيسة، بهذا تكون الكنيسة هي الزاوية التي ضمت اليهود من جانب والأمم من الجانب الآخر.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ما هو هدف هذا البناء؟ لكي يسكن الله في هذا الهيكل. كل واحد منكم هو هيكل، وكلكم معًا هيكل. الله يسكن فيكم بكونكم جسد المسيح وهيكل روحي. لم يستخدم الكلمة التي تعني مجيئنا نحن إلي الله، بل ما يعني أن الله هو الذي يحضرنا إلي نفسه. فإننا لم نأت من تلقاء أنفسنا، بل الله هو الذي قرّبنا إليه. يقول المسيح: “ليس أحد يأتي إلي الآب إلاَّ بي”، وأيضًا: “أنا هو الطريق والحق والحياة” (يو ١٤: ٦)[21].]

[1] Dorotheos of Gaza: Comm.. on an Easter Hymn.

[2] Chaplet 3.

[3] In Eph. hom 4.

[4] Cassian: Conf. 3: 7.

[5] Comm. on Easter Hymn.

[6] Cassian: Conf. 5: 4.

[7] In Eph. hom 4.

[8] Ibid

[9] Of the Christian Faith 5: 178, 180, 181.

[10] In Eph. hom 3.

[11] Ibid 4: De Gompunct. PG 47: 408.

[12] Ser. on N.T. 81: 5.

[13] In Eph. hom 4.

[14] Ibid 5.

[15] Josephus: Antiq. 15: 11, 5; Jew War. 5: 52; 6: 2: 4.

[16] In Eph. hom 5.

[17] Ibid.

[18] Ibid 6.

[19] Hom for Epiphany, Ser. 204, PL 38: 1037.

[20] Ser on N.T. 39: 4.

[21] In Eph. hom 6.

 

تفسير رسالة أفسس 2 الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة أفسس 1 الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة أفسس 1 الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة أفسس 1 الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة أفسس 1 الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

 

سرّ خطة الله “شعب الله المسياني”

  1. الكنيسة وسرّ المعرفةص ١.
  2. الكنيسة وسرّ المصالحة ص ٢.
  3. الكنيسة الجامعة وسرّ المسيح ص ٣.

 

الأصحاح الأول

الكنيسة وسرّ المعرفة

هذه الرسالة في جوهرها “تسبحة حب” تشهد النفس التي تعرفت على مركزها بثبوتها في المسيح، لا كفردٍ منعزلٍ، وإنما بالحري كعضو حيّ في الجسد المقدس خلال إتحاده بالرأس، لتكون على الدوام فيه، تنعم خلاله بمعرفة “سرّ المسيح” على مستوى الخبرة السماوية وبنظرة إنقضائية مجيدة. بمعنى آخر، حمل هذا الأصحاح خطين واضحين هما: “في المسيح“، و”معرفة سرّ الله“. فنحن كنيسة الله أو شعبه المقدس لأننا في المسيح، أما غاية إيماننا فهو المعرفة الإلهية، لا على مستوى السفسطة والجدال، وإنما على مستوى قبول إعلان الله لنا عن ذاته وأسراره.

  1. البركة الرسولية ١ – ٢.
  2. تسبحة الكنيسة: “في المسيح” ٢ – ١٤.
  3. شفاعة الرسول لنوال المعرفة ١٥ – ٢٣.

1. البركة الرسولية

بُولُسُ، رَسُولُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ بِمَشِيئَةِ اللهِ،

إلي الْقِدِّيسِينَ الَّذِينَ فِي أَفَسُسَ،

وَالْمُؤْمِنِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ.

نِعْمَةٌ لَكُمْ وَسَلاَمٌ مِنَ اللهِ أَبِينَا وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ[١- ٢].

تحمل هذه الافتتاحية روح الرسول وفكره، فغالبًا ما يقدم الرسول نفسه للكنيسة التي يكتب إليها بكلمات بسيطة تحمل عمقًا وتناسقًا مع موضوع الرسالة وهدفها، كما يبدأ بتقديم البركة الرسولية التي هي عطية الله نفسه للكنيسة. ويلاحظ في هذه الافتتاحية الآتي:

أولا: لما كان موضوع الرسالة هو “الكنيسة الجامعة”، فإن قيام هذه الكنيسة هو من عمل الله نفسه الذي أرسل ابنه متجسدًا ليقيمها جسدًا له، واهبًا إياها حياته المقدسة حياة لها، لذلك نجده يركز على النقاط التالية:

أ. أنه رسول “بِمَشِيئَةِ اللهِ“، ليس له فضل في ممارسة العمل الرسولي، خاصة بكونه رسول الأمم، يدعوهم للإتحاد مع اليهود في جسد واحد. اختاره الله بمشيئته رسولاً ليحقق غايته الإلهية فيهم. حقًا إن تعبير “بِمَشِيئَةِ اللهِ” ليس غريبًا عن الرسول في افتتاحية رسائله، لكن ما تتسم به هذه الرسالة هو تكراره التعبير ست مرات (١: ١، ٥، ٩، ١١، ٥: ١٧، ٦: ١٦)، الأمر الذي لا نجده في الرسائل الأخرى[1]، بل وفي الأسفار الأخرى سوى إنجيل يوحنا، ذلك لأن هذه الرسالة تكشف “سرّ المسيح” بكونه سرّ الكنيسة المجتمعة من اليهود والأمم، هذا السرّ يحقق مشيئة الآب الأزلية، ويتمم مسرته نحو البشرية.

يفضل بعض الدارسين ترجمة “مشيئة الله” بـ “قرار الله[2]“، إذ يرون في النص ما يعني ليس مجرد الإرادة بل حركة عمل الله الحكيم والقدير والحيّ ككائن محب للبشر، أعلن هذه الحركة الأزلية خلال التاريخ بتدبيره الإلهي.

ب. يدعوهم “قديسين” مع أنه يكتب إلي أعضاء من أصل أممي كان لا يزال بعض المسيحيين من أصل يهودي لا يستريحون للانضمام إليهم تمامًا، لذا أراد الرسول أن يؤكد بأن الله الذي اختار شعب اليهود قبلاً كشعب مقدس خاص به، قد فتح باب الإيمان – وهذا هو سرّ دعوتهم هنا بالمؤمنين – ليضّم الأمم دون أن يفقد الشعب قدسيته. لقد كرر هذا التعبين “قديسين” ١٤ مرة في هذه الرسالة، بطريقة لا نجدها إلاَّ في الرسالة إلي أهل رومية مع ملاحظة أن الأخيرة أطول منها، بمعنى آخر تكرار هذا التعبير هنا عني تأكيد استمرارية قدسية شعب الله القديم بعد اتساعه ليتقبل معه الأمم خلال المسيح يسوع[3].

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على تعبير “القديسين” هنا بقوله: [لاحظ أنه يدعو الرجال مع نسائهم وأطفالهم وخدمهم “قديسين”. هؤلاء الذين دعاهم بهذا الاسم كما هو واضح من نهاية الرسالة، إذ يقول: “أَيُّتهَا الزوجات (النِّسَاءُ) اخْضَعْنَ لِرِجَالِكُنَّ” (٥: ٢) وأيضًا: “أَيُّهَا الأَوْلاَدُ، أَطِيعُوا وَالِدِيكُمْ” (٦: ١)، “أَيُّهَا الْعَبِيدُ (الخدم)، أَطِيعُوا سَادَتَكُمْ” (٦: ٥). تأملوا مقدار البلادة التي استحوذت علينا الآن، كيف صارت الفضيلة نادرة الآن بينما كان الفضلاء كثيرين جدًا فقيل عن العلمانيين أنهم قديسون ومؤمنون[4].]

قرار الله أو مشيئته ليس فقط أن يختار القديس بولس رسولاً، وإنما أن يتمتع الأمم (رجالاً ونساءً، أطفالاً وشيوخًا، سادةً وعبيدًا) بالحياة المقدسة، وذلك خلال “المسيح” بالإيمان به.

الرسالة إلى أهل أفسس في مجملها يمكن أن تُفهم كمقالٍ عن أساس التقديس ووسائله وامتداده وغايته[5].

هذا ويؤكد العلامة أوريجينوس أن المؤمن إذ يُدعى هنا قديسًا، فذلك لأنه قد نال إمكانيات الحياة المقدسة (خلال مياه المعمودية وعمل الروح القدس)، يلتزم أن ينطلق في هذه الحياة المقدسة لينمو بلا توقف، وإلاَّ فقد قدسية الحياة.

ج. كثيرًا ما يربط الرسول النعمة بالسلام معًا في البركة الرسولية، بكونهما هبتا الله لكنيسته، غير أنه يكرر تعبير “السلام” في هذه الرسالة سبع مرات بطريقة فريدة (فيما عدا الرسالة إلي رومية) ليعلن أساس الرسالة وإمكانية الوحدة والانسجام بين كل البشر – يهودًا كانوا أم أممًا – وذلك في المسيح[6].

ويلاحظ أن الرسول بولس هنا ينسب “النعمة والسلام” للآب كما للابن بكونهما عطيتهما بلا مفاضلة بين الأقنومين؛ هما عطية الآب كما عطية الابن.

وتقديم هذه البركة الرسولية لا يعني أن مؤمني أفسس كانوا فاقدين النعمة والسلام قبل الرسالة، وإنما كانوا يتوقون دائمًا لنوال المزيد. فالنعمة كما السلام هما عطيتان غير جامدتين ينالهما المؤمن ويفرح بهما، فيشتاق إلي المزيد، لعله بالنعمة يبلغ إلي التشبه الكامل بالسيد المسيح والتمتع بشركة سماته، وبالسلام تتحقق مصالحته مع الله والناس على مستوى أعمق. بهذا يتحقق فيه التطويب: “طوبى للجياع والعطاش إلي البرّ لأنهم يشبعون” (مت ٥: ٦)، ولا يسقط تحت التوبيخ: “لأنك تقول إني أنا غني وقد استغنيت ولا حاجة لي إلى شيء، ولست تعلم أنك أنت الشقي والبائس وفقير …” (رؤ ٣: ١٧).

ثانيًا: كما سبق فأكدنا[7] أن الرسول بولس حاول معالجة تسرب بعض الأفكار الغنوسية إلي المسيحيين مثل التمييز بين إله العهد القديم كإله عادل قاسي، وإله العهد الجديد كإله رحيم مخلص. لذا إذ يقدم النعمة الإلهية والسلام السماوي ينسبهما للآب ويدعوه “أبانا” معلنًا أبوته وحنانه، وللرب يسوع المسيح معلنًا أنه واحد مع الآب في الجوهر، يحمل ذات إرادته.

2. تسبحة الكنيسة: “في المسيح”

اقتطف الرسول جزءًا من تسبحة غالبًا ما كانت الكنيسة تترنم بها في العصر الرسولي، حملت هذه التسبحة جوًا سماويًا يليق بطبيعة الكنيسة كحياة سماوية “في المسيح السماوي”، إذ يقول:

مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ،

الَّذِي بَارَكَنَا بِكُلِّ بَرَكَةٍ رُوحِيَّةٍ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيحِ[3].

يرى كثير من الدارسين[8] أن هذه التسبحة لها سمات خاصة بالمعمودية – ربما كانت تستخدم في ليتورچية العماد – إذ تشير إلي بركات المعمودية وفاعليتها، مثل التبني للآب بيسوع المسيح، وغفران الخطايا، والتمتع بالميراث، وختم الروح [5، 7، 14، 13] .

بدأ التسبحة بالتعبير الذي كانت تستخدمه السامية: “مبارك“، معلنًا أن كل عطية أو بركة سماوية هي من مراحم الله وأعماله القديرة.

وقد دعى بركات العهد الجديد “بَرَكَةٍ رُوحِيَّةٍ فِي السَّمَاوِيَّاتِ” ليميزها عما تمتع به اليهود في العهد القديم من بركات زمنية، إذ يقول القديس يوحنا الذهبي الفم:

[هنا يلمح إلي بركات اليهود، فتلك كانت بركة أيضًا، لكنها لم تكن بركة روحية، كيف؟ “يباركك ويبارك ثمرة جسدك” (تث ٧: ١٣)، “ويبارك خروجك ويبارك دخولك” (تث ٢٨: ٦). لكن الأمر هنا مختلف، كيف؟ “بكل بركة روحية”.

ماذا يعوزك بعد؟ لقد صرت خالدًا، حرًا، ابنًا، مبررًا، أخًا، شريكًا في الميراث، تملك مع المسيح وتتمجد مع المسيح. كل شيء يُوهَب مجانًا.

قال: “كيف لا يهبنا معه أيضًا كل شيء؟!” (رو ٨: ٣٢). باكوراتك تهيم بها الملائكة والشاروبيم والسيرافيم. ماذا يعوزك بعد؟ “بكل بركة روحية“! لا شيء جسدي هنا. بهذا استبعد البركات السابقة، إذ قال: “في العالم سيكون لكم ضيق” (يو ١٦: ٣٣)، لكي يرشدنا إلي هذه. لأنه كما أن الذين نالوا الجسديات لم يقدروا أن يسمعوا عن الروحيات، هكذا من يهدفون نحو الروحيات لا يستطيعون نوالها ما لم يتركوا الجسديات.

أيضًا، ما هي البركة الروحية في السماويات؟ يعني أنها ليست على الأرض كما كان الحال مع اليهود: “تأكلون خير الأرض” (إش ١: ١٩)، “إلي أرض تفيض لبنًا وعسلاً” (خر ٣: ٨)، “يبارك الرب أرضك” (تث ٧: ١٣).

لا نرى هنا شيئًا من هذا القبيل، فماذا نرى؟ “إن أحبني أحد يحفظ كلامي ويحبه أبي، وإليه نأتي (أنا وأبي)، وعنده نصنع منزلاً” (يو ١٤: ٢٣). “فكل من يسمع أقوالي هذه ويعمل بها أشبه برجل عاقل بنى بيته على الصخر، فنزل المطر، وجاءت الأنهار، وهبت الرياح، ووقعت على هذا البيت، فلم يسقط، لأنه كان مؤسسًا على الصخر” (مت ٧: ٢٤، ٢٥).

وما هو هذا الصخر إلاَّ تلك السماويات البعيدة عن كل تغير؟ يقول المسيح. “فكل من يعترف بي قدام الناس أعترف أنا أيضًا به قدام أبي الذي في السماوات، وكل من ينكرني أنكره أنا أيضًا” (مت ٢٠: ٣٢، ٣٣). وأيضًا: “طوبى للأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله” (مت ٥: ٨). وأيضًا: “طوبى للمساكين بالروح لأن لهم ملكوت السماوات” (مت ٥: ٣)، وأيضًا: “طوبى للمطرودين من أجل البرّ لأن لهم ملكوت السماوات” (مت ٥: ١١). لاحظ كيف يتحدث في كل موضع عن السماء لا عن الأرض أو الأرضيات. وأيضًا: “فإن وطننا (سيرتنا) نحن، هو في السماء التي منها أيضًا ننتظر مخلصًا هو الرب يسوع المسيح” (في ٣: ٢٠)، وأيضًا: “اهتموا بما فوق لا بما على الأرض” (كو ٣: ٢)[9]].

دعاها أيضًا بركة “روحية” نسبة إلى الروح القدس، لأننا ننال عطايا الآب خلال إتحادنا بالابن وذلك بفعل الروح القدس. بمعنى آخر الروح القدس، هو روح الشركة التي يثبتنا في الابن، فننال بفيض ما هو للابن. لهذا إذ صعد السيد المسيح إلي السماء أرسل روحه القدوس على الكنيسة يحملها إليه لتنعم بالعطايا الإلهية.

إن كان الله الآب يهب كل بركة روحية في السماويات، إنما يهبها “في المسيح[3]، فإنه إذ يرانا أبناء له بثبوتنا في الابن الوحيد “المحبوب[6] يفيض ببركاته الإلهية علينا، كأعضاء جسد المحبوب. نصير “في المسيح” محبوبين لديه كما هو محبوب.

يرى الرسول بولس أن سرّ عضويتنا الكنسية وسرّ حياتنا مع الله وتمتعنا بكل بركة هو أننا “في المسيح“، الأمر الذي امتص كل تفكيره، حتى قال أحد الدارسين ان كل أفكار الرسول بولس اللاهوتية يمكن أن تتلخص في كلمتين “في المسيح“. فحين يتحدث عن لاهوتيات أو كنسيات أو سلوكيات خاصة أو علاقات أسرية أو اجتماعية إنما من خلال هذه النظرة أننا “في المسيح”، نحمل فكر المسيح وحياته عاملة فينا. فلا عجب إن رأيناه في هذه الرسالة القصيرة يكرر هذه العبارة ومرادفاتها مثل “في المحبوب” أو “فيه” أكثر من ثلاثين مرة. ولعل تكرارها هنا على وجه الخصوص إنما لتأكيد أن إتحاد الجماعة المقدسة المختارة من الأمم يتحقق فيه وتحت قيادته.

في المسيح” ليس فقط نلنا كل بركة روحية وإنما تمتعنا باختيار الآب لنا كبنين له، إذ سبق فعرفنا كأعضاء في جسد ابنه المحبوب. هذا ما يؤكده الرسول بقوله:

كَمَا اخْتَارَنَا فِيهِ قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ،

لِنَكُونَ قِدِّيسِينَ وَبِلاَ لَوْمٍ قُدَّامَهُ فِي الْمَحَبَّةِ[4].

ماذا عني الرسول بهذا الاختيار الذي شغل فكره وقلبه وكل أحاسيسه ليتكلم عنه بطرق متنوعة في مواضع كثيرة في رسائله؟

بلا شك لا يقصد تجاهل “الحرية الإنسانية” في قبول الإيمان أو رفضه، فإن الله في محبته للإنسان لا يتعامل معه كما مع آلة جامدة أو كما مع قطع من الشطرنج يحركها بإصبعه إنما يتعامل مع كائن عاقل وهبه الحرية، له أن يقبل الله ويتجاوب مع محبته ودعوته أو يرفض دون إلزام.

إنما ما عناه الرسول أن الله الذي يريد أن الكل يخلصون، والذي في محبته يدعو الجميع لنوال فيض نعمته المجانية بسابق معرفته رآنا في ابنه المحبوب فعيننا بلا فضل فينا، اختارنا دون إلزام من جانبه عارفًا أننا نقبل دعوته، إذ يقول الرسول: “لأن الذين سبق فعرفهم سبق فعينهم ليكونوا مشابهين صورة ابنه، ليكون هو بكرًا بين إخوة كثيرين، والذين سبق فعينهم فهؤلاء دعاهمٍ أيضًا، والذين دعاهم فهؤلاء بررهم أيضًا، والذين بررهم فهؤلاء مجدهم أيضًا” (رو ٨: ٢٩، ٣٠).

لقد أراد الرسول أن يؤكد حقيقة هامة وهي أنه وإن كنا قد تجاوبنا مع دعوة الله لكن الفضل ليس فينا، وإنما ما نناله هو هبة مجانية، أُعطيت لنا في استحقاقات الابن الباذل حياته عنا، الفضل كله يرجع إلي مقاصد الله الخلاصية ونعمته، كقول الرسول: “الذي خلصنا دعانا دعوة مقدسة لا بمقتضى أعمالنا بل بمقتضى القصد والنعمة التي أُعطيت لنا في المسيح يسوع قبل الأزمنة الأزلية، وإنما أُظهرت الآن بظهور مخلصنا…” (٢ تي ١: ٩، ١٠).

هذا ما أحسه القديس إكليمنضس السكندري حينما تحدث عن الإيمان والحرية الإنسانية، مؤكدًا أن الحرية الإنسانية والعقل هما هبة إلهية، لا يقدران أن يقدما للإنسان حياة الشركة دون العون الإلهي. فإن كان الإيمان من صنع الإرادة الحرة، لكنه هبة إلهية[10]. إنه يشبه لاعب الكرة الذي له الحرية أن يمسك بالكرة أو يرفض، لكنه لا يقدر أن يمسك بها ما لم تُقذف إليه[11]. هكذا يمكننا أن نمسك بالإيمان أو نرفضه، لكننا في حاجة إلي يد الله تقدمه لنا. هذا الفكر استقاه تلميذه العلامة أوريجينوس الذي تحدث بفيض عن نعمة الله المجانية مؤكدًا: [ليس شيء من عطايا الله للبشرية يُعطى كوفاء لدين، بل كلها تُعطى من قبيل نعمته[12]]. وفي نفس الوقت يؤكد: [إن نزع عنصر حرية الإرادة عن الفضيلة تدمر كيانها[13]].

يؤكد الرسول أن اختيارنا هذا قد تحقق “فيه“، وأنه لم يحدث جزافًا بل بخطة إلهية “قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ” [٤]. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ماذا يعني: “اختارنا فيه”؟ يعني أنه تم بواسطة الإيمان فيه (به) أي في المسيح. فقد دبر هذا لنا بغبطة قبل أن نولد بل وأكثر من هذا “قبل تأسيس العالم”. ما أجمل هذه الكلمة: “تأسيس“. كأنه يشير إلي العالم على أنه ساقط من ارتفاع شاهق جدًا. نعم، إن سمو الله عالٍ جدًا بطريقة تفوق الوصف، سموه بعيد جدًا لا من جهة المكان، وإنما من جهة إمكانية الطبيعة للحديث عنه[14].]

ماهو غاية الإختيار؟

يجيب الرسول: ” لِنَكُونَ قِدِّيسِينَ وَبِلاَ لَوْمٍ قُدَّامَهُ فِي الْمَحَبَّةِ[4]. يمكننا أن ندرك مقاصد الله منا في هذه العبارة الرسولية العميقة، إذ نلاحظ:

أولاً: يريد فينا أمرين، أن يرانا الآب نحمل سماته، فنكون قديسين كما هو أيضًا قدوس، إذ يوصينا: “إني أنا الرب إلهكم فتتقدسون وتكونون قديسين لأني أنا قدوس” (لا ١١: ٤٤)؛ ويقول القديس بطرس: “لأنه مكتوب كونوا قديسين، لأني أنا قدوس” (١بط ١: ١٦). وأيضًا أن نكون “بلا لوم”؛ هذه السمة كانت لازمة وضرورية في ذبائح العهد القديم (لا ١: ٣، ١٠).

كأنه يريدنا أن نقدم أنفسنا ذبائح حية بلا عيب خلال الكاهن الأعظم والذبيح في نفس الوقت ربنا يسوع. يريدنا “َبِلاَ لَوْمٍ قُدَّامَهُ فِي الْمَحَبَّةِ”، أي ذبيحة حب دائمة تحمل رائحة المسيح الذكية. هذه هي غاية الله فينا أن يرانا نحمل سماته (القداسة) وأن نتحد بالذبيح كذبيحة حب دائمة يشتمها رائحة رضا. لذلك يقول الرسول بولس: “فأطلب إليكم أيها الإخوة برأفة الله أن تقدموا أجسادكم ذبيحة حية مقدسة مرضية عند الله عبادتكم العقلية” (رو ١٢: ١).

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم ارتباط القداسة بالحياة التي بلا لوم تحمل إشارة إلي وحدة الإيمان مع الحياة العملية، فإن كانت القداسة هي عطية الله القدوس، خلال هذه العطية يلزمنا أن نسلك بلا لوم، بمعنى آخر نترجم عطيته في سلوكنا العملي، إذ يقول: [القديس هو ذاك الشريك في الإيمان؛ والذي بلا لوم هو ذاك الذي يسلك حياة لا غبار عليها[15].]

ثانيًا: يؤكد الرسول أن هذه القداسة والحياة بلا لوم، إنما تكون “قدامه“، بمعنى أن ما تحمله الكنيسة من قداسة وحياة بلا لوم هو موضع اعتزاز الله نفسه، كالعريس الذي يريد جمال عروسه وزينتها الداخلية لنفسه كما يقدم عذوبة حبه العميق لها. ما أصعب على نفس الرجل أن يجد زوجته تحمل صورتين: إحداهما مشرقة أمام الغير والأخرى كئيبة في لقائها معه على إنفراد. فإن ما يبهجه اللقاء الداخلي والعلاقة الزوجية على صعيد الوحدة العميقة الصادقة. فالله يريدنا نحن، لنكون له، كما هو لنا. هذا ما تؤكده هذه الرسالة، إذ جاء فيها: “لِكَيْ يُحْضِرَهَا لِنَفْسِهِ كَنِيسَةً مَجِيدَةً، لاَ دَنَسَ فِيهَا وَلاَ غَضْنَ أَوْ شَيْءٌ مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ، بَلْ تَكُونُ مُقَدَّسَةً وَبِلاَ عَيْبٍ” (٥: ٢٧).

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إنه لا يتطلب مجرد القداسة والخلو من اللوم، إنما يريدنا أن نظهر هكذا “أمامه”. يوجد أشخاص يبدون أمام الناس قديسين وبلا لوم مع أنهم يشبهون القبور المبيضة ولابسي ثياب الحملان. لا يكن الأمر هكذا، وإنما كما يقول النبي: “كطهارة يدي” (مز ١٨: ٢٤). أية طهارة؟ التي تكون “أمامه”، إذ يطلب القداسة التي تتطلع إليها عين الله[16]].

ثالثًا: يؤكد الرسول أن نكون قديسين بلا لوم قدامه “فِي الْمَحَبَّةِ” [٤]. لعله يقصد أن اختيار الله تم خلال محبته الإلهية الباذلة (يو ٣: ١٨)، وأيضًا تقديسنا وسلوكنا بلا عيب يتحققان خلال نعمته المجانية التي تفيض خلال محبته الدائمة. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ما كان يمكن للفضيلة وحدها أن تخلص أحدًا بدون المحبة. اخبرني، ماذا كان ينفع بولس لو أظهر ما أظهره لو لم يدعه الله في البداية حيث أحبه واجتذبه إلي نفسه؟![17]]

ربما قصد بالمحبة أن ما يشتمه الله فينا، إذ نقف أمامه قديسين بلا لوم هذه هي “المحبة” بكونها علامة التصاقنا به وإتحادنا معه.، بل وعلامة تشبهنا به بكونه “الله محبة” (١ يو ٤: ٨). نقف قدامه، فيزول كل ماضينا لتبقى المحبة التي لا تسقط أبدًا (١كو ١٣: ٨).

رابعًا: تحققت محبة الآب الفائقة نحونا، كما تتحقق محبتنا لله خلال الحياة المقدسة التي بلا لوم خلال نعمة البنوة التي ننالها بالمسيح يسوع ابن الله “المحبوب”، إذ يقول:

إِذْ سَبَقَ فَعَيَّنَنَا لِلتَّبَنِّي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ لِنَفْسِهِ،

حَسَبَ مَسَرَّةِ مَشِيئَتِهِ،

لِمَدْحِ مَجْدِ نِعْمَتِهِ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْنَا فِي الْمَحْبُوبِ[5-6].

إن كان القول “في المحبوب” هو تعبير ليتورچي خاص بالمعمودية في غاية القوة (مر ١: ١١) كما يرى كثير من الدارسين الغربيين، بهذا نرى أن الله قد عيّن كنيسته لتنال البنوة خلال المعمودية، فتتحقق مسرة مشيئة الآب بقبول أعضاء جدد كأبناء له، لا لفضل فيهم وإنما خلال نعمة المعمودية المجانية، فيعلن بالأكثر “ِمَدْحِ مَجْدِ نِعْمَتِهِ“، بتجلي محبة الله الفائقة والمستمرة.

في المحبوب نلنا التبني فصرنا أبناء، لنا حق شركة الميراث، لكن شتان ما بين الابن المحبوب وحيد الجنس، وبين الأبناء بالتبني، إذ يقول القديس أغسطينوس: [أقام الآب شركاء في الميراث مع ابنه الوحيد، لكنهم ليسوا مولودين مثله من جوهره، إنما تبناهم ليصيروا أهل بيته[18]]، [نحن أبناء ذاك الذي أقامنا هكذا بإرادته، لكننا لسنا مولودين من ذات طبيعته. في الحقيقة نحن ولدنا لكن كما قيل بالتبني، نحن مولودون خلال نعمة تبنيه لنا وليس بالطبيعة[19].]

خامسًا: تحققت محبة الآب بقبولنا أبناء لكن “بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ[5]. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [أما تلاحظ أنه لا يتحقق شيئًا خارج المسيح؟ وأيضًا خارج الآب؟ واحد سبق فعيّن، والثاني يقربنا إليه… عظيمة حقًا هي البركات الممنوحة، ومما يزيدها عظمة أنها خلال المسيح، إذ لم يرسل عبدًا مع أنه مُرسل للعبيد، وإنما أرسل الابن الوحيد نفسه[20].]

سادسًا: إن ما تحقق بالنسبة لنا خلال محبة الآب الأزلية ونعمة ابنه وحيد الجنس لننال البنوة إنما هو موضع سرور لله، إذ يقول “حَسَبَ مَسَرَّةِ مَشِيئَتِهِ[5]. هنا يميز القديس يوحنا الذهبي الفم بين مشيئة الله السابقة حيث يريد بغيرة أن الكل يخلصون، وبسرور أن يهب البنوة للجميع، وبين المشيئة (السماح) الذي صار خلال إصرارنا على الشر، فنسقط تحت الهلاك. بمعنى آخر حسب مسرة الله وغيرته يود لنا البنوة والقداسة المتجلية في المحبة، لكنه لا يلزمنا قسرًا، فإن رفضنا يسقطنا تحت الهلاك بسماحٍ إلهيٍ كثمرة طبيعية لما قبلناه بإرادتنا.

سابعًا: إن كان الله في مسرة مشيئته قدم لنا هذه النعمة السماوية المجانية، فهي أيضًا: “لِمَدْحِ مَجْدِ نِعْمَتِهِ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْنَا فِي الْمَحْبُوبِ[6]. إذ تتجلى نعمته المجانية التي تمجده أمام الكل، خاصة الخليقة السماوية التي تدهش لغنى حبه نحو الإنسانية.

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارة، قائلاً:

[الآن إن كان بيّن لنا نعمته لمدح مجد نعمته، لكي يعلن نعمته، فعيلنا إذن أن نقطن فيها.

لمدح مجده” ما هذا؟ ومن هم الذين يمدحونه؟ ومن الذين يمجدونه؟ هل نحن أم الملائكة أم رؤساء الملائكة أم كل الخليقة؟ وماذا يكون هذا؟ إنه لا شيء، إذ لا يعوز الطبيعة الإلهية شيء. إذن هل يريدنا أن نمدحه ونمجده؟ إنما لكي تشتعل محبتنا له بالأكثر في داخلنا. هو لا يطلب منا شيئًا، لا خدمتنا ولا مدحنا ولا ما هو من قبيل ذلك. لا يريد سوى خلاصنا. هذه هي غاية كل ما يعمله. فإن من يمدح النعمة التي بيّنها ويُعجب بها إنما يزداد تقوى وغيرة[21]].

الآن يحدثنا عن فاعلية نعمة الله المجانية التي ننالها في المحبوب، والتي أبرزها في النقاط التالية:

أولاً: التمتع بالفداء إذ يقول:

الَّذِي فِيهِ لَنَا الْفِدَاءُ،

بِدَمِهِ غُفْرَانُ الْخَطَايَا،

حَسَبَ غِنَى نِعْمَتِهِ،

الَّتِي أَجْزَلَهَا لَنَا بِكُلِّ حِكْمَةٍ وَفِطْنَةٍ[7-8].

في القديم عني بالفداء تحرير الله لشعبه من عبودية فرعون ليقتنيه لنفسه (خر ١٥: ١٣؛ تث ٧: ٨)، أما في العهد الجديد فإننا إذ نجد لنا موضعًا في المسيح الفادي أو المحرّر يعتقنا من عبودية الخطية، غافرًا خطايانا بفيض غنى نعمته الفائقة، واهبًا إيانا مع غفران الخطايا كل حكمة سماوية وتمييز أو فطنة.

بمعنى آخر لم يعٌد المحرّر خارجًا عنا، بل فينا ونحن فيه، يحررنا لا من عبودية بشرية زمنية، بل بنعمته ينزع عنا خطايانا التي سقطنا تحت أسرها بإرادتنا، بل يزيننا بكل حكمة وفطنة، إذ يسكن فينا ويعلن جماله السماوي في حياتنا الداخلية.

أما قوله “الَّتِي أَجْزَلَهَا” فتعني العطاء المجاني بفيض، وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم عن هذه العطية الإلهية: [إنها غنى، وهي جزيلة، انسكبت علينا بقياس فائق الوصف، لا يمكن للكلمات أن تعبر عن البركات التي اختبرناها فعلاً، فهي حقًا غنى، وغنى جزيل.]

ثانيًا: التمتع بمعرفة الأسرار الإلهية، إذ يقول:

إِذْ عَرَّفَنَا بِسِرِّ مَشِيئَتِهِ،

حَسَبَ مَسَرَّتِهِ الَّتِي قَصَدَهَا فِي نَفْسِهِ،

لِتَدْبِيرِ مِلْءِ الأَزْمِنَةِ[9-10].

إن كان الغنوسيون يعتزون بالمعرفة “gnosis” حتى احتلت في فكرهم عوض الإيمان، وحسبوا أنهم بعقولهم وحدها قادرون على التمتع بالخلاص، فإن الرسول بولس يصحح الوضع معلنًا أن المسيحي الحقيقي “صاحب معرفة“، لكن على مستوى فائق، فإن الله لا يهبه فقط غفران خطاياه، وإنما يرفعه كابن لله إلي السماويات ليعلن له سرّ معرفته. ينال المعرفة gnosis كهبة إلهية وكإعلان سماوي حسب مسرة الله الذي له مقاصده التي تتحقق في ملء الأزمنة.

لعل الرسول يقصد هنا بالسرّ الذي يعلنه للمؤمنين هو على وجه الخصوص تحقيق خطة الله في ملء الأزمنة، حيث يعمل بكمال سلطانه وملئها لخلق جماعة مسكونية من المؤمنين في المسيح، مقدسة فيه.

في دراستنا لمدرسة الإسكندرية رأينا كثير من آبائها الأولين كانوا يتطلعون إلي “المعرفة الإلهية” كأثمن ما يقدمه المسيح للنفس البشرية، فإذ تتحد به كعروس مع عريسها يقدم لها ذاته فتتعرف على أسراره في حجاله السماوي. لذا يقول القديس إكليمنضس السكندري وتلميذه العلامة أوريجينوس أن هذه المعرفة هي هبة الله للكاملين.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [عجبًا! أية صداقة هذه؟! إذ يخبرنا بخفاياه، إذ يقول “بسرّ مشيئته“، لأن أحدًا يقول بأنه عرّفنا بالأشياء التي في قلبه. هنا حقًا السرّ المملوء حكمة وفطنة. فأية حكمة مثل هذه؟ الذين كانوا لا يساوون شيئًا رفعهم في لحظة إلي الغنى والفيض. أي تدبير حكيم هكذا؟! الذي كان عدوًا ومُبغضًا في لحظة ارتفع إلي العلا… هذا تم في الوقت المعين؛ إنه عمل الحكمة، تحقق بواسطة الصليب.]

ثالثًا: أن يجمع الكل فيه، قائلاً:

لِتَدْبِيرِ مِلْءِ الأَزْمِنَةِ،

لِيَجْمَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ،

مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ، فِي ذَاكَ[10].

جاءت كلمة “أزمنة” هنا Kairos لا تحمل المعنى البسيط المزمن مثل كلمة Chronos، وإنما تشير إلي حقبة جديدة يعمل الله فيها بكل سلطانه ليجمع كل شيء في المسيح، كما تحت رأس واحد.

يُسر المؤمن ليس فقط بتحريره من خطاياه، وتمتعه بالبنوة الإلهية، وإدراكه سرّ مشيئة الله، أي نواله المعرفة، وإنما أيضًا بنظره أن الكل يجتمع معًا – على مستوى الأرضيين والسمائيين – تحت قيادة الرأس المسيح. هذا هو ما يفرح قلب المؤمنين، أن تتحقق مشيئة الله خلال إتحاد الخليقة العاقلة المؤمنة، لتعيش كلها معًا بروح الوحدة تنعم بالحضرة الإلهية. فالمؤمن بثبوته في المسيح يفقد الأنانية والفردية ليتسع قلبه بالحب للجماعة كلها دون أن يفقده علاقته الشخصية بمسيحه.

يفرح المؤمن الحقيقي إذ يرى في مسيحه أنه لا يضمه وحده إليه لكنه يجمع مختاريه الأرضيين ليقيمهم شعبًا سماويًا، يشاركون العلويين حياتهم الفائقة.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [عانى السمائيون من الأرضيين، ولم يعد لهم رأس واحد. إلي ذلك الوقت كان نظام الخلقة هو أن إلهًا واحدًا فوق الجميع هو للكل، لكن انتهى نظام “البيت الواحد” حيث انتشر خطأ الأمم وسقطوا في العصيان… الآن أقام رأسًا واحدًا بعينه على الكل، أي المسيح حسب الجسد، فوق الملائكة والبشر. بمعنى آخر جعل للملائكة والبشر مملكة واحدة… جمع الكل تحت رأس واحد بعينه مقيمًا رباط الوحدة من فوق[22].]

يقدم لنا القديس يوحنا الذهبي الفم في نفس العظة تفسيرًا آخر لمعنى” لِيَجْمَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ“، إذ يقول: [جمع المسيح في نفسه التدابير التي استغرقت فترة طويلة (منذ السقوط حتى مجيئه متجسدًا) قاطعًا إياها.] بمعنى أن بمجيئه تحققت الوعود والعهود والنبوات التي طال انتظار تحقيقها.

رابعًا: الآن إذ يعلن الرسول بولس عن نعمة الله التي جمعت السمائيين مع الأرضيين كما في جسد واحد للرأس الواحد السماوي، وفيه تحققت النبوات والمواعيد التي طال انتظار تحقيقها، أراد أن يثير الأمم بالغيرة ليدركوا غنى هذه النعمة متمسكين بها كعربون للميراث الأبدي أو النصيب السماوي، إذ يؤكد أنه كيهودي قد نال بالمسيح النصيب المعين الذي سبق اليهود الأولون فترجوه، هذا النصيب بعينه يناله الأمم خلال كلمة الحق إنجيل الخلاص. فما ناله اليهود بعد انتظار طويل عبر الآباء والأنبياء لم يُحرم منه الأمم خلال قبولهم الإنجيل. هذا ما عناه الرسول بقوله:

الَّذِي فِيهِ أَيْضاً نِلْنَا (نحن اليهود) نَصِيباً،

مُعَيَّنِينَ سَابِقاً حَسَبَ قَصْدِ الَّذِي يَعْمَلُ كُلَّ شَيْءٍ حَسَبَ رَأْيِ مَشِيئَتِهِ،

لِنَكُونَ لِمَدْحِ مَجْدِهِ،

نَحْنُ الَّذِينَ قَدْ سَبَقَ رَجَاؤُنَا فِي الْمَسِيحِ.

الَّذِي فِيهِ أَيْضاً أَنْتُمْ (الذين من أصل أممي)،

إِذْ سَمِعْتُمْ كَلِمَةَ الْحَقِّ، إِنْجِيلَ خَلاَصِكُمُ،

الَّذِي فِيهِ أَيْضاً إِذْ آمَنْتُمْ خُتِنتُمْ بِرُوحِ الْمَوْعِدِ الْقُدُّوسِ،

الَّذِي هُوَ عَرْبُونُ مِيرَاثِنَا، لِفِدَاءِ الْمُقْتَنَى، لِمَدْحِ مَجْدِهِ[11-14].

يلاحظ في هذا النص الآتي:

أ. إن كان الرسول يردد – في هذا النص – كلمتي “نحن” و”أنتم”، قاصدًا بكلمة “نحن” اليهود، وكلمة “أنتم” الأمم، لكنه أكد أن اليهود وإن كانت لهم الأولوية من جهة الزمن لقبول المسيح المخلص، فإن الطرفين – اليهود والأمم – يشتركان معًا في التمتع بذات الحب الإلهي والاختيار ونعمة الله والعضوية في الجسد الواحد.

ب. كلمة “نصيب” هنا في اليونانية Kleroó تعني “يلقي قرعة[23]“، فنوالهم للعطايا الإلهية جاء ميراثًا أو نصيبًا تحقق كما بإلقاء قرعة. لعله بهذا يريد أن يسترجع اليهود إلي أيام آبائهم حين دخلوا أرض الموعد، وصار كل واحدٍ ينتصر بنواله نصيبه خلال القرعة، دون أي فضل له في الاختيار. فما حدث في القديم كان رمزًا لا قيمة له إلاَّ في الإعلان عن ميراث العهد الجديد. هنا أيضًا لا فضل للمتمتع بالنصيب في شيء بل غنى نعمة الله هي التي قدمت له هذا النصيب.

ولئلا يُظن أن ما يحدث الآن يتم اعتباطًا بكونه أشبه بإلقاء قرعة تتم دون تخطيط معين أكد الرسول أن ذلك يتحقق “حَسَبَ قَصْدِ الَّذِي يَعْمَلُ كُلَّ شَيْءٍ حَسَبَ رَأْيِ مَشِيئَتِهِ“. فما يتم الآن، إن كان لا يدّ لنا فيه/ لكنه في خطة الله السابقة ومشيئته الحكيمة نحونا.

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارة، بقوله:

[استخدم قبلاً الكلمة “اختارنا[4]، أما هنا فيقول: “نِلْنَا نَصِيباً (ميراثًا)[11]، ولما كانت القرعة مسألة مصادفة لا تتم عن اختيار مقترن بتدقيق، ولا مسألة فضيلة (إذ تُقترن القرعة غالبًا بجهل ما سنصل إليه بالصدفة، وكثيرًا ما تتخطى الفضلاء وتستقر على من لا قيمة لهم). لاحظ كيف صحح هذه النقطة بالذات، إذ يقول: “مُعَيَّنِينَ سَابِقاً حَسَبَ قَصْدِ الَّذِي يَعْمَلُ كُلَّ شَيْءٍ[11].

يمكننا أن نقول إننا لم نكن مجرد أصحاب نصيب، ولا مجرد مختارين (لأن الله هو الذي يختار)، ولا مجرد أصابتنا قرعة (لأن الله هو الذي يحدد النصيب)، وإنما تحقق الأمر “حَسَبَ قَصْدِ الَّذِي يَعْمَلُ“. هذا ما يقوله أيضًا في الرسالة إلي أهل رومية: “الذين هم مدعوون حسب قصده، لأن الذين سبق فدعاهم فهؤلاء بررهم، والذين بررهم فهؤلاء مجدهم أيضًا” (رو ٨: ٢٨ – ٣٠)… كأنه يقول: لقد ألقيت القرعة والله اختارنا، فتم كل شيء باختيار دقيق. لقد سبق فعيّن أناسًا اختارهم لنفسه وأفرزهم له. رآنا – كما من خلال القرعة – قبل أن نُولد، لأن علم الله سابق عجيب، فهو عالم بكل شيء قبل أن يبدأ كيانه[24].   

ج. إذ يتحدث عن الأمم الذين قبلوا الإيمان يقول: “فِيهِ أَيْضاً أَنْتُمْ، إِذْ سَمِعْتُمْ… إِذْ آمَنْتُمْ خُتِمْتُمْ بِرُوحِ الْمَوْعِدِ الْقُدُّوسِ[13]. فالأمم سمعوا فآمنوا ثم خُتموا. قبلوا الإيمان خلال السمع، لأن السيد المسيح ظهر بين اليهود خاصته، وخاصته رفضته، أما هؤلاء فلم يروه وإنما خلال السماع آمنوا، وإذ آمنوا نالوا عطية الروح القدس بختم روح الموعد القدوس.

خامسًا: التمتع بختم الروح كعربون للميراث الأبدي، إذ يقول:

خُتِمْتُمْ بِرُوحِ الْمَوْعِدِ الْقُدُّوسِ،

الَّذِي هُوَ عَرْبُونُ مِيرَاثِنَا،

لِفِدَاءِ الْمُقْتَنَى،

لِمَدْحِ مَجْدِهِ[13-14].

كان الختم علامة عامة عن الملكية، فكان بعض المكرسين للآلهة الوثنية أحيانًا يسِمون أنفسهم بعلامة في جسدهم تحمل اسم الإله الذي ينتمون إليه ويحتمون فيه. العماد بالروح هو العلامة المنظورة (الختم) لعدم الفساد في المسيح[25]. وقد سبق لنا الحديث في هذا الشأن[26]، حيث قدمنا مقتطفات لبعض أقوال الآباء عن المعمودية كختم، كعلامة الدخول في ملكية الله، والدخول تحت حمايته، والدخول في الجندية الروحية، والامتثال بالسيد المسيح، وأخيرًا كختم روحي أبدي لا يمكن أن ينفك.

في العهد القديم كان الختان الجسدي هو الختم كعلامة للعضوية في شعب الله، وبالتالي الدخول في ملكية الله، كقول الكتاب: “إن قسم الرب هو شعبه، يعقوب جبل نصيبه” (تث ٣٢: ٩).

  • أثناء العماد، عندما تأتي إلي حضرة الأساقفة أو الكهنة أو الشمامسة… اقترب إلي خادم العماد ولا تفكر في الوجه المنظور بل تذكر الروح القدس، هذا الذي نتكلم عنه الآن، لأنه حاضر ليختم نفسك. إنه سيهبك الختم الذي يرعب الأرواح الشريرة، وهو ختم سماوي مقدس، كما هو مكتوب: “الذي فيه أيضًا (إذ آمنتم) ختمتم بروح الموعد القدوس”[27].

القديس كيرلس الأورشليمي

  • كما يطبع المالك على قطيعه علامة خاصة يتعرف بها عليه، خلالها تظهر أنها ملك له، هكذا يختم الروح القدس من له في المعمودية بواسطة مسحة الزيت المقدس التي يتقبلونها في العماد[28].

القديس مار افرآم السرياني

  • النفس التي لم تستتر ولا تجملت بنعمة الميلاد الجديد، لا أعرف إن كانت الملائكة تتقبلها بعد تركها الجسد! حقًا إنهم لا يستطيعون أن يتقبلوها ما دامت لا تحمل الختم Asphragiston، ولا أي علامة خاصة بمالكها. حقًا إنها تصير محمولة في الهواء، وتتجول بغير راحة، دون أن يتطلع إليها أحد، إذ هي بلا مالك. إنها تطلب الراحة فلا تجدها؛ تصرخ باطلاً، وتندم بلا فائدة[29].

القديس غريغوريوس النيسي

  • كما يُطبع الختم على الجند هكذا يُطبع الروح القدس على المؤمنين[30].

القديس يوحنا الذهبي الفم

3. شفاعة الرسول لنوال المعرفة

بعد أن قدم الرسول هذه التسبحة الكنسية، التي تحمل “سرّ المسيح”، فتكشف عن فيض عمل الله المجاني في جمع الكل – يهودًا كانوا أم أممًا – لتحقق فيهم مقاصد الله الآب في المسيح يسوع، ويصير الكل شعبًا واحدًا مقدسًا، وجسدًا للرأس، وأبناءً للآب في الابن المحبوب، الآن يقدم الرسول صلواته وشفاعته لدى الله عن مخدوميه ليهبهم استنارة روحية، فيفتح عيون قلوبهم ويدركوا بحق “سرّ المسيح”، فتكون لهم “المعرفة” الحقيقية.

ولئلا يظنوا أنه إذ يصلي عنهم في هذا الشأن يعني عدم إيمانهم أو عدم معرفتهم، قال:

لِذَلِكَ أَنَا أَيْضاً إِذْ قَدْ سَمِعْتُ بِإِيمَانِكُمْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ،

وَمَحَبَّتِكُمْ نَحْوَ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ،

لاَ أَزَالُ شَاكِراً لأَجْلِكُمْ،

ذَاكِراً إِيَّاكُمْ فِي صَلَوَاتِي[15-16].

نلاحظ في هذا النص:

أولاً: يبرز الرسول كعادته الجوانب الطيبة، فلا يتجاهل إيمانهم ومحبتهم لذا بفرح يشكرهم… إنه يصلي من أجلهم لأجل الاستزادة. حقًا ما أحوج الكنيسة إلي رعاة كالقديس بولس الذي يسند ويعين ببث روح الرجاء بفرح، دون توقف عن الصلاة من أجل الرعية للنمو على الدوام في النعمة والمعرفة.

  • لم يكن يوجد ما يعادل حنين الرسول، ولا ما يشبه حنو وعواطف بولس الطوباوي، الذي قدم كل صلاة من أجل جميع الأمم والشعوب، حيث كتب نفس الكلمات للجميع: “لا أزال شاكرًا إلهي من أجلكم، ذاكرًا إياكم في صلواتي” (رو ١: ٩؛ ١ كو ١: ٤؛ في ١: ٣، 4؛ كو ١: ٣؛ ١ تس ١: ٢).

تأمل كيف كانوا في ذهنه، إذ يحتاج الأمر إلي تعب لتذكرهم. ما أكثر الذين كان يذكرهم في صلواته، مقدمًا الشكر لله من أجل جميعهم[31].

القديس يوحنا الذهبي الفم

ثانيًا: يربط الرسول بولس بين الإيمان بالرب يسوع والمحبة نحو جميع القديسين، فعضويتنا في المسيح لا تنفصل عن عضويتنا في الكنيسة، إيماننا بالرأس يجب أن يُترجم عمليًا بالحب لجميع القديسين.

هذا من جانب، ومن جانب آخر، إذ يربط الإيمان بالمحبة، إنما يود تأكيد الإيمان الحيّ العامل حتى لا يكون إيمانًا ميتًا خلال عقمه…

  • في كل المناسبات يقرن الإيمان بالمحبة كزوجين مجيدين[32].

القديس يوحنا الذهبي الفم

ماذا يطلب في صلواته عنهم؟

أولاً:كَيْ يُعْطِيَكُمْ إِلَهُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَبُو الْمَجْدِ، رُوحَ الْحِكْمَةِ وَالإِعْلاَنِ فِي مَعْرِفَتِهِ[17].

يطلب لهم “روح الحكمة“، كما يطلب لهم “الإعلان في معرفته“. لم يقل “في معرفة أسراره”، وإنما “في معرفته” هو، إذ يشتاق أن يدركوه هو شخصيًا ويتعرفوا عليه ككائن يتحدون معه. نحن نحتاج أن يهبنا الله روح الحكمة والمعرفة، فإن كان قد وهبنا العقل من عندياته، لكننا إن سلكنا بالعقل وحده دون الالتجاء إلي الله ننحرف عن الحكمة والمعرفة الحقة.

ثانيًا: “مُسْتَنِيرَةً عُيُونُ أَذْهَانِكُمْ، لِتَعْلَمُوا مَا هُوَ رَجَاءُ دَعْوَتِهِ، وَمَا هُوَ غِنَى مَجْدِ مِيرَاثِهِ فِي الْقِدِّيسِينَ، وَمَا هِيَ عَظَمَةُ قُدْرَتِهِ الْفَائِقَةُ نَحْوَنَا نَحْنُ الْمُؤْمِنِينَ، حَسَبَ عَمَلِ شِدَّةِ قُوَّتِهِ[18-19].

يطلب من أجل استنارة عيونهم الداخلية، أي تكون لهم البصيرة الروحية القادرة أن ترى الله بالإيمان وتتمسك بمواعيده، وتدرك غنى مجد ميراثه المُعد للقديسين فتمتلىء النفس رجاءً وتتشدد بالقوة الإلهية.

  • يحوي القلب العيون التي تنظر الله… إنها تستنير الآن بالإيمان، الأمر الذي يناسب ضعفها، أما فيما بعد فتستنير برؤية الله إذ تكون قوية. “فإذًا… ونحن مستوطنون في الجسد فنحن متغربون عن الرب، لأننا بالإيمان نسلك لا بالعيان” (١ كو ٥: ٦، ٧)[33].

القديس أغسطينوس

تسمى المعمودية “سرّ الاستنارة” كقول الرسول بولس: “الذين استنيروا مرة” (عب ٦: ٤)، إذ خلالها تفتح بصيرتنا الداخلية بنور الروح القدس لندرك الأمور الثلاثة المذكورة هنا:

أ. نعلم ما هو رجاء دعوته، فإننا إذ ندخل إلي العضوية في جسد المسيح بالمعمودية نعلم – بالخبرة الحية – دعوته لنا لنكون أبناء الآب وورثة مع المسيح فيمتليء قلبنا رجاءً فيه.

ب. غنى مجد ميراثه في القديسين. بالمعمودية ننعم بعربون الميراث الأبدي المُعد لقديسين، خلاله نختبر الغنى الأبدي غير المنطوق به.

ج. عظمة قدرته الفائقة نحونا نحن المؤمنين حسب عمل شدة قوته. إذ بالمعمودية يقيمنا كما من الموت، ويهبنا البنوة لله واهب الحياة …

  • الاستنارة وهي المعمودية… هي معينة الضعفاء… مساهمة النور… إنتفاض الظلمة.

الاستنارة مركب يسير تجاه الله، مسايرة المسيح، أُس الدين، تمام العقل!

الاستنارة مفتاح الملكوت واستعادة الحياة…

نحن ندعوها عطية، وموهبة، ومعمودية، واستنارة، ولباس الخلود وعدم الفساد، وحميم الميلاد الثاني، وخاتمًا، وكل ما هو كريم[34].

القديس غريغوريوس النزينزي

إن كنا بالمعمودية نلنا الاستنارة يمتلىء قلبنا رجاءً ونتلمس غنى مجد ميراثه، وندرك عظمة قدرته الفائقة نحونا نحن المؤمنين حسب عمل شدة قوته، فإن هذه الاستنارة لا تُعطى في المعمودية بطريقة جامدة وساكنة، إنما تُعطى لكي تتجدد أذهاننا يومًا فيومًا لندخل إلي أعماق جديدة يوميًا خلال إيماننا العامل بالمحبة، وجهادنا بنعمته المجانية الفائقة. لهذا لا يكف الرسول عن أن يصلي من أجل من يكتب إليهم – والذين بلا شك نالوا سرّ العماد – لكي لا تتوقف عطية الله هذه بل تبقى منسكبة بفيض لا ينقطع.

إذ يتأمل القديس يوحنا الذهبي الفم هذه العطية الإلهية يجدها فائقة للغاية لا يمكن للغة البشرية لا أن يعبر عنها. لهذا نقول إننا نبقى نطلب من الله أن يعمل فينا على الدوام لننعم بهذه العطية لعلنا نبلغ كمالها.

ثالثًا: “الَّذِي عَمِلَهُ فِي الْمَسِيحِ، إِذْ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، وَأَجْلَسَهُ عَنْ يَمِينِهِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ، فَوْقَ كُلِّ رِيَاسَةٍ وَسُلْطَانٍ وَقُوَّةٍ وَسِيَادَةٍ، وَكُلِّ اسْمٍ يُسَمَّى لَيْسَ فِي هَذَا الدَّهْرِ فَقَطْ، بَلْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ أَيْضاً[20-21].

يكشف لنا عن عمل الآب في الابن المتجسد لحسابنا، إذ أقامه وأجلسه وأخضع كل شيء تحت قدميه ]٢٢[… وهو لا زال يعمل هذا في جسده الذي هو الكنيسة، يقيمنا ويجلسنا في السماويات ويخضع كل شيء تحت أقدامنا. هكذا يؤكد السيد المسيح: “أبي يعمل حتى الآن” (يو ٥: ١٧).

هذا العمل مستمر ودائم، لا يقدر شيء ما أن يوقفه حتى يتحقق جسد المسيح، أي الكنيسة في ملئها، ويكمل المختارون.

يتطلع المؤمن إلي كلمة الله الذي بتجسده نزل إلينا وصار كواحدٍ منا، إذ أُقيم من الأموات (في طاعة الآب مات وقام، لكن بقوة لاهوته وليس كعطية مستمدة من الغير) وأُجلس عن يمينه في السماوات وصار فوق كل رئاسة. إنما حدث هذا كله لحسابنا، أي لحساب كل مؤمن، فينعم بهذه الإمكانيات “في المسيح”، أي خلال ثبوته فيه كعضو في جسده.

هذا وقد حمل النص: “وَإِيَّاهُ جَعَلَ رَأْساً فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ لِلْكَنِيسَةِ[22] رجاءً حقيقيًا في قلب الكنيسة أن الله لابد أن يتمم مشورته، وأن عمل المسيح في الكنيسة لابد أن يتحقق ويكمل ليعلن المسيح رأسًا للمختارين. هذا الرجاء عاشته الكنيسة الأولى وسط العقبات والإضطهادات، وقد عبّر عنه كثير من الآباء من بينهم القديس إيريناؤس، حين قال: [لابد أن يجتذب كل شيء إليه في الوقت المناسب[35].]

بقوله “ لِلْكَنِيسَةِ” يعني أن ما تحقق للرأس إنما هو لحساب الكنيسة، لذا يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم، قائلاً: [إنه لأمر مذهل أيضًا، إلي أين رُفعت الكنيسة؟! إنه كمن رفعها بآلة وأقامها في أقصى الأعالي، وجعلها على العرش هناك، فإنه حيث يوجد الرأس يكون الجسد أيضًا. لا انعزال بعد أو فُرقة بين الرأس والجسد… لقد هيأ كل جنس البشر عامة أن يتبعه ويلتصق به ويصحبه في ركبه. “الَّتِي هِيَ جَسَدُهُ“؛ (يقول هذا) لكي إذ تسمعون عن الرأس لا تفكرون في فكرة الرئاسة فحسب، وإنما في الثبوت فيه أيضًا، فلا تتطلعون إليه فقط كقائدٍ سامٍ وإنما كرأسٍ لجسد أيضًا[36]].

[1] Jerome Biblical Commentary, p 343.

[2] The Anchor Bible, p 65.

[3] Jerome Bib. 343.

[4] الرسالة إلي أفسس، عظة ١، قام قداسة القمص مرقس داود بترجمة عشر عظات من تفسير القديس يوحنا الذهبي الفم لهذه الرسالة، وقد استعنت أحيانًا به مع الرجوع لنصوص أخرى..

[5] The Anchor Bible, p 67.

[6] Jerome Bib. 343.

[7] للمؤلف: القديس بولس الرسول ومنهجه الإنجيلي …، ص ٣٠، ٣١..

[8] Jerome Biblical Commentary, p 343.

[9] In Eph. hom 1.

[10] Stromata 2: 4; 3: 7.

[11] Strom. 2: 6.

[12] Comm. Rom 22 on 4: 4.

[13] Contra Celsus 4: 3.

[14] In Eph. hom 1.

[15] In Eph. hom 1.

[16] Ibid.

[17] Ibid.

[18] Ser. on N.T. 67: 9.

[19] Ibid 89: 1.

[20] In Eph. hom 1.

[21] In Eph. hom 1.

[22] Ibid.

[23] Anchor Bible, p 92.

[24] In Eph. hom 2.

[25] Jerome Bible, p 344.

[26] للمؤلف: الروح القدس بين الميلاد الجديد والتجديد المستمر، طبعة ١٩٨١، ص ٦٢: ٦٨..

[27] Cat. Lect. 17: 15.

[28] Enchir. Patr. 712

[29] P.G. 46: 424 C.

[30] P.G. 61: 418.

[31] In Eph. hom 3.

[32] Ibid.

[33] Ser. on N.T. 3: 6.

[34] للمؤلف: الحب الإلهي، الإسكندرية، 1967، ص ٨٥٥ – ٨٥٦.

[35] Adv. Hear 3: 16: 6.

[36] In Eph. hom 3.

 

تفسير رسالة أفسس 1 الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

كتاب تفسير رسالة أفسس – القمص أنطونيوس البرموسي

كتاب تفسير رسالة أفسس – القمص أنطونيوس البرموسي

كتاب تفسير رسالة أفسس – القمص أنطونيوس البرموسي

كتاب تفسير رسالة أفسس – القمص أنطونيوس البرموسي

 

تحميل الكتاب

 

Exit mobile version